تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الأول


 

ختام مستطاب يشتمل على مقامين تتمة للباب

المقام الأول

في الماء المستعمل

والمراد منه هنا ما يكون مستعملا في ازالة حدث أو خبث أو مطلقا، والاول اما في حدث أصغر أو اكبر، والثاني اما في الاستنجاء أو غيره من الاخباث، والثالث غسالة ماء الحمام، فالكلام هنا يقع في مسائل خمس:


[ 436 ]

(المسألة الاولى) في مستعمل الحدث الاصغر. بين اصحابنا (قدس الله ارواحهم ونور اشباحهم) في طهارته وطهوريته، حكاه غير واحد منهم. ويدل ايضا على الاول اصالة الطهارة عموما وخصوصا. وعلى الثاني عموم الاخبار الدالة على استعمال الماء المطلق في رفع الحدث. وهذا ماء مطلق. وخصوص رواية عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا بأس بان يتوضأ بالماء المستعمل. وقال: الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز ان يتوضأ به واشباهه. واما الماء الذي يتوضأ به الرجل فيغسل به وجهه ويده في شئ نظيف، فلا بأس ان يأخذه غيره ويتوضأ به ". ورواية زرارة عن أحدهما (عليه السلام) (2) قال: " كان النبي (صلى الله عليه وآله إذا توضأ اخذ ما يسقط من وضوئه فيتوضؤون به ". ونقل عن ابي حنيفة الحكم بنجاسته نجاسة مغلظة، حتى انه إذا أصاب الثوب اكثر من درهم منع اداء الصلاة (3) ولعله حق في حقه. نعم نقل شيخنا الشهيد


(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (2) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (3) قال ابن حزم في المحل ج 1 ص 185: " عند ابى حنيفة لا يجوز الغسل ولا الوضوء بما قد توضأ به أو اغتسل به ويكره شربه، وروى انه طاهر، والاظهر عنه انه نجس وانه لا ينجس الثوب إذا اصابه الماء المستعمل الا ان يكون كثيرا فاحشا، إلى ان قال: وقال أبو حنيفة وابو يوسف: إذا توضأ الرجل وهو طاهر من بئر فقد تنجس ماؤها وتنزح كلها، ولا يجزيه ذلك الوضوء ان كان غير متوضئ، وكذلك ان اغتسل فيها نجسا كلها ولو اغتسل في سبعة آبار نجسها كلها " وقال ابن نجيم الحنفي في البحر الرائق ج 1 ص 94 تحت عنوان " الماء المستعمل في رفع الحدث ": " اختلفت الرواية عن ابى حنيفة، فروى محمد عنه انه طاهر غير مطهر، وروى أبو يوسف عنه انه نجس نجاسة خفيفة، وروى =


[ 437 ]

في الدروس عن الشيخ المفيد انه استحب التنزه عنه، وظاهر كلامه في المقنعة ربما اشعر ايضا باستحباب التنزه عن ماء الاغسال المستحبة بل والغسل المستحب كغسل اليد للاكل. ولم نقف له على دليل من الاخبار بل ولا من الاعتبار، بل ربما دلت رواية زرارة المتقدمة على خلافه. الا انه يحتمل قريبا الاختصاص به صلى الله عليه وآله) للتبرك والشرف. والمفهوم من كلام شيخنا البهائي (طاب ثراه) في كتاب الحبل المتين الاستدلال له بما رواه في الكافي (1) عن محمد بن علي بن جعفر عن الرضا (عليه السلام) قال: " من اغتسل من الماء الذي قد اغتسل فيه فأصابه الجذام فلا يلومن إلا نفسه " حيث قال (قدس سره) بعد ايراد الخبر المذكور: " واطلاق الغسل في هذا يشمل الغسل الواجب والمندوب. وفي كلام المفيد (طاب ثراه) في المقنعة تصريح بافضلية اجتناب الغسل والوضوء بما استعمل في طهارة مندوبة، ولعل مستنده هذا الحديث، واكثرهم لم ينتبهوا له " انتهى. وفيه انه وان سلم ذلك ظاهرا بالنسبة إلى ما نقله من الخبر إلا ان عجز الرواية المذكورة يدل على ان مورد الخبر المشار إليه إنما هو ماء الحمام، حيث قال في تتمة الرواية: " فقلت: ان أهل المدينة يقولون: ان فيه شفاء من العين. فقال: كذبوا، يغتسل فيه الجنب من الحرام والزاني والناصب الذي هو شرهما


- الحسن بن زياد عنه انه نجس نجاسة غليظة، والمشهور عنه عدم التفصيل بين المحدث والجنب، وفى التجنيس استثنى الجنب لعموم البلوى في المحدث لعدم صون الثياب في الوضوء وامكان صونها في الجنب " وقال ابن قدامة في المغنى ج 1 ص 18: " المستعمل في رفع الحدث طاهر غير مطهر لا يرفع حدثا ولا يزيل خبثا، قال به الليث والاوزاعي والمشهور عن ابى حنيفة واحدى الروايتين عن مالك وظاهر مذهب الشافعي، وعن احمد في رواية انه طاهر مطهر، وقال به الحسن وعطاء والنخعي والزهرى ومكحول واهل الظاهر، والرواية الثانية لمالك، والقول الثاني للشافعي ". (1) في ج 2 ص 220، ورواه صاحب الوسائل في الباب - 11 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل.


[ 438 ]

وكل من خلق الله ثم يكون فيه شفاء من العين " وهذا هو أحد العيوب المترتبة على تقطيع الحديث وفصل بعضه عن بعض، فانه بذلك ربما تخفى القرائن المفيدة للحكم كما هنا، وسيأتي لك كثير من نظائره ان شاء الله تعالى. وحينئذ فظاهر الخبر كراهة الاغتسال من ذلك الماء من حيث كونه ماء الحمام الذي يغتسل منه هؤلاء المعدودون، وهو لا يقتضي كراهة مستعمل الاغسال مطلقا. وكيف كان فهو مقصور على الغسل ولا دلالة له على كراهة مستعمل الوضوء، والمدعى اعم من ذلك كما عرفت.

(المسألة الثانية) في مستعمل الحدث الاكبر. والظاهر انه لا خلاف بينهم (رضوان الله عليهم) في طهارة المستعمل في الاغسال المسنونة وطهوريته، كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى. وقد تقدم النقل عن الشيخ المفيد (رضي الله عنه) بالكراهة. واما مستعمل الاغسال الواجبة فلا خلاف في طهارته ايضا، ويدل عليه اصالة الطهارة عموما وخصوصا، وان التنجيس حكم شرعي، وهو موقوف على الدليل، وليس فليس. وتدل على ذلك أخبار مستفيضة: (منها) صحيحة الفضيل بن يسار (1) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الجنب يغتسل فينتضع من الارض في الاناء. فقال: لا بأس، هذا مما قال الله: ما جعل عليكم في الدين من حرج (2) ". وخلاف ايضا في تطهيره من الخبث كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى. وانما الخلاف في التطهير به من الحدث ثانيا، فالمشهور بين المتأخرين هو الجواز ونقل عن الشيخين والصدوقين المنع، واسنده في الخلاف إلى اكثر اصحابنا، وهو


(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (2) سورة الحج الآية 78.


[ 439 ]

مؤذن بشهرته في الصدر الاول، ويظهر من المحقق في كتبه الثلاثة التوقف في ذلك، حيث نسب المنع في المعتبر إلى الاولوية، وجعل وجهه التفصي من الخلاف والاخذ بالاحوط، وفي الشرائع علله ايضا بالاحتياط. وفى المختصر اقتصر على نقل القولين ناسبا المنع إلى الرواية. والذي يدل على المنع اخبار عديدة: منها رواية عبد الله بن سنان السالفة (1) وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: " سألته عن ماء الحمام. فقال: ادخله بازار، ولا تغتسل من ماء آخر إلا ان يكون فيه جنب، أو يكثر أهله فلا تدري فيهم جنب أم لا ". ورواية حمزة بن احمد عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: سألته أو سأله غيري عن الحمام. قال: ادخله بمئزر، وغض بصرك، ولا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام، فانه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب وولد الزنا والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم ". وصحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) " وسئل عن الماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب. قال: إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " هذا ما حضرني من الاخبار التي تصلح ان تكون مستندا لهذا القول. واحتج المانع ايضا بان الماء المستعمل في غسل الجنابة مشكوك فيه، فلا يحصل باستعماله يقين البراءة. والذي يدل على الجواز ما تقدم في المسألة الاولى من عموم الادلة الدالة على استعمال


(1) في الصحيفة 436. (2) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب الماء المطلق. (3) المروية في الوسائل في الباب - 11 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (4) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق.


[ 440 ]

المطلق في رفع الحدث من الآيات (1) والروايات، وهذا ماء مطلق. وخصوص صحيحة علي بن جعفر عن ابي الحسن الاول (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل يصيب الماء في ساقية أو مستنقع، أيغتسل منه للجنابة أو يتوضأ منه للصلاة ؟ إذا كان لا يجد غيره، والماء لا يبلغ صاعا للجنابه ولا مدا للوضوء، وهو متفرق، إلى ان قال (عليه السلام): فان كان في مكان واحد وهو قليل لا يكفيه لغسله، فلا عليه ان يغتسل ويرجع الماء فيه، فان ذلك يجزيه ". ويدل على ذلك ايضا الاخبار المشار إليها آنفا في الاستلال على أصل الطهارة، فانها قد اشتركت في الدلالة على نفي البأس عما ينتضح من جسد الجنب في الاناء حال غسله. وتفصيل القول في هذه المسألة ان يقال: ان دلالة صحيحة علي بن جعفر على الجواز لا تخلو من اشكال، لامكان حملها على الضرورة كما يقتضيه سياق الخبر، وعلى ذلك حملها الشيخ (رضي الله عنه) في كتابي الاخبار. وهو جيد، لما قلنا وربما يفهم منه ان مذهبه حينئذ جواز الاستعمال في الضرورة، إلا انه لم ينقل ذلك قولا عنه في المسألة. والتحقيق ان مجرد جمعه بين الاخبار بالوجوه القريبة أو البعيدة لا يوجب كون ذلك مذهبا له، كما قدمنا الاشارة إليه في مقدمات الكتاب (3) إذ ليس غرضه ثمة الا مجرد دفع التنافي بينها ردا على من زعمه، حتى اوجب خروجه عن المذهب كما اشار إليه في التهذيب (4) واما الاخبار الدالة على نفي البأس عما ينتضح


(1) ومنها قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " حيث علق التيمم على عدم وجود الماء، فينتفى مع وجوده، وهو صادق على ما نحن فيه، فلا يسوغ التيمم مع وجود هذا الماء، ونحو ذلك من العمومات (منه رحمه الله). (2) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (3) في الصحيفة 90. (4) في الصحيفة 2 من الجزء الاول. (55)


[ 441 ]

من بدن الجنب فسيأتي ما فيها. وحينئذ لم يبق إلا الدليل الاول، فالقائل ان يقول: ان عموم تلك الادلة مخصوص بالاخبار المذكورة كما هو القاعدة المطردة. إلا ان ذلك فرع سلامة هذه الاخبار من الطعن، وهي غير سالمة. اما الخبر الاول (1) فضعيف السند باشتماله على احمد بن هلال الذي حاله في الضعف اشهر من ان يذكر، واحتمال الحمل على وجود النجاسة في بدن الجنب، بل الظاهر رجحانه كما سيأتي بيانه. واما الثاني (2) ففيه (اولا) انه معارض بصحيحة محمد بن مسلم ايضا الاخرى (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الحمام يغتسل فيه الجنب وغيره، اعتسل من مائه ؟ قال: نعم لا بأس ان يغتسل منه الجنب ". ورواية ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " قلت: اخبرني عن ماء الحمام يغتسل منه الجنب والصبي واليهودي والنصراني والمجوسي ؟ فقال: ان ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا ". إلا انه يمكن حمل هذين الخبرين على ما له مادة أو كان كثيرا، ويخص الاول بما ليس كذلك كما نقل عن الشيخ الجمع به بين صحيحتي محمد بن مسلم، وحينئذ تبقى الصحيحة الاولى سالمة من المعارض. و (ثانيا) تضمنه للتعويل على الشك والاحتمال في المنع في مقابلة يقين


(1) وهو خبر عبد الله بن سنان المتقدم في الصحيفة 436. (2) وهو صحيح محمد بن مسلم المتقدم في الصحيفة 439. (3) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب الماء المطلق، والباب - 9 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (4) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب الماء المطلق.


[ 442 ]

الطهارة الثابت بالاصل، وهو خلاف القواعد الشرعية المتفق عليها (1) فلابد من الخروج عن ظاهره إلى الحمل على الكراهة ومرجوحية الاستعمال. إلا انه يمكن تطرق النظر إلى هذا الوجه ايضا بان يقال: ان هذا مخصوص بصورة الشك بوجود الجنب، والخروج فيه عن الظاهر باعتبار ما ذكر من المعارض متجه. لكن يبقى الكلام في صورة العلم بوجود الجنب، كما هو أحد الامرين المذكورين في الخبر، والخروج عن الظاهر ثمة لمعارض لا يستلزم الخروج عنه فيما لا معارض فيه، غاية الامر انه يراد من الخبر الحقيقة والمجاز باعتبارين، ولا نكير فيه. وما اجاب به في المعالم عن ذلك حيث قال: " ان هذا تكلف، والتعلق بهذ التكلف إنما يتوجه لو كانت الرواية ظاهرة في المدعى من غير هذا الوجه. والامر على خلاف ذلك. (اما أولا) فلان عدم الاغتسال من ماء الحمام مع مباشرة الجنب له إنما افاده فيها استثناؤه من النهي عن الاغتسال بماء آخر، وهو أعم من الامر به، إذ يكفي في رفع النهي الاباحة. و (اما ثانيا) فلان الاغتسال فيها مطلق بحيث يصلح لارادة رفع الحدث وازالة الخبث، وستعلم ان المانعين من رفع الحدث به قائلون بجواز استعماله في ازالة الخبث، فلابد من التأويل بالنظر إليه، فتضعف الدلالة، ويشكل الخروج عن ظواهر العمومات بمجرد ذلك " انتهى مخدوش بوجهيه.


(1) فانه تضمن المنع من استعمال ماء الحمام إذا كثر الناس فيه واحتمل وجود الجنب فيهم، والاتفاق واقع على ان الشك في حصول المقتضى واحتماله غير موجب للمنع فلابد من صرفه عن ظاهر. ومما يدل ايضا من الاخبار على ما ذكرنا في خصوص هذا المقام مضمرة ابى الحسن الهاشمي قال سئل عن الرجال يقومون على الحوض في الحمام لا اعرف اليهودي من النصراني ولا الجنب من غير الجنب ؟ قال: تغتسل منه ولا تغتسل من ماء آخر، فانه طهور (منه قدس سره).


[ 443 ]

(اما اولهما) فلما تقرر من أن الاستثناء يقتضي ثبوت الحكم للمستثنى اثباتا ونفيا على عكس ما ثبت للمستثنى منه، ولذا عرف نجم الائمة في شرح الكافية المستثنى بانه المذكور بعد (إلا) واخواتها مخالفا لما قبلها نفيا واثباتا، وحينئذ فإذا قيل: لا تضرب أحدا إلا زيدا. فهم منه انه مريد لضرب زيد وآمر به لا انه أعم من الامر بضربه وعدمه، وكذا قوله (عليه السلام) (1): " اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة " مفيد للنهي عن قتل أهل الذمة لا انه للاعم منه ومن عدمه، ولو تم ما ذكره لا طرد في جميع صور الاستثناء، فلا يثبت للمستثنى بمجرد الاستثناء حكم على الخصوص، بل لابد معه من التصريح، فلو قال: لزيد علي عشرة إلا ثلاثة. لم يفد نفي الثلاثة عنه بطريق اليقين، بل لابد في نفيها جزما من أمر زائد على الاستثناء وهو ظاهر البطلان. وبذلك يظهر لك ان قوله (عليه السلام) في الخبر المذكور: " ولا تغتسل من ماء آخر إلا ان يكون فيه جنب.. " دال على الامر بالاغتسال من الماء الآخر مع وجود الجنب لا لمجرد إباحة الآخر وعدم النهي عنه. و (اما ثانيهما) فلان الاغتسال شرعا وعرفا مخصوص بغير ازالة الخبث، إذ إنما يطلق عليها الغسل لا الاغتسال (2).


(1) لم نعثر على هذا الحديث بعد الفحص عنه في مظانه، والذى وجدناه في الوسائل في الباب 18 من كتاب الجهاد عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: " اقتلوا المشركين واستحيوا شيوخهم وصبيانهم ". (2) وحاصل كلامه ان الاستثناء عبارة عن رفع الحكم السابق، والحكم السابق هنا هو النهى عن الاغتسال بماء آخر، ورفعه هو عدم النهى عن ذلك، وعدم النهى اعم من الامر، فيرجع إلى الاباحة. وفيه ان الاستثناء إنما هو اثبات نقيض ما ثبت للمستثنى منه من الحكم، كما عرفته من تعريف نجم الائمة. وايضا على تقدير ما ذكره فرفع الحكم السابق لا يتحقق الا بوجود نقيضه واثباته للمشتثنى، لانه مع ارادة العموم كما زعمه المحتمل لجواز ان يثبت للمشتثنى ما ثبت اولا للمستثنى منه لا يحصل رفع الحكم السابق كما لا يخفى (منه قدس سره).


[ 444 ]

والتحقيق ان الاظهر في الجواب هو الحمل على وجود النجاسة في بدن الجنب، حملا على الغالب المتكرر من تأخيرها إلى وقت الغسل. وعلى ذلك يحمل الخبر الثالث والرابع (1) والى ذلك اشار ايضا في المعالم، حيث قال: " ولعل الاخبار الواردة بالنهي عن استعمال ما يغتسل به الجنب ناظرة إلى ما هو الغالب من عدم انفكاكه من بقايا آثار المني " انتهى. بل نقول: ان المستفاد من الاخبار الواردة في بيان كيفية غسل الجنابة حمل الجنب في الاخبار حيث يطلق على من كان ذلك، وان لم يكن كليا فلا أقل ان يكون غالبا. ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن غسل الجنابة. قال: تبدأ بكفيك فتغسلهما، ثم تغسل فرجك، ثم تصب الماء على رأسك.. الحديث ". وصحيحة زرارة (3) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجنابة. فقال: تبدأ فتغسل كفيك. ثم تفرغ بيمينك على شمالك فتغسل فرجك. الحديث ". وصحيحة ابن ابي نصر (4) قال: " سألت الرضا (عليه السلام) عن غسل الجنابة. فقال: تغسل يدك اليمنى من المرفق إلى اصابعك. وتبول ان قدرت على البول ثم تدخل يدك في الاناء، ثم اغسل ما اصابك منه.. الحديث " إلى غير ذلك من الاخبار المستفيضة بذلك، فمن أحب الوقوف عليها فليرجع إلى مظانها.


