تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الأول


 

الفصل الرابع

في حكم البئر

وفيه مباحث:

(البحث الأول) قد عرف شيخنا الشهيد في شرح الارشاد البئر بانها مجمع ماء نابع من الارض لا يتعداها غالبا ولا يخرج عن مسماها عرفا. واعترضه المحقق


(1) المروى في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق.


[ 349 ]

الشيخ علي بان القيد الاخير موجب لاجمال التعريف، لان العرف الواقع في العبارة لا يظهر اي عرف هو ؟ أهو عرف زمانه ام عرف غيره ؟ وعلى الثاني فيراد العام أو الاعم منه ومن الخاص ؟ مع انه يشكل ارادة عرف غيره (صلى الله عليه وآله) وإلا لزم تغير الحكم بتغير التسمية، فيثبت في العين حكم البئر لو سميت باسمه. وبطلانه ظاهر والذي يقتضيه النظر ان ما يثبت اطلاق البئر عليه في زمنه (صلى الله عليه وآله) أو زمن أحد الائمة المعصومين (عليهم السلام) كالتي في العراق والحجاز فثبوت الاحكام له واضح، وموقع فيه الشك فالاصل عدم تعلق أحكام البئر به، وان كان العمل بالاحتياط اولى. انتهى. واجاب السيد السند في المدارك بانه قد ثبت في الاصول ان الواجب حمل الخطاب على الحقيقة الشرعية ان ثبتت، وإلا فعلى عرف زمانهم (عليهم السلام) خاصة ان علم، وإلا فعلى الحقيقة اللغوية ان ثبتت، وإلا فعلى العرف العام. إذ الاصل عدم تقدم وضع سابق عليه وعدم النقل عنه. ولما لم يثبت في هذا المسألة شئ من الحقائق الثلاث المتقدمة، وجب الحمل على الحقيقة العرفية العامة في غير ما علم اطلاق ذلك اللفظ عليه في عرفهم (عليهم السلام) ومنه يعلم عدم تعلق الاحكام بالآبار الغير النابعة كما في بلاد الشام، والجارية تحت الارض كما في المشهد الغروي على ساكنه السلام، وعدم تغير الحكم بتغير التسمية. انتهى. وفيه ما عرفته في المقدمة الثامنة (1) من عدم الدليل على هذا التفصيل الذي ذكره والقاعدة التي بنوا عليها، مع ان ما ذكره من ان مع عدم ثبوت شئ من الحقائق الثلاث يجب الحمل على العرف العام مما لا دليل عليه ايضا. والتمسك باصالة عدم تقدم وضع سابق عليه وعدم النقل بمحل من الضعف. على انه لا يخفى ما في بناء الاحكام على العرف العام من العسر والحرج المنفيين بالاية والوراية كما قدمناه ثمة (2).


(1) و (2) في الصحيفة 121.


[ 350 ]

اقول: والتحقيق ان القدر المعلوم من الاخبار وكلام الاصحاب هو ان ما علم تسميته بئرا في زمنهم (عليهم السلام) فلا ريب في اجراء احكام البئر عليه. وما لم يعلم فانه لابد فيه من النبع، كما دل عليه بعض صحاح الاخبار من ان له مادة. يعني الينبوع الذي يخرج منه الماء بقوة. فعلى هذا لو كان مما يخرج رشحا فانه يكون من قبيل الماء المحقون في بلوغ الكرية وعدمه، وقيل انه يسمى بالثمد. كما تقدمت الاشارة إليه في اول الباب. ولابد فيها ايضا من التسمية بئرا. لان الاحكام في الاخبار إنما علقت على صدق هذا العنوان. وبذلك يظهر صحة ما ذكره شيخنا الشهيد (قدس سره) والله العالم.

(البحث الثاني) اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في نجاسة البئر بالملاقاة وعدمها بعد الاتفاق على نجاستها بالتغير، على اقوال: اشهرها على ما نقله جمع من المتأخرين القول بالنجاسة. وقيل بالطهارة واستحباب النزح، ونقل عن الحسن بن ابي عقيل، ونسب ايضا إلى الشيخ (1) في بعض اقواله، واسنده جمع ايضا إلى شيخه الحسين بن عبد الله الغضائري، واليه ذهب العلامة في اكثر كتبه وشيخه مفيد الدين بن جهم. وقيل بالطهارة مع وجوب النزح، ذهب إليه العلامة في المنتهى. ونقل ايضا عن الشيخ في التهذيب. وفيه اشكال، فان كلام التهذيب هنا لا يخلو من تشويش واضطراب، ولهذا نسب إليه بعضهم القول بالنجاسة. وفصل بعض ببلوغ الكر وعدمه، فينجس على الثاني دون الاول ونسب إلى الشيخ ابي محمد الحسن بن محمد البصروي من المتقدمين. والزم بعضهم (2) العلامة بذلك، حيث انه


(1) انكر بعضهم نسبة هذا القول إلى الشيخ (ره) لعدم وجوده في كتبه المعروفة اللهم إلا ان يكون في بعض اجوبة المسائل المنسوبة إليه (منه رحمه الله). (2) هو السيد السند في المدارك (منه رحمه الله).


[ 351 ]

قائل باشتراط الكرية في الجاري، والبئر من انواعه. وانت خبير بما فيه (1) وانه لو ترتب حكم البئر على الجاري لورد الالزام على القول المشهور ايضا كما لا يخفى. ونقل الشهيد في الذكرى عن الجعفي انه يعتبر فيه ذراعين في الابعاد الثلاثة حتى لا ينجس. وقد تلخص من ذلك ان الاقوال في المسألة خمسة. والظاهر من الاخبار هو القول بالطهارة واستحباب النزح. ولنا عليه وجوه من الادلة: (أحدها) اصالة الطهارة عموما وخصوصا. و (ثانيها) عموم الايات كقوله تعالى: " وانزلنا من السماء ماء طهورا " (2) ونحوها. والماء كله من السماء بنص القرآن والاخبار كما تقدم بيانه في صدر الفصل الاول (3) فيجب الحكم بطهارته حتى يقوم دليل النجاسة. و (ثالثها) الاخبار الصريحة الصحيحة كما سيأتيك ذكرها. و (رابعها) اختلاف الاخبار في مقادير النزح في النجاسة الواحدة، مع صحتها وصراحتها على وجه لا يقبل الحمل ولا الترجيح كما سيأتيك ان شاء الله تعالى والعمل ببعض دون بعض ترجيح بلا مرجح، فيلزم اطراحها رأسا، للزوم التناقض وانسداد باب الحمل والترجيح.


(1) للاتفاق على عدم نجاسة الجارى بالملاقاة، والبئر بعض افراد الجارى ايضا، وحينئذ فالوجه ان يقال: ان البئر قد خرجت من أحكام الجارى وان كانت بعض افراده واختصت باحكام على حدة، ولهذا افردت بالبحث في الكتب الفقهية، فلا ملازمة بينهما (منه قدس سره). (2) سورة الفرقان. الآية 51. (3) في الصحيفة 173 السطر 3.


[ 352 ]

و (خامسها) رجحان اخبار الطهارة لو ثبت التعارض بموافقة القرآن كما عرفت (1)، ومخالفة العامة، فان جمهورهم كما نقله العلامة في المنتهى على القول بالنجاسة، ونقل بعض افاضل المحدثين ان علماء الحنفية الذين هو العمدة عند سلاطين العامة قديما وحديثا كما تشهد به كتب التواريخ والسير بالغوا في الحكم بانفعال البئر بملاقاة النجاسة، وزادوا على كثير من المقدرات الواردة في صحاح اخبارنا (2)


(1) من الوجه الثاني المتقدم في (2) قال الشيخ الاسلام في الهداية ج 1 ص 11: " إذا وقعت في البئر نجاسة نزحت ونزح جميع ما فيها من الماء طهارة لها باجماع السلف. ومسائل الآبار مبنية على الآثار دون القياس. ولا يفسد ماء البئر خرء الحمام والعصفور والبعرة والبعرتان من الابل والغنم، وينزح ماء البئر كله لبول الشاة عند ابى حنيفة وابى يوسف وينزح ما بين عشرين دلوا إلى ثلاثين لموت الفأرة والعصفور والصعوة وسام ابرص. وينزح ما بين اربعين دلوا إلى ستين لموت الحمامة والدجاجة والسنور. وينزح جميع ما فيها من الماء لموت الشاة والكلب والآدمي. وينزح جميع ما فيها لموت الحيوان إذا انتفخ أو تفسخ سواء كان الحيوان كبيرا أو صغيرا " انتهى. وفى بدائع الصنائع ج 1 ص 74 الخنزير ينجس البئر وان خرج حيا، لانه نجس العين. والكلب لا ينجس البئر بوقوعه فيه. والمروي عن ابى حنيفة في الكلب والسنور إذا وقعا في الماء القليل ثم خرجا يعجن به. والآدمي إذا لم تكن على بدنه نجاسة حقيقة ولا حكمية وقد استنجى فلا ينزح شئ. والمروى عن ابى حنيفة ينزح عشرون دلوا. وإذا كانت عليه نجاسة حقيقة أو لم يكن مستنجيا ينزح جميع الماء. وإذا كانت على بدنه نجاسة حكمية بان كان محدثا أو جنبا أو حائضا أو نفساء فمن لم يجعل هذا الماء. مستعملا أو جعله مستعملا وانه طاهر وكان غير المستعمل اكثر من المستعمل لا ينزح من البئر شئ، ومن يجعله مستعملا وانه نجس ينزح البئر كله، وفصل أبو حنيفة في الآمى الواقع في البئر، ان كان محدثا ينزح اربعون، وان كان جنبا ينزح كله، وان كان كافرا نزح كله الا إذا تيقنت طهارته بان اغتسل ووقع من ساعته فلا ينزح شئ. وفى ص 75 عند ابى حنيفة ينزح للابل والبقر عشرون دلوا وعند ابى يوسف ينزح كله. والمروى عن ابى حنيفة في الحلمة ونحوها عشرة دلاء والفأرة ونحوها =


[ 353 ]

وحينئذ فتيعين حمل ما ثبت دلالته على النجاسة على التقية. و (سادسها) انه مع العمل باخبار الطهارة يمكن حمل اخبار النجاسة على التقية أو الاستحباب. واما مع العمل باخبار النجاسة فلا محمل لاخبار الطهارة، مع صحتها وصراحتها واستفاضتها كما ستطلع عليه، بل يلزم طرحها، والعمل بالدليلين مهما امكن اولى من طرح أحدهما كما قرره في غير موضع، بل هو من القواعد المسلمة بينهم. إذا عرفت ذلك فمن الاخبار الدالة على ما اخترناه صحيحة محمد بن اسماعيل ابن بزيع عن الرضا (عليه السلام) (1) قال: " ماء البئر واسع لا يفسده شئ إلا ان يتغير ". وصحيحته الاخرى عنه (عليه السلام) (2) قال: " ماء البئر واسع لا يفسده شئ إلا أن يتغير ريحه أو طعمه. فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه. لان له مادة " ولا يخفى ما هما عليه من الصراحة بعد صحة السند. وبيان ذلك من وجوه: (احدها) وصفه بالسعة المفسرة بعدم افساد شئ له إلا في مادة التغير خاصة. والافساد وان كان كناية عن عدم جواز استعماله، وهو كاف في المطلوب، إلا


= عشرون، والحمام ونحوه ثلاثون، والدجاج ونحوه اربعون، والآدمي ونحوه البئر كله. وإذا تعدد الحيوان الواقع في البئر، فالى الاربع ينزح عشرون، ومن الخمس إلى التسع ينزح اربعون، وللعشرة ينزح كله. وعند محمد في الفأرتين ينزح عشرون، وفى الثلاث اربعون. وفى ص 76 في البول والدم والخمر ينزح كله، والعذرة وخر. الدجاج الرخو ينزح كله قليلا أو كثيرا رطبا أو يابسا. واما الصلب كبعر الابل والغنم، في القياس - ينجس الماء قل أو كثر، وفى الاستحسان - القليل لا ينجس والكثير ينجس، سواء كان رطبا أو يابسا منكسرا أو صحيحا. والصحصح ان الكثير ما استكثره الناظر. وفى ص 77 إذا ماتت فأرة في حب فيه ماء وصب الماء في بئر. فعند ابى يوسف ينزح المصبوب وعشرون دلوا، وعند محمد ان كان المصبوب عشرين دلوا نزح هذا المقدار وان كان اقل نزح عشرون. انتهى. (1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 3 و 14 - من ابواب الماء المطلق.


