تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الأول


مقدمات الكتاب

من المقدمة الخامسة إلى الثانية عشر

المقدمة الخامسة في حكم الجاهل بالأحكام

وقد اختلف في ذلك كلام علمائنا الاعلام (اسكنهم الله تعالى أعلى درجة في دار السلام) فالمشهور بينهم عدم المعذورية إلا في أحكام يسيرة كحكمي الجهر والاخفات والقصر والاتمام، وفرعوا على ذلك بطلان عبادة الجاهل - وهو عندهم من لم يكن مجتهدا ولا مقلدا - وان طابقت الواقع، حيث اوجبوا معرفة واجبها وندبها وايقاع كل منهما على وجهه. وان تلك المعرفة لابد أن تكون عن اجتهاد أو تقليد، فصلاة المكلف - بدون أحد الوجهين - باطلة عندهم وان طابقت الواقع وطابق اعتقاده


(1) رواه في الوسائل في باب - 50 - من ابواب الوضوء.


[ 78 ]

- وايقاعه الواجب والندب - ما هو المطلوب شرعا. وذهب جمع من المتأخرين ومتأخريهم إلى معذورية الجاهل مطلقا إلا في مواضع يسيرة، حتى حكم بعض متاخري المتأخرين (1) بصحة صلاة العوام كيف كانت، واقتصر بعض ما طابق الواقع من ذلك. وظواهر الاخبار في المسألة لا تخلو عن تناقض يحتاج إلى مزيد كشف وبيان لترتفع به غشاوة الشبهة عن جملة الاذهان. فمن الاخبار الدالة - على القول المشهور - قول ابي الحسن (عليه السلام) في مرسلة يونس بعد أن سأله السائل " هل يسع الناس ترك المسألة عما يحتاجون إليه ؟ فقال: لا " (2) وقول الصادق (عليه السلام) لحمران بن اعين في شئ سأله عنه: " إنما يهلك الناس لانهم لا يسألون " (3) وقوله (عليه السلام): " لا يسع الناس حتى يسألوا ويتفقهوا " (4) وكذا يدل على ذلك الاخبار المستفيضة بالامر بطلب العلم (5) والامر بالتفقه في الدين. ومما يدل على القول الآخر أخبار مستفيضة متفرقة في جزئيات الاحكام،


(1) البعض الاول هو المحدث السيد نعمة الله الجزائري، والثانى هو المحقق المولى الاردبيلى (قدس سره) وقد نقلنا كلامهما بلفظه في كتاب الدرر النجفية. وذكرنا ما يتعلق به نفيا واثباتا، واشعبنا الكلام في المسألة في الكتاب المشار إليه حسبما يراد (منه قدس سره) (2) المروى في الوسائل في باب - 7 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء. (3) المروى في الكافي في باب (سؤال العالم وتذاكره) من كتاب فضل العلم. (4) في حديث ابى جعفر الاحول عن ابى عبد الله (عليه السلام) المروى في الوسائل في باب - 9 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء. (5) المروية في الوسائل في باب - 4 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.


[ 79 ]

فمن ذلك ما ورد في باب الحج وهو أخبار كثيرة. (منها) - صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " من لبس ثوبا له لبسه وهو محرم ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا فلا شئ عليه ". ومرسلة جميل (2) عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام): " في رجل نسي أن يحرم أو جهل وقد شهد المناسك كلها وطاف وسعى ؟ قال: تجزيه نيته إذا كان قد نوى ذلك فقد تم حجه وان لم يهل ". ورواية عبد الصمد بن بشير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " جاء رجل يلبي حتى دخل المسجد الحرام وهو يلبي وعليه قميصه، فوثب عليه الناس من أصحاب أبي حنيفة فقالوا: شق قميصك واخرجه من رجليك. فان عليك بدنة وعليك الحج من قابل وحجك فاسد. فطلع أبو عبد الله (عليه السلام) فقام على الباب المسجد فكبر واستقبل الكعبة، فدنا الرجل من ابي عبد الله (عليه السلام) وهو ينتف شعره ويضرب وجهه، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): اسكن يا عبد الله، فلما كلمه وكان الرجل اعجميا، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ما تقول ؟ قال: كنت رجلا أعمل بيدي فاجتمعت لي نفقة فجئت احج لم اسأل أحدا عن شئ فافتوني هؤلاء ان أشق قميصي وانزعه من قبل رجلي وان حجي فاسد وان علي بدنة. فقال له: متى لبست قميصك أبعد ما لبيت أم قبل ؟ قال: قبل ان البي. قال: فاخرجه من رأسك فانه ليس عليك بدنة وليس عليك الحج من قابل، اي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شئ عليه. طف بالبيت اسبوعا وصل ركعتين عند مقام ابراهيم (عليه السلام) واسع


(1) المروية في الوسائل في باب - 8 - من ابواب بقية كفارات الاحرام من كتاب الحج (2) المروية في الوسائل في باب - 20 - من بواب المواقيت من كتاب الحج. (3) المروية في الوسائل في باب - 45 - من ابواب تروك الاحرام من كتاب الحج.


[ 80 ]

بين الصفا والمروة وقصر من شعرك، فإذا كان يوم التروية فاغتسل واهل بالحج واصنع كما يصنع الناس ". ومن ذلك - ما ورد في النكاح في العدة. ومنه صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة في سابق هذه المقدمة (1) وبمضمونها روايات عديدة (2). ومن ذلك - ما ورد في الحدود كموثقة عبد الله بن بكير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3): " في رجل شرب الخمر على عهد ابي بكر وعمر. واعتذر بجهله بالتحريم، فسألا امير المؤمنين (عليه السلام) فامر (عليه السلام) بان يدار على مجالس المهاجرين والانصار، وقال: من كان تلا عليه آية التحريم فليشهد عليه. ففعلوا ذلك فلم يشهد عليه أحد فخلي سبيله " وبمضمون ذلك في الحدود روايات عديدة. ومن ذلك - ما ورد في الصلاة في السفر تماما كصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (4) وهذا من جملة ما استثناه من قال بعدم معذورية الجاهل. وما ورد في من أقام عشرة أيام وصلى قصرا جاهلا كصحيحة منصور بن حازم (5) وكذا ما ورد في جهر في موضع الاخفات واخفت في موضع الجهر (6) وهذا ايضا أحد ما استثنوه.


(1) في صحيفة 73 سطر 11. (2) رواها في الوسائل في باب - 17 - من ابواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها من كتاب النكاح. (3) المروية في الوسائل في باب - 10 - من ابواب حد المسكر من كتاب الحدود والتعزيرات. (4) المروية في الوسائل في باب - 17 - من ايواب صلاة المسافر من كتاب الصلاة. (5) المروية في باب - 17 - من ابواب صلاة المسافر من كتاب الصلاة. (6) رواه في الوسائل في باب - 26 - من ابواب القراءة في كتاب الصلاة من كتاب الصلاة.


[ 81 ]

ومن ذلك ايضا - ما رواه الصدوق (قدس سره) في كتاب التوحيد (1) بسنده عن عبد الاعلى بن اعين: قال: " سألت أبا عبد الله (ع) عمن لا يعرف شيئا هل عليه شئ ؟ قال: لا " وما رواه في الفقيه والتوحيد (2) في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام): قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): رفع عن امتي تسع، وعد منها ما لا يعلمون ". ومما يؤكد ذلك ما روي ايضا: " أنه ما أخذ الله على الجهال أن يتعلموا حتى أخذ على العلماء ان يعلموا " رواه في الكافي (3) وقوله: " ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم " (4) وقوله: " ان الله يحتج على العباد بما آتاهم


(1) في باب (التعريف والبيان والحجة والهداية) وفى الكافي في باب (حجج الله على خلقه) من كتاب التوحيد (2) رواه في الفقيه في باب - 14 - (من ترك الوضوء أو بعضه أو شك فيه) من الجزء الاول وفى التوحيد في باب (التعريف والبيان والحجة والهداية). وفى الكافي في باب (ما رفع عن الامة) من كتاب الايمان والكفر. وفى الوسائل في باب - 30 - من ابواب الخلل الواقع في الصلاة من كتاب الصلاة عن الفقيه والخصال، وفى باب - 56 - من ابواب جهاد النفس وما يناسبه من كتاب الجهاد عن التوحيد والخصال والكافي. (3) في باب (بذل العلم) من كتاب فضل العلم، وهو حديث طلحة بن زيد عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: " قرأت في كتاب على (عليه السلام) ان الله لم يأخذ على الجهال عهدا بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهدا ببذل العلم للجهال، لان العلم كان قبل الجهل ". (4) وهو حديث ابى الحسن زكريا بن يحيى عن ابى عبد الله (عليه السلام) رواه الصدوق في كتاب التوحيد في باب (التعريف البيان والحجة والهداية) ورواه الكليني في الكافي في باب (حجج الله على خلقه) من كتاب التوحيد، الا ان رواية الكليني ليس فيها كلمة (علمه).


[ 82 ]

وعرفهم " (1) إلى غير ذلك من الاخبار التي يقف عليها المتتبع. ويمكن الجمع بين هذه الاخبار بوجوه: (أظهرها) ان يقال: ان الجاهل - كما يطلق على الغافل عن الحكم بالكلية - يطلق ايضا على غير العالم بالحكم وان كان شاكا أو ظانا، والمفهوم من الاخبار ان الجاهل بالحكم الشرعي على المعنى الثاني غير معذور بل الواجب عليه الفحص والتفتيش عن الادلة أو السؤال، ومع تعذر الوقوف على الحكم ففرضه التوقف عن الحكم والفتوى والوقوف على جادة الاحتياط في العمل، وان الحكم بالنسبة إليه من الشبهات المشار إليها في قولهم (عليهم السلام): " حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك " (2) وعلى هذا الفرد تحمل الاخبار الدالة على عدم معذورية الجاهل ووجوب التفقه والعلم والسؤال. ومما يدل - على ان حكم الجاهل بهذا المعنى ما ذكرنا - صحيحة عبد الرحمن ابن الحجاج المتقدمة في سابق هذه المقدمة (3) الواردة في جزاء الصيد كما اشرنا إليه ثمة. وحسنة بريد (4) الكناسي في من تزوجت في العدة جاهلة، حيث قال


(1) وهو من حديث حمزة بن الطيار عن ابى عبد الله (عليه السلام) الذي رواه الكليني في الكافي في باب (حجج الله على خلقه) من كتاب التوحيد ورواه الصدوق في كتاب التوحيد في باب (التعريف والبيان والحجة والهداية). (2) الوارد في مقبولة عمر بن حنظة المروية في الوسائل في باب - 9 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء، وغيرها من الروايات في باب - 12 - من تلك الابواب. (3) في صحيفة 73 سطر 2. (4) بالباء الموحدة والراء المهملة كما عليه نسخ الحدائق المطبوعة والمخطوطة التى وفقنا عليها، وهو من اصحاب الصادق (عليه السلام) على ما نقله صاحب جامع الرواة عن رجال الميرزا، ويحتمل ان يكون باليا. المثناة والزاى المعجمة، وهو المكنى بابى خالد، وهو من اصحاب الباقر والصادق (عليهما السلام) على ما نقله صاحب جامع الرواة عن رجال =


[ 83 ]

الراوي فيها: " قلت: فان كانت تعلم ان عليها عدة ولا تدري كم هي ؟ فقال: إذا علمت ان عليها العدة لزمتها الحجة، فتسأل حتى تعلم " (1) وهما ظاهرتا الدلالة على ذلك وان كان موردهما جزئيات الحكم الشرعي. وأما الجاهل بالمعنى الاول فلا ريب في معذوريته، لان تكليف الغافل الذاهل مما منعت منه الادلة العقلية وايدتها الادلة النقلية، والى ذلك يشير قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد الرحمن المتقدمة في سابق هذه المقدمة (2) الواردة في التزويج في العدة في تعليل ان الجاهل بالتحريمم أعذر من الجاهل بكونها في عدة: " وذلك بانه لا يقدر على الاحتياط معها " بمعنى انه مع جهله بان الله حرم عليه التزويج في العدة لا يقدر على الاحتياط بالترك، لعدم تصور الحكم بالكلية، بخلاف الظان أو الشاك فانه يقدر على ذلك لو تعذر عليه العلم وعلى هذا تحمل الاخبار الاخيرة الدالة على المعذورية. واما ما يفهم من كلام ذلك البعض المشار إليه آنفا (3) من الحكم بصحة صلاة العوام كيف كانت وان اشتملت على الاخلال بالواجبات، فظني انه على اطلاقه غير تام، فانه متى قام العذر للجاهل بمجرد جهله وصحت صلاته كصلاة الفقيه بجميع شروطها وواجباتها ووسعه البقاء على جهله، لزم سقوط التكليف. فما الغرض من امر الشارع بهذه الاحكام والفصل فيها بين الحلال والحرام ؟ والى من تتوجه هذه الاوامر ؟ والى من ارسلت


= الميرزا محمد. ونقل عن بعضهم انه مال إلى البناء على اتحادهما وان أبا خالد الكناسى اسمه (بريد) بالباء الموحدة والراء المهملة لا (يزيد) بالياء المثناة والزاى المعجمة، وانه من اصحاب الباقر والصادق (عليهما السلام) ومال صاحب جامع الرواة إلى اتحادهما مع بريد بن معاوية العجلى، لما ذكره في باب الياء من كتابه. (1) رواها صاحب الوسائل في باب - 27 - من ابواب حد الزنا من كتاب الحدود والتعزيرات. (2) في صحيفة 73 سطر 11. (3) في صحيفة 78 سطر 2.


[ 84 ]

الرسل وانزلت الكتب ؟ إذا وسع الجاهل البقاء على جهله وصحت جميع أفعاله وأعماله الواقعة كذلك، وفي هذا من الشناعة ما لا يلتزمه من له ادنى قدم في التحصيل، واخبار - " لا يسع الناس البقاء على الجهالة " (1) وحديث تفسير قوله سبحانه: " قل فلله الحجة البالغة " (2) وما روي في حسنة زرارة (3) عنه (صلى الله عليه وآله) حين رأى من يصلي ولم يحسن ركوعه ولا سجوده، من انه قال: " نقر كنقر الغراب، لئن مات هذا وهكذا صلاته ليموتن على غير ديني " وما استفاض عنهم (صلوت الله عليهم): " ليس منا من استخف بصلاته " وفى جملة منها " لا ينال شفاعتنا من استخف بصلاته " (4) الشامل ذلك باطلاقه للعالم والجاهل - مما يرد هذا القول ويبطله. والقول الفصل في ذلك ان يقال: ان الظاهر ان الحكم في ذلك يختلف باختلاف الناس في انسهم بالاحكام والتمييز بين الحلال والحرام وعدمه، وقوة عقولهم وافهامهم وعدمها. ولكل تكليف يناسب حاله، ويرجع ذلك بالاخرة إلى الجاهل بمعنييه


(1) تقدم بعضها في صحيفة 78 سطر (7). وقد روى في الوسائل في باب - 7 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء. كما قد روى حديث الاحول وهو قوله (عليه السلام): " لا يسع الناس حتى يسألوا ويتفقهوا " في باب - 9 - من الابواب المذكورة. (2) في سورة الانعام. آية 151. وهو الحديث الذى روى في امالي الشيخ عن المفيد عن ابن قولوية عن الحميرى عن ابيه عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن زياد قال: " سمعت جعفر بن محمد (علهما السلام) وقد سئل عن قوله تعالى " قل فلله الحجة البالغة " فقال: ان الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدى أكنت عالما ؟ فان قال: نعم. قال له: أفلا علمت بما علمت ؟ وان قال: كنت جاهلا. قال: أفلا تعلمت حتى تعمل ؟ فيخصمه، فتلك الحجة البالغة ". (3) المروية في الوسائل في باب - 3 - من ابواب الركوع من كتاب الصلاة. (4) روى في الوسائل الاخبار المتضمنة لذلك في باب - 6 - من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها وما يناسبها من كتاب الصلاة.


[ 85 ]

المتقدمين (1). وذلك فان من المعلوم ان سكان الصحارى والرساتيق ليسوا في الانس بالاحكام والشرائع، كسكان المدن والامصار المشتملة على العلماء والوعاظ والجمعات والجماعات والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك. ولهذا نهى الشارع عن سكون تلك وندب إلى سكون هذه، لانه بمجرد ذلك يحصل التأدب بالآداب الشرعية، والتخلق بالاخلاق المرضية، والاطلاع على الاحكام النبوية بمداخلة ابناء النوع ومعاشرتهم، بل مجرد رؤيتهم، كما لا يخفى على من تأمل ذلك، وحينئذ فالعامي من سكان الصحارى - مثلا - إذا أخذ العبادة من آبائه وتلقاها من اسلافه على اي وجه كان، معتقدا انها هي العبادة التي أمر بها الشارع ولم يعلم زيادة على ذلك. فالظاهر صحتها. (اما اولا) - فلانه جاهل بما سوى ذلك جيلا ساذجا، وتوجه الخطاب إلى مثله كما قدمنا (2) ممتنع عقلا ونقلا. و (أما ثانيا) - فلانه قد ورد في الاخبار بالنسبة إلى جاهل الامامة من المخالفين انهم ممن يرجى لهم الفوز بالنجاة في الآخرة، فإذا كان ذلك حال المخالفين في الامامة التي هي من اصول الدين فكيف بعوام مذهبنا في الفروع ؟ وكذا القول بالنسبة إلى قوة العقل والفهم وعدمها، فان خطاب كاملي العقول وثاقبي الاذهان ليس كخطاب غيرهم من البله والصبيان والنسوان، وقد ورد عنهم (عليهم السلام): " انما يداق الله العباد على ما وهبهم من العقول " (3) و " انه سبحانه يحتج على العباد بما آتاهم


(1) في صحيفة 82 سطر 3. (2) في صحيفة 83 سطر 4. (3) وهو حديث ابى الجارود عن ابى جعفر (عليه السلام) المروى في الكافي في كتاب العقل والجهل بالنص الآتى: " انما يداق الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا. "


[ 86 ]

وعرفهم " (1) " وان الايمان درجات فلا ينبغي لصاحب الدرجة العالية أن يبرأ من صاحب الدرجة السافلة ولا يوبخه عليها " (2) وحينئذ فتكليف ضعفة العقول ليس كتكليف كامليها، ومما يؤكد ذلك انه قد ورد في اخبارنا ان المستعضفين من المخالفين ممن يرجى لهم الفوز بالجنة، وان دل ظاهر الآية الشريفة على انهم من المرجئين لامر الله، إلا ان ظاهر جملة من الاخبار ان عاقبة أمرهم إلى الجنة، بل قال شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) على ما نقله عنه السيد نعمة الله الجزائري (رحمه الله) في بعض فوائده: " ان المستضعفين - من الكفار ممن لم تقم عليه الحجة من عوامهم ومن بعد عن بلاد الاسلام - ممن يرجى لهم النجاة " قال السيد نعمة الله بعد نقل ذلك عنه: " وهذا القول وان لم يوافقه عليه الاكثر إلا انه غير بعيد من تتبع موارد الاخبار " انتهى. وحينئذ فلو اوقع أحد هؤلاء العبادة التي أخذها من آبائه واسلافه، معتقدا ان هذا هو اقصى ما هو مكلف به. فالظاهر صحتها بالتقريب المتقدم. واما بالنسبة إلى من عدا من ذكرنا فالظاهر ان جهلهم ليس كجهل اولئك حتى يكون موجبا للعذر لهم ومصححا لعبادتهم، فانه لا أقل ان يكونوا - بمن يصحبونه من المصلين الآتين بالصلاة على وجهها وبجمله حدودها، ويشاهدونه من الملازمين على ذلك في جميع الاوقات والحالات سيما في المساجد والجماعات - يحصل لهم الظن الغالب - ان تنزلنا عن دعوى العلم - بان هذه هي الصلاة المأمور بها شرعا، وان ما نقص عنها وخالفها ان لم يكن معلوم البطلان فلا أقل ان يكون مظنونه أو مشكوكه، وحينئذ فيرجع


(1) وهو من حديث حمزة بن الطيار عن ابى عبد الله (عليه السلام) المروى في الكافي في باب (حجج الله على خلقه) من كتاب التوحيد، وفى كتاب التوحيد للصدوق في باب (التعريف والبيان والحجة والهداية). (2) روى الكليني الاخبار المتضمنة لذلك في الكافي في باب (درجات الايمان) والباب الذى يليه من كتاب الايمان والكفر.


[ 87 ]

إلى الجهل بالمعنى الآخر الموجب للفحص والسؤال والعلم والتفقه، واستحقاق العقوبة على ترك ذلك، وبطلان العمل مع الاخلال بما هنالك، كما يدل عليه قوله (عليه السلام): " إذا علمت ان عليها العدة لزمتها الحجة فتسأل حتى تعلم " (1) وربما يستأنس ايضا بقول الصادق (عليه السلام) في آخر حديث عبد الصمد بن بشير (2): " واصنع كما يصنع الناس " وفي هذا المقام مباحث شريفة وفوائد لطيفة قد وشحنا بها هذه المسألة في كتاب الدرر النجفية مع بسط في أصل المسألة تشتاقه الطباع وتلذه الاسماع.

(1) في حسنة بريد الكناسى المتقدمة في صحيفة 82 سطر 12 (2) المتقدم في صحيفة 79 سطر 7.