(1) وهما رواية حمزة بن احمد وصحيحة محمد بن مسلم المتضمنة لعدم نجاسة الكر المتقدمان في الصحيفة 439. (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 26 - من ابواب الجنابة. (4) المروية في الوسائل في الباب - 26 و 34 من ابواب الجنابة.


[ 445 ]

وجه الدلالة ان اشتمال اجوبتهم (عليهم السلام) عن بيان كيفية غسل الجنابة على إزالة المني يشعر بان له مدخلا في الكيفية، وما ذلك إلا بناء على ما قلنا من انه لما كان الغالب تأخير ازالة المني إلى حين ارادة الاغتسال ادرجه في الكيفية. والاحكام في الاخبار كما ذكرنا في غير المقام إنما تبنى على ما هو الغالب المتكرر، ألا ترى ان أحد سببي الجنابة الموجب للغسل ايضا الايلاج خاصة، مع ان الاخبار الواردة في بيان الكيفية إنما خرجت بناء على السبب الآخر الذي هو الانزال، وما ذاك الا بناء على ما ذكرنا، وحينئذ فحيث يطلق الجنب في اخبارهم (عليهم السلام) يحمل على من كان كذلك إلا مع قيام القرينة المخرجة. وبهذا التحقيق في المقام يحصل المخرج من المضيق في جملة من الاحكام: منها اخبار هذا الموضع، ومنها الاخبار الواردة بنزح سبع دلاء لاغتسال الجنب في البئر، فانه مع عدمم النجاسة في بدنه لا يظهر للنرح واجبا أو مستحبا وجه حسن في ذلك المجال. وما تكلفه جملة من اصحابنا لدفع ذلك لا يخلو من تمحل واشكال، إلى غير ذلك من المواضع التي يقف عليها المتتبع للاخبار. وعلى هذا فتكون الاخبار التي اشرنا إليها آنفا مما دل على نفي البأس عما ينتضح من الجنب حال اغتساله محمولة على الاستثناء من نجاسة القليل دفعا للحرج، كما يشير إليه الاستشهاد بالآية في صحيحة الفضيل (1) المتقدمة (2).


(1) فان ظاهر الاستشهاد بالآية المذكورة حصول الحرج لو منع من استعمال ذلك الماء الذى انتضح فيه من غسل الجنب، ومن المعلوم انه لو كان طاهرا فلا منع ولا حرج في ذلك فانه متى كان بدن الجنب طاهرا والارض التى يغتسل عليها طاهرة فالمنتضح منها باق على اصلة الطهارة كسائر المواضع الملاقية للماء الطاهر، فاى نكتة تنرتب على ايراد الآية هنا ؟ بل إنما يتجه ايرادها على تقدير نجاسة الارض أو بدن الجنب، إذ موردها كون ذلك رخصة وتخفيفا، من شأن الرخص ورودها في المقامات المقتضية للمنع. ويؤيد ذلك ويوضحه رواية عمر بن يزيد المذكور، فان نفى البأس عما ينزو من الارض التى يبال عليها صريح فيما ذكرناه. والله العالم (منه رحمه الله). (2) في الصحيفة 438.


[ 446 ]

واصرح منها دلالة على الاستثناء المذكور رواية عمر بن يزيد (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): اغتسل في مغتسل يبال فيه ويغتسل من الجنابة، فيقع في الاناء ما ينزو من الارض ؟ فقال: لا بأس به ".

وينبغي التنبيه على فوائد: (الأولى) ان الماء المستعمل الذي يتعلق به البحث هل هو عبارة عن البقية بعد الاستعمال سوء كان بعد تمام الاستعمال أو في اثنائه أو عبارة عما ينفصل عن البدن ولو تقاطر وترشح، أو يخص بما كان له قدر يعتد به فلا يدخل فيه التقاطر ونحوه. الظاهر انه لا خلاف في خروج الاول وجواز رفع الحدث به، ويدل عليه الاخبار المتضمنة لاغتساله (صلى الله عليه وآله) مع عائشة من اناء واحد، ومنها صحيحة زرارة (2) وفيها " فضرب بيده في الماء قبلها فانقى فرجه، ثم ضربت هي فانقت فرجها. ثم افاض هو وافاضت هي على نفسها حتى فرغا.. الحديث " قال في الفقيه (3). " ولا بأس بان يغتسل الرجل والمرأة من اناء واحد، ولكن تغتسل بفضله ولا يغتسل بفضلها ". واما الثاني فالذي يظهر من المنتهى انه محل البحث، إلا ان الظاهر من كلام الصدوق (رحمه الله) خلافه. لانه مع منعه التطهير بغسالة الجنب قال (4): " وان اغتسل الجنب فنزا الماء من الارض فوقع في الاناء أو سال من بدنه في الاناء، فلا بأس به " انتهى. وعلى ذلك تدل الاخبار المستفيضة التي أشرنا إليها آنفا (5) ومما يؤيد


(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (2) المروية في الوسائل في الباب - 32 - من ابواب الجنابة. (3) و (4) في باب (المياه وطهرها ونجاستها) (5) وهى الاخبار الدالة على نفى البأس عما ينتضح من الجنب حال اغتساله. المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل.


[ 447 ]

ذلك ان الشيخ (رضوان الله عليه) قد روى اكثر تلك الروايات ولم يتعرض لردها ولا تأويلها بوجه، مع كونها مخالفة لمذهبه لو كان ذلك من محل النزاع، وفيه ايذان بانه ليس من محل النزاع في شئ. ومع فرض دخوله في محل البحث فهو مردود بالاخبار المشار إليها، لدلالتها على جواز الاستعمال مع تساقط ماء الغسل في الاناء. واما الثالث فالظاهر انه هو محل البحث على الخصوص.

(الثانية) ينبغي ان يعلم ان موضع البحث هو الماء الذي يغتسل به المحدث الخالي بدنه من نجاسة خبثية، وإلا كان حكم الماء المتساقط عن الموضع النجس حكم غسالة النجاسة، وبذلك صرح ايضا جمع من الاصحاب. والظاهر انه بهذا خرجت الاخبار التي استند إليها الخصم كما اشرنا إليه آنفا.

(الثالثة) الظاهر انه لا خلاف في ازالة الخبث بهذا الماء كما مرت الاشارة إليه، وممن نقل الاجماع على ذلك العلامة في المنتهى وابنه فخر المحققين في الشرح. واحتج له مع ذلك في المنتهى فقال ما لفظه: " الثالث المستعمل في غسل الجنابة يجوز ازالة النجاسة به اجماعا منا، لاطلاقه. والمنع من رفع الحدث به عند بعض الاصحاب لا يوجب المنع من ازالة النجاسة، لانهم إنما قالوه ثم لعلة لم توجد في ازالة الخبث، فان صحت تلك العلة ظهر الفرق وبطل الالحاق، وإلا حكموا بالتساوي في الماءين كما قلناه " انتهى. وعبارة الذكرى هنا ظاهرة في الخلاف، حيث قال: " جوز الشيخ والمحقق ازالة النجاسة به، لطهارته ولبقاء قوة ازالته الخبث وان ذهب قوة رفعه الحدث، وقيل: لا، لان قوته استوفيت فالتحق بالمضاف " انتهى، ومن ثم اعترض به بعض المتأخرين على مدعي الاجماع. واجاب في المعالم باحتمال ان يكون المنقول عنه في عبارة الذكرى بعض المخالفين، كما يشعر به تعليله الواهي المنقول ثمة. وفيه ان المعهود


[ 448 ]

من كلامه التصريح بذلك لو كان، ثم احتمل ايضا ان يكون هذا القول مستحدثا بعد دعوى الاجماع فلا يقدح. وفيه ما فيه. إلا ان فيه ان الخطب هين بعد الاحاطة بما اسلفنا من ضعف ادلة المنع من رفع الحدث، وحينئذ فلا تكون في شك من ضعف هذا القول في هذا المكان من اي قائل كان.

(الرابعة) المنقول في كتب الاصحاب (رضوان الله عليهم) جعل محل الخلاف هو غسالة الحدث الاكبر، حتى ان المحقق الشيخ حسن في المعالم بعد ان نقل عن المنتهى الاقتصار في جواز ازالة النجاسة بالمستعمل على ما استعمل في غسل الجنابة كما قدمنا من عبارته حمل ذكر غسل الجنابة على التمثيل دون الحصر. وانت خبير بان كلام الصدوق في الفقيه صريح في التخصيص بغسالة الجنابة، وكذا الاخبار المنقولة دليلا للقول المذكور كما اسلفناها، ومثله ايضا ما نقله في المختلف عن الشيخ (رحمه الله) من الدليل، حيث قال: احتج الشيخ (رحمه الله) بان الانسان ملكف بالطهارة بالمتيقن طهارته المقطوع على استباحة الصلاة باستعماله، والمستعمل في غسل الجنابة ليس كذلك، لانه مشكوك فيه، فلا يخرج عن العهدة باستعماله، ولا معنى لعدم الاجزاء إلا ذلك. وبما رواه عبد الله بن سنان ثم ساق الرواية كما قدمنا (1). ولم يحضرني من كتب اولئك القائلين زيادة على ما ذكرت لا حقق منه الحال، وينبغي التنبيه لمثل ذلك. وعلى تقدير كون محل البحث على ما نقله الاصحاب من العموم فلا يخفى ان الدليل حينئذ اخص من المدعى لما عرفت. نعم ربما يتمسك بقوله (عليه السلام) في رواية عبد الله بن سنان (2) التي هي أحد أدلة ذلك القول: " واشباهه " بعطفه على " الماء الذي يغتسل به من الجنابة ". إلا ان فيه احتمال عطفه على فاعل " يجوز " اعني قوله: " أن يتوضأ به " بمعنى انه لا يجوز الوضوء به ولا اشباه الوضوء من سائر الاستعمالات في رفع حدث أو خبث.


(1) و (2) في الصحيفة 436.


[ 449 ]

(الخامسة) نفي جملة من المتأخرين الخلاف عن المستعمل في الاغسال المندوبة ونقل ذلك ايضا عن الشيخ في الخلاف، وهو ظاهره في الاستبصار ايضا. والظاهر انه بناء منهم على عدم رفعه الحدث، كما هو المشهور من عدم التداخل بين الاغسال المستحبة والواجبة وعدم رفع المستحب للحدث، وإلا فانه يأتي الكلام فيه ايضا كما لا يخفى. وسيأتي ما يوضح هذه الجملة في بحث نية الوضوء ان شاء الله تعالى.

(السادسة) إذا وجب الغسل من حدث مشكوك فيه كمن تيقن الجنابة والغسل وشك في المتأخر منهما، وواجه المني في ثوبه المختص به، ونحوهما فهل يكون الماء مستعملا ام لا ؟ اشكال نبه عليه في المنتهى، قال: " لانه ماء طاهر في الاصل لم تعلم ازالة الجنابه به، فلا يلحقه حكم المستعمل. ويمكن ان يقال انه مستعمل، لانه قد اغتسل به من الجنابه وان لم تكن معلومة، الا ان الاغتسال معلوم فيلحقه حكمه، لانه ماء ازال مانعا من الصلاة، فانتقل إليه المنع كالمتيقن " انتهى. واستظهر بعض (1) الاحتمال الاول، ووجهه غير ظاهر. والاظهر عندي الثاني، لانه متى حكم بكونه محدثا شرعا وممنوعا من الصلاة بدون الغسل، ترتب على غسله ما يترتب على غسل متيقن الحدث. واما كونه كذلك واقعا أم لا فلا يؤثر في المقام، إذ الاحكام الشرعية كما عرفت في غير موضع إنما ترتبت على الظاهر لا على نفس الامر والواقع.

(السابعة) هل يشترط في صدق الاستعمال الانفصال عن البدن ام لا ؟ المفهوم من كلام العلامة (قدس سره) في النهاية والمنتهى الثاني، قال في المنتهى: " لو اغتسل من الجنابة وبقيت في العضو لمعة لم يصبها الماء فصرف البلل الذي على العضو إلى تلك اللمعة جاز، اما على ما اخترناه نحن فظاهر، واما على قول


(1) هو المحقق الشيخ حسن في المعالم، والفاضل الخراساني في الذخيرة (منه رحمه الله)


[ 450 ]

الحنفية فكذلك (1) لانه إنما يكون مستعملا بانفصاله عن البدن، إلى ان قال: وليس للشيخ فيه نص، والذي ينبغي ان يقال على مذهبه عدم الجواز في الجنابة، فانه لم يشترط في المسعتمل الانفصال " انتهى. وانكر هذه النسبة إلى الشيخ (رحمه الله) جمع ممن تأخر عنه، لعدم تصريحه بذلك في كتبه المشهورة، مع استلزام ذلك عدم الاجتزاء باجراء الماء في الغسل من محل إلى آخر بعد تحقق مسماه. وهو بمحل من البعد بل البطلان، كما لا يخفى على من لاحظ الاخبار الواردة في كيفية الغسل من الجنابة (2).

(الثامنة) لو اجتمع كر فصاعدا من الماء المستعمل، فهل يزول عنه حكم الاستعمال بذلك ام لا ؟ قولان، اختار اولهما الشيخ في المبسوط والعلامة في المنتهى، وثانيهما المحقق في المعتبر، وتردد الشيخ في الخلاف. احتج في المنتهى بما حاصله ان بلوغ الكر مانع من الانفعال بالنجاسة. فمنعه من الانفعال بارتفاع الحدث اولى، إذ لو كانت نجاسة لكانت تقديرية. وبانه لو اغتسل في كر لما انفعل فكذا المجتمع. ثم قال: " لا يقال: يرد ذلك في النجاسة العينية. لانا نقول: هناك إنما حكمنا بعدم الزوال لارتفاع قوة الطهارة بخلاف المتنازع " انتهى. احتج المحقق في المعتبر بان ثبوت المنع معلوم شرعا فيقف ارتفاعه على وجود الدلالة، قال: " وما يدعى من قول الائمة (عليهم السلام): " إذا بلغ الماء كرا


(1) تقدم الكلام في قول الحنفية في التعليقة 3 في الصحيفة 436. (2) لتصريح جملة منها " انه يصب على منكبه الايمن مرتين وعلى منكبه الايسر مرتين، فما جرى عليه الماء فقد اجزأه " وفى بعض " ان كان يغتسل في مكان يسيل الماء على رجليه بعد الغسل فلا عليه ان لا يغسلهما، وان كان يغتسل في مكان يستنقع رجلاه في الماء فليغسلهما " (منه رحمه الله).


[ 451 ]

لم يحمل خبثا " (1) لم نعرفه ولا نقلناه عنهم، ونحن نطالب المدعي هذا اللفظ بالاسناد إليهم. اما قولهم (عليهم السلام): " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (2) فانه لا يتناول موضع النزاع، لان هذا الماء عندنا ليس بنجس، ولو بلغ كرا ثم وقعت فيه نجاسة لم تنجسه. نعم لا يرتفع ما كان فيه من المنع " انتهى. ونقل عن الشيخ في الخلاف ان منشأ التردد عنده، من انه ثبت فيه المنع قبل أن يبلغ كرا فيحتاج في جواز استعماله بعد بلوغه إلى دليل، ومن دلالة ظاهر الآيات والاخبار على طهارة الماء، خرج منه الناقص عن الكر بدليل فيبقى ما عداه، وقولهم (عليهم السلام): " إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا " (3). ولا يخفى على المصنف الخبير ان ما ذهب إليه المحقق هو الحري بالتخيير، قال في المعالم بعد نقل كلمات القوم في هذا المجال، ونعم ما قال: " والعجب ان الشيخ احتج في الخلاف على عدم زوال النجاسة في المجتمع من الطاهر والنجس بانه ماء محكوم بنجاسته، فمن ادعى زوال حكم النجاسة عنه بالاجتماع، فعليه الدليل، وليس هناك دليل فيبقى على الاصل. ولو صح الحديث الذي جعله في موضع النزاع منشأ لاحتمال زوال المنع، لكان دليلا على زوال النجاسة هناك، وليس بين الحكمين في الخلاف إلا اوراق يسيرة. والحق بناء الحكم هنا على الخلاف الواقع في زوال النجاسة بالاتمام، فمن حكم بالزوال هناك تأتى له الحكم هنا بطريق اولى، ومن لا فلا. واما التفرقة التي صار إليها الشيخ والعلامة فلا وجه لها " انتهى.

(التاسعة) قال في المنتهى: " لو غسل رأسه خارجا ثم أدخل يده في القليل


(1) و (3) تقدم الكلام فيه في التعليقة 1 في الصحيفة 346. (2) المروى في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق.


[ 452 ]

ليأخذ ما يغسل به جانبه، فالاقرب ان الماء لا يصير مستعملا، ولو نوى غسل يده صار مستعملا " انتهى. وتوقف في النهاية في صورة وضع اليد ليأخذ ما يغسل به. قال بعض فضلاء متأخرى المتأخرين (1): " وكأن وجه التوقف انه لا دخل للقصد في غسل اليد، بل ادخاله يده في الاناء يحسب من الغسل وان لم يقصده، فيصير به مستعملا. ولا يخفى ان لهذا الوجه قوة سيما إذا كان عند ادخال اليد ذاهلا عن أنه يقصد الغسل والاخذ، وحينئذ يقوى الاشكال. وما ذكره بعضهم من انه لا وجه لهذا التوقف لا وجه له " انتهى. واشار بقوله: " وما ذكره بعضهم.. الخ " إلى صاحب المعالم، حيث قال بعد نقل التوقف عن النهاية: " ولا وجه له ".

أقول: وما ذكره هذا الفاضل مردود من وجوه: (احدها) ما تقدم في الفائدة الاولى من الاتفاق على خروج مثل ذلك عن المستعمل، كما يدل عليه أخبار غسله (صلى الله عليه وآله) مع عائشة. و (ثانيها) ما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في بحث النية من ان المدار في تميز الافعال بعضها عن بعض من عبادات وغيرها على القصود والنيات. و (ثالثها) انه يأتي على قوله انه لو ارتمس في الماء وكان جنبا ذاهلا عن قصد الغسل فضلا عن ان يكون ناويا لاخذ شئ من داخل الماء، فانه يحصل له الطهارة من حدث الجنابة. ولا اظنه يلتزمه. وبالجملة فكلامه هنا مما لا ينبغي ان يلتفت إليه ولا يعرج في مقام التحقيق عليه.