[ 354 ]

ان الظاهر ان المراد به هنا النجاسة بقرائن المقام التي من جملتها الاستثناء. و (ثانيها) التعليل بكون البئر له مادة. و (ثالثها) الحصر في التغير. و (رابعها) الدلالة على الاكتفاء في طهارته مع التغير بنزح ما يزيله، اعم من أن يزيد مقدر تلك النجاسة على ذلك أو مما يجب له نزح الجميع. ولولا انه طاهر لوجب استيفاء المقدر ونزح الجميع في الموضعين. و (منها) صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن بئر ماء وقع فيها زنبيل من عذره رطبة أو يابسة أو زنبيل من سرقين، أيصلح الوضوء منها ؟ قال: لا بأس ". وما اجيب به عنه من حمل العذرة على عذرة غير الانسان، وان وصول الزنبيل إلى الماء لا يستلزم وصول العذرة. وان المراد نفي البأس بعد نزح المقدار لا يخفى ما فيه من التكلف والبعد. (اما الاول) فلان العذرة على ما صرح به بعض الاصحاب، ونقله عن أهل اللغة مخصوصة بغائط الانسان، ومع تسليم عدم الاختصاص فالاظهر ارادته هنا بقرينة المقابلة بذكر السرقين بعدها. و (اما الثاني) فانه بعيد، بل يستحيل بحسب العادة وقوع الزنبيل في الماء وعدم اتصال الماء بما فيه، بل لا معنى للسؤال عند التأمل بالكلية، لان الظاهر ان مراد السائل إنما هو السؤال عن وصول العذرة أو السرقين إلى الماء، وانه هل ينجس بذلك أم لا ؟ لا وصول الزنبيل خاصة مع عدم تعدي ما فيه إلى الماء. فانه في قوة السؤال عن وصول زنبيل خال كما لا يخفى. و (اما الثالث) فهو من قبيل الالغاز المنافي للحكمة.


(1) المروية في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب الماء المطلق.


[ 355 ]

و (منها) صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سمعته يقول: لا يغسل الثوب ولا تعاد الصلاة مما وقع في البئر إلا ان ينتن، فان انتن غسل الثوب واعاد الصلاة ونزحت البئر " وما اجاب به عنه في المعتبر فضعيف غير معتبر، فلا ينبغي ان يصغى إليه ولا يعرج عليه. و (منها) صحيحته الاخرى عن الصادق (عليه السلام) (2) في الفأرة تقع في البئر فيتوضأ الرجل منها ويصلي وهو لا يعلم، أيعيد الصلاة ويغسل ثوبه ؟ فقال: لا يعيد الصلاة ولا يغسل ثوبه " والجواب باحتمال حمل عدم الاعادة وعدم غسل الثوب على عدم العلم بتقدم النجاسة، لاحتمال وقوعها بعد منظور فيه بعطف " يتوضأ الرجل " على قوله: " تقع " بالفاء الدالة على تأخر الوضوء عن الوقوع، وان كان إنما حصل العلم بالوقوع اخيرا. وهو ظاهر. و (منها) صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) " في البئر تقع فيها الميتة ؟ فقال: ان كان لها ريح نزح منها عشرون دلوا " والجواب عنها بانه لا دلالة لها على انه إذا لم يكن لها ريح لم ينزح شئ لا يخفى ضعفه (4) فانه لو لم يكن المراد ذلك لكان حكم المفهوم مسكوتا عنه بالكلية، وكيف قنع السائل بفهم حكم المنطوق خاصة ولم يفحص عن حكم المفهوم مع انه أحد سقي السؤال ؟ ويكف رضي الامام (عليه السلام) بعدم افادته ذلك مع غفلة السائل عنه ودعاء الحاجة إليه.


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب الماء المطلق. (3) المروية في الوسائل في الباب - 22 - من ابواب الماء المطلق. (4) فان مقتضى مفهوم الشرط هنا انه إذا لم يكن لها ريح لم ينزح لها العشرون، وهو اعم من أن لا ينزح لها شئ بالمرة أو ينزح لها اقل، وذلك الاقل غير متيقن (منه رحمه الله).


[ 356 ]

و (منها) موثقة ابان بن عثمان أو صحيحته عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سل عن الفأرة تقع في البئر لا يعلم بها إلا بعد ما يتوضأ منها، أيعاد الوضوء ؟ فقال: لا " والاحتمال المتقدم في صحيحة معاوية بن عمار الاخيرة هنا ممكن. و (منها) موثقة ابي اسامة وابي يوسف يعقوب بن عثيم عن ابي عبد الله (عليه السلام ((2) قال: " إذا وقع في البئر الطير والدجاجة والفأرة فانزح منها سبع دلاء. قلنا: فما تقول في صلاتنا ووضوئنا وما أصاب ثيابنا ؟ فقال: لا بأس به " والاحتمال المذكور آنفا هنا بعيد عن ظاهر اللفظ، إذ لا تصريح في الرواية بعدم العلم بالنجاسة حال الوضوء. وإنما الظاهر من سياق الخبر انه لما اخبر (عليه السلام) بنزح هذا المقدار لموت هذه الاشياء المذكورة، سألوا عن الوضوء والصلاة ونحوهما قبل نزح المقدر. فأجاب (عليه السلام) بنفي البأس. ومنها موثقة ابي بصير (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): بئر يستقى منها ويتوضأ به وغسل منه الثياب وعجن به ثم علم انه كان فيها ميت ؟ قال: لا بأس ولا يغسل الثوب ولا تعاد منه الصلاة " وجريان الاحتمال المتقدم هنا أبعد. و (منها) رواية محمد بن ابي القاسم عن ابي الحسن (عليه السلام) (4): " في البئر يكون بينها وبين الكنيف خمسة اذرع أو أقل أو اكثر يتوضأ منها ؟ قال: ليس يكر من قرب ولا من بعد، يتوضأ منها ويغتسل ما لم يتغير الماء " (5).


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب الماء المطلق. (4) المروية في الوسائل في الباب - 14 و 24 - من ابواب الماء المطلق. واسم الرواي في كتب الحديث والرجال (محمد بن القاسم). (5) قال بعض فضلاء متأخرين: " انه لا دلالة في هذا الخبر على نجاسة البئر بالملاقاة، لجواز ان يكون جعله (عليه السلام) مناط النجاسة التغير، بناء على ان المتعارف انه لا يحصل العلم بوصول ماء البالوعة إلى البئر ما لم يتغير " اقول: يمكن في الاستدلال دلالة الرواية باطلاقها على جواز الوضوء والغسل منها ما لم تتغير، اعم من ان يكون التغير =


[ 357 ]

و (منها) ما رواه في الفقيه (1) مرسلا عن الصادق (عليه السلام) قال: " كانت في المدينة بئر وسط مزبلة، فكانت الريح تهب فتلقي فيها القذر، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يتوضأ منها " وهو ظاهر الدلالة. إلى غير ذلك من الاخبار الدالة بظاهرها على ذلك. احتج القائلون بالنجاسة بوجوه: (احدها) الاخبار، ومنها صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع (2) قال: " كتبت إلى رجل اسأله ان يسأل أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن البئر تكون في المنزل للوضوء، فيقطر فيها قطرات من بول أو دم أو يسقط فيها شئ من عذرة كالبعرة ونحوها، ما الذي يطهرها حتى يحل الوضوء منها للصلاة ؟ فوقع (عليه السلام) بخطه في كتابي: ينزح منها دلاء ". وصحيحة علي بن يقطين عن ابي الحسن موسى (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن البئر تقع فيها الحمامة والدجاجة أو الفأرة أو الكلب أو الهرة. فقال: يجزيك ان تنزح منها دلاء، فان ذلك يطهرها ان شاء الله تعالى ". وصحيحة عبد الله بن ابي يعفور وعنبسة بن مصعب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " إذا أتيت البئر وانت جنب، ولا تجد دلوا ولا شيئا تغرف به


= مستندا إلى الكنيف أو غيره، وتقييد التغير بالاستناد إلى الكنيف بقرينة السؤال فيه انهم كثيرا ما يجيبون بالعموم في امثال ذلك، كما لا يخفى على من مارس الاخبار وجاس خلال تلك الديار (منه قدس سره). (1) في باب (المياه وطهرها ونجاستها) وفى الوسائل في الباب - 14 - من ابواب الماء المطلق. (2) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب الماء المطلق (3) المروية في الوسائل في الباب - 17 - من ابواب الماء المطلق.


[ 358 ]

فتيمم بالصعيد، فان رب الماء رب الصعيد، ولا تقع في البئر ولا تفسد على القوم ماءهم " فان الافساد كناية عن النجاسة كما اعترفوا به في أخبار الطهارة. والتيمم لا يسوغ مع وجود الماء الطاهر. وحسنة زرارة ومحمد بن مسلم وابي بصير (1) قالوا: " قلنا له: بئر يتوضأ منها يجري البول قريبا منها. اينجسها ؟ قالوا: فقال: ان كانت البئر في أعلى الوادي والوادي يجري فيه البول من تحتها وكان بينهما قدر ثلاثة اذرع أو اربعة اذرع لم ينجس ذلك شئ وان كان اقل من ذلك نجسها، وان كانت البئر في أسفل الوادي ويمر الماء عليها وكان بين البئر وبينه تسعة اذرع لم ينجسها، وما كان أقل من ذلك فلا يتوضأ منه ". و (ثانيها) انه لو كان طاهرا بعد ملاقاة النجاسة لما ساغ التيمم، لكن التالي باطل فالمقدم مثله. اما الملازمة فظاهرة (2) واما بطلان التالي فلما مر في صحيحة ابن ابي يعفور. ولانه لو لم يجز التيمم للزم، اما جواز استعمال الماء قبل النزح. وهو خلاف مدلول الاخبار المستفيضة، أو ترك الصلاة. وهو خلاف الاجماع. و (ثالثها) استفاضة الاخبار بالامر بالنزح للنجاسات. وعمل الطائفة بها قديما وحديثا. والجواب عن هذه الادلة، اما عن الاخبار (فاولا) بالاجمال بما عرفت آنفا (3) من ان اخبار الطهارة معتضدة بموافقة الاصل وظاهر القرآن ومخالفة العامة. وقد عرفت في المقدمة السادسة (4) ان الاخيرين من المرجحات المنصوصة في مقام


(1) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الماء المطلق. (2) لان جواز التيمم مشروط بفقدان الماء الطاهر (منه رحمه الله). (3) في الصحيفة 352. (4) في الصحيفة 109.


