تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء العاشر


المقصد الثالث

في الخطبتين

وتحقيق الكلام في المقام يتوقف على بسطه في موارد:

(الاول) - اجمع الاصحاب (رضوان الله عليهم) واكثر العامة (1) على ان الخطبتين شرط في انعقاد الجمعة، قال في المدارك: لان النبي (صلى الله عليه واله) خطب خطبتين امتثالا للامر المطلق فيكون بيانا له، وقد ثبت في الاصول ان بيان الواجب واجب. اقول: فيه (اولا) انا لم نقف على الامر المطلق إذا ليس إلا القرآن العزيز وهو غير مشتمل على الامر بالخطبة كما لا يخفى، إلا أن يكون مراده الامر بالسعي في الاية والمراد السعي إلى الصلاة. وفيه ان دخول الخطبتين تحت الصلاة غير ظاهر واحتمال اطلاقها عليهما مجاز لا يترتب عليه البيان انما يرجع إلى ما دل عليه اللفظ حقيقة ويتبادر منه فهما. والاظهر الاستدلال على ذلك بما رواه المحقق في المعتبر نقلا من جامع البزنطى عن داود بن الحصين عن ابى العباس عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " لا جمعة إلا بخطبة وانما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين ". و (ثانيا) ان هذا الكلام ينقض ما تقدم منه في باب الوضوء في مسألة وجوب غسل الوجه من الاعلى حيث قد ذهب إلى الاستحباب ثمة مع دلالة الوضوءات البيانية واشتمالها على الغسل من الاعلى فهى مفسرة لاجمال الاية ومبينة له مع انه منع من ذلك ثمة، قد وقد تقدم تحقيق الكلام معه في ذلك في المسألة المذكورة.


(1) في شرح النووي على صحيح مسلم ج 6 ص 150 (قال القاضي ذهب عامة العلماء إلى اشتراط الخطبتين لصحة الجمعة وعن الحسن البصري واهل الظاهر ورواية ابن الماجشون عن مالك انها تصح بلا خطبة) وفي المهذب للشيرازي الشافعي ج 1 ص 111 (ولا تصح الجمعة حتى يتقدمها خطبتان). (2) الوسائل الباب 6 من صلاة الجمعة.


[ 82 ]

والتحقيق الرجوع في ذلك إلى الاخبار فانها ظاهرة الدلالة واضحة المقالة في المطلوب، ومنها الرواية المذكورة وهى صريحة في المطلوب ويعضدها ما تقدم في الروايات التى قدمناها دليلا على وجوب صلاة الجمعة وهى الثالثه والخامسة والسادسة والثالثة عشرة والخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة (1).. وقد صرح الاصحاب بانه يجب فيهما امور:

(الاول) التقديم على الصلاة فلو بدأ بالصلاة لم تصح الجمعة، قال في المدارك: هذا هو المعروف من مذهب الاصحاب بل قال في المنتهى انه لا يعرف فيه مخالفا، والمستند فيه فعل النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام) والصحابة والتابعين والاخبار المستفيضة الواردة بذلك كرواية ابى مريم عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: سألته عن خطبة رسول الله (صلى الله عليه واله) أقبل الصلاة أو بعدها ؟ فقال قبل الصلاة ثم يصلى انتهى. اقول: العجب منه ومن صاحب المنتهى في دعواهما عدم الخلاف في المسألة مع ان الصدوق قد صرح في جملة من كتبه مثل الفقيه وعيون الاخبار والعلل بالخلاف في ذلك فاوجب تأخير الخطبة عن الصلاة وادعى ان تقديمها بدعة عثمانية. ومن كلامه في ذلك ما ذكره في كتاب عيون الاخبار (3) بعد ان نقل حديث علل الفضل بن شاذان الدال على وجوب تقديمهما في الجمعة وتأخيرهما في العيدين وبيان العلة في ذلك حيث قال: قال مصنف هذا الكتاب جاء هذا الخبر هكذا، والخطبة في الجمعة والعيدين بعد الصلاة لانهما بمنزلة الركعتين الاخيرتين وأول من قدم الخطبتين عثمان بن عفان.. إلى آخر كلامه. وفى كتاب من لا يحضره الفقيه (4) روى حديثا عن الصادق (عليه السلام) بهذه الصورة قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) اول من قدم الخطبة على الصلاة يوم الجمعة عثمان لانه كان إذا صلى لم يقف الناس على خطبته وتفرقوا وقالوا ما نصنع بمواعظه


(1) ج 9 ص 409 إلى 413 (2) الوسائل الباب 15 من صلاة الجمعة (3) ص 258 (4) ج 1 ص 278 وفي الوسائل الباب 15 من صلاة الجمعة


[ 83 ]

وهو لا يتعظ بها وقد أحدث ما أحدث فلما رأى ذلك قدم الخطبتين على الصلاة. وقال المحدث الكاشانى في الوافى بعد نقل هذا الخبر: كذا وجدنا الحديث في نسخ الفقيه وكأنه قد وقعت لفظة الجمعة مكان لفظة العيد سهوا ثم صار ذلك سببا لايراد الصدوق الحديث في باب الجمعة وزعمه وروده فيه كما يظهر من بعض تصانيفه الاخر، وذلك لما ثبت وتقرر ان الخطبة في الجمعة قبل الصلاة وهذا من ما لم يختلف فيه أحد في ما أظن وقد مضت الاخبار في ذلك. ايضا انما ورد حديث عثمان في العيدين كما مر في هذا الباب مرتين. انتهى. وكيف كان فما ذكره الصدوق وهم صرف وغفلة محضة عن تدبر الاخبار المستفيضة بتقديمهما في صلاة الجمعة. ومنها زيادة على الروايتين المتقدمتين ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم (1) قال: سألته عن الجمعة فقال اذان واقامة يخرج الامام بعد الاذان فيصعد المنبر فيخطب ولا يصلى الناس مادام الامام على المنبر ثم يقعد الامام على المنبر قدر ما يقرأ قل هو الله أحد ثم يقوم فيفتتح خطبته ثم ينزل فيصلى بالناس ثم يقرأ بهم في الركعة الاولى بالجملة وفى الثانية بالمنافقين. وما روياه ايضا في الموثق عن سماعة (2) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) ينبغى للامام الذى يخطب الناس يوم الجمعة أن عمامة في الشتاء والصيف ويتردى ببرد يمنى أو عدني ويخطب وهو قائم: يحمد الله ويثنى عليه ثم يوصى بتقوى الله ويقرأ سورة من القرآن قصيرة ثم يجلس ثم يقوم فيحمد الله ويثنى عليه ويصلى على محمد (صلى الله عليه واله) وعلى أئمة المسلمين (عليهم السلام) ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات، فإذا فرغ من هذا قام المؤذن فاقام فصلى بالناس ركعتين يقرأ في الاولى بسورة الجمعة وفى الثانية بسورة المنافقين.


(1) الوسائل الباب 6 و 25 من صلاة الجمعة (2) الوسائل الباب 24 و 25 من صلاة الجمعة.


[ 84 ]

وما روياه في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) قال: إذا خطب الامام يوم الجمعة فلا ينبغى لاحد أن يتكلم حتى يفرغ الامام من خطبته فإذا فرغ الامام من الخطبتين تكلم ما بينه وبين ان يقام للصلاة وان سمع القراءة ام لم يسمع اجزأه ونحوه صحيحة اخرى لمحمد بن مسلم بهذا المضمون (2). وما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عبد الله به سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلى الجمعة حين الجمعة تزول الشمس قدر شراك ويخطب في الظل الاول فيقول جبرئيل يا محمد (صلى الله عليه واله) قد زالت الشمس فانزل فصل وانما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين فهى صلاة حتى ينزل الامام ".

(الثاني) القيام حال الخطبة، ولا خلاف في وجوبه مع الامكان ونقل عليه في التذكرة الاجماع، والمستند فيه ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن وهب (4) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) ان أول من خطب وهو جالس معاوية واستأذن الناس في ذلك من وجع كان بركبتيه وكان يخطب خطبة وهو جالس وخطبة وهو قائم هم يجلس بينهما. ثم قال: الخطبة وهو قائم خطبتان يجلس بينهما جلسة لا يتكلم فيها قدر ما يكون فصل مابين الخطبتين. وعن عمر بن يزيد في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) في حديث قال: وليقعد قعدة بين الخطبتين ". وروى الثقة الجليل على بن ابراهيم في تفسيره في الصحيح عن ابن مسكان عن ابى بصير (6) " انه سأل عن الجمعة كيف يخطب الامام ؟ قال يخطب قائما ان الله تعالى يقول: وتركوك قائما (7)


(1) و (2) الوسائل الباب 14 من صلاة الجمعة. (3) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة. (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 16 من صلاة الجمعة (7) سورة الجمعة الاية 11. "


[ 85 ]

ولو منعه مانع فالظاهر جواز الجلوس كما صرح به جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) وفى وجوب الاستنابة في هذه الحالة اشكال. قالوا: ولو خطب جالسا مع القدرة بطلت صلاته من علم بذلك من المأمومين، اما من لم يعلم بذلك فقد قطعوا بصحة صلاته بناء على ان الظاهر من حال المسلم خصوصا العدل أن يكون جلوسه في حال الخطبة لعذر ولم يفصلوا بين تجدد العلم بعد الصلاة وعدم تجدده، وجعلوه مثل صلاة الامام محدثا فان صلاة من لم يعلم بحدثه صحيحة وان تجدد العلم بعد الصلاة. وفيه ان قيام الدليل في المحدث في صورة ما إذا علم المأموم بعد الصلاة على صحة الصلاة لا يستلزم الصحة في ما نحن فيه لعدم الدليل كما في المحدث. قالوا: ويجب في القيام الطمأنينة كما في البدل لتوقف البراءة اليقينية عليه. وفيه إشكال. وقال في المدارك: ويجب في القيام الطمأنينة للتأسي ولانهما بدل من الركعتين. وفيه (اولا) ما صرح به هو وغيره من المحققين من أن التأسي لا يصلح دليلا للوجوب كما حققوه في الاصول لان فعلهم (عليهم السلام) أعم من ذلك. و (ثانيا) ان البدلية على تقدير صحة الاستدلال بها لا تقتضي أن تكون من كل وجه: وغابة ما يمكن أن يقال ان المسألة لما كانت عارية من النص فالاحتياط فيها واجب وهو لا يحصل إلا بما ذكروه من الطمأنينة.

(الثالث) اتحاد الخطيب والامام على أظهر القولين وأشهرهما وهو اختيار الراوندي في أحكام القرآن: وقواه العلامة في المنتهى والشهيد في الذكرى واختاره السيد السند في المدارك، ونقل عن العلامة في النهاية القول بجواز المغايرة معللا بانفصال كل من العبادتين عن الاخرى، وبان غاية الخطبتين أن يكونا كالركعتين ويجوز الاقتداء بامامين في صلاة واحدة. قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: ويتوجه على الاول منع الانفصال


[ 86 ]

شرعا، سلمنا الانفصال لكن ذلك لا يقتضى جواز الاختلاف إذا لم يرد فيه نقل على الخصوص لعدم تيقن البراءة مع الاتيان به. وعلى الثاني بعد تسليم الاصل انه قياس محض. واستشكل في الذخيرة في هذا المقام فقال: والمسألة محل اشكال ينشأ من أن المنقول من فعل النبي (صلى الله عليه واله) والائمة (عليهم السلام) الاتحاد فيجب عدم التعدي منه وقوفا في الوظائف الشرعية على القدر الثابت المتيقن، ومن اطلاق الامر بالصلاة في الاية والاخبار والاشتراط يتقدر بقدر الدليل والدليل لا يقتضى الخصوصية المذكورة في الخطبتين. والاحتياط واضع. وانتهى. اقول: اما ما ذكره في الوجه الثاني من اطلاق الاية فمسلم واما اطلاق الاخبار فممنوع فان بعضها وان كان مطلقا كما ادعاه إلا ان جملة منها ظاهرة في الاتحاد كالاخبار المتقدمة في الامر الاول، ونحوها ايضا صحيحة إلى ابى بصير المنقولة من تفسير على بن ابراهيم فانها قد اشتملت على ان الخطيب هو الامام وانه بعد الخطبة يصلى بالناس، وحينئذ فما اطلق من الاخبار ان وجد يحمل على هذه الاخبار حمل المطلق على المقيد وبذلك يقيد اطلاق الآية ايضا. ويدل على ما ذكرناه ما سيأتي ان شاء الله تعالى من الاخبار الدالة على النهى عن الكلام والامام يخطب ونحوها، فان المراد بالامام فيها هو امام الجماعة الذى يصلى بعد الخطبة وإلا فلا معنى للتعبير بلفظ الامام في المقام لو كان الخطيب غيره. وحمله على امام في الجملة وان لم يكن في تلك الصلاة لا يرتكبه إلا من لم يكن له ذوق ولا روية في فهم معاني الكلام كما لا يخفى على ذوى الافهام. وبالجملة فان ما ذكره من الاستشكال من الاوهام السخيفة بلا اشكال.

(الرابع) الفصل بين الخطبتين بجلسة خفيفة على الاشهر الاظهر، واستدل عليه في المدارك بالتأسي، وقد عرفت ما فيه قريبا. والاظهر الاستدلال على ذلك بالاخبار، ومنها ما تقدم قريبا في صحيحة


[ 87 ]

معاوية بن وهب (1) وهو قوله (عليه السلام) فيها " الخطبة وهو قائم خطبتان يجلس بينهما جلسة لا يتكلم فيها قدر ما يكون فصل مابين الخطبتين ". وتقدم ايضا في صحيحة عمر بن يزيد (2) قال: وليقعد قعدة بين الخطبتين وتقدم في موثقة سماعة (3) بعد ذكر الخطبة الاولى قال (عليه السلام) " ثم يجلس ثم يقوم فيحمد الله تعالى ". وفى صحيحة محمد بن مسلم المروية في الكافي في خطبة يوم الجمعة عن الباقر (عليه السلام) (4) قال بعد ذكر الخطبة الاولى بطولها " ثم اقرأ سورة من القرآن وادع ربك وصل على النبي (صلى الله عليه واله) وادع للمؤمنين والمؤمنات ثم تجلس قدر ما تمكن هنيهة ثم تقوم فتقول الحمد لله " ثم ساق الخطبة الثانية. وفى صحيحة محمد بن النعمان أو غيره المروية في الكافي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) انه ذكر خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الجمعة " الحمدلله اهل الحمد.. ثم ساق الخطبة إلى أن قال: ثم جلس قيلا ثم قام فقال الحمد لله " ثم ساق الخطبة الثانية. وفى معناها ما رواه في الفقيه من خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) (6) وفيها بعد ذكر الخطبة الاولى " ثم يجلس جلسة خفيفة ثم يقوم فيقول الحمدلله... إلى آخر الخطبة ". وهذه الاخبار ونحوها مابين ما تضمن حكاية فعلهم (عليهم السلام) ذلك وما بين ما تضمن الامر باللام وما تضمن الامر بالجملة الفعلية وهو ظاهر في الوجوب واشتمال الاخبار على بعض المندوبات لا يقدح في الدلالة لان ما قام الدليل على استحبابه يجب ارتكار التجوز في الامر به وما لم يقم على استحبابه دليل فيجب حمل الامر به على ظاهره من الوجوب وبه يتم المطلوب. واما ما ذكره المحقق في المعتبر من ما يؤذن بتردده في المقام - حيث قال: وهل الجلسة بين الخطبتين واجبة ؟ فيه تردد، وجه الوجوب فعل النبي والائمة


(1) و (2) ص 84. (3) ص 83 (4) و (6) الوسائل الباب 25 من صلاة الجمعة (5) روضة الكافي ص 173 وفي الوافي باب خطبة صلاة الجمعة


[ 88 ]

(صلوات الله عليهم) بعده. وما روى عن أهل البيت (عليهم السلام) من طرق أحدها ما رواه معاوية بن وهب، ثم ذكرها كما ذكرناه: ثم قال ووجه الاستحباب انه فصل بين ذكرين جعل للاستراحة فلا يتحقق فيه معنى الوجوب، ولان فعل النبي (صلى الله عليه واله) كما يحتمل أن يكون تكليفا يحتمل أن يكون للاستراحة وليس فيه معنى التعبد، ولانا لا نعلم الوجه الذى أوقعه عليه فلا تجب المتابعة. انتهى. ولا يخفى ما فيه من النظر الظاهر في كل من الوجهين، أما الاول فمرجعه إلى التأسي وقد عرفت انه ليس بدليل على الوجوب، واليه اشار في آخر كلامه بقوله: ولانا لا نعلم الوجه الذى أوقعه عليه يعنى من وجوب واستحباب لان الاتيان به أعم منهما. واما الثاني فيرجع إلى العلة المستنبطة التى لا اعتماد عليها في الاحكام، والوجه في الوجوب انما هو ورود الامر بذلك في الاخبار المتقدمة ونحوها وان كان أمرا بالجملة الفعلية أو باللام، فان التحقيق انه لا فرق بين الامر بصيغة " افعل " ولا بين الصيغتين المذكورتين كما حققناه في مقدمات الكتاب وبه صرح جملة من محققى الاصحاب، ويدل على ذلك ايضا صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة وقوله فيها يخرج الامام بعد الاذان فيصعد المنبر فيخطب.. إلى آخره " فانه ظاهر في بيان الكيفية الواجبة ومن جملتها الجلوس بين الخطبتين. قالوا: ويجب في الجلوس الطمأنينة وينبغى أن يكون بقدر قراءة سورة " قل هو الله أحد " كما تضمنته صحيحة محمد بن مسلم المذكورة. قيل: ولو عجز عن القيام فخطب جالسا فصل بينهما بسكتة، واحتمال العلامة في التذكرة الفصل بالاضطجاع. وهل يجب السكوت حال الجلوس ؟ قيل نعم لما تقدم في صحيحة معاوية ابن وهب من قوله " جلسة لا يتكلم فيها " ورد باحتمال ان يكون المراد لا يتكلم فيها بشئ من الخطبة. والظاهر بعده.


(1) ص 83. (2) ص 84.


[ 89 ]

ثم ان ههنا اشياء اخر وقع الخلاف فيها وجوبا واستحبابا في الخطبتين سيأتي ان شاء الله تعالى التنبيه عليها.