(العاشرة) لا يخفى انه كما يصدق المستعمل بالنسبة إلى ما يسيل ويتقاطر من الاغتسال ترتيبا، كذلك يصدق بالنسبة إلى ما يغتسل فيه ارتماسا من الماء القليل


(1) هو الفاضل الخوانسارى في شرح الدروس (منه رحمه الله).


[ 453 ]

من غير خلاف يعرف بينهم. إلا ان الخلاف هنا وقع في موضعين:

(احدهما) ان المرتمس إذا نوى خارج الماء سواء كان بجميع بدنه أم لا، فهل يحكم بصحة غسله وان كان الماء يصير مستعملا بعد اتمام غسله، أو يصير الماء بمجرد ادخال عضو فيه بعد النية مستعملا ويكون غسله حينئذ باطلا، بناء على المنع من استعمال المستعمل ثاينا. قرب في المنتهى الاول وجعله في النهاية احتمالا، حيث قال فيها: " لو نوى قبل تمام الانغماس اما في اول الملاقاة أو بعد غمس بعض البدن، احتمل ان لا يصير مستعملا، كما لو ورد الماء على البدن، فانه لا يحكم بكونه مستعملا باول الملاقاة، لاختصاصه بقوة الورود، والحاجة إلى رفع الحدث، وعسر افراد كل موضع بماء جديد. وهذا المعنى موجود سواء كان الماء واردا أو هو " انتهى. اقول: وربما كان وجه الاحتمال الآخر هو الفرق بين الغسل الترتيبي والارتماسي، بان يقال: ان عدم الحكم بكونه مستعملا في الترتيبي باول الملاقاة لما ذكر من الضرورة ولزوم الحرج لا يستلزم الحكم بذلك في الارتماسي، لانتفائهما فيه، بان ينوي بعد تمام الانغماس لئلا يلزم المحذور المذكور. إلا ان فيه ان ما دل على جواز الارتماس من الاخبار مطلق لا تقييد فيه بكونه في الكثير أو كون النية بعد تمام الانغماس في الماء. وما دل من الاخبار على منع استعمال المستعمل ثانيا بعد تسليمه لا شمول له للصورة المذكورة حتى تقيد به تلك الاخبار، فيجب العمل باطلاق تلك الاخبار، والحكم باجزاء الارتماس على اي نحو كان.

و(ثانيهما) إذا نوى بعد تمام انغماسه في الماء فانه يصح غسله اجماعا ويكون الماء مستعملا، لكن هل يكون مستعملا بالنسبة إليه والى غيره وان لم يخرج من الماء، أو لا يكون مستعملا بالنسبة إليه حتى يخرج من الماء أو ينتقل إلى محل آخر وان كان مستعملا بالنسبة إلى غيره بدون ذلك، أو يكون


[ 454 ]

مستعملا بالنسبة إليه بدون ذلك ولا يكون مستعملا بالنسبة إلى غيره إلا بذلك ؟ أقوال: (أولها) صريح العلامة في المنتهى، حيث قال: " لو انغمس الجنب في ماء قليل، فان نوى بعد تمام انغماسه واتصال الماء بجميع البدن ارتفع حدثه، لوصول الماء الطهور إلى محل الحدث مع النية. ويكون مستعملا، وهل يحكم بالاستعمال في حق غيره قبل انفصاله عنه ؟ الوجه ذلك " انتهى. و (ثانيها) ظاهر الشهيد في الذكرى، حيث قال: " يصير الماء مستعملا بانفصاله عن البدن، فلو نوى المرتمس في القليل بعد تمام الارتماس ارتفع حدثه وصار مستعملا بالنسبة إلى غيره وان لم يخرج ". واورد عليه فان حكمه بصيرورته مستعملا بالنسبة إلى غيره قبل الخروج مشكل بعد قوله اولا: ان الاستعمال يتحقق بانفصاله عن البدن، إذ مقتضاه توقف صيرورته مستعملا حينئذ على خروجه أو انتقاله تحت الماء إلى محل آخر غير ما ارتمس فيه. واجيب بانه كان مراده اعتبار الانفصال عن البدن بالنسبة إلى نفس المغتسل وان كان ظاهر عبارته العموم. ولا يخلو من بعد، لعدم صحة تفريع " فلو نوى " على ما قبله (1). ولعل الاظهر في الجواب انه (قدس سره) جعل تمام الارتماس المترتب عليه ارتفاع الحدث وصيرورة الماء مستعملا في حكم انفصال الماء عن البدن، فيكون مراده بانفصال الماء عن البدن المترتب عليه صيرورته مستعملا ما هو أعم من ذلك. وبهذا المعنى


(1) لانه متى فسر قوله: " يصير الماء مستعملا.. الخ " بالمغتسل نفسه وخص به يصير اعتبار الانفصال عن البدن بالنسبة إليه خاصة، مع ان ما فرع عليه من صيرورة الماء مستعملا بعد نية المرتمس بعد تمام الارتماس انما هو بالنسبة إلى الغير، ولا وجه للتفريع المذكور، لتغاير محل الحكم المذكور (منه رحمه الله).


[ 455 ]

صرح شيخنا الشهيد الثاني في شرح الارشاد (1) والظاهر ان تحقق الاستعمال وصدقه على الماء متفرع على رفع الحدث به في صورة الارتماس وان لم يخرج، إذ يصدق عليه انه ماء اغتسل به من الجنابة، فتشمله رواية ابن سنان (2) القائلة بان ما يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز ان يتوضأ به. ويجب بناء على العمل بها التجنب عنه. واما التوقف على الخروج أو الانتقال فمما لا دليل عليه في حقه ولا في حق غيره. لما ذكرناه. و (ثالثها) ظاهر العلامة في النهاية، حيث قال: " لو انغمس الجنب في ماء قليل ونوى، فان نوى بعد تمام انغماسه فيه واتصال الماء بجميع البدن ارتفع حدثه وصار مستعملا للماء، وهل يحكم باستعماله في حق غيره قبل انفصاله ؟ يحتمل ذلك، لانه مستعمل في حقه فكذا في حق غيره. وعدمه، لان الماء ما دام مترددا على اعضاء المتطهر لا يحكم باستعماله. فعلى الاول لا يجوز لغيره رفع الحدث به عند الشيخ ويجوز على الثاني " انتهى. ولا يخفى عليك ما في تعليله العدم من الوهن بما حققناه قال في المعالم بعد نقل كلام الذكرى وكلام النهاية: ".

والتحقيق ان الانفصال إنما يعتبر في صدق الاستعمال بالنظر إلى المغتسل، فما دام الماء مترددا على العضو لا يحكم باستعماله بالنسبة إليه. وإلا لوجب عليه افراد كل موضع من البدن بماء جديد. ولا ريب في بطلانه، إذ الاخبار ناطقة بخلافه، والبدن كله في الارتماس كالعضو الواحد. واما بالنظر إلى غير المغتسل فيصدق الاستعمال بمجرد اصابة الماء المحل المغسول بقصد الغسل، وحينئذ فالمتجه هنا صيرورة الماء مستعملا بالنسبة إلى غير المغتسل بمجرد النية والارتماس، وتوقفه بالنظر إليه على الخروج أو الانتقال. وقد حكم


(1) حيث قال: " لو ارتمس في القليل ارتفع حدثه بعد تمام الارتماس. لانه في حكم الانفصال، وصار مستعملا بالنسبة إلى غيره وان لم يخرج منه " انتهى. (منه رحمه الله). (2) المتقدمة في الصحيفة 436.


[ 456 ]

في المنتهى بصيرورته مستعملا بالنسبة اليهما قبل الانفصال، والوجه ما ذكرناه " انتهى.

وفيه نظر من وجوه: (اما اولا) فلان الفرق الذي ذكره بين المغتسل وغيره اما مستفاد من كلام المانعين أو من الادلة الواردة لهم، وكلاهما ممنوع (اما الاول) فلعدم تصريح أحد منهم بذلك. و (اما الثاني) فلان المستفاد من رواية ابن سنان (1) التي هي اصرح ادلتهم صدق الاستعمال على هذا الماء بعد حصول رفع الحدث به، انفصل أو لم ينفصل. واما ما علل به عدم الاستعمال بالنسبة إلى المغتسل نفسه من انه ما دام الماء مترددا على العضو لا يحكم.. الخ ففيه ان هذا انما يلزم بالنسبة إلى المغتسل ترتيبا أو ارتماسا إذا نوى خارج الماء مثلا كما تقدمت الاشارة إليه آنفا، لا فيما إذا نوى بعد تمام الارتماس كما هو المفروض. وعدم الحكم بكونه مستعملا ثمة للحرج الذي ذكره لا يستلزم ذلك في محل البحث، لعدم العلة المذكورة. و (اما ثانيا) فلانه يرد عليه انه لو لم يخرج من الماء مدة يوم مثلا لا يحكم باستعمال الماء بالنسبة إليه فيجور له الوضوء أو الاغتسال منه، بل ولو خرج بعض بدنه ولم يخرج بتمامه. والتزامه لا يخلو من بعد. و (اما ثالثا) فلان حكمه بان الانتقال بمنزلة الخروج في صدق الاستعمال به فيه ان جميع هذا الماء اما في حكم الماء الواحد أو المياه المتعددة، فعلى الاول فما لم ينفصل عنه بتمامه فانه يجري فيه الدليل الذي ذكره. وعلى الثاني فانه يلزم جواز ان يتطهر به شخص آخر في موضع آخر منه وان انتقل أو خرج ايضا، وهو لا يقول به. نعم اعتبار الانتقال أو الخروج انما يعتبر بعد النية داخل الماء في صدق الغسل الذي هو عبارة عن جري جزء من الماء على جزءين من البشرة بنفسه أو بمعاون لو كان الماء ساكنا، وهو غير محل البحث.


(1) المتقدمة في الصحيفة 436.


[ 457 ]

(الحادية عشرة) هل يختص البحث في هذه المسألة والخلاف فيها بما كان قليلا فقط، أو يشمل الكثير ايضا ؟ الظاهر من كلمات جمع من الاصحاب تصريحا تارة وتلويحا اخرى هو الاختصاص بالقليل. ونقل بعض فضلاء متأخري المتأخرين عن شيخنا المفيد في المقنعة انه حكم بكراهة الارتماس في الماء الكثير الراكد. والظاهر انه ليس الوجه فيه إلا صيرورته مستعملا يمتنع لطهارة به من الحدث ثانيا بناء على مذهبه. والكراهة في كلام المتقدمين كما هو في الاخبار اعم من المعنى المصطلح. قال شيخنا البهائي (قدس سره) في حواشي كتاب الحبل المتين بعد ان نقل في الاصل صحيحة صفوان بن مهران الجمال الدالة على السؤال عن الحياض التي بين مكة والمدينة، وقد تقدمت في مبحث نجاسة الماء القليل بالملاقاة (1) وصحيحة محمد بن اسماعيل ابن بزيع (2) قال: " كتبت إلى من يسأله عن الغدير يجتمع فيه ماء السماء أو يستقى فيه من بئر، فسيتنجي فيه الانسان من البول أو يغتسل فيه الجنب، ما حده الذي لا يجوز ؟ فكتب: لا توضأ من مثل هذا إلا من ضرورة إليه " ما صورته: " استدلال العلامة في المختلف الحديث السابع والثامن يعطي ان الخلاف ليس في الماء المنفصل عن اعضاء الغسل فقط. بل هو جار في الكر الذي يغتسل فيه ايضا فتدبر " انتهى. اقول: فيه ان الظاهر ان استدلال العلامة بصحيحة صفوان إنما هو من حيث الاطلاق الشامل للاقل من كر. ولهذا انه نقل ثمة عن الشيخ (رحمه الله) الجواب عن الصحيحة المذكورة بالحمل على بلوغ الكر ولم يتعرض لرده. وهو ظاهر في ان الكر ليس محل خلاف كما لا يخفى.


(1) في الصحيفة 296. (2) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق.


[ 458 ]

واما صحيحة محمد بن اسماعيل فلا يخفى ما فيها من الاجمال، لان الماء المسؤول عنه وان كان السائل قد سأل عن بيان حده الذي يجوز معه لكن الامام (عليه السلام) لم يبينه له، إلا انه بالنظر إلى قيام الدليل على نجاسة الماء القليل وانه بالنسبة إلى الطهارة حينئذ في حكم العدم، فلابد من الحمل على الكرية وحمل النهي عنه إلا مع الضرورة على التنزيه، بناء على انه يشترط في ماء الطهارة ما لا يشترط في غيره من المزية، وحينئذ يتم ما ذكره شيخنا البهائي (رحمه الله) بالنسبة إلى هذا الخبر. نعم يبقى الكلام في استدلال العلامة به على الجواز، فان للخصم الاستدلال به على المنع وحمل الجوار هنا على الضرورة كما ينطق به لفظه، بعين ما تقدم (1) من حمل الشيخ صحيحة علي بن جعفر على ذلك. وقول العلامة في المختلف في بيان وجه الاستدلال بهذه الرواية: " انه لو كان هذا الماء غير مطهر لما جاز الوضوء منه من ضرورة وغيرها " مردود بحصول الرخص في الشريعة في مواضع لا تحصى، وليس الرخصة إلا بتجويز ما منع منه تخفيفا وتسهيلا في بعض الموارد كما لا يخفى، إلا ان كلام الشيخ في التهذيب (2) ظاهر الاباء لذلك، حيث انه بعد ان نقل عبارة المقنعة الدالة على انه بالاغتسال في الكثير يخالف السنة استدل عليه بالصحيحة المذكورة، قائلا بعد نقلها: " قوله (عليه السلام): لا توضأ من مثل هذا إلا من ضرورة إليه يدل على كراهة النزول فيه، لانه لو لم يكن مكروها لما قيد الوضوء والغسل منه بحال الضرورة. ثم قال: واما الذي يدل على انه لا يفسد الماء إذا زاد على الكر بنزول الجنب فيه ما تقدم من الاخبار وانه إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شئ " انتهى. وهو كما ترى صريح في عدم دخول قدر الكر في محل الخلاف، وعبارة المقنعة المنقولة ايضا ظاهرة الانطباق على هذا الكلام، فحينئذ فما توهم من نسبة الخلاف اليهما في قدر


(1) في الصحيفة 440. (2) في الصحيفة 42.


[ 459 ]

الكر ايضا ظاهر البطلان إلا ان يعلم تصريحهما بذلك في محل آخر. والله اعلم. (الثانية عشرة) روى الشيخ في التهذيب (1) في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) قال: " سألته عن الرجل يصيب الماء في ساقية أو مستنقع، أيغتسل منه للجنابة أو يتوضأ منه للصلاة، إذا كان لا يجد غيره، والماء لا يبلغ صاعا للجنابة ولا مدا للوضوء، وهو متفرق، فيكف يصنع به وهو يتخوف ان يكون السباع قد شربت منه ؟ فقال: إذا كانت يده نظيفة فليأخذ كفا من الماء بيد واحدة فلينضحه خلفه وكفا امامه وكفا عن يمينه وكفا عن شماله. فان خشي ان لا يكفيه غسل رأسه ثلاث مرات ثم مسح جلده بيده. فان ذلك يجزيه. وان كان الوضوء غسل وجهه ومسح يده على ذراعيه ورأسه ورجليه. وان كان الماء متفرقا فقدر ان يجمعه وإلا اغتسل من هذا وهذا. فان كان في مكان واحد وهو قليل لا يكفيه لغسله فلا عليه ان يغتسل ويرجع الماء فيه، فان ذلك يجزيه ". اقول: وهذا الخبر من مشكلات الاخبار ومعضلات الآثار، وقد تكلم فيه جملة من علمائنا الابرار رفع الله تعالى اقدارهم في دار القرار، وحيث كان مما يتعلق بهذا المقام ويدخل في سلك هذا النظام رأينا بسط الكلام فيه واردافه بما يكشف عن باطنه وخافيه. فنقول: ان الكلام فيه يقع في مواضع: (الاول) اختلف اصحابنا (رضوان الله عليهم) في ان النضح للجوانب الاربعة في الخبر المذكور هل هو للارض ام البدن. وعلى اي منهما فما الغرض منه وما الحكمة فيه ؟ فقيل بان محل النضح هو الارض، وقد اختلف في وجه الحكمة على هذ القول.


(1) في الصحيفة 118، وفى الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل.


[ 460 ]

فظاهر الخبر المشار إليه وبه صرح البعض ان ذلك لدفع النجاسة الوهمية الناشئة من تخوف شرب السباع التي من جملتها الكلاب ونحوها مع قلة الماء. ولكن فيه ان تعدد النضح في الجهات الاربع لا يظهر له وجه ترتب على ذلك، إذ يكفي النضح في جهة واحدة. ولعل الاقرب كون ذلك لما ذكر مع منع رجوع الغسالة إلى الماء، كما يشير إلى قوله (عليه السلام) في آخر الخبر: " فان كان في مكان واحد وهو قليل لا يكفيه لغسله، فلا عليه ان يغتسل ويرجع الماء فيه " فانه يشعر بكون النضح اولا لمنع رجوع الغسالة، لكن مع قلة الماء على الوجه المذكور لا عليه ان يغتسل ويرجع إلى مكانه. ويؤيد ذلك ويوضحه ان الذي صرح به غير هذا الخبر من الاخبار الواردة في هذا المضمار هو ان العلة منع رجوع الغسالة. ومنها رواية ابن مسكان (1) قال: " حدثني صاحب لي ثقة انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينتهى إلى الماء القليل في الطريق فيريد ان يغتسل وليس معه إناء والماء في وهدة، فان هو اغتسل رجع غسله في الماء، كيف يصنع ؟ قال: ينضح بكف بين يديه وكفا من خلفه وكفا عن يمينه وكفا عن شماله، ثم يغتسل ". وما رواه في المعتبر (2) والمنتهى عن جامع البزنطي عن عبد الكريم عن محمد ابن ميسر عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال " سئل عن الجنب ينتهي إلى الماء القليل والماء في وهدة، فان هو اغتسل رجع غسله الماء، كيف يصنع ؟ قال: ينضح بكف بين يديه وكف خلفه وكف عن يمينه وكف عن شماله، ويغتسل ". وبذلك ايضا صرح شيخنا الصدوق (عطره الله مرقده) في كتاب من لا يحضره الفقيه (3) حيث قال: " فان اغتسل الرجل في وهدة وخشي ان يرجع ما ينصب عنه


(1) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (2) في الصحيفة 22. (3) في باب (المياه وطهرها ونجاستها).


