تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الأول


[ 2 ]

مقدمات الكتاب

المقدمة الأولى والثانية

مقدمة المؤلف للكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي هدانا بواضح الدليل إلى سبيل معادن العلم والتأويل، وسقانا بكأس رحيق السلسبيل من زلال عيون الوحي والتنزيل، وعرج بنا إلى معارج الهداية والدراية. وفتح لنا مغلقات الاحكام بمحكمات الآية والرواية، وشرح لنا مبهمات الحلال والحرام بلامعات الولاية الدامغة لدلهمات الغواية. والصلاة على مؤسس قواعد الدين بالقواعد الباهرة والبراهين. وآله الرافعين لاعلام ما اسس والمشيدين، صلاة توجب لنا الفوز بجوارهم في أعلى عليين.

(أما بعد) فيقول الفقير إلى ربه الكريم، والمتعطش إلى فيض جوده العميم يوسف بن احمد بن ابراهيم اصلح الله تعالى له أمر داريه، ورزقه حلاوة نشأتيه، وثبته بالامر الثابت لديه. ووفقه لتدارك ذنوبه قبل أن يخرج الامر من يديه، وألحقه بائمته مع جملة ولده وإخوانه ووالديه: اني كثيرا ما تشوقت نفسي إلى تأليف كتاب جامع للاحكام الفقهية المذيلة بالاخبار النبوية والآثار المعصومية، مشتمل على امهات المسائل وما يتبعها من الفروع المرتبطة بالدلائل. فيعوقني عن ذلك تلاطم امواج الفتن والغارات، وتزاحم افواج المحن والشتات. وتراكم حنادس عوائق الزمان، وتصادم


[ 3 ]

بوائق الحدثان، وانجذام يد الدين المنيف، وخمود صيت الشرع الشريف، في كل ناحية ومكان. وتشتت اهاليه في اقاصي البلدان، بل اضمحلال الفضلاء منهم والاعيان، حتى لقد اصبحت عرصات العلم دارسة الآثار، ومنازله مظلمة الاقطار، وعفت اطلاله ومعالمه، وخلت دياره ومراسمه.

خلت من أهاليها الكرام واقفرت فساحتها تبكي عليهم تلهفا

واوحش ربع الانس بالانس بعدهم كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا

ولم تبق في ساحتها إلا قوم ببلدح عجفى

ولا من عرصاتها إلا دمنة لم تكلم من ام أوفى

وكنت ممن رمته أيدي الحوادث في الديار العجمية، وقذفته في تلك الاقطار منجنيق الرزية، على ما هي عليه من ترادف البلايا بلية اثر بلية، واضمحلال اسم الشرع فيها بالكلية، وتلبس الاغبياء بلباس الافاضل. وتصدر الجهلاء لافتاء المسائل. فلم تزل تترامي بي اقطارها فأطوي هناك المراحل، وأقصد اليم فتقذفني الامواج إلى الساحل

يوما بحزوى ويوما بالعقيق وبالعذيب يوما ويوما بالخليصاء

حتى انخت ركابي بدار العلم شيراز. ومن الله تعالى بالاكرام فيها والاعزاز، فبقيت فيها برهة من السنين مع جملة الاهل والبنين. في أرغد عيش واصفاه، وأهنأ شراب وأوفاه، مشتغلا بمدارسة العلوم الدينية. وممارسة الاخبار المعصومية، فخطر بي ذلك الخاطر القديم. وناداني المنادي ان يا ابراهيم، فبقيت اقدم رجلا واؤخر اخرى. وارى ان التقديم أحق وأحرى، فكم استنهضت مطي العزم على السير فلم تساعد. وبئس السير على ذلك العير الغير المساعد. إلا اني قد ابرزت ضمن تلك المدة جملة من الرسائل في قالب التحقيق. ونمقت شطرا من المسائل على نمط انيق وطرز رشيق، حتى عصفت بتلك البلاد ريح عاصف حتت الورق، وفرقت من عقد نظامها ما اتسق. ولعبت بها أيدي الحوادث التي لا تنيم ولا تنام، وسقت أهلها من مرير علقهما كؤوس الحمام، قتلا وسلبا وأسرا وهتكا، كأنهم


[ 4 ]

ممن خلع ربقة الاسلام، واستبدل بها عبادة الاوثان والاصنام، وحيث من الله تعالى بمزيد كرمه بالسلامة من تلك الاخطار، والنجاة من أيدي اولئك الاشرار، ركبت الفرار إلى بعض النواحي، واغمضت عن عذل العذال واللواحي، واتخذت العزلة عن اشباه الناس وطنا، والوحدة من الدنفاس سكنا، وفي ذلك سلامة الدنيا والدين، والفوز بسعادة الحق واليقين، وضربت صفحا عن الطموح إلى زهرة هذه الدار، وطويت كشحا دون النظر إلى ما اسدته الاقدار، من الباس حلل اليسار أو اطمار الاعسار. وثوقا بضامن الارزاق والمعطي على قدر الاستحقاق، وعند ذلك هجس بفكري ما كنت أتمناه من ذلك الكتاب، وان هذه الخلوة أعز من أن تصرف في غير هذا الباب، ورأيت انتهاز الفرصة فانها تمر مر السحاب، ولم يثن عزمي قلة الطلاب، ولا إشراف شموس الفضل على الغياب، بل صار ذلك أقوى سبب لي على القدوم، لما استفاض عن سدنة الحي القيوم من الحث الاكيد ومزيد التأكيد في إحياء هذا الدين ونشر شريعة سيد المرسلين، وعسى الله سبحانه أن ينفع به بعض الاخوان المؤمنين، والخلان الطالبين للحق واليقين، وقد سميته ب‍ (كتاب الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة) واليه سبحانه أرغب في التوفيق سيما للاتمام والعصمة من زلل اقدام الاقلام في ميادين الاحكام، إنه تعالى أكرم من رغب إليه واكفى من توكل عليه.

وقد رأيت أن أبدأ أولا بتمهيد جملة من المقدمات التي يتوقف عليها الاستدلال، ويرجع إليها في تحقيق الاحوال، ليكون كتابنا هذا كافلا بتحقيق ما يحتاج إليه من اصول وفروع، مغنيا عن الافتقار إلى غيره والرجوع.


[ 5 ]

المقدمة الأولى

غير خفي - على ذوي العقول من أهل الايمان وطالبي الحق من ذوي الاذهان - ما بلي به هذا الدين من اولئك المردة المعاندين بعد موت سيد المرسلين، وغصب الخلافة من وصيه أمير المؤمنين، وتواثب اولئك الكفرة عليه، وقصدهم بانواع الاذى والضرر إليه، وتزايد الامر شدة بعد موته صلوات الله عليه، وما بلغ إليه حال الائمة صلوات الله عليهم من الجلوس في زاوية التقية، والاغضاء على كل محنة وبلية. وحث الشيعة على استشعار شعار التقية، والتدين بما عليه تلك الفرقة الغوية، حتى كورت شمس الدين النيرة، وخسفت كواكبه المقمرة، فلم يعلم من أحكام الدين على اليقين إلا القليل، لامتزاج اخباره باخبار التقية، كما قد اعترف بذلك ثقة الاسلام وعلم الاعلام (محمد بن يعقوب الكليني نور الله تعالى مرقده) في جامعه الكافي، حتى انه (قدس سره) تخطأ العمل بالترجيحات المروية عند تعارض الاخبار، والتجأ إلى مجرد الرد والتسليم للائمة الابرار. فصاروا صلوات الله عليهم - محافظة على انفسهم وشيعتهم - يخالفون بين الاحكام وان لم يحضرهم أحد من اولئك الانام، فتراهم يجيبون في المسألة الواحدة باجوبة متعددة وان لم يكن بها قائل من المخالفين، كما هو ظاهر لمن تتبع قصصهم واخبارهم وتحدى (2) سيرهم وآثارهم. وحيث ان اصحابنا رضوان الله عليهم خصوا الحمل على التقية بوجود قائل من العامة، وهو خلاف ما أدى إليه الفهم الكليل والفكر العليل من اخبارهم صلوات الله عليهم، رأينا أن نبسط الكلام بنقل جملة من الاخبار الدالة على ذلك، لئلا يحملنا الناظر على مخالفة الاصحاب من غير دليل، وينسبنا إلى الضلال والتضليل. فمن ذلك ما رواه في الكافي (1) في الموثق عن زرارة عن ابي جعفر عليه السلام قال: (سألته عن مسألة فأجابني، ثم جاءه رجل فسأله عنها فاجابه بخلاف ما اجابني، ثم جاء رجل آخر فاجابه بخلاف ما أجابني واجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت:


