
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء العاشر
الفصل الثاني
في صلاة العيدين
وهما اليومان المعلومان واحدهما عيد وياؤه منقلبة عن (واو) لانه مأخوذ من العود إما لكثرة عوائد الله تعالى فيه عباده واما لعود السرور والرحمة بعوده، والجمع اعياد على غير القياس لان حق الجمع رد الشئ إلى أصله، قيل وانما فعلوا ذلك للزوم الياء في مفرده أو للفرق بين جمعه وجمع عور الخشب. وتفصيل الكلام في هذا المقام يقع في بحوث: الاول - في وجوبها وما يتبعه وفيه مسائل: الاولى - اجمع الاصحاب (رضوان الله عليهم) على وجوبها كما نقله جماعة: منهم - المحقق والعلامة في جملة من كتبه، والاصل في ذلك مضافا إلى الاجماع المذكور الكتاب والسنة، قال الله عزوجل: (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) (2) فقد ذكر جمع من المفسرين في معنى هذه الاية ان المراد بالزكاة زكاة الفطرة والصلاة صلاة العيد. ويدل عليه من الاخبار ما رواه في الفقيه مرسلا (3) قال: (وسئل الصادق (ع) عن قول الله عزوجل: قد افلح من تزكى ؟ قال من اخرج الفطرة. فقيل له وذكر اسم ربه فصلى ؟ قال خرج إلى الجبانة فصلى). وروى حماد بن عيسى عن حريز عن ابى بصير وزرارة (4) قالا: (قال أبو عبد الله (ع) ان من تمام الصوم اعطاء الزكاة يعنى الفطرة كما ان الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) من تمام الصلاة لانه من صام ولم يؤد الزكاة فلا صوم له تركها متعمدا ولا
(2) سورة الاعلى الاية 14 و 15. (3) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد (4) الوسائل الباب 1 من زكاة الفطرة.
[ 200 ]
صلاة له إذا ترك الصلاة على النبي وآله (صلوات الله عليهم) ان الله عزوجل قد بدأ بها قبل الصلاة فقال: (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى). وفى تفسير على بن ابراهيم (1) قوله: (قد أفلح من تزكى) ؟ قال زكاة الفطرة إذا اخرجها قبل صلاة العيد، وذكر اسم ربه فصلى ؟ قال صلاة الفطر والاضحى. واستدل جملة من الاصحاب: منهم - السيد السند في المدارك على ذلك بقوله عز وجل (فصل لربك وانحر) (2) قال قيل هي صلاة العيد ونحر البدن للاضحية. وقال في المعتبر قال اكثر المفسرين المراد صلاة العيد وظاهر الامر الوجوب. وبنحو ما ذكره في المدارك صرح في الذكرى ايضا. اقول: لم اقف في الاخبار على تفسير الاية بهذا المعنى وانما الذى ورد فيها التفسير بمطلق الصلاة والمراد بالنحر رفع اليدين حال التكبير حذاء الوجه، وقد تقدمت الاخبار بذلك في المسألة الثالثة من الفصل الثاني في تكبيرة الاحرام من كتاب الصلاة (3). واما السنة فمنها انه قد روى الصدوق والشيخ (عطر الله مرقديهما) في الصحيح عن جميل (4) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن التكبير في العيدين قال سبع وخمس. وقال صلاة العيدين فريضة. قال سألته ما يقرأ فيهما ؟ قال والشمس وضحاها وهل اتاك حديث الغاشية واشباههما). وعن جميل في الصحيح عن الصادق (ع) (5) انه قال: (صلاة العيدين فريضة وصلاة الكسوف فريضة).
(1) ص 721 (2) سورة الكوثر الاية 2 (3) ج 8 ص 43. (4) الوسائل الباب 11 من صلاة العيد، واللفظ من اوله إلى اخره للشيخ ولم يرو الصدوق منه الا قوله (صلاة العيدين فريضة) كما سيأتي في الرواية الاخرى فانها للصدوق. (5) الوسائل الباب 1 من صلاة العيد و 1 من صلاة الكسوف.
[ 201 ]
وروى الشيخ في التهذيب عن ابى اسامة عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (صلاة العيدين فريضة وصلاة الكسوف فريضة). قال في الفقيه بعد نقل صحيحة جميل الثانية: يعنى انهما من صغار الفرائض وصغار الفرائض سنن لرواية حريز عن زرارة عن ابى جعفر (ع) (2) قال: (صلاة العيدين مع الامام سنة). ومراده بهذا الجمع بين الخبرين بانه لا منافاة بين كونها سنة وبين كونها فريضة. وفيه ما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى. والشيخ في التهذيبين قد فسر السنة بما علم وجوبه بالسنة لئلا ينافى كونها فريضة يعنى واجبة. وفى كل من الجمعين نظر، أما ما ذكره الصدوق فانا لا نعرف له مستندا لان الفرض ان اريد به ما وجب بالكتاب ويقابله اطلاق السنة بمنى ما وجب بالسنة فانه لا فرق بين كبار الفرائض ولا صغارها في المعنى المذكور، واطلاق السنة على صغار الفرائض دون كبارها مع كون السنة بمعنى ما ثبت وجوبه بالنسبة لا معنى له ههنا لان هذه الفريضة مما ثبت وجوبها بالكتاب كما عرفت من الاخبار المتقدمة بتفسير قوله تعالى: (قد افلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) (3) فلا معنى لوجوبها بالسنة. واظهر منه بطلانا حمل السند على المتبادر منها وهو المستحب. واما كلام الشيخ فيدفعه دلالة الاية بمعونة الاخبار الواردة بتفسيرها بصلاة العيدين، وحينئذ فتكون الفريضة في خبر جميل بمعنى ما ثبت وجوبه بالكتاب لا بمعنى الواجب المقابل بالسند بمعنى المستحب. والظاهر في الجمع بين الخبرين المذكورين كما ذكره المحدث الكاشانى في الوافى - انما هو حمل الفريضة في الخبر المذكور على معنى ما ثبت وجوبه بالكتاب والسنة، وفى خبر حريز عن زرارة انما اريد بها ان السنة في فرض هذه الصلاة ان
(1) الوسائل الباب 1 من صلاة العيد و 1 من صلاة الكسوف. (2) الوسائل الباب 1 من صلاة العيد. (3) سورة الاعلى الاية 14 و 15.
[ 202 ]
تكون مع الامام فمن صلاها بدون الامام معتقدا وجوبها فقد خالف السنة كما تدل عليه الاخبار الاتية من انه لا صلاة إلا مع امام يعنى واجبة. إلا ان لقائل ان يقول ان ما استدل به من الايتين المتقدمتين لا دلالة فيهما على الوجوب نصا بل ولا ظاهرا، اما الثانية فلعدم ورد نص فيها بما ذكروه كما عرفت واما الاولى فان غاية ما تدل عليه هو مدح المزكى والمصلى بانه قد افلح وهذا لا ظهور له في الوجوب وان افهمه افهاما ضعيفا، وحينئذ فيكون المراد بالفرض في الاخبار المتقدمة انما هو بمعنى الواجب كما هو أحد اطلاقيه، ويؤيده اضافة صلاة الكسوف وانها فريضة في صحيحة جميل الثانية ورواية ابى اسامة مع انها غير مذكورة في القرآن. وقال في كتاب الفقه الرضوي (1): ان الصلاة في العيدين واجبة... إلى ان قال: وان صلاة العيدين مع الامام مفروضة ولا تكون إلا بامام وخطبة... إلى ان قال ايضا: وصلاة العيدين فريضة واجبة مثل صلاة يوم الجمعة إلا على خمسة... إلى آخر ما سيأتي من نقل تتمة العبارة المذكورة ان شاء الله تعالى.
(المسألة الثانية) - المشهور في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) - بل نقل جملة منهم الاجماع عليه - انه يشترط في صلاة العيد ما يشترط في الجمعة من الشروط المتقدمة وقد تقدم انها خمسة، إلا ان الخلاف هنا قد وقع في الخطبتين كما سيأتي ان شاء الله تعالى ذكره في المقام: احدها عندهم - السلطان العادل أو من نصبه، وظاهر العلامة في المنتهى دعوى الاجماع على هذا الشرط. واحتج عليه بصحيحة زرارة عن ابى جعفر (ع) (2) قال: (ليس في الفطر والاضحى اذان ولا اقامة... إلى ان قال: ومن لم يصل مع امام في جماعة فلا صلاة له ولا قضاء عليه).
(1) ص 12. (2) الوسائل الباب 2 و 7 من صلاة العيد.
[ 203 ]
صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: (سألته عن الصلاة يوم الفطر والاضحى فقال ليس صلاة إلا مع امام. ورواية معمر بن يحيى عن ابى جعفر (ع) (2) قال: (لا صلاة يوم الفطر والاضحى إلا مع امام). اقول: من الاخبار بهذا المعنى ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن أبى جعفر (ع) (3) قال: (من لم يصل مع امام في جماعة يوم العيد فلا صلاة له ولاقضاء عليه). وما رواه ابن بابويه في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: (لا صلاة يوم الفطر والاضحى إلا مع امام عادل). وعن سماعة في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) (5) (لا صلاة في العيدين إلا مع امام وان صليت وحدك فلا بأس). ونحوه كلام المحقق وتبعهما جماعة ممن تأخر عنهما. إلا ان جملة من متأخرى المتأخرين الذين جرت عادتهم بدقة النظر في الاحكام والتأمل التام في اخبارهم (عليهم السلام) قد طعنوا في هذا الشرط فمنهم من استشكله وصارت المسألة عنده في قالب الاشكال، ومنهم من خالفهم وجزم بمنع ما ذكروه. ومنشأ ذلك عند الاولين هو احتمال حمل الامام في الاخبار المذكورة على ما هو أعم من امام الاصل وامام الجماعة، والى هذا ذهب المحدث الكاشانى في الوافى والمفاتيح فانه جعل هذه الاخبار متشابهة باعتبار احتمال ارادة المعصوم منها وليست محكمة في أحد المعنيين، وعند الاخرين هو ان الظاهر منهما انما هو امام الجماعة خاصة. قال في المدارك بعد نقل الاستدلال عن العلامة بما قدمناه من الاخبار: وعندي في هذا الاستدلال نظر إذا الظاهر ان المراد بالامام هنا امام الجماعة لا امام
(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 2 من صلاة العيد.
[ 204 ]
الاصل كما يظهر من تنكير الامام لفظ الجماعة وقوله (عليه السلام) (1) في صحيحة ابن سنان (من لم يشهد جماعة الناس في العيدين فليغتسل وليتطيب بما وجد وليصل وحده كما يصلى في الجماعة) وفى موثقة سماعة (2) (لا صلاة في العيدين إلا مع امام وان صليت وحدك فلا بأس) قال جدى (قدس سره) في روض الجنان: ولا مدخل للفقيه حال الغيبة في وجوبها في ظاهر الاصحاب وان كان ما في الجمعة من الدليل قد يتمشى هنا إلا انه يحتاج إلى القائل، ولعل السر في عدم وجوبها حال الغيبة مطلقا بخلاف الجمعة ان الواجب الثابت في الجمعة انما هو التخييري كما مر اما العينى فهو منتف بالاجماع والتخييري في العيد غير متصور إذ ليس معها فرد آخر يتخير بينها وبينه فلو وجبت لوجبت عينا وهو خلاف الاجماع. قلت: الظاهر انه اراد بالدليل ما ذكره في الجمعة من ان الفقيه منصوب من قبله عموما فكان كالنائب الخاص وقد بينا ضعفه في ما سبق. واما ما ذكره من السر فكلام ظاهري إذ لا منافاة بين كون الوجوب في الجمعة تخييريا وفى العيد عينيا إذا اقتضته الادلة. وبالجملة فتخصيص الادلة الدالة على الوجوب بمثل هذه الروايات لا يخلو من اشكال، وما ادعوه من الاجماع فغير صالح للتخصيص ايضا لما بيناه غير مرة من ان الاجماع انما يكون حجة مع العلم القطعي بدخول قول الامام في اقوال المجمعين وهو غير متحقق هنا، ومع ذلك فالخروج من كلام الاصحاب مشكل واتباعهم بغير دليل اشكل. انتهى. وقال في الذخيرة بعد ذكر نحو ما ذكره في المدارك اولا: ويؤيد الوجوب ما دل على وجوب التأسي بالنبي (صلى الله عليه وآله) في ما علم كونه صدر عنه على جهة الوجوب وان كان لنا فيه نوع تأمل إذ الامر ههنا كذلك فان وجوبها عليه (صلى الله عليه وآله) ثابت باجماع الاصحاب، مع ان التمسك باصل عدم الوجوب في ما ثبت وجوبه عليه (صلى الله عليه وآله) محل اشكال، فاذن القول بعدم الوجوب في غاية الاشكال والاجتراء على الحكم بالوجوب
(1) الوسائل الباب 3 من صلاة العيد. (2) الوسائل الباب 2 من صلاة العيد.
[ 205 ]
مع عدم ظهور مصرح به من الاصحاب لا يخلو من اشكال. وطريق الاحتياط واضح وقال شيخنا المجلسي في كتاب البحار - بعد نقل كلام الفاضلين بالاشتراط واستدلالهما بالاجماع وبعض الاخبار المتقدمة - ما لفظه: وفيه نظر إذ الظاهران المراد بالامام في هذه الاخبار امام الجماعة لا امام الاصل كما يشعر به تنكير الامام ولفظة الجماعة في بعض الاخبار ومقابلة ان صليت وحدك مما يعين هذا. وقوله (لا صلاة) يحتمل (كاملة) كما هو الشائع في هذه العبارة، وفى صحيحة عبد الله ابن سنان عن أبى عبد الله (عليه السلام) (1) (من لم يشهد جماعة الناس في العيدين فليغتسل وليتطيب بما وجد وليصل وحده كما يصلى في الجماعة) ويؤيد الوجوب ما دل على وجوب التأسي بالنبي (صلى الله عليه وآله) في ما علم صدوره عنه على وجه الوجوب والامر هنا كذلك قطعا. وبالجملة ترك هذه الفريضة بمحض الشهرة بين الاصحاب جزأة عظيمة مع انه لا ريب في رجحانه، ونية الوجوب لا دليل عليها لعل القربة كافية في جميع العبادات كما عرفت سابقا. انتهى. اقول: معظم الاشكال عند هؤلاء بعد اجماع هذا الاخبار هو عدم تصريح أحد ممن ذهب إلى الوجوب العينى في الجمعة زمان الغيبة بالوجوب العينى هنا، وانت خبير بان مقتضى حكمهم في العيدين بانها جارية على نحو صلاة الجمعة في شروط الوجوب هو تبعية صلاة العيدين لصلاة الجمعة كيف كانت، فان هذا الكلام قد صرح به الجميع ممن حكم بالوجوب التخييري في الجمعة زمان الغيبة أو التحريم أو الوجوب العينى، وحينئذ فاللازم من ذلك ان كل من اشترط في الجمعة شرطا من حضور امام الاصل أو نائبه أو انعقادها بامام الجماعة أو وجوبها عينا به فانه يجريه في صلاة العيدين، وبه يظهر ان كل من قال بالوجوب العينى زمان الغيبة في الجمعة فهو قائل به في العيدين ايضا. قال شيخنا المفيد في المقنعة في باب صلاة العيدين: وهذه الصلاة فرض
(1) الوسائل الباب 3 من صلاة العيد.
[ 206 ]
لازم لجمع من لزمته الجمعة على شرط حضور الامام سنة على الانفراد عند عدم حضور الامام. وهو كما ترى صريح في ما قلناه واضح في ما ادعيناه فانه حكم بان صلاة العيدين فرض عينى لكل من لزمته الجمعة، وقد عرفت مذهبه في الجمعة وشرطها عنده انما هو امام الجماعة وهى واجبة عينية عنده باجتماع شرائطها المتقدمة التى من جملتها امام الجماعة، ومقتضى ذلك وجوب صلاة العيدين عينا متى حصلت تلك الشروط وقوله هنا (على شرط حضور الامام... إلى آخره) اراد به بيان التفرقة بين الجمعة والعيدين بحصول الاستحباب في هذه دون تلك فجعل مدار الوجوب والاستحباب على حضور الامام وعدم حضوره فمتى صلى مع الامام فهى واجبة عينا ومتى تعذر الصلاة معه فهى مستحبة فرادى بخلاف الجمعة فانه مع عدم الامام تسقط بالكلية. والمراد بالامام في كلامه هو امام الجماعة الذى تقدم تصريحه به في صلاة الجمعة. واما ما ذهب إليه بعض من الاستحباب جماعة فهو باطل كما سيجئ بيانه ان شاء الله تعالى بل هي اما واجبة عينا ان وجد الامام وكملت باقى الشروط وإلا صليت فرادى استحبابا. وجميع ما ذكرنا بحمد الله سبحانه ظاهر لا خفاء عليه. واما توهم حمل الاخبار المتقدمة على امام الاصل فقد عرفت ما فيه من كلام مشايخنا المذكورين (رضوان الله عليهم) فانه جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه. ويؤيد ما ذكرناه من عدم اشتراط امام الاصل في هذه الصلاة ما نقله في كتاب البحار (1) عن الصدوق في كتاب ثواب الاعمال حيث انه نقل فيه خبرا عن سلمان الفارسى (رضى الله عنه) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ثواب صلاة اربع ركعات على كيفية مخصوصة بعد صلاة العيد ثم قال (قدس سره) هذا لمن كان امامه مخالفا فيصل معه تقية ثم يصلى هذه الاربع ركعات للعيد فاما من كان
(1) ج 18 الصلاة ص 861 والعبارة فيها تلخيص ونقل بالمضمون.
