
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء العاشر
المطلب الثالث
في من تجب عليه الجمعة
ويراعى فيه شروط تسعة، والاصل في هذه الشروط الاخبار المتكاثرة عن الائمة الاطهار (عليهم السلام): ومنها - ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح عن ابى بصير ومحمد بن مسلم عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (ان الله عز وجل فرض في كل سبعة أيام خمسا
(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة
[ 147 ]
ثلاثين صلاة: منها - صلاة واجبة على كل مسلم ان يشهدها إلا خمسة: المريض والمملوك والمسافر والمرأة والصبى). وما رواه الصدوق عن زرارة في الصحيح عن ابى جعفر (ع) (1) انه قال: (انما فرض الله على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة: منها - صلاة واحدة فرضها الله في جماعة وهى الجمعة، ووضعها عن تسعة: عن الصغير والكبير والمجنون والمسافر والعبد والمرأة والمريض والاعمى ومن كان على رأس فرسخين) ورواه الكليني في الصحيح أو الحسن (2) ورواه ايضا الشيخ الفقيه أبو محمد جعفر بن احمد ابن على القمى في كتاب العروس باسناده عن زرارة (3) وقال بعد نقله: وروى مكان (المجنون) (الاعرج). ومنها - ما رواه الشيخ عن منصور عن ابى عبد الله (ع) (4) في حديث قال: (الجمعة واجبة على كل أحد لا يعذر الناس فيها إلا خمسة: المرأة والمملوك والمسافر والمريض والصبى). ومنها - ما في بعض خطب أمير المؤمنين (ع) المروية في الفقيه (5) وفى المتهجد (6) وفيها (الجمعة واجبة على كل مؤمن إلا على الصبى والمريض والمجنون والشيخ الكبير والاعمى والمسافر والمرأة والعبد المملوك ومن كان على رأس فرسخين) اقول: وقد ظهر من هذه الاخبار باعتبار ضم بعضها إلى بعض ان الشروط المعتبرة في التكليف بالجمعة تسعة وضم إليها ايضا المطر لما سيأتي ان شاء الله تعالى فتكون عشرة:
(1) و (2) و (4) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة. (3) مستدرك الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة. (5) ج 1 ص 276 وفي الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة (6) ص 268 وفي مستدرك الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة. واللفظ فيه هكذا (الجمعة واجبة على كل مؤمن الا الصبي والمراة والعبد والمريض) وقد اورد تمام الخطبة في المستدرك عن المصباح في الباب 19 من صلاة الجمعة.
[ 148 ]
اولها وثانيها - البلوغ والعقل ويجمعها التكليف، ولا ريب في اشتراطه في هذه الصلاة وغيرها اتفاقا نصا وفتوى فلا تجب على المجنون والصبى وان كان مميزا نعم تصح من المميز تمرينا وتجزئه عن الظهر. ولو أفاق المجنون في وقت الصلاة خوطب بها خطابا مراعى ببقاء إلافاقة إلى آخر الصلاة.
وثالثها - الذكورة وهى مما ادعى عليها الاجماع حتى من العامة ايضا (1) وعلى ذلك تدل الاخبار المتقدمة، ويخرج بقيد الذكورة المرأة والخنثى. ويمكن المناقشة في السقوط عن الخنثى لانتفاء ما يدل على اشتراط الذكورة وانما الموجود في الاخبار المتقدمة استثناء المرأة ممن تجب عليه الجمعة، والخنثى لا يصدق عليها انها امرأة ومن ثم وقع الخلاف فيها، فقيل بالسقوط عنها للشك في سبب الوجوب واختاره الشهيد، وقيل بالوجوب عليها لعموم الاوامر خرج من ذلك المرأة بالاخبار المتقدمة فتبقى الخنثى تحت عموم الاوامر. وقربه الشهيد الثاني وربما أورد عليه بان دخول الخنثى في المتثنى منه مشكوك فيه بمعنى انه غير معلوم شمول عموم الاوامر لها. ويمكن توجيه بان اطلاق الاخبار وعمومها انما ينصرف إلى الافراد المتكررة الوقوع الشائعة فانها هي المتبادر إلى الذهن من الاطلاق والخنثى فرد نادر بل غايته مجرد الفرض. وبالجملة فظاهر الاخبار المذكورة حيث خص السقوط بالمرأة وهى غير داخلة تحت هذا اللفظ هو الوجوب عليها إلا انه بالنظر إلى ما ذكرنا من التقريب في عدم دخولها ايضا في المستثنى منه يقرب السقوط عنها، وبه يظهر ان المسألة غير خالية من شوب الاشكال.
ورابعها - الحرية فلا تجب على العبد باتفاق الاصحاب نقله جملة منهم كالمحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى والشهيد في الذكرى، ولا فرق في ذلك بين القن
(1) المغني ج 2 ص 327 والبداية ج 1 ص 143 والبدائع ج 1 ص 262.
[ 149 ]
والمدبر والمكاتب الذى لم يؤد شيئا لصدق المملوك على جميع هذه الافراد. وإنما الخلاف والاشكال في المبعض إذا هاياه مولاه واتفقت الجمعة في نوبته فالمشهور سقوط الوجوب عنه وذهب الشيخ في المبسوط إلى وجوبها عليه. وهذا الخلاف راجع إلى ما تقدم في الخنثى فان الاخبار هنا إنما دلت على استثناء العبد والمملوك ممن تجب عليه الجمعة وهذا العنوان لا يصدق على المبعض وحينئذ فلا تسقط عنه الجمعة لدخوله تحت عموم الخطاب وعدم المسقط في هذا الباب، واشتراط الحرية غير معلوم من الاخبار ليقال بعدم حصول الشرط المذكور فيه فيسقط عنه وبه يظهر قوة مذهب الشيخ في المبسوط ولذلك استحسنه في المدارك وكذا في الذخيرة، وهو كذلك لما عرفت. وهل تجب الجمعة على المملوك لو أمره مولاه ؟ فيه إشكال ينشأ من اطلاق الاخبار بالسقوط، ومن ان الظاهر ان الوجه في السقوط انما هو رعاية لحق مولاه فمتى أمره زال المانع.
وخامسها - الحضر فلا تجب الجمعة على المسافر اتفاقا، تقله الفاضلان والشهيد والمشهور ان المراد به السفر الشرعي الموجب للقصر وعلى هذا فتجب الجمعة على ناوى الاقامة عشر أو المقيم في بلد ثلاثين يوما، ونقل في المنتهى الاجماع عليه. وكذا تجب على كثير السفر والعاصي به كما صرح به الشهيد في الذكرى وغيره في غيره وقال في المنتهى: لم أقف على قول لعلمائنا باشتراط الطاعة في السفر لسقوط الجمعة ثم قرب الاشتراط، قال بعض مشايخنا: والمسألة لا تخلو من الاشكال وان كان ما قربه قريبا. ومن حصل في أحد مواضع التخيير فالظاهر عدم وجوب الجمعة عليه كما استظهره جملة من مشايخنا لعموم ادلة المسافر وشمولها له وان جاز له الاتمام بدليل من خارج، ونقل عن العلامة في التذكرة القول بالوجوب، وقيل بالتخيير بين الفعل وتركه وهو اختيار الشهيد في الدروس.
[ 150 ]
وسادسها وسابعها - السلامة من العمى والمرض ونقل الفاضلان وغيرهما عليه اتفاق الاصحاب مضافا إلى ما دل على ذلك من الاخبار المتقدمة، ولا ينافيه سقوط الاعمى من اخبار الخمسة لامكان دخوله في المريض المذكور فيها، على ان غاية ما تدل عليه هو الاطلاق بالنسبة إلى الوجوب عليه وعدمه وهو مقيد بالاخبار الاخر من قبيل حمل المطلق على المقيد. واطلاق النص وكلام الاصحاب يقتضى عدم الفرق في العمى والمرض بين ما يشق معهما الحضور وعدمه، وبهذا التعميم صرح العلامة في التذكرة على ما نقل عنه، واعتبر شيخنا الشهيد الثاني فيهما تعذر الحضور أو المشقة التى لا يتحمل مثلها عادة أو خوف زيادة المرض. وهو تقييد للنص بغير دليل. واعلم ان الشيخ قد عد في جملة من كتبه العرج ايضا وجعله من جملة الاعذار المانعة من السعي إلى الجمعة وكذا العلامة في بعض كتبه حتى انه قال في المنتهى انه مذهب علمائنا أجمع لانه معذور بالعرج لحصول المشقة في حقه ولانه مريض فسقطت عنه. ولا يخفى ما في التعليلين المذكورين من الوهن. وقيده في التذكرة بالعرج البالغ حد الاقعاد ونقل اجماع الاصحاب عليه. ولم يذكره المفيد ولا المرتضى في جملة الاعذار إلا ان المرتضى في المصباح - على ما نقله عنه في المعتبر والذكرى - قال: وقد روى ان العرج عذر. قال في المعتبر: فان كان يريد به المقعد فهو اعذر من المريض والكبير لانه ممنوع من السعي فلا يتناوله الامر بالسعي وان لم يرد ذلك فهو في حيز المنع. اقول: هذا الكلام من المحقق لا يخلو من غرابة فان المرتضى (قدس سره) انما نسب ذلك إلى الرواية فتفصيله هذا وجعله ما عدا المقعد في حيز المنع ان قصد به الرد على المرتضى فهو ليس في محله لان المرتضى لم يذكر ذلك فتوى منه، وان قصد الرد على الرواية فهو يرجع إلى الرد الامام وهو ترى. نعم لو طعن في الخبر بالارسال وعدم ثبوته لكان في محله.
[ 151 ]
ويعضد ما ذكره المرتضى (قدس سره) من الرواية ما تقدم نقله من كتاب العروس من الرواية المرسلة ايضا (1). والظاهر - كما اختاره في التذكرة والذكرى - هو وجوب الحضور عليه مع الامكان لعموم ادلة الوجوب وعدم وجود ما يصلح للتخصيص سوى هاتين المرسلتين والظاهر انهما لا يبلغان قوة في تخصيص الادلة الدالة على شمول الوجوب لهذا الفرد سيما مع كونه الاوفق بالاحتياط.
وثامنها - الكبر والشيخوخة والظاهر ان المراد من يشق عليه الحضور من جهة كبر السن وبلوغه حد الشيخوخة، قال في المنتهى: ولا تجب على الشيخ الكبير وهو مذهب علمائنا. وقيده في القواعد بالبالغ حد العجز أو المشقة الشديدة، ونحوه في الروض ايضا. وبعض الاصحاب عبر هنا بالهم كما في الشرائع وهو بكسر الهاء الشيخ الفاني، وبعضهم عبر بالكبير المزمن كما في الارشاد، قال في الروض بحيث يعجز عن السعي إليها أو تحصل له مشقة لا تتحمل عادة. والكل تقييد للنص من غير دليل فان النصوص مطلقة مترتبة على صدق الكبر كما في صحيحة زرارة (2) أو باضافة الشيخوخة كما في رواية الخطبة.
وتاسعها - المطر قال في التذكرة انه لا خلاف فيه بين جملة العلماء. ويدل عليه صحيحة عبد الرحمان بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (لا بأس ان تترك الجمعة في المطر). والحق العلامة ومن تأخر عنه بالمطر الوحل والحر والبرد الشديدين إذا خاف الضرر معها، ولا بأس به تفصيا من لزوم الحرج المنفى بالاية والرواية (4) واما ما لم يخف معه الضرر فيشكل الحاقه بالمطر لعدم صدقه عليهما.
(1) و (2) ص 147 (3) الوسائل الباب 23 من صلاة الجمعة. واللفظ في كتب الحديث (تدع) بدل (تترك). (4) ج 1 ص 151.
[ 152 ]
والحق به في الروض احتراق الخبر وفساد الطعام وغيره، قال في المدارك وينبغى تقييده بالمضر فوته. وعندي فيه نظر وبالجملة فالظاهر عدم الترك إلا بما ورد به النص من تلك الاعذار إلا مع خوف الضرر الشديد ولا سيما للامام. وقال في المعتبر: قال علم الهدى وروى ان من يخاف على نفسه ظلما أو ماله فهو معذور وكذا من كان متشاغلا بجهاز ميت أو تعليل والد ومن يجزى مجراه من ذوى الحرمات الاكيدة يسعه التأخر.
وعاشرها - عدم البعد باكثر من فرسخين، وقد اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في تحديد البعد المقتضى لسقوط السعي إلى الجمعة، فالمشهور ان حده ان يكون ازيد من فرسخين واليه ذهب الشيخان والسيد المرتضى وابو الصلاح وسلار وابن ادريس والفاضلان. وقال الشيخ أبو جعفر ابن بابويه في المقنع: وضعها الله تعالى عن تسعة.. إلى ان قال ومن كان على رأس فرسخين. ورواه في من لا يحضره الفقيه (1) وذكره في كتاب الامالى في وصف دين الامامية، وهو قول ابن حمزة، وهو ظاهر في السقوط عن من كان على رأس فرسخين فلا تجب إلا على من نقص عن الفرسخين، والاول صريح في الوجوب على من كان على رأس فرسخين وانما تسقط بالزيادة عنهما فتدافع القولين ظاهر. وقال ابن ابى عقيل: ومن كان خارجا من مصر أو قرية إذا غدا من أهله بعد ما يصلى الغداة فيدرك الجمعة مع الامام فاتيان الجمعة عليه فرض وان لم يدركها إذا غدا إليها بعد صلاة الغداة فلا جمعة عليه. وقال ابن الجنيد: ووجوب السعي إليها على من سمع النداء بها أو كان يصل إلى منزله إذا راح منها قبل خروج نهار يومه. وهو يناسب قول ابن ابى عقيل. ويدل على الاول ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح أو الحسن عن محمد بن
(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة
[ 153 ]
مسلم عن ابى جعفر (ع) (1) قال: (تجب الجمعة على من كان منها على رأس فرسخين) وما رواه الكليني والشيخ في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم ايضا (2) قال: (سألت ابا عبد الله (ع) عن الجمعة فقال تجب على كل من كان منها على رأس فرسخين فان زاد على ذلك فليس عليه شئ) وروى هذه الرواية في المعتبر (3) والذكرى عن محمد بن مسلم وحريز عن الصادق (ع). وروى في كتاب دعائم الاسلام عن ابى جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) (4) انه قال: (تجب الجمعة على من كان منها على فرسخين إذا كان الامام عدلا). ويدل على الثاني ما تقدم في صحيحة زرارة ورواية خطبة أمير المؤمنين (ع) (5) حيث جعل فيها من كان على رأس فرسخين من الاعذار الموجبة لسقوطها. ويدل على القولين الاخيرين صحيحة زرارة (6) قال: (قال أبو جعفر (ع) الجمعة واجبة على من إذا صلى الغداة في أهله أدرك الجمعة، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) انما يصلى العصر في وقت الظهر في سائر الايام كى إذا قضوا الصلاة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجعوا إلى رحالهم قبل الليل وذلك سنة إلى يوم القيامة). واجاب عن هذه الرواية في الذكرى بالحمل على الفرسخين جمعا. واجاب الشيخ عنها بالحمل على الاستحباب. واليه مال في المدارك وتبعه جملة ممن تأخر عنه بقى الكلام في التعارض بين اخبار القولين المتقدمين، وجملة من الاصحاب قد ذكروا الجمع بينها وجهين:
(احدهما) ان يكون المراد بمن كان على رأس فرسخين في اخبار السقوط يعنى ازيد من فرسخين فاطلق رأس فرسخين على ما فيه زيادة يسيرة، قيل: ويؤيده ان الغالب حصول العلم بكون المسافة فرسخين عند العلم بكونها أزيد من غير انفكاك بينهما فان العلم بمقدار الفرسخين من غير زيادة نادر جدا.
