تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الأول


[ 27 ]

مقدمات الكتاب

المقدمة الثالثة والرابعة

المقدمة الثالثة في مدارك الأحكام الشرعية

وهي عند الاصوليين اربعة: (الكتاب والسنة والاجماع ودليل العقل) وحيث تقدم مجمل الكلام في السنة يبقى الكلام هنا في مقامات ثلاثة:

(المقام الاول) - في الكتاب العزيز، ولا خلاف بين اصحابنا الاصوليين في العمل به في الاحكام الشرعية والاعتماد عليه حتى صنف جملة منهم كتبا في الآيات المتعلقة بالاحكام الفقهية وهي خمسمائة آية عندهم. واما الاخباريون فالذي وفقنا عليه من كلام متأخريهم ما بين افراط وتفريط، فمنهم من منع فهم شئ منه مطلقا حتى مثل قوله: " قل هو الله أحد " (1) إلا بتفسير من أصحاب العصمة (صلوات الله عليهم) ومنهم ممن جوز ذلك حتى كاد يدعي المشاركة لاهل البيت (عليهم السلام) في تأويل مشكلاته وحل مبهماته. والتحقيق في المقام ان الاخبار متعارضة من الجانبين ومتصادمة من الطرفين، إلا ان اخبار المنع (2) اكثر عددا واصرح دلالة. ففي جملة منها - قد ورد في تفسير قوله تعالى: " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا الآية " (3) - دلالة على اختصاص ميراث الكتاب بهم (عليهم السلام) وجملة في تفسير قوله تعالى: " بل هو آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم.. " (4) بأن


(1) قال المحدث السيد نعمة الله الجزائري (قده) في بعض رسائله: انى كنت حاضرا في المسجد الجامع في شيراز. وكان الاستاذ المجتهد الشيخ جعفر البحراني والشيخ المحدث صاحب جوامع الكلم يتناظران في هذه المسألة. فانجر الكلام ههنا حتى قال له الفاضل المجتهد: ما تقول في معنى " قل هو الله أحد " فهل يحتاج في فهم معناها إلى الحديث ؟ فقال: نعم لا نعرف معنى الاحدية ولا الفرق بين الاحد والواحد ونحو ذلك الا بذلك. انتهى. (أفول): ونقل عن بعض المتحذلقين - ممن يدعى الانتظام في سلك الاخباريين - انه يمنع من اللباس على غير الهيئة التى كان عليها لباس الائمة (عليهم السلام) وهو جهل مجض (منه قدس سره). (2) قد عقد لها في الوسائل (الباب الثالث عشر) من ابواب صفات القاضى وما يقضى به من كتاب القضاء، وعنوانه (عدم جواز استنباط الاحكام النظرية من ظواهر القرآن إلا بعد معرفة تفسيرها من الائمة). (3) سورة فاطر. آية 32. (4) سورة العنكبوت. آية 49.


[ 28 ]

المراد بهم الائمة (صلوات الله عليهم)، وجملة في تفسير " قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب " (1) قال: إيانا عنى. ومثل ذلك في تفسير قوله سبحانه: " وانه لذكر لك ولقومك. " (2). وكذا في تفسير قوله تعالى: " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم.. " (3). وفى جملة من تلك الاخبار: " ليس شئ أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن ". وفى مناظرة الشامي لهشام بن الحكم بمحضر الصادق (عليه السلام) المروية في الكافي (4) وغيره: " قال هشام: فبعد رسول الله صلى الله عليه وآله من الحجة ؟ قال الشامي: الكتاب والسنة. فقال هشام: فهل نفعنا الكتاب والسنة في رفع الاختلاف عنا ؟ قال الشامي: نعم. قال هشام: فلم اختلفنا أنا وأنت وصرت الينا من الشام في مخالفتنا اياك ؟ فسكت الشامي. فقال أبو عبد الله (عليه السلام) للشامي مالك لا تتكلم ؟ فقال الشامي: ان قلت لم نختلف كذبت وان قلت ان الكتاب والسنة يرفعان عنا الاختلاف ابطلت، لانهما يحتملان الوجوه، إلى ان قال الشامي: والساعة من الحجة ؟ فقال هشام: هذا القاعد الذي تشد إليه الرحال ويخبرنا باخبار السماء.. " الحديث. ولا يخفى ما فيه من الصراحة. وفى بعض آخر (5): " قال السائل: أو ما يكفيهم القرآن ؟ قال (عليه السلام): بلى لو وجدوا له مفسرا. قال: أو ما فسره رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال:


(1) سورة الرعد. آية 43 (2) سورة الزخرف. آية 44 (3) سورة آل عمران. آية 7 (4) في باب (الاضطراب إلى الحجة) من كتاب الحجة. (5) وهو خبر الحسن بن العباس بن جريش عن ابى جعفر الثاني (ع) المروي في الوسائل في باب " 13 " (عدم جواز استنباط الاحكام النظرية من ظواهر القرآن الخ) من ابواب صفات القاضى وما يقضى به من كتاب القضاء.


[ 29 ]

بلى فسره لرجل واحد وفسر للامة شأن ذلك الرجل.. " الحديث. وفى آخر (1) " انما القرآن امثال لقوم يعلمون دون غيرهم ولقوم يتلونه حق تلاوته وهم الذين يؤمنون به ويعرفونه. واما غيرهم فما أشد اشكاله عليهم وابعده من مذاهب قلوبهم، إلى ان قال: وإنما أراد الله بتعميته في ذلك ان ينتهوا إلى بابه وصراطه ويعبدوه وينتهوا في قوله إلى طاعة القوام بكتابه والناطقين عن امره وان يستنبطوا ما احتاجوا إليه من ذلك عنهم لا عن انفسهم.. " الحديث (2). ويدل على ذلك الحديث المتواتر بين العامة والخاصة (3) من قوله (صلى الله عليه وآله) اني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي اهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " فان الظاهر ان المراد من عدم افتراقهما إنما باعتبار الرجوع في معاني الكتاب إليهم (صلوات الله عليهم) وإلا لو تم فهمه كلا أو بعضها بالنسبة إلى الاحكام


(1) وهو خبر المعلى بن خنيس عن ابى عبد الله (عليه السلام) المروى في الوسائل في باب " 13 " (عدم جواز استنباط الاحكام النظرية من ظواهر القرآن الخ) من ابواب صفات القاضى وما يقضى به من كتاب القضاء. (2) ومن الاخبار في ذلك ما رواه العياشي عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: " من فسر القرآن برأيه ان اصاب لم يؤجر وان اخطأ خر أبعد من السماء " وفى الكافي عن الصادق (عليه السلام) قال: " ما ضرب رجل القرآن بعضه ببعض إلا كفر " وعن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: " من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار " وحمل الرأى - على الميل الطبيعي المرتب على الاغراض الفاسدة والمطالب الكاسدة كما ذكره بعضهم - بعيد كما اوضحناه في كتاب الدرر النجفية (منه رحمة الله). (3) وقال في الوسائل في باب 5 (تحريم الحكم بغير الكتاب والسنة ووجوب نقض الحكم مع ظهور الخطأ) من ابواب صفات القاضى وما يقضى به من كتاب القضاء: وقد تواتر بين العامة والخاصة عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: " انى تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما ان تضلوا: كتاب الله وعترتي اهل بيتى، وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض "


[ 30 ]

الشرعية والمعارف الآلهية بدونهم لصدق الافتراق ولو في الجملة. ويؤيد ذلك ايضا قول امير المؤمنين (صلوات الله عليه): " القرآن كتاب الله الصامت وأنا كتاب الله الناطق " (1) فلو فهم معناه بدونه (عليه السلام) لم يكن لوصفه بكونه صامتا معنى (2). ولا يخفى على الفطن المنصف صراحة هذه الادلة في المدعى، وظني ان ما يقابلها مع تسليم التكافؤ لا صراحة له في المعارضة. فمن ذلك - الاخبار الواردة بعرض الحكم المختلفة فيه الاخبار على القرآن واألخذ بما يوافقه وطرح ما يخالفه. ووجه الاستدلال انه لو لم يفهم منه شئ إلا بتفسيرهم (عليهم السلام) انتفى فائدة العرض. والجواب انه لا منافاة، فان تفسيرهم (عليهم السلام) إنما هو حكاية مراد الله تعالى فالاخذ بتفسيرهم أخذ بالكتاب، واما ما لم يرد فيه تفسير عنهم (صلوات الله عليهم) فيجب التوقف فيه وقوفا على تلك الاخبار وتقييدا لهذه الاخبار بها ومن ذلك الآيات، كقوله سبحانه: " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ.. " (3) وقوله: " ما فرطنا في الكتاب من شئ.. " (4) وقوله: " لعلمه الذين


(1) وقد رواه في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب صفات القاضى وما يقضى به من كتاب القضاء هكذا: " هذا كتاب الله الصامت وانا كتاب الله الناطق ". (2) ومن ذلك ايضا ما ورد من ان القرآن مشتمل على الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والخاص والعام والمطلق والمقيد والمجمل والمفصل والتقديم والتأخير والتغيير والتبديل، واستفادة الاحكام الشرعية من مثل ذلك لا يتسير إلا للعالم بجميع ما هنالك وليس إلا هم (عليهم السلام) خصوصا الآيات المتعلقة بالاحكام الشرعية، فانها لا تخرج عن هذه الاقسام المذكورة (منه قدس سره). (3) سورة النحل. آية 89 (4) سورة الانعام. آية 38


[ 31 ]

يستنبطونه.. " (1) وقوله: " أفلا يتدبرون القرآن ام على قلوب اقفالها " (2). والجواب ان الآيتين الاوليين لا دلالة فيهما على اكثر من استكمال القرآن لجميع الاحكام وهو غير منكور، وأما كون فهم الاحكام مشتركا بين كافة الناس كما هو المطلوب بالاستدلال فلا، كيف ؟ وجل آيات الكتاب سيما ما يتعلق بالفروع الشرعية كلها ما بين مجمل ومطلق وعام ومتشابه لا يهتدى منه - مع قطع النظر عن السنة - إلى سبيل. ولا يركن منه إلى دليل. بل قد ورد من استنباطهم (عليهم السلام) جملة من الاحكام من الآيات ما لا يجسر عليه سواهم ولا يهتدي إليه غيرهم، وهو مصداق ما تقدم من قولهم: " ليس شئ أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن " كالاخبار الدالة على حكم الوصية بالجزء من المال، حيث فسره (عليه السلام) بالعشر مستدلا بقوله سبحانه: " ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا.. " (3) وكانت الجبال عشرة، والوصية بالسهم. حيث فسره بالثمن لقوله سبحانه: " إنما الصدقات للفقراء.. الآية " (4) والنذر بمال كثير. حيث فسره (عليه السلام) بالثمانين لقوله تعالى: " في مواطن كثيرة.. " (5) وكانت ثمانين موطنا، وامثال ذلك مما يطول به الكلام. واما الآية الثالثة فظاهر سياق ما قبلها وهو قوله: " ولو ردوه إلى الرسول والى اولى الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم.. " يدل على كون المستنبطين هم األئمة (عليهم السلام) وبذلك توافرت الاخبار عنهم (عليهم السلام)، ففي الجوامع عن الباقر (عليه السلام): " هم الائمة المصومون " والعياشي عن الرضا (عليه السلام): " يعني آل محمد وهم الذين يستنبطون من القرآن ويعرفون الحلال والحرام " وفي الاكمال عن الباقر (عليه السلام) مثل ذلك. وقد تقدم في بعض الاخبار التي قدمناها ما يشعر


(1) سورة النساء. آية 83 (2) سورة محمد (صلى الله عليه وآله). آية 24 (3) سورة البقرة. آية 260 (4) سورة التوبة. آية 60 (5) سورة التوبة. آية 25


[ 32 ]

بذلك ايضا. واما الآية الرابعة فانا - كما سيتضح لك - لا نمنع فهم شئ من القرآن بالكلية ليمتنع وجود مصداق آلية، فان دلالة الآيات - على الوعد والوعيد والزجر لمن تعدى الحدود الالهية والتهديد - ظاهر لا مرية فيه، وهو المراد من التدبر في الآية كما ينادي عليه سياق الكلام. والقول الفصل والمذهب الجزل في ذلك ما أفاده شيخ الطائفة (رضوان الله عليه) في كتاب التبيان وتلقاه بالقبول جملة من علمائنا الاعيان، حيث قال بعد نقل جملة من اخبار الطرفين ما ملخصه: والذي نقول: ان معاني القرآن على اربعة أقسام: (أحدها) - ما اختص الله تعالى بالعلم به. فلا يجوز لاحد تكلف القول فيه (وثانيها) - ما يكون ظاهره مطابقا لمعناه فكل من عرف اللغة التي خوطب بها عرف معناه، مثل قوله: " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق.. " (1) (وثالثها) - ما هو مجمل لا ينبئ ظاهره عن المراد به مفصلا مثل قوله " اقيموا الصلاة.. " (2) ثم ذكر جملة من آليات التي من هذا القبيل وقال: انه لا يمكن استخراجها إلا ببيان من النبي (صلى الله عليه وآله) (ورابعها) - ما كان اللفظ مشتركا بين معنيين فما زاد عليهما ويمكن ان يكون كل واحد منهما مرادا. فانه لا ينبغي ان يقدم أحد فيقول ان مراد الله بعض ما يحتمله إلا بقول نبي أو امام معصوم، إلى آخر كلامه " زيد في اكرامه " وعليه تجتمع الاخبار على وجه واضح المنار. ويؤيده ما رواه (3) في الاحتجاج