[ 359 ]

التعارض، وانه مع العمل باخبار النجاسة فلا محمل لاخبار الطهارة بخلاف العكس، فيتعين العمل باخبار الطهارة والتأويل في اخبار النجاسة. و (ثانيا) بالتفصيل، فاما الخبر الاول فالظاهر حمل الطهارة فيه على المعنى اللغوي، والحل بمعنى تساوي الطرفين، فانه قبل ازالة المقدر مكروه، فإذا نزح ابيح استعماله بلا كراهة. ويؤيد ذلك انه في الكافي بعد نقل هذه الرواية اردفها بما قدمنا نقله في اخبار الطهارة (1) بالسند المذكور، فقال: وبهذا الاسناد قال: " ماء البئر واسع لا يفسده شئ الا ان يتغير " فرواية الراوي بعينه لهذين الحكمين ما يبعد اختلاف الحكمين فيهما، وإلا لفحص وسأل عن ذلك، سيما مع صراحة الرواية الثانية في الطهارة. ويعضد ذلك ان الراوي بعينه قد روى ما يدل على الطهارة بوجه اصرح، كما تقدم من روايته الاخرى، فيتعين التأويل في هذه الرواية جمعا بينهما. على ان ما يتمسك به الخصم من اللفظين المذكورين إنما هو في كلام السائل. وهو ليس حجة. ودعوى الاستدلال بتقرير الامام (عليه السلام) وإلا لزم الاغراء بالجهل لا تخلو من مناقشة (2). ومثل ذلك في الخبر الثاني، ويؤيده انه قال: " يجزيك ان تنزح منها دلاء " وهو جمع اقله الثلاثة، مع ان من جملة تلك النجاسات الكلب والهرة. والفتوى عندهم في ذلك باربعين دلوا. واما الخبر الثالث فيجاب عنه بان الافساد اعم من النجاسة، فلعله هنا باعتبار تغير الماء واختلاطه بالحمأة والطين. وما يقال من ان الافساد في اخبار الطهارة في صحيحة ابن بزيع (2) قد حملتموه على عدم الانتفاع بالكلية بل على النجاسة، فكذا


(1) في الصحيفة 353. (2) فانه كثيرا ما يسكت (عليه السلام) عن خطأ السائل ويجيبه بما هو الواقع (منه رحمه الله).


[ 360 ]

ينبغي هنا فجوابه ان وجه الفرق بين المقامين ظاهر، فان القرائن على ما هو المراد ثمة قائمة كما عرفت، بخلاف ما هنا. ولان الافساد ثمة نكرة وقع في سياق النفي فيعم (1). واما الامر بالتيمم في هذه الرواية فيمكن أن يكون هذا من جملة الاعذار المسوغة للتيمم، فان اعذاره لا تنحصر في عدم وجود الماء، بل من جملتها ما يؤدي إلى مشقة استعماله أو تحصيله أو تضرر الغير باستعماله. وهذه الوجوه كلمه ممكنة الاحتمال في المقام ولعل الاخير اقرب. لقوله: " فتفسد على القوم ماءهم " فان الاضافة تؤذن باختصاص البئر بالغير. ولعله إنما كان يبيح منها الاغتراف دون النزول فيها. ومما يدل على مشروعية التيمم في مثل ذلك رواية الحسين بن ابي العلاء (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يمر بالركية وليس معه دلو. قال: ليس عليه ان ينزل الركية، ان رب الماء هو رب الارض، فليتمم " حيث جوز التيمم للرجل مع انه ليس في الخبر انه جنب أو نجس بالكلية. ومن ذلك يعلم الجواب عن الدليل الثاني. واما الخبر الرابع فالجواب عنه (اولا) ان القائلين بالتنجيس متفقون على عدم حصول التنجيس بمجرد التقارب بين البئر والبالوعة ولو كان كثيرا، فلابد من تأويل هذا الخبر عندهم. و (ثانيا) انه يقصر عن معارضة الاخبار المتقدمة المعتضدة بالاصل ومطابقة ظاهر القرآن ومخالفة جمهور العامة كما عرفت، فيتعين التأويل فيه بحمل النجاسة على مجرد


(1) فيتناول الافساد بالنجاسة ان لم يكن مرادا بخصوصه بقرينة المقام، وعلى التقديرين يكون معينا بدون التغير، وهو المدعى. واما النهى عنه في هذا الخبر فانما يصلح دليلا لو كان المقتضى للافساد حينئذ منحصرا في النجاسة. ولا انحصار بعد ما ذكرنا من الوجوه المحتملة في المقام (منه رحمه الله). (2) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب التيمم. (45)


[ 361 ]

الاستقذار، والنهي عن التوضؤ على الكراهة جمعا. و (ثالثا) ان المفهوم من سوق الخبر المذكور فرض الحكم في محل يتكثر ورود النجاسة على البئر ويظن نفوذها فيه، وما هذا شأنه لا يبعد افضاؤه مع القرب إلى تغير الماء خصوصا مع طول الزمان. ويؤيد ذلك تتمة الخبر المذكور، حيث قال زرارة: " فقلت له: فان كان مجرى البول بلزقها وكان لا يلبث على الارض ؟ فقال: ما لم يكن له قرار فليس به بأس وان استقر منه قليل، فانه لا يثقب الارض ولا يغوله حتى يبلغ البر. وليس على البئر منه بأس، فتوضأ منه، إنما ذلك إذا استنقع كله " وحينئذ فلعل الحكم بالتنجيس ناظر إلى شهادة القرائن بان تكرر جريان البول في مثله يفضي إلى حصول تغير. أو يقال ان كثرة ورود النجاسة على المحل مع القرب يثمر ظن الوصول إلى الماء. بل ربما حصل العلم بقرينة الحال. واما الدليل الثالث فجوابه ان الامر بذلك أعم من أن يكون للنجاسة أو لغيرها من الاسباب التي ذكرها القائل بالاستحباب. وهي زوال النفرة وطيب الماء. ويختلف ذلك باختلاف الآبار غزارة ونزارة وسعة وضيقا، ولعله السر في اختلاف الاخبار في المقدرات في النجاسة الواحدة. واما القول بالتفصيل باشتراط الكرية وعدمه، فاستدل له بعموم ما دل من الاخبار على اشتراط الكرية في عدم الانفعال. وبراوية الحسن بن صالح الثوري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا كان الماء في الركي كرا لم ينجسه شئ ". ويدل عليه ايضا ما في كتاب الفقه الرضوي (2) حيث قال (عليه السلام):


(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق. (2) في الصحيفة 5.


[ 362 ]

" وكل بئر عمق مائها ثلاثة اشبار ونصف في مثلها، فسبيلها سبيل الجاري إلا أن يتغير لونها أو طعهما أو رائحتها " انتهى. ويمكن ايضا الاستدلال عليه بموثقة ابي بصير (1) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن البئر يقع فيها زنبيل عذرة يابسة أو رطبة. قال: لا بأس به إذا كان فيها ماء كثير ". والجواب عن الاول بتخصيص العموم بما قدمنا من الاخبار (2). وعن الروايات المذكورة بضعف السند (اولا) فلا تنهض بمعارضة ما قدمناه من الاخبار، سيما صحيحة محمد بن اسماعيل المتقدمة في صدر أخبار الطهارة (3) الدالة باوضح دلالة على عدم النجاسة مطلقا سيما لمكان المادة. و (ثانيا) بالحمل على ان اشتراط الكرية لعله لعدم الاحتياج إلى النزح بالكلية. كما يشعر به قوله في كتاب الفقه الرضوي: " فسبيلها سبيل الجاري " واما إذا نقصت عن كر احتاجت إلى النزح وان كان استحبابا. ولفظ النجاسة في رواية الثوري محمول على المعنى اللغوي. واما القول بالطهارة ووجوب النزح، فوجهه بالنسبة إلى الجزء الاول ما قدمنا (4) وبالنسبة إلى الثاني الاوامر الدالة على النزح، والامر حقيقة في الوجوب. والجواب عن الثاني بوجوب النزح مع شدة هذا الاختلاف في الاخبار


(1) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المطبوعة والمخطوطة. ولم نجد موثقة لابي بصير بهذا المتن في كتب الحديث. وإنما الموجود فيها نسبة هذا المتن إلى عمار ولعل ذلك من اشتباه النساخ. وقد رواها صاحب الوسائل في الباب - 14 و 20 - من ابواب الماء المطلق. (2) و (3) و (4) في الصحيفة 353.


[ 363 ]

في تقديره بالنسبة إلى النجاسة الواحدة مما لا يكاد يقبله الذوق السليم، وحينئذ فيجب حمل الامر على الاستحباب كما قدمنا. ويؤيد ذلك ايضا الامر بالنزح مع الاتفاق على عدم النجاسة في جملة من الموارد. واما ما نقل عن الجعفي (1) فلم نعثر له على دليل.

(البحث الثالث) اعلم انه حيث كان القول الراجح عندنا من تلك الاقوال هو القول بالطهارة واستحباب النزح كما اوضحناه، اغمضنا النظر عن الاشتغال بالبحث عن بيان المقدرات لكل من النجاسات وما وقع فيها من الاختلافات، لعدم مزيد فائدة في البحث عن ذلك. واعتمادا على ما ذكره اصحابنا (شكر الله سعيهم) فيما هنالك ومسارعة إلى الاشتغال بما هو أهم وفي النفع والافادة اتم. لكنا نقتصر هنا على نقل انموذج من تلك الاختلافات الواقعة في الاخبار في جملة من المقدرات مع وحدة النجاسة. (فمنها) الفأرة، ففي صحيح زيد الشحام (2) " ما لم تتفسخ يكفيك خمس دلاء " وفي رواية ابي بصير (3) " سبع دلاء " ومثله في رواية عمرو بن سعيد بن هلال (4) ورواية علي بن ابي حمزة (5) ورواية سماعة (6) وفي صحيح علي بن يقطين (7) " يجزيك ان تنزح منها دلاء " وكذا في صحيح الفضلاء (8) ورواية الفضل البقباق (9) وفى صحيح


(1) وهو اعتبار ذراعين في الابعاد الثلاثة حتى لا ينجس. (2) و (3) و (7) و (8) و (9) المروي في الوسائل في الباب - 17 - من ابواب الماء المطلق. (4) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الماء المطلق. (5) المروية في الوسائل في الباب - 17 و 18 و 19 - من ابواب الماء المطلق. ولم يصرح في كتب الحديث بكون الراوى ابن ابى حمزه، ولكنه استظهر ذلك كما سيأتي في الكلب والسنور. (6) المروية في الوسائل في الباب - 17 و 18 - من ابواب الماء المطلق.


[ 364 ]

معاوية بن عمار (1) " ثلاث دلاء " وفى رواية ابي خديجة (2) " اربعون دلوا " وفى موثقة عمار الساباطي (3) " تنزح كلها ". و (منها) الكلب، ففي صحيح الشحام المتقدم (4) " خمس دلاء " وفي رواية ابي بصير الآنفة (5) ايضا " سبع دلاء " وفي رواية ابي مريم (6) " نزح الجميع " وكذا في موثقة عمار (7) وفي صحيح علي بن يقطين المتقدم (8) ايضا " دلاء " وكذا في صحيح الفضلاء المتقدم (9) وكذا في رواية الفضل البقباق (10) وفي رواية علي (11) والظاهر انه ابن ابي حمزة " عشرون أو ثلاثون أو اربعون ". و (منها) بول الصبي، ففي رواية علي بن ابي حمزة (12) " دلو واحد " وفي رواية منصور بن حازم عن عدة من اصحابنا (13) " سبع دلاء " وفي صحيح معاوية ابن عمار (14) " كله " مع ان غاية ما ينزح لبول الرجل اربعون دلوا، وكذا في موثق عمار الساباطي (15). و (منها) السنور، ففي صحيحة علي بن يقطين (16) " يجزيك ان تنزح منها دلاء " وفى رواية علي (17) والظاهر كونه ابن ابي حمزة " عشرون أو ثلاثون أو اربعون " وفى


(1) و (2) المروى في الوسائل في الباب - 19 - من ابواب الماء المطلق. (3) و (7) المروية في الوسائل في الباب - 17 و 23 - من ابواب الماء المطلق. (4) و (6) و (8) و (9) و (10) و (11) و (16) و (17) المروية في الوسائل في الباب - 17 - من ابواب الماء المطلق. (5) المروية في الوسائل في الباب - 17 - من ابواب الماء المطلق. والنص هكذا " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عما يقع في الآبار. فقال: اما الفارة واشباهها فينزح منها سبع دلاء الا ان يتغير، فينزح حتى يطيب. فان سقط فيها كلب فقدرت ان ينزح ماءها فافعل.. الحديث ". (12) و (13) المروية في الوسائل في الباب - 16 - من ابواب الماء المطلق. (14) المروى في الوسائل في الباب - 15 و 16 - من ابواب الماء المطلق. (15) لم نجده في كتب الحديث موثقا لعمار يدل على ذلك، ولعل هذا من اشتباه النساخ.