(1) في باب اختلاف الحديث. (2) (حدى الشئ وتحداه) تحدية وتحديا: تعمده. أقرب الموارد.


[ 6 ]

يا ابن رسول الله رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان، فاجبت كل واحد منهما بغير ما اجبت به صاحبه ؟ فقال: يا زرارة ان هذا خير لنا وابقى لكم. ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا ولكان أقل لبقائنا وبقائكم. قال: ثم قلت لابي عبد الله عليه السلام: شيعتكم لو حملتموهم على الاسنة أو على النار لمضوا وهم يخرجون من عندكم مختلفين، قال: فأجابني بمثل جواب ابيه). فانظر إلى صراحة هذا الخبر في اختلاف اجوبته عليه السلام في مسألة واحدة في مجلس واحد وتعجب زرارة، ولو كان الاختلاف إنما وقع لموافقة العامة لكفى جواب واحد بما هم عليه، ولما تعجب زرارة من ذلك، لعلمه بفتواهم عليهم السلام احيانا بما يوافق العامة تقية، ولعل السر في ذلك أن الشيعة إذا خرجوا عنهم مختلفين كل ينقل عن امامه خلاف ما ينقله الآخر، سخف مذهبهم في نظر العامة، وكذبوهم في نقلهم. ونسبوهم إلى الجهل وعدم الدين، وهانوا في نظرهم، بخلاف ما إذا اتفقت كلمتهم وتعاضدت مقالتهم، فانهم يصدفونهم ويشتد بغضهم لهم ولامامهم ومذهبهم، ويصير ذلك سببا لثوران العداوة، والى ذلك يشير قوله عليه السلام: (ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا... الخ). ومن ذلك ايضا ما رواه الشيخ في التهذيب (1) في الصحيح - على الظاهر - عن سالم أبي خديجة عن أبي عبد الله (ع) قال: (سأله انسان وأنا حاضر فقال: ربما دخلت المسجد وبعض اصحابنا يصلي العصر، وبعضهم يصلي الظهر ؟ فقال: أنا امرتهم بهذا، لو صلوا على وقت واحد لعرفوا فاخذ برقابهم) وهو أيضا صريح في المطلوب، إذ لا يخفى أنه لا تطرق للحمل هنا على موافقة العامة، لاتفاقهم على التفريق بين وقتي الظهر والعصر ومواظبتهم على ذلك.


في باب المواقيت.


[ 7 ]

وما رواه الشيخ في كتاب العدة (1) مرسلا عن الصادق عليه السلام: انه (سئل عن اختلاف أصحابنا في المواقيت ؟ فقال: انا خالفت بينهم). وما رواه في الاحتجاج (2) بسنده فيه عن حريز عن ابي عبد الله (ع) قال: (قلت له: انه ليس شئ أشد علي من اختلاف اصحابنا. قال ذلك من قبلي). وما رواه في كتاب معاني الاخبار (3) عن الخزاز عمن حدثه عن ابي الحسن (ع) قال: (اختلاف اصحابي لكم رحمة وقال (ع): إذا كان ذلك جمعتكم على امر واحد). وسئل عن اختلاف اصحابنا فقال عليه السلام: (انا فعلت ذلك بكم ولو اجتمعتم على أمر واحد لاخذ برقابكم). وما رواه في الكافي (4) بسنده فيه عن موسى بن اشيم قال: (كنت عند ابي عبد الله عليه السلام فسأله رجل عن آية من كتاب الله عزوجل فاخبره بها ثم دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية فاخبره بخلاف ما أخبر به الاول. فدخلني من ذلك ما شاء الله، إلى أن قال: فبينما أنا كذلك إذ دخل عليه آخر فسأله عن تلك الآية فاخبره بخلاف ما اخبرني واخبر صاحبي. فسكنت نفسي وعملت ان ذلك منه تقية. قال: ثم التفت إلي فقال: يا ابن اشيم ان الله عزوجل فوض إلى سليمان بن داود فقال: هذا عطاؤنا فامنن أو امسك بغير حساب. وفوض إلى نبيه صلى الله عليه وآله


(1) في مبحث الخبر الواحد. (2) هذا الحديث مذكور في العلل باب 131 (العلة التى من اجلها حرم الله الكبائر) ولم ينقله المجنسى في البحار إلا عن العلل. (3) هذا الحديث مذكور في العلل في الباب المتقدم ولم ينقله المجلسي في البحار إلا عن العلل. (4) في باب التفويض إلى رسول الله صلى الله عليه وآله والى الائمة (ع) في أمر الدين.


[ 8 ]

فقال: ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا. فما فوض إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقد فوضه الينا). ولعلك بمعونة ذلك تعلم ان الترجيح بين الاخبار بالتقية - بعد العرض على الكتاب العزيز - أقوى المرجحات. فان جل الاختلاف الواقع في اخبارنا بل كله عند التأمل والتحقيق إنما نشأ من التقية (1) ومن هنا دخلت الشبهة على جمهور متأخري اصحابنا رضوان الله عليهم، فظنوا ان هذا الاختلاف إنما نشأ من دس أخبار الكذب في اخبارنا، فوضعوا هذا الاصطلاح ليميزوا به صحيحها عن سقيمها وغثها من سمينها، وقوى الشبهة فيما ذهبوا إليه شيئان: (أحدهما) رواية مخالف المذهب وظاهر الفسق والمشهور بالكذب من فطحي وواقفي وزيدي وعامي وكذاب وغال ونحوهم. و (ثانيهما) ما ورد عنهم عليهم السلام من ان لكل رجل منا رجلا يكذب عليه وامثاله مما يدل على دس بعض الاخبار الكاذبة في احاديثهم عليهم السلام، ولم يتفطنوا نور الله ضرائحهم إلى ان هذه الاحاديث التي بايدينا إنما وصلت بعد أن سهرت


(1) اقول: وقد وفق الله تعالى إلى الوقوف على كلام للمحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) يطابق ما سنح لنا في هذه المقالة، حيث قال في تعليقاته على كتاب المدارك في بحث البئر في بيان السبب في اختلاف اخبار النزح ما لفظه: واما الروايات المختلفة المتضمنة للنزح ففى سبب اختلافها احتمالات، وذلك لتضمن كثير من الروايات انه من انواع التقية صدرر أجوبة مختلفة عنهم عليهم السلام في مسألة واحدة لئلا يثبت عليهم قول واحد، ولنص كثير منها ان خصوصيات كثير من الاحكام مفوضة إليهم عليهم السلام كما كانت مفوضة إليه صلى الله عليه وآله، ليعلم المسلم لامرهم من غيره. إلى آخر كلامه خصه الله بمزيد اكرامه. وانى سابقا كان يكثر تعجبي من عدم اهتداء احد سيما من المحدثين إلى ما ذكرنا. حتى وفق الله سبحانه للوقوف على هذا الكلام. وما ذكره (قدس سره) من خروج بعض الاختلافات عنهم (ع) من باب التفويض يدل عليه من الاخبار المذكورة هنا خبر موسى بن اشيم (منه رحمه الله).