[ 461 ]

إلى الماء الذي يغتسل منه، اخذ كفا وصبه امامه وكفا عن يمينه وكفا عن يساره وكفا من خلفه، واغتسل منه ". وقال ايضا والده (قدس سره) في رسالته إليه: " وان اغتسلت من ماء في وهدة وخشيت ان يرجع ما ينصب عنك إلى المكان الذي تغتسل فيه، اخذت له كفا وصببته عن يمينك وكفا عن يسارك وكفا خلفك وكفا امامك، واغتسلت ". والخبران المنقولان مع العبارتين المذكورتين وان اشتركا في كون العلة منع رجوع الغسالة لكنها مجملة بالنسبة إلى كون المنضوح الارض أو البدن. وما ذكره في المعالم من ان العبارة المحكية عن رسالة ابن بابويه ظاهرة في الاول حيث قال فيها: أخذت له كفا.. إلى آخره. والضمير في قوله: " له " عائد إلى المكان الذي يغتسل فيه، لانه المذكور قبله في العبارة، وليس المراد به محل الماء كما وقع في عبارة ابنه، حيث صرح بالعود إلى الماء الذي يغتسل منه، وكان تركه للتصريح بذلك اتكالا على دلالة لفظ الرجوع عليه، فالجار في قوله: " إلى المكان " متعلق ب‍ " ينصب " وصله " يرجع " غير مذكورة. لدلالة المقام عليها. انتهى. فظني بعده، لاحتمال كون الضمير في " له " عائدا إلى ما يفهمه سوق الكلام من خوف رجوع ما ينصب عنه، بمعنى انك إذا خشيت ذلك اخذت لاجل دفع ما تخشاه كفا، ويؤيده السلامة من تقدير صلة ل‍ " يرجع " بل صلته هو قوله: " إلى المكان " غاية الامر انه عبر هنا عن الماء الذي يغترف منه كما وقع في عبارة ابنه بالمكان الذي يغتسل فيه. وهو سهل. وقيل بان الحكمة فيه اجتماع اجزاء الارض، فيمتنع سرعة انحدار ما ينفصل عن البدن إلى الماء، وروده ابن ادريس وبالغ في رده بان استعداد الارض برش الجهات المذكورة موجب لسرعة نزول ماء الغسل. والظاهر ان لكل من القولين وجها


[ 462 ]

باعتبار اختلاف الاراضي، فان بعضها بالابتلال يكون قبولها لابتلاع الماء اكثر وبعضها بالعكس. وقيل بان الحكمة هي عدم عود ماء الغسل، لكن لا من جهة كونه غسالة بل من جهة النجاسة الوهمية التي في الارض، فالنضح إنما هو لازالة النجاسة الوهمية منها. والظاهر بعده، فانه لا ايناس في الخبر المذكور ولا في غيره من الاخبار التي قدمناها بذلك. وقيل بان الحكمة إنما هي رفع ما يستقذر منه الطبع من الكثافات بان يأخذ من وجه الماء اربع اكف وينضح على الارض. صرح بذلك السيد السند صاحب المدارك في حواشي الاستبصار. وايده بحسنة الكاهلي (1) قال: " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا أتيت ماء وفيه قلة فانضح عن يمينك وعن يسارك وبين يديك، وتوضأ ". ورواية ابي بصير (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): انا نسافر، فربما بلينا بالغدير من المطر يكون إلى جانب القرية فتكون فيه العذرة ويبول فيه الصبي وتبول فيه الدابة وتروث ؟ فقال: ان عرض في قلبك منه شئ فقل هكذا، يعني افرج الماء بيدك، ثم توضأ.. ". وفيه (اولا) انه يكفي على هذا مطلق النضح وان كان إلى جهة واحدة، مع ان الخبر قد تضمن تفريقه في الجهات الاربع، ومثله الخبران الاخران، واما النضح إلى الجهات الثلاث في خبر الكاهلي فالظاهر انه عبارة عن تفريج الماء كما في خبر ابي بصير. و (ثانيا) ان ظاهر الخبرين الذين قدمناهما وكذا كلام الصدوقين كون


(1) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (2) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق.


[ 463 ]

العلة منع رجوع الغسالة. وهذا الخبر وان كان مجملا بالنسبة إلى ذلك إلا ان الظاهر كما قدمنا لك ان ذلك مما استشعره الامام (عليه السلام) من سؤال السائل كما يشعر به آخر الخبر، ولا ينافي ذلك ظهور ما ادعاه في حسنة الكاهلي ورواية ابي بصير، فان الظاهر ان هذا حكم آخر مرتب على علة اخرى غير ما تضمنته هذه الاخبار. و (ثالثا) ان ظاهر الخبر كما اشرنا إليه آنفا إنما هو ازالة النجاسة الوهمية من الماء. وربما احتمل بعضهم بناء على ذلك ان المنضوح هو الماء، وايده ايضا بحسنة الكاهلي ورواية ابي بصير. ولا يخفى بعده وان قرب احتماله في الخبرين المذكورين. وقيل بان محل النضح هو البدن، وقد اختلف ايضا في وجه الحكمة على هذا القول على اقوال: (منها) - ان الحكمة في ذلك هو ترطيب البدن قبل الغسل لئلا ينفصل عنه ماء الغسل كثيرا فلا يفى بغسله لقلة الماء. وفيه (اولا) ان ذلك وان احتمل بالنسبة إلى الخبر المذكور لكنه لا يجري في خبر ابن مسكان والخبر المنقول عن جامع البزنطي (1) لظهورهما في كون العلة إنما هي خوف رجوع الغسالة. والظاهر كما قدمنا الاشارة إليه كون مورد الاخبار الثلاثة أمرا واحدا. و (ثانيا) انه يلزم من ذلك عدم جواب الامام (عليه السلام) في الخبر المبحوث عنه عن استشكال السائل المتخوف من ورود السباع. و (منها) ان الحكمة ازالة توهم ورود الغسالة، اما بحمل ما يرد على الماء على وروده مما نضح على البدن قبل الغسل الذي ليس من الغسالة، واما انه مع الاكتفاء


(1) التقدمين في الصحيفة 460.


[ 464 ]

بالمسح بعد النضح لا يرجع إلى الماء شئ. ولا يخلو ايضا من المناقشة (1). و (منها) ان الحكمة في ذلك ليجري ماء الغسل على البدن بسرعة، ويكمل الغسل قبل وصول الغسالة إلى ذلك الماء. واعترض عليه بان سرعة جريان ماء الغسل على البدن مقتض لسرعة تلاحق اجزاء الغسالة وتواصلها، وهو يعين على سرعة الوصول إلى الماء. واجيب بان انحدار الماء عن اعالي البدن إلى اسافله اسرع من انحداره إلى الارض المائلة إلى الانخفاض. لانه طالب للمركز على أقرب الطرق، فيكون انفصاله عن البدن اسرع من اتصاله بالماء الذي يغترف منه، هذا إذا لم تكن المسافة بين مكان الغسل وبين الماء الذي يغترف منه قليلة جدا، فلعله كان في كلام السائل ما يدل على ذلك، كذا نقل عن شيخنا البهائي (قدس سره).

(الثاني) ان هذا الخبر قد اشتمل على جملة من الاحكام المخالفة لما عليه علمائنا الاعلام. (منها) امره (عليه السلام) بغسل رأسه ثلاث مرات ومسح بقية بدنه، فانه يدل على اجزاء المسح عن الغسل عند قلة الماء. وهو غير معمول عليه عند جمهور الاصحاب عدا ابن الجنيد، فان المنقول عنه وجوب غسل الرأس ثلاثا والاجتزاء بالدهن في بقية البدن. إلا ان اخبار الدهن الآتية ان شاء الله تعالى في بحث الوضوء تساعده.


(1) اما التعليل الاول فلان الوارد على الماء ان علم ورثى حال وروده فلا مجال للحمل المذكور، وإلا فاصالة العدم كافية. واما الثاني فلان المسح انما ذكر في الخبر على سبيل الفرض بناء على عدم كفاية الماء للغسل بعد النضح المذكور، كما يشير إليه قوله: " فان خشي ان لا يكون.. الخ " وحينئذ فلا يتم ذلك (منه قدس سره).


[ 465 ]

و (منها) قوله (عليه السلام): " وان كان الوضوء.. الخ " فانه صريح في الاجتزاء بمسح اليدين عن غسلهما في الوضوء عند عوز الماء. و (منها) قوله (عليه السلام): " فان كان في مكان واحد.. الخ " فانه يدل على ان الجنب إذا لم يجد من الماء إلا ما يكفيه لبعض اعضائه غسل ذلك البعض به وغسل الآخر بغسالته، وانه لا يجوز ذلك إلا مع قلة الماء، كما يفيده مفهوم الشرط وهو مؤيد لما ذهب إليه المانعون من استعمال الغسالة ثانيا. ومؤذن بما اشرنا إليه سابقا من ان النضح المأمور به في صدر الخبر إنما هو للمنع من رجوع الغسالة. إلا ان الاكثر يحملون ذلك على الفضل والكمال.

(الثالث) انه على تقدير جعل متعلق النضح في الخبر المذكور الارض وان وجه الحكمة فيه هو عدم رجوع ماء الغسل إلى الماء الذي يغتسل منه، كما هو أظهر الاحتمالات المتقدمة، مع اعتضاده بخبري ابن مسكان ومحمد بن ميسر المتقدمين (1) يكون ظاهر الدلالة على ما ذهب إليه المانعون من استعمال المستعمل ثانيا. وظاهر الاكثر حمل ذلك على الاستحباب. كما صرح به العلامة في المنتهى مقربا له بحسنة الكاهلي المتقدمة (2)، ووجه التقريب ان الاتفاق واقع على عدم المنع من المستعمل في الوضوء، فالامر بالنضح له في الحديث محمول على الاستحباب عند الكل، فلا يبعد ان تكون تلك الاوامر الواردة في تلك الاخبار كذلك. وانت خبير بانه يأتي بناء على ما حققناه سابقا احتمال ابتناء ذلك على ما هو الغالب من بقاء النجاسة إلى آن الغسل. إلا انه يدفعه في الخبر المبحوث عنه قوله في آخر في صورة فرض قلة الماء: " فلا عليه ان يغتسل ويرجع الماء فيه، فانه يجزيه ".

(الرابع) روى في كتاب الفقه الرضوي (3) قال (عليه السلام): " وان


(1) في الصحيفة 460. (2) في الصحيفة 462. (3) في الصحيفة 4.


[ 466 ]

اغتسلت من ماء في وهدة وخشيت ان يرجع ما تصب عليك، أخذت كفا فصبت على رأسك وعلى جانبيك كفا كفا، ثم تمسح بيدك وتدلك بدنك ". اقول: وهذ الخبر قد ورد بنوع آخر في منع رجوع الغسالة. وهو ان يغتسل على الكيفية المذكورة في الخبر. والظاهر تقييد ذلك بقلة الماء كما دل عليه الخبر المبحوث عنه، إذ الاجتزاء بالغسل المذكور مع كثرة الماء واتيانه على الغسل الكامل لا يخلو من الاشكال إلا على مذهب المانعين من استعمال الغسالة.

(الخامس) قال الشيخ في النهاية: " متى حصل الانسان عند غدير أو قليب ولم يكن معه ما يغترف به الماء لوضوئه، فليدخل يده فيه ويأخذ منه ما يحتاج إليه وليس عليه شئ. وان أراد الغسل للجنابة وخاف ان نزل إليها فساد الماء، فليرش عن يمينه ويساره وامامه وخلفه، ثم ليأخذ كفا كفا من الماء فليغتسل به " انتهى. قال في المعالم بعد نقل ذلك عنه: " وهو لا يخلو من اشكال، فان ظاهره كون المحذور في الفرض المذكور هو فساد الماء بنزول الجنب إليه واغتساله فيه، ولا ريب ان هذا يزول بالاخذ من الماء والاغتسال خارجه. وفرض امكان الرش يقتضي امكان الاخذ فلا يظهر لحكمه بالرش حينئذ وجه " ثم نقل عن المحقق في المعتبر انه تأوله فقال: " ان عبارة الشيخ لا تنطبق على الرش إلا أن يجعل في " نزل " ضمير ماء الغسل، ويكون التقدير " وخشى ان نزل ماء الغسل فساد الماء " وإلا فبتقدير ان يكون في " نزل " ضمير المريد لا يتنظم المعنى، لانه ان امكنه الرش لا مع النزول امكنه الاغتسال من غير نزول " ثم قال بعده: " وهذا الكلام حسن وان اقتضى كون المرجع غير مذكور صريحا، فان محذوره هين بالنظر إلى ما يلزم على التقدير الآخر، خصوصا بعد ملاحظة كون الغرض بيان الحكم الذي وردت به النصوص، فانه لا ربط للعبارة به على ذلك التقدير، وفى بعض نسخ النهاية " وخاف ان ينزل إليها فساد الماء " على صيغة المضارع، فالاشكال حينئذ مرتفع، لانه مبني على كون


[ 467 ]

العبارة عن النزول بصيغة الماضي، وجعل " ان " مكسورة الهمزة شرطية، وفساد الماء مفعول " خشى "، وفاعل " نزل " الضمير العائد إلى المريد. وعلى النسخة التي ذكرناها يجعل " ان " مفتوحة الهمزة مصدرية، وفساد الماء فاعل " ينزل " والمصدر المأول من " ان ينزل " مفعول " خشى " وفاعله ضمير المريد. وحاصل المعنى انه مع خشية نزول الماء المنفصل عن بدن المغتسل إلى المياه التي يريد الاغتسال منها وذلك بعود الماء الذي اغتسل به إليها فان المنع المتعلق به يتعدى إليها بعدوه فيها، وهو معنى نزول الفساد إليها، فيجب الرش حينئذ حذرا من ذلك الفساد. وهذا عين كلام باقي الجماعة ومدلول الاخبار فلعل الوهم في النسخة التي وقع فيها لفظ الماضي، فان حصول الاشتباه في مثله وقت الكتابة ليس بمستبعد " انتهى كلامه زيد مقامه. اقول: ما نقله عن بعض نسخ النهاية من التعبير في تلك اللفظة بلفظ المضارع هو الموجود في أصل النسخة التي عندي وهي معتمدة، إلا ان الياء قد حكت، وعلى الهامش مكتوب بخط شيخنا العلامة ابي الحسن الشيخ سليمان البحراني (قدس سره) " نزل " بيانا لذلك. ولا ريب انه على تقدير النسخة المذكورة يضعف الاشكال كما ذكره (قدس سره). إلا انه من المحتمل بل الظاهر انه على تقدير نسخة الماضي ان المعنى انه إذا أراد الغسل للجنابة وخاف بنزوله في الماء للغسل ارتماسا فساد الماء. اما باعتبار نجاسة بدنه أو باعتبار اثارة الحمأة أو نحو ذلك، فانه يغتسل ترتيبا خارج الماء، ولكن يرش الارض لاحد الوجوه المتقدمة التي أظهرها واوفقها بمذهبه منع رجوع الغسالة. ولا ريب انه معنى صحيح لا غبار عليه ولا اشكال يتطرق إليه.

(المسألة الثالثة) في الماء المستعمل في الاستنجاء، والبحث فيها يقع في مواضع:

(الاول) اتفق الاصحاب (رضوان الله عليهم) على مما نقله غير واحد


[ 468 ]

منهم على عدم وجوب ازالة ماء الاستنجاء عن الثوب والبدن لما هو مشروط بالطهارة من صلاة وغيرها، وعلى ذلك تدل الاخبار ايضا. (فمنها) صحيحة محمد بن النعمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قلت له: استنجي ثم يقع ثوبي فيه وانا جنب ؟ فقال: لا بأس به ". واستظهر بعض محدثي المتأخرين كون الاستنجاء هنا من المني بقرينة قوله: " وانا جنب " قال: " فينبغي استثناء الاستنجاء من المني ايضا ". واحتمل آخر كون الاستنجاء مختصا بغير المني وذكر الجنابة لتوهم سراية النجاسة المعنوية الحدثية إلى الماء. و (منها) صحيحة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقع ثوبه على الماء الذي استنجى به، أينجس ذلك ثوبه ؟ قال: لا ". و (منها) حسنة محمد بن النعمان الاحول (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): اخرج من الخلاء فاستنجي بالماء، فيقع ثوبي في ذلك الماء الذي استنجيت به ؟ فقال: لا بأس به " وزاد في الفقيه " ليس عليك شئ ". و (منها) ما رواه الصدوق عطر الله مرقده في كتاب العلل (4) عن الاحوال ايضا قال: " دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) فقال لي: سل عما شئت فارتجت علي المسائل، فقال لي: سل ما بدا لك فقلت: جعلت فداك الرجل يستنجي فيقع ثوبه في الماء الذي استنجى به ؟ فقال: لا بأس به. فسكت فقال: أو تدري لم صار لا بأس به ؟


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 13 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (4) في الصحيفة 105 وفى الوسائل في الباب - 13 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل.


[ 469 ]

قلت: لا والله جعلت فداك. فقال: ان الماء اكثر من القذر ". وهذه الاخبار وان اشتركت في نفي البأس عن ملاقاته الثوب كما في اكثرها وعدم التنجيس كما في بعضها، إلا ان الظاهر كما عليه الاصحاب انه لا مدخل لخصوصية الثوب في ذلك، فيتعدى الحكم إلى غيره من باب تنقيح المناط القطعي الذي تقدمت الاشارة إليه غير مرة، وإلا للزم ايضا اختصاص الحكم بالرجل دون المراة كما هو مورد تلك الاخبار، وهو خلاف ما عليه كافة علمائنا الابرار. وربما اشعر التعليل الذي في آخر رواية العلل بعدم نجاسة غسالة الخبث مطلقا مع عدم التغيير. وسيأتي الكلام فيه في محله ان شاء الله تعالى. واطلاق هذه الاخبار يقتضى عدم الفرق بين المخرجين، لصدق الاستنجاء بالنسبة إلى كل منهما، وبذلك صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) ايضا.