[ 365 ]

موثقة سماعة " ثلاثون أو اربعون " وفي صحيح زيد الشحام المتقدم (2) " خمس دلاء " وفي رواية عمرو بن سعيد المتقدمة (3) " سبع دلاء ". و (منها) الخنزير، ففي صحيح الفضلاء المتقدم (4) " دلاء " وفي موثقة عمار المتقدمة (5) " تنزح البئر كلها " إلى غير ذلك من الاخبار الواردة في هذا المضمار. وقد اضطربت آراء القائلين بالنجاسة في الجمع بينها، وتمييز غثها من سمينها والشيخ (رحمه الله تعالى) في كتابي الاخبار قد جمع بينها بوجوه بعيدة ومحامل غير سديدة. والمتأخرون بناء على الاصطلاح المحدث في تنويع الاخبار إلى الانواع الاربعة هان الخطب عند القائل منهم بالنجاسة في جملة من الموارد برد الاخبار بضعف الاسناد. واما القائلون بالطهارة فقد حملوا الاختلاف الواقع في هذه الاخبار على الاختلاف في افراد الآبار بالغزارة والنزارة، واختلاف النجاسة كثرة وقلة ومكثا وعدمه ونحو ذلك، إلا ان فيه ان الاخبار قد وردت مطلقة، ففي كون الاختلاف لذلك نوع بعد. ولعل الاقرب ان ذلك إنما خرج مخرج التقية، لما قدمنا لك في المقدمة الاولى من تعمدهم (عليهم السلام) المخالفة في الفتاوى وان لم يكن بذلك قائل من المخالفين. واحتمل بعض محققي المحدثين من المتأخرين كون هذا الاختلاف من باب تفويض الخصوصيات لهم (عليهم السلام) لتضمن كثير من الاخبار ان خصوصيات كثير من الاحكام مفوضة إليهم (عليهم السلام) كما كانت مفوضة إليه (صلى الله عليه وآله) ليعلم المسلم لامرهم من غيره، أو من باب الافتاء تارة بما لابد منه في تحقيق القدر المستحب وتارة بما هو الافضل، وتارة بما هو متوسط بينهما.


(1) و (2) و (4) المروى في الوسائل في الباب - 17 - من ابواب الماء المطلق. (3) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الماء المطلق. (5) المروية في الوسائل في الباب - 17 و 23 - من ابواب الماء المطلق.


[ 366 ]

(البحث الرابع) لو تغير ماء البئر بالنجاسة فعلى ما اخترناه من عدم انفعالها بالملاقاة، فالظاهر حينئذ وجوب النزح حتى يزول التغير، ويدل عليه قول الرضا (عليه السلام) في صحيح ابن بزيع المتقدم (1) " ماء البئر واسع لا يفسده شئ إلا أن يتغير ريحه أو طعمه، فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه، لان له مادة " وفى صحيح الشحام عن الصادق (عليه السلام) (2): " فان تغير الماء فخذ منه حتى يذهب الريح " وفي رواية ابي بصير عنه (عليه السلام) (3) " الا ان يتغير الماء، فينزح حتى يطيب " وفي موثقة سماعة (4) " وان انتن حتى يوجد ريح النتن في الماء نزحت البئر حتى يذهب النتن من الماء " وفي رواية زرارة (5) " وان غلبت الريح نزحت حتى تطيب " ولا ينافي ذلك ما في صحيحة معاوية بن عمار (6) من قوله (عليه السلام): " ولا تعاد الصلاة مما وقع في البئر إلا ان ينتن، فان انتن غسل الثوب، واعاد الصلاة، ونزحت البئر " ورواية منهال (7) من قوله (عليه السلام): " وان كانت جيفة قد اجيفت فاستق منها مائة دلو، فان غلب عليها الريح بعد مائة دلو فانزحها كلها " ورواية ابي خديجة (8) في الفأرة من قوله (عليه السلام): " وان انتفخت فيه ونتنت نزح الماء كله " لامكان حمل هذه الاخبار على ما لا يزول التغير إلا بنزح الجميع كما يشير إليه الخبر الثاني، ويحتمل في الخبر الاول الحمل على ان اسناد النزح إلى البئر مجاز، وانما المراد ان يذهب به التغير كما تضمنته موثقة سماعة، ويحتمل الحمل الاستحباب ايضا جمعا.


(1) المروى في الوسائل في الباب - 3 و 14 - من ابواب الماء المطلق. (2) و (3) و (4) المروى في الوسائل في الباب - 17 - من ابواب الماء المطلق. (5) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الماء المطلق. (6) المروية في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب الماء المطلق. (7) المروية في الوسائل في الباب - 22 - من ابواب الماء المطلق. (8) المروية في الوسائل في الباب - 19 - من ابواب الماء المطلق.


[ 367 ]

هذا. ولم اقف على موافق للصدوق (طاب ثراه) من الاصحاب إلا ما يظهر من كلام المحدث الكاشاني في مفاتيحه ووافيه، حيث قال في الاول بعد الكلام في المسألة ما لفظه: " ويحتمل قويا الجواز، لصدق الماء على ماء الورد، لان الاضافة ليست إلا مجرد اللفظ كماء السماء، دون المعنى كماء الزعفران والحناء والخليط بغيره. مع تأيد الخبر بعمل الصدوق، وضمانه صحة ما رواه في الفقيه، وعدم المعارض الناص " انتهى. وقال في الثاني بعد نقل خبر يونس المتقدم (1) ما لفظه: " وافتى بمضمونه في الفقيه، ونسبه في التهذيبين إلى الشذوذ، ثم حمله على التحسين والتطيب للصلاة دون رفع الحدث، مستدلا بما في الخبر الآتي " إنما هو الماء والصعيد " (2) اقول " هذا الاستدلال غير صحيح، إذ لا منافاة بين الحديثين، فان ماء الورد ماء استخرج من الورد " انتهى. وحاصل هذا الكلام يرجع إلى ان الماء المضاف الذي يخرج بالاضافة عن كونه مطلقا إنما هو ما إذا اضيف المطلق إلى جسم من الاجسام على وجه يغيره ويسلبه. الاطلاق واما ما اتخذ من الورد فهو ماء مطلق قد تصاعد حتى تكونت منه تلك الاجسام ثم استخرج منها، فاضافته للورد لفظية كماء السماء وماء البئر ونحوهما وان كان قد اكتسب بسبب ذلك تغيرا في الاوصاف. فان ذلك لا يخرجه عما كان عليه من الاطلاق. وانت خبير بما فيه من الوهن والقصور: (اما اولا) فلانه بمقتضى ذلك لا ينحصر ما ذكره في ماء الورد بخصوصه، بل يجري في ماء العنب والرمان ونحوهما من الثمار التي يعتصر منها من حيث تصاعده إليها بالسقي، بل مثل اوراق الشجر ونحوها كما لا يخفى، فالواجب بمقتضى ما ذكره جواز الوضوء بالماء المتخذ من جميع ذلك. ولا اظنه يقوله.


(1) في الصحيفة 394. (2) وهو خبر ابى بصير المتقدم في الصحيفة 395.


[ 368 ]

فلو كان الحكم فيما له مقدر منصوص اكثر الامرين مع التغير، لامروا به (عليهم السلام) ولو في بعض تلك الاخبار. وانت خبير ايضا بان القول الثاني عند التأمل لا يصح أن يكون قولا على حدة كما سيظهر لك. و (ثالثها) التفصيل بكون النجاسة منصوصة القدر فيجب نزح اكثر الامرين من المقدر وما به يزوال التغير، أو غير منصوصة فيجب نزح الجميع ومع التعذر فالتراوح، ذهب إليه ابن ادريس واختاره في المختلف وقواه في الروض. وحجته في وجوب اكثر الامرين فيما له مقدر ما قد عرفت في القول الثاني. وفيه ما قدمنا ثمة. واما في وجوب نزح الجميع أو التراوح فالظاهر انه من جهة كونه لا نص فيه، وما لا نص فيه مع عدم التغير حكمه كذلك. فمع التغير بطريق أولى. وفيه ان المبني عليه لا نص فيه ايضا، مع ان عموم الاخبار المتقدمة شامل لمثل هذه الصورة المذكورة. لتضمنها النزح بما يزول به التغير اعم من أن تكون النجاسة المغيرة منصوصة المقدر أم لا. و (رابعها) هو الثالث بعينه بالنسبة إلى الشق الاول، والاكتفاء بزوال التغير بالنسبة إلى الشق الثاني. اختاره المحقق الشيخ حسن في المعالم بناء على القول بالانفعال. واستظهره ايضا جملة ممن تأخر عنه. وحجته بالنسبة إلى الشق الاول ما عرفت في حجتي القول الثاني والثالث. وفيها ما ذكرنا ثمة. وبالنسبة إلى الشق الثاني عموم الاخبار المتقدمة (1) الدالة على الطهارة بزوال التغير. ولا معارض لها بالنسبة إلى ما لا مقدر له، فيجب العمل بها. وهو حسن. ولا يخفى عليك ان القول الثاني لا يخرج عن أحد هذين القولين. فعده في المسألة قولا على حدة لا يخفى ما فيه كما اشرنا إليه آنفا.


(1) في الصحيفة 366.


[ 369 ]

و (خامسها) نزح ما يزيل التغير اولا ثم نزح المقدر بعده ان كان لتلك النجاسة مقدر، وألا فالجميع، وان تعذر فالتراوح. وحجة هذا القول بالنسبة إلى الشق الاول اعطاء كل من الاسباب حقه من السببية (1) وبالنسبة إلى الشق الثاني ما عرفت في القول الثالث. ويرد على الحجة الاولى ما قدمنا (2) من الاخبار الدالة على الاكتفاء بزوال التغير مطلقا. ومع تسليم تخصيصها بناء على ما زعموا من الجمع بينها وبين روايات التقدير فيكفي في ذلك الاكتفاء باكثر الامرين كما ذكروا ثمة، فلا موجب حينئذ للتعدد. مع ان الاظهر هو التداخل مع تعدد النجاسات كما هو أحد الاقوال في المسألة. وعلى الحجة الثانية ما عرفته في القول الثالث. و (سادسها) وجوب نزح الجميع، فان تعذر فالتراوح، ونقل عن الصدوقين والمرتضى وسلار. والحجة، اما على وجوب نزح الجميع مع عدم التعذر ما تقدم (3) من رواية ابي خديجة وصحيحة معاوية بن عمار ورواية منهال. واما على التراوح مع التعذر فموثقة عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) في حديث طويل، قال: " وسئل عن بئر يقع فيها كلب أو فأرة أو خنزير. قال: تنزف كلها. ثم قال: فان غلب الماء فلتنزف يوما إلى الليل ثم يقام عليها قوم يتراوحون اثنين اثنين، فينزفون يوما إلى الليل وقد طهرت ".


(1) لان وقوع النجاسة ذات المقدر موجب لنزح المقدر لها. فإذا انضم إليه التغير الموجب لنزح ما يزول به صارا سببين، ولا منافاة بينهما، فيعمل كل منهما عمله، ويقدم مزيل التغير، لكون الجمع بين الامرين لا يتم الا به (منه قدس سره). (2) و (3) في الصحيفة 366. (4) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الماء المطلق.


