تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الأول


 

الفصل الخامس

في المضاف

وفيه مسائل:

(الاولى) المضاف هو ما لا ينصرف إليه لفظ الماء على الاطلاق عرفا بل يحتاج في صدقه إلى القيد، كالمصعد من الانوار والمعتصر من الثمار والممتزج بما يسلبه الاطلاق. ولا خلاف في طهارته باعتبار اصله، ويدل على ذلك ايضا قول الصادق (عليه السلام) في موثقة عمار (4): " كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر ".


(1) المتقدم في الصحيفة 388. (2) المتقدم في الصحيفة 358. (3) في الصحيفة 386. (4) راجع التعليقة 1 في الصحيفة 42 والتعليقة 4 في الصحيفة 149.


[ 392 ]

ولا خلاف ايضا في انفعاله بملاقاة النجاسة وان كثر، نقل الاجماع على ذلك جملة من معتمدي الاصحاب. ويدل عليه ايضا ما رواه السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام): " ان امير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن قدر طبخت فإذا في القدر فأرة. فقال: يهراق مرقها ويغسل اللحم ويؤكل " (1). واعترض على الرواية بضعف السند اولا، وورودها في مورد خاص ثانيا، وعدم ظهورها في النجاسة ثالثا. ولا يخفى ما في هذه المناقشات من التعسف. (اما الاولى) فبما عرفت في المقدمة الثانية من مقدمات الكتاب. و (اما الثانية) فلما عرفت في المقام الخامس من المقدمة الثالثة (2) من ان تعدية الحكم في مثل هذا المقام من قبيل تنقيح المناط القطعي، إذ لا يعلم هنا مدخل لخصوصية السؤال. و (اما الثالثة) فلان الامر باهراق المرق المذكور وغسل اللحم اظهر دلالة على النجاسة من ان يحوم حوله الانكار. ويدل على ذلك ايضا رواية زكريا بن آدم المروية بطرق ثلاث (3) قال: " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قطرة نبيذ أو خمر مسكر قطرت في قدر فيه لحم


(1) رواه صاحب الوسائل في الباب - 5 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل، وفى الباب - 44 - من ابواب الاطعمة المحرمة. (2) في الصحيفة 56. (3) ورواها صاحب الوسائل في الباب - 38 - من ابواب النجاسات، وفى الباب - 26 - من ابواب الاشربة المحرمة.


[ 393 ]

كثير ومرق كثير. قال: يهراق المرق أو يطعم اهل الذمة أو الكلب، واللحم اغسله وكله.. الحديث ". واستدل ايضا على الحكم المذكور بصحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت، فان كان جامدا فألقها وما يليها وكل ما بقي، وان كان ذائبا فلا تأكله واستصبح به، والزيت مثل ذلك ". وهذا الاستدلال بمكان من الضعف، إذ مورد الرواية ليس مما نحن فيه، فان المضاف في اصطلاحهم لا يشمل مثل الدهن والزيت. وقياسه عليهما باعتبار الاشتراك في الميعان باطل عندنا (اما اولا) فلعدم بناء الاحكام على القياس. و (اما ثانيا) فلعدم ثبوت كون مطلق الميعان علة حتى يلزم من الاشتراك فيها ذلك. واستدل ايضا بان المائع قابل للنجاسة، والنجاسة موجبة لتنجيس ما لاقته، فيظهر حكمها عند الملاقاة، ثم تسري النجاسة بممازجة المائع بعضه بعضا. واعترض عليه بان قبول المائع النجاسة، ان كان باعتبار الرطوبة المقتضية للتأثير عند ملاقاة النجاسة فمن البين انها موجودة في كثير من افراد الجامد الذي من شأنه الميعان كالسمن، ولا ريب في عدم تأثره بنجاسة ما يتصل به من اجزائه المحكوم بنجاستها مع تحقق الملاقاة بينهما. وقد صرح بهذا في الحديث الذي احتجوا به. وان كان باعتبار الدليل الدال فكان الاولى الاحتجاج به على تقدير وجوده. وكيف كان فكون الحكم اجماعيا مما يهون الخطب، وجملة من متأخري المتأخرين انما عولوا في هذه المسألة عليه. لما نقلنا عنهم من الطعن في الادلة.


(1) المروية في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل، وفى الباب - 6 - من ابواب ما يكتسب به من كتاب التجارة. وفى الباب - 43 - من ابواب الاطعمة المحرمة.


[ 394 ]

(المسألة الثانية) المشهور بين الاصحاب بل ادعى عليه الاجماع غير و منهم (1) عدم جواز رفع الحدث بالمضاف. وخالف في ذلك الصدوق في الفقيه، فقال (2): " ولا بأس بالوضوء والغسل من الجنابة والاستياك بماء الورد " واصرح منه كلامه في الامالي (3). ونقل الشيخ في الخلاف عن قوم من اصحاب الحديث جواز الوضوء بماء الورد. حجة الصدوق على ما نقل رواية محمد بن عيسى عن يونس عن ابي الحسن (عليه السلام) (4) قال: " قلت له: الرجل يغتسل بماء الورد ويتوضأ به للصلاة ؟ قال: لا بأس بذلك ". واجاب الشيخ (قدس سره) في التهذيب (5) عنه بانه خبر شاذ شديد الشذوذ وان تكرر في الكتب والاصول، فانما اصله يونس عن ابي الحسن (عليه السلام) ولم يروه غيره. وقد أجمعت العصابة على ترك العمل بظاهره، وما يكون هذه حكمه لا يعمل به، ولو سلم لاحتمل أن يكون اراد به الوضوء الذي هو التحسين، وقد بينا فيما تقدم ان ذلك يسمى وضوء، ثم قال: " وليس لاحد أن يقول: ان في الخبر انه سأله عن ماء الورد يتوضأ به للصلاة. لان ذلك لا ينافي ما قلناه، لانه يجوز ان يستعمل للتحسين ومع هذا يقصد به الدخول في الصلاة، من حيث انه متى استعمل الرائحة الطيبة لدخوله في الصلاة ولمناجاة ربه كان أفضل من ان يقصد به التلذذ حسب دون وجه الله. ثم قال: ويحتمل ايضا أن يكون أراد بقوله: " ماء الورد " الماء الذي وقع فيه الورد. لان ذلك يسمى ماء ورد وان لم يكن معتصرا منه، لان كل شئ جاور غيره فانه


(1) منهم: المحقق في الشرايع، والعلامة في النهاية والمنتهى، والشهيد في الذكرى، والشيخ في كتابي الاخبار (منه رحمه الله). (2) في باب (المياه وطهرها ونجاستها). (3) في الصحيفة 383. (4) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (5) في الصحيفة 62.


[ 395 ]

يكسبه اسم الاضافة إليه " انتهى كلامه زيد مقامه. واشار بقوله: " وقد بينا فيما تقدم ان ذلك يسمى وضوء " إلى موثقة عبيد بن زرارة (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الدقيق يتوضأ به. قال: لا بأس بان يتوضأ به وينتفع به " حيث قال بعد ايراد الخبر المذكور: " معناه انه يجوز التمسح به والتوضؤ الذي هو التحسين دون الوضوء للصلاة " انتهى. ونقل عن ظاهر ابن ابي عقيل (2) انه جور الوضوء به حال الضرورة فيقدم على التيمم. وهو مع عدم الدليل عليه محجوج بما سيأتي ذكره. حجة الاكثر على انحصار رفع الحدث في المطلق وجوه: (منها) قوله سبحانه: " فلم تجدوا ماء فتيمموا.. " (3) حيث اوجب التيمم عند فقد الماء، ولا خلاف في ان اطلاق الماء لا ينصرف إلى المضاف. ومنه علم سقوط الواسطة. فانه لو كان الوضوء جائزا بغيره لم يجب التيمم، وهو ظاهر. و (منها) رواية ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الرجل يكون معه اللبن يتوضأ منه للصلاة ؟ فقال: لا، إنما هو الماء والصعيد ورواية عبد الله بن المغيرة عن بعض الصادقين (5) قال: " إذا كان الرجل لا يقدر على الماء وهو يقدر على اللبن فلا يتوضأ باللبن، إنما هو الماء أو التيمم.. ".