(المورد الثاني) اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ما يجب اشتمال كل من الخطبتين عليه، فقال الشيخ في المبسوط: اقل ما تكون الخطبة أربعة أصناف: حمد الله تعالى والصلاة على النبي وآله (صلى الله عليه واله) والوعظ وقراءة سورة خفيفة من القرآن. ومثله قال ابن حمزة. وقال في الخلاف: أقل ما تكون الخطبة ان يحمد الله تعالى ويثنى عليه ويصلى على النبي (صلى الله عليه واله) ويقرأ شيئا من القرآن ويعظ الناس. وابن ادريس وافق المبسوط في موضع من كتابه واوجب السورة الخفيفة وخالفه في آخر، وقال في وصف الخطبة: ويوشح خطبته بالقرآن ومواعظه وآدابه. ولم يذكر السورة. وقال أبو الصلاح: لا تنعقد الصلاة إلا بامام... إلى ان قال: وخطبة في اول الوقت مقصورة على حمد الله تعالى والثناء عليه بما هو أهله والصلاة على محمد والمصطفين من آله (صلوات الله عليهم) ووعظ وزجر. ولم يتعرض لشئ من القرآن بالكلية. وقال الشيخ في الاقتصاد: أقل ما يخطب به أربعة اشياء: الحمد والصلاة على النبي وآله (صلى الله عليه واله) والوعظ وقراءة سورة خفيفة من القرآن بين الخطبتين. وقال في النهاية: ينبغى ان يخطب الخطبتين ويفصل بينهما بجلسة ويقرأ سورة خفيفة ويحمد الله تعالى في خطبته ويصلى على النبي (صلى الله عليه واله) ويدعو لائمة المسلمين (عليهم السلام) ويدعو ايضا للمؤمنين ويعظ ويزجر وينذر ويخوف. ومثله قال ابن البراج وابن زهرة. وقال القطب الراوندي في الرائع: الخطبة شرط في صحة الجمعة واقل ما يكون أن يحمد الله تعالى ويصلى على النبي وآله (صلى الله عليه وآله) ويعظ الناس ويقرأ سورة قصيرة من


[ 90 ]

القرآن، وقيل يقرأ شيئا من القرآن. وقال ابن الجنيد عن الخطبة الاولى: ويوشحها بالقرآن. وعن الثانية: ان الله يأمر بالعدل والاحسان.. إلى آخر الاية (1). وقال المرتضى في المصباح: يحمد الله ويمجده ويثنى عليه ويشهد لمحمد (صلى الله عليه واله) بالرسالة ويوشح الخطبة بالقرآن ثم يفتتح الثانية بالحمد والاستغفار والصلاة على النبي (صلى الله عليه واله) والدعاء لائمة المسلمين. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الذى يظهر من كلام الفاضلين ان وجوب الحمد والصلاة على النبي وآله (صلوات الله عليهم) والوعظ موضع وفاق بين علمائنا واكثر العامة (2) لعدم تحقق الخطبة عرفا بدون ذلك، واستدل عليه في المنتهى بامور واهية ليس في التعرض لها كثير فائدة. وقد وقع الخلاف هنا في مواضع:

(الاول) - هل تجب القراءة في الخطبتين كما هو المشهور أم لا كما هو مذهب ابى الصلاح ؟

(الثاني) - انه على تقدير الوجوب هل الواجب سورة كاملة أو آية تامة الفائدة ؟

(الثالث) - انه على الاول اعني السورة الكاملة هل الواجب سورة كاملة فيها أو في الاولى


(1) سورة النحل الاية 92. (2) في المغني ج 2 ص 304 (يشترط لكل واحدة من الخطبتين حمد الله تعالى والصلاة على رسوله (صلى الله عليه واله) ويحتمل ان لا تجب الصلاة على النبي (صلى الله عليه واله) لان النبي (صلى الله عليه واله)، لم يذكر في خطبته ذلك) وفي ص 305 (وقال أبو حنيفة لو اتى بتسبيحة واحدة اجزأ) وفي شرح النووي على صحيح مسلم ج 6 ص 150 (قال الشافعي لا تصح الخطبتان الا بحمد الله والصلاة على رسول (الله صلى الله عليه وآله) فيهما والوعظ وهذه الثلاثة واجبات في الخطبتين، وقال مالك وابو حنيفة والجمهور يكفي من الخطبة ما يقع عليه السلام وقال أبو حنيفة وابو يوسف ومالك في رواية عنه تكفى تحميدة أو تسبيحة أو تهليلة. وهذا ضعيف لانه لا يسمى خطبة) وفي المهذب ج 1 ص 111 (فرض الخطبة اربعة أشياء: يحمد الله تعالى ويصلى على النبي (صلى الله عليه واله) والوصية بتقوى الله وقراءة آية من القرآن).


[ 91 ]

خاصة ؟ وعلى الثاني اعني الاية التامة الفائدة فهل هي فيهما اوفى الاولى خاصة ؟

(الرابع) - هل تجب الشهادة لمحمد (صلى الله عليه واله) بالرسالة في الاولى كما هو ظاهر المرتضى أم لا ؟

(الخامس) - هل يجب الاستغفار والدعاء لائمة المسلمين كما هو ظاهر المرتضى ايضا ام لا ؟ هذا ما وصل الينا من كلام متقدمي الاصحاب في الباب. والواجب الرجوع إلى الاخبار إلا ان الظاهر انه ليس في شئ منها تصريح باقل الواجب كما وقع في عبائر الاصحاب بحيث لا يجزئ ما دونه. وكيف كان فمن تلك الاخبار موثقة سماعة (1) قال: قال " أبو عبد الله (عليه السلام) ينبغى للامام الذى يخطب الناس يوم الجمعة ان يلبس عمامة في الشتاء ويتردى ببرد أو ادنى ويخطب وهو قائم: يحمد الله ويثنى عليه ثم يوصى بتقوى الله ويقرأ سورة من القرآن قصيرة ثم يجلس ثم يقوم فيحمد الله ويثنى عليه ثم يصلى على محمد (صلى الله عليه وآله) وعلى أئمة المسلمين (عليهم السلام) ويستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات فإذا فرغ من هذا اقام المؤذن فصلى بالناس ركعتين.. الحديث. " ومنها - ما رواه ثقة الاسلام في الكافي (2) في الصحيح عن محمد بن مسلم " ان ابا جعفر (عليه السلام) خطب خطبتين في الجمعة، ثم نقلهما بتمامهما، والاولى منهما قد اشتملت على حمد الله والشهادتين والصلاة على النبي وآله (صلى الله عليه واله) والوعظ، قال ثم اقرأ سورة من القرآن وادع ربك وصل على النبي (صلى الله عليه وآله) وادع للمؤمنين والمؤمنات ثم تجلس.. وتضمنت الثانية الحمد والشهادتين والوعظ والصلاة على محمد (صلى الله عليه واله) بقوله أللهم صل على محمد عبدك ورسولك سيد المرسلين وامام المتقين ورسول رب العالمين. قال: ثم تقول أللهم صل على امير المؤمنين ووصى رسول رب العالمين، ثم تمسى الائمة (عليهم السلام) حتى تنتهى إلى صاحبك، ثم تقول اللهم افتح له فتحا يسيرا وانصره نصرا عزيزا أللهم اظهر به دينك وسنة نبيك حتى


(1) الوسائل الباب 24 و 25 من صلاة الجمعة. (2) ج 1 ص 117 وفي الوسائل الباب 25 من صلاة الجمعة.


[ 92 ]

لا يستخفى بشئ من الحق مخافة أحد من الخلف.. ثم ساق الدعاء لصاحب الامر إلى ان قال: ويكون آخر كلامه ان يقول ان الله يأمر بالعدل والاحسان.. وذكر الاية كملا، ثم قال ثم يقول أللهم اجعلنا ممن تذكر فتنفعه الذكرى ثم ينزل. ومنها - ما رواه في الكافي (1) ايضا في الصحيح أو الحسن عن الحسن بن محبوب عن محمد بن النعمان أو غيره عن ابى عبد الله (عليه السلام) انه ذكر هذه الخطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الجمعة، والاولى منهما طويلة مشتملة على التحميد والشهادتين والوعظ ثم سورة العصر ثم قال: ان الله وملائكته يصلون على ا لنبى (صلى الله عليه واله) ثم ذكر الاية واردفها بمزيد الصلاة والدعاء للنبى (صلى الله عليه واله) إلى ان قال: ثم جلس قليلا ثم قام فقال الحمد لله.. وذكر الخطبة الثانية وهى مشتملة على الحمد والاستعاذة وطلب العصمة من الذنوب ومساوئ الاعمال ومكاره الامال ثم الدعاء للمؤمنين والمؤمنات ومنها - ما رواه في الفقيه (2) مرسلا، قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) في الجمعة فقال... ثم ساق الخطبة الاولى وهى مشتملة على التحميد والثناء على الله سبحانه والشهادتين والوعظ ثم سورة التوحيد أو " قل يا ايها الكافرون " أو " إذا زلزلت " أو " الهاكم التكاثر " أو " العصر " قال وكان من ما يدوم عليه " قل هو الله أحد " ثم يجلس جلسة خفيفة ثم يقوم فيقول.. ثم ذكر الخطبة الثانية وهى مشتملة على التحميد مختصرا وكذلك الشهادتان ثم الصلاة على النبي وآله (صلى الله عليه واله) ثم الدعاء على أهل الكتاب ثم الدعاء بنصر جيوش المسلمين وسراياهم ثم الدعاء للمؤمنين ثم الاية " ان الله يأمر بالعدل والاحسان.. إلى آخرها (3) ". اقول: قد اتفقت هذا الاخبار بالنسبة إلى الخطبة الاولى على اشتمالها على التحميد والوعظ وقراءة سورة كاملة وهى تمام ما اختصت به موثقة سماعة


(1) الروضة ص 173 وفي الوافي باب خطبة صلاة الجمعة (2) ج 1 ص 275 وفي الوسائل الباب 25 من صلاة الجمعة. (3) سورة النحل الاية 92.


[ 93 ]

واشتركت الروايات الثلاث التى بعدها في الاشتمال على الشهادتين زيادة على ذلك، وحينئذ فيخص بها اطلاق موثقة سماعة ويجب تقييدها بها، واختصت الرواية الثانية بزيادة الصلاة على النبي (صلى الله عليه واله) والاحوط اضافتها لذلك. واما بالنسبة إلى الخطبة الثانية فقد اتفق الجميع على التحميد خاصة واشترك ما عدا الرواية الثالثة في اضافة الصلاة على النبي وآله (صلوات الله عليهم) واشتركت الاولى والثانية في اضافة ائمة المسلمين إلى الصلاة على النبي (صلى الله عليه واله) اجمالا في الاولى وتفصيلا في الثانية وبه يجب تقييدما خلا ذلك من الاخبار المذكورة، واشتركت الرواية الثانية والرابعة في اضافة الاية المتقدمة في آخر الخطبة وبه يقيد اطلاق الروايتين الخاليتين من ذلك، واتفق الجميع في عدم ذكر الوعظ في الثانية. ثم انه لا يخفى ما بين مادلت عليه هذه الاخبار وبين ما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) في المقام من المنافاة وعدم الالتئام ولا سيما بالنسبة إلى ايجابهم السورة في الخطبة الثانية كما هو ظاهر المشهور، قال في الذكرى قال ابن الجنيد والمرتضى: وليكن في الاخيرة قوله تعالى " ان الله يأمر بالعدل والاحسان.. الاية ". واورده البزنطى في جامعه. وبالنسبة إلى ايجابهم الوعظ في الخطبة الثانية وكذا بالنسبة إلى عدم ذكرهم الشهادتين سوى المرتضى (رضى الله عنه) فانه ذكر الشهادة بالرسالة ولم يذكر الشهادة بالتوحيد والاخبار قد اشتملت عليهما ونحو ذلك. إلا ان بعض الاخبار الواردة في ذكر الخطبة غير ما أشرنا إليه اشتمل على الوعظ في الثانية ايضا. والاحتياط لا يخفى. وينبغى التنبيه على امور:

(الاول) قد صرح العلامة والشهيد وجماعة بانه يجب في الخطبتين التحميد بصيغة " الحمد لله " ورده جملة من تأخر عنهم بصدق الخطبة مع الاتيان بالتحميد كيف اتفق.


(1) تقدم الوعظ فيها في الصحيحة ص 91 (2) سورة النحل الاية 92.


[ 94 ]

اقول: لاريب ان موثقة سماعة وان اشتملت على مطلق التحميد لقوله " يحمد الله ويثنى عليه " إلا ان الثلاث التى بعدها كلها قد اشتملت على لفظ " الحمد لله " في أول كل من الخطبتين فلا يبعد ان يحمل عليها اطلاق موثقة سماعة المذكورة وبه يظهر قوة ما ذكره الاولون.

(الثاني) ذكر جمع من الاصحاب انه يجب الترتيب في اجزاء الخطبة بتقديم الحمد ثم الصلاة ثم الوعظ ثم القراءة فلو خالف اعاد على ما يحصل به الترتيب، قال في المدارك: وهو أحوط وان كان في تعينه نظر. اقول: ما ذكروه (رضوان الله عليهم) مبنى على ما تكرر في عبائرهم من ايجاب هذه الاربعة في كل من الخطبتين وقد عرفت مابين كلامهم وبين الاخبار المتقدمة من المدافعة في البين، والذى يتلخص من الاخبار بتقريب ما قدمنا ذكره من ضم بعضها إلى بعض بالنسبة إلى الخطبة الاولى هو الاتيان بالتحميد أولا ثم الشهادتين بالتوحيد اولا ثم بالرسالة ثم اضافة الصلاة بعدهما احتياطا ثم الوعظ ثم قراءة كاملة، واما بالنسبة إلى الخطبة الثانية فالتحميد اولا ثم الصلاة على النبي (صلى الله عليه واله) ثم أئمة المسلمين تفصيلا ثم الاية المتقدمة. واما ان ذلك على جهة الوجوب أو الاستحباب فاشكال ينشأ من أن هذه الكيفية التى ورد بها النص فيقين البراءة يتوقف عليها ومن احتمال خروجها مخرج الاتفاق سيما ان الخطب المذكورة مشتملة على تكرار وزيادة اشياء اخر فيها. وبالجملة فا لاحتياط في الوقوف على مادلت عليه الاخبار وان كان لا اشعار فيها بالوجوب.

(الثالث) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) المنع من الخطبة بغير العربية للتأسي، قال في المدارك: وهو حسن. اقول: قد عرفت ان التأسي لا يصلح لان يكون دليلا لحرمة ولا وجوب كما صرح به هو وغيره من المحققين ولكنه في امثال هذه المواضع يستسلقه وهو غير جيد. نعم يمكن ان يقال ان يقين البراءة موقوف على ذلك وانها عبادة


[ 95 ]

والعبادات توقيفية يتبع فيها ما رسمه صاحب الشريعة، وهذا هو الذى جاء عنهم (عليهم السلام). ولو لم يفهم العدد العربية ولا امكن التعلم قيل تجب العجمية لان مقصود الخطبة لا يتم بدون فهم معانيها. واحتمل في المدارك سقوط الجمعة لعدم ثبوت مشروعيتها على هذا الوجه. اقول: والاقرب وجوب العربية في الصورة المذكورة، والتعليل بان المقصود من الخطبة فهم العدد لمعانيها مع تسليم وروده لا يقتضى كونه كليا فان علل الشرع ليست عللا حقيقة يدور المعلول مدارها وجودا وعدما وانما هي معرفات وتقريبات إلى الاذهان كما لا يخفى على من راجع كتاب العلل وما اشتملت عليه اخباره من العلل. على ان البلدان التى فتحت من العجم والروم ونحوهما وعينت فيها الائمة للجمعات والجماعات لم ينقل انهم كانوا يترجمون لهم الخطب ولو وقع لنقل ومنه زمان خلافة امير المؤمنين (عليه السلام) وكيف كان فالاحوط الخطبة بالعربية وترجمة بعض الموارد التى يتوقف عليها المقصود من الخطبة.

(الرابع) قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار: والاولى والاحوط ان يراعى الخطيب احوال الناس بحسب خوفهم ورجائهم فيعظهم مناسبا لحالهم وللايام والشهور والوقائع الحادثة وامثال تلك الامور كما يومئ إليه بعض الاخبار ويظهر من الخطب المنقولة. انتهى. وهو جيد.

(الخامس) روى الصدوق في كتاب العلل والعيون في علل الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (1) قال: وانما جعلت خطبتين لتكون واحدة للثناء على الله تعالى والتمجيد والتقديس لله عزوجل، والاخر للحوائج والاعذار والانذار والدعاء ولما يريد ان يعلمهم من أمره ونهيه ما فيه الصلاح والفساد. انتهى. اقول: ظاهره ان احدى الخطبتين انما تشتمل على الثناء والتمجيد والتقديس


(1) الوسائل الباب 25 من صلاة الجمعة.


[ 96 ]

لله عزوجل والاخرى لما ذكره (عليه السلام) وانت خبير بانه لا ينطبق على ما قدمناه من الاخبار ولا كلام الاصحاب وصاحبه (عليه السلام) اعلم بذلك.

(المورد الثالث) اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) وفى وجوب الاصغاء للخطبه والطهارة فيهما من الحدث أو منه ومن الخبث وفى تحريم الكلام حل الخطبة من المأمومين والامام وكذا في وجوب رفع الصوت لا ستماع العدد.

والكلام هنا يقع في مواضع:

(الاول) - في وجوب الاصغاء وعدمه ممن يمكن في حقه السماع والاصغاء والانصات لها والاستماع، والمشهور وجوبه وذهب الشيخ في المبسوط والمحقق في المعتبر إلى انه مستحب. احتج الاولون بان فائدة الخطبة لا تحصل إلا به. قال في الذخيرة: وفيه منع واضح لمنع كون الفائدة منحصرة في استماع كل منهم جميع الخطبة، قال: ولو قصد بهذا الاستدلال على وجوب اصغاء الزائد على العدد كان اخفى دلالة. انتهى. اقول: والاظهر الاستدلال على القول المشهور بالاخبار الدالة على النهى عن الكلام والامام يخطب (1) فانه لاوجه للنهى في المقام إلا من حيث وجوب الاصغاء للخطبة والاستماع لها، ونقل غير واحد من أصحابنا عن البزنظى في جامعه انه قال إذا قام الامام يخطب وجب على الناس الصمت وهو من قدماء الاصحاب واجلاء الثقات من أصحاب الرضا (عليه السلام). والاصحاب ايضا قد اختلفوا في تحريم الكلام، فالمشهور التحريم فمنهم من عمم الحكم بالنسبة إلى المستمعين والخطيب ومنهم من خصه بالمستمعين، وذهب الشيخ في المبسوط وموضع من الخلاف والمحقق إلى الكراهة، وهو جار على نحو ما قدمناه عنهم من القول بعدم وجوب الاستماع، والى القول بالكراهة مال الفاضل الخراساني في الذخيرة ايضا. والاظهر عندي هو القول المشهور من وجوب الاستماع وتحريم الكلام


(1) الوسائل الباب 14 من صلاة الجمعة (2) المعتبر ص 206


[ 97 ]

للاخبار المشار إليها، ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: إذا خطب الامام يوم الجمعة فلا ينبغى لاحد أن يتكلم حتى يفرغ الامام من خطبته فإذا فرغ الامام من الخطبتين تكلم ما بينه وبين أن تقام الصلاة ". ومنها - ما رواه في الفقيه مرسلا (2) قال ": قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا كلام والامام يخطب ولا التفات إلا كما يحل في الصلاة، وإنما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين جعلتا مكان الركعتين الاخيرتين فهى صلاة حتى ينزل الامام ". وظاهر هذا الخبر كما ترى انه ما دام الامام يخطب فان الامام والحاضرين معه في صلاة حتى ينزل فلا يتكلم هو ولا هم ولا يلتفتون إلا كما يلتفتون حال الصلاة ومنه يفهم وجوب الطهارة ايضا على الامام وعليهم من الحدث والخبث. هذا مقتضى ظاهر الخبر المذكور. ومنها - ما رواه في الفقيه في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " لا بأس ان يتكلم الرجل إذا فرغ الامام من الخطبة يوم الجمعة ما بينه وبين ان تقام الصلاة " فانه يشعر بالبأس قبل الفراغ. ومنها - ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم (4) قال: " سألته عن الجمعة فقال اذان واقامة يخرج الامام بعد الاذان فيصعد المنبر فيخطب ولا يصلى الناس مادام الامام على المنبر... الحديث " فانه إذا امتنعت الصلاة التى هي عبادة امتنع الكلام الذى هو لغو غالبا. ومنها - ما رواه الصدوق في كتاب المجالس عن بكر بن محمد (5) ورواه ايضا عبد الله بن جعفر الحميرى في كتاب قرب الاسناد عن بكر بن محمد عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (6) قال: " قال أمير المؤمنين (ع) الناس في الجمعة على ثلاثة


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 14 من صلاة الجمعة (4) الوسائل الباب 25 من صلاة الجمعة. (5) و (6) الوسائل الباب 58 من صلاة الجماعة.