و (ثانيهما) حمل الوجوب في ما دل على الوجوب في الفرسخين على الاستحباب
(1) و (2) و (6) الوسائل الباب 4 من صلاة الجمعة. (3) ص 5، 2 وفي الذكرى التنبيه العاشر من تنبيهات الامر الرابع من الشرط الثالث (4) مستدرك الوسائل الباب 4 من صلاة الجمعة (5) ص 147.
[ 154 ]
المؤكد. قيل ويرجح الاول كثرة الاخبار والشهرة وعموم الاية. أقول: لا يخفى ان هذا الخلاف قليل الجدوى فان محل الخلاف هو الحصول على رأس فرسخين بلا زيادة ولا نقصان ولاريب انه نادر جدا والا حتياط ظاهر. وتمام تحقيق الكلام في هذا المطلب يتوقف على بسطه في مقامين:
المقام الاول - قد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان من لا تلزمه الجمعة من المكلفين الذكور إذا حضر موضع الجمعة جاز له فعلها تبعا واجزأته عن الظهر، واحترزوا بالمكلفين عن الصبى والمجنون فانها لا تجب عليهما ولا تنعقد بهما لعدم التكليف في حقهما، وبالذكر عن المرأة فلا تجب عليها ايضا وان حضرت وانما الكلام هنا في ما عدا ذلك. وظاهر كلامهم الاجماع على الحكم المذكور، قال في المنتهى: لا خلاف في ان العبد والمسافر إذا صليا الجمعة اجزأتهما عن الظهر. وحكى نحو ذلك في البعيد، وقال في المريض: لو حضر وجبت عليه وانعقدت به وهو قول اكثر أهل العلم. وقال في الاعرج: لو حضر وجبت عليه وانعقدت به بلا خلاف. وعنه ايضا في التذكرة انه قال لو حضر المريض والمحبوس بعذر المطر والخوف وجبت عليهم وانعقدت بهم اجماعا. وقال في النهاية من لا تلزمه الجمعة إذا حضرها وصلاها انعقدت جمعة واجزأته. وعلله بتعليل ضعيف. ويدل على الحكم المذكور ما رواه الشيخ عن حفص بن غياث (1) قال: (سمعت بعض مواليهم يسأل ابن ابى ليلى عن الجمعة هل تجب على المرأة والعبد والمسافر ؟ فقال ابن ابى ليلى لا تجب الجمعة على واحد منهم ولا الخائف. فقال الرجل فما تقول ان حضر واحد منهم الجمعة مع الامام فصلاها معه هل تجزئه تلك الصلاة عن ظهر يومه ؟ فقال نعم. فقال له الرجل وكيف يجزئ ما لم يفرضه الله عليه عما فرضه الله عليه وقد قلت ان الجمعة لا تجب عليه ومن لم تجب الجمعة عليه فالفرض عليه
(1) التهذيب ج 1 ص 251 وفي الوسائل الباب 18 من صلاة الجمعة.
[ 155 ]
أن يصلى اربعا، ويلزمك فيه معنى ان الله فرض عليه أربعا فكيف اجزأ عنه ركعتان ؟ مع ما يلزمك أن من دخل في ما لم يفرضه الله عليه لم يجزئ عنه مما فرض الله عليه ؟ فما كان عند ابن ابى ليلى فيها جواب وطلب إليه أن يفسرها له فابى ثم سألته انا عن ذلك ففسرها لى فقال: الجواب عن ذلك ان الله عز وجل فرض على جميع المؤمنين والمؤمنات ورخص للمرأة والمسافر والعبدان لا يأتوها فلما حضروها سقطت الرخصة ولزمهم الفرض الاول فمن أجل ذلك اجزأ عنهم. فقلت عن من هذا ؟ فقال عن مولانا ابى عبد الله (ع) وهذه الرواية كما ترى صريحة في دخول المرأة في الحكم المذكور خلافا لما هو المتكرر في كلامهم والمشهور كما سيأتي تحقيقه. ونحوها ايضا صحيحة ابى همام عن ابى الحسن (ع) (1) انه قال: (إذا صلت المرأة في المسجد مع الامام يوم الجمعة الجمعة ركعتين فقد نقصت صلاتها وان صلت في المسجد أربعا نقصت صلاتها، لتصل في بيتها اربعا أفضل). والتقريب فيها ان نقص الصلاة بالصاد المهملة يقتضى اجزاءها في الجملة. كذا قوله (لتصل في بيتها أفضل) نعم لو كانت بالضاد المعجمة انتفت دلالتها على الاجزاء بل دلت على نقيضه. وربما اشكل ذلك نظرا إلى ما دلت عليه الاخبار المتقدمة من سقوط الجمعة عن هؤلاء المعدودين وبها خصت الاية وعموم الاخبار الدالة على وجوب الجمعة عليهم لو لا هذه الاخبار، فالقول بعود الوجوب عليهم بعد الحضور يحتاج إلى دليل قاطع، والرواية الاولى من هاتين الروايتين ضعيفة السند بالراوي والمنقول عنه فلا تقوم حجة في تخصيص الاخبار المذكورة الدالة على السقوط، والثانية وان كانت صحيحة إلا انها أخص من المدعى، ومن ثم استشكل في المدارك ومثله الفاضل الخراساني في المسألة. نعم لو ثبت الاجماع المدعى في المقام تم البحث إلا
(1) الوسائل الباب 22 من صلاة الجمعة.
[ 156 ]
انك قد عرفت ما في دعوى هذه الاجماعات من المجافات. لكن قد ورد ما يعضد هذين الخبرين بالنسبة إلى المسافر ايضا كما رواه الصدوق في كتاب الامالى في المجلس الثالث بسنده عن الباقر (ع) (1) قال: (ايما مسافر صلى الجمعة رغبة فيها وحبا لها اعطاه الله اجر مائة جمعة للمقيم) ورواه في كتاب ثواب الاعمال في الموثق عن سماعة عن الصادق عن ابيه (عليهما السلام) مثله (2) وفيه تأييد ظاهر للقول بالوجوب وان كان اخص من المدعى ايضا. والاحتياط يقتضى اما عدم حضور هؤلاء موضع الجمعة أو الجمع بين الفرضين احتياطا ان حضروا.
المقام الثاني - الظاهر انه لا خلاف بينهم في انعقاد الجمعة بما عدا المرأة والعبد والمسافر اما هؤلاء أو واحد منهم لو كان من جملة العدد الذى هو شرط الوجوب وهو السبعة أو الخمسة فهل تنعقد الجمعة به ويحصل شرط الوجوب أم لا ؟ أما المرأة فالظاهر انه لا خلاف في عدم انعقاد الجمعة بها وانما الخلاف في الوجوب عليها لو حضرت وعدمه. والذى يدل على الحكم الاول مضافا إلى الاجماع المذكور الاخبار، ففى صحيحة زرارة أو حسنته (3) (لا تكون الخطبة والجمعة وصلاة ركعتين على أقل من خمسة رهط) والرهط - على ما في الصحاح - ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة وفى صحيحة منصور (4) (يجمع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة لا أقل) والقوم - على ما ذكره في الصحاح - الرجال دون النساء. وقوله (ع) في ثالثة (5) (جمعوا إذا كانوا خمسة نفر) قال في الصحاح:
(1) و (2) الوسائل الباب 19 من صلاة الجمعة (3) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة. (4) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة وقوله (خمسة لا اقل) نقل بالمعنى كما يظهر بالرجوع إلى ص 73 (5) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة رقم 6.
[ 157 ]
النفر بالتحريك عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة. وهذه الاخبار كما ترى بالنظر إلى ما نقلناه من كلام أهل اللغة متطابقة الدلالة على ان العدد المشترط في الجمعة لابد أن يكونوا من الرجال. واما الكلام بالنسبة إلى الحكم الثاني فظاهر الشيخين في المقنعة والنهاية هو الوجوب على المرأة لو حضرت، قال في المقنعة: وهؤلاء الذين وضع الله عنهم الجمعة متى حضروها لزمهم الدخول فيها وان يصلوها كغيرهم ويلزمهم استماع الخطبة وصلاة ركعتين، ومتى لم يحضروها لم تجب عليهم وكان عليهم الصلاة أربع ركعات كفرضهم في سائر الايام. ومقتضاه كما ترى وجوبها على الجميع مع الحضور من غير استثناء. واستدل عليه الشيخ في التهذيب برواية حفص المتقدمة، ونحوه في النهاية. وبه صرح ابن ادريس فقال بوجوبها على المرأة عند الحضور غير انها لا تحسب من العدد، وتدل عليه رواية حفص المتقدمة. وقال في المبسوط: اقسام الناس في الجمعة خمسة: من تجب عليه وتنعقد به وهو الذكر الحر البالغ العاقل الصحيح السليم من العمى والعرج والشيخوخة التى لا حراك معها الحاضر ومن بحكمه، ومن لا تجب عليه ولا تنعقد به وهو الصبى والمجنون والعبد والمسافر والمرأة لكن يجوز لهم فعلها ألا المجنون، ومن تنعقد به ولا تجب عليه وهو المريض والاعمى والاعرج ومن كان على رأس اكثر من فرسخين، ومن تجب عليه ولا تنعقد به وهو الكافر لانه مخاطب بالفروع عندنا. والظاهر - كما ذكره بعض الاصحاب - ان مراده بنفى الوجوب في موضع جواز الفعل نفى الوجوب العينى لان الجمعة لا تقع مندوبة اجماعا. وقطع المحقق في المعتبر بعدم الوجوب على المرأة حيث قال: ان وجوب الجمعة عليها مخالف لما عليه اتفاق فقهاء الامصار. وطعن في رواية حفص المتقدمة بضعف حفض وجهالة المروى عنه. وظاهره عدم جواز الفعل ايضا. قال في المدارك: وهو متجه لو لا رواية ابى همام المتقدمة: ثم قال (قرس سره)
[ 158 ]
والحق ان الوجوب العينى منتف قطعا بالنسبة إلى كل من سقط عنه الحضور واما الوجوب التخييري فهو تابع لجواز الفعل فمتى ثبت الجواز ثبت الوجوب ومتى انتفى انتفى. انتهى. أقول: لا يخفى ان ظاهر كلمة الاصحاب وكذا ظاهر رواية حفص المتقدمة انما هو الوجوب العينى بعد الحضور لان ظاهر الجميع هو ان الساقط عن هؤلاء انما هو السعي فمتى تكلفوه وحضروا صار الوجوب عينيا وتعين عليهم الصلاة جمعة، وهذا الوجوب التخييري الذى اختاره لا اعرف له وجها، نعم يبقى الكلام في الافراد المختلف فيها وهو امر آخر. ومما ذكرنا ظهر أن المرأة عدم الجمعة بها وان وجبت عليها بالحضور كما ذكره الشيخان وابن ادريس. ويعضد ذلك ما رواه الحميرى في كتاب قرب الاسناد عن على بن جعفر عن اخيه الكاظم (ع) (1) قال: (سألته عن النساء هل عليهن من صلاة العيدين وصلاة الجمعة ما على الرجال ؟ قال نعم) والظاهر حمله على الحضور في موضع الجمعة جمعا بينه وبين الاخبار الدالة على السقوط عنها. وانت خبير بان هذه الرواية مع ضمها إلى روايتي حفص وابى همام المتقدمتين لا تقصر عن تخصيص تلك الاخبار الدالة على السقوط، وتؤيدها رواية المجالس المتقدمة وان كانت بخصوص المسافر. واما العبد والمسافر لو حضرا فقال الشيخ في الخلاف والمحقق في المعتبر وابن ادريس انها تنعقد بهما لان ما دل على اعتبار العدد مطلق فيتناولهما كما يتناول غيرهما. وهو جيد إلا انه لا يتم في ما إذا كان العدد منحصرا في المسافرين وان زعمه شيخنا الشهيد لما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى في المقام. وذهب جمع من الاصحاب: منهم - الشيخ في المبسوط كما تقدم في عبارته وابن
(1) الوسائل الباب 18 من صلاة الجمعة
[ 159 ]
حمزة والعلامة في بعض كتبه إلى انها لا تنعقد بهما، لانهما ليسا من أهل فرض الجمعة كالصبى، ولان الجمعة انما تصح من المسافر تبعا لغيره فكيف يكون متبوعا ؟ ولانه لو جاز ذلك لجاز انعقادها بالمسافرين وان لم يكن معهم حاضر. واجيب بان الفرق بينهما وبين الصبى عدم التكليف في الصبى دون المسافر والعبد، وبمنع التبعية للحاضر، والالتزام بانعقاد ها بجماعة المسافرين. وفيه نظر كما اشرنا إليه. نعم يمكن منع الملازمة بجواز ذلك مع المنع من انعقادها بجماعة المسافرين وهذا هو المفهوم من الاخبار. واما ما ذكره في الذكرى - من ان الظاهر ان الاتفاق واقع على صحتها بجماعة المسافرين واجزائها عن الظهر - فان ظاهر الاخبار منعه لاستفاضتها بان المسافر فرضه في السفر انما هو الظهر دون الجمعة: ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (قال لنا صلوا في السفر صلاة الجمعة جماعة بغير خطبة). وعنه في الصحيح ايضا (2) قال: (سألته عن صلاة الجمعة في السفر قال تصنعون كما تصنعون في الظهر ولا يجهر الامام فيها بالقراءة وانما يجهر إذا كانت خطبة). وعن جميل في الصحيح (3) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن الجماعة يوم الجمعة في السفر قال تصنعون كما تصنعون في غير يوم الجمعة في الظهر ولا يجهر الامام انما يجهر إذا كانت خطبة). وما رواه الصدوق في الصحيح عن ربعى بن عبد الله وفضيل عن ابى عبد الله (ع) (4) انه قال: (ليس في السفر جمعة ولا فطر ولا اضحى) ورواه البرقى في المحاسن بسنده عن العلاء بن الفضيل عن ابى عبد الله (ع) ورواه بسند آخر عن ربعى
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 73 من القراءة في الصلاة. (4) الوسائل الباب 19 من صلاة الجمعة. (5) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة.