[ 370 ]

واحتجوا ايضا بانه ماء محكوم بنجاسته فيجب اخراجه اجمع. والجميع منظور فيه، اما الروايات المشار إليها فيجب تأويلها بما عرفت آنفا (1) جمعا بينها وبين ما قدمناه من الاخبار. واما الخبر المذكور فالعمل به فرع وجوب نزح الجميع، متى لم يثبت بطل ما ترتب عليه. على ان مورد الخبر التراوح مع تعذر نزح الجميع لمجرد النجاسة لا للتغير، واحدهما غير الاخر كما عرفت آنفا. واما الحجة الاخيرة فأضعف، لانه بعد ورود النصوص بالطهارة مع زوال التغير لا مجال لايجاب نزح الجميع. و (سابعها) وجوب نزحها أجمع، فان تعذر فيما به يزول التغير. ونقل عن الشيخ في المبسوط. ونقل عن المحقق نسبته إلى المفيد ايضا. وظاهر هذا القول انه في صورة التعذر يكتفى بمزيل التغير، اعم من ان يكون في نجاسة ذات مقدر أم لا، ووجهه بالنسبة إلى نزح الجميع الاخبار الدالة على ذلك، كصحيحة معاوية بن عمار وروايتي ابي خديجة ومنهال المتقدمات (2) بحملها على صورة الامكان. وبالنسبة إلى ما به يزول التغير الاخبار التي قدمناها (3) بحملها على صورة تعذر نزح الجميع. وهذا الجمع بين الاخبار وان كان محتملا إلا ان الظاهر هو رجحان ما قدمنا من المحامل عليه سيما الاول، لدلالة رواية منهال (4) عليه، ولانه مما تجتمع عليه الاخبار من غير ارتكاب تخصيص (5) إلا في اخبار نزح الجميع، فانها مخصوصة بما إذا لم يزل التغير بدونه.


(1) و (2) و (3) و (4) في الصحيفة 366. (5) فان حاصل اخبار الاكتفاء بمزيل التغير حينئذ انه يجب النزح حتى يزول التغير ولو ادى إلى نزح الجميع إذا توقف زوال التغير عليه، فنزح الجميع الذى هو مدلول تلك الاخبار الاخر احد افراد ما دلت عليه الاخبار الاولة، وهو مخصوص بما إذا لم يزل التغير إلا به، وعلى القول المذكور يلزم تخصيصان: احدهما في اخبار الجمع لحملها على الامكان وثانيهما في اخبار مزيل التغير لحملها على عدم امكان نزح الجميع (منه قدس سره).


[ 371 ]

وعلى تقدير هذا القول يلزم التخصيص في أخبار الطرفين، ومهما امكن العمل بالخبر من غير تخصيص بالكلية أو تعدده فهو اولى. و (ثامنها) وجوب نزحها اجمع، فان تعذر بغلبة الماء يعتبر اكثر الامرين واختاره الشهيد في الدروس، واستظهره بعض المتأخرين من كلام المعتبر ايضا. وحجة هذا القول مركبة من الوجوه المتقدمة. وضعفها يعلم من ضعفها. فروع: (الاول) لو زال تغير البئر بغير النزح، فعلى المختار من الطهارة وعدم النجاسة بمجرد الملاقاة لا اشكال في طهارتها بذلك. لمكان المادة. وعلى القول بالنجاسة فهل يجب نزح الجميع، نظرا إلى انه ماء محكوم بنجاسته وقد تعذر ضابطة تطهيره، فيتوقف الحكم بطهارته على نزح الجميع، أو يكتفى بنزح ما يزول به التغير لو كان، نظرا إلى انه مع بقاء التغير يكفي نزح القدر الذي به يزول، فلان يكتفى به مع الزوال اولى ؟ قولان، اختار اولهما العلامة في التذكرة وابنه فخر المحققين، وقواه في الذكرى. وثانيهما ظاهر الشهيد في البيان، وبه جزم في المعالم وقبله والده (قدس سرهما) وقواه جملة من متأخري المتأخرين. واجابوا عن دليل القول الاول بمنع تعذر الضابط مطلقا، فانه ممكن في كثير من صور العلم بالمقدار الذي يزول به التغير ولو تقريبا. نعم مع فرض عدم العلم في بعض الصور يتوقف الحكم بالطهارة على نزح الجميع، إذ لا سبيل إلى العلم بنزح المقدار الا به. (الثاني) لو غار ماء البئر بعد النجاسة ثم عاد، فعلى المختار من عدم الانفعال بالملاقاة لا اشكال في الطهارة. وعلى القول الآخر فالذي صرح به جملة من الاصحاب انه كذلك ايضا، قالوا: لان المقتضي للطهارة ذهاب الماء، وهو كما يحصل بالنزح


[ 372 ]

يحصل الغور، ولا يعلم كون العائد هو الغائر، فالاصل فيه الطهارة. وبان النزح لم يتعلق بالبئر بل بمائها المحكوم بنجاسته، ولا يعلم وجوده والحال هذه، فلا يجب النزح. واعترض عليه بان الوجهين المذكورين ضعيفان (اما الاول) فلانا لا نسلم ان المقتضي للطهارة ذهاب الماء، لجواز ان يكون المقتضي النزح باعتبار انه يوجب جريان الماء فتطهر ارض البئر وماؤها. وهذا المعنى مفقود في الغور، فلا تطهر ارض البئر، وكل ما ينبغ من الماء يصير نجسا، لملاقاته النجاسة بناء على القول المذكور. و (اما الثاني) فلان عدم تعلق النزح بمائها لا دخل له في المقام، إذ الكلام في ان ارض البئر كانت نجسة ولم يعلم لنجاستها مزيل، إذ ما علم من الشرع انه مزيل انما هو النزح، وقياس الغور عليه قياس مع الفارق كما ذكرنا، فتستصحب نجاستها، وكل ما ينبع يصير نجسا كما عرفت. (اقول): ويؤيده انه يلزم على ما ذكروه من الوجه الاول انه لو غار منه القدر الذي يجب نزحه فانه يحكم بطهارة الباقي، مع ان الظاهر انهم لا يلتزمونه. (الثالث) قد صرح جمع من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه كما يطهر البئر بالنزح يطهر الدلو والمباشر والرشا. والاخبار خالية من التصريح بذلك، الا ان المحقق في المعتبر ذكر في حكم الدلو انه لو كان نجسا بعد انتهاء النزح لم يسكت عنه الشرع. ولان الاستحباب في النزح يدل على عدم نجاستها، والا لوجب نجاسة ماء البئر عند الزيادة عليه قبل غسلها. والمعلوم من عادة الشرع خلافه. وتبعه في هذه المقالة جمع ممن تأخر عنه منهم: العلامة في المنتهى والشهيد في الذكرى. وغيرهم في غيرهما. ولا يخفى ان هذا الوجه جار ايضا في الرشا والمباشر الا انه في الاخير اضعف.


[ 373 ]

مرجع الدليل الاول إلى ما قدمنا الاشارة إليه في المقدمة العاشرة (1) من ان التمسك بالبراءة الاصلية فيما لم يعثر فيه على نص بعد الفحص والتفتيش مما يعم به البلوى من الاحكام حجة واضحة. والاصل هنا براءة الذمة من التكليف بتطهير هذه الاشياء بعد تمام النزح. الا ان الاحتياط في تطهير المباشر ثيابه وبدنه خروجا من احتمال المحذور، وتطهير الباقي ايضا نور على نور. واظهر من ذلك اجراء الوجه المذكور في جوانب البئر بالنسبة إلى ما يتساقط حال النرح، فانه يحكم بطهارته لعين ما ذكر. وربما يظهر من بعض العبارات الحكم بالعفو عنه حال تساقطه، معللا ذلك بالمشقة المنفية. وهو بعيد. والتعليل ممنوع بالحكم بالطهارة بعد تمام النزح كما قلنا. ولعل ذلك كله من مؤيدات القول بعدم انفعال البئر بالملاقاة، للسلامة من هذه التكلفات. (الرابع) صرح جملة من الاصحاب (نور الله تعالى مضاجعهم) بانه لا يعتبر الدلو في النزح لازالة التغير ولا في نزح الجميع. إذ الغرض في الموضعين اخراج الماء وهو يصدق باي وجه اتفق، ومثله في نزح الكر. اما في نزح المقدرات فهل يتعين نزحه بالدلو، أو تكفي آلة تسع العدد دفعة أو دفعات ؟ قولان: اختار اولهما المحقق في المعتبر، والعلامة في المنتهى والتحرير، والشهيد في الدروس والبيان، والشهيد الثاني ايضا. وثانيهما العلامة في اكثر كتبه، والشهيد في الذكرى، والمحقق الشيخ حسن في المعالم، وغيرهم. احتج القائلون بالثاني بان الامر بالنزح وارد على الماء والدلاء مقدار، ض فيكون


(1) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المطبوعة والمخطوطة، والصحيح (الحادية عشرة) وذلك في الصحيفة 155.


[ 374 ]

القدر هو المراد، وتقييده بالعدد لانضباطه وظهوره بخلاف غيره. وبان الغرض من النزح اخراج الماء من حد الواقف إلى كونه جاريا جريانا يزيل التأثير الحاصل من النجاسة ويفيده التطهير، ولذلك اختلف فيه التقدير، لاختلاف النجاسات بقوة التأثير وضعفه، وتفاوت الآبار بسعة المجاري وضيقها. ولا يخفى ان هذا الغرض يحصل باخراج القدر المعين باي وجه اتفق. واجيب عن الاول بانا لا نمنع كون النزح واردا على الماء وان الدلاء مقدار، ولكن نمنع كون المراد اخراج القدر مطلقا، لان الاوامر وردت بطريق خاص واتباعها لازم. وعن الثاني بانه وان كان لغرض من النزح الاجراء الا أن طرقه مختلفة، والادلة إنما وردت ببعض معين منها. والحاق غيره به قياس. مع ان الفارق ربما كان موجودا، من حيث ان تكرار النزح موجب لكثرة واضطراب الماء وتموجه. وهو مقتض لاستهلاك اجزاء النجاسة الشائعة فيه، فيكون سببا لطيبه ولعله الحكمة في الامر به. ومن البين ان ذلك لا يحصل مع الاخراج دفعة أو ما في معناها. ومن الجواب عن دليلي القول الثاني علم دليل القول الاول، ومرجعه إلى ما ذكره المحقق في المعتبر من عدم الاتيان بالمأمور به على وجهه. ولان الحكمة تعلقت بالعدد ولا يعلم حصولها مع عدمه. قال بعض فضلاء المحدثين من متأخري المتأخرين: " هذا هو الصحيح، ومن يدعي العلم بحصول الغرض فنقول له: علمك اما من باب مفهوم الموافقة أو تنقيح المناط، وهما مفقودان هنا، لان لتعدد النزح مدخلا عظيما في ميل اجزاء النجاسة وآثارها عن جوانب البئر إلى موضع النزح وخروجها بالنزح " انتهى.


[ 375 ]

وفى التعليلات من الجانبين خدش (1) إلا ان الوقوف في مثل ذلك على حادة الاحتياط طريق السلامة. (الخامس) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان الدلو التي ينزح بها ما جرت العادة باستعمالها، إذ لم يثبت للشرع فيها حقيقة على القول بالحقائق الشرعية ولا عرف لزمانهم (عليهم السلام) ليحمل عليه. والقاعدة في مثله عند انتفاء الامرين الرجوع إلى العرف الموجود ان لم يخالف وضع اللغة الثابت، وإلا كان هو المقدم. وكل ذلك منتف فيما نحن فيه، فيرجع إلى ما يصدق عليه الاسم في العرف صغيرا كان أو كبيرا. وانت خبير بما في البناء على القاعدة المذكورة وان اشتهر البناء عليها بينهم لما قدمنا لك في المقدمة العاشرة (2) وغيرها. لكن الظاهر ان الامر هنا هين، للقطع بان لفظ الدلو ليس من الالفاظ التي اختلفت معانيها بحسب اختلاف الازمنة


(1) واما تعليل القول الاول فلما عرفت في الاصل. واما تعليل القول الثاني فلا حتمال ان تكون الاوامر الواردة بالدلاء المعينة إنما هي من حيث كون المتعارف في النزح ذلك، لا من حيث مدخلية خصوص النزح بالدلو في التطهير وان ذلك لوجه حكمة تبنى عليه. وكما انهم صرحوا في غير موضع بان الاحكام في مقام الدلالة الاجمالية تحمل على ما هو الغالب الشائع، كذلك في حال ورودها عنهم (عليهم السلام) مفصلة تحمل التفصيل عنهم على ذلك، إذ لو ورد النزح مجملا فانهم يحملونه على الفرد الشائع المتعارف عادة، فكذا إذا ورد بخصوصية فرد تكون الخصوصية لذلك لا لوجه حكمة اقتضته، ولانهم صرحوا في الاصول بان التخصيص بالذكر لا ينحصر بالحكم، كما ذكره السيد السند في المدارك في اول بحث الماء المضاف، ولاحتمال كون ذلك احد افراد الكلى، على قياس ما ذكروه في عدم وجوب الابتداء في غسل الوجه في الوضوء واليدين بالاعلى والمرفقين في كون البيان الوارد بذلك محمولا على كونه أحد افراد الكلى لا لتعينه بخصوصه، فتدير (منه رحمه الله). (2) كذا فيما وقفنا عليه من النسخ المطبوعة والمخطوطة، والصحيح (الحادية عشرة) وذلك في الصحيفة 121 وتقدم ايضا في الصحيفة 162.