 

المقدمة السادسة في التعارض والترجيح بين الادلة الشرعية

والبحث هنا يقع في موارد: (أحدها) - تعارض الآيتين من الكتاب العزيز، والواجب - اولا - الفحص والتفتيش من الاخبار في نسخ إحداهما للاخرى وعدمه، فان علم فذاك، وإلا فان علم التأريخ فالمتأخر ناسخ للسابق، وإلا فان اشتملت احداهما على اطلاق أو عموم بحيث يمكن التقييد أو التخصيص حكم به ايضا، وإلا فالواجب التوقف والاحتياط ان امكن. وإلا فاختيار احداهما من باب التسليم. و (ثانيها) - تعارض الآية والرواية. والذي ذكره بعض اصحابنا انه ان كانت احداهما مطلقة أو عامة، وجب تقييدها بالاخرى، وإلا فالاحتياط ان لم يمكن الجمع بيهما بحيث يحصل الظن القوي بالمراد ولو بحسب القرائن الخارجة. ونقل - عن جملة من اصحابنا: منهم - السيد المرتضى والشيخ (عطر الله مرقديهما) - المنع من تخصيص القرآن بخبر الواحد. ونقل الاحتجاج على ذلك بان القرآن قطعي وخبر الواحد ظني، والظني لا يعارض القطعي. ورد (اولا) - بان التخصيص إنما هو في الدلالة، وقطعية المتن غير مجدية، لان الدلالة ظنية. و (ثانيا) - بمنع ظنية خبر الواحد، بل هو ايضا قطعي من جهة الدلالة. والاظهر الاستدلال على ذلك بالاخبار المستفيضة الدالة على ان " كل خبر لا يوافق القرآن فهو زخرف، وان كل شئ مردود إلى الكتاب والسنة، وانه إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من قول الله عزوجل أو من قول رسول الله (صلى الله عليه واله) وإلا فالذي جاءكم اولى به " (1) إلى غير ذلك مما يدل على طرح ما خالف القرآن، إلا ان هذه الاخبار معارضة بما هو اكثر عددا واوضح سندا واظهر دلالة من الاخبار الدالة على تخصيص عمومات الآيات القرآنية وتقييد مطلقاتها في غير موضع من ابواب الفقه، وقول كافة الاصحاب أو جمهورهم بذلك، مع اعتضاد تلك الآيات في جملة من المواضع المذكورة باخبار اخر ايضا دالة على ما دلت عليه تلك الآيات من اطلاق أو عموم. والتحقيق في المقام ان يقال: ينبغي ان يحمل كلام السيد والشيخ (قدس سرهما) على خبر الواحد الذي يمنعان حجيته في الاحكام الشرعية، وهو ما لم يكن من طريقنا أو لم تشتمل عليه اصولنا كما تقدمت الاشارة إلى ذلك في المقدمة الخامسة (2)، لتصريحهما


(1) روى صاحب الوسائل هذه الاخبار في باب - 9 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء. (2) كذا فيما وفقنا عليه من النسخ المطبوعة والمخطوطة وقد تقدمت الاشارة إلى ذلك في المقدمة الرابعة في صحيفة 67 سطر 7


[ 89 ]

بصحة اخبارنا المذكورة وثبوت تواترها عن الائمة المعصومين (عليهم السلام). واما الاختلاف الواقع بين الاخبار المذكورة فيمكن دفعه بالجمع بينها باحد وجوه: (أحدها) - حمل الاخبار الدالة على المنع من التخصيص على التخصيص بما ورد من طريق العامة، أو كان خارجا عن اخبار الاصول التي عليها المدار بين الشيعة الابرار، أو كان مخالفا لعمل الطائفة المحقة قديما وحديثا، ونحو ذلك. (الثاني) - حمل المخالفة في تلك الاخبار على ما إذا كان مضمون الخبر مبطلا لحكم القرآن بالكلية. والتقييد والتخصيص بيان لا مخالفة. (الثالث) - حمل المخالفة على مخالفة محكم الكتاب ونصوصه. (الرابع) - ان المراد بطلان الخبر المخالف للقرآن إذا علم تفسير القرآن بالاثر عن أهل العصمة (صلوات الله عليهم) إذ لا شك في بطلان المخصص إذا كان ارادة العموم من القرآن معلوما بالنص. نعم ربما ورد في الاخبار ما يطابق تلك الآيات في الاطلاق أو العموم الا انه ليس مما نحن فيه في شئ (1). و (ثالثها) - تعارض الخبرين المعلومي الورود عنهم (عليهم السلام) وقد ذكر جملة من الاصحاب انه ان امكن الجمع بين الدليلين ولو بتأويل بعيد فهو اولى من طرح احدهما. ويرت على ذلك ان هذا مما لا يتمشى في اخبارنا. لورود الكثير منها على جهة التقية التي هي على خلاف الحكم الشرعي واقعا، إذ التقية كما قد عرفت


[ 90 ]

في المقدمة الاولى أصل الاختلاف في اخبارنا، فكيف يتمحل الجمع بيننا وبين ما هو خلافها واقعا ؟ نعم انما ذلك على قواعد العامة، لعدم ورود حديث عندهم على جهة التقية. والظاهر ان من صرح بذلك من اصحابنا انما اخذه من كلامهم غفلة عن تحقيق الحال وما يلزمه من الاشكال. (لا يقال): ان الشيخ (رحمه الله) في كتابي الاخبار هو أصل هذه الطريقة ومحقق هذه الحقيقة، حيث انه جمع بين الاخبار لقصد رفع التنافي بينها بوجوه عديدة، وان كانت بعيدة بل جملة منها غير سديدة، رعاية لهذه القاعدة وطلبا لهذه الفائدة. (لانا نقول): نعم قد فعل الشيخ ذلك لكن ليس لرعاية هذه القاعدة - كما يتوهم - بل السبب الحامل له على ذلك هو ما اشار إليه (قد) في اول كتاب التهذيب، من ان بعض من الشيعة قد رجع عن مذهب الحق لما وجد الاختلاف في الاخبار، فقصد (قد) ازاحة هذه الشبهة عن ضعفة العقول ومن ليس له قدم راسخ في المعقول والمنقول، وارتكب الجمع ولو بالوجوه البعيدة واكثر من الاحتمالات. كل ذلك لدفع تلك الشبهة. وبهذا يندفع عنه ما أورده المتأخرون في جمل من مواضع الجمع بين الاخبار بالعبد أو الفساد، فان مثله (قد) - ممن لا يشق غباره ولا يدفع اشتهاره - لا يخفى عليه ما اهتدى إليه اولئك الاقوام وما اوردوه عليه في كل مقام، لكنهم من قبيل ما يقال: " اساء سمعا فاساء اجابه " وقد ذكر علماء الاصول ممن وجوه الترجيحات في هذا المقام بما لا يرجع اكثره إلى محصول، والمعتمد عندنا على ما ورد من اهل بيت الرسول، من الاخبار المشتلة على وجوه الترجيحات، الا انها بعد لا تخلو من شوب الاشكال، فلابد من بسط جملة منها في هذا المجال، والكلام فيها بما يكشف نقاب الاجمال وينجلي به غياهب الاشكال.


[ 91 ]

فنقول: مما ورد في ذلك ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر الله تعالى مراقدهم) باسانيدهم عن عمر بن حنظلة عن الصادق (عليه السلام) وفيها: " فان كان كل رجل اختار رجلا من اصحابنا فرضيا ان يكونا الناظرين في حقهما، واختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكم ؟ قال: الحكم ما حكم به اعدلهما وافقههما واصدقهما في الحديث واورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الاخر، قال: قلت: فانهما عدلان مرضيان عند اصحابنا لا يفضل واحد منهما على الاخر. قال: فقال: ينظر إلى ما كان - من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به - المجمع عليه من اصحابك، فيؤخذ به من حكمنا، ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند اصحابك، فان المجمع عليه لا ريب فيه، وانما الامور ثلاثة: أمر بين رشده فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب، وأمر مشكل يرد علمه إلى الله والى رسوله، قال رسول الله (صلى الله عليه واله): حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن اخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم، قلت: فان كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم ؟ قال: ينظر، فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به، ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة، قلت: جعلت فداك أرأيت ان كان الفقهيان عرفا حكمه من الكتاب والسنة ووجدا احد الخبرين موافقا للعامة والاخر مخالفا لهم، باي الخبرين يؤخذ ؟ قال: ما خالف العامة ففيه الرشاد. قلت: جعلت فداك فان وافقهم الخبران


[ 92 ]

جميعا ؟ قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل حكامهم وقضاتهم، فيترك ويؤخذ بالآخر. قلت: فان وافق حكامهم الخبرين جميعا ؟ قال: إذا كان ذلك فارجئه حتى تلقى امامك، فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات ". ومن ذلك - ما رواه الائمة الثلاثة (نور الله مراقدهم) باسانيدهم عن داود ابن الحصين عن ابي عبد الله (عليه السلام): " في رجلين اتفقا على عدلين جعلاهم بينهما في حكم وقع بينها فيه خلاف فرضيا بالعدلين، واختلف العدلان بينهما، عن قول ايهما يمضي الحكم ؟ فقال ينظر إلى افقههما وا علمهما باحاديثنا واورعهما فينفذ حكمه ولا يلتفت إلى الاخر ". ومنه - ما رواه الثقة الجليل احمد بن على بن ابي طالب الطبرسي (قد) في كتاب الاحتجاج عن سماعة بن مهران قال: " سالت ابا عبد الله (عليه السلام) قلت: يرد علينا حديثان واحد يامرنا بالعمل به والاخر ينهانا عن العمل به ؟ قال: لا تعمل بواحد منهما حتى ياتي صاحبك فتساله عنه. قال: قلت: لابد أن يعمل باحدهما. قال: اعمل بما فيه خلاف العامة ". ومنه - ما رواه في الكتاب المذكور عن الحسن بن الجهم عن الرضا


[ 93 ]

(عليه السلام) قال: " قلت له: تجيئنا الاحاديث عنكم مختلفة ؟ قال ما جاءك عنا فقسه على كتاب الله عزوجل واحاديثنا. فان كان يشبههما فهو منا، وان لم يكن يشبههما فليس منا. قلت: يجيئنا الرجلان - وكلاهما ثقة - بحديثين مختلفين فلا نعم ايهما الحق ؟ فقال: إذا لم تعلم فموسع عليك بايهما اخذت ". ومنه - ما رواه الشيخ محمد بن على بن ابي جمهور الاحسائي في كتاب عوالي اللئالي عن العلامة مرفوعا عن زرارة ين اعين. قال: " سالت الباقر (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك ياتي عنكم الخبران والحديثان المتعارضان فبايهما آخذ ؟ فقال: يا زرارة خذ بما اشتهر بين اصحابك ودع الشاذ النادر. فقلت: يا سيدي انهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم ؟ فقال (عليه السلام): خذبما يقول اعدلهما عندك واوثقهما في نفسك. فقلت: انهما معا عدلان مرضيا موثقان ؟ فقال: انظر ما وافق منهما العامة فاتركه وخذ ما خالفه، فان الحق فيما خالفهم. فقلت: ربما كانا موافقين لهم أو مخالفين فكيف اصنع ؟ فقال: اذن فخذ ما فيها الحائطة لدينك واترك الاخر. فقلت: انهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف اصنع ؟ فقال اذن فتخير احدهما فتاخذ به وتدع الاخر " قال في الكتاب المذكور بعد نقل هذه الرواية: وفي رواية انها (عليه السلام) قال: " اذن فارجئه حتى تلقى امامك فتسأله " ومنه - ما رواه في الكافي فالموثق عن سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: " سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من اهل دينه في أمر كلاهما يرويه، احدهما يأمر بأخذه والآخر ينهاه عنه كيف يصنع ؟ قال: يرجئه حتى يلقى


[ 94 ]

من يخبره، فهو في سعة حتى يلقاه " قال في الكافي بعد نقل هذه الرواية: وفي رواية اخرى: " بايهما اخذت من باب التسليم وسعك ". ومنه - ما رواه الصدوق (رحمه الله) في كتاب عيون اخبار الرضا (عليه السلام) بسنده عن احمد بن الحسن الميثمي: انه " سئل الرضا (عليه السلام) يوما وقد اجتمع عنده قوم من اصحابنه، وقد كانوا يتنازعون في الحديثين عن رسول الله (صلى الله عليه واله) في الشئ الواحد. فقال (عليه السلام): ما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضهما على كتاب الله، فما كان في كتاب الله موجودا حلالا أو حراما فاتبعوا ما وافق الكتاب. وما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن النبي (صلى الله عليه واله) فما كان في السنة موجودا منهاى عنه نهي حرام أو مامورا به عن رسول الله (صلى الله عليه واله) أمر إلزام، فاتبعوا ما وافق نهي رسول الله (صلى الله عليه واليه) وامره، وما كان في السنة نهي اعافة أو كراهة ثم كان الخبر الآخر خلافه، فذلك رخصة فيما عافه رسول الله (صلى الله عليه واله) وكرهه ولم يحرمه، فذلك الذي يسع الاخذ بهما جميعا، أو بايهما شئت وسعك الاختيار من باب التسليم والاتباع والرد إلى رسول الله (صلى الله عليه واله)، وما لم تجدوه في شئ من هذه الوجوه فردوا الينا علمه فنحن اولى بذلك ولا تقولوا فيه بآرائكم، وعليكم بالكف والتثبت والوقوف - وانتم طالبوان باحثون - حتى يأتيكم البيان من عندنا ". ومنه - ما رواه الشيخ السعيد قطب الدين بن هبة الله الراوندي في رسالته المعمولة في بيان احوال احاديث اصحابنا وصحتها باسناده عن الصدوق ابي جعفر محمد بن بابويه في الصحيح عن عبد الرحمن بن ابي عبد الله قال: " قال


[ 95 ]

الصادق (عليه السلام): إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فذروه، فان لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على اخبار العامة، فما وافق اخبارهم فذروه وما خالف اخبارهم فخذوه ". ومنه - ما رواه في الرسالة المذكورة عن ابن بابويه بسنده عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: " إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا ما خالف القوم " وروى فيها بهذا النحو اخبارا عديدة متفقة المضمون على الترجيح بالعرض على مذهب العامة والاخذ بخلافه. ومنه - ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن مخزيار قال: " قرأت في كتاب لعبد الله بن محمد إلى ابي الحسن (عليه السلام): اختلف اصحابنا في رواياتهم عن ابي عبد الله (عليه السلام) في ركعتي الفجر في السفر: فروي بعضهم ان صلهما في المحمل وروى بعضهم ان لا تصلهما الا على الارض فاعلمني كيف تصنع أنت لاقتدي بك في ذلك ؟ فوقع (عليه السلام): موسع عليك بايهما عملت ". ومنه - ما رواه في كتاب الاحتجاج في جواب مكاتبة محمد بن عبد الله الحميري إلى صاحب الزمان (عليه السلام) " يسألني بعض الفقهاء عن المصلي إذا قام من التشهد الاول إلى الركعة الثالثة، هل يجب عليه ان يكبر ؟ فان بعض اصحابنا قال: لا يجب عليه التكبير ويجزيه ان يقول بحول الله وقوته اقوم واقعد. الجواب:


[ 96 ]

في ذلك حديثان، اما احدهما فانه إذا انتقل من حالة الي اخرى فعليه التكبير. واما الحديث الاخر فانه روي انه إذا رفع راسه من السجدة الثانية وكبر ثم جلس ثم قال فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير، وكذلك التشهد الاول يجرى هذا المجرى، وبايهما اخذت من باب التسليم كان صوابا ". ومنه - ما رواه في الكتاب المذكور عن الحرث بن المغيرة عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: " إذا سمعت من اصحابك الحديث وكلهم ثقة فموسع عليك حتى ترى القائم فترد إليه ". ومنه - ما رواه ثقة الاسلام في الكافي بسنده عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: " أرأيتك لو حدثتك بحديث - العام - ثم جئتني من قابل فحدثتك بخلافه، بايهما كنت تأخذ ؟ قال: قلت: كنت آخذ بالاخير. فقال لي: رحمك الله ". ومنه - ما رواه في الكتاب المذكور ايضا بسنده عن المعلى بن خنيس عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إذا جاء حديث عن أولكم وحديث عن آخركم بايهما نأخذ ؟ قال: خذوا به حتى يبلغكم عن الحي فان بلغكم عن الحي فخذوا بقوله. قال: ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): إنا والله لا ندخلكم إلا فيما يسعكم " قال في الكافي بعد نقل هذا الخبر: وفي حديث آخر: " خذوا بالاحدث ".


[ 97 ]

إذا عرفت ذلك فتحقيق الكلام في هذه الا خبار يقع في مواضع: (الاول) - لا يخفى ان مقبولة عمر بن حنظلة ومرفوعة زرارة قد اشتملتا على الترجيح باعدلية الراوي وافقهيته، وهذا الطريق من طرق الترجيح لم يتعرض له ثقة الاسلام في ديباجة الكافي في ضمن نقله طرق الترجيحات، وانما ذكر الترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامة والاخذ بالمجمع عليه، ولعل الوجه فيه ما ذكره بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم) من انه لما كانت احاديث كتابه كلها صحيحة عنده - كما صرح به في غير موضع من ديباجة كتابه - فلا وجه للترجيح بعدالة الراوي. ويحتمل ايضا أن يقال: ان في الترجيح باحد تلك الوجوه الثلاثة غنية عن الترجيح بعدالة الرواي كما سيأتي تحقيقه. ويؤيد ذلك خلو ما عدا الخبرين المذكورين ورواية داود ابن لحصين من الاخبار الواردة في هذا المضمار عن عد ذلك في جملة المرجحات. ويؤيده ايضا ما رواه في الكافي عن ابن ابي يعفور قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن اختلاف الحديث: يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به قال: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله أو من قول رسول الله (صلى الله عليه واله) والا فالذي جاءكم به اولى به " فانه (عليه السلام) لم يرجح بالوثاقة ولم يقل اعمل بما تثق به دون ما لا تثق به مع كون السؤال عن الاختلاف الناشي عن رواية الثقة وغير الثقة. (الثاني) - انه قد اشتملت مقبولة عمر بن حنظلة ومرفوعة زرارة على جملة الطرق الواردة في الترجيح، لكنهما قد اختلفتا في الترتيب بين تلك الطرق، فاشتملت الاولى منهما على الترجيح بالاعدلية والافقهية ثم بالمجمع عليه ثم بموافقة الكتاب


[ 98 ]

ثم بمخالفة العامة، والثانية منهما قد اشتملت على الترجيح بالشهرة اولا ثم بالاعدلية والاوثقية ثم يمخالة العامة ثم بالاحوطية، ولم يذكر فيها الترجيح بموافقة القرآن، كما لم يذكر في الاولى الترجيح بالاحوطية. ويمكن الجواب (اولا) بان يقال: ان الترتيب غير منظور فيهما، لانه في الحقيقة انما وقع في كلام السائل لا في كلامه (عليه السلام) وغاية ما يفهم من كلامه (عليه السلام) هو الترتيب الذكري، وهو لا يستدعي الترتيب في وقوع الترجيح، وحينئذ فاي طريق اتفق من هذه الطرق عمل عليه، وبذلك يندفع ما قيل: ان مقتضى مقبولة عمر بن حنظلة - حيث قدم فيها الترجيح بالاعدلية والاوثقية - انه لا يصار إلى غير الطريق المذكور الا مع تعذر الترجيح به، وهكذا باقي الطرق. (لا يقال): يلزم الاشكال لو تعارضت الطرق المذكورة: بان كان احد الخبرين مجمعا عليه مع موافقته للعامة وآلاخر غير مجمع عليه مع مخالفته لهم، أو احدهما موافقا للكتاب مع موافقته والاخر مخالفا للعامة وللكتاب. (لانا نقول): غاية ما يلزم من ذلك خلو الروايتين المذكورتين عن حكم ذلك، والمدعي انما هو عدم دلالتهما على الترتيب في هذه الطرق لا الدلالة على عدم الترتيب واقعا أو الدلالة عليه، على انا نقول: انه مع القول بعدم المخالفة بين الاخبار والقرآن إذا كانت مخصصة له كما اسلفنا بيانه، فلا نسلم وجود هذه الفروض المذكورة في اخبارنا المعمول عليها عندنا، كما لا يخفى على من جاس خلال تلك الديار وتصفح الاخبار بعين الاعتبار، ومع امكان وجود ذلك فيمكن ايضا القول بانه متى تعارض طريقان من الطرق المذكورة، يصار إلى الترجيح بغيرهما ان امكن، أو بهما مع اعتضاد احدهما بمرجح آخر من تلك الطرق ان وجد، والا صير إلى التوقف والارجاء أو التخيير.


[ 99 ]

ويمكن ان يقال ايضا في الجواب (ثانيا) عن اختلاف الخبرين المذكورين في الترتيب بين الطرق: بانه لا يبعد ترجيح العمل بما تضمنته مقبولة عمر بن حنظلة، لاعتضادها بنقل الائمة الثلاثة (رضوان الله عليهم) وتلقي الاصحاب لها بالقبول حتى انه اتفقت كلمتهم على التعبير عنها بهذا اللفظ الذي كررنا ذكره، واطباقهم على العمل بما تضمنته من الاحكام، يخلاف الرواية الاخرى، فانا لم نقف عليها في غير كتاب عوالي اللئالي، مع ما هي عليه من الرفع والارسال، وما عليه الكتاب المذكور من نسبة صاحبه إلى التساهل في نقل الاخبار والاهمال وخلط غثها بسمينها وصحيحها بسقيمها كما لا يخفى على من وقف على الكتاب المذكور. (الثالث) - انه قد دلت مقبولة عمر بن حنظلة على الارجاء والتوقف بعد التساوي في طرق الترجيحات المذكورة. ومرفوعة زرارة على التخيير في العمل باحدهما بعد ذلك، وبعض الاخبار قد دل على التوقف والارجاء من غير ذكر شيئ من الطرق قبل ذلك، وبعض آخر قد دل على التخيير كذلك، ولعل الاخيرين محمولان على عدم امكان الترجيح بتلك الطرق، لاستفاضة الاخبار بالترجيح سيما بالقرآن ومخالفة العامة اولا، بل العمل بهما وان لم يكن ثمة مخالف من الاخبار، الا ان خبر سماعة - المنقول عن كتاب الاحتجاج - ينافي ذلك، ولعله محمول على امكان الوصول إلى الامام (عليه السلام) وامكان التاخير، إذ الترجيح بهذه الطرق فرع تعذر الوصول إليه (عليه السلام) بغير مشقة وقد اختلفت كلمة اصحابنا (رضوان الله عليهم)


[ 100 ]

عليهم) في وجه الجمع بين خبري الارجاء والتسليم على وجوه: (فمنها) - حمل خبر الارجاء على الفتوى وحمل خبر التخيير على العمل، بمعنى انه لا يجوز للفقيه - والحال كذلك - الفتوى والحكم وان جاز له العمل بايهما شاء من باب التسليم، وبه صرح جملة من مشايخنا المتأخرين، واستدل بعضهم على ذلك بصحيحة على بن مهزيار ومكاتبة الحميري المتقدمتين وظني انهما ليستا من ذلك الباب، إذ الظاهر من الاخبار ان التخيير في العمل من باب الرد والتسليم انما هو مع تعذر رد الحكم لهم (عليهم السلام) وتساوي الخبرين في طرق الترجيح، فالحكم حينئذ فيه التخيير في العمل خروجا من الحيرة ودفعا للحرج والضرورة، كما ينادي به كلام ثقة الاسلام الآتي نقله، فهو من قبيل الرخص الواردة عنهم (عليهم السلام) في مقام الضرورة كالعمل بالتقية ونحوه، واما مع رد الحكم للامام (عليه السلام) وامره بالتخيير فالظاهر ان الحكم الشرعي في ذلك هو التخيير، وهو احد الوجوه التي يجمع بها بين الاخبار إذا ظهر له مستند منها، والامر هنا كذلك. و (منها) - حمل الارجاء على زمن وجوده (عليه السلام) وامكان الرد إليه، وحمل التخيير على زمان الغيبة وعدم امكان الوصول إليه. وبه صرح الثقة الجليل احمد بن على بن ابي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج وفيه ان ذلك يتم بالنسبة


[ 101 ]

إلى الاخبار المشتملة على الارجاء والتخيير الخالية عم طرق الترجيح. واما الاخبار المشتملة عليها - كمقبولة عمر بن حنظلة ومرفوعة زرارة المجعول فيهما الارجاء والتخيير بعد تعذر الترجيح بتلك الطرق - فيشكل بان الظاهر ان الترجيح بتلك الطرق انما يصار إليه عند تعذر الوصول إليهم (عليهم السلام) فكيف يحمل الارجاء في هذه الحال على امكان الوصول ؟ الا ان يحمل على ذوي الاطراق البعيدة المستلزم الوصول فيها المشقة فيعمل على تلك المرجحات، ومع عدم امكان الترجيح بها يقف عن الحكم والعمل حتى يصل للامام (عليه السلام)، وربما يفهم ذلك من مرفوعة زرارة، لامره (عليه السلام) له بذلك. فانه دال باطلاقه على ما هنالك. (ومنها) - حمل اخبار التخير على العبادات المحضة كالصلاة، وحمل اخبار الارجاء على غيرها من حقوق الادمين من دين أو ميراث على جماعة مخصوصين أو فرج أو زكاة أو خمس، فيجب التوقف عن الافعال الوجودية المبنية على تعيين احد الطرفين بعينه، ذهب إليه المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) في كتاب الفوائد المدنية، والظاهر ان وجهه اشتمال مقبولة عمر بن حنظلة الدالة على الارجاء على كون متعلق الاختلاف حقوق الناس، وفيه ان تقييد اطلاق جملة الاخبار الواردة بذلك لا يخلو من اشكال، فانها ليست نصا في التخصيص بل ولا ظاهرة فيه حتى يمكن ارتكاب التخصيص بها. و (منها) - حمل خبر الارجاء على ما لم يضطر إلى العمل باحدهما، والتخيير على حال الاضطرار والحاجة إلى العمل باحدهما، ذهب إليه الفاضل بان ابي الجهم ورواية