[ 160 ]
عن ابى عبد الله (ع) (1). إلى غير ذلك من الاخبار الصريحة في أن فرض المسافر انما هو الظهر، وحينئذ فما ادعاه من انعقاد ها بالمسافرين مردود بهذه الاخبار. نعم لما دل خبر حفص على انه نع حضور المسافر لموضع الجمعة المنعقدة بالحاضرين تجب عليه صلاة الجمعة وكذا خبر كتاب الجالس وجب القول بالصحة في المواضع المذكور سواء كان الحاضر اماما أو مأموما فانه تجب عليه الصلاة كذلك وتنعقد به على القول بذلك كما هو الاظهر. ومما ذكرنا ظهر الوجوب على المرأة والعبد والمسافر لو حضروا وهو مورد رواية حفص المتقدمة، فيكون الاجزاء في غير هم بطريق أولى لانه متى ثبت ذلك في محل الخلاف ففى ما لم يحصل فيه خلاف سيما مع ادعاء العلامة في ما قدمنا نقله عنه الاجماع على الصحة والاجزاء عن الظهر بطريق أولى. وقد اشتمل النص المذكور على تعليل حكمة الوجوب بما يوجب اطراده في الباقين. ثم انه مما يدل على بطلان ما نقله في الذكرى من الاتفاق على الانعقاد بجماعة المسافرين ما صرح به الشيخ في المبسوط حيث قال: والمسافر يجوز ان يصلى الجمعة بالمقيمين وان لم يكن واجبا عليه إلا انه لا يصح منه ذلك إذا اتى بالخطبتين ويكون العدد قد تم بغيره. حيث انه اشترط في صحة صلاته مع كونه مسافرا ان يتم العدد بغيره من الحاضرين. وبالجملة فان كلام شيخنا المذكور المشار إليه هنا لا يخلو من غفلة. والله العالم.
(المطلب الرابع) في اللواحق والكلام فيه ينتظم في مسائل:
(الاولى) الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في تحريم السفر يوم الجمعة بعد الزوال وقبل الصلاة، ونقل الاجماع على ذلك جماعة: منهم - العلامة في المنتهى والتذكرة واليه ذهب اكثر العامة (2).
(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة (2) المغني ج 2 ص 362.
[ 161 ]
واستدل عليه في التذكرة بقوله صلى الله عليه وآله (1) (من سافر من دار اقامته يوم الجمعة دعت عليه الملائكة لا يصحب في سفره ولا يعان على حاجته) قال: والوعيد لا يترتب على المباح. اقول: لا يخفى على من راجع الاخبار ما وقع لهم (عليهم السلام) من التأكيد في المكروهات بما يكاد يلحقها بالمحرمات وفى المستحبات بما يكاد يدخلها في حيز الواجبات، هذا مع تسليم ثبوت الخبر المذكور. ثم انهم استدلوا على ذلك ايضا بان ذمته مشغولة بالفرض والسفر مستلزم للاخلال به فلا يكون سائغا. وفيه ان صحة هذا الدليل مبنية على ان الامر بالشئ يستلزم النهى عن ضده الخاص وهو مما لم يقم عليه دليل بل الادلة على خلافه واضحة السبيل كما اوضحناه في بعض المباحث المتقدمة. واورد عليه ايضا انه على هذا التقدير يلزم من تحريم السفر عدم تحريمه وكل ما أدى وجوده إلى عدمه فهو باطل، اما الملازمة فلانه لا مقتضى لتحريم السفر إلا استلزامه لفوات الجمعة كما هو المفروض، ومتى حرم السفر لم تسقط الجمعة كما تقدم فلا يحرم السفر لانتفاء المقتضى، واما بطلان اللازم فظاهر. كذا ذكره في المدارك. وفيه ان هذا الايراد مختص بصورة امكان الجمعة في الطريق كما ذكره جده في كتاب الروض لا تحريم السفر مطلقا كما ذكره حيث قال في الروض: ولا فرق في التحريم بين أن يكون بين يديه جمعة اخرى يمكن ادراكها في الوقت وعدمه لاطلاق النهى مع احتمال عدم التحريم في الاول لحصول الغرض. ويضعف بان السفر ان ساغ أوجب القصر فتسقط الجمعة حينئذ فيؤدى إلى سقوطها فيحرم فلا تسقط عنه فيؤدى التحريم إلى عدمه وهو دور. انتهى.
(1) المغني ج 1 ص 362.
[ 162 ]
وبالجملة فان كلام السيد (قدس سره) وايراده ما ذكره على تحريم السفر مطلقا خلاف ما صرح به غيره كما سمعت من كلام جده، فانهم انما اوردوا ذلك على من جوز السفر إذا كان بين يدى المسافر جمعة يدركها قبل فوات الوقت كما هو ظاهر سوق الكلام المذكور. هذا وقد اجاب الفاضل الخراساني في الذخيرة عن الايراد المذكور بانا لا نسلم ان علة حرمة السفر استلزام السفر للفوات ولا ان علتها حصول الفوات في الواقع أو على تقدير السفر بل علة حرمة السفر استلزام جوازه لجواز تفويت الواجب وجواز تفويت الواجب منتف فيكون ملزومه وهو جواز السفر منتفيا فحرمة السفر ليست مستلزمة لانتفاء العلة المقتضية لحرمته. انتهى. وكلامه هذا متجه على تقدير ما اختاره في مسألة استلزام الامر بالشئ النهى عن ضده الخاص من القول بذلك، اما على ما اخترناه وهو اختيار جملة من المحققين: منهم - شيخنا الشهيد الثاني وسبطه صاحب المدارك وغير هما فلا وجه له وبالجملة فان المسألة خالية من النص الصريح في ذلك والركون إلى التعليلات العقلية قد عرفت ما فيه في غير موضع مما تقدم. نعم يمكن الاستدلال على ذلك بفحوى قوله تعالى: (وذروا البيع) (1) والتقريب ان الظاهر ان النهى عن البيع انما وقع لمنافاته السعي إلى الجمعة كما يشعر به التعليل المستفاد من قوله سبحانه: (ذلكم خير لكم) (2) فيكون السفر المنافى كذلك ايضا. ويعضد ذلك ما رواه الصدوق في الصحيح عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: إذا أردت الشخوص في يوم عيد فانفجر الصبح وانت في البلد فلا تخرج حتى تشهر ذلك العيد وإذا حرم السفر الموجب لتفويت صلاة العيد
(1) و (2) سورة الجمعة الاية 9. (3) الوسائل الباب 37 من صلاة العيد.
[ 163 ]
حرم السفر الموجب لتفويت صلاة الجمعة بطريق اولى. ويؤكده ايضا قول أمير المؤمنين (ع) في كتابه للحارث الهمداني على ما نقله الرضى (قدس سره) في كتاب نهج البلاغة (1) (لا تسافر في يوم الجمعة حتى تشهد الصلاة إلا ناضلا في سبيل الله أو في أمر تعذر به) وأصل المناضلة المراماة يقال ناضله إذا راماه (2) والمراد هنا الجهاد والحرب في سبيل الله. وما رواه الكفعمي في كتاب المصباح (3) عن الرضا (ع) قال: (ما يؤمن من سافر يوم الجمعة قبل الصلاة ان لا يحفظه الله تعالى في سفره ولا يخلفه في أهله ولا يرزقه من فضله). وما رواه في الفقيه والخصال عن السرى عن ابى الحسن على بن محمد (عليهما السلام) (4) قال: (يكره السفر والسعى في الحوائج يوم الجمعة بكرة من أجل الصلاة فاما بعد الصلاة فجائز يتبرك به بحمل الكراهة فيها على التحريم كما هو شائع في الاخبار بقرينة خبرى المصباح ونهج البلاغة، والاطلاق في يوم الجمعة محمول على ما بعد الزوال مع احتمال العموم ايضا وان كان المشهور الكراهة بالمعنى الاصطلاحي الاصولي في اليوم. ومما يزيد ذلك تأكيدا ما ذكره شيخنا الشهيد الثاني في رسالة اكمال الجمعة كما نقله عنه في كتاب البحار (5) قال: وعن النبي صلى الله عليه وآله (من سافر يوم الجمعة دعا
(1) ج 3 ص 143 مطبعة الاستقامة وبهامشه شرح محمد عبده (2) قال المجلسي في البحار ج 18 الصلاه ص 726 بعد نقل الخبر: بيان فاصلا اي شاخصا قال تعالى (فلما فصلت العير) فضبطه بالفاء والصاد المهملة كما في نهج البلاغة ج 3 ص 143 المطبوع بمطبعة الاستقامة حيث ضبط كذلك وقال المعلق في الهامش: اي خارجا ذاهبا. (3) ص 184 (4) الوسائل الباب 52 من صلاة الجمعة (5) ج 18 الصلاة ص 731 وفي المستدرك في الباب 44 من صلاة الجمعة إلى قوله: (ولا تقضى له حاجة).
[ 164 ]
عليه ملكاه ان لا يصاحب في سفره ولا تقضى له حاجة) قال: وجاء رجل إلى سعيد بن المسيب يوم الجمعة يودعه فقال لا تعجل حتى تصلى فقال اذن تفوتنى اصحابي ثم عجل فكان سعيد يسأل عنه حتى قدم قوم فاخبروه ان رجله انكسرت فقال سعيد انى كنت لاظن أن يصيبه ذلك. وروى ان صيادا كان يخرج في يوم الجمعة لا يمنعه مكان الجمعة من الخروج فخسف به وببغلته فخرج الناس وقد ذهبت بغلته في الارض فلم يبق منها اذناها وذنبها. وروى ان قوما خرجوا في سفر حين حضرت الجمعة فاضطرم عليهم خباؤهم نارا من غير نار يرونها. انتهى ما ذكره في الرسالة المذكورة. وبالجملة فاجماع الاصحاب قديما وحديثا على الحكم المذكور - حيث لم ينقل فيه مخالف مع تأيده بما ذكرناه من هذه الاخبار واعتضاده بالاحتياط في الدين - دليل قوى متين كما لا يخفى على الحاذق المكين، فلا ضرورة إلى ما ذكروه من تلك التعليلات العليلة مع عرفت فيها من المناقضات والمعارضات. والله العالم.
بقى في المقام فوائد يجب التنبيه عليها:
(الاولى) قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: ومتى سافر بعد الوجوب كان عاصيا فلا يترخص حتى تفوت الجمعة فيبتدئ السفر من موضع تحقق الفوات، قاله الاصحاب وهو يقتضى عدم ترخص المسافر الذى يفوت بسفره الاشتغال بالواجب من تعلم ونحوه أو يحصل في الحال الاقامة اكثر من حالة السفر لاستلزامه ترك الواجب المضيق فهو اولى من الجمعة خصوصا مع سعة وقتها ورجاء حصول جمعة اخرى أو لا معه واستلزامه الحرج، وكون اكثر المكلفين لا ينفكون عن وجوب التعلم فيلزم عدم تقصير هم وفوات اغراضهم التى يتم بها نظام النوع غير ضائر والاستبعاد وغير مسموع، ولان الكلام في السفر الاختياري الذى لا يتعارض فيه وجوبان. انتهى. واعترضه المحقق الاردبيلى على ما نقل تلميذه السيد السند في المدارك قال: واعترضه شيخنا المحقق بان هذا كله مبنى على ان الامر بالشئ يستلزم النهى عن
[ 165 ]
ضده الخاص وهو لا يقول به بل يقول ببطلانه. ثم أجاب عن هذا الاقتضاء مع تسليم تلك المقدمة بمنع منافاة السفر غالبا للتعلم إذ التعلم في السفر متيسر غالبا بل ربما كان أيسر من الحضر، وبانه ليس في الكتاب والسنة وما يدل على وجوب التعلم على الوجه الذى اعتبره المتأخرون بل المستفاد منهما خلاف ذلك كما يرشد إليه تيمم عمار (1) وطهارة أهل قبا (2) ونحو ذلك، ثم اطال الكلام في ذلك وقوى عدم الوجوب والاكتفاء في الاعتقادات الكلامية باصابة الحق كيف اتفق وان لم يكن عن دليل. ثم قال في المدارك بعد نقله: وهو قوى متين. وقال الفاضل الخراساني في الذخيرة بعد نقل ذلك عنهما، وهو عند التأمل لا يوافق القواعد الصحيحة العدلية على ما اظن. اقول: اما ما اعترض به المحقق المذكور - من ان كلام شيخنا المتقدم ذكره مبنى على تلك القاعدة وهو لا يقول بها - فيمكن الجواب عنه بان هذا الكلام منه انما
(1) الوسائل الباب 11 من التيمم رقم 2 و 4 و 5 و 8 و 9. (2) في الدر المنثور للسيوطي ج 3 ص 278 في تفسير قوله تعالى في سورة التوبة الاية 109 (لمسجد اسس على التقوى من اول يوم احق ان تقوم فيه فيه رجال يحبون ان يتطهروا والله يحب المطهرين) ذكر تسعة عشر حديثا عن ابي هريرة وابن عباس ومجمع بن يعقوب بن مجمع وعويم بن ساعدة الانصاري وعبد الله بن سلام والشعبي وابي امامة وعبد الله بن الحارث بن نوفل وعطاء وخريمة بن ثابت وابي ايوب الانصاري وابن عمر وسهل الانصاري وقتادة ان الطهور في هذه الاية الغسل بالماء من البول والغائط، ونص الحديث ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لاهل قبا ان الله قد اثنى عليكم خيرا وذكر الاية فما هذا الطهور ؟ فقالوا انا نغسل بالماء مخرج البول والغائط. وفي رواية ابي ايوب وجابر بن عبد الله وانس بن مالك قالوا له نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة. قال فهل مع ذلك غيره ؟ قالوا لا غير ان احدنا إذا خرج إلى الغائط احب ان يستنجى بالماء قال (صلى الله عليه وآله) هو ذاك فعليكموه. وذكر الشيخ الطوسي في التبيان ج ؟ ص 858 طبع ايران الرواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) وزاد عليه في مجمع البيان انه مروى عن السيدين الباقر والصادق (عليهما السلام).
[ 166 ]
وقع الزاما للاصحاب القائلين بذلك مع قولهم بهذه القاعدة فلا يرد عليه ما أورده. واما قوله في جواب منع السفر عن التعلم - بان التعلم في السفر متيسر غالبا بل ربما كان أيسر - ففيه انه ان أراد تيسره في السفر بل ربما كان أيسر حال الاشتغال بالسفر والسير والسرى في الطريق فهو ممنوع كما هو ظاهر، وان اراد بعد الوصول والاستقرار في البلدة التى قصدها فهو كما ذكره ألا ان مراد شيخنا المذكور انما هو الاول فلا يرد عليه ايضا ما أورده. واما قوله - انه ليس في الكتاب والسنة.. إلى آخر ما ذكره مما يدل على الاكتفاء باصابة الحق كيف اتفق - فهو جيد. وقول الفاضل الخراساني من انه عند التأمل لا يوافق القواعد الصحيحة العدلية مردود بما حققناه في مقدمة الاوقات من هذا الكتاب في مسألة ما لو صلى جاهلا بالوقت فانا نقلنا كلامه في المسألة المذكورة وما أورده على المحقق المذكور مما يوضح ما ذكره هنا من هذا الاجمال وبينا ما فيه من الضعف والاختلال. وبالجملة فان ثبوت العصيان بالسفر المذكور الموجب لعدم الترخص انما يتم بناء على ثبوت القائدة المذكورة والحق عندي عدم ثبوتها كما تقدم تحقيقه في بعض مباحث هذا الكتاب. والله العالم.