(1) سورة الانعام. آية 151 (2) سورة الانعام. آية 72 (3) ومنه ما روى ان الحسن (عليه السلام) تلا قوله سبحانه: " ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين " فقال معاوية: اين قصة لحيتى ولحيتك في الكتاب. وقد كان الحسن (عليه السلام) حسن اللحية وكان معاوية قبيحها، فقال (عليه السلام): " والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه والذى خبث لا يخرج الا نكدا " وما روى في حديث ابى الجارود قال قال أبو جعفر (عليه السلام): " إذا حدثتكم بشئ فاسألوني من كتاب الله " ثم قال في بعض حديثه: " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن القيل والقال وفساد =


[ 33 ]

عن امير المؤمنين (عليه السلام) (1) في حديث الزنديق الذي جاء إليه بآي من القرآن زاعما تناقضها. حيث قال (عليه السلام) في اثناء الحديث: " ان الله جل ذكره لسعة رحمته ورأفته بخلقه وعلمه بما يحدثه المبدلون من تغيير كتابه قسم كلامه ثلاثة أقسام: فجل قسما منه يعرفه العالم والجاهل. وقسما منه لا يعرفه إلا من صف ذهنه ولطف حسه وصح تمييزة ممن شرح الله صدره للاسلام. وقسما لا يعرفه إلا الله وانبياؤه والراسخون في العلم، وإنما فعل ذلك لئلا يدعي أهل الباطل المستولون على ميراث رسول الله (صلى الله عليه وآله) من علم الكتاب ما لم يجعل الله لهم، وليقودهم الاضطرار إلى الائتمار لمن ولاه امرهم. إلى أن قال: فاما ما علمه الجاهل والعالم من فضل رسول الله (صلى الله عليه وآله) من كتاب الله، فهو قوله سبحانه: " من يطع الرسول فقد اطاع الله.. " (2) وقوله: " ان الله وملائكته يصلون على النبي يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه وسلم تسليما " (3) ولهذه الآية ظاهر وباطن. فالظاهر هو قوله: (صلوا عليه) والباطن (سلموا تسليما) اي سلموا - لمن وصاه واستخلفه عليكم - فضله وما عهد إليه تسليما. وهذا مما اخبرتك انه لا يعلم تأويله الا من لطف حسه وصفا ذهنه وصح تمييزه، وكذلك قوله: " سلام على آل يس " (4) لان الله سمى النبي (صلى الله


المال وكثرة السؤال. فقيل له: يا ابن رسول الله ! اين هذا من كتاب الله فقال: ان الله عزوجل يقول: " لا خير في كثير من نجواهم الا من أمر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناس " وقال: " ولا تؤتوا السفهاء اموالكم التى جعل الله لكم قياما " وقال: " لا تسألوا عن اشياء ان تبد لكم تسؤكم " (منه قدس سره) (1) في احتجاجات امير المؤمنين (عليه السلام). (2) سورة النساء. آية 80 (3) سورة الاحزاب. آية 56 (4) سورة الصافات. آية 130


[ 34 ]

عليه وآله) بهذا الاسم، حيث قال: " يس والقرآن الحكيم انك لمن المرسلين " لعلمه انهم يسقطون " سلام على آل محمد " كما اسقطوا غيره.. الحديث ". (أقول): والقسم الثاني من كلام الشيخ (قدس سره) هو الاول من كلامه (صلوات الله عليه) وهو الذي يعرفه الجاهل والعالم، وهو ما كان محكم الدلالة. وهذا مما لا ريب في صحة الاستدلال به والمانع مكابر. والقسم الرابع من كلامه (رضوان الله عليه) هو الثاني من كلامه (صلوات الله عليه) وهو الذي لا يعرفه إلا من صفا ذهنه ولطف حسه، والظاهر انه اشار بذلك إلى الائمة (عليهم السلام)، فانهم هم المتصفون بتلك الصفات على الحقيقة، وان ادعى بعض من أشرنا إليه آنفا دخوله في ذلك. والآيات - التي جعلها (عليه السلام) من هذا القسم - دليل على ذلك، فانها كما أشار إليه (صلوات الله عليه) من التفسير الباطن الذي لا يمكن التهجم عليه إلا من جهتهم (لا يقال): انه يلزم اتحاد القسم الثاني من كلامه (صلوات الله عليه) بما بعده، لكون القسم الثالث ايضا من المعلوم لهم (عليهم السلام) (لانا نقول): الظاهر تخصيص القسم الثالث بعلم الشرائع الذي يحتاج إلى توقيف، وانه لا يعلمه إلا هو (جل شأنه) أو انبياؤه بالوحي إليهم وان علمه الائمة (عليهم السلام) بالوراثة من الانبياء. بخلاف الثاني. فانه مما يستخرجونه بصفاء جواهر اذهانهم ويستنبطونه باشراق لوامع افهامهم، وحينئذ فالقسم الثالث من كلام الشيخ (قدس سره) هو الثالث من كلامه (صلوات الله عليه) ولعل عدم ذكره (صلوات الله عليه) للقسم الاول من كلام الشيخ لقلة افراده في القرآن المجيد إذ هو مخصوص بالخمسة المشهورة، أو أن الغرض التام إنما يتعلق بذكر الاقسام التي أخفاها (جل شأنه) عن تطرق تغيير المبدلين وان ذكر معها القسم الاول استطرادا، ومرجع هذا الجمع الذي ذكره الشيخ (قدس سره) إلى حمل أدلة الجواز على القسم الثاني من كلامه (طاب ثراه) واخبار المنع على ما عداه، واما ما يفهم من كلام المحدث الكاشاني (قدس سره) - في المقدمة الخامسة من كتاب الصافي من الجمع بين


[ 35 ]

الاخبار بالحمل على تفاوت مراتب الناس في الاستعداد والوصول إلى تحصيل المقصود منه والمراد - فظني بعده عن سياق الاخبار. فان أخبار المنع - كما عرفت من الشطر الذي قدمناه منها - قد دلت على الاختصاص بالائمة (عليهم السلام). وادعاء مزاحتمهم (صلوات الله عليهم) في تلك المرتبة يحتاج إلى جرأة عظيمة. ومن أراد تحقيق الحال والاحاطة باطراف المقال فليرجع إلى كتابنا الدرر النجفية. (المقام الثاني) - في الاجماع. ومجمل الكلام فيه ما افاده المحقق (طاب ثراه) في المعتبر واقتفاه فيه جمع ممن تأخر، قال (قدس سره): " وأما الاجماع فهو عندنا حجة بانضمام المعصوم. فلو خلا المائة من فقهائنا عن قوله لما كان حجة، ولو حصل في اثنين لكان قولهما حجة، لا اعتبار اتفاقهما بل باعتبار قوله (عليه السلام). فلا تغتر إذا بمن يتحكم فيدعي الاجماع باتفاق الخمسة والعشرة من الاصحاب مع جهلة قول الباقين " انتهى. وحينئذ فالحجة هو قوله (عليه السلام) لا مجرد الاتفاق، فيرجع الكلام - على تقدير ثبوت الاجماع المذكور - إلى خبر ينسب إلى المعصوم (عليه السلام) اجمالا. وترجيحه على الاخبار المنسوبة إليه تفصيلا غير معقول. وكأنهم زعموا ان انتسابه إليه في ضمن الاجماع قطعي ولا في ضمنه ظني. وهو ممنوع. على ان تحقق هذا الاجماع في زمن الغيبة متعذر. لتعذر ظهوره (عليه السلام) وعسر ضبط العلماء على وجه يتحقق دخول قوله في جملة أقوالهم. إلا أن ينقل ذلك بطريق التواتر والآحاد المشابه له نقلا مستندا إلى الحس، بمعانية اعمال جميع من يتوقف انعقاد الاجماع عليه، أو سماع أقوالهم على وجه لا يمكن حمل القول والعمل على نوع من التقية ونحوها، ودونه خرط القتاد. لما يعلم يقينا من تشتت العلماء وتفرقهم في أقطار الارض بل انزوائهم في بلدان المخالفين وحرصهم على ان لا يطلع أحد على عقائدهم ومذاهبهم. وما يقال - من انه إذا وقع اجماع الرعية على الباطل يجب على الامام ان يظهر


[ 36 ]

ويباحثهم حتى يردهم إلى الحق لئلا يضل الناس، أو انه يجوز ان تكون هذه الاقوال - المنقولة في كتب الفقهاء التي لا يعرف قائلها - قولا للامام (عليه السلام) القاه بين اقوال العلماء حتى لا يجتمعوا على الخطأ كما ذهب إليه بعض المتأخرين، حتى انه (قدس سره) كان يذهب إلى اعتبار تلك الاقوال المجهولة القائل لذلك - فهو مما لا ينبغي ان يصغى القائل لذلك - فهو مما لا ينبغي ان يصغي إليه ولا يعرج في مقام التحقيق عليه. وعلى هذا فليس في عد الاجماع في الادلة الا مجرد تكثير العدد واطالة الطريق، لانه ان علم دخوله (عليه السلام) فلا بحث ولا مشاحة في اطلاق اسم الاجماع عليه واسناده الحجة فيه ولو تجوزا، والا فان ظن ولو بمعاضدة خبر واحد فكذلك، والا فليس نقل الاجماع بمجرده موجبا لظن دخول المعصوم (عليه السلام) ولا كاشفا عنه كما ذكروه، نعم لو انحصر حملة الحديث في قوم معروفين أو بلدة محصورة في وقت ظهوره (عليه السلام) كما في وقت الائمة الماضين (صلوات الله عليهم اجمعين) اتجه القول بالحجية، ويقرب منا ايضا ما لو افتى - جماعة من الصدر الذي يقرب منهم كعصر الصدوق وثقة الاسلام الكليني (عطر الله مرقدهما) ونحوهما من ارباب النصوص - بفتوى لم نقف فيها على خبر ولا مخالف منهم، فانه ايضا مما يقطع بحسب العلم العادي فيها بالحجية ودخول قول المعصوم (عليه السلام) فيهم لوصول نص لهم في ذلك، ومن هنا نقل جمع من اصحابنا


[ 37 ]

ان المتقدمين كانوا إذا اعوزتهم النصوص في المسألة يرجعون إلى فتاوى على بن الحسين ابن بابويه. وممن صرح بامتناع انعقاد الاجماع في زمن الغيبة المحقق الشيخ حسن في كتاب المعالم، حيث قال: الحق امتناع الاطلاع عادة على حصول الاجماع في زماننا هذا وما ضاهاه من غير جهة النقل، إذ لا سبيل إلى العلم بقول الامام (عليه السلام) كيف ؟ وهو موقوف على وجود المجتهدين المجهولين، ليدخل في جملتهم ويكون قوله مستورا بين اقوالهم، وهذا مما يقطع بانتفائه، فكل اجماع - يدعي في كلام الاصحاب مما يقرب من عصر الشيخ إلى زماننا هذا وليس مستندا إلى نقل متواتر أو آحاد حيث يعتبر أو مع القرائن المفيدة للعلم - فلا بد ان يراد به ما ذكره الشهيد من الشهرة. واما الزمان السابق على ما ذكرناه المقارب لعصر ظهور الائمة (عليهم السلام) وامكان العمل باقوالهم، فيمكن فيه حصول الاجماع والعلم به بطريق التتبع والى مثل هذا نظر بضع علماء اهل الخلاف، حيث قال: الانصاف انه لا طريق إلى معرفة حصول الاجماع الا في زمان الصحابة، حيث كان المؤمنون قليلين يمكن معرفتهم باسرهم على التفصيل " انتهى كلام المحقق المذكور (منحه الله تعالى البهجة والسرور). والتحقيق ان اساطين الاجماع كالشيخ والمرتضى وابن ادريس واضرابهم قد كفونا مؤنة القدح فيه وابطاله بمناقضاتهم بعضهم بعضا في دعواه، بل مناقضة الواحد منهم نفسه في ذلك كما لا يخفى على المتتبع البصير، ولا ينبئك مثل خبير، ولقد كان عندي رسالة الظاهر انها لشيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) كتبها في الاجماعات التى ناقض الشيخ فيها نفسه، وقد ذهبت في بعض الحوادث التي جرت على جزيرتنا البحرين. (فان قيل): ان بعض الاخبار مما يدل على حجية الاجماع، كمقبولة عمر


[ 38 ]

ابن حنظلة حيث قال السائل: " فانهما عدلان مرضيان عند اصحابنا ليس يتفاضل واحد منهما على صاحبه ؟ فقال (عليه السلام): ينظر إلى ما كان - من روايتهما عنا في ذلك الذي حكاه - المجمع عليه اصحابك، فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند اصحابك، فان المجمع عليه لا ريب فيه ". وما رواه في الكافي في باب ابطال الرؤية في الصحيح عن صفوان، قال: " سألني أبو قرة المحدث ان ادخله على ابي الحسن الرضا (عليه السلام) إلى أن قال: فقال أبو قرة: فتكذب بالروايات ؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): إذا كانت الرويات مخالقة للقرآن كذبتها، وما اجمع عليه المسلمون انه لا يحاط به علما ولا تدركه الابصار.. الحديث ". وما رواه في الكافي ايضا في الباب المذكور عن محمد بن عبيد قال: " كتبت إلى ابي الحسن الرضا (عليه السلام) اسأله عن الرؤية وما ترويه العامة والخاصة، وسألته ان يشرح لي ذلك، فكتب بخطه: اتفق الجميع لا تمانع بينهم ان المعرفة من جهة الرؤية.. الحديث ". (فالجواب) عن ذلك ممكن اجمالا وتفصيلا، اما الاول فلان المسالة من الاصول المنوطة بالقطع عندهم. والاخبار المذكورة لا تخرج عن خبر الاحاد الذي قصاراه الظن عندهم فلا يتم الاستدلال. واما الثاني فاما عن الخبر الاول (فاولا) ان غاية ما يستفاد منه كون الاجماع مرجحا لاحد الخبرين على الآخر عند التعارض وهو مما لا نزاع فيه، انما النزاع في كونه دليلا مستقلا برأسه، والخبر لا يدل عليه، (وثانيا) فان ظاهره بل صريحه كون الاجماع في الرواية وهو مما لا نزاع فيه، لافي الفتوى كما هو المطلوب