[ 98 ]

منازل: رجل شهدها بانصات وسكون قبل الامام وذلك كفارة لذنوبه من الجمعة إلى الجمعة الثانية وزيادة ثلاثة أيام لقوله تعالى (من جاء بالحسنة فله عشر امثالها) (1) ورجل شهدها بلغط وملق وقلق فذلك حظه، ورجل شهدها والامام يخطب فقام يصلى فقد اخطأ السنة وذلك ممن سأل الله عزوجل ان شاء اعطاه وان شاء حرمه ". وروى الصدوق في المجالس بسنده في مناهى النبي (صلى الله عليه واله) (2) (انه نهى عن الكلام يوم الجمعة والامام يخطب ومن فعل ذلك فقد لغى فلا جمعة له). وروى في كتاب قرب الاسناد عن السندي بن محمد عن ابى البخترى عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (3) (ان عليا (عليه السلام) كان يكره رد السلام ولامام يخطب). وفيه بهذا الاسناد عن على (عليه السلام) (4) قال: (يكره الكلام يوم الجمعة والامام يخطب وفى الفطر والاضحى والاستسقاء). قال شيخنا المجلسي في كتاب البحار بعد نقل هذين الخبرين: بيان - كراهة رد السلام لعله محمول على التقية إذ لا يكون حكمها أشد من الصلاة. ويمكن حمله على مااذا رد غيره، قال العلامة في النهاية: ويجوز رد السلام بل يجب لانه كذلك في الصلاة ففى الخطبة اولى. وكذا يجوز تسميت العاطس، وهل يستحب ؟ يحتمل ذلك لعموم الامر به، والعدم لان الانصات أهم وانه واجب على الاقرب انتهى. والكراهة الواردة في الكلام غير صريحة في الكراهة المصطلحة لما عرفته مرارا. وظاهره شمول الحكم لمن لم يسمع الخطبة ايضا. قال العلامة في النهاية: وهل يجب الانصات على من لم يسمع الخطبة ؟ الاولى المنع لان غايته الاستماع فله ان


(1) سورة الانعام الاية 161. (2) ص 255 ورواه في الفقيه ايضا في المناهي، راجع الوسائل الباب 14 من صلاة الجمعة (3) و (4) الوسائل الباب 14 من صلاة الجمعة.


[ 99 ]

يشغل بذكر وتلاوة. ويحتمل الوجوب لئلا يرتفع اللغط ولا يتداعى إلى منع السامعين من السماع. انتهى كلام شيخنا المذكور وهو ظاهر في اختياره القول المشهور ومنها - ما رواه في كتاب قرب الاسناد عن على بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: (سألته عن الامام إذا خرج يوم الجمعة هل يقطع خروجه الصلاة أو يصلى الناس وهو يخطب ؟ قال لا تصلح الصلاة والامام يخطب إلا ان يكون قد صلى ركعة فيضيف إليها اخرى ولا يصلى حتى يفرغ الامام من خطبته). ومنها - ما ذكره في كتاب الفقه الرضوي (2) قال: (وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا كلام والامام يخطب يوم الجمعة ولا التفات وانما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين جعلتا مكان الركعتين الاخيرتين فهى صلاة حتى ينزل الامام). وفى كتاب دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) انه قال: (إذا قام الامام يخطب فقد وجب على الناس الصمت). وعن على (عليه السلام) (4) انه قال: (لا كلام والامام يخطب ولا التفات إلاكما يحل في الصلاة). وعن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (5) انه قال: (لا كلام حتى يفرغ الامام من الخطبة فإذا فرغ منها فتكلم ما بينك وبين افتتاح الصلاة ان شئت). وعن على (عليه السلام) (6) انه قال: (يستقبل الناس الامام عند الخطبة بوجوههم ويصغون إليه). وعن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (7) انه قال: (انما جعلت الخطبة


(1) الوسائل الباب 58 من صلاة الجمعة. (2) ص 11. (3) و (4) و (5) و (6) مستدرك الوسائل الباب 12 من صلاة الجمعة. (7) مستدرك الوسائل الباب 6 من صلاة الجمعة.


[ 100 ]

عوضا عن الركعتين اللتين اسقطتا من صلاة الظهر فهى كالصلاة لا يحل فيها إلا ما يحل في الصلاة). اقول: ومن هذه الاخبار يظهر قوة القول المشهور وضعف ما ذكره في الذخيرة في الجواب عن صحيحة محمد بن مسلم الاولى (1) من أن لفظ (لا ينبغى) ظاهر في الكراهة، فان فيه ان ظهوره في الكراهة انما هو باعتبار عرف الناس واما باعتبار عرفهم (عليهم السلام) فان ورود هذا اللفظ في التحريم ولفظ (ينبغى) في الوجوب مما لا يحصى كثرة في الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار، فهو وان كان في عرفهم (عليهم السلام) متشابها محتملا للامرين إلا انه بانضمام ما ذكرناه من الاخبار سيما ما دل على النهى وما دل على انه في صلاة حتى ينزل الامام ونحو ذلك - يتحتم حمله على التحريم. والظاهر تحريم الكلام أو كراهته على القولين المذكورين في مابين الخطبتين لما تقدم في صحيح محمد بن مسلم وغيره (2) من النهى حتى يفرغ من خطبته حتى إذا فرغ تكلم ما بينه وبين ان تقام الصلاة، والمراد من الفراغ من خطبة الفراغ من كلتا الخطبتين. والظاهر ان غاية النهى عن الكلام التحريم على تقدير القول به لا بطلان الصلاة أو الخطبة فانه لم يصرح أحد من القائلين بالتحريم بالبطلان في هذا الموضع في ما اعلم، وبذلك ايضا صرح بعض متأخرى متأخرين. والظاهر انه يجب الاصغاء ويحرم الكلام على من يمكن في حقه السماع فالبعيد الذى لا يسمع والاصم لا يجب عليهما ولا يحرم لعدم الفائدة، وقد تقدم في عبارة النهاية احتمال الوجوب وهو الاحوط. قيل: ولا يحرم غير الكلام من ما يحرم في الصلاة خلافا للمرتضى. اقول: ظاهر خبر الفقه الرضوي المتقدم نقله المانع من الالتفات موافقة المرتضى (رضى الله


(1) و (2) ص 97.


[ 101 ]

عنه) في ما ذهب إليه هنا ومثله اخبار كتاب دعائم الاسلام. ولا فرق في تحريم الكلام بين الامام والمأموم لظاهر الخبرين المتقدمين اعني صحيحة عبد الله بن سنان (1) ومرسلة الفقيه (2) وربما فرق بينهما وخص التحريم بغير الامام لتكلم النبي (صلى الله عليه واله) حال الخطبة (3). اقول: حديث تكلم النبي (صلى الله عليه واله) حال الخطبة انما هو من طريق العلامة كما ذكره اصحابنا في مطولاتهم فلا يقوم حجة ولكنهم (رضوان الله عليهم) امثال هذه الاحاديث ويستدلون بها في مقام المجازفة وهو غير جيد.

(الثاني) في وجوب الطهارة وعدمه، اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب طهارة الخطيب من الحدث حال الخطبة فذهب الشيخ في المبسوط والخلاف إلى الوجوب ومنعه ابن ادريس والفاضلان. وبالاول صرح شيخنا الشهيد الثاني في الروض، وكذلك ظاهره القول بتحريم الكلام على الخطيب والمأمومين. واحتج على الثاني بان فائدة الخطبة لا تتم إلا بالاصغاء. وعلى الاول بصحيحة عبد الله به سنان عن الصادق (عليه السلام) (4) انما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين فهى صلاة حتى ينزل الامام قال فجعل (عليه السلام) الخطبتين صلاة وكل صلاة تجب فيها الطهارة ويحرم الكلام. ولا يرد ان ذلك في الصلاة الشرعية وليست مرادة هنا بل اما المعنى اللغوى أو التشبيه بحذف اداته فلا تتم كلية الكبرى. ثم اجاب بان اللفظ يجب حمله على المعنى الشرعي ومع تعذره يحمل على أقرب المجازات إلى الحقيقة المتعذرة وهو يستلزم المطلوب فتجب مساواتهما للصلاة في كل ما لا يدل على خلافه دليل يجب المصير إليه. وللتأسي في الطهارة


(1) و (4) الوسائل الباب 6 و 8 من صلاة الجمعة (2) ص 97. (3) في عمدة القارئ ج 3 ص 312 ذكر حديث جابر ان سليك الغطفاني دخل يوم الجمعة المسجد ورسول الله " صلى الله عليه وآله " على المنبر يخطب فقعد سليك قبل ان يصلى (تحية المسجد) فقال له النبي صلى الله عليه واله اصليت ركعتين ؟ قال لا. فقال قم فاركعهما.


[ 102 ]

بالنبي والائمة (صلوات الله عليهم) وهذا هو الاجود. انتهى. وبما قرره من التقريب في الاستدلال بالرواية يندفع ما أجاب به سبطه السيد السند عن الرواية المذكورة من ان وجوب التماثل بين الشيئين لا يستلزم ان يكون من جميع الوجوه، فان هذا الجواب لا يندفع به ما قرره جده. نعم يمكن الجواب عنه بما ذكره الشهيد في شرح الارشاد من ان المراد بالصلاة هنا الدعاء لاشتمالها على الدعاء وهو اولى من حمله على المجاز الشرعي لان الحقيقة اللغوية خير من المجاز الشرعي. انتهى. واماما أجاب به في الذخير عن الخبر المذكور - من ان المتبادر منه بقرائن المقام ان الخطبة كالصلاة في وجوب الاتيان بها أو غير ذلك - فانه وان تم له في صحيحة ابن سنان إلا انه لا يتم في رواية الفقيه المتقدم نقلها وكذا في رواية كتاب دعائم الاسلام عن أمير المؤمنين (عليه السلام) المانعة من الالتفات إلا كما يحل في الصلاة معللا ذلك بان الخطبتين عوض عن الركعتين فهى صلاة ما دام الامام يخطب حسبما ذيلنا به الرواية المذكورة، وبه يظهر قوة القول المشهور. وكيف كان فاقتضاء الاحتياط له يوجب الوقوف عليه. قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: وقد علم من الدليل ان الطهارة من الحدث والخبث شرط وبذلك صرح الشهيد في البيان، وفى الذكرى والدروس خصها بالحدثية لا غير، ولعل الاقوال حينئذ ثلاثة. مقتضى الدليل ايضا وجوبها على الامام والمأموم لكن لم نقف على قائل بوجوبها على المأموم كما ذكروه في الكلام فلذلك قيدناه بالخطيب. انتهى. اقول: لا يخفى ان خبر الفقيه المتقدم مشعر بالوجوب على المأموم لما دل عليه من المنع عن الالتفات إلا على نحو الصلاة، فان منعه من الالتفات من حيث كونه في الصلاة ما دام الامام يخطب ظاهر في انه يجب ان يكون على طهارة بطريق اولى. ونحوه الخبر الاخير من اخبار دعائم الاسلام.


[ 103 ]

(الثالث) في وجوب الاسماع وعدمه، قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض وهل يجب اسماع من يمكن سماعه من غير مشقة وان زاد على العدم ؟ نظر من وجوب الاصغاء عليه كما سيأتي وهو لا يتم إلا باسماعه، ومن كون الوجوب بالنسبة إلى الزائد عن العدد مشروطا بامكان السماع كما سيأتي فلا منافاة. وربما قيل بعدم وجوب الاسماع مطلقل لاصالة البراءة وان وجب الا ستماع لتغاير محل الوجوبين فلا يستلزم وجوب الاصغاء على المأموم وجوب الاسماع على الخطيب، ولان وجوبه مشروط بامكان السماع كما مر. ووجوب الاصغاء غير مختص بالعدد لعدم الاولوية نعم سماع العدد شرط في الصحة ولا منافاة بينهما فيأثم من زاد وان صحت الخطبة كما ان الكلام لا يبطلها ايضا وان حصل الاثم. انتهى. وقال في المدارك بعد ذكر المصنف (قدس سره) التردد في المسألة: منشأه اصالة عدم الوجوب وان الغرض من الخطبة لا يحصل بدون الاسماع، والوجوب اظهر للتأسي وعدم تحقق الخروج عن العهدة بدونه، ويؤيده ماروى (ان النبي (صلى الله عليه واله) كان إذا خطب يرفع صوته كأنه منذر جيش) انتهى. وفيه مالا يخفى فان غاية ما تدل عليه ادلته هو الاستحباب لا الوجوب والاحتياط لا يخفى.

(المورد الرابع) اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في وقت الخطبة فذهب جملة: منهم - المرتضى وابن ابى عقيل وابو الصلاح إلى ان وقتها بعد الزوال فلا يجوز تقديمها عليه واختاره العلامة ونسبه في الذكرى إلى معظم الاصحاب واليه مال في المدارك، وقال الشيخ في الخلاف يجوز ان يخطب عند وقوف الشمس فإذا زالت صلى الفرض. وقال في النهاية والمبسوط: ينبغى للامام إذا قرب من الزوال ان يصعد المنبر ويأخذ في الخطبة بمقدار ما إذا خطب الخطبتين زالت


(1) في سنن البيهقي ج 3 ص 206 عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله " صلى الله عليه وآله " إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد فضبه حتى كأنه منذر جيش.


[ 104 ]

الشمس فإذا زالت نزل فصلى بالناس. واختاره ابن البراج. وذهب ابن حمزة إلى وجوب صعود الامام المنبر بمقدار ما إذا خطب الخطبتين زالت الشمس وان يخطب قبل الزوال، واختاره المحقق واليه ذهب في الذخيرة قال: ومال إليه الشهيدان استدل القائلون بالاول بوجوه: منها - قوله تعالى: (إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله) (1) فاوجب السعي بعد النداء الذى هو عبارة عن الاذان اجماعا فلا يجب السعي قبله. ومنها - صحيحة محمد بن مسلم أو حسنته (2) قال: (سألته عن الجمعة فقال اذان واقامة يخرج الامام بعد الاذان فيصعد المنبر فيخطب ولا يصلى الناس ما دام الامام على المنبر.. الحديث). قالوا: ويؤيده ان الخطبتين بدل الركعتين فكما لا يجوز ايقاع المبدل قبل الزوال فكذا البدل تحقيقا للبدلية، وانه يستحب صلاة ركعتين عند الزوال وانما يكون ذلك إذا وقعت الخطبة بعد الزوال لان الجمعة عقيب الخطبة فلو وقعت الخطبة قبل الزوال تبعتها صلاة الجمعة فينتفى استحباب صلاة ركعتين والحال هذه. اقول: ويدل عليه ما رواه الشيخ في التهذيب عن عبد الله بن ميمون عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا خرج إلى الجمعة قعد على المنبر حتى يفرغ المؤذنون). واجاب الفاضل الخراساني في الذخيرة عن هذه الادلة، قال: والجواب عن الاول انه موقوف على عدم جواز الاذان يوم الجمعة قبل الزوال وهو ممنوع (لا يقال) قد مر سابقا ان عدم جواز ايقاع الاذان قبل دخول وقت الصلاة اتفاقى بين علماء الاسلام (لانا نقول) الخطبتان بمنزلة بعض الصلاة فإذا دخل وقت


(1) سورة الجمعة الاية 9. (2) الوسائل الباب 25 من صلاة الجمعة (3) الوسائل الباب 28 من صلاة الجمعة.


[ 105 ]

الخطبتين فكأنه دخل وقت الصلاة، وبالجملة القدر المسلم حصول الاتفاق على عدم جواز الاذان قبل وقت الخطبتين لاوقت الصلاة على ان هذا لازم على المانعين ايضا إذ على قولهم وقت الصلاة بعد الزوال بمقدار الخطبتين فإذا جاز الاذان في اول الزوال يلزم جوازه قبل دخول وقت الصلاة. وبما ذكرنا يعلم الجواب عن الثاني، على ان الخبر غير دال على وجوب ما اشتمل عليه بقرينة ذكر ما لا خلاف في استحبابه واما الاخيران فضعفها ظاهر لا يحتاج إلى الاطالة. انتهى. اقول: لا يخفى ما في هذا الجواب من التمحل البعيد والتكليف الغير السديد (اما أولا) فان ما ادعاه من أن الخطبتين بمنزلة بعض الصلاة فمسلم إلا ان ما ادعاه من أن لهما وقتا على حدة خارجا عن الاوقات المحدودة شرعا ممنوع أتم المنع، لان الاوقات ولا سيما وقت الظهر محدودة آية ورواية لقوله تعالى (اقم الصلاة لدلوك الشمس) (1) المفسر في صحيحة زرارة (2) بزوالها الشامل ليوم الجمعة وغيره صليت فيه الجمعة إم لا، ولو كان هنا وقت آخر للخطبة زائد على الاوقات المحدودة لوقعت الاشارة إليه في روايات الاوقات على كثرتها وتعددها سيما مع تكرر صلاة الجمعة في جميع الاعصار والامصار كالصلوات اليومية، والاستناد في هذا الوقت إلى هذا الخبر معارض بالاخبار (3) واتفاق الاصحاب على انه لا يجوز الاذان إلا بعد دخول الوقت كما اعترف به، والمراد بالوقت فيها هو الوقت المحدود آية ورواية وهو زوال الشمس بالنسبة إلى الظهر مثلا، فانه هو المتبادر الذى ينساق إليه الاطلاق دون هذا الفرد النادر لو سلمنا وجود دليل عليه. وكون الخطبتين صلاة لا يقتضى أن يجعل لها وقت آخر بل المراد انها يدخل وقتها بالزوال كما يدخل وقت الاربع الركعات لان الخطبتين فيها بمنزلة الاخيرتين من الاربع كما اشارت


(1) سورة بني اسرائيل الاية 80. (2) الوسائل الباب 2 من اعداد الفرائض ونوافلها. (3) الوسائل الباب 8 من الاذان والاقامة.