[ 102 ]

في كتاب عوالي اللئالي، وظاهره حمل كل من خبري الارجاء والتخيير على العمل خاصة أعم من أن يكون في زمن الغيبة أو عدم امكان الوصول اولا. وهذا الاطلاق مشكل، لان الظاهر انه مع الحضور وامكان الوصول لا يسوغ التخيير بل يجب الارجاء حتى يسأل. و (منها) - حمل الارجاء على الاستحباب، والتخيير على الجواز. نقله المحدث السيد نعمة الله عن شيخه المجلسي (قدس سرهما) وظني بعده. و (منها) - ما يفهم من خبر الميثمي المتقدم نقله عن كتاب عيون الاخبار من تخصيص التخيير في العمل بما كان النهي فيه نهي اعافة لا نهي تحريم ثم كان الخبر الاخر خلافه فانه رخصة، والارجاء والتوقف على غير ذلك. والظاهر انه لا يطرد كليا، لما عرفت من عموم خبري عمر بن حنظلة وزرارة ونحوهما من الاخبار. و (منها) - حمل الارجاء على النهي عن الترجيح والعمل بالرأي، وحمل التخيير على الاخذ من باب التسليم والرد إليهم (عل) لا إلى الرأي والترجيح بما يوافق الهوى كما هو قول ابي حنيفة واضرابه، وهذا الوجه نقله بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم) احتمالا ايضا، والظاهر بعده. و (منها) - حمل خبر الارجاء على حكم غير المتناقضين وحمل خبر التخيير على المتناقضين، نقله بعض شراح الاصول عن بعض الافاضل، وفيه ان موثقة سماعة المتقدمة عن الكافي موردها في المتناقضين مع انه حكم فيها بالارجاء، وحكم


[ 103 ]

في الرواية المرسلة التي بعدها بالتخيير، والمورد واحد، وروياته المنقولة عن الاحتجاج ايضا موردها المتناقضان مع انه حكم فيها بالارجاء. إذا عرفت ذلك فاعلم انه يمكن ترجيح الوجه الاول بقوله (عليه السلام) في حديث الميثمي: " فردوا علمه الينا ولا تقولوا فيه بأرائكم " فان ظاهره المنع عن الافتاء والحكم خاصة، ولا ينافيه التخيير في الفعل تسليما لهم (عليهم السلام) وعليه يدل ظاهر رواية الحرث بن المغيرة فان ظاهرها انه متى كان نقلة الحديث كلهم ثقات فموسع عليك في العمل بقول كل منهم حتى ترى القائم فترد إليه الحكم والفتوى في ذلك، والا فلا معنى للسعة المذكورة سيما لو كان الفرض الجاء الحاجة إلى العممل باحدهما بل هو ضيق، ومثلها موثقة سماعة فان ظاهر قوله: " فهو في سعة حتى يلقاه " مفرعا على الارجاء المشعر ذلك باختلاف متعلقيهما ان السعة إنما هي باعتبار التخيير بين العفل وعدمه والارجاء باعتبار الحكم خاصة، إلا ان هذه الرواية محتملة لاحتمال آخر ايضا. وعندي ان مرجع كل من الوجه الاول والثاني عند التأمل والتحقيق بالنظر الدقيق إلى امر واحد، وذلك فان حمل الارجاء على الفتوى والتخيير على العمل -


[ 104 ]

كما هو الوجه الاول - لا يكون الا مع غيبة الامام (عليه السلام) أو عدم امكان الوصول إليه، إذ الظاهر انه متى امكن الوصول إليه واستعلام الحكم منه فانه يتحتم الارجاء في الفتوى والعمل تحصيلا للحكم بطريق العلم واليقين كما هو الطريق الواضح المستبين، اما مع عدم امكان الترجيح بما تقدمهما من الطرق أو مع الامكان على التفصيل المتقدم آنفا والى ذلك يشير خبر سماعة المنقول عن الاحتجاج وحمل الارجاء على زمن وجود الامام (عليه السلام) وامكان الرد والتخيير على ما عدا ذلك - كما هو الوجه الثاني - مراد به الارجاء في الفتوى والفعل لما عرفت، والتخيير على الوجه المذكور مراد به التخيير في الفعل خاصة، إذ لا مجال لاعتبار التخيير في الحكم الشرعي والفتوى به، لاستفاضة الآيات والاخبار بالمنع من الحكم والفتوى بغير علم، وان الحكم الشرعي في كل مسألة واحد يصيبه من يصيبه ويخطيه من يخطيه لا تعدد فيه، وهذا مما ينافي التخيير في الفتوى، وحينئذ فيرجع إلى التخيير في الفعل


[ 105 ]

خاصة، وبذلك يجتمع الوجهان المذكوران على أحسن التئام وانتظام وان غفلت عنه جملة مشايخنا العظام، ولعل هذا الوجه حينئذ هو اقرب الوجوه المذكورة. وكيف كان فتعدد هذه الاحتمالات مما يدخل الحكم المذكور في حيز المتشابهات التي يجب الوقوف فيها على جادة الاحتياط، فانه احد مواضعه كما قدمنا تحقيقه واوضحنا طريقه. (الرابع) - يستفاد من الروايات الاخيرة ان من جملة الطرق المرجحة عند التعارض الاخذ بالاخير، ولم أقف على من عد ذلك في طرق الترجيحان فضلا عمن عمل عليه غير الصدوق (ط) في الفقيه في باب (الرجل يوصي


[ 106 ]

للرجلين) حيث نقل خبرين مختلفين ثم قال: " ولو صح الخبران جميعا لكان الواجب الاخذ بقول الاخير كما أمر به الصادق (عليه السلام)، وذلك لان الاخبار لها وجوه ومعان، وكل امام اعلم بزمانه واحكامه من غيره من الناس " انتهى. اقول: والعمل بهذ الوجه بالنسبة إلى زمانهم (عليهم السلام) لا اشكال فيه. وذلك لان الظاهر ان الاختلاف المذكور ناشئ عن التقية لقصد الدفع عن الشيعة، كما يشير إليه قوله (عليه السلام) في الخبر الثاني من الاخبار المشار إليها: " إنا والله لا ندخلكم الا فيما يسعكم وحينئذ فالوجه في الامر بالاخذ بالاخير انه لو كانت التقية في الاول من الخبرين فالثاني رافع لها فيجب الاخذ به، وان كانت التقية في الثاني وجب الاخذ به لذلك، واما بالنسبة إلى مثل زماننا هذا فالظاهر انه لا يتجه العمل بذلك على الاطلاق، لجواز ان يحصل العلم بان الثاني انما ورد على سبيل التقية والحال ان المكلف ليس في تقية، فانه يتحتم عليه العمل بالاول ولو لم يعلم كون الثاني يخصوصه تقية بل صار احتمالها قائما بالنسبة اليهما، فالواجب حينئذ هو التخيير أو الوقوف بناء على ظواهر الاخبار، أو الاحتياط كما ذكرناه. (الخامس) - المستفاد - من كلام ثقة الاسلام وعلم الاعلامم (قدس سره) في ديباجة كتاب الكافي - ان مذهبه فيما اختلفت فيه الاخبار هو القول بالتخيير. ولم اعثر على من نقل ذلك مذهبا له مع ان عبارته (طاب ثراه) ظاهرة الدلالة طافحة المقالة، وشراح كلامه قد زيفوا عبارته واغفلوا مقالته. قال (قد): فاعلم يا اخي - ارشدك الله - انه لا يسع احدا تمييز شيئ


[ 107 ]

مما اختلفت الرواية فيه عن العلماء (عليهم السلام) برأيه الا على ما اطلقه العالم بقوله (عليه السلام): " اعرضوها على كتاب الله، فما وافق كتاب الله عزوجل فخذوه وما خالف كتاب الله فردوه وقوله (عليه السلام): " دعوا ما وافق القوم، فان الرشد في خلافهم " وقوله (عليه السلام): خذروا بالمجمع عليه، فان المجمع عليه لا ريب فيه " ونحن لا نعرف من جميع ذلك الا اقله، ولا نجد شيئا احوط ولا اوسع من رد علم ذلك كله إلى العالم، وقبول ما وسع من الامر فيه بقوله: " بايما اخذتم من باب التسليم وسعكم انتهى. وقوله (قدس سره): " ونحن لا نعرف.. إلى اخره) الظاهر ان معناه انا لا نعرف من كل من الضوابط الثلاث الا الاقل. ويمكن توجيهه بان يقال: اما الكتاب العزيز فلاستفاضة الاخبار - كما قدمنا لك شطرا منها - بانه لا يعلمه على التحقيق سواهم (عليهم السلام)، وقد علمت مما حققناه سابقا ان القدر الذي يمكن الاستناد إليه من الكتاب العزيز في الاحكام الشرعية اقل قليل. واما مذهب العامة فلا يخفى - على الواقف على كتب السير والآثار والمتتبع للقصص والاخبار، وبه صرح ايضا جملة من علمائنا الابرار بل وعلماؤهم في ذلك المضمار ما عليه مذاهب العامة في الصدر السابق من الكثرة والانتشار، واستقرار مذهبهم على هذه الاربعة انما وقع في حدود سنة خمس وستين وستمائة، كما نقله المحدث الامين الاستربادي في كتاب الفوائد المدنية عن بعض علماء العامة، على ان المستفاد من الاخبار كما قدمنا تحقيقه في المقدمة الاولى وقوع التقية وان لم يكن على وفق شيئ من اقوالهم.


[ 108 ]

واما المجمع عليه، فان اريد في الفتوى فهو ظاهر التعسر، لان كتب المتقدمين كلها مقصورة على نقل الاخبار كما لا يخفى على من راجع الموجود منها الان، ككتاب قرب الاسناد وكتاب على بن جعفر ومحاسن الرقي وبصائر الدرجات ونحوها ولتفرق الاصحاب وانزوائهم في زواية التقية في اكثر البلدان، وان اريد في الرواية بمعنى ان يكون مجمعا عليه في الاصول المكتوبة عنهم، ففيه انها قد اشتملت على الاخبار المتخالفة والاحاديث المتضادة فهي مشتركة في الوصف المذكور، وحينئذ فمتى لم تعلم هذه الامور على الحقيقة فالمعتمد عليها ربما يقع في المخالفة من حيث لا يشعر وتزل قدمه من حيث لا يبصر، فلا شيئ اسلم من الاخذ بما وسعوا فيه من باب التسليم لهم دون الجزم والحكم بكون ذلك هو الحكم الواقعي، فان فيه تحرزا عن القول على الله (سبحانه) بغير علم، وتخلصا من التهجم على الاحكام بغير بصيرة وفهم. وما اذكره بعض مشايخنا المعاصرين (نور الله مراقدهم) - من انه ليس الامر كذلك، قال: " فان الحق لا يشتبه بالباطل، والمطوق ليس كالعاطل، والشمس لا تستر بالنقاب، والشراب لا يلتبس بالسراب، وما ورد من التقية لا يكاد يخفى " انتهى - فالعبارة قشرية وتسجيعات من التحقيق عرية، كما لا يخقى على من عض على العلم بالاخبار بضرس قاطع، واعطى التأمل حقه فيما اوعدناه في هذه المواضع، كيف ؟ وهو (قدس سره) في جملة مصنفاته وفتاويه يدور مدار الاحتياط خوفا من الوقوع في شبهت الاحتياط، قائلا في بعض مصنفاته: " ان مناط اكثر الاحكام لا يخلو من شوب وريب وتردد، لكثرة الاحتلافات في تعارض الادلة وتدافع الامارات، فلا ينبغي ترك الاحتياط للمجتهد فضلا عمن دونه " انتهى (السادس) - قد اشتهر - بين اكثر اصحابنا سيما المتأخرين - عد الاستحباب


[ 109 ]

والكراهة من جملة وجوه الجمع بين الاخبار، بل الاقتصار عليهما في الجمع دون تلك القواعد المنصوصة والضوابط المخصوصة، كما لا يخفى على من لاحظ كتب المتأخرين ومتأخريهم، حتى تحذلق بعض متأخري المتأخرين - كما نقله بعض مشايخنا المعاصرين - فقال: " إذا أمكن التوفيق بين الاخبار بحمل بعضها على المجاز كحمل النهي على الكراهة والامر على الاستحباب وغير ذلك من ضروب التأويلات، فهو اولى من حمل بعضها على التقية وات اتفق المخالفون على موافقته " ولعمري انه محض اجتهاد في مقابلة النصوص وجرأة على رد كلام أهل الخصوص، وقد قدمنا لك في المقدمة السابقة ما فيه مزيد تحقيق ودفع لهذه الاوهام. (السابع) - الذي ظهر لي من الاخبار - مما تقدم نقله وغيره، وعليه اعتمد وبه اعمل - انه متى تعارض الخبران على وجه لا يمكن رد احدهما إلى الاخر. فالواجب - اولا - العرض على الكتاب العزيز، وذلك لاستفاضة الاخبار بالعرض عليه وان لم يكن في مقام اختلاف الاخبار، وان ما خالفه فهو زخرف ولعدم جواز مخالفة احكامهم (عليهم السلام) للكتاب العزيز، لانه آيتهم وحجتهم واخبارهم تابعة له ومقتبسة منه، واما ما ورد مخصصا أو مقيدا له فليس من المخالفة في شيئ كما قدمنا بيانا واوضحنا برهانه. والمراد العدض على محكماته ونصوصه بعد معرفة الناسخ منها من المنسوخ، واما غيرها فيشترط ورود التفسير له عن أهل البيت (عليهم السلام)، والا فالتوقف عن الترجيح بهذه القاعدة. ثم الترجيح بالعرض على مذهب القوم والاخذ بخلافهم، لاستفاضة


[ 110 ]

الاخبار بالاخذ بخلافهم وان لم يكن في مقام التعارض ايضا كما تدل عليه جملة من الاخبار. (منها) رواية على بن اسباط المروية في التهذيب وعيون الاخبار، وفيها ما يدل على " انهم متى افتوا بشيئ فالحق في خلافه " وفي صحيحة محمد بن اسماعيل ابن بزيع عن الرضا (عليه السلام): " إذا رأيت الناس يقبلون على شيئ فاجتنبه " وفي صحيحة ابي بصير المروية فرسالة الراوندي المتقدم ذكرها عن ابي عبد الله (عليه السلام): " ما انتم والله على شيئ ولا هم على شيئ مما انتم فيه، فخالفوهم فما هم من الحنيفية على شيئ " وفي بعض الاخبار: " والله لم يبق في ايديهم الا استقبال القبلة " وحينئذ ففي مقام التعارض بطريق اولى. ثم مع عدم امكان العرض على مذهبهم فالاخذ بالمجمع عليه، ومما يدل على الاخذ به ما تقدم نقله عن ثقة الاسلام من الخبر المرسل الذي اشار إليه بقوله: وقوله (عليه السلام): خذوا بالمجمع عليه، فان المجمع عليه لا ريب فيه "، الا ان في تيسر هذا الاجماع لنا في هذه الازمان نوع اشكال كما عرفت آنفا. وكيف كان فهذه القواعد الثلاث لا يمكن الاختلاف فيها بعد اعطاء التأمل حقه في الاخبار في مقام الاختلاف، واعطاء النظر حقه من التحقيق والانصاف، ومع عدم امكان الترجيح بالقواعد الثلاث فالارجح الوقوف على ساحل الاحتياط،


[ 111 ]

وان كان ما اختاره شيخنا ثقة الاسلام من التخيير لا يخلو من قوة، الا ان اخبار الاحتياط عموما وخصوصا اكثر عددا واوضح سندا واظهر دلالة. واما الترجيح بالاوثقية والاعدلية فالظاهر انه لا ثمرة له بعد الحكم بصحة اخبارنا التي عليها مدار ديننا وشريعتنا كما قدمنا بيانه ولعل ما ورد في مقبولة عمر بن حنظلة من الترجيح بذلك محمول على الحكم والفتوى كما هو موردها، ومثلها رواية داود بن الحصين، واما مرفواعة زرارة فلما عرفت من الكلام فيها لا تبلغ حجة، أو يقال باختصاص ذلك بزمانهم (عليهم السلام) قبل وقوع التنقية في الاخبار وتخلصيها من شوب الاكدار، والله سبحانه ورسوله واوليائه اعلم. (الثامن) انه قد وقع التعبير عن المجمع عليه في مقبولة عمر بن حنظلة بالمشهور، وهو لا يخلو من نوع تدافع. ويمكن الجواب عن ذلك اما بتجوز اطلاق المجمع عليه على المشهور، أو بان يقال: يمكن ان يكون الراوي لما هو خلاف المجمع عليه قد روى ما هو مجمع عليه ايضا فاحد الخبرين مجمع عليه بلا اشكال والاخر الذي تفرد بروايته شاذ غير مجمع عليه، وحينئذ فيصير التجوز في جانب الشهرة، واما بحمل الشاذ المخالف على ما وافق روايات العامة واخبارهم وان رواه اصحابنا، بمعنى وجوب طرح الخبر الموافق لهم إذا عارضه خبر مشهور معروف بين الاصحاب، وذلك لا ريب فيه كما تدل عليه الاخبار الدالة على حكم الترجيح بين الاخبار.


[ 112 ]

المقدمة السابعة في ان مدلول الامر والنهي حقيقة هو الوجوب والتحريم

وقد طال التشاجر بين علماء الاصول في هذه المقالة، وتعددت الاقوال فيها وزيف كل منهم ما اورده الاخر من الاستدلال وقال، مع ان الكتاب العزيز واخبار اهل الذكر (عليهم السلام) مملوة من الدلالة على ذلك، وهي اولى بالاتباع والاعتماد واظهر في الدلالة على المراد. فمنها قوله تعالى: " يا ايها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم.. " وليس الطاعة الا الانقياد لما يقوله الآمر من الامر والنهي كما صرح به ارباب اللغة. وترك الطاعة عصيان، لنص اهل اللغة على ذلك. والعصيان حرام، لقوله سبحانه: " ومن يعص الله ورسوله فانه له نار جهنم.. ". و (منها) قوله تعالى: " من يطع الرسول فقد اطاع الله، ومن تولى فما ارسلناك عليهم حفيظا " والتقريب ما تقدم. و (منها) قوله تعالى: " فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم ". و (منها) قوله تعالى: " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا.. ".


[ 113 ]

ومن الاخبار الدالة على ذلك ما استفاض من وجوب طاعة الائمة (عليهم السلام) وان طاعتهمم كطاعة الله ورسوله، وقد عقد له في الكافي بابا عنونه بباب (فرض طاعة الائمة عليهم السلام). ومن اخباره: حسنة الحسين بن ابي العلا قال: " قلت لابي عبد الله (ع) الاوصياء طاعتهم مفترضة ؟ قال:. عم هو الذين قال الله تعالى: (اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولى الامر منكم..).. الحديث ". وصحيحة الكناني قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): " نحن قول فرض الله طاعتنا.. الحديث ". ورواية الحسين بن المختار عن ابي عبد الله (عليه السلام): في قول الله تعالى (وآتيناهم ملكا عظيما) قال: الطاعة للامام " إلى غير ذلك من الاخبار المذكورة في ذلك الباب وغيره. ون الاخبار الدالة على اصل المدعى صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم قالا: " قلنا لابي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في الصلاة في السفر، كيف هي وكم هي ؟ فقال: ان الله عزوجل يقول: " وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جنا ان تقصروا من الصلاة.. " فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر. قالا: قلنا: انما قال الله عزوجل: فليس عليكم جناح. ولم يقل: افعلوا. فكيف اوجب


[ 114 ]

ذلك كما وجب التمام في الحضر ؟ فقال (عليه السلام): اوليس قد قال الله عزوجل في الصفا والمروة: (ان الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما.) الا ترون ان الطواف بهم واجب مفروض ؟.. الحديث " وجه الدلالة ان زرارة ومحمد بن مسلم علقا استفادة الوجوب على صيغة افعل مجردة، وسألا عن وجوب القصر مع عدم الصيغة المذكورة، وهما من أهل اللسان وخواص الائمة (عليهم السلام) والامام قررهما على ذلك. و (منها) صحيحة عمر بن يزيد قال: " اشتريت ابلا وانا بالمدينة مقيم فاعجبتني اعجابا شديدا، فدخلت على ابي الحسن الاول (عليه السلام) فذكرتها، فقال: مالك واللابل ؟ أما علمت انها كثيرة المصائب ؟ قال: فمن اعجابي بها اكريتها وبعثتها مع غلمان لي إلى الكوفة فستقطت كلها، قال: فدخلت عليه فاخبرته. فقال: (فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم). و (منها) ما ورد في رسالة الصادق (عليه السلام) إلى اصحابه المروية في كتاب روضة الكافي حيث قال فيها: " اعلموا ان ما أمر الله ان تجتنبوه فقد حرمه، إلى ان قال في اثنائها ايضا: واعلموا انه انما امر ونهى ليطاع فيما أمر به ولينتهى عما نهى عنه، فمن اتبع امره فقد اطاعه ومن لم ينته عما نهى عنه فقد عصاه، فان مات على معصيته اكبه الله على وجهه في النار ". و (منها) صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام): قال: " العمرة


[ 115 ]

واجبة على الخلق بمنزلة الحج، لان الله تعالى يقول: (واتموا الحج والعمرة لله (.. الحديث ". و (منها) قول الصادق (عليه السلام) لهشام بن الحكم لما ساله " الا تخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد ؟ فاعتذر له هشام باني اجلك واستحييك. فقال الصادق (عليه السلام): إذا أمرتكم بشيئ فافعلوا رواه في الكافي في اول باب الاضطرار إلى الحجة، وهو ظاهر كالصريح في وجوب امتثال اوامرهم (عليهم السلام). وذهب جمع من المتأخرين ومتاخيريهم منهم. الشيخ حسن بن شيخنا الشهيد الثاني بل ربما كان اولهم فيما اعلم إلى منع دلالة صيغة الامر والنهي على الوجوب والتحريم في كلام الائمة (عليهم السلام) وان كانت كذلك في كلام الله تعالى وكلام الرسول (صلى الله عليه واله) مستندين إلى كثرة الاوامر والنواهي عنهم (عليهم السلام) للاستحباب والكراهة وشيوعها في ذلك، قال في كتاب المعالم: " قائدة، يستفاد من تضاعيف احاديثنا المروية عن الائمة (عليهم السلام) ان استعمال صيغة الامر في الندب كان شائعا في عرفهم بحيث صار من المجازات الراجحة المساوي احتمالها من اللفظ لاحتمال الحقيقة عند انتفاء المرجح الخارجي، فيشكل التعلق في اثبات وجوب أمر بمجرد ورود الامر به منهم (عليهم السلام). وبمثل هذه المقالة صرح السيد السند في مواضع من المدارك، ونسج على منوالهما جمع ممن تأخر عنهما. وعندي فيه نظر من وجوه: (احدها) ا ن تلك الاوامر والنواهي هي في الحقيقة اوامر الله سبحانه ورسوله، ولا فرق بين صدروها من الله تعالى ورسوله ولا منهم، لكونهم (عليه السلام) حملة ونقلة، لقولهم (صلوات الله عليهم):