[ 9 ]

العيون في تصحيحها وذابت الابدان في تنقيحها، وقطعوا في تحصيلها من معادنها البلدان، وهجروا في تنقيتها الاولاد والنسوان، كما لا يخفى على من تتبع السير والاخبار، وطالع الكتب المدونة في تلك الآثار، فان المستفاد منها - على وجه لا يزاحمه الريب ولا يداخله القدح والعيب - انه كان دأب قدماء اصحابنا المعاصرين لهم (عليهم السلام) إلى وقت المحمدين الثلاثة في مدة تزيد على ثلثمائة سنة ضبط الاحاديث وتدوينها في مجالس الائمة، والمسارعة إلى اثبات ما يسمعونة خوفا من تطرق السهو والنسيان، وعرض ذلك عليهم، وقد صنفوا تلك الاصول الاربعمائة المنقولة كلها من اجوبتهم (عليهم السلام) وانهم ما كانوا يستحلون رواية ما لم يجزموا بصحته، وقد روي أنه عرض على الصادق (ع) كتاب عبيد الله بن علي الحلبي فاستحسنه وصححه، وعلى العسكري (ع) كتاب يونس بن عبد الرحمن وكتاب الفضل بن شاذان فاثنى عليهما، وكانوا (عليهم السلام) يوقفون شيعتهم على أحوال اولئك الكذابين، ويأمرونهم بمجانبتهم، وعرض ما يرد من جهتهم على الكتاب العزيز والسنة النبوية وترك ما خالفهما. فروى الثقة الجليل أبو عمرو الكشي في كتاب الرجال (1) باسناده عن محمد ابن عيسى بن عبيد عن يونس بن عبد الرحمن: ان بعض أصحابنا سأله وأنا حاضر فقال: يا أبا محمد ما أشدك في الحديث وأكثر إنكارك لما يروية أصحابنا، فما الذي يحملك على رد الحديث (2) ؟ فقال: حدثني هشام بن الحكم انه سمع أبا عبد الله (ع) يقول: " لا تقبلوا علينا حديثا إلا ما وافق القرآن والسنة أو تجدون معه شاهدا من أحاديثنا المتقدمة، فان المغيرة بن سعيد (لعنه الله) دس في كتب (3) أبي أحاديث لم يحدث بها أبي، فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وآله " قال يونس: وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب ابي جعفر ووجدت أصحاب


(1) في احوال المغيرة بن سعيد. (2، 3) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المطبوعة والمخطوطة، وفى رجال الكشي (رد الاحاديث) و (كتب أصحاب ابى).


[ 10 ]

أبي عبد الله (ع) متوافرين، فسمعت منهم، وأخذت كتبهم وعرضتها من بعد على ابي الحسن الرضا (ع)، فانكر منها أحاديث كثيرة ان تكون من احاديث أبي عبد الله، وقال: " ان أبا الخطاب كذب على ابي عبد الله (ع) لعن الله أبا الخطاب وكذلك اصحاب أبي الخطاب يدسون هذه الاحاديث إلى يومنا هذا في كتب اصحاب ابي عبد الله (ع)، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فانا ان تحدثنا بموافقة القرآن وموافقة السنة، انا عن الله وعن رسوله نحدث ولا نقول قال فلان وفلان فيتناقض كلامنا، ان كلام آخرنا مثل كلام أولنا. وكلام أولنا مصداق لكلام آخرنا، فإذا أتاكم من يحدثكم بخلاف ذلك فردوه عليه وقولوا أنت أعلم وما جئت به، فان لكلامنا حقيقة وعليه نورا، فمالا حقيقة له ولا عليه نور فذلك قول الشيطان ". أقول: فانظر - أيدك الله تعالى - إلى ما دل عليه هذا الحديث من توقف يونس في الاحاديث واحتياطه فيها. وهذا شأن غيره ايضا كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى، وأمرهم (عليهم السلام) بعرض ما يأتي من الاخبار من غير المؤتمن على الكتاب والسنة تحرزا من تلك الاحاديث المكذوبة، فهل يجوز في العقول السليمة والطباع المستقيمة ان مثل هؤلاء الثقات العدول إذا سمعوا من أئمتهم مثل هذا الكلام ان يستحلوا بعد ذلك نقل ما لا يثقون بصحته ولا يعتمدون على حقيقته. بل من المقطوع والمعلوم عادة من أمثالهم انهم لا يذكرون ولا يروون في مصنفاتهم إلا ما اتضح لهم فيه الحال وانه في الصدق والاشتهار كالشمس في رابعة النهار كما سمعت من حال يونس، وهذا كان دأبهم (عليهم السلام) في الهداية لشيعتهم. يوقفونهم على جميع ما وقع وما عسى أن يقع في الشريعة من تغيير وتبديل، لانهم (صلوات الله عليهم) حفاظ الشريعة وحملتها وضباطها وحرستها. ولهم نواب فيها من ثقات اصحابهم وخواص رواتهم، يوحون إليهم أسرار الاحكام، ويوقفونهم على غوامض كل حلال وحرام، كما قد روى ذلك باسانيد عديدة، على ان المفهوم من جملة من تلك الاخبار ان تلك الاحاديث المكذوبة


[ 11 ]

كلها كانت من أحاديث الكفر والزندقة والاخبار بالغرائب. فمن ذلك ما رواه في الكتاب المتقدم (1) عن يونس عن هشام بن الحكم: انه سمع أبا عبد الله (ع) يقول: " كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على ابي ويأخذ كتب أصحابه، وكان اصحابه المستترون باصحاب ابي يأخذون الكتب من اصحاب ابي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدس فيها كتب الكفر والزندقة ويسندها إلى ابي (عليه السلام)، ثم يدفعها إلى أصحابه ويأمرهم أن يبثوها في الشيعة. فكل ما كان في كتب اصحاب ابي (عليه السلام) من الغلو فذاك مما دسه المغيرة بن سعيد في كتبهم " وباسناده عن حماد عن حريز قال - يعني أبا عبد الله (ع) -: ان أهل الكوفة لم يزل فيهم كذاب، اما المغيرة بن سعيد فانه يكذب على ابي - يعني أبا جعفر (عليه السلام) - قال: حدثه ان نساء آل محمد (صلى الله عليه وآله) إذا حضن قضين الصلاة. وكذب والله ما كان من ذلك شئ ولا حدثه. واما أبو الخطاب فكذب علي وقال: اني امرته هو واصحابه ان لا يصلي المغرب حيت يروا الكواكب... " الحديث. على ان مقتضى الحكمة الربانية وشفقة الائمة (صلوات الله عليهم) على من في اصلاب الرجال من شيعتهم تمنع من ان يتركوهم هملا يمشون على غير طريق واضح ولا منار لائح، فلا يميزون لهم الغث من السمين، ولا يهدونهم إلى جادة الحق المبين. ولا يوقفونهم على ما يقع في الشريعة من تغيير وتبديل. وما يحدثه الكذابون المفترون من البدع والتضليل، كلا ثم كلا، بل اوضحوا الدين المبين نهاية الايضاح. وصفوه من شوب كل كدر، حتى اسفر كضوء الصباح. الا ترى إلى ما ورد عنهم من حثهم شيعتهم على الكتابة لما يسمعونه منهم. وامرهم بحفظ الكتب لمن يأتي بعدهم. كما


(1) في أحوال المغيرة بن سعيد وكذا الخبر الآتى.