[ 376 ]

والامكنة، كالرطل والمن والمد والصاع ونحوها. وبان افراده مختلفة في كل مكان وزمان. واما ما يظهر من كلام بعضهم من الاكتفاء بما يعتاد على تلك البئر وان كان نحو آنية الفخار إذا كان مما يستقى به في البلد غالبا فضعيف جدا، لان تعليق الحكم في الاخبار على الدلو يقتضي الوقوف مع مسماه، ولا ريب في عدم صدقه على الآنية. ونقل عن بعض الاصحاب ان المراد بالدلو ما كانت هجرية، وهي ثلاثون رطلا وعن الجعفي اربعون رطلا. ورد بعدم وجود المستند. (اقول): وهو مروي في كتاب الفقه الرضوي (1) حيث قال (عليه السلام): " وإذا سقط في البئر فأرة أو طائر أو سنور وما اشبه ذلك فمات فيها ولم يتفسخ، نزح منها سبعة ادل من دلاء هجر. والدلو اربعون رطلا " الا ان جل الاصحاب (رضوان الله عليهم) لما كان اعتمادهم على الكتب الاربعة خاصة، أو ما قاربها في الشهرة عند آخرين، كان هذا الكتاب وامثاله غير معمول على ما تضمنه من الاخبار، الا ان المفهوم من شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب بحار الانوار الاعتماد عليه كما اشرنا سابقا إليه (2). (السادس) يجب اخراج النجاسة قبل الشروع في النزح على القول بالانفعال بالملاقاة، وظاهرهم الاتفاق عليه بل صرح بذلك في المنتهى، وظاهر اطلاق كلامهم عدم الفرق في ذلك بين ما له مقدر ما ليس كذلك، الا ان المحقق الشيخ حسن في كتاب المعالم صرح بالفرق بينهما، قال: " فان الملاقاة الموجبة لنزح المقدر تبقى ما بقيت العين فلا يظهر للنزح فائدة، ولا يعتبر ذلك في غير المقدر لفقد العلة " انتهى. ولعل ذلك مبني على القول بوجوب نزح الجميع لما لا نص فيه كما اختاره (قدس سره)


(1) في الصحيفة 5. (2) في الصحيفة 25.


[ 377 ]

في الكتاب المذكور بناء على القول بالانفعال، وإلا فعلى القولين الآخرين من الثلاثين أو الاربعين فلا ريب في كون الحكم فيهما كالمقدر بعينه، والعلة الموجبة فيهما واحدة.

(البحث الخامس) اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في طهر البئر بغير النزح من المطهرات المتقدمة (1) فظاهر الاكثر طهرها بذلك، والنزح الوارد في الاخبار وان اختص بها إلا انها تشارك غيرها في تلك المطهرات. وكلام المحقق في المعتبر يدل على انحصار تطهيرها في النزح، حيث قال: " وإذا جرى إليها يعنى البئر الماء المتصل بالجاري لم نظهر، لان الحكم متعلق بالنزج ولم يحصل " واختاره بعض محققي متأخري المتأخرين، قال: " لان التطهير أمر شرعي لابد له من دليل ولا دليل ظاهرا على ما عدا النزح " واختلف فتوى الشهيد (رحمه الله) في هذه المسألة، فقال في الدروس: " لو اتصلت بالجاري طهرت، وكذا بالكثير مع الامتزاج. اما لو تسنما عليها من أعلى فالاولى عدم التطهير، لعدم الاتحاد في المسمى " ومثله ايضا في الذكرى. وقال في البيان: " ينجس ماء البئر بالتغير، ويطهر بمطهر غيره، وبالنزح " ثم قال: والاصح نجاسته بالملاقاة ايضا، وطهره بما مر ونزح كذا، ثم ذكر المقادير. ولا يخفى ان اشتراطه عدم علو المطهر على جهة التسنم في الكتابين يخالف ما اطلقه في الثالث من طهارته بمطهر غيره مطلقا. وممن اختار القول المشهور صاحب المعالم، حيث قال بعد نقل الاقوال في المسألة: " والتحقيق عندي مساواته لغيره من المياه في الطهارة بما يمكن تحققه فيه من الطرق التي ذكرناها سابقا. ووجهه على ما اخترناه من اشتراط الامتزاج بالمعنى الذي حققناه واضح، فان ماء البئر والحال هذه يصير مستهلكا مع المطهر، فلو كان عين النجاسة لم يكن له حكم، فيكف ؟ وهو متنجس، ولا ريب انه اخف.


(1) كالقاء الكر دفعة، ونزول الغيث، ووصول الجاري إليها (منه رحمه الله).


[ 378 ]

واما على القول بالاكتفاء بمجرد الاتصال فلان دليلهم على تقدير تماميته لا يختص بشئ دون شئ، إذ مرجعه إلى عموم مطهرية الماء. فيدخل ماء البئر تحت ذلك العموم والامر بالنزح لا ينافيه، لكونه مبنيا على الغالب من عدم التمكن من التطهير بغيره، ولو امكن في بعض الموارد فلا ريب ان النزح اسهل منه في الاغلب ايضا، فلذلك اقتصروا عليه. ثم ان يجاب النزح على القول بالانفعال أو مع حصول التغير ليس إلا لافادة الطهارة، فإذا صار الماء طاهرا بمقتضى ذلك العموم والفرض عدم الدليل على التخصيص لا يبقى للنزح وجه. نعم لو قلنا بوجوب النزح تعبدا لم يتم القول بسقوطه بمجرد الاتصال وان قلنا بالطهارة. واما مع الامتزاج فالظاهر السقوط، لان الاستهلاك يصيره بمنزلة المعدوم. ووجوب النزح إنما تعلق به في حال البقاء على حقيقته. وبما ذكرنا ظهر ضعف تفصيل الشهيد (رحمه الله) لا سيما بعد اشتراط الامتزاج كما صرح به، فان اعتبار الاتحاد مع ذلك مما لا وجه له. واما ما تمسك به المحقق فدفعه ظاهر بعد ما قررناه " انتهى. ويرد عليه (اولا) ان الاستهلاك الذي ذكره ممنوع. كيف ؟ ويكتفى في تطهير البئر على هذا القول القاء الكر مثلا وان كان ماء البئر اضعاف اضعافه على انه يمكن منع التطهير في حال الاستهلاك ايضا. ما ذكره من طهارة النجاسة عند استهلاكها لا يصلح دليلا، لانه قياس، مع وجود الفارق، إذ النجاسة إذا استهلكت في الماء وسلب عنها اسمها لم تبق نجاستها التابعة للاسم، بخلاف الماء إذا لم يسلب عنه اسمه وان اختلط بغيره بحيث لا يميزه الحس. و (ثانيا) انه يمكن ان يكون لخصوصية النزح مدخل في التطهير لا يوجد في غيره، ولعل اقتصار الشارع عليه لذلك، لعين ما ذكروه في مسالة تعدد النزح بالدلو فيما له مقدر من وجوب الاقتصار على النزح بالدلو لذلك، ويؤيده اختصاص


[ 379 ]

البئر دون سائر المياه باحكام خاصة وبنائها على جمع المختلفات وتفريق المؤتلفات كما ذكروه. وبالجملة فالمسألة محل تردد. والاحتياط في الوقوف على التطهير بالمنصوص. ولا يخفى ان ما اورده على الشهيد متجه. واما ما اورده على المحقق فقد عرفت ما فيه. ثم انه قد اختلف كلام القائلين بطهرها بغير النزح في وجه العلة في ذلك، فظاهر كلام المحقق الشيخ حسن كما تقدم ان العلة هي الاستهلاك بسبب الامتزاج. وقد عرفت ما فيه. وظاهر العلامة في المنتهى حيث قال في تعليل ذلك: " لان المتصل بالجاري كأحد أجزائه فخرج عن البئر " ان العلة في ذلك هو الخروج عن كونه بئرا ولحوق احكام الجاري له. ولا يخفى ما فيه. وظاهر الشهيد في الذكرى حيث قال: " وامتزاجه بالجاري مطهر. لانه أقوى من جريان النزح باعتبار دخول مائها في اسمه " ان العلة فيه هي الامتزاج، حيث انه أقوى من جريان النزح. وفيه منع ان العلة في النزح حصول الجريان، لعدم الدليل عليه، ولجواز ان يكون أمر آخر لا نعلمه.

(البحث السادس) المشهور بين الاصحاب بل نقل الاجماع عليه من القائلين بالتنجس انه مع تعذر نزح البئر جميعا لكثرة الماء فيما يجب له ذلك يجب تراوح اربعة رجال عليها يوما إلى الليل، استنادا إلى موثقة عمار الساباطي. وقد تقدمت في البحث الرابع (1). واعترض في المعالم على الاستدلال بالخبر المذكور بوجوه: (احدها) كون رواته فطحية. و (ثانيها) تضمن متنه نزح الماء كله لتلك الاشياء المذكورة فيه، ولا قائل به من الاصحاب.


(1) في الصحيفة 369.


[ 380 ]

و (ثالثها) ان ظاهره يدل على وجوب النزح يومين. ولم يذهب إليه أحد. والجواب عن الاول، اما على مذاقنا فمعلوم، واما على مذاق القوم فعند من يعمل بالموثق منهم كذلك ايضا، واما ما يجعله من قسم الضعيف فيجاب بان ضعفه مجبور بعمل الاصحاب وشهرته بينهم في هذا الباب. واما عن الثاني، فيمكن بحمل نزح الجميع على الاستحباب أو على التغير كما ذكره في التهذيب (1) وحينئذ فتكون الرواية معمولا بها عن الاصحاب. واما عن الثالث. فيجوز أن لا تكون (ثم) هنا للترتيب الخارجي، فانها كثيرا ما تكون كذلك، كقوله سبحانه: " كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون " (2) والجواب باحتمال كونها من كلام الراوي بعيد. ثم ان الاصحاب (رضوان الله عليهم) ذكروا لذلك احكاما ربما يستفاد اكثرها من النص المذكور. (منها) كون النزح نهارا، للفظ اليوم في الرواية، فلا يجزى ء الليل ولا الملفق منهما وان زاد عن مقدار يوم. وقوفا على ظاهر النص. و (منها) انه لا فرق في اليوم بين القصير والطويل. عملا بالاطلاق. ولهم في تحديد اليوم المذكور عبارات مختلفة. ففي كلام الشيخ المفيد من أول النهار إلى آخره وتبعه على ذلك جماعة. وفي عبارة الصدوقين من الغدوة إلى الليل. وفى نهاية الشيخ من الغدوة إلى العشية. قال في المعتبر بعد نقل هذه الاقوال: " ومعاني هذه الالفاظ متقاربة. فيكون النزح من طلوع الفجر إلى غروب الشمس احوط، لانه يأتي على الاقوال " انتهى. وقال الشهيد في الذكرى بعد ذكر اختلاف العبارات في ذلك: " الظاهر انهم أرادوا به يوم الصوم فليكن من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. لانه


(1) في الصحيفة 69. (2) سورة النبأ. الآية 5 و 6.