[ 116 ]

" إنا إذا حدثنا عن الله ورسوله ولا نقول من انفسنا " وحينئذ فكما ان هذا القائل يسلم ان اوامر الله سبحانه ورسوله ونواهيهما الصادرة عنهما لا بواسطة واجبة الاتباع، فيجب عليه القول بذلك فيما كان بواسطتهم (عليهم السلام)، وهل يجوز أو يتوهم نقلهم (عليهم السلام) ذلك اللفظ عن معناه الحقيقي الذي هو الوجوب أو التحريم واستعماله في معنى مجازي من غير نصب قرينة أو تنبيه على ذلك ؟ وهل هو الا من قبيل التعمية والالغاز ؟ وشفقتهم على شيعتهم وحرصهم على هدايتهم بل علو شأنهم وعصمتهم تمنع من ذلك. و (ثانيها) ان ما استند إليه هذا القائل من كثرة ورود الاوامر والنواهي في اخبارهم للاستحباب والكراهة مردود ة بانه ان كان دلالة تلك الاوامر والنواهي باعتبار قرائن قد اشتملت عليها تلك الاخبار حتى دلت بسببها على الاستحباب والكراهة فهو لا يقتضي حمل ما لا قرينة فيه على ذلك، وهل هو الا قياس مع وجود الفارق ؟ والا فهو عين المتنازع فلا يتم الاستدلال وهذا بحمد الله سبحانه واضح المجال لمن عرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال. و (ثالثها) ان ما قدمنا من الايات والاخبار الدالة على فرض طاعتهم ووجوب متابعتهم عامة شاملة لجميع الاوامر والنواهي إلا ما دلت القرائن على خروجه، فحينئذ لو حمل الامر والنهي الوادر في كلامهم بدون القرينة الصارفة على الاستحباب والكراهة المؤذن بجواز الترك في الاول والفعل في الثاني، لم يحصل العلم بطاعتهم ولا اليقين بمتابعتهم، وكان المرتكب لذلك في معرض الخوف والخطر والتعرض لحر سقر، لاحتمال كون ما امروا به انما هو على وجه الوجوب والحتم وما نهوا عنه إنما هو على جهة التحريم والزجر، بل هو ظاهر تلك الاوامر والنواهي بالنظر إلى ما قلنا الا مع الصارف، بخلاف ما إذا حملا على الوجوب والتحريم فان


[ 117 ]

المكلف حينئذ متيقن البراءة والخروج من العهدة. (ولو قيل) بان الحمل على الاستحباب والكراهة معتضد بالبراءة الاصلية، إذ الاصل براءة الذمة حتى يقوم دليل قاطع على ما يوجب اشتغالها. (قلنا) فيها (اولا) ما عرفت من مسالة البراءة الاصلية من عدم قيام الدليل عليها بل قيامه على خلافها. و (ثانيا) انه بعد ورود الامر والنهي مطلقا لا مجال للتمسك بها، إذ المراد بها، اما اصالة البراءة قبل تعلق التكاليف، وحينئذ فبعد التكليف لا مجال لاعتبارها، واما اصالة البراءة لعدم الاطلاع على الدليل، والحال ان الدليل في الجملة موجود. نعم يبقى الشك في الدليل وتردده بين الوجوب والاستحباب، والتحريم والكراهة، وهذا امر آخر، فالخروج عن قضية البراءة الاصلية معلوم، وبالجملة فاصالة البراءة عبارة عن خلو الذمة من تعلق التكليف مطلقا ايجابيا أو ندبيا، وهو هنا ممتنع بعد وجود الدليل. و (رابعها) انه لا اقل ان يكون الحكم بالنظر إلى ما ذكرنا من الايات والروايات من المتشابهات التي استفاضت الاخبار بالوقوف فيها على ساحل الاحتياط: " حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك، فمن تجنب الشبهات نجا من الهلكات " ومن الظاهر البين ان الاحتياط في جانب الوجوب والتحريم. هذا وما اعتضد به شيخنا أبو الحسن (قد) في كتاب العشرة الكاملة حيث اقتفى اثر اولئك القوم في هذا المقالة، من ان الصدوق (ره) في كتاب من لا يحضره الفقيه قد حمل كثيرا من الاوامر على الندب وجما غفيرا من النواهي على الكراهة والتنزيه ففيه انه ان كان ذلك كذلك فيمكن حمله على ظهور قرائن


[ 118 ]

المجاز له، إذ هي بالنسبة إلى مثله من ارباب الصدر الاول غير عزيزة، ويمكن ايضا ان يكون ذلك في مقام الجمع بين الاخبار بان يكون في الاخبار المعارضة ما يدل على نفي الوجوب في الاول والجواز في الثاني مع قوته ورجحانه، وهذا من جملة القرائن الموجبة للخروج عن ذينك المعنيين الحقيقيين.

المقدمة الثامنة

اختلف الاصوليون في ثبوت الحقائق الشرعية وتحقيق المقام من غير اطالة بابرام النقض ولا نقض الا برام هو ان اللفظ ان استعمل فيما وضع له فهو حقيقة والا فهو مجاز، والواضع ان كان هو الشارع اي الله سبحانه أو الرسول فحقيقة شرعية، وان كان غيره فلغوية أو عرفية خاصة أو عامة. ولا نزاع في ان الالفاظ المتداولة في لسان اهل الشرع المستعملة في خلاف معانيها اللغوية قد صارت حقائق في تلك المعاني عندهم، كاستعمال الصلاة الموضوعة لغة الدعاء في ذات الاركان الخمسة ونحوها. انما النزاع في ان هذا الاستعمال هل هو بطريق النقل عن الشارع فتكون حقائق شرعية، أو بطريق المجاز بمعنى ان الشارع انما استعملها في تلك المعاني مجازا بمعونة القرينة ولكن غلب في ألسنة اهل الشارع استعمالها كذلك حتى افادت من غير قرينة فتكون حقائق عرفية خاصة لا شرعية ؟ فقيل بالاول بل هو المشهور بينهم محتجين بوجوه: (اظهرها) القطع بتبادر هذه المعاني من تلك الالفاظ إلى الفهم عند اطلاقها، وهو علامة الحقيقة. وذهب بعض إلى الثاني، طاعنا في الحجة المذكورة ومحتجا بما هو مذكور في مطولات الاصول مما لا يرجع عند التحقيق إلى ثمرة ولا محصول.


[ 119 ]

وتوقف ثالث، قائلا ان الحق انه لم يعلم من حال الشارع غير اصل الاستعمال. واما طريقه فغير معلوم، لان ادلة الطرفين في غاية الضعف، وتبادر هذه المعاني لنا غير مفيد، إذ يحتمل ان يكون ذلك لاجل الاشتهار عندنا. هذاا. والاظهر عندي هو القول الاول وعليه من بين تلك الاقوال المعول، ولنا عليه دليل التبادر الذي هو عندهم امارة الحقيقة ومعيارها وعليه في جميع الاحوال مدارها. وما قيل في الجواب عن ذلك، من ان التبادر المذكور عند سماع هذه الالفاظ، ان كان بالنظر إلى اطلاق الشارع فهو ممنوع بل هو اول المسالة، وان كان بالنظر إلى اطلاق المتشرعة فهو غير مفيد قطعا، لان اللازم حينئذ كونها حقائق عرفية لا شرعية مردود بان من صفا ذهنه من شوب الشبهة والعناد وكان له انس بكلام الشارع ولو في اكثر المواد، يعلم قطعا ان الصدر الاول من الصحابة والتابعين وجملة السلف المتقدمين كانوا متى حكى النبي (صلى الله عليه واله) عن الله سبحانه وصف احد بالايمان أو الكفر أو الشرك أو حصل منه (صلى الله عليه واله) الامر بصلاة أو زكاة أو حج طهارة أو المنع عن النجاسة أو نحو ذلك، يفهمون بمجرد اطلاق هذه الالفاظ المعنى الشرعي منها متى تقدم لهم العلم بالوضع، ومن انكر ذلك نسأل الله سبحانه ان يصلح وجدانه ويثبت جنانه. ومن الاخبار الدالة على ذلك موثقة سماعة قال: " سألته عن الركوع والسجود هل نزل في القرآن ؟ فقال: نعم. قول الله عزوجل: (يا ايها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا..).. الحديث ". إلا ان الظاهر ان الخلاف في هذه المسالة قليل الجدوى، لاتفاقهم على ان


[ 120 ]

استعمال هذه الالفاظ في تلك المعاني الشرعية في كلام الائمة (عليه السلام) حقيقة وان كانت عرفية خاصة لا شرعية، وهو كاف في صحة الاستدلال بها والاعتماد عليها وانما يظهر الخلاف فيما وقع منها في كلام الشارع من القرآن العزيز أو السنة النبوية، واستقلال القرآن سيما على ما فصلناه آنفا والسنة النبوية من غير جهة نقل الائمة (عليهم السلام) مما لا يكاد يتحقق في الاحكام، كما لا يخفى على من سرح يريد النظر في المقام. وبهذا يظهر لك ما في إيراد شيخنا ابي الحسن (قد) في بعض مؤلفاته على شيخنا البهائي وصاحب المعالم، حيث انه قائل بثبوت الحقيقة الشرعية وهما مانعان منه بالاخبار الدالة على الطهارة والنجاسة والحل والتحريم والوجوب والاستحباب مع خلوها من القرائن، حيث قال بعد تقديم الكلام في ذلك: " على انا نقول: لو تم ما ذكروه من التشكيك الركيك للزم ان كل ما ادعينا انه حقيقة شرعية فهو مجاز لا يصار إليه الا بقرينة، وحينئذ ينسد باب الاحتجاج باكثر الاخبار المشتملة على هذه الالفاظ العارية عن القرائن المعينة للمراد، وهم لا يلتزمونه، بل هذان الشيخان وغيرهما قد اكثروا من الاحتجاج بامثال هذه الاخبار على مطالبهم غافلين عما يرد عليهم، وتراهم اكثروا من الاحتجاج على النجاسة والطهارة والحل والتحريم والوجوب والاستحباب بهذه الالفاظ، فهم يأتون في ذلك على المثل السائر: " الشعير يؤكل ويذم " انتهى. فان فيه كما عرفت انه لا خلاف في ان استعمال تلك الالفاظ في المعاني الشرعية في كلام الائمة (عليهم السلام) حقائق يجب الاعتماد عليها والاستناد إليها وان كانت عرفية خاصة، وانما محل الخلاف ومظهره وقوعها في كلام الشارع، اما مجردة عن القرينة فعند من يقول بثبوت الحقائق الشرعية بحملها على ذلك


[ 121 ]

وعند من ينفيها بحملها على المعاني اللغوية، واما مع القرينة الدالة على المعنى الشرعي فهي حقيقة شرعية على الاول ايضا ومجاز على الثاني. هذا. وما اشتهر في كلام جملة من اصحابنا (رضوان الله عليهم) من ان الواجب حمل الخطابات الواقعة في الشريعة على الحقيقة الشرعية ان ثبتت، والا فعلى عرفهم (عليهم السلام) ان علم، والا فعلى الحقيقة اللغوية ان وجدت، والا فعلى العرف العام مما لم يعثر له على مستند ولم يقم عليه دليل معتمد، وانما المستفاد من اخبارهم كما مر انه مع عدم العلم بما هو المراد من الخطاب الشرعي يجب الفحص والتفتيش ومع العجز عن الظفر بالمراد يجب رعاية الاحتياط والوقوف على سواء ذلك الصراط. على انه لا يخفى ما في بناء الاحكام على العرف العام من العسر والحرج المنفيين بالآية والرواية فانه يوجب استعلام ما عليه كافة الناس في اقطار الارض. واما البناء على العرف الخاص مع تعذر العام كما صار إليه بعضهم، ففيه انه يوجب الاختلاف في الاحكام الشرعية، والمستفاد من الاخبار ان كل شيئ يؤدي إلى الاختلاف فيها فلا يجوز النباء عليه. والله العالم.

 

المقدمة التاسعة

اختلف كلام الاصوليين من اصحابنا (رضوان الله عليهم) وغيرهم في ان صدق المشتق على ذات حقيقة، هل يشترط فيه بقاء مأخذ الاشتقاق فبعد قيام المبدأ بالذات وانقضائه يكون مجازا، ام لا يشترط فيكون حقيقة مطلقا ؟ على اقوال متعددة وآراء متبددة بعد الاتفاق على انه حين القيام حقيقة وقبله مجاز، فالضارب، لمن هو


[ 122 ]

مشتغل به الان، حقيقة بلا خلاف، ولمن يريد ايقاعه ولما يقع منه مجاز كذلك، واما من ضرب وهو الان غير ضارب فهل هو حقيقة أو مجاز ؟ قولان، الا انه بسبب الاشكال في تعين محل الخلاف انتشرت الاقوال واتسع المجال. فقيل بعدم اشتراط بقاء المأخذ مطلقا فيكون حقيقة. وعليه كثير من المعتزلة واكثر الامامية بل قيل كلهم. وقيل بالاشتراط مطلقا فيكون مجازا. ونقل عن اكثر الاشاعرة والفخري في المحصول والبيضاوي في المنهاج، واليه مال من اصحابنا المحدث الامين الاستربادي في تعليقاته على شرح المدارك. وقيل بالتفصيل بانه ان كان المبدأ مما يمكن بقاؤه كالقيام والقعود فالمشتق مجاز، وان كان مما لا يمكن بقاؤه كالمصادر السيالة الغير القارة نحو التكلم والاخبار فالمشتق حقيقة وان لم يبق المبدأ. وقيل بالتوقف في المسألة، لتصادم الادلة من الطرفين وتعارض الاحتمالات من الجانبين، ونقل عن الآمدي والحاجبي. وقيل بتخصيص محل النزاع بما إذا كان المشتق محكوما به، كقولك: زيد مشرك أو قاتل أو متكلم. واما إذا كان محكوما عليه كقوله تعالى: " الزانية والزاني فاجلدوا.. الاية " " والسارق والسارقة فاقطعوا.. " " فاقتلوا المشركين.. " ونحوه، فانه حقيقة مطلقا سواء كان للحال ام لم يكن، وهو المنقول عن شيخنا الشهيد الثاني في تمهيد القواعد. وقيل: انه إذا كان اتصاف الذات بالمبدأ اكثريا بحيث يكون عدم الاتصاف


[ 123 ]

بالمبدأ في جنب الاتصاف مضمحلا ولم يكن الذات معرضا عن المبدأ وراغبا عنه سواء كان المشتق محكوما عليه أو محكوما به وسواء طرأ الضد أم لا، فالاطلاق حقيقة، لانهم يطلقون المشتقات على المعنى المذكور من دون نصب قرينة، كالكاتب والخياط والمعلم والمتعلم ونحوها ولو كان المحل متصفا بالضد الوجودي كالنوم ونحوه، وصرح به بعض اصحابنا المحققين من متأخري المتأخرين. وقيل بتخصيص محل النزاع بما إذا لم يطرأ على المحل وصف وجودي ينافي الاول، إذ لو طرأ من الموجودات ما ينافيه أو يضاده فانه يكون مجازا اتفاقا، وهو منقول عن الفخري في المحصول، نقله عنه في كتاب القواعد، وانكر شيخنا البهائي (ره) في حواشي الزبدة نسبة هذا القول إلى المحصول، قال: " فانا لم نجده فيه " وشيخنا أبو الحسن (ره) نقله في حواشي المدارك عن التبريزي في التنقيح اختصار المحصول، قال: " وربما كان في المحصول إشعار به ومن ثم نسبه الاشنوي في التمهيد والشهيد الثاني في تميهده إليه ". انتهى. وقيل بتخصيص محل النزاع بما قصد به الحدوث من المشتقات لا الدوام. ونقل ذلك عن المحقق التفتازاني في مقام الجواب عن الاستدلال على عدم الاشتراط بصدق المؤمن على النائم والغافل، والمفهوم من كلامنه على ما نقله عنه بعض الافاضل تقييد محل النزاع بكل ما قصد الحدوث وعدم طرو الضد الوجودي، حيث قال: " والتحقيق ان النزاع في اسم الفاعل الذي بمعنى الحدوث لا في المؤمن والكافر والنائم واليقظان والحلو والحامض والحر والعبد ونحو ذلك مما يعتبر في بعضه الاتصاف به مع عدم طريان المنافي وفي بعضه الاتصاف البتة ". انتهى. والظاهر ان السبب في انتشار هذه الخلاف واتساع دائرة هذا الاختلاف هو وجود بعض الموارد مما يقطع بتوقف الصدق فيها حقيقة على وجود المبدأ وما يحذو


[ 124 ]

حذوه، كالبارد والحار والهابط والصاعد والساكن والمتحرك والحلو والحامض والابيض والاسود والمملوك والموجود والنائم واليقظان، وبعض ما يقطع فيها بالصدق حقيقة مع عدمه، كالمخبر والمتكلم ونحوهما من المصادر السيالة، وبعض مما يشكل فيه ذلك مثل المؤمن والكافر، فانه لو اعتبر في صدقهما حقيقة وجود المبدأ لم يصدقا على من كان نائما أو غافلا، للخلو عن التصديق والانكار الذين هما مناط الايمان والكفر مع ان الاتفاق قائم على الصدق في الحالين المذكورين، ولو اعتبر العدم، صدق المؤمن على من كان كافرا الآن لو كان مؤمنا سابقا، والكافر على من كان بالعكس، ونحو ذلك من الامثلة المندرجة تحت تلك الاقسام، ومن اجل ذلك اختلفت افهامهم وتصادمت اوهامهم وطال نقضهم وإبرامهم، وزيف كل ما اختاره بادلة لا تسلم من المناقشة والايراد، واجاب كل منهم عن ادلة الاخر بما لا يكاد يقي بالمراد، ومن ثم توقف من توقف من اولئك الاقوام واحجم عن الدخول والاقدام. والحق ان البناء لما كان على غير اساس كثر الشك فيه والالتباس، والادلة العقلية لا تكاد تقف في مقام، بل لا تزال قابلة للنقض والابرام، لاختلاف العقول في الاستعداد قوة وضعفا وصفاء الاذهان والافهام، كما لا يخفى على من خاض لجج بحور علم المعقول ورأي ثمة تصادم الافهام والعقول. والاظهر عندي ان بناء الاحكام الشرعية على مثل هذه القواعد الغير المنضبطة والاصول الغير المرتبطة مما لم يقم عليه دليل، بل الدليل على خلافه واضح النهج والسبيل. (اما الاول) فلدلالة اخبار اهل الذكر (سلام الله عليهم) على وجوب البناء في الاحكام الشرعية على العلم واليقين ومع عدمه فالوقوف على جادة الاحتياط. وقد مر بك شطر منها وقد عرفت من تعدد اقوالهم واختلاف آرائهم في اصل القاعدة


[ 125 ]

لاختلاف افرادها ما يبلغ إلى ثمانية اقوال. و (اما ثانيا) فلان من لاحظ اخبار الخلاء تحت الاشجار المثمرة والاخبار الواردة في احكام الحائض ونحوها، لا يخفى عليه مدافعتها لهذه القاعدة. ومن اراد تحقيق المقام حسبما يرام وظهور ما اجملناه هنا من الكلام فليرجع إلى كتابنا الدرر النجفية، فانه قد اشتمل على ذلك واحاط بما هنالك.

المقدمة العاشرة في بيان حجية الدليل العقلي وعدمها

قد اشتهر بين اكثر اصحابنا (رضوان الله عليهم) الاعتماد على الادلة العقلية في الاصول والفروع وترجيحها على الادلة النقلية، ولذا تراهم في الاصولين اصول الدين واصول الفقه متى تعارض الدليل العقلي والسمعي قدموا الاول واعتمدوا عليه وتأولوا الثاني بما يرجع إليه وإلا طرحوه بالكلية، وفي كتبهم الاستدلالية في الفروع الفقهية أول ما يبدأون في الاستدلال بالدليل العقلي ثم ينقلون الدليل السمعي مؤيدا له، ومن ثم قدم اكثرهم العمل بالبراءة الاصلية والاستصحاب ونحوهما من الادلة العقلية على الاخبار الضعيفة باصطلاحهم بل الموثقة. قال المحقق (رضوان الله عليه) في بعض مصنفاته في مسألة جواز ازالة الخبث بالمائع وعدمه، حيث ان السيد المرتضى (رضى الله عنه) اختار الطهارة من الخبث به ونسب ذلك إلى مذهبنا مؤذنا بدعوى الاجماع عليه ما صورته: " اما علم الهدى فانه ذكر في الخلاف انه إنما أضاف ذلك إلى المذهب لان من اصلنا العمل بدليل العقل ما لم يثبت الناقل، وليس في الادلة النقلية ما يمنع من استعمال المائعات في الازالة ولا ما يوجبها، ونحن نعلم انه لا فرق بين الماء والخل في الازالة بل ربما كان غير الماء


[ 126 ]

أبلغ، فحكمنا حينئذ بدليل العقل " ثم قال المحقق (قدس سره) بعد كلام في البين: " أما نحن فقد فرقنا بين الماء والخل فلم يرد علينا ما ذكره علم الهدى ". فانظر إلى موافقته لعلم الهدى فيما نقله عنه من اصالة العمل بدليل العقل في الفروع الشرعية وإنما نازعه في هذا الجزئي وحصول الفرق فيه بين الفردين المذكورين، وستأتيك هذه المسألة في مبحث الماء المضاف ان شاء الله تعالى. وبالجملة، فكلامهم تصريحا في مواضع وتلويحا في اخرى متفق الدلالة على ما نقلنا. ولم أر من رد ذلك وطعن فيه سوى المحدث المدقق السيد نعمة الله الجزائري (طيب الله مرقده) في مواضع من مصنفاته: منها كتاب الانوار النعمانية، وهو كتاب جليل يشهد بسعة دائرته وكثرة اطلاعه على الاخبار وجودة تبحره في العلوم والآثار. حيث قال فيه ونعم ما قال، فانه الحق الذي لا تعترية غياهب الاشكال: " ان اكثر اصحابنا قد تبعوا جماعة من المخالفين من أهل الرأي والقياس ومن أهل الطبيعة والفلاسفة وغيرهم من الذين اعتمدوا على العقول واستدلالاتها، وطرحوا ما جاءت به الانبياء (عليهم السلام) حيث لم يأت على وفق عقولهم، حتى نقل ان عيس (على نبينا وآله وعليه السلام) لما دعا افلاطون إلى التصديق بما جاء به اجاب بان عيسى رسول إلى ضعفة العقول، واما انا وامثالي فلسنا نحتاج في المعرفة إلى ارسال الانبياء. والحاصل انهم اعتمدوا في شئ من امورهم الا على العقل، فتابعهم بعض اصحابنا وان لم يعترفوا بالمتابعة، فقالوا: انه إذا تعارض الدليل العقلي والنقلي طرحنا النقلي أو تأولناه بما يرجع إلى العقل. ومن هنا تراهم في مسائل الاصول يذهبون إلى اشياء كثيرة قد قامت الدلائل النقلية على خلافها. لوجود ما تخيلوا انه دليل عقلي، كقولهم بنفي الاحباط في العمل تعويلا على ما ذكروه في محله من مقدمات لا تفيد ظنا


[ 127 ]

فضلا عن العلم، وسنذكرها ان شاء الله تعالى في انوار القيامة. مع وجود الدلائل من الكتاب والسنة على ان الاحباط الذي هو الموازنة بين الاعمال واسقاط المتقابلين وابقاء الرجحان حق لا شك فيه ولا ريب يعتريه، ومثل قولهم: ان النبي (صلى الله عليه وآله) لم يحصل له الاسهاء من الله تعالى في صلاة قط، تعويلا على ما قالوه من انه لو جاز السهو عليه في الصلاة لجاز عليه في الاحكام، مع وجود الدلائل الكثيرة من الاحاديث الصحاح والحسان والموثقات والضعفاء والمجاهيل (1) على حصول مثل هذا الاسهاء، وعلل في تلك الروايات بانه رحمة للامة، لئلا يعير الناس بعضهم بعضا بالسهو. وسنحقق هذه المسألة في نور من هذا الكتاب ان شاء الله تعالى، إلى غير ذلك من مسائل الاصول. واما مسائل الفروع فمدارهم على طرح الدلائل النقلية والقول بما أدت إليه الاستحسانات العقلية، وإذا عملوا بالدلائل النقلية يذكرون أولا الدلائل العقلية ثم يجعلون دليل النقل مؤيدا لها وعاضدا إياها، فيكون المدار والاصل إنما هو العقل. وهذا منظور فيه، لانا نسألهم عن معنى الدليل العقلي الذي جعلوه أصلا في الاصولين والفروع، فنقول: ان اردتم ما كان مقبولا عند عامة العقول، فلا يثبت ولا يبقى لكن دليل عقلي، وذلك كما تحققت ان العقول مختلفة في مراتب الادراك وليس لها حد تقف عنده، فمن ثم ترى كلا من اللاحقين يتكلم على دلائل السابقين وينقضه ويأتي بدلائل اخرى على ما ذهب إليه، ولذلك لا ترى دليلا واحدا مقبولا عند عامة العقلاء والافاضل وان كان المطلوب متحدا، فان جماعة من المحققين قد اعترفوا بانه مل يتم دليل من الدلائل على اثبات الواجب. وذلك ان الدلائل التي ذكروها مبنية على ابطال التسلسل ولم يتم برهان على بطلانه، فإذا لم يتم دليل على هذا المطلب الجليل الذي توجهت إلى الاستدلال عليه كافة الخلائق، فكيف يتم على غيره


(1) روى صاحب الوافى الاحاديث المذكورة في باب - 21 - من الفصل الخامس من كتاب الصلاة، وروى حديثا منها في باب - 29 - من الفصل المذكور.