[ 12 ]

ورد في جملة من الاخبار التي رواها ثقة الاسلام في جامعه الكافي وغيره في غيره. والى تحذيرهم الشيعة عن مداخلة كل من اظهر البدع وامرهم بمجانبتهم، وتعريفهم لهم باعيانهم، كما عرفت فيما تلونا من الاخبار. ومن ذلك ايضا ما خرج عن الائمة المتأخرين (صلوات الله عليهم اجمعين) في لعن جماعة ممن كانوا كذلك، كفارس بن حاتم القزويني، والحسن بن محمد بن بابا، ومحمد بن نصير النميري، وابي طاهر محمد بن علي بن بلال، واحمد بن هلال، والحسين بن منصور الحلاج. وابن ابي العزاقر، وابي دلف، وجمع كثير ممن يتسمى بالشيعة. ويظهر المقالات الشنيعة من الغلو والاباحات والتناسخ ونحوها، وقد خرجت في لعنهم التوقيعات عنهم (عليهم السلام) في جميع الاماكن والبراءة منهم. وقد ذكر الشيخ (قدس سره) في كتاب الغيبة جمعا من هؤلاء، وأورد الكشي اخبارا فيما أحدثوا. وما خرج فيهم من التوقيعات لذلك. من أحب الوقوف عليها فليرجع إليه. وقد شدد أصحاب الائمة (عليهم السلام) الامر في ذلك، حتى ربما تجاوزوا المقام. حتى انهم كانوا يجانبون الرجل بمجرد التهمة بذلك، كما وقع لاحمد بن محمد ابن عيسى مع احمد بن محمد بن خالد البرقي من إخراجه من برقة قم لما طعن عليه القميون. ثم اعاده إليها لما ظهر له براءته. ومشى في جنازته حافيا إظهارا لنزاهته مما رمي به، وكما أخرج سهيل بن زياد الادمي. وأظهر البراءة منه ومنع الناس من السماع عنه. وكما استثنى محمد بن الحسن بن الوليد جملة من الرواة. منهم جماعة ممن روى عنهم محمد بن احمد بن يحيى الاشعري وغيرهم. وقد عدوا جماعة من الرواة في الضعفاء. ونسبوهم إلى الكذب والافتراء. ومنهم من خرجت التوقيعات فيه عنهم (عليهم السلام) ومنهم من اطلعوا على حاله الموجب لضعفه، ومنهم محمد بن على الصيرفي أبو سمينة. ومحمد بن سنان. ويونس بن ظبيان. ويزيد الصائغ وغيرهم، وذلك ظاهر لمن تصفح كتب


[ 13 ]

الرجال واطلع على ما فيها من الاحوال. ومن الظاهر البين الظهور انه مع شهرة الامر في هؤلاء المعدودين وامثالهم، فانه لا يعتمد أحد ممن اطلع على أحوالهم على رواياتهم، ولا يدونونها في اصولهم إلا مع اقترانها بما يوجب صحتها ويعلن بثبوتها (1) كما صرح


(1) ومن ذلك ما ذكره (قده) في كتاب الغيبة، حيث نقل حديثا في الغيبة عن أحمد ابن زياد، ثم قال: قال مصنف هذا الكتاب (رضى الله عنه): لم أسمع هذا الحديث إلا من احمد بن زياد (رضى الله عنه) بعد انصرافه من حج بيت الله الحرام، وكان رجلا ثقة دينا فاضلا (رحمة الله ورضوانه عليه) انتهى. (ومنه) ايضا ما ذكره في الكتاب المذكور بعد نقل حديث عن علي بن عبد الله الوراق، حيث قال: قال مصنف هذا الكتاب (رضى الله عنه): لم أسمع هذا الحديث إلا من علي بن عبد الله الوراق، ووجدته بخطه مثبتا فسألته عنه فرواه لي عن سعد بن عبد الله عن احمد بن اسحاق كما ذكرته. انتهى. (ومنه) ما ذكره في معاني الاخبار في باب معنى ما جاء في لعن الذهب والفضة، حيث قال: قال مصنف هذا الكتاب: هذا حديث لم اسمعه إلا من لحسن بن حمزة العلوى (رضى الله عنه) ولم اروه عن شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد، ولكنه صحيح عندي إلى آخر كلامه (ولا يخفى) على الفطن اللبيب والمنصف الاريب ان تخصيصه هذه الاخبار ونحوها مما ذكره يدل دلالة واضحة على ان ما لم يذكر فيه شيئا من ذلك كله مقطوع مجزوم على صحته كما لا يخفى. ومنه ما ذكره (قدس سره) في كتاب من لا يحضره الفقيه في باب ما يجب على من افطر أو جامع في شهر رمضان، حيث روى عن المفضل بن عمر عن ابي عبد الله (ع) في رجل اتى امرأته وهى صائمة وهو صائم. فقال: ان كان اكرهها فعليه كفارتان. وان كانت طاوعته فعليه كفارة. الحديث. ثم قال (قدس سره) قال مصنف هذا الكتاب: لم أجد ذلك في شئ من الاصول وانما تفرد بروايته علي بن ابراهيم بن هاشم. وفيه كما ترى دلالة واضحة على ان جميع ما يرويه في هذا المقام وغيره انما هو من الاصول المقطوع على صحتها عنده. كما صرح به في اول الفقيه، وانه إذا نقل ما ليس كذلك نبه على ان الراوى له ثقة معتمد. فكيف بعد امثال هذا الكلام الذى لا يليق بامثاله من اولئك الاعلام خلط الغث بالسمين حتى يحتاج إلى ما ذكروه من هذا الاصطلاح العديم الاصطلاح (منه رحمه الله).


[ 14 ]

به شيخنا البهائي في كتاب مشرق الشمسين، وقد نقل الصدوق (قدس سره) في كتاب عيون أخبار الرضا حديثا في سنده (محمد بن عبد الله المسمعي)، ثم قال بعد تمام الحديث ما هذا لفظه: قال مصنف هذا الكتاب: كان شيخنا (محمد بن الحسن ابن الوليد) سئ الرأي في (محمد بن عبد الله المسمعي) راوي هذا الحديث، وانما اخرجت هذا الخبر في هذا الكتاب لانه كان في كتاب الرحمة وقد قرأته عليه فلم ينكره ورواه لي، انتهى. أقول: وكتاب الرحمة لسعد بن عبد الله. فانظر إلى شدة احتياطهم وتورعهم في عدم نقل ما لا يثقون به إلا مع انضمام القرائن الموجبة لصحته وثبوته. وبالجملة: فالخوض في كتب الرجال - والنظر في مصنفات المتقدمين والاطلاع على سيرتهم وطريقتهم - يفيد الجزم بما قلنا. واما من أخذ بظاهر المشهور من غير تدبر لما هو ثمة مذكور فهو فيما ذهب إليه معذور. وكل ميسر لما خلق له، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

 

