تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الأول


 

المقام الثاني

في الماء المشتبه

وفيه صور:

(الاول) اشتباه الطاهر بالنجس، والظاهر انه لا خلاف بين، الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ان الماء إذا كان طاهرا وهو في اناء واشتبه بماء نجس في اناء آخر فانه يجب اجتنابهما معا، نقل الاجماع على ذلك جماعة من اجلاء الاصحاب منهم: الشيخ في الخلاف والمحقق في المعتبر والعلامة في المختلف. واحتج في المعتبر بعد نقل الاتفاق بان يقين الطهارة في كل منهما معارض بيقين النجاسة، ولا رجحان، فيتحقق المنع. واورد عليه في المعالم بان يقين الطهارة في كل واحد بانفراده إنما يعارضه الشك في النجاسة لا اليقين، ونقل السيد السند في المدارك عن العلامة انه احتج في المختلف ايضا على ذلك بان اجتناب النجس واجب قطعا، وهو لا يتم إلا باجتنابهما معا، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب. واعترضه بان اجتناب النجس لا يقطع بوجوبه إلا مع تحققه بعينه لا مع الشك فيه. واستبعاد سقوط حكم هذه النجاسة شرعا إذا لم تحصل المباشرة بجميع ما وقع فيه الاشتباه غير ملتفت إليه، وقد ثبت نظيره في حكم واجدى المني في الثوب المشترك، واعترف به الاصحاب في غير المحصور ايضا. والفرق بينه وبين المحصور غير واضح عند التأمل. انتهى. وقد تقدمه في هذا الكلام شيخه المولى الاردبيلى. وقد جرى


[ 503 ]

على هذا المنوال جملة ممن تأخر عنه من علمائنا الابدال. وما نقله (قدس سره) عن المختلف لم نجده فيه في المسألة المذكورة ولعله في موضع آخر منه. والتحقيق في هذا المقام على ما يستفادة من أخبار أهل الذكر (عليهم السلام) انه لا يخفى على من خلع عنقه من ربقة التقليد للرجال واعطى النظر حقه فيما ورد عن الآل في هذا المجال ان الشارع كما حكم بالنجاسة والحرمة فيما تحقق كونه نجسا أو حراما، كذلك اعطى المشتبه بكل منهما في الافراد المحصورة حكم ما اشتبه به من النجاسة أو التحريم، ايضا بخلاف غير المحصورة، فانه حكم بطهر الجميع وحله دفعا للحرج والمشقة والتكليف بما لا يطاق. وحيث ان المسألة المذكورة مما لم يعطها حقها من التحقيق أحد من الاصحاب، ولم يميز القشر منها من اللباب، مع تكثر افرادها في الاحكام، فحري بنا ان نطيل فيها الكلام بما يقشع عنها غياهب الظلام، ونبين ما في كلام هؤلاء الاعلام من سقوط ما اعترضوا به في المقام. فنقول (اولا) لا يخفى ان القواعد الكلية الواردة عنهم (عليهم السلام) في الاحكام الشرعية، كما تكون باشتمال القضية على سور الكلية، كذلك تحصل بتتبع الجزئيات الواردة عليهم (عليهم السلام) كما في القواعد النحوية. وما صرح به الاصحاب (رضوان الله عليهم) في حكم المحصور وغير المحصور مما اشتبه بالنجس أو الحرام حيث حكموا بالنجاسة والتحريم في الاول دون الثاني وان كان لم يرد في الاخبار بقاعدة كلية إلا أن المستفاد منها على وجه لا يزاحمه الريب في خصوصيات الافراد التي تصلح للاندارج تحت كل من قاعدتي المحصور وغير المحصور هو ما ذكروه، بل في بعض تلك الاخبار كما سيأتيك ان شاء الله تعالى تصريح بكلية الحكم في بعض تلك الموارد. وها أنا اذكر لك ما وقفت عليه من المواضع المتعلقة بكل من تلك القاعدتين


[ 504 ]

ومما دل على حكم المحصور وانه يلحق المشتبه فيه حكم ما اشتبه به من نجاسة أو تحريم ما نحن فيه من مسألة الاناءين، فقد روى عمار في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) انه " سئل عن رجل معه اناءان فيهما ماء وقع في احدهما قذر لا يدري ايهما هو وليس يقدر على ماء غيره. قال: يهريقهما ويتيمم " (1) ومثله روى سماعة في الموثق عنه (عليه السلام) (2) فانهما كما ترى صريحان في الحكم المذكور. وطعن جملة من متأخري المتأخرين في الخبرين بضعف السند بناء على الاصطلاح المحدث بينهم. وقد عرفت ما في هذا الاصطلاح في المقدمة الثانية من مقدمات الكتاب. وبعض منهم جبر ذلك بقول الاصحاب للروايتين المذكورتين. وجملة منهم انما اعتمدوا في هذا الباب على الاجماع المنقول في المسألة. والكل بمكان من الضعف ومن ذلك الثوب الطاهر المشتبه بثوب آخر نجس، فانه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ممن منع الصلاة عاريا في انه يجب الصلاة فيهما على جهة البدلية، حتى من اولئك الفضلاء المنازعين في هذه المسألة، ولم يجوز أحد منهم الصلاة في واحد خاصة، مع ان مقتضى ما قالوه في هذه المسألة جواز ذلك. ويدل على الحكم المذكور من النصوص حسنة صفوان بن يحيى عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) انه " كتب إليه يسأله عن رجل كان معه ثوبان فاصاب أحدهما بول ولم يدر ايهما هو، وحضرت الصلاة وخاف فوتها، وليس عنده ماء، كيف


(1) و (2) رواه صاحب الوسائل في الباب - 8 و 12 - من ابواب الماء المطلق، وفى الباب - 4 - من ابواب التيمم، وفى الباب - 64 - من ابواب النجاسات. (3) المروية في الوسائل في الباب - 64 - من ابواب النجاسات. والرواية - كما في الفقيه ص 161 والتهذيب ص 199 عن ابى الحسن (عليه السلام)، ولكن ما وفقنا عليه من نسخ الحدائق تنص على انها عن ابى عبد الله (عليه السلام).


[ 505 ]

يصنع ؟ قال: يصلي فيهما جميعا " قال شيخنا الصدوق (رضى الله عنه) في الفقيه بعد نقل الرواية: " يعني على الانفراد ". قال في المدارك بعد ان نقل القول بذلك عن الشيخ واكثر الاصحاب وقال: انه المعتمد. ونقل عن بعض الاصحاب انه يطرحهما ويصلي عريانا ما صورته: " ومتى امتنع الصلاة عاريا ثبت وجوب الصلاة في أحدهما أو في كل منهما، إذ المفروض انتفاء غيرهما. والاول منتف، إذ لا قائل به، فيثبت الثاني، ويدل عليه ما رواه صفوان.. " ثم ساق الرواية. واقول: انت خبير بما فيه، فان مقتضى ما ذكره في مسألة الاناءين واختاره فيها وما ذكره ايضا في مسألة السجود مع حصول النجاسة في المواضع المتسعة، حيث قال بعد البحث في المسألة: " والذي يقتضيه النظر عدم الفرق بين المحصور وغيره، وانه لا مانع من الانتفاع بالمشتبه فيما يفتقر إلى الطهارة إذا لم يستوعب المباشرة بجميع ما وقع فيه الاشتباه " انتهى انه يجزي هنا الصلاة في ثوب واحد. وتوقف القول به على وجود القائل جار في الموضعين الاخرين. فانه لم يخالف في تلك المسألتين احد سواه، ومن حذا حذوه واقتفاه. والجواب عنه بوجود النص المعتمد في الثوب النجس المشتبه وعدم وجوده هناك، لضعف النص في مسألة الاناءين، وعدم النص في مسألة السجود ضعيف: (أولا) بانه بالتأمل في النصوص الواردة في الاحكام المتفرقة وضم بعضها إلى بعض كما سنوضحه ان شاء الله تعالى يعلم ان ذلك حكم كلي. و (ثانيا) ان ما ذكره من التعليل في الموضعين يعطي كون الحكم عنده كليا في مسألة الطاهر المشتبه بالنجس مطلقا لا بخصوص تلك المسألتين. ومن ذلك الثوب النجس بعضه مع وقوع الاشتباه في جميع اجزاء الثوب، فانه لا خلاف بين الاصحاب حتى من هذا الفاضل ومن تبعه في انه لا يحكم بطهارة