[ 39 ]

بالاستدلال. واما عن الاخيرين فيمكن (اولا) الحمل على كون الاستدلال جدليا إلزاميا للخصم القائل بجواز الرؤية بالاجماع الذي يعتقد حجيته على ما ينافي مدعاه من جوازها. و (ثانيا) بانه على تقدير دلالتهما على الحجية في الجملة فلا دلالة لهما على العموم في الامور العقلية والنقلية، إذ متعلق الاستدلال هنا الامور العقلية. والجواب - بانه لا قائل بالفرق - مردود بان اللازم من ذلك الاستدلال بفرعع من فروع حجية الاجماع قبل ثبوت اصل حجيته. على ان المفهوم - من رسالة الصادق (عليه السلام) التي كتبها لشيعته وامرهم بتعاهدها والعمل بما فيها المروية في روضة الكليني باسانيد ثلاثة - ان اصل الاجماع من مخترعات العامة وبدعهم، قال (عليه السلام): " وقد عهد إليهم رسول الله (صلى الله عليه السلام) قبل موته فقالوا: نحن بعد ما قبض الله تعالى رسوله يسعنا أن ناخذ ما اجتمع عليه رأي الناس بعد قبض رسول الله (صلى الله عليه واله) إلى أن قال (عليه السلام): فما احد اجرأ على الله ولا ابين ضلالة ممن أخذ بذلك وزعم ان ذلك يسعه.. الحديث ". وبالجملة: فانه لا شبهة ولا ريب في انه لا مستند لهذا الاجماع من كتاب ولا سنة. وانما يجري ذلك على مذاق العامة ومخترعاتهم، ولكن جملة من اصحابنا قد تبعوهم فيه غفلة، كما جروا على جملة من اصولهم في مواضع عديدة مع مخالفتهم لما هو المستفاد من الاخبار، كما سيظهر لك ان شاء الله في ضمن مباحث هذا الكتاب. وقد نقل المحدث السيد نعمة الله الجزائري (قدس سره) - عن بعض مشايخه في بيان وجه العذر لمشايخنا المتقدمين في اختلاف الاجماعات المنقولة عنهم - ما ملخصه: ان الاصول التي كان عليها المدار وهي التي انتخبوا منها كتب الحديث المشهورة الان كانت بايدهم، وانما حدث فيها التلف والاضمحلال من زمان ابن ادريس لاسباب


[ 40 ]

ذكر ها، وكانوا - بملاحظة ما اشتملت عليه جميعها أو اكثرها من الاحكام - يدعون عليه الاجماع، وربما اختلفت الاخبار في ذلك الحكم بالتقية وعدمها ا والجواز والكراهة ونحوها، فيدعي كل منهم الاجمماع على ما يؤدي إليه نظره وفهمه من تلك الاخبار بعد اشتمال اكثر تلك الاصول أو كلها على الاخبار المتعلقة بما يختاره ويؤدي إليه نظره. (اقول): وعندي ان هذا الاحتمال ليس ببعيد، فان الظاهر ان مبدأ التفريع في الاحكام والاستنباط انما هو من زمن المرتضى والشيخ (رضوان الله عليهما) فان كتب من تقدمهما من المشايخ انما اشتملت على جمع الاخبار وتأليفها، وان كان بعضها قد اشتمل على مذهب واختيار في المسألة، فانما يشار إليه في عنوان الابواب وينقل ما يخصه من الاخبار، كما لا يخفى على من لاحظ الكافي والفقه ونحوهما من كتب الصدوق وغيره وكذلك ايضا فتاويهم المحفوظة عنهم لا تخرج عن موارد الاخبار، وحينئذ فنقل الشيخ والسيد (قدس سرهما) اجماع الطائفة على الحكم مع كون عمل الطائفة انما هو على ما ذكرنا من الاخبار وكونهما على اثر اولئلك الجماعة الذين هذه طريقتهم من غير فاصلة، فكيف يصح حمل ما يدعونه من الاجماع على الاجماع في الفتوى وان كان من غير خبر ؟ بل الظاهر انما هو الاجماع في الاخبار. الا ترى ان الشيخ في الخلاف المرتضى في الانتصار انما استندا في الاستدلال إلى مجرد الاجماع وجعلوه هو المعتمد والمعتبر مع كون الاخبار بمرأي منهم ومنظر، وليس ذلك الا لرجوعه إليها وكونه عبارة عن الاجماع فيها، وهذا احد الوجوه التي اعتذر بها شيخنا الشهيد في الذكرى عن اختلافهم في تلك الاجماعات، وهو اظهرها وان جعله آخرها (المقام الثالث) - في دليل العقل. وفسره بعض بالبرائة الاصلية والاستصحاب، وآخرون قضروه على الثاني، وثالث فسره بلحن الخطاب وفحوى الخطاب ودليل الخطاب، ورابع بعد البراءة الاصلية والاستصحاب بالتلازم بين الحكمين المندرج


[ 41 ]

فيه مقدمة الواجب واستلزام الامر بالشيئ النهي عن ضده الخاص والدلالة الالتزامية ولابد لنا ان نتكلم على ما لابد منه في مطالب: (المطلب الاول) - في البرائة الاصلية، اعلم ان الاصل - كما ذكره جملة من الفضلاء - يطلق على معان (احدها) - الدليل كما يقال: الاصل في هذه المسألة الكتاب والسنة و (ثانيهما) - الراجح كقولهم: الاصل في الكلام الحقيقة و (ثالثها) - القاعدة كقولهم: ا لاصل في البيع اللزوم، والاصل في تصرفات المسلمين الصحة. (ورابعها) الاستصحاب كقولهم: إذا تعارض الاصل والظاهر فالاصل مقدم. والاصل فيما نحن فيه اما بمعنى الراجح، والمراد منه ما يترجح إذا خلى الشئ ونفسه، بمعنى انه متى لو خظت الذمة من حيث هي هي مع قطع النظر عن التكليفات فان الراجح برائتها، كما في قولهم: الاصل في الكلام الحقيقة، بمعنى ان الراجح ذلك لو خلي الكلام ونفسه من غير قرينة صارفة عن معناه الموضوع له، ويحتمل ان يكون الاصل هنا ايضا بمعنى استصحاب الحالة التي كان عليها الشئ قبل التكليف أو قبل حال الاختلاف كاستصحاب براءة الذمة قبل ذلك. ومن هنا صرح بعضهم بان الوجه في التمسك بالبراءة الاصلية من حيث ان الاصل في الممكنات العدم. إذا عرفت ذلك فاعلم ان المعنى الاول من هذه المعاني مما لا اشكال ولا خلاف فيه، وكذا الثاني في غير البراءة الاصلية، واما فيها ففيه ما سيتضح لك من التفصيل


[ 42 ]

ان شاء الله تعالى. واما الثالث فان كانت تلك القاعدة مستفادة من الكتاب والسنة فلا اشكال في صحة البناء عليها، ومنه قولهم: الاصل في الاشياء الطهارة، اي القاعدة المستفادة من النصوص - وهي قولهم (عليهم السلام): " كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر " - تقتضي طهارة كل شيئ، واما الرابع فهو محل الاختلاف في المقام ومرمى سهام النقض والابرام. ثم انه يجب ان يعلم ان الاصل بمعنى النفي والعدم انما يصح الاستدلال به - على تقديره - على نفي الحكم الشرعي لا على اثباته، ولهذا لم يذكر الاصوليون البراءة الاصلية في مدارك الاحكام الشرعية، وحينئذ فإذا كانت البراءة مستلزمة لشغل الذمة من جهة اخرى امتنع الاستدلال بها، كما إذا علم نجاسة احد الثوبين أو الاناءين بعينه واشتبه بالاخر، فانه لا يصح الاستدلال على طهارة كل واحد منهما بان يقال: الاصل عدم نجاسته، فانه ينتج ممن ذلك الحكم بطهارتهما ويلزم منه اشتغال الذمة بالنجاسة لمعلوميتها كما عرفت وان جهل تعينها، ولذلك فروع كثيرة في ابواب


[ 43 ]

الفقه يقف عليها المتدبر. والسر في ذلك ان حجية الاصل في النفي والعدم انما هو من حيث لزوم قبح تكليف الغافل كما سيتضح لك ان شاء الله تعالى، وهذا لا يجري في اثبات الحكم به، ولا دليل سوى ذلك، فيلزم اثبات حكم لا دليل. إذا تقرر ذلك فاعلم ان البراءة الاصلية في قسمين: (احدهما) - انها عبارة عن نفي الوجوب في فعل وجودي إلى ان يثبت دليله. بمعنى ان الاصل عدم الوجوب حتى يثبت دليله. وهذا القس مما لا خلاف ولا اشكال في صحة الاستدلال به والعمل عليه، إذ لم يذهب احد إلى ان الاصل الوجوب، لاستلزام ذلك تكليف ما لا يطاق وللاخبار الدالة على ان " ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم " و " الناس في سعة ما لم يعلموا " و " رفع القلم عن تسعة اشياء. وعد منها


[ 44 ]

ما لا يعلمون " و (ثانيهما) - انه عبارة عن نفي التحريم في فعل وجودي إلى ان يثبت دليله بمعنى ان الاصل الاباحة وعدم التحريم في ذلك الفعل إلى ان يثبت دليل تحريمه، وهذه هي البراءة الاصلية التي وقع النزاع فيها نفيا واثباتا، فالعامة كملا واكثر اصحابنا على القول بها والتمسك في نفي الاحكام بها، حتى طرحوا في مقابلتها الاخبار الضعيفة باصطلاحهم بل الاخبار الموثقة، كما لا يخفى على من طالع كتبهم الاستدلالية كالمسالك والمدارك ونحوهما، فالاشياء عندهم اما حلال أو حرام خاصة، وجملة علمائنا المحدثين وطائفة من الاصوليين على وجوب التوقف والاحتياط، فالاشياء عندهم مبنية على التثليث (حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك)، وبرما نقل ايضا القول بان الاصل التحريم إلى ان تثبت الاباحة، وهو ضعيف. والحق - الحقيق بالاتباع، وهو المؤيد باخبار اهل الذكر (صلوات الله عليهم) - هو القول الثاني، ولنا عليه وجوه:


[ 45 ]

(الاول) - ان ما عداه قول بلا دليل فيجب اطراحه، وادلة الخصم لا تنهض بالدلالة كما سيتضح لك ان شاء الله تعالى. (الثاني) - استفاضة الاخبار بان الله في كل واقعة حكما شرعيا مخزونا عند أهله حتى أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة، وحينئذ فإذا كان جميع الاحكام قد ورد فيها خطاب شرعي فكيف يصح التمسك باصالة العدم والاستدلال به ؟ نعم الاستدلال بذلك انما يتجه على مذهب المخالفين القائلين بان جميع ما جاء به النبي (صلى الله عليه واله) اظهره للصحابة ولم يكتم شيئا منه لا عن الابيض ولا الاسود، ولا خص احدا دون احد بشيئ من علومه، ولم تقع بعده فتنة اوجبت اخفاء شيئ مما جاء به (صلى الله عليه واله) فالمجتهد إذا فحص وفتش عن الادلة الشرعية ولم يقف على دليل ذلك الحكم يجب عنده الجزم بنفي ذلك الحكم ويكون التمسك بالبراءة الاصلية على نفيه، كما قالوا: عدم وجود المدرك للحكم الشرعي مدرك شرعي لعدم الحكم، وبعبارة اخرى عدم وجود الدليل دليل على العدم. واما عندنا معاشر الامامية فحيث استفاض في اخبارنا - بل صار من ضروريات ديننا - انه اودع علومه عند أهل بيته وخصهم بها دون غيرهم، واستفاض ايضا انه لم يبق شيئ من الاحكام جزئي ولا كلي الا وقد ورد فيه خطاب شرعي وحكم الهي وان جميع ذلك عندهم، وانهم كانوا في زمن تقية وفتنة، فقد يجيبون عن السؤال بما هو الحكم الشرعي الواقعي تارة وقد يجيبون بخلافه تقية وقد لا يجيبون اصلا، فلا يتجه اجراء هذا الكلام ولا صحته في هذا المقام، ولا تمام هذه القاعدة ولا ما يترتب عليها من الفائدة، ولا يمكن التمسك بالعدم الاصلي الذي هو عبارة عن عدم تعلق التكليف


[ 46 ]

ووقوعه بالكلية. وما ذكرنا سابقا - من صحة الاستدلال بالقسم الاول من قسمي البراءة الاصلية على نفي الوجوب في فعل وجودي - لا باعتبار عدم الحكم واقعا بل لعدم وصول الحكم وللزوم تكليفنا بذلك مع عدم العلم بالحكم للحرج المنفي بالاية والرواية، وللاخبار المشار إليها ثمة. نعم ما ذكروه يتم عندنا فيما تعمم به البلوى من الاحكام كما نبه على ذلك جملة من علمائنا الاحلام واليه ا شارالمحقق في المعتبر قال في بيان معاني الاستصحاب: " الثاني - ان يقال: عدم الدليل على كذا فيجب نفيه. وهذا يصح فيما يعلم انه لو كان هناك دليل لظفر به، اما لا مع ذلك فانه يجب التوقف " انتهى. (الثالث) - استفاضة الاخبار بتثليث الاحكام " حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك ". ولو تم ما ذكروا من العمل بالبراءة الاصلية المتقضي لدخول ما دلت عليه في الحلال البين، لم يبق للقسم الثالث فرد يندرج تحته ولما كان للتثليث وجه، بل تيعين القول بالتثنية وهو الحلال والحرام خاصة، والاخبار بخلافه. (الرابع) - الاخبار المتاكثرة بل المتواترة معنى انه مع عدم العلم بالحكم الشرعي يجب السؤال منهم (عليهم السلام) أو من نوابهم، والا فالتوقف والوقوف على جادة الاحتياط. ولو كان للعمل بالبراءة الاصلية اصل في الشريعة لما كان لامرهم (عليهم السلام) بالتوقف وجه.