[ 128 ]

مما توجهت إليه آحاد المحققين ؟ وان كان المراد به ما كان مقبولا بزعم المستدل به واعتقاده، فلا يجوز لنا تكفير الحكماء والزنادقة ولا تفسيق المعتزلة والاشاعرة ولا الطعن على من يذهب إلى مذهب يخالف ما نحن عليه، وذلك ان أهل كل مذهب استندوا في تقوية ذلك المذهب إلى دلائل كثيرة من العقل، وكانت مقبولة في عقولهم معلومة لهم، ولم يعارضها سوى دلائل العقل لاهل القول الآخر أو دلائل النقل، وكلاهما لا يصلح للمعارضة لما قلتم، لان دليل النقل يجب تأويله ودليل العقل لهذا الشخص لا يكون حجة على غيره، لان عنده مثله ويجب عليه العمل بذلك، مع ان الاصحاب (رضوان الله عليهم) ذهبوا إلى تكفير الفلاسفة ومن يحذو حذوهم وتفسيق اكثر طوائف المسلمين، وما ذاك إلا لانهم لم يقبلوا منهم تلك الدلائل ولم يعدوها من دلائل العقل " انتهى كلامه زيد في الخلد اكرامه. أقول: وقد سبقه إلى هذه المقالة الامام الرازي، حيث قال: " هذه الاشياء المسماة بالبراهين لو كانت في انفسها براهين لكان كل من سمعها ووقف عليها وجب ان يقبلها وان لا ينكرها أصلا، وحيث نرى ان الذي يسميه أحد الخصمين برهانا فان الخصم الثاني يسمعه ويعرفه ولا يفيد له ظنا ضعيفا، علمنا ان هذه الاشياء ليست في انفسها براهين، بل هي مقدمات ضعيفة انضافت إلى العصبية والمحبة إليها فتخيل بعضهم كونها برهانا مع ان الامر في نفسه ليس كذلك. وايضا فالمشبه يحتج على القول بالتشبيه بحجة وبزعم ان تلك الحجة افادته الجزم واليقين، فاما ان يقال: ان كل واحدة من هاتين الحجتين صحيحة يقينية فحينئذ يلزم صدق النقيضين وهو باطل، واما ان يقال: إحداهما صحيحة والاخرى فاسدة إلا انه متى كان الامر كذلك كانت مقدمة واحدة من مقدمات تلك الحجة باطلة في نفسها. مع ان الذي تمسك بتلك الحجة جزم بصحة تلك المقدمة ابتداء. فهذا يدل على ان العقل يجزم بصحة الفاسد جزما ابتداء،


[ 129 ]

فإذا كان كذلك كان العقل غير مقبول القول في البديهات، وإذا كان كذلك فحينئذ تفسد جيمع الدلائل. فان قالوا: العقل إنما جزم بصحة ذلك الفاسد لشبهة متقدمة، فنقول: قد حصل في تلك الشبهة المتقدمة مقدمة فاسدة، فان كان ذلك لشبهة اخرى لزم التسلسل، وان كان ابتداء فقد توجه الطعن. وايضا فانا نرى الدلائل القوية في بعض المسائل العقلية متعارضة، مثل مسألة الجوهر الفرد، فانا نقول: كل متحيز فان يمينه غير يساره، وكل ما كان كذلك فهو منقسم، ينتج ان كل متحيز منقسم، ثم نقول: الآن لم يكن حاضرا بل بعضه، وإذا كان غير منقسم كان أول عدمه في آن آخر متصل بآن وجوده، فلزم تتالي الآنات، ويلزم منه كون الجسم مركبا من اجزاء لا تتجزأ. فهذان الدليلان متعارضان ولا نعمل جوابا شافيا عن أحدهما، ونعلم أن أحد الكلامين مشتمل على مقدمة باطلة وقد جزم العقل بصحتها ابتداء، فصار العقل مطعونا فيه " ثم أخذ في تفصيل هذه الوجوه بكلام طويل الذيل. (فان قلت): فعلى ما ذكر من عدم الاعتماد على الدليل العقلي يلزم ان لا يكون العقل معتبرا بوجه من الوجوه، مع انه قد استفاضت الآيات القرآنية والاخبار المعصومية بالاعتماد على العقل والعمل على ما يرجحه، وانه حجة من حجج الله سبحانه، كقوله تعالى: (ان في ذلك لآيات لقوم يعقلون) (1) في غير موضع من الكتاب العزيز اي يعملون بمقتضى عقولهم (لآيات لقوم يتفكرون) (2). (لآيات لاولي الالباب) (3).


(1) سورة الرعد. آية 5. سورة النحل. آية 13. سورة الروم. آية 24. (2) سورة الرعد. آية 4. سورة الروم. آية 21. سورة الزمر. آية 44. سورة الجاثية. آية 13. (3) سورة آل عمران. آية 188.


[ 130 ]

(لآيات لاولي النهى) (1). (إنما يتذكر أولوا الالباب) (2). (لذكرى لاولي الالباب) (3). وذم قوما ما لم يعملوا بمقتضى عقولهم فقال سبحانه: (أفلا يعقلون) (4) (واكثرهم لا يعقلون) (5). (ذلك بانهم قوم لا يعقلون) (6). (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) (7) إلى غير ذلك من الايات الدالة على مدح العمل بمقتضى العقل وذم عكسه. وفي الحديث عن ابي الحسن (عليه السلام) حين سئل: فما الحجة على الخلق اليوم قال: " فقال (عليه السلام): العقل، يعرف به الصادق على الله فيصدقه والكاذب على الله فيكذبه " (8) وفي آخر عن الصادق (عليه السلام) قال: " حجة الله على العباد النبي، والحجة فيما بين العباد وبين الله العقل " (9) وفي آخر عن الكاظم (عليه السلام): " يا هشام ان الله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فاما الظاهرة فالرسل والانبياء والائمة، واما الباطنة فالعقول " (10).


(1) سورة طه. آية 57. 129. (2) سورة الزمر آية 13. (3) سورة الزمر. آية 23. (4) سورة يس. آية 69. (5) سورة المائدة. آية 103. (6) سورة المائدة. آية 64. (7) سورة محمد. آية 27 (8) هذا من حديث ابى يعقوب البغدادي عن ابى الحسن (عليه السلام) الذى رواه في الكافي في كتاب العقل والجهل، وهو الحديث - 20 - منه. (9) وهو حديث عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) الذى رواه في الكافي في الكتاب العقل والجهل، وهو الحديث - 22 - منه. (10) هذا من حديث هشام بن الحكم عن ابى الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) الذى رواه في الكافي في كتاب العقل والجهل، وهو الحديث - 12 - منه.


[ 131 ]

(قلت): لا ريب ان العقل الصحيح الفطري حجة من حجج الله سبحانه وسراج منير من جهته جل شأنه، وهو موافق للشرع، بل هو شرع من داخل كما ان ذلك شرع من خارجه، لكن ما لم تغيره غلبة الاوهام الفاسدة، وتتصرف فيه العصبية أو حب الجاه أو نحوهما من الاغراض الكاسدة، وهو قد يدرك الاشياء قبل ورود الشرع بها فيأتي الشرع مؤيدا له، وقد لا يدركها قبله ويخفى عليه الوجه فيها فياتي الشرع كاشفا له ومبينا، وغاية ما تدل عليه هذه الادلة مدح العقل الفطري الصحيح الخالي من شوائب الاوهام العاري من كدورات العصبية، وانه بهذا المعنى حجة إلهية، لاداركه بصفاء نورانيته وأصل فطرته بعض الامور التكليفية، وقبوله لما يجهل منها متى ورد عليه الشرع بها، وهو أعم من أن يكون بادراكه ذلك أولا أو قبوله لها ثانيا كما عرفت. ولا ريب ان الاحكام الفقهية من عبادات وغيرها كلها توقيفية تحتاج إلى السماع من حافظ الشريعة، ولهذا قد استفاضت الاخبار كما قد مر بك الاشارة إلى شطر منها في المقدمة الثالثة (1) بالنهي عن القول في الاحكام الشرعية بغير سماع منهم (عليهم السلام) وعلم صادر عنهم (صلوات الله عليهم) ووجوب التوقف والاحتياط مع عدم تيسر طريق العلم ووجوب الرد إليهم في جملة منها، وما ذاك إلا لقصور العقل المذكور عن الاطلاق على اغوارها واحجامه عن التلجج في لجج بحارها، بل لو تم للعقل الاستقلال بذلك لبطل ارسال الرسل وانزال الكتب، ومن ثم تواترت الاخبار ناعية على اصحاب القياس بذلك. ومن الاخبار المؤكدة لما ذكرنا رواية ابي حمزة عن ابي عبد جعفر (عليه السلام)


(1) في الصحيفة 27 و 28 و 29 و 30.


[ 132 ]

في حديث طويل، قال: " ان الله لم يكل امره إلى خلقه لا إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل، ولكنه أرسل رسولا من ملائكته فقال له: قل: كذا وكذا، فامرهم بما يجب ونهاهم عما يكره.. الحديث " (1). و (منها) رواية ابي بصير، قال: " قلت: ترد علينا اشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولا سنته فننظر فيها. فقال: لا، اما انك ان اصبت لم تؤجر وان أخطأت كذبت على الله " (1). و (منها) حديث يونس عن ابي الحسن (عليه السلام)، قال: " من نظر برأيه هلك ومن ترك أهل بيت نبيه ضل " (1). وفي حديث آخر عن امير المؤمنين (عليه السلام): " ان المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه ولكن اتاه من ربه فاخذ به " (1). وفي آخر لما قال السائل له (عليه السلام). ما رأيك في كذا ؟ قال (عليه السلام): " وأي محل للرأي هنا ؟ انا إذا قلنا حدثنا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن جبرائيل عن الله " (2) إلى غير ذلك من الاخبار المتواترة معنى الدالة على كون الشريعة توقيفية لا مدخل للعقل في استنباط شئ من احكامها بوجه. نعم عليه القبول والانقياد والتسليم لما يراد، وهو أحد فردي ما دلت عليه تلك الادلة التي اوردها المعترض، إلا انه يبقى الكلام بالنسبة إلى ما يتوقف على التوقيف. فنقول: ان كان الدليل العقلي المتعلق بذلك بديهيا ظاهر البداهة كقولهم: الواحد نصف الاثنين، فلا ريب في صحة العمل به، والا فان لم يعارضه دليل عقلي


(1) رواه صاحب الوسائل في باب - 6 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء. (2) روى (صاحب البحار) الاخبار المتضمنة لما اشتمل عليه هذا الخبر في باب - 23 - من ابواب كتاب العلم في الصحيفة 172 من الجزء الثاني المطبوع بمطبعة الحيدري بطهران.


[ 133 ]

ولا نقلي فكذلك، وان عارضه دليل عقلي آخر، فان تأيد أحدهما بنقلي كان الترجيح للمؤيد بالدليل النقلي وإلا فاشكال، وان عارضه دليل نقلي، فان تأيد ذلك العقلي ايضا بنقلي كان الترجيح للعقلي إلا ان هذا في الحقيقة تعارض في النقليات، والا فالترجيح للنقلي وفاقا للسيد المحدث المتقدم ذكره وخلافا للاكثر، هذا بالنسبة إلى العقلي بقول مطلق، اما لو اريد به المعنى الاخص وهو الفطري الخالي من شوائب الاوهام الذي هو حجة من حجج الملك العلام وان شذ وجوده بين الانام ففي ترجيح النقلي على إشكال، والله العالم.

 

المقدمة الحادية عشرة

في جملة من القواعد الشرعية والضوابط المرعية التي تبتني على جملة من الاحكام الفقهية، مما يستفاد من الكتاب العزيز والسنة النبوية على الصادع بها أشرف سلام وتحة، وهي المشار إليها في كلامهم (عليه السلام) بالاصول على ما نقله ابن ادريس في مستطرفات السرائر عن جامع البزنطي مما رواه عن هشام بن سالم عن ابي عبد الله: (عليه السلام): قال: " انما علينا ان نلقى اليكم الاصول وعليكم ان تفرعوا " (1) وروى عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) بلا واسطة: قال: " علينا القاء الاصول وعليكم التفريع " (1). ولا يخفى ما في الخبرين المذكورين من حيث تقديم الظرف المؤذن بحصر ذلك فيهم، من الدلالة على بطلان الاصول الخارجة من غيرهم، بمعنى حصر إلقاء الاصول فيهم (عليهم السلام) فكأنه قال: تأصيل الاصول الشرعية للاحكام علينا لا عليكم


(1) ورواه صاحب الوسائل في آخر باب - 6 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء.


[ 134 ]

وإنما عليكم التفريع عليها، فكل أصل لم يوجد له مستند ولا دليل من كلامهم (عليهم السلام) فهو بمقتضى الخبرين المذكورين مما لا يجوز الاعتماد عليه ولا الركون إليه. فلنورد ههنا جملة مما جرى في الخاطر الفاتر، ونذيل ما يحتاج إلى البحث والتحقيق بما هو جدير به وحقيق على جهة الايجاز والاختصار من غير تطويل ولا اكثار، وان سمحت الاقضية والاقدار بالتوفيق ونامت عيون الدهر الغدار عن التعويق، ابرزنا لهذه الاصول رسالة شافية واودعناها ابحاثا بحقها وافية. فمن تلك الاصول طهارة كل ما لم تعلم نجاسته حتى تعلم النجاسة. ويدل على ذلك قول الصادق (عليه السلام) في موثقة عمار: " كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر، فإذا علمت فقد قذر " (1) وقول امير المؤمنين (عليه السلام) فيما رواه في الفقيه (2): " لا ابالي أبول اصابني أم ماء إذا لم اعلم " ويدل على ذلك أخبار عديدة في جزئيات المسائل، واصل الحكم المذكور مما لا خلاف فيه ولا شبهة تعترية وانما الخلاف في مواضع: (الاول) في عموم هذا الحكم للجهل بالحكم الشرعي وعدمه، وتوضيح ذلك ان لا خلاف في العمل بهذ الحكم على عمومه بالنسبة إلى الجهل بملاقاة النجاسة وان كان مع ظن الملاقاة، بمعنى انه لو شك أو ظن الملاقاة فالواجب البناء على اصالة الطهارة حتى تعلم النجاسة، وكذا لا خلاف في ذلك بالنسبة إلى الشك أو الظن بنجاسة شئ له افراد متعددة غير محصورة، بعضها معلوم الطهارة وبعضها معلوم النجاسة وقد اشتبه بعضها ببعض، كالبول الذي منه طاهر ومنه نجس والدم ونحوههما، فالجهل هنا ليس


(1) تقدم الكلام في هذه الموثقة في التعليقة (1) في الصحيفة (42). (2) في باب (ما ينجس الثوب والبدن) من الجزء الاول، ورواه صاحب الوسائل في باب - 37 - من ابواب النجاسات والاوانى والجلود من كتاب الطهارة.


[ 135 ]

في الحكم الشرعي، إذ هو معلوم في تلك الافراد في حد ذاتها، وإنما الجهل في موضوعه ومتعلقه وهو ذلك الفرد المشكوك في اندراجه تحت أحد الطرفين. أما بالنسبة إلى الجهل بالحكم الشرعي كالجهل بحكم نطفة الغنم هل هي نجسة أو طاهرة ؟ فهل يحكم بطهارتها بالخبر المذكور (1) أم لا ؟ قولان، وبالثاني صرح المحدث الامين الاسترابادي في كتاب الفوائد المدنية، وبالاول صرح جملة من متأخري المتأخرين. وانت خبير بان القدر المتيقن فهمه من الخبر المذكور (1) هو ما وقع الاتفاق عليه، إذ الظاهر والله سبحانه وقائله أعلم ان المراد من هذا الخبر وامثاله إنما هو دفع الوساوس الشيطانية والشكوك النفسانية بالنسبهة إلى الجهل بملاقاة النجاسة، وبيان سعة الحنيفية السمحة السهلة بالنسبة إلى اشتباه بعض الافراد الغير المحصورة ببعض، فيحكم بطهارة الجميع حتى يعلم الفرد النجس بعينه، واما اجراء ذلك في الجهل بالحكم الشرعي فلا يخلو من الاشكال المانع من الجرأة على الحكم به في هذا المجال. وما ذكره بعض فضلاء متأخري المتأخرين من ان الجهل بوصول النجاسة يستلزم الجهل بالحكم الشرعي، قال: " فان المسلم إذا أعار ثوبه الذمي وهو يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير ثم رده عليه، فهو جاهل بان مثل هذا الثوب الذي هو مظنة النجاسة هل هو مما يجب التنزه عنه في الصلاة وغيرها مما يشترط فيه الطهارة اولا ؟ فهو جاهل بالحكم الشرعي مع انه (عليه السلام) قرر في الجواب قاعدة كلية بانه ما لم تعلم نجاسته فهو طاهر " مردود بان الجهل بالحكم الشرعي في المثال المذكور ونحوه تابع للجهل بوصول النجاسة، ولما دل الخبر المذكور (1) وغيره على البناء على اصالة الطهارة وعدم الالتفات إلى احتمال ملاقاة النجاسة أو ظنها باعارة الثوب مثلا. علم منه قطعا جواز الصلاة فيه تحقيقا للتبعية، ومحل الاشكال والنزاع أنما هو الدلالة على الحكم الشرعي ابتداء كما لا يخفى.


(1) وهو موثق عمار المتقدم في الصحيفة 134 السطر 8.


[ 136 ]

(الثاني) ان ظاهر الخبر المذكور (1) انه لا تثبت النجاسة للاشياء ولا تتصف بها الا بالنظر إلى علم المكلف، لقوله (عليه السلام): " فإذا علمت فقد قذر " (1) بمعنى انه ليس التنجيس عبارة عما لاقته عين النجاسة واقعا خاصة بل ما كان كذلك وعلم به المكلف، وكذلك ثبوت النجاسة لشئ إنما هو عبارة عن حكم الشرع بانه نجس وعلم المكلف بذلك، وهو خلاف ما عليه جمهور اصحابنا (رضوان الله عليهم) فانهم حكموا بان النجس إنما هو عبارة عما لاقته النجاسة واقعا وان لم يعلم به المكلف، وفرعوا عليه بطلان صلاة المصلي في النجاسة جاهلا وان سقط الخطاب عنه ظاهرا كما نقله عنهم شيخنا الشهيد الثاني في شرح الالفية. وانت خبير بما فيه من العسر والحرج ومخالفة ظواهر الاخبار الواردة عن العترة الابرار. (اما اولا) فلان المعهود من الشارع عدم اناطة الاحكام بالواقع ونفس الامر، لاستلزامه التكليف بما لا يطاق، وحينئذ فالمكلف إذا صلى في ثوب طاهر في علمه. والطاهر شرعا إنما هو ما لم يعلم المكلف بنجاسته لا ما علم بعدمها، فما الموجب لبطلان صلاته بعد امتثاله للامر الذي هو مناط الصحة ومعيارها ؟ و (اما ثانيا) فلما اورده شيخنا الشهيد الثاني عليهم في الكتاب المشار إليه حيث قال بعد نقل ذلك عنهم: " ولا يخفى ما فيه من البلوى، فان ذلك يكاد يوجب فساد جميع العبادات المشروطة بالطهارة، لكثرة النجاسات في نفس الامر وان لم حكم الشارع ظاهرا بفسادها، فعلى هذا لا يستحق عليها ثواب الصلاة وان استحق اجر الذاكر المطيع بحركاته وسكناته ان لم يتفضل الله تعالى بجوده ". انتهى. و (اما ثالثا) فلمخالفته ظواهر الاخبار ومنها الخبر المذكور (1).


(1) وهو موثق عمار المتقدم في الصحيفة 134 السطر 8.


