
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء الأول
الفصل الثالث
في القليل الراكد
وتفصيل القول فيه يتم برسم مقامات:
(المقام الاول) الظاهر انه لا خلاف بين اصحابنا (رضوان الله عليهم) نصا وفتوى في نجاسة الماء القليل بتغيره بالنجاسة في أحد الاوصاف الثلاثة. إنما الخلاف في النجاسة بمجرد الملاقاة. فالمشهور بل كاد يكون اجماعا بل ادعى عليه في الخلاف في غير موضع الاجماع هو النجاسة.
(1) في الصحيفة 277، (2) لان ضرب ثلاثة آلاف واثنى عشر مثقالا في مائة صاع يبلغ احدا وعشرين منا والف وقياس، فتزيد عليها وهو ثلاث وثلاثون وثلث يبلغ ما ذكرنا (منه رحمه الله). (35)
[ 281 ]
وعزي إلى الحسن بن ابي عقيل (رحمه الله) القول بعدم النجاسة إلا بالتغير، واختار هذا القول جمع من متأخري المتأخرين. ولابد من نقل الاخبار هنا من الطرفين، والكلام بما يرفع التناقض من البين فنقول: اما ما يدل من الاخبار على القول المشهور الذي هو عندنا المؤيد المنصور. (فمنها) صحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) وسئل عن الماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب، قال: " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ ". و (منها) صحيحة زرارة (2) قال: " إذا كان الماء اكثر من راوية لم ينجسه شئ تفسخ أو لم يتفسخ إلا ان تجئ له ريح تغلب على ريح الماء ". و (منها) صحيحة اسماعيل بن جابر (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الماء الذي لا ينجسه شئ ؟ قال: ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته " و (منها) صحيحة عبد الله بن سنان (4) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام)
(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) المروية في الكافي ج 1 ص 2، ورواها الشيخ في التهذيب ج 1 ص 117 مسندة عن ابى جعفر (عليه السلام) بسند ضعيف، ورواهما صاحب الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (3) المروية في الوسائل في باب - 10 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (4) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المخطوطة والمطبوعة، مع ان هذا المتن هو صدر صحيحة اسماعيل بن جابر كما في الكافي ج 1 ص 2، والتهذيب ج 1 ص 11 و 12 والوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق، وقد تقدم منه (قده) نقل ذيلها ونسبه إلى اسماعيل بن جابر في الصحيفة 262 السطر 5 كما تقدم منه الكلام في سندها وان الرواى عن اسماعيل بن جابر هو عبد الله بن سنان أو محمد بن سنان في الصحيفة 270، ولم نجد في كتب الحديث رواية لعبد الله بن سنان بهذا المتن عن الامام مباشرة.
[ 282 ]
عن قدر الماء الذي لا ينجسه شئ. فقال: كر.. الحديث. و (منها) رواية عبد الله بن المغيرة عن بعض اصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا كان الماء قدر قلتين لم ينجسه شئ، والقلتان جرتان ". و (منها) رواية ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " ولا تشرب من سؤر الكلب إلا ان يكون حوضا كبيرا يستقى منه ". و (منها) صحيحة علي بن جعفر عن اخى موسى (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الدجاجة والحمامة واشباههما تطأ العذرة ثم تدخل في الماء، يتوضأ منه للصلاة ؟ قال: لا الا ان يكون الماء كثيرا قدر كر من ماء ". و (منها) صحيحته ايضا عن اخيه (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن رجل رعف وهو يتوضأ فتقطر قطرة في انائه، هل يصلح الوضوء منه ؟ قال: لا ". و (منها) موثقة عمار الساباطي (5) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل معه اناء ان فيهما ماء وقع في احدهما قذر، لا يدري ايهما هو ؟ وليس يقدر على ماء غيره. قال: يهريقهما جميعا ويتمم " وهذا الحديث رواه الشيخ في موضعين
(1) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق وفى الباب - 1 - من ابواب الاسآر من كتاب الطهارة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 8 و 9 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (4) المروية في الوسائل في الباب - 8 و 13 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (5) المروية في الوسائل في الباب - 8 و 12 - من ابواب الماء المطلق وفى الباب - 4 - من ابواب التيمم وفى الباب - 64 - من ابواب النجاسات.
[ 283 ]
من التهذيب (1) ورواه ثقة الاسلام والصدوق ايضا في الموثق عن سماعة (2). و (منها) رواية ابي بصير عنه (عليه السلام) (3) قال: " إذا ادخلت يدك في الاناء قبل ان تغلسها فلا بأس الا ان يكون اصابها قذر بول أو جنابة، فإذا ادخلت يدك في الماء وفيها شئ من ذلك فاهرق ذلك الماء ". و (منها) صحيحة احمد بن محمد بن ابي نصر (4) قال: " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يدخل يده في الاناء وهي قذرة. قال: يكفئ الاناء ". و (منها) موثقة سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " إذا اصاب الرجل جنابة فادخل يده في الاناء فلا بأس إذا لم يكن اصاب يده شئ من المني ". و (منها) موثقته ايضا (6) قال: " سألته عن رجل يمس الطست أو الركوة ثم يدخل يده في الاناء قبل ان يفرغ على كفيه، إلى ان قال (عليه السلام): وان كان اصابه جنابة فادخل يده في الماء فلا بأس به إذا لم يكن اصاب يده شئ
(1) رواه في آخر باب (تطهير المياه من النجاسات) عن عمار وعن سماعة، ورواه في آخر باب (التيمم واحكامه) عن عمار، ورواه في باب (المياه واحكامها) عن سماعة. (2) رواه ثقة الاسلام عن سماعة في الباب - 6 - من كتاب الطهارة، ورواه صاحب الوسائل عن سماعة في الباب - 8 و 12 - من ابواب الماء المطلق وفى الباب - 4 - من ابواب التيمم وفى الباب - 64 - من من ابواب النجاسات. ولم نجده في الفقيه بعد الفحص عنه في مظمانه، كما ان صاحب الوسائل لم يروه عن الفقيه وكذا صاحب الوافى بمقتضى الطبعة الثانية. نعم في الطبعة الاول قد اثبت عن الفقيه ايضا. (3) و (4) و (6) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (5) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق وفى الباب - 28 - من ابواب الوضوء.
[ 284 ]
من المني، وان كان اصاب يده فادخل يده في الماء قبل ان يفرغ على كفيه فليهرق الماء كله ". و (منها) رواية ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الجنب يحمل الركوة أو التور فيدخل اصبعه فيه. فقال: ان كانت يده قذرة فاهرقه، وان كان لم يصبها قذر فليغتسل منه.. الحديث ". و (منها) حسنة شهاب بن عبد ربه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " في الرجل الجنب يسهو فيغمس يده في الاناء قبل ان يغسلها ؟ انه لا بأس إذا لم يكن اصاب يده شئ ". و (منها) موثقة عمار الساباطي عنه (عليه السلام) (3) قال: " سئل عن ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب. فقال: كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه إلا ان ترى في منقاره دما، فإذا رأيت في منقاره دما فلا تتوضأ منه ولا تشرب ". و (منها) موثقة عمار ايضا عنه (عليه السلام) (4) انه " سئل عن ماء شربت منه الدجاجة. فقال: ان كان في منقارها قذر لم يتوضأ منه ولم يشرب، وان لم تعلم ان في منقارها قذرا فتوضأ منه واشرب ". و (منها) صحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن الكلب يشرب من الاناء. قال: اغسل الاناء ".
(1) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق وفى الباب - 7 - من ابواب الاسآر من كتاب الطهارة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 4 - من ابواب الاسآر من كتاب الطهارة. (4) المروية في الوسائل في الباب - 4 من ابواب الاسآر، ورواه عن الصدوق مرسلا في الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (5) المروية في الوسائل في الباب - 1 و 2 - من ابواب الاسآر من كتاب الطهارة.
[ 285 ]
و (منها) رواية حريز عمن اخبره عنه (عليه السلام) (1) قال: " إذا ولغ الكلب في الاناء فصبه ". و (منها) صحيحة الفضل بن عبد الملك البقباق (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن فضل الهرة والشاة والبقرة، إلى ان قال: فلم اترك شيئا إلا سألته عنه. فقال: لا بأس به، حتى انتهيت إلى الكلب. فقال: رجس نجس لا تتوضأ بفضله واصبب ذلك الماء، واغسله بالتراب اول مرة ثم بالماء ". و (منها) رواية معاوية بن شريح (3) قال: " سأل عذافر أبا عبد الله (عليه السلام) وانا عنده عن سؤر السنور والشاة والبقر والبعير والحمار والفرس والبغل والسباع، يشرب منه أو يتوضأ منه ؟ فقال: نعم اشرب منه وتوضأ قال: قلت له: الكلب ؟ قال: لا. قلت: أليس هو سبع ؟ قال: لا والله انه نجس لا والله انه نجس ". و (منها) حسنة المعلى بن خنيس (4) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الخنزير يخرج من الماء فيمر على الطريق فيسيل منه الماء، امر عليه حافيا، فقال أليس وراءه شئ جاف ؟ قلت: بلى. فقال: لا بأس، ان الارض يطهر بعضها بعضا ". و (منها) ما رواه الشهيد في الذكرى (5) وغيره في غيره عن العيص
(1) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الاسآر من كتاب الطهارة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الاسآر. ورواها بنحو التقطيع في الباب - 11 و 70 - من ابواب النجاسات من كتاب الطهارة. (4) المروية في الوسائل في الباب - 32 - من ابواب النجاسات والاوانى والجلود من كتاب الطهارة. (5) في الصحيفة 9 ورواه صاحب الوسائل عن الذكرى والمعتبر في الباب - 9 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل من كتاب الطهارة.
[ 286 ]
ابن القاسم قال: " سألته عن رجل اصابته قطرة من طشت فيه وضوء. قال: ان كان من بول أو قذر فليغسل ما اصابه ". و (منها) رواية ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمام، فان فيها غسالة ولد الزنا وهو لا يطهر إلى سبعة آباء، وفيها غسالة الناصب وهو شرهما، ان الله لم يخلق خلقا شرا من الكلب وان الناصب أهون على الله من الكلب ". و (منها) رواية علي بن الحكم عن رجل عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) قال: " لا تغتسل من غسالة ماء الحمام، فانه يغتسل فيه من الزنا، ويغتسل فيه ولد الزنا والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم ". و (منها) رواية حمزة بن احمد عن الكاظم (عليه السلام) (3) قال: " لا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام، فانه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب وولد الزنا والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم ". و (منها) موثقة ابن ابي يعفور المروية في كتاب العلل (4) عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: " اياك ان تغتسل من غسالة الحمام، ففيها تجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا أهل البيت وهو شرهم.. الحديث ". و (منها) صحيحة علي بن جعفر عن اخى موسى (عليه السلام) (5) انه
(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 11 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل من كتاب الطهارة. (4) في الصحيفة 106 وفى الوسائل في الباب - 11 - من ابواب الماء المضاف المستعمل من كتاب الطهارة. (5) المروية في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب النجاسات والاوانى والجلود كتاب الطهارة.
[ 287 ]
" سأله عن النصراني يغتسل مع المسلم في الحمام. قال: إذا علم انه نصراني اغتسل بغير ماء الحمام، الا ان يتغتسل وحده على الحوض فيغسله ثم يغتسل ". و (منها) صحيحته ايضا عن اخيه (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن خنزير شرب من اناء كيف يصنع به ؟ قال: يغسل سبع مرات ". و (منها) ما رواه في كتاب قرب الاسناد (2) عن علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) قال: " سألته عن حب ماء فيه الف رطل وقع فيه اوقية من بول، هل يصلح شربه أو الوضوء منه ؟ قال: لا يصلح ". و (منها) رواية سعيد الاعرج (3) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجرة تسع مائة رطل من ماء يقع فيها اوقية من دم، اشرب منه واتوضأ ؟ قال: لا ". و (منها) رواية حفص بن غياث عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (4) قال: " لا يفسد الماء الا ما كانت له نفس سائلة ". و (منها) رواية ابي بصير (5) قال: " دخلت ام معبد (6) العبدية على
(1) المروية في الوسائل في الباب - 13 - من ابواب النجاسات وفى الباب - 1 - من ابواب الاسآر. (2) هذه الرواية رواها صاحب الوسائل عن كتاب على بن جعفر في الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق وقد ذكرها المجلسي في المجلد الرابع من البحار في الصحيفة 158 في ضمن مسائل على بن جعفر الواردة من غير طريق عبد الله بن جعفر الحميري، ولم نجدها في كتاب قرب الاسناد. (3) المروية في الوسائل في الباب - 8 و 13 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (4) المروية في الوسائل في الباب - 35 - من ابواب النجاسات وفى الباب - 10 - من ابواب الاسآر. (5) هذه الرواية والتى بعدها مروية في الكافي في باب الاضطرار إلى الخمر الدواء (منه رحمه الله). (6) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المخطوطة والمطبوعة، وفى الكافي والوسائل والوافى (ام خالد) وسيأتى منه (قده) ذلك ايضا في نجاسة الخمر.
[ 288 ]
ابى عبد الله (عليه السلام) وانا عنده، فقالت: جعلت فداك انه يعتريني قراقر في بطني، إلى ان قالت (1): وقد وصف لي اطباء العراق النبيذ بالسويق وقد وقفت وعرفت كراهتك له، فاحببت ان اسألك عن ذلك. فقال: وما يمنعك من شربه ؟ قالت: قد قلدتك ديني فالقى الله حين القاه فاخبره ان جعفر بن محمد امرني ونهاني فقال: يا أبا محمد ألا تسمع إلى هذه المرأة وهذه المسائل ؟ لا والله لا آذن لك في قطرة منه، فلا تذوقي منه قطرة، إلى أن قال: ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما يبل الميل ينجس حبا من ماء، يقولها ثلاثا " (2). و (منها) رواية عمر بن حنظلة (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ما ترى في قدح من مسكر يصب عليه الماء حتى تذهب عاديته ويذهب سكره ؟ فقال: لا والله ولا قطرة تقطر في حب إلا اهريق ذلك الحب ". و (منها) صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن رجل رعف فامتخط فصار ذلك الدم قطعا صغارا فاصاب اناءه،
(1) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المخطوطة والمطبوعة، وفى الكافي والوسائل ليس بين قولها: انه يعتر بنى قراقر في بطني. وقولها: وقد وصف لى اطباء العراق.. الخ كلام فاصل. نعم في الوافى بينهما العبارة الآتية: فسألته عن اعلال النساء وقالت. (2) رواها صاحب الوسائل في الباب 20 من ابواب الاشربة المحرمة من كتاب الاطعمة والاشربة، وروى قوله (عليه السلام): ما يبل الميل.. الخ في الباب - 38 - من ابواب النجاسات من كتاب الطهارة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 18 - من ابواب الاشربة المحرمة من كتاب الاطعمة والاشربة ورواها الكليني في الكافي في باب (ان رسول الله - ص - حرم كل مسكر قليله وكثيره) من كتاب الاشربة. لا كما ذكره (قده) في التعليقة 5 ص 287. (4) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.
[ 289 ]
يصلح الوضوء منه ؟ قال: ان لم يكن شئ يستبين في الماء فلا بأس، وان كان شيئا بينا فلا يتوضأ منه ". و (منها) صحيحة ابن ابي عمير عن بعض اصحابه (1) قال: وما احسبه إلا حفص بن البختري، قال: " قيل لابي عبد الله (عليه السلام): العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع به ؟ قال: يباع ممن يستحل اكل الميتة " وفي رواية اخرى (2) انه " يدفن ولا يباع " والظاهر ان العجن بالماء إنما وقع قبل العلم بنجاسة الماء حملا لتصرف المسلم على الصحة، فلا يحمل على كون النجاسة بالتغير، إذ التغير لا يشتبه حاله. و (منها) رواية علي بن حديد عن بعض اصحابنا (3) قال: " كنت مع ابي عبد الله (عليه السلام) في طريق مكة فصرنا إلى بئر فاستقى غلام ابي عبد الله (عليه السلام) دلوا فخرج فيه فأرتان، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ارقه، فاستقى آخر فخرجت فيه فأرة، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ارقه، قال: فاستقى الثالث فلم يخرج فيه شئ، فقال: صبه في الاناء، فصب في الاناء ". هذه جملة ما وقفت عليه من الاخبار التي تصلح لان تكون مستندا للقول المشهور، وهي كما ترى على ذلك المطلب واضحة الظهور عارية عن القصور. وبيان الاستدلال بها ان جملة منها قد دلت على ان ما نقص عن الكر أو الرواية أو نحوها من تلك المقادير ينفعل بالنجاسة، ودلالتها بمفهوم الشرط الذي هو حجة عند
(1) و (2) ورواها صاحب الوسائل في الباب - 11 - من ابواب الاسآر من كتاب الطهارة. وفى الباب - 7 - من ابواب ما يكتسب به من كتاب التجارة (3) المرروية في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب الماء المطلق من كتاب كتاب الطهارة.
[ 290 ]
المحققين. وعليه دلت جملة من الاخبار كما قدمنا في المقدمة الثالثة (1). وجملة منها قد تضمنت النهي عن الوضوء والشرب من الاناء بوقوع قطرة من دم فيه أو خمر أو شرب طير على منقاره دم أو قذر. والنهي حقيقة في التحريم عند محققي الاصوليين. وقد تقدم ما يدل على ذلك من الآيات والاخبار في المقدمة السابعة (2) بل وقع التصريح في بعض هذه الاخبار بالتنجيس. وجملة منها قد دلت على اهراق ماء الاناء بادخال القذرة من نجاسة البول أو المني أو غيرهما. وفي بعضها بعد الامر بالاهراق الامر باليتمم. وما ذلك جميعه إلا للنجاسة. وجملة منها قد دلت على الامر بغسل الاواني التي شرب منها نجس العين أو وقع فيها ميتة. ومن الظاهر ان الامر بالغسل إنما هو للاستعمال فيما يشترط فيه الطهارة من عبادة أو اكل أو نحوهما. والامر للوجوب كما عليه المحققون، وقد تقدم ما يدل على ذلك ايضا في المقدمة السابعة (3) وما ذاك إلا للنجاسة. وجملة منها قد دلت على النهي عن الغسل بملاقاة العين معللا في جملة منها بالنجاسة. وقد اورد على هذه الاستدلالات جملة من المناقشات، وسيأتي الكلام فيها على وجه يوضح الحال ويقلع مادة الاشكال بتوفيق ذي الجلال. واما ما استدل به على القول الثاني (فمنها) صحيحة حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) انه قال: " كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب. وإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا توضأ ولا منه ولا تشرب ".