[ 506 ]

الثوب إلا بغسله كملا، وبه استفاضت الاخبار. ففي صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) انه قال في المني يصيب الثوب: " فان عرفت مكانه فاغسله. وان خفي عليك فاغسله كله " ومثلها صحيحة زرارة (2) وحسنة محمد بن مسلم (3) ورواية ابن ابي يعفور (4) وغيرها قال السيد في المدارك بعد نقل عبارة المصنف في ذلك: " هذا قول علمائنا واكثر العامة (5) قاله في المعتبر، واستدل عليه بان النجاسة موجودة على اليقين، ولا يحصل اليقين بزوالها إلا بغسل جميع ما وقع فيه الاشتباه، ويشكل بان يقين النجاسة يرتفع بغسل جزء مما وقع فيه الاشتباه يساوي قدر النجاسة وان لم يحصل القطع بغسل ذلك المحل بعينه " انتهى. وفيه (اولا) ان الظاهر ان ما ذكره المحقق (قدس سره) من التعليل


(1) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 7 و 16 - من ابواب النجاسات. (2) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب النجاسات. (3) المروية في الوسائل في الباب - 7 و 9 - من ابواب النجاسات. (5) في بدائع الصنائع في الفقه الحنفي ج 1 ص 81 " لو ان ثوبا اصابته النجاسة وهى كثيرة، فجفت وخفى مكانها وذهب اثرها غسل جميع الثوب، ولو اصابت احد الكمين ولا يدرى ايهما هو، غسل جميعهما. والقول بغسل موضع من الثوب والحكم بطهارة الباقي غير سديد، لان موضع النجاسة غير معلوم، وليس البعض باولى من البعض " وفى مجمع الانهر لشيخ زاده الحنفي ج 1 ص 64 " لو تنجس طرف من الثوب فنسى المحل المصاب بالنجاسة وغسل طرفا بلا تحر حكم بطهارته، وفى متفرقات ركن الاسلام لا يطهر وان تحرى، وفى شرح الطحاوي إذا خفى موضع النجاسة يغسل جميع الثوب " وفى فتح القدير لابن همام الحنفي ج 1 ص 132 عن الظهيرية " الثوب تكون فيه النجاسة فلا يدرى مكانها، يغسل الثوب كله " وفى الام للشافعي ج 1 ص 47 " كل ما اصاب الثوب من غائط رطب أو بول أو دم أو خمر فاستيقنه صاحبه فعليه غسله، وان اشكل عليه موضعه لم يجزه إلا غسل الثوب كله ".


[ 507 ]

هنا وفي مسألة الاناءين بل في سائر المواضع إنما هو على جهة التوجيه للنص وبيان حكمة الامر فيه، لانه مع وجود النص فلا ضرورة تلجئ إلى التعليل بالوجوء العقلية. على ان احكام الشرع توقيفية لا تعلل بالعقول، كما اطال به المحقق الكلام في اول كتاب المعتبر وغيره في غيره، وحينئذ فلا اشكال. نعم هذا الاشكال موافق لما اختاره في ذينك الموضعين المتقدمين، ولكنه وارد عليه في هذا الموضع، حيث ان مقتضى ما اختاره ثمة الاكتفاء بغسل جزء من الثوب كما ذكره، ولكن النصوص تدفعه، وهو دليل على ما ادعيناه وصريح فيما قلناه. و (ثانيا) انه متى كان يقين النجاسة هنا يرتفع بغسل جزء مما وقع فيه الاشتباه بمعنى انا لا نقطع حينئذ ببقاء النجاسة، لجواز كونها في ذلك الجزء الذي قد غسل فانا نقول ايضا مثله في مسألة الاناءين: انه بعد وقوع النجاسة في واحد منهما لا على التعيين فقد زال يقين الطهارة الحاصل اولا عن كل من ذينك الاناءين، وهكذا في الثوب والمكان المحصورين، فانه قد تساوى احتمال الملاقاة وعدم الملاقاة في كل جزء جزء من تلك الاجزاء المشكوك فيها، وهذا القدر يكفي في زوال ذلك اليقين الحاصل قبل الملاقاة والخروج عن مقتضاه. ومن ذلك اللحم المختلط ذكية بميته، فقد ذهب الاصحاب إلى تحريم الجميع من غير خلاف، وعليه دلت الاخبار: و (منها) حسنة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) انه " سئل عن رجل كانت له غنم وبقر وكان يدرك الذكى منها فيعزله ويعزل الميتة، ثم ان الميتة والذكي اختلطا فكيف يصنع ؟ قال: يبيعه ممن يستحل المتية ويأكل ثمنه " ومثلها


(1) المروية في الوسائل في باب (ان الميتة إذا اختلطت بالذكى جاز بيع الجميع ممن يستحل الميتة واكل ثمنه) من ابواب الاطعمة المحرمة من كتاب الاطعمة والاشربة.


[ 508 ]

حسنته الاخرى (1) ايضا. ويأتي بمقتضى ما ذكره السيد ومن تبعه ان كل قطعة لاحظناها من هذا اللحم فهي حلال لا يحكم بنجاستها ولا تحريم اكلها، لان الواجب إنما هو اجتناب ما تحقق تحريمه بعينه لا ما اشتبه بالحرام، والنموص تدفعه. ولو قيل: انه يتمسك هنا باصالة عدم التذكية. قلنا: يعارضه التمسك باصالة الطهارة واصالة الحلية. ومما ورد في حكم غير المحصور جملة من الاخبار في مواضع: (منها) الاخبار الدالة على ان كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر (2) فان القدر المعلوم منها كما مر تحقيقه في المقدمة الحادية عشرة ان كل صنف يكون فيه طاهر ونجس كالدم والبول وامثالهما مما لم يميز الشارع بين فرديه بعلامة فهو طاهر حتى يعلم انه من الفرد النجس، وفيه كما ترى دلالة على حكم غير المحصور بوجه كلي. و (منها) الاخبار الدالة على ان كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعلم الحرام بعينه فتدعه (3). ومنها صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) انه


(1) المروية في الوسائل في باب (ان الميتة إذا اختلطت بالمذكى جاز بيع الجميع ممن يستحل الميتة واكل ثمنه) من ابواب الاطعمة المحرمة من كتاب الاطعمة والاشربة. (2) تقدم بعضها في الصحيفة 134، وسذكرها (قدس سره) في التنبيه الثاني من تنبيهات المسألة الثانية من البحث الاول من احكام النجاسات. (3) تقدم ذكرها في قاعدة الحل في الصحيفة 140. (4) كذا فيما وفقنا عليه من النسخ. ولكن هذه الرواية - كما في كتب الحدث - هي رواية عبد الله بن سليمان عن ابى جعفر (عليه السلام) المتقدمة في قاعدة الحل في الصحيفة 141 وقد رواها الكليني في الكافي ج 2 ص 175. نعم الراوى عن عبد الله بن سليمان هو عبد الله بن سنان. كما في المحاسن ايضا ج 2 ص 495 وقد رواها صاحب الوسائل في الباب - 61 - من ابواب الاطمعة المباحة من كتاب الاطعمة والاشربة. ولم نجد في كتب الحديث - بعد التتبع - =