(الثانية) لو كان بين يدى المسافر جمعة اخرى يعلم ادراكها في محل الترخص فهل يكون السفر سائغا أم لا ؟ قد تقدم في كلام شيخنا الشهيد في الروض ما يدل على العدم لقوله: لا فرق في التحريم بين ان يكون بين يديه جمعة اخرى يمكن إدراكها في الوقت وعدمه. ونحوه كلامه في المسالك ايضا، واختاره سبطه السيد السند في المدارك. ونقل عن المحقق الشيخ على في شرح القواعد القول بالجواز، قال لحصول الغرض وهو فعل الجمعة بناء على ان السفر الطارئ على الوجوب لا يسقطه كما يجب الاتمام في الظهر على من خرج بعد الزوال. قال في المدارك: ويضعف باطلاق الاخبار المتضمنة لسقوط الجمعة عن المسافر وبطلان القياس مع ان الحق تعين القصر في صورة الخروج بعد الزوال كما سيجئ بيانه ان شاء الله تعالى. انتهى
[ 167 ]
اقول: قد عرفت ان شيخنا الشهيد في الروض ومثله في المسالك ايضا انما استند في تحريم السفر في هذه الصورة إلى ما ذكره من لزوم توقف وجود الشئ على عدمه وان عبر عنه بالدور تجوزا، فان السفر ان ساغ أوجب القصر فتسقط الجمعة حينئذ لعدم وجوبها على المسافر، وحاصل كلام المحقق الشيخ على يرجع إلى منع هذه المقدمة اعني قوله إذا وجب القصر سقطت الجمعة بتخصيص السقوط بما إذا لم يكن السفر طارئا على الوجوب اما لو كان السفر طارئا على الوجوب فلا كما في المثال الذى نظر به. واما ما أجاب به في المدارك - من الاستناد إلى اطلاق الاخبار بسقوط الجمعة عن المسافر - فيمكن الجواب عنه بان الاطلاق انما ينصرف إلى الافراد المتكررة المتكثرة الشائعة وهو السفر قبل حصول الوجوب دون هذا الفرد النادر الوقوع. وأما ما طعن به من بطلان القياس فالظاهر ان المحقق المذكور إنما قصد بذلك التنظير لدفع الاستبعاد. واما قوله - ان الحق تعين القصر في صورة الخروج بعد الزوال - ففيه انه وان كان ذلك هو الذى اختاره لكن الرواية الدالة عليه لا تخلو من العلة كما سيأتي توضيحه ان شاء الله تعالى في محله مع شهرة القول بما ذكره المحقق المذكور وتأيده بظواهر كثير من الاخبار كما سيأتي ان شاء الله تعالى بيان ذلك. والى القول بالجواز كما ذهب إليه المحقق المذكور ذهب الفاضل الخراساني في الذخيرة أيضا ونقله عن بعض الاصحاب غير المحقق المذكور آنفا قال لنا - ان مقتضى التحريم تفويت الجمعة وهو غير لازم في صورة التمكن إذا لا مانع من اقامة الجمعة في السفر (فان قلت) فعلى هذا يلزم أن تكون الجمعة في السفر واجبة عليه مع انه خلاف النصوص (قلت) التخصيص لازم في النصوص الدالة على عدم وجوب الجمعة على المسافر بان تخص بمسافر لم يتوجه إليه التكليف قبل السفر، بيان ذلك ان ههنا حكمين عامين (أحدهما) ان كان حاضر تجب عليه صلاة الجمعة. و (ثانيهما) ان كل مسافر لا تجب عليه صلاة الجمعة، والمكلف قبل انشاء السفر داخل في موضوع
[ 168 ]
الحكم الاول ومقتضاه ايجاب الجمعة عليه سواء أوقعه في حال الحضور أو في حال السفر إذ لا تقييد بشئ منهما فإذا تركها في حال الحضور ثم سافر وجب عليه الاتيان بها في هذه الحالة، فالحكم الاول بعمومه اقتضى وجوب الجمعة عليه في حال السفر على ان يكون القيد قيدا للوجوب، ومقتضى عموم الحكم الثاني عدم الوجوب عليه في الصورة المذكورة فلا بد من ابقاء احدهما على المعمول والتخصيص في الاخر، والترجيح للتعميم الاول للاجماع على وجوب الجمعة على الحاضر مطلقا من غير أن يكون مشروطا بعدم صدق السفر عليه لاحقا. انتهى. اقول: مخلص كلامه قد رجع إلى ما ادعاه من الاجماع على التعميم الاول مع أنه معارض بالاجماع أيضا على التعميم الثاني كما عرفت مما قدمنا نقله عن الفاضلين والشهيد من دعوى الاجماع على اشتراط الحضر وانها لا تجب على المسافر، وهو أعم من أن يدخل عليه وقت الوجوب في الحضر أم لا، بل قد اعترف هو بذلك في صدر هذا الكلام حيث قال: ولو كان بين يدى المسافر جمعة اخرى يعلم إدراكها في محل الترخص جاز سفره كما ذهب إليه بعض الاصحاب واختاره المدقق الشيخ على، وذهب جماعة إلى عموم التحريم في الصورتين، والاجماع المنقول سابقا يعم الجميع. ثم قال: لنا.. إلى آخر ما قدمنا نقله. وبذلك يظهر لك ان ما اطال به الكلام تطويل بغير طائل وكلام لا يرجع إلى حاصل. ويبقى ما ذكره من تعارض العمومين المذكورين كتعارض الاجماعين المنقولين والاظهر في الجواب انما هو ما قدمنا ذكره من منع شمول اطلاق الاخبار الدالة على سقوط الجمعة عن المسافر لهذا الفرد. وكيف كان فالمسألة لخلوها عن النص الواضح لا تخلو من الاشكال والاحتياط فيها واجب على كل حال. والله العالم.
(الثالثة) لو كان بعيدا عن الجمعة بفرسخين فما دون فخرج مسافرا في صوب الجمعة، فقيل يجب عليه الحضور عينا وان صار في محل الترخص، لانه لولاه
[ 169 ]
لحرم عليه السفر، ولان من هذا شأنه يجب عليه السعي قبل الزوال فيكون سبب الوجوب سابقا على السفر كما في الاتمام لو خرج بعد الزوال. واحتمل الشهيد في الذكرى عدم كون هذا المقدار محسوبا من المسافة لوجوب قطعه على كل تقدير ويجرى مجرى الملك في اثناء المسافة. ثم قال: ويلزم من هذا خروج قطعة من السفر عن اسمه بغير موجب مشهور. قال في المدارك بعد نقله عنه ذلك: ويضعف بان وجوب قطعه على كل تقدير لا يخرجه عن كونه جزء من المسافة المقصودة. ثم قال: ولو قيل باختصاص تحريم السفر بما بعد الزوال وان وجوب السعي إلى الجمعة قبله للبعيد انما يثبت مع عدم انشاء المكلف سفرا مسقطا للوجوب لم يكن بعيدا من الصواب. انتهى. وقال الفاضل الخراساني في الذخيرة: والظاهر عندي انشاء السفر إذا كان قبل زمان تعلق وجوب السعي وهو زمان لا يدرك الجمعة ان اخر السعي سقطت الجمعة وإلا وجبت عليه وان صدق عليه اسم المسافر، ووجهه يعلم مما حققناه سابقا. انتهى. أقول. لا يخفى ان ظاهر القول الاول هو انه متى سافر قبل الزوال وجب عليه حضور الجمعة لما ذكره من التعليلين وهو راجع إلى المسألة المسابقة حتى بالغ في الذكرى في نفى السفر عنه ما دام في هذه المسافة. وظاهر ما ذكره في المدارك اختصاص تحريم السفر بما بعد الزوال كما هو المفروض في أصل المسألة واما قبله فلا. واجاب عن التعليلين المذكورين في القول الاول بالمنع في هذه الصورة وتخصيص ذلك بما إذا لم ينشئ المكلف سفرا مسقطا للوجوب دون ما نحن فيه من انشاء السفر المسقط. وفيه ان عموم الادلة والروايات الواردة في وجوب الحضور على من كان على رأس فرسخين فما دون شامل لموضع البحث فانها أعم من ذلك اعترف به في المسألة المتقدمة. وظاهر كلام الذخيرة انه ان شاء السفر قبل زمان تعلق وجوب السعي
[ 170 ]
بالذمة وهو الزمان الذى يدرك فيه الجمعة بحيث لو اخر عنه فاتت فانه يسقط عنه وجوب حضورها وان وقع في ذلك الزمان وجب عليه الحضور. ووجهه بالنسبة إلى الاول انه حال انشاء السفر غير مكلف ولا مخاطب بالجملة فيكون سفره مشروعا كما لو سافر قبل الزوال في المسألة المتقدمة. ووجهه بالنسبة إلى الثاني ما قدمنا نقله عنه من انه لا مانع من اقامة الجمعة في السفر لانه قد تعلق به الخطاب فيجب عليه اقامتها وليس ثمة مانع إلا السفر وهو لايمنع من ذلك بالتقريب الذى قدمه، وقد عرفت ما فيه. وبالجملة فان المسألة لما كانت عارية من النص كثرت فيها الاحتمالات، وقد عرفت مما ذكرنا في غير موضع مما تقدم عدم صلوح أمثال هذه التعليلات لتأسيس الاحكام الشرعية، فالوقوف على جادة الاحتياط في أمثال هذه المقامات عندنا من الواجبات. والله العالم.
(الرابعة) قد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لو كان السفر واجبا كالحج والغزو أو مضطرا إليه انتفى التحريم، قال في الروض: وانما يحرم مع الاختيار وعدم وجوبه فلو كان مضطرا إليه بحيث يؤدى تركه إلى فوات الغرض أو التخلف عن الرفقة التى لا يستغنى عنها أو كان سفر حج أو غزو يفوت الغرض منهما مع التأخر فلا يحرم. وعلى هذا المنوال كلام جملة منهم. ويدل عليه ما قدمنا نقله (1) عن كتاب نهج البلاغة من قول أمير المؤمنين (ع) في كتابه للحارث الهمداني (لا تسافر يوم الجمعة حتى تشهد الصلاة إلا ناضلا (2) في سبيل الله أو في أمر تعذر به). واما ما ذكره في الذخيرة هنا - حيث قال: لو كان السفر واجبا كالحج والغزو مع التضيق أو مضطرا إليه ارتفع التحريم على اشكال في السفر الواجب. انتهى - فلعل الوجه في هذا الاشكال الذى ذكره هو تعارض الواجبين من السفر والجمعة
(1) ص 163. (2) ارجع إلى التعليقة 2 ص 163.
[ 171 ]
فتقديم وجوب السفر على وجوب الجمعة يحتاج إلى دليل.
(الخامسة) قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه يكره السفر يوم الجمعة بعد طلوع الفجر، والظاهر انه مجمع عليه بينهم بل واكثر العامة على ذلك أيضا (1) كما نقل عن التذكرة، وذكر فيها انه لا يكره ليلة الجمعة اجماعا. ويدل عليه مضافا إلى الاتفاق المذكور ما قدمنا نقله (2) من خبر السرى المنقول في الفقيه والخصال عن الهادى (ع) قال: (يكره السفر والسعى في الحوائج يوم الجمعة بكرة من أجل الصلاة فاما بعد الصلاة فجائز يتبرك به) مع احتمال حمل الكراهة فيه على التحريم كما قدمنا ذكره. ولم اقف على من استدل على الحكم المذكور بهذا الخبر وانما استندوا فيه إلى اطلاق الخبر النبوى الذى قدمنا نقله عن التذكرة (3) ونبهنا على ان الظاهر انه عامى وهو قوله (صلى الله عليه وآله): (من سافر من دار اقامته يوم الجمعة دعت عليه الملائكة.. الخ) مع ان هذا الخبر الذى ذكرناه أوضح دلالة وسندا. واحتمل المحدث الكاشانى في المفاتيح التحريم في هذا المقام وهو ظاهر اطلاق ما قدمناه من رواية مصباح الكفعمي عن الرضا (ع) وخبر الحارث الهمداني (4) واحتمال حمل الكراهة على التحريم في الخبر المتقدم، وتعضده الرواية التى قدمنا نقلها عن رسالة شيخنا الثاني وان كان الظاهر انها من طرق العامة. وعلل الحكم المذكور في المفاتيح قال: لانه مأمور بالسعي إلى الجمعة من فرسخين فكيف يسعى عنها. وبذلك يظهر ان ما احتمله (طاب ثراه) قريب لا استبعاد فيه إلا من حيث مخالفة
(1) في شرح الزرقاني على مختصر ابي الضياء في فقه مالك ج 2 ص 64 (يكره السفر يومها لمن تلزمه بعد الفجر وجاز قبله وحرم بالزوال قبل النداء) ونقل الشوكاني في نيل الاوطار ج 3 ص 195 عن مالك واحمد والشافعي في القديم والاوزاعي جواز السفر من طلوع الفجر إلى الزوال، وحكاه ابن قدامة عن اكثر اهل العلم. (2) و (4) ص 163 (3) ص 161.
[ 172 ]
الشهرة وإلا فظواهر ما ذكرناه من الادلة تقتضيه. والله العالم. المسألة الثانية - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في تحريم البيع بعد النداء للصلاة يوم الجمعة بل نقل الاجماع عليه في المنتهى والتذكرة ويدل عليه قوله عز وجل (إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) (1) فان مفاده الامر بترك البيع بعد النداء فيكون حراما. وروى في الفقيه مرسلا (2) قال: (وروى انه كان بالمدينة إذا اذن المؤذن يوم الجمعة نادى مناد (حرم البيع حرم البيع) لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة.. الاية). والظاهر ان المراد بالبيع في الاية ما هو أعم منه ومن الشراء لاطلاقه شرعا عليه، وبذلك صرح جملة من الاصحاب. وانما الخلاف والاشكال في هذا المقام في مواضع: الاول - المفهوم من كلام جملة من الاصحاب: منهم - العلامة في المنتهى والشيخ في الخلاف اناطة التحريم بالاذان وان تأخر عن الزوال اخذا بظاهر الاية فالبيع بعد الزوال وقبل الاذان غير محرم، قال في المنتهى: وإذا صعد الخطيب المنبر ثم أذن المؤذن حرم البيع وهو مذهب علماء الامصار.. إلى ان قال: ولا يحرم بزوال الشمس ذهب إليه علماؤنا أجمع بل يكون مكروها. ونسبه إلى جملة التابعين واكثر أهل العلم
(1) سورة الجمعة الاية 9. (2) الوسائل الباب 53 من صلاة الجمعة. (3) في المغني ج 2 ص 297 (النداء الذي كان على عهد رسول (الله صلى الله عليه واله) هو النداء عقيب جلوس الامام على المنبر فتعلق الحكم به دون غيره، ولا فرق بين ان يكون ذلك قبل الزوال أو بعده) وفي عمدة القارئ ج 3 ص 282 قال صاحب الهداية: المعتبر في وجوب السعي وحرمة البيع هو الاذان الاصلى الذي كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين يدي المنبر، وفي فتاوى العتابي هو المختار وبه قال الشافعي واحمد واكثر فقهاء الامصار
[ 173 ]
ونسب إلى مالك وأحمد تحريم البيع بعد الزوال (1). وظاهره كما ترى دعوى الاجماع على الحكم المذكور مع انه في الارشاد علق الحكم على الزوال. وقال في الخلاف: يحرم البيع إذا جلس الامام على المنبر بعد الاذان ويكره بعد الزوال قبل الاذان. انتهى. أقول: والاقرب عندي ما ذكره شيخنا في الروض من اناطة ذلك بالزوال فان الظاهر ان التعليق في الاية على الاذان انما خرج مخرج الغالب المتكرر من وقوع الاذان متى تحقيق الزوال. قال (قدس سره) بعد ذكر عبارة المصنف الدالة على تعليق الحكم على الزوال: وانما علقه المصنف على الزوال لانه السبب الموجب للصلاة، والنداء اعلام بدخول الوقت فالعبرة به فلو اتفق تأخير الاذان عن اول الوقت نادرا لم يؤثر في التحريم السابق لوجود العلة ووجوب السعي المترتب على دخول الوقت وان كان في الاية مترتبا على الاذان، إذا لو فرض عدم الاذان لم يسقط وجوب
(1) في المغني ج 2 ص 297 (حكى القاضي رواية عن احمد ان البيع يحرم بزوال الشمس وان لم يجلس الامام على المنبر) وحكاه في عمدة القارئ ج 3 ص 272 عن الضحاك والحسن وعطاء، وفي المدونة ج 1 ص 143 (قال أبو القاسم قال مالك إذا قعد الامام يوم الجمعة على المنبر فاذن المؤذن فعند ذلك يكره البيع والشراء وان اشترى رجل أو باع في تلك الساعة فسخ ذلك البيع) وفي ص 144 (قال مال إذا اذن المؤذن وقعد الامام على المنبر منع الناس من البيع والشراء وفي كفاية الطاب الرباني لرسالة القيرواني في مذهب مالك ج 1 ص 283 (يحرم حين الاذان بين يدي الامام البيع بين اثنين تلزمهما الجمعة أو احدهما فان وقع فسخ) وفي تفسير القرطبي ج 18 ص 108 (في وقت تحريم البيع قولان: الاول من بعد الزوال إلى الفراغ منها قاله الضحاك والحسن وعطاء. الثاني من وقت اذان الخطبة إلى وقت الصلاة قاله الشافعي، ومذهب مالك ان يترك البيع إذا نودى للصلاة ويفسخ عنده ما وقع من البيع في ذلك الوقت) فالقول المذكور لم ينسب إلى مالك بل نسب إليه القول المشهور.