(1) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب التيمم. (2) إنما اسند النقل إلى ظاهره لانه صرح بجواز استعماله مع الضرورة، وهو شامل باطلاقه للاستعمال في رفع الحدث والخبث، واكثر الاصحاب انما نقلوا خلافه في رفع الخبث خاصة، والشهيد في الدروس نقله عنه في رفع الحدث ايضا، حيث قال: " فلو اضطر إليه تيمم خلافا لابن ابى عقيل " وكأنه نظر إلى ما ذكره (منه رحمه الله). (3) سورة النساء. الآية 46 وسورة المائدة. الآية 8. (4) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (5) المروية في الوسائل في الباب - 1 و 2 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل


[ 396 ]

وجه الاستدلال حصر طهارة الوضوء في الماء والصعيد الدال على نفي غيرهما. وما يوهم خلاف ذلك من قوله في ذيل الخبر الثاني: " فان لم يقدر على الماء وكان نبيذا. فاني سمعت حريزا يذكر في حديث: ان النبي (صلى الله عليه وآله) قد توضأ بالنبيذ ولم يقدر على الماء " فمحمول على التقية، وفي الاستشهاد بنقل حريز ايناس بذلك. ويحتمل ايضا حمل النبيذ على ما ينبذ فيه تمر لكسر مرارة الماء كما كان يستعمل سابقا لكن على وجه لا يخرج به الماء عن الاطلاق، كما تضمنه حديث الكلبي النسابة (1) إلا أن الظاهر بعده (2) ويحتمل ايضا ان تكون هذه التتمة من كلام عبد الله بن المغيرة. و (منها) ان الحدث المانع من الدخول في الصلاة معنى مستفاد من الشرع فيجب استمراره بعد وجود سببه إلى أن يثبت له رافع شرعي. والذي ثبت رافعيته من الشرع هو الماء المطلق. والقول بانه يمكن المناقشة هنا بمنع حجية الاستصحاب مردود بان هذا الاستصحاب ليس من القسم المتنازع فيه. وهو القسم الرابع من الاقسام المتقدمة في المقدمة الثالثة. بل هو من القسم الثاني أو الثالث من الاقسام المتقدمة الذي هو عبارة عن عموم الدليل أو اطلاقه، كما تقدم ايضاحه (3). و (منها) قوله تعالى: " وانزلنا من السماء ماء طهورا " (4) فانه تعالى ذكر الماء هنا في معرض الامتنان على العباد. فلو حصلت الطهارة بغيره لكان الامتنان بالاعم اولى. واعترض على هذا الوجه بانه يجوز ان يخص أحد الشيئين الممتن بهما بالذكر لكونه أبلغ واكثر وجودا وأعم نفعا. وقد تقرر ان التخصيص بالذكر لا ينحصر في التخصيص بالحكم.


(1) المروية في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (2) وجه البعد ان المفروض ان النبيذ ماء مطلق ايضا ويتناوله باطلاقه، فيدخل في عموم المقدورية على الماء في عبارة الخبر، فكيف صح جعله قسيما ومقابلا له ؟ (منه رحمه الله). (3) في المطلب الثاني في الصحيفة 51. (4) سورة الفرقان. الآية 51.


[ 397 ]

هذا. ولم اقف على موافق للصدوق (طاب ثراه) من الاصحاب إلا ما يظهر من كلام المحدث الكاشاني في مفاتيحه ووافية، حيث قال في الاول بعد الكلام في المسألة ما لفظه: " ويحتمل قويا الجواز، لصدق الماء على ماء الورد، لان الاضافة ليست إلا لمجرد اللفظ كماء السماء، دون المعنى كماء الزعفران والحناء والخليط بغيره، مع تأيد الخبر بعمل الصدوق، وضمانه صحة ما رواه في الفقيه، وعدم المعارض الناص " انتهى. وقال في الثاني بعد نقل خبر يونس المتقدم (1) ما لفظه: " وافتى بمضمونه في الفقيه، ونسبه في التهذيبين إلى الشذوذ، ثم حمله على التحسين والتطيب للصلاة دون رفع الحدث. مستدلا بما في الخبر الآتي " إنما هو الماء والصعيد " (2) اقول: هذا الاستدلال غير صحيح، إذ لا منافاة بين الحديثين، فان ماء الورد ماء استخرج من الورد " انتهى. وحاصل هذا الكلام يرجع إلى ان الماء المضاف الذي يخرج بالاضافة عن كونه مطلقا إنما هو ما إذا اضيف الملطق إلى جسم من الاجسام على وجه يغيره ويسلبه الاطلاق. واما ما اتخذ من الورد فهو ماء مطلق قد تصاعد حتى تكونت منه تلك الاجسام ثم استخرج منها، فاضافته للورد لفظية كماء السماء وماء البئر ونحوهما وان كان قد اكتسب بسبب ذلك تغيرا في الاوصاف، فان ذلك لا يخرجه عما كان عليه من الاطلاق. وانت خبير بما فيه من الوهن والقصور: (اما اولا) فلانه بمقتضى ذلك لا ينحصر ما ذكره في ماء الورد بخصوصه بل يجري في ماء العنب والرمان ونحوهما من الثمار التي يعتصر منها من حيث تصاعده إليها بالسقي، بل مثل اوراق الشجر ونحوها كما لا يخفى، فالواجب بمقتضى ما ذكره جواز الوضوء بالماء المتخذ من جميع ذلك. ولا اظنه يقوله.


(1) في الصحيفة 394. (2) وهو خبر ابى بصير المتقدم في الصحيفة 395.


[ 398 ]

و (اما ثانيا) فلانه لا خلاف بين كافة الناس في ان اطلاق الماء لا يشمل هذه المياه، بخلاف ماء البئر وماء السماء ونحوهما. وما ذاك إلا لخروج تلك المياه عن الاطلاق دون هذه. و (اما ثالثا) فلانه كما ان الماء باضافته إلى مثل الزعفران يخرج عن الاطلاق لاكتسابه اجزاء منه، كذلك ما تكونت منه تلك الثمار قد استحال عن حقيقته الاولى وخرج عنها إلى حقيقة اخرى، وإلا لكان البول اولى بعدم الخروج عن اطلاق الماء، لانه لم يكتسب بعد شربه إلا المرور على تلك المجاري الباطنة وان اكتسب عفونة ونتنا باللبث فيها آنا، مع انه لا يسمى ماء بالكلية فضلا عن ان يكون مطلقا. وما ذاك إلا لخروجه عن حقيقة الماء بالكلية بسبب تغير طبعه وانقلاب حقيقته إلى حقيقة اخرى، مع ان اصله الماء بل بقاء المائية فيه اظهر. وما نحن فيه كذلك ايضا. و (اما رابعا) فلان الصدوق (رضوان الله عليه) ليس معصوما يجب الاقتداء به، ومخالفة هذا القائل (قدس سره) له وكذا غيره من الاخباريين في جملة من المسائل اكثر من ان يحصى. على ان كلامه في الفقيه نقل لمتن الخبر، فهو قابل للاحتمال ايضا. وضمانه صحة ما يرويه في الكتاب المذكور لا تأييد فيه، لانه يكفينا في المقام تأويل الخبر باحد الوجوه التي ذكرها شيخنا الطوسي (طيب الله مرقده) من غير ضرورة إلى رده وطرحه رأسا لينافي ضمانه المذكور. و (اما خامسا) فلما ذكره في كتاب الفقه الرضوي، حيث قال (عليه السلام) (1): " كل ماء مضاف أو مضاف إليه فلا يجوز التطهير به ويجوز شربه، مثل ماء الورد وماء القرع وماء الزعفران وماء الخلوق وغيره مما يشبهها، وكل ذلك لا يجوز استعماله إلا الماء القراح والتراب " انتهى. وقد قدمنا لك في تتمة المقدمة الثانية (2)


(1) في الصحيفة 5. (2) في الصحيفة 25.


