تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الأول


 

الفصل السادس

في الاسآر

والبحث فيها يقع في مواضع:

(الأول) السؤر لغة: البقية والفضلة كما في القاموس، أو البقية بعد الشرب كما نقله في المعالم عن الجوهري، وقيل عليه ان ما نسبه إلى الجوهري لم نجده في الصحاح، ولعله أراد انه بهذه العبارة ليس فيه، وإلا فقد ذكر فيه ان سؤر الفأرة وغيرها ما يبقى بعد شربها. ونقل في كتاب مجمع البحرين عن المغرب وغيره ان السؤر هو بقية الماء التي يبقيها الشارب في الاناء أو في الحوض ثم استعير لبقية


[ 418 ]

الطعام. ونقل فيه ايضا عن الازهري ان السؤر هو ما يبقى بعد الشراب. وقال الفيومي في كتاب المصباح المنير: " والسؤر بالهمزة من الفأرة وغيرها كالريق من الانسان " وهو كما ترى مخالف لما تقدم. ومنه يظهر ان كلام أهل اللغة غير متفق في المقام (1). وفى اصطلاح اصحابنا على ما ذكره الشهيد (رحمه الله) وجملة ممن تأخر عنه انه ماء قليل باشره جسم حيوان، واسظهر في المدارك تعريفه في هذا المقام بانه ماء قليل باشره فم حيوان. ثم اعترض على التعريف الاول، قال: " أما اولا فلانه مخالف لما نص عليه أهل اللغة ودل عليه العرف العام بل والخاص، كما يظهر من تتبع الاخبار وكلام الاصحاب، وان ذكر بعضهم في باب السؤر غيره استطرادا. وكون الغرض هنا بيان الطهارة والنجاسة لا يقتضي هذا التعميم، لان حكم ما عدا السؤر يستفاد من مباحث النجاسات. و (اما ثانيا) فلان الوجه الذي لاجله جعل السؤر قسيما للمطلق مع كونه قسما منه بحسب الحقيقة وقوع الخلاف في نجاسة بعضه من طاهر العين وكراهة بعض آخر. وليس في كلام القائلين بذلك دلالة على اعتبار مطلق المباشرة، بل كلامهم ودليلهم كالصريح في أن مرادهم بالسؤر المعنى الذي ذكرناه خاصة " انتهى. وانت خبير بما فيه من المناقشات التي ليس في التعرض لها كثير فائدة (2).


(1) فان كلام القاموس ظاهر الدلالة في العموم للماء وغيره مع الملاقاة بالفم وغيره وما نقله في المجمع صريح في التخصيص بالماء المباشر بالفم، وكلام المصباح ظاهر ايضا في المغايرة لكل من المعنيين المتقدمين (منه رحمه الله) (2) (اما اولا) - فلما عرفت من اختلاف كلام اهل اللغة كما قدمنا ذكره. واما الاخبار فكذلك كما ذكرناه، وبه يظهر بطلان الاستناد إلى اللغة والعرف الخاص. واما العام فقد عرفت الكلام فيه في غير مقام و (اما ثانيا) - فلان التعريف المقصود به افادة حكم -


[ 419 ]

والتحقيق ان يقال: انه لما كان الغرض من التعريف حيث كان هو بيان حكم كلي وقاعدن تبتني عليها الاحكام الشرعية، فلابد من ابتنائه على الدليل الشرعي ولا تعلق له بالخلاف الوفاق، وحينئذ فان اريد بالتعريف هنا بالنظر إلى ما اطلق فيه لفظ السؤر من الاخبار، ففيه انه لا دلالة في الاخبار على الانحصار في خصوصية الشرب بالفم، إذ غاية ما فيها كما ستمر بك ان شاء الله تعالى السؤال عن سؤر ذلك الحيوان هل يتوضأ منه ويشرب أم لا ؟ بل فيها ما يدل على اطلاق السؤر على الفضلة من الجوامد، كاخبار الهرة التي منها قول علي (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1): " ان الهر سبع ولا بأس بسؤره، واني لاستحيي من الله ان ادع طعاما لان الهر أكل منه " وان اريد بالنظر إلى ما دل عليه بعض الاخبار من المغايرة بين السؤر وذي السؤر في الحكم أو الاتفاق، فالمفهوم منها ايضا ما هو أعم من المباشرة بالفم أو غيره، كما في صحيحة عيص بن القاسم (2) حيث قال (عليه السلام): " وتوضأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة وتغسل يدها قبل ان تدخلها الاناء " وبالجملة فالاظهر في التعريف بالنظر إلى ظواهر الاخبار تعميم الحكم في المباشرة بالفم وغيره ماء كان أو غيره. نعم متى اريد السؤر من الماء خاصة اختص بالتعميم الاول. على ان الحق ان يقال: ان افراد السؤر بالبحث على حدة وجعله قسيما للمطلق مع كونه قسما منه مما لم يقم عليه دليل، وان جرت الاصحاب (رضوان الله عليهم) على ذلك جيلا بعد جيل، فان الذي يظهر من الاخبار ان الامر لا يبلغ إلى هذا المقدار الموجب لاستقلاله وامتيازه عن المطلق على حياله، وتوضيحه ان


= شرعى كلى وجعله قاعدة كلية لا يبتنى على كلام الاصحاب واختلافهم أو اتفاقهم، وانما يبتنى على الادلة الواردة في المقام (منه قدس سره). (1) المروية في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب الاسآر. (2) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب الاسآر.