[ 174 ]
السعي فان المندوب لا يكون شرطا للواجب، واكثر الاصحاب علقوا التحريم على الاذان لظاهر الاية بل صرح بعضهم بالكراهة بعد الزوال قبل الاذان وهو أوضح دلالة وان كان ما هنا اجود. انتهى. وهو جيد. ويميل إليه ايضا كلام المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد حيث قال: والظاهر ان النداء كناية عن دخول الوقت فلو لم يناد يحرم ايضا ويجب السعي، فقول المصنف (بعد الزوال) اشارة إلى تفسير الاية أحسن من كلام غيره (بعد النداء) إذ دليل التحريم ظاهر الاية فانه إذا كان ترك البيع واجبا كما يدل عليه (وذروا) يكون الفعل حراما لان الامر بالسعي للفور لترتبه على (إذا).. إلى آخر كلامه زيد في مقامه وبذلك يظهر لك ما في كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة حيث قال: ثم لا يخفى ان المذكور في عبارت الاصحاب تحريم البيع بعد الاذان حتى ان المصنف في المنتهى والنهاية نقل اجماع الاصحاب على عدم تحريم البيع قبل النداء ولو كان بعد الزوال. ثم نقل ما قدمنا نقله عن المنتهى إلى أن قال فما اختاره في هذا الكتاب من إناطة التحريم بالزوال واختاره الشارح الفاضل محل تأمل. انتهى، فان فيه انه لا مجال للتأمل هنا إلا ان كان باعتبار مخالفة الاجماع المنقول وفيه ما قد عرفت ولا سيما ما شرحناه آنفا من احوال هذه الاجماعات وبه صرح هو ايضا في كتابه في غير موضع، الا أن مقتضى النظر في الادلة وتحقيق ما هو الحق المستفاد منها إنما هو في ما ذكره هذان الفاضلان المحققان كما لا يخفى على من أعطى التأمل حقه في ما ذكراه فانه جيد متين وجوهر ثمين كما لا يخفى على الحاذق المكين. الثاني - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في غير البيع من العقود والايقاعات كالصلح والاجارة والنكاح والطلاق ونحوها، فالحقها العلامة (قدس سره) وجماعة بالبيع للمشاركة في العلة المومأ إليها في قوله سبحانه تعالى (ذلك خير لكم) (1) وانما خص البيع بالذكر لان فعله كان أكثريا لانهم كانوا يهبطون إلى
(1) سورة الجمعة الاية 9.
[ 175 ]
المدينة من سائر القرى لاجل البيع واشراء. وأيضا فان ظاهر الآية يقتضى وجوب السعي بعد النداء على الفور لا من جهة الامر لعدم دلالته على الفورية كما تقرر في الاصول بل من جهة ان الامر بترك البيع والسعى إلى الصلاة قرينة ارادة المسارعة فيكون كل ما نافاها كذلك. أقول: ويعضد ذلك رواية السرى المتقدمة (1) وان كانت بلفظ الكراهة إلا انك قد عرفت ان حملها على التحريم غير بعيد وقد دلت على كراهة السعي في الحوائج الذى هو أعم من العقود أيضا كما ذهب إليه بعضهم في المقام. وقال المحقق في المعتبر: وهل يحرم غير البيع من العقود ؟ الاشبه في المذهب لا خلافا لطائفة من الجمهور (2) لاختصاص النهى بالبيع فلا يتعدى إلى غيره واستشكله العلامة في جملة من كتبه نظرا إلى العلة المومأ إليها في الاية كما قدمنا ذكره ومن ثم مال في جملة من كتبه إلى الالحاق بالبيع، وظاهره في المدارك الميل إلى ذلك، والظاهر انه هو المشهور بين المتأخرين. وقال في الذكرى: ولو حملنا البيع على المعاوضة المطلقة الذى هو معناه الاصلى كان مستفادا من الاية تحريم غيره. ويمكن تعليل التحريم بان الامر بالشئ يستلزم النهى عن ضده ولا ريب ان السعي مأمور به فيتحقق النهى عن كل ما ينافيه من بيع وغيره وهذا أولى، وعلى هذا يحرم غير العقود من الشواغل عن السعي. انتهى وأورد عليه أما بالنسبة إلى الاولى فان حمل البيع على مطلق المعاوضة على الاعيان والمنافع خلاف المعنى الشرعي والعرفي. وعلى الثاني انه خلاف ما ذهب إليه في مواضع من كتابه من أن الامر بالشئ لا يقتضى النهى عن ضده الخاص. اقول: والحق في المقام أن يقال ان المسألة لما كانت خالية من النص الصريح كان الاحتياط فيها واجبا وهو في جانب القول بالتحريم ويخرج ما ذكرناه من الوجوه
(1) ص 163 (2) المغني ج 2 ص 298 وعمدة القارئ ج 3 ص 282.
[ 176 ]
المتقدمة الدالة على التحريم شاهدا. والله العالم. الثالث - لو كان أحد المتعاقدين ممن لا يجب عليه السعي ففى التحريم عليه خلاف فذهب جمع من المتأخرين إلى التحريم وآخرون إلى الجواز بالنسبة إليه وان حرم بالنسبة إلى الاخر، والى الثاني ذهب المحقق وفاقا للشيخ حيث انه كرهه. حجة الاولين انه معاونة على الحرام وقد نهى سبحانه عنها بقوله: (ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) (1). وقال في الذكرى: لو كان أحد المتبايعين ممن لا يخاطب بالسعي كان سائغا بالنظر إليه حراما بالنظر إلى من يجب عليه السعي، وقال الشيخ: يكره للاول لانه اعانة على الفعل المحرم. وقال الفاضل التعليل يقتضى التحريم لقوله تعالى (ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) (2) ثم قوى التحريم عليه ايضا وهو قوى. انتهى. اقول: والكلام في هذه المسألة كما في سابقتها فانها عارية عن النص والاحتياط فيها مطلوب لما عرفت. الرابع - لو أوقع البيع في الحال المنهى عنه فهل ينعقد البيع وان أثم أو يبطل ؟ قولان مبنيان على ان النهى في غير العبادات هل يقتضى الفساد أم لا ؟ فذهب العلامة وجملة من الاصحاب - والظاهر انه المشهور بين المتأخرين - إلى انعقاده بناء على ما تقرر عندهم في الاصول من أن النهى في غير العبادات لا يقتضى الفساد ونقله الشيخ عن بعض الاصحاب، وذهب جمع من الاصحاب: منهم - الشيخ في المسبوط والخلاف وابن الجنيد إلى عدم الانعقاد بناء على ان النهى مفسد مطلقا. أقول: والتحقيق عندي في هذا المقام كما اودعناه في جملة من زبرنا سابقا على هذا الكتاب هو أن يقال لا يخفى ان القاعدة التى بنوا عليها الكلام في المقام من ان النهى في غير العبادات لا يقتضى الفساد وان اشتهرت وتكررت في كلامهم وتداولتها رؤوس أقلامهم إلا انا نرى كثيرا من عقود المعاملات قد حكموا ببطلانها
(1) و (2) سورة المائدة الاية 3.
[ 177 ]
من حيث النهى الوارد عنها في الروايات، ومن تتبع كتاب البيع وكتاب النكاح عثر على كثير منها وذلك كبيع الخمر والخنزير والعذرة وبيع الغرر ونحو ذلك، والعقد على اخت الزوجة وابنتها وامها ونحو ذلك، وما ذكروه من القاعدة المشار إليها اصطلاح اصولي لا تساعد عليه الاخبار بحيث يكون اصلا كليا وقاعدة مطردة بل المفهوم منها كون الامر كذلك في بعض وبخلافه في آخر كما اشرنا إليه. ويخطر بالبال في الجمع بين الاخبار المتصادمة في هذا المجال ان يقال ان النهى الواقع في الاخبار كان باعتبار عدم قابلية المعقود عليه للدخول تحت مقتضى العقد فانه يبطل العقد رأسا كالاشياء التى ذكرناها، فان الظاهر ان النهى عنها إنما وقع من حيث عدم قابليتها للانتقال إلى ما اريد نقلها إليه. وان كان لا كذلك بل باعتبار أمر خارج من زمان أو مكان أو قيد خارج أو نحو ذلك مما لا مدخل له في أصل العوضين فالحكم فيه ما ذكروه من صحة العقد وان حصل الاثم باعتبار مخالفة النهى، ومنه البيع وقت النداء فان النهى عنه وقع من حيث الزمان فيقال بصحة البيع حينئذ لعدم تعلق النهى بذات شئ من العوضين باعتبار عدم قابليته للعوضية وإنما وقع باعتبار أمر خارج عن ذلك وان أثم باعتبار إيقاعه في ذلك الزمان المنهى عن الايقاع فيه. ويؤيد هذا التفصيل بعد أن هجر بالفكر الكليل والذهن العليل ما وقفت عليه في كلام شيخنا الشهيد الثاني (اعلى الله مرتبته ونور تربته) في كتاب المسالك في مسألة العقد على بنت الاخ أو الاخت وادخالها على العمة والخالة واختيارهما في فسخه حيث انه قال: قيل في المسألة المذكورة ببطلان العقد. وقيل بالصحة وان للعمة والخالة الخيار في فسخه وعدمه. وقد استدل القائل بالبطلان بالنهي عنه ورده في المسالك بان النهى لا يدل على الفساد في المعاملات. ثم قال بعد ذلك: (فان قيل) النهى في المعاملات وان لم يدل على الفساد بنفسه لكنه إذا دل على عدم صلاحية المعقود عليها للنكاح فهو دال على الفساد من هذه الجهة كالنهي عن
[ 178 ]
نكاح الاخت وكالنهى عن بيع الغرر، والنهى في محل النزاع من هذا القبيل (قلنا) لا نسلم دلالته هنا على عدم صلاحية المعقود عليها للنكاح فانها عند الخصم صالحة له ولهذا صلحت مع الاذن بخلاف الاخت وبيع الغرر فانها لا يصلحان أصلا، وصلاحية الاخت على بعض الوجوه كما لو فارق الاخت لا يقدح لانها حينئذ ليست اخت الزوجة بخلاف بنت الاخت ونحوها فانها صالحة للزوجية مع كونها بنت أخت الزوجة، والاخبار قد دلت على النهى عن تزويجها وقد عرفت انه لا يدل على الفساد، فصار النهى عن هذا التزويج من قبيل ما حرم لعارض كالبيع وقت النداء لا لذاته، والعارض هو عدم رضا الكبيرة فإذا لحقه الرضا زال النهى. انتهى وقد ظهر منه ما ذكرناه من التفصيل باعتبار رجوع النهى تارة إلى المعقود عليه من حيث عدم صلاحيته للدخول تحت مقتضى العقد فيكون العقد لذلك فاسدا وتارة من حيث أمر خارج فلا يلزم الفساد، ومنه ما نحن فيه من مسألة البيع بعد النداء ومسألة بنت الاخ والاخت كما اختاره (قدس سره) فان النهى إنما وقع باعتبار أمر خارج هو الزمان في الاول وعدم رضا العمة والخالة في الثاني، وحينئذ فيكون العقد صحيحا في الاول وان أثم وفى الثاني صحيحا مراعى بالرضا وعدمه. والله العالم.
(المسألة الثالثة) - قد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان الاذان الثاني يوم الجمعة بدعة. وقد وقع الخلاف هنا في موضعين: الاول - في انه هل يكون حراما لكونه بدعة أو مكروها ؟ فقال الشيخ في المبسوط انه مكروه وتبعه المحقق في المعتبر، وذهب ابن ادريس إلى الاول وهو المشهور بين المتأخرين. احتج القائلون بالتحريم بان الاتفاق واقع على ان النبي (صلى الله عليه وآله) لم يفعله ولا أمر بفعله وهو عبادة يتوقف فعلها على المشروعية وإذا لم يشرع كان بدعة كالاذان
[ 179 ]
للنافلة وروى ان أول من فعله عثمان (1) ونقل عن الشافعي أنه قال ما فعله النبي (صلى الله عليه وآله وأبو بكر وعمر أحب الي (2) وقيل ان أول من فعله معاوية (3). واحتجوا أيضا برواية حفص بن غياث عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (4) قال: (الاذان الثالث يوم الجمعة بدعة) وسمى ثالثا بالنسبة إلى الاذان والاقامة الموظفين. قال في المعتبر: الاذان الثاني بدعة وبعض أصحابنا يسميه الثالث لان النبي (صلى الله عليه وآله) شرع للصلاة أذانا واقامة فالزيادة ثالث على تربيت الاتفاق، وسميناه ثانيا لانه يقع عقيب الاذان الاول وما بعده يكون اقامة والتفاوت لفظي، فمن قال بانه بدعة احتج برواية حفض بن غياث: ثم ذكر الرواية ثم قال لكن حفض المذكور ضعيف وتكرار الاذان غير محرم لانه ذكر يتضمن التعظيم للرب لكن حيث لم يفعله النبي (صلى الله عليه وآله) ولم يأمر به كان أحق بوصف الكراهية وبه قال الشيخ في المبسوط. وقيل أول
(1) في البخاري باب الاذان يوم الجمعة عن السائب بن يزيد (كان النداء يوم الجمعة اوله إذا جلس الامام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه واله وابي بكر وعمر فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء) وفي عمدة القارئ ج 3 ص 290 عن سليمان بن موسى اول من زاد الاذان بالمدينة عثمان وعن ابن عمر الاذان الاول بدعة وعن الزهري اول من احدث الاذان الاول عثمان يؤذن لاهل السوق وعن معاذ بن عمر لما كانت خلافة عمر وكثر المسلمون امر مؤذنين ان يؤذنا للناس بالجمعة خارجا عن المسجد حتى يسمع الناس الاذان وأمر ان يؤذن بين يديه كما كان يفعل المؤذن بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين يدي ابي بكر ثم قال عمر اما الاذان الاول فنحن ابتدعناه لكثرة المسلمين فهو سنة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ماضية. وقيل اول من احدث الاذان الاول بمكة الحجاج وبالبصرة زياد، وانما سمى ثالثا باعتبار عدد الاقامة لانها اعلام مثله. (2) في الام للشافعي ج 1 ص 173 (الامر الذي على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) احب الي) (3) الام للشافعي ج 1 ص 173. (4) الوسائل الباب 49 من صلاة الجمعة.