[ 509 ]

" سأل عن الجبن. فقال: سألتني عن طعام يعجبني، ثم اعطى الغلام درهما فقال: يا غلام ايتع لنا جبنا، ثم دعى بالغداء فتغدينا معه، فاتى بالجبن فاكل واكلنا، فلما فرغنا من الغداء قلت: ما تقول في الجبن ؟ قال: أو لم ترني اكلته ؟ قلت: بلى ولكني احب ان اسمعه منك. فقال: سأخبرك عن الجبن وغيره، كل ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه ". وما رواه في كتاب المحاسن (1) عن ابي الجارود، قال: " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجبن، فقلت له: اخبرني من رأى انه يجعل فيه الميتة. فقال: أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم في جميع الارضين ؟ إذا علمت انه ميتة فلا تأكل، وان لم تعلم فاشتر وبع وكل، والله اني لاعترض السوق فاشتري بها اللحم والسمن والجبن، والله ما اظن كلهم يسمون هذه البربر وهذه السودان " إلى غير ذلك من الاخبار التي لا يأتي عليها قلم الاحصاء في هذا المضمار. وانت خبير بان الحكم الوارد في هذه الاخبار على وجه كلي، فكل شئ من الاشياء متى كان له افراد بعضها معلوم الحل وبعضها معلوم الحرمة. ولم يميز الشارع احدهما بعلامة. وتلك الافراد مما يتعسر أو يتعذر ضبطها كما اشار إليه في رواية المحاسن بقوله: " أمن اجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم في جميع الارضين " فالجميع حلال حتى يعرف الحرام بعينه فيجتنبه. وهذا من التوسعات والرخص الواقعة في الشريعة المبنية على السهولة، لرفع الحرج والمشقة اللازمين بوجوب التكليف باجتناب ذلك، بخلاف الافراد المحصورة، فانه لا حرج في التكليف


= في المظان صحيحة لعبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) بهذا المتن. نعم لعبد الله بن سنان صحيحة تتضمن الكلية المتقدمة في رواية عبد الله بن سليمان فقط، وقد تقدمت في الصحيفة 140. (1) في الصحيفة 495، وفى الوسائل في الباب - 61 - من ابواب الاطعمة المباحة من كتاب الاطعمة والاشربة.


[ 510 ]

باجتنابها كما لا يخفى، وهذه الاخبار كما انها تدل على حكم غير المحصور بالنسبة إلى اشتباه الحلال والحرام كذلك تدل عليه بالنسبة إلى اشتباه الطاهر بالنجس، فان التحريم الذي حصل الاشتباه به إنما نشأ من حيث النجاسة كما لا يخفى. و (منها) جوائز الظالم، فانه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في حلها وجواز اكلها، مع العلم واليقين بكون اكثرها حراما، وبه استفاضت الاخبار: ومنها صحيحة ابى ولاد (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ما ترى في رجل يلي اعمال السلطان، ليس له مكسب إلا من اعمالهم، وانا امر به فانزل عليه فيضيفني ويحسن إلي، وربما أمر لي بالدراهم والكسوة، وقد ضاق صدري من ذلك ؟ فقال لي: كل وخذ منه فلك المهنا وعليه الوزر ". هذا ما خطر بالبال مما يدخل في هذا المجال. وبذلك يتضح لك ما في كلام المحدث الكاشاني في المفاتيح والفاضل الخراساني في الكفاية، حيث ذهبا إلى حل ما اختلط بالحرام وان كان محصورا، استنادا إلى صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة (2). وفيه (اولا) انك قد عرفت بمعونة ما قدمناه ان مورد الرواية كما هو ايضا مقتضى سياقها إنما هو الافراد الغير الممحصورة، وان ذلك قاعدة كلية في الطهارة والنجاسة والحل والحرمة. و (ثانيا) ان الاخبار الدالة على وجوب الاجتناب للحرام عموما وخصوصا متناولة لما نحن فيه، وهو لا يتم هنا إلا باجتناب الجميع. و (ثالثا) ان جملة من الاخبار قد صرحت بالتحريم في خصوص المحصور،


(1) المروية في الوسائل في باب (ان جوائز الظالم وطعامه حلال.. الخ) من ابواب ما يكتسب به من كتاب التجارة. (2) راجع التعليقة 4 في الصحيفة 508.


[ 511 ]

كروايتي الحلبي المتقدمتين في اللحم المختلط ذكيه بميته كما تقدم (1). وما رواه الشيخ في التهذيب (2) بسنده عن ضريس الكناسي قال: " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن السمن والجبن نجده في ارض المشركين بالروم أنا كله ؟ فقال: اما ما علمت انه قد خلطه الحرام فلا تأكل، واما ما لم تعلم فكله حتى تعلم انه حرام ". وما رواه عبد الله بن سنان (3) عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: " كل شئ لك حلال حتى يجيئك شاهدان ان فيه ميتة ". والجميع كما ترى صريح في الحكم بالتحريم. ولا ريب ان طريق الجمع بينها وبين صحيحة عبد الله بن سنان (4) وما في معناها إنما يتم بالحمل على الفرق بين المحصور وغير المحصور، كما يقتضيه سياق كل من تلك الاخبار، وسيجئ تحقيق هذه المسألة ان شاء الله تعالى واعطاء البحث حقه مع هذين الفاضلين في محله. وبالجملة فانك إذا اعطيت التأمل حقه فيما نقلنا من الاخبار خاصها وعامها وضممت بعضها إلى بعض، فلا اراك تستريب فيما ذكرنا من حصة تلك الكليتين وظهور تلك القاعدتين، اعني كليتي المحصور وغير المحصور، وان الاخبار الدالة بعمومها على طهارة كل شئ حتى تعلم نجاسته وحلية كل شئ حتى تعلم حرمته مقيدة باخبار


(1) في الصحيفة 507. (2) في ج 2 ص 302 وفى الوسائل في باب (حكم السمن والجبن وغيرهما إذا علم انه خلطه حرام) من ابواب الاطعمة المحرمة من كتاب الاطعمة والاشربة. (3) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المطبوعة والمخطوطة. والذى وجدناه في كتب الحديث بهذا المضمون هي رواية عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) في الجبن قال: " كل شئ لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان عندك ان فيه ميتة ". وقد رواها في الوسائل في الباب - 61 - من ابواب الاطعمة المباحة. (4) راجع التعليقة 4 في الصحيفة 508.


[ 512 ]

المحصور طهارة ونجاسة وحلية وحرمة. ومن القواعد المتفق عليها عندهم تقديم العمل بالخاص، وحينئذ فتخصيص اخبار اصالة يقين الطهارة واصالة يقين الحلية بغير موضع الاشتباه في الاشياء المعلومة بشخصها، فتأمله بعين البصيرة وتناوله بيد غير قصيرة، ليظهر لك ما في الزايا من خبايا. هذا. وما اورده في المعالم على المحقق فيندفع بما اشرنا إليه آنفا من انه قد حصل لنا اليقين بنجاسة بعض تلك الاشياء المعلومة بشخصها، وهذا اليقين اوجب حدوث حالة متوسطة بين الطهارة والنجاسة. وحينئذ فهو من باب نقض اليقين بيقين مثله. واما ما ذكره السيد السند من ان اجتناب النجس لا يقطع بوجوبه الا مع تحققه بعينه فمردود بان الاخبار كما دلت على وجوب الاجتناب مع اليقين دلت على وجوب الاجتناب مع الاشتباه بمحصور. وقياسه هذه المسألة ونحوها على مسألة واجدي المني في الثوب المشترك قياس مع الفارق، لوجود النصوص الدالة على الاجتناب في هذه المسألة ونظائره، وعدم النص في تلك المسألة على ما ذكروه فيها من الاحكام. وسيأتي ان شاء الله ما فيه تحقيق الحال ودفع الاشكال في المسألة المذكورة.

