
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء الأول
الفصل الثاني
في الراكد البالغ كرا فما زاد
وتحقيق القول فيه يقتضي بسطه في مسائل:
(المسألة الاولى) المشهور بين الاصحاب (قدس الله تعالى ارواحهم) ان ما بلغ الكر من الراكد لا ينجس إلا بتغير احد اوصافه الثلاثة بالنجاسة كما تقدم (1) وصريح الشيخ المفيد في المقنعة وهو المنقول عن سلار اختصاص الحكم المذكور بغير الحياض والاواني. والشيخ رضوان الله عليه في التهذيب بعد نقل عبارة المقنعة المتضمنة للحكم المذكور طوى البحث عن التعرض له فضلا عن الاستدلال عليه، وحمله بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين على انه إنما فهم من عبارة المفيد (قدس سره) ان مراده إذا نقصت عن كر كما هو الاغلب، قال: " وهو الظاهر، لكن المتأخرين فهموا من عبارة المقنعة وكلام سلار ان الاواني والحياض ملحقان مطلقا بالماء القليل كما حكاه العلامة في المختلف " انتهى. اقول: لا يخفى بعد ما استظهره (قدس سره) كما يظهر لمن لاحظ عبارة المقنعة، حيث انه إنما ذكر التفصيل بالكرية وعدمها في ماء الغدران والقلبان، سيما
(1) في المقالة الثالثة في الصحيفة 178.
[ 227 ]
وقد قرن الحياض والاواني في تلك العبارة بالبئر، مع ان مذهبه فيها النجاسة وان بلغت كرا، إلا انه ربما ظهر ذلك من كلام الشيخ اخيرا عند شرح قوله في المقنعة: " والمياه إذا كانت في آنية محصورة فوقع فيها نجاسة، لم يتوضأ منها ووجب اهراقها " فقال الشيخ (رحمه الله): " يدل على ذلك ما قدمنا ذكره من ان الماء متى نقص عن الكر فانه ينجس بما يحله من النجاسات، وإذا ثبت نجاسته فلا يجوز استعماله بلا خلاف " فانه يدل بظاهره على انه فهم من عبارة المقنعة في الموضعين التخصيص بما نقص عن الكر، ولعله فهم ذلك من خارج، وإلا ففهم هذا المعنى من العبارة الاولى في غاية البعد، لما عرفت. والظاهر ان هذا الكلام هو الحامل لشيخنا المشار إليه على الحمل الذي قدمنا نقله عنه إلا انه لم يشر إليه. هذا. وظاهر عبارة النهاية ايضا موافقة الشيخ المفيد في الاواني، حيث قال: " والماء الراكد على ثلاثة أقسام: مياه الغدران والقلبان والمصانع. ومياه الاواني المحصورة، ومياه الآبار. فاما مياه الغدران والقلبان، فان كان مقدارها الكر فانه لا ينجسها شئ إلا ما غير لونها أو طعمها أو ريحها، وان كان مقدارها أقل من الكر فانه ينجسها كل ما يقع فيها من النجاسة. واما مياه الاواني المحصورة فان وقع فيها شئ من النجاسة افسدها ولم يجز استعمالها " انتهى ملخصا. ثم ذكر بعد ذلك احكام البئر. وانت خبير بان التفصيل بالكرية وعدمها في القسم الاول وطي الكشح عنه في الثاني ظاهر في الحكم بالنجاسة في الثاني مطلقا، ولم يتعرض الاصحاب لنقل ذلك عنه في أقوال المسألة. وحكى جملة من الاصحاب عن الشيخ المفيد وسلار في الاحتجاج على ذلك التمسك بعموم النهي عن استعمال مياه الاواني مع ملاقاة النجاسة. وردوه بان العموم على تقدير ثبوته مخصوص بصورة القلة، جمعا بين الاخبار والعمومات وان تعارضت من الطرفين،
[ 228 ]
إلا ان الترجيح في تخصيص هذا بذاك (اولا) بقوة دلالة تلك الاخبار الدالة على عدم انفعال مقدار الكر. و (ثانيا) باحتمال البناء في هذا العموم على ما هو الغالب من عدم بلوغ ماء الاواني كرا. ومع ذلك فالحجة المذكورة لا تشمل الحياض، فتبقى خالية من الدليل. وكيف كان فالظاهر هو القول المشهور، إلا انه روى أبو بصير في الموثق، قال: " سألته عن كر من ماء - مررت به وانا في سفر قد بال فيه حمار أو بغل أو انسان. قال: لا تتوضأ منه ولا تشرب " (1) والظاهر حمله على تغير موضع البول فينقص الباقي عن الكر فينجس. وربما حمل على الكراهة. والظاهر بعده. ثم ان جملة من الاصحاب (2) ادعوا الاجماع على ان الكثير الواقف لا ينجس بملاقاة النجاسة، فان أرادوا بالواقف هو الساكن، ففيه ما عرفت من خلاف هؤلاء الفضلاء، وان اريد ما هو أعم منه ومن الجاري لا عن نبع، ففيه زيادة على ما ذكر ما سيأتي ان شاء الله تعالى في الجاري لا عن نبع (3) من ذهاب جمع من الاصحاب إلى عدم تقوي الاعلى بالاسفل، حتى اورد عليهم لزوم نجاسة النهر العظيم بملاقاة النجاسة إذا لم يكن فوقها ما يبلغ الكر، ولهذا ذهب بعض المحدثين من متأخري المتأخرين (4) إلى ان هذا الفرد من الماء يوافق الجاري في بعض الاحكام والراكد في بعض كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى (5).
(المسألة الثانية) هل يشترط في عدم انفعال الكر بالملاقاة مساواة سطحه الظاهر ام لا ؟ قد اضطرب كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) في هذا المقام، لعدم
(1) رواه صاحب الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) منهم: السيد السند صاحب المدارك في الكتاب المذكور (منه رحمه الله). (3) و (5) في المسألة الثانية من هذا الفصل. (4) هو المحدث الامين الاسترابادي قدس سره (منه رحمه الله).
[ 229 ]
النصوص الصريحة في ذلك عنهم (عليهم السلام). وبالثاني صرح شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروض وسبطه السيد السند في المدارك، قال في الروض بعد كلام في المقام: " وتحرير المقام ان النصوص الدالة على اعتبار الكثرة مثل قوله (عليه السلام): " إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (1) وكلام اكثر الاصحاب ليس فيه تقييد الكر المجتمع بكون سطوحه مستوية، بل هو أعم منه ومن المختلفة كيف اتفق " ثم قال بعد كلام طويناه على غره: " والذي يظهر لي في المسألة ودل عليه اطلاق النص ان الماء متى كان قدر كر متصلا ثم عرضت له النجاسة لم تؤثر فيه إلا مع التغير، سواء كان متساوي السطوح ام مختلفها.. إلى آخر ما ذكره ". وما نقله (قدس سره) عن كلام اكثر الاصحاب فهو ظاهر كلام العلامة في جملة من كتبه، حيث صرح في مسألة الغديرين الموصل بينهما بساقية بالاتحاد واعتبار الكرية فيهما مع الساقية، وهو اعم من المستوي والمختلف، وكذا اطلق القول في الواقف المتصل بالجاري وحكم باتحادهما من غير تقييد، إلا انه في التذكرة قيده، حيث قال في مسألة الغديرين: " لو وصل بين الغديرين بساقية اتحدا ان اعتدل الماء وإلا في حق السافل، فلو نقص الاعلى عن كر انفعل بالملاقاة " انتهى. والمحقق في المعتبر صرح في مسألة الغديرين بما نقلناه عن العلامة (2) إلا انه قال بعد ذلك بلا فصل: " لو نقص الغدير عن كر فنجس فوصل بغدير فيه كر، ففي طهارته
(1) تقدم فيه في التعليقة 3 في الصحيفة 191. (2) حيث قال: " الفرع الثاني، الغدير ان الطاهران إذا وصل بينهما بساقية صارا كالماء الواحد، فلو وقع في احدهما نجاسة لم ينجس ولو نقص كل واحد منهما عن الكر إذا كان مجموعهما مع الساقية كرا فصاعدا، ثم قال: (الثالث) - لو نقص الغدير عن كر.. إلى آخر ما هو منقول في الاصل " (منه قدس سره).
[ 230 ]
تردد، والاشبه بقاؤه على النجاسة، لانه ممتاز عن الطاهر " انتهى. وهو بظاهره مدافع لما ذكره اولا، الا ان يحمل كلامه الاول على استواء سطحي الغديرين والثاني على اختلافهما (1). والشهيد في الدروس قال: " لو كان الجاري لا عن مادة ولاقته النجاسة. لم ينجس ما فوقها مطلقا، ولا ما تحتها ان كان جميعه كرا فصاعدا إلا مع التغير " فاطلق الحكم بعدم نجاسة ما تحت موضع ملاقاة النجاسة إذا كان مجموع الماء يبلغ كرا ولم يشترط استواء السطوح، ثم قال بعد ذلك بقليل: " لو اتصل الواقف بالجاري اتحدا مع مساواة سطحهما أو كون الجاري اعلى لا بالعكس " فاعتبر في صدق الاتحاد مساواة السطحين أو علو الكثير. وقال في الذكرى بعد حكمه بان اتصال القليل النجس بالكثير مماسة لا يطهره (2) ما صورته: " ولو كانت الملاقاة يعني ملاقاة النجاسة للقليل بعد الاتصال ولو بساقية لم ينجس القليل مع مساواة السطحين أو علو الكثير ". وفي البيان: " لو اتصل الواقف القليل بالجاري واتحد سطحهما أو كان الجاري
(1) العلامة في المنتى والتحرير - بعد ان صرح في الغديرين بما نقلناه عنه من الاتحاد - ذكر انه لو نقص الغدير عن كر فوصل بغدير يبلغ الكر طهر به. وفى التذكرة - بعد ان صرح بما نقلناه عنه في المتن - ذكر هذا الفرع الثاني واختار البقاء على النجاسة مع مجرد الاتصال واشترط في الطهارة الممازجة. واما المحقق في المعتبر، فانه كما نقلناه عنه - اختار في الفرع الاول الانحاد، وفى الفرع الثاني العدم. فانقدح الاختلاف بين كلامية الا ان يحمل على ما ذكرنا في الاصل (منه رحمه الله). (2) حيث قال: " وطهر القليل بمطهر الكثير ممازجا، فلو وصل بكر مماسة لم يطهر للتمييز المقتضى لاختصاص كل بحكمه، ولو كان الملاقاة بعد الاتصال.. إلى آخر ما هو مذكور في المتن " ولا يخفى عليك ما في هذه الفتاوي من الاضطراب والمخالفة بعضها لبعض (منه رحمه الله).
[ 231 ]
أعلى اتحدا، ولو كان الواقف أعلى فلا ". وقال المحقق الشخ علي في شرح القواعد بعد قول المصنف: " لو اتصل الواقف القليل بالجاري لم ينجس بالملاقاة " ما لفظه: " يشترط في هذا الحكم علو الجاري أو مساواة السطوح أو فوران الجاري من تحت القليل إذا كان الجاري اسفل، لانتفاء تقويه به بدون ذلك " انتهى. وهو صريح في تقييده اطلاقات العلامة في الوحدة في المسألة بالمساواة أو علو الكثير. وقال المحقق الشيخ حسن في المعالم بعد تقدم كلام في المسألة: " هذا، وليس اعتبار المساواة في الجملة بالبعيد، لان ظاهر اكثر الاخبار المتضمنة لحكم الكر اشتراطا وكمية اعتبار الاجتماع في الماء وصدق الوحدة والكثرة عليه. وفي تحقق ذلك مع عدم المساواة في كثير من الصور نظر. والتمسك في عدم اعتبارها بعموم ما دل على عدم انفعال مقدار الكر بملاقاة النجاسة مدخول، لانه من باب المفرد المحلى، وقد بينا في المباحث الاصولية ان عمومه ليس من حيث كونه موضوعا لذلك على حد صيغ العموم، وانما هو باعتبار منافاة عدم ارادته للحكمة، فيصان كلام الحكيم عنه. وظاهر ان منافاة الحكمة إنما يتصور حيث ينتفي احتمال العهد، ولا ريب ان تقدم السؤال عن بعض انواع الماهية عهد ظاهر. وهو في محل النزاع واقع إذ النص يتضمن السؤال عن الماء المجتمع، وحينئذ لا يبقى لاثبات الشمول لغير المعهود وجه. نعم يتجه ثبوت العموم في ذلك المعهود باقل ما يندفع به محذور منافاة الحكمة. وربما يتوهم ان هذا من قبيل تخصيص العام بناء على سبب خاص. وهو مرغوب عنه في الاأول. وبما حققناه يعلم انه لا عموم في امثال موضع النزاع على وجه يتطرق إليه التخصيص " انتهى. واعترض عليه بان الظاهر في امثال هذه المواضع التي في مقام تعيين القوانين وتبيين الاحكام هو العموم، وقد اعترف به ايضا من حيث منافاة عدم ارادته الحكمة
[ 232 ]
وما ذكره من احتمال العهد باعتبار تقدم السؤال عن بعض انواع الماهية لا وجه له، لان السؤال إنما هو موجود في بعض الروايات، وكثير من الروايات لا سؤال فيها، وبعض ما فيه سؤال ايضا لا ظهور له في ان السؤال عن الماء المجتمع الذي لا اختلاف في سطوحه. سلمنا عدم الظهور في العموم. فلا شك في عدم ظهوره في عدمه ايضا، وعند الشك يبقى الحكم على أصل الطهارة واستصحابها. اقول: والحكم في المسألة لا يخلو من اشكال، ينشأ من ان المستفاد من اخبار الكر تقارب اجزاء الماء بعضها من بعض. كقوله (عليه السلام) في صحيحة اسماعيل بن جابر (1) حين سأله عن الماء الذي لا ينجسه شئ فقال: " ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته " ونحوها من الاخبار الدالة على التقدير بالمساحة. وصحيحة صفوان (2) المضتمنة السؤال عن الحياض التي بين مكة والمدينة، حيث سأل (عليه السلام) فقال: " وكم قدر الماء ؟ قال: قلت: إلى نصف الساق والى الركبة واقل. قال: توضأ ". ويؤيده ايضا ان الكر الذي وقع تحديد الماء الذي لا ينفعل به عبارة في الاصل عن مكيال مخصوص يكال به الطعام، جعلوه (عليهم السلام) معيارا لما لا ينفعل من الماء بالملاقاة. ويؤيده ايضا ان مع تقارب اجزاء الماء تتوزع النجاسة عليه وتنتشر فتضعف بذلك، وانه بتقارب اجزائه يتقوى بعضها ببعض. ويؤيده ايضا ان ذلك متفق عليه ومعلوم قطعا من الاخبار، وما عداه في محل الشك. لعدم ظهور الدليل عليه من الاخبار، وذهاب بعض الاصحاب إليه.
(1) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة (2) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.