[ 207 ]
امامه موافقا لمذهبه وان لم يكن مفروض الطاعة لم يكن له ان يصلى بعد ذلك حتى تزول الشمس. انتهى. وهو صريح كما ترى في ان مذهبه (قدس سره) صحة الصلاة بامام الجماعة وعدم اشتراط امام الاصل، وبه يظهر لك ما في دعوى الاجماع على اشتراط هذه الصلاة بامام الاصل مع تصريح هذا العمدة الذى هو من أهل الصدر الاول الذين عليهم المعول بحوازها مع امام الجماعة كما سمعت. واما احتمال الحمل على صلاة مستحبة فغير جيد لما سنبين ان شاء الله تعالى من انه لا مستند له ولا دليل عليه وان ذكره جلهم. وبالجملة فان عدم ذكر قدماء اصحابنا للوجوب العينى في هذه الصلاة انما هو باعتبار احالتهم لاحكام هذه الصلاة على صلاة الجمعة فهو آت في هذه الصلاة، فلا يتوهم من سكوتهم عن التصريح به هنا نفيه عن هذه الصلاة وان قالوا به في الجمعة فهو غلط محض كما أوضحناه لك في عبارة المقنعة. ومما يؤيد ذلك الاخبار الاتية ان شاء الله تعالى الدالة على تعليم الائمة (عليهم السلام) لاصحابهم كيفية الصلاة وآدابها وأحكامها وما يتعلق بالامام فيها فان جميع ذلك قرينة واضحة على انها يتأتى من اصحابهم ان يصلوها بغير المعصوم إذ مع الاختصاص بالمعصوم لا يظهر لهذا التعليم كثير فائدة كما لا يخفى على المتأمل المنصف. وثانيها - العدد وقد أجمع الاصحاب (رضوان الله عليهم) على اعتباره هنا، ويدل عليه صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) انه قال: (في صلاة العيدين إذا كان القوم خمسة أو سبعة فانهم يجمعون الصلاة كما يصنعون يوم الجمعة) وروى في كتاب دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) انه قال: (في صلاة العيدين إذا كان القوم خمسة فصاعدا مع امام في مصر فعليهم ان
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة و 39 من صلاة العيد. (2) مستدرك الوسائل الباب 31 من صلاة العيد.
[ 208 ]
يجمعوا للجمعة والعيدين. ونقل عن ابن عقيل أنه ذهب إلى اشتراط السبعة هنا مع انه اكتفى في الجمعة بخمسة. ورده بعض الاصحاب بعدم المستند. اقول: الظاهر من كلام ابن ابى عقيل وصول المستند إليه بذلك وان لم يصل الينا حيث قال - على ما نقله عنه في المختلف - ولا عيد مع الامام ولا مع امرئة في الامصار باقل من سبعة من المؤمنين فصاعدا ولا جمعة باقل من خمسة، ولو كان إلى القياس سبيل لكانا جميعا سواء ولكنه تعبد من الخالق سبحانه. وهو كما ترى ظاهر في وصول المستند إليه، وثالثها - الجماعة وقد تقدمت جملة من الاخبار الدالة على ذلك (1). ورابعها - الوحدة قال في المدارك وظاهر الاصحاب (رضوان الله عليهم) اشتراطها حيث أطلقوا مساواتها للجمعة في الشرائط، ونقل عن الحلبيين التصريح بذلك محتجين بانه لم ينقل عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه صلى في زمانه عيدان في بلد كما لم ينقل انه صليت جمعتان وبما رواه محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: (قال الناس لامير المؤمنين (عليه السلام) ألا تخلف رجلا يصلى في العيدين ؟ قال لا أخالف السنة) وهما لا يدلان على المنع ومن ثم توقف العلامة في التذكرة والنهاية في اشتراط ذلك وهو محله. انتهى. أقول: الظاهر ان مرجع التعليل المنقول عن الحلبيين إلى أن العبادات لما كانت توقيفية من الشارع وجوبا وندبا وتعددا واتحادا وكمية وكيفية ونحو ذلك فالواجب الوقوف على ما علم منهم (صلوات الله عليهم) بقول أو عمل، وغاية ما يفهم من الاخبار هو جواز صلاة واحدة في المصر وتوابعه إلى امتداد مسافة الفرسخ فثبوت الثانية ومشروعيتها في هذه المسافة يتوقف على الدليل. وهذا الكلام موجه صحيح دال على المدعى باوضح دلالة كما يخفى وبه يقيد اطلاق الاخبار
(1) ص 202 و 203. (2) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد.
[ 209 ]
الدالة على الوجوب فلا يمكن الاستناد إليها في المقام. واما الرواية فلا اشكال في أن ظاهرها هو انه لما كان (ع) يصحر بصلاة العيدين كما هو السنة فيها قالوا له أن يخلف في المصر من يصلى العيدين بمن تخلف من الضعفة والعجزة عن الخروج فأجاب بانى لا أخالف السند، والمراد بالسنة يعنى وحدة الصلاة في الفرسخ فانه واجب بالسنة النبوية واطلاق السنة على ما وجب بالسنة شائع في الاخبار كما قدمنا ذكره في مسألة غسل الجمعة من كتاب الطهارة، لا ان المراد بالسنة المستحب كما ربما يتوهم، وعلى هذا المعنى بنى الاستدلال بالرواية وهو معنى واضح لا غبار عليه. وبنحو هذه الرواية روى في كتاب دعائم الاسلام عن على (ع) (1) انه (قيل له يا امير المؤمنين (ع) لو امرت من يصلى بضعفاء الناس يوم العيد في المسجد ؟ قال اكره أن أستن سنة لم يستنها رسول الله (صلى الله عليه وآله). وروى شيخنا المجلسي في كتاب البحار (2) نقلا من كتاب عاصم بن حميد عن محمد ابن مسلم قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول قال الناس لعلى (ع) ألا تخلف رجلا يصلى بضعفة الناس في العيدين ؟ قال فقال لا اخالف السنة. ونحوه بهذا المضمون روى في المحاسن عن رفاعة (3) قال: (سمعت أبا عبد الله (ع)... الحديث.) ومما يؤيد ذلك ما تقدم (4) في صحيحة زرارة من ان (من لم يصل مع امام في جماعة فلا صلاة له ولا قضاء عليه) ونحوه في صحيحته الاخرى (5) وهو شامل باطلاقه لما لو لم يكن ثمة امام أو كان ولكن فاتته الصلاة معه. معنى (لا صلاة له) يعنى وجوبا وإلا فالاستحباب لاريب فيه نصا وفتوى، ففى الصحيح لابن سنان (6)
(1) مستدرك الوسائل الباب 14 من صلاة العيد. (2) ج 18 الصلاة ص 863. (3) البحار ج 18 الصلاة 860. (4) ص 202. (5) ص 203. (6) الوسائل الباب 3 من صلاة العيد.
[ 210 ]
(من لم يشهد جماعة الناس في العيدين فليغتسل وليتطيب بما وجد وليصل وحده) ونحوه غيره مما سيأتي ان شاء الله تعالى. والتقريب في هذه الاخبار انه لو شرعت الصلاة مرة اخرى في البلد لما حسن هذا الاطلاق في هذه الاخبار بان يقال (لا صلاة ولا قضاء عليه) أو يقال: (فليصل وحده) لامكان الاجتماع على جماعة اخرى كما لا يخفى. وأما ما ذكره الشهيد ومن تأخر عنه - من أن هذا الشرط انما يعتبر مع وجوب الصلاتين فلو كانتا مندوبتين أو احداهما لم يمنع التعدد - ففيه انه لم يقم لنا دليل على استحباب الجماعة في العيدين كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في مسألة على حدة والى ذلك أشار في المدارك ايضا حيث قال بعد نقل ذلك عن الشهيد: وليس في النصوص دلالة على شئ من ذلك. انتهى. وقال في الذكرى: مذهب الشيخ في الخلاف ومختار صاحب المعتبر ان الامام لا يجوز له أن يخلف من يصلى بضعفة الناس في البلد. ثم أورد صحيحة ابن مسلم (1) ثم قال ونقل في الخلاف عن العامة (ان عليا (ع) (2) خلف من يصلى بالضعفة) وأهل البيت (عليهم السلام) أعرف. انتهى. خامسها - الخطبتان وقد اختلف فيهما كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) فقال الشيخ في المبسوط في باب صلاة العيدين: وشرائطها شرائط الجمعة سواء في العدد والخطبة وغير ذلك. وهو ظاهر في قوله بشرطيتهما في العيدين، وبه قال ابن ادريس والعلامة في المنتهى حيث قال: والخطبتان واجبتان كوجوبهما في الجمعة ولا نعرف خلافا بين المسلمين في كونهما بعد الصلاة إلا من بنى امية (3) ثم ذكر ايضا انه لا يجب حضورهما ولا استماعهما بغير خلاف. ونحو ذلك ذكر في التذكرة ايضا.
(1) ص 208. (2) المغني ج 2 ص 373 (3) المغني ج 2 ص 384.
[ 211 ]
وقال المحقق في المعتبر: والخطبتان مستحبتان فيهما بعد الصلاة ولا يجب حضورهما ولا استماعهما اما استحبابهما فعليه الاجماع. وقال الشهيد في الذكرى: المشهور بين الاصحاب في ظاهر كلامهم استحباب الخطبتين في صلاة العيدين وصرح به في المعتبر واوجبهما ابن ادريس والفاضل والروايات مطلقة. ونقل بعض الاخبار الدالة على الخطبة ثم قال والعمل بالوجوب أحوط نعم ليستا شرطا في صحة الصلاة بخلاف الجمعة. وقال السيد في المدارك - في شرح قول المصنف: وفى واجبة مع وجود الامام... إلى آخره - ان الشيخ صرح في المبسوط با شتراطهما في هذه الصلاة فقال شرائطها شرائطي الجمعة سواء في العدد والخطبة وغير ذلك. ثم ذكرانه ان الظاهر من عبارة الشرائع حيث اطلق مساواتها للجمعة في الشرائط. ثم ذكر ان العلامة جزم في جملة من كتبه بعدم اعتبار هذا الشرط هنا. ثم قال وهو كذلك تمسكا بالاصل والتفاتا إلى كونهما متأخرتين عن الصلاة ولا يجب استماعهما اجماعا فلا تكونان شرطا فيها. وقال في موضع آخر - في شرح قول المصنف: الثالثة الخطبتان في العيد بعد الصلاة وتقديمهما بدعة - ولم يتعرض المصنف في هذا الكتاب لبيان حال الخطبتين من حيث الوجوب والاستحباب ونقل عنه في المعتبر انه جزم بالاستحباب وادعى عليه الاجماع، وقال العلامة في جملة من كتبه بالوجوب، واحتج عليه في التذكرة بورود الامر بهما وهو حقيقة في الوجوب. وكأنه أراد بالامر ما يستفاد من الجملة الخبرية فانا لم نقف في ذلك على امر صريح. والمسألة محل تردد وكيف كان فيجب القطع بسقوطهما حال الانفراد للاصل السالم من المعارض. وقال ايضا - في شرح قول المصنف: ولا يجب استماعهما بل يستحب - هذا الحكم مجمع عليه بين المسلمين حكاه في التذكرة والمنتهى مع تصريحه في الكتابين بوجوب الخطبتين وهو دليل قوى على الاستحباب وروى العامة عن عبد الله بن
[ 212 ]
السائب (1) قال: (شهدت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) العيد فلما قضى الصلاة قال انا نخطب فمن احب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يذهب فليذهب). والى القول بالاستحباب مال الفاضل الخراساني في الذخيرة والمحدث الكاشانى في المفاتيح. والاظهر عندي هو القول بالوجوب، ويدل عليه قول الرضا (ع) في كتاب الفقه الذى قد ظهر لك في غير موضع مما قدمنا وسيجئ امثاله اعتماد الصدوقين سيما الاول عليه وافتاؤهما بعبائر الكتاب كما كشفنا عنه النقاب في غير باب من الابواب حيث قال (ع) (2) (فان صلاة العيدين مع الامام فريضة ولا تكون إلا بامام وخطبة). مما يعضد ذلك ويؤيده باوضح تأييد ما رواه الصدوق في كتاب العلل والعيون من علل الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) (3) قال: (انما جعلت الخطبة يوم الجمعة قبل الصلاة وجعلت في العيدين بعد الصلاة لان الجمعة أمر دائم يكون في الشهر مرارا وفى السنة كثيرا فإذا كثر على الناس ملوا وتركوه وتفرقوا عنه والعيد إنما هو في السنة مرتان والزحام فيه اكثر والناس فيه أرغب وان تفرق بعض الناس بقى عامتهم). والتقريب فيه انه لو كان ما يدعونه من الاستحباب حقا لكان هو الاولى بان يذكر علة للفرق في الخبر بان يقال انما اخرت لان استماعها غير واجب حيث انها مستحبة فمن شاء جلس لاستماعها ومن شاء انصرف، وظاهر الخبر انما هو وجوبها في الصلاتين وان اختلفتا بالتقدم والتأخر للعلة المذكورة في الخبر. ويؤيده توقف يقين
(1) نيل الاوطار ج 3 ص 376 عن النسائي وابن ماجة وابي داود ونقله في الوسائل في الباب 30 من صلاة العيد من مجالس ابن الشيخ عن عبد الله بن السائب باختلاف في اللفظ. (2) ص 12. (3) الوسائل الباب 11 من صلاة العيد.
[ 213 ]
البراءة عليه لانه المعهود من فعلهم والمأثور من أوامرهم (عليهم السلام). وذكر الخطبتين في بيان كيفية الصلاة ايضا ظاهر في ذلك إذ قضية الذكر في بيان كيفية الواجب الوجوب في جميع ما اشتملت عليه الكيفية وخروج بعض الافراد التى قام الدليل من خارج على استحبابها لا يقتضى خروج ما لم يقم عليه دليل. هذا، وما ذكره في المدارك هنا لا يخلو من نوع تشويش واضطراب بل النظر الظاهر في ما ايد به ذلك من عدم وجوب استماعهما بل الاستحباب. أما الاول فلان مقتضى كلامه الاول هو اختيار الاستحباب صريحا وظاهر الثاني بل صريحه التردد والتوقف في المسألة. وايضا ظاهر كلامه الاول ان العلامة في جملة من كتبه جزم بالاستحباب وظاهر كلامه الثاني خلافه وانه جزم بالوجوب ثم أورد دليله، ومقتضى الدليل الذى نقله لازم له حيث انه صرح في مواضع من كتابه بانه لا فرق في دلالة الامر على الوجوب بين كونه بلفظ الامر أو بالجملة الخبرية، وحينئذ فالظاهر ان منشأ التردد عنده هو معارضة دعوى الاجماع الذى ذكره في المعتبر مع ما عرفت من طعنه في هذه الاجماعات. واما الثاني - وهو ما ذكره في كلامه الثالث من أن تصريح العلامة في الكتابين بالاجماع على عدم وجوب استماع الخطبتين دليل قوى على الاستحباب ففيه ان خطبة الجمعة مع الاتفاق على وجوبها وانها شرط في صحة الصلاة قد وقع الخلاف في وجوب استماعها فممن ذهب إلى عدم وجوب استماعها الشيخ في المبسوط والمحقق في المعتبر مع قولهما بوجوبها وشرطيتها في صحة الصلاة وتردد في الشرائع، ولم نره في تلك المسألة بعد أن نقل قولهما المذكور رد عليهما بانه يلزم منه المناقضة لان القول بالوجوب يستلزم القول بوجوب الاستماع وعدم وجوب الاستماع يستلزم الاستحباب كما ذكره هنا. وبالجملة فانه كما ان اصل وجوب الخطبة متوقف على الدليل كذلك وجوب الاستماع يتوقف عليه ولا ملازمة بينهما، وما علل به وجوب الاستماع في خطبة الجمعة في مقام الرد على صاحب المعتبر من انتفاء فائدة الخطبة بدون الاستماع فهى علة مستنبطة ترجع إلى مجرد الاستعباد، ومع فرض
[ 214 ]
وجودها في نص فانه يمكن الجواب عنها بان علل الشرع ليست عللا حقيقية يجب اطرادها كالعلل العقلية التى يدور المعلول مدارها وجودا وعدما وانما هي معرفات وموضحات لنوع مناسبة أو بيان حكمة أو نحو ذلك كما لا يخفى على من احاط خبرا بالعلل المذكورة في اخبار علل الشرائع والاحكام. واما ما ذكره في كلامه الثالث من الخبر العامي للتأييد به - ولعله من حيث ان الشيخ في كتاب المجالس (1) - فضعفه أظهر من أن يمكن الاعتماد عليه في تأسيس حكم شرعى به. وبالجملة فان مقتضى ظواهر الاخبار كما ذكره في التذكرة واعترف به في المدارك هو الوجوب مع اعتضاده بما ذكرناه من خبرى كتاب الفقه والعلل والعيون، وليس في الاخبار ما يدل على الاستحباب ولا يشير إليه إلا ما ربما يتوهم من كونهما بعد الصلاة وهو محض خيال قاصر. واما دعوى عدم اشتراطهما في صحة الصلاة -. كذا دعوى ما يلازمه ويقتضيه من عدم وجوب حضورهما واستماعهما - فلم نقف له على دليل ازيد من دعوى الاجماع، مع ما عرفت من دلالة ظاهر كلام الشيخ في المبسوط بل ظاهر كل من أطلق الحكم بكون شرائط العيد شرائط الجمعة من غير تعرض لعدم وجوب ما ذكروه على خلاف هذا الاجماع. قال بعض المحققين من متأخرى المتأخرين بعد ذكر نحو ما ذكرناه: انا لا نعرف لهم دليلا سوى الاجماع المسبوق بخلاف الشيخ صريحا بل سائر ارباب النصوص ايضا حيث لم يتعرضوا لاستثناء هذا من شرائط الجمعة لا صريحا ولا ضمنا سوى خبر عامى ضعيف السند نقله الشيخ اولا من كتب المخالفين في مجالسه (2) مع انه لم يعمل به على ما يظهر من كلامه ثم اشتهر بين من بعده فاستدلوا به من غير وجدان شاهد من روايات أهل البيت (عليهم السلام) ولا مؤيد، إذ لو كان
(1) و (2) الوسائل الباب 30 من صلاة العيد.