(الثاني) اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) بعد الاتفاق كما عرفت على عدم وجوب ازالته في ان ذلك لطهارته أو لكونه معفوا عنه. وربما اشعر ذلك (1) بكون العفو عبارة عن الحكم بنجاسته مع الرخصة في مباشرته. والذي يظهر من كلام شيخنا الشهيد في الذكرى وتبعه عليه جمع ممن تأخر عنه كون العفو هنا إنما هو بمعنى سلب الطهورية، حيث قال بعد نقل القولين: " وتظهر الفائدة في استعماله " وحينئذ فيصير محط الخلاف في رفع الحدث أو الخبث به وعدمه، وكذا تناوله وعدمه، إلا انهم نقلوا الاجماع ايضا على عدم جواز رفع الحديث بما تزال به النجاسة مطلقا كما سيأتي في تالي هذه المسألة، وحينئذ فينحصر الخلاف في الآخرين. والظاهر كما هو المشهور الجواز تمسكا باصالة الطهارة عموما وخصوصا، وصدق


(1) أي مقابلة العفو بالطهارة وجعل القول بالعفو مقابلا للقول بالطهارة، وقد نقل السيد في المدارك عن المحقق الثاني في حواشى الشرائع انه نقل عن المحقق في المعتبر انه اختار كونه نجسا معفوا عنه (منه قدس سره).


[ 470 ]

الماء المطلق عليه، فيجوز شربه وازالة الخبث به. وجملة من متأخري المتأخرين (1) ايدوا ذلك ايضا بان ادلة نجاسة القليل بالملاقاة عموم لها بحيث تشمل ما نحن فيه، وإنما كان التعدي عن الموارد المخصوصة التي وردت فيها الروايات إلى بعض الصور لاجل الشهرة وعدم القول بالفصل، وكلاهما مفقودان فيما نحن فيه، فيبنى على الاصل، فيثبت جواز الطهارة والتناول. وانت خبير بما فيه، بل الحق ان هذا الموضع مما خرج بالاخبار المتقدمة عن قاعدة نجاسة القليل بالملاقاة. واستدل جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) على الطهارة بلزوم الحرج والمشقة لو لم يكن كذلك، والظاهر ان مرادهم الاستدلال على خروجه عن قاعدة نجاسة القليل بالملاقاة، بمعنى انه لو حكم بنجاسته كغيره من افراد الماء القليل للزم الحرج من ذلك والمشقة، لتكرره وعدم امكان التحرز عنه، لا ان مرادهم الاستدلال على الطهارة بالمعنى المقابل للعفو، وحينئذ فلا يرد ما اورده الفاضل الخوانساري في شرح الدروس على شيخنا الشهيد الثاني في الروض، حيث قال بعد نقل الاستدلال عنه على الطهارة بان في الحكم بالنجاسة حرجا ومشقة، لعموم البلوى، وكثرة تكرره ودورانه، بخلاف باقي النجاسات ما لفظه: " وفيه ان الحرج على تقدير تسليمه إنما يرتفع بالعفو ولا يتوقف على طهارته، إذ لا حرج في عدم جواز استعماله في رفع الخبث والتناول، وهو ظاهر " انتهى.

وبالجملة فههنا مطلبان: (احدهما) الحكم بطهارته واستثنائه من عموم نجاسة القليل بالملاقاة.

و(ثانيهما) انه هل يثبت له حكم الطاهر بجميع موارده، ام يخص بما دون التناول ورفع الخبث والحدث ؟ واستدلال شيخنا الشهيد الثاني إنما هو


(1) منهم: المحقق الشيخ حسن في المعالم والفاضل الخوانساري في شرح الدروس وغيرهما (منه رحمه الله).


[ 471 ]

على الاول دون الثاني، ويدلك على ذلك اناطتهم الحرج والمشقة بالنجاسة، مع ان العفو عندهم هنا كما عرفت ليس المراد به النجاسة مع جواز الاستعمال، بل المراد به سلب الطهورية. نعم ناقش المحدث الامين الاسترابادي (عطر الله مرقده) في الاستدلال بهذا الوجه قائلا: " لا يخفى ان هذا الوجه غير سديد، لان المقدار الذي اعتبره الشارع من الحرج والعسر غير منضبط في اذهاننا فكيف يتمسك بهما ؟ نعم يمكن التمسك بهما من باب مفهوم الموافقة مع وجود نص في فرد اخف، فتأمل " انتهى. وهو متجه. وما ذكره من التمسك بهما من باب مفهوم الموافقة متجهة باعتبار ورود النص بالعفو عما ينزو من غسالة الجنب في انائه، وما ينزو من الارض المتنجسة بالبول، وما يتساقط من غسالته كما تقدم في المسألة الثانية. إلا ان في العمل بمفهوم الموافقة ما عرفت في المقدمة الثالثة (1) وان كان المحدث المذكور ممن يعتمد عليه في غير موضع من تحقيقاته.

(الثالث) اعلم ان ممن رجح القول بالعفو شيخنا الشهيد الاول في الذكرى، حيث قال: " وفي المعتبر ليس في الاستنجاء تصريح بالطهارة وإنما هو بالعفو، وتظهر الفائدة في استعماله. ولعله أقرب، لتيقن البراءة بغيره " انتهى. ويظهر ذلك من المنتهى ايضا. واما كلام المعتبر في هذا الباب فلا يخلو من اجمال بل اضطراب، ولهذا اختلفت في نقل مذهبه كلمة من تأخر عنه من الاصحاب، قال (عطر الله مرقده): " واما طهارة ماء الاستنجاء فهو مذهب الشيخين. وقال علم الهدى في الممباح. لا بأس بما ينتضح من ماء الاستنجاء على الثوب والبدن. وكلامه صريح في العفو وليس بصريح في الطهارة. ويدل على الطهارة ما رواه الاحول عن ابي عبد الله (عليه السلام) ثم ساق حسنته المتقدمة (2) واردفها برواية عبد الكريم بن عتبة الهاشمي المتقدمة ايضا (3)


(1) في الصحيفة 57. (2) و (3) في الصحيفة 468.


[ 472 ]

ثم قال: ولان في التفصي عنه عسرا فشرع العفو دفعا للعسر " انتهى. وانت خبير بان مقتضى قوله: " ويدل على الطهارة.. الخ " بعد نقله القولين اولا هو اختيار الطهارة التي هي أحد ذينك القولين. وقوله في الدليل الثاني: " ولان في التفصى عنه عسرا فشرع العفو.. الخ " ظاهر في اختيار العفو الذي هو القول الآخر ايضا (1) وايضا ففي حكمه على كلام المرتضى بالصراحة في القول بالعفو مع حكمه على رواية الاحول بالدلالة على الطهارة نوع تدافع، فان العبارة فيهما واحدة، إذ نفي البأس ان كان صريحا في العفو ففي الموضعين، وان كان في الطهارة فكذلك، وحينئذ فنسبة القول بالطهارة إلى المعتبر كما فهمه السيد السند في المدارك وجمع ممن تأخر عنه كما ترى، واعجب من ذلك نقل شيخنا الشهيد في الذكرى كما تقدم في عبارته القول بالعفو عن المعتبر بتلك العبارة. وتبعه على ذلك المحقق الشيخ علي (رحمه الله) في شرح القواعد وشيخنا الشهيد الثاني في الروض فقال في شرح


(1) اقول: الذى يظهر من كلام المحقق (رحمه الله) هنا هو ان مراده بالعفو هو الطهارة، بمعنى انه وان كان مقتضى كلية نجاسة القليل بالملاقاة هو النجاسة هنا إلا انه لما كان في التفصى عنه عسر وحرج. استثناه الشارع من تلك الكلية فحكم بطهارته عفوا عنه ورحمة للعباد، كما هو شأن الرخص الواردة في الشريعة، والتعبير بالعفو اشارة إلى ان الطهارة هنا من قبيل الرخص تخفيفا، إذ مقتضى تلك الكلية هو النجاسة كما عرفت، ويبعد من مثل المحقق (ره) - على تقدير ارادة المعنى الذى فهموه - التعبير بمثل هذه العبارة المضطربة كما عرفته في الاصل، ويؤيد ما قلناه قوله - بعد هذه المسألة في الفرع الذى ذكره في حكم غسالة اناء الولوغ، بعد ان نقل عن الشيخ الاستدلال على طهارة هذه الغسالة مطلقا بانه لو كان المنفصل نجسا لما طهر الاناء، لانه كان يلزم نجاسة البلة الباقية بعد المنفصل ثم ينجس الماء الثاني بنجاسة البلة وكذا ما بعده - ما صورته " والجواب ان ثبوت الطهارة بعد الثانية ثابت بالاجماع فلا يقدح ما ذكره، ولانه معفو عنه دفعا للحرج " انتهى. فان حكمه بطهارة البلة بالاجماع اولا واستدلاله بالعفو ثانيا لا يجتمع إلا على ما ذكرناه وحينئذ فالظاهر من عبارته في ماء الاستنجاء هو الطهارة والله العالم (منه رحمه الله).


[ 473 ]

القواعد: " واعلم ان قول المصنف: فانه طاهر مقتضاه انه كغيره من المياه الطاهرة في ثبوت الطهارة له. ونقل في المنتهى على ذلك الاجماع. وقال المحقق في المعتبر: ليس في الاستنجاء تصريح بالطهارة وانما هو بالعفو. وتظهر الفائدة في استعماله. قال شيخنا في الذكرى: ولعله أقرب، لتيقن البراءة بغيره " انتهى. وقال في الروض: " وفي المعتبر هو عفو، وقربه في الذكرى ". والظاهر ان اصل السهو من شيخنا الشهيد في الذكرى. وتبعه من تبعه من غير ملاحظة لكتاب المعتبر (1) وعبارة المعتبر كما مرت بك خالية عما ذكروه. وما اعتذر به الفاضل الخوانساري في شرح الدروس بعد ان ناقش في دلالة الاخبار على الطهارة، من ان مراد الذكرى من ان في المعتبر ليس في الاستنجاء تصريح بالطهارة، انه ليس في الروايات لا في كلام الاصحاب، وهو كذلك كما قررنا.. إلى آخر كلامه غير مستقيم، إذ تفسير العبارة المذكورة بما ذكره فرع وجودها أو وجود ما يؤدي معناها، وليس فليس. بقي هنا شئ وهو ان ما ذهب إليه في الذكرى وتبعه عليه جمع من المتأخرين من ان العفو مراد به سلب الطهورية دون النجاسة مع سلب حكمها (2) مما لا يساعد عليه كلام المعتبر، فان نقله عن المرتضى (رضى الله عنه) القول بالعفو ونفيه عنه


(1) ومما يؤيد ذلك نقل المحقق الشيخ على (قدس سره) قوله: " وتظهر الفائدة.. الخ " من تتمة كلام المعتبر ظنا منه ان هذا من جملة المنقول عن المعتبر، حيث اخر نقل كلام الذكرى عن هذه العبارة، مع انها من كلام الذكرى قطعا، كما لا يخفى على من راجع عبارته (منه رحمه الله). (2) أي ان نفى البأس أعم من الطهارة، إذ قد يكون نجسا ويجوز مباشرته والصلاة فيه كما في غيره من النجاسات المعفو عنها، وحينئذ فنفى البأس غايته العفو خاصة (منه رحمه الله).


[ 474 ]

صراحة القول بالطهارة بمجرد نفيه البأس عما ينتضح على الثوب والبدن من ماء الاستنجاء يؤذن بان محل النزاع في ملاقاة هذا الماء للثوب والبدن وانه هل ينجس به وان انتفى البأس عن الصلاة فيه كما هو مذهب المرتضى، أو يحكم بالطهارة كما هو القول الآخر ؟ (1)، لا ان مظهر النزاع استعماله ثانيا وان الملاقي للثوب والبدن منه طاهر اجماعا. وهذا بحمد الله ظاهر غاية الظهور، وحينئذ فلا استبعاد في حمل العفو في عبارة المعتبر على المعنى المعهود. نعم يبقى الاشكال في نسبة ذلك إليه كما عرفت. وكيف كان فالتحقيق في المقام ان يقال: ان اكثر الاخبار المتقدمة قد اشتركت في نفي البأس عن ملاقاته للثوب والبدن، ونفي البأس وان كان اعم من الطهارة إلا ان تصريح صحيحة عبد الكريم (2) بعدم التنجيس يقتضي حمل نفي البأس في تلك الاخبار على الكناية عن الطهارة. وايضا فانه من الظاهر البين الظهور انه متى عفي عن ملاقاته لما هو مذكور في الاخبار، وقد عرفت انه لا خصوصية لها بذلك، فيتعدى الحكم إلى غيرها، وانه لا تتعدى النجاسة من تلك الاشياء إلى ما تلاقيه برطوبة من ماء قليل وغيره، فانه يلزم ان يكون طاهرا البتة، إذ لا معنى للطاهر شرعا إلا ذلك. قال المحقق الشيخ علي (رحمه الله) في شرح القواعد على اثر الكلام المتقدم


(1) وبالجملة فالعفو ان اخذ بالمعنى الذى ذكره شيخنا الشهيد - وهو عبارة عن سلب الطهورية - كان مقابلته بالطهارة بمعنى المطهرية، وان اخذ بالمعنى المشهور، كانت الطهارة المقابلة له بمعنى عدم النجاسة، وحينئذ فنسبة صاحب المعتبر إلى السيد (رحمه الله) القول بالعفو دون الطهارة من حيث نفيه البأس عن ملاقاة ماء الاستنجاء للثوب والبدن للترجيح له على المعنى الاول، إذ لا معنى لاخذ الطهورية وعدمها في ملاقاة الماء للثوب والبدن، بل يتعين المعنى الثاني البتة. وحينئذ لا يستقيم ما ذكره في الذكرى (منه قدس سره). (2) المتقدمة في الصحيفة 468.


[ 475 ]

نقله ما صورته " قلت: اللازم أحد الامرين: اما عدم اطلاق العفو عنه أو القول بطهارته، لانه ان جاز مباشرته من كل الوجوه لزم الثاني، لانه إذا باشره بيده ثم باشر به ماء قليلا ولم يمنع من الوضوء به، كان طاهرا لا محالة، وإلا وجب المنع من مباشرة نحو ماء الوضوء به إذا كان قليلا، فلا يكون العفو مطلقا، هو خلاف ما يظهر من الخبر ومن كلام الاصحاب، فلعل ما ذكره المصنف اقوى وان كان ذلك احوط " انتهى. وهو جيد. وفيه دلالة على ما ذكرنا من ان معنى العفو في هذا المقام إنما هو عبارة عن النجاسة مع سلب حكمها لا ما ذكره شيخنا الشهيد (رحمه الله).

(الرابع) قد اشترط الاصحاب في ثبوت ما تقدم من اي الحكمين لهذا الماء شروطا: (منها) عدم تغيره بالنجاسة في احد اوصافة الثلاثة. ولا بأس به. الا ان بعض فضلاء متأخري المتأخرين إنما اعتمد في ذلك على كون الحكم به اجماعيا، قال: " والظاهر ان الحكم به اجماعي، وإلا لامكن المناقشة، إذ الروايات الدالة على نجاسة المتغير عامة، وهذه الروايات خاصة ". و (منها) عدم ملاقاته لنجاسة اخرى خارجة معه كالدم المصاحب للخارج ونحوه، أو خارجة عنه كالارض النجسة لو وقع عليها. واشتراطه واضح، لان ظاهر الاخبار الواردة في المسألة نفي البأس باعتبار ازالة النجاسة المخصوصة لا باعتبار غيرها، ولا يخفى ان ماء الاستنجاء لا يزيد قوة على المياه الاخر مما لم يستنج به، فحيث تنجس تلك بمجرد الملاقاة فهو ينجس ايضا. وما ناقش به بعض فضلاء متأخري المتأخرين بالنسبة إلى النجاسة المصاحبة للخارج، مستندا إلى اطلاق اللفظ في تلك الاخبار مردود بجريان ذلك في النجاسة الغير المصاحبة، وهو لا يقول به. وما ادعاه من ان الغالب عدم انفكاك الغائط من شئ آخر من الدم أو الاجزاء الغير المنهضمة من الغذاء أو الدواء ممنوع بل الغالب خلافه كما لا يخفى، إذ حصول شئ


[ 476 ]

مما ذكره إنما يكون لعلة أو مرض، ومن كان صحيح الطبيعة فلا يحصل له شئ من ذلك نعم في صحيحة محمد بن النعمان المتقدمة (1) اشعار بدخول نجاسة الجنابة على احد الاحتمالين المتقدمين. و (منها) كون الخارج غائطا أو بولا، فلو كان غيرهما لم يلحقه الحكم المذكور، لعدم صدق الاستنجاء على ازالة غير ذينك الحدثين. وهو جيد. و (منها) عدم انفصال اجزاء من النجاسة متميزة معه، وإلا كان حكمها حكم النجاسة الخارجة، فينجس بها الماء مع مفارقة المحل. وفيه اشكال، لاطلاق اخبار المسألة، الا ان الاحتياط يقتضيه. و (منها) ان لا يتفاحش بحيث يخرج عن صدق الاستنجاء عليه. وهو كذلك. و (منها) ما نقل عن بعض المتأخرين من سبق الماء اليد، فلو سبقت اليد تنجست وكانت كالنجاسة الخارجة. ورد بان وصول النجاسة إليها لازم على كل حال. والظاهر كما ذكره المحقق الشيخ حسن في المعالم ان نجاسة اليد انما تستثنى من حيث جعلها آلة للغسل، فلو اتفق لغرض آخر كان في معنى النجاسة الخارجية. و (منها) ما صرح به شيخنا الشهيد في الذكرى من عدم زيادة وزنه، والمنقول عن العلامة في النهاية جعل زيادة الوزن في مطلق الغسالة كالتغير. ولا ريب في ضعف الجميع. وربما استدل على هذا الشرط هنا بالتعليل المذكور في آخر رواية العلل المتقدمة (2) حيث ان يعطي ان نفي البأس عنه لاكثريته واضمحلال النجاسة فيه وحينئذ فلو زاد في وزنه لدل على وجود شئ من النجاسة فيه وعدم اضمحلالها.


(1) و (2) في الصحيفة 468.


[ 477 ]

وفيه ان الاقرب ان غرضه (عليه السلام) إنما هو بيان اشتراط غلبة المطهر على قياس ما تقدم في صحيحة هشام بن سالم المتقدمة في المقالة التاسعة من الفصل الاول (1)، الواردة في السطح يبال عليه، فتصيبه السماء، فيكف فيصيب الثوب. فقال (عليه السلام): " لا بأس به، ما اصابه من الماء اكثر منه ".