[ 180 ]
من فعل ذلك عثمان وقال عطاه أول من فعله معاوية (1) قال الشافعي: ما فعله النبي (صلى الله عليه وآله) وأبو بكر وعمر أحب إلى (2) انتهى كلامه زيد مقامه. وأنت خبير بما فيه من الوهن الذى لا يخفى على الفطن النبيه فان مجرد كون الاذان ذكرا يتضمن التعظيم لا يوجب المشروعية فان الصلاة ايضا كذلك مع انه لو صلى انسان فريضة أو نافلة زائدة على الموظف شرعا بقصر انها مستحبة أو واجبة في هذا الزمان أو المكان أو على كيفية مخصوصة لم يرد بها الشرع فانه لا خلاف في البدعية والتشريع وانه فعل محرما، ولهذا خرجت الروايات بتحريم صلاة الضحى (3) مع انها عبادة تتضمن التعظيم لكن لما اقترنت بقصر التوظيف في هذا الوقت مع عدم ثبوته شرعا حصلت البدعية والتحريم فيها، وحينئذ فهذا الاذان الثاني كذلك، وعدم فعل النبي صلى الله عليه وآله ولا امره به مما يوجب التحريم كما قدمنا ذكره لا الكراهة، وبالجملة فان كلامه (قدس سره) هنا غير موجه كما عرفت. واما رده رواية حفص بضعف الراوى فقال في الذكرى بانه لا حاجة إلى الطعن في السند مع قبول الرواية للتأويل وتلقى الاصحاب لها بالقبول، بل الحق ان لفظ البدعة غير صريح في التحريم فان المراد بالبدعة ما لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وآله ثم تجدد بعده وهو ينقسم إلى محرم ومكروه. انتهى. وفيه ان الظاهر المتبادر من لفظ البدعة سيما بالنسبة إلى العبادات إنما هو المحرم، ولما رواه الشيخ عن زرارة ومحمد بن مسلم والفضيل عن الصادقين (عليهما السلام) (4) (ان كان بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار). وبالجملة فالاظهر كما عرفت هو التحريم، واما رواية حفص فانه يحتمل حمل الثالث فيها على الاذان الواقع للعصر كما ذكره بعض أفاضل متأخرى المتأخرين.
(1) و (2) الام للشافعي ج 1 ص 173. (3) الوسائل الباب 31 من اعداد الفرائض ونوافلها (4) الوسائل الباب 10 من ابواب نافلة شهر رمضان.
[ 181 ]
الثاني - في تفسير الاذان الثاني فقيل هو ما وقع ثانيا بالزمان بعد اذان آخر واقع في الوقت من مؤذن واحد أو قاصد كونه ثانيا سواء كان بين يدى الخطيب أو على المنارة أو غيرهما. وقيل ما وقع ثانيا بالزمان والقصد لان الواقع أولا هو المأمور به والمحكوم بصحته فيكون التحريم متوجها إلى الثاني. وقيل انه ما لم يكن بين يدى الخطيب لانه الثاني باعتبار الاحداث سواء وقع أولا أو ثانيا بالزمان: لما رواه الشيخ عن عبد الله بن ميمون عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا خرج إلى الجمعة قعد على المنبر حتى يفرغ المؤذنون). ورد بضعف سند الرواية ومعارضتها بحسنة محمد بن مسلم أو صحيحته قال: (سألته عن الجمعة فقال أذان واقامة يخرج الامام بعد الاذان فيصعد المنبر.. الحديث) وهو صريح في استحباب الاذان قبل صعود الامام المنبر فيكون المحدث غيره. وقال ابن ادريس الاذان الثاني ما يفعل بعد نزول الامام مضافا إلى الاذان الذى عند الزوال. وهو غريب فانه لم يقل أحد ولا ورد خبر بالاذان بعد نزول الامام اقول: قال شيخنا أمين الاسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان في تفسير قوله تعالى (إذا نودى..) (3) أي إذا اذن لصلاة الجمعة وذلك إذا جلس الامام على المنبر يوم الجمعة، وذلك لانه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله نداء سواه، قال السائب بن يزيد كان لرسول الله صلى الله عليه وآله مؤذن واحد بلال فكان إذا جلس على المنبر اذن على باب المسجد فإذا نزل أقام للصلاة ثم كان أبو بكر وعمر كذلك حتى إذا كان
(1) الوسائل الباب 28 من صلاة الجمعة. (2) الوسائل الباب 6 و 25 من صلاة الجمعة. (3) سورة الجمعة الاية 9.
[ 182 ]
عثمان وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد اذانا فامر بالتأذين الاول على سطح دار له بالسوق يقال لها الزوراء وكان يؤذن له عليها فإذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذنه فإذا نزل أقام للصلاة فلم يعب ذلك عليه (1) انتهى. وفيه دلالة على ان المراد بالثاني هو ما لم يكن بين يدى الخطيب بعد صعوده المنبر لانه هو المسنون الموظف فما عداه تقدم أو تأخر يكون بدعة كما هو القول الثالث من الاقوال المتقدمة. واما الايراد عليه بمضمرة محمد بن مسلم وان رواية القداح ضعيفة ففيه ان اشتهار الحكم بين الخاصة والعامة (2) بمضمون الرواية المذكورة جابر لضعفها بناء على القول بهذا الاصطلاح المحدث. وأما مضمرة محمد بن مسلم فتحمل على الرخصة. والله العالم.
(المسألة الرابعة) إذا لم يكن امام الجمعة ممن يصح الاقتداء به تخير المكلف متى ألجأته التقية والضرورة إلى الصلاة معه بين الصلاة قبل الفريضة ثم يصلى معه نافلة وبين أن يصلى معه ثم يتمها بركعتين بعد فراغه وفى الافضل منهما تردد. ومما يدل على الاول من الاخبار ما رواه الشيخ في التهذيب عن ابى بكر الحضرمي (3) قال: (قلت لابي جعفر (ع) كيف تصنع يوم الجمعة ؟ قال كيف تصنع أنت ؟ قلت اصلى في منزلي ثم اخرج فاصلي معهم. قال كذلك اصنع انا). وعن عبد الله به سنان في الصحيح عن ابى عبد الله (ع) قال: (مامن
(1) البخاري باب الاذان يوم الجمعة وباب التأذين عند الخطبة والام للشافعي ج 1 ص 173 وسنن ابي داود ج 1 ص 285 وسنن النسائي ج 1 ص 207 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 348 وسنن البيهقي ج 1 ص 192 وفيها هكذا (فثبت الامر على ذلك) وفي بعضها (فثبت حتى الساعة) وربما كان (فلم يعب ذلك عليه) نقلا بالمضمون. (2) ارجع إلى التعليقة 3 ص 110. (3) الوسائل الباب 29 من صلاة الجمعة (4) الوسائل الباب 6 من صلاة الجماعة عن الصدوق.
[ 183 ]
عبد يصلى في الوقت ويفرغ ثم يأتيهم ويصلى معهم وهو على وضوء إلا كتب الله له خمسا وعشرين درجة). ومما يدل على الثاني ما رواه في الكافي عن حمران بن اعين قال: (قلت لابي جعفر (ع) جعلت فداك انا نصلى مع هؤلاء يوم الجمعة وهم يصلون في الوقت فكيف نصنع ؟ فقال صلوا معهم. فخرج حمران إلى زرارة فقال له قد أمرنا أن نصلى معهم بصلاتهم فقال زرارة ما يكون هذا إلا بتأويل. فقال له حمران قم حتى تسمع منه قال فدخلنا عليه فقال له زرارة جعلت فداك ان حمران زعم انك امرتنا ان نصلى معهم فانكرت ذلك ؟ فقال لنا: كان على بن الحسين (عليهما السلام) يصلى معهم الركعتين فإذا فرغوا قام فاضاف اليهما ركعتين). وما رواه في التهذيب في الحسن أو الموثق عن زرارة عن حمران قال: (قال لى أبو عبد الله (ع) ان في كتاب على (ع) إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم، قال زرارة قلت له هذا ما لا يكون، اتقاك، عدوالله اقتدى به ؟ قال حمران كيف اتقانى وانا لم أسأله هو الذى ابتدأنى وقال في كتاب على (ع) إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم كيف يكون في هذا منه تقية ؟ قال قلت قد اتقاك وهذا مما لا يجوز حتى قضى انا اجتمعنا عند ابى عبد الله (ع) فقال له حمران أصلحك الله حدثت هذا الحديث الذى حدثنى به ان في كتاب على (ع) إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم فقال هذا ما لا يكون، عدو الله فاسق لا ينبغى لنا ان نقتدى به ولا نصلى معه. فقال أبو عبد الله (ع) في كتاب على (ع) إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم ولا تقومن من مقعدك حتى تصلى ركعتين اخريين. قلت فاكون قد صليت اربعا لنفسي لم اقتد به ؟ فقال نعم. فسكت وسكت صاحبي ورضينا. وفى الصحيح أو الحسن عن زرارة (3) قال: (قلت لابي جعفر (ع) ان
(1) و (3) الوسائل الباب 29 من صلاة الجمعة. (2) التهذيب ج ؟ ص 253 وفي الوسائل الباب 29 من صلاة الجمعة.
[ 184 ]
اناسا رووا عن أمير المؤمنين (ع) انه صلى أربع ركعات بعد الجمعة لم يفصل بينهن بتسليم ؟ فقال يا زرارة ان أمير المؤمنين (ع) صلى خلف فاسق فلما سلم وانصرف قام أمير المؤمنين (ع) فصلى أربع ركعات لم يفصل بينهن بتسليم فقال له رجل إلى جنبه يا أبا الحسن صليت أربع ركعات لم تفصل بينهن بتسليم فقال انهن أربع ركعات مشبهات فكست، فو الله ما عقل ما قال له وهذا الخبر يدل على وجه ثالث وهو الاتيان بالفرض بعد الصلاة معهم نافلة. هذا، وظاهر خبرى حمران المذكورين الاشارة إلى صحة القاعدة المشهورة في كلام الاصحاب من حمل المطلق على المقيد وتقييده به، حيث انه اخبره أولا بما يدل على جواز الصلاة معهم مطلقا وظاهره صحة الاقتداء بهم كما توهمه حمران ثم بعد المراجعة اخبرهم بالمخصص وهو انه لا يقوم من مقامه حتى يضيف إليها ركعتين اخريين، فدل على اختصاص جواز الصلاة معهم بهذا الوجه. ونحو هذين الخبرين في ذلك ما رواه في الكافي والتهذيب عن الحسن بن الجهم (1) قال: (سألت أبا الحسن (ع) عن رجل مات.. إلى ان قال: قلت ما تقول في الصبى لامه ان تحلل ؟ قال نعم ان كان لها ما ترضيه أو تعطيه. قلت فان لم يكن لها ؟ قال فلا. قلت فقد سمعتك تقول انه يجوز تحليلها ؟ فقال انما اعني بذلك إذا كان لها) ونحو ذلك في الاخبار كثير يقف عليه المتتبع. والله العالم.
(المسألة الخامسة) في آداب الجمعة وما يستحب في يومها، ومنها - الغسل في هذا اليوم وقد تقدم الكلام فيه في كتاب الطهارة في باب الاغسال منقحا موضحا. ومنها - التنفل في هذا اليوم وقد اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) هنا لاختلاف الاخبار في مواضع: الاول - في عدد النوافل فالمشهور انها عشرون ركعة، وقلا ابن الجنيد انها اثنتان وعشرون ركعة، وقال الصدوقان زيادة الاربع الركعات للتفريق فان قدمت
(1) الوسائل الباب 4 من الضمان.
[ 185 ]
النوافل واخرتها فهى ست عشرة ركعة. والواجب نقل الاخبار المتعلقة بذلك ليعلم بذلك مستند هذه الاقوال، فمنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن يعقوب بن يقطين عن العبد الصالح (ع) (1) قال: (سألته عن التطوع في يوم الجمعة قال إذا أردت أن تتطوع في يوم الجمعة في غير سفر صليت ست ركعات ارتفاع النهار وست ركعات قبل نصف النهار وركعتين إذا زالت الشمس قبل الجمعة وست ركعات بعد الجمعة). وعن أحمد بن محمد بن ابى نصر في الصحيح عن محمد بن عبد الله (2) قال: (سألت أبا الحسن (ع) عن التطوع يوم الجمعة فقال ست ركعات في صدر النهار وست ركعات قبل الزوال وركعتان إذا زالت وست ركعات بعد الجمعة، فذلك عشرون ركعة سوى الفريضة ورواه في الاستبصار (3) عن ابن ابى نصر قال: (سألت أبا الحسن... الحديث). واحتمال سقوط محمد بن عبد الله من هذا السند قائم كما ان احتمال زيادته في ذلك السند قائم ايضا إلا ان الامر في ذلك هين عندنا بل عند جملة من أهل هذا الاصطلاح حيث أن الطريق إلى ابن ابى نصر صحيح مع كونه ممن اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه وموافقة هذا الخبر لصحيح يعقوب المتقدم. وما رواه في الكافي عن احمد بن محمد بن ابى نصر (4) قال: (قال أبو الحسن
(1) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة (2) التهذيب ج 1 ص 323 وفي الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة (3) ج 1 ص 410 الطبع الحديث وفيه (إذا زالت الشمس) (4) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة. ورواه الشيخ في التهذيب ج 1 ص 248 عن الكليني هكذا: (الصلاة النافلة يوم الجمعة ست ركعات صدر النهار وركعتان إذا زالت الشمس ثم صل الفريضة ثم صل بعدها ست ركعات) وفي الاستبصار ج 1 ص 409 الطبع الحديث رواه هكذا: (الصلاة النافلة يوم الجمعة ست ركعات صدر النهار وست ركعات عند ارتفاعه وركعتان إذا زالت الشمس ثم تصلى الفريضة ثم صل بعدها ست ركعات).