[ 420 ]

ما حكموا فيه من الاسآر بالطهارة والنجاسة ليس لخصوصية كونه سؤرا، وإنما هو من حيث التبعية لذى السؤر في الطهارة والنجاسة، وهذا حكم عام، ومحله مبحث النجاسات والمطهرات. وما اختلفوا فيه منها طهارة ونجاسة فانما نشأ من اختلافهم في حيوانه بذلك ايضا، ومحل هذا ايضا هناك. واما خلاف من خالف فحكم بنجاسة اسآر بعض الحيوانات مع حكمه بطهارة ذلك الحيوان فلا دليل عليه كما سيظهر لديك ان شاء الله تعالى. وما حكموا فيه بالكراهة من تلك الاسآر فهو ايضا خال من الدليل كما سنتلوه عليك ان شاء الله تعالى، عدا موضع واحد وهو سؤر الحائض المتهمة، فان الاخبار قد دلت على النهي عنه، إلا ان غاية ما تدل عليه هو النهي بالنسبة إلى الوضوء خاصة دون الشرب وغيره، والظاهر ان الوجه فيه هو اختصاص ماء الطهارة بالمزية زيادة على غيره من سائر المياه المستعملة كما ورد من كراهة الوضوء بالماء الآجن والمشمس ونحوهما، وهذا بمجرده لا يوجب افراد بعض اجزاء الماء المطلق بعنوان على حدة وجعله قسسيما له، وإلا لكان الفردان المذكوران كذلك ولان اختصاص الكراهة بالوضوء دون غيره يخرج ذلك عن كونه حكما كليا في السؤر كما يدعونه.

(الموضع الثاني) ان ذا السؤر اما ان يكون آدميا أو غيره، والاول اما مسلم ومن بحكمه أو كافر ومن بحكمه، والثاني اما مأكول اللحم أو غيره، وغير مأكول اللحم اما طاهر العين أو لا، فالاقسام خمسة. والسؤر عندهم اما طاهر أو نجس أو مكروه. ولا يخفى ان اكثر مباحث هذا الفصل وما يتعلق بها من التحقيق وبسط الادلة التي بها تليق قد وكلناها إلى مبحث النجاسات، فانها بذلك انسب كما اشرنا إليه آنفا، ولنشر هنا اجمالا إلى ما يخص هذا المقام جريا على وتيرة من تقدمنا من علمائنا الاعلام جزاهم الله تعالى عنا افضل جزاء في دار الاكرام.


[ 421 ]

فنقول: حيث كانت الاقسام التي اشرنا إليها خمسة فالبحث يقع ههنا في موارد خمسة:

(الأول) سؤر الآدمي المسلم، والمراد به ما هو أعم من منتحل الاسلام كما اطلق عليه في كلام اصحابنا (رضوان الله عليهم) وحينئذ فينقسم السؤر بالنسبة إلى ذلك إلى الاقسام الثلاثة المتقدمة، فالقسم الاول والثاني الطاهر والنجس. وتحقيق القول فيهما هنا ان نقول: ان بعض افراد ذي السؤر هنا مما اتفق على طهارته وبعض مما اتفق على نجاسته وبعض مما اختلف فيه.

(فالاول) المؤمن عدا من يأتي ذكره في القسم الثالث، ولا خلاف ولا إشكال في طهارة سؤره بل افضليته، لما روي من استحباب الشرب من سؤره والوضوء من فضل وضوئه.

و(الثاني) الخوارج والنواصب والغلاة، ولا خلاف بين اصحابنا في نجاستهم ونجاسة سؤرهم.

و(الثالث) منه المجسمة والمجبرة، وقد نقل عن الشيخ في المبسوط القول بنجاستهم، وتبعه في المجسمة العلامة في المنتهى، والمشهور الطهارة. والكلام في السؤر تابع للقولين. الا ان جملة من القائلين بالطهارة ذهبوا هنا إلى الكراهة كما سيأتي ذكره تفصيا من خلاف الشيخ (رحمه الله). ومنه ولد الزنا، فالمنقول عن المرتضى القول بنجاسته، لانه كافر، ويعزى القول بكفره إلى ابن ادريس ايضا. وربما ظهر ذلك ايضا من كلام الصدوق (رحمه الله) في الفقيه، حيث قال (1): " ولا يجوز الوضوء بسؤر اليهودي والنصراني وولد الزنا والمشرك وكل من خالف الاسلام " وما قيل من ان عدم جواز الوضوء به


(1) في باب (المياه وطرها ونجاستها).