وينبغي التنبيه هنا على فوائد:

(الاولى) لو لاقى هذا الماء شيئا طاهرا فهل يحكم بنجاسته ام لا ؟ قولان مبنيان على ان هذا الماء هل يكون حكمه حكم النجس من كل وجه أو بالنسبة إلى عدم الاستعمال في الطهارة خاصة ؟ وبالاول صرح العلامة في المنتهى، فقال: " لو استعمل أحد الاناءين وصلى به لم تصح صلاته، ووجب عليه غسل ما اصابه المشتبه بماء متيقن الطهارة كالنجس " ثم نقل عن بعض العامة انه نفى وجوب الغسل عنه، معللا بان المحل طاهر بيقين فلا يزول بالشك في النجاسة. واجاب عنه بانه لا فرق في المنع بين يقين النجاسة وشكها هنا وان فرق بينهما في غيره.


[ 513 ]

وبالثانى صرح جملة من المتأخرين ومتأخريهم: منهم السيد السند في المدارك وجده في الروض. واحتج عليه في الممدارك بان احتمال ملاقاة النجاسة لا يرفع يقين الطهارة، فقال في رد كلام العلامة بان المشتبه بالنجس حكمه حكم النجس ما صورته: " وضعفه ظاهر، للقطع بان موضع الملاقاة كان طاهرا في الاصل، ولم يعرض له ما يقتضي ظن ملاقاته للنجاسة فضلا عن اليقين. وقولهم بان المشتبه بالنجس حكمه حكم النجس لا يريدون به من جميع الوجوه، بل المراد صيرورته بحيث يمنع استعماله في الطهارة خاصة. ولو صرحوا بارادة المساواة من كل وجه كانت دعوى خالية من الدليل " انتهى وانت خبير بانه بمقتضى ما نقلنا من الاخبار المتعلقة بحكم المشتبه في الافراد المحصورة مما ورد في هذه المسألة ونظائرها، وان ذلك قاعدة كلية. اعطاء المشتبه بالنجس حكم النجس على التفصيل الآتي، والمشتبه بالحرام حكم الحرام كذلك، ألا ترى ان ملاقاة النجاسة لبعض الثوب مع الاشتباه بباقي اجزائه موجب لغسله كملا كما تقدم في الاخبار. ومن الظاهر انه لا وجه لذلك إلا توقف يقين طهارته الموجب لاجراء حكم الطاهر عليه من صحة الصلاة فيه ومنع تعدي حكم النجاسة منه إلى ما يلاقيه برطوبة على ذلك. وبمقتضى ما ذهب إليه من حكمه في هذه المسألة بعدم وجوب تطهير الملاقي لهذا الماء انه لا يجب تطهير ما لاقى بعض اجزاء هذا الثوب برطوبة، مع ان ظاهر النصوص الواردة بوجوب تطهيره كملا يدفع، لان ايجاب الشارع تطهيره كملا دال على ترتب حكم النجس عليه قبل التطهير. إلا ان هؤلاء الفضلاء لما كان نظرهم في المسألة مقصور على الموثقتين الواردتين فيها (1) وهما إنما تضمنتا المنع من الاستعمال في الطهارة خاصة، مع كون الحكم فيهما جاريا على خلاف


(1) وهما موثقتا عمار وسماعة المتقدمان في الصحيفة 504.


[ 514 ]

القوانين المقررة اقتصروا على موردهما على تقدير العمل بهما. وحينئذ فما ذكره العلامة في المنتهى من ان المشتبه بالنجس حكمه حكم النجس، ان اراد به من جميع الوجوه فهو مردود بحسة صفوان (1) الواردة في الثوبين المشتبه طاهرهما بنجسهما، إذ لا تكرر الصلاة في الثوبين النجسين ولا الطاهرين، وان أراد من بعض الوجوه التي من جملتها ملاقاته برطوبة فصحيح. وبالجملة فان للمشتبه في هذه المسألة وامثالها حالة متوسطة، فمن بعض الجهات كالاكل والشرب والملاقاة برطوبة حكمه حكم النجس، ومن بعض الجهات كالصلاة في الثوبين المشتبهين باعتبار تكرارها فيهما له حالة ثالثة. والى ذلك يميل كلام المحدث الاسترابادي (قدس سره) في كتاب الفوائد المدنية في مسألة ما لو تنجس الماء مع الشك في بلوغه الكرية، حيث قال بعد ان اختار فيه التوقف عن الحكم بالطهارة والنجاسة ما صورته: ".

ثم اعلم ان هنا اقساما ثلاثة: المحكوم عليه بالطهارة والمحكوم عليه بالنجاسة والمحكوم عليه بوجوب التوقف عن الحكمين وبوجوب الاجتناب ومن المعلوم ان الملاقي لاحد الثلاثة حكمه حكم أحد الثلاثة " انتهى. والعجب منهم (نور الله تعالى مراقدهم) فيما ذهبوا إليه هنا من الحكم بطهارة ما تعدى إليه هذا الماء. مع اتفاقهم ظاهرا في مسألة البلل المشتبه الخارج بعد البول وقبل الاستبراء على نجاسة ذلك البلل ووجوب غسله. كما سيأتي ان شاء الله تعالى الكلام فيه في المسألة المذكورة. والمسألتان من باب واحد كما لا يخفى.

(الثانية) لو اشتبه ماء اناء طاهر باحد الاناءين، فهل يكون الحكم فيه كالحكم فيما اشتبه به من وجوب الاجتناب. أو يحكم بطهارتهما معا، بناء على ان مورد النص إنما هو اشتباه الطاهر يقينا بالنجس يقينا ؟


(1) المتقدمة في الصحيفة 504.


[ 515 ]

لا ريب ان مقتضى كلام القائلين بتخصيص حكم الاشتباه بالنجس بالطهارة خاصة دون سائر الاستعمالات هو الثاني. واما على تقدير القول باجراء حكم النجس على المشتبه به مطلقا فيحتمل الحكم بوجوب الاجتناب، لان هذا بعض الاحكام المترتبة على النجس، وبذلك صرح العلامة في المنتهى ايضا. واعترضه في المعالم بان ذلك خارج عن مورد النص محل الوفاق، فلا بد له من دليل. ويحتمل العدم وقوفا على مورد النص كما عرفت. والاحتياط لا يخفى.

(الثالثة) نص كثير من الاصحاب (رضوان الله عليهم) كالشيخين والفاضلين وغيرهما على عدم الفرق في وجوب الاجتناب مع الاشتباه بين ما لو كان الماء في اناءين أو اكثر. بل نبه بعضهم على عدم الفرق بين كون ذلك اناءين أو غديرين. قال في المعالم بعد نقل ذلك عنهم، والاعتراض بان الحديثين اللذين احتجوا بهما للحكم (1) إنما وردا في الاناءين ما صورته: " ولو تم الاحتجاج بالاعتبارات التي ذكروها لكانت دليلا في الجميع، واما النص فخاض كما علم، فتتوقف التسوية التي ذكروها على الدليل، ولعله الاتفاق مضافا إلى الاعتبار " انتهى. وعلى هذا الكلام جرى جملة ممن تأخر عنه. وفيه ما قد عرفت من ان نظرهم لما كان مقصورا على الخبرين المذكورين مع ما عرفت من طعنهم فيهما ومناقشتهم في أصل المسألة كان التعدي عن موردهما يحتاج إلى دليل. ومن سرح بريد نظره فيما حققناه وتأمل ما شرحناه عرف ان الحكم في ذلك امر كلي وقاعدة مطردة لا يداخله شوب الاشكال في تعدي الحكم إلى ما ذكره اولئك الفضلاء. على ان التخصيص بالاناءين إنما وقع في كلام السائل، وخصوص السؤال لا يخصص كما تقرر عندهم.