(1) في الصحيفة 57. (2) و (3) في الصحيفة 112. (4) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.
[ 291 ]
ورواية عبد الله بن سنان (1) قال: " سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) وانا حاضر عن غدير اتوه وفيه جيفة. فقال: إذا كان الماء قاهرا ولا يوجد فيه الريح فتوضأ ". ورواية سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل يمر بالماء وفيه دابة ميتة قد أنتنت. قال: ان كان النتن الغالب على الماء فلا يتوضأ ولا يشرب ". وحسنة محمد بن ميسر (3) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، ويريد ان يغتسل منه، وليس معه اناء يغرف به، ويداه قذرتان. قال: يضع يده ويتوضأ ثم يغتسل. هذا مما قال الله تعالى: ما جعل عليكم في الدين من حرج " (4). ورواية عثمان بن زياد (5) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): اكون في السفر، فآتي الماء النقيع ويدي قذرة. فاغمسها في الماء ؟ قال: لا بأس ". ورواية ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) انه " سأل عن الماء النقيع تبول فيه الدواب. فقال: ان تغير الماء فلا تتوضأ منه. وان لم تغيره ابوالها فتوضأ منه. وكذلك الدم إذا سال واشباهه ". ورواية ابي خالد القماط (7) انه " سمع ابا عبد الله (عليه السلام) يقول في الماء يمر به الرجل وهو نقيع فيه الميتة والجيفة. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ان كان الماء قد تغير ريحة أو طعمه فلا تشرب ولا تتوضأ منه، وان لم يتغير ريحه وطعمه فاشرب وتوضأ ".
(1) و (2) و (6) و (7) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الماء المطلق (3) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (4) سورة الحج آية 78. (5) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.
[ 292 ]
ورواية العلاء بن الفضيل (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحياض يبال فيها. قال: لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول ". ورواية عبد الله بن مسكان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الوضوء مما ولغ الكلب فيه والسنور أو شرب منه جمل أو دابة أو غير ذلك. ايتوضأ أو يغتسل منه ؟ قال: نعم إلا ان تجد غيره فتنزه عنه ". وروى في الفقيه (3) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) اتى الماء، فاتاه أهل البادية فقالوا: يا رسول الله ان حياضنا هذه تردها السباع والكلاب والبهائم ؟ فقال لهم: لها ما اخذت افواهها ولكم سائر ذلك ". ورواية ابي بصير (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): انا نسافر فربما بلينا بالغدير من المطر يكون إلى جنب القرية. فتكون فيه العذرة ويبول فيه الصبي وتبول فيه الدابة وتروث ؟ فقال ان عرض في قلبك منه شئ فقل هكذا، يعني افرج الماء بيدك. ثم توضأ، فان الدين ليس بمضيق.. ". وورى العلامة في المختلف (5) عن ابن ابي عقيل انه قال: تواتر عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) ان " الماء طاهر لا ينجسه إلا ما غير لونه
(1) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب الاسآر من كتاب الطهارة. (3) في باب (المياه وطهرها ونجاستها) ورواه صاحب الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق. وما ذكره (قده) يوافق رواية الشيخ (قده) في التهذيب لهذا الحديث في الجزء الاول في الصحيفة 117 واما رواية الفقيه فليس فيها ان رسول الله صلى الله عليه وآله اتى الماء، وانما اولها " وأتى أهل البادية رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا.. الخ ". (4) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (5) في الصحيفة 2.
[ 293 ]
أو طعمه أو رائحته. وانه سئل (عليه السلام) عن الماء النقيع والغدير واشباههما فيه الجيف والعذرة وولوغ الكلب وتشرب منه الدواب وتبول فيه. أيتوضأ منه ؟ فقال لسائله: ان كان ما فيه من النجاسة غالبا على الماء فلا تتوضأ منه، وان كان الماء غالبا على النجاسة فتوضأ واغتسل ". وروى الصفار في كتاب بصائر الدرجات (1) في الصحيح عن شهاب بن عبد ربه قال: " اتيت أبا عبد الله (عليه السلام) اسأله، فابتدأني فقال: ان شئت فسل يا شهاب وان شئت اخبرناك بما جئت له، فقلت: اخبرني. قال: جئت تسألني عن الغدير يكون إلى جانبه الجيفة أتوضأ منه أو لا ؟ قلت: نعم. قال: توضأ من الجانب الآخر إلا ان يغلب الماء الريح فينتن ". ورواية ابي مريم الانصاري (2) قال: " كنت مع ابي عبد الله (عليه السلام) في حائط له فحضرت الصلاة فنزح دلوا للوضوء من ركي له فخرج عليه قطعة من عذرة يابسه فاكفأ رأسه وتوضأ بالباقي ". هذه جملة ما اطلعت عليه من الاخبار مما يصلح لان يكون مستندا لذلك القول. ووجه الاستدلال بها ان بعضا منها قد دل على جواز الوضوء والشرب من الماء الذي لاقته النجاسة إلا مع غلبة اوصاف النجاسة، وبعضا منها على جواز وضع اليد القذرة في الماء والوضوء والغسل منه. ولفظ الماء في تلك الاخبار شامل باطلاقه للقليل والكثير. بل في حسنة محمد بن ميسر (3) تصريح بالقليل بخصوصه. وانت خبير بانه لو ثبتت المنافاة بين هذه الاخبار لكان الترجيح للاخبار
(1) في الجزء الخامس باب (ان الائمة يعرفون الاضمار) ورواه صاحب الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (3) المتقدمة في الصحيفة 291.
[ 294 ]
المتقدمة، لاعتضادها بعمل الطائفة المحقة قديما وحديثا، فانه لم ينقل الخلاف في هذه المسألة قديما إلا عن ابن ابي عقيل، فشهرة العمل بمضمون الاخبار الاولة بين قدماء الاصحاب مما يلحقها بالمجمع عليه في الرواية، الذي هو أحد المرجحات الشرعية كما تقدمت الاشارة إليه في المقدمة الثالثة (1) وبذلك صرح جملة من اصحابنا منهم: السيد المحقق صاحب الغنية (قدس سره) وغيره، وحينئذ فحيث كان معظم الفرقة الناجية سابقا ولاحقا قائلين بالنجاسة، فهو دليل على ان ذلك مذهب أهل البيت (عليهم السلام) فان مذهبهم إنما يعلم بنقل شيعتهم عنهم، كما ان مذهب ابي حنيفة وامثاله من المذاهب إنما يعلم بنقل اتباعهم وتلامذتهم، وحينئذ فما خالف ذلك مما صح وروده عنهم (عليهم السلام) يتحتم حمله على التقية (2) وان كانت العامة في المسألة ايضا على قولين، إلا ان حمل الخبر على التقية لا يتوقف على اتفاق العامة على القول بمضمونه بل ولا على قول البعض كما عرفته في المقدمة الاولى. على ان الذي نقوله وهو التحقيق الحقيق بالاتباع في المقام وان غفلت عنه أقوام ان جل الاخبار التي استند إليها الخصم لا دلالة لها على ما يدعيه ولا صراحة لها فيما يعيه. بل الظاهر منها عن التأمل الصادق في مضامينها والنظر في قرائن احوالها ومفاهيمها انها منطبقة مع تلك الاخبار على معنى صحيح المعيار واضح المنار، وان اختلفت في ذلك الدلالات في بعضها قربا وبعدا بسبب الانس بالقرائن الحالية والمقالية
(1) في الصحيفة 38. (2) ويؤيد ذلك ايضا ما صرح به علم الهدى (رضى الله عنه) في اجوبة المسائل الناصرية، حيث نسب القول بنجاسة الماء القليل إلى مذهب الشيعة الامامية وجميع الفقهاء، قال: " وانما خالف في ذلك مالك والاوزاعي واهل الظاهر " ثم قال: " والحجة في صحة مذهبنا اجماع الشيعة الامامية، وفى اجتماعهم عندنا حجة وقد دللنا على ذلك في غير موضع " انتهى (منه قدس سره).
[ 295 ]
وعدمه. ومن ذلك تطرقت إليها الاحتمالات، ولكن الناظر البصير والناقد الخبير إذ ضم بعضها إلى بعض وامعن النظر في عباراتها وما تفيده بصريحها واشاراتها ظهر له صحة ما ندعية. وتوضيح هذه الجملة ان نقول: الذي ظهر لنا بعد امعان النظر في الادلة المتوهم منها المخالفة ان جلها إنما ورد في السؤال عن مياه الحياض ومياه الغدران ومياه الطرق، من حيث عموم الحاجة إليها سيما في الاسفار، وعموم البلوى بها وإلجاء الضرورة للانتفاع بها، وانها حيث كانت معرضا لتلك الاشياء المصرح بها في تلك الاخبار من رمي الجيف فيها وشرب الكلاب والسباع منها وبول الدواب والناس فيها ونحو ذلك فمن أجل ذلك كثر السؤال عنها، وفي بعض تلك الاخبار قد صرح بالماء المسؤول عنه بانه ماء غدير أو ماء حوض أو نحوهما، وفي بعض وان لم يصرح إلا انه علم من الرواية بالقرائن انه من ذلك القبيل، كصحيحة حريز (1) " كلما غلب الماء على ريح الجيفة.. " وصحيحة محمد بن مسلم (2) " سأل عن ماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب.. الخ ". فان ماء يكون معرضا لهذه الاشياء لا يكون إلا في مياه الطرق لكونها مشاعة غير محروزة كما لا يخفى على المتأمل المنصف دون المكابر المتعسف. وسوق تلك الروايات الباقية على ذلك المنوال مؤيد لذلك. إذا عرفت ذلك فنقول: من الغالب والوجدان يقضي به ايضا ان تلك المياه لا تنفك عن بلوغ الكرور المتعددة فضلا عن كر واحد. وربما كان لهم (عليهم السلام) علم ببعض تلك الاماكن المسؤول عنها وانها كذلك. فأجابوا باعتبار التغير وعدمه، وربما اجابوا عن ذلك ببلوغ الكرية وعدمه. كما في صحيحة محمد
(1) المتقدمة في الصحيفة 290. (2) المتقدمة في الصحيفة 281.
[ 296 ]
ابن مسلم (1) حين " سأل عن الماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب. فقال: إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شئ " وهذه الرواية مقيدة بتلك الروايات الدالة على اعتبار التغير، فكأنه قيل: " لم ينجسه شئ إلا التغير " يدل على ذلك صحيحة زرارة (2) قال " إذا كان الماء اكثر من راوية لم ينجسه شئ تفسخ فيه أو لم يتفسخ فيه الا ان يجئ له ريح يغلب على ريح الماء ". ويؤيد ما اشرنا إليه ما رواه صفوان الجمال في الصحيح قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع وتلغ فيها الكلاب وتشرب منها الحمير ويغتسل فيها الجنب، أيتوضأ منها ؟ قال: وكم قدر الماء ؟ قلت: إلى نصف السلق والى الركبة وأقل. قال: توضأ " (3) فانظر إلى سؤاله (عليه السلام) عن قدر عمق الماء، ولم يسأل عن مساحته، لعلمه بتلك الحياض وما هي عليه من السعة، فلما عرف (عليه السلام) بلوغه الكثرة التي لا ينفعل معها الماء بمجرد الملاقاة أمره بالوضوء. ويدل على ذلك ايضا جعلهم (عليهم السلام) مناط النجاسة والطهارة هو التغير وعدمه في تلك الاحاديث المسؤول فيها عن مثل وقوع الميتة والجيفة وابوال الدواب ونحوها مما يكون مغيرا للماء وان كثر غالبا، دون جعله مناطا لهما في مثل قطرة من بول أو دم أو منقار طير فيه دم أو اصبع فيها قذر أو نحو ذلك إذا لاقت تلك المياه القليلة. فان من الجائز بلوغ الماء في القلة في بعض الاحيان إلى ان يكون متغيرا باحد تلك النجاسات إذا لاقته، فينبغي ان يجعل ذلك ايضا مناطا في مثل هذه النجاسات اليسيرة
(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. ونص الحديث هكذا: (إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ). (2) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة.
[ 297 ]
إذا لاقت هذا الماء اليسير ولو في حديث واحد ليتمشى لنا حمل الباقي عليه وان كثر وبالجملة فلو كان التغير وعدمه مناطا كليا ومعيارا مطردا لم ينحصر وروده في مثل تلك الاحاديث خاصة دون هذه الاحاديث، مع كثرتها وتعددها وزيادة عموم البلوى بما تضمنته سفرا وحضرا، فلما رأينا ان هذه الاخبار الواردة في الماء القليل المحقق القلة كماء التور وماء الركوة ونحوهما كلها منطبقة الدلالة على النجاسة، للنهي عن استعماله والامر باهراقه، وان التغير وعدمه إنما جعل مناطا في مثل الماء الذي يكون معرضا لنجاسة الجيف وابوال الدواب ونحوهما مما يغير الماء وان كثر غالبا، كمياه الغدران والحيضان ونحوهما مما لا ينفك عن كرور فضلا عن كر غالبا علمنا ان جعل التغير مناطا هناك إنما هو من حيث الكثرة المانعة من الانفعال بمجرد الملاقاة الغير القابلة للنجاسة إلا بالتغير، دون تلك المياه القليلة التي تنفعل بمجرد الملاقاة. فلا يحتاج فيها إلى ذلك المناط المذكور لانفعالها بما دونه. ومما يزيدك تأييدا وبيانا انك بالتأمل في السؤالات الواقعة في تلك الاخبار التي جعل مناطها التغير وعدمه يظهر لك صحة ما قلناه، حيث ان في بعضها " تبول فيه الدواب " بلفظ الجمع أعم من أن يكون ذلك دفعة أو دفعات، وفي بعضها " تردها السباع والكلاب والبهائم " ومن المعلوم ان ذلك الورود إنما هو للشرب منها دفعة أو دفعات، كما يشعر به قوله (صلى عليه وآله وسلم) في بعضها (1): " لها ما اخذت افواهها " ومن الظاهر البين ان بول الدابة في الماء إنما هو بعد دخولها فيه للشرب أو لغيره، ورمي الجيف فيه التي هي في الغالب في تلك الطرق اما جيفة حمار أو جمل أو فرس أو غنم أو كلب أو غيره من السباع الكثيرة التردد في تلك الطرق، ويظهر لك ان ما يكون معرضا لهذه الاشياء لا تنقص مساحته عن كرور عديدة فضلا عن كر،
(1) وهى رواية الفقيه المتقدمة في الصحيفة 292.
[ 298 ]
وما قدر كر من ماء وما قدر مساحته ؟ حتى يحتمل انه يقول بشئ واحد من تلك الاشياء المعدودة. ويزيد ذلك ايضا تأييدا ان الظاهر ان هذه المياه المسؤول عنها كلها من مياه الطرق الواقعة بين مكة والمدينة، وبينهما وبين العراقات ونحوهما من الامكنة التي لا وجود للمياه الجارية فيها غالبا. ومن المنقول انهم كانو يعمدون تلك الايام إلى بعض الامكنة فيجعلون فيها حياضا تسقى من آبار هناك، وامكنة يعدونها لاجتماع السيول فيها. كل ذلك لاجل المسافرين والمترددين في تلك الطرق، وهي بين الحرمين إلى الآن موجودة. وقد اشير إليها في الروايات بالسقايات وماء السبيل. وهذا بحمد الله كله ظاهر لمن تأمل بعين الانصاف في مضامين تلك الاخبار. وسيأتيك ما فيه زيادة ايضاح للمقام في الكلام على كلام بعض الاعلام. نعم يبقى الكلام في حسنة محمد بن ميسر (1) المسؤول فيها عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، حيث انها صريحة في كون ذلك الماء قليلا، مع انه (عليه السلام) امره ان يضع يده فيه ويتوضأ ثم يغتسل. وكذا ما روي عنه (صلى الله عليه وآله) من قوله: " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ إلا ما غير لونه.. الحديث " (2) وكذا رواية ابي مريم الانصاري (3). والجواب (اما عن الاول) (4) فباحتماله لوجوه نبه عليها اصحابنا (رضوان الله عليهم):
(1) المتقدمة في الصحيفة 291. (2) رواه صاحب الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الماء المطلق عن المعتبر والسرائر. وتقدم في التعليقة 2 في الصحيفة 180 ما يفيد في المقام. (3) المتقدمة في الصحيفة 293. (4) وهى حسنة محمد بن ميسر المتقدمة في الصحيفة 291.
[ 299 ]
(الاول) ان يكون المراد بالقليل هو القليل العرفي دون الشرعي. (اقول): وهذا الجواب غير بعيد عن جادة الصواب، وذلك من حيث ان هذا الماء المشار إليه في الرواية لما كان من مياه الطرق وقد اوضحنا سابقا انها تبلغ في الكثرة إلى حد يزيد على الكر اضعافا مضاعفة كان قدر الكر وما زاد عليه يسيرا بالنسبة إلى ذلك قليلا. (الثاني) ان يكون المراد بالقذر في اليد هو الوسخ. وفيه بعد. حيث ان المتبادر في الاخبار من هذا اللفظ هو النجاسة. (الثالث) ما ذكره شيخنا البهائي (قدس سره) من ان المراد بالقليل الشرعي لكن مع الجريان. وفيه ما فيه. (الرابع) ما احتمله شيخنا المذكور ايضا في كتاب الحبل المتين، وهو ان يكون الضمير في (يتوضأ) عائدا إلى الرجل بتجريده عن وصف الجنابة. وفيه بعد ايضا. (الخامس) ما يفهم من كلام شيخنا الصدوق (رحمه الله) في الفقيه من حمل ذلك على الرخصة دفعا للحرج والمشقة (1). حيث قال (2): " فان دخل رجل الحمام ولم يكن مع ما يغرف به ويداه قذرتان. ضرب يده في الماء وقال: بسم الله. وهذا مما قال
(1) أقول: ما ذكرنا شيخنا الصدوق (عطر الله مرقده) هنا من الحمل لا يخلو من القرب بل ربما كان هو الاظهر، فان الاستشهاد بالآية المذكورة يعطى كون ذلك رخصة وتخفيفا، وهو انما يتم على تقدير القول بنجاسة القليل بالملاقاة، فيكون هذا الموضع مستثنى من ذلك دفعا للحرج، والا فلو كان الماء لا ينجس بالملاقاة كما يدعيه الخصم فانه لا خصوصية لهذا الموضع بدفع الحرج، فان كل ماء قليل على هذا القول يجوز استعماله ولو مع النجاسة والغسل أو الوضوء به، فاي وجه لا يراد هذه الآية ؟ واي نكتة فيها ؟ كما لا يخفى على العارف باساليب الكلام، سيما في كلام الامام الذى هو امام الكلام (منه قدس الله سره) (2) في باب (المياه وطهرها ونجاستها)
[ 300 ]
الله عزوجل: " ما جعل عليكم في الدين من حرج " (1) وكذلك الجنب إذا انتهى إلى الماء القليل في الطريق ولم يكن معه اناء يغرف به ويداه قذرتان، يفعل مثل ذلك " انتهى (2). (السادس) الحمل على التقية، لان ذلك مذهب كثير من العامة كما ذكره الشيخ (رحمه الله) في الاستبصار (3)، وايد بعضهم هذا الحمل بذكر الوضوء مع الغسل ولعل هذا الحمل اقرب المحامل المذكورة بعد الحمل الاول.