[ 422 ]

أعم من النجاسة، فكلامه ليس بصريح في النجاسة مردود بان ذكره مع المشرك ونحوه قرينة واضحة على ارادة النجاسة، والمشهور الطهارة. والكلام في السؤر تابع للقولين. ومنه المخالف، فقد نقل عن ابن ادريس القول بنجاسته عدا المستضعف، وعن المرتضى القول بنجاسة غير المؤمن، واكثر متأخري الاصحاب على الطهارة. وحكم السؤر تابع لذلك.

(القسم الثالث) المكروه، ومنه سؤر الحائض على الاطلاق عند جملة من اصحابنا، ومقيدا بالمتهمة عن آخرين. احتج الاولون بجملة من الاخبار، كرواية عنبسة بن مصعب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سؤر الحائض يشرب منه ولا يتوضأ " ومثلها رواية الحسين بن ابي العلاء (2) ورواية ابي بصير (3). ويدل على الثاني موثقة علي بن يقطين عن ابي الحسن (عليه السلام) (4) " في الرجل يتوضأ بفضل الحائض ؟ قال: إذا كانت مأمونة فلا بأس " وموثقة عيص بن القاسم (5) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن سؤر الحائض قال: توضأ منه، وتوضأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة وتغسل يدها قبل ان تدخلها الاناء " هكذا رواها في التهذيب (6) واما في الكافي (7) فرواها في الصحيح، وفيها حكاية جوابه (عليه السلام) قال: " لا توضأ منه وتوضأ من سؤر الجنب.. الحديث " وحينئذ فيكون منتظما في سلك الاخبار المتقدمة، وقضية حمل المطلق على المقيد كما هي القاعدة المعمول عليها بينهم تقتضي رجحان القول الثاني.


(1) و (2) و (3) و (4) المروية في الوسائل في باب - 8 - من ابواب الاسآر. (5) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب الاسآر. (6) في الصحيفة 63. (7) ج 1 ص 4.


[ 423 ]

إلا انه لا يخفى ان الاخبار كلها إنما اتفقت في النهي عن الوضوء خاصة، واما الشرب ففي بعضها تصريح بجوازه وفي بعضها قد طوي ذكره، ولعل الوجه في ذلك ما اشرنا إليه آنفا (1) من اختصاص ماء الوضوء بالمزية كما في غير هذا الموضع، لا من حيث كونه سؤرا، وإلا لعم. بقي هنا شئ وهو ان اكثر الاصحاب خصوا الكراهة بسؤر المتهمة، وهي التي لا تتحفظ من النجاسة، والروايات المقيدة إنما دلت على جواز الوضوء من سؤر المأمونة، وهي المتحفظة من الدم، ولا ريب ان غير المأمونة أعم من أن تكون متهمة أو مجهولة، والظاهر انه لذلك عدل المحقق في الشرائع عن العبارة المشهورة فعبر بغير المأمونة، وبه صرح السيد السند في شرحه، حيث قال مشيرا إلى عبارة المصنف: ان ذلك اولى من اناطتها بالتهمة كما ذكره غيره. قال: " لان النهي إنما يقتضي انتفاء المرجوحية إذا كانت مأمونة، وهو اخص من كونها غير متهمة، لتحقق الثاني في ضمن من لا يعلم حالها دون الاول. وما ذكره بعض المحققين من ان المأمونة هي غير المتهمة، إذ لا واسطة بين المأمونة ومن لا امانة لها، والتي لا امانة لها هي المتهمة غير جيد، فان المتبادر من المأمونة من ظن تحفظها من النجاسة وتقيضها من لم يظن بها ذلك، وهو اعم ممن المتهمة والمجهولة " انتهى. ويمكن ان يقال: انه وان كان نقيض المأمونة ما ذكره من الاعم من المتهمة والمجهولة، لكن المراد هنا هو المتهمة خاصة، لان تعلق الحكم الذي هو الكراهة بانتفاء المأمونية يقتضي حصول العلم أو الظن بمتعلقه الذي هو عدم المأمونية، وهو لا يحصل مع الجهل بحالها، لاحتمال كونها مأمونة واقعا.


(1) في الصحيفة 420.