[ 47 ]

(الخامس) - انه قد ورد عنه (عليهم السلام) جملة من الطرق لترجيح الاخبار كما تقرر في مقبولة عمر بن حنظلة وغيرها، ولم يذكروا البراءة الاصلية في جملة تلك لاطرق، بل قد اشتملت مقبولة عمر بن حنظلة بعد التوافق في جميع طرق الترجيح على الارجاء حتى يلقى امامه، معللا له بان " الوقوف في الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات " وحينئذ فإذا كان الواجب مع الاتفاق في جميع تلك الطرق هو ترك الحكم من كل منهما والتوقف فاي ترجيح باصالة البراءة التي ذكروها ؟ إذ لو كانت دليلا شرعيا على العدم وموجبة لترجيح ما اعتضد بها لترجح بها هنا احد الجانبين وما ربما يظهر من كلام بعد الاجلاء - من أن ذلك مخصوص بالمنازعات في الاموال والفرائض والمواريث كما يعطيه صدر الخبر وهو قول السائل: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من اصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث " - ففيه (اولا) - ان خصوص السؤال لا يخصص عموم الجواب كما تقرر عندهم. و (ثانيا) - ان هذه الترجيحات التي ذكرها (عليه السلام) لم يخصها احد من الاصحاب بالاخبار المتعارضة في خصوص هذه الاشياء التي ذكرها بل يجرونها في كل حكم تعارضت فيه الاخبار، كما لا يخفى على من جاس خلال تلك الديار وذاق لذيذ تلك الثمار. احتج بعض فضلاء متاخري المتأخرين بان القول بالبراءة الاصلية مما تدل عليه الاية والاخبار، كقوله تعالى: " خلق لكم ما في الارض جميعا " وقول الصادق


[ 48 ]

(عليه السلام): " كل شيئ مطلق حتى يرد فيه نهي " قال: على انا لا نعنى بالبراءة الاصلية عدم التكليف بالكلية، لظهور فساده بما استفاض في الاخبار انه لا حكم من الاحكام الا وقد ورد فيه خطاب شرعي، وانما نعنى بها عدم تعلق التكيلق بنا واصالة براءة الذمة منه، لعدم الوقوف على دليله، إذ لا تكليف الا بعد البيان. ولعين ما تقدم من الاخبار المشار إليها في المعنى الاول من معاني البراءة الاصلية. واجاب بتخصيص الشبهة والتثليث في الاحكام بما تعارضت فيه الاخبار، واما ما لم يرد فيه نص فليس من الشبهة في شئ، وعلى تقدير تسليم كونه شبهة وشمول تلك الاخبار له يخرج بالاخبار الدالة على ان " كل شيئ مطلق حتى يرد فيه نهي " ونحوه. وما ذكره (قدس سره) محل نظر، اما الاية المذكورة فالجواب عنها (اولا) - ما عرفت في المقام الاول من ان محل الاستدلال من القرآن العزيز هو ما كان محكم الدلالة. والاية المذكورة مجملة محتملة لمعان عديدة كما سيظهر لك و (ثانيا) - انه قد روي في تفسيرها عن امير المؤمنين (صلوات الله عليه) قال: " خلق لكم ما في الارض لتعتبروا به.. الحديث ". وعلى هذا يسقط الاستدلال رأسا و (ثالثا) - ان غاية ما تدل عليه انه (سبحانه) حلق ما في الارض لاجل منافع العباد الدينية والدنيوية باي وجه انفق، وذلك لا يستلزم اباحة كل شيئ، ومجرد خلقه للانتفاع لا يستلزم حلية ما لم يرد في حليته نص، لجواز الانتفاع به على وجه آخر، إذ لا شيئ من الاشياء الا وفيه وجوه عديدة من المنافع. ولئن سلمنا الدلالة فالتخصيص قائم بما قدمناه من الاخبار كما قد خصت بغيرها مما لا يخالف فيه الخصم.


[ 49 ]

واما الرواية فمن وجوه ايضا عديدة: (احدها) - ان هذا الخبر وما ضاهاه مما استدلوا به اخبار احاد لا تفيد الا الظن، والمسألة من الاصول المطلوبة فيها القطع عندهم. و (ثانيها) - ان هذا الخبر وما شاكله موافق للعامة، لدلالتها على التثنية في الاحكام بالحل والتحريم وانه لا وجود للتشابه فيها، وانه لا توقف ولا احتياط في شيئ من الاحكام كما هو مذهبهم، والاخبار التي قدمناها دالة على التثليث والتوقف ووجوب الاحتياط في بعض وهو المتشابة، وقد تقرر في اخبارنا وجوب الاخذ بخلافهم فان الرشد فيه. و (ثالثها) - ان المفروض في الخبر المذكور عدم وجود النهي وعدم حصول العلم، والحال ان النهي موجود فيما اشرنا إليه آنفا من الاخبار وهو النهي عن القول بغير علم في الاحكام الشرعية والنهي عن ارتكاب الشبهات. وحصل ايضا العلم منها وهو العمل بالاحتياط في بعض افراد موضع النزاع والتوقف في بعض، وعلى هذا يكون مضمون هذا الخبر وامثاله مخصوصا بما قبل اكمال الشريعة أو بمن لم يبلغه النهي العام المعارض لهذه الاخبار، فيبقى الآن مضمونها غير موجود عند العلماء العارفين بمعارضاتها. و (رابعها) - الحمل على الخطابات الشرعية. وحاصل معناه: ان كل خطاب شرعي فهو باق على اطلاقه وعمومه حتى يرد فيه نهي في بعض افراده يخرجه عن ذلك الاطلاق، مثل قولهم: " كل شيئ طاهر حتى تعلم انه قذر " و " كل شيئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعلم الحرام بعينه " ونحو ذلك من القواعد الكلية والضوابط الجلية. و (خامسها) - ان العمل بهذا الخبر وما شابهه خلاف الاحتياط وما يقالها موافق للاحتياط، فانه لا خلاف في رجحان


[ 50 ]

الاحتياط في المقام وانما الخلاف في وجوبه أو استحبابه، فالنافون للبراءة الاصلية على الوجوب والمثبتون لها على الاستحباب، والاخبار الدالة على الامر بالاحتياط في الدين اوضح دلالة واكثر عددا فالعمل بها ارجح البتة. واما قول: على انا لا نعني باصالة البراءة إلى آخره، فان فيه انه خروج عن ظاهر العبارة بل عن تصرفاتهم بذلك كما لا يخفى على من راجع كلامهم، فان مرادهم بالاباحة هي الاباحة الاصولية التي هي عبارة عن عدم تعلق التكليف، لكن هذا القائل حيث استشعر الايراد بالاخبار التي اشرنا إليها التجأ إلى القول بما ذكره، مع ان فيه ايضا اان الاباحة الشرعية أحد الاحكام الشرعية المتوقفة ايضا على الدليل، ولا دليل على اباحة ما لا نص فيه، والاية والخبر اللذان هما عمدة ادلة اولئك الفائلين بالحجية قد عرفت ما فيهما. واما الاخبار التي استند إليها في عدم تعلق التكليف بنا حتى يظهر دليله، فهي محمولة على المعنى الاول من معنيي البراءة الاصلية كما ينساق للناظر من ظاهر الفاظها لا المعنى الثاني منهما، لمعارضتها بالاخبار المستفيضة التي اشرنا إليها آنفا من حيث دلالتها على وجوب الكف والتثبت في كل فعل وجودي لم نقطع بجوازه عند الله تعالى. واما جوابه - بتخصيص الشبهة والتثليث في الاحكام بما تعارضت فيه الاخبار بناء على ظنه انحصار الدليل في مقبولة عمر بن حنظلة ونحوها - ففيه ان الاخبار دالة على ما هو اعم بل صريحة في الفرد الذي ندعيه، ومن ذلك ما رواه في الفقية من خطبة امير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال: " ان الله حد حدودا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تنقصوها، وسكت عن اشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلفوها رحمة من الله لكم فاقبلوها، ثم قال (عليه السلام): حلال بين وحرام بين وشبهات


[ 51 ]

بين ذلك.. الحديث ". ومن المعلوم ان السكوت عنها انما هو باعتبار عدم النص عليها بالكلية. وفي حديث الطيار عن الصادق (عليه السلام): " لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعلمون الا الكف عنه والتثبت والرد على أئمة الهدى حتى يحملوكم فيه على القصد " وبمضمونه اخبار عديدة، وحينئذ فلا يتجه ما ذكره من اخراج ما لم يرد فيه نص من الشبهة على تقدير شمول تلك الاخبار، فان الدليل على دخوله في الشبهة ليس مختصا بعموم اخبار الشبهة كما توهمه، بل خصوص هذه الاخبار الناصة عليه بخصوصه الآمرة بالتوقف فيه والرد إلى ااصحاب العصمة (سلام الله عليهم). واما الاخبار التي ادعى الاستناد إليها والتخصيص بها فقد عرفت وجه الجواب عنها مفصلا. (المطلب الثاني) - في الاستصحاب، اعلم انهم صرحوا بان الاستصحاب يقع على اقسام اربعة: (احدها) - استصحاب نفي الحكم الشرعي وبراءة الذمة منه إلى ان يظهر دليله، وهو المعبر عنه بالبراءة الاصلية التي تقدم الكلام عليها بمعنييها. و (ثانيها) - استصحاب حكم العموم إلى ان يقوم المخصص، وحكم النص إلى ان يرد الناسخ. و (ثالثها) - استصحاب اطلاق النص إلى ان يثبت المقيد. و (رابعها) استصحاب حكم شرعي في موضع طرأت فيه حالة لم يعلم شمول الحكم لها، بمعنى انه يثبت حكم في وقت ثم يجيئ وقت اخر ولا يقوم دليل على انتفاء ذلك


[ 52 ]

الحكم فيه، فيحكم ببقائه على ما كان، استصحابا لتلك الحالة الاولى. إذا عرفت ذلك فاعلم انه لا خلاف ولا اشكال في حجيته بالمعنى الثاي ن والثالث، لان مرجعهما إلى الاستدلال بعموم النص واطلاقه، وانما الاشكال والخلاف في احد معنى البراءة الاصلية، وقد تقدم وفي المعنى الرابع، وهو محل الخلاف في المقام ومنتصل سهام النقض والابرام، فجملة من علمائنا الاصوليين بل اكثرهم على ما نقله البعض على القول بالحجية، والمشهور بين المحدثين وجملة من علمائنا الاصوليين - بل نقل بعض انه مذهب اكثرهم ايضا - على العدم، وهو المنقول عن الشيخ والسيد المرتضى والمحقق. وهو اختيار صاحبي المعالم والمدارك. ومثلوا له بالمتيمم إذا دخل في الصلاة ثم وجد الماء في اثنائها، فان الاتفاق واقع على وجوب المضى فيها قبل الرؤية، لكن هل يستمر على فعلها والحال كذلك أم يستانف ؟ مقتضى الاستصحاب الاول. احتج القائلون بالحجية بوجوه: (احدها) - ان المقتضى للحكم الاول ثابت والعارض لا يصلح رافعا له، فيجب الحكم بثبوته في الثاني. وجوابه ان صلاحية العارض للرفع وعدمها فرع الثبوت في الثاني، فان غاية ما دل عليه الدليل ثبوت الحكم في الزمن الاول، وثبوته في الثاني يحتاج إلى دليل. و (ثانيها) - ان الثابت اولا قابل للثبوت ثانيا، والا لا نقلب من الامكان الذاتي إلى الاستحالة، فيجب ان يكون في الزمان الثاني جائز الثبوت كما كان اولا، فلا ينعدم الا بمؤثر، لاستحالة خروج الممكن عن احد طرفيه إلى الآخر الا لمؤثر، فااذا كان التقدير عدم العلم بالمؤثر بكون بقاؤه ارجح من عدمه في اعتقاد المجتهد، والعمل بالراجح واجب. وجوابه ان توقف الانعدام على مؤثر فرع الوجود بالفعل لا امكان الوجود. وبالجملة فالمانع مستظهر، قال سيدنا المرتضى (قدس سره) - في الاحتجاج


[ 53 ]

على إبطال العمل بالاستصحاب - ما حاصله: ان في الاستصحاب جمعا بين حالين مختلفين في حكم من غير دلالة، فانا إذا كنا اثبتنا الحكم في الحالة الاولى بدليل فالواجب ان ننظر، فان كان الدليل يتناول الحالين، سوينا بينهما فيه الا انه ليس من الاستصحاب في شيئ، وان كان تناول الدليل انما هو للحالة الاولى فقط والثانية عارية عن الدليل، فلا يجوز اثبات مثل الحكم لها من غير دليل، وجرت هذه الحالة مع الخلو عن الدليل مجرى الاولى لو خلت من دلالة، فإذا لم يجز اثبات الحكم للاولى الا بدليل فكذلك الثانية. انتهى. وهو جيد. و (ثالثها) - ان الفقهاء عملوا باستصحاب الحال في كثير من المسائل، والموجب للعمل هناك موجود في موضع الخلاف، وذلك كمسألة من تيقن الطهارة وشك في الحدث فانه يعمل على يقينه. وجوابه انه قياس مع وجود الفارق، لان الاستصحاب المقاس عليه من القسم الثاني من الاقسام المتقدمة، والفرق بينه وبين ما نحن فيه ظاهر. (اما الاول) - فان محل الاستصحاب المتنازع فيه هو الحكم الشرعي، وذلك القسم محل الاستصحاب فيه جزئيات الحكم الشرعي، والشارع قد أوجب في الحكم الشرعي البناء على العلم واليقين دون جزئيات الحكم، فان الحكم فيها مختلف كما اوضحناه في محل أليق و (اما ثانيا) - فلان الاستصحاب المقاس عليه ليس هو في التحقيق من الاستصحاب في شئ كما صرح به علم الهدى (رضي الله عنه) فيما تقدم من كلامه، بل هو عمل باطلاق الدليل أو عمومه، لان قوله -: " لا تنقض اليقين بالشك. ولا تنقضه إلا بيقين آخر " وقوله: " كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر " ونحو ذلك - دال على ثبوت تلك الاحكمام في جميع الاحوال والازمان إلى ان يحصل يقين وجود الرافع، بخلاف الاستصحاب المتنازع فيه، فان الدليل - كما عرفت - إنما دل


(1) قد اوضحنا ذلك حسيما يراد على وجه لا يتطرق إليه الا يرد في كتاب الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية، وفقنا الله تعالى لاتمامه (منه قدس سره).