(1) وهما موثقا عمار وسماعة المتقدمان في الصحيفة 504.


[ 516 ]

(الرابعة) هل الامر بالاراقة في النص (1) على جهة الوجوب ام لمجرد الاباحة ؟ ظاهر كلام الشيخين والصدوقين (عطر الله مراقدهم) الاول، إلا ان كلام الصدوقين ربما اشعر باختصاص الحكم بحال ارادة التيمم، حيث قالا في الرسالة والفقيه: " فان كان معك إناءان فوقع في أحدهما ما ينجس الماء ولم تعلم في ايهما وقع فاهرقهما جميعا وتيمم " واما كلام الشيخين سيما المفيد في المقنعة فظاهر في عدم التقييد بذلك، حيث ذكر انه بعد الاهراق يتوضأ بماء سواهما. وصريح كلام ابن ادريس ومن تأخر عنه الثاني، وربما يؤيد بورود الامر بالاراقة في جملة من الاخبار، كما تقدم في ادلة نجاسة الماء القليل بالملاقاة، مع انه لم يقل أحد بوجوب الاراقة ثمة، قال في المعتبر: " وقد يكنى عن النجاسة بالاراقة في كثير من الاخبار تفخيما للمنع " وهو جيد. ونقل في المعتبر عن بعض الاصحاب ان علة الامر بالاراقة ليصح التيمم، لانه مشروط بعدم الماء. ورده بان وجود الماء الممنوع من استعماله لا يمنع التيمم، كالمغصوب وما يمنع من استعماله مرض أو عدو، ومنع الشارع اقوى الموانع. وهو متجه. وكيف كان فلا يخفى عليك ما في الامر بالاراقة من الدلالة على عدم الانتفاع بالماء المذكور وان وجوده في حكم العدم، وبه يظهر لحوقه للنجس في جملة احكامه لا بخصوص الطهارة من الحدث كما ذكره اولئك الفضلاء (رضوان الله عليهم) لانه متى جاز الانتفاع به في غير الطهارة من أكل وشرب ونحوهما فاراقته مما يدخل في باب الاسراف المنهي عنه عموما وخصوصا. والحق ان التعبير باراقته هنا دليل ظاهر في لحوق احكام النجس كملا كما لا يخفى.

(الخامسة) قال السيد السند في المدارك بعد الكلام الذي نقلناه في صدر


(1) وهو موثق عمار وموثق سماعة المتقدمان في الصحيفة 504.


[ 517 ]

المسألة: " ويستفاد من قواعد الاصحاب انه لو تعلق الشك بوقوع النجاسة في الماء وخارجه لم ينجس الماء بذلك ولم يمنع من استعماله، وهو مؤيد لما ذكرناه " انتهى. اقول: وجه الفرق بين ما نحن فيه وبين ما فرضه (قدس سره) ممكن، فان مقتضى القاعدة المستفادة من الاخبار بالنسبة إلى الاشتباه في المحصور ان تكون افراد الاشتباه امورا معلومة معينة بشخصها وبالنسبة إلى غير المحصور ان لا تكون كذلك، وما ذكره من الصور المشار إليها انما هو من الثاني لا الاول. على ان القاعدة المذكورة إنما تتعلق بالافراد المندرجة تحت ماهية واحدة، والجزئيات التي تحويها حقيقة واحدة ان اشتبه طاهرها بنجسها وحلالها بحرامها، فيفرق فيها بين المحصور وغير المحصور بما تضمنته تلك الاخبار لا وقوع الاشتباه كيف اتفق.

(السادسة) الظاهر انه لا فرق في ترتب حكم الاشتباه المذكور بين ان يكون الماءان طاهرين ثم يقع في أحدهما قذر ولا يعلم على التعيين، أو يكون احدهما طاهرا والآخر نجسا ثم يشتبه احدهما بالآخر، أو يكونا كذلك ثم ينقلب احدهما ويشتبه الباقي بكونه هو الطاهر أو النجس.

(السابعة) لو امكن الصلاة بطهارة متيقنة من هذين الماءين بان يتطهر باحدهما ثم يصلي ثم يغسل اعضاءه مما لاقاه ماء الوضوء ثم يتوضأ بالآخر، فهل تصح الصلاة ام لا ؟ الذي صرح به جمع من الاصحاب المنع، وهو الظاهر، قال في المعتبر في توجيهه: " لانه ماء محكوم بالمنع منه فجرى استعماله مجرى النجس " انتهى. وعلله بعضهم بانه يصدق عليه بعد الطهارة الاولى انه متيقن الحدث شاك في الطهارة ومن هذا شانه لا يسوغ له الدخول في الصلاة نصا واجماعا، ووضوؤه الثاني يجوز ان يكون بالنجس فيكون قد صلى بنجاسة. وعلله في المدارك بان هذين الماءين قد صارا محكوما بنجاستهما شرعا، واستعمال


[ 518 ]

النجس في الطهارة مما لا يمكن التقرب به، لانه بدعة. ثم قال: " وفيه ما فيه ". والحق ما علله به في المعتبر. وكيف كان فالظاهر انه لا خلاف في الحكم المذكور.

(الثامنة) قد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لا يجوز التحري في الاجتهاد بتحصيل الامارات المرجحة لطاهرة أحدهما. وهو كذلك، لثبوت النهي عن استعمال هذا الماء. والقرينة التي لا تثمر اليقين غير كافية في الخروج عن عهدة النهي الشرعي.

(الصورة الثانية) الاشتباه بالمغصوب، وقد صرح جمع من الاصحاب بان الحكم فيها كالاشتباه بالنجس واستشكله بعض افاضل متأخري المتأخرين نظرا إلى صحيحة عبد الله بن سنان (1) الدالة على ان " كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه " وما في معناها. وفيه نظر، فان مورد هذه الرواية وما في معناها، كما عرفت آنفا إنما هو الافراد الغير المحصورة. وحينئذ فما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) هو الظاهر، وقوفا على القاعدة الواردة في المحصور إذا اشتبه حلاله بحرامه كما عرفت، فتحريم الاستعمال مما لا ينبغي ان يستراب فيه. لكن لو توضأ بهما وارتكب المحرم، فهل تحصل له طهارة صحيحة يجوز له الدخول بها في الصلاة ام لا ؟ صرح بعض محققي متأخرى المتأخرين بالاول، قال: " لان احدهما ماء


(1) المروية في الوسائل في الباب - 4 - من ابواب ما يكتسب به، وفى باب (حكم السمن والجبن وغيرها إذا علم انه خلط حرام) من ابواب الاطعمة المحرمة. وقد تقدمت في الصحيفة (140).