[ 424 ]

فرع ألحق الشهيد في البيان بالحائض المتهمة بناء على ما اختاره من التقييد بالمتهمة كل متهم، واستحسنه جملة ممن تأخر عنه منهم: الشهيد الثاني في الروضة. ورده المحقق الشيخ علي بانه تصرف في النص. ونقل بعض فضلاء المتأخرين عبارة الشيخ علي بما صورته بانه تصرف في التصرف. وقال في توجيهها: " وكأنه أراد بذلك ان قصر الكراهة في سؤر الحائض على المتهمة للجمع بين الاخبار تصرف اول، ثم تعدية الحكم إلى كل متهم إنما حصل بهذا التصرف، فهو تصرف ثان في التصرف الاول " وفيه ان مرمى هذا العبارة يؤذن بعدم قوله بالتقييد واختياره له، مع انه صرح في صدر هذا الكلام بانه الاصح عنده، حيث قال بعد قول المصنف: والحائض المتهمة ما لفظه: " اي بعدم التحفظ من النجاسة والمبالاة بها على الاصح، جمعا بين روايتي النهي عن الوضوء بفضلها ونفي الباس إذا كانت مأمونة " والظاهر ان ما نقله الفاضل المذكور ناشئ عن غلط في نسخته وتصحيف النص بالتصرف، والمعنى على ما نقلنا ظاهر لا سترة عليه. ومن هذا القسم ايضا ما اختلف فيه بالطهارة والنجاسة عند من اختار الطهارة خروجا من خلاف من قال بالنجاسة وان كان من غير الآدمي كما سيأتي، قال في المعالم بعد ذكر جملة من الافراد المختلف في طهارتها ونجاستها، ونقل القول بالكراهة في بعضها عن المحقق خروجا من خلاف من قال بالنجاسة، واعتراضه عليه بانه لا وجه للتخصيص بالبعض، لان دليله آت في الكل ما صورته: " وبالجملة فكراهة المذكورات لا ينبغي التوقف فيها حيث يقال بالطهارة، فان رعاية الخروج من الخلاف كافية في مثله " انتهى. وفيه نظر، فان الكراهة حكم شرعي يتوقف على الدليل ومجرد ذهاب البعض وخلافه في الحكم ليس بدليل شرعي حتى تبنى عليه الاحكام


[ 425 ]

الشرعية، فان اجيب بان الوجه فيه الاحتياط، قلنا: فيه (اولا) ان الاحتياط عندهم ليس بدليل شرعي. و (ثانيا) انه مع جعله دليلا شرعيا كما هو الاظهر عندنا كما قدمنا تحقيقه في المقدمة الرابعة فهو يدور مدار الاختلاف بين الادلة كما هو احد موارده لا مدار الاختلاف بين العلماء وان كان لا عن دليل، وحينئذ فالحكم بالكراهة فيما تعارضت فيه ادلة الطهارة والنجاسة مع رجحان الاول متجه. ويلحق بالمسلم في الطهارة والنجاسة عند الاصحاب من بحكمه من الطفل المتولد منه، ومسببه والمجنون، ولقيط دار الاسلام، ومثله لقيط دار الكفر إذا امكن تولده من مسلم على قول.

(المورد الثاني) سؤر الكافر ومن بحكمه. ولا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في نجاسة من عدا اليهود والنصارى من أصناف الكفار، سواء كان كفرا اصليا أو ارتداديا، ونجاسة سؤرهم حينئذ تابع لهم. واما اليهود والنصارى فمحل خلاف بين الاصحاب والاخبار، كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في محله. والحكم في سؤرهم تابع للمترجح من الطرفين. وظاهر القائلين بالطهارة الحكم بكراهة اسآرهم على ما نص عليه في المعالم وغيره. ولا بأس به، لا لما ذكروه من التفصي من خلاف من ذهب إلى القول بالنجاسة، بل من حيث ان الاخبار متعارضة فيهم طهارة ونجاسة، فمتى ترجح القول بالطهارة منها فلا بأس بالاحتياط بالنجاسة بحمل ما دل على النجاسة على الاستحباب. وبحكم الكافر طفله عند الاصحاب، معللين ذلك بنجاسة اصله، واستشكله في المدارك بان الدليل ان تم فانما يدل على نجاسة الكافر المشرك واليهود والنصارى، والولد قبل بلوغه لا يصدق عليه شئ من ذلك. وهو جيد في الظاهر، ويؤيده الخبر المشهور عنه (صلى الله عليه وآله) " ان كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أبواه


[ 426 ]

يهودانه أو ينصرانه " (1) فان من الظاهر ان التهويد والتنصير إنما يثبت له مع البلوغ أو بعده، لما يحصل له من طول المعاشرة والممارسة معهما والانس بهما قبل ذلك، فيؤثر فيه ويورثه الميل إلى مذهبهما واختياره، وتحقيق المسألة كما هو حقه يأتي ان شاء الله تعالى في باب التطهير من النجاسات.

(المورد الثالث) سؤر غير الآدمي من الحيوان المأكول اللحم. ولا خلاف في طهارته لطهارة حيوانه، إلا ان الاصحاب (رضوان الله عليهم) حكموا بالكراهة في جملة من افراده. فمن ذلك سؤر الحيوانات الثلاثة: الخيل والبغال والحمير الاهلية (2) ولم نقف له على مستند، وربما علل بان فضلات الفم التي لا تنفك عنها تابعة للجسم. وهو مجرد دعوى خالية من الدليل.