[ 233 ]
والتمسك باصالة الطهارة هنا ضعيف، لما حققناه سابقا (1) من ان افراد الكلية القائلة: " الماء كله طاهر حتى يعلم انه قذر " إنما هي الاشياء المقطوع بطهارتها شرعا والمعلومة كذلك بالنسبة إلى الاشياء المقطوع بنجاستها شرعا والمعلومة كذلك، فانه لا يحكم بخروج بعض افراد الاول إلى الثاني إلا بعلم ويقين. والغرض منه كما عرفت هو دفع الوساوس الشيطانية والشكوك. وعدم معارضتها للعلم واليقين الثابت اولا. وان الماء من افراده ما هو طاهر يقينا وهو ظاهر، ومنه ما هو نجس يقينا وهو القليل المعلوم ملاقاة النجاسة له، فالكلية المذكورة قد افادت انه لا يخرج عن الحكم الاول إلى الثاني إلا بعلم ويقين. وهذا الماء المختلف السطوح إذا كان قدر كر ولاقت النجاسة بعض اجزائه ليس بمقطوع على طهارته ولا على نجاسته بل هو مشكوك فيه. وبالجملة فالشك المنفي في مقابلة يقين الطهارة هو ما كان شكا في عروض النجاسة لا شكا في سببية النجاسة. والتمسك بالاستصحاب إنما هو فيما إذا دل الدليل على الحكم مطلقا كما هو التحقيق في المسألة. وهو في موضع البحث ممنوع، لما عرفت. ودلالته عليه قبل عروض النجاسة لا تقتضي انسحاب ذلك إلى ما بعده إلا بدليل آخر، لتغاير الحالين. وينشأ من اطلاق الاخبار بان بلوغ الماء كرا عاصم له عن الانفعال بالملاقاة. والاخبار الدالة على التحديد بالمساحة وان افهمت بحسب الظاهر اعتبار الاجتماع فيه إلا انه، ان اخذ الاجتماع فيها على الهيئة التي دلت عليها فلا قائل به اجماعا، وان اخذ الاجتماع الذي هو عبارة عن مجرد تساوي السطوح فلا دلالة لها عليه صريحا. مع معارضته بظهور احتمال محض التقدير كما تضمنته أخبار التقدير بالوزن. وباقي الوجوه المذكورة وان تضمنت نوع مناسبة لذلك إلا ان الظاهر انها لا تصلح لتأسيس حكم شرعي.
(1) في الصحيفة 190 السطر 2.
[ 234 ]
فمجال التوقف في الحكم المذكور لما ذكرنا بين الظهور، والاحتياط لا يخفى. إذا عرفت ذلك فعلى تقدير عدم اشتراط المساواة والاكتفاء بمجرد الاتصال فهل يكفي الاتصال مطلقا وان كان بالتسنم من ميزاب ونحوه، أو يشترط في الاختلاف التخصيص بالانحدار لا التسنم ؟ ظاهر السيد السند في المدارك الاول، ونقله ايضا عن جده (قدس سرهما) في فوائد القواعد (1) وتبعه بعض فضلاء متأخري المتأخرين، واطلاق عبائر جملة من لم يشترط التساوي ربما يشمله. لكن قد عرفت فيما تقدم في المقالة الثامنة (2) في حكم ماء الحمام انهم جمعوا بين اطلاق القول بكرية المادة واطلاق القول في الغديرين بحمل الاطلاق الاول على ما إذا كان اتصال الماء بطريق التسنم والثاني على ما إذا كان الغدير ان متساويين أو مختلفين بطريق الانحدار. وهو كما ترى يؤذن بكون الاتصال بطريق التسنم ينافي الوحدة كما حققناه ثمة. والجواب بان اعتبار الكرية في المادة لا لاجل عدم انفعال الحوض الصغير بالملاقاة، بل ليكون حكم المادة حكم الماء الجاري أو لتطهير الحوض الصغير بعد نجاسته باجراء المادة إليه واستيلائها عليه مردود بما وقع التصريح به من اشتراط الزيادة على الكرية في تطهير الحياض كما تقدم بيانه (3) مع
(1) قال (قدس سره) بعد نقله عن المعتبر والمنتى اطلاق الحكم في الغديرين - كما قدمنا نقله عنهما المقتضى لعدم الفرق بين متساوي السطوح ومختلفها ما لفظه: " وينبغى القطع بذلك إذا كان جريان الماء في ارض منحدرة، لا ندارجه تحت عموم قوله (عليه السلام): " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " فانه شامل لمتساوي السطوح ومختلفها، وانما يحصل التردد فيما إذا كان الاعلى متسنما على الاسفل بميزاب ونحوه، لعدم صدق الوحدة عرفا. ولا يبعد التقوى في ذلك ايضا كما اختاره جدى (قدس سره) في فوائد القواعد عملا بالعموم. انتهى. (منه رحمه الله). (2) في الامر الاول في الصحيفة 207. (3) في الامر الثالث في الصحيفة 211.
[ 235 ]
اتفاقهم اولا على اشتراط الكرية في المادة، ومن الظاهر حينئذ ان هذا الاشتراط الاول إنما هو لعصمة الحياض الصغار عن الانفعال بالملاقاة (1). ثم انه على تقدير جواز الاختلاف فلا اشكال في تقوي كل من الاعلى والاسفل بالآخر لو اختلفت السطوح كما صرحوا به، إذ مقتضى الوحدة ذلك. وعلى تقدير اشتراط التساوي فقد صرح جملة من القائلين به بانه لو اتصل القليل بالكثير وكان الكثير اعلى فان الاسفل يتقوى به دون العكس، كما سلف في كلام المحقق الشيخ علي (2) والشهيد في الذكرى والدروس والبيان (3) وكذلك كلام العلامة في التذكرة (4) وظاهر كلام المحقق ايضا كما حكيناه (5). وعلل المحقق الشيخ علي عدم تقوي الاعلى بالاسفل بانهما لو اتحدا في الحكم للزم تنجيس كل اعلى متصل باسفل مع القلة. وهو معلوم البطلان. وحيث لم ينجس بنجاسته لم يطهر بطهارته. واجاب في المدارك بان الحكم بعدم نجاسة الاعلى بوقوع النجاسة فيه مع بلوغ المجموع منه ومن الاسفل الكر انما كان لاندراجه تحت عموم الخبر، وليس في هذا ما يستلزم نجاسة الاعلى بنجاسة الاسفل بوجه. مع ان الاجماع منعقد على ان النجاسة
(1) وملخص ما ذكروه ان عدم انفعال الواقف بالملاقاة مشروط ببلوغ مقدار الكر مع تساوى سطح الماء بحيث تصدق عليه الوحدة عرفا، أو باتصاله بمادة هي كر فصاعدا بشرط علوها، قالوا: ولا يعتبر استواء السطوح في المادة بالنظر إلى عدم انفعال ما تحتها لصدق المادة الكثير مع الاختلاف. نعم يعتبر الاستواء في عدم انفعال المادة بعينها (منه رحمه الله). (2) في الصحيفة 231. (3) في الصحيفة 230. (4) و (5) المتقدم في الصحيفة 229.
[ 236 ]
لا تسرى إلى الاعلى مطلقا. ثم الزمهم ان ينجس كل ما كان تحت النجاسة من الماء المنحدر إذا لم يكن فوقه كر وان كان نهرا عظيما. وهو معلوم البطلان. اقول: الظاهر ان مقصود المستدل ان تقوي الاعلى بالاسفل لا دليل عليه إلا الاندراج تحت روايات الكر. والاندراج ليس بمسلم، وإلا لزم تنجس الاعلى بنجاسة الاسفل (1) وحينئذ ففيه دلالة على ان حكمه بتقوي الاسفل بالاعلى ليس مبنيا على الاندراج المذكور. وبذلك يتضح ان الجواب المذكور غير متوجه. إلا انه قد اورد على ما ذكروه من تقوي الاسفل بالاعلى دون العكس (2) بانه ان كان مبنيا على الاندارج تحت العموم، فالمستفاد من روايات الكر تساوي اجزائه في حكمي الطهارة والنجاسة، فاجزاؤه متقوية بعضها ببعض (3) وان كان مبنيا على اطلاق المادة في باب البئر، وكذا المادة الواردة في حياض الحمام، وانها يحصل بها التقوي وان كانت أقل من كر، فكذلك الاعلى ههنا، فانه مادة لما سفل عنه، فيتقوى الاسفل به دون العكس، ففيه (اولا) انه لا حاجة حينئذ إلى اعتبار كرية المجموع. و (ثانيا) انه مناف لما مر من اعتبارهم الكرية في مادة الحياض. وان كان مبنيا على تقوي اجزاء الماء الساكن بعضها ببعض، فيلزمه من باب مفهوم الموافقة تقوي الاسفل بالاعلى دون العكس، فيتوجه عليه ان العلة في تقوي اجزاء الساكن بعضها ببعض هو توزع النجاسة وانتشارها على اجزائه لسكونها وتقاربها، فتكون النجاسة مضمحلة فيه. والنجاسة
(1) لان الاعلى والاسفل متى كانا واحدا المقتضى دخولهما تحت عموم روايات الكر فلو نقصا جميعا عن الكر لزم تنجس الاعلى بنجاسة الاسفل تحقيقا للوحدة، كما ان الماء القليل المجتمع إذا لاقته نجاسة نجس جميعه، وهو باطل قطعا، والا لتغذر التطهير بالصب من الاواني القليلة الماء كالابريق ونحوه (منه رحمه الله). (2) هذا الايراد للمحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) في تعليقاته على المدارك (منه قدس سره). (3) فلا ينجس بعض منه دون بعض (منه رحمه الله).
[ 237 ]
الواقعة في الصورة المفروضة لم تتوزع على المجموع كما في الساكن، فلا يتم كون تقوي الاسفل بالاعلى من باب الموافقة وان كان مبنيا على وجه آخر فلابد من ايراده لننظر في صحته وفساده. اقول: بل الظاهر انه مبني على ما ذكره المحقق الشيخ حسن في المعالم (1) من ان الوجه فيه ان المقتضى لعدم انفعال النابع بالملاقاة هو وجود المادة له، ولا ريب ان تأثير المادة إنما هو باعتبار افادتها الاتصال بالكثرة، وليس الزائد منها على الكر بمعتبر في نظر الشارع، فيرجع حاصل المقتضي إلى كونه متصلا بالكر على جهة جريانه إليه واستيلائه عليه، وهذا المعنى بعينه موجود فيما نحن فيه، فيجب ان يحصل مقتضاه. ويؤيد ذلك حكم ماء الحمام، فانا لا نعلم من الاصحاب مخالفا في عدم انفعاله بالملاقاة مع بلوغ المادة كرا، والاخبار الواردة فيه شاهدة بذلك ايضا، وليس لخصوصية الحمام عند التحقيق مدخل في ذلك. انتهى. وانت خبير بما فيه (اما اولا) فلان ما ذكره من ان المقتضي لعدم انفعال النابع بالملاقاة هو وجود المادة له اشارة إلى التعليل الذي تضمنته صحيحة محمد ابن اسماعيل بن بزيع (2) ولا يخفى ما فيه كما تقدم التنبيه عليه في المقالة الرابعة من الفصل الاول (3).
(1) قال (قدس سره) في الكتاب المذكور - بعد الكلام في الاستدلال على اعتبار المساواة بما قدمنا نقله عنه في متن الكتاب -: " فان قلت هذا الاعتبار يقتضى انفعال غير المستوى مطلقا، مع ان الذاهبين إلى اعتبار المساواة مصرحون بعدم انفعال القليل المتصل بالكثير إذا كان الكثير اعلى - وقد سبق نقله عن البيان والذكرى - فما الوجه في ذلك ؟ وكيف حكموا بالاتحاد مع علو الكثير ونفوه في عكسه ؟ والمقتضى للنفي على ما ذكرت موجود فيهما قلت: لعل الوجه " ثم ساق الكلام كما نقلناه في متن الكتاب (منه رحمه الله) و (2) المتقدمة في الصحيفة 188. (3) في الصحيفة 189 السطر 7.
[ 238 ]
و (اما ثانيا) فلان قوله: " ليس لخصوصية الحمام عند التحقيق مدخل " إنما يتم على القول المشهور من اشتراط الكرية في المادة. واما على القول بعدم الاشتراط كما هو الظاهر من الاخبار على ما حققناه سابقا (1) يكون الحكم مقصورا حينئذ على موضع النص. و (اما ثالثا) فلان العلامة مع اشتراطه في المنتهى والتذكرة وغيرهما كرية المادة توقف في الكتابين المذكورين في إلحاق الحوض الصغير ذي المادة في غير الحمام به، وبذلك يظهر ان ما ذكره اولئك الفضلاء من الفرق (2) لا يخلو من المناقشة. ثم لا يخفى عليك ايضا انه بعد تسليم عموم انفعال القليل بالملاقاة واشتراط التساوي في اجزاء الكر فاخراج هذا الفرد من البين تحكم محض. وتعليل صاحب المعالم قد عرفت ما فيه. اللهم إلا ان يخص منع تقوي الاعلى بالاسفل بما إذا كان الاعلى متسنما على الاسفل بميزاب ونحوه، فان ثبوت الاتحاد وشمول العموم في المسألة لمثل ذلك في غاية البعد. واما الالزام الذي ذكره في المدارك بنجاسة كل ما كان تحت النجاسة من الماء المنحدر إذا لم يكن فوقه كر وان كان نهرا عظيما (3) وهو معلوم البطلان فيمكن
(1) في الموضع الثالث في الصحيفة 204. (2) بين الاعلى والاسفل فيتقوى الاسفل بالاعلى دون العكس (منه رحمه الله). (3) لان الاعلى متى كان اقل من كر لم يفد ما تحته تقوية فينجس الموضع، وما تحته ايضا لكونه اسفل لا يفيد تقوية، لعدم تقوى الاعلى بالاسفل كما هو مفروض. ويلزم ايضا نجاسة ما تجته، لعدم تقوية ما سفل عنه، فينجس ما سفل بالسراية شيئا فشيئا، لعدم تقوى شئ من تلك الاجزاء المتنجسة بالسراية بما انحدر عنه، فلو لم يتقو الاعلى بالاسفل لزم نجاسة جميع ما جاور النجاسة لا المنتهى السفلى وان كان نهرا عظيما، مع حكمهم بعدم النجاسة (منه رحمه الله).
[ 239 ]
الجواب عنه بما ذكره في المعالم من التزام عدم انفعال ما بعد عن موضع الملاقاة بمجردها قال: " لعدم الدليل عليه، إذ الادلة الدالة على انفعال ما نقص عن الكر بالملاقاة مختصة بالمجتمع والمتقارب، وليس مجرد الاتصال بالنجس موجبا للانفعال في نظر الشارع، والا لنجس الاعلى بنجاسة الاسفل، لصدق الاتصال حينئذ، وهو منفي قطعا، وإذا لم يكن الاتصال بمجرده موجبا لسريان الانفعال فلابد في الحكم بنجاسة البعيد من دليل. نعم جريان الماء النجس يقتضي نجاسة ما يصل إليه، فإذا استوعب الاجزاء المتجددة ينجسها وان كثرت. ولا بعد في ذلك، فانها لعدم استواء سطحها بمنزلة المنفصل، فكما انه ينجس بملاقاة النجاسة له وان قلت وكان مجموعه في نهاية الكثرة فكذا هذه " انتهى. واورد عليه (1) انه بعد تسليم انفعال ما نقص عن الكر بالملاقاة مع الاجتماع والتقارب لا شك انه يلزم نجاسة جميع ماء النهر المذكور، لان النجاسة ملاقية لبعضه وذلك البعض ملاق للبعض الآخر القريب منه وهكذا، فينجس الجميع إذ الظاهر ان القائلين بنجاسة القليل بالملاقاة لا يفرقون بين النجاسة والمتنجس. وما ذكره من ان مجرد الاتصال بالنجس لو كان موجبا للانفعال في نظر الشارع لنجس الاعلى بنجاسة الاسفل، ففيه انه مخصص عن العموم بالاجماع، فالحاق ما عداه به مما لا دليل عليه بل قياس لا نقول به. على ان الفارق ايضا موجود كما ذكره بعض من عدم تعقل سريان النجاسة إلى الاعلى. وانت خبير بان المفهوم من كلام المجيب المذكور اختصاص كل جزء من اجزاء الماء الجاري لا عن نبع بحكم نفسه، وانه في حكم المياه القليلة المنفصل بعضها عن بعض لهرب السابق عن اللاحق، كما ينادي به قوله: " فانها لعدم استواء سطحها بمنزلة المنفصل " وحينئذ فلا تقوي بين اجزائه ولا سراية، ومجرد الاتصال لا يوجب
(1) المورد هو الفاضل الخراساني (رحمه الله) في شرح الدروس (منه رحمه الله).