[ 106 ]

إليه الاخبار المستفيضة بان وقت صلاة الجمعة زوال الشمس (1) فان لفظ الصلاة هنا مراد به ما يعم الخطبتين، لما عرفت مما قدمنا من الاخبار من انهما صلاة ما دام الامام يخطب قد منع فيهما ما منع في الصلاة من الامور المتقدم ذكرها في الاخبار (2) وكلام الاصحاب. وما توهمه (قدس سره) - كما يشير إليه قوله على ان هذا لازم على المانعين ايضا.. إلى آخره من حمل لفظ الصلاة على مجرد الركعتين في هذه الاخبار - غلط محض، فان صلاة حيثما اطلقت في مثل هذه الاخبار وكلام الاصحاب إنما يتبادر منها ما يعم الخطبتين إلا مع القرينة الصارفة عن ذلك كما لا يخفى على المتأمل المنصف. و (اما ثانيا) فاما نقله ابن ادريس في كتاب السرائر (3) عن البزنطى في كتاب النوادر قال بعد ذكر حديث يتضمن الركعتين اللتين قبل الزوال (4): قال صاحب الكتاب وهو احمد بن محمد بن ابى نصر صاحب الرضا (عليه السلام): ومن اراد أن يصلى الجماعة فليأت بما وصفناه مما ينبغى للامام ان يفعل فإذا زالت الشمس قام المؤذن فاذن وخطب الامام وليكن من قوله في الخطبة.. واورد دعاء تركت ذكره. هذا كلام ابن ادريس في كتابه. وانت خبير بما فيه من الدلالة الظاهرة على صحة ما قلناه مما هو المعمول عليه عند كافة الاصحاب من ان الاذان في صلاة الجمعة وغيرها انما هو بعد الزوال وكلام هذا الثقة الجليل لا يقصر عن خبر لما علم من عدم اعتماد أمثاله من ثقات الاصحاب واجلائهم في الفتوى إلا على قول المعصومين (عليهم السلام). وبالجملة فان كلام هذا الفاضل عندي بمحل سحيق عن التحقيق وان تعبه فيه شيخنا المجلسي في البحار كما هي عادته غالبا. واستدل القائلون بالقول الثاني بما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن


(1) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة. (2) ص 96 إلى 102 (3) ص 465 (4) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة رقم 15.


[ 107 ]

سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال (كان رسول الله (صلى الله عليه واله) يصلى الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك ويخطب في الظل الاول فيقول جبرئيل (عليه السلام) يا محمد (صلى الله عليه واله) قد زالت الشمس فانزل فصل). وجه الاستدلال ان المستفاد من الظل الاول ماكان قبل حدوث الفيئ بقرينة قول جبرئيل يا محمد (صلى الله عليه واله) قد زالت الشمس فانزل وتحديد الزوال في اول الخبر بقدر الشراك بناء على انه مقدار قيل لا يكاد يحصل اليقين بالزوال قبل ذلك. كذا ذكره في الذخيرة. وفيه انه كما يحتمل أن يكون الامر في الخبر المذكور ما ذكره كذلك يحتمل أن يكون المعنى فيه ما صرح به السيد السند في المدارك حيث قال - بعد نقل تأويل العلامة في المختلف للخبر المذكور ورده بالبعد والمخالفة لمقتضى الظاهر - ما لفظه: نعم يمكن القدح فيها بان الاولية أمر اضافي يختلف باختلاف المضاف إليه فيمكن أن يراد به أول الظل وهو الفيئ الحاصل بعد الزوال بغير فصل كما يدل عليه قوله (عليه السلام) (ان رسول الله (صلى الله عليه واله) كان يصلى الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك) فان اتيانه بالصلاة بعد زوال الشمس عن دائرة نصف النهار قدر شراك يستدعى وقوع الخطبة أو شئ منها بعد الزوال فيكون معنى قول جبرئيل يا محمد (صلى الله عليه واله) قد زالت الشمس فانزل وصل انها قد زالت قدر الشراك فانزل وصل، وكيف كان فهذه الرواية مجملة المتن فلا تصلح معارضا لظاهر القرآن والاخبار المعتبرة. ا نتهى. وهو جيد وجيه. وبالجملة فان الرواية المذكورة بالنظر إلى ظاهر قوله (عليه السلام) (يخطب في الظل الاول) وقول جبرئيل (عليه السلام) (يا محمد (صلى الله عليه واله) قد زالت الشمس فانزل) ظاهرة الدالة في ما ذهبوا إليه ومقتضاه ان الصلاة حينئذ تكون في اول الزوال كما يدعونه ايضا، إلا ان قوله (عليه السلام) في صدر الخبر (كان يصلى الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك)


(1) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة.


[ 108 ]

ظاهر المنافرة للمعنى المتقدم ولهذا أرتكبوا التأويل في صدر الخبر وبالنظر إلى صدر الخبر الظاهر في تأخير الصلاة عن أول الزوال بحيث تقع الخطبة أو بعض منها بعد الزوال يعضد القول الاول ومن ثم أرتكبوا التأويل في بقية الخبر. وكيف كان فهذه الرواية باعتبار ما هي عليه من هذا الاجمال وقبول الاحتمال لا تقوم بمعارضة ما قدمناه من الادلة للقول الاول آية ورواية. وما اجيب به عنها من جواز تقديم الاذان في صلاة الجمعة على الزوال يحتاج إلى دليل قاطع لمخالفته لاتفاق الاصحاب والاخبار على انه لا يجوز الاذان قبل الوقت المحدود شرعا إلا في صلاة الصبح خاصة كما تقدم في بحث الوقات (1) ولو كان الاذان في صلاة الجمعة كذلك كما يدعيه هذا القائل لكان اولى بالذكر من اذان صلاة الصبح الذى تكاثرت به الاخبار مع انه لم ترد به اشارة فضلا عن التصريح وبما ذكرنا يظهر لك قوة القول الاول مع تأيده بموافقة الاحتياط كما اعترف به أصحاب القول الثاني وجعلوه وجه الجمع بين الاخبار فحملوا مادل على التأخير إلى الزوال على الاولوية. وفيه منع ظاهر فانها صريحة في الوجوب آية ورواية. وفى حملهم الاخبار المذكورة على الاولوية اعتراف منهم بان الاذان فيها بعد الزوال ردا على ما تكلفه هذا الفاضل. ولا يبعد عندي حمل هذه الرواية على التقية (2) ومذهب العامة في المسألة


(1) ج 7 ص 394. (2) في البحر الرائق ج 2 ص 156 (الصحيح في المذهب ان الاذان الذي يجب ترك البيع به بعد الزوال إذا الاذان قبله ليس باذان) وفي عمدة القارئ ج 3 ص 279 (اجمع العلماء على ان وقت الجمعة بعد زوال الشمس الا ما روى عن مجاهد يجوز فعلها وقت صلاة العيد لانها عيد. وقال احمد تجوز قبل الزوال وقال الجرمي يجوز فعلها في الساعة السادسة) وفي البداية ج 1 ص 144 (الجمهور على ان وقت الجمعة وقت الظهر اعني وقت الزوال وانها لا تجوز قبل الزوال، وقال احمد تجوز قبل الزوال. واما الاذان فجمهور الفقهاء اتفقوا على ان وقته إذا جلس الامام على المنبر.


[ 109 ]

وان لم يكن معلوما إلا ان شيخنا الشهيد في الذكرى نقل بعد قول الشيخ والمحقق بالجواز قبل الزوال والاستدلال عليه بما رواه العامة عن انس (1) (ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يصلى إذا زالت الشمس) قال: وظاهره ان الخطبة وقعت قبل ميلها. ثم اردفها بصحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة (2). ونقل العلامة في المنتهى من اخبار هم ايضا عن سلمة بن الاكوع (3) قال: (كنا نجمع مع رسول الله (صلى الله عليه واله) إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيئ) والمراد نصلى معه جماعة كما هو ظاهر اللفظ، والصلاة معه إذا زالت الشمس مستلزمه لتقدم الخطبتين على الزوال. والعلامة في المنتهى حيث اختار فيه القول المشهور حمل الرواية على ما يوافق ما اختاره اعتضادا بها فقال: والجمعة انما هي الخطبتان والركعتان. والظاهر من اللفظ انما هو ما قلنا سيما مع اعتضاده بالرواية الاخرى. والله العالم

(المورد الخامس) في امور اخر يجب التنبيه عليها: منها - انهم صرحوا بان حضور العدد شرط في صحة الخطبة كما هو شرط في صحة الصلاة، قال في الخلاف: ومن شرطها العدد كما هو شرط في الصلاة فلو خطب من دونه ثم أحرم مع العدد لم يصح وبه قال الشافعي ولم يشترطه أبو حنيفة (4). وقال في الذكرى: ولم اقف على مخالف فيه منا وعليه عمل الناس في سائر الاعصار والامصار، وخلاف ابى حنيفة (5) هنا مسبوق بالاجماع وملحوق به اعني الاجماع الفعلى بين المسلمين. ومنها - ان المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان اذان المؤذن يكون عند صعود الامام المنبر وجلوسه لرواية عبد الله بن ميمون التقدمة في سابق هذا المورد (6) وقوله (ع) (فيها كان رسول الله (صلى الله عليه واله) إذا خرج إلى الجمعة قعد)


(1) في صحيح البخاري باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس عن انس (كان النبي صلى الله عليه وآله يصلى الجمعة حين تميل الشمس). (2) ص 106 و 107 (3) صحيح مسلم ج 3 ص 9 باب صلاة الجمعة حين تزول الشمس. (4) و (5) المغني ج 2 ص 332 والمهذب ج 1 ص 111 (6) ص 104.


[ 110 ]

حتى المنبر حتى يفرغ المؤذنون. وقال أبو الصلاح: إذا زالت الشمس أمر مؤذنيه بالاذان فإذا فرغوا منه صعد المنبر وخطب. وعليه تدل مضمرة محمد بن مسلم المتقدمة ثمة (1) وقوله فيها (يخرج الامام بعد الاذان فيصعد المنبر..) ويؤيد الرواية الاولى ما رواه في كتاب دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (2) قال في حديث: (وإذا صعد الامام جلس واذن المؤذنون بين يديه فإذا فرغوا من الاذان قام فخطب.. الحديث) ولم يحضرني الان وجه جمع بين الاخبار إلا القول بالتخيير بين الامرين أو حمل مضمرة محمد بن مسلم على الرخصة وان كان السنة أن يكون الاذان بعد جلوس الامام على المنبر، ويؤيده شهرة الحكم بذلك بين الخاصة والعامة (3). ومنها - انه يستحب للخطيب السلام بعد ركوبه المنبر عند اكثر الاصحاب لما رواه الشيخ عن عمرو بن جميع رفعه عن على (عليه السلام) (4) انه قال: (من السنة إذا صعد الامام المنبر أن يسلم إذا استقبل الناس) قال في الذكرى: وعليه عمل الناس. ونقل عن الشيخ في الخلاف انه قال لا يستحب التسليم. قال في الذكرى: وكأنه لم يثبت عنده سند الحديث. وقال في الذخيرة: وكأنه نظر إلى ضعف سند الرواية. اقول: بل الظاهر انه لم تخطر الرواية المذكورة بخاطره يومئذ وإلا فانه يتمسك في جملة من الاحكام بالروايات العامية فضلا عن مثل هذه الرواية، وضعف السند بهذا الاصطلاح المحدث غير معمول عليه بين المتقدمين من الشيخ وغيره بل الاظهر هو ما ذكرناه.


(1) ص 104. (2) مستدرك الوسائل الباب 6 و 14 من صلاة الجمعة (3) المغني ج 2 ص 296 و 297 والبداية ج 1 ص 144. (4) الوسائل الباب 28 من صلاة الجمعة.


[ 111 ]

ومنها - استحباب استقبال الناس بوجهه حال الخطبة واستقبال الناس له لما رواه في الكافي عن السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه واله) كل واعظ قبلة. يعنى إذا خطب الامام الناس يوم الجمعة ينبغى للناس ان يستقبلوه) وروى في الفقيه مرسلا (2) قال: (قال النبي (صلى الله عليه واله) كل واعظ قبلة وكل موعوظ قبلة للواعظ. يعنى في يوم الجمعة والعيدين وصلاة الاستسقاء في الخطبة يستقبلهم الامام ويستقبلونه حتى يفرغ الامام من خطبته). ومنها - الاعتماد حال الخطبة على سيف أو قوس أو عصا لما في صحيحة عمر بن يزيد عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) وفيها (وليلبس الامام البرد والعمامة ويتوكأ على قوس أو عصا.. الحديث). ومنها - التعمم شتاء كان أو قيظا والارتداء ببرد يمنى اوعدني أو غيرهما لما تقدم في صحيحة عمر بن يزيد، ولما رواه سماعة عن الصادق عليه السلام (4) في الموثق قال: (قال أبو عبد الله عليه السلام ينبغى للامام الذى يخطب الناس يوم الجمعة ان يلبس عمامة في الشتاء والصيف وينزدى ببرد يمنى أو عدني.. الحديث). ومنها - ان يقوم على مرتفع من منبر ونحوه لما تقدم في جملة من الاخبار (5) ومنها - كونه بليغا بمعنى جمعه بين الفصاحة التى هي خلوص الكلام من التعقيد وضعف التأليف ومن كونها غريبة وحشية وبين القدرة على تأليف الكلام المطابق لمقتضى الحال مع الاحتراز عن الايجاز المخل والتطويل (الممل) ليكون كلامه اوقع في القلوب وبه يحصل الاثر المراد من الخطبة والمطلوب. ومنها - مواظبته على الطاعات والانزجار عن المحرمات بل المكروهات


(1) و (2) الوسائل الباب 53 من صلاة الجمعة. (3) الوسائل الباب 6 من صلاة الجمعة (4) الوسائل الباب 24 من صلاة الجمعة (5) ص 97 و 99 و 104 و 110.


[ 112 ]

ولا سيما المواظبة على الصلوات في اوقاتها والجماعات والجمعات واتصافه بما يأمر به وينهى عنه ليكون وعظه أبلغ تأثيرا في القلوب، وقد قيل ان ما خرج من اللسان لا يتجاوز الاذان وما خرج من القلب فموقعه القلب.

المقصد الرابع

في الجماعة

واشتراطها بالجملة اجماعي نصا وفتوى، اما الثاني فلما نقله جملة من الاصحاب واما الاول فللاخبار المستفيضة: منها - قول أبى جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدمة (1) في عد الروايات الدالة على الوجوب العينى منها صلاة واحدة فرضها الله في جماعة وهى الجمعة وقول الصادق (عليه السلام) في صحيحة عمر بن يزيد (2) (إذا كانوا سبعة فليصلوا في جماعة إلى غير ذلك من الروايات المتقدمة ثمة ونحوها، فلا يصح الانفراد بها وان حصل العدد بل لا بد من الارتباط الحاصل من صلاة الامام والمأمومين. وتتحقق الجماعة بنية اقتدا المأمومين بالامام فلو اخلوا بها أو بعضهم لم تنعقد الجمعة متى كان أحد العد المعتبر لانه يعتبر في الانعقاد نية العدد المعتبر ولم تصح صلاة المخل وان كان زائدا على العدد. قالوا: وهل يجب على الامام هنا نية الامامة ؟ نظر من حصول الامامة إذا اقتدى به، ومن وجوب نية كل واجب. انتهى. وهو ضعيف لما عرفت مما حققناه في معنى النية في غير مقام، وكلامهم هنا كما في غير هذا المواضع ايضا - مبنى على النية بالمعنى المشهور بينهم وهو الحديث النفسي والتصوير الفكري وليس هو النية حقيقة كما عرفت. ويجب التنبيه هنا على امور: الاول - قال شيخنا الشهيد في الذكرى: لو بان للعدد ان الامام محدث فان كان العدد لا يتم بدونه فالاقرب انه لا جمعة لهم لانتفاء الشرط، وان كان العدد حاصلا من غيره صحت صلاتهم عندنا لما يأتي ان شاء الله تعالى في باب الجماعة. وربما افترق الحكم هنا وهناك لان الجماعة شرط في


(1) ج 9 ص 408 (2) الوسائل الباب 6 من صلاة الجمعة


[ 113 ]

الجمعة ولم يحصل في نفس الامر بخلاف باقى الصلوات، فان القدوة إذا فاتت فيها يكون قد صلى منفردا وصلاة المنفرد هناك صحيحة بخلاف الجمعة. وقال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: اقول انه لا يخفى ضعف هذا الفرق لمنع صحة الصلاة هناك على تقدير الانفراد لعدم اتيان المأموم بالقراءة التى هي من وظائف المنفرد، وبالجملة فالصلاتان مشتركتان في الصحة ظاهرا وعدم استجاعهما الشرائط المعتبرة في نفس الامر، فما ذهب إليه أولا من الصحة غيد بعيد، بل لو قيل بالصحة مطلقا وان لم يكن العدد حاصلا من غيره لا مكن لصدق الامتثال واطلاق قول ابى جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1) (وقد سأله عن قوم صلى بهم امامهم وهو غير طاهر أتجوز صلاتهم أم يعيدونها ؟ قال لا اعادة عليهم تمت صلاتهم عليه هو الاعادة وليس عليه أن يعلمهم، هذا عنه موضوع انتهى. اقول: ما ذكرناه (قدس سره) جيد، ويعضده ان الاحكام الشرعية من وجوب وتحريم وصحة وبطلان ونحوها إنما نيطت بنظر المكلف وعلمه لا بالواقع ونفس الامر كما تقدم تحقيقه في غير مقام، لما علم عقلا ونقلا من ان الشارع لم يجعل نفس الامر مناطا للاحكام الشرعية وإلا لزم التكليف بما لا يطاق فان ذلك لا يعلمه إلا هو سبحانه والمناط إنما هو علم المكلف في تحليل أو تحريم أو صحة أو بطلان ونحو ذلك، وبه يتجه الحكم بالصحة في الصورة التى حكم ببطلان الجمعة فيها وهو ما إذا كان العدد لا يتم بدونه فان الصلاة صحيحة بالنظر إلى ظاهر الأمر وانتفاء الشرط بحسب الواقع غير ملتفت إليه لما عرفت ويخرج الخبر المذكور شاهدا على ذلك.

(الثاني) - لو عرض للامام عارض من موت أو اغماء أو حدث لم تبطل الصلاة وجاز للمأمومين ان يقدموا من يتم بهم الصلاة، أما الاول فلان الاصل صحة الصلاة والحكم بالابطال يتوقف على دليل شرعى وليس فليس، وأما الثاني


(1) الوسائل الباب 36 من صلاة الجماعة.