(1) رواه المجلسي في الحار ج 2 ص 88 عن غوالي اللئالى عن النبي (صلى الله عليه وآله) وفى ج 15 ص 36 قال: وقال (صلى الله عليه وآله): " كل مولود.. الخ " وفى اصول الكافي باب (فطرة الخلق على التوحيد) في حديث عن ابى جعفر (عليه السلام) " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كل مولود يولد على فطرة، يعنى على المعرفة بان الله تعالى خالقه " ورواه صاحب الوسائل في الباب 48 من كتاب الجهاد عن الصادق (عليه السلام) هكذا: " ما من مولود يولد الا على الفطرة فابواه اللذان يهودانه وينصرانه ويمجسانه ". ورواه احمد في مسنده ج 2 ص 275 عن ابى هربرة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورواه عنه ايضا مسلم في الصحيح ج 2 ص 412 ورواه البخاري في آخر كتاب الجنائز باب (اولاد المشركين) وفى كتاب القدر باب (الله اعلم بما كانوا عاملين) عن ابى هريرة بلفظ " ما من مولود.. الخ " ورواه ابن حجر في مجمع الزوائد ج 7 ص 218. (2) في التقييد بالاهلية اشارة إلى خروج الوحشية من هذه الحيوانات، لما نقله بعض الاصحاب من الاتفاق على انتفاء الكراهة في الوحشية، وهو الذى يظهر من الدليل كما سيأتي تحقيقه في محله ان شاء الله تعالى (منه رحمه الله).


[ 427 ]

ويمكن الاستدلال على ذلك بمفهوم رواية سماعة (1) قال: " سألته هل يشرب سؤر شئ من الدواب ويتوضأ منه ؟ فقال: أما الابل والبقر والغنم فلا بأس ". وثبوت البأس بالمفهوم وان كان أعم من التحريم، إلا ان جملة من الاخبار لما دل على جواز الشرب والوضوء من سؤرها، حمل البأس هنا على الكراهة. ومما دل على الجواز خصوص صحيحة ابي العباس (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن فضل الهرة والشاة والبقرة والابل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع، فلم اترك شيئا الا سألته عنه، فقال: لا بأس به، حتى انتهيت إلى الكلب، فقال: رجس نجس لا تتوضأ بفضله واصبب ذلك الماء.. ". ورواية معاوية بن شريح (3) قال: " سأل عذافر أبا عبد الله (عليه السلام) وانا عنده عن سؤر السنور والشاة والبقرة والبعير والحمار والفرس والبغل والسباع يشرب منه أو يتوضأ منه ؟ فقال: نعم اشرب منه وتوضأ. قال: قلت له: الكلب ؟ قال: لا. قلت: أليس هو سبع ؟ قال: لا والله انه نجس، لا والله انه نجس ". وصحيحة جميل بن دراج (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن سؤر الدواب والغنم والبقر أيتوضأ منه ويشرب ؟ فقال: لا بأس ". وعموم صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " لا بأس بان يتوضأ مما يشرب منه ما يؤكل لحمه " ومثلها موثقة عمار (6) وفيها " كل ما


(1) و (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب الاسآر. (2) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الاسآر، وفى الباب - 11 - من ابواب النجاسات. (3) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الاسآر. (6) المروية في الوسائل في الباب - 4 - من ابواب الاسآر.


[ 428 ]

اكل لحمه يتوضأ من سؤره ويشرب ". والحق تقديم العمل بهذه الاخبار، لاستفاضتها وصراحتها وصحة اكثرها، وضعف ما عارضها سندا ودلالة. ومنها سؤر الدجاج. وقد اطلق العلامة وغيره كراهة سؤرها، وعلل بعدم انفكاك منقارها عن النجاسة غالبا، وحكى في المعتبر عن الشيخ (رحمه الله) انه قال: " يكره سؤر الدجاج على كل حال " ثم قال بعده: وهو حسن ان قصد المهلمة، لانها لا تنفك عن الاغتذاء بالنجاسة. وبه جزم في المعالم ايضا. وانت خبير بان الاخبار الواردة هنا عموما وخصوصا متفقة في نفي البأس عن ذلك وجواز الوضوء والشرب منه. فمن الاول صحيحة عبد الله بن سنان وموثقة عمار المتقدمتان. ومن الثاني رواية ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " فضل الحمامة والدجاجة لا بأس به والطير ". وموثقة عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) انه: " سئل عن ماء شربت منه الدجاجة. قال: ان كان في منقارها قذر لم يتوضأ منه ولم يشرب، وان لم تعلم ان ان في منقارها قذرا توضأ منه واشرب، وقال: كل ما يؤكل لحمه فليتوضأ منه وليشربه ". ولا يخفى ان الخروج عن مدلول هذه الروايات عموما وخصوصا وحملها على مجرد نفي الحرمة بمجرد ما ذكروا من التعليل لا يخلو من مجازفة، سيما ان الكراهة كما عرفت آنفا حكم شرعي، فيتوقف ثبوته على الدليل. وما ربما يقال من ان الامر بالاحتياط في الدين الوارد في جملة من الاخبار


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 4 - من ابواب الاسآر.