[ 381 ]

المفهوم من اليوم مع تحديده بالليل " واعترضه في المعالم بعد أن استحسن ما ذكره المحقق من الاحوطية بان الحمل على يوم الصوم يقتضي عدم الاجتزاء باليوم الذي يفوت من اوله جزء وان قل، وعباراتهم لا تدل عليه بل ظاهرها ما هو اوسع من ذلك، ولفظ الرواية ايضا محتمل لصدق اسم اليوم وان فات منه بعض الاجزاء ان كانت قليلة. انتهى. وهو حسن. و (منها) ان جملة من المتأخرين اوجبوا تفريعا على القول بوجوب كون النزح يوم الصوم ادخال جزء من الليل اولا واخرا من باب مقدمة الواجب. وربما أوجب بعضهم تقديم التأهب بتهيئة الآلات قبل الجزء المجعول مقدمة. والظاهر ان هذه التدقيقات النلشئة من اعتباره كيوم الصوم غير واضحة. و (منها) كون طريق تراوح الاربعة بان ينزح كل اثنين وقتا، بان يكون احدهما فوق البئر يمتح بالدلو والآخر فيها يملاها، ثم يستريحان فيقوم الآخران كذلك كذا ذكره جملة منهم. وتخصيص النزح بالكيفية المخصوصة لا دليل في النص عليه. بل يكفي أن يكونا معا في اعلى البئر يمتحان الدلو. بل الظاهر انه الاولى (1)، لانه هو المتعارف، الا ان يبلغ الماء في القلة إلى ان الدلو بمجرد وضعه لا يمتلئ ماء بل يحتاج إلى وضع الماء فيه. فيتم ما ذكروه. إلا ان كلامهم أعم من ذلك. و (منها) انه يستثنى لهم من الاشتغال بالنزح الصلاة جماعة والاكل جميعا صرح به الشهيدان وجماعة. وعللوه باقتضاء العرف له، واقتصر بعض على الاول. فارقا بينهما بان الثاني يمكن حصوله حال الراحة بخلاف الاول، فان الفضيلة الخاصة للجماعة لا تحصل إلا به. وربما نفى بعضهم الاستثناء من اصله.


(1) وبما استظهرناه صرح بعض علمائنا المتأخرين. قال: لانه الاقرب المتعارف ونقل (قدس سره) عن ابن ادريس انه صرح بان كيفية التراوح ان يستقى اثنان بدلو واحد يتجاذبانه إلى ان يتعبا، فإذا تعبا قعدا وقام هذان واستراح الاخران (منه قدس سره).


[ 382 ]

و (منها) انه يشترط كون الاربعة رجالا، صرح به الاكثر، لمفهوم لفظ القوم على ما نص عليه جملة من أهل اللغة من الاختصاص بالرجال (1) وقال المحقق في المعتبر: " ان عملنا بالخبر المتضمن لتراوح القوم اجتزأنا بالنساء والصبيان " ورد بما تقدم. وفيه ان صاحب القاموس قد ذكر من أحد معاني القوم ما يدخل فيه النساء، حيث قال: " القوم الجماعة: من الرجال والنساء معا أو الرجال خاصة أو تدخله النساء على التبعية " انتهى. ونقل في كتاب مجمع البحرين عن الصنعاني انه ربما دخل النساء تبعا، لان قوم كل نبي رجال ونساء. وعلى هذا يزول الاشكال بالنسبة إلى النساء وإنما يبقى الكلام في الصبيان. وشرط بعضهم في الاجتزاء بالنساء عدم قصور نزحهن عن نزح الرجال. والاحوط بل الاظهر الاقتصار على الرجال، ويدل على ذلك ما في كتاب الفقه الرضوي. حيث قال (عليه السلام) (2): " فان كان كثيرا وصعب نزحه فالواجب عليه ان يكتري أربعة رجال يستقون منها على التراوح من الغدوة إلى الليل ". و (منها) عدم اجزاء ما دون الاربعة وان نهض بعملهم، وقوفا على ظاهر الخبر من قوله: " يتراوحون اثنين اثنين " واستقرب في التذكرة الاجتزاء بالاثنين القويين اللذين ينهضان بعمل الاربعة. واما الزيادة عليها فاجازوها من باب مفهوم الموافقة الا ان يفضي التكثير إلى الابطاء وتضييع الوقت.


(1) قال الجوهري: " القوم: الرجال دون النساء " وقال ابن الاثير في نهايته: " القوم في الاصل مصدر قام فوصف به ثم غلب على الرجال دون النساء، ولذلك قابلهن به " يعنى في قوله تعالى: " لا يسخر قوم من قوم ولا النساء من نساء.. " قال زهير: " وما ادري وسوف اخال ادري * اقوم آل حصن ام نساء " (منه رحمه الله) (2) في الصحيفة 5.


[ 383 ]

(البحث السابع) لا خلاف بين الاصحاب في ان البئر لا ينجس بالبالوعة وان قربت منه، الا ان يعلم تعدي ما فيها إلى البئر بناء على القول بانفعالها بالملاقاة أو بتغير ماء البئر بها على ما اخترناه. ويدل على ذلك مضافا إلى ما دل على اصالة الطهارة عموما وخصوصا رواية محمد بن ابي القاسم عن ابي الحسن (عليه السلام) المتقدمة في أدلة القول بعدم نجاسة البئر بالملاقاة (1) واما ما يوهم خلاف ذلك كحسنة الفضلاء المتقدمة في أدلة القول بنجاسة البئر بالملاقاة (2) فقد عرفت الجواب عنها ثمة. ويزيده تأكيدا ان العمل بظاهرها من الحكم بالنجاسة بمجرد ظن السريان مما تدفعه الاخبار المستفيضة بعدم نقض اليقين إلا بمثله، وان الشك لا يعارض اليقين، فلابد من تأويله بما ذكرنا آنفا. ثم ان المشهور بين الاصحاب انه يستحب التباعد بين البئر والبالوعة بخسمة اذرع في الارض الصلبة أو مع فوقية قرار البئر، وبسبعة فيما عدا ذلك. والصور على هذا القدر ست، وذلك لان الارض اما ان تكون صلبة أو رخوة. وعلى كل منهما اما ان تكون البئر اعلى قرارا أو انزل أو مساوية. ففي اربع صور منها وهي الصلبة باقسامها الثلاثة وعلو قرار البئر في الرخوة يستحب التباعد بخمسة أذرع، وما عدا ذلك بسبعة اذرع. وضم جمع من المتأخرين إلى الفوقية الحسية الفوقية بالجهة في صورة تساوي القرارين، بناء على ان جهة الشمال اعلى وان مجاري العيون منها. وحينئذ يحصل من ذلك الفوقية والتحتية والتساوي بحسب الجهة ايضا. وبذلك تصير صور المسألة اربعا وعشرين وان لم يكن لبعضها تأثير في اختلاف الحكم في المسألة، وتفصيلها انه باعتبار


(1) في الصحيفة 356 وقد تقدم ان اسم الراوي في كتب الحديث والرجال (محمد بن القاسم). (2) في الصحيفة 358.


[ 384 ]

الجهة تحصل اربع صور. لان البئر اما أن تكون في جهة الشمال والبالوعة في الجنوب أو بالعكس، أو تكون البئر في جهة المغرب والبالوعة في جهة المشرق أو بالعكس وعلى كل من هذه الصور الاربع تجري الست المتقدمة، ومن ضرب اربع في ست تحصل اربع وعشرون. ففي سبع عشرة منها يكون التباعد بخمسة أذرع، وفى سبع منها بسبع اذرع (1). وقال بعض فضلاء متأخري المتأخرين بعد ان نقل عنهم اولا ان في صورة التعارض بين الفوقيتين يجعلونه بمنزلة التساوي ما صورته: " وفى كلام جمع من الاصحاب هنا تأمل ظاهر، إذ ذكروا ان التباعد بسبع في سبع وبخمس في الباقي والاعتبار يقتضي ان يكون التباعد بسبع في ثمان أو ست، لان فوقية القرار اما ان تعارض فوقية الجهة وتصير بمنزلة التساوي أو لا، فعلى الاول الاول وعلى الثاني الثاني واما اعتبار الجهة في البئر دون البالوعة فتحكم " انتهى. (اقول): ما نقله عنهم من انه مع تعارض الفوقيتين يجعلونه بمنزلة التساوي ثم اعترض عليهم بسببه لم اقف عليه فيما حضرني من كلامهم، بل صرح غير واحد منهم بان الفوقية بالجهة إنما تعتبر في الرخاوة مع تساوي القرارين، ومقتضى ذلك


(1) لانك قد عرفت ان التباعد بخمسة اذرع في اربع صور من الست المتقدمة والست هنا قد فرضناها في كل من هذه الصور الاربع، وحينئذ فتؤخذ الاربع المذكورة من كل واحدة من هذه الاربع هنا فتحصل ست عشرة، وتزيد واحدة وهى فوقية الجهة في صورة كون البئر في جهة الشمال مع رخاوة الارض وتساوى القرارين، فتحصل سبع عشرة حينئذ، وقد عرفت ايضا ان التباعد بسبعة اذرع في صورتين من الست المذكورة، وهما صورتا الرخوة الباقيتان، لخروج صورة علو قرار البئر من صورها، فتؤخذ الاثنتان من كل من الاربع وتزيد واحدة وهى تساوى القرارين في الارض الرخوة مع كون البالوعة في جهة الشمال وهى عكس الصورة المزيدة سابقا (منه رحمه الله).


[ 385 ]

اختصاص اعتبارها بالبئر دون البالوعة. ولهذا صرح شيخنا الشهيد الثاني في الروض في صورة كون البئر في جهة الجنوب مع رخاوة الارض وعلو قرار البئر بانه يستحب التباعد بخمسة أذرع نظرا إلى علو قرار البئر. ويمقتضى ما ذكره من تعارض القرارين مطلقا ينبغي ان يكون بسبعة. ونقل عن ابن الجنيد في هذه المسألة ما يخالف المشهور. إلا ان النقل عنه مختلف. فنقل الاكثر عنه انه قال: " ان كانت الارض رخوة والبئر تحت البالوعة فليكن بينهما اثنا عشر ذراعا، وان كانت صلبة أو كانت البئر فوق فليكن بينهما سبعة أذرع " وخطأ هذا النقل في المعالم. ونقل عنه انه قال في المختصر ما صورته: " لا استحب الطهارة من بئر تكون بئر النجاسة التي تستقر فيها من اعلاها في مجرى الوادي، إلا إذا كان بينهما في الارض الرخوة اثنى عشر ذراعا وفى الارض الصلبة سبعة اذرع، فان كانت تحتها والنظيفة أعلاها فلا بأس، وان كانت محاذيتها في سمت القبلة فإذا كان بينهما سبعة أذرع فلا بأس. تسليما لما رواه ابن يحيى عن سليمان الديلمي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " انتهى. ثم قال في المعالم: " والذي يستفاد من هذه العبارة انه يرى التقدير بالاثني عشر بشرطين: رخاوة الارض وتحتية البئر. ومع انتفاء الشرط الاول بسبع، وكذا مع استواء القرار إذا كانت المحاذاة في سمت القبلة، يعني ان احدهما كانت في جهة المشرق والاخرى في محاذاتها من جهة المغرب. وهذا الاعتبار يلتفت إلى اعتبار الفوقية في الجهة كما حكيناه عن البعض، فحيث تكون المحاذاة في غير جهة القبلة تكون احداهما في جهة الشمال فتصير أعلى. وقوله: فان كانت تحتها والنظيفة أعلاها فلا بأس ظاهر في نفي التقدير حينئذ " انتهى.


(1) رواه صاحب الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الماء المطلق. والسند هكذا: " محمد بن الحسن باسناده عن محمد بن يحيى عن ابراهيم بن اسحاق عن محمد ابن سليمان الديلمى عن ابيه قال سألت أبا عبد الله.. الحديث " وسيأتى الخبر في الصحيفة 388.