[ 215 ]
لنقلوه قطعا مع خلو الكتب عنه اليوم ايضا والخبر ما رواه من طريق العامة عن عطاء عن عبد الله بن السائب ثم ساق الخبر كما قدمنا نقله من المدارك. ثم قال: والذى يظهر من فحوى كلام اصحابنا ان أصل مناط حكمهم في جميع ما ذكروا من نفى الاشتراط وعدم وجوب الحضور والاستماع بل أصل استحباب الخطبتين هذا الخبر فان عليه مبنى الاجماع الذى ذكروه. انتهى كلامه (زيد مقامه) وهو جيد متين كما لا يخفى على الحاذق المكين. المسألة الثالثة - قد اشتهر في كلام متأخرى الاصحاب انه مع اختلال شرائط الوجوب أو بعضها فانه يستحب أن تصلى جماعة وفرادى، قال في المعتبر: وتستحب مع عدم الشرائط أو بعضها جماعة وفرادى في السفر والحضر وتصلى كما تصلى في الجماعة. وقال القطب الراوندي من اصحابنا من ينكر الجماعة في صلاة العيد سنة بلا خطبتين لكن جمهور الامامية يصلون هاتين الصلاتين جماعة وعملهم حجة. اقول: وتصريح المحقق ومن تأخر عنه بذلك معلوم من كتبهم وعليه العامة ايضا فانهم بين قائل بتعين الاستحباب جماعة وقائل بالتخيير بين الجماعة والانفراد وهو قول اكثرهم (1). وقال الشيخ المفيد بعد ذكر ما قدمنا نقله عنه من انها فرض لجميع من لزمته الجمعة على شرط حضور الامام سنة عليا لافراد مع عدم حضور الامام: ومن فاتته صلاة العيد جماعة صلاها وحده كما يصلى في الجماعة ندبا مستحبا. وقال الشيخ في المبسوط: متى تأخر عن الحضور لعارض صلاها في المنزل منفردا ستة وفضيلة. ثم قال: ومن لا تجب عليه صلاة العيد من المسافر والعبد
(1) المذكور في المعتبر والتذكرة والمنتهى نسبة هذا القول إلى الشافعي واحمد في احدى الروايتين وفي الاخرى لا تصلى الا في جماعة وهو قول ابي حنيفة، واضاف في المنتهى الحسن البصري إلى الشافعي واحمد. راجع المهذب ج 1 ص 120 والانصاف ج 2 ص 426 وعمدة القارئ ج 3 ص 399 والبحر الرائق ج 2 ص 175.
[ 216 ]
وغيرهما يجوز لها اقامتها منفردين سنة. وقال السيد المرتضى في المسائل الناصرية: هما سنة تصلى على الانفراد عنه فقد الامام أو اختلال بعض الشرائط. وانت خبير بان ظاهر عبارة الشيخ المفيد والشيخ في المبسوط والمرتضى هنا هو استحباب الصلاة منفردا بعد فوات الصلاة الواجبة ولم يتعرضوا للاستحباب جماعة. وقال أبو الصلاح: فان اختل شرط من شرائط العيد سقط فرض الصلاة وقبح الجمع فيها مع الاختلال وكان كل مكلف مندوبا إلى هذه الصلاة في منزله والاصحار بها أفضل. وقال ابن ادريس: معنى قول اصحابنا (على الانفراد) ليس المراد بذلك أن يصلى كل واحد منهم منفردا بل الجماعة ايضا عند انفرادها من دون الشرائط مسنونة مستحبة قال ويشتبه على بعض المتفقهة هذا الموضع بان يقول على الانفراد اراد مستحبة إذا صلاها كل واحد وحده قال لان الجمع في صلاة النوافل لا يجوز وإذا عدمت الشرائط صارت نافلة فلا يجوز الاجتماع فيها، قال محمد بن ادريس وهذا قلة بصيرة من قائله بل مقصود أصحابنا على الانفراد ما ذكرناه من انفرادها عن الشرائط. وقال العلامة في المختلف ونعم ما قال: وتأويل ابن ادريس بعيد مع انه روى النهى عمار بن موسى عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (قلت له هل يؤم الرجل باهله في صلاة العيدين في السطح أو بيت ؟ قال لا يؤم بهن ولا يخرجن ولو كانت الجماعة مستحبة لا ستحبت هنا إذ المستحب في حق الرجل مستحب في حق المرأة إلا ما خرج بالدليل، إلا ان فعل الاصحاب في زماننا الجمع فيها. ثم نقل ملخص كلام الراوندي الذى قدمناه بتمامه. وقال الشهيد في الذكرى: وتفارق الجمعة عند الاصحاب بانها مع عدم الشرائط تصلى سنة جماعة وهو أفضل وفرادى، وكذلك يصليها من تجب عليه من المسافر
(1) الوسائل الباب 28 من صلاة العيد.
[ 217 ]
والعبد والمرأة ندبا ان لم يقم في البلد فرضها مع الامام. ثم نقل كلام السيد المرتضى وابى الصلاح وابن ادريس والراوندي. ثم قال ونص عليه الشيخ في الحائريات. ثم قال وقد روى عمار عن الصادق (ع) ثم ساق الرواية كما قدمناه، ثم قال: وربما يفهم منه نفى الجماعة فيها وكذلك في رواية سماعة عنه (ع) (1) قال: (لا صلاة في العيدين إلا مع الامام فان صليت وحدك فلا بأس) وقد يجاب عن رواية عمار بنفى تأكيد الجماعة بالنساء، وعن الثانية ان المراد بها إذا كانت فريضة لا تكون إلا مع الامام كما قاله في التهذيب، وقد روى عبد الله بن المغيرة (2) قال: (حدثنى بعض أصحابنا قال سألت أبا عبد الله (ع) عن صلاة الفطر والاضحى فقال صلهما ركعتين في جماعة وغير جماعة) وظاهر هذا عموم الجماعة. انتهى. أقول: لا يخفى ان ظاهر مرسل عبد الله بن المغيرة المذكور انما هو بيان ان صلاة العيد ركعتان صليت وجوبا في الجماعة أو ندبا بغير جماعة. وفيه اشارة للرد على من قال بالاربع ركعات متى فاتت الصلاة مع الامام. وان لم يكن ما ذكرناه هو الاظهر فلا أقل من أن يكون مساويا لما ذكره وبه يسقط الاستدلال بالخبر المذكور. ثم اقول: لا يخفى ان الاخبار قد تكاثرت بالصلاة منفردا مع عدم الامام بالكلية أو عدم ادراك الصلاة معه ولم نقف في الاخبار على ما يقتضى توظيف الجماعة في هذه الصورة بل ظاهر خبر عمار المتقدم كما عرفت هو التصريح بالمنع منها وأماما يدل على استحباب الصلاة وحده مع عدم الجماعة فمن ذلك موثقة سماعة المتقدمة (3) وصحيحة عبد الله بن سنان (4) قال: (من لم يشهد جماعة الناس في العيدين فليغتسل وليتطيب بما وجد وليصل في بيته وحده كما يصلى في الجماعة).
(1) و (3) الوسائل الباب 2 من صلاة العيد. (2) الوسائل الباب 5 من صلاة العيد. (4) الوسائل الباب 3 من صلاة العيد.
[ 218 ]
وموثقة الحلبي (1) قال: (سئل أبو عبد الله (ع) عن الرجل لا يخرج في يوم الفطر والاضحى أعليه صلاة وحده ؟ قال نعم. وعن سماعة في الموثق عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (قلت له متى نذبح ؟ قال إذا انصرف الامام. قلت فإذا كنت في ارض ليس فيها امام فاصلي بهم جماعة ؟ فقال إذا استقلت الشمس. وقال لا بأس أن تصلى وحدك ولا صلاة إلا مع امام) ومرسلة عبد الله بن المغيرة المتقدمة، وقد عرفت ان المراد بقوله فيها (في جماعة) انما هو حال الوجوب وحينئذ يكون غير الجماعة عبارة عن الانفراد وهو المستحب وصحيحة منصور بن حازم عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (مرض ابى يوم الاضحى فصلى في بيته ركعتين ثم ضحى). واحتمل في الوافى في هذا الخبر الوجوب مع اختصاص الحكم بالامام وايده بما رواه الشيخ عن الحلبي (4) قال: (سئل أبو عبد الله (ع) عن الامام لا يخرج يوم الفطر والاضحى أعليه صلاة وحده ؟ قال نعم واحتمل الاستحباب مع عموم الحكم كما تقدم في الاخبار المذكورة. وظني ان ما ذكره من الاحتمال الاول بعيد وتوهم الوجوب من قوله (ع) في رواية الحلبي (أعليه) معارض بما تقدم في موثقة الحلبي (5) من قوله (الرجل لا يخرج في يوم الفطر والاضحى أعليه صلاة وحده ؟ قال نعم) وحينئذ فالمراد بقوله (عليه) في كلتا الروايتين انما هو مطلق الثبوت الشامل للوجوب والاستحباب، على ان وجه الخصوصية هنا غير ظاهر، وحينئذ فالرواية منتظمة مع ما ذكرناه من الاخبار. ولا ينافى ذلك ما في رواية هارون بن حمزة الغنوى عن ابى عبد الله (ع) (6) من قوله: (فقلت أرأيت ان كان مريضا لا يستطيع ان يخرج أيصلى في بيته ؟ قال لا) وفى رواية محمد بن قيس عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (7) قال: (انما الصلاة
(1) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 3 من صلاة العيد. والظاهر ان الرقم (4) عين الرقم (1) ولفظ (الامام) في الوافي (2) و (6) و (7) الوسائل الباب 2 من صلاة العيد.
[ 219 ]
يوم العيد على من خرج إلى الجبانة ومن لم يخرج فليس عليه صلاة. وفى صحيحة زرارة (1) حيث قال (ع) (ومن لم يصل مع امام في جماعة فلا صلاة له ولا قضاء عليه) فان الوجه فيها الحمل على نفى الوجوب جمعا بين الاخبار. وفى هذه الاخبار رد على ما نقل عن الصدوق في المقنع حيث قال: ولا يصليان الا مع الامام جماعة. وابن ابى عقيل حيث قال: من فاتته الصلاة مع الامام لم يصلها وحده. ولعلهما قد استندا إلى ما ذكرناه من هذه الروايات الاخيرة. إلا انه يمكن تأويل كلامهما بما أو لنا به الاخبار المذكورة إذ من البعيد عدم اطلاعهما على الاخبار الدالة على الانفراد مع كثرتها وتعددها وأبعد منه الاطلاع عليها وطرحها من البين. إذا عرفت ذلك فاعلم انا لم نقف لما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) من الاستحباب جماعة مع اختلال بعض شروط الوجوب على دليل. وغاية ما استدل به في ذكرى كما تقدم مرسلة عبد الله بن المغيرة وقد عرفت الجواب عنها، مع معارضتها - لو سلمت من الاحتمال الذى ذكرناه - بموثقة عمار المتقدمة (2) وان تأولها بالبعيد والاحتمال الغير السديد. وغاية ما تعلق به الراوندي هو عمل جمهور الامامية وصلاتهم لها جماعة استحبابا حال الغيبة. ولا يخفى ما فيه إذ رب مشهور لا أصل له ورب متأصل ليس بمشهور، سيما مع ورود الاخبار المتقدمة الدالة على التقييد بالوحدة والانفراد في الاتيان بها مع اختلال شرط الوجوب، مع عدم وجود المعارض الصريح بل وجود المؤيد الفصيح كما عرفت من موثقة عمار، فكيف يمكن التعلق بعملهم وفعلهم في مقابلة هذه الاخبار وخصوصا مع موافقة ما يفعلونه للعامة كما تقدمت الاشارة إليه (3) وأما ايقاع القدماء لها كذلك ان ثبت فلعله بناء على الوجوب كما هو ظاهر ما تقدم من عدم الدليل على اشتراط امام الاصل في وجوبها فتوهم من اشترطه
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة العيد (2) ص 216 (3) ص 215.
[ 220 ]
ان فعلهم لها على جهة الاستحباب وسيأتى ما يؤيده. وبالجملة فالظاهر هو انحصار الاستحباب في الانفراد كما هو مفاد الاخبار المتقدمة مع كونه خلاف جميع العامة. وكيف كان فالاستحباب جماعة انما يتجه على ما هو المشهور من اشتراط وجوب العيدين وجوبا عينيا بامام الاصل، ولا ريب ان هذا الشرط مختل زمان الغيبة ولهذا نقل القطب الرواندى والعلامة في المختلف - على ما قدمنا نقله عنهما - ان عمل الاصحاب على الصلاة جماعة استحبابا زمان الغيبة، إلا انك قد عرفت انه لا مستند له. واما على ما هو الظاهر من كلام جملة من محققى متأخرى المتأخرين - وهو الظاهر ايضا ممن قال بالوجوب العينى حال الغيبة من المتقدمين حيث انهم يجعلون شرائط الجمعة ثابتة لصلاة العيد من أن صلاة العيد زمن الغيبة كصلاة الجمعة واجبة عينا والامام المشترط فيها انما هو امام الجماعة - فيشكل التعدد جماعة فيها في مسافة الفرسخ كما عليه علماء زماننا الان فانهم يصلون جماعات عديدة في البلد الواحد مع ترجيحهم هذا القول الذى اشرنا إليه قولهم باشتراط الوحدة فيها كما في الجمعة، لانه متى صليت في مسافة الفرسخ بناء على ما ذكرنا امتنعت الصلاة ثانيا لعين ما تقرر في صلاة الجمعة من عدم مشروعية الجمعة الثانية في المسافة المذكورة. وربما كان مستندهم في جواز التعدد في الصورة المذكورة ما تقدم نقله عن شيخنا الشهيد من أن شرط الوحدة في فرسخ انما يعتبر مع وجوب الصلاتين فلو كانتا مندوبتين أو إحداهما لم يمتنع التعدد. وفيه ان كلام شيخنا المذكورة مبنى على اشتراط المعصوم في الوجوب العينى فهى الان عنده مستحبة فلا يشترط فيها هذا الشرط إذ هو مخصوص بالواجبة، وأما عنده الوجوب زمن الغيبة عملا باطلاق الاخبار المتقدمة الدالة على الوجوب من غير ما يصلح لتقييدها بوجود امام الاصل كما يدعونه وقد حصل باقى الشروط فان الوجوب يكون عينيا عنده فلا بد من اعتبار الوحدة فيها كما في الجمعة
[ 221 ]
التى قد حملوها عليها، على ان ما ادعاه الشهيد من مشروعية الجماعة وان كانت مستحبة محل المنع كما عرفت. وبالجملة فان ما يفعله علماء زماننا كما حكيناه عنهم مما لا اعرف له وجه صحة على كل من القولين، اما على القول المشهور - من اشتراط الوجوب العينى بوجود امام الاصل فتكون في زمن الغيبة مستحبة - ففيه أنه مع تسليم ذلك فان غاية ما دلت عليه الاخبار هو استحبابها فرادى لا جماعة كما تقدم تحقيقه، سيما مع دلالة الاخبار المتكاثرة على عدم مشروعية الجماعة في صلاة النافلة إلا في مواضع مخصوصة وليس هذا منها، واما على القول المختار - من وجوبها حال الغيبة عينا انعقادها بامام الجماعة حسبما مر في الجمعة - فانها باستكمال الشروط من وجود الامام وامكان الخطبة والعدد والجماعة والكون في فرسخ تكون واجبة عينا فمتى اقيمت وجب على كل من في مسافة الفرسخ السعي إليها والحضور فيها وكيف يتجه صلاتها ثانيا ندبا بناء على الحال المذكورة. ثم لو فرضنا تخلف بعض عن الحضور لعذر أو لغير عذر فغاية ما دلت عليه الاخبار انه يصليها منفردا. وبالجملة فالحكم فيها كما في الجمعة إلا انها تزيد هنا باستحباب الصلاة فرادى مع عدم ادراك الجماعة أو تعذر حضورها، وأما الصلاة جماعة فكلما انه تحريم الجمعة الثانية بعد اقامتها أولا كذلك تحريم صلاة العيد ثانيا جماعة بعد الاتيان بها اولا، ولهذا انا نعجل الصلاة بها حال طلوع الشمس ليتوجه البطلان إلى من صلى بعدنا. والله العالم المسألة الرابعة - ظاهر الاصحاب (رضوان الله عليهم) الاتفاق على سقوط صلاة العيدين عن كل من تسقط عنه صلاة الجمعة، قال في التذكرة انما تجب صلاه العيد على من تجب عليه الجمعة عند علمائنا أجمع. وقال في المنتهى لا نعرف فيه خلافا. قال في المدارك: ويدل عليه اصالة براءة الذمة من وجوب هذه الصلاة على من لا تجب عليه الجمعة السالمة عن ما يصلح للمعارضة لا نتفاء ما يدل على العموم في من تجب عليه.