[ 429 ]

يشمل مثل هذا ففيه (اولا) ما قدمنا من ان الاحتياط عندهم ليس بدليل شرعي، و (ثانيا) ان المستفاد من الاخبار الدالة على عدم السؤال والفحص عما يشترى من اسواق المسلمين ويؤخذ من ايديهم والنهي عن ذلك وان كان احتمال التحريم أو النجاسة فيه قائما، والبناء في ذلك على ظاهر الحل والطهارة، عملا بسعة الحنيفية السمحة السهلة عدم الاحتياط هنا.

(المورد الرابع) سؤر غير الآدمي من الحيوان الغير المأكول اللحم عدا الكلب والخنزير، وقد اختلف الاصحاب في ذلك، فذهب الفاضلان وجمهور المتأخرين إلى طهارة سؤر كل حيوان طاهر، ونقل ايضا عن النهاية والخلاف، إلا انه استثنى في النهاية سؤر آكل الجيف من الطير، ونقل عن المرتضى وابن الجنيد استثناء الجلال، ونقل عن ظاهر الشيخ (رحمه الله) في كتابي الاخبار المنع من سؤر ما لا يؤكل لحمه، لكنه في الاستبصار استثنى من ذلك سؤر الفأرة والبازى والصقر ونحوهما من الطيور، ونقل عن المبسوط انه ذهب إلى عدم جواز استعمال سؤر ما لا يؤكل لحمه من الحيوان الانسي عدا ما لا يمكن التحرز منه كالفأرة والحية والهرة، وجواز استعمال سؤر الطاهر من الحيوان الوحشي طيرا كان أو غيره، حكاه عنه المحقق في المعتبر. ونقل في المختلف عن ابن ادريس انه حكم بنجاسة سؤر ما لا يؤكل لحمه من حيوان الحضر من غير الطير مما يمكن التحرز عنه. والاظهر من هذه الاقوال هو القول الاول.

ومحل الخلاف هنا في مواضع اربعة:

(احدها) الجلال، وقد عرفت ان المرتضى وابن الجنيد استثنياه من السؤر المباح، وكذا نقل عن الشيخ في المبسوط. ومقتضى كلامهم الحكم بنجاسة السؤر مع طهارة حيوانه. وقد اعترف جمع ممن تقدمنا انهم لم يقفوا له على دليل. وربما استدل عليه بان رطوبة افواهها ينشأ من غذاء نجس فيجب الحكم بالنجاسة.


[ 430 ]

ورد بمنع الملازمة، وبالنقض ببصاق شارب الخمر إذا لم يتغير به، وبما لو أكل غير العذرة مما هو نجس. اقول: ومن المحتمل قريبا ان حكم الشيخ (رحمه الله) بنجاسة اللعاب هنا لحكمه بنجاسة العرق. إلا ان فيه ان مورد الدليل العرق خاصة، والتعدية قياس. ويدل على المشهور اصالة الطهارة، وعموم صحيحة الفضل المتقدمة (1) وكذا رواية ابي بصير السالفة (2) وموثقة عمار (3) حيث قال فيها: " وسئل عن ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب. فقال: كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه إلا ان ترى في منقاره دما، فان رأيت في منقاره دما فلا تتوضأ منه ولا تشرب ". وحكم جمهور الاصحاب هنا بالكراهة ايضا خروجا من خلاف اولئك الجماعة. وفيه ما عرفت آنفا (4) نعم يمكن الاستدلال على ذلك برواية الوشاء عمن ذكره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) " انه كان يكره سؤر كل شئ لا يؤكل لحمه " ومفهوم موثقة عمار المتقدمة (6) الدالة على ان كل ما يؤكل يتوضأ من سؤره ويشرب فان الظاهر ان المقام هنا قرينة على التقييد بالوصف، لكونه مناط الحكم. إلا انه لا يخلو ايضا من خدش.

(ثانيها) آكل الجيف، وقد عرفت ان الشيخ في النهاية استثناه من طهارة سؤر كل حيوان طاهر وحكم بنجاسته، والمشهور الطهارة كما تقدم. ولم نقف للشيخ على دليل، وبذلك اعترف جمع من الاصحاب ايضا، وظواهر الاخبار المتقدمة وغيرها ظاهر في العدم.


(1) في الصحيفة 427. (2) في الصحيفة 328. (3) المروية في الوسائل في الباب - 4 - من ابواب الاسآر. (4) في الصحيفة 424. (5) المروية في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب الاسآر. (6) في الصحيفة 428.


[ 431 ]

وقد صرح الاصحاب هنا بالكراهة ايضا لعين ما تقدم. وفيه ما عرفت غير مرة. وصار المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) إلى الكراهة هنا تمسكا بما قدمنا ذكره في الجلال من التمسك برواية الوشاء وموثقة عمار. وفيه (اولا) انه لا يقوم دليلا على العموم، لعدم جريانه فيما يؤكل لحمه. و (ثانيا) ان الحكم معلق على عدم كونه مأكول اللحم، ولا مدخل فيه لاكل الجيف، وهو ظاهر.