[ 114 ]

فلثبوت ذلك في مطلق الجماعة كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى في باب صلاة الجماعة. وهل الاستخلاف هنا وجوبا أو استحبابا ؟ صرح العلامة في المنتهى بالاول وجزم ببطلان الصلاة بدونه محافظة على اعتبار الجماعة فيها استدامة كما تعتبر ابتداء. وفيه ان الظاهران الجماعة انما تعتبر ابتداء لا استدامة كما صرح به غير واحد من الاصحاب، وقد تقدمت الاشارة إلى ذلك في فروع المقصد الثاني في العدد. وبه يعلم الوجه في الثاني وان كان الاحوط ما ذكره (قدس سره). ولو لم يتفق في الجماعة من هو بشروط الامامة اتموا فرادى جمعة لا ظهر أو وهل يشترط مع الاستخفاف استئناف نية القدوة ؟ الاظهر ذلك لانتفاء القدوة الاولى بما عرض للامام مما أوجب خروجه مع وجوب نية تعيين الامام كما سيجئ ان شاء الله تعالى في باب الجماعة. وقيل لا يشترط لتنزيل الخليفة منزلة الاول. فيه ما عرفت من وجوب نية التعيين.

(الثالث) - لو ركع مع الامام في الاولى وزوحم عن السجود فليس له السجود على ظهر غيره بل ان امكنه السجود بعد قيام الصفوف وسجد والتحق بالامام في الركوع الثاني وجب واجزأه، وما حصل من الاخلال بالمتابعة في الركن مغتفر بالعذر كما سيأتي بيانه في محله ان شاء الله تعالى. وان لم يمكنه السجود حتى ركع الامام ثانيا فليس له الركوع معه لئلا يلزم زيادة ركن في الصلاة فتبطل فإذا سجد سجد معه ونوى بسجدتيه الركعة الاولى ثم اتم صلاته بعد تسليم الامام فان صلاته تصح اجماعا. ولو لم ينو بسجدتيه الاولى بل نوى الثانية أم لم ينو شيئا فاقوال: أحدها - بطلان صلاته وعليه الشيخ في النهاية واكثر المتأخرين والظاهر انه المشهور، والظاهران وجهه - كما ذكره في المدارك - عدم الاعتداد بهما لعدم نيتهما للاولى استلزام اعادتهما زيادة الركن في الصلاة.


[ 115 ]

وقال في المبسوط انه ان لم ينوبهما الاولى لم يعتد بهما ويستأنف سجدتين للركعة الاولى ثم يستأنف بعد ذلك ركعة اخرى وقد تمت جمعة، قال وقد روى انه تبطل صلاته. ونحو قال في الخلاف على ما نقل عنه، وهو مذهب السيد المرتضى في المصباح. وقال ابن ادريس انما تبطل إذا نوى انهما للثانية لا بترك نية انهما للاولى. ورده العلامة بان افعال المأموم تابعة لامامه فالاطلاق ينصرف إلى ما نواه الامام وقد نوى الثانية فينصرف فعل المأموم إليه. وقال المحقق في المعتبر بعد ذكر رواية حفص الاتية ان شاء الله تعالى وردها بضعف السند وانه لا عبرة بها: فالأشبه ما ذكره في النهاية. وهو مؤذن باختيار مذهب الشيخ في النهاية من القول بالبطلان. وفى المعتبر علل البطلان الذى ذهب إليه الشيخ في النهاية متى لم ينو بالسجدتين الاولى بانه قد زاد ركنا وهو السجدتان فتبطل صلاته كما لو زاد ركعة، قال: ويؤيد ذلك ما رواه زرارة وبكير ابنا اعين عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: (إذا استيقن انه زاد في صلاته المكتوبة لم يعتد بها واستقبل صلاته استقبالا إذا كان قد استيقن يقينا) ثم نقل نحوها رواية ابى بصير وعلل في المدارك وجه البطلان بما قدمنا نقله عنه، والظاهر ان المرجع إلى أمر واحد فانه متى كانتا غير معتد بهما لزم زيادة الركن. وظاهر الشهيد في الذكرى اختيار القول بالصحة كما ذهب إليه الشيخ في المبسوط فانه بعد ان نقل عن المعتبر رد الرواية بضعف السند قال ما لفظه: قلت ليس ببعيد العمل بهذه الرواية لاشتهارها بين الاصحاب وعدم وجودما ينافيها، وزيادة السجود مغتفرة في المأموم كما لو سجد قبل امامه، وهذا التخصيص يخرج الروايات الدالة على الابطال عن الدلالة. واما ضعف الراوى فلا يضر مع الاشتهار، على


(1) و (2) الوسائل الباب 19 من الخلل في الصلاة


[ 116 ]

ان الشيخ في الفهرست قال ان كتاب حفص معتمد عليه. انتهى. واشار بالروايات الدالة على الابطال إلى ما أورده المحقق (قدس سره) من الروايات الدالة على ابطال الصلاة بزيادة الركن فيها. وقال في المدارك بعد أن رد الرواية بضعف السند وانه لا عبرة بها كما ذكره في المعتبر: والاصح البطلان ان نوى بهما الثانية كما اختاره المصنف امامع الذهول عن القصد فتنصر فان إلى الاولى. انتهى. وهو راجع إلى ما قدمنا نقله عن ابن ادريس. وظاهر القائلين بالبطلان هو العموم بمعنى انه متى لم ينوبهما الاولى بطلت صلاته أعم من أن ينوى بهما الثانية أو لم ينو بهما شيئا، ولهذا اعترض العلامة على مذهب ابن ادريس بما قدمنا ذكره. والظاهر ان ما ادعاه كل منهما من الانصراف إلى الاولى أو الثانية لا يخلو من نظر لما سيأتي ان شاء الله تعالى في المقام، وحينئذ فتكون الاقوال في المسألة ثلاثة: البطلان مطلقا والصحة مطلقا والتفصيل الذى ذهب إليه ابن ادريس. والرواية المشار إليها في المقام ما رواه الشيخ وابن بابويه عن حفص بن غياث (1) قال: (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في رجل أدرك الجمعة وقد ازدحم الناس وكبر مع الامام وركع ولم يقدر على السجود وقام الامام والناس في الركعة الثانية وقام هذا معهم فركع الامام ولم يقدر هذا على الركوع في الركعة الثانية من الزحام وقدر على السجود كيف يصنع ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) اما الركعة الاولى فهى إلى عند الركوع تامة فلما لم يسجد لها حتى دخل في الركعة الثانية لم يكن له ذلك فلما سجد في الثانية فان كان نوى ان هذه السجدة هي للركعة الاولى فقد تمت له الاولى فإذا سلم الامام قام فصلى ركعة يسجد فيها ثم يتشهد ويسلم، وان كان لم ينوان تكون تلك السجدة للركعة الاولى لم تجزئ عنه الاولى ولا الثانية عليه ان يسجد سجدتين


(1) الوسائل الباب 17 من صلاة الجمعة.


[ 117 ]

وينوى انهما للركعة الاولى وعليه بعد ذلك ركعة ثانية يسجد فيها قال حفص: وسألت عنها ابن ابى ليلى فما طعن فيها ولاقارب.. انت خبير بان الرواية المذكورة لا معارض لها في البين واطراحها بمجرد ضعف السند بهذا الا صطلاح الغير المعتمد غير مرضى سيما مع ما ذكره شيخنا الشهيد من شهرة الرواية بين الاصحاب. إلا أن الرواية المذكورة غير صريحة الدلالة في ما يدعونه من الصحة مع زيادة سجدتين اخريين وذلك فانه مبنى على ان يكون قوله وعليه أن يسجد سجدتين.. الخ معطوفا على جواب الشرط بمعنى انه إذا لم ينو ان تكون تلك السجدة للركعة الاولى فانها لا تجزئ عن الاولى ولا عن الثانية والواجب عليه في الصورة المذكورة ان يسجد.. إلى آخره، وهذا المعنى غير متعين في الرواية بل من الممكن حمل قوله (عليه السلام) (وعليه ان يسجد.. الخ) على أن يكون كلاما مستأنفا مؤكدا لما تقدم، ويكون حاصل المعنى انه إذا لم ينو ان تكون تلك السجدة التى سجدها للركعة الاولى فانها لا تجزئ عنه للاولى ولا للثانية بل الواجب عليه من اول الامر انه متى حصلت له فرصة للسجود في الركعة الثانية ان ينوى بها الاولى وعليه بعد ذلك ركعة ثانية. وبذلك يظهر لك ان الاقوى في المسألة هو القول بالبطلان كما هو المشهور بين المتأخرين.

فروع:

(الاول) - تقدم النقل عن ابن ادريس وصاحب المدارك بانه لو سجد وذهل عن نية كونهما للاولى أو الثانية فان ذلك ينصرف إلى الاولى وعلى هذا تصح صلاته في الصورة المذكورة، والى هذا القول مال شيخنا الشهيد الثاني في كتاب روض الجنان ونقل ايضا عن المحقق الشيخ على. وعلله في الروض بحمل الاطلاق على ما في ذمته، قال: فانه لا تجب لكل فعل من افعال الصلاة نية وان كان المصلى مسبوقا وانما يعتبر للمجموع النية اولها وقد تقدم النقل عن العلامة بانه اختار البطلان معللا بانصراف الاطلاق إلى


[ 118 ]

الركعة الثانية لأن افعال المأموم تابعة لافعال امامه فالاطلاق ينصرف إلى مانواه الامام وقد نوى الثانية فينصرف فعل المأموم إليه. ورد بان وجوب المتابعة لا يصير المنوي للامام منويا للمأموم كما في كل مسبوق ولا يصرف فعله علما في ذمته والاصل يقتضى الصحة. اقول لا يخفى ان التعليل الاول ايضا لا يخلو من خدش فان قوله - لا تجب لكل فعل من افعال الصلاة نية - على اطلاقه ممنوع لان هذا انما يتم في مقام الاتيان بالفعل في محله على الترتيب الشرعي الذى وضعت عليه الصلاة، اما في ما نحن فيه من هذه الصورة التى صار السجود فيها في غير مقامه صالحا في حد ذاته لان يكون للركعة الاولى أو الثانية وان بطلت الصلاة على تقدير جعله للثانية فانه لا يتعين لاحدهما إلا مع النية، وانصرف الاطلاق إلى ما في ذمته لو تم لورد عليهم ايجاب القيود في النية كما صرحوا به من وجوب نية الاداء والقضاء والوجوب والاستحباب وكونها ظهرا أو عصرا ونية الرفع في الطهارة والاستباحة ونحو ذلك، فانه بمقتضى هذا الكلام لو نوى (اصلى قربة إلى الله أو اتوضأ قربة إلى الله) صح ذلك وانصرف الاطلاق إلى مافى ذمته وهم لا يقولون به كما لا يخفى على من وقف على كلامهم في بحث النية. هذا، والمفهوم من الرواية المتقدمة - حيث دلت على انه إذا لم ينو بتلك السجدة الركعة الاولى الذى هو اعم من نية الثانية وعدم النية بالكلية فانها لا تجزئ للاولى ولا للثانية - هو البطلان في الصورة المذكورة ولكن الجماعة المذكورين حيث اطرحوا الرواية لضعف سندها اعرضوا عن العمل بما دلت عليه مطلقا، والمتجه عندنا هو العمل بما دلت عليه لعدم تعويلنا على هذا الاصطلاح المحدث وعدم المعارض لها، ولو سلمت من الاحتمال الذى قدمنا ذكره لحكمنا بالصحة في اصل المسألة كما ذهب إليه في المبسوط ولكنها غير ظاهرة فيه لماعرفت.

(الثاني) - لو سجد ولحق الامام راكعا في الثانية وجب عليه المتابعة وادرك


[ 119 ]

الجمعة واتم صلاته مع الامام بلا إشكال ولا خلاف، انما الخلاف في ما لو ادركه رافعا فقيل بوجوب الانفراد حذرا من مخالفة الامام في الافعال لتعذر المتابعة، وقيل بوجوب المتابعة وحذف الزائد كمن تقدم الامام سهوا في ركوع أو سجود، وقيل بالتخيير بين ان يجلس حتى يسجد الامام ويسلم ثم ينهض إلى الثانية وبين ان يقعد ويعدل إلى الانفراد.

(الثالث) - لو لم يتمكن من السجود في ثانية الامام ايضا حتى قعد الامام للتشهد ففى فوات الجمعة عدمه اشكال من عدم ادراك الركعة الثانية، ومن ادراكها حكما. اقول: ويرجع الثاني إلى ما تقدم من ان الجماعة والعدد شرط في صحة صلاة الجمعة ابتداء لا استدامة. هذا إذا اتى بالسجود قبل تسليم الامام اما لو لم يأت به إلا بعده فقد قال في المنتهى ان الوجه هنا فوات الجمعة قولا واحدا لان ما يفعله بعد التسليم لم يكن في حكم صلاة الامام. وتنظر فيه بعض الافاضل قال: لمنع اشتراط الجماعة في صحة صلاة الجمعة إلا في الابتداء. ثم ان قلنا بفوات الجمعة فهل يعدل بنيته إلى الظهر أو يستأنف ؟ احتمالان وقرب العلامة الثاني، وربما يوجه بان كلا منهما صلاة منفردة عن الاخرى في الشرائط والاحكام والاصل عدم جواز العدول بالنية من فرض إلى آخر لقوله (عليه السلام) (1) (وإنما لكل امرئ ما نوى) وان النية انما تعتبر في اول العبادات لقوله (عليه السلام) (2): إنما الاعمال بالنيات.) وربما يوجه الاول بان الجمعة ظهر مقصورة فإذا جاز العدول من السابقة المغايرة فههنا اولى. وأنت خبير بما في هذه التعليلات والتوجيهات من عدم الصلاحية لتأسيس الاحكام الشرعية، والمسألة لا تخلوامن الاشكال لعدم الدليل في المقام.

(الرابع) - لو زوحم عن الركوع والسجود معا صبر حتى يتمكن منهما ثم يلتحق بالامام، لما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن


(1). (2) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات


[ 120 ]

ابى الحسن (عليه السلام) (1) (في رجل صلى في جماعة يوم الجمعة فلما ركع الامام الجأه الناس إلى جدار أو اسطوانة فلم يقدر على ان يركع ولا يسجد حتى رفع القوم رؤوسهم أيركع ثم يسجد ثم يقوم في الصف ؟ قال لا بأس بذلك). وكذا الحكم في مالو زوحم عن ركوع الاولى فانه يصبر حتى يلتحق بالامام في ركوع الثانية فانه يركع معه وتصير له الاولى ثم يأتي بالثانية بعد تسليم الامام. اما لو لم يدركه إلابعد الرفع من الاخيرة ففى ادراك الجمعة بذلك وعدمه قولان ثانيهما للمحقق في المعتبر وأو لها لجمع من الصحاب: منهم - الشهيد في الذكرى والمحقق الشيخ على استنادا إلى عموم الرواية المذكورة. قال في الذكرى: ولو لحقه بعد رفعه من الثانية فالاقرب الاجزاء لانه أدرك ركعة مع الامام حكما وان لم يكن فعلا والرواية تشمله، ووجه المنع انه لم يلحق ركوعا مع الامام. انتهى. اقول: لا يخفى ضعف ما قربه، اما التعليل الاول فعليل كما لا يخفى، واما الرواية فان ظاهر (ثم يقوم في الصف) هو ادراك الركعة الثانية كملا والركوع مع الامام فيها. نعم يمكن توجيه ما ذكره بما تقدم من ان الجماعة شرط في الابتداء لا في الاستدامة وحينئذ فيمكن الاستناد إلى عموم ما دل على وجوب الجمعة وتعينها. والله العالم.

(الامر الرابع) - انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في انه تدرك الجمعة بادراك ركعة مع الامام، نقل الاتفاق على ذلك جملة منهم. ويدل عليه ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان بن العرزمى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (إذا أدركت الامام يوم الجمعة وقد سبقك بركعة فاضف إليها ركعة اخرى واجهر فيها وان ادركته وهو يتشهد فصل اربعا).


(1) الوسائل الباب 17 من صلاة الجمعة. ولفظ الرواية في الفقيه ج 1 ص 270 هكذا (اركع ثم يسجد ويلحق بالصف وقد قام القوم ام كيف يصنع ؟ فقال يركع ويسجد ثم يقوم في الصف ولا بأس بذلك). (2) الوسائل الباب 26 من صلاة الجمعة.


[ 121 ]

وعن الفضل بن عبد الملك في الصحيح (1) قال: (قال أبو عبد الله (عليه السلام) من ادرك ركعة فقد ادرك الجمعة). وما رواه الكليني والشيخ عن الحلبي في الصحيح أو الحسن (2) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن من ليدرك الخطبة يوم الجمعة فقال يصلى ركعتين فان فاتته الصلاة فلم يدركها فليصل اربعا. وقال إذا: أدركت الامام قبل ان يركع الركعة الاخيرة فقد أدركت الصلاة وان انت أدركته بعد ما ركع فهى الظهر اربع ركعات) وما رواه الصدوق عن الحلبي في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) انه قال: (إذا ادركت الامام قبل أن يركع الركعة الاخيرة فقد ادركت الجمعة وان ادركته بعد ما ركع فهى أربع بمنزلة الظهر). وعن الفضل بن عبد الملك في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: (إذا أدرك الرجل ركعة فقد أدرك الجمعة وان فاتته فليصل أربعا). ولا ينافى ذلك ما رواه الشيخ عن عبد الله بن سنان في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: (لا تكون الجمعة إلا لمن أدرك الخطبين) فانه محمول على الفضل والاستحباب جمعا. وبالجملة فالحكم المذكور اتفاقى وانما الخلاف في ما به تدرك الركعة فالمشهور انه يتحقق بادراك الامام راكعا، واليه ذهب الشيخ في الخلاف والمرتضى وكافة


(1) و (4) الوسائل الباب 26 من صلاة الجمعة. (2) الوسائل الباب 26 من صلاة الجمعة. وفي نسخ الحدائق هكذا (عن من يدرك الجمعة) والصحيح ما هنا. وايضا في الفروع ج 1 ص 119 والتهذيب ج 1 ص 322 اللفظ هكذا (فهي الظهر اربع). (3) الوسائل الباب 26 من صلاة الجمعة. وفي الفقيه ج 1 ص 270 هكذا (فقد ادركت الصلاة). (5) الوسائل الباب 16 من صلاة الجمعة. وفي التهذيب ج 1 ص 323 هكذا (الجمعة لا تكون).


[ 122 ]

المتأخرين، وذهب الشيخان في المقنعة والنهاية وكتابي الاخبار إلى ان المعتبر إدراك تكبير الركوع. والاظهر الاول، ويدل عليه جملة من الاخبار: منها - ما رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: (إذا ادركت الامام وقد ركع فكبرت قبل أن يرفع الامام رأسه فقد ادركت الركعة وان رفع رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك الركعة). وما رواه الشيخ في الصحيح عن سليمان بن خالد (2) ورواه الكليني في الصحيح أيضا عن سليمان بن خالد (3) قال: (قال أبو عبد الله (عليه السلام) في الرجل إذا ادرك الامام وهو راكع فكبر وهو مقيم صلبه ثم ركع قبل ان يرفع الامام رأسه فقد ادرك الركعة) وما رواه الصدوق في الفقيه عن ابى اسامة (4) (انه سأله (عليه السلام) عن رجل انتهى إلى الامام وهو راكع ؟ قال إذا كبر واقام صلبه ثم ركع فقد أدرك). وما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الرحمان بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) (قال إذا دخلت المسجد والامام راكع فظننت انك ان مشيت إليه رفع رأسه قبل ان تدركه فكبر واركع فإذا رفع رأسه فاسجد مكانك فإذا قام فالحق بالصف وان جلس فاجلس مكانك فإذا قام فالحق بالصف ورواه الشيخ عن عبد الرحمن بسند صحيح ايضا (6).