[ 399 ]

ان الكتاب المذكور معتمد عليه عندنا وعند جملة من مشايخنا (قدس الله تعالى ارواحهم).

(المسألة الثالثة) المشهور بين الاصحاب (طيب الله مضاجعهم) ان المضاف لا يرفع خبثا، وذهب السيد المرتضى ونقل ايضا عن الشيخ المفيد إلى جواز رفع الخبث به، ونقل عن ابي عقيل ايضا القول بذلك. إلا انه خص جواز استعماله بالضرورة. وعبارته المنقولة عنه شاملة باطلاقها للاستعمال في رفع الحديث والخبث، كما اشرنا إليه آنفا (1). وظاهر كلام جملة من الاصحاب تخصيص خلاف السيد هنا بالمضاف، والذي وقفت عليه في كلامه في المسائل الناصرية وكذا نقله عنه الشيخ في الخلاف والمحقق في المعتبر هو جواز ازالة الخبث بالمائعات مطلقا (2). استدل الجمهور من اصحابنا على ما ذهبوا إليه بوجوه: (أحدها) ورود الاوامر بالغسل بالماء، وهي كثيرة ستأتي ان شاء الله تعالى في أحكام النجاسات، والمتبادر عند الاطلاق هو المطلق. ولو كان الغسل بغيره جايزا لكل تعيينه في هذه الاخبار لا يخلو من حرج وضيق، وهو ممتنع. واورد عليه ان الاوامر المذكورة مخصوصة بنجاسات معينة، والمدعى عام. واجاب المحقق في بعض مسائله بانه لا قائل منا بالفرق. اقول: ويمكن الجواب بالتعدية إلى غير ما هو مذكور في تلك الاخبار بطريق تنقيح المناط القطعي الذي تقدمت الاشارة إليه في المقدمة الثالثة (3) ويمكن ايضا ان يدعى ان الغسل حقيقة فيما يقع بالماء المطلق خاصة.


(1) في التعليقة 2 في الصحيفة 395. (2) قال في المسائل الناصرية - بعد قول جده الناصر: لا يجوز ازالة النجاسة بشئ من المائعات سوى الماء المطلق - ما لفظه: " عندنا ازالة النجاسة بالمائع الطاهر وان لم يكن ماء، وبه قال أبو حنيفة وابو يوسف (منه قدس سره). (3) في الصحيفة 56.


[ 400 ]

(ثانيها) ان ملاقاة النجاسة للمائع تقتضي نجاسته، والنجس لا يزول به النجاسة. واعترض عليه بان مثله وارد في الماء المطلق القليل. فان النجاسة تزول به مع تنجسه بالملاقاة. واجاب المحقق (رحمه الله) بالمنع من نجاسة المطلق عند وروده على النجاسة. كما هو مذهب المرتضى في بعض مصنفاته. وبان مقتضى الدليل التسوية بينهما، لكن ترك العمل به في المطلق للاجماع ولضرورة الحاجة إلى الازالة، والضرورة تندفع بالمطلق فلا يسوى به غيره، لما في ذلك من تكثير المخالفة للدليل. (ثالثها) - ان منع الشرع من استصحاب الثوب النجس مثلا في الصلاة ثابت قبل غسله بالماء، فيثبت بعد غسله بغير الماء عملا بالاستصحاب. وارود عليه (1) ان الاستصحاب المقبول هو ما يكون دليل الحكم فيه غير مقيد بوقت. وفي تحقق ذلك هنا نظر، إذ العمدة في اثبات المنع المذكور بطريق العموم هو الاجماع. ومن البين ان الاتفاق إنما وقع على منع استصحاب النجس قبل الغسل مطلقا لا قبل الغسل بالماء. وفيه نظر (اما اولا) فلان العمدة في منع الصلاة في الثوب النجس إنما هي الاخبار الدالة على النهي عن ذلك، ولاشك ان النهي ظاهر في العموم لجميع الازمنة كما صرحوا به في الاصول إلى ان يظهر الرافع له. و (اما ثانيا) فلانه مع تسليم اختصاص الدليل بالاجماع فلا منافاة، فان الاجماع متى قام على المنع من الصلاة في الثوب النجس والنهي عن ذلك. فالنهي ايضا عام بالتقريب المذكور إلى ان يثبت الرافع، فان المراد بكون دليل الحكم غير مقيد بوقت يعني ان التقييد غير مفهوم من نفس اللفظ الدال على ذلك الحكم. بل هو مطلق.


(1) هذا الايراد ذكره المحقق الشيخ حسن في المعالم. وتبعه عليه الفاضل الخوانسارى في شرح الدروس وفيه ما ذكرناه (منه قدس سره).


[ 401 ]

أو عام إلى غاية يعلم بها ارتفاع ذلك الحكم. ووقوع الخلاف في الرافع لا يوجب تقييدا في الحكم حتى يقال ان الحكم هنا مقيد. وبالجملة فان الشارع نهى عن الصلاة في الثوب النجس حتى تزال النجاسة، سواء كان مستند هذا النهي الاجماع أو الخبر. والنهي كما ذكرنا ظاهر في العموم إلى وجود الرافع، فلو وقع الخلاف في بعض الاشياء بانها هل تكون رافعة ام لا فللمانع ان يتمسك بالاستصحاب الذي هو عبارة عن عموم الدليل أو اطلاقه حتى يثبت المدعي كون ذلك رافعا شرعا. وهذا بحمد الله ظاهر لا سترة عليه. (رابعها) قوله تعالى: " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به.. " (1). وجه الاستدلال انه خص التطهير بالماء فلا يقع بغيره. اما المقدمة الاولى فلانه تعالى ذكر الآية في معرض الامتنان، فلو حصلت الطهارة بغيره كان الامتنان بالاعم أولى ولم يكن للتخصيص فائدة. واعترض عليه بما ذكره في المسألة الثانية في الاستدلال بقوله سبحانه: " وانزلنا من السماء ماء طهورا " (2). اقول: ومن الادلة ايضا ان يقال: ان الطهارة والنجاسة حكمان شرعيان لا مدخل للعقل فيهما بوجه كسائر احكام الشرع، فما علم من الشرع كونه منجسا يجب قصر الحكم بالنجاسة على ملاقاته، وما علم من الشرع كونه رافعا للنجاسة وموجبا للتطهير يجب قصر الحكم بالطهارة عليه. ولعل هذا اقوى دليل في المقام. احتج السيد على ما نقل عنه بوجوه: (الاول) اجماع الفرقة، حكاه عنه العلامة في المختلف، ونقل عن المحقق في بعض مصنفاته ان المفيد والمرتضى اضافا ذلك إلى مذهبنا. اقول: وهو ظاهر كلام السيد (رضي الله عنه) في المسائل الناصرية.