[ 240 ]
السراية، وإلا لسرت النجاسة من الاسفل إلى الاعلى، لحصول الاتصال. ودعوى الاجماع على التخصيص مجازفة في امثال هذه المقامات كما لا يخفى على من تتبع موارد الاجماعات. وعدم تعقل سريان النجاسة إلى الاعلى كما ذكره المورد مؤيد لما ذكرنا من كون كل سابق بالنسبة إلى لاحقه بمنزلة المنفصل عنه، ومن هنا ذهب المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) إلى ان الماء الجاري لا عن مادة غير ملحق بالراكد مطلقا كما ذكره جمع من الاصحاب، بل يلحق في بعض احكامه بالجاري وفى بعض آخر بالراكد، قال (قدس سره) بعد كلام في المقام، وملخصه تقوي الاسفل بالاعلى وان لم يكن المجموع كرا وعدم السراية أصلا، لعدم الدلالة عليها كما سبق نقلا عن المحقق المذكور: " وعلى هذا الاحتمال حكم الجاري لا عن نبع حكم الجاري عن نبع في تقوي الاسفل بالاعلى وان لم يكن المجموع كرا. وحكم الماء الساكن القليل في نجاسة اول جزء منه بملاقاة النجاسة وان كان المجموع كرا فصاعدا. ومما يؤيد الاحتمال الذي ذكرناه ما روي عن الصادق (عليه السلام): " ماء الحمام بمنزلة الجاري " (1) وما روي عنهم (عليهم السلام) ايضا: " ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا " (2) وجه التأييد عدم تقييد الجاري والنهر بالنابع، وعدم تقييد ماء الحمام بكرية مادته أو كرية المجموع. ومما يؤيده ايضا اطلاق المادة الواردة في ماء البئر والواردة في ماء الحمام. والله اعلم " انتهى. وللمناقشة في بعض ما ذكره (قدس سره) مجال. هذا. وينبغي ان يعلم ان الحكم بتقوي كل من الاعلى والاسفل بالآخر وعدم انفعال الماء بعروض النجاسة سواء عرضت للاعلى أو الاسفل إنما هو فيما إذا كان عروض النجاسة بعد الاتصال. اما قبله فالظاهر انه لا شك في النجاسة إذا كان ما لاقته أقل
(1) و (2) المتقدم في الصحيفة 203 السطر 4 و 6. (30)
[ 241 ]
من كر عند من يقول بنجاسة القليل بالملاقاة، فالماء القليل الواقف المتصل بالكثير أو الجاري ان عرضت له النجاسة قبل الاتصال تنجس بها. ويطهر بالاتصال بالكثير على القول بالاكتفاء بمجرد الاتصال وإلا فبالممازجة، وبعد الاتصال لا ينجس. وهذا ماء المطر الجاري في الطرق بالقياس إلى حال التقاطر وبعده. ومثل ذلك عندهم ايضا ما لو صب الماء من آنية حتى اتصل بالكثير أو الجاري، فانه ان عرضت له النجاسة بعد الاتصال لم تؤثر فيه، وان عرضت له قبل الاتصال ينجس الماء والاناء ولا يطهر بمجرد اتصاله بعد ذلك. ويأتي على مذهب من منع تقوي الاعلى بالاسفل ثبوت النجاسة في الحالين. وقال في كتاب الروض: " وعلى ما يظهر من اطلاق النص والفتوى يلزم طهارة الماء النجس عند صب بعضه في الكثير بحيث يطهر الاناء المماس للماء النجس وما فيه من الماء عند وصول اوله إلى الكثير. وهو بعيد بل هو على طرف النقيض لتفصيل المتأخرين. والمسألة من المشكلات، ولم نقف فيها على ما يزيل عنها الالتباس. والله اعلم " انتهى. والعجب منه (قدس سره) انه قبل هذا الكلام بعد نقل جملة من كلمات القوم قال: " والذي يظهر لي من المسألة ودل عليه اطلاق النص ان الماء متى كان قدر كر متصلا ثم عرضت له النجاسة لم تؤثر فيه إلا مع التغير سواء كان متساوي السطوح أو مختلفها، وان كان أقل من كر نجس الماء بالملاقاة مع تساوي سطوحه والا الاسفل خاصة. ثم ان اتصل بالكثير بعد الحكم بنجاسته اعتبر في الحكم بطهره مساواة سطوحه لسطوح الكثير أو علو الكثير عليه، فلو كان النجس أعلى لم يطهر. والفرق بين الموضعين ان المتنجس يشترط ورود المطهر عليه ولا يكفي وروده على المطهر خلافا للمرتضى (رحمه الله) فإذا كان سطحه أعلى من سطح الكثير لم يكن
[ 242 ]
الكثير واردا عليه " انتهى. ولا يخفى ما بينهما من التدافع.
(المسألة الثالثة) إذا تغير بعض الكثير فلا يخلو اما ان يكون الباقي كرا أم لا، وعلى كلا التقديرين اما ان يكون ساكنا أو جاريا، فههنا صور أربع:
(الاولى) ان يكون الباقي كر والماء ساكنا، ولا خلاف هنا في اختصاص النجاسة بالموضع المتغير وطهارة الباقي.
(الثانية) كون الباقي أقل من كر مع كون الماء ساكنا، ولا خلاف في نجاسته عند من قال بنجاسة القليل بالملاقاة.
(الثالثة) كون الباقي كرا والماء جاريا، فلا يخلو اما ان تقطع النجاسة عمود الماء ام لا، وعلى التقديرين فاما ان يكون الاعلى كرا ام لا، وعلى التقادير الاربعة فاما ان يكون الاسفل عن النجاسة كرا ايضا ام لا. وتفصيل ذلك. ان قطعت النجاسة عمود الماء وكان الاعلى كرا والاسفل كرا، فلا اشكال ولا خلاف في اختصاص التنجيس بالمتغير حال الملاقاة، الا انه يأتي على ما ذكره المحقق الشيخ حسن فيما قدمنا نقله عنه (1) نجاسة ما سفل عن النجاسة بعد مرور ذلك الماء على الاجزاء السافلة. وان قطعت النجاسة عمود الماء وكان كل من الاعلى والاسفل أقل من كر، فظاهر كلامهم انه لا خلاف في نجاسة الاسفل عند من قال بالنجاسة بمجرد الملاقاة، لكونه أقل من كر، ويظهر من كلام المحدث الامين (قدس سره) العدم، لعدم استواء سطح الماء، فاجزاؤه في حكم الماء المنفصل بعضه عن بعض، لهرب السابق عن اللاحق، إلا بعد السيلان على الاجزاء السافلة كما ذكروه. واما الاعلى فظاهر كلامهم الاتفاق على عدم نجاسته، لعدم تعقل سريان النجاسة إلى الاعلى.
(1) في الصحيفة 239.
[ 243 ]
ومن هذا الكلام يعلم حكم صورتي ما لو قطعت النجاسة عمود الماء وكان الاعلى كرا والاسفل أقل من كر وبالعكس. وان لم تقطع النجاسة عمود الماء وكان كل من الاعلى والاسفل يبلغ الكر، فلا اشكال ولا خلاف في اختصاص التنجيس بالمتغير إلا بعد سيلان ذلك الماء علي الاجزاء السافلة بناء على ما ذكره ذلك المحقق المشار إليه. وان كان كذلك (1) وكان كل من الاعلى والاسفل أقل من كر لكن المجموع يبلغ الكر، فعلى تقدير القول بتقوي كل من الاعلى والاسفل بالآخر لا اشكال في الطهارة، وعلى تقدير القول بتقوي الاسفل بالاعلي دون العكس يلزم نجاسة الاسفل، لان الاعلى لقلته لا يقوي ما سفل عنه فليزم نجاسته لقلته، وبذلك صرح في المعالم (2). وان كان كذلك ايضا وكان الاعلى قدر كر والاسفل أقل من كر، فلا خلاف في تقوي الاسفل به وطهارة الجميع واختصاص التنجيس بموضع التغير. وبالعكس فالحكم كذلك ايضا، لان الاعلى لا تسري إليه النجاسة اجماعا، والاسفل قد عصم نفسه عن الانفعال بالكرية، فيختص التنجيس بموضع التغير.
(الرابعة) كون الباقي بعد التغير اقل من كر والماء جاريا وحكمها يعلم بالتأمل في تلك الشقوق، الا انه يظهر من كلام المحدث الامين (قدس سره) كما
(1) أي لم تقطع النجاسة عمود الماء (منه رحمه الله). (2) قال (قدس سره) - بعد ان صرح بان القليل المتصل بمادة هي كر فصاعدا في حكم الكر المتساوي السطوح، وانه لا يعتبر استواء في المادة بالنظر إلى عدم انفعال ما تحتها - ما لفظه: " نعم يعتبر الاستواء في عدم انفعال المادة بعينها، فلو لاقتها نجاسة وهى غير مستوية، نجس موضع الملاقاة، ويلزم منه نجاسة ما تحتها ايضا ما لم يكن فيه كر مجتمع " ثم اشار إلى الاشكال المورد في المقام واجاب عنه بما قدمنا نقله عنه (منه رحمه الله)
[ 244 ]
قدمنا نقله (1) اختصاص التنجيس بموضع النجاسة، لمنعه السراية وحكمه بتقوي الاسفل بالاعلى وان لم يكن المجموع كرا فيختص التنجيس بموضع التغير. إذا عرفت ذلك فاعلم ان شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في كتاب الروض قد اورد ههنا تناقضا على من منع من تقوي الاعلى بالاسفل بانهم قد حكموا في صورة ما إذا تغير بعض الجاري لا عن نبع بالنجاسة بعدم نجاسة الاعلى مطلقا وعدم نجاسة الاسفل إذا بلغ الباقي كرا الا ان تستوعب النجاسة عمود الماء فيشترط كرية الاسفل، وهذا القول يستلزم تقوي الاعلى بالاسفل وإلا لزم نجاسة الاسفل مطلقا إلا إذا كان الاعلى كرا ولم يستوعب التغير عمود الماء، لان الجزء الاعلى الملاقي للنجاسة على هذا يصير نجسا والفرض انه لا يتقوى بما تحته فينجس حينئذ وينجس ما تحته لذلك ايضا وهكذا. ووجه الجواب عن ذلك ما قدمنا نقله عن المحقق الشيخ حسن في كتاب المعالم ويمكن الجواب ايضا باحتمال قصر الحكم المذكور على الواقف المتصل بالكثير أو الجاري دون الجاري نفسه، فكأنهم يشترطون في التقوي وحدة الماءين في العرف أو يكون القوي أعلى، فالماء الجاري في العرف عندهم ماء واحد وان كان بعضه أعلى وبعضه أسفل. واما الماء الواقف المتصل بالكثير أو الجاري فمتى كان أسفل ينتفي فيه الامران فلا يتقوى بهما. ويمكن الجواب بما اشرنا إليه آنفا من تخصيص الحكم المذكور بما إذا لم تكن اجزاؤه منحدرة بل يكون العلو بطريق التسنم كالميزاب ونحوه.
(المسألة الرابعة) طريق تطهير الماء المذكور إذا تغير بالنجاسة ان يقال: لا يخلو اما ان يتغير جميعه أو بعضه، وعلى الثاني فاما ان يبقى قدر الكر أم لا، فههنا أقسام ثلاثة:
(1) في الصحيفة 240.
[ 245 ]
(الاول) ان يتغير بعضه مع كون الباقي كرا، والظاهر انه لا خلاف في طهارته بتموجه بعضه في بعض مع زوال التغير بذلك أو قبله. هذا على القول باشتراط الامتزاج. واما على القول بالاكتفاء بمجرد الاتصال فيكفي مجرد زوال التغير.
(الثاني والثالث) ان يكون الباقي أقل من كر أو يتغير الجميع، وقد ذكر جملة من الاصحاب ان تطهيره بالقاء كر عليه دفعة، فان زال التغير وإلا فكر آخر وهكذا حتى يزول التغير، وانه لا يطهر بزوال التغير من قبل نفسه ولا بتصفيق الرياح ولا بوقوع اجسام طاهرة تزيل عنه التغير.
وتفصيل هذه الجملة يقع في مواضع:
(الاول) ان ما ذكروه من القاء كر فكر حتى يزول التغير إنما يلزم لو لم يزل التغير اما من قبل نفسه أو بعلاج أو بماء قليل وإلا اجزأ كر واحد، وكذا إنما يلزم لو تغير الكر الملقى على وجه لم يبق من المجموع قدر كر وإلا كان حكمه ما تقدم في القسم الاول.
(الثاني) انه لا يختص التطهير بما ذكروه، بل يطهر بالمطر ايضا على التفصيل المتقدم، وبالجاري عن نبع أولا عن نبع مع كريته، لكن مع زوال التغير بكل من هذه الاشياء أو قبله، واشتراط علو الجاري مطلقا أو مساواته أو نبع الماء من تحته بقوة وفوران بحيث يستهلك الماء النجس لا بمثل الترشيح. واعتبار علو الجاري هنا أو مساواته متفق عليه حتى من القائلين بتقوي كل من الاعلى والاسفل بالآخر، لانهم يخصون ذلك كما عرفت مما قدمنا نقله عن شيخنا الشهيد الثاني (1) بملاقاة النجاسة بعد الاتصال، ووجه الفرق بين المقامين قد تقدم في كلامه، لكن ينقدح على الفرق المذكور الاشكال بتساوي السطوح، إذ لا يتحقق فيه ورود الطاهر حينئذ
(1) في الصحيفة 241.
[ 246 ]
مع اتفاقهم على القول بالطهارة كما عرفت. واجاب في الروض بان جماعة من الاصحاب منهم: المنصف (رحمه الله) في التذكرة والشهيد في الذكرى شرطوا في طهر المتنجس في هذا الحالة امتزاج الطاهر به ولم يكتفوا بمجرد المماسة، وهذا الشرط في الحقيقة يرجع إلى علو الجاري، إذ لا يتحقق الامتزاج بدونه، وحينئذ يتحقق الشرط وهو ورود الطاهر على النجس ويزول الاشكال، وهذا الشرط حسن في موضعه. انتهى. ولا يخفى عليك ان إلتزامه اشتراط الامتزاج في الصورة المذكورة لضرورة دفع الاشكال وإلا فهو خلاف مقتضى مذهبه كما سيأتي من الاكتفاء بمجرد الاتصال، ويشير إلى ذلك قوله اخيرا: " وهذا الشرط حسن في موضعه ".