[ 386 ]

واستدل على المشهور برواية الحسن بن رباط عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن البالوعة تكون فوق البئر. قال: إذا كانت فوق البئر فسبعة اذرع، وان كانت أسفل من البئر فخمسة أذرع من كل ناحية، وذلك كثير " (2). ورواية قدامة بن ابي يزيد الحمار عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته كم ادنى ما يكون بين البئر والبالوعة ؟ فقال: ان كان سهلا فسبعة أذرع وان كان جبلا فخمسة اذرع، ثم قال: يجري الماء إلى القبلة إلى يمين، ويجري عن يمين القبلة إلى يسار القبلة، ويجري عن يسار القبلة إلى يمين القبلة، ولا يجري من القبلة إلى دبر القبلة ". وجه الاستدلال بهما ان في كل من الروايتين اطلاقا وتقييدا فيجب الجمع بينهما بحمل المطلق من كل منهما على المقيد من الاخرى، وذلك بالنسبة إلى التقدير بالسبعة، فانه في الرواية الاولى مطلق بالنسبة إلى صلابة الارض ورخاوتها، والثانية قد اشتملت مع الصلابة على خمسة. فتحمل السبعة في الاولى على الرخاوة خاصة جمعا (4). والسبعة في الرواية الثانية ايضا مطلق بالنسبة إلى فوقية البالوعة على البئر وعكسه، وفي الاولى


(1) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الماء المطلق. (2) ما ذكره مطابق لما في الكافي، واما رواية التهذيب فهى هكذا: " قال: إذا كانت اسفل من البئر فخمسة اذرع، وإذا كانت فوق البئر فسبعة اذرع من كل ناحية، وذلك كثير ". (3) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الماء المطلق. والراوي لهذه الرواية قد اهمل في كتب الرجال. وفى حاشية الوافى ان كنية ابيه (أبو يزيد) كما في الكافي لا (أبو زيد) واسقاط الياء - كما في عامة نسخ التهذيبين - من تحريف النساخ، وان (الحمار) بالحاء المهملة وتشديد الميم. انتهى. ويؤيد ذلك انه قد ذكر في باب الكنى من كتب الرجال (أبو يزيد الحمار) فان من المحتمل ان يكون ابا قدامة هذا. (4) وحينئذ يكون معنى الرواية الاولى انه إذا كانت البالوعة فوق البئر فسبعة ما لم تكن الارض صلبة فانه تكفى الخمسة (منه قدس سره).


[ 387 ]

قد خص السبعة بفوقية البالوعة والخمسة بعكسه، وحينئذ فتحمل السبعة المطلقة على فوقية البالوعة (1). ويتخلص من ذلك ان السبعة حينئذ مقيدة برخاوة الارض مع عدم كون قرار البئر أعلى، وهو أعم من أن يكون مساويا أو يكون قرار البالوعة أعلى. واورد عليه ان الجمع بين الخبرين المذكورين لا ينحصر في الطريق المذكورة، إذ كما يقيد الحكم بالسبعة في الموضعين يمكن ان يقيد الحكم بالخمسة فيهما (2). وفيه انه لا يخفى ان الغرض من التحديد في هذه الاخبار والشروط المذكورة فيها إنما هو منع تعدي ماء البالوعة إلى البئر، فمع السهولة فيما عدا صورة علو قرار البئر لما كان مظنة التعدي كان اعتبار البعد بالسبعة اليق، ومع الصلابية وكذا مع علو قرار البئر في السهلة لما كان مظنة عدم التعدي حسن الاقتصار على الخمسة، فلا يحتاج إلى قيد آخر، ومن ذلك يعلم حكم المساواة في صورة الرخاوة وانه يستحب أن يكون بسبعة. وبذلك يظهر ما في كلام شيخنا الشهيد الثاني من انكار المستند في ذلك، حيث قال في كتاب الروض: " والرواية التي هي مستند الحكم ليس فيها ما يدل على حكم التساوي، لانه جعل السبع مع فوقية البالوعة والخمس مع فوقية البئر. والتساوي مسكوت عنه " انتهى. فانه وان لم تدل عليه الرواية الاولى لكنه داخل تحت الرواية الثانية، حيث حكم فيها بانه ان كان سهلا فسبع، خرج عنه بالتقييد بالرواية الاولى صورة ارتفاع البئر قرارا أو جهة على القول الآخر كما عرفت. فيبقى الباقي.


(1) ويكون معنى الرواية الثانية: ان كان سهلا فسبعة اذرع ما لم يكن قرار البئر اعلى فانه تكفى الخمسة (منه قدس سره). (2) فيقال: التقدير بالخمسة في الخبر الاول مقيد بالصلابة لدلالة الثانية على السبعة في صورة الرخاوة. وتقيد في الثانية بعدم فوقية البالوعة، لدلالة الاولى على السبعة في صورة فوقية البالوعة (منه قدس سره).


[ 388 ]

ثم ان بعض الاصحاب عبر في هذا المقام بانه إذا كانت البئر فوق البالوعة جهة أو قرارا أو كانت الارض صلبة فخمس وإلا فسبع، وعلى هذا يكون حكم المساواة في صورة الرخاوة ما ذكرنا من السبع، وبعضهم كالعلامة في الارشاد قال: انه إذا كانت البئر تحت البالوعة أو كانت الارض سهلة فسبع وإلا فخمس. وعلى هذا فحكم المساواة في الصورة المذكورة خمس. وهو غير جيد، لما عرفت. وقد تلخص من هذا انه يستحب التباعد بخمس في صور الصلبة جميعا وصورة علو البئر قرارا أو جهة، وما عداه فبسبع. واستدل ابن الجنيد كما اشرنا إليه فيما قدمنا من كلامه، وبذلك ايضا استدل له في المختلف برواية محمد بن سليمان الدليمي عن ابيه (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البئر يكون إلى جنبها الكنيف. فقال لي: ان مجرى العيون كلها من مهب الشمال. فإذا كانت البئر النظيفة فوق الشمال والكنيف أسفل منها لم يضرها إذا كانت بينهما اذرع. وان كان الكنيف فوق النظيفة فلا اقل من اثني عشر ذراعا، وان كان تجاها (2) بحذاء القبلة وهما مستويان في مهب الشمال فسبعة اذرع ". ولا يخفى عليك ان الرواية المذكورة غير منطبقة على مذهب ابن الجنيد على كلا النقلين. (اما على الاول) فلانهم نقلوا عنه التباعد بسبع اذرع في صورة فوقية البئر، مع انه ليس في الرواية المذكورة لذلك اثر. و (اما على الثاني) فلانه نقل عنه التفصيل في صورة علو البالوعة بالرخاوة والصلابة، والرواية كما ترى لا تفصيل فيها لشئ من ذلك.


(1) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الماء المطلق. (2) كذا في التهذيب والمقنع، وفى المختلف تجاهها (منه قدس سره).


[ 389 ]

ونقل عنه ايضا القول بانه ان كانت البالوعة تحتها والنظيفة أعلاها فلا بأس، مع انه صرح في الرواية في هذه الصورة باشتراط ان يكون بينهما اذرع. وتكلف في المعالم للجواب هنا بانه لعل الوجه في عدم تعرض ابن الجنيد لهذا الشرط مع كونه مصرحا به في الرواية هو عدم الانفكاك عنه عادة حيث يحمل لفظ الاذرع ععلى اقل الجمع، فانه من المستبعد جدا ان توضع بالوعة في جنب بئر باقل من ثلاثة اذرع. ولا يخلو من بعد. وقد جمع بعض الاصحاب بين هذه الرواية وروايتي المشهور (1) بحمل اطلاق الاذرع في صورة فوقية البئر على الخمس، وتقييد التقدير بالسبع في صورة المحاذاة برخاوة الارض وتحتية البئر وحمل الزائد على السبع في صورة فوقية الكنيف على المبالغة في القدر المستحب. واعترضه في المعالم بان في الحمل الاول تكلفا. واما التقييد ففاسد لان فرض المحاذاة كما هو صريح لفظ الحديث، ومقتضى المقابلة لصورتي علو كل منهما كيف يجامع الحمل على تحتية البئر ؟ نعم حمل الزيادة في الاثني عشر على المبالغة ممكن. واجيب بان رواية ابن رباط قرينة على الحمل بلا تكلف. وما ذكره من فساد التقييد فاسد، لان المحاذاة التي في الحديث إنما هي المحاذاة بالنسبة إلى جهة الشمال. وكذا علو كل منهما إنما هو بالنسبة إليها، وهو ظاهر. فحينئذ لا ينافيان تحتية البئر بالنظر إلى القرار كما هو مراد (2). وهو جيد. هذا. والموجود في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) نسبة الخلاف في هذه المسألة إلى ابن الجنيد خاصة، مع ان ظاهر الصدوق في المقنع ذلك ايضا، حيث نقل


(1) المتقدمين في الصحيفة 386. (2) لا يخفى انه لا حاجة في الجمع إلى اعتبار تحتية البئر، لما عرفت من استحباب السبع في صور التساوى كما اوضحناه آنفا. نعم لابد من اعتبار عدم فوقية قرارها، وكذا لابد في الصورة الاولى من عدم فوقية قرار البالوعة لينطبق على المشهور. والخبران اللذان هما مستند المشهور قرينة هذا التقييد (منه رحمه الله)


[ 390 ]

مضمون الرواية المذكورة من غير اشعار بكونها رواية، وهو يعطي افتاءه بذلك والقول به. ثم انه (قدس سره) في الكتاب المذكور قال بعيد ذلك: " وان اردت ان تجعل إلى جنب البالوعة بئرا، فان كانت الارض صلبة فاجعل بينهما خمسة اذرع، وان كانت رخوة فسبعة أذرع " وظاهر كلاميه يشعر بالفرق بين البالوعة والكنيف. إلا انه في كتاب من لا يحضره الفقيه فرض المسألة في الكنيف، وذكر التباعد بالسبع والخمس في صورتي الرخوة والصلبة. هذا. وقد تقدم في حسن الفضلاء (1) التقدير بالسبع في صورة علو البالوعة، وبالثلاث أو الاربع في عكسه، قال بعض فضلاء متأخري المتأخرين: " والاولى الوقوف على ما تضمنته حسنة الفضلاء، لانها أحسن سندا وأقرب إلى الاحتياط لولا شهرة خلافه بين الاصحاب، مع انه على المشهور يمكن الجمع بين الروايات الثلاث بحمل الحسنة على شدة الاستحباب. وهو اولى من الطرح " انتهى. واستند القائلون بالحاق العلو جهة بالعلو قرارا برواية محمد بن سليمان الديلمي المذكورة (2) ويشكل بانهم لم يعملوا بها فيما دلت عليه من الاحكام، فيكف يتم لهم الاستناد إليها في خصوصية هذا الحكم ؟ فان اجيب بانه قد عارضها في تلك الاحكام الروايتان المتقدمتان (3) وهذا الحكم لم يعارضها فيه شئ. قلنا: ان تلك الروايتين قد عارضتهما ايضا حسنة الفضلاء (4) مع كونها ارجح سندا منهما. فيجب عليهم القول بمضمونها. ثم انه قد روي الحميري في كتاب قرب الاسناد (5) عن محمد بن خالد الطيالسي


(1) و (4) المتقدمة في الصحيفة 358. (2) في الصحيفة 388. (3) في الصحيفة 386. (5) في الصحيفة 16 وفى الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الماء المطلق. وفيهما بدل " تلى الوادي " هنا " مما يلي الوادي ".


[ 391 ]

عن العلاء عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: " سألته عن البئر يتوضأ منها القوم والى جانبها بالوعة. قال: ان كان بينهما عشرة اذرع وكانت البئر التي يستقون منها تلى الوادي فلا بأس " والظاهر ان المراد بكونها تلي الوادي يعني كونها في جهة الشمال، بناء على ان مجرى العيون منها. ولم اقف على قائل بمضمون هذا الخبر بل ولا على ناقل له في كتب الاستدلال. ولا يخفى ما في ظاهر هذا الخبر مضافا إلى خبر الديلمي (1) وكذا حسنة الفضلاء (2) من الدلالة على الفوقية بالجهة، وبذلك ايضا يشعر خبر قدامة المتقدم (3). اقول: ولعل اختلاف التقديرات في هذه الاخبار مفصلا بالفوقية والتحية تارة واخرى بالصلابة والرخاوة بالزيادة والنقصان، ومطلقا في بعض كله قرينة الاستحباب بزيادة ونقصان في مراتبه. والله اعلم.


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>