[ 519 ]

مباح ولا شك انه قد وقعت الطهارة به، فيلزم ان تكون صحيحة " ثم انه اعترض على نفسه بان استعمال كل منهما حرام منهي عنه والنهي في العبادة موجب للفساد. واجاب بمنع كون النهي موجبا للفساد في العبادة. ولم اقف لغيره على كلام في المقام الا ان الموافق لمذاق الاصحاب بمقتضى القاعدة التي منعها لاتفاقهم على العمل بها هو البطلان. اقول: ومع الاغماض عن ذلك فيمكن أن يقال: (اولا) ان التقرب بما نهى الشارع عنه نهى تحريم غير معقول، ولعل ذلك هو الوجه في القاعدة التي بنى عليها الاصحاب، من ان النهى في العبادة موجب لفسادها. و (ثانيا) ان هذه المسألة نظير المسألة التي مرت في الفائدة السابعة. وقد عرفت انه لا خلاف في البطلان ثمة. و (ثالثا) ان هذا الماء باعتبار تحريم الشارع استعماله يصير في حكم العدم، وحينئذ ينتقل الفرض إلى التيمم لو لم يوجد غيره، ولا ريب انه مع انتقال الفرض إلى التيمم فلا يجزي الوضوء، كما في سائر المواضع التي ينتقل الفرض فيها إلى التيمم وان كان الماء موجودا.

(الصورة الثالثة) الاشتباه بالمضاف. وقد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه يجب الوضوء بكل منهما. وهو كذلك، فان المسألة هنا من قبيل الصلاة في الثوبين المشتبه طاهرهما بنجسهما. وما يتوهم في مثل هذه المسألة من انه لابد من الجزم بالنية فلا دليل عليه. بل الدليل قائم على خلافه، لما ورد (1) من صحة صلاة من نسي فريضة من الخمس ثنائية.


(1) في روايتي علي بن اسباط والحسين بن سعيد عن ابى عبد الله (عليه السلام) المرويتين في الوسائل في الباب - 11 - من ابواب قضاء الصلوات.


[ 520 ]

وثلاثية ورباعية مرددة. ومع تسليم ما ذكروه فهو مخصوص بصورة يتيسر فيها الجزم. ثم انه هل تصح الطهارة بهذين الماءين المشتبهين مع وجود ماء غير مشتبه ام لا ؟ ظاهر الاصحاب الثاني كما صرح به جملة منهم، وعلله شيخنا الشهيد الثاني في الروض بالقدرة على الجزم التام في النية مع استعمال الآخر فلا يصح بدونه. ولو انقلب احدهما فذهب ماؤه، فالذي صرحوا به انه يجب الوضوء بالآخر والتيمم مقدما للاول على الثاني. واعترضه في المدارك بان الماء الذي يجب اسعتماله في الطهارة ان كان هو ما علم كونه ماء مطلقا، فالمتجه الاجتزاء بالتيمم وعدم وجوب الوضوء به كما هو الظاهر، وان كان هو ما لا يعلم كونه مضافا اكتفي بالوضوء، فالجمع بين الطهارتين غير واضح ومع ذلك فوجوب التيمم إنما هو لاحتمال كون المنقلب هو المطلق، فلا يكون الوضوء بالآخر مجزيا، وهذا لا يتفاوت الحال فيه بين تقديم التيمم وتأخيره كما هو واضح. انتهى. واجيب بانه لما كان الحكم بالوضوء متعلقا بوجدان الماء والحكم بالتيمم متعلق بعدم وجدانه. فإذا وجد ما يشك في كونه ماء كان كل من وجوب الوضوء والتيمم مشكوكا. إذ لا ترجيح لاحدهما على الاخر. فيجب الوضوء والتيمم معا حتى يحصل اليقين بالبراءة. وهو جيد. ويوضحه انه لما كان هذا الماء بالاشتباه بين ذينك الفردين تعرض له حالة ثالثة يخرج بها عنهما كالمشته بالنجس على ما عرفت تحقيقه آنفا. فلا يحكم بكونه مضافا ولا مطلقا بل محتمل لهما احتمالا متساوي الطرفين، فيترتب عليه ما يترتب على كل منهما من الوضوء والتيمم، وحينئذ فلا معنى لترتب الحكم فيه على فرض كون ما يتطهر به ماء مطلقا أو هو ما لا يعلم كونه مضافا كما ذكره المعترض. نعم ما ذكره من ايجابهم تقديم الوضوء على التيمم لا يظهر له وجه.


[ 521 ]

(الصورة الرابعة) الاشتباه المستند إلى الشك في وقوع النجاسة أو ظنه، ولا خلاف في عدم البناء عليه في الاول، واولى منه الوهم. نعم وقع الخلاف في الظن، فلو ظن وقوع النجاسة في الماء فهل يعمل عليه مطلقا أو لا مطلقا أو يفصل بين ما يستند إلى سبب شرعي أم لا، فعلى الاول يكون كالاول وعلى الثاني كالثاني ؟ اقوال: وقد تقدم تحقيق البحث في المقدمة الحادية عشرة (1) واشبعنا الكلام فيه في كتاب الدرر النجفية. نسأل الله تعالى التوفيق لاتمامه. نعم يبقى الكلام هنا فيما لو تعارضت البينتان في الماء بالطهارة والنجاسة، وله صورتان:

(الاولى) ان يقع التعارض في اناء واحد، فان تشهد احدى البينتين بعروض النجاسة له في وقت معين وتشهد الاخرى بعدمه في ذلك الوقت، لادعائها ملاحظته في ذلك الوقت والقطع بعدم حصول النجاسة. وقد اختلفت فيه اقوالهم: فقيل بالحاقه بالمشتبه بالنجس، وهو قول العلامة في التذكرة والقواعد، وجعله فخر المحققين في الشرح اولى، ونقل في المعالم عن والده انه قواه في بعض فوائده، وعلله المحقق الشيخ علي في شرح القواعد بتكافؤ البينتين. وقيل بالطهارة، إلا انه اختلف التعليل لذلك، فبين من عللها بالعمل ببينة الطهارة لاعتضادها بالاصل، حكاه فخر المحققين عن بعض الاصحاب. وبين من عللها بتساقط البينتين والرجوع إلى حكم الاصل وهو الطهارة، ذكره الشهيد في البيان، وقال انه قوي بعد ان قرب القول الاول، ونسبه فخر المحققين إلى الشيخ. وقيل بالعمل ببينة النجاسة، لانها ناقلة عن حكم الاصل وبينة الطهارة مقررة والناقل اولى من المقرر عند التعارض، كما قرروه في الاصول في البحث عن تعادل


(1) في الصحيفة 137.


[ 522 ]

الادلة، ولموافقتها للاحتياط، ولانها في معنى الاثبات والطهارة في معنى النفي، ويعزى هذا القول إلى ابن ادريس، ونقل في المعالم عن بعض المتأخرين الميل إليه، قال: " وهو احوط غير ان القول بالطهارة للتساقط اقرب " انتهى. وما قربه (قدس سره) هو الانسب بقواعد الاصحاب، لتطرق القدح إلى ما عداه من الاقوال المذكورة. (اما الاول) فيرد عليه انه لا دليل عليه، لان الاشتباه الملحق به دليله اما النص المتقدم كما حققناه أو الاجماع كما استند إليه آخرون، وكل منهما لا يتناول موضع النزاع. وشمول القاعدة المستفادة من النصوص لذلك محل اشكال، إذ ظاهر تلك النصوص هو استناد الاشتباه الموجب لاشتباه الحكم إلى امتزاج تلك الافراد واختلاطها على وجه لا يتميز طاهرها من نجسها ولا حلالها من حرامها، لا مجرد الاشتباه كيف اتفق. وتكافؤ البينتين كما ذكره المحقق الشيخ علي إنما يكون موجبا لطرحهما، لعدم امكان الترجيح بغير مرجح. لا موجبا للعمل بهما. و (اما الثاني) ففيه ان ما ذكر من المقدمات المبنى عليها دليله والتعليلات المذكورة وان ذكرها علماء الاصول إلا انها مما لم يقم على الاعتماد عليها دليل معتمد، فلا يخرج عن مجرد التطويل الذي لا يهدي إلى سبيل ولا يشفى العليل ولا يبرد الغليل، فلا يمكن الاعتماد عليها في تأسيس حكم شرعي. واما الاحتياط فليس بدليل شرعي عندهم بل غايته ثبوت الاولوية به. هذا. والتحقيق في المقام ان المسألة لما كانت عارية عن نصوص أهل الذكر (عليه السلام) فالحكم فيها الوقوف على ساحل الاحتياط، وهو العمل بالنجاسة، وان كان القول الثاني ليس بذلك البعيد باعتبار التعليل الثاني دون الاول، لتطرق القدح إليه بانه لابد في المرجح من ان يكون مما اعتبره الشارع مرجحا، ولم يثبت هنا كونه كذلك.