(الثالث) ما ذكروا من اعتبار الدفعة في الكر الملقى هو احد القولين في المسألة، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في الكلام في بيان تطهير الماء القليل ان شاء الله تعالى.
(الرابع) ما ذكروا من عدم طهره بمجرد زوال التغير من قبل نفسه إلى آخر ما تقدم وهو اشهر القولين في المسألة واظهرهما. وقيل بطهره بمجرد ذلك، وهو منقول عن الفاضل يحيى بن سعيد في الجامع، واحتمله العلامة في النهاية. وصرح جمع من الاصحاب بان القول بطهارة المتغير بزوال التغير لازم لكل من قال بالطهارة بالاتمام. وتنظر فيه بعض افاضل متأخري المتأخرين بما حاصله: ان القول بالطهارة بالاتمام، إما لخبر " إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا " (1) اي يطهره، أو لغيره
(1) هذا مرسل السيد والشيخ (قدس سرهما) وسيأتى التعرض منه (قده) له في تطهير القليل النجس باتمامه كرا. وقال ابن الاثير في النهاية في مادة كر: في حديث ابن سيرين " إذا كان الماء قدر كر لم يحمل القذر " وفى رواية " إذا بلغ الماء كرا لم يحمل نجسا " =
[ 247 ]
من الوجوه المذكورة في ادلتهم. فان كان المستند غير الخبر المذكور فوجه عدم اللزوم ظاهر، وان كان الخبر المذكور فكذلك ايضا، لانه وان دل بعمومه على ان الماء إذا بلغ كرا لم يظهر فيه خبث، الا ان ذلك العموم مخصوص نصا واجماعا بالخبث الذي لا يكون متغيرا للماء، والا لكان منجسا للماء البتة، فإذا ثبتت النجاسة بالتغير كان حكمها مستصحبا إلى ان يعلم المزيل كما ذكره القائلون بعدم الطهارة بالاتمام، ولو قيل: ان القدر الثابت من المخصص هو التخصيص بالمتغير ما دام متغيرا، واما ما بعد زوال التغير فهو داخل في العموم. لقيل: ان هذا بعينه يرد على من تمسك بالرواية المشهورة (1) وهي " إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شئ " كما لا يخفى (2). حجة القول المشهور ان النجاسة وزوالها حكمان شرعيان منوقفان على النص من الشارع، فكما حكم بالنجاسة بالتغير لثبوت ذلك عنه. فلا يحكم بالطهارة بالزوال الا مع ثبوت ذلك عنه ايضا، والا فيكون حكم النجاسة مستصحبا إلى ان تحصل الطهارة بما جعله مطهرا. وليس الاستصحاب هنا من قبيل الاستصحاب المتنازع فيه بل مرجعه هنا إلى العمل بعموم الدليل. اقول: وتحقيق القول في الاستصحاب وجملة اقسامه قد تقدم في المقدمة الثالثة (3).
= وفى تاج العروس في الجزء الثالث في الصحيفة (519) الكر بالضم مكيال لاهل العراق، ومنه: حديث ابن سيرين " إذا بلغ الماء كرا لم يحمل نجسا ". (1) تقدم الكلام فيها في التعليقة 3 في الصحيفة 191. (2) وذلك لانها مخصوصة بغير المتغير نصا واجماعا، فالكر المتغير كلا أو بعضا نجس، وبعد زوال التغير بمقتضى الايراد الذكور يندرج في العموم، مع انهم لا يقولون به بل يستصحبون حكم النجاسة إلى ان تحصل الطهارة باحد المطهرات الشرعية (منه رحمه الله). (3) في الصحيفة 51.
[ 248 ]
وظاهر كلام المستدل هنا ان الاستصحاب المذكور من قبيل القسم الثالث المذكور هناك الذى هو عبارة عن اطلاق النص، دون القسم الرابع الذى هو محل النزاع، وهذا الموضع أحد المواضع التي اشرنا هناك إلى الشك والتردد في اندراجها تحت القسم الثالث أو الرابع من تلك الاقسام. وتحقيق القول في ذلك ان يقال: إذا تعلق حكم بذات لاجل صفة كالماء المتغير بالنجاسة والماء المسخن بالشمس والحائض اي ذات دم الحيض فهل يحكم بمجرد زوال التغير وزوال السخونة وانقطاع الدم بخلاف الاحكام السابقة، أو يحكم باجراء الاحكام السابقة إلى ظهور نص جديد ؟ اشكال، ينشأ من ان الحكم في هذه النصوص - الواردة في هذه الافراد المعدودة ونحوها محتمل لقصره على زمان وجود الوصف، بناء على ان التعليق على الوصف مشعر بالعلية. وان المحكوم عليه هو العنوان لا الفرد وقد انتفى، وبانتفائه ينتفي الحكم - ومحتمل للاطلاق، بناء على ان المحكوم عليه انما هو الفرد لا العنوان، والعنوان إنما جعل آلة لملاحظة الفرد، فمورد الحكم حقيقة هو الفرد، فعلى الاحتمال الاول يكون من القسم الرابع، فان تغير الماء هنا بالنجاسة نظير فقد الماء في مسألة المتيمم الداخل في الصلاة ثم يجد الماء. وكما ان وجود الماء هناك حالة اخرى مغايرة للاولى، فتعلق النص بالاولى لا يجوب استصحابه في الثانية لمكان المخالفة. فكذا هنا زوال الوصف حالة ثانية مغايرة للاولى لا يتناولها الص المتعلق بالاولى. وعلى الاحتمال الثاني يكون من قبيل القسم الثالث وهو الذى ذكره السيد (قدس سره) في المدارك، واليه جنح ايضا المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) في تعليقاته على المدارك. وبالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال. والله سبحانه العالم بحقيقة الحال.
(المسألة الخامسة) لو جمد الكثير ثم اصابته نجاسة بعد الجمود فالظاهر كما استظهره بعض المحققين النجاسة في خصوص الملاقاة كسائر الجامدات،
[ 249 ]
لخروجه بالجمود عن اسم الماء عرفا ولغة، ويظهر بالقاء النجاسة وما يكتنفها ان كان لها عين والا فالموضع الملاقي لها، ويطهر باتصال الكثير به بعد زوال العين. ونقل عن العلامة في المنتهى انه قال: " لو لاقت النجاسة ما زاد على الكر من الماء الجامد فالاقرب عدم التنجيس ما لم تغيره " واحتج لذلك بان الجمود لم يخرجه عن حقيقته بل هو مؤكد لثوبتها، فان الآثار الصادرة عن الحقيقة كلما قويت كانت آكد في ثبوتها، والبرودة من معلولات طبيعة الماء وهي تقتضي الجمود، وإذا لم يكن ذلك مخرجا له عن الحقيقة كان داخلا في عموم قوله (عليه السلام): " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (1) وفيه ما عرفت من ان الجمود يخرجه عن الاسم الذي هو المدار في الحفظ عن انفعال القليل لغة وعرفا فيزول بزواله. ولعله (قدس سره) قاس ذلك على مثل الدبس والدهن ونحوهما، فانها بالجمود لا تخرج عن الحقيقة، إلا انه قياس مع الفارق، فان الظاهر في الماء الجامد ان احدا لا يطلق عليه اسم الماء. والموجود في الاخبار اطلاق اسم الثلج عليه. وبالجملة فانه لا ريب في ضعفه. واستشكل الحكم في التحرير، ونقل عنه في النهاية القول بالمشهور.
(المسألة السادسة) في القدر الذي لا ينفعل بالملاقاة من الراكد، وتنقيح الكلام فيه يستدعي بسطه في مواضع: (الموضع الاول) اعلم انه قد ورد بتقدير ما لا ينفعل من الماء روايات بغير لفظ الكر لا يخلو ظاهر تقديراتها من تدافع. (فمنها) رواية عبد الله بن المغيرة عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا كان الماء قدر قلتين لم ينجسه شئ، والقلتان جرتان ". و (منها) رواية عبد الله بن المغيرة ايضا عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله (عليه
(1) المروى في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة
[ 250 ]
السلام) (1) قال: " الكر من الماء نحو حبي هذا. واشار إلى حب من تلك الحباب التي تكون بالمدينة ". و (منها) رواية زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " قلت له: رواية من ماء سقطت فيها فارة أو جرذ أو صعوة ميتة ؟ قال: إذا تفسخ فيها فلا تشرب من مائها ولا تتوضأ وصبها، وان كان غير متفسخ فاشرب منه وتوضأ، واطراح الميتة إذا اخرجتها طرية، وكذا الجرة وحب الماء والقربة واشباه ذلك من اوعية الشرب " هذه جملة ما وقفت عليه من ذلك، وهي مشتملة على التحديد بالقلتين تارة وبكونه نحو ذلك الحب المشار إليه اخرى، وبكونه قدر رواية أو حب أو قربة أو شبه ذلك، فلابد من بيان انطباق مصاديق هذه الالفاظ على ما يصدق عليه الكر الذي بني عليه الاصحاب وجعلوه المعيار في هذا الباب، ليزول التنافي من البين وتجتمع الادلة من الطرفين. ويكون ذلك ضابطا كليا وقانونا جليا: فنقول: اما الرواية الاولى فحملها الشيخ (رحمه الله) في الاستبصار (3) بعد الطعن فيها أولا بالارسال على التقية. قال: " لانه مذهب كثير من العامة " ثم قال: " ويحتمل ان يكون مقدار القلتين مقدار الكر، لان ذلك ليس بمنكر لان القلة هي الجرة الكبيرة في اللغة " انتهى. اقول: ويؤيد الحمل على التقية ان المدار عندهم على القلتين كما ان المدار عندنا على الكر، كما ورد في الخبر المتفق على صحته عندهم (4): " إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثا ".
(1) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (3) في الصحيفة 7 من طبع النجف. (4) قال ابن تيمية في الجزء الاول من المنتفى في الصحيفة 24 بعد ان ذكر هذا =
[ 251 ]
وحمل ايضا في الاستبصار الرواية الثانية على ان الحب لا يمتنع ان يسع من الماء مقدار الكر، وعلى ذلك حمل الجرة والراوية والحب والقربة. وجملة متأخري الاصحاب (رضوان الله عليهم) اعرضوا عن النظر في هذه الاخبار واطبقوا على اخبار الكر، والظاهر ان ذلك اما بناء على ما اعتمدوه من الاصطلاح في تقسيم الحديث، وان هذا الروايات ضعيفة الاسانيد، فلا تبلغ قوة المعارضة لتلك الاخبار الصحيحة أو الضعيفة المجبورة عندهم بعمل الطائفة. أو انها عندهم غير منافية بناء على ما ذكره الشيخ (قدس سره).
= الحديث: رواه الخمسة. وهم باصطلاحه - كما ذكر ذلك في اول الكتاب -: احمد بن حنبل في مسنده وابو عيسى الترمذي في جامعه. وابو عبد الرحمن النسائي في كتاب السنن. وابو داود السجستاني في كتاب السنن. وابن ماجه القزويني في كتاب السنن. الا ان النص الذى ذكره: " إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث " وقال: وفى لفظ ابن ماجه ورواية لاحمد " لم ينجسه شئ " وفى كنز العمال في الجزء الخامس في الصحيفة 95 " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ". وروى البيهقى في الجزء الاول من سننه في الصحيفة 260 و 261 الحديث بالنص المتقدم وفى الصحيفة 261 منه ايضا بالنص المذكور في الكتاب. وفى مصابيح السنة للغوى في الجزء الاول في الصحيفة 33 " إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسا ". وقد ورد الكر ايضا في رواياتهم، ويحكى عن بعضهم انه هو المعيار في هذا الباب، قال الجصاص في احكام القرآن في الجزء الثالث في الصحيفة 491 في قوله تعالى: " وانزلنا من السماء ماء طهورا " بعد ان نقل المذاهب في الماء الكثير: " وقال مسروق والنخعي وابن سيرين: إذا كان الماء كرا لم ينجسه شئ ". وقال ابن الاثير في النهاية في مادة كر: في حديث ابن سيرين " إذا كان الماء قدر كر لم يحمل القذر " وفى رواية " إذا بلغ الماء كرا لم يحمل نجسا " وفى تاج العروس في الجزء الثالث في الصحيفة 519 في مادة كر: الكر بالضم مكيال لاهل العراق ومنه: حديث ابن سيرين " إذا بلغ الماء كرا لم يحمل نجسا " وفى رواية " إذا كان الماء قدر كر لم يحمل القذر ".
[ 252 ]
هذا. والذي وقفت عليه من كلام اهل اللغة في ذلك، اما بالنسبة إلى القلتين فقال في كتاب المصباح المنير: " والقلة اناء للعرب كالجرة الكبيرة شبه الحب، قال الازهري: ورأيت القلة من قلال هجر والاحساء تسع مل ء مزادة، والمزادة شطر الراوية، وكأنها سميت قلة لان الرجل القوي يقلها اي يحملها، وعن ابن جريح قال: اخبرني من رأي قلال هجر: ان القلة تسع فرقا، قال عبد الرزاق: والفرق يسع اربع اصواع بصاع النبي صلى الله عليه وآله، إلى ان قال: ويجوز ان يعتبر قلال هجر البحرين، فان ذلك اقرب عرف لهم، ويقال: كل قلة تسع قربتين " انتهى. وقال في كتاب مجمع البحرين: " القلة بضم القاف وتشديد اللام اناء للعرب كالجرة الكبيرة تسع قربتين أو اكثر، ومنه قلال هجر، وهى شبه الحباب " وقال في القاموس: " القلة الحب العظيم أو الجرة العظيمة " انتهى. وقال المحقق في المعتبر: " ان ابا علي ابن الجنيد قال في المختصر: الكر قلتان مبلغ وزنه الف ومائتا رطل، وقال ابن دريد: القلة في الحديث من قلال هجر وهي عظيمة، وزعموا ان الواحدة تسع خمس قرب " انتهى. ونقل العلامة المنتهى ايضا عن ابن دريد انه قال: " القلة من هجر عظيمة تسع خمس قرب " انتهى. وانت خبير بان المستفاد من كلام هؤلاء ان القلة والجرة والحب متقاربة المقادير وان كلا منها مما يختلف صغرا وكبرا، وان القلة منها: ما تسع قربتين ومنها: ما تسع خمس قرب، فلا بعد حينئذ في حمل تلك الظروف المروية في الاخبار على ما يسع الكر. واما الحب فقال في المصباح: " والحب بالضم الخابية فارسي معرب " وقال في المجمع: " والحب بالضم الجرة الضخمة " وقال في القاموس: " والحب الجرة أو الضخمة منها ". وانت خبير بان تفسير الحب بالخابية التي تختلف افرادها صغرا وكبرا، وتفسير
[ 253 ]
القلة به وهي كما عرفت سابقا يعطى ايضا انه مما يختلف مقاديره، فلا يمتنع ان يكون ذلك الحب المشار إليه من الحباب الكبار التي تسع كرا من ماء. ويؤيد ذلك صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن حب ماء فيه الف رطل وقع فيه أوقية بول، هل يصلح شربه أو الوضوء منه ؟ قال: لا يصلح " وحينئذ فلا بعد في الحمل على ذلك، ومثل ذلك الجرة والقربة، فانها مما يتفاوت افرادها ايضا صغرا وكبرا. واما الراوية فهي في الاصل تقال على الدابة التي يستقى عليها الماء ثم استعملت في المزادة كما يعطيه كلام صاحب المغرب، أو انها حقيقة فيهما كما يفهم من غيره، وعلى ايهما فالمراد به في الحديث المزادة، قال في القاموس: " ولا تكون إلا من جلدين تفأم بثالث بينهما لتتسع " انتهى. وقال في كتاب مجمع البحرين: " المزادة الراوية، وسميت ذلك لانها يزاد فيها جلد آخر من غيرها، ولهذا انها اكبر من القربة " انتهى. ومتى كان كذلك فبلوغها الكر لا خفاء فيه. ومع المناقشة في ذلك فالحمل على التقية التي هي الاصل في اختلاف الاخبار عندنا كما تقدم بيانه واشتد بنيانه في المقدمة الاولى من مقدمات الكتاب وان لم يكن بمضمونها قائل من العامة كما علمته مبرهنا. واخبار الكر معتضدة بعمل الطائفة عليها قديما وحديثا فهي مجمع عليها، ومخالفة للعامة قطعا (2) فيتعين القول بها. والله سبحانه واولياؤه اعلم. (الموضع الثاني) للاصحاب (رضوان الله عليهم) في معرفة الكر طريقان وبكل منهما وردت الاخبار، وان كان على وجه يحتاج إلى التطبيق بينها في ذلك المضمار.