[ 186 ]
(ع) صلاة النافلة يوم الجمعة ست ركعات بكرة وست ركعات صدر النهار وركعتان إذا زالت الشمس ثم صل الفريضة وصل بعدها ست ركعات) وفى الفقيه (1) نسب مضمون هذا الحديث إلى رسالة ابيه إليه، وزاد: وفى نوادر أحمد بن محمد بن عيسى (وركعتين بعد العصر). وعن مراد بن خارجة (2) قال: (قال أبو عبد الله (ع) اما أنا فإذا كان يوم الجمعة وكانت الشمس من المشرق بمقدارها من المغرب في وقت صلاة العصر صليت ست ركعات فإذا انتفخ النهار صليت ستا فإذا زاغت أو زالت صليت ركعتين ثم صليت الظهر ثم صليت بعدها ستا) اقول: النفخ كناية عن ارتفاع النهار يعنى وقت الضحى، يقال انتفخ النهار إذا علا. وروى ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب حريز (3) قال: (قال أبو بصير قال أبو جعفر (ع) ان قدرت يوم الجمعة أن تصلى عشرين ركعة فافعل ستا بعد طلوع الشمس وستا قبل الزوال إذا تعالت الشمس - وافصل بين كل ركعتين من نوافلك بالتسليم - وركعتين قبل الزوال وست ركعات بعد الجمعة). وروى الشيخ في كتاب المجالس بسنده عن زريق عن ابى عبد الله (ع) (4) قال (كان أبو عبد الله (ع) ربما يقدم عشرين ركعة يوم الجمعة في صدر النهار فإذا كان عند زوال الشمس اذن وجلس جلسة ثم أقام وصلى الظهر وكان لا يرى صلاة عند الزوال إلا الفريضة ولا يقدم صلاة بين يدى الفريضة إذا زالت الشمس وكان يقول هي أول صلاة فرضها الله تعالى على العباد صلاة الظهر يوم الجمعة مع الزوال.
(1) ج 1 ص 267 و 268. (2) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة. وفي التهذيب ج 1 ص 248 رواه عنه هكذا (ارتفع) بدل (انتفخ). وفي الاستبصار ج 1 ص 410 الطبع الحديث والفروع ج 1 ص 119 (فإذا زاغت الشمش أو زالت) (3) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة. (4) الوسائل الباب 13 من صلاة الجمعة.
[ 187 ]
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لكل صلاة اول وآخر لعلة يشغل سوى صلاة الجمعة وصلاة المغرب وصلاة الفجر وصلاة العيدين فانه لا يقدم بين يدى ذلك نافلة. قال وربما كان يصلى يوم الجمعة ست ركعات إذا ارتفع النهار وبعد ذلك ست ركعات اخر وكان إذا ركدت الشمس في السماء قبل الزوال أذن وصلى ركعتين فما يفرغ إلا مع الزوال ثم يقيم للصلاة فيصلى الظهر ويصلى بعد الظهر أربع ركعات ثم يؤذن ويصلى) ركعتين ثم يقيم ويصلى العصر. أقول: ما اشتمل عليه هذا الخبر من تقدم الاذان على الزوال وصلاة ركعتين غريب مخالف للاخبار وكلام الاصحاب وكذا الاذان للعصر في يوم الجمعة. وروى الصدوق في كتاب العلل عن الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) (1) قال: (انما زيد في صلاة السنة يوم الجمعة أربع ركعات تعظيما لذلك اليوم وتفرقة بينه وبين سائر الايام). اقول: هذا ما وقعت عليه من الاخبار الدالة على العشرين كما هو القول المشهور. واما ما يدل على انها ست عشرة فمنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن سليمان ابن خالد (2) قال: (قلت لابي عبد الله (ع) النافلة يوم الجمعة ؟ قال ست ركعات قبل زوال الشمس وركعتان عند زوالها، والقراءة في الاولى بالجمعة وفى الثانية بالمنافقين وبعد الفريضة ثمان ركعات). وعن سعيد الاعرج في الصحيح (3) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن صلاة النافلة يوم الجمعة فقال ست عشرة ركعة قبل العصر ثم قال وكان على (ع) يقول ما زاد فهو خير. وقال ان شاء رجل أن يجعل منها ست ركعات في صدر النهار وست ركعات نصف النهار ويصلى الظهر ويصلى معها اربعة ثم يصلى العصر). وأما ما يدل على انها اثنتان وعشرون ركعة فهو ما رواه الشيخ في الصحيح
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة.
[ 188 ]
عن سعد بن سعد الاشعري عن ابى الحسن الرضا (ع) (1) قال: (سألته عن الصلاة يوم الجمعة كم ركعة هي قبل الزوال ؟ قال ست ركعات بكرة وست بعد ذلك اثنتا عشرة ركعة، وست ركعات بعد ذلك، ثمانى عشرة ركعة، وركعتان بعد الزوال، فهذه عشرون ركعة، وركعتان بعد العصر، فهذه اثنتان وعشرون ركعة). قال في المعتبر: وهذه الرواية انفردت بزيادة ركعتين وهى نادرة. وقد تقدم كلام الفقيه نقلا عن نوادر احمد بن محمد بن عيسى بزيادة ركعتين بعد العصر زيادة على العشرين المذكورة في حديثه وهو مؤيد لهذه الرواية. واما ما يدل على ما ذكره الصدوقان من التفصيل المتقدم نقله عنهما من أنه مع التفريق يصلى عشرون ومع الجمع في وقت واحد يصلى ست عشرة ركعة فهو مأخوذ مما ذكره الرضا (ع) في كتاب الفقه (2) حيث قال: لا تصل يوم الجمعة بعد الزوال غير الفرضين والنوافل قبلهما أو بعدهما... وفى نوافل يوم الجمعة زيادة أربع ركعات يتمها عشرين ركعة يجوز تقديمهما في صدر النهار وتأخيرها إلى بعد صلاة العصر... فان استطعت أن تصلى يوم الجمعة إذا طلعت الشمس ست ركعات وإذا انبسطت ست ركعات وقبل المكتوبة ركعتين وبعد المكتوبة ست ركعات فافعل، فان صليت نوافلك كلها يوم الجمعة قبل الزوال أو اخرتها إلى بعد المكتوبة اجزأك وهى ست عشرة ركعة، وتأخيرها أفضل من تقديمها، وإذا زالت الشمس يوم الجمعة فلا تصل إلا المكتوبة. بقى الكلام في الجمع بين هذه الاخبار المنقولة في المقام على وجه ويحصل به الالتئام والانتظام، والظاهر انه ليس إلا التخيير وحمل الزائد على الاقل على الفضل والاستحباب كما يشير إليه قوله (ع) في صحيحة سعيد الاعرج بعد ذكر الست عشرة ركعة (كان على (ع) يقول ما زاد فهو خير). الثاني - في وقت النوافل المذكورة فذهب الشيخ في النهاية والمبسوط والخلاف
(1) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة (2) ص 11 و 12.
[ 189 ]
والمصباح والشيخ المفيد في المقنعة وتبعهما جملة من المتأخرين إلى استحباب تقديم نوافل الجمعة كلها على الفريضة بان يصلى ستا عند انبساط الشمس وستا عند ارتفاعها وستا قبل الزوال وركعتين بعد الزوال، وقال المفيد حين تزول تستظهر بهما في تحقق الزوال، والظاهر من كلام السيد وابن ابى عقيل وابن الجنيد استحباب ست منها بين الظهرين، ونقل عن الصدوق استحباب تأخير الجميع وليس في كلامه ما يشير إليه كما ستطلع عليه ان شاء الله تعالى. ولا بأس بنقل جملة من عبارات الاصحاب في الباب ليزول به الشك عن ما نقلناه والارتياب فنقول: قال السيد المرتضى (قدس سره): يصلى عند انبساط الشمس ست ركعات فإذا انتفخ النهار وارتفعت الشمس صلى ستا فإذا زالت الشمس صلى ركعتين فإذا صلى الظهر صلى بعدها ستا. وقال الشيخ في النهاية: وتقدم نوافل الجمعة كلها قبل الزوال، هذا هو الافضل في يوم الجمعة خاصة، وان صلى ست ركعات عند انبساط الشمس وست ركعات عند ارتفاعها وركعتين عند الزوال وست ركعات بين الظهر والعصر لم يكن ايضا به بأس، وان اخر جميع النوافل إلى بعد العصر جاز له ذلك إلا ان الافضل ما قدمناه ومتى زالت الشمس ولم يكن قد صلى من نوافله شيئا اخرها إلى بعد العصر. وقال في الخلاف: يستحب يوم الجمعة تقديم نوافل الظهر قبل الزوال. وقال في المبسوط: تقديم النوافل يوم الجمعة خاصة قبل الزوال أفضل وفى غيرها من الايام لا يجوز، ويستحب أن يصلى ست ركعات عند انبساط الشمس وست ركعات عند ارتفاعها وست ركعات إذا قرب من الزوال وركعتين عند الزوال وان فصل بين الفرضين بست ركعات على ما ورد به بعض الروايات (1) كان ايضا جائزا، وان اخر جميع النوافل إلى بعد العصر جاز ايضا غير ان الافضل ما قلناه.
(1) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة.
[ 190 ]
وقال الشيخ المفيد: وصل ست ركعات عند انبساط الشمس وستا عند ارتفاعها وستا قبل الزوال وركعتين حين تزول تستظهر بهما في تحقق الزوال. ثم قال في موضع آخر: وقت النوافل للجمعة في يوم الجمعه قبل الصلاه لا بأس بتأخيرها إلى بعد العصر. وقال ابن ابى عقيل: وإذا تعالت الشمس صلى ما بينها وبين الزوال اربع عشرة ركعة فإذا زالت الشمس فلا صلاة إلا الفريضة ثم يتنفل بعدها بست ركعات ثم يصلى العصر، كذالك فعله رسول الله (صلى الله عليه) وآله (1) فان خاف الامام إذا تنفل أن يتأخر العصر عن وقت الظهر في سائر الأيام صلى العصر بعد الفراغ من الجمعة ثم يتنفل بعدها بست ركعات، هكذا روى عن امير المؤمنين (ع) (2) انه ربما كان يجمع بين صلاة الجمعة العصر ويصلى يوم الجمعة بعد طلوع الشمس وبعد العصر. وقال أبو الصلاح: يستحب لكل مسلم تقديم دخول المسجد لصلاة النوافل بعد الغسل ويلزم من حضره قبل الزوال ان يقدم النوافل عدا ركعتي الزوال فإذا زالت الشمس صلاهما. وقال ابن الجنيد: الذى يستحب عند اهل البيت (عليه السلام) من نوافل الجمعة ست ركعات ضحوة النهار وست ركعات مابين ذلك وبين انتصاف النهار وركعتا الزوال وبعد الفريضة ثمان ركعات منها ركعتان نافلة العصر. وقال ابن البراج: يصلى ست ركعات عند انبساط الشمس وستا عند ارتفاعها وستا قبل الزوال وركعتين حين تزول الشمس استظهارا للزوال. وقال الشيخ على بن بابويه: فان استطعت أن تصلى يوم الجمعة إذا طلعت الشمس ست ركعات وإذا انبسطت ست ركعات وقبل المكتوبة ركعتين وبعد المكتوبة ست ركعات فافعل، فان قدمت نوافلك كلها في يوم الجمعة قبل الزوال أو اخرتها إلى بعد المكتوبة فهى ست عشرة ركعة وتأخيرها أفضل من تقديمها. اقول: وهذه
(1) و (2) لم نقف في الاخبار بعد الفحص في مظانها على ما يدل على هذه النسبة.
[ 191 ]
عين عبارة الفقه الرضوي التى قدمناها. وقال ابنه في المقنع: ان استطعت أن تصلى يوم الجمعة إذا طلعت الشمس ست ركعات وإذا انبسطت ست ركعات وقبل المكتوبة ركعتين وبعد المكتوبة ست ركعات فافعل، وان قدمت نوافلك كلها يوم الجمعة قبل الزوال أو اخرتها إلى بعد المكتوبة فهى ست عشرة ركعة، وتأخيرها أفضل من تقديمها في رواية زرارة بن اعين، وفى رواية ابى بصير (1) تقديمها أفضل من تأخيرها. وهو كما ترى يرجع إلى ما قدمناه من عبارة كتاب الفقه الرضوي ايضا إلا انه (ع) حكم في الكتاب بكون التأخير أفضل من التقديم وفى عبارة المقنع نسب أفضلية التأخير إلى رواية زرارة وأفضلية التقديم إلى رواية ابى بصير. وهاتان الروايتان وان لم تصلا الينا ولكن كفى بنقله لهما لانه هو الصدوق في ما يقول. ومما يدل على أفضلية التأخير ما رواه الشيخ عن عقبة بن مصعب (2) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) فقلت ايما أفضل اقدم ركعات يوم الجمعة أو اصليها بعد الفريضة ؟ فقال لا بل تصليها بعد الفريضة). وعن سليمان بن خالد (3) قال: (قلت لا بى عبد الله (عليه السلام) اقدم يوم الجمعة شيئا من الركعات ؟ قال نعم ست ركعات. قلت فايهما افضل اقدم الركعات يوم الجمعة أم اصليها بعد الفريضة ؟ قال تصليها بعد الفريضة أفضل). ومما يدل على أفضلية التقديم زيادة على رواية ابى بصير التى أشار إليها في المقنع رواية زريق المتقدم نقلها عن كتاب مجالس الشيخ (4). وما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن يقطين (5) قال: (سألت أبا الحسن
(1) نقل في الوسائل هذه العبارة من المقنع في الباب 13 من صلاة الجمعة. (2) و (3) الوسائل الباب 13 من صلاة الجمعة. (4) ص 186. (5) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة.