[ 523 ]

(الصورة الثانية) ان يتعارضا في اناءين، بان تشهد احدى البينتين، انه هذا وتشهد الاخرى بانه الاخر. وقد اختلفت فيها كلمتهم ايضا، فذهب جمع، منهم: المحقق في المعتبر والعلامة في التحرير والشهيد في الذكرى والشخ علي في شرح القواعد والشهيد الثاني في بعض فوائده على ما نقله ابنه عنه في المعالم إلى انهما كالمشتبه بالنجس. ونقل عن الشيخ في الخلاف القول بسقوط الشهادتين والرجوع إلى أصل الطهارة. وقال في المبسوط على ما نقل عنه في المختلف: " لا يجب القبول سواء امكن الجمع أو لم يمكن، والماء على أصل الطهارة أو النجاسة، فايهما كان معلوما عمل عليه. وان قلنا: إذا امكن الجمع بينهما قبل شهادتهما وحكم بنجاسة الاناءين، كان قويا، لان وجوب قبول شهادة الشاهدين معلوم في الشرع، وليسا متنافيين " انتهى. وقال العلامة في المختلف: " لو شهد عدلان بان النجس احد الاناءين وشهد عدلان بان النجس الآخر، فان امكن العمل بشهادتهما وجب، وان تنافيا اطرح الجميع وحكم باصل الطهارة " ثم انه مال في آخر كلامه إلى كونهما بمنزلة الاناءين المشتبهين. احتج الذاهبون إلى القول الاول بان الاتفاق حاصل من البينتين على نجاسة احد الاناءين، والتعارض إنما هو في التعيين، فيحكم بما لا تعارض فيه، ويتوقف في موضع التعارض. واحتج الشيخ في الخلاف بان الماء على أصل الطهارة، وليس على وجوب القبول من الفريقين ولا من واحد منهما دليل، فوجب طرحهما وبقى الماء على حكم الاصل. واحتج العلامة في المختلف بانه مع امكان الجمع يحصل المقتضى لنجاسة الاناءين فيثبت الحكم، ومع امتناع الجمع تكون كل واحدة من الشهادتين منافية للاخرى،


[ 524 ]

ويعلم قطعا كذب أحداهمما، وليس تكذيب واحدة منهما بعينها اولى من تكذيب الاخرى. فيجب طرح الجميع والرجوع إلى الاصل وهو الطهارة. وانت خبير بان سياق حجة القول الاول ينادي بالاختصاص بصورة عدم امكان الجمع، ولعلهم في صورة امكان الجمع يحكمون بنجاسة الاناءين باعتبار قبول الشهادتين كما هو ظاهر، لان فرض قبول البينة في كل من الاناءين مع الانفراد يقتضي القبول مع الاجتماع، للقطع بعدم تأثير الاجتماع في اختلاف الحكم حيث لا تنافي كما هو المفروض، ولعله لظهوره لم يتعرضوا له. وظاهر كلام الشيخ في الخلاف عدم الفرق بين صورتي امكان الجمع وعدمه، كما هو صريح صدر عبارته في المبسوط. واورد على كلامه في الخلاف انه لا مقتضي للطرح إلا التعارض، وهو منفي بالنظر إلى احد الاناءين من غير تعيين، وإنما وقع التعارض في التعيين، والاطراح فيه لا يقتضي الاطراح مطلقا فيبقى معنى الاشتباه موجودا. هذا بالنظر إلى صورة عدم امكان الجمع. واما بالنظر إلى صورة امكانه فقد عرفت ان مقتضاه هو الحكم بالنجاسة. واما كلام العلامة في المختلف فما يتعلق منه بصورة امكان الجمع متجه كما تقدم وجهه، واما ما يتعلق بصورة عدم الامكان فيرد عليه ما يرد على كلام الخلاف، لاتفاقهما في الحكم بذلك. وكأنه (قدس سره) في المختلف تنبه لورود المناقشة بذلك فقال بعد الكلام المتقدم: " لا يقال: يحكم بنجاسة أحد الاناءين وصحة احدى الشهادتين. فيكون بمنزلة الاناءين المشتبهين. لانا نقول: نمنع حصول العلم بنجاسة احد الاناءين وصحة إحدى الشهادتين، لان صحة الشهادة إنما تثبت مع انتفاء الكذب، اما مع وجوه فلا " وضعفه في المعالم بان التكذيب إنما وقع في التعيين لا مطلقا. وكأنه لما كان مجال المناقشة مع هذا الجواب باقيا بحاله استدرك في آخر كلامه، فقال: " على انه لو قيل بذلك يعني بمنزلة الاناءين المشتبهين كان وجها، ولهذا يردهما المشتري سواء تعدد أو اتحد " انتهى. وحينئذ فيرجع كلامه إلى ما ذكره


[ 525 ]

الشيخ في المبسوط كما تقدم من عبارته، وهو مؤذن بالتردد. وكيف كان فالاحتياط في مثل هذه المسائل الغير المنصوصة مما لا ينبغي تركه. (الصورة الخامسة) الاشتباه المستند إلى اشتباه ما وقع في الماء بكونه طاهرا أو نجسا. والذي صرح به جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) هو الحكم بطهارة الماء والبناء على يقين الطهارة حتى يثبت يقين النجاسة. إلا انك قد عرفت في المقدمة الحادية عشرة (1) ان بعض الاصحاب قد منع جريان هذه القاعدة في مثل هذا الموضع مدعيا ان المنع عن نقض اليقين بالشك مراد به الشك في وجود الرافع، يعني لابد من ثبوت الرافعية له أولا، فإذا شك في وجوده وعدمه فان هذا الشك لا يعارض اليقين الثابت له اولا لا الشك في ثبوت الرافعية له. وتحقيق القول في ذلك تقدم في المقدمة المشار إليها. وبالجمة فالكلام من وقفنا على كلامه من الاصحاب متفق هنا في البناء على يقين الطهارة في الصورة المذكورة. ولكن نقلوا الخلاف هنا في صورة واحدة، وهي ما إذا وقع صيد مجروح حلال اللحم نجس الميتة في ماء قليل، وكان المحل الملاقي للماء منه خاليا من النجاسة، فمات فيه ولم يعلم استناد موته إلى الجرح أو الماء، فهل يحكم بطهارة الماء حينئذ أو نجاسته ؟ قولان: نقل اولهما عن العلامة في بعض كتبه، وبه صرح المحقق الشيخ علي في شرح القواعد، واختاره جملة ممن تأخر عنه. واختار الثاني من الاصحاب: منهم العلامة في اكثر كتبه وابنه


(1) في الصحيفة 143.