[ 222 ]
وفيه نظر ظاهر وكيف لا والاخبار التى قدمناها في المسألة الاولى ظاهرة الدلالة في العموم فانه لا ريب ان الخطاب فيها راجع إلى جميع المكلفين فان قولهم (عليهم السلام) (1): (صلاة العيدين فريضة وصلاة الكسوف فريضة) يعنى على كل مكلف إلا ما خرج بدليل وارد عنهم (عليهم السلام) وإلا لزم مثله في صلاة الكسوف التى قرنها بها مع ان هذا القائل لا يلتزمه، وحينئذ فالواجب الوقوف على ما دل على خروجه من هذا العموم ويبقى ما عداه داخلا تحت خطاب التكليف. والذى وقفت عليه في الاخبار من الافراد المستثناة عن الدخول منها المسافر لصحيحة زرارة عن احدهما (عليهما السلام) (2) قال: (انما صلاة العيدين على المقيم ولا صلاة إلا بامام). وصحيحة ربعى والفضيل بن يسار عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: ليس في السفر جمعة ولا فطر ولا اضحى. وما رواه البرقى في كتاب المحاسن بسنده عن العلاء بن الفضيل عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (ليس في السفر جمعة ولا أضحى ولا فطر) قال ورواه ابى عن خلف بن حماد عن ربعى عن ابى عبد الله (ع) مثله (5). وروى في كتاب دعائم الاسلام عن على (ع) (6) انه قال: (ليس على المسافر جمعة ولا عيد). اقول: دلالة هذه الروايات على السقوط عن المسافر واضحة مضافا إلى الاجماع المتقدم نقله.
(1) الوسائل الباب 1 من صلاة العيد و 1 من صلاة الكسوف. (2) و (3) الوسائل الباب 8 من صلاة العيد. (4) و (5) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة رقم 29. (6) مستدرك الوسائل الباب 5 من صلاة العيد.
[ 223 ]
وأما ما رواه في التهذيب والفقيه عن سعد بن سعد عن ابى الحسن الرضا (ع) (1) قال: (سألته عن المسافر إلى مكة وغيرها هل عليه صلاة العيدين الفطر والاضحى ؟ قال نعم إلا بمنى يوم النحر) فقد حمله الشيخ على الاستحباب، والظهر - كما ذكره في الوافى - ان يقيد الاستحباب بما إذا شهد المسافر بلدة يصلى فيها العيد فانه يستحب له حضوره كما في الجمعة لا انه ينشئ صلاة العيد في سفره. ونحو هذه الرواية ايضا موثقة سماعة (2) قال: (سألته عن صلاة العيد قال في الامصار كلها إلا في يوم الاضحى بمعنى فانه ليس يومئذ صلاة ولا تكبير). وإنت خبير بان هذه الرواية ليست نصا في عدم السقوط عن المسافر بل ربما كان استثناء الاضحى بمنى مشعرا بالسقوط عن المسافر فتكون منطبقة على الاخبار المتقدمة. ومنها - النساء لما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (انما رخص رسول الله (صلى الله عليه وآله) للنساء العواتق في الخروج في العيدين للتعرض للرزق). وعن عمار بن موسى في الموثق عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (قلت له هل يؤم الرجل باهله في صلاة العيدين في السطح أو بيت ؟ فقال لا يؤم بهن ولا يخرجن وليس على النساء خروج. وقال اقلوا لهن من الهيئة حتى لا يسألن الخروج) وما رواه في كتاب معاني الاخبار عن محمد بن شريح (5) قال: (سألت إبا عبد الله (ع) عن خروج النساء في العيدين فقال لا إلا العجوز عليها منقلاها يعنى الخفين). ودلالة هذه الروايات ايضا على السقوط عن النساء واضحة مضافا إلى الاجماع المتقدم.
(1) و (2) الوسائل الباب 8 من صلاة العيد (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 28 من صلاة العيد.
[ 224 ]
إلا ان بازاء هذه الاخبار ما يدل بظاهره على وجوب الخروج عليهن مثل ما رواه في قرب الاسناد (1) عن على بن جعفر عن اخيه (ع) قال: (سألته عن النساء هل عليهن صلاة العيدين والتكبير ؟ قال نعم قال وسألته عن النساء هل عليهن من صلاة العيدين والجمعة ما على الرجال ؟ قال نعم. قال وسألته عن النساء هل عليهن من التطيب والتزين في الجمعة والعيدين ما على الرجال ؟ قال نعم). وما رواه في كتاب الذكرى (2) قال روى ابن ابى عمير في الصحيح عن جماعة منهم حماد بن عثمان وهشام بن سالم عن الصادق (ع) انه قال: (لا بأس بان تخرج النساء في العيدين للتعرض للرزق). ومن الذكرى ايضا (3) قال روى ابراهيم بن محمد الثقفى في كتابه باسناده إلى علي (ع) قال: (لا تحبسوا النساء عن الخروج في العيدين فهو عليهن واجب)، وحملها الاصحاب على الاستحباب، والمشهور استحباب صلاة العيد لكل من سقطت عنه إلا الشواب وذوات الهيئة من النساء فانه يكره لهن الخروج إليها. قال في الذكرى: قال الشيخ لا بأس بخروج العجائز ومن لا هيئة لهن من النساء في صلاة الاعياد ليشهدن الصلاة ولا يجوز ذلك لذوات الهيئات منهن والجمال. وفى هذا الكلام أمران (احدهما) ان ظاهره عدم الوجوب عليهن ولعله لما رواه ابن ابى عمير في الصحيح عن جماعة ثم ساق الرواية كما تقدمت. ثم قال إلا انه لم يخص فيها العجائز وقد روى عبد الله بن سنان قال: انما رخص رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم ساق الخبر كما قدمناه (4) ثم قال والعواتق الجوارى حين يدركن. ولكنه معارض بما رواه أبو اسحاق ابراهيم الثقفى في كتابه باسناده إلى على (ع) ثم ذكره كما تقدم ثم قال ولان الادلة عامة للنساء.
(الامر الثاني) ان الشيخ منع خروج ذوات الهيئات
(1) ص 100 وفي الوسائل الباب 18 من صلاة الجمعة و 28 من صلاة العيد والثالث في الباب 47 من صلاة الجمعة. (2) و (3) الوسائل الباب 28 من صلاة العيد. (4) ص 223.
[ 225 ]
والجمال والحديث دال على جوازه للتعرض للرزق اللهم إلا ان يريد به المحصنات أو المملكات كما هو ظاهر كلام ابن الجنيد حيث قال: وتخرج إليها النساء العواتق والعجائز ونقله الثقفى عن نوح بن دراج من قدماء علمائنا. انتهى كلامه في الذكرى ملخصا. ومنها - المريض لما رواه الشيخ والصدوق في الحسن بل الصحيح عن هارون ابن حمزة الغنوى عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (الخروج يوم الفطر والاضحى إلى الجبانة حسن لمن استطاع الخروج إليها. فقلت أرأيت ان كان مريضا لا يستطيع أن يخرج أيصلى في بيته ؟ قال لا) وقد تقدم ان المراد بقوله (لا) نفى الوجوب لما عرفت سابقا من استحبابها فرادى بالنصوص المتقدمة. ومنها - العبد ويدل عليه وعلى الافراد المتقدمة ايضا قول الرضا (ع) في كتاب الفقه (2) (وصلاة العيدين فريضة واجبة مثل صلاة الجمعة إلا على خمسة: المريض والمرأة والمملوك والصبى والمسافر). هذا ما وقفت عليه من الاخبار الدالة على الاستثناء في هذه الصلاة وبموجبه يبقى ما عدا هؤلاء المذكورين داخلين تحت خطاب التكليف إلا ان يقال باستثنائها بالادلة العامة كالاعمى والكبير السن لحصول الحرج والمشقة في السعي عليهما. إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد صرح الاصحاب باستحباب الصلاة لهؤلاء فرادى وجماعة بناء على ما يدعونه من مشروعية الجماعة استحبابا في هذه الصلاة، ويدل عليه فرادى بالنسبة إلى المسافر والمرأة ما تقدم من الاخبار المحمولة على الاستحباب وعلى المريض صحيحة منصور بن حازم المتقدمة (3) في حكاية الصادق عن ابيه (عليهما السلام) انه مرض يوم الاضحى فصلى في بيته ركعتين ثم ضحى. قال في المدارك: وقد حكم الاصحاب باستحبابها ايضا لمن لا تجب عليه الجمعة كالمسافر والعبد والمرأة، وهو حسن وان أمكن المناقشة فيه بعدم الظفر بما يدل عليه بالخصوص. نعم روى سعد بن سعد الاشعري في الصحيح عن الرضا (ع) ثم ساق الرواية
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة العيد (2) ص 12. (3) ص 218.
[ 226 ]
كما تقدمت في المقام ثم قال: وهى محمولة على الاستحباب جمعا بينها وبين قوله (ع) في صحيحة زرارة (1) (انما صلاة العيدين على المقيم) انتهى كلامه زيد مقامه. والعجب منه (قدس سره) انه مع اعترافه بعدم الظفر بما يدل عليه بالخصوص كيف حكم باستحسان ما ذكره الاصحاب وان كان بغير دليل مع مناقشاته للاصحاب في ما قامت الادلة عليه بزعم انها ضعيفة باصطلاحه وان كانت مجبورة بالشهرة بينهم فكيف يوافقهم هنا من غير دليل بالكلية ؟ وربما أوهم قوله: (ما يدل عليه بالخصوص) على وجود دليل بطريق العموم وليس كذلك. وبالجملة فان الذى وقفنا عليه من أخبار المسألة هو ما ذكرناه إلا ان ثبوت الاستحباب بها في المقام عندي لا يخلو من الاشكال لما أشرنا إليه في غير موضع مما تقدم من أن الاستحباب حكم شرعى يتوقف على الدليل الواضح، ومجرد اختلاف الاخبار ليس بدليل إذ مبنى القول بالاستحباب هنا على الجمع بين الاخبار وإلا فلو خلينا وأدلة الثبوت لكانت دالة على الوجوب إلا ان ضرورة الجمع بينهما وبين الاخبار الدالة على السقوط أوجب حملها على الاستحباب. وأيضا فان اخراج ما ظاهره الوجوب عن حقيقة يحتاج إلى القرينة واختلاف الاخبار ليس من قرائن المجاز. ومحل الاشكال في روايات النساء حيث أن ظاهر جملة منها الوجوب عليهن وإلا فروايات المسافر لا إشكال فيها متى حملنا صحيحة سعد بن سعد على ما قدمنا ذكره من أن المراد بها صلاة المسافر مع من يصليها من الحاضرين دون أن ينشئ صلاة وحده أو جماعة مسافرين. وأما رواية سماعة فقد عرفت انها غير ظاهرة الدلالة. ويمكن حمل ما دل على الوجوب في النساء على العجائز منهن فلا ينحصر الجمع في الاستحباب كما ادعوه والله العالم. المسألة الخامسة - أجمع الاصحاب (رضوان الله عليهم) - كما حكاه العلامة في التذكرة والنهاية - على ان وقت صلاة العيدين ما بين طلوع الشمس إلى الزوال.
(1) ص 221.
[ 227 ]
قال في المدارك بعد نقل ذلك: ومستنده حسنة زرارة (1) قال: (قال أبو جعفر (ع) ليس في الفطر والاضحى اذان ولا اقامة اذانهما طلوع الشمس إذا طلعت خرجوا) وموثقة سماعة (2) قال: (سألته عن الغدو إلى المصلى في الفطر والاضحى فقال بعد طلوع الشمس) ثم نقل عن الشيخ في المبسوط ان وقتها إذا طلعت الشمس وارتفعت وانبسطت. ثم قال: وهو احوط. ومقتضى الروايتين ان وقت الخروج إلى المصلى بعد طلوع الشمس، وقال المفيد انه يخرج قبل طلوعها فإذا طلعت صبر هنيئة ثم صلى. انتهى. اقول: لا يخفى ان المدعى في كلامهم هو امتداد الوقت من طلوع الشمس إلى الزوال والخبران المذكوران اللذان جعلهما مستندا لهذه الدعوى انما يدلان على التوقيت بطلوع الشمس بمعنى انه إذا طلعت الشمس خرجوا إلى الصلاة ولا دلالة فيهما على ما يدعونه من الامتداد إلى الزوال فهما غير منطبقين على المدعى بتمامه. ومما يدل ايضا على ما دل عليه الخبران المذكوران ما رواه السيد العابد الزاهد المجاهد رضى الدين على بن طاووس (قدس سره) في كتاب الاقبال (3) باسناده إلى يونس بن عبد الرحمان عن عبد الله بن مسكان عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله يخرج بعد طلوع الشمس). وروى فيه (4) بسنده إلى محمد بن هارون بن موسى باسناده إلى زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: (لا تخرج من بيتك إلا بعد طلوع الشمس). وفى حديث خروج الرضا (عليه السلام) إلى صلاة العيد بتكليف المأمون المروى في كتابي الكافي وعيون أخبار الرضا (عليه السلام) (5) (فلما طلعت الشمس قام فاغتسل وتعمم ثم ساق الخبر في كيفية خروجه (عليه السلام).
(1) (2) الوسائل الباب 29 من صلاة العيد. (3) و (4) الوسائل الباب 18 من صلاة العيد. (5) الوسائل الباب 19 من صلاة العيد.
[ 228 ]
ولم اقف في الاخبار بعد التتبع التام على ما يدل على الامتداد إلى الزوال كما ذكروه ولا اعرف لهم مستندا غير الاجماع الذى ادعوه مع ظهور الخلاف من ظاهر عبارتي الشيخين المنقولتين. والعجب من السيد السند (طاب ثراه) انه مع مناقشاته الاصحاب وعدوله عن ما عليه اتفاقهم في جملة من الاحكام كما لا يخفى على من له انس بكتابه مع قيام الادلة على ما يدعونه بمناقشاته في اسانيد أدلتهم والجمود هنا على ما ذكروه من غير دليل. وأعجب منه استدلاله لهم بهذين الخبرين والحال كما عرفت. نعم ربما يشير إلى ما ذكروه من الامتداد صحيحة محمد بن قيس الدالة على قضاء صلاة العيد في الغد مع ثبوت الرؤية بعد الزوال (1) لقوله فيها (إذا شهد عند الامام شاهدان انهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوما أمر الامام بالافطار في ذلك اليوم إذا كانا شهدا قبل زوال الشمس فان شهدا بعد زوال الشمس أمر الامام بافطار ذلك اليوم واخر الصلاة إلى الغد. قال في الوافى: هكذا وجد في النسخ والظاهر سقوط (وصلى بهم) بعد قوله في (ذلك اليوم) اولا ويجوز انه قد اكتفى عنه بالظهور. انتهى. اقول: أنت خبير بانه مع تسليم صحة ما ذكره فغاية ما يدل عليه الخبر ثبوت الامتداد في هذه الصورة ولعله مقصور عليها من حيث الضرورة وعدم امكان الصلاة في ذلك الوقت المذكور في الاخبار لفواته فلا يثبت به الحكم كليا وإلا فمن المحتمل قريبا في الخبر المذكور ان جملة (واخر الصلاة إلى الغد) مستأنفة لا معطوفة على الجملة الجزائية، وحاصل الكلام انه أمر بالافطار مع ثبوت الرؤية قبل الزوال أو بعد الزوال وعلى كل منهما أخر الصلاة إلى الغد لفوات وقتها. ويؤيده اطلاق الخبر الذى معه وهو مرفوعة محمد بن احمد (2) قال: (إذا
(1) الوسائل الباب 9 من صلاة العيد. وتتمة الرواية هكذا (فصلى بهم). (2) الوسائل الباب 9 من صلاة العيد.