[ 137 ]

و (منها) رواية محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل يرى في ثوب اخيه دما وهو يصلي ؟ قال: لا يؤذنه حتى ينصرف ". ورواية عبد الله بن بكير المروية في كتاب قرب الاسناد (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اعار رجلا ثوبا يصلي فيه وهو لا يصلي فيه ؟ قال: لا يعلمه. قلت: فان اعلمه ؟ قال: يعيد ". وحينئذ فلو كان الامر كما يدعونه من كون وصف النجاسة انما هو باعتبار الواقع ونفس الامر، وان صلاة المصلي والحال كذلك باطلة واقعا. فكيف يحسن من الامام (عليه السلام) المنع من الايذان والاخبار بالنجاسة في الصلاة كما في خبر محمد بن مسلم أو قبلها كما في خبر ابن بكير ؟ وهل هو بناء على ما ذكروا إلا من قبيل التقرير له على تلك الصلاة الباطلة والمعاونة على الباطل ؟ ولا ريب في بطلانه. وسيأتي مزيد تحقيق لهذه المسألة في محلها (3) ان شاء الله تعالى. (الثالث) انه لا خلاف في انه مع الحكم باصالة الطهارة فلا يجوز الخروج عنها إلا بالعلم بالنجاسة، لكن العلم المذكور هل هو عبارة عن القطع واليقين. أو عبارة عما هو اعم من اليقين والظن مطلقا فيشملهما معا. أو اليقين والظن المستند إلى سبب شرعي ؟ اقوال، اولها منقول عن ابن البراج وثانيهما عن ابي الصلاح،


(1) المروية في الوسائل في باب - 40 - و - 47 - من ابواب النجاسات والاوانى والجلود من كتاب الطهارة. (2) في الصحيفة 103 السطر 11 من المطبوع بالنجف سنة 1369، وفى الوسائل في باب - 47 - من ابواب النجاسات والاوانى والجلود من كتاب الطهارة، إلا ان الرواية فيهما هكذا: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اعار رجلا ثوبا فصلى فيه. الخ (3) وقد اوردناها في المسألة السابعة من المطلب الرابع في احكام الوضوء (منه رحمه الله).


[ 138 ]

وثالثها عن العلامة في المنتهى والتذكرة. احتج الاول بان الطهارة معلومة بالاصل، وشهادة الشاهدين لا تفيد إلا الظن فلا يترك لاجله المعلوم. واحتج الثاني بان الشرعيات كلها ظنية، فان العمل بالمرجوح مع قيام الراجح باطل. ومن هذين الاحتجاجين يعلم وجه القول الثالث. ويرد على الاول (اولا) ان اشتراط اليقين ان كان مخصوصا بحكم النجاسة دون ما عداها من حكم الطهارة والحلية والحرمة فهو تحكم محض، وان كان الحكم في الجميع واحدا فيقين الطهارة ليس إلا عبارة عن عدم العلم بملاقاة النجاسة، وهو أعم من العلم بالعدم، ومثله يقين الحلية. و (ثانيا) انه قد ورد في الاخبار كما ستأتيك ان شاء الله تعالى (1) ان مما ينتقل به عن يقين الحلية شهادة الشاهدين بالحرمة، وان العلم المعتبر ثمة يحصل بذلك. ومن الظاهر البين ان الحكم في الجميع من باب واحد. و (ثالثا) ان الظاهر انه لا خلاف ولا اشكال في انه لو كان الماء مبيعا فادعى المشتري فيه العيب بكونه نجسا وأقام شاهدين عدلين بذلك. فانه يتسلط على الرد، وما ذاك إلا لثبوت النجاسة والحكم بها. ويتوجه على الثاني ان المفهوم من الاخبار انه لا ينتقل عن يقين الطهارة ويقين الحلية إلا بيقين مثله. وان مجرد الظن لا يوجب الخروج عن ذلك. ومما هو صريح في المقام ما ورد في حسنة الحلبي (2) من انه " إذا احتلم الرجل


(1) في الصحيفة 140 السطر 15. (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) المروية في الوسائل في باب - 16 - من ابواب النجاسات والاوانى والجلود من كتاب الطهارة.


[ 139 ]

فاصاب ثوبه مني فليغسل الذي أصابه، وان ظن انه اصابه مني ولم يستقين ولم ير مكانه فلينضحه بالماء " والنضح هنا للاستحباب بلا خلاف. وقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " قلت فان ظننت انه أصابه ولم اتيقن ذلك فنظرت فلام أر شيئا ثم صليت فرأيته فيه بعد الصلاة ؟ قال: تغسله ولا تعيد. قال: قلت: ولم ذاك ؟ قال: لانك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت، فليس بنبغي لك ان تنقض اليقين بالشك أبدا " إلى غير ذلك من الاخبار. والتحقيق عندي في هذا المقام بما لا يحوم حوله للناظر المنصف نقض ولا ابرام هو ما أوضحناه في جملة من كتبنا، وملخصه ان كلا من الطهارة والنجاسة والحلية والحرمة ونحوها أحكام شرعية متلقاة من الشارع يجب الوقوف فيها على الاسباب التي عينها لها وناطها بها، وليست امورا عقلية تناط بمجرد الظن العقلي، وحينئذ فكلما وجد سبب من تلك الاسباب وعلم به المكلف رتب عليه مسببه من الحكم باحد تلك الاحكام وكما ان من جملة الاسباب المتلقاة من الشارع ملاقاة النجاسة فيحكم بالنجاسة عندها، كذلك من جملتها اخبار المالك بنجاسة ثوبه وشهادة العدلين بنجاسة شئ، وكذا يأتي ايضا في ثبوت الطهارة والحلية والحرمة بالنسبة إلى الاسباب التي عينت لها، وليس ثبوت النجاسة لشئ واتصافه بها عبارة عن مجرد ملاقاة عين النجاسة له في الواقع ونفس الامر خاصة، حتى انه يقال بالنسبة إلى الجاهل بالملاقاة: ان هذا نجس في الواقع وطاهر بحسب


(1) رواها الشيخ في التهذيب مضمرة في باب (تطهير البدن والثياب من النجاسات) من كتاب الطهارة، ورواها صاحب الوسائل عنه كذلك في باب - 7 و 37 و 41 و 42 و 44 - من ابواب النجاسات والاوانى والجلود من كتاب الطهارة بنحو التقطيع، ورواها الصدوق في العلل في باب (علة غسل المنى إذا اصاب الثوب) في الصحيفة 127 مسندة عن ابى جعفر (عليه السلام).


[ 140 ]

الظاهر، بل هو نجس بالنسبة إلى العالم بالملاقاة أو أحد الاسباب المذكورة وطاهر بالنسبة إلى الغير العالم بشئ من ذلك، فان الشارع كما عرفت آنفا (1) لم يجعل الحكم بذلك منوطا بالواقع، وغاية ما يلزم اتصاف شئ بالطهارة والنجاسة باعتبار شخصين، ولا ريب فيه، فان ذلك جار في الحل والحرمة بالنسبة إلى من علم بعدم تذكية اللحم الموضوع في اسواق المسلمين ومن لم يعلم، وحينئذ فلا يقال: ان اخبار العدلين أو المالك لا يفيد إلا الظن، لاحتمال ان لا يكون كذلك واقعا، كيف ؟ وهما من جملة الاسباب التي رتب الشارع الحكم عليها بالنجاسة. وبالجملة فيحث حكم الشارع بقبول شهادة العدلين واخبار المالك في أمثال ذلك فقد حكم بثبوت الحكم بهما، فيصير الحكم حينئذ معلوما من الشارع، ولا معنى للنجس ونحوه كما عرفت (1) - إلا ذلك، وان فرض عدم الملاقاة في الواقع فان الشارع لم يلتفت إليه، ألا ترى انه قد وردت الاخبار بان الاشياء كلها على يقين الطهارة ويقين الحلية حتى يعلم النجس والحرام بعينه، مع ان هذا اليقين كما عرفت (2) ليس إلا عبارة عن عدم علم المكلف بالنجاسة والحرمة، وعدم العلم لا يدل على العدم كما لا يخفى. ومنها حلية ما لم تعلم حرمته. ويدل عليه الاخبار صحيحة عبد الله بن سنان (3) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): " كل شئ يكون فيه حلال وحرام فهو لك حلال ابدا حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه ".


(1) في الوضع الثاني المتقدم في الصحيفة 136 (2) في الصحيفة 138 السطر 9. (3) المروية في الوسائل في باب - 4 - من ابواب ما يكتسب به من كتاب التجارة، وفى باب (حكم السمن والجبن وغيرهما إذا علم انه خلطه حرام) من ابواب الاطعمة المحرمة من كتاب الاطعمة والاشربة.


[ 141 ]

وصحيحة ضريس (1) قال: " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن السمن والجبن نجده في ارض المشركين والروم انأكله ؟ فقال: ما علمت انه خلطه الحرام فلا تأكل، وما لم تعلم فكله حتى تعلم انه حرام ". وموثقة مسعدة بن صدقة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " كل شئ هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، ومملوك عندك وهو حر قد باع نفسه أو خدع فبيع قهرا، وامرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك، والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة ". ورواية عبد الله بن سليمان (3) قال: " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجبن فقال: لقد سألتني عن طعام يعجبني، إلى ان قال: قلت: ما تقول في الجبن ؟ فقال: سأخبرك عن الجبن وغيره: كل ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه " إلى غير ذلك من الاخبار (4). وظاهر هذه الاخبار بل صريح جملة منها اختصاص الحكم المذكور بما فيه افراد بعضها معلوم الحل وبعضها معلوم الحرمة ولم يميز الشارع بينها بعلامة، واشتبه بعضها ببعض


(1) المروية في الوسائل في باب (حكم السمن والجبن وغيرهما إذا علم انه خلطه حرام) من ابواب الاطعمة المحرمة المحرمة من كتاب الاطعمة والاشربة. (2) المروية في الوسائل في باب - 4 - من ابواب ما يكتسب به من كتاب التجارة. (3) المروية في الوسائل في باب - 61 - من ابواب الاطعمة المباحة من كتاب الاطعمة والاشربة. (4) و (منها) - رواية ابى الجارود المروية في كتاب المحاسن قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الجبن فقلت له اخبرني من رأى انه يجعل فيه الميتة ؟ فقال أمن اجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم جميع ما في الارض، فما علمت انه ميتة فلا تأكله، وما لم تعلم فاشتر وبع وكل.. الحديث " (منه رحمه الله عليه).


[ 142 ]

مع كونها غير محصورة، فالجميع حلال حتى يعرف الحرام بعينه على الخصوص، فمورد الحكم حينئذ هو موضوع الحكم الشرعي دون الحكم الشرعي نفسه، وبهذا التخصيص جزم المحدث الامين الاستربادي. وظاهر جمع ممن قدمنا نقل الخلاف عنهم (1) في القاعدة المتقدمة، اجراء ذلك ايضا في نفس الحكم الشرعي، ومقتضى ذلك انه لو وجد حيوان مجهول مغاير للانواع المعلوم حلها وحرمتها من الحيوانات، فانه يحكم بحله بناء على عموم القاعدة المذكورة، وكذا بطهارته بناء على عموم القاعدة المتقدمة، إلا ان شيخنا الشهيد الثاني في تمهيد القواعد صرح في مثل ذلك بالطهارة والتحريم محتجا بالاصل فيهما، قال: " اما اصالة الطهارة فظاهر، واما اصالة التحرين فلان المحرم غير منحصر، لكثرته على وجه لا ينضبط " وفيه ما لا يخفى. وانت خبير بان مقتضى العمل باخبار التثليث التي تقدمت الاشارة إليها في بحث البراءة الاصلية (2) التوقف في مثل ذلك، إذ شمول هذه الاخبار التي ذكرناها لمثل ذلك مما يكاد يقطع بعدمه، فانها متشاركة الدلالة تصريحا في بعض وتلويحا في آخر على ان موردها إنما هو موضوع الحكم الشرعي والافراد المعلومة الحكم مع اشتباهها. والله ورسوله واولياؤه (عليهم السلام) اعلم بحقائق الاحكام. ومنها عدم نقض اليقين بالشك، والمراد بالشك ما هو أعلم من الظن كما سلف في القاعدة المتقدمة (3) من دلالة حسنة الحلبي وصحيحة زرارة على ذلك. والاخبار الدالة على هذه القاعدة الشريفة مستفيضة، ومنها الروايتان المشار اليهما.


(1) في المواضع الاول في الصحيفة 134 السطر 13. (2) في الصحيفة 46 السطر 8. (3) في الصحيفة 138 السطر 17 و 19 والصحيفة 139 السطر 3.


[ 143 ]

و (منها) صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) قال: " قلت له الرجل ينام وهو على وضوء، أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء ؟ فقال يا زراة قد تنام العين ولا ينام القلب والاذن، فإذا نامت العين والاذن والقلب وجب الوضوء قلت: فان حرك إلى جنبه شئ وهو لا يعلم به ؟ قال: لا، حتى يستيقن انه قد نام حيت يجئ من ذلك امر بين، والا فهو على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين ابدا بالشك ولكن ينقضه بيقين آخر " وصحيحة اخرى له ايضا عن أحدهما (عليه السلام) (2) قال: " قلت له من لم يدر في أربع هو أم في ثنتين وقد أحرز الثنتين ؟ قال يركع ركعتين، إلى ان قال: ولا ينقض اليقين بالشك ولا يدخل الشك في اليقين ولا يخلط أحدهما بالآخر، ولكن ينقض الشك باليقين ويتم على اليقين فيبني عليه، ولا يعتد بالشك في حال من الحالات ". والعمل بهذه القاعدة الشريفة بالنسبة إلى الشك في حصول الرافع وعدمه مما لا خلاف فيه ولا شك يعتريه. إنما الخلاف في شمولها للشك في فردية بعض الاشياء لذلك الرافع، كما لو حصل الشك في فردية الخارج من غير الموضع الطبيعي للناقض. بمعنى انه هل يكون من جملة نواقض الوضوء أم لا ؟ فهل يدخل تحت هذه القاعدة أم لا ؟ ومرجعه إلى جريانها في نفس احكامه تعالى واختصاصها بموضوعاتها خاصة.


(1) رواها الشيخ في التهذيب مضمرة في باب (الاحداث الموجبة للطهارة) من كتاب الطهارة ورواها صاحب الوسائل عنه في باب - 1 - من ابواب نواقض الوضوء من كتاب الطهارة كذلك. (2) المروية في الوسائل بنحو التقطيع في باب - 10 و 11 - من ابواب الخلل الواقع في الصلاة من كتاب الصلاة.


[ 144 ]

الذي اختاره المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) الثاني، واليه يميل كلام بعض فضلاء متأخري المتأخرين (1)، حيث قال (قدس سره) بعد ايراد صحيحة زرارة المتقدمة (2) الواردة في النوم: " الشك في رفع اليقين على أقسام: (الاول) إذا ثبت ان الشئ الفلاني رافع لحكم لكن وقع الشك في وجود الرافع (الثاني) ان الشئ الفلاني رافع للحكم لكن معناه مجمل، فوقع الشك في كون بعض الاشياء هل هو فرد له أم لا ؟ (الثالث) ان معناه معلوم ليس بمجمل لكن وقع الشك في اتصاف بعض الاشياء به وكونه فردا له لعارض، كتوقفه على اعتبار متعذر أو غير ذلك (الرابع) وقع الشك في كون الشئ الفلاني هل هو رافع للحكم المذكور أم لا ؟ والخبر المذكور إنما يدل على النهي عن النقض بالشك، وإنما يعقل ذلك في الصورة الاولى من تلك الصور الاربع دون غيرها من الصور، لان في غيرها من الصور لو نقض الحكم بوجود الامر الذي شك في كونه رافعا لم يكن النقض باالشك، بل إنما حصل النقض باليقين بوجود ما يشك في كونه رافعا، وباليقين بوجود ما يشك في استمرار الحكم معه لا بالشك، فان الشك في تلك الصور كان حاصلا من قبل ولم يكن بسببه نقض، وإنما حصل النقض حين اليقين بوجود ما يشك في كونه رافعا للحكم بسببه، لان الشئ إنما يستند إلى العلة التامة أو الجزء الاخير منها، فلا يكون في تلك الصور نقض للحكم اليقيني بالشك، وإنما يكون ذلك في صورة خاصة غيرها، فلا عموم في الخبر، ومما يؤيد ذلك ان السابق على هذا الكلام في الرواية والذي جعل هذه الكلام دليلا عليه من قبيل الصورة الاولى، فيمكن حمل المفرد المعرف باللام عليه. إذ لا عموم له بحسب الوضع بل هو موضوع للعهد كما صرح به بعض المحققين من علماء العربية، وانما دلالته على العموم بسبب ان الاجمال


(1) هو الفاضل الخراساني في الذخيرة شرح الارشاد في مبحث الماء المضاف (منه رحمه الله). (2) في الصحيفة 143 السطر 1.


[ 145 ]

في مثل هذه الموضع ينافي الحكمة، وتخصيصه بالبعض ترجيح من غير مرجح وظاهر ان الفساد المذكور إنما يكون حيث ينتفي ما يصلح بسببه الحمل على العهد، وسبق الكلام في بعض انواع الماهية سبب ظاهر لصحة الحمل على العهد من غير لزوم فساد. نعم يتجه ثبوت العموم في جميع افراد النوع المعهود. وليس هذا من قبيل تخصيص العام ببنائه على سبب خاص كما لا يخفى " انتهى كلامه زيد اكرامه. (اقول): ويمكن تطرق المناقشة إلى هذا الكلام، بان يقال: انه لا يخفى على المتأمل بعين التحقيق والاعتبار فيما اوردناه من الاخبار ان عدم نقض اليقين بالشك قاعدة كلية وضابطة جلية لا اختصاص لها بمادة دون مادة ولا فرد دون فرد، وهو الذي اتفقت عليه كلمة الاصحاب كما لا يخفى على من تتبع كلماتهم في هذا الباب. والوجه فيه ان لامي اليقين والشك فيها لام التحلية، وهي وان كانت لا تفيد العموم بحسب الوضع بناء على ما صرح به جمع من علماء الاصول وان اشعر كلام البعض بخلافه، لكنهم اتفقوا انها في المقامات الخطابية للعموم، إذ هو الاوفق بمقتضى الحكمة. وأما ما ذكره (قدس سره) بالنسبة إلى الرواية التي أوردها من ان اللام ثمة إنما تحمل على العموم مع عدم القرينة، وقرينة العهدية حاصلة بالنسبة إلى الفرد المسؤول عنه. ففيه (اولا) ان ظاهر قوله (عليه السلام) في تلك الرواية: " ولا تنقض اليقين بالشك " إنما هو العموم، فانه (عليه السلام) استدل على ان الوضوء اليقيني لا ينتقض بحدث النوم بقوله: " لا، حتى يستيقن انه قد نام، إلى قوله: وإلا فهو على يقين من وضوئه " ثم اردفه بتلك القاعدة تأكيدا للاستدلال وايذانا بعموم


(1) المذكور في الصحيفة 143 السطر 1.


[ 146 ]

الحكم في جميع الاحوال، ولو كان مراده بها إنما هو عدم نقض الوضوء بالنوم على تلك الحال لكان اعادة للاول بعينه، وهو خارج عن قانون الاستدلال. و (ثانيا) ما ذكرنا من دلالة غير هذه الرواية صريحا على كون ذلك قاعدة كلية كصحيحة زرارة الاخيرة (1) فانها كما ترى صريحة الدلالة واضحة المقالة على المراد غير قابلة للتأويل والايراد، وحينئذ فللقائل أن يقول: ان الشك الذي لا ينتقض به اليقين أعم من أن يكون شكا في وجود الناقض أو شكا باحد المعاني الثلاثة الاخيرة فانها ترجع بالاخرة إلى الشك في وجود الناقض، إذ متى شك في كون هذا الفرد من افراد ذلك الكلي المتيقن نقضه، فقد شك في وجود الكلي في ضمنه. وقوله: " ان الناقض في هذه الصور إنما هو اليقين " ممنوع، بل الشك الحاصل في ضمن اليقين بوجود ذلك الفرد المشكوك في فرديته أو المشكوك في اتصافه بالعنوان أو في رفعه. وقوله: " ان الشك في تلك الصور كان حاصلا من قبل " ان اراد به حصوله واقعا فممنوع ولكن لا يترتب عليه حكم، وان أراد بحسب الوجود فممنوع، إذ هو لا يحصل إلا في ضمن وجود ما يشك في كونه فردا للناقض أو نحو ذلك من الاقسام الباقية. هذا ما يقتضيه النظر في المقام إلا أن المسألة لا تخلو من شوب الاشكال والاحتياط مما ينبغي المحافظة عليه على كل حال. ومنها ان كل ذي عمل مؤتمن في عمله ما لم يظهر خلافه ويدل على ذلك جملة من الاخبار المتفرقة في جزئيات المسائل. ففي صحيحة الفضلاء (2) " انهم سألوا أبا جعفر (عليه السلام) عن شراء اللحم من الاسواق ولا يدرون ما صنع القصابون. قال: كل إذا كان ذلك في سوق المسلمين ولا تسأل عنه "،


(1) المتقدمة في الصحيفة 143 السطر 7. (2) المروية في الوسائل في باب - 29 - من ابواب الذبائح من كتاب الصيد والذبائح.


[ 147 ]

وفي رواية سماعة (1) قال: " سألته عن اكل الجبن وتقليد السيف وفيه الكميخت والغراء ؟ فقال: لا بأس ما لم تعلم انه ميتة ". وفي صحيحة ابراهيم بن ابي محمود (2) انه قال للرضا (عليه السلام): " الخياط والقصار يكون يهوديا أو نصرانيا، وانت تعلم ان يبول ولا يتوضأ، ما تقول في عمله ؟ قال: لا بأس ". ورواية ميسر (3) قال: " قلت لابي عبد الله: آمر الجارية فتغسل ثوبي من المني فلا تبالغ في غسله فاصلي فيه فإذا هو يابس ؟ فقال: اعد صلاتك، اما انك لو كنت غسلت انت لم يكن عليك شئ ". وربما توهم من هذا الخبر الدلالة على خلاف المراد. وليس بذاك. وذلك لان ظاهره ان امره (عليه السلام) باعادة الصلاة إنما هو لوجود عين النجاسة لا لكون الجارية ازالتها عن الثوب، حتى لو فرض انها ازالتها عن الثوب ولم يجدها فيه كان يجب عليه غسل الثوب واعادة الصلاة. ومن ذلك ايضا الحديث الدال على ان الحجام مؤتمن في تطهير موضع الحجامة (4) إلى غير ذلك من الاخبار التي يقف عليها المتتبع. وقد نقل المحدث الامين الاسترابادي في كتاب الفوائد المدنية والمحدث


(1) وهى مضمرته التى رواها صاحب الوسائل في باب - 39 - من ابواب الذبائح من كتاب الصيد والذبائح. (2) المروية في الوافى في باب (التطهير من مس الحيوانات) من ابواب الطهارة عن الخبث من كتاب الطهارة. (3) المروية في الوسائل في باب 18 - من ابواب النجاسات والاوانى والجلود من كتاب الطهارة. (4) وهو حديث عبد الاعلى عن ابى عبد الله المروى في الوسائل في باب - 56 - من ابواب النجاسات والاوانى والجلود من كتاب الطهارة.