(1) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) تقدم في التعليقة 4 في الصحيفة 250 ما يوضح ذلك.
[ 254 ]
(الطريق الاول) معرفة ذلك بالوزن وهو الف ومائتا رطل، ولا خلاف بينهم في هذا المقدار. وعليه تدل صحيحة محمد بن ابي عمير عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " الكر من الماء الذي لا ينجسه شئ الف رطل ومائتا رطل ". وانما اختلفوا في المراد من الرطل في هذا الخبر، هل هو الرطل العراقي أو المدني ؟ فالمشهور حمله على الاول، وهو مائة وثلاثون درهما على المشهور، وقيل انه مائة وثمانية وعشرون درهما واربعة اسباع درهم، ذكره العلامة في نصاب الغلات من التحرير والمنتهى (2) والظاهر انه غفلة. وقيل بحمله على الثاني وهو مائة وخمسة وتسعون درهما، وبه قال المرتضى في المصباح والصدوق في الفقيه. واستدل على الاول بوجوه: (احدها) عموم قوله (عليه السلام): " كل ماء طاهر حتى يعلم انه قذر " (3) والعلم لا يتحقق مع الاحتمال. و (ثانيها) ان الاقل متيقن والزائد مشكوك فيه فيجب نفيه بالاصل. و (ثالثها) ان ذلك هو المناسب لرواية الاشبار الثلاثة (4).
(1) المروية في الوسائل في الباب - 11 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) ما ذهب إليه (قدس سره) في ذلك منقول عن العامة ومخالف لما صرح به في باقى كتبه، قال بعض المتأخرين: " والظاهر ان هذا سهو منه، وكأنه كان (ره) عند وصوله إلى هذا الموضع ناظرا في كتبهم وتبعهم فيه ذاهلا عن مخالفة نفسه في المواضع الاخر ومخالفة الاخبار وأقوال سائر الاصحاب " انتهى. وهو في محله (منه رحمه الله). (3) المروى في الوسائل في الباب 1 و 4 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (4) وهى صحيحة اسماعيل بن جابر المروية في الباب 9 و 10 - ورواية المجالس المروية في الباب 10 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة من الوسائل، وسيأتى منه (قده) ذكرهما في الطريق الثاني.
[ 255 ]
و (رابعها) ما فيه من الجمع بين الرواية المذكورة (1) وبين صحيحة محمد ابن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " والكر ستمائة رطل " بحملها على ارطال مكة، إذ لم يذهب أحد إلى حملها على الارطال العراقية أو المدنية، والرطل المكي رطلان بالعراقي. و (خامسها) ان الاصل طهارة الماء خرج ما نقص عن الارطال العراقية بالاجماع، فيبقى الباقي. ويرد على الاول ما تقدم في المقدمة الحادية عشرة (3) في معنى الحديث المذكور ومرت إليه الاشارة ايضا في المقالة الرابعة من الفصل الاول (4) ونزيده هنا بيانا وتاكيدا فنقول: ان الجهل هنا الذي هو عبارة عن عدم العلم بالقذارة الموجب للتمسك باصالة الطهارة حتى تعلم النجاسة اما ان يكون متعلقا باصابة النجاسة للماء، بمعنى ان المكلف يجهل اصابة النجاسة للماء ولا يعلمها، واما ان يكون متعلقا بالنجاسة، بمعنى انه يجهل كون هذا الشئ موجبا للتنجيس. واما يجهل الحكم بالتنجيس بان يعلم ملاقاة النجاسة لكن يشك في تأثيرها كموضع البحث. ومقتضى الدليل العقلي الدال على امتناع تكليف الغافل عن الخطاب بلزوم تكليف ما لا يطاق، والنقلي الدال على ذلك كنفي الحرج انما يقوم على العذر بالنسبة إلى القسم الاول دون الاخيرين. واخبار معذورية الجاهل خاصها وعامها إنما تدل على الاول وهو الجاهل المحض، دون العالم بالنجاسات وافرادها وما يترتب على الملاقاة من الحكم، فربما علم بالملاقاة لكن
(1) وهى صحيحة محمد بن ابى عمير المتقدمة في الصحيفة 254 (2) المروية في الوسائل في الباب - 11 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (3) في الموضع الاول في الصحيفة 134. (4) في الصحيفة 190.
[ 256 ]
جهل الحكم بالتنجيس في بعض الموارد، للشك في بعض الشروط كموضع البحث، أو للشك في بعض الاشياء بكونها موجبة للتنجيس كنطفة غير الانسان مثلا، بل دلت الاخبار على ان الحكم في الفردين الاخيرين وجوب الفحص والسؤال، ومع العجز فالوقوف على جادة الاحتياط. كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج " في رجلين اصابا صيدا وهما محرمان، الجزاء بينهما أو على كل واحد منهما جزاء ؟ فقال: لا بل عليهما ان يجزي كل واحد منهما الصيد. قلت: ان بعض اصحابنا سألني عن ذلك فلم ادر ما عليه. فقال: إذا اصبتم بمثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط " (1). ومثلها حسنة بريد الكناسي الواردة فيمن علمت ان عليها العدة ولم تدر كم هي ؟ حيث قال (عليه السلام): " إذا علمت ان عليها العدة لزمتها الحجة، فتسأل حتى تعلم " (2). وبالجملة فمورد الخبر المذكور هو العالم بموجبات تنجيس الماء وشرائطه، فانه متى جهل اصابة النجاسة حكم بالطهارة إلى ان يعلم الاصابة، وما عدا هذا الفرد ففرضه التوقف في الحكم والاحتياط في العمل. ومما ذكرنا يظهر الجواب عن الوجه الثاني ايضا، فان الوجه في اصالة البراءة التي اعتمدوا عليها هو ما قدمناه من الدليل العقلي والنقلي، ولزوم الحرج وتكليف الغافل في صورة بلغنا فيها حكم شرعي ولكن اشتبه علينا المراد منه هل هو الزائد أو الناقص ؟ ممنوع، لما عرفت من الروايتين المتقدمتين. واورد على الثالث انه وان ناسب رواية الاشبار الثلاثة (3) لكن المشهور
(1) تقدم الكلام فيها في التعليقة 2 في الصحيفة 73. (2) تقدم الكلام فيها في التعليقة 4 في الصحيفة 82 والتعليقة 1 في الصحيفة 83. (3) تقدم بيانها في التعليقة 4 في الصحيفة 254.
[ 257 ]
على تقدير المساحة إنما هو العمل على رواية ابي بصير (1) البالغ تكسير ما اشتملت عليه إلى اثنين واربعين شبرا وسبعة اثمان شبر، وليس تباعد المدني عنها ابعد من تباعد العراقي. وعلى الرابع ايضا ما ذكره الشهيد الثاني (رحمه الله) من انه يجوز ان يحمل الستمائة على الارطال المدنية ليوافق قول القميين برواية الاشبار الثلاثة (2) بناء على ان الالف والمائتين العراقية توافق رواية الاشبار بزيادة النصف كما ذكره جماعة: منهم الشهيد في الذكرى. ومن ثم عدل بعض متأخري المتأخرين عن كيفية الاستدلال بالرواية إلى نحو آخر، فقال: " لو لم يحمل على العراقي لم يمكن الجمع بين روايات الارطال، بخلاف ما لو حمل عليه، فانها تجتمع على ذلك ". ويرد على الخامس ايضا (اولا) ان الاصل المذكور اما عبارة عن الدليل، وليس إلا الخبر المتقدم في الوجه الاول وامثاله. وقد عرفت ما فيه. واما عبارة عن الحالة السابقة أو الحالة الراجحة التي إذا خلي الشئ ونفسه، وكل منهما قد اخرج عنه معلومية ملاقاة النجاسة، فاستصحابها في موضع النزاع فرع صحة الاستدلال بالاستصحاب في مثل ذلك، وقد حققنا لك في المقدمة الثالثة (3) بطلانه وهدمنا اركانه، فانه بتجدد الحالة الثانية اعني ملاقاة النجاسة هنا لا يمكن الجزم بالبقاء على الحكم الاول. و (ثانيا) ايضا ان المستفاد من قوله (عليه السلام): " إذا بلغ الماء
(1) الآتى ذكرها في الصحيفة 261. (2) وسيأتى بيانها في الصحيفة 262. (3) في الصحيفة 51.
[ 258 ]
كرا لم ينجسه شئ " وامثاله ان حصول الكرية موجب لعدم الانفعال وانتفائها موجب للانفعال، فإذا حصل الشك في الكرية كان حكمها في الانفعال وعدمه مشكوكا فيه، وتعيين أحدهما يحتاج إلى دليل (فان قيل): الدليل هو العمومات الدالة على طهارة الماء (قلنا): العمومات على تقدير تسليمها مخصوصة بالخبر المذكور، والشك إنما حصل في كون محل النزاع فردا للمخصص أم لا، فتعين أحدهما يحتاج إلى دليل. احتج الآخرون بان الحمل على المدني يقتضي الاحتياط، حيث ان الاقل مندرج تحته. وبانه (عليه السلام) كان من أهل المدينة. فالظاهر انه (عليه السلام) اجاب بما هو المعهود عنده. واجيب عن الاول بان الاحتياط ليس بدليل شرعي. مع انه معارض بمثله، فان المكلف مع تمكنه من الطهارة المائية لا يسوغ له العدول إلى الترابية، ولا يحكم بنجاسة الماء إلا بدليل شرعي، فإذا لم يقم على النجاسة فيما نحن فيه دليل كان الاحتياط في استعمال الماء لا في تركه. وعن الثاني بان المهم في نظر الحكيم هو رعاية ما يفهمه السائل، وذلك إنما يحصل بمخاطبته بما يعهده من اصطلاحه، ولم يعلم ان السائل كان مدنيا، وغالب الرواة عنه (عليه السلام) كانوا من أهل العراق، فلعل السائل كان منهم حملا على الغالب. (قلت): ويؤيد بان المرسل وهو ابن ابي عمير كان عراقيا، وبجوابه (عليه السلام) لمحمد بن مسلم الذي هو من الطائف توابع مكة بستمائة رطل المتعين أو الظاهر حملها على الارطال المكية. لما تقدم، وبقوله (عليه السلام) في حديث الكلبي النسابة (2) لما سأله عن الشن الذي ينبذ فيه التمر للشرب والوضوء: " وكم كان يسع
(1) تقدم الكلام فيه في التعليقة 3 في الصحيفة 191. (2) المروى في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل من كتاب الطهارة.
[ 259 ]
من الماء ؟ فقال ما بين الاربعين إلى الثمانين إلى ما فوق ذلك. فقلت: باي الارطال ؟ قال: ارطال مكيال العراق ". واجاب المحقق الشيخ حسن في المعالم عن المعارضة الموردة على الجواب الاول بان الاخبار الدالة على اعتبار الكرية اقتضت كونها شرطا لعدم انفعال الماء بالملاقاة، فما لم يدل دليل شرعي على حصول الشرط يجب الحكم بالانفعال، ثم قال: " وبهذا يظهر ضعف احتجاجهم بالاصل على الوجه الذي قرروه، لان اعتبار الشرط مخرج عن حكم الاصل ". وفيه نظر، لان كون الكرية شرطا لعدم الانفعال لا يقتضي الحكم بالانفعال في صورة عدم العلم بالشرط، إذ عند عدم الشرط في الواقع ينتفي المشروط لا عند عدم العلم به. على انه معارض بان الاخبار المذكورة كما تدل على كون الكرية شرطا لعدم الانفعال كذلك تدل على كون القلة شرطا للانفعال، فما لم يدل دليل على حصول الشرط يجب الحكم بعدم الانفعال. والظاهر ان ابتناء ما ذكره في المعالم على ما اشتهر بينهم، وبه صرح والده (قدس سرهما) في تمهيد القواعد في مبحث تعارض الاصلين، حيث قال: " إذا وقع في الماء نجاسة وشك في بلوغه الكرية فهل يحكم بنجاسته أو طهارته ؟ فيه وجهان (احدهما) الحكم بنجاسته، وهو المرجح، لان الاصل عدم بلوغه الكرية. و (الثاني) انه طاهر، لان الاصل في الماء الطهارة. ويضعف بان ملاقاة النجاسة رفعت هذا الاصل لان ملاقاتها سبب في تنجيس ما تلاقيه " ثم ذكر ما يدل على ان هذا هو القول الشائع بين الفقهاء. انتهى. وفيه بمعونة ما قررناه سابقا توجه المنع إلى قوله: " بان ملاقاة النجاسة رفعت هذا الاصل " فان مجرد ملاقاة النجاسة لا يوجب التنجيس كما ذكره، بل مع القلة. وهي غير متحققة.