(1) سورة الانفال. الآية 12. (2) سورة الفرقان. الآية 51.


[ 402 ]

وأجاب العلامة في المختلف عن ذلك بانه لو قيل ان الاجماع على خلاف دعواه أمكن ان اريد به اكثر الفقهاء، إذ لم يوافقه على ما ذهب إليه من وصلنا خلافه. وفيه ان خلاف المفيد كما حكيناه محكي في غير موضع من كتب الاصحاب. وقال المحقق (طاب ثراه) بعد ما قدمنا نقله عنه من ان المفيد والمرتضى اضافا القول بذلك إلى مذهبنا ما صورته: " اما علم الهدى فانه ذكر في الخلاف انه إنما اضاف ذلك إلى المذهب لانه من اصلنا العمل بدليل العقل ما لم يثبت الناقل، وليس في الادلة النقلية ما يمنع من استعمال المائعات في الازالة ولا ما يوجبها، ونحن نعلم انه لا فرق بين الماء والخل في الازالة، بل ربما كان غير الماء ابلغ، فحكمنا حينئذ بدليل العقل. واما المفيد فانه ادعى في مسائل الخلاف ان ذلك مروي عن الائمة (عليهم السلام) ثم قال: اما نحن فقد فرقنا بين الماء والخل، فلم يرد علينا ما ذكره علم الهدى، واما المفيد فنمنع دعواه ونطالبه بنقل ما ادعاه " انتهى. واشار بقوله: " واما نحن فقد فرقنا.. الخ " إلى ما يأتي من كلامه في جواب الاحتجاج بالآية. اقول: ربما عرفت في المقام الثاني من المقدمة الثالثة (1)، من امر الاجماع وما فيه من النزاع وكذا في المقدمة العاشرة في الكلام على دليل العقل يظهر لك ما في هذا الدليل وانه غير واضح السبيل، فانه لا مجال للعقل في الاحكام الشرعية. لبنائها على التوقيف من المبلغ للشريعة " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " (2). (الثاني) قوله تعالى: " وثيابك فطهر " (3) حيث أمر بتطهير الثوب ولم يفصل بين الماء وغيره. حكى ذلك عنه في المختلف، وحكى عنه ايضا انه اعترض على نفسه فيه بالمنع من تناول الطهارة للغسل بغير الماء، ثم أجاب بان تطهير الثوب ليس باكثر من ازالة النجاسة عنه. وقد زالت بغير الماء مشاهدة، لان الثوب لا يلحقه عبادة.


(1) في الصحيفة 35. (2) سورة الحشر. الآية 8. (3) سورة المدثر. الآية 5.


[ 403 ]

واجاب العلامة في المختلف بان المراد بالآية على ما ورد به التفسير لا تلبسها على معصية ولا على غدر، فان الغادر الفاجر يسمى دنس الثياب. سلمنا ان المراد بالطهارة المتعارف شرعا، لكن لا دلالة فيه على الطهارة باي شئ تحصل، بل دلالتها على ما قلناه من ان الطهارة انما تخصل بالماء أولى، لان مع الغسل بالماء يحصل الامتثال قطعا، وليس كذلك لو غسلت بغيره. وقوله: النجاسة قد زالت حسا. قلنا: لا يلزم من زوالها في الحس زوالها شرعا، فان الثوب لو يبس بلله بالماء النجس أو البول لم يطهر وان زالت النجاسة عنه، مع انه (رحمه الله) أجاب حين سئل عن معنى نجس العين ونجس الحكم بان الاعيان ليس نجسة، لانها عبارة عن جواهر مركبة وهي متماثلة فلو نجس بعضها لنجس سائرها وانتفى الفرق بين الخنزير وغيره، وقد علم خلافه، وإنما التنجيس حكم شرعي، ولا يقال نجس العين إلا على المجاز دون الحقيقة، وإذا كانت النجاسة حكما شرعيا لم تزل عن المحل إلا بحكم شرعي، فحكمه (رحمه الله) بزوالها عن المحل بزوالها حسا ممنوع. انتهى. واجاب المحقق (رحمه الله) عن الآية (1) بمنع دلالتها على موضع النزاع، لانها دالة على وجوب التطهير. والبحث ليس فيه بل في كيفية الازالة. ثم اعترض على نفسه أولا بان الطهارة ازالة النجاسة كيف كان. واجاب بان هذا اول المسألة. واعترض ثانيا بان الغسل بغير الماء يزيل عين النجاسة فيكون طهارة. واجاب اولا بالمنع فان النجاسة إذا مازجت المائع شاعت فيه. والباقي في الثوب منه تعلق به حصة من النجاسة، ولان النجاسة ربما سرت في الثوب فسدت مسامه فتمنع غير الماء من الولوج حيث هي، وتبقى مرتكبة في محلها. ثم سلم زوال عين النجاسة ثانيا وقال: لكن لا نسلم زوال نجاسة تخلفها، فان المائع بملاقاة النجاسة يصير عين نجاسة، فالبلة المتخلفة


(1) وهذا الجواب نقله عنه في المعالم، والظاهر انه منقول من بعض اجوبته في المسائل وإلا فهو ليس في كتاب المعتبر مما حضرني من نسخته (منه رحمه الله).


[ 404 ]

منه في الثوب بعض المنفصل النجس فيكون نجسا، أو نقول: للنجاسة الرطبة أثر في تعدي حكمها إلى المحل، كما ان النجاسة عند ملاقاة المائع تتعدى نجاستها إليه، فعند وقوع النجاسة الرطبة تعود اجزاء الثوب الملاقية لها نجسة شرعا، وتلك العين المنفعلة لا تزول بالغسل. انتهى. اقول: لا يخفى عليك ما في هذه الاجوبة من التكلف. والصواب في الجواب هو ما استفاضت به أخبار أهل الذكر (صلوات الله عليهم) في تفسير الآية المشار إليها من ان المراد بالتطهير فيها إنما هو رفع الثياب وتشميرها، ففي الكافي (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: " اي فشمر " وفي رواية " يقول: ارفعها ولا تجرها " وفى اخرى عن الكاظم (عليه السلام) " ان الله عزوجل قال لنبيه (صلى الله عليه وآله): وثيابك فطهر. وكانت ثيابه طاهرة وانما امره بالتشمير " وفى المجمع عن الصادق (عليه السلام) " معناه وثيابك فقصر " وعن امير المؤمنين (عليه السلام) " قال الله تعالى: وثيابك فطهر. أي فشمر " والقمي في تفسيره " وتطهيرها تشميرها ". وحينئذ فإذا اتفقت اخبارهم (عليهم السلام) بتفسيرها بهذا المعنى، واللفظ مجمل يحتاج في تعيين المراد منه إلى التوقيف منهم (عليهم السلام) ولا يجوز القطع على مراده (سبحانه) بدون ذلك كما عرفته في المقدمة الثالثة (2) فلا يجوز تجاوزه إلى غيره، لان القرآن عليهم انزل، وهم أعرف بما ابهم منه واجمل. واما ما ذكره العلامة (رحمه الله) من التفسير فلم نقف له في الاخبار على خبر، ولعله من كلام سائر المفسرين. إلا انه ينافي ظاهر عبارته (3). (الثالث) اطلاق الامر بالغسل من النجاسة من غير تقييد، وقد وقع


(1) ج 2 ص 207. (2) في المقام الاول في الصحيفة 27. (3) فان نسبته إلى الورود يشعر بكونه على سبيل الرواية اللهم إلا أن تكون من طرق العامة (منه رحمه الله).