[ 54 ]

على حكم الحال الاولى وسكت عن الثانية، ولهذا سمي تعديته إلى الحال الثانية حيث كانت عارية عن الدليل استصحابا، ومن ثم ايضا جعل الاستصحاب دليلا برأسه مقابلا للسنة، وبابطال الادلة المذكورة تنتفي الحجية ويزيد ذلك بيانا ايضا وجوده: (الاول) - ان مفاد الاستصحاب - على ما ذكروه - إنما هو الظن، وقد قامت الادلة القاطعة - كما بسطنا الكلام عليه في كتاب المسائل - على ان الظن المتعلق بنفس احكامه تعالى غير معتبر شرعا. على ان وجود الظن ايضا فيه ممنوع، لان موضوع المسألة الثانية مقيد بالحالة الطارئة وموضوع المسألة الاولى مقيد بنقيض تلك الحالة، فكيف يظن بقاء الحكم الاول ؟ (الثاني) - انه لا يخفى - على من راجع الاخبار وغاص لجج تلك البحار - انه قد ورد من الشارع في بعض الصور حكم يوافق الاستصحاب بالمعنى الذي ذكروه وفي بعضها ما يخالفه. ومنه يعلم انه ليس حكما كليا ولا قاعدة مطردة تبنى عليه الاحكام، ومن تأمل - في أحاديث مسألة المتيمم إذا وجد الماء بعد الدخول في الصلاة التي هي المثال الدائر للاستصحاب - ظهر له صحة ما قلنا، فان بعضها قد دل على انه ينصرف من الصلاة ويتوضأ ما لم يركع، وبعضها على انه يمضي في صلاته مطلقا، وبعضها على انه ينصرف بعد أن صلى ركعة ويتوضأ ويبني على ما مضى، وجل الاخبار دال على الانصراف وان كان في بعضها (ما لم يركع) وبعضها (ولو بعد تمام الركعة) ولم يرد بالمضي إلا رواية محمد بن حمران، فلو كان الاستصحاب - الذي اعتمدوه دليلا في الاحكام ومثلوا له بهذا المثال - دليلا برأسه لوجب - على هذا المصلي بمقتضى ذلك - المضي في الصلاة ولزم طرح هذه الاخبار. وفيه من البطلان ما لا يحتاج إلى البيان (1).


(1) ومثل ذلك مسألة من نوى الاقامة عشرا ثم بدا له. سواء كان بعد الصلاة أم قبلها فان مقتضى العمل بالاستصحاب وجوب التمام بنية الاقامة القاطعة للسفر والاستمرار علي ذلك، وان العزم على السفر بعد ذلك ولو قبل الصلاة تماما لا. يزيل حكم نية الاقامة مع =


[ 55 ]

(الثالث) - ان هذا الموضع من المواضع الغير المعلوم حكمه تعالى فيها في غير ما دلت عليه النصوص، وقد تواترت الاخبار في مثل ذلك بوجوب التوقف والاحتياط كما سلف تحقيقه. هذا. والمفهوم - من كلام المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) في تعليقاته على المدارك - الميل إلى العمل بالاستصحاب على تفصيل ذكره هناك. وقد بسطنا الكلام على المسألة المذكورة في كتاب الدرر النجفية، ونقلنا كلام المحدث المذكور وأوضحنا ما فيه من القصور، وكذا كلام بعض الاعلام في المقام وما يتعلق به من النقض والابرام، وههنا مواضع من الاحكمام قد حصل الشك في اندراجها تحت القسم الثالث الذي هو عبارة عن اطلاق النص، أو القسم الرابع الذي هو محل النزاع سيأتي التنبيه عليها في مواضعها ان شاء الله تعالى. (المطلب الثالث) - في لحن الخطاب وفحوى الخطاب ودليل الخطاب. ومرجع ذلك إلى دلالة المفهوم موافقة أو مخالفة. وتفصيل القول في ذلك ان دلالة اللفظ على معناه اما ان تكون في محل النطق أو لا في محله. والاول - اما ان يكون مطابقة أو تضمنا أو التزاما، والا ولان صريح المنطوق والثالث غير صريحه، وهو أقسام: (أحدها) - ما يتوقف صدق المعنى أو صحته عليه، ويسمى دلالة اقتضاء. و (الاول) - نحو قوله (صلى الله عليه وآله): " رفع عن امتي تسعة اشياء: الخطأ والنسيان.. الحديث " (1). فان صدقه يتوقف على تقدير المؤاخذة ونحوها. و (الثاني) - نحو قوله سبحانه: " واسئل القرية " (2) فان صحة المعنى تتوقف على تقدير


= ان الاخبار فيه فصلت بالصلاة وعدمها، فلو كان الاستصحاب قاعدة كلية يتحتم البناء عليها في الاحكام لما كان للتفصيل وجه في هذا المقام (منه رحمة الله). (1) رواه في الوسائل في باب - 56 - من ابواب جهاد النفس وما يناسبه من كتاب الجهاد (2) سورة يوسف آية 82.


[ 56 ]

الاهل، لان السؤال من القرية لا يصح عقلا، وحجية هذا القسم ظاهرة إذا كان الموقوف عليه مقطوعا به. (الثاني) - ما لا يتوقف عليه صدق المعنى ولا صحته لكنه اقترن بحكم على وجه يفهم منه انه علة لذلك الحكم، فيلزم حينئذ جريان الحكم المذكور في غير هذا المورد مما اقترن بتلك العلة، ويسمى بدلالة التنبيه والايماء، نحو قوله (صلى الله عليه وآله): " اعتق رقبة " (1) حين قال له الاعرابي: واقعت أهلي في شهر رمضان. فانه يفهم منه ان علة وجوب العتق هي المواقعة فتجب في كل موضع تحققت، وكما إذا قيل له (عليه السلام): صليت مع النجاسة فقال: اعد صلاتك، فانه يفهم منه ان علة الاعادة هي النجاسة، فتجب الاعادة حينئذ في كل موضع تحققت النجاسة، والظاهر حجيته مع علم العلية وعدم مدخلية خصوص الواقعة في ذلك. وهذ أحد قسمي تنقيح المناط، واليه اشار المحقق في المعتبر حيث حكم بحجية تنقيح المناط القطعي، وهو كذلك، فان مدار الاستدلال في جل الاحكام الشرعية على ذلك، إذ لو لوحظ خصوصية السائل أو الواقعة لم يثبت حكم كلي في مسألة شرعية إلا نادرا. (الثالث) - ما لم يقصد عرفا من الكلام ولكنه يلزمه، نحو قوله تعالى: " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " (2) مع قوله سبحانه " وفصاله في عامين " (3) فانه يعلم منه ان أقل الحمل ستة اشهر، والمقصود من الآية الاولى إنما هو بيان حق الوالدة وتعبها، وفي الثانية بيان مدة الفصال، ولكن قد لزم منهما بيان أقل الحمل، وتسمى دلالة اشارة، وحجيته ظاهرة مع قطعية اللزوم.


(1) هذا من حديث رواه في الوسائل عن الفقيه من باب - 8 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الامساك من كتاب الصيام. (2) سورة الاحقاف آية 15. (3) سورة لقمان آية 14.


[ 57 ]

واعترض بعض الفضلاء على عد الدلالة الالتزامية باقسامها الثلاثة من المنطوق واختار دخولها في المغهوم، محتجا بان المنطوق ما دل عليه اللفظ في محل النطق. والمفهوم ما دل عليه لا في محله، والمطلوب بالدلالة الالتزامية ليس مدلولا عليه في محل النطق. والثاني - وهو دلالة اللفظ لا في محل النطق، وتسمى دلالة المفهوم - قسمان: مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة، لان حكم غير المذكور اما موافقة لحكم المذكور نفيا واثباتا أو لا، والاول الاول والثاني الثاني. فالقسم الاول يسمى بفحوى الخطاب ولحم الخطاب. ومثلوه بقوله تعالى: " فلا تقل لهما اف.. " (1) فانه يعلم من حال التأفيف وهو محل النطق حال الضرب وهو غير محل النطق ويعلم اتفاقهما في الحرمة، وقوله سبحانه: " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " (2) فانه يعلم منه حال ما زاد على الذرة والمجازاة عليه، ومرجعه إلى التنبيه بالادنى اي الاقل مناسبة على الاعلى اي الاكثر مناسبة، وهو حجة إذا كان قطعيا، بمعنى قطعية العلية في الاصل كالاكرام في منع التأفيف وعدم تضييع الاحسان والاساءة في الجزاء، وكون العلة أشد مناسبة في الفرع. واما إذا كان ظنيا فيدخل في باب القياس المنهي عنه، كما يقال: يكره جلوس الصائم المجبوب في الماء لاجل ثبوت الكراهة للمرأة الصائمة. لعدم علم كون علة الكراهة للمرأة هو جذب الفرج الماء. والقسم الثاني ويسمى دليل الخطاب - ينقسم إلى مفهوم الشرط، ومفهوم الغاية، ومفهوم الصفة. ومفهوم الحصر. ومفهوم العدد. ومفهوم الزمام والمكان وقد وقع الخلاف بين الاصوليين من اصحابنا وغيرهم في حجية المفهوم بجميع


(1) سورة الاسراء. آية 23. (2) سورة الزلزال. آية 7 و 8.


[ 58 ]

أقسامه، فنفاه من اصحابنا المرتضى (رضي الله عنه) وجماعة من العامة، واليه مال المحدث السيد نعمة الله الجزائري والشيخ محمد بن الحسن العاملي (قدس الله سرهما) وادلة القوم - في كتب الاصول من الطرفين - متصادمة، والاحتجاجات متعارضة. الا ان الظاهر تبادر ذلك في كثير من الامثلة الواردة في جملة منها. ولعل ذلك بحسب العرف ولم نقف في النصوص على ما يقتضي الحجية في شئ منها سوى مفهوم الشرط، فقد ورد في جملة منها ما يدل على ذلك. فمنها - ما ورد عن الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: " بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم ان كانوا ينطقون " (1) قال: " والله ما فعله كبيرهم وما كذب ابراهيم. فقيل: كيف ذاك ؟ قال: انما قال: فعله كبيرهم هذا ان نطقوا، وان لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم هذا شيئا ". و (منها) - ما رواه الشيخ في التهذيب في باب النفر من منى (2) عنه (عليه السلام) في حديث قال فيه: " فان الله عزوجل يقول: " فمن تعجل في يومين فلا اثم عليه ومن تأخر فلا اثم عليه " (3) فلو سكت لم يبق أحد إلا تعجل لكنه قال ومن تأخر فلا اثم عليه ". و (منها) - ما رواه في الكافي والفقيه عن عبيد بن زرارة (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) قوله تعالى: فمن شهد منكم الشهر فليصمه (5) قال: ما ابينها من شهد فليصمه ومن سافر فلا يصمه ".


(1) سورة الانبياء. آية 63. (2) وفى الوسائل في باب - 9 - من ابواب العود إلى منى ورمى الجمار والمبيت والنفر من كتاب الحج. (3) سورة البقرة. آية 203. (4) وفى الوسائل في باب - 1 - من ابواب من يصح منه الصوم من كتاب الصيام. (5) سورة البقرة. آية 185.