[ 260 ]
والتحقيق في هذا المقام بتوفيق الملك العلام وبركة أهل الذكر (عليهم السلام) ان يقال: ان مقتضى الاخبار الواردة في الكر القائلة بانه إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شئ، الدالة بمنطوقها على انه مع العلم ببلوغ الكرية لا ينجسه شئ، وبمفهومها الذي هو حجة صريحة صحيحة على انه مع العلم بعدم بلوغه كرا ينجس بالملاقاة تعليق الحكم بنجاسة ذلك الماء على العلم بعدم بلوغه كرا، وتعليق الحكم بطهارته على العلم ببلوغه كرا (1) ومقتضى هذين التعليقين ومقتضى الاخبار الدالة على وجوب التوقف في كل ما لم يعلم حكمه على التعيين هو وجوب التوقف عن الحكمين والوقوف على جادة الاحتياط في العمل. وقولهم: الاحتياط ليس بدليل شرعي على اطلاقه ممنوع، لما عرفت في المقدمة الرابعة من ان الاحتياط في مثل هذه الصورة من الادلة الشرعية كما صرحت به الاخبار، ومنها: الخبران المتقدمان (2) والمعارضة التي ذكرها المجيب مندفعة بانه قد ظهرت الدلالة على وجوب الاحتياط، وانه دليل شرعي على وجوب الاجتناب عن هذا الماء فالاحتياط الذي ذكره المعارض غير متجه. وان اردت مزيد ايضاح للفرق بين الاحتياط الواجب الذي هو أحد الادلة الشرعية والمستحب الذي توهموا حمل ذلك الفرد الآخر عليه، فارجع إلى ما حققناه في المقدمة المذكورة. على ان قول القائل: الاصل عدم بلوغ الكرية لا ينطبق على شئ من معاني الاصل التي صرحوا بها كما تقدم في المقدمة الثالثة في بحث
(1) ووجه اخذ العلم من جانب المنطوق والمفهوم ما تقدم لك بيانه في المقدمة الحادية عشرة من ان مناط الحكم بالطهارة والنجاسة هو علم المكلف بذلك لا مجرد كونه كذلك واقعا كما تقدم بيانه ثمة مبرهنا مشروحا (منه رحمه الله). (2) وهما صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج وحسنة بريد الكناسى المتقدمان في الصحيفة 256.
[ 261 ]
البراءة الاصلية (1) وحينئذ فمقتضى الاحتياط الواجب في هذا الماء متى لاقته النجاسة هو التوقف في الحكم بالطهارة أو النجاسة وترك استعماله والانتقال إلى التيمم، ومقتضى الاحتياط المستحب الوضوء بعد ذلك والقضاء. واما الوضوء به وضم التيمم ثم يتطهر بعد حصول الماء ويطهر ما لاقى الاول كما ذكره البعض بدون القضاء بعد ذلك فلا يخفى ما فيه. (الطريق الثاني) هو معرفة الكر بالمساحة، وقد اختلف فيه الاصحاب (رضوان الله عليهم). فالمشهور انه ما كان كل واحد من ابعاده الثلاثة ثلاثة اشبار ونصف، ومبلغ تكسيره اثنان واربعون شبرا وسبعة اثمان شبر. وقيل: ما كان كل واحد من ابعاده ثلاثة اشبار، ومبلغ تكسيره سبعة وعشرون شبرا، وهو مذهب القميين، واختاره جملة من المتأخرين منهم: العلامة في المختلف والشهيد الثاني في الروضة والروض والمولى الاردبيلي والمحقق الشيخ علي في حواشي المختلف، ونفى عنه البعد في كتاب الحبل المتين وقيل: ما بلغ تكسيره نحو مائة شبر، ونقل عن ابن الجنيد. وقيل: ما بلغت ابعاده الثلاثة عشرة ونصفا، ونقل عن القطب الراوندي. وقيل: ما بلغ تكسيره ستة وثلاثين شبرا، وهو ظاهر المحقق في المعتبر، واليه مال السيد في المدارك كما سيأتي ايضاحه ان شاء الله تعالى. وقيل بالاكتفاء بكل ما روي، وعزي إلى السيد جمال الدين ابن طاووس (قدس سره). والذي وقفت عليه من الاخبار المتعقلة بالمسألة رواية ابي بصير (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الكر من الماء كم يكون قدره ؟ قال: إذا كان الماء ثلاثة اشبار ونصفا في مثله ثلاثة اشبار ونصف في عمقه. فذلك الكر من الماء ".
(1) في الصحيفة 41. (2) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.
[ 262 ]
ورواية الحسن بن صالح الثوري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " الكر ثلاثة اشبار ونصف عمقها في ثلاثة اشبار ونصف عرضها ". وصحيحة اسماعيل بن جابر عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " قلت له: الماء الذي لا ينجسه شئ ؟ قال: ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته " وصحيحته الاخرى عنه (عليه السلام) (3) قال: " الكر ثلاثة اشبار في ثلاثة اشبار ". وقال الصدوق (طاب ثراه) في كتاب المجالس (4): " روي ان الكر هو ما يكون ثلاثة اشبار طولا في ثلاثة اشبار عرضا في ثلاثة اشبار عمقا ". وقال في كتاب المقنع (5): " روي ان الكر ذراعان وشبر في ذراعين وشبر ". وتنقيح البحث في هذه الاخبار مع ما يتعلق بها من كلام علمائنا الابرار يتم برسم فوائد:
(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 و 10 - من ابواب الماء المطلق والنص المذكور في الكتاب هو نص الكافي والتهذيب. وفى الاستبصار في الصحيفة 33 من طبع النجف رواها هكذا: " ثلاثة اشبار ونصف طولها في ثلاثة اشبار ونصف عمقها في ثلاثة اشبار ونصف عرضها " وفى التعليقة 4 من الصحيفة المذكورة ان هذه الزيادة لم ترد في النسخة المخطوطة بيد والد الشيخ محمد بن المشهدي صاحب المزار المصححة على نسخة المصنف. (2) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 9 و 10 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة (4) في الصحيفة 383، وفى الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الماء المطلق. (5) في الصحيفة 4، وفى الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الماء المطلق.
[ 263 ]
(الاولى) قد اتفقت هذه الاخبار ما عدا رواية المجالس في عدم ذكر البعد الثالث (1) وظاهر كلام شيخنا الشهيد الثاني في الروض ان رواية ابي بصير (2) قد اشتملت على الابعاد الثلاثة ولكن احدها وهو العمق لم يذكر تقديره. وقد تكلف شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين لبيان اشتمالها على مقادير الابعاد الثلاثة باعادة الضمير في قوله: " مثله " إلى ما دل عليه قوله (عليه السلام): " ثلاثة اشبار ونصفا " اي في مثل ذلك المقدار لا في مثل الماء، إذ لا محصل له، وكذا الضمير في قوله (عليه السلام): " في عمقه " اي في عمق ذلك المقدار في الارض. وفيه انه يؤذن بكون قوله: " في عمقه من الارض " كلاما منقطعا، وبه يكون الكلام متهافتها معزولا عن الملاحة لا يليق نسبته بتلك الساحة البالغة اعلى درجات البلاغة والفصاحة، بل الظاهر من قوله: " في عمقه " انه اما حال من " مثله " أو نعت " لثلاثة اشبار " الذي هو بدل من " مثله " وعلى هذا تكون الرواية مشتملة على بيان مقدار العمق مع أحد البعدين الاخيرين، والبعد الثالث متروك. وبالجملة فهذه الاخبار كلها مشتركة في عدم عد الابعاد الثلاثة (3) ولم اجد لها رادا من هذه الجهة، بل ظاهر الاصحاب قديما وحديثا الاتفاق على قبولها وتقدير البعد الثالث فيها، لدلالة سوق الكلام عليه، وكان ذلك شائعا كثيرا في استعمالاتهم وجاريا دائما في محارواتهم، ومنه: قول جرير: كانت حنيفة اثلاثا فثالثهم من العبيد وثلث من مواليها وعد بعضهم من ذلك قوله (صلي الله عليه وآله): " حبب الي من دنياكم ثلاث:
(1) و (3) قد تقدم في التعليقة 1 في الصحيفة 262 اشتمال رواية الحسن بن صالح الثوري في النسخ المتداولة من الاستبصار على ذكر الابعاد الثلاثة. (2) المتقدمة في الصحيفة 261.
[ 264 ]
الطيب والنساء وقرة عيني الصلاة " (1) قال: " فان الصلاة ليست من لذة الدنيا فهو (صلى الله عليه وآله) لما عد من ملاذ الدنيا اثنتين عزفت نفسه المقدسة عن ذكر الثالثة، فكأنه يقول: مالي ولملاذ الدنيا ؟ قرة عيني في الصلاة، فالواو الثانية استينافية. (اقول): وهو معنى لطيف مناسب لذلك المقام المنيف (2) ويؤيده ايضا
(1) هذا الحديث رواه الصدوق في الخصال عن انس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله بطريقين في الصحيفة 79 ولم ترد كلمة (ثلاث) في شئ منهما في النسخة المطبوعة. ورواهما صاحب الوسائل عنه في الباب 89 - من ابواب آداب الحمام والتنظيف. وقد اورد كلمة (ثلاث) في احدهما، واليك نصهما كما في الوسائل: " حبب الي من الدنيا ثلاث: النساء والطيب وجعلت قرة عينى في الصلاة ". " حبب الي من دنياكم النساء والطيب وجعل قرة عينى في الصلاة ". وفى سنن البيهقى ج 7 ص 78 عن ثابت عن انس ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " انما حبب الي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عينى في الصلاة " ورواه بهذا اللفظ السيوطي في الجامع الصغير. وفى سنن النسائي ج 2 ص 156 " حبب الي من الدنيا النساء والطيب وجعلت قرة عينى في الصلاة ". وقال المناوى في فيض القدير ج 3 ص 370: " لم يرد في الحديث لفظ ثلاث كما قال الحافظ العراقى والزركشى وابن حجر في تخرج الكشاف، ومن زادها كالزمخشري والقاضى فقد وهم، فانها مفسدة للمعنى، إذ لم يذكر بعدها الا النساء والطيب. (2) قال الصدوق في الخصال في الصحيفة 79 بعد ذكر الحديثين: " قال مصنف هذا الكتاب: ان الملحدين يتعلقون بهذا الخبر ويقولون ان النبي صلى الله عليه وآله قال: حبب إلى من دنياكم النساء والطيب، واراد ان يقول الثالث فندم وقال: قرة عينى في الصلاة. وكذبوا، لانه لم يكن مراده بهذا الخبر الا الصلاة وحدها، لانه قال: " ركعتان يصليهما متزوج افضل عند الله من سبعين ركعة يصليها غير متزوج " وانما حبب الله إليه النساء لاجل الصلاة. وهكذا قال: " ركعتان يصليهما متعطر افضل من سبعين ركعة يصليهما غير متعطر " وانما حبب إليه الطيب ايضا لاجل الصلاة. ثم قال: " وجعل قرة عينى في الصلاة " لان الرجل لو تطيب وتزوج ثم لم يصل لم يكن له في التزويج والطيب فضل ولا ثواب " انتهى
[ 265 ]
جملة من الاخبار (1) ومما يدخل في حيز هذا المقام قوله تعالى: " فيه آيات بينات مقام ابراهيم " (2) ففي الحديث عن الصادق (عليه السلام) في تفسير هذه الآية " انها ثلاث آيات: مقام ابراهيم حيث قام على الحجر فاثر فيه قدماه، والحجر الاسود، ومنزل اسماعيل " (3). وللمحدث الامين في كتاب الفوائد المدنية هنا كلام في توجيه عدم ذكر البعد الثالث في هذه الاخبار، قال: " ومن اغلاط جمع منهم انهم يقولون في كثير من الاحاديث الواردة في كمية الكر: انها خالية عن ذكر أحد الابعاد الثلاثة، لكنه محذوف ليقاس المحذوف على المذكور، والحذف مع القرينة شائع ذائع. وفي هذا دلالة على اسراعهم في تفسير الاحاديث وفى تعيين ما هو المراد منها، والدلالة على ذلك كله ان اصح احاديث هذا الباب هكذا: " ذراعان عمقه في ذراع ونصف سعته " (4) وجه الدلالة انه يفهم اعتبار اربعة اشبار في العمق وثلاثة في الاخيرين. فلم تبق دلالة على ان حكم المحذوف حكم المذكور مع وجود هذا الاحتمال، وانه يفهم من هذا الحديث الشريف ان المراد من احد المذكورين في الاحاديث العمق ومن الآخر السعة، ومن المعلوم عند كل لبيب غير غافل ان معنى السعة مجموع الطول والعرض، فلا حاجة إلى القول بالحذف، ومن له ادنى معرفة باساليب كلام العرب يعرف انهم يقصدون بقولهم:
(1) فروى في الكافي في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما احب من دنياكم الا النساء والطيب " وروى فيه عنه (عليه السلام) عنه (صلى الله عليه وآله) قال: " جعل قرة عينى في الصلاة ولذتي في الدنيا النساء وريحانتي الحسن والحسين " وجه التأييد انه (صلى الله عليه وآله) لم يعد في هذه الاخبار الصلاة في الدنيا كما لا يخفى (منه قدس سره). (2) سورة آل عمران. آية 92. (3) رواه الكليني في الكافي في الباب - 10 - من كتاب الحج. (4) وهو صحيح اسماعيل بن جابر المتقدم في الصحيفة 262.
[ 266 ]
ثلاثة في ثلاثة في الثوب وشبهه ان كل واحد من طوله وعرضة ثلاثة، ويقصدون في الحياض والآبار وشبههما ان كل واحد من سعته وعمقه ثلاثة. وتوضيح المقام ان الكر في الاصل مكيال أهل العراق، وإنما جرت عادة الائمة (عليهم السلام) بذكر لفظ الكر في معرض بيان الفرق بين مقدار الماء الذي ينجس بمجرد ورود النجاسة عليه، وبين مقدار الماء الذي ليس كذلك، لان مخاطبهم (عليهم السلام) كان من أهل العراق، ومن المعلوم ان الكر مدور مثل البئر، ومن المعلوم ان المناسب بمساحة المدور ان يذكر قطره وان يذكر عمقه، وغير مناسب ان يذكر طوله وعرضه وعمقه " انتهى كلامه زيد مقامه. وهو كلام جيد منطبق على تلك الروايات سالم من تلك التقديرات سيما الصحيحة التي أشار إليها. فانها ظاهرة فيه بعيدة الحمل جدا على ما ينافيه، إلا ان الاصحاب (رضوان الله عليهم) قديما وحديثا، اخباريهم ومجتهدهم كلهم على اعتبار الابعاد الثلاثة في تقدير الكر وحمل الروايات على ذلك، وليس ذلك خاصا بالمجتهدين كما زعمه (قدس سره) وجعله من جملة اغلاطهم، بل هذا الصدوق (قدس سره) في الفقيه والمقنع صرح باعتبار الابعاد الثلاثة. فقال في الفقيه (1): " والكر ثلاثة أشبار طولا في عرض ثلاثة اشبار في عمق ثلاثة اشبار " ونحوه في المقنع (2) والمجالس (3) استنادا إلى صحيحة اسماعيل بن جابر الثانية (4) الناطقة بان الكر ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار. وما ذاك إلا بتقدير البعد الثالث فيها، وتبعه على ذلك القميون الذين هم اساطين الاخباريين، ولكنه (طاب ثراه) حيث كان مولعا بتتبع عثرات المجتهدين عثر
(1) في باب (المياه وطهرها ونجاستها) (2) في الصحيفة 4. (3) في الصحيفة 383. (4) المتقدمة في الصحيفة 262
[ 267 ]
من حيث لا يشعر فخص ذلك بالمجتدهين، بل نسبه إلى جمع منهم مؤذنا بزيادة ضعفه وتمريضه. ولا يخفى انه على تقدير ما ذكره لا يبلغ تكسير الكر إلى القدر الذى اعتبروه على تقدير اعتبار البعد الثالث في كل الروايات. ولكنه (طاب ثراه) قد بنى ذلك على ما تقدمت الاشارة إليه آنفا (1) من اعتبار الاجتماع في ماء الكر، وبذلك صرح في تعليقاته على شرح المدارك، فقال بعد ان نقل ان المشهور بين الاصحاب حمل لفظ (في) الواقع في روايات هذا الباب على ضرب الحساب، وانهم استفادوا من التكسير، وفرعوا على ذلك انه لو كان قدر الكر من الماء منبسطا على وجه الارض لا ينفعل بالملاقاة - ما لفظه: " وفيه اشكال، وذلك لان المتبادر من سياق الروايات اعتبار اجتماع اجزاء الماء، وكون عمقه قدرا يعتد به، والاعتبار العقلي مساعد على ذلك، لانه حينئذ يتقوى بعضها ببعض، وتتوزع النجاسة الواقعة فيه على اجزائه ويؤيده ان الكر في الاصل مكيل معروف لاهل العراق، والعادة في هيئات المكاييل ان يكون لها عمق يعتد به، وبعد التنزل نقول: مع قيام الاحتمال لا مجال للاستدلال على ان اجمال الخطاب يوجب رعاية الاحتياط كما مر تحقيقه " ثم اورد صحيحة محمد ابن مسلم (2) الدالة على السؤال عن غدير ماء مجتمع تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب، قال: " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " وصحيحة صفوان ابن مهران الجمال (3) المتضمنة للسؤال عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع وتلغ فيها الكلاب وتشرب منها الحمير ويغتسل فيها الجنب ويتوضأ منها. قال: " وكل قدر الماء ؟ قال: إلى نصف الساق والى الركبة. فقال: توضأ منه " وصحيحة اسماعيل بن جابر المذكورة في كلامه آنفا (4).