(1) الوسائل الباب 45 من صلاة الجماعة. وفيه هكذا (فكبرت وركعت) وفي الفقيه ج 1 ص 254 كما هنا. (2) الوسائل الباب 45 من الجماعة. واللفظ في التهذيب ج 1 ص 258 كما هنا وفي روايته الاخرى ص 330 اسقط لفظ الركعة. (3) الوسائل الباب 45 من الجماعة. وفي الفروع ج 1 ص 106 باسقاط لفظ الركعة ايضا. (4) الوسائل الباب 45 من صلاة الجماعة. (5) الوسائل الباب 46 من الجماعة. وليس في الفقيه ج 1 ص 254 (قبل ان تدركه) بعد قوله (رفع راسه) وانما هو في رواية التهذيب ج 1 ص 258. (6) الوسائل الباب 46 من الجماعة.


[ 123 ]

وما رواه الشيخ عن معاوية بن شريح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: (إذا جاء الرجل مبادرا والامام راكع اجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة والركوع) وعن جابر الجعفي (2) قال: (قلت لابي جعفر (عليه السلام) انى أؤم قوما فاركع فيدخل الناس وانا راكع فكم انتظر ؟ فقال ما أعجب ما تسأل عنه انتظر مثلى ركوعك فان انقطعوا وإلا فارفع رأسك). وفى الفقيه (3) (قال رجل لابي جعفر (عليه السلام) انى امام مسجد الحى فاركع بهم واسمع خفقان نعالهم وانا راكع ؟ فقال اصبر ركوعك ومثل ركوعك فان انقطعوا وإلا فانتصب قائما). هذا ما حضرني من الروايات الدالة على المشهور. واما ما يدل على القول الثاني فهو ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال قال لى: (ان لم تدرك القوم قبل أن يكبر الامام للركعة فلا تدخل معهم في تلك الركعة). وعن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (5) قال قال: (لا تعتد بالركعة التى لم تشهد تكبيرها مع الامام). وعن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (6) قال: (إذا أدركت التكبيرة قبل أن يركع الامام فقد أدركت الصلاة). وروى الكليني في الصحيح عن محمد بن مسلم (7) قال: (قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا لم تدرك تكبيرة الركوع فلا تدخل في تلك الركعة. وروى الشيخ في التهذيب عن يونس الشيباني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (8) قال: (إذا


(1) الوسائل الباب 4 من تكبيرة الاحرام و 45 من الجماعة (2) الوسائل الباب 50 من الجماعة. (3) ج 1 ص 255 وفي الوسائل الباب 50 من الجماعة (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 44 من الجماعة. (8) الوسائل الباب 13 من الاذان والاقامة.


[ 124 ]

دخلت من باب المسجد فكبرت وانت مع امام عادل ثم مشيت إلى الصلاة اجزأك ذلك وإذا الامام كبر للركوع كنت معه في الركعة لانه إذا أدركته وهو راكع لم تدرك التكبير لم تكن معه في الركوع. وجملة من الاصحاب جمعوا بين هذه الاخبار بحمل النهى في الصحيحة الاولى وعدم الاعتداد في الثانية على الكراهة ونفى الاعتداد في الفضيلة ويكون الغرض التحريض على كمال السعي في عدم التأخير. قالوا وانما حملنا هذه الاخبار على ذلك رعاية لقاعدة الجمع وابقاء للاخبار الكثيرة على ظاهرها فان هذه الاخبار الاصل فيها محمد بن مسلم وهو واحد بخلاف الاخبار الاولة. وانت خبير بان مرجع هذا الجمع إلى التخيير في الدخول بعد فوات التكبير وان الاولى عدمه لانه مكروه باعتبار النهى المتقدم، وهذا انما يتم في غير الجمعة مما جاز للمكلف الاتيان به جماعة وفرادى دون الجمعة التى قام الدليل على وجوبها عينا كما هو المختار الذى عليه جل علمائنا الابرار، إلا ان تحمل هذه الاخبار بكلا طرفيها من الاخبار الدالة على ادراك الركعة حال الركوع والاخبار الدالة على العدم إلا مع إدراك تكبيرة الاحرام على غير الجمعة، وهو مشكل لانه يلزم منه بقاء حكم الجمعة مبهما في الصورة المذكورة. ورجح بعض فضلاء متأخرى المتأخرين وجوب الدخول في الجملة حال الركوع نظر إلى ان الاخبار السابقة الدالة على وجوب ادراك صلاة الجمعة المتحقق بالدخول معهم في الصلاة في الصورة المذكورة أخص مطلقا من الاخبار المذكورة والخاص مقدم على العام. وفيه - مع غموض ما ذكره - انه ان اراد دلالتها على وجوب الدخول حال الركوع فان ظاهر صحيحتي الحلبي المتقدمتين (1) في عداد تلك الروايات انما هو العكس فان الظاهر من قوله (عليه السلام) فيهما فان ادركته بعد ما ركع فهى الظهر انه متى ادركه


(1) ص 121.


[ 125 ]

حال الركوع فهى الظهر بمعنى عدم ادراك الركعة وفوات الجمعة بادراكه حال الركوع ولهذا ان بعضهم احتمل اختصاص الجمعة بذلك نظرا إلى هاتين الروايتين وان كان الحكم في غيرها ما دلت عليه تلك الاخبار من ادراك الركعة بادراك الامام راكعا وان احتمل حمل الروايتين المذكورتين على الادراك بعد فوات الركوع. ويمكن ترجيح هذا المعنى بالنظر إلى تلك الاخبار الكثيرة فتحمل هاتان الصحيحتان على ذلك جمعا بينها وبين تلك الاخبار. ويؤيده ان قوله (عليه السلام) (إذا أدركت الامام قبل أن يركع الركعة الاخيرة فقد أدركت الجمعة) أعم من أن يكون الادراك قبل تكبير الركوع أو بعده ومتى شمل الادراك بعده فانه لا ينطبق على القول الثاني. وبالجملة فالاحوط في صلاة الجمعة انه متى لم يدرك تكبير الركوع ويدخل معه قبل الركوع هو الاتمام جمعة ثم الاعادة ظهرا لما عرفت من ظاهر الصحيحتين المذكورتين هذا، وظاهر المحدث الكاشانى في الوافى - بعد نقل بعض الاخبار الدالة على ادراك الركعة بادراك الركوع واخبار محمد بن مسلم الدالة على العدم إلا مع ادراك التكبير - هو موافقة الشيخ في الجمع بين الاخبار بما ذكره في التهذيبين حيث قال: ولا تنافى بين هذه الاخبار الاربعة والخبرين الاولين لجواز سماع التكبير من بعيد قبل بلوغ الصف. كذا في التهذيبين، وتدل عليه الاخبار الواردة في ركوع المسبوق وسجوده قبل لحوقه الصف كما مرفى باب التقدم إلى الصف والتأخر عنه. انتهى. واشار بالاخبار الاربعة إلى اخبار محمد بن مسلم. وانت خبير بان حاصل هذا الجمع هو حمل ادراك تكبيرة الركوع في روايات محمد بن مسلم على مجرد سماعه وان دخل في الصلاة بعد ذلك حال الركوع لا توقف الدخول في الصلاة على كونه قبل تكبير الامام للركوع كما زعمه ذلك القائل، وحينئذ فتحمل الاخبار الاولة الدالة على ادراك الصلاة بادراك الركوع على سماع تكبيرة الركوع قبل الدخول في الصلاة، وعلى هذا فلو لم يسمع تكبيرة الركوع امتنع دخوله في حال الركوع. ولا يخفى ما فيه من البعد.


[ 126 ]

وما استند إليه من الاخبار التى احالها على الباب المذكور لا اشعار فيها بشئ مما ادعاه، فان منها صحيحة عبد الرحمان بن ابى عبد الله المتقدمة (1) مدلولها هو دخول المأموم والامام راكع وخاف من المشى إليه رفع رأسه من الركوع فانه يكبر في محله ثم يلحق بالصف، وليس فيها كما ترى اشارة فضلا عن التصريح بسماع تكبيرة الركوع بل هي بالدلالة على العدم أنسب والى ذلك أقرب حيث دلت على انه دخل والامام راكع وذلك بعد تكبير الركوع البتة، فظاهر انه لم يشهد تكبير الركوع كما لا يخفى. ومن اخبار الباب المذكور بالنسبة إلى هذه المسألة ما رواه في التهذيب والفقيه عن اسحاق بن عمار (2) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام) أدخل المسجد وقد ركع الامام فاركع بركوعه وأنا وحدي واسجد فإذا رفعت رأسي أي شئ أصنع ؟ فقال قم فاذهب إليهم فان كانوا قياما فقم معهم وان كانوا جلوسا فاجلس معهم والتقريب فيها كما في سابقتها. ومنها - ما رواه الشيخان المذكوران في الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (3) (انه سئل عن الرجل يدخل المسجد فيخاف أن تفوته الركعة ؟ فقال يركع قبل أن يبلغ القوم ويمشى وهو راكع حتى يبلغهم وهى كما ترى مجملة محتملة للامرين. وبالجملة فان هذه الاخبار التى زعم الاستناد إليها في هذا الجمع قد دلت على مادلت عليه روايات القول المشهور، وأنت خبير بان ظهور التدافع بين هذه الروايات وروايات محمد بن مسلم أمر ظاهر والتأويلات التى نقلناها عنهم قد عرفت ما فيها فلم يبق إلا الترجيح بينها والظاهر كونه في جانب اخبار القول المشهور لكثرتها، ومن جملة طرق الترجيح المروية في مقبولة عمر بن حنظلة (4) الترجيح بالشهرة يعنى


(1) ص 122 (2) و (3) الوسائل الباب 46 من الجماعة (4) الواردة في الوسائل في الباب 9 من صفات القاضي وما يجوز ان يقضى به.


[ 127 ]

في الرواية لقوله (عليه السلام) (خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر) وهى في جانب تلك الاخبار لتعدد رواتها وانحصار أخبار القول المقابل في محمد بن مسلم ويونس الشيباني، وحينئذ فالواجب بمقتضى هذه القاعدة الشريفة هو العمل على تلك الاخبار وارجاء هذه الاخبار إلى قائلها. والله العالم.

فرعان:

(الاول) اعلم انه قد صرح جملة من الصحاب (رضوان الله عليهم) بان المعتبر على تقدير القول المشهور في ادراك الركعة حال الركوع هو اجتماعهما في قوس الراكع بحيث يكبر ويركع ويجتمع في ذلك الحد، وعليه تدل صحيحة سليمان بن خالد وصحيحة الحلبي المتقدمتان (1). وهل يقدح فيه شروع الامام في الرفع مع عدم تجاوز ذلك الحد ؟ وجهان للاول ظاهر قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي المتقدمة (2) (إذا ادركت الامام وقد ركع فكبرت قبل أن يرفع الامام رأسه فقد أدركت الركعة) ونحوها صحيحة سليمان بن خالد المتقدمة (3) أيضا حيث إنه علق الحكم على رفع الرأس، وللثاني حمل الرفع في الخبرين على كماله أو على ما يخرجه عن حده لان ما دونه في حد العدم. وظاهر السيد السند في المدارك استظهار الاول. واشترط العلامة في التذكرة ذكر المأموم قبل رفع الامام، هكذا نقله عنه في المدارك ثم قال: ولم نقف على مأخذه. والذى نقله عنه جده في الروض انما هو اشتراط ادراك ذكر الركوع ثم قال: ولا شاهد له. وكتاب التذكرة لا يحضرني الان لا حقق منه الحال (4).


(1) و (2) و (3) ص 122. (4) قال في الفرع الرابع من فروع المسألة الثانية من مسائل البحث الرابع من مباحث صلاة الجمعة: لو كبر للاحرام والامام راكع ثم رفع الامام قبل ركوعه أو بعده قبل الذكر فقد فاتته تلك الركعة.


[ 128 ]

ثم ان مما يدل على ما ذكره في التذكرة بناء على ما نقله في الروض ما رواه الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميرى عن صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه (1) (انه كتب إليه يسأله عن الرجل يلحق الامام وهو راكع فيركع معه ويحتسب بتلك الركعة فان بعض أصحابنا قال ان لم يسمع تكبيرة الركوع فليس له إن يعتد بتلك الركعة ؟ فأجاب عليه السلام إذا لحق مع الامام من تسبيح الركوع تسبيحة واحدة اعتد بتلك الركعة وان لم يسمع تكبيرة الركوع) ونحوها رواية اخرى لا يحضرني الان محلها (2).

(الثاني) - لو كبر وركع ثم شك هل كان الامام راكعا إو رافعا لم تكن له جمعة ووجب عليه صلاة الظهر ان كان ذلك في الركعة الثانية وإلا فجمعة ان كان في الركعة الاولى، والوجه فيه أن الشرط ادراك الامام راكعا ولم يحصل لمكان الشك ولتعارض اصلى عدم الادراك وعدم الرفع فيتساقطان ويبقى المكلف تحت عهدة التكليف وليس إلا الظهر لفوات الجمعة. والله العالم.

المقصد الخامس

في وحدة الجمعة

بمعنى أن لا تكون هناك جمعة اخرى دون ثلاثة أميال وهو اجماعي بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) خلافا لمخالفيهم حيث لم يعتبروا ذلك (3) وبه تظافرت اخبارهم (عليهم السلام):


(1) الوسائل الباب 45 من الجماعة (2) لم نعثر عليها بعد الفحص في مظانها (3) في بدائع الصنائع ج 1 ص 260 اختلفوا في تعددها في المصر الواحد فعن محمد لا بأس باقامتها في موضعين أو ثلاثة، وروى محمد عن ابي حنيفة انه يجوز الجمع في موضعين أو اكثر من ذلك، وفي رواية عن ابي يوسف لا يجوز الا إذا كان بين الموضعين نهر عظيم كدجلة ليكون بمنزلة المصرين وكان يأمر بقطع الجسر يوم الجمعة لينقطع الوصل وفي رواية يجوز في موضعين إذا كان المصر عظيما ولا يجوز في ثلاثة واما ان كان بينهما نهر صغير فلا يجوز فان ادوها في موضعين فالجمعة لمن سبق منهما وعلى الاخرين ان يعيدوا الظهر ومع الشك لا تجوز صلاتهم. اقول: وفي ايام المعز البويهي كانت تقام الجمعة في جامع الخليفة وجامع السلطان وجامع براثا وجامع الحنابلة في بغداد.


[ 129 ]

ومنها - ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: (يكون بين الجماعتين ثلاثة اميال يعنى لا تكون جمعة إلا في ما بينه وبين ثلاثة اميال وليس تكون جمعة إلا بخطبة، قال فإذا كان بين الجماعتين في الجمعة ثلاثة اميال فلا بأس ان يجمع هؤلاء ويجمع هؤلاء). وما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الموثق عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: (إذا كان بين الجماعتين ثلاثة اميال فلا بأس أن يجمع هؤلاء ويجمع هؤلاء ولا يكون بين الجماعتين أقل من ثلاثة اميال. وقد صرح بعض الاصحاب بانه يعتبر الفرسخ من المسجد ان صليت فيه وإلا فمن نهاية المصلين. ويشكل الحكم في ما لو يبلغ النصاب بين بعض المأمومين وبين الجمعة الاخرى ممن كان زائدا على العدد المشترط في وجوب الجمعة، فهل يختص البطلان بهم لاستجماع صلاة من عداهم لشرائط الصحة واختصاص فوات الشرط المذكور بهم أو تبطل صلاة الجميع لا نتفاء الشرط المعتبر في صحة الجماعتين بناء على أن المجموع جماعة واحدة ؟ وجهان، استقرب في المدارك الاول وفى الذخيرة الثاني، والمسألة محل تردد وان كان ما اختاره في المدارك لا يخلو من قوة. ولو اتفق وقوع جمعتين في مسافة فرسخ فههنا صور: الاولى - ان تسبق احداهما ولو بتكبيرة الاحرام ولاريب في صحة السابقة وبطلان اللاحقة لاستجماع الاولى لشرائط الصحة بسبقها واختلال اللاحقة بفوات الشرط المذكور، قال في التذكرة ان ذلك - أي صحة السابقة وبطلان اللاحقة - مذهب علمائنا اجمع. وحينئذ فيجب على اللاحقة الاءعادة ظهرا ان لم تدرك الجمعة مع الفرقة الاولى أو التباعد بما يصح به التعدد. واعتبر شيخنا الشهيد الثاني في صحة صلاة الاولى عدم العلم بصلاة الاخرى وإلا لم تصح صلاة كل منهما، قال: ويشترط ايضا عدم علم كل من الفريقين بصلاة


(1) و (2) الوسائل الباب 7 من صلاة الجمعة


[ 130 ]

الاخرى وإلا لم يصح كل منهما للنهى عن الانفراد بالصلاة عن الاخرى المقتضى للفساد واعترضه سبطه في المدارك فقال بعد نقل ذلك عنه: ولمانع أن يمنع تعلق النهى بالسابقة مع العلم بالسبق، اما مع احتمال السبق وعدمه فيتجه ما ذكره لعدم جزم كل منهما بالنية لكون صلاته في معرض البطلان. انتهى. وهو جيد. ويعضده ان النهى إنما وقع عن التعدد في مسافة الفرسخ وهو لا يحصل بالنسبة إلى السابقة لانها حال وقوعها لم تقارنها جمعة في ذلك الوقت ليصح اطلاق التعدد عليها وانما حصل ذلك بعد انعقادها على الصحة وإنما يتجه التعدد بالنسبة إلى اللاحقة، نعم يجب ان يعتبر في السابقة العلم بالسبق كما هو المفروض أو الظن مع تعذره بان يعلم أو يظن انتفاء جمعة اخرى مقارنة لها أو سابقة عليها إذا مع تساوى احتمال السبق وعدمه لا يحصل العلم بامتثال التكليف، وهذا هو الذي يتجه فيه كلام شيخنا المتقدم ذكره لعدم جزم كل منهما بالنية لكون صلاته في معرض البطلان وهل يفرق في الحكم ببطلان اللاحقة بين علمهم بسبق الاولى وعدمه ؟ ظاهر عبارات الاصحاب العموم، ويشكل باستحالة توجه النهى إلى الغافل والاحكام الشرعية لم تجعل منوطة بالواقع ونفس الامر وانما نيطت صحة وبطلانا وتحليلا وتحريما ونحو ذلك بعلم المكلف، فإذا كان المكلف حال اقامة الجمعة لا يعلم سبق جمعة عليه وان كان كذلك واقعا فكيف يحكم ببطلان جمعة ؟ على ان شرطية الوحدة على هذا الوجه غير معلوم.