[ 148 ]

السيد نعمة الله (قدس سرهما) عن جملة ممن عاصراهم انهم كانوا لاجل هذه الشبهة يهبون ثيابهم للقصارين أو يبيعونها عليهم، ثم يشترونها منهم، مستندين إلى ان الثوب متيقن النجاسة ولا يرتفع حكم يقين النجاسة إلا بيقين الطهارة أو ما قام مقامه من شهادة العدلين أو إخبار ذي اليد. وفيه زيادة على ما تقدم انه لا ريب ان الحكم المذكور مما تعم به البلوى، فلو كان مضيقا كما زعموا لظهر فيه اثر عنهم (عليهم السلام) وقد ذكر غير واحد من محققي اصحابنا النافين للبراءة الاصلية انها في مثل هذا الموضع مما يعتمد عليها في الاستدلال، وقد تقدمت الاشارة إليه ايضا انفا (1) بل الظاهر من أخبارهم (عليهم السلام) ما يدل على التوسعة كما عرفت. ومنها الحكم بطهارة ما اشتبه بنجس وحلية ما اشتبه بمحرم مع عدم الحصر والتمييز، ونجاسة الجميع أو حرمته إذا كان في محصور. وهذا هو المشهور بين اصحابنا (رضوان الله عليهم). وقيل باجراء حكم الصورة الاولى في الثانية، واليه يشير كلام السيد السند في كتاب المدارك بالنسبة إلى النجاسة والطهارة، صرح بذلك في مسألة الاناءين ومسألة طهارة ما يسجد عليه كما سيأتي كل منهما في محله ان شاء الله تعالى. ولا يخفى ان ذلك لازم له في مسألة الحلال والحرام المشتبة احدهما بالآخر وان لم نقف له على كلام فيه الا ان المسألتين من باب واحد. وكذا كلام المحدث الكاشاني بالنسبة إلى الحل والحرمة، حيث قال في كتاب المفاتيح بانه إذا اختلط الحلال بالحرام فهو له حلال حتى يعرف الحرام بعينه. ولم يفرق بين المحصور وغيره. ويرد على الاول منهما انه وان كان ما صرحنا به من القاعدة المذكورة لم يرد


(1) اشار إلى ذلك الصحيفة 46 السطر 4.


[ 149 ]

بها الاخبار على الوجه المدعى، الا ان المستفاد منها على وجه لا يزاحمه الريب في خصوصيات المسائل التي تصلح للجزئية والاندراج تحت كل من كليتي المحصور وغير المحصور ان الحكم فيها كذلك، ولا يخفى ان القواعد الكلية كما تكون بورود الحكم كليا وباشتمال القضية على سور الكلية، كذلك تحصل بتتبع الجزئيات كما في القواعد النحوية، بل في بعض الاخبار الواردة في هذا المقام تصريح بكلية الحكم ايضا، ولنشر هنا إلى بعض الاخبار اجمالا، لان التفصيل في ذلك والابحاث المتعلقة بما هنالك قد وكلناها إلى مواضعها الآتية إن شاء الله تعالى. فمما يدل على حكم المحصور وانه يحكم بنجاسة الجميع موثقة عمار (1) الواردة في الاناءين النجس أحدهما مع اشتباهه بالآخر، فانها دلت على وجوب اجتنابهما. وحسنة صفوان (2) في الثوبين النجس أحدهما مع اشتباهه بالآخر، حيث أمر (عليه السلام) بالصلاة في كل منهما على حدة. والاخبار الدالة على غسل الثوب النجس بعضه مع اشتباهه بالباقي (3). ومما يدل على حكم غير المحصور وانه يحكم بالطهارة في الجميع ما قدمنا في القاعدة الاولى من موثقة عمار (4) الدالة على ان كل شئ طاهر حتى يعلم انه


(1) المروية في الوسائل في باب - 8 - من ابواب الماء المطلق، وفى باب - 4 - من ابواب التيمم، وفى باب 64 من ابواب النجاسات والاوانى والجلود من كتاب الطهارة. (2) المروية في الوسائل في باب - 64 - من ابواب النجاسات والاوانى والجلود من كتاب الطهارة (3) المروية في الوسائل في باب - 7 - من ابواب النجاسات والجلود من كتاب الطهارة (4) في الصحيفة 134 السطر 8. وقد تقدم الكلام في هذه الموثقة في التعليقة (1) في الصحيفة 42 ويأتى منه (قده) التصريح بما ذكرناه هناك في التنبيه الثاني من تنبيهات المسألة الثانية من البحث الاول من احكام النجاسات.


[ 150 ]

قذر كما قدمنا تحقيقه واوسعنا مضيقه، وهي متضمنة للحكم المذكور بوجه كلي كما اشرنا إليه. ويرد ايضا عليه وعلى القائل الآخر الاخبار الدالة على حكم اللحم المختلط ذكية بميتته وانه يباع ممن يستحل الميتة كحسنتي الحلبي (1). ويدل عليه خصوص صحيحة ضريس الكناسي المتقدمة في القاعدة الثانية (2) وكذا رواية عبد الله بن سليمان المذكورة ثمة (3). والاولى منهما متضمنة لحكم المحصور وغير المحصور على وجه كلي ونمط جلي، وهي صريحة الدلالة في الرد على هذين الفاضلين. والثانية قد تضمنت حكم غير المحصور بوجه كلي ايضا. ويؤيده (4) بالنسبة إلى المحصور الذي هو محل النزاع ما روي عنه (صلى الله عليه وآله) انه " ما اجتمع الحرام والحلال إلا غلب الحرام الحلال " (5) وما ذكره جملة من اصحابنا من ان اجتناب الحرام واجب، ولا يتم هنا إلا باجتناب الجميع. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ومنها الشك في شئ بعد الخروج عنه، لقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (6): " إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ " وقوله


(1) المرويتين في الوسائل في باب - 35 - من ابواب الاطعمة المحرمة من كتاب الاطعمة والاشربة. (2) و (3) في الصحيفة 141 السطر 1 و 9. (4) انما جعلنا هذا الخبر مع صراحته في المدعى من المؤيدات لعدم الوقوف على سنده من كتب اصولنا، إنما وقفت عليه في عوالي اللئالى (منه رحمه الله). (5) رواه المجلسي في البحار في باب - 23 - من كتاب العلم في الصحيفة (272) رقم 6 من المطبوع بمطبعة الحيدري بطهران. (6) المروية في الوسائل في باب - 23 - من ابواب الخلل الواقع في الصلاة من كتاب الصلاة.


[ 151 ]

(عليه السلام) في موثقة محمد بن مسلم (1): " كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو " وقوله (عليه السلام) في رواية ابي بصير (2): " كل شئ شك فيه مما قد جازوه ودخل في غيره فليمض عليه " وفى هذه القاعدة الشريفة ابحاث منيفة تأتي ان شاء الله تعالى في احكام الوضوء. ومنها رفع الحرج. لقوله سبحانه: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) (3) (يريد الله بكم اليسير ولا يريد بكم العسر) (4). ويدل عليه من الاخبار حسنة عبد الاعلى (5) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): عثرت فانقطع ظفري على اصبعي مرارة فكيف اصنع بالوضوء ؟ فقال: يعرف هذا واشباهه من كتاب الله عزوجل قال الله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) (6) امسح عليه ". وفي رواية ابي بصير (7): " في الجنب يدخل يده في التور أو الركوة ؟ قال: ان كانت يده قذره فليهرقه، وان كان لم يصبها قذر فليغتسل منه، هذا مما قاله الله تعالى: ما جعل عليكم في الدين من حرج " (8) وفي صحيحة الفضيل (9)


(1) المروية في الوسائل في باب - 23 - من ابواب الخلل الواقع في الصلاة من كتاب الصلاة. (2) المروية في الوافى في باب (الشك في اجزاء الصلاة) من ابواب الفصل الخامس من كتاب الصلاة. (3) و (6) و (8) سورة الحج آية 78. (4) سورة البقرة. آية 182. (5) المروية في الوسائل في باب - 39 - من ابواب الوضوء من كتاب الطهارة. (7) المروية في الوسائل في باب - 8 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (9) المروية في الوسائل في باب - 9 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل من كتاب الطهارة.


[ 152 ]

" في الجنب يغتسل فينضح الماء من الارض في الاناء ؟ فقال: لا بأس، هذا مما قال الله تعالى: ما جعل عليكم في الدين من حرج " (1). ومنها العذر فيما غلب الله عليه، لحسنة حفص بن البختري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سمعته يقول في المغمي عليه: ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر ". وبمضمونها في حكم المغمى عليه اخبار عديدة (3) وفي بعضها " كل ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر " وزاد في بعض الاخبار المروية في ذلك ايضا من كتاب قرب الاسناد وبصائر الدرجات: " وهذا من الابواب التي يفتح الله منها الف باب " وفى رواية مرازم في المريض الذي لا يقدر على الصلاة (4) " كل ما غلب الله عليه فالله اولى بالعذر ". ومنها الترجيح بالمرجحات المنصوصة عند اختلاف الاخبار. وقد تقدم الكلام عليها مفصلا (5). ومنها الاحتياط في مواضعه على التفصيل المتقدم (6). ومنها معذورية الجاهل على الوجه المتقدم تفصيله (7).


(1) سورة الحج. آية 78. (2) و (3) رواها في الوسائل في باب - 3 - من ابواب قضاء الصلاة من كتاب الصلاة. (4) المروية في الوافى في باب (صلاة المريض والهرم) من ابواب الفصل الخامس من كتاب الصلاة. (5) في المقدمة السادسة في الصحيفة 87. (6) في المقدمة الرابعة في الصحيفة 65. (7) في المقدمة الخامسة في الصحيفة 77.


[ 153 ]

ومنها العمومات القطعية المقررة عن صاحب الشريعة، مثل قوله تعالى: (اوفوا بالعقود) (1) واخبار " لا ضرر ولا ضرار " (2). ومنع المحدث الامين الاسترابادي في كتاب الفوائد المدنية من الاستدلال بامثال ذلك، لظنية الدلالة، والنهي عن اتباع الظن وهو مع تسليمه إنما يتم فيما لم تكن دلالته محكمة. وأما ما كان كذلك فلا مانع من الاستدلال به. على انه قد استدل في كتابه المذكور بامثال ذلك في غير موضع كما لا يخفى على من راجعه. ومنها اخبار " المؤمنون عند شروطهم إلا ما خالف كتاب الله " (3) وفي بعضها " الا ما أحل حراما أو حرم حلالا " واخبار " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " (4) " وصاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام " (5) " والبينة على المدعي واليمين على المنكر " (6) إلا ما استثنى مما سيأتي تحقيقه في محله ان شاء الله تعالى. ومنها في البيض المجهول ان يؤكل منه ما اختلف طرفاه دون ما استويا، لصحيحة زرارة وغيرها (7). وفي الطير ما دف دون ما صف، وما كان دفيفه اكثر. ولو اتي به مذبوحا


(1) سورة المائدة. آية 2. (2) المروية في الوسائل في باب - 5 - من كتاب الشفعة وفى باب - 12 - من كتاب احياء الموات. (3) و (4) و (5) المروية في الوسائل في باب - 6 و 1 و 3 - من ابواب الخيار من كتاب التجارة. (6) المروية في الوسائل في باب - 3 - من ابواب كيفية الحكم واحكام الدعوى من كتاب القضاء. (7) المروية في الوسائل في باب - 19 - من ابواب الاطعمة المحرمة من كتاب الاطعمة والاشربة.


[ 154 ]

فيؤكل ما كان له قانصة دون ما لم يكن كذلك، لرواية ابن ابي يعفور وغيرها (1). وفى السمك يؤكل ما كان له فلس دون ما ليس كذلك (2) كما استفاضت به الاخبار (3). ومنها رفع الخطأ والنسيان وما استكره عليه وما لا يطاق وما لا يعلم وما اضطر إليه والحسد والطيرة والوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفة، لما رواه الصدوق في الفقيه (4) عن ابي عبد الله (عليه السلام). والرفع في هذا الموضع اعم من أن يكون برفع الاثم والمؤاخذة كما في بعض الافراد المعدودة، أو رفع الفعل وانتفاء التكليف به كما في البعض الآخر. ومنها العمل بالتقية إذا الجأت الضرورة إليها. والاخبار بذلك اكثر


(1) المروية في الوسائل في باب - 17 و 18 - من ابواب الاطعمة المحرمة من كتاب الاطعمة والاشربة. (2) ومن لطيف الحكايات في هذا المقام ما رواه الكشى في كتاب الرجال بسنده عن حريز قال: " دخلت على ابى حنيفة وعنده كتب كادت تحول بيننا وبينه، فقال لى: هذه الكتب كلها في الطلاق. قال: قلت: نحن نجمع هذا كله في حرف. قال: ما هو ؟ قلت: قوله تعالى: يا ايها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة. وساق الخبر، إلى ان قال: فقال لي: لاسئلك عن مسألة لا يكون عندك فيها شئ، فما تقول في جمل اخرج من البحر ؟ قلت: ان شاء فليكن جملا وان شاء فليكن بقرة، ان كانت عليه فلوس اكلناه والا فلا.. الحديث " (منه رحمه الله) (3) المروية في الوسائل في باب - 8 - من ابواب الاطعمة المحرمة من كتاب الاطمعة والاشربة. (4) في باب (من ترك الوضوء أو بعضه أو شك فيه) من الجزء الاول، وقد تقدم في التعليقة 1 في الصحيفة 44 والتعليقة 2 في الصحيفة 81 ما يتعلق بالحديث المذكور.


[ 155 ]

واشهر من أن يتعرض لنقلها (1) بل ربما كان ذلك من ضروريات المذهب. وفي هذه القاعدة تفصيل حسن سيأتي الكلام عليه ان شاء الله تعالى في احكام الوضوء. ومنها العلم بالبراءة الاصلية في الاحكام التي تعم بها البلوى كما تقدمت الاشارة إلى ذلك (2). والوجه فيها ما ذكره بعض مشايخنا المحدثين من ان المحدث الماهر إذا تتبع الاخبار الواردة حق التتبع في مسألة لو كان فيها حكم مخالف للاصل لاشتهر لعموم البلوى بها، ولم يظفر بذلك الحكم يحصل له الجزم أو الظن المتاخم للعلم بعدم الحكم، لان جما غفيرا من اصحابهم (عليهم السلام) ومنهم. الاربعة آلاف رجل الذين من اصحاب الصادق (عليه السلام) وتلامذته كانوا ملازمين لهم في مدة تزيد على ثلاثمائة سنة، وكان همتهم وهمة الائمة (عليهم السلام) اظهار الدين وترويج الشريعة، وكانوا لحرصهم على ذلك يكتبون كل ما يسمعونه خوفا من عروض النسيان له، وكان الائمة (عليهم السلام) يحثونهم على ذلك، وليس الغرض منه إلا العمل به بعدهم. ففي مثل ذلك يجوز التمسك بالبراءة الاصلية، إذ لو كان ثمة دليل والحال كذلك لظهر. وما اعترض به بعض متأخري المتأخرين من ان ذلك لا يخلو من نوع اشكال لتطرق الضياع والتلف إلى جملة من الاصول فالظاهر سقوطه، لان الظاهر ان التلف إنما عرض لتلك الاصول اخيرا بالاستغناء عنها بهذه الكتب المتداولة، لكونها أحسن منها ترتيبا واظهر تبويبا، وإلا فقد بقي من تلك الاصول إلى عصر السيد رضي الدين ابن طاوس (رضي الله عنه) جملة وافرة، وقد نقل منها في مصنفاته كما نبه عليه، وكذا


(1) رواها صاحب الوسائل في باب - 24 و 25 - من ابواب الامر والنهى من كتاب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر وما يلحق به. (2) في الصحيفة 46 السطر 4.


[ 156 ]

ابن ادريس كما ذكره في مستطرفات السرائر، وعد من هذا القبيل وجوب القصد إلى السورة، ووجوب قصد الخروج بالتسليم، ونجاسة أرض الحمام، ونجاسة الغسالة. ومنها البناء في الشك الاخيرتين من الرباعية على الاكثر ما لم يكن مبطلا. وتدل عليه موثقة عمار الساباطي (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شئ من السهو في الصلاة. فقال: ألا اعلمك شيئا إذا فعلته ثم ذكرت انك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شئ ؟ قلت: بلى. قال: إذا سهوت فابن على الاكثر، فإذا فرغت وسلمت فقم فصل ما ظننت انك نقصت.. الحديث " وفى موثقة اسحاق بن عمار (2) انه قال: " قال لي أبو الحسن (عليه السلام): إذا شككت فابن على اليقين. قال: قلت: هذا اصل ؟ قال: نعم ". واكثر الاصحاب فهموا من هذا الخبر ان المراد به البناء على الاقل، فيكون ذلك قاعدة مخالفة لتلك القاعدة، وقد تكلفوا للجمع بينهما بالتخيير. والاظهر عندي كما سيأتي تحقيقه في محله ان شاء الله تعالى اما حمل اليقين في الخبر المذكور على البناء على الاكثر على ان يكون المراد به يقين البراءة، إذ به يحصل يقين البراءة على الاحتمالين دون البناء على ما تيقن فعله وهو الاقل، لوجوب الاعادة مع ظهور التمام للزيادة، واما حمله على التقية، لكون ذلك مذهب جمهور الجمهور (3) مع اعتضاد القاعدة الاولى بالاخبار المستفيضة الصحيحة الصريحة في جزئيات الشكوك. ومنها الابهام لما ابهم الله والسكوت عما سكت الله. ويدل عليه ما رواه في كتاب اللئالي عن اسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) " ان عليا (عليه السلام) كان يقول: ابهموا ما ابهم الله " (4).


(1) و (2) المروية في الوسائل في باب - 8 من ابواب الخلل الواقع في الصلاة من كتاب الصلاة. (3) كما يظهر من المغنى لابن قدامة ج 2 ص 15. ومن المحلى لابن حزم ج 4 ص 170 (4) ورواه المجلسي في البحار في باب - 33 - من ابواب كتاب العلم.


[ 157 ]

وما رواه الشيخ المفيد (رحمه الله) في كتاب المجالس بسنده عن امير المؤمنين (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ان الله تعالى حد لكم حدودا فلا تعتدوها. وفرض عليكم فرائض فلا تضيعوها، وسن لكم سننا فاتبعوها، وحرم عليكم حرمات فلا تنتهكوها، وعفى لكم عن اشياء رحمة منه من غير نسيان فلا تتكلفوها " (1). وما رواه في الفقيه من خطبة امير المؤمنين (عليه السلام) وقد مر في آخر بحث البراءة الاصلية (2). ومنها ثبوت العيب بما زاد أو نقص عن أصل الخلقة. ويدل عليه ما رواه في الكافي (3) عن السياري قال: " سأل ابن ابي ليلى محمد ابن مسلم فقال له: اي شئ تروون عن ابي جعفر (عليه السلام) في المرأة لا يكون على ركبها شعر، أيكون ذلك عيبا ؟ فقال له محمد: اما هذا نصا فلا اعرفه، لكن حدثني أبو جعفر عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: " كل ما كان في اصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب ". فقال له ابن ابي ليلى: حسبك ". ومنها ان كل شئ يجتر فسؤره حلال ولعابه حلال. للخبر عنه (صلى الله


(1) ورواه المجلسي في البحار في باب - 22 - من كتاب العلم برقم 11 في الصحيفة 263 من الجزء الثاني من المطبوع بمطبعة الحيدري بطهران. (2) في الصحيفة 50 السطر 17. (3) في باب - 95 - من كتاب المعيشة. ورواه صاحب الوسائل في باب - 1 - من ابواب احكام العيوب من كتاب التجارة.


[ 158 ]

عليه وآله) رواه الصدوق (رحمه الله) في الفقيه (1) مرسلا ورواه في التهذيب ايضا (2) عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن ابي طالب عن ابائه عنه (صلى الله عليه وآله). ومنها قبول قول من لا منازع له، كما لو ادعى مالا ولا منازع له فيه. وقبول قول المرأة لو ادعت الحيض أو الخروج من العدة أو عدم الزوج أو موته. وهذه القاعدة وان لم ترد الاخبار بها بالعنوان المذكور الا ان اتفاقها فيما وقفنا عليه من جزئيات هذه القاعدة مما يؤذن بكلية الحكم المذكور، كما هو المفهوم ايضا من كلام الاصحاب، ومما يوضح ذلك ان الاخبار الواردة في اثبات الدعاوى بالبينة واليمين لا عموم فيها على وجه يشمل مثل هذه المسألة، إذ موردها إنما هو النزاع بين الخصمين وحصول مدع ومنكر في البين، كما لا يخفى على من أحاط بها خبرا. ومما حضرني من الاخبار في بعض جزئيات هذه القاعدة رواية منصور بن حازم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " قلت له: عشرة كانوا جلوسا وفي وسطهم كيس فيه الف درهم، فسأل بعضهم بعضا ألكم هذا الكيس ؟ فقالوا كلهم: لا. وقال واحد منهم: هو لي. فلمن هو ؟ قال: للذي ادعاه ". وحسنة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: " العدة والحيض للنساء إذا ادعت صدقت ".


(1) في باب (المياه وطهرها ونجاستها) من الجزء الاول. (2) في باب (المياه واحكامها) من كتاب الطهارة في الصحيفة 64، ورواه صاحب الوسائل في باب 5 من ابواب الاسئار من كتاب الطهارة. (3) المروية في الوسائل في باب - 17 - من ابواب كيفية الحكم واحكام الدعوى من كتاب القضاء. (4) المروية في الوسائل في باب - 47 - من ابواب الحيض من كتاب الطهارة، وفى باب - 24 - من ابواب العدد من كتاب الطلاق.


[ 159 ]

ورواية ميسر (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): القى المرأة في الفلاة التى ليس فيها أحد، فاقول لها: ألك زوج ؟ فتقول: لا. فاتزوجها ؟ قال: نعم هي المصدقة على نفسها ". وفي رواية أبان بن تغلب الواردة في مثل ذلك (2) قال (عليه السلام): " ليس هذا عليك، إنما عليك ان تصدقها في نفسها " ولا يخفى عليك ما في عموم الجواب من الدلالة على قبول قولها فيما يتعلق بها نفسها. واستشكل صاحب الكفاية في قبول قولها في موت الزوج. وجمع من المعاصرين في قبول قولها بعدم الزوج بعد معلوميته سابقا. وهو ضعيف. والاخبار ترده. ومنها: الخبر المذكور، ومنها ايضا: صحيحة حماد ورواية احمد بن محمد بن ابي نصر (3) نعم ربما ظهر من بعض الاخبار التقييد بكونها غير متهمة، إلا ان الاظهر حمله على الاستحباب


(1) المروية في الوسائل في باب - 25 - من ابواب عقد النكاح واولياء العقد من كتاب النكاح، وفى باب - 10 - من ابواب المتعة من كتاب النكاح. (2) المروية في الوسائل في باب 10 - من ابواب المتعة من كتاب النكاح. (3) وهو ما رواه حماد في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) " في رجل طلق امرأته ثلاثا فبانت منه فاراد مراجعتها، فقال لها: انى اريد مراجعتك فتزوجي زوجا غيرى فقالت له: انى قد تزوجت زوجا غيرك وحللت لك نفسي. ايصدق قولها ويراجها وكيف يصنع ؟ قال: إذا كانت المرأة ثقة صدقت في قولها " ورواية احمد بن محمد ابن ابى نصر عن الرضا (عليه السلام) قال: " قلت له: الرجل يتزوج المرأة فيقع في قلبه ان لها زوجا ؟ قال: ما عليه، أرأيت لو سألها البينة كانت تجد من يشهد ان ليس لها زوج " ولا يخفى عليك ما في الثانية من الصراحة في المراد. والظاهر ان المراد بكونها ثقة في الرواية الاولى اي مما يوثق باخبارها وتسكن النفس إلى كلامها، وهى التى ربما عبر عنها بالمأمونة، لا الوثاقة بمعنى العدالة. ومع ذلك فالظاهر حملها على الاستحباب، لاستفاضة الاخبار بانها مصدقة على نفسها، ومنها: الرواية المنقولة في المتن (منه رحمه الله).