[ 229 ]
أصبح الناس صياما ولم يروا الهلال وجاء قوم عدول يشهدون على الرؤية فليفطروا وليخرجوا من الغد أول النهار إلى عيدهم) فانه كما ترى مطلق في كون ثبوت الرؤية قبل الزوال أو بعده. قال في الوافى بعد ذكر هذا الخبر ايضا: يعنى إذا شهدوا بعد فوات الوقت. ومراده يعنى بعد الزوال الذى هو آخر الوقت بقرينة كلامه الاول. ولا يخفى عليك ان صحة هذه التأويلات التى ذكرها في ذيل كل من هذين الخبرين موقوفة على قيام الدليل على ما ادعوه من الامتداد إلى الزوال وقد عرفت انه لا دليل عليه، وحينئذ فلا ثمرة لهذه التأويلات واخراج الاخبار عن ظاهرها من غير معارض. ويعضد ما ذكرناه ما رواه في كتاب دعائم الاسلام عن على (ع) (1) (في القوم لا يرون الهلال فيصبحون صياما حتى يمضى وقت صلاة العيد من أول النهار فيشهد شهود عدول انهم رأوه من ليلتهم الماضية ؟ قال يفطرون ويخرجون من غد فيصلون صلاة العيد في اول النهار) فانها كما ترى ظاهرة الدلالة في أن وقت صلاة العيد أول النهار وهو بعد طلوع الشمس كما صرحت به الاخبار المتقدمة، وان الشهود إذا كانوا انما شهدوا بعد مضى ذلك الوقت افطر الناس واخروا صلاة العيد إلى الغد وبالجملة فانه لا يظهر لما ذكروه (رضوان الله عليهم) دليل غير الاجماع الذى ادعوه، وطرح هذه الاخبار التى قدمناها مع صحة بعضها صراحة الجميع في مقابلة هذا الاجماع مما لا يتجشمه ذو دين سيما مع ظهور القدح في اجماعاتهم كما تقدم في صلاة الجمعة وفى هذا الاجماع بخصوصه بمخالفة الشيخين المذكورين كما اشرنا إليه. وحمل تلك الاخبار على معنى تتفق به مع الاجماع المذكور غير ظاهر. وانت خبير بان البحث في هذه المسألة نظير ما تقدم في وقت صلاة الجمعة حيث ان اكثر الاصحاب على الامتداد فيه إلى المثل ومنهم من زاد على ذلك وجعله
(1) مستدرك الوسائل الباب 6 من صلاة العيد.
[ 230 ]
ممتدا بامتداد وقت الظهر ومنهم من خصه بساعة الزوال، وهذا هو المؤيد بالاخبار كما قدمنا بيانه وشيدنا أركانه. وظاهر صاحب المدارك في تلك المسألة الميل إلى ما دلت عليه تلك الاخبار المخالفة للقول المشهور وهنا الميل إلى القول المشهور مع عدم الدليل عليه بل قيام الدليل على خلافه، وسؤال الفرق متجه. والله العالم. المسألة السادسة - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في قضاء صلاة العيد وعدمه لو زالت الشمس ولم تصل بالكلية وكذا لو صليت ولكن فات ذلك بعض المكلفين، ثم على تقدير القول بالقضاء في الصورة الثانية فهل تقتضي ركعتين أم أربعا ؟
والكلام هنا يقع في مقامين:
(الاول) في القضاء وعدمه لو لم تصل بالكلية قال في المختلف: لو لم تثبت رؤية الهلال إلا بعد الزوال أفطر وسقطت الصلاة فرضا ونفلا، وقال ابن الجنيد ان تحققت الرؤية بعد الزوال افطروا وغدوا إلى العيد، لنا ان الوقت قد فات والاصل عدم القضاء فانه انما يجب بامر متجدد ولم يثبت بل قد ورد ان من فاتته مع الامام فلا قضاء عليه (1) ولان شرطها شرط الجمعة ومن شرائط الجمعة بقاء الوقت فكذا ما ساواها. احتج القائلون بالقضاء بما ورد من أن من فاتته صلاة فريضة فليقضها كما فاتته (2) والجواب المراد بذلك الصلاة اليومية لظهورها عند الاطلاق. انتهى. وقال الشهيد في الذكرى: لو ثبت الرؤية من الغد فان كان قبل الزوال صليت العيد وان كان بعده سقطت إلا على القول بالقضاء. وقال ابن الجنيد ان تحققت الرؤية بعد الزوال أفطروا وغدوا إلى العيد لما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) (3) انه قال: (فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون عرفتكم يوم تعرفون) وروى (4) (ان ركبا
(1) ص 203. (2) الوسائل الباب 6 من قضاء الصلوات. (3) كنز العمال ج 4 ص 302 والمهذب للشيرازي ج 1 ص 121. (4) سنن البيهقي ج 4 ص 249.
[ 231 ]
شهدوا عنده (صلى الله عليه وآله) انهم راوا الهلال فامر هم ان يفطروا وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم) وهذه الاخبار لم تثبت من طرقنا. انتهى. وعلى هذا النهج كلام غيرهم من المتأخرين بل ظاهر العلامة في المنتهى كون ذلك متفقا عليه عندنا. أقول: العجب منهم (رضوان الله عليهم) في ما ذكروه في هذا المقام مع وجود الادلة على القضاء في الصورة المذكورة وهو ما قدمناه في سابق هذه المسألة من صحيحة محمد بن قيس ومرفوعة محمد بن احمد ورواية كتاب الدعائم، وظاهر الكليني والصدوق ايضا القول بذلك حيث انه في الكافي (1) قال: (باب ما يجب على الناس إذا صح عندهم بالرواية يوم الفطر بعدما أصبحوا صائمين) ثم أورد الخبرين المتقدمين. وأما الصدوق فانه قال أيضا (2): باب ما يجب على الناس إلى آخر ما ذكره الكليني ثم أورد رواية محمد بن قيس ثم قال وفى خبر ثم أورد مرفوعة محمد بن أحمد المذكورة مؤيدا ذلك بما قدمه في صدر كتابه.
(الثاني) في القضاء لو لم تدرك الصلاة مع الجماعة، وقد اضطرب كلامهم في هذا المقام والمشهور عدم القضاء قال في المدارك بعد قول المصنف (ولو فاتت لم تقض) ما صورته: اطلاق العبارة يقتضى عدم الفرق في الصلاة بين كونها فرضا أو نفلا وفى الفوات بين أن يكون عمدا أو نسيانا، وبهذا التعميم صرح في التذكرة وقال ان سقوط القضاء مذهب اكثر الاصحاب. وقال الشيخ في التهذيب من فاتته الصلاة يوم العيد لا يجب عليه القضاء ويجوز أن يصلى ان شاء ركعتين وان شاء أربعا من غير أن يقصد بها القضاء وقال ابن ادريس يستحب قضاؤها. وقال ابن حمزة إذا فاتت لا يلزم قضاؤها إلا إذا وصل في حال الخطبة وجلس مستمعا لها. وقال ابن الجنيد من فاتته ولحق الخطبتين صلاها أربعا مفصولات يعنى بتسليمتين. ونحوه قال على بن بابويه إلا انه قال يصليها بتسليمة. والاصح السقوط مطلقا. ثم استدل على ذلك بان القضاء
(1) الفروع ج 1 ص 210. (2) الفقيه ج 2 ص 109.
[ 232 ]
فرض مستأنف فيتوقف على الدلالة ولا دلالة، وبصحيحة زرارة (1) الدلالة على ان من لم يصل مع الامام في جماعة يوم العيد فلا صلاة له ولا قضاء عليه. ثم نقل عن القائلين بانها أربع الاحتجاج برواية ابى البخترى عن جعفر عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: (من فاتته صلاة العيد فليصل اربعا ثم أجاب بالطعن في السند وبمنع الدلالة فان الاربع لا يتعين كونها قضاء. انتهى. اقول: لا يخفى ما في كلامهم هنا من الاجمال بل الاختلال وذلك انك قد عرفت في سابق هذه المسألة انهم اجمعوا على ان وقت صلاة العيد ممتد إلى الزوال وحينئذ فالقضاء الذى هو عبارة عن فعل العبادة في خارج وقتها لا يصدق إلا على ما كان بعد الزوال مع ان ظاهر كلامهم واختلافهم هنا يعطى ان المراد بالقضاء انما هو ما بعد فوات الجماعة كما يعطيه مذهب ابن حمزة وابن الجنيد وابن بابويه من فرضهم المسألة في من لحق الخطبة واستمع لها فانه يصلى بعدها ركعتين أو اربعا على الخلاف، وهذا لا يسمى قضاء وانما يرجع إلى ما قدمناه من ان من لم يدرك الجماعة أو كان له عذر عن حضورها فانه يستحب له أن يصلى صلاة العيد ركعتين، وهذا هو الذي دلت عليه الاخبار المتقدمة واتفقت عليه كلمات الاصحاب، وانما وقع الخلاف والاشكال في كون ذلك الاستحباب مخصوصا بالفرادى أو يشمل الجماعة ايضا، وحينئذ فذكر هذه المسألة هنا ونقل هذه الاقوال مما لا وجه له ولا معنى بالكلية إذ القضاء كما يدعونه غير متجه كما عرفت. (فان قيل) يمكن حمل القضاء في كلامهم هنا على مجرد الاتيان بها فالقضاء بمعنى الفعل كما في قوله سبحانه وتعالى (فإذا قضيت الصلاة) (3). (قلنا) الحمل على هذا المعنى ينافيه مقابلة هذه الاقوال بسقوط القضاء الذى
(1) ص 203. (2) الوسائل الباب 5 من صلاة العيد. والسند هكذا (عن ابيه عن علي قال). (3) سورة الجمعة الاية 9.
[ 233 ]
هو المشهور، إذ ليس المراد بالقضاء هنا إلا الاتيان بها خارج الوقت كما عرفت من احتجاج صاحب المدارك، مع ان المشهور استحباب الاتيان بها مع اختلال الشرائط فرادى وجماعة كما تقدم، فلو كان مرادهم بالقضاء انما هو مجرد الفعل لكان معنى القول المشهور بانه لا قضاء يعنى لا تفعل بعد ذلك مع ان المشهور هو فعلها كما عرفت. وبالجملة فان كلامهم هنا لا يخلو من تشويش واجمال كما أوضحناه بحمد الملك المتعال. نعم هذا الخلاف انما يتجه على ما اخترناه وصرحنا به آنفا من أن وقت صلاة العيد هو طلوع الشمس إلى أن يأتي بها جماعة فلو فات هذا الوقت وانقضت صلاة الجماعة فيه صدق القضاء لخروج الوقت الذى ذكرناه، وهذا هو الذى دلت عليه صحيحة زرارة المذكورة (1) فاطلاق القضاء فيها مؤيد لما اخترناه من تخصيص الوقت بما قلناه، ففيها تأييد ظاهر لما ذكرناه من الوقت وان خالف المشهور فان ذلك هو مقتضى الادلة كما عرفت وهذا الخبر من جملتها. بقى الكلام هنا في أشياء: أحدها - ان ظاهر كلام المدارك عدم وجود دليل لا بن حمزة في ما نقله عنه من تخصيصه وجوب القضاء بما إذا وصل حال الخطبة وجلس مستمعا، حيث ذكر الدليل للقول المشهور ولمذهب ابن الجنيد وابن بابويه ولم يتعرض لدليل ابن حمزة، وقد استدل له في المختلف برواية زرارة عن عبد الله (ع) (2) قال قال: (إذا ادركت الامام على الخطبة تجلس حتى يفرغ من خطبته ثم تقوم فتصلى.. الحديث) وهى ظاهرة الدلالة على القول المذكور. وثانيا - في ما دل على الصلاة أربع ركعات والمروى في كتب الاخبار المشهورة هو ما قدمناه من رواية ابى البخترى ونحوها في كتاب دعائم الاسلام حيث روى فيه عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3) (انه سئل عن الرجل لا يشهد العيد
(1) ص 219 (2) الوسائل الباب 8 من صلاة العيد. والرواية كما في المختلف ايضا هكذا قال: (قلت ادركت الامام علي الخطبة ؟ قال تجلس حتى يفرغ من خطبته ثم تقوم فتصلي) (3) مستدرك الوسائل الباب 2 و 3 من صلاة العيد.
[ 234 ]
هل عليه ان يصلى في بيته ؟ قال نعم ولا صلاة إلا مع امام عدل، ومن يشهد من رجل أو امرأة صلى أربع ركعات ركعتين للعيد وركعتين للخطبة، وكذلك من لم يشهد العيد من أهل البوادى يصلون لا نفسهم أربعا). والاظهر عندي حمل ما دل على الاربع التقية لما ذكره بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين من ان جمعا من العامة ذهبوا إلى ذلك مع اختلافهم ايضا في انها تقضى بسلام واحد أو سلامين، ورووا عن ابن مسعود مضمون هذا الخبر (1) بل رووا عن على (ع) في حديث هذه صورته (2) (قيل لعلى (ع)
(1) في البداية لابن رشد ج 1 ص 201 (اختلفوا في من تفوته صلاة العيد مع الامام فقال قوم يصلى اربعا قال به احمد، وقال قوم يقضيها على صفة صلاة الامام وبه قال الشافعي وابو ثور، وقال قوم بل ركعتين لا يجهر فيهما ولا يكبر تكبيرة العيد، وقال قوم ان صلى الامام في المصلى صلى ركعتين وان صلى في غير المصلى صلى اربع ركعات، وقال قوم لا قضاء عليه وبه قال مالك واصحابه) وفي المغني ج 2 ص 390 (من فاتته صلاة العيد فلا قضاء عليه لانها فرض كفاية وقام بها من حصلت به الكفاية فان احب قضاءها فهو مخير ان شاء صلاها اربعا اما بسلام واحد واما بسلامين، روى هذا عن ابن مسعود وهو قول الثوري ثم ذكر رواية هزيل بن شرحبيل انه قيل لعلي عليه السلام (لو امرت رجلا يصلى بضعفة الناس هونا في المسجد الاكبر قال ان امرت رجلا يصلى بهم امرت ان يصلى بهم اربعا) وروى انه استخلف ابا مسعود فصلى بهم في المسجد وقال احمد انها قضاء صلاة عيد فكان اربعا كالجمعة. وان شاء صلى ركعتين كصلاة التطوع وهذا قول الاوزاعي، وان شاء صلاها على صفة صلاة العيد بتكبير، نقل ذلك عن احمد واختاره الجوزجاني وهو قول النخعي ومالك والشافعي وابي ثور وابن المنذر) وفي الانصاف في الفقه الحنبلي ج 2 ص 433 ذكر ان اشهر الروايات عن احمد قضاؤها على صفة صلاة العيد، ثم ذكر رواية عنه انه يقضيها اربعا بلا تكبير بسلام واحد ورواية اخرى قضاءها اربعا بلا تكبير بسلام أو سلامين. (2) المغني ج 2 ص 372 قال: وروينا عن علي انه قيل له... ولم ينسبه إلى مصدر من مصادر الحديث.
[ 235 ]
قد اجتمع في المسجد ضعفاء الناس وعميانهم فلو صليت بهم في المسجد فقال اخالف السنة اذن ولكن نخرج إلى المصلى واستخلف من يصلى بهم في المسجد أربعا) وقد عرفت مما قدمناه (1) من أخبار أهل البيت (عليهم السلام) انكار استخلافه (ع) ردا لهذا الخبر. وثالثها - ان الروايات المتقدمة في المقام الاول صريحة كما عرفت وجوب القضاء لو فات وقت الصلاة، وصحيحة زرارة المذكورة في هذا المقام صريحة في العدم والذى يظهر لى من الجمع بينهما هو حمل الروايات الاولة على فوات الصلاة من أصلها بحيث لم تصل بالكلية فانه يجب القضاء على عامة المكلفين بها اداء من الامام والمأمومين كما هو موردها، والصحيحة المذكورة على الاتيان بالصلاة وفواتها بالنسبة إلى بعض المكلفين كما هو مورد أيضا، فيحمل كل منهما على مورده. ورابعها - انه مع وجوب القضاء كما دلت عليه الاخبار الاولة فما السبب في التأخير إلى الغد ولم لا يقع في ذلك اليوم بعينه ؟ فان القضاء لا يختص بوقت بل ربما تعين ساعة الذكر كما تقدم في قضاء اليومية، ولعل الوجه في ذلك هو تحصيل مثل الوقت الموظف الذى هو عبارة عن أول النهار من اليوم الثاني كما صرحت به تلك الاخبار. وبالجملة فانه بعد ورود الاخبار عنهم (عليهم السلام) بذلك يجب القول بها ولا يجب علينا طلب العلة وهو مرجوع إليهم (عليهم السلام). وظاهر كلام شيخنا المجلسي في البحار كونها في الصورة المذكورة اداء، قال وظاهر الروايات كونها اداء. اقول وعلى هذا يزول الاشكال. ثم نقل عن العامة انهم اختلفوا في ذلك فذهب بعضهم إلى انه يأتي بها في الغد قضاء وبعضهم اداء وبعضهم نفوها مطلقا (2) ثم قال ولعل الاحوط إذا فعلها ان لا ينوى الاداء ولا
(1) ص 208 و 209. (2) عمدة القارئ ج 3 ص 399 ونيل الاوطار ج 3 ص 163 والانصاف ج 2 ص 420 و 426.
[ 236 ]
القضاء. انتهى. والله العالم.
(المسألة السابعة) لو اتفق العيد والجمعة فقد اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ذلك، فقال الشيخ في جملة من كتبه أنه يتخير من صلى العيد في حضور الجمعة وعدمه، ونحوه قال الشيخ المفيد في المقنعة ورواه ابن بابويه في كتابه، واختاره ابن ادريس، واليه ذهب اكثر المتأخرين بل نسبة العلامة في المنتهى إلى من عدا ابى الصلاح وفى الذكرى إلى الاكثر، ونقل عن ابن الجنيد في ظاهر كلامه اختصاص الترخيص بمن كان قاضى المنزل، واختاره العلامة في بعض كتبه. وقال أبو الصلاح قد وردت الرواية إذا اجتمع عيد وجمعة ان المكلف مخير في حضور أيهما شاء، والظاهر في المسألة وجوب عقد الصلاتين وحضورهما على من خوطب بذلك. وقريب منه كلام ابن البراج وابن زهرة. والذى وقفت عليه من الاخبار في هذه المسألة ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن الحلبي (1) (انه سأل أبا عبد الله (ع) عن الفطر والاضحى إذا اجتمعا يوم الجمعة قال اجتمعا في زمان على (ع) فقال من شاء أن يأتي الجمعة فليأت ومن قعد فلا يضره وليصل الظهر. وخطب على (ع) خطبتين جمع فيهما خطبة العيد وخطبة الجمعة). وما رواه في الكافي عن سلمة عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (اجتمع عيدان على عهد أمير المؤمنين (ع) فخطب الناس هذا يوم اجتمع فيه عيدان فمن أحب أن يجمع معنا فليفعل ومن لم يفعل فان له. رخصة يعنى من كان متنحيا). وما رواه في التهذيب عن اسحاق بن عمار عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (3) (ان على بن ابى طالب (ع) كان يقول إذا اجتمع عيدان للناس في يوم واحد فانه ينبغى للامام ان يقول للناس في خطبته الاولى انه قد اجتمع لكم
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 15 من صلاة العيد.