[ 405 ]

ذلك في عدة اخبار (1) كما سيأتي ان شاء الله تعالى في مبحث النجاسات، ونقل عنه في المختلف انه اعترض على نفسه هنا ايضا بان اطلاق الامر بالغسل ينصرف إلى ما يغسل به في العادة، ولم تقض العادة بالغسل بغير الماء. ثم اجاب بالمنع من اختصاص الغسل بما يسمى الغاسل به غاسلا عادة، إذ لو كان كذلك لوجب المنع من غسل الثوب بماء الكبريت والنفط وغيرهما مما لم تجر العادة بالغسل به، ولما جاز ذلك وان لم يكن معتادا اجماعا علمنا عدم الاشتراط بالعادة وان المراد بالغسل ما يتناوله اسمه حقيقة من غير اعتبار العادة. واجيب عنه (اولا) بان الغسل حقيقة في استعمال الماء، وبعض اطلق لفظ الحقيقة وبعض قيدها بالشرعية، والمطلقون احتجوا لذلك بسبقه إلى الذهن وتبادره عند الاطلاق كما يعلم مراد الآمر بقوله: اسقني. و (ثانيا) بان اطلاق الاوامر الواردة في الاخبار محمول على المقيد من الاوامر المذكورة مما قدمنا الاشارة إليه. اقول: ما ادعاه المرتضى (رضي الله عنه) من نقض الحمل على العادة بالغسل بماء الكبريت مردود بان الحمل على العادة لا يوجب اشتراط العادة في كل فرد فرد من افراد المياه المطلقة، وإلا لما جاز التطهير بماء مطلق لم يوجد إلا تلك الساعة بل النظر في ذلك إلى نوع الكلي، فما أجاب به (قدس سره) من المنع ممنوع. (الرابع) ان الغرض من الطهارة إزالة عين النجاسة، كما تشهد به رواية


(1) منها: قول الصادق (عليه السلام) في خبر ابن ابى يعفور - وقد سأله عن المنى يصيب الثوب -: " ان عرفت مكانه فاغسله، وان خفى عليك مكانه فاغسل الثوب كله " وقوله في خبر الحلبي: " وإذا احتلم الرجل فاصاب ثوبه المنى فليغسل الذى اصاب ثوبه " إلى غير ذلك من الاخبار (منه قدس سره).


[ 406 ]

حكم حكيم الصيرفي (1)، قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ابول فلا اصيب الماء، وقد أصاب يدي شئ من البول، فامسحه بالحائط والتراب، ثم تعرق يدي فامسح وجهي أو بعض جسدي أو يصيب ثوبي ؟ قال لا بأس به " ورواية غياث ابن ابراهيم عن ابي عبد الله عن ابيه عن علي (عليهم السلام) (2) قال: " لا بأس أن يغسل الدم بالبصاق ". وأجاب المحقق في المعتبر بان خبر حكم بن حكيم مطرح، لان البول لا يزول عن الجسد بالتراب باتفاق منا ومن الخصم. واما خبر غياث فمتروك، لان غياثا بتري ضعيف الرواية ولا يعمل على ما ينفرد به، قال: ولو صحت نزلت على جواز الاستعانة في غسله بالبصاق لا ليطهر المحل به منفردا، فان جوار غسله به لا يقتضي طهارة المحل، ولم يتضمن الخبر ذلك، والبحث ليس إلا فيه. (اقول): وسيأتي لك الكلام في رواية حكم بن حكيم وتحقيق الحال فيها بما تندفع به شبهة المستند إليها من غير ضرورة إلى طرحها (3). تذنيب قال المحدث الكاشاني (قدس سره) في كتاب المفاتيح: " يشترط في الازالة اطلاق الماء على المشهور، خلافا للسيد والمفيد، وجوزا بالمضاف، بل جوز السيد تطهير الاجسام الصقيلة بالمسح بحيث تزول العين، لزوال العلة. ولا يخلو من قوة، إذ غاية ما يستفاد من الشرع وجوب اجتناب اعيان النجاسات، اما وجوب غسلها بالماء عن كل جسم فلا، فكل ما علم زوال النجاسة عنه قطعا حكم بتطهيره إلا ما خرج


(1) المروية في الوسائل في الباب - 6 - من ابواب النجاسات. (2) المروية في الوسائل في الباب - 4 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل. (3) في المسألة الثالثة من مسائل البحث الاول من احكام النجاسات.


[ 407 ]

بدليل، حيث اقتضى فيه اشتراط الماء كالثوب والبدن، ومن هنا يظهر طهارة البواطن كلها بزوال العين. مضافا إلى نفي الحرج، ويدل عليه الموثق (1) وكذا اعضاء الحيوان المتنجسة غير الآدمي كما يستفاد من الصحاح " انتهى. وهذا الكلام يدل صريحا على موافقته للسيد فيما ذكره من تطهير الاجسام الصقيلة بالمسح على الوجه المذكور، وظاهرا على موافقته له ايضا في رفع الخبث بالمضاف لكن في غير الثوب والجسد. وهو منظور فيه من وجوه: (أحدها) ان الطهارة والنجاسة كما عرفت حكمان شرعيان متوقفان على التوقيف والرسم من صاحب الشريعة في تعيين ما يجعله نجسا أو طاهرا أو منجسا أو مطهرا، ولم يعلم منه ان مجرد الازالة أحد المطهرات الشرعية مطلقا. وقوله: انه لم يعلم من الشرع وجوب غسل النجاسة بالماء عن كل جسم، بل كل ما علم زوال النجاسة عنه قطعا حكم بتطهيره إلا الثوب والبدن مردود بان المعلوم من الشرع خلافه، وإلا لكان الامر بتطهير الاواني من ولوغ الكلب والخنزير والخمر وموت الفأرة ونحو ذلك عبثا محضا، لامكان زوال العين بدونه من تمسيح ونحوه، مع انه في اناء الولوغ ورد الامر بغسله بالماء بعد تعفيره. ولا ريب انه مع فرض وصول لعاب من الكلب في الاناء فانه يزول بالتعفير، فما الحاجة إلى الماء حينئذ ؟ سيما على القول بوجوب المرتين كما هو المشهور، مع انه ايضا مروي كما سيأتي في محله ان شاء الله تعالى وكذا المواضع المأمور فيها بالتعدد ثلاثا أو سبعا، فان زوال العين لو كان ثمة عين يحصل باول مرة، فما الموجب للتعدد لو لم يكن المحل باقيا على النجاسة ؟ مع بناء الشريعة على السهولة والتخفيف في الاحكام. ما هذا إلا رمي في الظلام من هذا الامام.


(1) الظاهر انه يريد موثق عمار " كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر.. الحديث المروى في الوسائل في الباب - 37 - من ابواب النجاسات.