(الخامس) لا ريب ان ما ادعوه من الاجماع على عدم جواز رفع الحدث بماء الاستنجاء إنما يتم عند من يعول على هذه الاجماعات المتناقلة في كلامهم والمتكررة على ألسن اقلامهم، وإلا فمقتضى الاخبار المذكورة الدالة على استثنائه من كلية نجاسة القليل بالملاقاة هو الطهورية مطلقا من حدث كان أو من خبث، وبذلك ايضا يشعر كلام المولى المحقق الاردبيلي (نور الله تعالى تربته) في شرح الارشاد، حيث قال: " والظاهر هو بقاء الطهارة والطهورية، للاستصحاب، وعدم الخروج بالاستعمال الموجب للنجاسة بادلة نجاسة القليل، للخبر بل الاجماع فيبقى على حاله، ولان النجاسة إذا لم تخرجه عن الطهارة للادلة فكذا عن الطهورية بالطريق الاولى " انتهى.

(المسألة الرابعة) في الماء المستعمل في ازالة النجاسة عدا ما تقدم. ولا خلاف في نجاسته مع التغير في أحد أوصافه الثلاثة. اما مع عدمه فقد اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ذلك على أقوال:

(أحدها) النجاسة مطلقا وان حكمها حكم المحل قبل الغسل، وحينئذ فيجب غسل ما لاقته العدد المعتبر في المحل، اختاره المحقق والعلامة، بل الظاهر انه المشهور بين المتأخرين. احتج المحقق في المعتبر بانه ماء قليل لاقى النجاسة فيجب ان ينجس. وما رواه العيص بن القاسم (2) قال: " سألته عن رجل اصابته قطرة من طشت


(1) في الصحيفة 215. (2) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل.


[ 478 ]

فيه وضوء. قال: ان كان من بول أو قذر فيغسل ما اصابه " وزاد بعضهم في آخر هذه الرواية " وان كان وضوء صلاة فلا يضره ". واحتج العلامة في المختلف برواية عبد الله بن سنان المتقدمة في المسألة الثانية (1) الدالة على ان الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به من الجنابة لا يتوضأ به واشباهه. واحتج بعضهم ايضا بايجاب تعدد الغسل واهراق ماء الغسلة الاولى بالكلية من الظروف، ووجوب العصر فيما يجب فيه العصر، وعدم تطهير ما لا يخرج منه الماء إلا بالكثير، والاجماع المدعى من العلامة في المنتهى، حيث قال: " ومتى كان على جسد الجنب أو المغتسل من حيض وشبهة نجاسة، فالمستعمل ان قل عن الكر نجس اجماعا " فانه يعطي الاجماع على نجاسة الغسالة هنا، ويضم إلى ذلك عدم القائل بالفرق بين الاستعمال في الغسل وغيره. واجيب عن هذه الادلة، أما عن الاول فبمنع كلية كبراه، لانها عين المتنازع، فاخذها في الدليل مصادرة. وفيه ان الدليل على كلية الكبرى المذكورة الاخبار الدالة بمفهوم الشرط على نجاسة الماء القليل بالملاقاة كما تقدم تحقيقه في تلك المسألة. وما شاع في كلام جملة من فضلاء متأخري المتأخرين من عدم العموم في هذا المفهوم مدفوع بما اسلفنا تحقيقه في المسألة المذكورة. والعجب من شيخنا الشهيد الثاني وامثاله من القائلين بنجاسة القليل بالملاقاة، حيث احتجوا على ذلك بهذا المفهوم ثم يعترضون هنا بمنع الكلية المذكورة. واما عن الثاني فبضعف السند، لعدم وجود الخبر المذكور في شئ من كتب الاخبار، وإنما نقله الشيخ في الخلاف وجمع ممن تأخر عنه مع كونه مضمرا. ومنع


(1) في الصحيفة 436.


[ 479 ]

الدلالة، إذ الجملة الخبرية لا ظهور لها في الوجوب. ويمكن الجواب عن الاول بان الظاهر ان الشيخ (رحمه الله) إنما أخذ الرواية المذكورة من كتاب العيص. فانه نقل في الفهرست ان له كتابا، وطريقه في الفهرست إلى الكتاب المذكور حسن على المشهور بابراهيم بن هاشم، وصحيح عندنا وفاقا لجملة من متأخري مشايخنا. وقد صرح ايضا في كتابي الاخبار بانه إذا ترك بعض اسناد الحديث يبدأ في أول السند باسم الرجل الذي أخذ الحديث من كتابه فلعل نقله لها في الخلاف جار على تلك القاعدة. وبالجملة فرواية الشيخ (رضوان الله عليه) له في كتب الفروع لا تقصر عن روايته في كتب الاخبار. واما الاضمار في أخبارنا فقد حقق غير واحد من اصحابنا انه غير قادح في الاعتماد على الخبر، فان الظاهر ان منشأ ذلك هو ان اصحاب الاصول لما كان من عادتهم أن يقول أحدهم في اول الكلام: " سألت فلانا " ويسمي الامام الذي روى عنه، ثم يقول: وسألته أو نحو ذلك، حتى تنتهي الاخبار التي رواها. كما يشهد به ملاحظة بعض الاصول الموجودة الآن ككتاب علي بن جعفر وكتاب قرب الاسناد وغيرهما، وكان ما رواه عن ذلك الامام (عليه السلام) احكاما مختلفة، فبعضها يتعلق بالطهارة وبعض بالصلاة وبعض بالنكاح وهكذا، والمشايخ الثلاثة (رضوان الله عليهم) لما بوبوا الاخبار ورتبوها، اقتطعوا كل حكم من تلك الاحكام ووضعوه في بابه بصورة ما هو مذكور في الاصل المنتزع منه، وقع الاشتباه على الناظر فظن كون المسؤول غير الامام (عليه السلام) وجعل هذا من جملة ما يطعن به في الاعتماد على الخبر. واما منع دلالة الجملة الخبرية على الوجوب، ففيه انه لا خلاف ولا اشكال في كون الجملة الخبرية في مثل هذا الموضع إنما اريد بها الانشاء دون الخبر، فيكون بمعنى الامر. والادلة الدالة على كون الامر للوجوب من الايات والاخبار التي


[ 480 ]

قدمناها في المقدمة السابعة (1) لا اختصاص لها بلفظ الامر وان جعلوه في الاصول مطرح البحث والنزاع، وحينئذ فيقرب الاعتماد على الرواية المذكورة. واجاب المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) عنها حيث انه اختار في الغسالة الطهارة بالحمل على كون الاستنجاء في الطشت إنما وقع بعد التغوط أو البول فيه، مدعيا ان ذلك مقتضى العادة. وهو بعيد (اما اولا) فانه لا تصريح في الخبر بكون ذلك الوضوء ماء استنجاء، إذ الوضوء بفتح الواو وهو اسم لما يتوضأ به اي يغسل به كما يطلق في الاخبار على ماء الاستنجاء، كذلك يطلق على ما يغسل به الوجه واليدان بل سائر الجسد من نجاسة أو بدونها. و (اما ثانيا) فلانه لا ملازمة بين التغوط أو البول في الاناء وبين الاستنجاء فيه. واجاب عنها في الذكرى بالحمل على التغير أو الاستحباب. وفيه ان الحمل على خلاف الظاهر فرع وجود المعارض. واما عن الثالث فبعضف السند اولا، وكونه اعم من المدعى ثانيا. فان المنع من الوضوء اعم من النجاسة فلا يستلزمها، بل ربما كان عطف الجنابة يؤذن برفع الطهورية لا الطهارة. والثاني منهما متجه. واما عن الرابع والخامس فيجوز ان يكون تعبدا. وكذا عن السادس وفيه ما فيه. واما عن كلام المنتهى فبعد تسليم الاعتماد على هذ الاجماع المتناقل فالظاهر ان كلامه إنما هو في الاستعمال بطريق الارتماس، كما يشعر به قوله بعد هذا الكلام: " فإذا ارتمس فيه ناويا للغسل.. الخ ".


(1) في الصحيفة 112. وفى النسخ المطبوعة والمخطوطة (الرابعة) (60)


[ 481 ]

(الثاني) القول بالنجاسة لكن حكمه حكم المحل قبل الغسلة، فيجب غسل ما اصابه ماء الغسلة الاولى مرتين والثانية مرة فيما يجب فيه المرتان، وهكذا. ونقل هذا القول عن شيخنا الشهيد ومن تأخر عنه، واليه مال المحقق المولى الاردبيلي (عطر الله مرقده) في شرح الارشاد. والوجه في الفرق بين الغسلتين باعتبار التعدد في الاولى دون الثانية فيما يجب غسله مرتين مثلا هو ان المحل المغسول تضعف نجاسته بعد كل غسلة وان لم يطهر، ولهذا يكفيه من العدد بعده ما لا يكفي قبلها، فيكون حكم ماء الغسلة كذلك، لان نجاسته مسببة عنه، فلا يزيد حكمه عليه. لان الفرع لا يزيد على الاصل. وهذا هو المقيد لتلك الادلة الدالة على النجاسة على الاطلاق. قال والدي (نور الله تعالى مرقده) بعد نقل هذا الكلام: " اقول: هذا التفصيل بالفرق بين المنفصل من الغسلتين وان كان لا يفهم من الاخبار، لكنه قريب من جهة الاعتبار " انتهى. وهو كذلك إلا انه بمجرده لا يمكن الاعتماد عليه في تأسيس حكم شرعي.

(الثالث) القول بالنجاسة ان كان من الغسلة الاولى والطهارة ان كان من الثانية فيما يغسل مرتين مثلا، ومرجعه إلى ان حكمه كالمحل بعد الغسلة. وهذا القول منقول عن الشيخ في الخلاف، ونقل عنه ايضا تخصيص ذلك بتطهير الثوب. واما المستعمل في تطهير الآنية فلا ينجس عنده مطلقا سواء كان من الاولى أو من غيرها. احتج في الخلاف على ما نقل عنه على الاول بانه ماء قليل معلوم حصول النجاسة فيه فيجب ان يحكم بنجاسته. وبرواية العيص المتقدمة (1). وعلى الثاني بان الماء على أصل الطهارة، والنجاسة تحتاج إلى دليل. وبالروايات المتقدمة في مسألة الاستنجاء (2). وعلى الثالث بان الحكم بالنجاسة يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. وبانه لو حكم بالنجاسة لما طهر الاناء ابدا، لانه كلما غسل فما يبقى فيه من النداوة


(1) في الصحيفة 477. (2) في الصحيفة 468.


[ 482 ]

يكون نجسا، فإذا طرح فيه ماء آخر نجس ايضا، وذلك يؤدي إلى ان لا يطهر ابدا. واورد عليه من التوجيه الذي ذكره لنجاسة الغسلة الاولى في غسل الثوب على تقدير تمامه يقتضي نجاسة الثانية، لان المحل لم يطهر بعد، وإلا لم يحتج إليها، وإذا كان الحكم بنجاسته باقيا فالماء الملاقي له والحال هذه ينجس ايضا، لعين ما ذكره في الاولى. والرواية التي تمسك بها ليس فيها تقييد بالاولى، فان كانت صالحة للاحتجاج فهي متناولة للصورتين. وما ذكره من التعليل لطهارة غسالة الاناء جار بعينه في غسالة الثوب كما لا يخفى. ونقل شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروض عن الشيخ في الخلاف انه احتج على طهارة الغسلة الاخيرة بان المحل بعدها طاهر مع بقاء مائها فيه، والماء الواحد لا تختلف اجزاؤه في الطهارة والنجاسة، ثم اجاب عنه باختصاص المتصل بالعفو للحرج والضرورة بخلاف المنفصل. وانه يعارض بماء الاولى، للقطع ببقاء شئ منه. وبالجملة فكلام الشيخ (رحمه الله) في هذا المجال لا يخلو من الاشكال، وتعليلاته لا تخلو من الاختلال. والتحقيق ان يقال: انه لما قام الدليل على طهارة المحل بعد الغسل في ثوب كان أو إناء مع العصر فيما ورد فيه، وكان من المعلوم عادة تخلف شئ في المحل المغسول، فانه يجب الحكم بطهارة المحل مع ما تخلف فيه، فان ثبت الدليل على نجاسة الغسالة وجب الحكم بها، ولا ينافيه اتصالها سابقا بذلك الماء المتخلف، واي بعد في ان يوجب الشارع اجتناب ما ينفصل من الغسالة عن الثوب والبدن ولا يوجبه في المتخلف والباقي منها ؟ فان احكام الشرع تعبدية لا مجال للعقل فيها بوجه.

(الرابع) القول بالطهارة مطلقا وان حكمها كالمحل بعد الغسل. وهو على طرف النقيض من القول الاول، وقواه الشيخ في المبسوط، وجعل الاحوط في تطهير الثياب النجاسة مطلقا، والاحوط في تطهير الاواني النجاسة في الغسلة الاولى. والى القول بالطهارة مطلقا يميل ظاهر كلام الشهيد في الذكرى، وربما كان الظاهر


[ 483 ]

من كلام ابن بابوية في الفقيه اختياره، حيث ساوى بينه وبين رافع الحدث الاكبر ورافع الحدث الاكبر طاهر اجماعا، ونقل عن المحقق الشيخ علي في بعض فوائدة اختياره، ويعزى إلى جماعة من متقدمي الاصحاب اختياره ايضا كما نقله في المعالم. ومقتضى مذهب السيد المرتضى (رضي الله عنه) الطهارة بشرط ورود الماء على النجاسة، واقتفاه ابن ادريس في ذلك، واليه يميل كلام السيد السند في كتاب المدارك، والمحدث الامين الاسترابادي في تعليقاته عليه. ونقل عن المبسوط الاستدلال عليه بان ما يبقي في الثوب جزء منه، وهو طاهر اجماعا، فيكون المنفصل ايضا كذلك. وفيه زيادة على ما سلف ان ما يبقى في الثوب ان اريد به ما هو اعم من الغسلة الاولى فالاجماع على طهارته ممنوع. وان كان من الاخيرة فلا يثبت به المدعى بتمامه. ونقل السيد في المدارك عن جماعة من الاصحاب ان من قال بطهارة الغسالة اعتبر فيها ورود الماء على النجاسة، قال: " وهو الذي صرح به المرتضى (رضي الله عنه) في المسائل الناصرية. ولا بأس به، لان اقصى ما يستفاد من الروايات انفعال القليل بورود النجاسة عليه. فيكون غيره باقيا على حكم الاصل " انتهى. اقول: ومن ثم احتجوا على هذا القول على ما نقله شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروض بانه لو حكم بنجاسة القليل الوارد لم يكن لوروده اثر، ومتى لم يكن له أثر لم يشترط الورود، فيطهر النجس وان ورد على القليل، ولانه لو حكم بنجاسته لم يطهر المحل بالغسل العددي. والتالي باطل بالاجماع. والملازمة واضحة. وانت خبير بما في الحجة الاولى كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى في الكلام في المطهرات، من ان جملة من علمائنا القائلين بنجاسة القليل بالملاقاة اشترطوا في التطهير بالقليل وروده على النجاسة وان نجس بعد حصول التطهير به، وحينئذ فالاثر المترتب على وروده حصول التطهير به وان تنجس بعد ذلك.


[ 484 ]

واما الثانية فقد تقدم نقل جواب العلامة عن ذلك وما اورده عليه، وما اجبنا به عن الايراد المشار إليه، وما هو الحق في الجواب عن ذلك في المقام الثاني من الفصل الثالث في الماء القليل الراكد. وتنظر والدي (نور الله تعالى ضريحه) فيما نقله في المدارك من اشتراط القائلين بطهارة الغسالة ورود الماء على النجاسة دون العكس، قائلا بعد نقله ذلك عنه: " لا يخفى ما فيه، لان من جملة القائلين بطهارة الغسالة من قال بعدم نجاسة القليل مطلقا بالملاقاة ومن المعلوم انه لا يظهر للشرط وجه عندهم. ومنهم من قال بنجاسة القليل بالملاقاة مطلقا كالشيخ (قدس سره) وابن ادريس ومن وافقهما من المتأخرين، فكيف يتم اشتراط ورود الماء على النجاسة دون عكسه في صحة التطهير بالقليل وطهارة الغسالة ؟ بناء على ان الماء حينئذ لا ينجس بالملاقاة، مع قولهم بنجاسة القليل بالملاقاة مطلقا من غير فرق بين الامرين، ومن ثم استوجه في الذكرى عدم اعتبار الورود مع ميله إلى طهارة الغسالة مطلقا، لانه لو اقتضى ورود النجاسة على الماء نجاسة الغسالة وعدم صحة التطهير به، لاقتضى ذلك ايضا ورود الماء على النجاسة، لان الامتزاج بالنجاسة حاصل على كل تقدير. وبهذا يعلم ما في الاستدلال على طهارة الغسالة ايضا، لابتنائه على هذا الاشتراط. وبالجملة فهذا الاشتراط وكذا الاستدلال المبني عليه لا يتم على القول بنجاسة القليل بالملاقاة مطلقا، ولا على القول بطهارته مطلقا. نعم يتجه على مذهب السيد المرتضى (عطر الله مرقده) حيث حكم بعدم نجاسة القليل في مادة ورود الماء على النجاسة دون عكسه، فيتجه هنا اشتراط الورود في صحة التطهير وطهارة الغسالة، لانه مع ورود النجاسة على الماء ينجس، فلا يفيد المحل عنده طهارة فضلا عن طهارة غسالته. نعم يبقى الاشكال في الحكم بطهارة الغسالة مع القول بنجاسة القليل بالملاقاة مطلقا، لحصول المنافاة بين الامرين. وربما يجاب عنه حينئذ باختيار ان الغسالة قد خرجت بالدليل عن قاعدة نجاسة القليل بالملاقاة مطلقا، كما خرج ماء الاستنجاء منها.


[ 485 ]

ولا استبعاد بعد قيام الدليل عليه، مع ما في النجاسة من العسر والحرج، وكون النجاسة والطهارة من التعبديات المحضة، مع ضعف ادلة النجاسة. وفيه نظر " انتهى كلامه زيد في الخلد مقامه. وهو وجيه.