(الثانية) - ان تقترنا وقد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بالبطلان فيهما لامتناع الحكم بصحتهما من حيث الاخلال بالشرط المذكور ولا اولوية لاحداهما فيكون البطلان ثابتا لهما. وثبوت الاولوية لاحداهما بناء على المشهور بين المتأخرين من اعتبار الاذن أو الفقيه يتحقق بكون أحدهما مأذونا له أو فقيها دون الاخر، واما على ما اخترناه - كما عليه اكثر المتقدمين وجملة من متأخرى المتأخرين من عدم اعتبار شئ من ذلك - فلا وجه لما ذكر من الاولوية. وبالجملة


[ 131 ]

فانه لاريب ولا خلاف في الحكم ببطلانهما في الصورة المذكورة وحينئذ فتجب عليهما الجمعة مجتمعين أو متفرقين بالمسافة المذكورة ان بقى وقتها وإلا اعادا ظهرا. قالوا: ويتحقق الاقتران بتكبيرة الاحرام من الامامين دون غيرها من الافعال لان بها يحصل الدخول في الصلاة والتحريم بها. وهو جيد. واما ما ذكره في الذخيرة - بعد ان نقل ذلك عن علمائنا واكثر العامة (1) من ان الروايات التى هي الاصل في هذا الحكم غير ناهضة باثبات هذا التحديد فاذن التعويل على الاجماع ان ثبت - ففيه ان الامر وان كان كما ذكره لكن من الظاهران انعقاد الجمعة انما يتحقق بتكبيرة الاحرام والروايات قد دلت بمفهومها على النهى عن جمعتين في فرسخ فبضم تلك المقدمة التى قدمناها إلى مفهوم الاخبار المذكورة ينتج ان النهى انما يتوجه إلى اللاحقة ان حصل السبق بها كما في الصورة الاولى واليهما ان حصل الاتفاق فيها دفعة واحدة، فالاقتران والسبق انما يتحقق بها فان اتفقا فيها دفعة واحدة تحقق الاقتران وان تقدم احدهما بها حصل السبق. نعم هنا اقوال اخر للعامة في اعتبار السبق والاقتران فبعضهم ناط ذلك بالخطبتين لقيامهما مقام ركعتين وبعضهم ناط ذلك بالفراغ فان تساويا فيه بطلتا وان تقدمت احداهما بالسلام صحت وبطلت الاخيرة (2) وبالجملة فما ذكره الاصحاب في المقام جيد لا تعترية شبهة الابهام. قال في الذخيرة: واطلاق كلام الاصحاب وصريح بعضهم يقتضى عدم الفرق بين ما إذا علم كل فريق بالاحرام ام لا مع حصول العلم بالاقتران بعد الفراغ. ويشكل بان الاتيان بالمأمور به ثابت لكل من الفريقين لا ستحالة تكليف الغافل وعدم ثبوت شرطية الوحدة على هذا الوجه. انتهى. وهو جيد وقد تقدم في آخر الصورة المتقدمة ما يؤكده. وقال شيخنا في الروض بعد أن ذكر ان الاقتران يتحقق بتكبيرة الاحرام


(1) و (2) الوجيز للغزالي ج 1 ص 27.


[ 132 ]

ما لفظه: ويتحقق ذلك بشهادة عدلين ويتصور ذلك بكونهما غير مخاطبين بالجمعة وهما في مكان يسمعان التكبيرتين. اقول: لا يخفى ندرة هذا الفرض بل ربما يدعى عدم امكان وقوعه وبه يشكل ابتناء حكم شرعى عليه.

(الثالثة) - الاشتباه وله صورتان:

الاولى - أن تكون الجمعة السابقة متحققة لكن حصل الاشتباه فيها سواء علم حصول جمعة سابقة متعينة واشتبهت بان عرض له النسيان بعد العلم بالتعيين أو علم حصول جمعة سابقة في الجملة ولم تتعين، والوجه في وجوب الاعادة في الصورتين المذكورتين وجود الشك في حصول شرائط الصحة وهو موجب لبقاء المكلف تحت عهدة التكليف حتى يتحقق الامتثال واختلف الاصحاب هنا في انه هل الواجب على الفرقتين صلاة الظهر أو الجمعة ؟ فالاكثر على الاول، قالوا للعلم بوقوع جمعة صحيحة فلا تشرع جمعة اخرى عقيبها إلا انه حيث لم تكن متعينة في احدى الفرقتين وجبت الظهر عليهما لعدم حصول البراءة بدون ذلك. وذهب الشيخ في المبسوط إلى انهم يصلون جمعة مع اتساع الوقت والظهر مع تضيقه، وعلله بعض الاصحاب بان الحكم بوجوب الاعادة عليهما يقتضى عدم كون الصلاة الواقعة منهما مقبولة في نظر الشارع. قال في المدارك: وهذا متجه لان الامر بصلاة الجمعة عام وسقوطها بهذه الصلاة التى ليست مبرئة للذمة غير معلوم. وتوضيحه ان الذمة مشغولة بالجمعة بيقين إذ هي فرض المكلف فلا تبرأ الذمة منها إلا بيقين الاتيان بها، قولهم - ان العلم حصل بوقوع جمعة صحيحة فلا تشرع جمعة اخرى - مسلم لو علمت وعلم موضعها في أي الفريقين واما مع جهل موضعها فلا. بما ذكرناه يظهر قوة قول الشيخ (قدس سره). وعلى المشهور فلو تباعد الفريقان بالنصاب فان خرج أحدهما عن المصر واعادوا جميعا الجمعة لم تصح لامكان كون من تأخرت جمعة هم المتخلفون في المصر فلا تسوغ فيه


[ 133 ]

جمعة اخرى، اما لو خرجوا عنه جميعا وتباعدوا بالنصاب مع سعة الوقت تعين عليهم فعل الجمعة قطعا.

الثانية - ان لا تكون الجمعة السابقة متحققة لحصول الاشتباه بالسبق والاقتران، واختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في حكم هذه الصورة ايضا فذهب الشيخ في المبسوط ومن تبعه إلى وجوب الاعادة جمعة مع بقاء الوقت لعين ما تقدم في سابق هذه الصورة. وذهب العلامة في جملة من كتبه إلى وجوب الجمع بين الفرضين لان الواقع ان كان الاقتران فالفرض الجمعة وان كان السبق فالظهر فلا يحصل يقين البراءة بدونهما ويمكن خدشه بان ما ادعاه من أن السبق من حيث هو - يعنى بالنسبة إلى الواقع - يقتضى وجوب الظهر ممنوع وإنما يقتضى ذلك مع العلم به فان الاحكام الشرعية كما عرفت إنما تبنى على علم المكلف لا على نفس الامر والواقع، وحينئذ فلو سبقت أحداهما مع جهل موضعها لم يسقط عنه وجوب الجمعة لما عرفت آنفا. واحتمل العلامة في التذكرة وجوب الظهر خاصة لان الظاهر صحة أحداهما لندور الاقتران جدا فكان جاريا مجرى المعدوم، وللشك في شرط صحة الجمعة وهو عدم سبق اخرى وهو يقتضى الشك في المشروط. وفيه انا لا نسلم ان شرط صحة الجمعة عدم سبق اخرى بل يكفى في الصحة عدم العلم بسبق اخرى. وبما ذكرنا يظهر قوة ما ذهب إليه الشيخ هنا أيضا وان كان الاحتياط في ما ذكره من الجمع بين الفرضين. والله العالم.

المقصد السادس

في الوقت

إختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في وقت الجمعة أولا وآخرا، فاما الاول فالاظهر الاشهر انه زوال الشمس، وقال الشيخ في الخلاف: وفى أصحابنا من أجاز الفرض عند قيام الشمس، وقال واختاره علم الهدى. قال ابن ادريس بعد نقل ذلك عن الشيخ (قدس سره) ولعل شيخنا سمعه من المرتضى (قدس سره) مشافهة فان الموجود في مصنفات السيد موافق للمشهور من


[ 134 ]

عدم جواز ايقاعها قبل تحقق الزوال. اقول: ويدل على القول المشهور الاخبار المستفيضة الاتية ان شاء الله تعالى. واما الاخر فالمشهور بين المتأخرين انه يمتد إلى ان يصير ظل كل شئ مثله بل قال العلامة في المنتهى انه مذهب علمائنا أجمع. وقال أبو الصلاح إذا مضى مقدار الاذان والخطبة وركعتي الفريضة فقد فاتت ولزم اداؤها ظهرا. وقال الشيخ في المبسوط ان بقى من وقت الظهر قدر خطبتين وركعتين خفيفتين صحت الجمعة. وقال ابن ادريس يمتد وقتها بامتداد وقت الظهر، واختاره الشهيد في الدروس والبيان. وقال الجعفي وقتها ساعة من النهار. وانت خبير بما في جل هذه الاقوال من الانحراف عن جادة الاعتدال، أما القول المشهور فانا لم نقف له على دليل وبذلك اعترف في الذكرى فقال: انا لم نقف لهم على حجة إلا ان النبي صلى الله عليه وآله كان يصلى في هذا الوقت، قال ولا دلالة فيه لان الوقت الذى كان يصلى فيه ينقض عن هذا المقدار غالبا ولم يقل أحد بالتوقيت بذلك الناقص. واما قول ابن ادريس فاظهر ضعفا لما فيه من اطراح الاخبار الصحاح الصراح الاتية ان شاء الله تعالى. واما عبارة الشيخ في المبسوط فهى غير خالية من الاجماع وتعدد الاحتمال، فانه ان اراد بوقت الفريضة هو الوقت الاختياري لها بناء على مذهبه إو الفضيلة بناء على قول الاكثر فهو يرجع إلى القول المشهور، وان اراد الوقت الذى هو أعم فهو يرجع إلى قول ابن ادريس وكيف كان فالواجب اولا نقل الاخبار المتعلقة بالمقام وبيان ما يظهر منها على وجه يكشف عن المسألة نقاب الابهام: فنقول: من الاخبار المذكورة ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة قال: (سمعت أبا جعفر (ع) يقول ان من الامور امورا مضيقة وامورا موسعة وان الوقت وقتان والصلاة مما فيه السبعة فربما عجل رسول الله صلى الله عليه وآله وربما اخر إلا


(1) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة.


[ 135 ]

صلاة الجمعة فان صلاة الجمعة من الامور المضيقة (1) انما لها وقت واحد حين تزول ووقت العصر يوم الجمعة وقت الظهر في سائر الايام. وعن عبد الله بن سنان في الصحيح عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (وقت صلاة الجمعة عند الزوال ووقت العصر يوم الجمعة وقت صلاة الظهر في غير يوم الجمعة ويستحب التبكير به). وعن عبد الله بن سنان في الصحيح (3) قال: (لا صلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة). وعن ذريح في الصحيح (4) قال: (قال أبو عبد الله (ع) صل الجمعة باذان هؤلاء فانهم اشد شئ مواظبة على الوقت). وعن على بن جعفر عن اخيه موسى (ع) (5) قال: سألته عن الزوال يوم الجمعة ماحده ؟ قال إذا قامت الشمس صل الركعتين فإذا زالت الشمس فصل الفريضة) وما رواه الصدوق عن عبيدالله الحلبي في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) انه قال: (وقت الجمعة زوال الشمس ووقت صلاة الظهر في السفر زوال الشمس ووقت العصر يوم الجمعة في الحضر نحو من وقت الظهر في غيريوم الجمعة). وعن زرارة في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (7) قال: (وقت صلاة الجمعة


(1) اللفظ المذكور مطابق لما في الوافي باب (وقت صلاة الجمعة وعصرها) وفي التهذيب ج 1 ص 249 والوسائل هكذا (من الامر المضيق). (2) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة. والراوي في بعض النسخ (ابن مسكان) راجع التهذيب الطبع الحديث ج 3 ص 13. (3) و (6) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة (4) الوسائل الباب 3 من الاذان والاقامة (5) قرب الاسناد ص 98 وفي الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة. (7) لم نقف في كتب الحديث على رواية لزرارة بهذا اللفظ وقد اوردها السبزواري في الذخيرة في هذه المسألة في اول مبحث صلاة الجمعة. وفي المقام صحيحة لربعي =


[ 136 ]

يوم الجمعة ساعة تزول الشمس). وما رواه الشيخ عن عبد الله بن عجلان (1) قال: (قال أبو جعفر (عليه السلام) إذا كنت شاكا في الزوال فصل الركعتين وإذا استيقنت الزوال فصل الفريضة). وما رواه الكليني عن ابن ابى عمير (2) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة يوم الجمعة فقال نزل بها جبرئيل مضيقة إذا زالت الشمس فصلها. قال قلت إذا زالت الشمس صليت ركعتين ثم صليتها قال فقال أبو عبد الله (عليه السلام) اما انا إذا زالت الشمس لم ابدأ بشئ قبل المكتوبة قال القاسم (3) وكان ابن بكير يصلى الركعتين وهو شاك في الزوال فإذا استيقن الزوال بدأ بالمكتوبة في يوم الجمعة. وعن ابن سنان (4) قال: (قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا زالت الشمس يوم الجمعة فابدأوا بالمكتوبة). وعن الفضيل بن يسار في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (5) قال (ان من الاشياء اشياء موسعة واشياء مضيقة فالصلاة مما وسع فيها تقدم مرة وتؤخر اخرى والجمعة مما ضيق فيها فان وقتها يوم الجمعة ساعة تزول ووقت العصر فيها وقت الظهر في غيرها).


= وموثقة لسماعة وردت في فروع الكافي ج 1 ص 117 والتهذيب ج 1 ص 248 وفي الوسائل في الباب 8 من صلاة الجمعة رقم 8 و 14 باللفظ الاتي: (وقت الظهر يوم الجمعة حين تزول الشمس) ولم يذكرها المصنف (قدس سره) في رويات المسألة فيمكن ان يكون قد حصل تصحيف في السند وتغيير في المتن فجاءت الرواية المذكورة باللفظ المذكور في المتن منسوبة إلى زرارة كما في الذخيرة. ولا يخفى ان الرواية المذكورة قد رويت في الكافي مسندة إلى ابي عبد الله عليه السلام من طريقن وفي التهذيب موقوفة على سماعة من طريقين ايضا. وفي الباب روايات اخر دالة على المطلوب لم ينقلها راجع الوافي باب (وقت صلاة الجمعة وعصرها) والوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة رقم 2 و 4 و 7 و 9 و 21 وسينقل (قدس سره) الرواية رقم 9. (1) و (4) و (5) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة. (2) الفروع ج 1 ص 117 وفي الوسائل في الباب 8 من صلاة الجمعة. (3) وهو الراوي عن ابن ابي عمير.


[ 137 ]

وما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (1) قال: (قال أبو جعفر (عليه السلام) وقت صلاة الجمعة يوم الجمعة ساعة تزول الشمس ووقتها في السفر والحضر واحد وهو من المضيق وصلاة العصر يوم الجمعة في وقت الاولى في سائر الأيام). وروى فيه ايضا (2) قال: (قال أبو جعفر (عليه السلام) اول وقت الجمعة ساعة تزول الشمس إلى ان تمضى ساعة فحافظ عليها.. الخبر). وعن سفيان بن السمط (3) قال: (سألت ابا عبد الله (ع) عن وقت صلاة العصر يوم الجمعة فقال في مثل وقت الظهر في غير يوم الجمعة). وقال في الفقه الرضوي (4): (وقت الجمعة زوال الشمس ووقت الظهر في السفر زوال الشمس ووقت العصر يوم الجمعة في الحضر نحو وقت الظهر في غير يوم الجمعة). وروى الشيخ في كتاب المتهجد عن محمد بن مسلم (5) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن صلاة الجمعة قال وقتها إذا زالت الشمس فصل الركعتين قبل الفريضة فان أبطأت حتى يدخل الوقت هنيئة فابدأ بالفريضة ودع الركعتين حتى تصليهما بعد الفريضة). وعن اسماعيل بن عبد الخالق (6) قال: (سألت ابا عبد الله (ع) عن وقت الصلاة فقال جعل الله لكل صلاة وقتين إلا الجمعة في السفر والحضر فانه قال وقتها إذا زالت الشمس وهى في ما سوى الجمعة لكل صلاة وقتان.. الحديث). وعن حريز عن زرارة عن ابى جعفر (ع) (7) قال: (اول وقت الجمعة ساعة تزول الشمس إلى أن تمضى ساعة فحافظ عليها فان رسول الله صلى الله عليه وآله قال لا يسأل الله عبد فيها خيرا إلا اعطاه الله). وعن حريز (8) قال: (سمعته يقول اما انا إذا زالت الشمس يوم الجمعة


(1) و (2) و (5) و (6) و (7) و (8) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة (3) الوسائل الباب 9 من صلاة الجمعة (4) ص 11.


[ 138 ]

بدأت بالفريضة واخرت الركعتين إذا لم اكن صليتهما). وانت خبير بان هذه الاخبار على كثرتها واستفاضتها قد اشتركت في الدلالة على ان أول وقت الجمعة التى هي عبارة عن الخطبتين والركعتين كما تقدم تحقيقه هو الزوال وانه يجب المبادرة إليها فيه حتى ان الركعتين لا تزاحمها بل تقدم في وقت الشك في الزوال ومتى تحقق بدئ بالواجب، وان وقتها مضيق بهذا الوقت يعنى يجب الشروع فيها بعد تحقق الزوال بالاتيان بالاذان ثم الخطبتيين ثم الركعتين حتى يفرغ لا اتساع فيه كغيرها من الصلوات التى تقبل التأخير عن الاول، وهى صريحة في بطلان قولى الاكثر وابن ادريس فان وقت صلاة العصر في ذلك اليوم هو وقت الظهر في سائر الايام يعنى بالنسبة إلى التطوع، وقد تكاثرت الاخبار وعليه بنيت هذه الاخبار بان وقت الظهر في سائر الايام بعد القدمين وان اختزال القدمين من أول الظهر لمكان النافلة كما تقدم تحقيق جميع ذلك في مبحث الاوقات. وانت إذا ضممت هذه الامور بعضها إلى بعض ظهر لك ان وقت الجمعة من أول الزوال إلى مضى قدمين ومتى خرج هذا المقدار خرج وقتها ووجب الاتيان بها ظهرا، ومن هنا ثبت التضييق فيها وعدم الامتداد. ولا ينافى ذلك خبر الساعة فانها تطلق عرفا على الزمان القليل وهو المراد هنا لا الساعة النجومية أو الساعات التى ينقسم إليها النهار. وظني ان كلام ابى الصلاح والجعفى يرجعان إلى معنى واحد وهو مادلت عليه هذه الاخبار بالتقريب الذى أوضحناه، وان ما اوردوه على ابى الصلاح في هذا المقام لا ورود له عليه. واما ما ذكره المحقق - من أنه لو صح ما ذكره لما جاز التأخير عن الزوال بالنفس الواحد، وبان النبي صلى الله عليه وآله كان يخطب في الظل الاول فيقول جبرئيل: (يا محمد صلى الله عليه وآله قد زالت الشمس فانزل وصل) وهو دليل على جواز تأخير الصلاة عن الزوال بقدر قول جبرئيل (ع) ونزوله ودعائه امام الصلاة ولو كان مضيقا لما


[ 139 ]

جاز ذلك - فضعفه أظهر من أن يحتاج إلى بيان، لان عبارته في المقان إنما خرجت مخرج التجوز والتوسع لا أن مراده الحصر الحقيقي في ما ذكره بحيث يخل به النفس أو قول جبرئيل، ومثله في كلام البلغاء والفصحاء وكلام الائمة (عليهم السلام) اكثر من أن يحصى. نعم قال في الذخيرة - في رد كلام ابى الصلاح بعد رد كلام المحقق بالضعف - ما لفظه: نعم يمكن دفعه بالاخبار الدالة على جواز ركعتي الزوال بعد دخول وقت الفريضة. وفيه ان اكثر الاخبار الواردة في ذلك - ومنها ما نقلناه هنا كرواية على بن جعفر ورواية عبد الله بن عجلان ورواية ابن ابى عمير ورواية محمد بن مسلم ورواية حريز قد صرحت بتأخير الركعتين متى تيقن الزوال، مضافا إلى الاخبار الدالة على توقيت الجمعة بالزوال وان وقتها مضيق فيه، وكذلك الاخبار الدالة على انه لا تطوع وقت الفريضة، وحينئذ فما دل على جواز الركعتين بعد الزوال لابد من ارتكاب التأويل فيه، ويمكن حملها على الرخصة في بعض الاوقات فلا ينافى توقيت الجمعة بالزوال كما في سائر الرخص لا ان ذلك يكون وقتا للركعتين دائما بحيث يجوز مزاحمة الفريضة بهما. ومما يدل على ما قلناه ايضا من عدم مزاحمتهما للفريضة زيادة على ما قدمناه من الاخبار ما رواه في التهذيب عن على بن جعفر عن اخيه موسى (ع) (1) قال: (سألته عن ركعتي الزوال يوم الجمعة قبل الاذان أو بعده ؟ فقال قبل الاذان). وعن حسين بن عثمان عن ابن ابى عمير في الصحيح (2) قال: (حدثنى انه سأله عن الركعتين اللتين عند الزوال يوم الجمعة قال فقال اما انا فإذا زالت الشمس بدأت بالفريضة).