[ 408 ]

(ثانيها) ان ما ادعاه من كلية طهارة ما علم زوال النجاسة عنه في غير الفردين المذكورين دعوى لا دليل عليها، بل للخصم ان يقلب ذلك عليه ويقول: ان كل متنجس يجب تطهيره بالماء إلا ما خرج بدليل، ولا شك ان هذه الكلية اكثر افرادا واشمل اعدادا من الكلية التي ادعاها، لما عرفت من الاوامر الواردة بغسل الاواني وازالة النجاسات عن الثوب والبدن وغسل الفرش والبسط ونحو ذلك. ونحن لم نجد من افراد الكلية التي ادعاها في النصوص سوى الفردين المذكورين، وهما طهارة البواطن وطهارة اعضاء الحيوان بالغيبة. وهل يصح في الاذهان السليمة والطباع المستقيمة ان يدعى في الاحكام الشرعية المبنية على التوقيف والسماع من صاحب الشرع حكم كلي وقاعدة مطردة ولم يرد لها في الخارج عنهم (عليهم السلام) إلا فردان أو ثلاثة ؟ ما هذا إلا نوع من الاجتهاد الصرف والتخريج البحت، بل لم يبلغ المجتهدون الذين قد بسط عليهم لسان التشنيع في جملة مصنفاته، سيما رسالته المسماة بسفينة النجاة إلى مثل هذا، لان قصارى ما ربما يرتكبه بعضهم الحاق بعض الافراد الغير المنصوصة بما هو منصوص واثبات الحكم في مادة جزئية، لا اثبات حكم كلي وقانون اصلي مع كونه خاليا من الدليل بمجرد وجود فرد أو فردين ولو كان هذا الحكم كما يدعيه كليا مع مطابقته للسهولة والتخفيف الذين عليهما بناء الشريعة المحمدية، لتكثرت في الخارج افراده واستفاضت عنهم (عليهم السلام) جزئياته ان لم يصرحوا بكليته. (ثالثها) انه قد اختار في مسألة الارض والبواري ونحوها إذا جففتها الشمس بعد زوال عين النجاسة عدم الطهارة، بل حكم بالعفو خاصة مع بقاء النجاسة وعدم طهرها إلا بالماء. مع ان هذا مما يدخل تحت هذه القاعدة التي ادعاها هنا. إذ هو مما علم زوال النجاسة عنه قطعا. فلم لم يحكم بطهره ؟ بل حكم بالنجاسة، مستدلا


[ 409 ]

على ذلك بالروايات الواردة هناك التي من جملتها صحيحة ابن بزيع (1) قال: " سألته عن الارض والسطح يصيبه البول وما أشبهه، هل تطهره الشمس من غير ماء ؟ قال: كيف يطهر من غير ماء " فانظر ايدك الله تعالى إلى قوله: (عليه السلام) على جهة التعجب: " كيف يطهر من غير ماء " وما فيه من الصراحة في التطهير مطلقا لا يكون إلا بالماء. (رابعها) انه قد تفرد بان المتنجس لا ينجس، بمعنى ان النجاسة لا تتعدى إلا من عين النجاسة دون محلها بعد زوال العين، مع حكمه هناك ببقاء المحل على النجاسة واحتياجه إلى التطهير. وظاهر كلامه كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى (2) اعم من ان يكون في البدن أو غيره. وهنا قد حكم بالطهارة بمجرد زوال العين في غير الموضعين المشار اليهما في كلامه. ولا يخفى عليك ما بينهما من التدافع. وسيأتي الكلام معه ايضا في هذه المسألة ان شاء الله تعالى.

(المسألة الرابعة) الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في انه لو خالط المطلق مضاف مخالف له في الصفات ولم يسلبه الاطلاق لم يخرجه عن الطهورية وقد نقل الاجماع عليه غير واحد منهم. اما لو كان ذلك المضاف مسلوب الاوصاف كماء الورد العديم الرائحة فعن الشيخ (رحمه الله) انه جعل الحكم منوطا بالاكثرية، ثم قال: " فان تساويا ينبغي القول بجواز استعماله، لان الاصل الاباحة. وان قلنا يستعمل ذلك ويتيمم كان أحوط " وعن ابن البراج انه لا يجوز استعماله في رفع الحدث ولا ازالة النجاسة، ويجوز في غير ذلك. حكى ذلك عنهما العلامة في المختلف. ونقل فيه عن ابن البراج انه نقل مباحثه جرت بينه وبين الشيخ في ذلك، وخلاصتها تمسك


(1) المروية في الوسائل في الباب - 29 - من ابواب النجاسات. (2) في المسألة الثالثة من مسائل البحث الاول من احكام النجاسات.


[ 410 ]

الشيخ بالاصل الدال على الاباحة، وتمسكه هو بالاحتياط. ثم قال في المختلف: " والحق عندي خلاف القولين معا وان جواز التطهير به تابع لاطلاق الاسم، فان كانت الممازجة اخرجته عن الاطلاق لم تجز الطهارة به، وإلا جازت، ولا اعتبر في ذلك المساواة والتفاضل ولو كان ماء الورد اكثر وبقى اطلاق اسم الماء اجزأت الطهارة به، لانه امتثل المأمور به وهو الطهارة بالماء المطلق. وطريق معرفة ذلك ان يقدر ماء الورد باقيا على اوصافه. ثم يعتبر ممازجته حينئذ فيحمل عليه منقطع الرائحة " انتهى. وما ذكره من التقدير لم يتعرض لوجهه هنا، إلا انه وجهه في النهاية بان الاخراج عن الاسم سالب للطهورية، وهذا الممازج لا يخرج عن الاسم بسبب الموافقة في الاوصاف، فيعتبر بغيره، كما يفعل في حكومات الجراج. وانت خبير بان ما ذكره في المختلف من تبعية التطهير لاطلاق الاسم حق لا اشكال فيه، لان اجراء الاحكام تابع للتسمية. واما ما ذكره من التقدير فلا دليل عليه شرعا ولا عرفا. وما علله به في النهاية محل نظر، فانه إذا سلم ان هذا الممازج لا يخرج عن الاسم بسبب الموافقة في الاوصاف لزم حينئذ جواز الطهارة به، لابتنائها كما عرفت على وجود الاسم. إلا انه يمكن أن يقال: انه مع تقدير انتفاء الاوصاف في المضاف واتفاقه مع المطلق، لا يظهر سلب الاطلاق ولا يتميز عن المطلق في مادة بالكلية ولو فرض انه خالطه من المضاف المفروض اضعافا مضاعفة، فلو بني الكلام على ملاحظة الاطلاق وعدم تميز المضاف عن الماء المطلق لاشكل الامر في ذلك، فلابد من تقدير الاوصاف حينئذ. ويمكن الجواب ببناء الامر على استهلاك أحدهما في جنب الآخر، ويدعى حينئذ ان حصول الاسم لاحدهما تابع لا كثريته وغلبته على الآخر بحيث يستهلكه. والى القول باعتبار تقدير المخالفة كما ذكره العلامة ذهب الشهيد في الدروس


[ 411 ]

والشيخ علي في بعض فوائده. ووجهه بان الحكم لما كان دائرا مع بقاء اسم الماء مطلقا وهو إنما يعلم بالاوصاف وجب تقدير بقائها قطعا، كما يقدر الحر عبدا في الحكومة. والتقريب بهذا التقدير اجود مما ذكره العلامة (1) إلا ان فيه كما ذكرنا ان الاستعلام ممكن بدون اعتبار تقدير الاوصاف. كما إذا علم مقدار الماءين في الجملة قبل المزج، ولا يحتاج إلى التقدير. ثم اعلم ان العلامة (رحمه الله) ذكر اعتبار تقدير الوصف في كثير من كتبه، ولم يعترض فيها لبيان الوصف المقدر. وقد حكى عنه المحقق الشيخ علي انه قال في بعض كتبه: " يجب التقدير على وجه تكون المخالفة وسطا، ولا تقدر الاوصاف التي كانت قبل ذلك " واستوجهه الشيخ علي ايضا، وقربه بانه بعد زوال تلك الاوصاف صارت هي وغيرها على حد سواء، فيجب رعاية الوسط، لانه الاغلب والمتبادر عند الاطلاق قال: " وإنما قلنا ان الزائد هنا لا ينظر إليه بعد الزوال لانه لو كان المضاف في غاية المخالفة في اوصافه فنقصت مخالفته لم يعتبر ذلك القدر الناقص، فكذا لو زالت اصلا ورأسا " انتهى. واعترض عليه بان النظر إلى كلامه الاخير يقتضي كون المقدر هو أقل ما يتحقق معه الوصف لا الوسط. وتحقيقه ان نقصان المخالفة كما فرضه لو انتهى إلى حد لم يبق معه إلا أقل ما يصدق به المسمى، لم يؤثر ذلك النقصان، ولا اعتبر مع الوصف الباقي أمر آخر، فكذا مع زوال الوصف من أصله، واعتبار الاغلبية والتبادر هنا مما لا وجه له كما لا يخفى، فظهر ان المتجه على القول بتقدير الوصف هو اعتبار الاقل.