(ثالثها) ما لا يؤكل لحمه عدا ما استثني، وقد تقدم الاشارة إلى الخلاف فيه. ونقل عن الشيخ في الاستبصار الاستدلال عليه بقوله (عليه السلام) في موثقة عمار المتقدمة (1): " كل ما يؤكل لحمه يتوضأ من سؤره ويشرب " (2) حيث قال (قدس سره): " هذا يدل على ان ما لا يؤكل لحمه لا يجوز التوضؤ به والشرب منه، لانه إذا شرط في استباحة سؤره ان يؤكل لحمه دل على ان ما عداه بخلافه، وهذا يجري مجرى قول النبي (صلى الله عليه وآله) في سائمة الغنم الزكاة. في انه يدل على ان المعلوفة ليس فيها زكاة ". أقول ويدل على الاستثناء الذي ذكره (طاب ثراه) موثقة عمار بن موسى الاخيرة (3) الدالة على حكم الطير، ورواية اسحاق بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) " ان أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول: لا بأس بسؤر الفأرة إذا شربت من الاناء


(1) المروية في الوسائل في الباب - 4 - من ابواب الاسآر. (2) الاستدلال بهذه الموثقة على ذلك موجود في التهذيب ايضا، والعبارة التى ينقلها هي عبارة التهذيب ص 63، وليست هذه العبارة في الاستبصار عند تعرضه للموثقة ص 25 من طع النجف. (3) المتقدمة في الصحيفة 430. (4) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الاسآر.


[ 432 ]

ان يشرب منه ويتوضأ منه " وغيرهما مما تضمن نفي البأس عن تلك الاشياء التى استثناها عموما أو خصوصا. ورد هذا القول (أولا) بابتنائه على حجية مفهوم الوصف. والاصح عدم حجيته و (ثانيا) باشتمال سند الرواية على جملة من الفطحية. و (ثالثا) بالمعارضة بما هو اكثر عددا واصح سندا، وقد تقدم من ذلك شطر فيما قدمنا من الاخبار. ومن اظهر الادلة التمسك باصالة الطهارة عموما وخصوصا، فانها أقوى دليل في الباب وان غفل عن الاستدلال بذلك الاصحاب. وقد حكم جمهور الاصحاب هنا بالكراهة ايضا تفصيا من الخلاف. ولا بأس به. لكن لا لما ذكروا، بل لما عرفت من دلالة رواية الوشاء المتقدمة (1).

(رابعها) المسوخ. وقد حكي عن ابن الجنيد انه استثنى المسوخ من الحكم بطهارة سؤر ما لا يؤكل لحمه، وذكر في المعالم ان كلامه محتمل لجاستها، أو نجاسة لعابها وحده، كما نقل التصريح به عن بعض الاصحاب. ونقل المحقق في المعتبر عن الشيخ القول بنجاستها، ونسب هذا القول في المختلف إلى سلار وابن حمزة ايضا. وكلام سلار في رسالته كالصريح في نجاسة اللعاب ومحتمل لنجاسة العين والمشهور بين الاصحاب الطهارة على كراهية. والحكم بالكراهة عندهم جار على نحو ما تقدم ومما يدل على الطهارة عموم الاخبار المتقدمة كصحيحة الفضل (2) ونحوها.

(المورد الخامس) سؤر نجس العين من الحيوان غير المأكول اللحم وغير الآدمي، وهو الكلب والخنزير. ولا خلاف نصا وفتوى في نجاسته لنجاسة أصله.


(1) في الصحيفة 430. (2) المتقدمة في الصحيفة 427.


[ 433 ]

فذلك (1) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) طهارة فم الهرة بمجرد زوال عين النجاسة سواء غابت عن العين ام لا، صرح بذلك الشيخ والمحقق والعلامة وغيرهم، وألحق جملة من المتأخرين بها كل حيوان غير الآدمي، واستحسنه السيد السند في المدارك. وقيل بالنجاسة، لاصالة البقاء عليها. وقيل بالطهارة بالغيبة، ذهب إليه العلامة في النهاية، قال: " لو نجس فم الهرة بسبب كاكل الفأرة وشبهه، ثم ولغت في ماء قليل ونحن نتيقن نجاسة فمها، فالاقوى النجاسة، لانه ماء قليل لاقى نجاسة، والاحتراز يعسر عن مطلق الولوغ لا عن الولوغ بعد تيقن نجاسة الفم، ولو غابت عن العين واحتمل ولوغها في ماء كثير أو جار، لم ينجس، لان الاناء معلوم الطهارة فلا يحكم بنجاسته بالشك " انتهى. وتمسك الالولون بالاخبار الواردة بنفي البأس عن سؤر الهرة، وجواز الوضوء والشرب منه، بناء على ان الهرة لا ينفك فمها عن النجاسة غالبا. ومن الاخبار في ذلك صحيحة زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " في كتاب علي: ان الهر سبع ولا بأس بسؤره، واني لاستحيي من الله ان ادع طعاما لان الهر اكل منه ". ورواية ابي الصباح عنه (عليه السلام) (3) قال: " كان علي (عليه السلام) يقول: لا تدع فضل السنور ان تتوضأ منه، انما هي سبع " وغيرهما. قال في كتاب المعالم بعد الاستدلال على ذلك بنحو ما ذكرنا: " ولو فرضنا