[ 59 ]

و (منها) - ما رواه في الفقيه في باب الشقاق، في الصحيح عن ابن ابي عمير هشام بن الحكم: " انه تناظر هو وبعض المخالفين في الحكمين بصفين: عمرو ابن العاص وأبي موسى الاشعري، فقال المخالف: ان الحكمين لقبولهما الحكم كانا مريدين للاصلاح بين الطائفتين. فقال هشام: بل كانا غير مريدين للاصلاح بين الطائفتين. فقال المخالف: من اين قلت هذا ؟ قال هشام: من قوله الله تعالى في الحكمين: " ان يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما " (1) فلما اختلفا ولم يكن بينهما اتفاق على أمر واحد ولم يوفق الله بينهما. عملنا انهما لم يريدا الاصلاح.. ". ولا ريب ان هشاما من اجلاء ذوي الافهام ورؤساء علماء الكلام، ولهذا ان خصمه سلم إليه ولم يمكنه الرد عليه. والعجب هنا من المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (طاب ثراه) في كتاب الفوائد الطوسية، حيث بالغ في انكار حجية مفهوم الشرط، وأورد جملة من الآيات القرآنية دالة على عدم جواز اعتبار مفهوم الشرط. مع ورود ما سردناه من الاخبار الدالة على ذلك باوضح دلالة. وانه قد تقرر - عند القائلين بحجيته - ان اعتبار المفهوم إنما يصار إليه إذا لم يكن للتعليق على الشرط فائدة سوى الانتفاء بانتفائه، وما أورده من الآيات كلها من ذلك القبيل. هذا. واما ما ذكروه - من الملازمة بالنسبة إلى مقدمة الواجب وكذلك استلزام الامر بالشئ النهي عن ضده الخاص - فلم نقف له في الاخبار على اثر، مع ان الحكم في ذلك مما تعم به البلوى. وقد حققنا - في كتاب الدرر النجفية في مسألة البراءة الاصلية، وأشرنا إلى ذلك ايضا هنا في المطلب الاول من المقام الثالث - ان التمسك بالبراءة الاصلية فيما تعم به البلوى من الاحكام بعد تتبع الادلة وعدم الوقوف على ذلك


(1) سورة النساء. آية 36.


[ 60 ]

فيها حجة واضحة، ولو كان الامر كما ذكروا، لورد عنهم (عليهم السلام) النهي عن اضداد الواجبات من حيث هي كذلك بالنسبة إلى مسألة استلزام الامر بالشئ النهي عن ضده الخاص. والتالي باطل. على انه لا يخفى ما في القول بذلك من الحرج المنفي بالآية والرواية كما صرح به شيخنا الشهيد الثاني (1) وحينئذ فيكون داخلا في باب " اسكتوا عما سكت الله عنه " (2). تتميم نفعه عميم جمهور الاصوليين من اصحابنا وغيرهم على حجية قياس الاولوية ومنصوص العلة، ومثلوا للاول بدلالة تحريم التأفيف في الآية على تحريم انواع الاذى الزائدة عليه. وسماه بعضهم بالقياس الجلي، وانكره المحقق وجمع من الاصحاب، واختلفوا في وجه التعدية في الآية، فذهب بعض إلى انه من قبيل دلالة المفهوم وهو مفهوم الموافقة كما تقدم تحقيقه، وقيل انه منقول عن موضوعه اللغوي إلى المنع من انواع الاذى، لاستفادة ذلك المعنى من اللفظ من غير توقف على استحضار القياس، وهو اختيار المحقق. ويدل على عدم حجيته من الاخبار ما رواه الصدوق في كتاب الديات (3) عن ابان (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ما تقول في رجل قطع اصبعا من اصابع المرأة كم فيها ؟ قال عشرة من الابل. قلت: قطع اثنين: قال عشرون


(1) قال (قدس سره) - بعد الكلام في المسألة - ما صورته: لو كان كذلك لم يتحقق السفر إلا لا وحدي الناس، لمصادمته غالبا لتحصيل العلوم الواجبة، وقلما يتفك الانسان عن شغل الذمة بشئ من الواجبات الفورية. مع انه على ذلك التقدير موجب لبطلان الصلاة الموسعة في غير آخر وقتها. ولبطلان النوافل اليومية وغيرها. انتهى (منه رحمة الله). (2) الذى قد تضمنته خطبة امير المؤمنين (عليه السلام) المروية في الفقيه في باب (نوادر الحدود) المتقدمة في صحيفة (50) وغيرها من الرويات. (3) في باب (الجرحات والقتل بين الرجال والنساء) وفى الوسائل في باب - 45 - من ابواب ديات الاعضاء من كتاب الديات. (4) ابن تغلب.


[ 61 ]

قلت: قطع ثلاثا ؟ قال: ثلاثون. قلت: قطع أربعا ؟ قال: عشرون. قلت: سبحان الله يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعا فيكون عليه عشرون ؟ ان هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنتبرأ ممن قاله، ونقول: الذي قاله شيطان. فقال. مهلا يا ابان ان هذا حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت المرأة إلى النصف، يا ابان انك اخذتني بالقياس، والسنة إذا قيست محق الدين " ورواه في كتاب المحاسن، وزاد - بعد قوله: " انك أخذتني بالقياس " - " ان السنة لا تقاس، ألا ترى انها تؤمر بقضاء صومها ولا تؤمر بقضاء صلاتها " ولا يخفى عليك ما في الخبر المذكور من الصراحة في المطلوب. و (منها) - ما ورد من قول الصادق (عليه السلام) لابي حنيفة: " اتق الله ولا تقس الدين برأيك، فان أول من قاس ابليس، إلى أن قال: ويحك ايهما أعظم، قتل النفس أو الزنا ؟ قال: قتل النفس. قال: فان الله عزوجل قد قبل في قتل النفس شاهدين ولم يقبل في الزنا إلا أربعة. ثم قال: ايهما أعظم، الصلاة أو الصوم ؟ قال: الصلاة. قال: فما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي االصلاة، فكيف يقوم لك قياس ؟ فاتق الله ولا تقس ". و (منها) - قوله (عليه السلام) لابي حنيفة في عدة اخبار: " البول أقذر أم المني ؟ فقال: البول أقذر. فقال يجب على قياسك ان يجب الغسل من البول دون المني، وقد أوجب الله الغسل من المني دون البول (1).


(1) وفى بعض الاخبار ايضا: لما قال له السائل: " الحائض تقضي الصلاة ؟ قال: لا. قال: تقضى الصوم ؟ قال: نعم. قال: من اين جاء هذا ؟ قال اول من قاس ابليس. ثم قال: والصائم يستنقع في الماء ؟ قال نعم. قال: يبل الثوب على جسده ؟ قال: لا. قال: من اين جاء هذا ؟ قال: ذا من ذاك " ومن ذلك صحيحة عبد الله بن سنان، قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسافر في شهر رمضان ومعه جارية له فله ان يصيب منها بالنهار ؟ فقال: سبحان الله اما يعرف حرمة شهر رمضان، ان له في الليل =


[ 62 ]

و (منها) - ما رواه في تفسير العسكري (عليه السلام) (1) عن امير المؤمنين (صلوات الله عليه): قال: " قال: يا معشر شيعتنا والمنتحلين مودتنا اياكم واصحاب الرأي، إلى أن قال: اما لو كان الدين بالقياس لكان باطن الرجلين اولى بالمسح من ظاهرهما " إلى غير ذلك من الاخبار التي يقف عليها المتتبع (2) وقد دلت على كون ذلك قياسا ولا سيما الخبر الاول منها، مع انه قد استفاضت الاخبار عنهم (عليهم السلام) بالمنع عن العمل بالقياس بقول مطلق من غير تخصيص بفرد بل صار ذلك من ضروريات مذهب أهل البيت (عليهم السلام). فما يظهر - من بعض مشايخنا المتأخرين (3) من كون ذلك ليس من باب القياس، مستندا إلى ان ما جعل فرعا على الاصل في الحكم أولى بالحكم من الاصل فكيف يجعل فرعا عليه ؟ - اجتهاد في مقابلة النصوص أو غفلة عن ملاحظة ما هو في تلك الاخبار مسطور ومنصوص. على انه يمكن الجواب عما ذكره من عدم الفرعية بان الحكم إنما ثبت اولا وبالذات بمنطوق الكلام للتأفيف مثلا، لمنافاته لوجوب الاكرام، والضرب إنما ثبت له لمشاركته للاول في العلة المذكورة وان كانت العلة أشد بالنسبة إليه


= سبحا طويلا. قلت: أليس له ان يأكل ويشرب ويقصر فقال: ان الله تعالى قد رخص للمسافر في الافطار والتقصير رحمة وتخفيفا لموضع التعب والنصب ووعث السفر. ولم يرخص له في مجامعة النساء في السفر بالنهار في شهر رمضان، وأوجب عليه القضاء الصيام ولم يوجب عليه قضاء تمام الصلاة إذا آب من سفره، ثم قال: والسنة لا تقاس.. الحديث " (منه رحمه الله). (1) في تفسير قوله تعالى: " غير المغضوب عليهم ولا الضالين ". (2) روى اخبار المنع عن العمل بالقياس في الوسائل في باب - 6 - من ابواب صفات القاضى وما يقضى به من كتاب القضاء. (3) هو شيخنا بهاء الملة والحق والدين في كتاب الزبدة، حيث اشار إلى ذلك في المتن وبين وجهه في الحاشية بما نقلناه عنه رحمة الله (منه قدس سره).


[ 63 ]

وأشديتها بالنسبة إليه لا تخرجه عن الفرعية، إذ اعتبار الاصالة والفرعية إنما هو بالنظر إلى ما دل على الكلام أولا وبالذات وثانيا وبالعرض. وربما استند بعض الفضلاء إلى الاستدلال على الحجية بقول امير المؤمنين (عليه السلام) في خطابه للانصار: " أتوجبون عليه الحد والرجم، ولا توجبون عليه صاعا من ماء ؟ " (1) وسيأتي الجواب عن ذلك في باب غسل الجنابة في مسألة الجماع في دبر المرأة. وأما منصوص العلة فظاهر كلام المرتضى (رضي الله عنه) انكاره. والعلامة وجمع من الاصحاب على القول به. احتج المرتضى (رضي الله عنه) بما ملخصه: ان علل الشرع انما تنبئ عن الدواعي إلى الفعل أو عن وجه المصلحة فيه، وقد يشترك الشيئان في صفة واحدة ويكون في أحدهما داعية في فعله دون الآخر مع ثبوتها فيه، وقد يكون مثل المصلحة مفسدة، وقد يدعو الشئ إلى غيره في حال دون حال وعلى وجه دون وجه. إلى ان قال: " فإذا صحت هذه الجمل لم يكن في النص على العلة ما يوجب التخطي والقياس وجرى النص على العلة مجرى النص على الحكم في قصره على موضعه ". وحكى العلامة (قدس سره) عن المانعين الاحتجاج بان قول الشارع: حرمت الخمر لكونها مسكرة. يحتمل أن تكون العلة هي الاسكار، وان تكون اسكار الخمر بحيث يكون قيد الاضافة إلى الخمر معتبرا في العلة. وإذا احتمل الامران لم يجز القياس. ثم أجاب بالمنع من احتمال اعتبار القيد في العلة، ثم أطال في البحث إلى ان قال: " والتحقيق ان النزاع هنا لفظي. لان المانع إنما يمنع من التعدية لان قوله: حرمت الخمر لكونه مسكرا. محتمل لان يكون في تقدير التعليل بالاسكار المختص بالخمر، فلا


(1) هذا من صحيح زرارة المروي في الوسائل في باب - 6 - من ابواب الجناية من كتاب الطهارة.


[ 64 ]

يعم، وان يكون في تقدير التعليل بمطلق الاسكار فيعم. والمثبت يسلم ان التعليل بالاسكار المختص بالخمر غير عام وان التعليل بالمطلق يعم. فظهر انهم متفقون على ذلك. نعم النزاع وقع في أن قوله -: حرمت الخمر لكونه مسكرا - هل هو بمنزلة علة التحريم للاسكار أم لا ؟ فيجب ان يجعل البحث في هذا لا في ان النص على العلة هل يقتضي ثبوت الحكم في جميع مواردها، فان ذلك متفق عليه " انتهى (وفيه) ان الامر كما ذكر لو كان حجة الخصم ما ذكره خاصة، وقد عرفت من كلام السيد (رضي الله عنه) التعليل بغير ذلك مما لا ينطبق عليه هذا التفصيل الذي ذكره. ونقل عن المحقق (رحمه الله) التفصيل في المسألة بانه إذا نص الشارع على العلة وكان هناك شاهد حال يدل على سقوط اعتبار ما عدا تلك العلة في ثبوت الحكم، جاز تعدية الحكم وكان ذلك برهانا. واليه مال ايضا المحقق الشيخ حسن في المعالم، واجاب فيه عن حجة المرتضى (رضي الله عنه) بان المتبادر من العلة - حيث يشهد الحال بانسلاخ الخصوصية فيها - تعلق الحكم بها لا بيان الداعي ووجه المصلحة. وما ذكره (قدس سره) جيد بالنظر إلى مفهوم العلة، إلا ان المتتبع - لعلل الشرع الواردة في الاخبار - لا يخفى عليه ان جلها إنما هو من قبيل ما ذكره المرتضى (رضي الله عنه). وقال بعض فضلاء متأخري المتأخرين: " والحق أن يقال: إذا حصل القطع بان الامر الفلاني علة لحكم خاص من غير مدخلية شئ آخر في العلية وعلم وجود تلك العلة في محل آخر لا بالظن بل بالعلم، فانه حينئذ يلزم القول بذلك الحكم في هذا المحل الآخر، لان الاصل حينئذ يصير من قبيل النص على كل ما فيه تلك العلة، فيخرج في الحقيقة عن القياس. وهذا مختار المحقق لكن هذا في الحقيقة قول بنفى حجية القياس المنصوص العلة، إذ حصول هذين القطعين مما يكاد ينخرط في سلك المحالات إلا في تنقيح المناط " انتهى. وهو جيد.


[ 65 ]

وبالجملة فالحق هو عدم القول بالحجية في كلا الموضعين إلا مع الدلالة العرفية في بعض الموارد أو بما يرجع إلى تنقيح المناط القطعي (1) والله وأؤلياؤه أعلم.