(1) سورة الحج. الآية 78. (2) قال في كتاب الفقه الرضوي: " ان اغتسلت من ماء الحمام ولم يكن معك ما نغرف به ويداك قذرتان، فاضرب يدك في الماء وقل: بسم الله. هذا مما قال الله تبارك وتعالى: " ما جعل عليكم في الدين من حرج " انتهى. وهو مصداق ما قدامنا آنفا من ان كثيرا من عبارات شيخنا الصدوق (عطر الله مرقده) مأخوذ من هذا الكتاب (منه رحمه الله). (3) لم نجد في الاستبصار نسبة القول بعدم انفعال القليل بالملاقاة إلى كثير من العامة ولعله يشير إلى ما ذكره الشيخ في الصحيفة 7 من طبع النجف - عند حمل خبر عبد الله بن المغيرة المتضمن للتقدير بالقلتين على التقية - من انه مذهب كثير من العامة، وقد تقدم منه (قده) حكاية ذلك عن الشيخ في الصحيفة 250 فتكون نسبته (قده) عدم انفعال القليل بالملاقاة إلى كثير من العامة بمقتضى كلام الشيخ (قده) بلحاظ ان مقدار القلتين اقل من مقدار الكر. وقد تقدم في التعليقة 4 في الصحيفة 250 ما يوضح انه مذهب كثير من العامة وقد رجح الفخر الرازي في ج 6 من تفسيره ص 346 عند الكلام في قوله تعالى: " وانزلنا من السماء ماء طهورا " ما حكاه عن مالك والحسن البصري والنخعي ودواد، وحكى ميل الغزالي إليه في الاحياء، من عدم نجاسة الماء القليل بالملاقاة الا إذا تغير اعتمادا على هذه الآية، ثم قال: نقلنا تقديرات مختلفة للفرق بين القليل والكثير، وليس بعضها اولى من بعض، فوجب التساقط عند التعارض. وتقدير ابى حنيفة - عشر في عشر - تحكم وتقدير الشافعي بالقلتين بناء على قوله صلى الله عليه وآله: " إذا بلغ الماء القلتين لم يحمل خبثا " ضعيف، ثم اخذ في الخدش في السند، إلى ان قال: سلنا صحة الرواية لكن احالة مجهول على مجهول، لان القلة غير معلومة، فانها تصلح للكوز والجرة ولكل ما يقال باليد. =
[ 301 ]
وبالجملة فبعد ثبوت الحكم بتلك الاخبار الصحيحة الصريحة المستفيضة. وانطباق جملة اخبار المسألة بعضها على بعض على ذلك. فهذا الخبر لا ينهض بالمعارضة ولا ينوء بالمناقضة. واما عن الحديث الثاني (1) فانا لم نعثر عليه مسندا ولا مرسلا في شئ من كتب الاخبار التي عليها المدار، وقد صرح بذلك ايضا جملة ممن تقدم من مشايخنا (عطر الله تعالى مراقدهم) بل صرح جملة منهم بكونه عاميا (2) وما هذا حاله فلا يصح الاستناد إليه فضلا عن معارضة الاخبار به. على انا نقول: انه لو ثبت صحته لكان حمله على التقية متعينا، لما عرفت آنفا (3). هذا. وممن اختار القول بعدم انفعال القليل بمجرد الملاقاة المحدث الكاشاني، وقد بالغ في اعلائه وتشييده، وتكلف جمع الاخبار عليه وتأييده، واكثر من الطعن في ادلة القول الآخر، حتى اغتر به بعض من لم يعض على المسألة بضرس قاطع ممن تأخر، ولاجل ذلك كتبنا في المسألة المذكورة رسالة تشفي العليل. وتبرد الغليل، موسومة بقاطعة القال والقيل في نجاسة الماء القليل، فقد نقلنا فيها جميع كلامه وما أطال به من نقضه وإبرامه، واردفناه بما يكشف عنه نقاب ابهامه ويقشع غياهب ظلامه. ولنذكر هنا جملة ادلته على سبيل الاختصار، واجوبته عما يرد عليه من أدلة القول المقابل له في هذا المضمار، ونبين ما فيه من القصور عن درجة الاعتبار. (احدها) قوله (صلى الله عليه وآله) في حديث السكوني عن ابي عبد الله
= سلمنا كونها معلومة لكن متن الخبر مضطرب، فقد روي قلتين أو ثلاث أو اربعين قلة، وروى إذا بلغ كوزين. إلى آخر ما ذكره في تفنيد الاستدلال بهذا الحديث. (1) وهو حديث " خلق الله الماء.. الخ " المتقدم في الصحيفة 298. (2) تقدم في التعليقة 2 في الصحيفة 180 ما يفيد في المقام. (3) في الصحيفة 294 ولا يخفى انه (قده) لم يجب عن رواية ابى مريم المشار إليها في ص 298.
[ 302 ]
(عليه السلام): " الماء يطهر ولا يطهر " (1) حيث قال بعد نقله: " إنما لا يطهر لانه ان غلب على النجاسة حتى استهلكت فيه طهرها ولم ينجس حتى يحتاج إلى التطهير. وان غلبت عليه النجاسة حتى استهلك فيها صار في حكم تلك النجاسة ولم يقبل التطهير إلا بالاستهلاك في الماء الطاهر، وحينئذ لم يبق منه شئ ". و (ثانيها) الاخبار المتقدمة (2) وعد منها حديث " خلق الله الماء طهورا.. " (3) مدعيا استفاضته عنه (صلى الله عليه وآله). و (ثالثها) انه لو كان معيار نجاسة الماء وطهارته نقصانه عن الكر وبلوغه إليه. لما جاز إزالة الخبث بالقليل منه بوجه من الوجوه، مع انه جائز بالاتفاق، وذلك لان كل جزء من اجزاء الماء الوارد على المحل النجس، إذا لاقاه كان متنجسا بالملاقاة خارجا عن الطهورية في أول آنات اللقاء، وما لم يلاقه لا يعقل ان يكون مطهرا والفرق بين وروده على النجاسة وورودها عليه مع انه مخالف للنصوص لا يجدي. إذ الكلام في ذلك الجزء الملاقي ولزوم تنجسه، والقدر المستعلي لكونه دون مبلغ الكر لا يقوى على ان يعصمه بالاتصال عن الانفعال، فلو كانت الملاقاة مناط التنجيس لزم تنجس القدر الملاقي لا محالة، فلا يحصل التطهير اصلا. واما ما تكلفه بعضهم من ارتكاب القول بالانفعال هناك من بعد الانفصال عن محل النجاسة فمن أبعد التكلفات. ومن ذا الذي يرتضي القول بنجاسة الملاقي للنجاسة بعد مفارقته عنها وطهارته حال ملاقاته لها بل طهوريته ؟ نعم يمكن لاحد ان يتكلف هناك بالفرق بين ملاقاة الماء لعين النجاسة وبين ملاقاته للمتنجس. وتخصيص الانفعال بالاول. والتزام وجوب تعدد الغسل في جميع النجاسات كما ورد في بعضها. الا ان هذا محاكمة من غير
(1) المروى في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الماء المطلق. (2) في الصحيفة 290 التى استدل بها للقول بعدم الانفعال بالملاقاة. (3) تقدم الكلام فيه في التعليقة 2 في الصحيفة 298.
[ 303 ]
تراضي الخصمين، فان القائلين بانفعال القليل لا يقولون به، والقائلون بعدم الانفعال لا يحتاجون إليه، وان امكن الاستدلال عليه بما ورد في ازالة البول من الامر بغسله مرتين إذا غسل في اجانة كما يأتي. و (رابعها) ان اشتراط الكر مثار الوسواس، ولاجله شق الامر على الناس، يعرفه من يجربه ويتأمله، ومما لا شك فيه ان ذلك لو كان شرطا لكان أولى المواضع بتعذر الطهارة مكة والمدينة المشرفتين، إذ لا يكثر فيهما المياه الجارية ولا الراكدة الكثيرة، ومن اول عصر النبي (صلى الله عليه وآله) إلى آخر عصر الصحابة لم تنقل واقعة في الطهارة ولا سؤال عن كيفية حفظ الماء من النجاسات، وكانت اواني مياههم يتعاطاها الصبيان والاماء والذين لا يتحرزون عن النجاسات بل الكفار، كما هو معلوم لمن تتبع. و (خامسها) ان ما يدل على المشهور إنما يدل بالمفهوم، والمفهوم لا يعارض المنطوق (1) ولا الظاهر النص. مع ان اقصى ما يدل عليه هذا المفهوم تنجس ما دون الكر بملاقاة شطئ ما لا كل نجاسة، فيحمل على المستولية جمعا، فيكون المراد لم يستول عليه شئ حتى ينجس اي لم تظهر فيه النجاسة، فيكون تحديدا للقدر الذي لا يتغير بها في الاغلب. و (سادسها) حمل تلك الاخبار الدالة على النهي عن الشرب والوضوء مما لاقته النجاسة على التنزه والاستحباب، حيث قال في كتاب الوافي: " باب ما يستحب التنزه عنه في رفع الحدث والشرب وما لا بأس به " ثم أورد فيه الاخبار التي قدمناها مما دل على النهي عن الوضوء من الاواني التي وقع فيها قطرة من بول أو دم والاواني المأمور باهراقها لوقوع نحو ذلك فيها.
(1) قوله هنا -: والمفهوم لا يعارض المنطوق. إلى آخر العبارة - من كلام صاحب المفاتيح فيه، وباقى ما نقلناه عنه كله من كتاب الوافى لكن على الاختصار والتقدم والتأخير (منه قدس سره).
[ 304 ]
و (سابعها) الاختلاف في تقدير الكر، قال: " والاختلاف في تقدير الكر يؤيد ما قلناه من انه تخمين ومقايسة بين قدري الماء والنجاسة، إذ لو كان امرا مضبوطا وحدا محدودا لم يقع الاختلاف الشديد في تقديره ولا مساحة ولا وزنا، وقد وقع الاختلاف فيهما جميعا ". و (ثامنها) ما ذكره في تأويل الروايات الدالة على اشتراط الكرية، بحملها على انها مناط ومعيار للمقدار الذي لا يتغير من الماء بما يعتاد وروده من النجاسات حيث قال في كتاب الوافي: " باب قدر الماء الذي لا يتغير بما يعتاد وروده من النجاسات " ثم اورد أخبار الكر. هذا خلاصة ما اعتمد عليه في كتاب الوافي والمفاتيح من الاستدلال. ودفع ما يقابله من الاقوال. وللنظر فيه مجال وأي مجال. (اما الاول) (1) فلان ما ذكره في معنى الخبر لا يتحتم الحمل عليه ليكون دليلا يجب المصير إليه، فانه من المحتمل قريبا ما صرحنا به في آخر المقالة الاولى (2) من الفصل الاول من ان معنى قوله (عليه السلام): " الماء لا يطهر " انه متى تنجس ولو بالملاقاة فطهره إنما يكون بممازجة الكثير له على وجه يستهلك الماء النجس كما هو أحد القولين في المسألة كما تقدم. وهذا لا يسمى في العرف تطهيرا، لاضمحلال الماء النجس حينئذ. وعلى هذا ففي الخبر دلالة على اعتبار الممازجة دون مجرد الملاقاة كما هو القول الآخر. ويمكن ايضا الحمل على المعنى الاول الذي قدمنا ذكره ثمة (3).
(1) المتقدم في الصحيفة 301 السطر 17. (2) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المخطوطة والمطبوعة، والصحيح (الثانية) وذلك في الصحيفة 178. (3) في الصحيفة 178 السطر 2.
[ 305 ]
و (اما الثاني) (1) فقد عرفت ما فيه مما قدمناه (2) والعجب منه (قدس سره) في دعوى استفاضة حديث " خلق الله الماء طهورا.. " مع ما عرفت من انه لم يثبت من طرقنا لا مسندا ولا مرسلا، وكأنه اغتر بكلام صاحب المدارك هنا، حيث انه صرح باستفاضته ايضا في مقالة تنجس الماء بتغير أحد أوصافه الثلاثة، حيث قال بعد الحكم المذكور: " والاصل فيه الاخبار المستفيضة كقوله (صلى الله عليه وآله): " خلق الله الماء طهورا.. الخ " إلا ان فيه انه وان وصفه هنا بذلك لكنه بعد ذلك في مقالة نجاسة البئر بالملاقاة، حيث انكر ورود نجاسة الماء بالتغير اللوني طعن في الخبر المذكور بانه عامي مرسل، كما قدمنا الاشارة إليه عن جملة من الاصحاب (3). و (اما الثالث) (4) ففيه انه لا منافاة بين تنجسه وحصول التطهير به في حال واحد، ولا استبعاد في ذلك إذا اقتضته الادلة الشرعية. وتحقيق ذلك ان اقصى ما يستفاد من الاخبار هو عدم جواز التطهير بما تنجس قبل ارادة التطهير به لا بما تنجس بسبب التطهير به. وبهذه المقالة صرح جمع من فحول المحققين منهم: المولى الاردبيلي والمحقق الخوانساري وشيخنا صاحب رياض المسائل وحياض الدلائل والفاضل المتأخر الخراساني، ومنهم: والدي (نور الله مراقدهم واعلى في الفردوس مقاعدهم) واستبعاد ذلك مدفوع بوجود النظير، فانهم صرحوا بوجوب طهارة احجار الاستنجاء وان النجس منها لا يطهر، مع انها حين الاستعمال تنجس بمجرد ملاقاة النجاسة، ولا يكون ذلك مانعا من حصول التطهير بها. وايضا خروج الماء المستعمل في الطهارة الكبرى عن الطهورية على تقدير القول به إنما هو بسبب
(1) و (4) المتقدم في الصحيفة 302. (2) في الصحيفة 293 السطر 18. (3) في الصحيفة 180 وقد تقدم في التعليقة 2 من هذه الصحيفة ما يفيد في المقام.
[ 306 ]
استعماله وملاقاته لبدن الجنب وقت الغسل، مع ان ذلك لا يمنع من حصول التطهير بهذا المستعمل. وبالجملة فاقصى ما يستفاد من الدليل بالنسبة إلى اشتراط الطهارة في الماء الذي تزال به النجاسة هو طهارته قبل ملاقاة النجاسة. واما طهارته حال الملاقاة فلا دليل عليه. وعدم الدليل على ذلك دليل على العدم، إذ لا تكليف إلا بعد البيان ولا حكم الا بعد البرهان كما تمسك به هذا القائل في جملة من المواضع، وحينئذ فهو حال الملاقاة يفيد التطهير وان تنجس بذلك، فقوله حينئذ: " إذا لاقاه كان متنجسا بالملاقاة خارجا عن الطهورية " في محل المنع. ومن أقوى الشبه في المقام كما تمسك به بعض الاعلام بعد وقوعه في شبك الالزام انه لو وضع شئ نجس في ماء قليل على هذا القول، فبعد طهارة المحل حال الملاقاة وانتقال النجاسة إلى الماء إما ان ينجس ذلك الشئ بالماء ام لا. لا سبيل إلى الثاني لان الماء قد صار نجسا بملاقاة النجاسة له اولا، فتتعدى نجاسته إلى ذلك الشئ ويعود الاشكال بحذافيره. والى ذلك ايضا اشار المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره)، حيث انه ممن اختار تخصيص نجاسة القليل بالملاقاة بورود النجاسة دون العكس، كما هو مذهب المرتضى (رضي الله عنه)، فعنده ان تطهير النجاسة بالقليل مخصوص بورود الماء على النجاسة دون العكس، فانه يصير الماء نجسا ولا يطهر به المحل، ولهذا قال بعد نقل القول بالتطهير بالقليل في صورة ورود النجاسة على الماء مع نجاسة الغسالة ما صورته: " قلت: في هذا القول التزام تنجس الماء بالمحل وتطهير المحل به. والتزامه مشكل. وايضا فيه التزام عدم تنجس المحل بالماء النجس. وهو بعيد غاية البعد " انتهى. وفيه ان ما استبعده من ذلك مردود بانه بعد قيام الدليل على نجاسة القليل
[ 307 ]
بالملاقاة مطلقا أو في صورة ورود النجاسة على الماء فلا مجال لهذا الاستبعاد، إذ الطهارة والنجاسة ونحوهما احكام تعبدية لا مسرح فيها للاستبعادات العقلية. (ولو قيل): مقتضى القاعدة الكلية القائلة بان كل ماء قليل أو مائع لاقى نجاسة فهو نجس ينافي ما ذكرتم. (قلنا): لا عام إلا وقد خص، فان اللبن في ضرع الميتة طاهر عند جملة من الاصحاب، وعليه تدل صحاح الاخبار، وكذا الانفحة من الميتة، والصيد المجروح لو وجد في ماء قليل، وما لا يدركه الطرف من الدم عند الشيخ، وماء الاستنجاء بالاجماع والاخبار، وغسالة النجاسة عند من قال بطهارتها. ووجود النظير يدفع الاستبعاد. ويمكن الجواب ايضا باختيار طهارة ماء الغسالة كما هو اختيار جمع منهم: الشهيد في الذكرى، وهو ظاهر الصدوق في من لا يحضره الفقيه، حيث ساوى بينه وبين رافع الحدث الاكبر، وبه صرح المحدث الامين الاسترابادي، وسيأتي تحقيقه في محله ان شاء الله تعالى، وحينئذ يكون الحكم بطهارته مستثنى من كلية نجاسة القليل بالملاقاة وتطهيره. كما استثنى كذلك ماء الاستنجاء، وما لا يدركه الطرف من الدم على قول الشيخ. ويمكن الجواب ايضا بالفرق بين وروده على النجاسة وورودها عليه، كما سيأتي تحقيقه في هذا الفصل (1) ان شاء الله تعالى. و (اما الرابع) (2) ففيه انه ايضا قد اشترط الكر كما سيأتيك بيانه (3) وان كان الفرق بين الاشتراطين ان الاصحاب جعلوا اشتراطه معيار الطهارة والنجاسة، وهو قد جعل اشتراطه معيار معرفة التغير بالنجاسات المعتادة وعدمه مع عدم ظهورها
(1) في المقام الثاني. (2) المتقدم في الصحيفة 303. (3) في الجواب عن الوجه الثامن.