(الخامس) القول بالنجاسة مطلقا وان كان بعد طهارة المحل، بمعنى ان ماء كل غسلة كمغسولها قبل الغسل وان ترامت الغسلات إلى غير النهاية، حكاه الشهيد (رحمه الله) في حاشية الالفية عن بعض الاصحاب، قال في المدارك بعد حكاية القول المذكور: " وربما نسب إلى المصنف والعلامة، وهو خطأ، فان المسألة في كلامهما مفروضة فيما تزال به النجاسة، وهو لا يصدق على الماء المنفصل بعد الحكم بالطهارة " انتهى. اقول: نقل الشيخ مفلح الصيمري في شرح كتاب موجز الشيخ ابن فهد عن مصنفه انه نقل هذا القول في كتاب المهذب والمقتصر عن المحقق العلامة وابنه فخر المحققين، ثم نسبه في ذلك إلى الغلط الفاحش والسهو الواضح واطال في بيان ذلك ونقل شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروض بعد نقله القول المذكور ان قائله احتج بانه ماء قليل لاقى نجاسة، قال: " وبيانه ان طهارة المحل بالقليل على خلاف الاصل المقرر ممن نجاسة القليل بالملاقاة. فيقتصر فيه على موضع الحاجة، وهو المحل دون الماء " ثم رده بحكم الشارع بالطهارة عند تمام الغسلات، فلا اعتبار بما حصل بعد ذلك، وبلزوم الحرج المنفي. وناقش بعض افاضل متأخري المتأخرين في كلام شيخنا الشهيد الثاني هنا بما لا ينبغي ان يصغى إليه ولا يعرج في المقام عليه. وكيف كان فهذا القول بمحل سحيق عن جادة التحقيق فهو بالاعراض عنه حقيق. إذا عرفت ذلك فاعلم انه لم نعثر في الاخبار على ما يقتضي الحكم في الغسالة إلا على رواية العيص ورواية عبد الله بن سنان السالفتين (1) والاولى منهما ظاهرة


(1) في الصحيفة 477 و 436.


[ 486 ]

في النجاسة وان اجيب عنها بما تقدم، إلا انك قد عرفت ما فيه. واما الثانية فهي مجملة في ذلك، إذ غاية ما يستفاد منها المنع من الوضوء به، وهو اعم من لنجاسة كما عرفت آنفا. نعم ربما يستفاد من جملة من الاخبار المتفرقة في احكام متعددة الطهارة، إلا انه ايضا ربما يستفاد من جملة اخرى النجاسة. فما يستفاد من ظاهره الطهارة الاخبار الدالة على نفي البأس عما ينتضح من غسالة الجنب في انائه حال الغسل (1) بناء على ما قدمنا بيانه من ان الغالب في المغتسل من الجنابة بقاء النجاسة إلى آن الغسل، كما تشعر به الاخبار الواردة في صفة غسل الجنابة (2). ومنه صحيحة هشام بن سالم (3) الواردة في السطح يبال عليه فتصيبه السماء فيكف فيصيب الثوب، قال: " لا بأس به، ما اصابه من الماء اكثر منه ". وجه الدلالة التعليل بالمستفاد منها مع ضم تنقيح المناط إليه. وقريب منها ظاهر التعليل المتقدم في رواية العلل المتقدمة في المسألة الثالثة (4) كما اشرنا إليه ثمة. ومنه الاخبار الدالة على الامر بالرش أو النضح فيما يظن فيه النجاسة من ثوب أو ارض أو نحوهما وهي كثيرة، ومنها صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن الصلاة في البيع والكنائس وبيوت المجوس. فقال: رش وصل " وجه الدلالة انه لو تنجس الماء الوارد بالملاقاة لكان الرش سببا لزيادة المحذور. ومنه صحيحة ابراهيم بن عبد الحميد (6) قال: " سالت أبا الحسن (عليه


(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (2) المرويد في الوسائل في الباب - 36 - من ابواب الجنابة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 6 - من ابواب الماء المطلق. (4) في الصحيفة 468. (5) المروية في الوسائل في الباب - 13 - من ابواب مكان المصلى. (6) المروية في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب النجاسات.


[ 487 ]

السلام) عن الثوب يصيبه البول فينفذ إلى الجانب الآخر، وعن الفرو وما فيه من الحشو. قال اغسل ما أصاب منه ومس الجانب الآخر، فان اصبت مس شئ منه فاغسله وإلا فانضحه " والتقريب ما تقدم. ومما يؤيد ذلك اطلاق الاخبار الواردة بتطهير البدن من البول من غير تقييد الاعضاء السافلة. كصحيحة الحسين بن ابي العلاء (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البول يصيب الجسد. قال: صب عليه الماء مرتين، فانما هو ماء ". ومما يؤيده ايضا نفي البأس عما ينزو من الارض النجسة في اناء المغتسل كما في رواية عمر بن يزيد (2) وعد التجنب عن ذلك من الحرج كما في رواية الفضيل (3) فانه يدل بمفهوم الموافقة على ان ما يترشح من الغسالة حال الغسل لا بأس به وان اجتنابه حرج ايضا. وانت خبير بان المستفاد من هذه الادلة مع ضم رواية عبد الله بن سنان (4) هو الطهارة مع عدم الطهورية من الحدث. واما الطهورية من الخبث فيبقى على حكم الاصل، إذ لا مخرج له من الادلة. والى هذا القول مال المحدث الامين (قدس سره) حيث قال بعد الكلام في المسألة: " ملاحظة الروايات الواردة في ابواب متفرقة تفيد ظاهرا طهارة غسالة الاخباث وسلب طهوريتها بمعنى رفع الحدث، ولم اقف على دلالة على سلب طهوريتها بمعنى إزالة الخبث، والاصل المستصحب بمعنى الحالة السابقة واصالة الطهورية بمعنى القاعدة الكلية، والبراءة الاصلية بمعنى الحالة الراجحة، والعمومات تقتضي


(1) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب النجاسات. (2) المتقدمة في الصحيفة 446. (3) المتقدمة في الصحيفة 438. (4) التقدمة في الصحيفة 436.


[ 488 ]

اجراء حكم الطهورية بهذا المعنى إلى ظهور مخرج. والله اعلم ". ومما يستفاد منه النجاسة ما تقدم في مبحث نجاسة الماء القليل بالملاقاة من الاخبار الدالة على اهراق ماء الركوة والتور ونحوهما متى وقع فيها اصبع أو يد فيها قذر، فان اطلاق تلك الاخبار شامل لما لو كان بقصد الغسل ام لا بل ولو لم يكن بقصد الغسل، فانه يجب الحكم بالطهارة متى زالت العين ولم يتغير الماء بمجرد ذلك الوضع أو لم يكن ثمة عين، إذ لا يشترط في ازالة الخبث وتطهير النجاسة القصد إلى ذلك كما لا يخفى. نعم هذا انما يتمشى على تقدير القول بنجاسة القليل بالملاقاة مطلقا، واما من خص ذلك بورود النجاسة على الماء دون العكس كالسيد المرتضى والمحدث الامين وغيرهما ممن اختار هذه المقالة، كما اسلفنا نقله في المقام الثاني من الفصل الثالث في الماء القليل الراكد فلا يتجه ذلك عنده، لانه يحكم بنجاسة الماء بمجرد ملاقاته النجاسة، ولا يفيدها تطهيرا عنده فضلا عن ان يكون طاهرا بعد الانفصال عنها. وقد تقدم البحث معهم في اعتبار الورود وعدمه في المقام المشار إليه وحصول الاشكال في ذلك، ومنه ينقدح الاشكال هنا ايضا. ومما يدل بظاهره ايضا على نجاسة الغسالة ما تقدم ذكره في ادلة القول بالنجاسة من ايجاب تعدد الغسل فيما ورد فيه ذلك، واهراق الغسلة الاولى من الظروف، ووجوب العصر فيما ورد فيه، وعدم تطهير ما لا يخرج منه الماء إلا بالكثير، فانه لا وجه لهذه الاشياء على تقدير القول بطهارة الغسالة. وما اجيب به عن ذلك من كون ذلك تعبدا بعيد جدا. ومنه رواية العيص المتقدمة (1) وما اجيب به عنها مما قدمنا نقله قد عرفت ما فيه. وبالجملة فالمسألة عندي محل توقف والاحتياط فيها لازم. والله العالم.


(1) في الصحيفة 477.


[ 489 ]

تنبيهات:

(الاول) اعلم ان ما ذكره جملة من المتأخرين ومتأخريهم بالنسبة إلى القول بالنجاسة مطلقا وهو القول الاول من الاقوال التي قدمنا ذكرها من ان حكم الغسالة كالمحل قبل الغسل فيعتبر التعدد فيما تلاقيه متى كان معتبرا في المحل لم أجد له أثرا في كلام القائلين بهذا القول كالمحقق والعلامة، بل يحتمل ان يكون مرادهم انه في حكم المحل قبل الغسلة، إذ غاية ما يدل عليه كلامهم هو النجاسة، واما انه يجب فيما يلاقيه العدد المعتبر في المحل فلا، بل ظاهر كلام شيخنا الشهيد في الذكرى ان القول المنسوب إليه وهو القول الثاني من الاقوال المتقدمة هو بعينه القول الاول، وان القول بالنجاسة مطلقا عبارة عن كون حكم الغسالة حكم قبل الغسلة، فانه نقل اولا القول بالطهارة عن المبسوط، ثم نقل مذهب الشيخ في الخلاف، ثم نقل مذهب المحقق والعلامة وهو القول بالنجاسة مطلقا ونقل ادلته وطعن فيها. ثم قال: " ولم يبق دليل سوى الاحتياط ولا ريب فيه. فعلى هذا ماء الغسلة كمغسولها قبلها وعلى الاول كمغسولها بعدها أو كمغسلوها بعد الغسل " انتهى. ومثله كلام المحقق الشيخ علي (قدس سره) في شرح القواعد. وحينئذ فما ذكره شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) وغيره من المغايرة بين القولين كما ترى. والجواب بانه لا منافاة لجواز اختيار الشيخين المشار اليهما كون الحكم في الغسالة على تقدير النجاسة انها كالمحل قبل الغسلة، واختيار اولئك على هذا التقدير كونها في حكم المحل قبل الغسل فيه (اولا) ان ذلك فرع تصريح القائلين بالنجاسة مطلقا بكونها كالمحل قبل الغسل. و (ثانيا) ان التفريع في عبارة الذكرى إنما جرى على مقتضى الاقوال المتقدمة، فان قوله " فعلى هذا " اي فعلى القول بالنجاسة، وهو المنقول عن


[ 490 ]

المحقق والعلامة، وقوله: " وعلى الاول.. الخ " اشارة إلى مذهبي المبسوط والخلاف وان كان على سبيل اللف والنشر المشوش، وعلى تقدير ما ذكر في الجواب يلزم عدم التفريع على مذهب المحقق والعلامة.

(الثاني) الظاهر على تقدير القول بنجاسة الغسالة الاكتفاء في تطهير ما لاقته بالمرة الواحدة، وفاقا للمحقق الشيخ حسن في كتاب المعالم، ونقله ايضا في الكتاب المذكور عن بعض مشايخه المعاصرين. لنا اصالة البراءة من التكليف به، إذ مورد التعدد في الاخبار نجاسات مخصوصة، وهذا ليس منها، فلا مقتضى للتعدد فيه سواء كان من الغسلة الاولى أو غيرها. وما ذكره الاصحاب من الاقوال المتقدمة في ذلك لم نقف له على دليل معتمد.

(الثالث) ادعى المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى الاجماع على ان ما تزال به النجاسة مطلقا لا يجوز رفع الحدث به. واحتجا لذلك مع الاجماع برواية عبد الله بن سنان المتقدمة (1) الدالة على ان ما يغسل به الثوب لا يجوز ان يتوضأ به. ويرد على الاول ما سيأتي من ظاهر عبارتي الدروس والذكرى، مضافا إلى ما عرفت في المقدمة الثالثة (2) من المجازفة في دعوى الاجماعات في كلامهم (رضوان الله عليهم) وقد تقدم في المسألة الثالثة (3) من النقل عن المولى الاردبيلي ما يوهن هذه الدعوى ايضا وعلى الثاني ان الرواية اخص من المدعى، إلا ان يضم إلى ذلك تنقيح المناط.

(الرابع) قال شيخنا الشهيد في الدروس: " وفى ازالة النجاسة نجس ان تغير بالاجماع، وإلا فنجس في الاولى على قول، ومطلقا على قول، وكرافع الاكبر على قول، وطاهر إذا ورد على النجاسة على قول. والاولى ان ماء الغسلة كمغسولها قبلها " انتهى.


(1) في الصحيفة 436. (2) في الصحيفة 35. (3) في الصحيفة 477.


[ 491 ]

ولا ريب ان القول الاول هو ما ذهب إليه الشيخ في الخلاف. واما القول الثاني فالظاهر انه هو المنقول عن المحقق والعلامة، وهو اول الاقوال التي قدمناها. وربما ظهر من كلام المحقق الشيخ علي في فوائد التحرير ان ذلك اشارة إلى القول الخامس الذي قدمناه. وهو بعيد. واما القول الثالث فنقله في الذكرى عن ابن حمزة والبصروي، حيث قال: " وابن حمزة والبصروي سويا بين رافع الاكبر ومزيل النجاسة " انتهى. والظاهر انهما قائلان مع طهارته برفعه الحدث حينئذ، ويكون هذا هو الفرق بين هذا القول وبين ما بعده بلا فصل. ويحتمل ان يكون وجه الفرق باعتبار ورود الماء في الثاني دون هذا القول. وشيخنا الشهيد الثاني في الروض مع استقصائه نقل الاقوال في هذه المسالة لم ينقل هذا القول معها، مع ان صريح العبارة المذكورة وظاهر عبارة الذكرى انه قول آخر في المسالة. ونسب هذا القول المحقق الشيخ علي (رحمه الله) في شرح القواعد إلى الاشهر بين المتقدمين. ثم نقل بعده قول المرتضى وابن ادريس، مع ان شيخنا الشهيد في الذكرى قال: " والعجب خلو اكثر المتقدمين عن الحكم في الغسالة مع عموم البلوى بها " انتهى. بقي الكلام في قوله: " والاولى ان ماء الغسلة كمغسولها قبلها " هل هو قول آخر خارج عن الاقوال المتقدمة أم لا ؟ الذي يظهر لي من كلام الذكرى كما قدمنا بيانه ان هذا اشارة إلى اختيار القول المتقدم بالنجاسة لكن لا على سبيل الجزم، ونسبته إلى الاولوية هنا مثل نسبته إلى الاحتياط في عبارة الذكرى، وقد عرفت ان مقتضى كلام شيخنا الشهيد الثاني عد ذلك قولا مغايرا.

(الخامس) قال السيد السند في المدارك: " اختلف القائلون بعدم نجاسة الغسالة في ان ذلك هل هو على سبيل العفو بمعنى الطهارة دون الطهورية، أو تكون باقية على ما كانت عليه من الطهورية، أو يكون حكمها حكم رافع الحدث الاكبر ؟


[ 492 ]

فقال بكل قائل " وقال في المعتبر: " ان ما تزال به النجاسة لا يرفع به الحدث اجماعا " انتهى. وانت خبير بان مقتضى القول الاول من هذه الاقوال التي نقلها هو الطهارة خاصة دون الطهورية من حدث كان أو من خبث حسبما تقدم في معنى العفو عندهم في ماء الاستنجاء، مقتضى القول الثاني هو الطهورية من الخبث والحدث، كما يشعر به التعبير ببقائه على ما كان عليه من الطهورية، وحينئذ فلا معنى للقول الثالث وجعله ثالثا إلا باعتبار الطهارة والطهورية من الخبث خاصة دون الحدث للتتم مقابلته بالقولين الاخرين. وفي فهم هذا المعنى من التشبيه نوع اشكال، اللهم إلا ان يعلم ان مذهب القائل بهذا القول كون رافع الحدث مطهرا من الخبث دون الحدث كما هو مذهب الشيخين. وقد عرفت ان هذا القول منسوب إلى ابن حمزة والبصروي، الا انه لم ينقل مذهبهما في تلك المسألة. والذي يقرب إلى الفهم وبه صرح ايضا المحقق الشيخ حسن في المعالم وغيره في غيره ان المراد من التشبيه هو كونه طاهرا مطهرا من الحدث والخبث كما هو المشهور، إلا انه لا يخلو ايضا من شئ. وبالجملة فان فهم المراد من هذه العبارة يتوقف على معرفة مذهب هذا القائل في مسألة غسالة الحدث الاكبر ليمكن تمشية التشبيه. ويحتمل ان يكون مراد القائل المذكور بالتشبيه لحوق حكم الغسالة من سائر الاخباث لغسالة الحدث الاكبر وترتبها عليها، فان قيل بالرفع من الحدث في تلك قيل به في هذه وإلا فلا. والظاهر بعده.

(السادس) قال في المدارك ايضا بعد نقل اشتراط القائلين بطهارة الغسالة ورود الماء على النجاسة دون العكس ما صورته: " وربما ظهر من كلام الشهيد (رحمه الله) في الذكرى عدم اعتبار ذلك، فانه مال إلى الطهارة مطلقا واستوجه عدم اعتبار الورود في التطهير. وهو مشكل، لنجاسة الماء بورود النجاسة عليه عنده، اللهم إلا ان يقول: ان الروايات إنما تضمنت المنع من استعمال القليل بعد ورود النجاسة


[ 493 ]

عليه، وذلك لا ينافي الحكم بطهارة المحل المغسول فيه، لصدق الغسل مع الورود وعدمه " انتهى. وفيه (اولا) ان ظاهر الشهيد (رحمه الله) ايضا القول بنجاسة القليل مع ورود الماء على النجاسة، لتصريحه بان الامتزاج بالنجاسة حاصل على التقديرين، والورود لا يخرجه عن كونه ملاقيا للنجاسة، وحينئذ فلا وجه لاختصاص الاشكال بمادة ورود النجاسة على القليل دون عكسه. و (ثانيا) ان ما ذكره في الاعتذار عنه من ان الروايات إنما تضمنت المنع من استعمال الماء بعد ورود النجاسة عليه، وهو لا ينافي طهارة المحل المغسول، لصدق الغسل في حال الورود وعدمه لا يكاد يحسم مادة الاشكال، بل ربما يزيد في الاختلال، إذ غاية ما يعطيه هو صحة التطهير به مع نجاسة الغسالة، فلا يدفع الاشكال بالنسبة إلى حكمه بطهارة الغسالة بل يؤكده. نعم لو كان المعلوم من مذهبه القول يصحة التطهير وطهارة الغسالة مع ورود الماء على النجاسة، والقول بالتطهير دون الطهارة مع ورود النجاسة على الماء، لاتجه ما ذكره. الا ان الظاهر من مذهبه هو الميل إلى طهارة الغسالة مطلقا من غير اعتبار الورود كما نقله عنه فيما تقدم من عبارته، وحينئذ فالظاهر ان وجه الاشكال هو ما سبق التنبيه عليه في مسألة نجاسة القليل بالملاقاة من ان القول بنجاسة القليل بالملاقاة يقتضي عدم صحة التطهير به فضلا عن طهارة الغسالة، فكيف يتم مع ذلك القول بصحة التطهير وطهارة الغسالة ؟ والجواب عنه ما عرفته في آخر الكلام المتقدم نقله من الوالد (قدس سره) من خروج غسالة النجاسة من كلية نجاسة القليل بالملاقاة بالدليل كما خرج ماء الاستنجاء. إلا ان فيه ما عرفته آنفا من الاشكال وعدم وضوح الدليل في هذا المجال.