 


(1) والى القول بمنع حجية كل من الفردين المذكورين مال المحدث السيد نعمة الله الجزائري (قدس سره) مستندا إلى دخولهما في القياس الذى تواترت الاخبار بالنهي عنه: و (منها) - قول الصادق (عليه السلام) فيما استفاض عنه " ان اصحاب القياس طلبوا العلم بالقاييس فلم تزدهم المقاييس من الحق إلا بعدا " قال: " وهو باطلاقه متناول لجميع افراد القياس في موضع النزاع وغيره " (منه رحمه الله).

 


 

المقدمة الرابعة في الاحتياط

وقد اختلف أصحابنا (رضوان الله عليهم) في وجوبه واستحبابه، فالمجتهدون على الثاني، والاخباريون على وجوبه في بعض المواضع، وربما يظهر من كلام بعض متأخري المتأخرين عدم مشروعيته. قال المحقق (قدش شره) - على ما نقله عنه غير واحد - في كتاب الاوصل: " العمل بالاحتياط غير لازم، وصار آخرون إلى وجوبه، وقال آخرون مع اشتغال الذمة: يكون العمل بالاحتياط واجبا ومع عدمه لا يجب مثال ذلك: إذا ولغ الكلب في الاناء، نجس. واختلفوا هل يطهر بغسلة واحدة ام لابد من سبع ؟ وفيما عدا الولوغ هل يطهر بغسلة أم لابد من ثلاث ؟ احتج القائلون بالاحتياط بقوله (صلى الله عليه وآله): " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ". وبأن الثابت اشتغال الذمة يقينا، فيجب ان لا يحكم ببراءتها إلا بيقين ولا يكون هذا إلا مع الاحتياط. والجواب عن الحديث ان نقول: هو خبر واحد لا يعمل بمثله في مسائل الاصول. سلمناه لكن إلزام المكلف بالاثقل مظنة الريبة، لانه إلزام مشقة لم يدل الشرع عليها. فيجب اطراحها بموجب الخبر.


[ 66 ]

والجواب عن الثاني ان نقول: البراءة الاصلية مع عدم الدلالة الناقلة حجة، وإذا كان التقدير تقدير عدم الدلالة الشرعية على الزيادة في المثال المذكور كان العمل بالاصل أولى، وحينئذ لا نسلم اشتغالها مطلقا بل لا نسلم استغالها إلا بما حصل الاتفاق عليه أو اشتغالها باحد الامرين. ويمكن ان يقال: قد اجمعنا على الحكم بنجاسة الاناء واختلفنا فيما به يطهر، فيجب ان نأخذ بما حصل الاجماع عليه في الطهارة، ليزول ما اجمعنا عليه من النجاسة بما اجمعنا عليه من الحكم بالطهارة ". انتهى كلامه زيد مقامه. وهو محل نظر من وجوه: (احدها) - ان ما جعله موضوعا للنزاع من مسألة إناء الولوغ ونحوها ليس كذلك على اطلاقه، لانه مع تعارض الادلة فللناظر الترجيح بينها والعمل بما يترجح في نظره من أدلة اي الطرفين، وحينئذ فلا مجال هنا للقول بوجوب الاحتياط، واما الاستحباب فيمكن إذا ترجح عنده الاقل، فانه يمكن حمل الزائد على الاستحباب كما هو المعروف عندهم في امثال ذلك. نعم مع عدم الترجيح فالمتجه - كما سيأتي تحقيقه - وجوب الاحتياط في العمل والتوقف في الحكم. و (ثانيها) - ما اجاب به أولا عن الخبر المذكور، فانه مبني على اشتراط القطع في الاصول وعدم العمل بالاحاد مطلقا، وكلاهما محل نظر (اما الاول) فلعدم الدليل عليه، ومن تأمل اختلافاتهم في الاصول وتكثر أقوالهم وادعاء كل منهم التبادر على خلاف ما يدعيه الآخر، علم ان البناء على غير أساس، ومن ثم وقع الاشكال في جل مسائله والالتباس، ولو كانت أدلته مما تفيد القطع كما يدعونه لما انتشر فيه الخلاف، كما لا يخفى على ذوي الانصاف، على انه لو ثبت ثمة دليل على اشتراط القطع في الاصول لوجب تخصيصه بالاصول الكلامية والعقائد الدينية، إذ هي المطلوب فيها ذلك بلا خلاف، دون هذه التي لم يرد لها أصل في الشريعة. وانما هي من محدثات العامة ومخترعاتهم كما حققناه في محل أليق.


[ 67 ]

و (اما الثاني) فلما صرح به جم غفير من اصحابنا - متقدميهم ومتأخريهم - ولا سيما هذا القائل نفسه في كتاب المعتبر وكذا في كتابه في الاصول، بل الظاهر انه إجماعي كما ادعاه غير واحد منهم، من حجية خبر الواحد والاعتماد عليه، وعلى ذلك يدل من الاخبار ما يضيق عن نشره نطاق البيان، وما سبق إلى بعض الاوهام - من تناقض كلامي الشيخ في العمل بخبر الواحد ودعوى المرتضى الاجماع على عدم جواز العمل به - فهو توهم بارد وخيال شارد نشأ عن قصور التتبع لكلامهم والتطلع في نقضهم وإبرامهم، لدلالة كلام الشيخ (رضوان الله عليهم) في غير موضع من كتبه على صحة أخبارنا وتواترها عن الائمة المعصومين (صلوات الله عليهم)، وان المراد بالخبر الواحد الممنوع من جواز التعبد به هو ما كان من طريق المخالفين مما لم تشتمل عليه اصولنا التي عليها معتمد شريعتنا قديما وحديثا. ولتصريح المرتضى (رضى الله عنه) على ما نقله عنه جمع: منهم صاحب المعالم، من أن أكثر اخبارنا المروي في كتبنا معلومة مقطوع على صحتها اما بالتواتر أو بامارة وعلامة دلت على صحتها وصدق رواتها فهي موجبة للعلم مقتضية للقطع وان وجدناها مودعة في الكتب بسند مخصوص من طريق الآحاد. انتهى. وحينئذ فيرجع كلامه إلى كلام الشيخ في معنى الخبر الواحد الممنوع من جواز التعبد به، وقد مضى في المقدمة الثانية ما فيه مقنع لللبيب ومرجع للموفق المصيب. و (ثالثها) - ما اجاب به عن الدليل الثاني من الاستناد إلى حجية البراءة الاصلية في المقام. وفيه ما تقدم نقله عنه (قدس سره) في المعتبر. من ان الاعتماد على البراءة الاصلية إنما يتجه فيما يعلم انه لو كان هناك دليل لعثر عليه، اما لا مع ذلك فانه يجب التوقف. والدليل في الجملة هنا موجود. ووجود المعارض لا يخرجه عن كونه دليلا. ولو عورض بمرجوحيته في مقابلة المعارض فلا يصلح للدلالة، فالدليل العام


[ 68 ]

على وجوب الاحتياط كاف في الخروج عن قضية الاصل ووجوب الزيادة. و (رابعها) - قوله: ويمكن ان يقال قد أجمعنا.. الخ فان فيه ان ثبوت الاجماع إنما هو قبل الغسل بالمرة. واما بعد الغسلة الواحدة فليس ثمة إجماع، فالاستصحاب غير ثابت. على ان في الاستدلال بالاستصحاب ما قد عرفت آنفا. نعم يمكن ان يقال: ان مقتضى صحاح الاخبار ان يقين كل من الطهارة والنجاسة لا يزول إلا بيقين مثله. والنجاسة هنا ثابتة بيقين قبل الغسل بالكلية، ولا تزول إلا بيقين وهو الغسل بالاكثر. وزوالها بالاقل مشكوك فيه، وهو لا يرفع يقين النجاسة، والاستصحاب هنا مما لا خلاف في حجيته، لدلالة صحاح الاخبار عليه كما سبق تحقيقه في المسألة المذكورة. هذا. والتحقيق في المقام - على ما أدى إليه النظر القاصر من أخبار أهل الذكر (عليهم السلام) - هو ان يقال: لا ريب في رجحان الاحتياط شرعا واشتفاضة الامر به. كما سيمر بك شطر من اخباره. وهو عبارة عما يخرج به الملكف من عهدة التكليف على جميع الاحتمالات، ومنه ما يكون واجبا، ومنه ما يكون مستحبا. (فالاول) - كما إذا تردد المكلف في الحكم، اما لتعارض أدلته، أو لتشابهها وعدم وضوح دلالتها، أو لعدم الدليل بالكلية بناء على نفي البراءة الاصلية، أو لكون ذلك الفرد مشكوكا في اندراجه تحت بعض الكليات المعلومة الحكم، أو نحو ذلك. و (الثاني) - كما إذا حصل الشك باحتمال وجود النقيض لما قام عليه الدليل الشرعي احتمالا مستندا إلى بعض الاسباب المجوزة، كما إذا كان مقتضى الدليل الشرعي أباحة شئ وحليته، لكن يحتمل قريبا بسبب بعض تلك الاسباب انه مما حرمه الشارع وان لم يعلم به المكلف، ومنه جوائز الجائر ونكاح امرأة بلغك انها ارضعت معك


[ 69 ]

الرضاع المحرم إلا انه لم يثبت ذلك شرعا. ومنه ايضا الدليل المرجوح في نظر الفقيه، اما إذا لم يحصل له ما يوجب الشك والريبة في ذلك، فانه يعمل على ما ظهر له من الدليل وان احتمل النقيض باعتبار الواقع، ولا يستحب له الاحتياط هنا، بل ربما كان مرجوحا، لاستفاضة الاخبار بالنهي عن السؤال عند الشراء من سوق المسلمين ما يحتمل تطرق احتمال النجاسة أو الحرمة إليه كاخبار الجبن واخبار الفراء، جريا على مقتضى سعة الحنيفية، كما أشار إليه في صحيحة البزنطي (1) الواردة في السؤال عن شراء جبة فراء لا يدري أذكية هي أم غير ذكية ليصلى فيها، حيث قال (عليه السلام): " وليس عليكم بالمسألة. ان أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول: ان الخوارج ضيقوا على انفسهم بجهالتهم، وان الدين أوسع من ذلك ". إذا عرفت ذلك فاعلم ان الاحتياط قد يكون متعلقا بنفس الحكم الشرعي وقد يكون متعلقا بجزئيات الحكم الشرعي وافراد موضوعه. و (كيف كان) فقد يكون الاحتياط بالفعل وقد يكون بالترك وقد يكون بالجمع بين الافراد المشكوك فيها، ولنذكر جملة من الامثلة يتضح بها ما أجملناه ويظهر منها ما قلناه. فمن الاحتياط الواجب في الحكم الشرعي المتعلق بالفعل ما إذا اشتبه الحكم من الدليل بان تردد بين احتمالي الوجوب والاستحباب، فالواجب التوقف في الحكم والاحتياط بالاتيان بذلك الفعل، ومن يعتمد على اصالة البراءة يجعلها هنا مرجحة للاستحباب. وفيه (أولا) - ما عرفت من عدم الاعتماد على البراءة الاصلية في الاحكام الشرعية. و (ثانيا) - ان ما ذكروه يرجع إلى ان الله تعالى حكم بالاستحباب لموافقة البراءة الاصلية، ومن المعلوم ان أحكامه تعالى تابعة للحكم والمصالح المنظورة له تعالى


(1) المروية في الوسائل في باب - 55 - من ابواب لباس المصلى من كتاب الصلاة.


[ 70 ]

وهو أعلم بها، ولا يمكن ان يقال: مقتضى المصلحة موافقة البراءة الاصلية، فانه رجم بالغيب وجرأة بلا ريب. ومن هذا القسم ايضا ما تعارضت فيه الاخبار على وجه يتعذر الترجيح بينها بالمرجحات المنصوصة، فان مقتضى الاحتياط التوقف عن الحكم ووجوب الاتيان بالفعل متى كان مقتضى الاحتياط ذلك. (فان قيل): ان الاخبار في الصورة المذكورة قد دل بعضها على الارجاء وبعضها على العمل من باب التسليم (قلنا): هذا ايضا من ذلك، فان التعارض المذكور - مع عدم ظهور مرجح لاحد الطرفين ولا وجه يمكن الجمع به في البين - مما يوجب دخول الحكم المذكور في المتشابهات المأمور فيها بالاحتياط، وسيأتي ما فيه مزيد بيان لذلك. ومن هذا القسم ايضا ما لم يرد فيه نص من الاحكام التي لا تعم بها البلوى عند من لم يعتمد على البراءة الاصلية، فان الحكم فيه ما ذكر كما سلف بيانه في مسألة البراءة الاصلية. ومن الاحتياط الواجب في الحكم الشرعي - لكن بالترك - ما إذا تردد الفعل بين كونه واجبا أو محرما، فان المستفاد من الاخبار ان الاحتياط هنا بالترك. كما تدل عليه موثقة سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه، أحدهما يأمر باخذه والآخر ينهاه عنه، كيف يصنع ؟ قال: يرجئه حتى يلقى من يخبره. فهو في سعة حتى يلقاه ". وموثقة زرارة (2) " في اناس من أصحابنا حجوا بامرأة معهم فقدموا إلى الوقت


(1) المروية في الوسائل في باب - 9 - من ابواب صفات القاضى وما يقضى به من كتاب القضاء. (2) المروية في الوسائل في باب - 14 - من ابواب المواقيت من كتاب الحج. وفى باب - 12 - من ابواب صفات القاضى وما يقضى به من كتاب القضاء.