[ 308 ]
حسا، ثم زاد على كلام الاصحاب باشتراطه المقايسة والنسبة في ذلك المقام، حيث الجأته إليها ضرورة الالزام كما سيأتي توضيحه وينكشف صريحه (1). مع انه قد استفاضت الاخبار عن الائمة الابرار باصالة الطهارة ووجوب العمل على اليقين، فما لم يعلم ويتيقن وقوع النجاسة في الماء على وجه يظهر اثرها ويقطع بغلبة اجزاء تلك النجاسة على الماء إذا منع من ظهورها مانع لا يحكم بالتغير في ذلك الماء، فمجرد الاخبار بولوغ كلب من اناء مع عدم العلم بقدر ماء ذلك الاناء وعدم العلم بكثرة الولوغ وقلته لا يحكم بوقوع التغير في ذلك الماء بلعاب الكلب، وقس عليه غيره من النجاسات. وهو قد حكم بالتغير في امثال ذلك كما سيأتيك بيانه (2). واما قوله: " ومما لا شك فيه ان ذلك لو كان شرطا لكان اولى المواضع.. الخ " فانه مجرد دعوى عارية عن الدليل، ومحض استبعاد ليس له محصل عند ذوي التحصيل، إذ عدم كثرة المياه الجارية والراكدة في تلك الاماكن على القول بنجاسة القليل بالملاقاة لا يستلزم حصول وقائع في الطهارات ولا السؤال عن حفظ المياه من النجاسات. ولا امثالها من هذه التسجيلات، لانه مع معلومية الحكم عنده بنجاسة الماء القليل بالملاقاة يتحرزون عن تطرق النجاسة إليه بكل وجه وبعد العلم بحصول النجاسة فيه يجتنبونه، بل ربما يهرقونه وما الذي يترتب على ذلك من الوقائع المستحقة للنقل ؟ ومن الذي اشترط انه لابد في كل حكم شرعي من واقعة في عصره (صلى الله عليه وآله) تدل عليه ؟ حتى يشترط هنا. على انه لو نقلت هناك واقعة تدل على النجاسة لارتكب التأويل فيها كما ارتكبه في تلك الاخبار الصريحة المتعددة، إذ غاية ما يراد ان يعبر به عن النجاسة أو يكنى به عنها هو التصريح باراقة الماء الدال على عدم الانتفاع به بوجه. وقد مرت لك اخبار مستفيضة بهذا المضمون قد اخرجها
(1) و (2) في الجواب عن الوجه الثامن.
[ 309 ]
عن صريحها وارتكب فيها جادة التأويل. فلو ورد هنا شئ عنه (صلى الله عليه وآله) لجعله من ذلك القبيل. وما الاشكال في حفظ المياه حتى يحتاج إلى السؤال عنه ؟ وهل تعاطي الصبيان والاماء والذين لا يتحرزون عن النجاسات لاوانيهم يكون موجبا للنجاسة بالملاقاة من غير علم بوصول النجاسة، واين اصالة الطهارة ؟ واين الحنيفية السمحة ودين محمد (صلى الله عليه وآله) الذي هو اوسع ما بين السماء والارض ؟ ما هذه إلا احتمالات باردة وتعسفات زائدة، ولقد روي انه " دخل اعرابي المسجد فما لبث ان بال في ناحية المسجد، فكأنهم عجلوا عليه، فنهاهم النبي (صلى الله عليه وآله) ثم أمر بذنوب من ماء فاهريق عليه، ثم قال: علموا ويسروا ولا تعسروا " (1) وامثال ذلك مما يدل على سعة الحنيفية السمحة السهلة كثير. و (اما الخامس) (2) ففيه (اولا) ان الدليل مقصورا على تلك
(1) هذه القصة قد وردت من طريق العامة كما في البخاري ج 1 ص 45 وسنن النسائي ج 1 ص 63 وصحيح مسلم ج 1 ص 125 وسنن ابى دواد ج 1 ص 103 وجامع الترمذي مع شرحه لابن العربي ج 1 ص 243 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 189 ومسند احمد ج 2 ص 239 و 282 و 503 وج 3 ص 110 و 114 و 167 و 191 و 226 ومجمع الزوائد لابن حجر ج 1 ص 286. الا ان هذا النص اعني قوله صلى الله عليه وآله: " علموا ويسروا ولا تعسروا " قد ورد في عمدة القارى شرح البخاري للعينى ج 1 ص 884، وفى غيره من كتب الحديث قد ورد هذا المضمون بالتعبير الآتى: " انما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين " وفى بعضها لم يرد هذا المضمون اصلا. وقد ورد فيها التعبير بالدلو والذنوب والسجل وفى بعضها التعبير بالماء من دون ذكر الكمية. والذنوب - كما في القاموس - بالفتح: الدلو أو التى فيها ماء أو الملاى أو دون الملاى. والسجل - كما فيه ايضا -: الدلو العظيمة مملوءة مذكر، ومل ء الدلو. هذا. ويأتى منه (قده) التعرض لهذا الحديث في المقام الرابع من المسألة الثالثة من مسائل تطهير الماء وازالة النجاسة به. (2) المتقدم في الصحيفة 303.
[ 310 ]
المفهومات، بل هو منطوق جملة من الاخبار التي قدمناها (1) كالاخبار الدالة على النهي عن استعمال تلك المياه القليلة بعد وقوع شئ فيها. والنهي حقيقة في التحريم كما تقدم تحقيقه (2) والامر باراقتها وغسل الاواني منها، فانه لا يخفى على الناظر في الاخبار والمعتبر لها حق الاعتبار ان الحكم بالنجاسة في جل المواضع إنما استفيد من المنع من استعمال ذلك الملاقي لها أو الحكم بغسله أو نحو ذلك، كما صرح به السيد السند في المدارك في الاستدلال على نجاسة البول بعد ايراد الروايات الدالة على الامر بغسل الثوب منه، حيث قال: " ولا معنى للنجس شرعا إلا ما وجب غسل الملاقي له، بل سائر الاعيان النجسة انما استفيد نجاستها من أمر الشارع بغسل الثوب أو البدن من ملاقاتها " انتهى. بل ربما ورد التصريح بالنجاسة في بعض الموارد فتأولوه بالحمل على المعنى اللغوي وناقشوا فيه بذلك، بخلاف ورود الاوامر بالغسل والاراقة والنواهي عن الاستعمال، فانها اصرح في الدلالة على ذلك. و (ثانيا) ان دلالة مفهوم الشرط بعد ما عرفت من دلالة الاخبار عليه كما قدمناها في المقدمة الثالثة (3) مما لا ريب في صحة الاعتماد عليها والاستناد في الاحكام الشرعية إليها. والمناقشة إنما تتطرق إليها مع ظهور فائدة غير مجرد التعليق على الشرط والانتفاء بانتفائه. وههنا ليس كذلك اتفاقا. و (ثالثا) ان قوله: " فان اقصى ما يدل عليه هذا المفهوم تنجس ما دون الكر بملاقاة شئ.. الخ " فيه انه قد اجيب عن ذلك بان لفظ (شئ) نكرة وقعت في سياق النفي فيستفاد منها العموم. ومقتضى التقييد بالشرط ان حكم المسكوت مخالف للمذكور، ويكفي للمخالفة تنجسه ببعض ما لم ينجس به الكر وان لم ينجس ببعض
(1) للقول المشهور في الصحيفة 281. (2) في المقدمة السابعة في الصحيفة 112. (3) في المطلب الثالث في الصحيفة 57.
[ 311 ]
آخر، ويضم إلى ذلك الاجماع على عدم الفصل في النجاسات الا فيما استثني فيعم حينئذ. والتحقيق عندي في الجواب ان المقصود بالافادة بمثل هذا الكلام امران: (احدهما) عموم المنطوق و (الثاني) عموم المفهوم، والرواة قد فهموا حكم المفهوم من ذلك كذلك، ولذلك سكتوا عن الاستفسار، وإلا فمثل هؤلاء الاجلاء كزرارة ومحمد بن مسلم واضرابهما من فضلاء الرواة ومحققيهم كيف يسكتون ويرضون بفهم بعض المقصود مع توفر حاجة الامة إلى ذلك ؟ ولا سيما زرارة الذي من عادته تنقيح الاسئلة والفحص عن جملة فروع المسألة، ويقنعون باستفادة انه إذا نقص عن كر نجسه شئ ما. ويرشدك إلى ما ذكرنا جوابه (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم الاولى من تلك الروايات المتقدمة (1) لما سأل عن الماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب. قال: " إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شئ " فانه من الظاهر البين ان السائل أراد السؤال عن حالة هذا الماء بعد وقوع هذه الاشياء أو أحدها فيه، وانه هل ينجس بمجرد ملاقاتها أم لا ؟ فاجابه (عليه السلام) بوجه عام وقاعدة كلية في كل ماء وكل نجاسة وهو التحديد ببلوغ الكرية وعدمه، وانه لا ينجس مع الاول وينجس مع الثاني. ولو لم يفهم السائل عموم المفهوم من جوابه (عليه السلام) بذلك، وانه إذا نقص عن الكرية ينجس بملاقاة تلك النجاسات المسؤول عن ملاقاتها، لاستفسر منه البتة، لانه أد طرفي الترديد في جوابه (عليه السلام) إذ حاصل جوابه انه " إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شئ، وإذا لم يبلغ نجسه شئ " فلو لم يفهم السائل عموم لفظ (شئ) الذي في جابن المفهوم على وجه يشمل النجاسات المسؤول عنها وغيرها بقرينة المقام، ولا سيما السؤال هنا عن وقوع تلك الاشياء المخصوصة،
(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق والنص الوارد (كان) لا (بلغ).
[ 312 ]
لراجع في السؤال عن تنجسه بتلك الاشياء المخصوصة، إذ بناء على ما يقولونه من عدم العموم لم يحصل الجواب عن السؤال، ومع غفلة السائل كيف يرضى الامام (عليه السلام) بعدم افادته ذلك مع انه مناط السؤال والبلوى به عام في جميع الاحوال ؟ وبالجملة فالمتسارع إلى الفهم السليم والمنساق إلى الذوق المستقيم من حاق اللفظ في امثال هذه المقامات هو العموم، وهو عند التأمل والانصاف امر ظاهر معلوم. وما يتمسك به من ان (شيئا) نكرة في سياق الاثبات فلا يعم مع تسليمه فقد خرجوا عنه في مواضع لاقتضاء المقام العموم فيها، كما صرحوا به في المعرف بلام التحلية إذا استعمل في المقامات الخطابية. وقد تقدم تحقيقه في المقالة الاولى (1) من الفصل الاول. و (رابعا) ان ما ذكره من الحمل على المستولية جمعا فيه انه لم يبق على هذا فرق بين الكر وغيره لان الكر ايضا انما ينجس بالتغير خاصة، فاين المخالفة بين المفهوم والمنطوق التي لا خلاف في ثبوتها ؟ بل لابد من الحمل على التنجيس بمجرد الملاقاة كما ذكرنا تحقيقا لذلك. و (اما السادس) (2) ففيه (اولا) ان الواجب حمل النهي عن الاستعمال في تلك الاخبار المذكورة على حقيقته من التحريم، كما هو المشهور بين محققي علماء الاصول، والمؤيد بالآيات واخبار آل الرسول، كما قدمنا لك بيانه وشددنا اركانه (3). و (ثانيا) ان من جملة تلك الاحاديث التي اوردها في ذلك الباب الاحاديث الدالة على اهراق مياه الاواني عند ملاقاة شئ من القذر لها، وليس ذلك عند التأمل والانصاف الا لنجاستها وعدم الانتفاع بها بالمرة، إذ استحباب التنزه عنه
(1) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ، والصحيح (الثانية) وذلك في الصحيحة 172. (2) المتقدم في الصحيفة 303. (3) في المقدمة السابعة في الصحيفة 112.
[ 313 ]
في الطهارة والشرب لا يستلزم الاهراق، كيف ؟ ووجوه الانتفاعات به كثيرة بل ربما تلجئ إليه الضرورة سيما في الاسفار ونحوها، بل ذلك داخل في الاسراف المنهي عنه كما صرحت به بعض الرويات. و (ثالثا) ان موثقة سماعة (1) المروية ايضا بطريق آخر موثق عن عمار الساباطي قد دلت على الامر بالتيمم بعد الامر بالاهراق. وكيف يسوغ التيمم مع طهارة ذلك الماء وطهوريته ؟ ولو قيل: انه يجوز ان يكون الامر بالاهراق كناية عن عدم الاستعمال لا ان المراد الاهراق بالفعل. قلنا: مع تسليمه فذلك كاف لنا في الاستدلال، لان ما يكنى عن المنع عن استعماله باهراقه بمعنى ان وجوده كعدمه على حال فهو لا شك مقطوع بنجاسته كما اشار إليه في المعتبر، حيث قال: " وقد يكنى عن النجاسة بالاراقة تفخيما للمنع " و (رابعا) ان الحمل على الاستحباب والتنزيه وان تم له بالنسبة إلى الوضوء. لما دلت عليه بعض الاخبار من خارج بأن ماء الوضوء ينبغي ان يكون له مزية ما على مياه سائر الاستعمالات، فلا ينبغي ان يكون بالآجن ولا بالمشمس ولا بما لاقى سؤر المتهم بالنجاسة. فلا يتم له ذلك في الشرب. (اما اولا) فلعدم قيام دليل من الخارج على ان ماء الشرب ينبغي ان يكون ذا مزية، وانه يكره الشرب من بعض المياه لخلوها من المزية حسبما ورد في الوضوء، ولم يدع أحد ذلك بالكلية، حيت يتم له هنا حمل المنع عن الشرب على التنزيه والاستحباب. و (اما ثانيا) فبان من جملة المواضع التي صرحت الاخبار بكراهة الوضوء
(1) المتقدمة في الصحيفة 282.
[ 314 ]
من ذلك الماء الخالي من المزية سؤر الحائض، مع انها صرحت بجواز الشرب منه، فلو كان ما يدعيه من الخصوصية والمزية مشتركة بين ماء الوضوء وماء الشرب، لورد النهي عنه ايضا في مقام النهي عن الآخر. فمن تلك الاخبار رواية عنبسة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " اشرب من سؤر الحائض ولا تتوضأ منه " مثلها موثقة الحسين بن ابي العلاء (2) ورواية ابي هلال (3) وغيرهما. وحينئذ فالحق الحقيق بالاتباع هو ان النهي عن الوضوء والشرب معا في تلك الاخبار ليس إلا لنجاسة الماء. و (اما السابع) (4) ففيه (اولا) انه اي مسألة من مسائل الفقه واي حكم من احكام الفروع لم تختلف فيه الاخبار ؟ حتى يستبعد اختلافها في هذا المكان بخصوصه ويكون ذلك موجبا لما قاله ومؤيدا لما زعمه. و (ثانيا) ان الواجب في كل موضع اختلفت فيه الاخبار على وجه لا يمكن ارجاع بعضها إلى بعض من هذا الموضع وغيره الرجوع إلى الضوابط المقررة والقواعد المعتبرة. ومجرد خروجها عنهم (عليهم السلام) مختلفة لا يدل على ما توهمه من التخمين والمقايسة، وإلا لجرى في غير هذا الموضع ايضا، وهو لا يلتزمه. و (ثالثا) انه مع تسليم صحة ما ذكره فالايراد لا يختص بنا، بل يرد عليه ايضا. حيث انه قائل في التحقيق بمضمون تلك الاخبار منطوقا ومفهوما كما تقدمت الاشارة إليه (5) وسيأتي تحقيقه، لانا نقول: ان التحديد بالكر معيار لعدم
(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الاسآر. (4) المتقدم في الصحيفة 304. (5) في الجواب عن الوجه الرابع ويأتى تحقيقه في الجواب عن الوجه الثامن.
[ 315 ]
الانفعال بالملاقاة لهذا المقدار وانفعال ما دونه. وهو يقول: ان التحديد المذكور معيار للقدر الذي لا يتغير بالنجاسات المعتادة. ويؤيد ما قلناه ما كتبه بعض تلامذته الناسجين على منواله على حاشية كتاب الوافي على آخر الباب الثالث من اول كتاب الطهارة، حيث قال: " لما دلت هذه الابواب الثلاثة على ان الماء ما لم ينفعل لم ينجس، علم ان النجاسة دائرة مع الانفعال وعدمه، ولكن لما كان الانفعال في بعض الاوقات خفيا لتوافقهما لونا وطعما وريحا، أو لورود النجاسة على الماء قبل ان يتعفن، كتفسخ الفأرة في الماء اول مرة لا يوجد لها ريحها أو طعمها أو لونها مع انه اختلطت اجزاء النجاسة باجزاء الماء. أو لورودها عليه قليلا قليلا، كولوغ الكلب وغيره في الحوض مرة بعد مرة، فانه لا يدرك شئ من اثرها مع ان لعاب الكلب اختلط باجزاء الماء، فتحصل الحيرة والاشتباه، بينوا (عليهم السلام) انه إذا كان الامر كذلك، ان كان الماء اقل من كر ينفعل اي يختلط وينجس، وإذا كان اكثر منه لا ينفعل ولا ينجس، كما إذا كان الحوض في طريق ونحن نعلم ان الكلاب تشرب منه والنساء والصبيان يباشرونه بنجاستهم العينية، فلاحظنا ان كان اقل من كر يحترز عنه وان كان اكثر منه نستعمله، فكل ماء امره كذلك يحتاج إلى مادة تحفظه من الانفعال، والمادة التي تحفظه اما ستمائة رطل مكي، أو ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته، اعني عرضه وطوله، وهذه الرواية اجود ما ورد في تقدير الكر، لان غيرها لا يخلو من اضطراب أو طعن في سنده أو متنه " انتهى. فانظر إلى ما ذكره من اعتباره الكر في بنائه عليه، واعتماده على تلك الرواية من بين رواياته لصحتها عنده. و (اما الثامن) (1) ففيه دلالة على ما قدمنا لك من قوله باعتبار الكر والبناء
المتقدم في الصحيفة 304.