المقدمة الثانية

قد صرح جملة من اصحابنا المتأخرين بان الاصل في تنويع الحديث إلى الانواع الاربعة المشهورة هو العلامة أو شيخه جمال الدين بن طاوس نور الله تعالى مرقديهما. واما المتقدمون فالصحيح عندهم هو ما اعتضد بما يوجب الاعتماد عليه من القرائن والامارات التي ذكرها الشيخ (قدس سره) في كتاب العدة. وعلى هذا جرى جملة من اصحابنا المحدثين وطائفة من متأخري متأخري المجتهدين كشيخنا المجلسي رحمه الله وجمع ممن تأخر عنه. وقد اتسع خرق الخلاف بين المجتهدين من اصحابنا والاخباريين في جمل عديدة من مسائل الاصول التي تبنى عليها الفروع الفقهية. وبسط كل من علماء الطرفين لسان التشنيع على الآخر، والحق الحقيق بالاتباع ما سلكه طائفة من


[ 15 ]

متأخري المتأخرين كشيخنا المجلسي (طاب ثراه) وطائفة ممن اخذ عنه. فانهم سلكوا من طرق الخلاف بين ذينك الفريقين طريقا وسطى بين القولين ونجدا أوضح من ذينك النجدين (وخير الامور اوسطها) ونحن قد بسطنا الكلام في ايضاح هذا المرام في جملة من مؤلفاتنا ولا سيما كتاب المسائل، فانا قد اعطينا المسألة حقها من الدلائل، ولا بأس بذكر طرف من ذلك في هذا الكتاب، حيث انا قد قصدنا فيه ضرب الصفح غالبا عن الكلام في اسانيد الاخبار والطعن فيها بذلك. فربما يظن الناظر الغير العالم بطريقتنا ان ذلك عن عجز أو غفلة أو نحو ذلك، فرأينا ان نبين هنا ان ذلك إنما هو من حيث ثبوت صحة تلك الاخبار عندنا والوثوق بورودها عن اصحاب العصمة (صلوات الله عليهم). فنقول: قد صرح شيخنا البهائي في كتاب مشرق الشمسين وقبله المحقق الشيخ حسن (أعلى الله رتبتهما) في مقدمات كتاب المنتقى بما ملخصه: ان السبب - الداعي إلى تقرير هذا الاصطلاح في تنويع الحديث إلى الانواع الاربعة - هو انه لما طالت المدة بينهم وبين الصدر الاول وبعدت عليهم الشقة وخفيت عليهم تلك القرائن التي اوجبت صحة الاخبار عن المتقدمين. وضلق عليهم ما كان متسعا على غيرههم. التجأوا إلى العمل بالظن بعد فقد العلم. لكونه أقرب مجازا إلى الحقيقة عند تعذرها، وبسبب إلتباس الاخبار غثها بسمينها وصحيحها بسقيمها التجأوا إلى هذا الاصطلاح الجديد. وقربوا لنا البعيد، ونوعوا الحديث إلى الانواع الاربعة. وزاد في كتاب مشرق الشمسين: انهم ربما سلكوا طريقة القدماء في بعض الاحيان، ثم عد (قدس سره) مواضع من ذلك. هذا خلاصة ما ذكروا في تعليل ذلك. ونحن نقول: لنا على بطلان هذا الاصطلاح وصحة اخبارنا وجوه. (الاول) ما قد عرفت في المقدمة الاولى من أن منشأ الاختلاف في اخبارنا إنما هو التقية من ذوي الخلاف لا من دس الاخبار المكذوبة حتى يحتاج إلى هذا


[ 16 ]

الاصطلاح. على انه متى كان السبب الداعي إنما هو دس الاحاديث المكذوبة كما توهموه (رضوان الله عليهم) ففيه انه لا ضرورة تلجئ إلى اصطلاحهم، لانهم (عليهم السلام) قد امرونا بعرض ما شك فيه من الاخبار على الكتاب والسنة فيؤخذ بما وافقهما ويطرح ما خالفهما، فالواجب في تمييز الخبر الصادق من الكاذب مراعاة ذلك، وفيه غنية عما تكلفوه، ولا ريب ان اتباع الائمة (عليهم السلام) اولى من اتباعهم. (الثاني) ان التوثيق والجرح الذي بنوا عليه تنويع الاخبار إنما اخذوه من كلام القدماء، وكذلك الاخبار التي رويت في احوال الرواة من المدح والذم إنما أخدوها عنهم، فإذا اعتمدوا عليهم في مثل ذلك فكيف لا يعتمدون عليهم في تصحيح ما صححوه من الاخبار واعتمدوه وضمنوا صحته كما صرح به جملة منهم، كما لا يخفى على من لاحظ ديباجتي الكافي والفقيه وكلام الشيخ في العدة وكتابي الاخبار فان كانوا ثقاتا عدولا في الاخبار بما اخبروا به ففي الجميع، وإلا فالواجب تحصيل الجرح والتعديل من غير كتبهم وأنى لهم به (لا يقال) (1) إن اخبارهم بصحة ما رووه في كتبهم يحتمل الحمل على الظن القوى باستفاضة أو شياع أو شهرة معتد بها أو قرينة أو نحو ذلك مما يخرجه عن محوضة الظن (لانا نقول) فيه (اولا) ان أصحاب هذا الاصطلاح مصرحون بكون مفاد الاخبار عند المتقدمين هو القطع واليقين وانهم إنما عدلوا عنه إلى الظن لعدم تيسر ذلك لهم كما صرح به في المنتقى ومشرق الشمسين


(1) هذا أحد الاجوبة التى اجابوا بها فيما ذكرنا، صرح به شيخنا أبو الحسن (قده) في كتاب العشرة الكاملة، حيث انه في الكتاب المذكور كان شديد التعصب لهذا الاصطلاح وترويج القول بالاجتهاد، الا ان مصنفاته الاخيرة تدل على عدوله عن ذلك وميله إلى العمل بالاخبار، وان كان دون طريقة الاخباريين من الجادة الوسطى التى قدمنا الاشارة إليها (منه رحمه الله).


[ 17 ]

(واما ثانيا) فلما تضمنته تلك العبارات مما هو صريح في صحة الاخبار بمعنى القطع واليقين بثوبتها عن المعصومين (فان قيل) تصحيح ما حكموا بصحته امر اجتهادي لا يجب تقليدهم فيه، ونقلهم المدح والذم رواية يعتمد عليهم فيها (قلنا) فيه ان اخبارهم بكون الراوي ثقة أو كذابا أو نحو ذلك إنما هو امر اجتهادي استفادوه بالقرائن المطلعة على أحواله أيضا. (الثالث) - تصريح جملة - من العلماء الاعلام واساطين الاسلام ومن هم المعتمد في النقض والابرام من متقدمي الاصحاب ومن متأخريهم الذين هم أصحاب هذا الاصطلاح أيضا - بصحة هذه الاخبار وثبوتها عن الائمة الابرار، لكنا نقتصر على ما ذكره أرباب هذا الاصطلاح في المقام. فانه أقوى حجة في مقام النقص والالزام. فمن ذلك ما صرح به شيخنا الشهيد (نور الله مضجعه) في الذكرى في الاستدلال على وجوب اتباع مذهب الامامية، حيث قال ما حاصله: انه كتب من اجوبة مسائل أبي عبد الله (عليه السلام) اربعمائة مصنف لاربعمائة مصنف. ودون من رجاله المعروفين أربعة آلاف رجل من أهل العراق والحجاز وخراسان والشام. وكذلك عن مولانا الباقر (ع)، ورجال باقي الائمة (ع) معروفون مشهورون اولوا مصنفات مشتهرة، فالانصاف يقتضي الجزم بنسبة ما نقل عنهم إليهم، إلى أن قال بعد عد جملة من كتب الاخبار وغيرها مما يطول تعداده بالاسانيد الصحيحة المتصلة المنتقدة والحسان والقوية: فالانكار بعد ذلك مكابرة محضة وتعصب صرف. ثم قال: (لا يقال) فمن اين وقع الاختلاف العظيم بين فقهاء الامامية إذا كان نقلهم عن المعصومين (ع) وفتواهم عن المطهرين (ع) ؟ (لانا نقول) محل الخلاف اما من المسائل المنصوصة أو مما فرعه العلماء، والسبب في الثاني اختلاف الانظار ومبادئها كما هو بين سائر علماء الامة، واما الاول فسببه اختلاف الروايات ظاهرا، وقلما يوجد فيها التناقض بجميع شروطه، وقد كانت الائمة (ع) في زمن تقية واستتار من مخالفيهم، فكثيرا ما يجيبون