(1) في القاموس فذلك حسابه انهاه وفرغ منه. وهذه اللفظة كثيرا ما يستعملها المصنفون في مثل هذا الموضع، وكان المراد بها الاشارة إلى ان من يذكر فيها نهاية وآخر البحث المتقدم (منه رحمه الله). (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب الاسآر.


[ 434 ]

عدم دلالة الاخبار على العموم فلا ريب ان الحكم بتوقف الطهارة في مثلها على التطهير المعهود شرعا منفي قطعا، والواسطة بين ذلك وبين زوال العين يتوقف على الدليل. ولا دليل " انتهى. وحاصله يرجع إلى ما اشرنا إليه غير مرة وحققناه في المقدمة الحادية عشرة (1) من جواز التمسك بالبراءة الاصلية فيما تعم به البلوى من الاحكام بعد الفحص عن الدليل وعدم الوقوف عليه. وهو هنا كذلك، فان عدم وجود دليل على التكليف بازالة النجاسة في مثل ذلك مع عموم البلوى بذلك دليل على عدم التكليف بذلك وحصول البراءة منه، وليس بعد ذلك إلا الحكم بالطهارة بمجرد زوال عين النجاسة. واما القول بالتوقف على الغيبة فلا دليل عليه، كما أشار إليه بقوله: " والواسطة بين ذلك. الخ " (2). واستدل في المدارك على الحاق غير الهرة من الحيوانات بها بالاصل وعدم ثبوت التعبد بغسل النجاسة عنه. (اقول): والاحتجاج بالاصل هنا لا يخلو من ضعف، فان عروض النجاسة اوجب الخروج عن حكمه، فلا يسوغ التمسك به. واما الثاني فجيد كما اشرنا إليه هذا بالنسبة إلى غير الآدمي. واما الآدمي فهل يحكم بطهارته بمجرد غيبته زمانا يمكن فيه ازالة النجاسة أو مع تلبسه بما هو مشروط بالطهارة عنده، أو حتى يعلم ازالة النجاسة ؟ أقوال، ظاهر


(1) في الصحيفة 155. (2) وتوضيحه انه اما ان يكتفى في طهر فما بمجرد زوال العين كالبواطن أو يعتبر فيها ما يعتبر في تطهير المتنجسات من الطرق المعهودة شرعا، فعلى الاول لا حاجة إلى غيبتها، وعلى الثاني فلا يكتفى بمجرد الاحتمال لا سيما مع بعده، لان يقين النجاسة لا يزيله إلا يقين الطهارة، والواسطة غير معقولة (منه رحمه الله).


[ 435 ]

المشهور الاخير، وبالاول صرح جملة من المتأخرين، لكهنم بين مطلق لذلك كما تقدم، وبين مقيد بشرط علمه بالنجاسة واهليته للازالة بكونه مكلفا عالما بوجوب الازالة عليه، والى الثاني مال السيد السند في المدارك على تردد فيه بعد ان نقل القول الاول واستشكله. والعجب منه (قدس سره) في ذلك، فان دليله على طهارة الحيوان غير الآدمي جار هنا بعينه، فانه لم يثبت ايضا التعبد بالعلم بزوال النجاسة عن ثوب الغير وبدنه. واما ما اختاره (طاب ثراه) من اشتراط التلبس بمشروط بالطهارة عنده، فيشكل الامر فيه ايضا بجواز نسيانه، ولعل ذلك هو وجه التردد الذي ذكره. ولعل ارجح هذه الاقوال هو الاول، تمسكا باصالة البراءة التي اشرنا إليها، فان الحكم مما تعم به البلوى، ولو لم يكن مجرد الغيبة كافيا في الطهارة، لورد فيه أثر عنهم (عليهم السلام) ولبلغنا ذلك، ولامتنع الاقتداء بامام الجماعة حتى يسأله، لان عروض النجاسة له بالبول والغائط أمر متيقن، وعروض النسيان له ممكن. وبطلانه اظهر من ان يحتاج إلى البيان، ولاشكل الحال في الحكم بطهارة سائر الناس ممن لم تعلم عدالته مع معلومية الحدث منهم كما ذكرنا، فلا يحكم بطهارتهم وان اخبروا بذلك، مع ان المعلوم من الشرع خلافه، لدلالة الاخبار واتفاق الاصحاب على قبول قول المسلم في ذلك.


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>