[ 316 ]
عليه. وحمله مفهومات تلك الاخبار الدالة على النجاسة فيما نقص عن ذلك المقدار على انها قد تغيرت بالنجاسة وان لم يظهر ذلك للحس. وقد مهد في كلامه في اول الكتاب المذكور قاعدة لذلك، فقال ثمة: " وعلى هذا فنسبة مقدار من النجاسة إلى مقدار من الماء كنسبة مقدار اقل من تلك النجاسة إلى مقدار اقل من ذلك الماء ومقدار اكثر منها إلى مقدار اكثر منه، فكلما غلب الماء على النجاسة فهو مطهر لها بالاستحالة، وكلما غلبت النجاسة عليه لغلبة أحد اوصافها فهو منفعل عنها خارج عن الطهورية بها " انتهى. وحينئذ فيصير معنى قوله (عليه السلام) (1): " إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شئ " اي لم يغيره شئ من النجاسات المعتادة، لان الماء عنده لا ينجس إلا بالتغير. فنجاسته في الحديث بمعنى تغيره بها، ومفهومه حينئذ انه إذا لم يبلغ كرا غيره شئ من تلك النجاسات المعتادة. وقال ايضا في الباب الثاني بعد ان اورد في صدره صحيحة صفوان المتضمنة للسؤال عن الحياض التي بين مكة والمدينة، وقد تقدمت (2) ما صورته: " لما كانت الحياض التي بين الحرمين الشريفين معهودة معروفة في ذلك الزمان، اقتصر (عليه السلام) السلام على السؤال عن مقدار الماء في عمقها ولم يسأل عن الطول والعرض، وإنما سأل عن ذلك ليعلم نسبة الماء إلى تلك النجاسات المذكورة حتى يتبين انفعاله منها وعدمه فان نسبة مقدار من النجاسة إلى مقدار من الماء في التأثير والتغيير كنسبة ضعفه إلى ضعفه مثلا، وعلى هذا القياس. (فان قيل): تغير اوصاف الماء امر محسوس لا حاجة فيه إلى الاستدلال عليه بنسبة قدره إلى قدر النجاسة (قلنا): ربما يشتبه التغير مع ان الماء قد تتغير اوصافه الثلاثة بغير النجاسة فيحصل الاشتباه. يؤيد ما قلناه ما في النهاية
(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق. والنص في كتب الحديث " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ ". (2) في الصحيفة 296.
[ 317 ]
الاثيرية (1). قال: وفي حديث الطهارة " إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثا " اي لم يظهره ولم يغلب الخبث عليه من قولهم: فلان يحمل غضبه اي يظهره. وقيل: معنى لم يحمل خبثا انه يدفعه عن نفسه، كما يقال: فلان لا يحمل الضيم إذا كان يأباه ويدفعه عن نفسه " انتهى كلامه (فان قيل): القلتان يحمل الخبث إذا كثر الخبث وغلب عليه (قلنا): اريد به انه في الغالب لا يتغير بالنجاسات المعتاد ورودها عليه. وذلك لان الناس قد يستنجون في المياه التي تكون في الغدران ويغمسون الاواني النجسة فيها ثم يترددون في انها تغيرت تغيرا مؤثرا أم لا، فبين انه ان كان قلتين لا يتغير بهذه النجاسات. وبما ذكرناه يتبين معنى الاخبار الآتية ومفهوماتها " انتهى كلامه (زيد اكرامه) واشار بالاخبار الآتية إلى الروايات الدالة على التحديد بالكر، وما تدل عليه بمفهوماتها من النجاسة بمجرد الملاقاة كما ادعاه الاصحاب (رضوان الله عليهم) منها. وانت خبير بما في جميع هذا الكلام من التكلف الذى لا يخفى على ذوي الافهام بل عدم الاستقامة والانتظام. (اما اولا) فلان (شيئا) الواقع في لفظ تلك الروايات نكرة في سياق النفي، ولا خلاف في افادتها العموم، وتخصيصها بالمعتاد من النجاسات كما ادعاه يحتاج إلى دليل معلوم، وليس فليس. نعم قام الدليل على النجاسة المغيرة فيكون مخوصا بغيرها لقوله (عليه السلام) في صحيح زرارة (2): " إذا كان الماء اكثر من راوية لم ينجسه شئ إلا ان تجئ له ريح تغلب على ريح الماء ". وما ادعاه من ان نجاسة الماء هو تغيره بالنجاسة. فمعنى لم ينجسه شئ اي لم
(1) في مادة (حمل). (2) المروى في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الماء المطلق. ونصه كما تقدم في الصحيفة 296.
[ 318 ]
يغيره شئ بالنجاسة، فالنكرة لا يمكن أخذها على عمومها، للقطع بالتغير ببعض افراد النجاسات، فلابد من التخصيص بالمعتاد حينئذ ففيه ان تلك الدعوى غير مسلمة عند الخصم، إذ هي أول المسألة. وايضا فهي غير ظاهرة من اللفظ، بل الظاهر منه هو ما يدعيه الخصم، إذ المتبادر من قول القائل: نجس هذا هذا. يعني جعله نجسا اعم من ان يكون بمجرد الملاقاة كسائر المائعات أو بالتغير كما يدعيه هنا، فلا تقوم تلك الدعوى حجة على الخصم. على ان المتبادر فيما نحن فيه هو المعنى الاول بقرينة صحيح زرارة المذكورة، وقوله فيه: " لم ينجسه شئ إلا ان تجئ له ريح.. الخ " اي لم يجعله نجسا بمجرد الملاقاة إلا ان يتغير في ريحه، فالتنجيس في الاخبار بمعنى الانفعال بمجرد الملاقاة لا بمعنى التغير بالنجاسة كما تمحله. و (اما ثانيا) فلان مقتضى ما ذكره من ان الشارع إنما جعل الكر معيارا لما لم يتغير بالنجاسات المعتادة. كما هو منطوق ذلك اللفظ عنده. اللازم منه بمقتضى مفهومه ان ما نقص عن الكر يتغير بها انه لو وقعت نجاسة من تلك النجاسات المعتادة في قدر كر من ماء إلا درهما، فانه يحكم بتغيره بها وان لم يظهر اثرها فيه، ولو تمم بدرهم ووقع قدرها من تلك النجاسات بعنيها في كر تام، لم يحكم بتغيره (1) وهو من البعد على حال لا يحتاج إلى البيان، ومن البطلان بمقام يستغنى عن اقامة البرهان. و (اما ثالثا) فلان ما ذكره في بيان صحيحة صفوان 2) من انه (عليه السلام)
(1) ومن هنا يعلم ان الماء في تلك الاخبار التى استند إليها الخصم مراد به الكثير خاصة، لانه أذا كان شئ من تلك النجاسات المعتادة تغير ما دون الكر بهذا المقدار اليسير الذى فرضناه فما بالك بمثل الجيف ونحوها ؟ وجوابهم (عليهم السلام) - بالتردد بين التغير وعدمه مع معلومية ذلك عندهم - دليل على ان الماء اكثر من كر وان تنزلنا، لان الاقل منه معلوم التغير بما هو ادون من تلك النجاسات بمراتب فكيف بهذه النجاسات ؟ فلا معنى للتردد بالنسبة إليه، فتأمل وأنصف (منه قدس سره) (2) المتقدم في الصحيفة 316.
[ 319 ]
إنما سأل عن عمق الماء ليعلم نسبة الماء إلى تلك النجاسات المذكورة إنما هو من قبيل المعميات والالغاز، كما لا يخفى على من أنصف وجانب التعسفات، إذ مقتضى المقايسة التي التجأ إليها وعول في المقام عليها هو معلومية كل من الماء والنجاسة ليمكن نسبة كل منهما إلى الآخر، وهب ان الماء هنا بسؤاله (عليه السلام) صار معلوما، فمن اين حصل العلم بالنجاسة الحاصلة من ورود تلك السباع والكلاب وامثالها على وجه تكون مغيرة للماء مع عدم ظهوره حسا ؟ فان ذلك يتفاوت بتفاوت افراد الواردة وافراد ورودها قلة وكثرة فيهما، وليس ذلك امرا مضبوطا ولا حدا معلوما حتى يصح ابتناء الاحكام الشرعية عليه وجعله قاعدة ممهدة لذلك. والعادة التي ادعاها (طاب ثراه) وعنون بها الباب قصارى معرفتها والاعتماد عليها ان سلمنا ذلك في مثل مياه البيوت ونحوها مما يمكن ملاحظتها واستعلامها. واما في مثل مياه الطرق والصحارى ومنها ما تضمنه الخبر، فغير ممكن (1) على انا نقول من أين يلزم في كل نجاسة لاقت الماء ان يكون لها عين بحيث ينفصل منها اجزاء تداخل الماء ؟ حتى يحصل ذلك قانون كلي وضابط جلي وهو التحديد بالكرية في تلك الاخبار. وعلى تقدير احتمال مداخلة اجزاء النجاسة في الماء مع عدم ظهورها حسا، فما الدليل على الحكم بالنجاسة بهذه المقايسة والنسبة ؟ وكيف يتيسر لنا العلم بذلك ؟ اللهم الا ان نعمد إلى كل نوع من انواع النجاسة فنضعه في فرد من افراد المياه بشرط معلومية كل منهما كيلا أو وزنا أو تخمينا، ونعتبر تغيره وعدمه، ثم نقيس عليه بعد ذلك ما قل أو كثر. فلينظر المنصف إلى ذلك فاي حرج اعظم منه ؟ مع ادعائه سابقا لزوم الحرج في اشتراط
(1) فان من الظاهر - كما عرفت - ان كون تلك الحياض موردا للسباع والكلاب اعم من ان يكون تلك الكلاب مائة أو عشرة أو اقل أو اكثر تردها كل يوم مرة أو مرارا وليس هناك عدد معلوم ولا عادة معلومة حتى تتيسر المقايسة عليها والنسبة إليها (منه قدس سره).
[ 320 ]
الكرية وانه مثار الوسواس، وهو بخروجه عنه كما ترى قد وقع في شباك الالتباس ومع هذا فاين اصالة الطهارة التي هي قاعدة كلية في الاخبار وكلام الاصحاب ؟ حتى انه بما ذكره من الاحتمال يحتاج إلى ما ذكره من الاختبار. و (اما رابعا) فلان ما ذكره من قوله: " قلنا ربما يشتبه التغير.. الخ " وتأييده ذلك بما نقله عن النهاية الاثيرية. حاصلة ان التغير قد يحصل في الماء واقعا، حاصلة ان التغير قد يحصل في الماء واقعا، لوقوع النجاسة فيه مع عدم ظهورها في جانب كثرة الماء، وقد لا يحصل بالكلية، فاعتبار تلك النسبة والمقايسة لاجل استعلام ذلك الحصول الواقعي الغير الظاهر حسا. وفيه حينئذ (اولا) ان الحكم باصالة الطهارة كما هو أحد القواعد الكلية المتفق على ثبوتها نصا وفتوى يوجب استصحابها والبقاء عليها تعلم النجاسة. ومجرد الشك واحتمال التغير واقعا غير كاف في الخروج عن مقتضى الاصل المذكور. و (ثانيا) ان المعتبر من التغير في تلك الاخبار الدالة على نجاسة الماء بتغير احد أوصافها الثلاثة بالنجاسة هو التغير الحسي كما صرح به جمهور الاصحاب، ولم ينقل الخلاف في ذلك كما عرفته آنفا (1) إلا عن العلامة، حيث اعتبر التقدير فيما إذا اتفق الماء والنجاسة في الصفات، وانما يعتبر التقدير فيما إذا تغير الماء بجسم طاهر من لون النجاسة، وعلى تقدير وجوب التقدير في هذه المادة اليسيرة النادرة الاتفاق كما لا يخفى، فهل يوجب ذلك اخراج تلك الاخبار المستفيضة المتواترة عن ظواهرها وحملها على هذا الفرد الشاذ القليل الوقوع، ويكون التحديد بالكر إنما هو لاجل ما إذا تغير الماء بجسم طاهر موافق للنجاسة المعتادة ؟ ما هذا إلا تمحل بارد وخيال كاسد. و (اما خامسا) فما استند إليه من حديث النهاية وهو قوله: " إذا بلغ
(1) في الصحيفة 181.
[ 321 ]
الماء قلتين لم يحمل خبثا " (1) وكون الحمل فيه محتملا لان يكون بمعنى الظهور، فمعنى عدم حمله الخبث عدم اظهاره له المستلزم لوجوده فيه واقعا، وان لم يظهر حسا فهو حديث عامي (2) لا يقوم به حجة علينا. نعم هو موافق لمقتضى ما ذهب إليه وعول عليه، فلذا اطال في الجواب عما عسى يرد عليه بقوله: " فان قيل القلتان.. الخ " واما اخبارنا فالذي فيها انه " إذا بلغ كرا لم ينجسه شئ " (3) ولا مجال في لفظ التنجيس لذلك المعنى الذي ذكره، بل هو عبارة عن جعل شئ شيئا أخر نجسا بسبب ملاقاته له برطوبة، كما هو معلوم بالنسبة إلى ملاقاة النجاسة لجميع المائعات ونحوها. نعم قد تستلزم الملاقاة التغير، كما إذا غلبت اوصاف النجاسة اوصاف الماء، إلا ان هذا الفرد غير مراد هنا، كما أشعرت به صحيحة زرارة السالفة (4) الدالة على استثنائه من النجاسة بالملاقاة. ومع الاغماض عن ذلك الحكم أعم. ولا دليل على التخصيص والتقييد إلا مجرد خيالات لا تعتبر ولا تفيد. و (اما سادسا) فما ذكره من ان الناس قد يستنجون في المياه التي تكون في الغدران.. الخ فهو مجرد دعوى خالية من الدليل، وخيال ليس فيه إلا مجرد التسجيل والتطويل، لان التغير الذي قام الدليل على التنجيس به هو المحسوس، فان وجد في الماء حكم عليه بالنجاسة، وإلا فهو على يقين الطهارة واصالتها، وسعة الحنيفية وسهولتها.
(1) اورده في النهاية في مادة (حمل). (2) تقدم في التعليقة 4 في الصحيفة 250 ما يفيد في المقام. (3) روى صاحب الوسائل هذه الاخبار في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق والنص الوارد فيها " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (4) في الصحيفة 296.
[ 322 ]
تتمة مهمة قد ارتبك بعض متأخري المتأخرين وجملة من المعاصرين والتابعين لهذا الفاضل في هذه المقالة، والمغترين بما ذكره وقاله في الاخبار التي حملها ذلك الفاضل على الاستحباب والتنزيه. وهي ما اشرنا إليها في الدليل السادس من كلامه (1) حيث ظهر لهم بعد ما ذكر من التأويل، فلم يجدوا سبيلا إلى الاعتماد عليه والتعويل. فبين من حمل النهي في ظاهر تلك الاخبار على حقيقته من التحريم، لكن زعم ان ذلك لا يستلزم النجاسة. وبين من قصر القول بنجاسة الماء القليل على النجاسات الواردة في هذه الاخبار. وبين من اعترف بدلالتها على النجاسة، لكن رجع فيها إلى القاعدة التي مهدها الفاضل المذكور فيما قدمنا من كلامه (2) وهي اعتبار المقايسة والنسبة، فاثبت النجاسة مدعيا حصول التغير الخفي على الحس. ولا يخفى على الفطن المتمسك بذيل الانصاف ما في هذه التأويلات من التكلف والاعتساف. (اما الاول) ففيه ما ذكرنا آنفا (3) في الرد على الوجه الخامس من كلام ذلك الفاضل. على انه لو تم ما ذكره لامكن التعلق به في جملة من موارد النهي ولو في غير مقام التعارض. ولا اراه يلتزمه. و (اما الثاني) ففيه (اولا) ان الاحكام المودعة في الاخبار لا يجب ورودها عنهم (عليهم السلام) بقواعد كلية وان وردت كذلك في بعض الاحكام،
(1) في الصحيفة 303. (2) في الصحيفة 316. (3) في الصحيفة 309.
[ 323 ]
كما نبهنا على شطر منها في المقدمة العاشرة (1) بل اكثر ما ترد في ضمن الجزئيات المتفرقة، فيحكم بكلية الحكم، لتوافق افراده الواردة عنهم (عليهم السلام) في ذلك وهذا هو الاغلب في الاحكام عن طريق القواعد النحوية المبنية على تتبع آحاد كلام العرب. و (ثانيا) ان هذه الافراد إنما خرجت مخرج التمثيل في الاخبار، لا انها قضايا واقعة حتى يجب قصر الحكم عليها. و (ثالثا) ان جملة منها قد تضمنت التعبير بالقذر، كما في موثقتي عمار ورواية ابي بصير (2) وفي جملة من الاخبار المتقدمة التعبير بالشئ. وهو دليل على ان المراد من النجاسات كما لا يخفى. و (اما الثالث) ففيه (اولا) ما قدمنا لك بيانه واوضحنا برهانه (3) ونزيده هنا ونقول: أي ناظر من ذوي العقول وان لم يكن له روية في معقول أو منقول يذهب إلى ان الطير الذي في منقاره دم أو الدجاجة التي في رجلها العذرة أو الاصبع فيها قذر. إذا لاقى شئ منها كرا إلا درهما بل نصف كر فانها تغيره وان خفي على الحس، بان ينفصل من اجزاء تلك النجاسات بمجرد الملاقاة ما يختلط بذلك الماء ويشيع فيه على وجه يكون المستعمل له مستعملا للنجاسة ؟ ما هذا إلا سد للشمس بالراح، واخفاء لضوء الصباح بالمصباح. و (ثانيا) ان اخبار نجاسة الماء القليل ليست مقصورة على هذه الاخبار التي زعم تطرق الاحتمال إليها والتأويل، وان كان لا اعتماد عليه ولا تعويل، بل فيها
(1) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المطبوعة والمخطوطة، والصحيح (الحادية عشرة) وقد تقدمت في الصحيفة 133. (2) المتقدمات في الصحيفة 282 و 284. (3) في الصحيفة 317.