[ 160 ]

الاحوطية جمعا بين الاخبار، لتصريح جملة منها بقبول قولها في مقام التهمة ايضا. والله العالم. تتمة مهمة قد اشتهر في كلام جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) قواعد اخر بنوا عليها الاحكام. مع كون جملة منها مما يخالف ما هو الوارد عنهم (عليهم السلام)، وجملة اخرى مما لم يوجد له مستند في المقام. فمنها قولهم: انه لا يجور تأخير البيان عن وقت الحاجة. مع انه قد استفاضت النصوص عنهم (عليهم السلام) في مواضع منها: في تفسير قوله تعالى: (فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون) (1) بما يدفع هذه القاعدة، حيث قالوا (صلوات الله عليهم): " ان الله قد فرض عليكم السؤال ولم يفرض علينا الجواب، بل ذلك الينا، ان شئنا اجبنا وان شئنا امسكنا " (2) نعم هذه القاعدة إنما تتجه على مذهب العامة، لعدم التقية في اخبارهم، وقد تبعهم من اصحابنا من تبعهم فيها غفلة. (ولو قيل): انه مع عدم جوابهم (عليهم السلام) يلزم الحرج. (قلنا): انما يلزم ذلك لو لم يكن ثمة مخرج آخر، كيف ؟ وقد تقرر عنهم (عليهم السلام) قاعدة جلية في امثال ذلك. وهو سلوك جادة الاحتياط. كما اسلفنا بيانه واوضحنا برهانه (3). ونقل شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح عن شيخه العلامة الشيخ


(1) سورة النحل. آية 46. سورة الانبياء. آية 8. (2) روى صاحب الوسائل شطرا من الاخبار المتضمنة لهذا المعنى في باب 7 من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به من كتاب القضاء. (3) في المقدمة الرابعة في ضمن التحقيق الواقع في الصحيفة 68.


[ 161 ]

سليمان البحراني (قدس سرهما) انه كان يقول: " لو ورد علينا في مثل هذه المسألة الف حديث لما عملنا به، لانه معارض لما قام عليه الدليل العقلي والنقلي من عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة ". وهو كما ترى اجتهاد صرف وتعصب بحت، فان الدليل النقلي المطابق للدليل العقلي الذي هو عبارة عما دل من الاخبار على وجوب بذل العلم، كقوله (عليه السلام): " ان الله لم يأخذ على الجهال عهدا بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهدا ببذل العلم " (1) وما اشتهر من قوله (صلى الله عليه وآله): " من كتم علما الجمه الله بلجام من نار " إلى غير ذلك مخصوص بما رواه ثقة الاسلام في الكافي (2) بسنده إلى عبد الله بن سليمان قال: " سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول، وعنده رجل من أهل البصرة يقال له عثمان الاعمى وهو يقول: ان الحسن البصري يزعم ان الذين يكتمون العلم تؤذي ريح بطونهم أهل النار. فقال أبو جعفر (عليه السلام): فهلك اذن مؤمن آل فرعون، ما زال العلم مكتوما منذ بعث الله نوحا، فليذهب الحسن يمينا وشمالا فوالله ما يوجد العلم إلا ههنا " ونحوه روى في كتاب بصائر الدرجات ولعل الحسن البصري حيث انه من جملة النصاب ورؤوس ذوي الاذناب - كان يعرض بهم (عليهم السلام) في عدم جوابهم عن بعض الاسئلة كما تدل عليه الاخبار السابقة (3). وفى هذين الخبرين دلالة على جواز تأخير البيان مع التقية حتى بالنسبة إلى غيرهم ايضا، وحينئذ فتلك القاعدة وما يطابقها من الاخبار مخصصة بما ذكرناه من الاخبار. وكأن شيخنا العلامة المشار إليه قصر النظر على عموم الاخبار المتقدمة من حيث


(1) تقدم الكلام في هذا الحديث في التعليقة 3 في الصحيفة 81. (2) في باب النوادر من كتاب فضل العلم وهو الحديث 15 منه. (3) المشار إليها في الصحيفة 160 السطر 6.


[ 162 ]

دلالتها على عدم وجوب الجواب عليهم (عليهم السلام) سواء كان لتقية أم لا، وبذلك تحصل المنافاة للقاعدة المذكورة (1). وبما ذكرنا لك من الخبرين المذكورين (2) تنكشف عن تلك الاخبار غشاوة العموم وتختص بمقام التقية كما لا يخفى. ومنها حمل اللفظ الوارد في اخبارهم (عليهم السلام) على الحقيقة الشرعية ان ثبتت وإلا المعنى العرفي الخاص، ومع عدمه فالمعنى اللغوي وإلا العرفي العام (3) وقد عرفت ما فيه في المقدمة الثامنة. ومنها قولهم: عدم وجود المدرك للحكم الشرعي مدرك شرعي، وبعبارة اخرى، عدم وجود الدليل دليل على العدم. وقد عرفت ما فيه في المقدمة الثالثة في مسألة البراءة الاصلية (4).


(1) بمعنى انه (ره) فهم من الاخبار الدالة على عدم وجوب الجواب عليهم (عليهم السلام) عدم الجواب مطلقا لتقية كان اولا. وبذلك تحصل المنافاة بين تلك الاخبار وبين هذه القاعدة، فلذا رد تلك الاخبار ولم يعمل بها في مقابلة القاعدة المذكورة، ولو انه يخصصها بمقام التقية، بمعنى ان عدم وجوب التعرض عليهم إنما هو من حيث التقية واما مع عدمها فيجب عليهم الجواب، لظهر وجه الجمع بينها وبين القاعدة المذكورة بتخصيص المنع عن جواز تأخير الجواب عن وقت الحاجة بغير وقت التقية. وكذلك الاخبار - التى استند إليها في تأييد القاعدة المذكورة، من وجوب بذل العلم وعدم جواز كتمانه - مخصوصة بغير مقام التقية كما دريته من الخبرين المنقولين. وبالجملة فمن المعلوم ان شرعية التقية مما ينتج جواز تأخير الجواب لهم (عليهم السلام) ولغيرهم وبذلك يرتفع الاشكال. ولكن الظاهر انه لم يخطر ذلك لشيخنا المشار إليه بالبال (منه رحمه الله). (2) في الصحيفة 161 السطر 8 و 13. (3) تعرض له في الصحيفة 121 السطر 3. (4) تعرض له في الوجه الثاني من ووجوه دفع البراءة في الشبهة التحريمية في الصحيفة 45 السطر 3.


[ 163 ]

ومنها قولهم: الجمع بين الدليلين مهما أمكن اولى من طرح أحدهما. وقد تقدم ما فيه في المقدمة السادسة (1). ومنها انه إذا تعارضت الاخبار في وجوب فعل واستحبابه أو تحريم شئ وكراهته، يرجحون جانب الاستحباب أو الكراهة بالبراءة الاصلية. وفيه ما تقدم في المقدمة الرابعة (2). ومنها ما صار إليه جمع من متأخري المتأخرين من حمل أوامر السنة ونواهيها على الاستحباب والكراهة ما لم تقم قرينة الوجوب أو التحريم (3) وقد عرفت ما فيه في المقدمة السابعة. ومنها ما صاروا إليه ايضا من انه متى ورد الحكم في خبر ضعيف باصطلاحهم المتأخر، حملوه على الاستحباب أو الكراهة تفاديا من طرحه. وفيه ان ضعف السند ليس من القرائن الموجبة للحمل على المجاز. ومنها قولهم: انه إذا تعلق الطلب بالماهية الكلية يتحقق الامتثال بفرد منها لان الاصل عدم تعلق الطلب بقيد زائد. وفيه ما افاده بعض مشايخنا المحدثين من ان بعض الماهيات الكلية تحتها افراد تصلح عند العقلاء لان يتعلق غرض ببعضها دون بعض، كحج البيت وغسل الوجه في الوضوء ومسح مخرج الغائط بالاحجار ويستهجن عندهم الاقدام على فرد من افرادها من غير سؤال. وهذا نوع من الاجمال منشأه نفس المعنى لا اللفظ. ومنها انهم جعلوا من جملة وجوه الجمع بين الاخبار بل اظهرها حمل الامر


(1) في الصحيفة 89 سطر 13. (2) في الصحيفة 69 السطر 16. (3) تعرض له في الصحيفة 115 السطر 7.


[ 164 ]

على الاستحباب والنهي على الكراهة، وقد عرفت ما فيه في الموضع السادس (1) من الابحاث المتعلقة باخبار التعارض من المقدمة السادسة. ومنها قولهم: انه لا يشترط في صدق المشتق بقاء مأخذ الاشتقاق. وقد عرفت ما فيه من المقدمة التاسعة (2). ومنها ما ذهب إليه جمع من ان كل عقد اشتمل على شرط فاسد فانه يبطل به أصل العقد. لان المقصود بالعقد هو المجموع. وأصل العقد مجردا عن الشرط غير مقصود فيكون باطلا، لان العقود تابعة للقصود، فما كان مقصودا غير صحيح وما كان صحيحا غير مقصود. وذهب جمع إلى بطلان الشرط خاصة. والاخبار فيها ما يدل على الثاني وفيها ما يدل على الاول، فالواجب حينئذ هو الوقوف على الدليل كيف كان ان وجد، وإلا فالاحتياط. ومما يدل على الثاني صحيحتا محمد بن قيس المتضمنة احداهما (3) اشتراط المرأة في عقد النكاح ان بيدها الجماع والطلاق. والاخرى (4) اشتراط ان يجئ الزوج بالصداق إلى أجل مسمى، وإلا فليس له عليها سبيل. وقد حكم (عليه السلام) فيها بصحة العقد وابطل الشرط. ومرسلة جميل بن دراج (5) " في الرجل يشتري الجارية ويشترط لاهلها ان لا يبيع ولا يهب ولا يورث ؟ قال (عليه السلام): يفي بذلك إذا شرط لهم إلا الميراث ".


(1) في الصحيفة 108 السطر 20. (2) في الصحيفة 121. (3) المروية في الوسائل في باب - 29 - من ابواب المهور من كتاب النكاح. (4) المروية في الوسائل في باب - 10 - من ابواب المهور من كتاب النكاح. (5) المروية في الوسائل في باب - 15 - من ابواب بيع الحيوان من كتاب التجارة.


[ 165 ]

وحسنة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) الواردة في بريرة وانها كانت مملوكة لقوم فباعوها على عائشة واشترطوا ان لهم ولاءها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " الولاء لمن اعتق " (2). وبذلك يظهر لك ما في كلام السيد السند صاحب المدارك (قدس سره) في شرح المختصر في مسألة ما لو شرط في عقد النكاح ما يخالف المشروع، حيث اختار العمل بالقاعدة المتقدم نقلها (3) للعلة التي تقدم ذكرها (4) وقال بعد نقل صحيحتي محمد بن قيس المشار اليهما (5) وكلام في المقام ما صورته: " لكن مرجع الروايتين إلى رواية واحدة وهو خبر محمد بن قيس. وفي صلاحيته بمجرده لاثبات الحكم نظر، ولو ثبت العمل به لوجب قصر الحكم بالصحة على مورد الرواية، والحكم في غيره بالبطلان، لما ذكر من الدليل " انتهى. فان فيه كما عرفت ان الحكم بالصحة ليس مقصورا على صحيحتي محمد بن قيس (6) اللتين قد تمحل بارجاعهما إلى خبر واحد. بل غيرهما من الاخبار ايضا دال عليه كما دريت. ومما يدل على الاول مرسلة مروان بن مسلم عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله


(1) المروية في الوسائل في باب - 37 - من ابواب كتاب العتق. (2) ومن ذلك ما رواه الكليني عن الوشا عن الرضا (عليه السلام) قال: " سمعته يقول: لو ان رجلا تزوج امرأته وجعل مهرها عشرين الفا وجعل لابيها عشرة آلاف، كان المهر جايزا والذى جعله لابيها فاسدا " قال السيد السند في شرح المختصر بعد ذكر هذا الخبر: ويستفاد من هذه الرواية عدم فساد العقد باشتماه على هذا الشرط الفاسدة. انتهى وفيه رد على ما ذكره في الموضع المشار إليه في الاصل ومؤيد لما قلناه (منه رحمه الله). (3) وهى قاعدة فساد العقد بفساد الشرط. (4) في الصحيفة 164 السطر 6. (5) و (6) في الصحيفة 164 السطر 11.


[ 166 ]

(عليه السلام) (1) قال: " قلت: ما تقول في رجل جعل أمر امرأته بيدها ؟ قال: فقال: ولى الامر من ليس أهله وخالف السنة ولم يجز النكاح " ولا تخلو من اجمال في الدلالة كما سيأتي التنبيه عليه في محله ان شاء الله تعالى. ومنها ما ذهب إليه جملة منهم من أن الامر بالشئ يستلزم النهي عن ضده الخاص. وقد مرت الاشارة إلى ما فيه في المقدمة الثالثة (2) ومثله القول في مقدمة الواجب (3) إلى غير ذلك من القواعد التي تضمنها كتاب القواعد لشيخنا الشهيد وكتاب تمهيد القواعد لشيخنا الشهيد الثاني (عطر الله مرقديهما) وما ذكرناه من القسمين انما هو انموذج يتذكر به اللبيب ويحذو حذوه الموفق المصيب، ولئلا يجمد على مجرد التقليد لظاهر المشهورات وان زخرف بضم الاجماع في العبارات، وإلا فالقواعد من الجانبين اكثر من ان يأتي عليها قلم الاحصاء في البين.


(1) رواها صاحب الوافى في باب (الشرط في النكاح وما يجوز وما لا يجوز) من الجزء الثاني عشر. (2) في الصحيفة 59 السطر 16. (3) ومما يدخل في حيز هذا الباب ما ذكره جملة منهم من التوقف في الحكم ولفتوى على وجود القائل وان وجد النص الدال على ذلك. وفيه ما اورده بعض مشايخنا المحدثين من انه (اولا) يلزم التسلسل. و (ثانيا) انه يكون قول المعصوم اقل درجة من قول سائر المجتهدين. و (اقول): لا يخفى على من تأمل كلام المتأخرين انتشار اقوالهم في المسائل الشرعية مع ان كلام المتقدمين سيما على عصر الشيخ اقل قليل في الفتاوى، حيث انه لم تعرف لهم كتب فتاوى يعمل عليها ويستند إليها، وفتاوى الشيخ ومن عاصره لم تبلغ في الكثرة والانتشار إلى ما صاروا إليه في هذه الاعصار، فقد خالفوا قاعدتهم من حيث لا يشعرون (منه رحمه الله).


[ 167 ]

 

المقدمة الثانية عشرة

وبها نختتم ما أردنا إيراده من المقدمات وقصدنا احرازه من المتممات، تيمنا بهذا العدد الشريف وتبركا بهذا العقد المنيف. في الاشارة إلى نبذة من الكلام في احوال المجتهدين من اصحابنا والاخباريين. اعلم انه قد كثرت الاسئلة من جملة من الطلبة عن الفرق بين المجتهد والاخباري واكثر المسئولون من وجوه الفروق، حتى انهاها شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله ابن صالح البحراني (نور الله مرقده) في كتاب منية الممارسين في اجوبة مسائل الشيخ ياسين إلى ثلاثة واربعين. وقد كنت في أول الامر ممن ينتصر لمذهب الاخباريين، وقد اكثرت البحث فيه مع بعض المجتهدين من مشايخنا المعاصرين، واودعت كتابي الموسوم بالمسائل الشيرازية مقالة مبسوطة مشتملة على جملة من الابحاث الشافية والاخبار الكافية تدل على ذلك وتؤيد ما هنالك. إلا ان الذي ظهر لي بعد اعطاء التأمل حقه في المقام وامعان النظر في كلام علمائنا الاعلام هو اغماض النظر عن هذا الباب وارخاء الستر دونه والحجاب، وان كان قد فتحه اقوام واوسعوا فيه دائرة النقض والابرام. (اما اولا) فلاستلزامه القدح في علماء الطرفين والازراء بفضلاء الجانبين كما قد طعن به كل من علماء الطرفين على الآخر، بل ربما انجر القدح في الدين سيما من الخصوم المعاندين، كما شنع به عليهم الشيعة من انقسام مذهبهم إلى المذاهب الاربعة، بل شنع به كل منهم على الآخر ايضا. (واما ثانيا) فلان ما ذكروه في وجوه الفرق بينهما جله بل كله عند التأمل لا يثمر فرقا في المقام، فان من اظهر ما اعتمدوه فرقا في المقام هو كون الادلة عند


[ 168 ]

المجتهدين اربعة: (الكتاب والسنة والاجماع ودليل العقل) الذي هو عبارة عن البراءة الاصلية والاستصحاب. واما عند الاخباريين فالاولان خاصة. وفي هذا الفرق نظر ظاهر، فان الاجماع وان ذكره المجتهدون في الكتب الاصولية وعدوه في جملة الادلة وربما استسلفوه في الكتب الاستدلالية، الا انك تراهم في مقام التحقيق في الكتب الاستدلالية يناقشون في ثبوته وحصوله وينازعون في تحققه ووجود مدلوله حتى يضمحل اثرة بالكلية، كما لا يخفى على من تصفح الكتب الاستدلالية كالمعتبر والمسالك والمدارك ونحوها، وقد تقدم لك في المقدمة الثالثة (1) نبذة من الاشارة إلى ذلك. واما دليل العقل فالخلاف في حجيته بين المجتهدين موجود في غير موضع، والمحققون منهم على منعه. وقد فصل المحقق في اول كتاب المعتبر والمحقق الشيخ حسن في كتاب المعالم وغيرهما في غيرهما الكلام في البراءة الاصلية والاستصحاب على وجه يدفع تمسك الخصم به في هذا الباب، فليراجع ذلك من احب الوقوف عليه. وقد حققنا ذلك في كتاب الدرر النجفية، وتقدم لك في هذا الكتاب (2) اشارة إلى ذلك. ومن الفروق التي ذكروها ان الاشياء عند الاخباريين على التثليث: (حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك) واما عند المجتهدين فليس إلا الاولان خاصة. وفى هذا الوجه ايضا نظر، فان الشيخ في العدة وقبله شيخه المفيد قد ذهبا إلى القول بالتثليث كما نقلوه عن الاخباريين مع انهما من اساطين المجتهدين، وكلام الصدوق (قدس سره) في كتاب الاعتقادات صريحا وفي كتاب من لا يحضره الفقيه ظاهرا مما ينادي بالقول بالتثنية كما عليه المجتهودن، قال في كتاب الاعتقادات: " باب الاعتقاد


(1) في المقام الثاني منها الواقع في الصحيفة 35. (2) في المطلب الاول من المقام الثالث من المقدمة الثالثة الواقع في الصحيفة 41 والمطلب الثاني منه الواقع في الصحيفة 51.


[ 169 ]

في الحظر والاباحة، قال الشيخ (رحمه الله): اعتقادنا في ذلك ان الاشياء كلها مطلقة حتى يرد في شئ منها نهي " انتهى. فالاشياء عنده اما حلال أو حرام كما هو عند المجتهدين مع انه رئيس الاخباريين. ومنها انهم ذكروا ان الاستدلال بالكتاب والسنة خاصة مخصوص بالاخباريين، مع ان الخلاف بين الاخباريين واقع فيه، فمنهم المحدث الاستر ابادي الذي هو المجدد لمذهب الاخباريين في الزمان الاخير. فانه قد صرح في كتاب الفوائد المدنية بعدم جواز العمل بشئ منه إلا ما ورد تفسيره عن أهل العصمة (سلام الله عليهم) واقتصر آخرون على العمل بمحكماته، وتعدى آخرون حتى كادوا ان يشاركوا الائمة (عليهم السلام) في تأويل متشابهاته كما تقدمت الاشارة إليه (1). و (اما ثالثا) فلان العصر الاول كان مملوءا من المحدثين والمجتهدين، مع انه لم يرتفع بينهم صيت هذا الخلاف، ولم يطعن أحد منهم على الاخر بالاتصاف بهذه الاوصاف، وان ناقش بعضهم بعضا في جزئيات المسائل واختلفوا في تطبيق تلك الدلائل. وحينئذ فالاولى والاليق بذوي الايمان، والاحرى والانسب في هذا الشأن هو أن يقال: ان عمل علماء الفرقة المحقة والشريعة الحقة ايدهم الله تعالى بالنصر والتمكين ورفع درجاتهم في اعلى عليين سلفا وخلفا إنما هو على مذهب أئمتهم (صلوات الله عليهم) وطريقهم الذي اوضحوه لديهم، فان جلالة شأنهم وسطوع برهانهم وورعهم وتقواهم المشهور بل المتواتر على مر الايام والدهور يمنعهم من الخروج عن تلك الجادة القويمة والطريقة المستقيمة، ولكن ربما حاد بعضهم اخباريا كان أو مجتهدا عن الطريق غفلة أو توهما أو لقصور اطلاع أو قصور فهم أو نحو ذلك في بعض المسائل، فهو


(1) في المقام الاول من المقدمة الثالثة في الصحيفة 47.


[ 170 ]

لا يوجب تشنيعا ولا قدحا، وجميع تلك المسائل التي جعلوها مناط الفرق من هذا القبيل كما لا يخفى على من خاض بحار التحصيل، فانا نرى كلا من المجتهدين والاخباريين يختلفون في آحاد المسائل بل ربما خالف أحدهم نفسه، مع انه لا يوجب تشنيعا ولا قدحا. وقد ذهب رئيس الاخباريين الصدوق (رحمه الله تعالى) إلى مذاهب غريبة لم يوافقه عليها مجتهد ولا اخباري، مع انه لم يقدح ذلك في علمه وفضله. ولم يرتفع صيت هذا الخلاف ولا وقوع هذا الاعتساف إلا من زمن صاحب الفوائد المدنية سامحه الله تعالى برحمته المرضية، فانه قد جرد لسان التشنيع على الاصحاب واسهب في ذلك اي اسهاب، واكثر من التعصبات التي لا تليق بمثله من العلماء الاطياب. وهو وان اصاب الصواب في جملة من المسائل التي ذكرها في ذلك الكتاب، إلا انها لا تخرج عما ذكرنا من سائر الاختلافات ودخولها فيما ذكرنا من التوجيهات. وكان الانسب بمثله حملهم على محامل السداد والرشاد ان لم يجد ما يدفع به عن كلامهم الفساد، فانهم (رضوان الله عليهم) لم يألوا جهدا في اقامة الدين واحياء سنة سيد المرسلين، ولا سيما آية الله (العلامة) الذي قد اكثر من الطعن عليه والملامة، فانه بما ألزم به علماء الخصوم والمخالفين من الحجج القاطعة والبراهين، حتى آمن بسببه الجم الغفير، ودخل في هذا الدين الكبير والصغير والشريف والحقير، وصنف من الكتب المشتملة على غوامض التحقيقات ودقائق التدقيقات، حتى ان من تأخر عنه لم يلتقط إلا من درر نثاره ولم يغترف إلا من زاخر بحاره قد صار له من اليد العليا عليه وعلى غيره من علماء الفرقة الناجية ما يستحق به الثناء الجميل ومزيد التعظيم والتبجيل، لا الذم والنسبة إلى تخريب الدين كما اجترأ به قلمه عليه (قدس سره) وعلى غيره من المجتهدين.

 

ولنشرع الآن في المقصود متوكلين على الملك المعبود ومفيض الخير والجود، فنقول وبه سبحانه الثقة لادراك كل مأمول:


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>