[ 192 ]
(عليه السلام) عن النافلة التى تصلى يوم الجمعة قبل الجمعة أفضل أو بعدها ؟ قال قبل الصلاة). والشيخ قد جمع بين هذه الاخبار بناء على ما ذهب إليه من أفضلية التقديم بحمل الخبرين الاولين على ما إذا أدركه الوقت ولم يصلها بعد، وعلل الافضلية في خبر على بن يقطين بانه لا يأمن أن يخترم فيفوته ثواب النافلة. وهو جيد، ويعضده استحباب الجمع بين الفرضين يوم الجمعة وعدم الفصل بالنافلة وكذا الاخبار الدالة على ان وقت العصر يوم الجمعة وقت الظهر في سائر الايام (1). الثالث - في وقت ركعتي الزوال هل هو حال الزوال كما تدل عليه التسمية أم لا بل يكون قبله أو بعده ؟ قولان ظاهر ما قدمناه من كلام السيد المرتضى وكلام الشيخ في النهاية والمبسوط وكلام ابن الجنيد وابى الصلاح هو الاول، وظاهر كلام ابن ابى عقيل الثاني، وظاهر كلام الشيخ المفيد وابن البراج الاول ايضا مع احتمال الحمل على الثاني بان تكون صلاة الركعتين في موضع الشك في الزوال وعدم تحققه. ومما يدل على الاول من الروايات المتقدمة في المقام صحيحة يعقوب بن يقطين ورواية محمد بن عبد الله ورواية احمد بن محمد بن ابى نصر ومراد بن خارجة وصحيحة سليمان بن خالد وصحيحة سعد بن سعد الاشعري. واما ما يدل على الثاني منها فرواية ابى بصير المنقولة من كتاب السرائر ورواية زريق المنقولة عن كتاب مجالس الشيخ وكلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي ومنها - صحيحة على بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال:
(1) الوسائل الباب 8 و 9 من صلاة الجمعة (2) تقدمت هذه الرواية ص 135 ولم يصفها بالصحة كما لم يصفها بذلك السبزواري في الذخيرة عندما تعرض لها في وقت صلاة الجمعة في اول مبحث صلاة الجمعة وكذلك صاحب المدارك، وقد تقدم في التعليقة 5 ص 135 تخريجها من قرب الاسناد حيث لم نجدها في الوافي
[ 193 ]
(سألته عن الزوال يوم الجمعة ما حده ؟ قال إذا قامت الشمس صل الركعتين فإذا زالت الشمس فصل الفريضة). وما رواه الشيخ عن عبد الله به عجلان (1) قال: (قال أبو جعفر (ع) إذا كنت شاكا في الزوال فصل الركعتين وإذا استيقنت الزوال فصل الفريضة).. ما رواه الكليني عن ابن ابى عمير (2) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن الصلاة يوم الجمعة فقال نزل بها جبرئيل (ع) مضيقة إذا زالت الشمس فصلها. قال قلت إذا زالت الشمس صليت ركعتين ثم صليتها قال فقال أبو عبد الله (ع) اما أنا إذا زالت الشمس لم ابدأ بشئ قبل المكتوبة) قال القاسم: وكان ابن بكير يصلى الركعتين وهو شاك في الزوال فإذا استيقن الزوال بدأ بالمكتوبة في يوم الجمعة. وعن ابن سنان (3) قال: (قال أبو عبد الله (ع) إذا زالت الشمس يوم الجمعة فابدأ بالمكتوبة). ومنها - ما رواه الشيخ في المتهجد عن محمد بن مسلم وما رواه فيه عن حريز (4) وما رواه في التهذيب عن على بن جعفر (5) غير الرواية المتقدمة، وما رواه عن ابن ابى عمير في الصحيح (6) غير روايته المتقدمة، والكل قد تقدم في المقصد السادس في الوقت من مقاصد المطلب الثاني.
= في مظانها وقد نقلها في الوسائل في الباب 11 من صلاة الجمعة من السرائر وقرب الاسناد ولم نقف على نقلها من التهذيب كما هو ظاهره (قدس سره) في ما ياتي وكما هو ظاهر صاحب الذخيرة حيث عدها في سياق روايات الشيخ. (1) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة وفي التهذيب ج 1 ص 248 والاستبصار ج 1 ص 412 عبد الرحمن بدل عبد الله. (2) الفروع ج 1 ص 117 وفي الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة. (3) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة (4) ص 137. (5) تقدمت ص 139 وظاهر كلامه ان الرواية المتقدمة من روايات التهذيب ويدل عليه نقلها في ما ياتي من قرب الاسناد وقد تقدم في التعليقة 2 ص 192 بيان خلاف ذلك. (6) تقدم ص 139.
[ 194 ]
ومنها - ما رواه في كتاب قرب الاسناد (1) عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن اخيه موسى (ع) قال: (سألته عن الزوال يوم الجمعة ما حده ؟ قال إذا قامت الشمس صل الركعتين فإذا زالت فصل الفريضة وإذا زالت الشمس قبل ان تصلى الركعتين فلا تصلهما وابدأ بالفريضة واقض الركعتين بعد الفريضة. قال: وسألته عن ركعتي الزوال يوم الجمعة قبل الاذان أو بعده ؟ قال قبل الاذان). وما رواه في مستطرفات السرائر نقلا من جامع البزنطى عن عبد الكريم بن عمرو بن سليمان بن خالد عن عبد الله (ع) (2) قال: (قلت له ايما أفضل اقدم الركعتين يوم الجمعة أو اصليهما بعد الفريضة ؟ قال تصليهما بعد الفريضة) وذكر ايضا عن رجل ابى عبد الله (ع) (3) قال: (سألته عن الركعتين اللتين قبل الزوال يوم الجمعة قال اما انا فإذا زالت الشمس بدأت بالفريضة). ويؤيد هذه الاخبار وجوه (احدها) صراحتها في المدعى كما لا يخفى على من أمعن النظر في مضامينها بخلاف تلك الاخبار فانه من المحتمل قريبا حمل قولهم (وركعتين إذا زالت) أي قارب زوالها وهو وقت قيامها أو الشك في الزوال فان باب المجاز واسع. و (ثانيها) الاخبار المتكاثرة بان وقت الجمعة ساعة تزول وانه مضيق و (ثالثها) الاخبار الدالة على المنع من النافلة بعد دخول وقت الفريضة وهى مستفيضة صحيحة صريحة كما قدمناها في بحث الاوقات (لا يقال) انه يجوز تخصيصها بهذه الاخبار الدالة على جواز هاتين الركعتين بعد الزوال (لا نا نقول) التخصيص بها انما يتم لو سلمت من المعارض ولا سيما مع ترجحه عليها بما ذكرنا. و (رابعا) انه الاوفق بالاحتياط في الدين. وبالجملة فالاقرب عندي هو القول الثاني اما عرفت. والله العالم. ومنها - المباكرة إلى المسجد للامام وغيره لما رواه الكليني والشيخ في الصحيح
(1) ص 98 وفي الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة. (2) و (3) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة.
[ 195 ]
عن عبد الله بن سنان (1) قال: (أبو عبد الله (ع) فضل الله يوم الجمعة على غيره من الايام وان الجنان لتزخرف وتزين يوم الجمعة لمن اتاها وانكم تتسابقون إلى الجنة على قدر سبقكم إلى الجمعة وان ابواب اسماء لتفتح لصعود اعمال العباد). وعن جابر (2) قال: (كان أبو جعفر (ع) يبكر إلى المسجد يوم الجمعة حين تكون الشمس قدر رمح فإذا كان شهر رمضان يكون قبل ذلك، وكان يقول ان لجمع شهر رمضان على جمع سائر الشهور فضلا كفضل شهر رمضان على سائر الشهور) وعن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابى جعفر (ع) (3) قال: (إذا كان يوم الجمعة نزل الملائكة المقربون معهم قراطيس من فضة وأقلام من ذهب فيجلسون على ابواب المساجد على كراسي من نور فيكتبون الناس على منازلهم الاول والثانى حتى يخرج الامام فإذا خرج الامام طووا صحفهم، ولا يهبطون في شئ من الايام إلا في يوم الجمعة يعنى الملائكة المقربين) ونحوه روى في الفقيه عن ابى جعفر (ع) مرسلا (4). وما رواه الصدوق في كتاب الامالى بسنده عن امير المؤمنين (ع) (5) انه قال: (إذا كان يوم الجمعة خرج احلاف الشياطين يزينون أسواقهم ومعهم الروايات وتقعد الملائكة على ابواب المساجد فيكتبون الناس على منازلهم حتى يخرج الامام، فمن دنا إلى الامام وانصت واستمع ولم يلغ كان له كفلان من الاجر: ومن تباعد عنه فاستمع وانصت ولم يلغ كان له كفل من الاجر، ومن دنا من الامام ولغى ولم يستمع كان عليه كفلان من الوزر، ومن قال لصاحبه (صه) فقد تكلم ومن
(1) الوسائل الباب 42 من صلاة الجمعة. والشيخ يرويه عن الكليني. (2) الوسائل الباب 27 من صلاة الجمعة (3) الوسائل الباب 27 من صلاة الجمعة. ونقل فيه ان الشيخ رواه عن الكليني (4) الوسائل الباب 27 من صلاة الجمعة إلى قوله (طووا صحفهم). (5) الوافي باب التبكير إلى الجمعة فانه بعد نقل اخبار من الباب قال: (بيان الاخبار في فضل الجمعة اكثر من ان تحصى) ثم ذكر عدة اخبار من الامالي منها هذا الخبر.
[ 196 ]
تكلم فلا جمعة له. ثم قال على (ع) هكذا سمعت نبيكم (صلى الله عليه وآله). وعن جابر عن ابى جعفر (ع) (1) قال: (قلت له قول الله تعالى: (فاسعوا الى ذكر الله ؟ قال قال: اعلموا وعجلوا فانه يوم مضيق على المسلمين فيه وثواب اعمال المسلمين فيه على قدر ما ضيق عليهم والحسنة والسيئة تضاعف فيه. قال وقال أبو جعفر (ع) والله لقد بلغني ان اصحاب النبي صلى الله عليه وآله كانوا يتجهزون للجمعة يوم الخمسين لانه يوم مضيق على المسلمين) إلى غير ذلك من الاخبار. ومنها - التطيب ولبس افخر الثياب وتسريح اللحية وقلم الاظفار واخذ الشارب والخروج على سكينة ووقار والدعاء حال الخروج إلى الجمعة وكثرة الصلاة على محمد وآله (صلوات الله عليهم) في ذلك اليوم: روى ثقة الاسلام في الكافي عن هشام بن الحكم (2) قال: (قال أبو عبد الله (ع) ليتزين أحدكم يوم الجمعة: يغتسل ويتطيب ويسرح لحيته ويلبس انظف ثيابه وليتهيأ للجمعة وليكن عليه في ذلك اليوم السكينة والوقار وليحسن عبادة ربه وليفعل الخير ما استطاع فان الله يطلع على الارض ليضاعف الحسنات). وعن زرارة في الصحيح أو الحسن (3) قال: (قال أبو جعفر (ع) لا تدع الغسل يوم الجمعة فانه سنة وشم الطيب والبس صالح ثيابك وليكن فراغك من الغسل قبل الزوال فإذا زالت فقم وعليك السكينة والوقار). وقال الرضا (ع) في كتاب الفقه الرضوي (4): وعليكم بالسنن يوم الجمعة وهى سبعة: اتيان النساء وغسل الرأس واللحية بالخطمى وأخذ الشارب وتقليم الاظفار وتغيير الثياب ومس الطيب، فمن اتى بواحدة من هذه السنن نابت عنهن وهى الغسل وأفضل أوقاته قبل الزوال. وقد قدمنا جملة من الاخبار المتعلقة بالغسل يوم الجمعة في فصل الاغسال من
(1) الوسائل الباب 31 من صلاة الجمعة. والرواية عن الكليني والشيخ (2) و (3) الوسائل الباب 47 من صلاة الجمعة. (4) ص 11.
[ 197 ]
كتاب الطهارة (1) وجملة من الاخبار في استحباب التطيب واخذ الشارب وتقليم الاظفار والنورة في آخر كتاب الطهارة (2). وروى الشيخ في التهذيب (3) عن ابى حمزة الثمالى عن ابى جعفر (ع) قال: (ادع في العيدين ويوم الجمعة إذا تهيأت للخروج بهذا الدعاء: اللهم من تهيأ وتعبأ واعد واستعد لو فادة إلى مخلوق رجاء رفده طلب نائله وجوائزه وفواضله ونوافله فاليك يا سيدى وفادتى وتهيئتي واعدادي واستعدادى رجاء رفدك وجوائزك ونوافلك فلا تخيب اليوم رجائي يامن لا يخيب عليه سائل ولا ينقصه نا ئل، فانى لم آتك اليوم بعمل صالح قدمته ولا شفاعة مخلوق رجوته ولكن اتيتك مقرا بالظلم والاسائة لا حجة لى ولا عذر فاسألك يا رب أن تعطيني مسألتي وتقلبنى برغبتي ولا تردني مجبوها ولا خائبا يا عظيم يا عظيم يا عظيم ارجوك للعظيم اسألك يا عظيم ان تغفر لى العظيم لاإله إلا أنت اللهم صل على محمد وآل محمد وارزقني خير هذا اليوم الذى شرفته وعظمته وتغسلى فيه من جميع ذنوبي وخطاياى وزدنى من فضلك انك انت الوهاب. وروى في الكافي عن عمر بن يزيد (4) قال: (قال لى أبو عبد الله (ع) يا عمر انه إذا كان ليلة الجمعة نزل من السماء ملائكة بعدد الذر في ايديهم اقلام الذهب وقراطيس الفضة لا يكتبون إلى ليلة السبت إلا الصلاة على محمد وآل محمد فاكثر منها. وقال يا عمران من السنة ان تصلى على محمد وأهل بيته في كل جمعة الف مرة وفى سائر الايام مائة مرة). وروى الصدوق في الفقيه في الصحيح عن عبد الله بن سنان عنه (ع) (5) قال: (إذا كانت عشية الخميس ليلة الجمعة نزلت ملائكة من السماء معها اقلام الذهب وصحف
(1) ج 4 ص 217 (2) ج 5 ص 540 إلى 576 (3) ج 3 ص 142 الطبع الحديث وفي الوافي باب التبكير إلى الجمعة (4) و (5) الوسائل الباب 43 من صلاة الجمعة.
[ 198 ]
الفضة لا يكتبون عشية الخميس وليلة ويوم الجمعة ويوم الجمعة إلى ان تغيب الشمس إلا الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله. وروى في الكافي عن عبد الله بن ميمون القداح عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله اكثروا من الصلاة على في الليلة الغراء واليوم الازهر ليلة الجمعة ويوم الجمعة. فسئل إلى كم الكثير ؟ فقال إلى مائة وما زادت فهو افضل). وعن المفضل عن ابى جعفر (ع) (2) قال: (ما من شئ يعبد الله به يوم الجمعة احب إلى من الصلاة على محمد وآل محمد). وعن سهل رفعه (3) قال قال: (إذا صليت يوم الجمعة فقل: اللهم صل على محمد وآل محمد الاوصياء المرضيين بافضل صلواتك وبارك عليهم بافضل بركاتك والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته. فانه من قالها في دبر العصر كتب الله له مائة الف حسنة ومحا عنه مائة الف سيئة وقضى له بها مائة الف حاجة ورفع له بها مائة الف درجة). وجملة من الاصحاب قد ذكروا في مستحبات يوم الجمعة حلق الرأس. وانكر جمع ممن تأخر عنهم الوقوف فيه على اثر، وعلله المحقق في المعتبر بانه يوم اجتماع الناس فيجتنب ما ينفر. اقول: ويمكن الاستدلال على ذلك بما رواه في الفقيه مرسلا عن الصادق (ع) قال: (انى لاحلق في كل جمعة في مابين الطلية إلى الطلية والتقريب فيه ان المتبادر من الحلق هو حلق الرأس، والحمل على حلق العانة بعيد لان المستفاد من الاخبار انهم كانوا يطلونها بالنورة سيما مع ملازمتهم على النورة بعد ثلاثة ايام ونحوها كما تقدم في الاستطابة من آخر كتاب الطهارة (5) فتكون العانة داخلة في الطلية المذكورة في الخبر. والله العالم.
(1) و (2) الوسائل الباب 43 من صلاة الجمعة (3) الفروع ج 1 ص 119 وفي الوسائل الباب 48 من صلاة الجمعة. (4) الوسائل الباب 60 من آداب الحمام (5) ج 5 ص 540
<>