(1) في الصحيفة 232. (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (4) في الصحيفة 265.
[ 268 ]
ولا يخفى ان ما ذكره (قدس سره) وان احتمل احتمالا قريبا الا انه لا دليل عليه صريحا، فكما انه بهذا الاحتمال لا يتعين القول المشهور، فكذلك ما ذكره لا يتعين، لعدم الدلالة الصريحة أو الظهور، بل الظاهر ان العمل على اطلاقات الاخبار اظهر، والاسئلة عن المياه المجتمعة مع الاغماض عن المناقشة في كيفية هذا الاجتماع وان ظهر في بعضها ما يؤيد ما ذكره لا يدل على التخصيص في الجواب كما تقرر في محله. (الثانية) قد طعن جملة من المتأخرين منهم: السيد في المدارك في سند رواية ابي بصير (1) بضعف الطريق باشتماله على احمد بن محمد بن يحيى، فانه مجهول، وعثمان بن عيسى، فانه واقفي، وابي بصير، فانه مشترك بين الثقة والضعف (2) وفيه ان لفظ احمد بن محمد بن يحيى وان وقع في التهذيب لكن الموجود في الكافي محمد بن يحيى عن احمد بن محمد، ولا ريب انه احمد بن محمد بن عيسى، لرواية محمد ابن يحيى العطار عنه، وروايته هو عن عثمان بن عيسى مكررا. والظاهر ان ما في التهذيب تصحيف، ولهذا ان جملة من متأخري المتأخرين لم يطعنوا في السند إلا بعثمان بن عيسى وابي بصير، وكأنهم لاحظوا الرواية من الكافي. لكن الراوي عن ابي بصير هنا هو ابن مسكان، ولا يخفى على الممارس انه عبد الله، وهو قرينة ليث المرادي، لتكرر روايته عنه في غير موضع، والمدار في تعيين الرواة عندهم إنما هو على القرائن التي من جملتها قرينة القبلية والبعدية ونحوهما. إلا ان الفاضل الشيخ محمد ابن المحقق الشيخ حسن ابن شيخنا الشهيد الثاني ذكر في بعض حواشيه على التهذيب أو الاستبصار، قال: " نقل بعض مشايخنا ان رواية ابن مسكان
(1) المتقدمة في الصحيفة 261. (2) وقد اورد الرواية شيخنا البهائي في الحبل المتين ايضا على ما في التهذيب وطعن فيها بما طعن به في المدارك ايضا (منه قدس سره)
[ 269 ]
عن ابي بصير تعين كونه ليث المرادي، ولا يخلو من تأمل، لما قاله الوالد (رحمه الله) من انه اطلع على رواية فيها ابن مسكان عن يحيى بن القاسم، واظن اني وقفت على ذلك ايضا " انتهى. (اقول): لم نقف بعد الفحص والتتبع الزائد في كتب الاخبار على ذلك إلا انهم ذكروا ايضا ان رواية عاصم بن حميد عن ابي بصير مما يعين كونه ليث المرادي وقد وقفت في كتاب الاستبصار في باب وقت صلاة الفجر على رواية عاصم بن حميد عن ابي بصير المكفوف، ومثله في التهذيب ايضا، لكن الموجود في الفقيه والكافي في هذا السند بعينه عن ابي بصير ليث المرادي والمتن بحاله، لكن فيه زيادة في رواية الشيخ في آخر الحديث ليست في رواية ذينك الشيخين. وكيف كان، ولو مع تقدير صحة رواية الشيخ وعدم تطرق احتمال الغلط أو السهو فيما نقله، فلا شك ان الحمل على الاكثر المتكرر قرينة مرجحة كما صرحوا به في امثال ذلك. هذا، وقد ذهب الفاضل ملا محمد باقر السبزواري الخراساني صاحب الكفاية وذخيرة المعاد في شرح الارشاد في الشرح المذكور إلى ان أبا بصير الذي هو يحيى بن القاسم أو ابن ابي القاسم ثقة، وان المطعون فيه بالوقف والضعف إنما هو يحيى بن القاسم وغيره، وابو بصير إنما هي كنية الاول خاصة، وإنما نشأ الاشتباه من العلامة في الخلاصة، وإلا فكتب علماء الرجال المتقدمين صريحة في التعدد. واستدل على ذلك بوجوه: (منها) ان ابا بصير اسدي كما يظهر من رجال النجاشي والكشي واختيار الرجال والخلاصة ورجال العقيقي، والآخر ازدي كما يفهم من رجال الكشي. و (منها) انه ذكر الشيخ في (قر) (1) يحيى بن ابي القاسم يكنى ابا بصير مكفوف، واسم ابي القاسم اسحاق. وقال بعده بلا فصل: يحيى بن ابي القاسم
(1) اشارة إلى اصحاب الباقر (عليه السلام).
[ 270 ]
الحذاء. وهذا يشهد بالمغايرة، وفي (ظم) (1) يحيى بن القاسم الحذاء واقفي، ثم قال: يحيى بن ابي القاسم يكنى أبا بصير. وهو ايضا يعطي المغايرة. و (منها) انه ذكر النجاشي والشيخ في اختيار الرجال: ان ابا بصير مات سنة خمسين ومائة، وهذا ينافي كونه واقفيا، لان وفاة الكاظم (عليه السلام) في سنة ثلاثة وثمانين ومائة. وكلامه (قدس سره) وان كان للمناقشة فيه مجال إلا انه لا يخلو من قرب. وكيف كان فالمفهوم من تتبع الاخبار الواردة وخطاب الائمة (عليهم السلام) معه زيادة على ما قد روي في مدحه جلالة شأنه. والاخبار الواردة بذمه قد ورد مثلها بل اشنع منها في من هو اجل قدرا واشهر ذكرا منه. والجواب في الموضعين واحد. على انا لا نرى الاعتماد في صحة الاخبار على هذا الاصطلاح، بل عملنا إنما هو على اصطلاح متقدمي علمائنا (رضوان الله عليهم) كما قدمنا (2) ايضاحه باتم ايضاح وافصحنا عنه اي افصاح. ومن ذلك يعلم الكلام ايضا في عثمان بن عيسى، فانه وان كان مما لا خلاف في كونه واقفيا الا ان الكشي نقل فيه قولا بانه ممن اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه. مضافا إلى ما نقله الشيخ في كتاب العدة مما يؤذن بالاتفاق على العمل بروايته ورواية امثاله من ثقات الواقفية والفطحية. وهذا مع ان جملة منهمم صرحوا بان ضعفها منجبر بالشهرة، والامران اصطلاحيان، وحينئذ فالرواية معتمدة. وقد طعن جماعة من متأخري المتأخرين منهم: المحقق الشيخ حسن في المنتقى، والسيد في المدارك، وتبعهما جمع ممن تأخر عنهما (3) في صحيحة
(1) اشارة إلى اصحاب الكاظم (عليه السلام). (2) في المقدمة الثانية في الصحيفة 14. (3) منهم: الشيخ على بن سليمان البحراني والعلامة السيد ماجد البحراني (قدس سرهما) (منه قدس سره).
[ 271 ]
اسماعيل بن جابر الثانية (1) التي هي مستند القميين، قال في كتاب المنتقى بعد ذكر الحديث المشار إليه: " وهذا الحديث قد نص جمهور المتأخرين من الاصحاب على صحته. وليس بصحيح، لان الشيخ رواه في موضع آخر من التهذيب عن الشيخ المفيد (رحمه الله) عن احمد بن محمد عن ابيه عن سعد بن عبد الله عن احمد بن محمد عن محمد ابن خالد عن محمد بن سنان عن اسماعيل بن جابر، فابدل عبد الله بمحمد، والراويان قبل وبعد متحدان كما ترى، فاحتمال روايتهما له منتف قطعا، لاختلافهما في الطبقة، وقد ذكرنا في فوائد المقدمة ان الذي يقتضيه حكم الممارسة تعين كونه محمدا، وفي الكافي رواه عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن البرقي عن ابن سنان، والظاهر ان هذا صورة ما وقع في رواية البرقي له، والتعيين من تصرف الراوي عنه، فأخطأ فيه المخطئ واصاب فيه المصيب " انتهى. واجاب عن ذلك شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب مشرق الشمسين بعد ان ذكر الخبر المذكور بما لفظه: " واما هذا السند فقد اطبق علماؤنا من زمن العلامة (طاب ثراه) إلى زماننا هذا على صحته ولم يطعن أحد فيه، حتى انتهت النوبة إلى بعض الفضلاء الذين عاصرناهم (قدس الله ارواحهم) فحكموا بخطأ العلامة واتباعه في قولهم بصحته، وزعموا ان ملاحظة طبقات الرواة في التقدم والتأخر يقتضي ان ابن سنان المتوسط بين البرقي وبين اسماعيل بن جابر محمد لا عبد الله، وان تبديل شيخ الطائفة له بعبد الله في سند الحديث توهم فاحش. لان البرقي ومحمد بن سنان في طبقة واحدة. فانهما من اصحاب الرضا (عليه السلام). واما عبد الله بن سنان فليس من طبقة البرقي. لانه من اصحاب الصادق (عليه السلام) فرواية البرقي عنه بغير واسطة مستنكرة. وايضا فوجود الواسطة في هذه الرواية بين ابن سنان وبين الصادق (عليه السلام) تدل على انه محمد لا عبد الله، لان زمان محمد متأخر عن زمانه (عليه
(1) المتقدمة في الصحيفة 262.
[ 272 ]
السلام) بكثير، فهو لا يروي عن بالمشافهة، بل لابد من تخلل الواسطة. واما عبد الله ابن سنان فهو من اصحاب الصادق (عليه السلام) والظاهر انه يأخذ عنه بالمشافهة لا بالواسطة. هذا حاصل كلامهم. وظني ان الخطأ في هذا المقام انما هو منهم لا من العلامة واتباعه (قدس الله ارواحهم) ولا من شيخ الطائفة (نور الله مرقده) قال البرقي وان لم يدرك زمان الصادق (عليه السلام) لكنه قد ادرك بعض اصحابه ونقل عنه بلا واسطة، ألا ترى إلى روايته عن داود بن ابي يزيد العطار حديث من قتل اسدا في الحرم (1) وعن ثعلبة بن ميمون حديث الاستمناء باليد (2) وعن زرعة حديث صلاة الاسير في باب صلاة الخوف (3) وهؤلاء كلهم من اصحاب الصادق (عليه السلام) فكيف لا تنكر روايته عنهم بلا واسطة وتنكر الواسطة عن عبد الله بن سنان ؟ وايضا فالشيخ قد عد البرقي في اصحاب الكاظم (عليه السلام) واما تخلل الواسطة بين ابن سنان وبين الصادق (عليه السلام) فانما يدل على انه محمد لو لم توجد بين عبد الله وبينه (عليه السلام) واسطة في شئ من الاسانيد، لكنها توجد بينهما كتوسط عمر بن يزيد في دعاء آخر سجدة من نافلة المغرب (4) وتوسط حفص الاعور في تكبيرات الافتتاح
(1) وهو حديث ابى سعيد المكاري المروى في الوسائل في الباب - 39 - من ابواب كفارات الصيد وتوابعها من كتاب الحج. (2) وهو حديث ثعلبة بن ميمون والحسين بن زرارة الذى رواه صاحب الوسائل في الباب - 3 - من ابواب نكاح البهائم ووطئ الاموات والاستمناء من كتاب الحدود والتعزيرات. (3) وهو حديث سماعه المروى في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب صلاة الخوف والمطاردة من كتاب الصلاة. (4) في حديث عمر بن يزيد الذى رواه صاحب الوسائل في الباب - 46 - من ابواب صلاة الجمعة وآدابها من كتاب الصلاة. (5) في حديث حفص المروى في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب تكبيرة الاحرام من كتاب الصلاة. الا ان في الوسائل بعد كلمة حفص " يعنى ابن البخترى ".
[ 273 ]
وقد يتوسط شخص واحد بعينه بين كل منهما وبين الصادق (عليه السلام) كاسحاق ابن عمار، فانه متوسط بين محمد وبينه (عليه السلام) في سجدة الشكر (1) وهو بعينه ايضا متوسط بين عبد الله وبينه (عليه السلام) في طواف الوداع (2) وتوسط اسماعيل بن جابر في سندي الحديثين الذين نحن فيهما من هذا القبيل. والله الهادي إلى سواء السبيل " انتهى. (الثالثة) لا ريب بعد ما عرفت في دلالة رواية ابي بصير (3) على القول المشهور، ودلالة صحيحة اسماعيل بن جابر (4) على قول القميين. واما قول ابن الجنيد فلم نقف له على مستند. وكذلك قول القطب الراوندي، الا ان بعض متأخري المتأخرين حمله على ارادة معنى الجمع والمعية من لفظ (في) دون الضرب كما هو المشهور. ولا يخفى ما فيه من البعد، لما في التحديد بذلك من التفاوت في التقديرات كما نبه عليه جملة من مشايخنا (طيب الله تعالى مضاجعهم)، فان الماء الذي مجموع ابعاده الثلاثة عشرة اشبار ونصف كما تكون مساحته مساوية لمساحة الكر على القول المشهور، كما لو كان كل من الابعاد الثلاثة ثلاثة اشبار ونصفا، فقد تكون ناقصة عنها قريبة منها، كما لو فرض طوله ثلاثة أشبار وعرضة ثلاثة وعمقه أربعة اشبار ونصف شبر، فان مساحته حينئذ اربعون شبرا ونصف، وقد تكون بعيدة عنها جدا، كما لو فرض طوله ستة وعرضه
(1) في حديث اسحاق بن عمار الذى رواه الشيخ في التهذيب ج 1 ص 165، ورواه صاحب الوسائل في الباب - 3 - من ابواب سجدتي الشكر من كتاب الصلاة. (2) في حديث اسحاق بن عمار الذى رواه الشيخ في التهذيب في باب (زيارة البيت) من كتاب الحج. (3) المتقدمة في الصحيفة 261. (4) المتقدمة في الصحيفة 262 السطر 5.