[ 237 ]
عيدان فانا اصليهما جميعا فمن كان مكانه قاصيا فاحب أن ينصرف عن الاخر فقد أذنت له. وما رواه في كتاب دعائم الاسلام عن على (ع) (1) (انه اجتمع في خلافته عيدان في يوم واحد جمعة وعيد فصلى بالناس صلاة العيد ثم قال قد اذنت لمن كان مكانه قاصيا - يعنى من أهل البوادى - أن ينصرف ثم صلى الجمعة بالناس في المسجد). واختار في المدارك القول الاول واستدل عليه بصحيحة الحلبي المذكورة ثم نقل احتجاج ابن الجنيد برواية اسحاق بن عمار ونحوها رواية سلمة، ثم قال والجواب بعد تسليم السند منع الدلالة على اختصاص الرخصة بالنائى فان استحباب اذن الامام في الخطبة للنائى في عدم الحضور لا يقتضى وجوب الحضور على غيره. ثم قال احتج القائلون بوجوب الصلاتين بان دليل الحضور فيهما قطعي وخبر الواحد المتضمن لسقوط الجمعة والحال هذه انما يفيد الظن فلا يعارض القطع. وأجاب عنه في الذكرى بان الخبر المتلقى بالقبول المعمول عليه عند معظم الاصحاب في قوة المتواتر فيلحق بالقطعي، وبان نفى الحرج والعسر يدل على ذلك ايضا فيكون الخبر معتضدا بالكتاب العزيز. هذا كلامه (قدس سره) وفيه بحث طويل ليس هذا محله. انتهى. أقول ومنه يعلم أدلة الاقوال في المقام وما يتعلق بها من النقض والابرام والتحقيق عندي في هذه المسألة ان يقال لا ريب ان من يرى العمل بهذا الاصطلاح فان الاظهر من هذه الاقوال عنده هو القول الاول للصحيحة المذكورة وضعف ما عارضها من الروايات المذكورة، وأما ما عارضها من الادلة الدالة على وجوب الجمعة كتابا وسنة فالظهر انها تخصص بها كما وقع لهم في غير موضع من تخصيص عموم ادلة الكتاب والسنة بالخبر الصحيح، وأما من لا يرن العمل به بل يحكم بصحة جميع الاخبار الواردة ولكن يحكم بالحاقه بالصحيح لشهرته بين الاصحاب وتلقيه بالقبول كما سمعت من كلام الذكرى فانه يجب ان يكون الاظهر عنده
(1) مستدرك الوسائل الباب 12 من صلاة العيد.
[ 238 ]
هو ما ذكره ابن الجنيد. وتوضيحه ان صحيحة الحلبي وان دلت باطلاقها على السقوط عن كل من حضر العيد من أهل المصر وغيرهم من أهل القرى إلا ان الروايات الاخر قد خصت الرخصة بالنائى من أهل القرى، فيجب حمل اطلاق الصحيحة المذكورة على ما فصلته هذه الروايات حمل المطلق على المقيد كما هو القاعدة المسلمة بينهم. وأما قوله في المدارك - في منع دلالة الروايتين المذكورتين في كلامه: ان اذن الامام للنائى في عدم الحضور لا يقضى وجوب الحضور على غيره - فهو مغالطة لان أحدا لا يدعى ذلك وانما الوجه في ذلك هو ان الادلة من الكتاب والسنة قد دلت على وجوب الجمعة فسقوطها يحتاج إلى دليل، والروايات هنا مع صحتها كما هو المفروض قد دل بعضها على السقوط مطلقا وبعضها على تخصيص السقوط بالنائى، ومقتضى الجمع حمل مطلقها على مقيدها وبها حينئذ يخص عموم الكتاب والسنة، واللازم من ذلك هو ما قلناه من تخصيص الرخصة بالنائى خاصة. وبذلك يظهر لك ضعف قول من ذهب إلى السقوط مطلقا كما هو القول الاول لما فيه من اطراح هذه الاخبار مع امكان الجمع بينها وبين الصحيحة المذكورة بما ذكرناه، وضعف قول من ذهب إلى الوجوب مطلقا كما هو قول ابى الصلاح ومن معه لما ذكرنا من تخصيص تلك الادلة بهذه الاخبار بعد جمعها على ذلك الوجه الواضح المنار وأماما ذكره في الذكرى - من ان البعد والقرب من الامور الاضافية فيصدق القاضى على من بعد بادنى بعد فيدخل الجميع إلا من كان مجاورا للمسجد، وجعل هذا وجه جمع بين الاخبار ومن ثم قال بالقول الاول مع ما ذكره من الاعتماد على روايتي اسحاق وسلمة - فبعده اظهر من أن يخفى، إذ المتبادر عرقا من القاضى هنا انما هو من كان خارجا عن المصر وهم أصحاب القرى الخارجة كما صرح به صاحب كتاب الدائم، وهذا هو المعنى الذى فهمه عامة الاصحاب لانه هو المتبادر المنساق إلى الفهم في هذا الباب، وقد اعترف هو نفسه بذلك ايصافقال بعد ذكر
[ 239 ]
ما قدمنا نقله عنه: وربما صار بعض إلى تفسير القاصي باهل القرى دون أهل البلد لانه المتعارف. انتهى. وتخصيصه بالبعض المؤذن بوجود بعض آخر قائل بما ذهب إليه لا وجه له فان من أمعن النظر في كلام الاصحاب لا يخفى عليه ان ما ذكره (قدس سره) مخصوص به. ثم على تقدير القول المشهور من تخيير الجميع المؤذن بسقوط الوجوب عنهم فهل يجب الحضور على الامام أم لا ؟ قطع جمع من الاصحاب: منهم - المرتضى في المصباح على ما نقل عنه بوجوب الحضور عليه فان اجتمع معه العدد صلى الجمعة وإلا سقطت وصلى الظهر. قال في المدارك وربما ظهر من الشيخ في الخلاف تخيير الامام ايضا ولا بأس به. انتهى. اقول: لا يخفى ثبوت البأس في ما نفي عنه البأس (اما أولا) فللادلة العامة في وجوب الحضور للجمعة وهى قطعة لا معارض لها هنا. و (اما ثانيا) فلقوله (ع) في خبر اسحاق به عمار (1) (فانا اصليهما جميعا) وقوله (ع) في خبر سلمة (ان يجمع معنا) وفي خبر الدعائم (2) (قد أذنت لمن كان مكانه قاصيا). وبالجملة فان المفهوم من هذه الاخبار ان التخيير إنما هو للمأمومين كما تشعر به الصحيحة المذكورة أو لخصوص القاصي كما تشعر به الروايات الاخر. قال في الذكرى: تنبيه - ظاهر كلام الشيخ في الخلاف تخيير الامام ايضا وصرح المرتضى بوجوب الحضور عليه وهو الاقرب لوجود المقتضى مع عدم المنافى، ولما مر في خبر اسحاق (وانا اصليهما جميعا) انتهى. وهو جيد. ونقل في الذخيرة القول بالوجوب على الامام عن ابى الصلاح وابن البراج والمحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى والشهيد في الذكرى وهو الحق في المسألة.
(1) ص 236 (2) ص 237.
[ 240 ]
ثم انهم صرحوا بانه يستحب للامام الاعلام بذلك في الخطبة تأسيا بامير المؤمنين (ع) (1) وهو جيد. وهو العالم. البحث الثاني - في الكيفية وكيفيتها أن يكبر تكبيرة الاحرام ويقرأ الحمد وسورة ثم يكبر بعد القراءة على الاظهر ثم يقنت بالمرسوم حتى يكبر خمسا ثم يكبر ويركع فإذا سجد السجدتين قام وقرأ الحمد وسورة ثم يكبر أربعا ويقنت بعد كل تكبيرة ثم يكبر خامسة للركوع ويركع، فيكون الزائد على المعتاد تسع تكبيرات خمس في الاولى واربع في الثانية. والاصل في هذه الكيفية الاخبار الواردة عن أهل العصمة (عليهم السلام) ومنها - ما رواه ثقة الاسلام في الكافي عن معاوية بن عمار (2) قال: (سألته عن صلاة العيدين فقال ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شئ وليس فيهما اذان ولا اقامة، يكبر فيهما اثنتى عشرة تكبيرة: يبدأ فيكبر يفتتح الصلاة ثم يقرأ فاتحة الكتاب ثم يقرأ (والشمس وضحاها) ثم يكبر خمس تكبيرات ثم يكبر ويركع فيكون يركع بالسابعة ثم يسجد سجدتين ثم يقوم فيقرأ فاتحة الكتاب (وهل اتاك حديث الغاشية) ثم يكبر أربع تكبيرات ويسجد سجدتين ويتشهد ويسلم. قال: وكذلك صنع رسول الله (صلى الله عليه وآله) والخطبة بعد الصلاة وانما أحدث الخطبة قبل الصلاة عثمان... الحديث). ومنها - ما رواه عن على بن ابى حمزة عن ابى عبد الله (ع) (3) (في صلاة العيدين قال يكبر ثم يقرأ ثم يكبر خمسا ويقنت بين كل تكبيرتين ثم يكبر السابعة ويركع بها، ثم يسجد ثم يقوم في الثانية فيقرأ ثم يكبر أربعا ويقنت بين كل تكبيرتين ثم يكبر ويركع بها). ومنها - ما رواه الشيخ في التهذيب عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) (4) (1) كما دلت عليه صحيحة الحلبي ورواية سلمة المتقدمتان ص 236 (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد.
[ 241 ]
قال: (التكبير في الفطر والاضحى اثنتا عشرة تكبيرة: يكبر في الاولى واحدة ثم يقرأ ثم يكبر بعد القراءة خمس تكبيرات والسابعة يركع بها، ثم يقوم في الثانية فيقرأ ثم يكبر اربعا والخامسة يركع بها... الحديث). وعن يعقوب بن يقطين في الصحيح (1) قال: (سألت العبد الصالح (ع) عن التكبير في العيدين أقبل القراءة أو بعدها ؟ وكم عدد التكبير في الاولى وفى الثانية والدعاء بينهما وهل فيهما قنوت أم لا ؟ فقال تكبير العيدين للصلاة قبل الخطبة يكبر تكبيرة يفتتح بها الصلاة ثم يقرأ ويكبر خمسا ويدعو بينهما ثم يكبر اخرى ويركع بها فذلك سبع تكبيرات بالتى افتتح بها، ثم يكبر في الثانية خمسا: يقوم فيقرأ ثم يكبر أربعا ويدعو بينهن ثم يكبر التكبيرة الخامسة). وعن اسماعيل الجعفي عن ابى جعفر (ع) (2) (في صلاة العيدين قال يكبر واحدة يفتتح بها الصلاة ثم يقرأ ام الكتاب وسورة ثم يكبر خمسا يقنت بينهن ثم يكبر واحدة ويركع بها، ثم يقوم فيقرأ ام القرآن وسورة، يقرأ في الاولى (سبح اسم ربك الاعلى) وفى الثانية (والشمس وضحاها) ثم يكبر أربعا ويقنت بينهن ثم يركع بالخامسة). وعن محمد بن مسلم (3) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن التكبير في الفطر والاضحى فقال ابدأ فكبر تكبيرة ثم تقرأ ثم تكبر بعد القراءة خمس تكبيرات ثم تركع بالسابعة، ثم تقوم فتقرأ ثم تكبر اربع تكبيرات ثم تركع بالخامسة. وعن سماعة في الموثق (4) قال: (سألته عن الصلاة يوم الفطر فقال ركعتين بغير اذان ولا اقامة، وينبغى للامام أن يصلي قبل الخطبة، والتكبير في الركعة الاولى يكبر ستا ثم يقرأ يكبر السابعة ثم يركع بها فتلك سبع تكبيرات، ثم يقوم في الثانية فيقرأ فإذا فرغ من القراءة كبر أربعا ثم يكبر الخامسة ويركع بها... الحديث) إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة.
(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد.
[ 242 ]
إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد وقع الخلاف هنا في مواضع:
(الاول) في التكبيرات الزائدة وهى التكبيرات التسع هل هي واجبة أو مستحبة ؟ فالذي عليه الاكثر - ومنهم السيد المرتضى وابن الجنيد وابو الصلاح وابن ادريس - الوجوب وقال الشيخ المفيد في المقنعة: من أخل بالتكبيرات التسع لم يكن مأثوما إلا انه يكون تاركا سنة ومهملا فضلة. وهو صريح في الاستحباب. واستدل له الشيخ في التهذيب بصحيحة زرارة (1) قال: (ان عبد الملك بن اعين سأل أبا جعفر (ع) عن الصلاة في العيدين فقال الصلاة فيهما سواء: يكبر الامام تكبيرة الصلاة قائما كما يصنع في الفريضة ثم يزيد في الركعة الاولى ثلاث تكبيرات وفى الاخرى ثلاثا سوى تكبيرة الصلاة والركوع والسجود، وان شاء ثلاثا وخمسا وان شاء خمسا وسبعا بعد ان يلحق ذلك إلى وتر) قال الشيخ: ألا ترى انه جوز الاقتصار على الثلاث تكبيرات وعلى الخمس تكبيرات وهذا يدل على ان الاخلال بها لا يضر الصلاة. والى هذا القول مال جملة من المتأخرين: منهم - المحقق في المعتبر وغيره. وأجاب في الاستبصار عن هذه الرواية وما في معناها بالحمل على التقية لموافقتها لمذهب كثير من العامة (2) قال ولسنا نعمل به واجماع الفرقة المحقة على ما قدمناه. واستدل في المدارك للقول المشهور - حيث اختاره وجعله الاصح - بالتأسي وظاهر الامر. وانت خبير بان استدلاله بالتأسي هنا لا وجه له وان وقع منه مثله في غير موضع كما وقع منه رد ذلك ايضا في غير موضع، وهذا من جملة المواضع التى اضطرب فيها كلامه كما تقدمت الاشارة إليه في مواضع من الكتاب. والتأسى انما يمكن الاستدلال به على الوجوب في ما علم وجوبه على المعصوم (ع) لا مطلقا كما
(1) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد. (2) نيل الاوطار ج 3 ص 253 والبحر الرائق ج 2 ص 160.
[ 243 ]
صرحوا به في الاصول. نعم الاستدلال بظاهر الامر جيد. ثم ان مما يؤيد ما ذكره الشيخ من صحيحة زرارة ما رواه عن هارون بن حمزة الغنوى عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (سألته عن التكبير في الفطر والاضحى قال خمس واربع فلا يضرك إذا انصرفت على وتر) قوله (خمس واربع) يعنى خمس في الاولى وأربع في الثانية من غير اضافة تكبيرة الاحرام ولا تكبيرة الركوع. وقوله (فلا يضرك إذا انصرفت على وتر) يعنى ان السنة في التكبيرات هو ذكرنا من التسع على الوجه المذكور إلا انه لا يضرك الاقتصار على ما دون ذلك مع كون اتمام التكبير على وتر فيهما معا كما في الخبر أو في كل واحدة كما في صحيحة زرارة المذكورة. وقال في كتاب الفقه الرضوي (2) بعد أن ذكر أولا كيفية الصلاة على نحو ما قدمناه في الاخبار: وروى ان أمير المؤمنين (ع) صلى بالناس صلاة العيد فكبر في الركعة الاولى بثلاث تكبيرات وفى الثانية بخمس تكبيرات وقرأ فيهما (سبح اسم ربك الاعلى وهل اتاك حديث الغاشية) وروى انه كبر في الاولى بسبع وكبر في الثانية بخمس وركع بالخامسة، وقنت بين كل تكبيرتين. وكيف كان فالاقرب هو القول المشهور مع تأيده بالاحتياط وتوقف الخروج عن عهدة التكليف على الاتيان بذلك وتعين حمل ما خالفه على التقية (3) كما صرح به في الاستبصار. والله العالم. الثاني - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في التكبير في الركعتين هل هو بعد القراءة فيهما معا أو في الثانية خاصة وأما الاولى فقبلها أو يفرق في الثانية فتجعل واحدة قبل القراءة والباقى بعدها ؟ على اقوال، والمشهور الاول ونقله في المدارك عن معظم الاصحاب، قال: ومنهم - الشيخ والمرتضى وابن بابويه وابن
(1) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد. (2) ص 12. (3) التعليقة 2 ص 242.