(السابع) هل الباقي في المحل بعد العصر فيما يجب فيه ذلك أو الاراقة


[ 494 ]

في الاواني ونحوها طاهر مطلقا، أو نجس مطلقا، أو معفو عنه، أو طاهر ما دام في المحل ونجس بعد الانفصال ؟ اقوال: ظاهر المشهور الاول، وهو الظاهر من الادلة كما قدمنا ذكره. ومقتضى القول الخامس هو الثاني. وقد عرفت ما فيه. ونقل عن ظاهر المحقق في المعتبر الثالث. وفيه اشكال، فان عبارته في هذا المقام لا تخلو من الابهام، وذلك فانه بعد ان اختار النجاسة في غسالة اناء الولوغ ونقل عن الشيخ الحكم بالطهارة، واحتجاجه بانه لو كان المنفصل نجسا لما طهر الاناء، لانه كان يلزم نجاسة البلة الباقية بعد المنفصل ثم ينجس الماء الثاني بنجاسة البلة وكذا ما بعده قال: " والجواب ان ثبوت الطهارة بعد الثانية ثابت بالاجماع فلا يقدح ما ذكره، ولانه معفو عنه دفعا للحرج " انتهى. ولا ريب ان حكمه بالطهارة التي ادعى عليها الاجماع مناف للعفو الذي هو عبارة عن النجاسة وان سلب حكمها. ولا مجال لحمل العفو هنا على المعنى الذي ذكروه في الاستنجاء، إذ الكلام في تأثر الملاقي لهذه البلة بالنجاسة وعدمه، لا في رفع الحدث والخبث ونحوهما وعدمه. والذي يظهر لي ان مراده بالعفو هنا ليس هو المعنى المصطلح بل التنبيه على بيان ان الحكم بالطهارة إنما هو من قبيل الرخص الواردة في الشربعة، إذ مقتضى كلية نجاسة الماء القليل بالملاقاة هو النجاسة، لكنه لما كان اللازم من النجاسة هنا الحرج عفى الشارع عن النجاسة وحكم بالطهارة دفعا للعسر والحرج، ولا يبعد ايضا حمل عبارته المتقدمة في الاستنجاء على ذلك، وبه يرتفع التناقض الذي اوردناه عليها ثمة. وبالجملة فالظاهر عندي من عبارته هنا هو الحكم بطهارة البلة الباقية وان كانت العلة هو العفو، وإلا لتناقض طرفا كلاميه. نعم ذكر المحقق المولى الاردبيلي (عطر الله مرقده) العفو في هذا المقام احتمالا، حيث قال: " وإذا خرج منه ما يمكن الاخراج عادة بقي المحل مع ما فيه طاهرا أو عفوا، للضرورة والحرج والسهلة " انتهى.


[ 495 ]

وبالقول الرابع صرح العلامة في القواعد، والظاهر انه مبني على ما اختاره من عدم نجاسة القليل الذي تزال به النجاسة إلا بعد الانفصال عن المحل، قال في الكتاب المذكور: " والمتخلف في الثوب بعد عصره طاهر، فان انفصل فهو نجس " انتهى. فعنده انه إذا عصر الثوب من الغسل المعتبر في تطهيره حكم بطهارته قطعا، والمتخلف فيه على حكم الطهارة، فلو بالغ أحد في عصره فانفصل منه شئ كان نجسا، لان أثر ملاقاته للمحل النجس عنده إنما يظهر بعد الانفصال. ولعل هذا منشأوهم من نقل عنه القول بالنجاسة وان حكم بطهر المحل كما تقدم في القول الخامس، قال المحقق الشيخ علي (قدس سره) في شرح الكتاب: " والظاهر ان هذا الحكم عنده مختص بالغسل المقتضي لحصول الطهارة، فلو غسل زيادة على الموظف كان ماء الغسل الزائد طاهرا، لعدم ملاقاته للمحل في حال نجاسته، مع امكان ان يقول بنجاسته ايضا، لانفصال شئ من الماء المتخلف في المحل معه والتنجيس فيه بعد انفصاله. وهو بعيد، مع ان الاصل العدم " انتهى. وكيف كان فالقول المذكور وما يبتنى عليه بمحل من البعد عن ساحة الاخبار المعصومية.

(الثامن) قال العلامة في المنتهى: " إذا غسل الثوب من البول في اجانة بان يصب عليه الماء. فسد الماء وخرج من الثانية طاهرا، اتحدت الآنية أو تعددت ". ثم احتج على ذلك بوجهين: (أحدهما) انه قد حصل الامتثال بغسله مرتين فيكون طاهرا. و (ثانيهما) صحيحة محمد بن مسلم (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الثوب يصيبه البول. قال: اغسله في المركن مرتين، فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة ". واورد عليه بانه يشكل حكمه بطهارة الثوب مع نجاسة الماء المجمتع تحته في الاجانة


(1) المروية في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب النجاسات.


[ 496 ]

سيما على مذهبه المتقدم من عدم نجاسة الغسالة إلا بعد الانفصال عن المحل المغسول، ومن المعلوم ان الماء هنا بعد انفصاله عن الثوب المغسول يلاقيه في الاناء، واللازم مما ذكر تنجسه به. وقد يتكلف في دفع الايراد المذكور بان المراد من الانفصال خروج الغسالة عن الثوب أو الاناء المغسول فيه، تنزيلا للاتصال الحاصل باعتبار الاناء منزلة ما يكون في نفس المغسول، للحديث المذكور. قيل: ولا يخفى ان هذا التكلف إنما يحسن ارتكابه مع قيام الدليل الواضح على نجاسة الغسالة، وإلا فظاهر الرواية يدل على طهارة الغسالة. وفيه (اولا) ان هذا التكلف إنما ارتكب لدفع المنافاة بين كلامي العلامة (قدس سره) من حكمه بنجاسة الغسالة بعد الانفصال وحكمه بطهارة الثوب في الصورة المفروضة، فنزل الاناء في الصورة المفروضة منزلة الثوب لتندفع به المنافاة بين كلاميه واما الكلام في نجاسة الغسالة وطهارتها فهو بحث آخر. و (ثانيا) ان دعوى دلالة الرواية على طهارة الغسلة مع تضمنها وجوب التعدد في الغسل محل اشكال كما عرفت، إلا ان يدعى حمل التعدد على محض التعبد وفيه ما تقدم. على انه ربما يقال: ان اصل الاشكال مما لا ورود له في هذا المجال وان ذكره بعض علمائنا الابدال، وذلك فان الثوب بعد وضعه في الاجانة وصب الماء عليه يغمره ويأتي عليه، فان الماء يدخل في جميع اجزائه وان انفصل باسفل الاجانة، ولكن مثل هذا لا يعد انفصالا عرفا، بل الانفصال في مثل هذا إنما يصدق بعد رفع الثوب من الاجانة وخروج الماء بنفسه أو بالعصر.

(التاسع) قد عرفت ان محل الخلاف في الغسالة طهارة ونجاسة إنما هو مع عدم التغير، والا فلو تغيرت بالاستعمال تنجست اجماعا، والمشهور ان التغير المعتبر هنا هو التغير في أحد الاوصاف الثلاثة خاصة كما تقدم. ونقل عن العلامة في النهاية


[ 497 ]

انه استقرب اجراء زيادة الوزن مجرى التغير، فلو غسلت النجاسة بماء فزاد وزنه بعد الغسل كان حكمه كالمتغير. وهو مع الوقوف له على دليل عديم الرفيق في ذلك السبيل.

(المسألة الخامسة) في غسالة الحمام. وقد اختلف كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) في حكمها، فقال الصدوق عطر الله مرقده (1): " ولا يجوز التطهير بغسالة الحمام، لانه تجتمع فيه غسالة اليهودي والمجوسي والنصراني والمبغض لآل محمد (صلى الله عليه وآله) وهو شرهم " وقريب منه كلام ابيه في رسالته إليه. وقال الشيخ في النهاية: " غسالة الحمام لا يجوز استعماله على حال " وجرى عليه ابن ادريس، فقال: " غسالة الحمام لا يجوز استعمالها على حال، وهذا اجماع، وقد وردت به عن الائمة (عليهم السلام) آثار معتمدة قد اجمع الاصحاب عليها لا احد خالف فيها " وقال المحقق في المعتبر: " ولا يغتسل بغسالة الحمام إلا ان يعلم خلوها من النجاسة " ونحوه قال العلامة في القواعد. وظاهر ما عدا عبارتي النهاية وابن ادريس هو الطهارة، إذ مقتضاها عدم جواز الاستعمال، وهو اعم من النجاسة، ويؤيده نقل الصدوق الرواية الدالة على نفي البأس عن ملاقاتها الثوب (2) وربما حمل كلام النهاية على ما تقضي به العادة من عدم انفكاك غسالة الحمام عن ملاقاة النجاسة، كما اعتذر به المحقق عنه في نكت النهاية، إذ لم نقف له على حجة في تعميم المنع من استعمالها. وبالطهارة صرح العلامة في المنتهى. فقال بعد نقل بعض الاقوال المتقدمة: " والاقوى عندي انه على اصل الطهارة " ثم استدل بمرسلة الواسطي الآتية. وبالنجاسة صرح في الارشاد فقال: " غسالة الحمام نجسة ما لم يعلم خلوها من النجاسة "


(1) في باب (المياه وطهرها ونجاستها). (2) وهى رواية ابى يحيى الواسطي الآتية في الصحيفة 498.


[ 498 ]

وفي التحرير عبر بعدم جواز الاستعمال كما هو عبارة النهاية. والذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالمسألة روايات. (منها) - رواية حمزة بن احمد عن ابي الحسن الاول (عليه السلام) (1) قال: " سألته أو سأله غيري عن الحمام. قال: ادخله بمئزر، وغض بصرك، ولا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام، فانه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب وولد الزنا والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم ". و (منها) رواية ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " لا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمام، فان فيها غسالة ولد الزنا، وهو لا يطهر إلى سبعة آباء، وفيها غسالة الناصب، وهو شرهما ". و (منها) رواية علي بن الحكم عن رجل عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: " لا تغتسل من غسالة ماء الحمام، فانه يغتسل فيه من الزنا، ويغتسل فيه ولد الزنا والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم ". و (منها) رواية ابي يحيى الواسطي عن بعض اصحابنا عن ابي الحسن الماضي (عليه السلام) (4) قال: " سئل عن مجتمع الماء في الحمام من غسالة الناس يصيب الثوب. قال: لا بأس ". و (منها) ما رواه الصدوق (قدس سره) في كتاب العلل (5) في الموثق عن عبد الله بن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: " وإياك


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 11 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (4) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (5) في الصحيفة 106 وفى الوسائل في الباب - 11 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل.


[ 499 ]

ان تغتسل من غسالة الحمام، ففيها تجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم ". وانت خبير بان الظاهر ان مطرح النزاع في هذا المسألة إنما هو حال الشك في عروض شئ من النجاسات، وإلا فمع العلم بملاقاة شئ منها فلا خلاف في الحكم بالنجاسة ممن قال بنجاسة القليل بالملاقاة. ومع العلم بالخلو عنها فالظاهر انه لا اشكال في الحكم بالطهارة، ولا خلاف في ذلك إلا ما يظهر من عبارة الصدوق، إلا ان الظاهر صرفها إلى ما ذكره المحقق من التفصيل، حيث استثنى من المنع من الغسل بالغسالة صورة العلم بخلوها من النجاسة، وكذا ظاهر عبارتي النهاية وابن ادريس، إلا انه لا يبعد صرفهما إلى ما ذكرنا آنفا. وقال المحقق في المعتبر بعد نقل ما تقدم من كلام ابن ادريس وان عبر عنه ببعض المتأخرين إلا انه هو المراد على التعيين ما صورته: " وهو خلاف الرواية، وخلاف ما ذكره ابن بابويه، ولم نقف على رواية بهذا الحكم سوى تلك الرواية ورواية مرسلة ذكرها الكليني، قال: بعض اصحابنا عن ابن جمهور، وهذا مرسلة وابن جمهور ضعيف جدا، ذكر ذلك النجاشي في كتاب الرجال، فاين الاجماع واين الاخبار المعتمدة ؟ ونحن نطالبه بما ادعاه وافرط في دعواه " انتهى. واشار بقوله: وهو خلاف الرواية. إلى رواية الواسطي. حيث قدمها اولا، وبالرواية التي رواها الكليني إلى رواية ابن ابي يعفور. ثم انه مع الشك في ملاقاة النجاسة الذي هو محل النزاع كما ذكرنا، فهل يحكم بالطهارة أو النجاسة أو المنع من الاستعمال خاصة ؟ الاول صريح العلامة في المنتهى كما عرفت، واليه مال جملة من المتأخرين ومتأخريهم، منهم: المحقق الشيخ علي في شرح القواعد، حيث قال: " والذي يقتضيه النظر انه مع الشك في النجاسة تكون على حكمها الثابت لها قبل الاستعمال وان كان اجتنابها احوط " والى ذلك مال المحقق الشيخ حسن


[ 500 ]

في المعالم، وقبله والده في الروض وغيرهم. والثاني صريح العلامة في الارشاد، وربما تبعه فيه بعض من تأخر عنه، قال في المعالم: " وربما قيل ان حجته النهي عن استعمالها وسقوطها ظاهر " انتهى. والثالث ظاهر الصدوقين والمحقق. إلا انهم خصوا المنع بالغسل، والذي فهمه من تأخر عنهم من كلامهم هو الحكم بالطاهرة وان امتنع الغسل بها. إذا عرفت ذلك فاعلم انه لقائل ان يقول: ان جل الاخبار المتقدمة قد دلت على المنع من الغسل، والظاهر انه لا خصوصية لذكر الغسل إلا من حيث ان الحمام غالبا إنما اتخذ لذلك، والاحكام في الاخبار كما نبهنا عليه غير مرة انما تخرج بناء على الافراد المتكررة الغالبة، وحينئذ فلا فرق في المنع من الاستعمال بين الغسل وغيره ومما يوضح ذلك ان الحكم بالنجاسة في اكثر المواضع إنما استفيد من نهي الشارع عن استعمال ما لاقته أو الامر بغسله أو نحو ذلك، حتى انه لو ورد شئ بلفظ النجاسة في مقام النزاع لسارعوا إلى تأويله بالحمل على المعنى اللغوي، ويؤيد ذلك ما ذكره السيد السند في المدارك، حيث قال بعد الاستدلال على نجاسة البول من غير المأكول بحسنة عبد الله بن سنان المتضمنة للامر بغسل الثوب من ابوال ما لا يؤكل لحمه (1) وكلام في البين ما صورته: " ولا معنى للنجس شرعا إلا ما وجب غسل الملاقي له، بل سائر الاعيان النجسة إنما استفيد نجاستها من أمر الشارع بغسل الثوب أو البدن من ملاقاتها " انتهى. والامر فيما نحن فيه كذلك. فان قيل: ان القاعدة الكلية الدالة على طهارة ما لا يعلم ملاقاته النجاسة ترد ما ذكرتم. قلنا: ما ذكرنا من الاخبار بالتقريب المذكور خاص، وهو مقدم على العام كما تقرر بين العلماء الاعلام.


(1) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب النجاسات.


[ 501 ]

إلا انه يبقى الكلام في مرسلة الواسطي، حيث دلت على نفي البأس عن ملاقاته للثوب، ولا ريب ان الترجيح لما عارضها بالكثرة. نعم استدل المحقق المولى الاردبيلي (عطر الله مرقده) في شرح الارشاد على الطهارة بصحيحة محمد بن مسلم (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الحمام يغتسل فيه الجنب وغيره، أغتسل من مائه ؟ قال: نعم لا بأس ان يغتسل منه الجنب، ولقد اغتسلت فيه ثم جئت فغسلت رجلي، وما غسلتهما إلا مما لزق بهما من التراب " ومثلها صحيحته الاخرى (2) وموثقة زرارة (3) قال: " رأيت أبا جعفر (عليه السلام) يخرج من الحمام فيمضي كما هو لا يغسل رجليه حتى يصلي ". وفيه ان مورد الروايات في هذه المسألة هو البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام، وإلحاق المياه المنحدرة في سطح الحمام بها مما لا دليل عليه، سيما مع ورود هذه الروايات دالة على الطهارة، وحينئذ فمحل الخلاف في المسألة مختص بالبئر خاصة، فالاستدلال بهذه الاخبار هنا مما لا وجه له. إلا ان الاقرب إلى النظر هو ما ذكره المحقق المشار إليه، فان الظاهر ان وصول الماء إلى البئر المشار إليها إنما يكون بعد المرور في سطح الحمام، لان تلك البئر إنما اعدت للمياه التي تجري من الحياض التي يغتسل عليها، ومن الظاهر مرورها على سطح الحمام، فالكلام في سطح الحمام كالكلام في الآبار نعم لو كان لوصول الماء إلى تلك الآبار طريق على حدة لا يتعلق بالسطح فالاستدلال بتلك الاخبار في غير محله، وعلى تقدير فرض محل النزاع ما يشمل السطح فالاستدلال على الطهارة بتلك الاخبار، فتحمل الاخبار الاول على الكراهة المغلظة، ولعل في عد الاغتسال من الزنا وغسالة ولد الزنا اشعارا بذلك، سيما مع ارداف الثاني بقوله: " وهو لا يطهر إلى سبعة آباء " فانه لم يقل بنجاسة ابن الزنا على هذا الوجه قائل من الاصحاب، ولا دليل عليه من سنة أو كتاب.


(1) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب الماء المطلق وفى الباب - 9 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (2) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب الماء المطلق. (3) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل.


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>