[ 324 ]
بحمد الله ما هو ساطع النور في الظهور، مثل خبر العبدية (1) الدال على ان ما يبل الميل من الخمر ينجس حبا من ماء، وخبر عمر بن حنظلة (2) الدال على اهراق الحب لو قطرت فيه قطرة من مسكر. فهل يعقل هنا مجال لاحتمال التغير أو اجراء لما تمحله من المقايسة والتقدير ؟ وقد خرجنا إلى حد الاسهاب في هذا الباب، لما رأينا من جملة من الاصحاب في جمودهم على هذه المقالة اغترارا بما ذكره هذا الفاضل من الاستدلال واطاله.
(المقام الثاني) المشهور بين الاصحاب القائلين بنجاسة القليل بالملاقاة نجاسة بذلك وردت عليه النجاسة أو ورد عليها. وذهب السيد المرتضى (رضى الله عنه) في المسائل الناصرية إلى تخصيص ذلك بورود النجاسة دون العكس، قال في الكتاب المذكور بعد قول جده الناصر: ولا فرق بين ورود الماء على النجاسة وبين ورود النجاسة على الماء ما لفظه: " هذه المسألة لا أعرف فيها لاصحابنا قولا صريحا " ثم نقل عن الشافعي الفرق بين ورود الماء على النجاسة وورودها عليه، واعتبار القلتين في الثاني دون الاول (3)، وقال بعده: " ويقوى في نفسي عاجلا إلى ان يقع التأمل صحة ما ذهب إليه الشافعي. والوجه فيه انا لو حكمنا بنجاسة القليل الوارد على النجاسة، لادى ذلك إلى ان الثوب لا يطهر من النجاسة إلا بايراد كر من الماء عليه، وذلك يشق، فدل على ان الماء الوارد
(1) المتقدم في الصحيفة 287. (2) المتقدم في الصحيفة 288. (3) نسب الفرق المذكور إلى الشافعي ابن نجيم الحنفي في البحر الرائق ج 1 ص 222 وشيخ زاده الحنفي في مجمع الانهر ج 1 ص 63، وابن قدامة الحنبلى في المغنى ج 1 ص 58، ويظهر ذلك من الغزالي الشافعي في الوجيز ج 1 ص 5، وابن حجر الشافعي في شرح المنهاج ج 1 ص 38. وقد تقدم في التعليقة 4 في الصحيفة 250 ما يرجع إلى القلتين.
[ 325 ]
على النجاسة لا يعتبر فيها القلة والكثرة كما يعتبر فيما ترد النجاسة عليه " انتهى. ومرجعه إلى ان الملاقي للثوب ماء قليل فلو نجس حال الملاقاة لم يطهر الثوب، لان النجس لا يطهر غيره. واجاب عن ذلك في المختلف بالمنع من الملازمة، قال: " فانا نحكم بتطهير الثوب والنجاسة في الماء بعد انفصاله عن المحل " وضعفه السيد السند في المدارك تبعا لجده (قدس سرهما) بان ذلك يقتضي انفكاك المعلول عن علته التامة ووجوده بدونها، وهو معلوم البطلان. (اقول): ويرد على ما ذكره السيد المرتضى (رضى الله عنه): (اولا) ما قدمنا تحقيقه (1) من عدم المنافاة بين حصول الطهارة بالماء القليل ونجاسته بتلك الملاقاة، إذ غاية ما يستفاد من الدليل المانع من التطهير بالنجس هو ما كان نجسا قبل التطهير لا ما كان نجسا بذلك التطهير كما عرفت ثمة. و (ثانيا) ان مقتضى ما ذكره نجاسة الماء القليل بورود النجاسة عليه، وحينئذ فلا يجوز التطهير به، مع انه قد روى محمد بن مسلم في الصحيح قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الثوب يصيبه البول. قال: اغسله في المركن مرتين، فان غلسته في ماء جار فمرة واحدة " (2) والمركن على ما نص عليه الجوهري الاجانة التي يغسل فيها الثياب. ومن الظاهر البين ان الغسل فيها لا يكاد يتحقق بدون ورود النجاسة على الماء كما لا يخفى. ويرد على ما ذكره في المدارك في تضيفه جواب العلامة ان الظاهر ان مراد العلامة (قدس سره) ان دليل نجاسة الماء القليل بالملاقاة يقتضى نجاسة الغسالة مطلقا، سواء كان قبل الانفصال أو بعده، بل يقتضي عدم صحة التطهير به، لكن لما قام الدليل على صحة التطهير به وتوقف طهارة المحل على عدم نجاسة
(1) في الصحيفة 305. (2) رواه صاحب الوسائل في الباب - 2 - من ابواب النجاسات.
[ 326 ]
الماء بناء على ان النجس لا يطهر غيره اقتصر فيه على موضع الضرورة ومحل الحاجة وهو ما قبل الانفصال لا ما بعده، فان الطهارة والنجاسة من الاحكام التعبدية، فيخص الحكم بالنجاسة حينئذ بما بعد الانفصال اقتصارا على محل الضرورة. وليس ذلك بابعد مما حكم به شيخنا الشهيد الثاني الذي هو الاصل في الايراد المذكور من نجاسة البئر ببدن الجنب الخالي من النجاسة لمجرد التعبد، وان كان الدليل عندنا لا ينهض به، ولا بابعد مما حكموا به من طهارة الدلو والرشا وحافة البئر بعد تمام النزح مع تقاطر ماء النزح على حافة البئر وجوانبها وعود الدلو اخيرا إلى الماء، وكذلك طهارة آلات الخمر ومزاولة بعد الانقلاب خلا، بل في الرويات الواردة في تطهير الاواني بصب الماء فيها وادارته ثم اهراقه ما يعضد ذلك، فان الماء بصبه في الآنية بمقتضى القول بنجاسة القليل بالملاقاة يجب الحكم بنجاسته، فتحريكه في الزمان الثاني ليستوعب جوانب الاناء لا يفيد المحل طهارة، فلابد للقائل بنجاسة القليل بالملاقاة ونجاسة الغسالة من القول ببقائه على الطهارة حتى ينفصل دفعا للضرورة، وحينئذ فما اورده من لزوم انفكاك المعلول عن علته التامة ووجوده بدونها يدفع بجواز ان يقال: ان الشارع لم يجعل مجرد ملاقاة النجاسة موجبا للتنجيس مطلقا، وإلا لما صح التطهير بالماء القليل مطلقا، لحصول العلة المذكورة، إلا على القول بعدم انفعال القليل بالملاقاة، وهم لا يقولون به. وحينئذ لا يصير مجرد الملاقاة سببا للنجاسة دفعا للحرج والضرورة، فيكون ذلك بمنزلة المستثنى من كلية نجاسة القليل بالملاقاة. ثم لا يخفى ان هذا كله مبني على تلك المقدمة القائلة: ان النجس لا يطهر غيره. وقد عرفت ما فيها (1) (2).
(1) من انه يجب تخصيص ذلك بما إذا كان نجسا قبل التطهير لا حال التطهير ما تقدم بيانه (منه رحمه الله). (2) في الصحيفة 305.
[ 327 ]
ثم انه (قدس سره) قال في المدارك بعد الكلام المتقدم: " نعم يمكن ان يقال انه لا منافاة بين الحكم بطهارة الثوب المغسول وما يتصل به من البلل، ونجاسة المنفصل خاصة إذا اقتضته الادلة. لكن يبقى الكلام في اثبات ذلك " انتهى. والظاهر انه اشارة إلى ما ذكرنا. وقال المحدث الامين (قدس سره) في تعليقاته على الكتاب المذكور: " ولعل وجه هذا الاحتمال ان الماء المغسول به لا يحمل النجاسة إلا بنقله لها عن المحل المتنجس، والنقل إنما يتحقق بالانفصال " انتهى. ولا يخفى بعده (1). هذا. وظاهر السيد السند (قدس سره) في المدارك الميل إلى ما ذهب إليه السيد المرتضى (رضى الله عنه) حيث قال بعد الجواب عن ادلة ابن ابي عقيل على عدم انفعال الماء القليل ما صورته: " لكن لا يخفى انه ليس في شئ من تلك الروايات دليل على انفعال القليل بوروده على النجاسة، بل ولا على انفعاله بكل ما يرد عليه من النجاسات، ومن ثم ذهب السيد المرتضى (رضى الله عنه) في جواب المسائل الناصرية إلى عدم نجاسة القليل بوروده على النجاسة. وهو متجه " انتهى. واختار ذلك ايضا المحدث الامين (طاب ثراه) في تعليقاته على الكتاب المذكور. وفيه (اولا) انه وان كانت جملة من الاخبار الدالة على نجاسة القليل بالملاقاة قد اشتملت على ورود النجاسة على القليل، كأخبار الركوة والتور ونحوهما، إلا ان ذلك لا يقتضي قصر النجاسة عليه دون عكسه، فان الظاهر ان السبب في الانفعال إنما هو ملاقاة النجاسة كيف اتفق، وقابلية القليل من حيث القلة والمائعية للانفعال اعم من وروده على النجاسة أو ورودها عليه. والحكم بالنجاسة في تلك الاخبار قد
(1) فان الاخبار الدالة على نجاسة القليل لا يختص في شئ منها بما ذكره، بل الظاهر بعضها وصريح بعض هو الانفعال بمجرد الملاقاة. ودعوى ذلك في خصوصية ماء الغسالة تحتاج إلى دليل (منه رحمه الله).
[ 328 ]
وقع في جواب الاسئلة المتضمنة لورود النجاسة على الماء. وخصوص السؤال لا يخصص كما تقرر عندهم. و (ثانيا) ان من فروع هذا القول صحة التطهير بالقليل مع وروده على النجاسة دون العكس فلا يصح التطهير به، مع ان صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (1) ترده كما عرفت. إلا ان يرتكبوا مخالفة ذلك القائل المذكور هنا. و (ثالثا) ان جملة من الاخبار الدالة بمفهوم الشرط على النجاسة تدل باطلاقها على الانفعال بالملاقاة اعم من ورود النجاسة أو عكسه. ومن الظاهر ان جعلهم (عليهم السلام) الكر معيارا ومدارا للانفعال وعدمه انه كذلك مطلقا، والا لوقع التقييد أو الاشارة إلى ذلك في بعض تلك الاخبار. ويمكن ان يقال: ان الاصل في الماء الطهارة بمقتضى القاعدة المنصوص المتفق عليها. ولا يخرج عن هذا الاصل إلا بدليل قاطع. والمعلوم من الاخبار تحقق الانفعال بورود النجاسة خاصة حملا لمطلق الاخبار على مقيدها. والقول بان خصوص السؤال لا يخصص مدفوع بان مثل خبر العبدية وخبر عمر بن حنظلة وخبر حفص بن غياث المتقدم ذلك كله (2) قد دل على ذلك ابتداء من غير تقدم سؤال. واما الفرع المذكور فيجاب عنه بما قدمنا تحقيقه (3) من عدم المنافاة بين التطهير بالقليل ونجاسته بذلك التطهير. وحينئذ فيقوى القول بالفرق بين ورود النجاسة وعكسه. ويمكن تأييده ايضا باخبار ماء الاستنجاء (4)، حيث حكم فيها بطهارته، فانه يمكن ان يكون ذلك انما هو لورود الماء على النجاسة.
(1) في الصحيفة 325. (2) في الصحيفة 287 و 288. (3) في الصحيفة 305. (4) المروية في الوسائل في الباب - 13 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل.
[ 329 ]
إلا انه بعد لا يخلو من شوب الاشكال، لان تلك الاخبار المشتملة على الانفعال بورود النجاسة لا صراحة لها بل ولا ظهور في التخصيص بصورة الورود حتى تقيد بها تلك الاخبار المطلقة، وبدونه يشكل الحكم بالتقييد، والمسألة لذلك محل تردد. واما ما ذكره السيد السند (قدس سره) من انه ليس في الروايات ما يدل على انفعال القليل بكل ما يرد عليه من النجاسات، حتى تبعه في هذه المقالة جمع ممن تأخر عنه ففيه انه وان كان جملة من تلك الاخبار قد اشتملت على نجاسات مخصوصة الا ان جملة منها قد اشتملت على الفاظ تؤذن بالعموم، كلفظ القذر الوارد في موثقتي عمار ورواية ابي بصير، ولفظ الشئ في الاخبار الدالة على النجاسة بالمفهوم الشرطي، وكذا في حسنة شهاب بن عبد ربه، المتقدم جميع ذلك في ادلة القول باالنجاسة (1) وسيأتي مزيد تحقيق للمقام في مسألة الغسالة ان شاء الله تعالى.
(المقام الثالث) جمهور القائلين بنجاسة القليل بالملاقاة لم يفرقوا في النجاسة الملاقية بين قليلها وكثيرها. ونقل عن الشيخ (قدس سره) في المبسوط القول بعدم نجاسة الماء بما لا يمكن التحرز منه، مثل رؤوس الابر من الدم وغيره، فانه معفو عنه، لانه لا يمكن التحرز منه. ونقل عنه في الاستبصار التخصيص بالدم القليل الذي لا يدركه الطرف كرؤوس الابر. واستدل على ذلك بصحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن رجل رعف فامتخط فصار ذلك الدم قطعا صغارا فاصاب اناءه،
(1) في الصحيفة 281 و 282 و 284. (2) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الماء المطلق من كتاب الطهارة
[ 330 ]
هل يصلح الوضوء منه ؟ قال: ان لم يكن شئ يستبين في الماء فلا بأس، وان كان شيئا بينا فلا يتوضأ منه ". واورد عليه انه ليس في الرواية تصريح باصابة الدم الماء، وإنما المتحقق منها اصابة الاناء، وهو لا يستلزم اصابة الماء، فيكون باقيا على أصل الطهارة. واجيب بان السائل اجل قدرا من ان يسأل عن مثل ذلك، بل المراد انما هو السؤال عن الماء. وذكر الاناء إنما هو على حذف مضاف. وفيه (اولا) ان هذا الاستبعاد إنما نشأ الآن بعد المعرفة بالاحكام وشيوع مثل هذا الحكم بين الانام، وإلا فكتاب علي بن جعفر المذكور قد اشتمل على جملة من الاسئلة العارية الآن عن الالتباس. بحيث يعرف احكامها الآن جهال الناس. و (ثانيا) ان من المحتمل قريبا بل هو الظاهر من الخبر المذكور انه مع تحقق اصابة الاناء حصل الشك في اصابة الماء أو الظن بذلك، فحسن السؤال حينئذ عن ذلك. واجاب (عليه السلام) بالبناء على يقين الطهارة إلا ان يعلم ذلك باستبانة الدم في الماء. نعم لقائل ان يقول: انه من المقرر في كلامهم انه متى اشتمل الكلام على قيد فمورد الاثبات والنفي هو القيد. وحينئذ يكون النفي في قوله: " ان لم يكن شئ يستبين " راجعا إلى الاستبانة التي هي صفة الشئ. والظاهر ان بناء الاستدلال على ذلك. واجيب عن ذلك بانه انما يحسن لو كان في السؤال تصريح باصابة الدم الماء. وفيه انه متى كان تقدير السؤال هو ان الدم قد اصاب الاناء ولكن اظن أو أشك في اصابته الماء، فانه يحسن في الجواب بناء على لك التقدير المذكور ان يقال: انه وان أصاب الماء حقيقة فضلا عن ظن ذلك أو الشك فيه إلا ان مجرد اصابة الماء مع عدم ظهوره واستبانته
[ 331 ]
غير موجب للنجاسة، واما الجواب بكون (يستبين) خبر لكان وان اسمها (شئ) فظني بعده، بل الظاهر ان (كان) هنا تامة. ومع تسليمه فهو إنما يتم على تقدير نقل الخبر كذلك كما هو في التهذيب، واما على ما هو المحكي عن الكافي من ان لفظ الرواية فيه " ان لم يكن شيئا يستبين في الماء " فلا مجال لهذا الجواب. وبذلك تبقى المسألة في قالب الاشكال. هذا. وبعض محققي متأخري المتأخرين صار إلى العمل بالخبر المذكور. استنادا إلى ان ما دل على انفعال القليل بالملاقاة لا يدل على العموم، إذ الروايات الدالة بمنطوقها على ذلك مختصة بموارد مخصوصة. والدالة بمفهومها لا عموم لمفهومها، وإنما يتم ذلك بالاجماع على عدم الفصل بين النجاسات، وهو غير جار في محل الخلاف، فلا جرم كان ما نحن فيه داخلا في عموم ادلة الطهارة. وفيه ما عرفته في المقام الاول في الجواب عن الوجه الخامس (1) من كلام الفاضل المتقدم ذكره من ثبوت العموم في المفهوم على وجه معلوم غير موهوم. واعترض بعض محققي متأخري المتأخرين على الشيخ (قدس سره) بان مورد الرواية دم الانف، فالتعميم لا يخلو من اشكال. وفيه انه لو خصت الاحكام بخصوص الوقائع المخصوصة ومشخصاتها الخارجية، لم يكد يتفق وجود حكم كلي في أحكام الفقه إلا القليل. والظاهر ان خصوصية الانف هنا غير ملحوظة، فيتعدى الحكم إلى سائر افراد الدم من باب تنقيح المناط القطعي كما تقدم بيانه في المقدمة الثالثة (2) فلا اشكال. نعم تعميم الشيخ الحكم المذكور في المبسوط للدم وغيره لا يخلو من الاشكال لاختصاص مورد الخبر المذكور بالدم، وظهور التغاير في الاحكام بين افراد النجاسات
(1) في الصحيفة 309. (2) في الصحيفة 56 و 64.
[ 332 ]
في العفو وعدمه وتعدد الغسل وعدمه ونحو ذلك، فلا يمكن دخول ذلك في تنقيح المناط القطعي. وصار البعض المتقدم ذكره إلى تقوية ما في المبسوط بناء على ما نقلناه عنه. وفيه ما عرفته. وما ذكره الشيخ (قدس سره) من عدم امكان التحرز ممنوع سواء اريد به ما يدل عليه ظاهر اللفظ أو الكناية عن المشقة.