(1) لانه جعل المدار على اطلاق الماء، والعلم بالاوصاف انما هو لاجل العلم ببقاء الاطلاق وعدمه، فيجب تقدير بقائها ليمكن العلم ببقاء الاطلاق وعدمه. إلا ان فيه ما عرفت من ان الطريق إلى استعلام بقاء الاطلاق وعدمه لا ينحصر في ذلك (منه قدس سره).


[ 412 ]

فرع لو كان مع المكلف ما لا يكفيه للطهارة من المطلق وامكن إتمامه بمضاف على وجه لا يسلبه الاطلاق. فنقل عن الشيخ انه قال: " ينبغي أن يجوز استعماله وليس واجبا، بل يكون فرضه التيمم، لانه ليس معه من الماء ما يكفيه لطهارته ". واستضعفه العلامة في المختلف باستلزامه التنافي بين الحكمين، فان جواز الاستعمال يستلزم وجوب المزج، لان الاستعمال إنما يجوز بالمطلق، فان كان هذا الاسم صادقا عليه بعد المزج وجب المزج، لان الطهارة بالمطلق واجبة ولا تتم إلا بالمزج، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وان كذب الاطلاق عليه لم يجز استعماله في الطهارة ويكون خلاف الفرض، فظهر التنافي بين الحكمين ثم قال: " والحق عندي وجوب المزج ان بقي الاطلاق، والمنع من استعماله ان لم يبق " انتهى. واجاب ابنه فخر المحققين في الشرح بان الطهارة واجب مشروط بوجود الماء والتمكن منه، فلا يجب ايجاده، لان شرط الواجب المشروط غير واجب، اما مع وجوده فيتعين استعماله. واورد عليه المحقق الشيخ علي في شرح القواعد انه ان أراد بايجاد الماء ما لا يدخل تحت قدرة المكلف فاشتراط الامر بالطهارة حق ولا يضرنا، وان أاراد به الاعم فليس بجيد، إذ لا دليل يدل على ذلك، والايجاد المتنازع فيه معلوم كونه


(1) الظاهر ان مراد الشيخ (ره) من هذه العبارة ان المزج فيه غير واجب، لكن لو مزج فلا شك في وجوب الطهارة به بعد المزج، معللا بان وجوب الطهارة المائية مشروط بوجود الماء، وقيل المزج الماء غير موجود ففرضه التيمم. وربما قيل: ان معنى كلامه (رحمه الله) انه لا يجب المزج، ولو مزج لا يجب التطهير به بل يتخير بعد المزج ايضا بين الطهارة به والتيمم، معللا بان الاشتباه في الحس لا يستلزم اتحاد الحقيقة، والوجوب تابع لاتحاد الحقيقة، فلا يجب الطهارة به، واما جوازها فلصدق الاسم ولا يخفى بعده من كلام الشيخ الاجل " قده " (منه رحمه الله).


[ 413 ]

مقدرا للمكلف، والامر بالطهارة خال من الاشتراط. فلا يجوز تقييده إلا بدليل ثم قال: " والاصح مختار المصنف ". أقول: أنت خبير بانه لا خلاف في ان الطهارة المائية مشروطة بوجدان الماء كما يدل عليه قوله سبحانه (1): ".. فلم تجدوا ماء فتيمموا.. " (2) وحينئذ فلا معنى لقوله: " ان الامر بالطهارة خال من الاشتراط ". وبعض فضلاء متأخري المتأخرين (3) دفع كلام فخر المحققين بان وجدان الماء صادق عرفا على ما نحن فيه قبل المزج، فشرط الطهارة المائية وهو وجدان الماء موجود، قال: " وهو ليس بابعد من الوجدان فيما إذا أمكن حفر بئر مثلا، والظاهر انه لا نزاع في انه إذا أمكن حفر بئر مثلا لتحصيل الماء وجب، فلم لم يحكم بالوجوب هنا،


(1) في سورة النساء. الآية 46. وسورة المائدة. الآية 8. (2) فانه يدل على ان الفرض عند عدم وجدان الماء هو التيمم. ومنه يعلم ان وجوب الطهارة بالماء مشروط بوجدانه (منه رحمه الله). (3) هو الفاضل الخوانسارى في شرح الدروس. وقال ايضا في موضع آخر - بعد ان ادعى صدق وجدان الماء عرفا على ما نحن فيه وانه في العرف يقولون انه واجد للماء - ما لفظه: " وهذا نظير ما إذا فرض ان شرط الحج هو الزاد والراحلة وكان لاحد مال غير الزاد والراحلة ولكن امنكه ان يشتريهما به، فانه في العرف يقولون انه واجد للزاد والراحلة وان شرط وجوب الحج متحقق، بخلاف ما إذا لم يكن له مال اصلا ولكنه يقدر على الاكتساب، إذ حينئذ لا يقولون ان شرط الحج متتحقق " انتهى. وفيه ان الظاهر ان التنظير المذكور ليس في محله، إذ لا يخفى ان وجدان الماء الذي لا يقوم بالطهارة في حكم العدم لوجوب الانتقال إلى التيمم بالنظر إليه، فمزجه بالماء المضاف ليحصل به ايجاد الماء المطلق الموجب للطهارة اشبه شئ بالاكتساب بتقريب ما قالوه في قبول هبة ما يستطيع به الحج من انه نوع اكتساب فلا يجب عليه. ولا ريب ان ما نحن فيه ادخل في الاكتساب في الاحتمال فيكون حينئذ من قبيل ما إذا لم يكن له مال للاستطاعة ولكنه يقدر على الاكتساب لا من قبيل ما ذكره. ونظير ما ذكره انما هو من له مال يمكنه ان يشترى به ماء كما لا يخفى (منه رحمه الله).


[ 414 ]

والتفرقة خلاف ما يحكم به الوجدان " والى هذا يشير كلام السيد السند في المدارك ايضا وفيه ان الظاهر الفرق بين الوصول إلى الماء الموجود بحفر ونحوه وتحصيله بعد وجوده في حد ذاته وبين ايجاده، لانك تعلم ان هذا الماء المطلق الموجود قبل المزج في حكم العدم، لوجوب التيمم معه لو لم يكن المضاف موجودا اجماعا، فالمزج حينئذ نوع ايجاد لما تجب به الطهارة المائية. وبذلك يظهر لك رجحان كلام الشيخ (رضوان الله عليه) وان بناء كلامه إنما هو على عدم صدق وجدان الماء في الصورة المفروضة.