[ 244 ]
ابى عقيل وابن حمزة وابن ادريس، وقال ابن الجنيد التكبير في الاولى قبل القراءة وفي الثانية بعدها، وقال الشيخ المفيد يكبر للقيام إلى الثانية قبل القراءة ثم يكبر بعد القراءة ثلاثا ويقنت ثلاثا. وهذا القول نقله في المختلف عن السيد المرتضى والشيخ المفيد وابى الصلاح وابن البراج وابن زهرة. قال (قدس سره) في الكتاب المذكور: مسألة - قال الشيخ يبدأ بعد تكبيرة الاحرام بالقراءة ثم يكبر التكبيرات للقنوت في الركعة الاولى وفى الثانية يكبر ايضا بعد القراءة، وهو قول السيد المرتضى وابن ابى عقيل وابن حمزة وابن ادريس وابن بابويه والمفيد وابى الصلاح وابن البراج وابن زهرة، ألا ان السيد المرتضى قال: فإذا نهض إلى الثانية كبر وقرأ ثم كبر الباقي بعد القراءة. وكذا قال المفيد وأبو الصلاح وابن البراج وابن زهرة. والظاهر ان مرادهم بالتكبير السابق على القراءة في الركعة الثانية هو تكبيرة القيام إليها. ثم نقل مذهب ابن الجنيد. اقول: وظاهره انه قول مشهور بين المتقدمين فاقتصاره في المدارك على نقل ذلك عن الشيخ المفيد خاصة غفلة منه عن ملاحظة ما في المختلف بل عده ابن بابويه والمرتضى من جملة القائلين بالقول المشهور مع ان الامر ليس كذلك، أما المرتضى فلما عرفت من عبارة المختلف واما ابن بابويه فلما ذكره في الفقيه حيث قال: يبدأ الامام فيكبر واحدة ثم يقرأ الحمد (وسبح اسم ربك الاعلى) ثم يكبر خمسا يقنت بين كل تكبيرتين ثم يركع بالسابعة ويسجد سجدتين فإذا نهض إلى الثانية كبر وقرأ (الحمد والشمس وضحاها) ثم كبر تمام أربع تكبيرات مع تكبيرة القيام ثم يركع بالخامسة. بقى الكلام في مستند هذا القول حيث انه خلاف ما صرحت به اخبار المسألة مما تقدم وسيأتى ان شاء الله تعالى، وعدم وصول المستند الينا لا يدل على العدم فان هؤلاء الاجلاء لا يقولون بذلك إلا مع وصول النص إليهم إلا انا غير مكلفين به مع عدم وصوله الينا. واما مستند القول المشهور فهو ما قدمناه من الاخبار.
[ 245 ]
واما ما ذهب إليه ابن الجنيد فيدل عليه ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله ابن سنان عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (التكبير في العيدين في الاولى سبع قبل القراءة وفى الاخيرة خمس بعد القراءة). وعن اسماعيل بن سعد الاشعري في الصحيح عن الرضا (ع) (2) قال: (سألته عن التكبير في العيدين قال التكبير في الاولى سبع تكبيرات قبل القراءة وفى الاخيرة خمس تكبيرات بعد القراءة). وعن هشام بن الحكم عن ابى عبد الله وحماد عن الحلبي عن ابى عبد الله (ع) (3) (في صلاة العيدين قال تصل القراءة بالقراءة، وقال تبدأ بالتكبير في الاولى ثم تقرأ ثم تركع بالسابعة). وعن سماعة في الموثق (4) قال: (سألته عن الصلاة يوم الفطر فقال ركعتين بغير اذان ولا اقامة... الخبر وقد تقدم في البحث. ومنها - ما رواه الصدوق في الفقيه عن ابى الصباح الكنانى قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن التكبير في العيدين فقال اثنتا عشرة سبع في الاولى وخمس في الاخيرة، فإذا قمت في الصلاة فكبر واحدة وتقول اشهد ان لا إله إلا الله... ثم ساق التكبيرات والادعية بعدها إلى أن قال وتقرأ الحمد (وسبح اسم ربك الاعلى) وتكبر السابعة وتركع وتسجد وتقوم وتقرأ الحمد (والشمس وضحاها) وتقول الله اكبر اشهد أن لا إله إلا الله... ثم ساق التكبيرات وادعيتها. وأجاب الشيخ في التهذيبين عن هذه الروايات بانها موافقة لمذهب بعض العامة (6) قال في المعتبر بعد نقل ذلك عنه: وليس هذا التأويل بحسن فان ابن بابويه ذكر ذلك في كتابه بعد أن ذكر في خطبته انه لا يودعه إلا ما هو حجة، قال
(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد. (5) الوسائل الباب 26 من صلاة العيد. (6) نيل الاوطار ج 3 ص 253.
[ 246 ]
والاولى ان يقال فيه روايتان أشهرهما بين الاصحاب ما اختاره الشيخ. قال في المدارك بعد نقل ذلك: وهو حسن. اقول - وبالله سبحانه التوفيق إلى هدايته سواء الطريق - ما ذكره هذان الفاضلان محل مظر عندي من وجوه: الاول - انه لا يخفى على من تأمل كتاب من لا يحضره الفقيه ونظره ولا حظه بعين التدبر والتفكر انه لم يبق مصنفه على هذه القاعدة التى ذكرها في صدر كتابه (1) أو انه اراد بها معنى غير ما يتسارع إليه فهم الناظر فيها، حيث انه اورد في الكتاب جملا من الاخبار الظاهرة التناقض من غير تعرض للجمع بينهما وجملا من الاخبار الشاذة النادرة الظاهرة في الموافقة للعامة وجملا من الاخبار المخالفة لما عليه كافة علماء الفرقة سلفا وخلفا مثل خبر الوضوء والغسل بماء الورد (2) وخبر نقض الطهارة بمجرد مس الذكر (3) وخبر طهارة جلد الميتة (4) وامثال ذلك مما مر بنا حال قراءة
(1) ج 1 ص 6. (2) الوسائل الباب 3 من الماء المضاف عن الكليني ورواها الشيخ في التهذيب ج 1 ص 62 عن الكليني وكذا في الاستبصار ج 1 ص 14 والصدوق لم يورد ذلك في الفقيه بنحو الرواية وانما ذكره ج 1 ص 6 بنحو الفتوى. هذا على تقدير ان تكون العبارة كما نقلها المصنف (قدس سره) ج 1 ص 394 هكذا (ولا بأس بالوضوء والغسل من الجنابة والاستياك بماء الورد) واما على تقدير ان تكون العبارة كما هي في الفقيه هكذا (ولا بأس بالوضوء منه والغسل من الجنابة والاستياك بماء الورد) فلا دلالة لها على جواز الوضوء والغسل بماء الورد اصلا وانما تتعرض للاستياك بماء الورد فقط إذ هي واردة عقيب خبر بلوغ الماء القلتين وانه لا ينجسه شئ فهي ناظرة إلى جواز الوضوء والغسل من الماء البالغ قلتين وضمير (منه) راجع إليه. (3) الوسائل الباب 9 من نواقض الوضاء عن الشيخ ولم يورده في الفقيه بنحو الرواية وانما ذكره ج 1 ص 39 بنحو الفتوى. (4) الوسائل الباب 34 من النجاسات.
[ 247 ]
بعض الاخوان في الكتاب علينا. وبالجملة فانا قد صار الامر عندنا في عبارته المذكورة بناء على ما وقفنا عليه في كتابه مما لا شك في عدم العمل بها على ظاهرها كما يقف عليه المتتبع البصير ولا ينبئك مثل خبير. الثاني - ان ما ذكروه - من حجية ما ذكره ابن بابويه في كتابه بناء على ما قدمه في صدره - لا نراهم يقفون عليه دائما ولا يجعلونه كليا وانما يدورون فيه مدار اغراضهم ومقاصدهم، فتارة يحتجون بما في الكتاب بناء على القاعدة المذكورة في صدره وتارة يرمون اخباره بضعف السند إذا لم تكن صحيحة باصطلاحهم ويغمضون النظر عن هذه القاعدة ويلغون ما فيها من الفائدة كما يخفى على من تتبع كتاب المدارك في غير مقام. ومقتضى الوقوف على هذه القاعدة هو الجواب عن اخباره بغير ضعف السند كما لا يخفى. الثالث - ان مرجع كلام هذا القائل إلى التخيير، وفيه انه لا يخفى ان التخيير حكم شرعى يتوقف على ثبوت الدليل الواضح كغيره من الاحكام الشرعية، ومجرد اختلاف الاخبار لا يصلح لان يكون دليلا على ذلك والا لكان ذلك قاعدة كلية في مواضع اختلاف الاخبار ولا اظن هذا القائل يلتزمه، والاخبار المذكورة عارية عن الاشارة فضلا عن الدالة الظاهرة على ما ادعاه. الرابع - ان الائمة (عليهم السلام) قد قرروا لنا قواعد لا ختلاف الاخبار وأمروا بالرجوع إليها في الترجيح بينها واخذ بالراجح في هذا المضمار ومنها العرض على مذهب العامة والاخذ بخلافه (1). والعامة وان كانوا في هذه المسألة مختلفين ايضا إلا ان جملة منهم - كما نقله في المنتهى - على التقديم مطلقا وجملة منهم على التقديم على القراءة في الاولى والتأخير في الثانية كما هو مذهب ابن الجنيد، ونقل الاول في المنتهى عن الشافعي قال: وهو المروى عن ابى هريرة والفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز والزهرى ومالك والليث
(1) الوسائل الباب من 9 صفات القاضي وما يجوز ان يقضى به
[ 248 ]
واحمد في احدى الروايتين، ونقل الثاني عن احمد في الرواية الاخرى وابن مسعود وحذيفة وابى موسى والحسن وابن سيرين والثوري، قال وبه قال اصحاب الرأى (1) ومنه يظهر ان اخبار القول المشهور سالمة من تطرق احتمال التقية بالكلية حيث لا قائل منهم بالتأخير في الركعتين معا وهذه الاخبار موافقة لاهل القول الثاني الذين من جملتهم أبو حنيفة واتباعه وهم المشار إليهم باصحاب الرأى، ولا ريب ان مذهب ابى حنيفة في عصره كان في غاية القوة والشيوع كما لا يخفى على من لاحظ السير والاخبار فيتعين حملها على التقية. ولكن بعض المتصلفين من اصحاب هذا الاصطلاح كما أشرنا إليه في غير موضع مما تقدم يتهافتون على صحة الاسانيد فإذا كان الخبر صحيحا باصطلاحهم جمدوا عليه وان كان مضمونه مخالفا للقواعد الشرعية ومشتملا على العلل الظاهرة غير الخفية، ومتى كان الخبر ضعيفا باصطلاحهم اعرضوا عنه وان اعتضد بموافقة الاصول والكتاب والشهرة بين الاصحاب إلا ان تلجئهم الحاجة إليه فيغمضون عن ذلك. ومما يعضد ما ذكرناه اتفاق الاصحاب على العمل بمضمون ما قدمناه من الاخبار والاعراض عن هذه الاخبار قديما وحديثا سوى ابن الجنيد الذى قد طعنوا عليه بموافقته للعامة في جملة فتاواه بل عمله بالقياس الذى هو من اصول العامة. وبالجملة فالحق هو القول المشهور. وقد وافقنا في هذا المقام الفاضل الخراساني في الذخيرة مع اقتفائه اثر صاحب المدارك في جل الاحكام والجمود على اقواله وأدلته وتشييدها، فقال بعد نقل الجمع بين الاخبار بحمل اخبار ابن الجنيد على التقية: وهو حسن. وقال بعد نقل كلام المعتبر الذى استحسنه صاحب المدارك: وفيه تأمل لا يخفى على المتدبر. وبالجملة فالجمع بما ذكره الشيخ (قدس سره) بين الاخبار جيد لا يعتريه عند
(1) نيل الاوطار ج 3 ص 253.
[ 249 ]
الانصاف شبهة الانكار. والله العالم. الثالث - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في القنوت بعد التكبيرات السبع هل هو واجب أو مستحب ؟ فالاكثر على الاول وهو الذى عليه المعول ونص المرتضى كما ذكره في الذكرى على انه مما انفرد به الامامية، وقال الشيخ في الخلاف انه مستحب لان الاصل براءة الذمة من الوجوب. وظاهر صاحب المدارك الميل إلى ذلك فانه بعد ان احتج للقول الاول بروايتي يعقوب بن يقطين واسماعيل بن جابر (1) نقل عن الشيخ في الخلاف القول بالاستحباب والاحتجاج عليه باصالة براءة الذمة من الوجوب. قال وجوابه ان الاصل يصار إلى خلافه لدليل وقد بيناه. ثم قال: وقد يقال ان هاتين الروايتين لا تنهضان حجة في اثبات حكم مخالف للاصل خصوصا مع معارضتهما بعدة اخبار واردة في مقام البيان خالية من ذكر القنوت. وأنت خبير بما فيه كما لا يخفى على الفطن النبيه (اما اولا) فلانه قد حكم بصحة رواية يعقوب بن يقطين في صدر هذه المقالة في الاستدلال على بيان الكيفية والامر كذلك وان ذكرها هنا عارية عن وصف الصحة، وحينئذ فتمسكه بالاصل في مقابلة الخبر الصحيح الصريح الذى هو دليل شرعى عنده خروج عن قاعدته في هذا الكتاب بل القاعدة المتفق عليها بين الاصحاب. و (أما ثانيا) فان الفضل بالقنوت والامر به هنا ليس منحصرا في هاتين الروايتين بل هو موجود في جملة من الاخبار: ففى صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: (سألته عن الكلام الذى يتكلم به في ما بين التكبيرتين في العيدين فقال ما شئت من الكلام الحسن).
(1) ص 241. (2) الوسائل الباب 26 من صلاة العيد.
[ 250 ]
وفى رواية على بن ابى حمزة عن ابى عبد الله (ع) (1) قال في الركعة الاولى: (ثم يكبر خمسا ويقنت بين كل تكبيرتين... إلى ان قال في الثانية: ثم يكبر أربعا فيقنت بين كل تكبيرتين). وفى رواية بشر بن سعيد عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (تقول في دعاء العيدين بين كل تكبيرتين: الله ربى... إلى آخره). وفى رواية محمد بن عيسى بن ابى منصور عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (تقول بين كل تكبيرتين في صلاة العيدين: اللهم أهل الكبرياء...) وفى رواية جابر عن ابى جعفر (ع) (4) قال: (كان امير المؤمنين (ع) إذا كبر في العيدين قال بين كل تكبيرتين: اشهد ان لا إله إلا الله.. إلى آخره.) وفى موثقة سماعة (5) (وينبغى ان يتضرع بين كل تكبيرتين ويدعو الله) ولفظ (ينبغى) في الاخبار كما قدمنا بيانه مشترك بين الوجوب والاستحباب. وفى رواية الكنانى (6) (فكبر واحدة وتقول أشهد ان لا إله إلا الله.. إلى آخره) ثم ساق التكبيرات والادعية على أثرها. وفى كتاب الفقه الرضوي (7) (تكبير في الركعة الاولى سبع تكبيرات وفى الثاية خمس تكبيرات تقنت بين كل تكبيرتين، والقنوت أن تقول.. إلى آخره). و (أما ثالثا) فان ما ذكره - من المعارضة بعدة من الاخبار الواردة في مقام البيان خالية من ذكر القنوت - مردود بان غايتها ان تكو مطلقة بالنسبة إلى الاتيان بالقنوت وعدمه لا انها دالة على نفيه، ومقتضى الجمع بينها وبين ما ذكرنا من الاخبار هو حمل اطلاقها على هذه الاخبار المقيدة كما هو مقتضى القاعدة المطردة على انه يمكن ان يقال - بل هو الظاهر لا على طريق الاحتمال - ان كون المقام في تلك الاخبار مقام البيان انما هو بالنسبة إلى التكبيرات كما وكيفا لا ختلاف ا لاخبار
(1) و (5) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد (2) و (3) و (4) و (6) الوسائل الباب 26 من صلاة العيد (7) ص 12.
[ 251 ]
- كما عرفت آنفا في ذلك وكون بعضها انما خرج مخرج التقية كما قدمنا ذكره في روايات ابن الجنيد الدالة على ان التكبير في الاولى قبل القراءة (1) وكما تقدم نقله (2) عن الشيخ في الاستبصار في الجواب عن رواية عبد الملك بن اعين الدالة في التكبير على التخيير (ان شاء ثلاثا وخمسا وسبعا بعد ان يلحق ذلك إلى وتر) ونحوها مما قدمنا ذكره، وحينئذ فإذا كان الاختلاف في التكبير على هذا الوجه يكون الغرض من هذه الاخبار البيان بالنسبة إلى الوجه المذكور لا بالنسبة إلى كيفية الصلاة، ويعضد ذلك ان هذه الروايات التى زعم ورودها في مقام البيان انما تضمنت التكبير خاصة دون غيره مما يتعلق بكيفية الصلاة. ومن ذلك يظهر لك ان الظاهر هو القول المشهور من الوجوب في القنوت لوقوع الامر به في جملة من هذه الاخبار وان كان بالجملد الفعلية ويعضده توقف يقين البراءة عليه. وبذلك يتبين لك ايضا ما في كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة حيث انه تبع صاحب المدارك في الاستناد إلى مقام البيان في تلك الاخبار الخالية من ذكر القنوت كما هي عادته غالبا. والله العالم. الرابع - أجمع الاصحاب (رضوان الله عليهم) على وجوب قراءة سورة بعد الحمد وانه لا يتعين في ذلك سورة مخصوصة قاله في التذكرة، وانما اختلفوا في الافضل، فنقل عن الشيخ في الخلاف والمفيد والسيد المرتضى وابى الصلاح وابن البراج وابن زهرة انه الشمس في الاولى والغاشية في الثانية، وقال الشيخ في المبسوط والنهاية انه يقرأ في الاولى الاعلى وفى الثانية الشمس، وهو قول ابن بابويه في المقنع ومن لا يحضره الفقيه. وقال في الذكرى: يجب قراءة الحمد وسورة معها كسائر الفرائض، ولا خلاف في عدم تعين سورة وانما الخلاف في الافضل، فذهب جماعة إلى انه يقرأ
(1) ص 245. (2) ص 242.