[ 18 ]

السائل على وفق معتقده أو معتقد بعض الحاضرين أو بعض من عساه يصل إليه من المناوئين، أو يكون عاما مقصورا على سببه أو قضية في واقعة مختصة بها أو اشتباها على بعض النقلة عنهم أو عن الوسائط بيننا وبينهم (عليهم السلام). انتهى. ولعمري انه كلام نفيس يستحق ان يكتب بالنور على وجنات الحور، ويجب ان يسطر ولو بالخناجر على الحناجر. فانظر إلى تصريحه بل جزمه بصحة تلك الروايات التي تضمنتها هذه الكتب التي بايدينا، وتخلصه من الاختلاف الواقع بين الاخبار بوجوه تنفي احتمال تطرق دخول الاحاديث الكاذبة في اخبارنا. ومن ذلك ما صرح به شيخنا الشهيد الثاني (اعلى الله تعالى رتبته) في شرح الدراية، حيث قال: " كان قد استقر أمر الامامية على اربعمائة مصنف سموها اصولا فكان عليها اعتمادهم، تداعت (1) الحال إلى ذهاب معظم تلك الاصول، ولخصها جماعة في كتب خاصة تقريبا على المتناول. وأحسن ما جمع منها: الكافي. والتهذيب. والاستبصار. ومن لا يحضره الفقيه ". فانظر إلى شهادته (قدس سره) بكون أحاديث كتبنا هي أحاديث تلك الاصول بعينها (2) وحينئذ فالطاعن في هذه كالطاعن في تلك الاصول. ثم ان الظاهر ان تخصيصه هذه الكتب الاربعة بالاحسنية انما هو من حيث اشتمالها على ابواب الفقة


(1) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المطبوعة والمخطوطة، وفى المطبوع من شرح الدراية (ثم تداعت). (2) ويؤيد ذلك ما صرح به شيخنا البهائي (قدس سره) في أول كتاب مشرق الشمسين، حيث عد من جملة الامور الموجبة للقطع بصحة الاخبار عند المتقدمين وجودها في كثير من الاصول الاربعمائة المتصلة باصحاب العصمة (عليهم السلام)، قال: وكانت متداولة بينهم في تلك الاعصار مشتهرة بينهم اشتهار الشمس في رابعة النهار. انتهى، (منه رحمة الله).


[ 19 ]

كملا على الترتيب بخلاف غيرها من كتب الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال تلك الديار. ولا يتوهم - من ظاهر قوله: تداعت الحال إلى ذهاب معظم تلك الاصول ولخصها إلى آخره - ان تلخيص تلك الجماعة لها إنما وقع بعد ذهاب معظمها، فان ذلك باطل (اما اولا) فلان التلخيص وقع عطفه في كلامه بالواو، دون - ثم - المفيدة للترتيب. واما (ثانيا) فلان الظاهر - كما صرح به بعض فضلائنا - ان اضمحلال تلك الاصول إنما وقع بسبب الاستغناء عنها بهذه الكتب التي دونها اصحاب الاخبار، لكونها احسن منها جمعا وأسهل تناولا. وإلا فتلك الاصول قد بقيت إلى زمن ابن طاووس (رضي الله عنه). كما ذكر ان اكثر تلك الكتب كان عنده ونقل منها شيئا كثيرا كما يشهد به تتبع مصنفاته. وبذلك يشهد كلام ابن ادريس في آخر كتاب السرائر. حيث انه نقل ما استطرفه من جملة منها شطرا وافرا من الاخبار. وبالجملة: فاشتهار تلك الاصول في زمن اولئك الفحول لا ينكره إلا معاند جهول. ومن ذلك ما صرح به المحقق الشيخ حسن ابن شيخنا الشهيد الثاني. حيث قال في بحث الاجازة من العالم ما صورته: " ان أثر الاجازة بالنسبة إلى العمل انما يظهر حيث لا يكون متعلقها معلوما بالتواتر ونحوه ككتب أخبارنا، فانها متواترة اجمالا، والعلم بصحة مضامينها تفصيلا يستفاد من قرائن الاحوال ولا مدخل للاجازة فيه غالبا ". ومن ذلك ما صرح به شيخنا البهائي (نور الله مضجعه) في وجيزته، حيث قال: " جميع أحاديثنا - إلا ما ندر - ينتهي إلى أئمتنا الاثني عشر (عليهم السلام) وهم ينتهون فيها إلى النبي (صلى الله عليه وآله) إلى أن قال: وكان قد جمع قدماء محدثينا ما وصل إليهم من كلام أئمتنا (عليهم السلام) في أربعمائة كتاب تسمى (الاصول) ثم


[ 20 ]

تصدى جماعة من المتأخرين (شكر الله سعيهم) لجمع تلك الكتب وترتيبها تقليلا للانتشار وتسهيلا على طالبي تلك الاخبار، فالفوا كتبا مضبوطة مهذبة مشتملة على الاسانيد المتصلة باصحاب العصمة (عليهم السلام) كالكافي، ومن لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار. ومدينة العلم، والخصال. والامالي، وعيون الاخبار، وغيرها ". هذا ما حضرني من كلامهم (نور الله مراقدهم)، واما كلام المتقدمين، كالصدوق في الفقيه، وثقة الاسلام في الكافي، والشيخ الطوسي في جملة من مؤلفاته. وعلم الهدى وغيرهم ممن نقلنا كلامهم في غير هذا الكتاب، فهو ظاهر البيان ساطع البرهان في هذا الشأن. ثم العجب من هؤلاء الفضلاء الذين نقلنا كلامهم هنا انه إذا كان الحال على ما صرحت به عبائرهم من صحة هذه الاخبار عن األئمة (عليهم السلام) فما الموجب لهم إلى المتابعة في هذا الاصطلاح الحادث ؟ واعجب من ذلك كلام شيخنا البهائي (ره) في كتاب مشرق الشمسين. حيث ذكر ما ملخصه: ان اجتناب الشيعة لمن كان منهم ثم انكر امامة بعض الائمة (عليهم السلام) كان أشد من اجتناب المخالفين في أصل المذهب. وكانوا يتحرزون عن مجالستهم والتكلم معهم فضلا عن أخذ الحديث عنهم، فإذا نقل علماؤنا رواية رواها رجل من ثقات اصحابنا عن أحد هؤلاء وعولوا عليها وقالوا بصحتها مع علمهم بحاله. فقبولهم لها وقولهم بصحتها لابد من ابتنائه على وجه صحيح لا يتطرق إليه القدح. ولا إلى ذلك الرجل الثقة الراوي عمن هذا حاله، كأن يكون سماعة منه قبل عدوله عن الحق وقوله بالوقف، أو بعد توبته ورجوعه إلى الحق، أو ان النقل إنما وقع من أصله الذي ألفه واشتهر عنه قبل الوقف، أو من كتابه الذي ألفه بعد الوقف ولكنه أخذ الكتاب عن شيوخ اصحابنا الذين عليهم الاعتماد ككتب علي بن الحسن الطاطري، فانه كان من أشد الواقفية عنادا للامامية إلا أن