(المسألة الخامسة) اختلف الاصحاب (نور الله تعالى مراقدهم) في طريق تطهير المضاف بعد نجاسته على اقوال: (أحدها) ما ذهب إليه الشيخ في المبسوط حيث قال: " لا يطهر إلا بان يختلط بما زاد على الكر من المطلق. ثم ينظر. فان سلبه اطلاق اسم الماء لم يجز استعماله بحال، وان لم يسلبه اطلاق اسم الماء وغير احد اوصافه: أو لونه أو طعمه أو ريحه، لم يجز استعماله ايضا بحال " وربما كان الظاهر من المعتبر ايضا اختيار هذا القول، حيث نقل هذا الكلام ولم يتعرض لرده. والى هذا ذهب العلامة في التحرير الا انه لم يعتبر الزيادة على الكر. وبعضهم عده لذلك قولا رابعا في المسألة، إلا ان الظاهر كما ذكره البعض ان ذكر الزيادة في كلام الشيخ إنما خرج مخرج التساهل في التعبير. واعترض على هذا القول بان الدليل إنما دل على نجاسة الكثير من المطلق بتغير أحد اوصافه الثلاثة إذا كان التغير بالنجاسة لا المتنجس، والتغير هنا إنما هو بالمتنجس. وبينهما فرق واضح. واجيب بان المضاف صار بعد تنجيسه في حكم النجاسة، فكما ينجس الملاقي له ينجس المتغير به. وفيه انه ان اريد بصيرورته في حكم النجاسة يعني في جميع الاحكام فهو ممنوع، وان اريد في بعضها فهو غير مجد في المقام.


[ 415 ]

قيل: ويمكن أن يحتج عليه باستصحاب النجاسة حتى يثبت المزيل. واجيب بان التمسك بالاستصحاب هنا مشكل، إذ ثبوت أصل النجاسة للمضاف إنما ثبت بالاجماع، وهو مفقود في هذه الصورة، فيصير بمنزلة المتيمم الواجد للماء في اثناء الصلاة. وفيه نظر، فان بعض الاخبار التي قدمناها في المسألة الاولى ظاهر بل صريح في النجاسة، والدليل غير منحصر في الاجماع كما توهموه. ولا ريب ان الاخبار الدالة على المنع من استعمال المتنجس عامة لجميع الاحوال إلى ان يظهر الرافع. والحق في الجواب ان من شروط العمل بالاستصحاب عدم معارضة استصحاب آخر له، ولا ريب ان استصحاب الطهارة في الماء المطلق هنا معارض. ولا ترجيح لاحد الاستصحابين على الآخر فتساقطا، ويرجع إلى اصالة الطهارة العامة في جميع الاشياء واصالة الحل. بل التحقيق في المقام ان يقال: انه لما كانت الاخبار دالة على ان الكر لا ينفعل بمجرد الملاقاة وانما ينفعل بتغير اوصافه بالنجاسة، وقد اتفق الاصحاب على انه مطهر لما مازجه واستهلك فيه من النجاسة أو المتنجس ماء كان أو غيره، وجب القول بطهارة ما نحن فيه، لاندارجه تحت عموم تلك الاخبار، واتفاق الاصحاب، وتحقق الرافع لاستصحاب النجاسة (1) وخلاف ما خالف في هذه المادة لا يثمر نقضا. (اما أولا) فلعدم الدليل بل الدليل على خلافه واضح السبيل. و (اما ثانيا) فلكون المخالف نفسه هنا أحد القائلين هناك، فلا تقدح مخالفته هنا في الاجماع المدعى. وبالجملة فالظاهر ان الطهارة في الصورة المذكورة مما لا يحوم حولها الشك.


(1) فيه اشارة إلى انه لو تمسك الخصم بالاستصحاب فجوابه انه قد تحقق رافعة كما تقدم بيانه (منه رحمه الله).


[ 416 ]

(الثاني) ما ذهب إليه العلامة في المنتهى والقواعد (1) من الاكتفاء بممازجة الكر له من غير اشتراط للزيادة عليه، ولا لعدم تغير أحد أوصافه بالمضاف، بل ولا لعدم سلبه الاطلاق وان خرج المطلق بذلك عن كونه مطهرا، فاما الطهارة فتثبت للجميع (2). وعلل بان بلوغ الكرية سبب لعدم الانفعال إلا مع التغير بالنجاسة، فلا يؤثر المضاف في تنجيسه باستهلاكه اياه، لقيام السبب المانع. وليس ثمة عين نجسة يشار إليها تقتضي التنجيس. واجيب بان بلوغ الكرية وصف للماء المطلق، وإنما يكون سببا لعدم الانفعال مع وجود موصوفه، ومع استهلاك المضاف للمطلق وقهره اياه يخرج عن الاسم، فيزول الوصف الذي هو السبب لعدم الانفعال، فينفعل حينئذ ولو بالمتنجس كسائر أقسام المضاف. قيل: ولا يخفى ان هذا الجواب إنما يتم لو تمسك باستصحاب نجاسة المضاف، وقد عرفت من عدم تماميته، إذ الاجماع فيما نحن فيه مفقود. وفيه نظر قد تقدم بيانه. (الثالث) ما ذهب إليه العلامة ايضا في النهاية والتذكرة واقتفاه جملة من المتأخرين، وهو الاكتفاء بممازجة الكر له من غير زيادة، لكن بشرط بقاء الاطلاق بعد الامتزاج، ولا أثر لتغير أحد الاوصاف. والوجه فيه، اما بالنسبة


(1) والى هذا القول جنح الفاضل الخوانسارى في شرح الدروس بناء على توقف ابطال دليله على الاستصحاب، وهو غير مسلم، فان الدليل على نجاسة المضاف بالملاقاة انما هو الاجماع، والخلاف في موضع النزاع يدفعه. وانت خبير بان الدليل غير منحصر في الاجماع كما توهمه هو وغيره. بل الاخبار التى قدمناها صريحة في ذلك (منه رحمه الله). (2) قال في القواعد: " لو نجس المضاف ثم امتزج بالمطلق الكثير فغير أحد اوصافه فالمطلق على طهارته. فان سلبه الاطلاق خرج عن كونه مطهرا لا طاهر " انتهى. (منه رحمه الله).


[ 417 ]

إلى الاكتفاء بالكر فلان الغرض من الكثرة عدم قبول المطلق للنجاسة، وبلوغ الكرية كاف فيه، فلا وجه فيه لاعتبار الزائد، واما بالنسبة إلى اشتراط بقاء الاطلاق فلان المضاف يتوقف طهره على شيوعه في المطلق بحيث يستهلك فيه. وهذا لا يتم بدون بقاء المطلق على اطلاقه، وإذا لم تحصل الطهارة للمضاف وصار المطلق بخروجه عن الاسم قابلا للانفعال فلا جرم ينجس الجميع، وبالنسبة إلى عدم تأثير تغير أحد الاوصاف به ان الاصل في الماء الطهارة، والدليل انما دل على نجاسته مع التغير بالنجاسة ولم يحصل كما عرفت. واعلم ان المحقق الشيخ علي (قدس سره) في شرح القواعد صرح بالنسبة إلى القول الثاني بان موضع النزاع ما إذا اخذ المضاف النجس والقى في المطلق الكثير فسلبه الاطلاق، فلو انعكس الفرض وجب الحكم بعدم الطهارة جزما، لان موضع المضاف النجس نجس لا محالة، فيبقى على نجاسته، لان المضاف لا يطهره والمطلق لم يصل إليه، فينجس المضاف به على تقدير طهارته. انتهى. وبذلك صرح جمع ممن تأخر عنه.


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>