[ 526 ]

فخر المحققين في الشرح، ونقل عن الشهيدين ايضا. وتوقف المحقق في المعتبر. وجه القول الاول التمسك باصالة طهارة الماء السالمة عن معارضة يقين الرافع لها شرعا، فان الشك في استناد الموت إلى الجرح أو الماء يقتضي الشك في عروض النجاسة فلم يعلم حصول الرافع، فتبقى العمومات الدالة على طهارة الماء سالمة عن المعارض، كذا قرره في المعالم بعد ان اختار فيه القول بالطهارة. ووجهه فخر المحققين في شرح القواعد، فقال بعد نقل كلام والده (قدس سرهما) باحتمال العمل بالاصلين، يعني اصالة الطهارة في الماء واصالة التحريم في الصيد ما لفظه: " اقول: لاصل الطهارة حكمان: (الاول) الحكم بها. (الثاني) حل الصيد، ولاصالة الموت حكمان: (الاول) لحوق احكام الميت للصيد.

(الثاني) نجاسة الماء، فيعمل كل منهما في نفسه لاصالته فيه، دون الآخر لفرعيته فيه، ولعدم العلم بحصول سبب كل منهما، والاصل عدمه. ولا تضاد، لعدم تضاد سببيهما، لان سبب الحكم بالطهارة هو عدم العلم بموت الصيد حتف انفه، وسبب تحريم الصيد عدم العلم بذكاته، وهما لا يتضادان، لصدقهما هنا لانه التقدير. وكلما لم تتضاد الاسباب لم تتضاد المسببات. ثم قال: والاقوى الحكم بنجاسة الماء، لامتناع الخلو عن الملزومين، اعني موت الصيد بالجرح المستلزمين لحل الصيد، فانه لازم للاول، ونجاسة الماء فانه لازم للثاني. وامتناع الخلو عن الملزومين مستلزم لامتناع الجمع بين نقيضي اللازمين. وتحريم الصيد ثابت بالاجماع، ولما رواه الحلبي في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) انه " سئل عن رجل رمى صيدا وهو على جبل أو حائط، فيخرق فيه السهم فيموت ؟ قال: كل منه، وان وقع في الماء من رميتك فمات فلا تأكل منه " (1) فيثبت الحكم بالنجاسة " انتهى. وصاحب المعالم قرر دليل النجاسة بما لفظه احتجوا بان تحريم الصيد ثابت


(1) رواه في الوسائل في الباب - 20 - من ابواب الصيد.


[ 527 ]

بالاجماع وجملة من الاخبار: منها صحيحة الحلبي، وساق الخبر كما تقدم. ثم قال: والحكم بتحريم اللحم على عدم تحقق الذكاة، وذلك يقتضي الحكم بموته حتف انفه، والنجاسة لازمة له. ثم اجاب بالمنع من دلالة حرمة اللحم على عدم تحقق الذكاة. وإنما يدل على ذلك لو كان الحكم بالتحريم موقوفا عليه، وهو في حيز المنع ايضا، لجواز استناده إلى جهالة الحال وحصول الاشتباه، فان التحريم حينئذ هو مقتضى الاصل، لاشتراط الحل بامر وجودي، ولا ريب ان الاصل في مثله العدم، فيعمل بكل من اصلي طهارة الماء وحرمة اللحم. ثم قال: وما يقال من ان العمل بالاصلين إنما يصح مع امكانه، وهو منتف، لانه كما يستحيل اجتماع الشئ مع نقيضه كذلك يستحيل اجتماعه مع نقيض لازمه فجوابه ان عدم الامكان إنما يتحقق إذا جعل التحريم مستندا إلى العلم بعدم التذكية الذي هو عبارة عن موته حتف انفه، لا إذا جعل مسببا عن عدم العلم بالتذكية. والحكم بطهارة الماء إنما يتوقف على عدم العلم بوجود النجاسة لا على العلم بعدمها، إذ الشك في نجاسة الرافع لا يقتضي نجاسة الماء قطعا. انتهى. وعلى هذا المنوال جرى جمع ممن تقدمه وتأخر عنه في الاستدلال، وملخصه ان تحريم الصيد الذي ثبت بالاجماع والنصوص في الصورة المفروضة إنما يستلزم نجاسة الماء لو كان العلة فيه عدم تذكية الصيد وموته حتف انفه، اما لو كان العلة فيه عدم العلم بالتذكية فلا، إذ النجاسة إنما تلزم العلة الاولى دون الثانية، فان طهارة الماء عبارة عن عدم العلم بملاقاة النجاسة، وههنا كذلك. للشك في نجاسة الصيد باحتمال موته حتف انفه واحتمال تذكيته. اقول: والذي يظهر لي ان كلام الجميع في هذا المجال غير خال من الاجمال بل الاختلال، إذ لا يخفى ان ثبوت النجاسة للماء وعدمها إنما نشأ من الصيد والحكم بطهارته أو نجاسته، فالواجب اولا بيان الحكم فيه بالطهارة أو النجاسة، ولا ريب


[ 528 ]

ان مقتضى اصالة عدم التذكية عندهم كما تكون موجبة للتحريم كذلك تكون موجبة للنجاسة، كما صرحوا به في جملة من المواضع: منها مسألة اللحم والجلد المطروحين، حيث حكموا بالتحريم والنجاسة بناء على الاصل المشار إليه، وحيئذ فكما يكون العلم بعدم التذكية موجبا للتحريم والنجاسة كذلك حال الاشتباه وعدم العلم بالتذكبة موجب لهما. ولا ريب ان الصيد في الصورة المفروضة مما اشتبه فيه الحال بالتذكية وعدمها، والتمسك باصالة عدم التذكية يوجب الحكم بتحريمه ونجاسته، ومتى ثبت نجاسته فوقوعه في الماء القليل موجب لتنجيسه عند القائل بنجاسة القليل بالملاقاة، فالنجاسة لا تختص بالترتب على العلم بتذكية خاصة الذي هو الموت حتف الانف، حتى يتم لهم ان النجاسة هنا مشكوك فيها لاحتمال التذكية، بل كما تترتب على ذلك تترتب على الشك ايضا في التذكية كما عرفت، فانه لما كان كل من حل الصيد وطهارته مترتبا على العلم بالتذكية، كان انتفاؤهما بانتفاء ذلك تحقيقا للسببية. وعدم العلم بالتذكية كما عرفت أعم من العلم بالعدم. وبالجملة فان نجاسة الماء وطهارته في الصورة المفروضة دائرة مدار طهارة الصيد ونجاسته، وقد عرفت ان عدم العلم بالتذكية كما يكون سببا في التحريم يكون سببا في النجاسة، وحينئذ فقول المستدل: ان الشك في استناد الموت إلى الجرح أو الماء يقتضي الشك في عروض النجاسة مسلم لو كانت النجاسة مرتبة على الموت حتف الانف خاصة كما ذكروه. فاما إذا قلنا بترتبها ايضا على الشك في التذكية وعدم العلم بها فلا. وحينئذ فالظاهر هو القول بالنجاسة. واصالة الطهارة التي استندوا إليها ممنوعة بوجود النجاسة يقينا. وبما ذكرناه تخرج هذه الصورة المذكورة عن فرض المسألة، إذ موضوع المسألة وقوع شئ مشكوك في نجاسته أو طهارته في الماء القليل، والصيد في الصورة المفروضة محكوم بنجاستها قطعا، لعدم العلم بالتذكية، فانه موجب لتحريمه ونجاسته كما عرفت. نعم لو كان موجب النجاسة هو العلم بعدم التذكية خاصة اتجه ما ذكروه، إلا انه ليس كذلك.


  الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>