[ 21 ]

الشيخ شهد له في الفهرست بانه روى كتبه عن الرجال الموثوق بهم وبروايتهم. إلى غير ذلك من المحامل الصحيحة، إلى آخر كلامه (طاب ثراه). ولقد اجاد فيما أفاد ولكنه ناقض نفسه فيما أورده من العذر للمتأخرين في عدولهم إلى تجديد هذا الاصطلاح. لان قوله -: كانوا يتحرزون عن مجالستهم فضلا عن أخذ الحديث عنهم. وقوله: فقبولهم لها وقولهم بصحتها لابد من ابتنائه على وجه صحيح - يستلزم أن تكون أحاديث كتب هؤلاء الائمة الثلاثة الذين شهدوا بصحة ما رووه فيها كلها صحيحة. (الرابع) - انه لو تم ما ذكروه وصح ما قرروه للزم فساد الشريعة وابطال الدين، لانه متى اقتصر في العمل على هذا القسم الصحيح أو مع الحسن خاصة أو باضافة الموثق ايضا ورمي بقسم الضعيف باصطلاحهم من البين والحال ان جل الاخبار من هذا القسم كما لا يخفى على من طالع كتاب الكافي اصولا وفروعا وكذا غيره من سائر كتب الاخبار وسائر الكتب الخالية من الاسانيد. لزم ما ذكرنا وتوجه ما طعن به علينا العامة من ان جل احاديث شريعتنا مكذوبة مزورة، ولذا ترى شيخنا الشهيد في الذكرى كيف تخلص من ذلك بما قدمنا نقله عنه دفعا لما طعنوا به علينا ونسبوه الينا. ولله در المحقق (ره) في المعتبر حيث قال: افرط الحشوية في العمل بخبر الواحد حتى انقادوا لكل خبر وما فطنوا إلى ما تحته من التناقض. فان من جملة الاخبار قول النبي (صلى الله عليه وآله): " ستكثر بعدي القالة " إلى أن قبل: واقتصر بعض على هذا الافراط فقال: كل سليم السند يعمل به. وما علم ان الكاذب قد يصدق والفاسق قد يصدق ولم ينتبه ان ذلك طعن في علماء الشيعة وقدح في المذهب. إذ لا مصنف إلا وهو يعمل بخبر المجروح كما يعمل بخبر العدل، إلى أن قال: وكل هذه الاقوال منحرفة عن السنن، والتوسط أقرب، فما قبله الاصحاب أو دلت القرائن


[ 22 ]

على صحته عمل به وما أعرض الاصحاب عنه أو شذ يجب اطراحه. انتهى. وهو قوي متهى بل جوهر ثمين. (الخامس) - ان ما اعتمدوه من ذلك الاصطلاح غير منضبط القواعد والبنيان ولا مشيد الجوانب والاركان (اما اولا) فلاعتمادهم في التمييز بين اسماء الرواة المشتركة على الاوصاف والالقاب والنسب والراوي والمروي عنه ونحوها، ولم لا يجوز اشتراك هذه الاشياء ؟ وذلك، لان الرواة عنهم (عليهم السلام) ليسوا محصورين في عدد مخصوص ولا في بلدة واحدة. وقد نقل الشيخ المفيد (ره) في ارشاده: ان الذين رووا عن الصادق (ع) خاصة من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات كانوا أربعة آلاف رجل. ونحو ذلك ذكر ابن شهر اشوب في كتاب معالم العلماء. والطبرسي في كتاب اعلام الورى، والجميع قد وصفوا هؤلاء الاربعة آلاف بالتوثيق وهو مؤيد لما ادعيناه ومشيد لما اسسناه، فإذا كان هؤلاء الرواة عن الصادق (عليه السلام) خاصة فما بالك بالرواة عن الباقر إلى العسكري (عليهم السلام) ؟ فاين تأثير القرائن في هذه الاعداد ؟ واين الوصول إلى تشخيص المطلوب منها والمراد ؟ (واما ثانيا) فلان مبنى تصحيح الحديث عندهم على نقل توثيق رجاله في أحد كتب المتقدمين. ككتاب الكشي. والنجاشي. والفهرست، والخلاصة. ونحوها، نظرا إلى ان نقلهم ذلك شهادة منهم بالتوثيق، حتى ان المحقق الشيخ حسن في كتاب المنتقى لم يكتف في تعديل الراوي بنقل واحد من هؤلاء بل اوجب في تصحيح نقل اثنين منهم لعدالة الراوي، نظرا إلى انها شهادة فلا يكفي فيها الواحد. وأنت خبير بما بين مصنفي تلك الكتب وبين رواة الاخبار من المدة والازمنة المتطاولة فكيف اطلعوا على احوالهم الموجب للشهادة بالعدالة أو الفسق ؟ والاطلاع على ذلك - بنقل ناقل أو شهرة أو قرينة حال أو ذلك كما هو معتمد مصنفي تلك الكتب في الواقع - لا يسمى شهادة. وهم قد اعتمدوا على ذلك وسموه شهادة، وهب


[ 23 ]

ان ذلك كاف في الشهادة، لكن لابد في العمل بالشهادة من السماع من الشاهد لا بمجرد نقله في كتابه، فانه لا يكفي في كونه شهادة، هب انا سلمنا الاكتفاء به في ذلك، فما الفرق بين هذا النقل في هذه الكتب وبين نقل اولئك - الاجلاء الذين هم اساطين المذهب - صحة كتبهم وانها مأخوذة عن الصادقين (عليهم السلام) ؟ فيعتمد عليهم في أحدهما دون الآخر (واما ثالثا) فلمخالفتهم انفسهم فيما قرروه من ذلك الاصطلاح فحكموا بصحة أحاديث هي باصطلاحهم ضعيفة كمراسيل ابن ابي عمير، وصفوان بن يحيى، وغيرهما. زعما منهم ان هؤلاء لا يرسلون ألا عن ثقة. ومثل احاديث جملة من مشايخ الاجازة لم يذكروا في كتب الرجال بمدح ولا قدح. مثل احمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، واحمد بن محمد بن يحيى العطار، والحسين بن الحسن بن ابان، وابي الحسين ابن ابي جيد. واضرابهم. زعما منهم ان هؤلاء مشايخ الاجازة وهم مستغنون عن التوثيق. وامثال ذلك كثير يظهر للمتتبع (واما رابعا) فلاضطراب كلامهم في الجرح والتعديل على وجه لا يقبل الجمع والتأويل، فترى الواحد منهم يخالف نفسه فضلا عن غيره. فهذا يقدم الجرح على التعديل، وهذا يقول لا يقدم إلا مع عدم امكان الجمع، وهذا يقدم النجاشي على الشيخ، وهذا ينازعه ويطالبه بالدليل. وبالجملة: فالخائض في الفن يجزم بصحة ما ادعيناه، والبناء من أصله لما كان على غير اساس كثر الانتقاض فيه والالتباس. (السادس) - ان اصحاب هذا الاصطلاح قد اتفقوا على ان مورد التقسيم إلى الانواع الاربعة إنما هو خبر الواحد العاري عن القرائن. وقد عرفت. - من كلام اولئك الفضلاء المتقدم نقل كلامهم، وبذلك صرح غيرها ايضا - ان اخبار كتبنا المشهورة محفوفة بالقرائن الدالة على صحتها. وحينئذ يظهر عدم وجود مورد التقسيم المذكور في اخبار هذه الكتب. وقد ذكر صاحب المنتقى: ان اكثر انواع الحديث المذكورة في دراية الحديث بين المتأخرين من مستخرجات العامة بعد وقوع معانيها


[ 24 ]

في احاديثهم وانه لا وجود لاكثرها في احاديثنا. وأنت إذا تأملت بعين الحق واليقين وجدت التقسيم المذكور من هذا القبيل. إلى غير ذلك من الوجوه (1) التي انهيناها في كتاب المسائل إلى اثني عشر وجها، وطالب الحق المنصف تكفيه الاشارة والمكابر المتعسف لا ينتفع ولو بالف عبارة.