(المقام الرابع) المفهوم من كلام المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) في تعليقاته على كتاب المدارك تخصيص القول بنجاسة القليل بالملاقاة بالماء الساكن دون الجاري لا عن نبع، حيث قال بعد قول السيد (قدس سرهما) في الكتاب المذكور: " اطبق علماؤنا إلا ابن ابي عقيل على ان الماء.. الخ " ما صورته: " قلت: الاطباق ثابت في الماء القليل الساكن دون الجاري لا عن نبع كما سيجئ ان شاء الله تعالى " انتهى. واشار بقوله: " كما سيجئ " إلى ما قدمنا نقله عنه في آخر المسألة الثانية من الفصل الثاني (1). وقد سبقه إلى ذلك ايضا المحقق الشيخ حسن (طاب ثراه) في المعالم كما قدمنا نقله في المسألة المذكورة (2) حيث قال ثمة: " إذ الادلة الدالة على انفعال ما نقص عن الكر بالملاقاة مختصة بالمجتمع والمتقارب.. إلى آخر ما تقدم " ومبنى ما ذكروه على ان المستفاد من أخبار الكر كمية واشتراطا اعتبار الاجتماع في الماء، وصدق الوحدة على ذلك الماء إنما هو باعتبار ذلك، فمورد جعل الكر وعدمه مناطا للعصمة عن الانفعال وعدمها إنما هو المجتمع الساكن دون الجاري المذكور. والمسألة محل اشكال كما قدمنا بيانه في المسألة المشار إليها (3).
(المقام الخامس) صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف
(1) في الصحيفة 240. (2) في الصحيفة 239. (3) في الصحيفة 232.
[ 333 ]
يعرف بينهم ان مما يطهر القليل النجس القاء كر عليه دفعة، فان كان متغيرا وزال تغيره بذلك وإلا فكر آخر حتى يزول التغير. وقد وقع الخلاف بينهم في اشتراط الدفعة وعدمه، واشتراط الامتزاج وعدمه والظاهر ان منشأ ذلك عدم ورود حكم تطهير المياه في النصوص لا بطريق العموم ولا الخصوص سوى ما ورد في ماء الحمام مما لا يحسم مادة الاشكال في المقام. فحينئذ حاول جملة من الاصحاب للحكم بالطهارة هنا وجها يدخل به تحت عموم الاخبار وهو حصول الوحدة بانضمام الماء الطاهر إلى الماء النجس ليدخل تحت عموم قوله (عليه السلام) (1): " إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شئ " وقد صرحوا ايضا بانه كما يطهر بالقاء الكر يطهر بمطهرات اخر سنشير إليها ان شاء الله تعالى (2). وتفيصل هذه الجملة يقع في مواضع: (الاول) قد اختلفت كلمة الاصحاب (رضوان الله عليهم) في اشتراط الامتزاج وعدمه، واضطربت فتاوى جملة منهم، فممن صرح بذلك المحقق في المعتبر في مسألة الغديرين، حيث قال: " الغدير ان الطاهران إذا وصل بينهما بساقية صارا كالماء الواحد، فلو وقع في احدهما نجاسة لم ينجس ولو نقص كل واحد منهما عن الكر إذا كان مجموعهما مع الساقية كرا فصاعدا " ثم قال بعد هذا الكلام بلا فصل: " الثالث لو نقص الغدير عن كر فنجس فوصل بغدير فيه كر ففي طهارته تردد. والاشبه بقاؤه على النجاسة، لانه ممتاز عن الطاهر " ولا يخفى عليك ما في ظاهر هذا الكلام من التدافع، الا ان يحمل كلامه الاول على استواء سطحي الغديرين والثاني على اختلافهما كما اشرنا إليه في المسألة الثانية
(1) المروى في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق. والنص - كما في الوسائل وغيره - " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ ". (2) في الموضع الثامن من المواضع الآتية.
[ 334 ]
من الفصل الثاني، وقال العلامة في التذكرة: " لو وصل بين الغديرين بساقية اتحدا ان اعتدل الماء والا في حق السافل، فلو نقص الاعلى عن كر انفعل بالملاقاة، ولو كان أحدهما نجسا فالاقرب بقاؤه على حكمه مع الاتصال وانتقاله إلى الطهارة بالممازجة، لان النجس لو غلب الطاهر نجسه مع الممازجة فمع التمييز يبقى على حاله " انتهى. وقال الشهيد في الذكرى: " وطهر القليل بمطهر الكثير ممازجا، فلو وصل بكر مماسة لم يطهر، للتميز المقتضي لاختصاص كل بحكمه، ولو كان الملاقاة بعد الاتصال ولو بساقية لم ينجس القليل مع مساواة السطحين أو علو الكثير " انتهى. ولا يخفى عليك ما في عبائر هؤلاء الافاضل من المناقشة، فانه متى كان الاتصال بين الغديرين بساقية مع تساوي السطوح موجبا للاتحاد في صورة عدم النجاسة، فلم لا يكون موجبا له ايضا بعد تنجس احدهما حتى انه يشترط الممازجة ؟ إذ من الظاهر ان عروض النجاسة وعدمه لا مدخل له في الاتحاد وعدمه، فان وصف النجاسة لا يخرج الماء عن حقيقة المائية، والحكم بالاتحاد إنما ابتني على ذلك، وإلا فلو تغير الماء بلون طاهر ثم وصل بماء خال من اللون اقتضى ذلك تعدد الماءين، ولا اظنهم يلتزمونه وحينئذ فان كان مجرد الاتصال كافيا فينبغي أن يكون في الموضعين وإلا فلا، والقائلون بالاكتفاء بمجرد الاتصال وحصول الاتحاد به وان اوجبوا المساواة أو علو الكثير بعد عروض النجاسة كما نبه عليه شيخنا الشهيد الثاني في كتاب الروض، إلا ان ذلك ليس من حيث عدم الاتحاد بل من حيث ان يشترط في المطهر علوه وامتزاجه، والا فهو قد صرح بحصول الاتحاد بمجرد المساواة، واحتمل ايضا فيه الاكتفاء بذلك بناء على حصول الاتحاد به في الصورة المذكورة، بخلاف كلامهم هنا، لتصريحهم بامتياز النجس عن الطاهر. احتج ثاني المحققين وثاني الشهيدين على الاكتفاء بمجرد الاتصال بما يرجع إلى وجوه ثلاثة:
[ 335 ]
(أحدها) الاصل. و (ثانيها) عدم تحقق الامتزاج، لانه ان اريد به امتزاج مجموع الاجزاء بالمجموع لم يتحقق الحكم بالطهارة، لعدم العلم بذلك بل ربما علم عدمه، وان اريد به البعض لم يكن المطهر للبعض الآخر الامتزاج بل مجرد الاتصال. وحينئذ فيلزم اما القول بعدم طهارته، وهو باطل قطعا، للاجماع على انه ليس وراء الامتزاج المذكور شرط آخر لطهر الجميع، أو القول بالاكتفاء بمجرد الاتصال، وحينئذ فيلزم القول به مطلقا (1). و (ثالثها) ان الا جزء الملاقية للطاهر تطهر بمجرد الاتصال قطعا فتطهر الاجزاء التي تليها، لاتصالها بالكثير الطاهر. وكذا القول في بقية الاجزاء. واورد على الاول بان التمسك بالاصل هنا لا معنى له بالكلية. فان يقين النجاسة الموجب لاصالة بقائها حتى يثبت المزيل معارض ومخرج عن ذلك الاصل و (على الثاني) انا نختار (اولا) امتزاج المجموع بالمجموع. لكن لا بالمعنى الذي ذكره، بل بمعنى اختلاطهما على وجه يستهلك الماء النجس ولا يظهر له اثر بالكلية. لكن لا يخفى ان عدم ظهور أثر النجس بالكلية كما يحصل بالاستهلاك والاضمحلال في الماء الطاهر، كذلك قد يكون سببه تشابه الماءين وان لم يحصل ثمة استهلاك. وحينئذ فالقول به مطلقا مشكل إلا بدعوى الاجماع على الطهارة بذلك. وفيه ما لا يخفى. نعم لو كان سطح الماء اوسع من سطح القليل والقي عليه. فانه يحصل العلم بالاستهلاك والمداخلة. وسيأتي ما فيه مزيد بيان لذلك ان شاء الله تعالى. و (ثانيا) نختار امتزاج البعض وان الباقي يطهر حينئذ. قوله: انه متى كان طهر الباقي بمجرد الاتصال يلزم القول به مطلقا ممنوع. ووجه الفرق ظاهر،
(1) إذ الفرق بين الابعاض غير معقول، فيكون اعتبار الامتزاج على هذا التقدير مستلزما لعدم اعتبار. وهو فاسد قطعا (منه رحمه الله).
[ 336 ]
فان الحكم بالطهارة والنجاسة تابع للدلالة الشرعية، وليس للعقل فيه مدخل بوجه، ونحن إنما حكمنا بطهارة الاجزاء الباقية بعد الامتزاج لما ذكرتموه من الاجماع على حصول الطهارة للمجموع بذلك، وهذا لا يستلزم الحكم بطهارة ما لم يحصل فيه امتزاج اصلا بمجرد الاتصال. لعدم شمول الدليل المذكور له. ولانه ربما كان لممازجة البعض مدخل في التطهير فلا يتم الاكتفاء بمجرد الاتصال. و (على الثالث) انه موقوف على وجود دليل على ان الماء يطهر نفسه، والادلة العامة الدالة على كونه طهورا (1) غاية ما تدل عليه كونه مطهرا في الجملة. وضم الاجماع في تتمة الاستدلال بها لا يتم في مقام النزاع (2) والخاصة الواردة في جزئيات الاحكام إنما تدل على كونه مطهرا لغيره، بل ربما دل حديث " انه يطهر ولا يطهر " (3) بظاهرة على عدم وقوع التطهير هنا. والقول الفصل في المقام ان يقال: لما كان الحكم المذكور غير منصوص فالواجب فيه رعاية الاحتياط الذي به يحصل يقين البراءة. لما عرفت في المقدمة الرابعة (4) من ان الاحتياط في مثل هذا الموضع واجب. وهو لا يحصل إلا بالقول بالامتزاج على وجه يستهلك الماء النجس في جنب الماء الطاهر. ويؤيد ذلك ما قدمنا (5) من معنى حديث " الماء يطهر ولا يطهر " يحمل كونه لا يقبل التطهير على الممازجة لاضمحلاله واستهلاكه.
(1) المتقدمة في المقالة الثانية في الصحيفة 172. (2) بان يقال: ان الادلة المذكورة دلت على كونه مطهرا في الجملة، والاجماع قائم على عدم الفصل والفرق بين افراد المتنجس (منه قدس سره). (3) وهو حديث السكوني المروى في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الماء المطلق (4) في الصحيفة 68. (5) في الصحيفة 177.
[ 337 ]
ويؤيده ايضا ما حققه الشخ حسن (قدس سره) في كتاب المعالم، من انه لما دل النص والاجماع على ان وقوع النجاسة في الكثير أو وقوعها عليه لا يمنع من استعماله ولا يؤثر فيه تنجيسا وان كثرت ما لم تتغير بها، لاستهلاكها فيه واضمحلالها في جنبه، فيدل بمفهوم الموافقة على ان الماء النجس بهذه المثابة، فإذا وقع في الماء أو وقع الماء عليه وصار مستهلكا فيه بحيث شاعت اجزاؤه ولم تتميز وجب الحكم بطهارته. نعم فيه ما تقدم من ان العلم بذلك يقينا إنما يحصل فيما لو كان سطح الماء الكثير أوسع من سطح القليل النجس، أو كان الماء النجس ذا طعم أو لون أو رائحة وانعدمت بوضعه في الماء الكثير. (الموضع الثاني) انه مع اعتبار الامتزاج وعدم الاكتفاء بمجرد الاتصال. فهل يشترط الدفعة العرفية، بمعنى وقوع جميع اجزاء الماء الكثير في زمان قصير بحيث يصدق عليه الدفعة عرفا (1) حيث ان اعتبار الدفعة الحقيقة محال، أم لا يشترط، بل يكفي وقوعه تدريجا لكن بشرط عدم الانقطاع ؟ قد اختلفت عباراتهم ايضا في ذلك، فممن صرح بالدفعة جمع منهم: المحقق في الشرائع والعلامة في جملة من كتبه وكذا الشهيد، بل الظاهر انه المشهور بين المتأخرين. ومنهم من اطلق كالمحقق في المعتبر، وهو المنقول ايضا عن الشيخ في الخلاف والمبسوط. ومنهم من صرح بالاكتفاء بوقوعه تدريجا كالشهيد في الذكرى
(1) قال المحقق حسن (ره) في كتاب المعالم: " اعلم ان المعتبر في الدفعة ما لا يخرج به الماء عن كونه متساوي السطح، ومآله إلى ان يبقى به صدق الاجتماع والوحدة عرفا، لما عرفت من ان الموجب لاعتبارها هو التحرز من انفعال بعض اجزاء الماء، وهو انما يكون بخروجه عن الوحدة المعتبرة " انتهى. ولا يخفى ان القاء الماء - بحيث لا يخرج عن المساواة - متعذر أو متعسر في اكثر الاحيان، فلعل المراد باشتراط المساواة الاكتفاء هنا بصدق الوحدة العرفية والاجتماع وان اختلفت السطوح في الجملة (منه رحمه الله).
[ 338 ]
واعترضه المحقق الثاني بان فيه تسامحا، لان وصول اول جزء منه إلى النجس يقتضي نقصانه عن الكر فلا يطهر، ولورود النص بالدفعة وتصريح الاصحاب بها. ورده السيد السند في المدارك بانه غير جيد، فانه يكتفى في الطهارة ببلوغ المطهر الكر حال الاتصال إذا لم يتغير بعضه بالنجاسة وان نقص بعد ذلك، مع ان مجرد الاتصال بالماء النجس لا يقتضي النقصان كما هو واضح. وما ادعاه من ورود النص بالدفعة منظور فيه، فانا لم نقف عليه في كتب الحديث ولا نقله ناقل في كتب الاستدلال. وتصريح الاصحاب بالدفعة ليس حجة، مع ان العلامة في المنتهى والتحرير اكتفى في تطهير الغدير القليل النجس باتصاله بالغدير البالغ كرا. ومقتضى ذلك الاكتفاء في طهارة القليل باتصال الكر به وان لم يلق كله فضلا عن كونه دفعة انتهى. وفيه ان ما ذكره من انه يكتفي في الطهارة ببلوغ الكر حال الاتصال محل نظر، لما عرفت آنفا من عدم الدليل على ذلك، إلا ان يكون ذلك إلزاما للمعترض، حيث انه من القائلين بالاكتفاء بمجرد الاتصال. وفصل المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في المعالم، فقال: " والتحقيق في ذلك انه لا يخلو، اما ان يعتبر في عدم انفعال مقدار الكر استواء سطحه أو لا، وعلى الثاني اما ان يشترط في التطهير حصول الامتزاج أولا، وعلى تقدير عدم الاشتراط اما أن يكون حصول النجاسة عن مجرد الملاقاة أو مع التغير. فههنا صور أربع: (الاولى) ان يعتبر في عدم انفعال الكر استواء السطح. والمتجه حينئذ اشتراط الدفعة والالقاء. لان وقوعه تدريجا يقتضي خروجه عن المساواة، فتنفعل الاجزاء التي يصيبها الماء النجس، وينقص الطاهر عن الكر فلا يصلح لافادة الطهارة ولا فرق في ذلك بين المتغير وغيره، لاشتراك الكل في التأثير في القليل، والمفروض صيرورة الاجزاء بعدم المساواة في معنى القليل.
[ 339 ]
(الثانية) ان يهمل اعتبار المساواة ولكن يشترط الامتزاج. والوجه عدم اعتبار الدفعة حينئذ بل ما يحصل به ممازجة الطاهر بالنجس واستهلاكه له، حتى لو فرض حصول ذلك قبل اتمام القاء الكر لم يحتج إلى الباقي. ولا يفرق هنا ايضا بين المتغير وغيره، لكن يعتبر في المتغير مع الممازجة زوال تغيره، فيجب ان يلقى عليه من مقدار الكر ما يحصل به الامران، ولو قدر قوة المتغير بحيث يلزم منه تغير شئ من اجزاء الكر حال وقوعها عليه، وجب مراعاة ما يؤمن معه ذلك اما بتكثير الاجزاء أو بالقاء الجميع دفعة. (الثالثة) ان لا يشترط الممازجة ولا يعتبر المساواة وتكون نجاسة الماء بمجرد الملاقاة. والمتجه حينئذ الاكتفاء بمجرد الاتصال، فإذا حصل باقل مسماه كفى ولم يحتج إلى الزيادة عنه. (الرابعة) الصورة بحالها ولكن كان الماء متغيرا. والمعتبر حينئذ اندفاع التغير كما في صورة اشتراط الامتزاج، وحينئذ لو فرض تأثير التغير في بعض الاجزاء تتعين الدفعة أو ما جرى مجراها كما ذكر. وحيث قد تقدم منا الميل إلى اعتبار المساواة فاعتبار الدفعة متعين " انتهى كلامه (زيد مقامه). ويرد على ما ذكره في الصورة الاولى انه قد صرح سابقا بان الذاهبين إلى اعتبار المساواة مصرحون بعدم انفعال القليل المتصل بالكثير إذا كان الكثير أعلى، كما قدمنا لك عبائر جملة منهم في المسألة الثانية من الفصل الثاني (1) وقال (قدس سره) هناك بعد البحث في ذلك: " وقد تحرر من هذا ان عدم انفعال الواقف بالملاقاة مشروط ببلوغ مقدار الكر مع تساوي السطوح، أو باتصاله بمادة هي كر فصاعدا، ولا يعتبر استواء السطوح في المادة بالنظر إلى عدم انفعال ما تحتها.. الخ " ومفهوم هذا الكلام
(1) في الصحيفة 228.