[ 274 ]
اربعة وعمقه نصف شبر، فان مساحته اثنا عشر شبرا. وجعل شيخنا الشهيد الثاني في الروض أبعد الفروض منها ما لو كان كل من عرضه وعمقه شبرا وطوله عشرة اشبار ونصفا. قال شيخنا البهائي (رحمه الله) بعد نقل ذلك عنه: " وهو محل كلام، لوجود ما هو أبعد منه، كما لو كان طوله تسعة اشبار وعرضه شبرا واحدا وعمقه نصف شبر، فان مساحته اربعة اشبار ونصف (1). وايضا ففي كلامه (قدس سره) مناقشة اخرى، إذ الابعاد الثلاثة في الفرض الذي ذكره إنما هو اثنا عشر شبرا ونصف لا عشرة ونصف، ثم قال: هذا. وانت خبير بان صدور مثل هذا التحديد العظيم الاختلاف الشديد التفاوت من القطب الراوندي (رحمه الله) لا يخلو من غرابة، كما ان صدور مثل هذا الكلام من شيخنا الشهيد الثاني غير خال من الغرابة ايضا. ثم الذى يظهر ان مراد القطب الراوندي (رحمه الله) ان الكر هو الذي لو تساوت ابعاده الثلاثة لكان مجموعها عشرة اشبار ونصفا، وحينئذ ينطبق كلامه على المذهب المشهور والله اعلم بحقائق الامور " انتهى كلامه (زيد مقامه) ولا يخفى ان ما ذكره اخيرا من الحمل لكلام الراوندي جيد لو امكن تطبيق كلامه عليه. واما ما نقل عن السيد جمال الدين ابن طاووس من العمل بكل ما روي فهو يرجع في التحقيق إلى مذهب القميين، فكأنه يحمل ما زاد على الاستحباب. بقي الكلام في صحيحة اسماعيل بن جابر الدالة على التحديد بذراعين في العمق في ذراع وشبر في السعة (2) ويظهر من المحقق في المعتبر الميل إلى العمل بها،
(1) ثم كتب (قدس سره) في حاثية الكتاب ما صورته: " وقد يوجد ما هو ابعد من هذا، كما لو كان طوله عشرة اشبار وعرضه ربع شبر وعمقه كعرضه، فان مجموع ابعاده عشرة ونصف ومساحته خمسة اثمان شبر. (منه رحمه الله). (2) المتقدمة في الصحيفة 262.
[ 275 ]
حيث قال: بعد ان ذكر صحيحة اسماعيل التي هي مستند القميين (1) وطعن فيها بقصور الدلالة، ثم رواية ابي بصير (2) وطعن فيها بعثمان بن عيسى، ثم هذه الصحيحة - ما لفظه: " فهذه حسنة، ويحتمل ان يكون قدر ذلك كرا " انتهى. وربما اعترض عليه بوصفها بالحسن مع انها في اعلى مراتب الصحة. والجواب عن ذلك ان اصطلاح تقسيم الاخبار إلى هذه الاقسام متأخر عنه، فهو لم يرد بالحسن المعنى الذي تقرر بينهم وانما اراد الوصف بما يوجب قبولها والعمل عليها. ويظهر من السيد في المدارك الميل ايضا إلى ذلك، حيث قال بعد ان ذكر روايتي ابي بصير (3) واسماعيل الاخرى (4) وطعن فيهما يضعف الاسناد ما صورته: " واصح ما وقفت عليه في هذا المسألة من الاخبار متنا وسندا ما رواه الشيخ " وساق الرواية (5) ثم نقل عن المحقق الميل إلى العمل بها، وقال: " وهو متجه " وبذلك يظهر لك ما في كلام شيخنا البهائي في الحبل المتين، حيث قال بانه لم يطلع على قائل بها من الاصحاب. ثم انه (قدس سره) ذكر أن الخبر المذكور غير شديد البعد عن التقدير المشهور، فان المراد بالذراع ذراع اليد وهو شبران تقريبا، وان المراد بكون سعته ذراعا وشبرا كون كل من طوله وعرضه ذلك المقدار، فيبلغ تكسيره على هذا التقدير ستة وثلاثين شبرا. هذا. ويأتي على ما نقلنا آنفا (6) عن المحدث الامين (قدس سره) من تفسيره السعة في الخبر وكذا في جملة الاخبار بمجموع الطول والعرض الذي هو عبارة عن قطر الدائرة لا كل من الطول والعرض انه لا يخلو اما ان يخص الكر الذي لا ينفعل بما
(1) و (4) المتقدمة في الصحيفة 262. (2) و (3) التقدمة في الصحيفة 261. (5) وهى صحيحة اسماعيل بن جابر المتقدمة في الصحيفة 262 السطر 3. (6) في الصحيفة 265.
[ 276 ]
كان على تلك الهيئة، كما يعطيه ظاهر كلامه من الرد على القول المشهور في حمل لفظ (في) الواقع في روايات هذا الباب على ضرب الحساب، وان المتباد من الروايات اعتبار اجتماع اجزاء الماء، وكون عمقه قدرا يعتد به. وفيه تضييق زائد بل لا يكاد يتفق كر على هذه الهيئة، واما ان يعتبر الضرب فيه وتحصيل قدر المساحة. وطريق معرفة ذلك كما هو مذكور في علم المساحة ان يضرب نصف القطر المعبر عنه في الحديث بالسعة وهو واحد ونصف في نصف المحيط الذي هو تسعة تقريبا، لما ثبت هناك ان القطر ثلث المحيط تقريبا، فيكون نصف المحيط على هذا اربعة ونصفا، وعند ضرب واحد ونصف في اربعة ونصف يحصل منه ستة وثلاثة ارباع، وإذا ضربنا هذا في العمق الذي هو اربعة يكون الحاصل سبعة وعشرين شبرا، فيكون موافقا لمذهب القميين. وفيه انه وان حصل به انطباق صحيحتي اسماعيل بن جابر (1) كل منهما على الاخرى، الا انه مع مخالفته لما نقلناه من ظاهر كلامه، بعيد غاية البعد، وان قصر تقدير الكر، على شكل الاسطوانة المستديرة التي لا يعلم تقديرها حقيقة بل تقريبا، ومع ذلك فمعرفتها بالتقريب المذكور يتوقف على المهارة في فن علم المساحة والحذاقة في فن علم الهندسة التي تتعذر على اكثر الناس غير معهود وقوع مثله عن اهل العصمة (صلوات الله عليهم) بل ربما يقال غير جائز الوقوع، فيتعين حينئذ حمل الرواية على ما ذكره شيخنا البهائي من الستة والثلاثين شبرا. وقال المحدث الامين في تعليقاته على شرح المدارك: " قد اعتبرنا الكر وزنا ومساحة في المدينة المنورة فوجدنا رواية الف ومائتا رطل (2) مع الحمل على العراقي قريبة غاية القرب من هذه الصحيحة (3) " انتهى. والظاهر ان اعتباره بناء على ما ذكره مما يرجع إلى سبعة وعشرين شبرا.
(1) المتقدمتين في الصحيفة 262. (2) وهى صحيحة ابن ابى عمير المتقدمة في الصحيفة 254 (3) وهى صحيحة اسماعيل بن جابر المتقدمة في الصحيفة 262 السطر 3.
[ 277 ]
(الموضع الثالث) في بيان ضبط الكر بالاوزان المتعارفة في زماننا من المن المتعارف في بلادنا البحرين (حرسها الله من طوارق الشين) والمن التبريزي المتعارف في جملة من ولايات العجم (صانها الله تعالى عن العدم). فنقول: إعلم ان المتعارف في بلادنا المذكورة ان المن عندهم بالمثقال السوقية الموسومة عندهم بمثاقيل بار خمسمائة مثقال واثنا عشر مثقالا، وربع المن عندهم اربعة آلاف، كل الف بالحساب المتقدم عبارة عن اثنين وثلاثين مثقالا، والمن ستة عشر الفا (1)، ونصف الالف باصطلاحهم قياس، وهي ستة عشر مثقالا، وفي حدود السنة السابعة والثلاثين بعد المائة والالف قد اعتبرنا الصاع بالصنج المذكور لاجل زكاة الفطرة بالشعير كما ذكره الاصحاب فوجدناه مشتملا على نقصان فاحش، ثم اعتبرناه بحساب المثاقيل الشرعية المتفق بين الخاصة والعامة على عدم تغيرها في جاهلية ولا اسلام ونسبناها إلى مثاقيل البحرين، فكان مبلغ الصاع الشرعي عبارة عن ثلاثة آلاف بالالف المتقدم في اصطلاحهم، واثني عشر مثقالا بالمثاقيل المذكورة عندهم. واما المن التبريزي فهو الان في شيراز وما والاها عبارة عن تسع عباسيات بالفلوس السود، وكل عباسية عبارة عن عشرين مرضوفا، وكل مرضوف غازيان، وهو عبارة عن اربعة مثاقيل صيرفية كما اعتبرناه، فتكون العباسية التي هي عبارة عن عشرين مرضوفا عبارة عن ثمانين مثقالا صيرفيا، ويكن المن التبريزي الذي هو عبارة عن تسع عباسيات سبعمائة مثقال وعشرين مثقالا. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الرطل يقال بالاشتراك كما تقدمت الاشارة إليه على ثلاثة اوزان: العراقي والمدني والمكي.
(1) وليست الالف كما يتوهم في بادئ الرأي عبارة عن عدد وانما هي اسم للصنج المعروف عندهم (منه رحمه الله).
[ 278 ]
فاما العراقي فهو مائة وثلاثون درهما كما عليه الاصحاب، ولا يلتفت إلى ما ذكره العلامة مما قدمنا نقله عنه (1) فانه غفلة بغير ريبة. وعلى ما ذكره الاصحاب تدل رواية جعفر بن ابراهيم بن محمد الهمداني عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) وفيها " ان الصاع ستة ارطال بالمدني وتسعة بالعراقي، ثم قال: واخبرني انه يكون بالوزن الفا ومائة وسبعين وزنة " والمراد بالوزنة الدرهم. وهي مطابقة لما ذكرناه في تقدير العراقي فانه تسع هذا المقدار المذكور مائة وثلاثون كما لا يخفى. واما الرطل المدني فانه مائة وخمسة وتسعون درهما، وعليه يدل من الاخبار رواية ابراهيم بن محمد الهمداني عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) المتضمنة ان الصاع ستة ارطال بالرطل المدني، وان الرطل مائة وخمسة وتسعون درهما. واما الرطل المكي فهو رطلان بالعراقي عند الاصحاب، ولم اقف في الاخبار على تحديد له، وحينئذ فيكون الرطل العراقي ثلثي الرطل المدني ونصف الرطل المكي. والرطل العراقي بالمثاقيل الشرعية عبارة عن احد وتسعين مثقالا شرعيا، لان كل عشرة دراهم تعدل سبعة مثاقيل شرعية كما ذكره غير واحد من اصحابنا وغيرهم وبالمثاقيل الصيرفية ثمانية وستون مثقالا وربع مثقال، لان المثقال الصيرفي مثقال وثلث من الشرعي، والمثقال الشرعي ثلاثة ارباع الصيرفي، فكل اربعة مثاقيل شرعية ثلاثة مثاقيل صيرفية. والرطل المدني بالمثاقيل الشرعية عبارة عن مائة مثقال وستة وثلاثين مثقالا ونصف.
(1) في الصحيفة 254. (2) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب زكاة الفطرة من كتاب الزكاة. (3) صاحب العسكر كما في التهذيب في باب (تمييز فطرة أهل الامصار) وفى الوسائل في الباب - 7 - من ابواب زكاة الفطرة من كتاب الزكاة.
[ 279 ]
مثقال بالتقريب المتقدم، وبالمثاقيل الصيرفية عبارة عن مائة مثقال ومثقالين وثلاثة اثمان مثقال كما يظهر بالمقايسة. ولما كان الصاع على ما ذكروه وورد به النص ايضا تسعة ارطال بالعراقي وستة بالمدني، فإذا نسب إلى الرطل العراقي الذي هو أحد وتسعون مثقالا شرعيا يكون مقداره بالمثاقيل الشرعية ثمانمائة مثقال وتسعة عشر مثقالا، وإذا نسب إليه بالمثاقيل الصيرفية يكون قدره ستمائة مثقال واربعة عشر مثقالا وربع مثقال، ومن ذلك يعلم حساب نسبته إلى الرطل المدني بالمثاقيل الشرعية والصيرفية بزيادة نصف ما ذكر في العراقي على مقداره. وحينئذ فإذا كان المن التبريزي سبعمائة مثقال وعشرين مثقالا صيرفيا، والرطل العراقي بالمثاقيل الصيرفية كما تقدم ثمانية وستون مثقالا وربع مثقال فكل من تبريزي عشرة ارطال عراقية ونصف رطل وثلاثة مثاقيل صيرفية وثلاثة اثمان مثقال. وانت إذا قسمت عدد ارطال الكر الذي هو الف ومائتا رطل على عدد المن التبريزي المذكور، ظهر لك ان مقدار الكر بالمن التبريزي مائة من وثلاثة عشر منا وثلاثة ارباع من واربعة وثلاثون مثقالا صيرفيا وخمسة اجزاء من ستة عشر جزء من مثقال. ونقل المحدث الكاشاني (قدس سره) في كتاب الوافي ان المن التبريزي كان كان في عصره ستمائة مثقال صيرفي، فيكون الصاع بالمثقال الصيرفي يزيد عليه باربعة عشر مثقالا وربع مثقال، ثم قال: " ومنه يعلم مقدار الكر بالارطال وهو مائة من وستة وثلاثون ونصف بالتبريزي " ولعل منشأ التفاوت بين ما ذكرنا وذكره بزيادة الصنج في هذه الاوقات. واما الكر بوزن البحرين فهو عبارة عن ثمانية وعشرين منا وثمن من، لان
[ 280 ]
الكر بالاصوع العراقية كما يعلم بالحساب والمقايسة مائة صاع وثلاثة وثلاثون صاعا وثلث صاع، والصاع بوزن البحرين كما عرفت (1) عبارة عن ثلاث آلاف بالصنج المتقدم في اصطلاحهم، واثني عشر مثقالا بمثاقيلهم المتقدمة، وهو ربع منهم الا عشرين مثقالا من مثاقيلهم، ومتى كررت هذا المقدار بعدد اصوع الكر يظهر لك ما قلناه من كمية الكر بوزنهم (2) وقد وجدت بخط الوالد (طيب الله تعالى مرقده) انه وجد بخط بعض الفضلاء ما صورته: " وزن الصاع في شهر رمضان من السنة السادسة والثلاثين بعد الالف ربع والف واربع مثاقيل وربع مثقال شيرازي " انتهى. ولا يخفى ما فيه من التفاوت الزائد بالنسبة إلى ما ضبطناه، وذلك بزيادة الصنج اخيرا كما اشرنا إليه.
<>