(1) ومنها - ان التعديل والجرح موقوف على معرفة ما يوجب الجرح ومنه الكبائر. وقد اختلفوا فيها اختلافا شديدا، فلا يمكن الاعتماد على تعديل المعدل وجرحه إلا مع العلم بموافقة مذهبه لمذهب من يريد العمل، وهذا العلم مما لا يمكن أصلا، إذ المعدلون والجارحون من علماء الرجال ليس مذهبهم في عدد الكبائر معلوما، قال شيخنا البهائي (قدس سره) على ما نقل عنه من المشكلات، انا لا نعلم مذهب الشيخ الطوسى في العدالة وانه يخالف مذهب العلامة، وكذا لا لعلم مذهب بقية اصحاب الرجال كالكشي والنجاشي، وغيرهم، ثم نقبل تعويل العلامة في التعديل على تعديل اولئك. وايضا كثير من الرجال ينقل عنه انه كان على خلاف المذهب ثم رجع وحسن إيمانه. والقوم يجعلون روايته في الصحيح مع انهم غير عالمين بان اداء الرواية متى وقع ؟ بعد التوبة ام قبلها ؟. وهذان المشكلان لا اعلم ان أحدا قبل تنبه لشئ منهما. انتهى. (ومنها) - ان العدالة بمعنى الملكة المخصوصة عند المتأخرين مما لا يجوز اثباتها بالشهادة، لا الشهادة وخبر الواحد ليس حجة إلا في المحسوسات لا فيما خفى كالعصمة فلا تقبل فيها الشهادة، فلا اعتماد على تعديل المعدلين بناء على اعتقاد المتأخرين. وهذا مما اورده المحدث الامين (قدس سره) (ومنها) - انه قد تقرر في محله ان شهادة فرع الفرع غير مسموعة، إذ لا يقبل إلا من شاهد الاصل أو شاهد الفرع خاصة. على ان شهادة علماء الرجال على اكثر المعدلين والمجروحين انما هو من شهادة فرع الفرع، فان الشيخ والنجاشى ونحوهما لم يلقوا اصحاب الباقر والصادق (ع) فلا تكون شهادتهم إلا من قبيل شهادة فرع الفرع بمراتب كثيرة فكيف يجوز التعويل شرعا على شهادتهم ثم بالجرح والتعديل. وهذا ايضا مما أورده المحدث الامين (قدس سره) إلى غير ذلك من الوجوه التى لا يسع الاتيان عليها. إلا ان المحقق المنصف تكفيه الاشارة والمعاند المتعسف لا ينتفع ولو بالف عبارة (منه ره).


[ 25 ]

(تتمة مهمة) قد اشتهر بين اكثر متأخري اصحابنا (رضوان الله عليهم) قصر العمل بالاخبار على ما في هذه الكتب الاربعة المشهورة، زعما منهم ان غيرها لم يبلغ في الضبط والانتقاد على وجه يوجب الاعتماد على مثله. وقد علت - مما قدمنا من كلام شيخنا البهائي (رحمه الله) في الوجيزة، ومثله ايضا شيخنا الشهيد في الذكرى مما طويناه في اثناء كلامه المتقدم ذكره - عدم الانحصار في الكتب المشار إليها، وهو الحق الحقيق بالاتباع، قال السيد المحدث السيد نعمة الله الجزائري (طيب الله مرقده) في مقدمات شرحه على التهذيب: " والحق ان هذه الاصول الاربعة لم تستوف الاحكام كلها، بل قد وجدنا كثيرا من الاحكام في غيرها، مثل عيون أخبار الرضا، والامالي، وكتاب الاحتجاج، ونحوها. فينبغي مراجعة هذه الكتب واخذ أحكام منها ولا يقلد العلماء في فتاويهم، فان أخذ الفتوى من دليلها هو الاجتهاد الحقيقي، وكم قد رأينا جماعة من العلماء ردوا على الفاضلين بعض فتاويهم لعدمم الدليل فرأينا دلائل تلك الفتاوى في غير الاصول الاربعة، خصوصا كتاب الفقه الرضوي الذي اتي به من بلاد الهند في هذه الاعصار إلى اصفهان وهو الآن في خزانة شيخنا المجلسي، فانه قد اشتمل على مدارك كثيرة للاحكام وقد خلت عنها هذه الاصول الاربعة وغيرها " انتهى كلامه زيد مقامه. ولقد أجاد فيما حرر وفصل وأشاد وطبق المفصل وعليه المعتمد والمعول. ولقد وفق الله تعالى شيخنا غواص بحار الانوار إلى استخراج كنوز تلك الاثار فجمعها في جامه المشهور ب‍ (البحار) بعد التقاطها من جميع الاقطار، جزاه الله تعالى عن علماء الفرقة المحقة أفضل جزاء الابرار. وقد جمع فيه أخبارا جمة من الاصول المندرسة واظهر كنوزا من األحكام كانت بمرور الايام منطمسة. ومن جملتها كتاب الفقه الرضوي الذي ذكره السيند المتقدم ذكره. قال شيخنا المشار إليه في مقدمات كتاب البحار


[ 26 ]

في ضمن تعداد الكتب التي نقل منها ما لفظه: " كتاب فقه الرضا (عليه السلام) اخبرني به السيد الفاضل المحدث القاضي امير حسين (طاب ثراه) بعد ما ورد اصفهان. قال: قد اتفق في بعض سني مجاورتي ببيت الله الحرام ان أتاني جماعة من أهل قم حاجين. وكان معهم كتاب قديم يوافق تاريخه عصر الرضا (عليه السلام). وسمعت الوالد (رحمه الله) انه قال: سمعت السيد يقول: كان عليه خطه (صلوات الله عليه) وكان عليه اجازات جماعة كثيرة من الفضلاء. وقال السيد: حصل لي العلم بتلك القرائن انه تأليف الامام (عليه السلام) واخذت الكتاب وكتبته وصححته. فأخذ والدي (قدس الله روحه) هذا الكتاب من السيد واستنسخه وصححه. واكثر عباراته موافق لما يذكره الصدوق أبو جعفر بن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه من غير سند وما يذكره والده في رسالته إليه، وكثيرا من الاحكام - التي ذكرها اصحابنا ولا يعلم مستندها - مذكورة فيه كما ستعرف في ابواب العبادات " انتهى كلامه زيد في الخلد مقامه. اقول: وما ذكره (قدس سره) - من مطابقة كلام الصدوق في الفقيه ووالده في رسالته لما في الكتاب المذكور - قد وقفت عليه في غير موضع وسيمر بك ان شاء الله تعالى في كتابنا هذا، وقد اعتمدنا في الاستدلال في كتابنا هذا على ما اعتمده شيخنا المذكور من الكتب المعدودة في كتابه، وستمر بك اخبارها في الثناء الابحاث ان شاء الله تعالى.


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>