[ 340 ]
ان الشرط في عدم انفعال الكثير الواقف اما تساوي سطوحه أو كون الاعلى منه كرا فصاعدا، لعدم تقوي الاعلى بالاسفل عندهم، وحينئذ فالوحدة والاجتمع اللذان هما مدار العصمة عن الانفعال حاصلان على تقدير التساوي والاختلاف على الوجه المذكور، فلا يتجه اعتبار الدفعة بل يجزي الوقوع تدريجا، ويرجع إلى ما ذكره في الصورة الثانية وبذلك يظهر لك ما في آخر كلامه من قوله: " وحيث قد تقدم منا الميل.. الخ " فانه قد تقدم منه كما حكينا عنه (1) الميل إلى اعتبار المساواة أو علو الكثير لا اعتبار المساواة خاصة كما يوهمه كلامه هنا. ويرد على ما ذكره في الصورة الثانية انه مع اهمال اعتبار المساواة وان اشترط الامتزاج، فالاكتفاء بامتزاج البعض ممنوع، لما عرفت آنفا (2) من عدم النص في تطهير المياه، والاصل بقاء النجاسة. وغاية ما يمكن التشبث به في هذا الباب الاجماع. وهو إنما يثبت بالالقاء دفعة على وجه يستلزم دخول جميع الاجزاء بعضها في بعض. وبالجملة فان وجوب الدفعة كما يترتب على اعتبار المساواة كذلك يترتب على اشتراط الامتزاج، إذ امتزاج البعض وان اوجب استهلاك النجس، إلا انه لا دليل على حصول التطهير به. وايضا فان القائلين باعتبار الممازجة لم يظهر منهم التصريح بالاكتفاء بممازجة البعض، بل ربما ظهر من كلامهم اعتبار ورود جميع الكر عليه، وبذلك يظهر لك ما في تتمة كلامه في الصورة المذكورة. ويرد على ما ذكره في الصورة الثالثة ان ما ذكر فيها من عدم اشتراط الممازجة وعدم اعتبار المساواة اعم من الاكتفاء بالاتصال مطلقا أو حصول الممازجة في بعض. وعدم اشتراط الدفعة هنا إنما يتم على الاول دون الثاني، لما عرفت آنفا (3).
(1) في الصحيفة 239. (2) و (3) في الصحيفة 333.
[ 341 ]
وبالجملة فطريق الاحتياط اعتبار الدفعة على الوجه الذي ذكرنا سابقا في الممازجة والله اعلم. (الموضع الثالث) ينبغي أن يعلم انه على جميع التقادير من القول بالدفعة والممازجة أو الاكتفاء بمجرد الاتصال، لو كان الماء متغيرا بالنجاسة فالواجب أن يزال التغير أولا، إلا أن يحصل زواله بالالقاء دفعة بحيث لا يتغير شئ من ماء الكر، أو يزاد في مقدار الماء المطهر على وجه يسلم مقدار الكر عن التغير. وعبائر جملة من الاصحاب وان دلت باطلاقها في صورة التغير على انه يجب القاء كر يزيل تغيره وان تغير بعض الكر في ابتداء الوصول، إلا ان الظاهر انه ليس بمراد لهم. (الموضع الرابع) انه قد ذكر جملة من الاصحاب انه متى كان الماء القليل متغيرا فطهره بالقاء كر عليه، فان زال به التغير والا فكر آخر وهكذا، وقيده جملة من المتأخرين بان القاء الكر الآخر مع عدم زوال التغير بالكر السابق إنما هو على تقدير ان لا يتميز كر طاهر غير متغير عن الماء المتغير، والا فيكفي حينئذ في تطهير النجس المتصل به التموج حتى يزول التغير كما تقدم في تغير بعض الكثير، ولا يخفى ما فيه على اطلاقه من الاشكال، لانه متى فرض ان القليل قد تغير بعضه، وانه بالقاء الكر عليه دفعة فالقدر الذي وقع على ذلك البعض المتغير قد تغير ايضا، والواقع على غير المتغير حينئذ اقل من كر، فانه يلزم ان ينجس الواقع على غير المتغير في اول آن الملاقاة بوقوعه على النجس وان بلغ معه بعد الوقوع كرا. واعتبار الدفعة الواحدة الموجبة لاتحاد الماءين مقيدة بعدم تغير شئ من الكر الملقى كما عرفت آنفا. نعم لو قلنا بالاكتفاء بمجرد الاتصال أو الامتزاج في الجملة، وكان وقوع الكر المذكور في غير الناحية التي فيها التغير، اتجه ان يكون ما وقع عليه الكر أو اتصل به طاهرا البتة، وتختص النجاسة بالمتغير، فيصير من قبيل مسألة الكثير المتغير بعضه. ولعل
[ 342 ]
إلى ذلك لحظ السيد السند في المدارك، حيث انه قيد وجوب القاء الكر مرة اخرى بتغير الكر الاول أو بعضه بالنجاسة، وخص الطهارة بالتموج والامتزاج بما إذا بقي الكر الملقى على حاله، ولم يكتف بحصول كر في الجملة ولو من الماء السابق واللاحق، كما يعطيه ظاهر الكلام الذي نقلناه (1). (الموضع الخامس) انه على القول بالاكتفاء بمجرد الاتصال كما هو احد القولين المتقدمين هل يكفي الاتصال كيف كان ام لابد من المساواة أو علو المطهر ؟ قد عرفت مما تقدم في الفصل الثاني (2) وقوع الخلاف في اشتراط المساواة والاختلاف في مقدار الكر، وان جملة من الاصحاب كشيخنا الشهيد الثاني وغيره قائلون بعد انفعاله وان اختلفت سطوحه كيف كان، وان جملة منهم كالشهيد والشيخ علي والعلامة في أحد قوليه يقيدون ذلك بالمساواة أو علو الكثير. هذا قبل عروض النجاسة. اما لو عرضت للقليل ثم وصل بالكثير، فظاهر شيخنا الشهيد الثاني الذي هو أحد القائلين بالاتحاد مع اختلاف السطوح في الشق الاول عدم القول بالاتحاد هنا. بل يشترط المساواة أو علو الكثير، وحينئذ فظاهرهم الاتفاق هنا على علو المطهر أو مساواته. (الموضع السادس) لو كان لماء القليل النجس في كوز ونحوه، توقف طهره على دخول المطهر إليه وممازجته له على القول بالممازجة. ولو كان الاناء مملوء فالظاهر عدم طهارته. لعدم امكان التداخل. إلا ان يكون للمطهر قوة وانصباب بحيث يدافع ما في الكوز. ومما يعلم به عدم الممازجة بقاء ماء الكوز على وصفه المباين ان كان كذلك، كعذوبته مع ملوحة المطهر، وحرارته مع برودة المطهر، أو بالعكس فيهما، ويكفي مجرد اتصال المطهر به على القول الآخر على الوجه المذكور.
(1) في الصحيفة 338. (2) في المسألة الثانية في الصحيفة 228.
[ 343 ]
(الموضع السابع) لو فرق ماء الكر في ظروف عديدة والقي ماء كل منها على حياله على الماء النجس مع اتصال الانصباب إلى الفراغ، فالظاهر انه لا يفيد طهارة. (اما أولا) فلان المفهوم من الاخبار وكلام الاصحاب اختصاص اسم الكر بالماء المجمتع، بل قد عرفت آنفا (1) من كلام المحققين الشيخ حسن في المعالم والمحدث الامين (قدس سرهما) المناقشة في ثبوت صدق الكرية مع اختلاف السطوح، لكون المفهوم عندهما من الاخبار اعتبار تساوي اجزاء الماء في صدق الكر عليه، فكيف مع تفرقه في ظروف عديدة ؟ و (اما ثانيا) فلان الدفعة العرفية التي هي عبارة عن الوقوع في اقرب زمان انما تحصل مع الاجتماع لا مع التفرق. و (اما ثالثا) فلان الشارع قد جعل الكر معيارا لعدم الانفعال بالملاقاة، ولا ريب ان هذا الماء بتفريقه قابل للانفعال، لقلة كل ظرف منه. فلا تصدق عليه الكرية، ومتى لم تصدق عليه لم يحصل به التطهير. و (اما رابعا) فلانه بوصول اول كل ماء من مياه تلك الظروف إلى الماء النجس، يجب الحكم بنجاسته، لكونه ماء قليلا لاقى نجاسة، فلو اجتمعت منه كرور والحال هذه كان حكمها كذلك. والعجب من جمع ممن رأيناهم من فضلاء بلادنا البحرين انهم يحكمون بالتطهير بذلك بل يفعلونه. وقد حضرت ذلك غير مرة وكنت يومئذ ابان الخوض في تحقيق هذه المسائل والبحث عن هذه الدلائل. ولم أعمل ما الوجه فيه عندهم. (الموضع الثامن) انه كما ان من الطرق لتطهير القليل ما ذكرنا من ورد الكر عليه أو اتصاله به على التفصيل المتقدم، كذلك:
(1) في المسألة الثانية في الصحيفة 228.
[ 344 ]
(منها) وقوعه في الكر ايضا، وحينئذ فان كان القليل متغيرا اشترط في طهره امتزاجه بما وقع عليه ليرفع التغير، فان ارتفع بذلك وإلا جرى فيه ما ذكرنا في الموضع الرابع. وان لم يكن متغيرا بني على الخلاف في اعتبار الممازجة أو الاكتفاء بمجرد الاتصال على الوجه المتقدم من اعتبار المساواة أو علو المطهر. و (منها) وقوع ماء المطر عليه، وقد تقدم الكلام فيه في الفرع الاول من فروع المقالة التاسعة من الفصل الاول (1). و (منها) اتصاله بالنابع لكن مع علو النابع أو مساواته. وفى حكمه الجاري عن مادة كثيرة. والكلام في اشتراط الممازجة أو الاكتفاء بمجرد الاتصال على ما تقدم (2) وينبى الكلام ايضا في النابع على الخلاف في اشتراط الكرية وعدمه كما تقدم (3). (الموضع التاسع) اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في تطهير القليل النجس باتمامه كرا. فالمنقول عن الشيخ في الخلاف وابن الجنيد واليه ذهب اكثر المتأخرين القول بالبقاء على النجاسة. ونقل عن المرتضى في المسائل الرسية القول بالطهارة. واقتفاه في ذلك ابن ادريس، ويحيى بن سعيد صاحب الجامع وابن حمزة والمحقق الشيخ علي. وهم بين مصرح بعدم الفرق بين اتمامه بطاهر أو نجس، وبين مقيد له بالطاهر، وبين
(1) في الصحيفة 220. (2) في الصحيفة 333. (3) في الصحيفة 187.
[ 345 ]
مطلق يتناول بظاهره الامرين (1). احتج الاولون بانه ماء محكوم بنجاسته شرعا، فتوقف الحكم بارتفاعها على الدليل. وليس فليس، لما سيظهر بعد ابطال أدلة الخصم. (لا يقال): ان هذا تمسك بالاستصحاب، وانتم قد نفيتم التمسك به آنفا (2). (لانا نقول): ان الاستصحاب في مثل هذه الصورة ليس من القسم المتنازع فيه، بل من قبيل ما يدخل تحت عموم الدليل أو اطلاقه، لان ما دل على نجاسة القليل بالملاقاة لا تقييد فيه بوقت دون آخر ولا بحالة دون اخرى، ولان من جملة ادلة نجاسة القليل الاخبار الدالة على النهي عن الوضوء والشرب منه متى لاقته نجاسة، والنهي عندهم للتكرار والدوام. ولان الاخبار الدالة على عدم الخروج عن يقين الطهارة أو النجاسة إلا بيقين مثله شاملة لمحل النزاع. وما ذكره بعض فضلاء متأخري المتأخرين من منع هذه الادلة هنا من غير ان يبين وجهه بتفصيل ولا اجمال لا اعرف له وجها إلا مجرد حب المناقشة في امثال هذا المجال. احتج المرتضى (رضى الله عنه) على ما نقل عنه بوجهين: (احدهما) ان بلوغ قدر الكر موجب لاستهلاكه للنجاسة، فيستوي وقوعها قبل البلوغ وبعده. و (ثانيهما) ان الاجماع واقع على طهارة الماء الكثير إذا وجدت فيه نجاسة ولم يعلم هل كان وقوعها قبل بلوغ الكرية أو بعده ؟ وما ذاك إلا لتساوي الحالين،
(1) ممن صرح بالاول ابن ادريس على ما نقل عنه، وممن صرح بالثاني ابن حمزة على ما نقله عنه، والباقون اطلقوا (منه رحمه الله). (2) في المطلب الثاني في الصحيفة 51.
[ 346 ]
إذ لو اختص الحكم ببعدية الوقوع لم يكن للحكم بالطهارة وجه، لانه كما يحتمل تأخره عن البلوغ يحتمل تقدمه عليه. واحتج ابن ادريس بالاجماع، وبقوله (عليه السلام): " إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا " (1) وهو عام. وزعم ان هذه الرواية مجمع عليها عند المخالف والمؤالف وبالعمومات الدالة على طهارة الماء وجواز استعماله كقوله سبحانه: " وينزل عليكم من السماء ماءا ليطهركم به.. " (2) وقوله: " وان كنتم جنبا فاطهروا.. " (3) وقوله (عليه السلام) لابي ذر: " إذا وجدت الماء فامسه جسدك " (4) وقوله (عليه السلام): " اما انا فلا ازيد على ان احثو على رأسي ثلاث حثيات. فإذا انى قد طهرت " (5)
(1) تقدم الكلام في هذا الحديث في التعليقة 1 في الصحيفة 246. (2) سورة الآنفال. الآية 12. (3) سورة المائدة. الآية 10. (4) هذا من حديث رواه احمد في مسنده ج 5 ص 146. وابو داود في السنن ج 1 ص 91، وروى الترمذي في جامعه ج 1 ص 193 القطعة الاخيرة منه المتعلقة بالتيمم والغسل. وروى ابن العربي في شرحه على جامع الترمذي الحديث بتمامه. ورواه ايضا البيهقى في السنن ج 1 ص 179. والحديث 12 من الباب - 14 - من ابواب الجناية من الوسائل يوافق ما رواه هؤلاء إلا انه خال من الذيل المذكور. (5) هذا الحديث رواه الشوكاني في نيل الاوطار عن احمد ج 1 ص 215 هكذا. " اما انا فاخثى على رأسي ثلاث حثيات ثم افيض فإذا انا قد طهرت " ثم قال: وقال الحافظ قوله: " فإذا انا قد طهرت " الا اصل له من حديث صحيح ولا ضعيف. ولكنه وقع من حديث ام سلمة، قال لها: " انما يكفيك ان تحثى على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين الماء عليك فإذا انت قد طهرت " واصله في صحيح مسلم. انتهى ما في نيل الاوطار. وروى البخاري في صحيحة ج 1 (باب من افاض على رأسه ثلاثا) قوله صلى الله عليه وآله: " اما انا فافيض على رأسي ثلاثا " واشار بيديه كلتيهما. وهكذا رواه مسلم في صحيحه ج 1 ص 136 والنسائي في السنن ج 1 ص 49. وابن ماحة في السنن ج 1 ص 293.
[ 347 ]
واجيب عن ذلك، اما عن اول دليلي المرتضى (رضى الله عنه) فبانه محض قياس لا يعمل به. إذ استهلاك النجاسة الذي دل النص عليه إنما هو بعد البلوغ، فالحق استهلاك النجاسة الواقعة قبل البلوغ بذلك قياس محض. على ان الفارق موجود، وهو ان الماء بعد البلوغ له قوة في قهر النجاسة إذا وردت عليه بخلافه قبل. لانقهاره بالنجاسة فلا يصير قاهرا لها. واما عن ثانيهما فبأن الحكم بالطهارة في صورة دعوى الاجماع إنما هو بناء على اصالة الطهارة حتى تعلم النجاسة. والنجاسة هنا غير معلومة، لاحتمال تأخرها عن البلوغ، إذ عدم العلم بتقدم الوقوع وتأخره يقتضي الشك في التقدم الذي هو سبب النجاسة، فلا جرم تكون النجاسة مشكوكا فيها. واما عن ادلة ابن ادريس فبما ذكره المحقق في المعتبر، حيث قال ونعم ما قال وتنازعني نفسي إلا ان اذكره بتمامه، فانه جيد رشيق، وبالاثبات وان طال به زمان الكلام حقيق واي حقيق، قال (قدس سره) بعد نقل الادلة المذكورة: " فالجواب دفع الخبر، فانا لم نروه مسندا، والذي رواه مرسلا المرتضى (رضى الله عنه) والشيخ أبو جعفر (رحمه الله) وآحاد ممن جاء بعده. والخبر المرسل لا يعمل به. وكتب الحديث عن الائمة (عليهم السلام) خالية منه اصلا. واما المخالفون فلم اعرف به عاملا سوى ما يحكى عن ابن حي. وهو زيدي منقطع المذهب وما رأيت اعجب ممن يدعي اجماع المخالف والمؤالف فيما لا يوجد إلا نادرا، فاذن الرواية ساقطة. واما اصحابنا فرووا عن الائمة (عليهم السلام) " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (1) وهذا صريح في ان بلوغه كرا هو المانع لتأثرة بالنجاسة. ولا
= وابو داود في السنن ج 1 ص 62، وابن حجر في مجمع الزرائد ج 1 ص 271، ورواه ايضا ابن ماجه في السنن ج 1 ص 203 هكذا " اما انا فاحشوا على رأسي ثلاثا ". (1) رواه صاحب الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق.
[ 348 ]
يلزم من كونه لا ينجسه شئ بعد البلوغ رفع ما كان ثابتا فيه ومنجسا قبله. والشيخ (رحمه الله) قال بقولهم (عليهم السلام) ونحن قد طالعنا كتب الاخبار المنسوبة إليهم فلم نر هذا اللفظ، وانما رأينا ما ذكرناه، وهو قول الصادق (عليه السلام): " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " (1) ولعل غلط من غلط في هذه المسألة لتوهمه ان معنى اللفظين واحد. واما الآيات والخبر البواقي فالاستدلال بها ضعيف لا يفتقر إلى جواب، لاننا لا ننازع في استعمال الطاهر المطلق، بل بحثنا في هذا النجس إذا بلغ كرا يطهر، فان ثبتت طهارته تناولته الاحاديث الآمرة بالاغتسال وغيره. وان لم تثبت طهارته فالاجماع على المنع منه، فلا تعلق له اذن فيما ذكره. وهل يستجيز محصل ان يقول النبي (صلى الله عليه وآله): " احثو على رأسي ثلاث حثيات مما يجتمع من غسالة البول والدم وميلغة الكلب " واحتج ايضا لذلك بالاجماع، وهو اضعف من الاول لانا لم نقف على هذا في شئ من كتب الاصحاب، ولو وجد كان نادرا، بل ذكره المرتضى (رحمه الله) في مسائل منفردة وبعده اثنان أو ثلاثة ممن تابعه. ودعوى مثل هذا اجماعا غلط، إذ لسنا بدعوى المائة نعلم دخول الامام فيهم، فكيف بدعوى الثلاثة والاربعة " انتهى كلامه (زيد مقامه) ومن المستطرف قوله: " وهل يستجيز محلصل.. الخ ".
<>