(1) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة (2) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة.


[ 140 ]

وبما حققناه في المقام وكشفنا عنه نقاب الابهام يظهر لك ضعف ما ذكره في المدارك ومثله في الذخيرة من أن المسألة قوية الاشكال فانه لاإشكال بحمدالله الملك المتعال بالنظر إلى ما سردناه من الاخبار وأوضحناه من البيان الظاهر لاولى الالباب والافكار. بقى الكلام هنا في مواضع: الاول - قد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم): منهم - الشيخ وجماعة انه لو خرج الوقت وقد تلبس بها ولو بالتكبير فانه يجب اتمامها جمعة، واحتجوا عليه بان الوجوب متحقق باستكمال الشرائط فيجب اتمامها. واورد عليه بان جملة الشرائط الوقت فما لم يتحقق لم يتحقق التكليف بالفعل فان التكليف بالفعل يستدى زمانا يسعه. والظاهر انه لما ذكراعتبر الشهيد ومن تأخر عنه ادراك ركعة من الوقت لقوله (ع) (1) (من ادرك من الوقت ركعة فكأنما أدرك الوقت). قال السيد السند في المدارك - بعد قول المصنف (قدس سره) ولو خرج الوقت وهو فيها اتمها جمعة اماما كان أو مأموما - اطلاق العبارة يقتضى وجوب اكمالها بمجرد التلبس بها في الوقت ولو بالتكبير وبه صرح الشيخ وجماعة، واحتج عليه في المعتبر بان الوجوب يتحقق باستكمال الشرائط فيجب اتمامها. ويتوجه عليه ان التكليف بفعل موقت يستدعى زمانا يسعه لامتناع التكليف بالمحال ولا يشرع


(1) لم نقف على الرواية بهذا اللفظ وانما المروى من طريق العامة عنه صلى الله عليه وآله هكذا: (ومن ادرك ركعة من الصلاة فقد ادرك الصلاة) وفي خصوص العصر ايضا، وقد ورد في خصوص الصبح ايضا من الطريقين، راجع الوسائل الباب 30 من مواقيت الصلاة والحدائق ج 6 ص 275 و 277 وصحيح مسلم ج 2 ص 103 باب (من ادرك ركعة من الصلاة فقد ادرك الصلاة) وفيه في بعض الطرق (من ادرك ركعة من الصلاة مع الامام فقد ادرك الصلاة) وفي مجالس ابن الشيخ الطوسي عن ابي هريرة قال (قال رسول الله صلى الله عليه واله: إذا جئتم إلى الصلاة ونحن في السجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئا ومن ادرك الركعة فقد ادرك الصلاة) راجع الوسائل الباب 41 من الجماعة.


[ 141 ]

فعله في خارجه إلا ان يثبت من الشارع شرعية فعله في خارج الوقت، ومن ثم اعتبر العلامة ومن تأخر عنه ادراك الركعة في وقت كاليومية لعموم قوله (ع) (من ادرك من الوقت ركعة فكمن أدرك الوقت كله) وهو أولى. انتهى. وحذا حذوه في الذخيرة واختار ما اختاره. اقول: لا يخفى ما ذكره (قدس سره) وان تبعه من تبعه فيه منظور فيه من وجهين: احدهما - قوله ويتوجه عليه ان التكليف بفعل موقت.. إلى آخره فانه ينبغى ان يعلم ان هنا مقامين:

(الاول) أن يدخل في الصلاة بانيا على امتداد الوقت وسعته ثم يظهر في الاثناء عدم ذلك.

و (الثاني) ان يعلم قبل الدخول في الصلاة عدم سعة الوقت فهل يجب عليه الدخول فيها والحال هذه أم لا ؟ والظاهر من كلام المصيف (قدس سره) في هذه المقالة انما هو الاول فانه قد صرح بالثاني في المقالة الاتية بعد ذلك ان شاء الله تعالى، واعتراض الشارح عليه انما يتوجه بناء على الثاني ذلك فانه متى دخل في الصلاة بناء على سعة الوقت واستكمال شرائط الوجوب بحسب نظره كان دخوله مشروعا غاية الامر انه انكشف بعد ذلك ضيق الوقت عن اتمامها، وهذا لا يصلح للمانعية عن وجوب الاتمام كما في غير هذا الموضع ومنه مالو دخل في صلاة الكسوف وصلى بعضا ثم انجلى الكسوف فان صحيحة زرارة (1) قد صرحت بوجوب اتمام الصلاة وان كان المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لو قصر الوقت عنها سقطت لاستحالة التكليف بشئ يقصر وقته عنه، والجمع بين كلامهم وبين الرواية لا يحصل إلا بالفرق بين الابتداء والاستدامة بمعنى انه لا تكليف بذلك قبل الشروع في الفعل اما لو شرع بناء على سعة الوقت وامتداده ثم ظهر ضيقه عن الاتيان بالصلاة فانه يجب التمام كما دلت عليه الصحيحة المذكورة فكذا في ما نحن فيه وحينئذ فيجب الاتمام. وقوله في الجواب - ان التكليف بفعل موقت يستدعى زمانا يسعه.. إلى آخره - انما يتجه


(1) الوسائل الباب 7 من صلاة الكسوف والايات رقم 6.


[ 142 ]

في مالو علم ضيق الوقت قبل الدخول فان التكليف بالدخول والحال كذلك يستلزم ما ذكره، اما لو لم يعلم بل دخل بانيا على السعة فانه لا يتوجه عليه هذا الجواب للفرق عندهم بين اصل الدخول وبين الاستدامة كما تقدم التصريح به في مسألة العدد في ما لو انفض العدد بعد الدخول ولم يبق إلا واحد مثلا فانهم اوجبوا عليه الاتمام جمعة. وثانيهما - قوله: (من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت كله) فانه ربما يتسارع إلى الفهم ان هذا الخبر من جملة اخبارنا المروية في كتب الاخبار فيجوز الاستناد إليه في إثبات الاحكام الشرعية كما اختاره هنا بقوله بعد ذكر الخبر المذكور (وهو أولى) مع انا قدمنا في مبحث الاوقات ان الظاهر ان هذا الخبر إنما هو من طريق المخالفين، واليه يشير أيضا كلام السيد المذكور في شرح قول المصنف في مبحث الاوقات (ولو زال المانع فان أدرك الطهارة وركعة من الفريضة لزمه اداؤها) حيث انه نقل هذا الخبر مرسلا عن النبي (صلى الله عليه وآله) ثم آخر عنه صلى الله عليه وآله ايضا (1) ثم قال ومن طريق الاصحاب ثم نقل رواية الاصبغ بن نباتة وموثقة عمار الساباطى (2) الدالتين على أن من أدرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الغداة وقد تقدم منا (3) تحقيق الكلام في هذا المقام والبحث مع الاصحاب في تعميم الحكم مع اختصاص الاخبار المروية من طريقنا بصلاة الصبح نعم ظاهرهم دعوى الاجماع على ما ذكروه من العموم، وبه يظهر أن المسألة هنا لا تخلو من الاشكال لعدم النص المعتمد عليه في هذا المجال. والله سبحانه واولياؤه أعلم بحقيقة الحال. الثاني - لو تيقن أو غلب على ظنه قبل الدخول ان الوقت لا يسع للجمعة وجبت صلاة الظهر، صرح به جملة من الاصحاب: منهم المحقق في


(1) و (3) ج 6 ص 275. (2) الوسائل الباب 30 من مواقيت الصلاة.


[ 143 ]

الشرائع وهو ما أشرنا إليه آنفا من أن المصنف صرح بالثاني في المقالة الاتية. والسيد السند هنا بناء على اعتراضه على العبارة المتقدمة قال هنا ايضا بعد ذكره عبارة المصنف المذكورة: هذا بظاهره مناف لما سبق من أن من تلبس بالجمعة في الوقت يجب عليه اتمامها فانه يقتضى باطلاقه جواز الشروع فيها مع ضيق الوقت واجيب عنه بان الشروع فيها انما يشرع إذا ظن ادراك جميعها.. إلى أن قال: ومن ثم ذهب جمع من الاصحاب إلى وجوب الدخول في الصلاة متى علم انه يدرك ركعة بعد الخطبتين لعموم (من تدرك..) بل صرح العلامة في النهاية بوجوب الدخول في الصلاة مع ادرك الخطبتين وتكبيرة الاحرام خاصة وهو بعييد. انتهى أقول: قد قدمنا لك ان مراد المصنف بالعبارة صريحها كما ترى انما هو من دخل في الصلاة بناء على سعة الوقت يقينا أو ظنا، وهذه العبارة صريحها كما ترى انما هو من علم أو ظن قبل الدخول ضيق الوقت عن الجمعة فانه تجب عليه الصلاة ظهرا، فموضوع تلك المسألة غير موضوع هذه المسألة، ويشير إلى ذلك كلامه في المعتبر الذى ذكره الشارح في المسألة المتقدمة، وصورته بتمامه هكذا: قال الشيخ إذا انعقدت الجمعة فخرج وقتها ولم يتم اتمها جمعة وبه قال مالك، وقال الشافعي بقاء الوقت شرط فإذا خرج اتمها ظهرا، وقال أبو حنيفة تبطل (1) لنا - ان الوجوب تحقق باستكمال الشرائط فيجب اتمامها. انتهى. فان هذا الخلاف انما يترتب على من تبين له ضيق الوقت بعد الدخول بناء على سعة لا من علم بضيقه أو لا ثم دخل والحال هذه، فدعوى الشارح منافاة هذا الكلام لما سبق - وان اطلاق عبارته الاولى يقتضى جواز الشروع فيه مع يقينه ضيق الوقت - ليس في محله. وكيف كان فحمل كلامه على ما يندفع به التنافى في عبارتيه أولى وأظهر سيما مع كونه وجها واضحا صحيحا. بقى الكلام في ما ذكره المصنف في هذه المقالة - من انه لو تيقن أو ظن عدم سعة الوقت فانه لا يشرع له الجمعة بل يجب أن يصلى ظهرا، وما أورده


(1) المغني ج 2 ص 318 والمدونة ج 2 ص 149.


[ 144 ]

الشارح عليه في ما طوينا ذكره من ان قوله (ع) (من أدرك ركعة من الوقت) يعمم الجميع.. إلى آخر الكلام - فان فيه (اولا) - ان ظاهر كلام الشارح في المقالة السابقة يعطى منع الدخول مع تيقن سعة الوقت أو ظنها وهو الذى رد به الخبر المذكور هنا حيث قال ثمة: ويشكل بان الواجب الموقت يعتبر وقوعه في الوقت فمع الشك فيه لا يحصل يقين البراءة بالفعل.. إلى آخره، فانه ظاهر في عدم جواز الدخول وان تيقن بقاء ركعة بل لا بد من وقت يسع الجميع كما هو ظاهر كلام الشافعي المتقدم. وثانيا - ما اشرنا إليه آنفا من ان هذا الخبر لم يثبت وروده من طريقنا (1) فلا يمكن الاعتماد عليه في هذا المحل ولا غيره وان كثر تناقله في كلامهم وتداوله على رؤوس اقلامهم، وبه يظهر لك ما في هذا الكلام من تكرار هذا الخبر وما يتفرع عليه من الاحكام وما ذكره من التعرض في المقام بالنقض والابرام، فانه بناء على ما عرفت نفخ في غير ضرام. وبه يتبين ان من ذهب إلى وجوب الدخول في الصلاة متى علم إدراك ركعة من الوقت ان استند إلى هذا الخبر فقد عرفت ما فيه، وان استند إلى الاجماع كما تقدم نقله عنهم في باب الاوقات فقد عرفت ايضا ما في باطنه وخافيه. الثالث - قال المحقق في الشرائع: ولو تيقن ان الوقت يتسع للخطبة وركعتين خفيفتين وجبت الجمعة. قال السيد السند بعد نقل العبارة المذكورة: الضابط في ذلك تيقن اتساع الوقت للمقدار الواجب من الخطبتين والصلاة دون المسنون منهما. قيل وكذا تجب الجمعة مع ظن اتساع الوقت أو الشك في السعة وعدمها لاصالة بقاء الوقت. ويشكل بان الواجب الموقت يعتبر وقوعه في الوقت فمع الشك فيه لا يحصل يقين البراءة بالفعل، والاستصحاب هنا انما يفيد ظن البقاء وهو غير كاف في ذلك. انتهى.


(1) ارجع إلى التعليقة 1 ص 140.


[ 145 ]

اقول: العجب منه (قدس سره) وتناقض كلامه في هذا المقام واضطرابه على وجه لا يمكن الاصلاح فيه والالتئام. فان مقتضى كلامه هنا كما سمعت انه لا يشرع الدخول في الصلاة إلا مع تيقن سعة الوقت للخطبة والصلاة وان كانتا مخففتين وجعل ذلك ضابطا كليا قانونا جليا، مع انه صرح في شرح قول المصنف (ولو خرج الوقت وهو فيها اتمها جمعة) بالاكتفاء بادراك ركعة كما قدمنا نقله عنه عملا بخبر (من أدرك من الوقت ركعة) ومثله ايضا في شرح قول المصنف (وان تيقن أو غلب على ظنه ان الوقت لا يتسع لذلك) فانه قال في ما طوينا ذكره من كلامه: واجيب عنه بان الشروع فيها انما يشرع إذا ظن إدراك جميعا لانها لا يشرع فيها القضاء وانما وجب الاكمال مع التلبس بها في الوقت للنهى عن ابطال العمل. وأورد عليه ان قوله (ع) (من أدرك من الوقت ركعة) يعم الجميع. واجيب بان هذا الحديث مقيد بقيد يستفاد من خارج وهو كون الوقت صالحا للفعل للقطع بان مالا يصلح للفعل يمتنع وقوعه فيه. وفيه نظر فانه ان اريد بصلاحية الوقت للفعل امكان ايقاعه فيه فهو متحقق هنا وان اريد غير ذلك فلا دليل عليه ومن ثم ذهب جمع من الاصحاب.. إلى آخر ما تقدم في الموضع الثاني. وفيه - كما ترى - خروج عن ذلك الضابط الكلى الذى قرره سابقا من انه لابد من تيقن اتساع الوقت للمقدار الواجب في صحة الدخول وانه لا يكفى الظن حيث انه هنا بعد أن أجاب عن الخبر بتقييده بهذا الضابط تنظر في ذلك واكتفى بمجرد امكان اتساعه. بالجملة فان اضطراب كلامه في هذه المقالات الثلاث لا يخفى على المتأمل. واما ما علل به هنا وجوب الاكمال مع التلبس بها في الوقت من النهى عن ابطال العمل فهو ضعيف والحق كما قدمناه وهو انه لا يشرع الدخول فيها إلا مع تيقن سعة الوقت أو ظنه. ثم انه لو ظهر الضيق بعد الدخول والحال هذه فوجوب الاتمام عليه انما هو من حيث ان اشتراط السعة إنما هو في الابتداء لا في الاستدامة، فمتى دخل بناء على السعة وجب الاتمام وان كان خارج الوقت لعين ما تقدم في اشتراط العدد وما قدمناه من مسألة صلاة الكسوف ونحو ذلك.


[ 146 ]

هذا هو التحقيق في المقام وهو الذى يرجع إليه كلام المحقق وغيره من الاعلام فعليه اعتمد ودع عنك فضول الكلام. والله سبحانه واولياؤه اعلم بحقائق الاحكام. الرابع - لو كان ممن تجب عليه الجمعة فصلى الظهر والحال هذه فالواجب عليه السعي إلى الجمعة فان ادركها وإلا اعاد ظهره ولم يجزئه ما صنع أولا، لانه في تلك الحال قد اتى بغير ما هو الواجب عليه والمخاطب به فلا تبرأ ذمته بل يبقى تحت عهدة التكليف إلى ان يأتي بالجمعة ان أمكن وإلا فالظهر لتعينها بعد فوات الجمعة. ولا فرق في ذلك بين العمد والنسيان ولا بين ان يظهر في نفس الامر الوجوب ام لا. نعم لو صلى الظهر ناسيا وظهر عدم التمكن من الجمعة فاشكال وظاهر المدارك والذخيرة امكان القول بالاجزاء والصحة. ولو لم تكن شرائط الجمعة مجتمعة لكن يرجو اجتماعها قبل خروجه فهل يجوز له تعجيل الظهر والاجتزاء بها وان اقيمت الجمعة بعد ذلك أم يجب الصبر إلى ان يظهر الحال ؟ وجهان واستجود في المدارك الثاني، قال: لان الواجب بالاصل هو الجمعة وانما يشرع فعل الظهر إذا علم عدم التمكن من الجمعة في الوقت. ونحوه في الذخيرة ايضا. ولقائل أن يقول ان هذا التعليل ربما امكن قلبه فيكون بالدلالة على الاول انسب وذلك لان اصالة الجمعة إنما يتم مع اجتماع شرائطها والحال انها حينئذ غير مجتمعة ومشروعية الظهر ظاهرة لانه مخاطب بها في ذلك الوقت فلو أوقعها فيه صحت لذلك وانتظار التمكن وعدمه إلى آخر الوقت لا دليل عليه إذ لعله يخترمه الموت في تلك الحال فيكون قد ضيع فرضا واجبا عليه. والله العالم.


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>