[ 71 ]

وهي لا تصلي. وجهلوا ان مثلها ينبغي أن يحرم. فمضوا بها كما هي حتى قدموا مكة وهي طامث حلال، فسألوا الناس فقالوا: تخرج إلى بعض المواقيت فتحرم منه. وكانت إذا فعلت ذلك تدرك الحج. فسألوا أبا جعفر (عليه السلام) فقال: تحرم من مكانها، قد علم الله نيتها ". وجه الدلالة ان المرأة المذكورة قد تركت واجبا لاحتمال حرمته عندها، والامام (عليه السلام) قررها على ذلك ولم ينكره عليها. بل استحسن ذلك من فعلها بقوله: قد علم الله نيتها. وما توهمه - بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم) (1) من دلالة هذه الرواية على عدم الاحتياط، حتى نظمها في سلك اخبار زعم انها تدل على عدم الاحتياط وجعلها معارضة لاخبار الاحتياط - ناشئ عن عدم اعطاء التأمل حقه من التحقيق، وعدم النظر في الاخبار بعين التدقيق ومن الاحتياط المستحب في الحكم الشرعي بالفعل أو الترك ما إذا تعارضت الادلة في حكم بين فعله وجوبا أو استحبابا وترجح في نظر الفقيه الثاني باحد المرجحات الشرعية، فان الاتيان بالفعل أحوط، ولذا ترى الفقهاء في مثل هذا الموضع يحملون الدليل المرجوح على الاستحباب تفاديا من طرحه، كاخبار غسل الجمعة عند من يرجح الاستحباب. أو تعارضت الاخبار بين الحرمة والكراهة مع ترجيح الثاني، فان الاحتياط هنا بالترك، وعلى هذا ايضا جرى الفقهاء (رضوان الله عليهم) في غير موضع. ومن الاحتباط الواجب في جزئيات الحكم الشرعي بالاتيان بالفعل ما إذا علم أصل الحكم وكان هو الوجوب ولكن حصل الشك في اندراج بعض الافراد تحته،


(1) هو شيخنا العلامة أبو الحسن الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني (قدس سره) في كتاب العشرة الكاملة (منه رحمه الله).


[ 72 ]

وستأتي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج الواردة في جزاء الصيد دالة على ذلك. ومن هذا القسم - لكن مع كون الاحتياط بالترك - ما إذا كان الحكم الشرعي التحريم وحصل الشك في اندراج بعض الجزئيات تحته، فان الاحتياط هنا بالترك، كحكم السجود على الخزف والحكم بطهارته بالطبخ، فان أصل الحكم في كل من المسألتين معلوم، ولكن هذا الفرد بسبب الشك في استحالته بالطبخ وعدمها قد اوجب الشك في اندراجه تحت أصل الحكم، فالاحتياط - عند من يحصل له الشك المذكور - واجب بترك السجود وترك استعماله فيما يشترط فيه الطهارة. ومنه الشك في اندراج بعض الاصوات تحت الغناء المعلوم تحريمه، فان الاحتياط واجب بتركه، واما من يعمل بالبراءة الاصلية فانه يرجح بها هنا جانب العدم، فلا يتجه ذلك عنده. ومن الاحتياط الواجب بالجمع بين الافراد المشكوك فيها ما إذا استغلت ذمته يقينا بواجب لكن تردد بين فردين أو ازيد من افراد ذلك الواجب، فانه يجب عليه الايتان بالجميع. ومنه من اشتغلت ذمته بفريضة من اليومية مع جهلها في الخمس مثلا، فانه يجب عليه الاتيان بالخمس مقتصرا فيما اشترك منها في عدد على الاتيان بذلك العدد مرددا في نيته. ومنه التردد في وجوب الجمعة، فانه يجب عليه الجمع بينها وبين الظهر، إلى غير ذلك من المواضع التي يقف عليها المتتبع. واما الاحتياط المستحب فعلا أو تركا فقد تقدم لك شطر من امثلته، والمتدرب لا يخفى عليه استنباط ذلك. ولا بأس بنقل جملة من الاخبار المشتملة على ذكر الاحتياط وتذييل كل منها بما يوقف الناظر على سواء الصراط، فان جملة من مشايخنا (رضوان الله عليهم) قد اشتبه عليهم ما تضمنته من الاحكام، حتى صرحوا بتعارضها في المقام على وجه يعسر


[ 73 ]

الجمع بينها والالتيام كما تقدمت الاشارة إليه (1). فمن ذلك - صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (2) قال: " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجلين أصابا صيدا وهما محرمان، الجزاء عليهما. أم على كل واحد منهما جزاء ؟ فقال: لا بل عليهما ان يجزي كل واحد منهما عن الصيد. قلت: إن بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه، فقال (عليه السلام): إذا اصبتم بمثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحيتاط " (3). وهذا الرواية قد دلت على وجوب الاحتياط في بعض جزئيات الحكم الشرعي مع الجهل به وعدم امكان السؤال، وذلك لان ظاهر الرواية ان السائل عالم باصل وجوب الجزاء وإنما شك في موضعه بكونه عليهما معا جزاء واحدا أو على كل منهما جزاء بانفراده. ومن ذلك - صحيحته الاخرى عن ابي ابراهيم (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها بجهالة ؟ أهي ممن لا تحل له أبدا. فقال: لا اما إذا كان بجهالة فليتزوجها بعد ما تنقضي عدتها، وقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك. فقلت: باي الجهالتين اعذر: بجهالته ان يعلم ان ذلك محرم عليه أم بجهالته انها في عدة ؟ فقال: احدى الجهالتين أهون من الاخرى، الجهالة بان


(1) في صحيفة 71 سطر (8). (2) المروية في الوسائل في باب - 18 - من ابواب كفارات الصيد وتوابعها من كتاب الحج. وفى باب - 12 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء. (3) تتمة الصحيحة هكذا: " حتى تسألوا عنه فتعلموا ". (4) المروية في الوسائل في باب 17 - من ابواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها من كتاب النكاح.


[ 74 ]

الله حرم عليه ذلك، وذلك بانه لا يقدر على الاحتياط معها. فقلت: هو في الاخرى معذور، فقال: نعم إذا انقضت عدتها فهو معذور في أن يتزوجها.. الحديث ". وهذه الرواية قد اشتملت على فردي الجاهل بالحكم الشرعي والجاهل ببعض جزئياته، ودلت على معذورية كل منهما إلا ان الاول أعذر، لعدم قدرته على الاحتياط، وبيان ذلك: ان الجاهل - بالحكم الشرعي وهو تحريم التزويج في العدة جهلا ساذجا غير متصور له بالمرة - لا يتصور الاحتياط في حقه بالكلية، لعدم تصوره الحكم بالمرة كما عرفت. واما الجاهل بكونها في عدة مع علمه بتحريم التزويج في العدة، فهو جاهل بموضوع الحكم المذكور مع معلومية أصل الحكم له، ويمكنه الاحتياط بالفحص والسؤال عن كونها ذات عدة أم لا، إلا انه غير مكلف به، بل ظاهر الاخبار مرجوحية السؤال والفحص كما في غير هذا الموضع مما قدمنا الاشارة إليه (1)، وكل ذلك عملا بسعة الحنيفية وسهولة الشريعة. نعم لو كان في مقام الريبة فالاحوط السؤال، كما يدل عليه بعض الاخبار. ومن ذلك - رواية عبد الله بن وضاح (2) قال: " كتبت إلى العبد الصالح (عليه السلام) يتوارى القرص ويقبل الليل ثم يزيد الليل ارتفاعا وتستتر عنا الشمس وترتفع فوق الجبل حمرة ويؤذن عندنا المؤذن، أفاصلي حينئذ أو أفطر ان كنت صائما، أو انتظر حتى تذهب الحمرة التي فوق الجبل ؟ فكتب إلي: ارى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة وتأخذ بالحائطة لدينك " (أقول): والاحتياط هنا - بالتوقف على ذهاب الحمرة عند من قام له الدليل على ان الغروب عبارة عن استتار القرص المعلوم بعدم رؤيته عند المشاهدة مع عدم


(1) في صحيفة (69) سطر (4). (2) المروية في الوسائل في باب 16 - من ابواب المواقيت من كتاب الصلاة. وفى باب 12 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان به من كتاب القضاء.


[ 75 ]

الحائل - محمول على الاستحباب. واما عند من يجعل امارة الغروب زوال الحمرة - كما هو المختار عندنا، لحمل تلك الاخبار على التقية - فهو محمول على الوجوب، وكلامه (عليه السلام) هنا محتمل لكلا الامرين. ومن ذلك - صحيحة احمد بن محمد بن ابي نصر عن الرضا (عليه السلام) في المتمتع بها (1) حيث قال فيها: " اجعلوهن من الاربع (2) فقال له صفوان ابن يحيى: على الاحتياط. قال: نعم " والظاهر كما استظهره ايضا جملة من اصحابنا (رضوان الله عليهم) حمل الاحتياط هنا على المحاذرة من العامة والتقية منهم، لاستفاضة النصوص وذهاب جمهور الاصحاب إلى عدم الحصر في المتعة وانها ليست من السبعين فضلا عن الاربع، ولعل وجهه انه إذا اقتصر على جعلها رابعة لم يمكن الاطلاع عليه بكونها متعة ليطعن عليه بذلك ليتيسر دعوى الدوام له، بخلاف ما إذا جعلها زائدة على الاربع، فانه لا يتم له الاعتذار ولا النجاة من اولئك الفجار. ومن ذلك - رواية شعيب الحداد (3) قال: " قلت لابي عبد الله (ع): رجل من مواليك يقرئك السلام وقد أراد ان يتزوج امرأة قد وافقته واعجبه بعض شأنها، قد كان لها زوج فطلقها ثلاثا على غير السنة، وقد كره ان يقدم على تزويجها حتى يستأمرك فتكون أنت تأمره، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): هو الفرج وأمر الفرج شديد، ومنه يكون الولد ونحن نحتاط فلا يتزوجها ". (اقول): ظاهر هذا الخبر كما ترى كون المطلق مخالفا، ولا خلاف بين


(1) المروية في الوسائل في باب - 4 - من ابواب المتعة من كتاب النكاح. (2) هذا قول ابى جعفر (عليه السلام) فان الرواية هكذا: قال قال أبو جعفر (عليه السلام): " اجعلوهن من الاربع " (3) المروية في الوسائل في باب - 156 - من ابواب مقدمات النكاح وآدابه من كتاب النكاح.


[ 76 ]

الاصحاب في إلزامه بما الزم به نفسه من صحة الطلاق، وبه استفاضت جملة من الاخبار ايضا، وحينئذ فيحمل الاحتياط هنا على الاستحباب، إلا ان الاقرب عندي هو أن يقال: ان الاصحاب (رضوان الله عليهم) وان اتفقوا على الحكم المذكور، إلا ان الروايات فيه مختلفة، فان جملة من الاخبار كما دلت على ما ذهب إليه الاصحاب، كذلك جملة منها ايضا قد دلت على انه " اياكم وذوات الازواج المطلقات على غير السنة " وحمل - بعض الاصحاب لها على غير المخالف - يرده ما اشتمل عليه بعضها من ذكر المخالف. والحكم لا يخلو من نوع اشتباه، لتعارض الاخبار، والاحتياط فيه مطلوب. والامر بالاحتياط هنا مما قوى الشبهة وأكدها، وحينئذ فلا يبعد وجوب الاحتياط هنا. ويحتمل أن يكون هذا الخبر من جملة الاخبار المانعة وان عبر عن ذلك بالاحتياط وجعله في قالبه، فيتحتم كون الاحتياط فيه على جهة الوجوب. والله سبحانه وقائله أعلم بحقيقة الحال. وأما الاخبار الدالة على رجحان العمل بالاحتياط على الاطلاق في هذا الشأن فهي اكثر من أن يحويها نطاق البيان في هذا المكان (1) ومنها قول امير المؤمنين (عليه السلام) لكميل بن زياد كما رواه الشيخ (رحمه الله) في كتاب الامالي مسندا عن الرضا (عليه السلام): " يا كميل اخوك دينك فاحتط لدينك ". وما رواه الشهيد عن الصادق (عليه السلام) في حديث طويل قال فيه: " وخذ بالاحتياط لدينك في جميع امورك ما تجد إليه سبيلا " وما رواه الفريقان عنه (صلى الله عليه وآله) من قوله: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " وما روى عنهم (عليهم السلام): " ليس بناكب عن الصراط من سلك طريق الاحتياط " إلى غير ذلك من الاخبار، وحينئذ فما ذهب إليه ذلك البعض - من عدم مشروعية الاحتياط - خروج عن سواء


(1) روى هذه الاخبار في الوسائل في باب - 12 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.


[ 77 ]

ذلك الصراط، حيث قال: " ان الاحتياط ليس بحكم شرعي فلا يجوز العمل بمقتضاه، بل الواجب ان ما يعمل به هو ما ساق إليه الدليل ورجحه. وكلما ترجح عنده تعين عليه وعلى مقلده العمل به، والعمل بالاحتياط عمل بما لم يؤد إليه الدليل " غفلة عما فصلته تلك الاخبار التي ذكرناها واجملته هذه الاخبار التي تلوناها، والدليل - كما رجح العمل بما رتجح في نظر الفقيه - رجح ايضا العمل بما فيه الاحتياط، وقوله -: " انه ليس بدليل شرعي " على اطلاقه - ممنوع كما عرفت مما تلوناه. نعم لو كان ذلك الاحتياط إنما نشأ من الوساوس الشيطانية والاوهام النفسانية كما يقع من بعض الناس المبتلين بالوسواس، فالظاهر من الاخبار تحريمه كما ورد عنه (صلى الله عليه وآله) من قوله: " ان الوضوء مد والغسل صاع، وسيأتي أقوام يستقلون ذلك، فاولئك على غير سنتي، والثابت على سنتي في حظيرة القدس (1) ولانه مع اعتقاد شرعيته تشريع في الدين، والله يهدي من يشاء إلى صراطه المبين.


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>