[ 252 ]
الاعلى في الاولى والشمس في الثانية، وقال آخرون الشمس في الاولى والغاشية في الثانية، وهذان القولان مشهوران، وقال على بن بابويه يقرأ في الاولى الغاشية وفى الثانية الاعلى، وقال ابن ابى عقيل يقرأ في الاولى الغاشية وفى الثانية والشمس. وقال في المدارك بعد ذكر القول الاول: وعليه دلت صحيحة جميل (1) لانه قال: (سألته ما يقرأ فيهما ؟ قال والشمس وضحاها وهل اتاك حديث الغاشية واشباههما) ثم نقل القول الثاني وذكر انه رواه اسماعيل بن جابر عن الباقر (ع) (2) ثم رد الرواية بضعف السند وقال: والعمل على الاول لصحة مستنده. انتهى. اقول: لا يخفى ان هذه الصحيحة التى نقلها دليلا للقول الاول واختاره لاجلها لا دلالة فيها على ذلك إذ لا اشعار فيها فضلا عن التصريح أو الظهور بما ذكره هؤلاء المشار إليهم، فان المدعى في كلامهم هو أفضلية الشمس في الاولى والغاشية في الثانية. وغاية ما تدل عليه هذه الرواية هو انه يقرأ في صلاة العيدين هاتين السورتين واشباههما في الطول من غير تعرض لا فضلية هاتين السورتين على غيرهما ولا تعرض لو ظيفة الركعة الاولى والثانية من هذه السور، وانما الدليل على هذا القول ما رواه في الكافي بطريق فيه محمد بن عيسى عن يونس عن معاوية ابن عمار وقد تقدمت في صدر البحث (3) وهذه الرواية هي الرواية الصريحة في هذا القول وهى التى اعتمد عليها القائلون به، والظاهر انه انما عدل عنها لضعف سندها ولم ير في هذا الباب رواية صحيحة السند إلا هذه الرواية فالتجأ إلى الاستدلال بها على القول المذكور، وهى عن الدلالة بمعزل لما عرفت من انها لا خصوصية فيها لهاتين السورتين بل هما وما شابههما ومن الظاهر دخول سورة الاعلى ونحوها في ذلك المشابه، ولا تعرض فيها لبيان وظيفة كل ركعة والمدعى ذلك وهو محل الخلاف إذ لا خلاف ولا نزاع في اجزاء هذه السور كيف اتفق انما الخلاف في بيان الفضيلة في التوظيف وتخصيص كل ركعة بسورة فكيف تصلح هذه الرواية للمدعى والحال
(1) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد (2) ص 241 (3) ص 240.
[ 253 ]
كما عرفت ؟ ولكن ضيق الخناق في هذا الاسطلاح أوجب لهم الوقوع في امثال ما قلناه من المجازفات التى تتطرق إليها المناقشات، والواجب بمقتضى العمل باصطلاحه هو ضرب الصفح عن الكلام في هذه المسألة وترجيح شئ من القولين لان اخبار القولين كلها ضعيفة باصطلاحه، وهذا أحد مفاسد هذا الاصطلاح الذى هو إلى الفساد أقرب من الصلاح. وكيف كان فالذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذا المقام ما عرفته من رواية معاوية بن عمار (1) وفيها والشمس وضحاها في الاولى والغاشية في الثانية، ورواية اسماعيل بن جابر (2) وفيها سبح اسم ربك الاعلى في الركعة الاولى وفى الثانية والشمس وضحاها، والاولى دليل القول الاول والثانية دليل القول الثاني كما عرفت، ورواية ابى الصباح الكنانى المتقدم نقلها عن الفقيه (3) وفيها سبح اسم ربك الاعلى في الركعة الاولى والشمس وضحاها في الركعة الثانية وهى موافقة لرواية اسماعيل بن جابر فتكون دليلا للقول الثاني. وقال (ع) في كتاب الفقه الرضوي (4): واقرأ في الركعة الاولى هل أتاك حديث الغاشية وفى الثانية والشمس وضحاها أو سبح اسم ربك الاعلى.. إلى ان قال وروى ان امير المؤمنين (ع) صلى بالناس صلاة العيد فكبر في الاولى بثلاث تكبيرات وفى الثانية بخمس تكبيرات وقرأ فيهما بسبح اسم ربك الاعلى وهل اتاك حديث الغاشية. وفى صحيحة جميل المذكورة آنفا ان الذى يقرأ فيهما الشمس وضحاها وهل أتاك حديث الغاشية وأشباههما. وانت خبير بانه من المحتمل قريبا ان تعيين بعض هذه السور في الركعة الاولى والثانية انما وقع على جهة التمثيل لا الاختصاص على جهة الافضلية كما ادعوه فانه لا قرينة في شئ من هذه الاخبار تؤنس بهذه الافضلية ولا اشعار بالكلية وانما غاية ما تدل عليه انه يقرأ فيها سورة كذا، ويعضد ذلك اطلاق صحيحة جميل واطلاق
(1) ص 240. (2) ص 241. (3) ص 245. (4) ص 12.
[ 254 ]
ما نقله في كتاب الفقه عن أمير المؤمنين (ع) ويشير إليه قوله (ع) في كتاب الفقه وفى الثانية والشمس وضحاها أو سبح اسم ربك الاعلى. ومن كلامه (ع) في الفقه يعلم مستند الشيخ على بن بابويه وابن ابى عقيل في ما تقدم نقله عنهما حيث انهما اتفقا على الغاشية في الاولى واختلفا في الثانية فاحدهما ذكر سورة الشمس والاخر سورة الاعلى، والرواية المذكورة قد دلت على التخيير في الثانية بين هاتين السورتين. والله العالم. الخامس - المشهور انه لا يتعين في القنوت لفظ مخصوص للاصل، وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال (سألته عن الكلام الذى يتكلم به في مابين التكبيرتين في العيد فقال ما شئت من الكلام الحسن) ويعضده اختلاف الروايات في القنوت المرسوم عنهم (عليهم السلام). وربما ظهر من عبارة الشيخ ابى الصلاح قصر الوجوب بما ورد عنهم (عليهم السلام) فانه قال: فليزمه أن يقنت بين كل تكبيرتين فيقول: اللهم أهل الكبرياء والعظمة.. إلى آخره. قال في الذكرى فان إراد به الوجوب تخييرا والافضلية فحق وان أراد به الوجوب عينا فممنوع. وهو جيد. أقول: ومن الاخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) في القنوت في هذه الصلاة ما رواه الشيخ في التهذيب عن محمد بن عيسى بن ابى منصور عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (تقول بين كل تكبيرتين في صلاة العيدين: اللهم أهل الكبرياء والعظمة، واهل الجود والجبروت وأهل العفو والرحمة وأهل التقوى والمغفرة اسألك في هذا اليوم الذى جعلته للمسلمين عيدا ولمحمد صلى الله عليه وآله ذخرا ومزيدا أن تصلى على محمد وآل محمد كأفضل ما صليت على عبد من عبادك وصل على ملائكتك ورسلك واغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الاحياء منهم والاموات، اللهم انى اسألك من خير ما سألك عبارك المرسلون واعوذ بك من شر ما عاذ بك
(1) و (2) الوسائل الباب 26 من صلاة العيد.
[ 255 ]
منه عبادك المرسلون). وعن جابر عن ابى جعفر (ع) (1) قال: (كان أمير المؤمنين (ع) إذا كبر في العيدين قال بين كل تكبيرتين: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله اللهم أهل الكبرياء...) وذكر الدعاء المتقدم إلى آخره وعن بشر بن سعيد عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (تقول في دعاء العيدين بين كل تكبيرتين: الله ربى أبدا والاسلام دينى ابدا ومحمد نبيى ابدا والقرآن كتابي ابدا والكعبة قبلتى أبدا وعلى وليى إبدا والاوصياء أئمتي ابدا - وتسميهم إلى آخرهم - ولا أحد إلا الله). وما رواه في التهذيب والفقيه عن محمد بن الفضيل عن ابى الصباح الكنانى (3) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن التكبير في العيدين فقال اثنتى عشرة سبع في الاولى وخمس في الاخيرة فإذا قمت في الصلاة فكبر واحدة وتقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله أللهم أنت أهل الكبرياء والعظمة وأهل الجود والجبروت والقدرة والسلطان والعزة اسألك في هذا اليوم الذى جعلته للمسلمين عيدا ولمحمد صلى الله عليه وآله ذخرا ومزيدا أن تصلى على محمد وآل محمد وان تصلى على ملائكتك المقربين وانبيائك المرسلين وان تغفر لنا ولجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الاحياء منهم والاموات، اللهم انى اسألك من خير ما سألك عبادك المرسلون وأعوذ بك من شر ما عاذ منه عبادك المخلصون، الله اكبر أول كل شئ وآخره وبديع كل شئ ومنتهاه وعالم كل شئ ومعاده ومصير كل شئ ومرده ومدبر الامور وباعث من في القبور قابل الاعمال مبدى الخفيات معلن السرائر، الله اكبر عظيم الملكوت شديد الجبروت حى لا يموت دائم لا يزول إذا قضى امرا فانما يقول له كن فيكون: الله اكبر خشعت لك الاصوات وعنت لك الوجوه وحارت دونك الابصار وكلت الالسن عن عظمتك
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 26 من صلاة العيد.
[ 256 ]
والنواصى كلها بيدك ومقادير الامور كلها اليك لا يقضى فيها غيرك ولا يتم منها شئ دونك، الله اكبر أحاط بكل شئ حفظك وقهر كل شئ عزك ونفذ كل شئ أمرك وقام كل شئ بك وتواضع كل شئ لعظمتك وذل كل شئ لعزتك واستسلم كل شئ لقدرتك وخضع كل شئ لملكك الله اكبر، وتقرأ الحمد وسبح اسم ربك الاعلى وتكبر السابعة وتركع وتسجد وتقوم وتقرأ الحمد والشمس وضحاها وتقول الله اكبر أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله، اللهم انت أهل الكبرياء والعظمة... تتمه كله كما قلت أول التكبير يكون هذا القول في كل تكبيرة حتى تتم خمس تكبيرات). وقال الرضا (ع) في كتاب الفقه (1) (تقنت بين كل تكبيرتين والقنوت ان تقول: اشهد ان لاإله إلا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمد صلى الله عليه وآله عبده ورسوله أللهم أنت أهل الكبرياء والعظمة وإهل الجود والجبروت وأهل العفو والمغفرة وأهل التقوى والرحمة اسألك في هذا اليوم الذى جعلته للمسلمين عيدا ولمحمد صلى الله عليه وآله ذخرا ومزيدا ان تصلى على محمد وآل محمد واسألك بهذا اليوم الذى شرفته وكرمته وعظمته وفضلته بمحمد صلى الله عليه وآله ان تغفر لى ولجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الاحياء منهم والاموات انك مجيب الدعوات يا ارحم الراحمين). وقال الشيخ في المجتهد (2) في القنوت: ثم يرفع يديه بالتكبير فإذا كبر قال اللهم اهل الكبرياء والعظمة واهل الجود والجبروت واهل العفو والرحمة واهل التقوى والمغفرة اسألك بحق هذا اليوم الذى جعلته للمسلمين عيدا ولمحمد (ص ذخرا ومزيدا ان تصلى على محمد وآل محمد وان تدخلني في كل خير أدخلت فيه محمدا وآل محمد وان تخرجني من كل سوء اخرجت منه محمدا وآل محمد صلواتك عليه وعليهم اللهم انى اسألك خير ما سألك عبادك الصالحون واعوذ بك مما استعاذ منه عبادك الصالحون.
(1) ص 12 (2) ص 454 وفي اخره (عبادك المخلصون).
[ 257 ]
قال شيخنا المجلسي في البحار: واما ما ذكره الشيخ في المصباح فلم اره في رواية والظاهر انه مأخوذ من رواية معتبرة عنده اختاره فيه إذ لا سبيل إلى الاجتهاد في مثل ذلك. انتهى. اقول: ويعضده ما ذكره السيد الزاهد العابد رضى الدين بن طاووس (عطر الله مرقده) في كتاب الاقبال حيث قال: واعلم انا وقفنا على عدة روايات في صفات صلاة العيد باسنادنا إلى ابن ابى قرة والى ابى جعفر بن بابويه والى ابى جعفر الطوسى وها نحن نذكر رواية واحدة، ثم ذكر رواية المتهجد كما ذكرنا من القنوت وغيره مما لم نذكره. بقى الكلام هنا فوائد تتعلق بالمقام وبها يتم ما يتعلق به من الاحكام: الاولى - لا يخفى ان ظاهر الروايات المتقدمة ان القنوتات في الركعة الاولى انما هي أربعة وفى الثانية انما هي ثلاثة لنصها على ان القنوت بين التكبيرات وقضية البينية انه لا قنوت بعد التكبير الخامس في الركعة الاولى ولا بعد الرابع في الركعة الثانية، وبذلك عبر الشيخ في النهاية والمبسوط والصدوق في الفقيه وغيرهما، والمعروف من كلام جل الاصحاب ان القنوت بعدد التكبيرات وانه بعد كل تكبير قنوت فتكون القنوتات في الاولى خمسة وفى الثانية أربعة، وقد تقدم في كلام الشيخ المفيد ومن تبعه ان التكبيرات في الركعة الثانية بعد القراءة ثلاث ومعها ثلاثة قنوتات. ويمكن حمل البينية في الاخبار على الاغلب بمعنى انه لما كان اكثر القنوتات واقعا بين التكبيرات - إذ لا يتخلف عن ذلك إلا القنوت الذى بعد التكبيرة الخامسة في الركعة الاولى والذى بعد الرابعة في الركعة الثانية - صح اطلاق البينية على الجميع تجوزا وباب المجاز واسع. وعلى ذلك يحمل كلام من عبر بهذه العبارة من الاصحاب، قال في المدارك بعد قول المصنف (ثم يكبر أربعا ويقنت بينها أربعا) ما لفظه: واعلم ان في قول المصنف - ثم يكبر أربعا ويقنت بينها أربعا - تجوزا لانه إذا كانت التكبيرات اربعا لم يتحقق
[ 258 ]
كون القنوت بينها أربعا بل ثلاثا وكان الاظهر ان يقول بعد كل تكبيرة. ثم ذكر ان المستفاد من الروايات سقوط القنوت بعد الخامسة والرابعة. إلا انه يمكن خدشه بان الحمل على خلاف الظاهر لا يصار إليه إلا مع المعارض ولا معارض هنا من الاخبار والمعارضة انما هي في كلام الاصحاب. وربما يستعان على ما ذكرنا من الحمل برواية الكنانى المتقدمة (1) المشتملة على خمسة قنوتات بعد خمس تكبيرات في الركعة الاولى واربعة في الثانية وان كانت الرواية قد اشتملت على تقديم التكبيرات والقنوتات على القراءة كما تقدم، واشتملت على تكبير سادس بعد التكبيرات الخمس وادعيتها والجميع خلاف ما عليه جل الاصحاب والاخبار إلا ان ذلك أمر خارج عن ما نحن فيه. وبالجملة فالمسألة غير خالية من شوب الاشكال والاحوط هو الاتيان بالقنوت الخامس والرابع من غير ان يعتقد به الوجوب. الثانية - قال في الذكرى: يستحب التوجه بالتكبيرات المستحب تقديمها في اليومية ودعواتها سواء قلنا بان تكبير العيد قبل القراءة أو بعدها، وربما خطر لبعضهم سقوط دعاء التوجه ان قلنا بتقديم التكبير، ولا ارى له وجها لعدم المنافاة بين التوجه والقنوت بعده. انتهى. أقول: ما ذكره هنا من استحباب التكبيرات المستحبة للتوجه في اليومية في هذه الصلاة زيادة على التكبيرات الموظفة فيها لم اقف عليه في كلام غيره من الاصحاب بل ظاهر كلامهم وكذا ظاهر الاخبار الواردة في بيان الكيفية - كما قدمنا شطرا منها - انما هو انه يكبر تكبيرة الاحرام ثم يقرأ ثم يأتي بالتكبيرات الموظفة كما هو أحد القولين أو يأتي بعد تكبيرة الاحرام بالتكبيرات الموظفة لهذه الصلاة مقدمة على القراءة ثم يقرأ بعدها كما هو القول الاخر، ففى رواية معاوية بن عمار المتقدمة في صدر البحث (2) (يبدأ فيكبر ويفتتح الصلاة ثم يقرأ فاتحة الكتاب...)
(1) ص 255. (2) ص 240.
[ 259 ]
وفى رواية على بن ابى حمزة (يكبر ثم يقرأ ثم يكبر خمسا) وفى رواية ابى بصير (يكبر في الاولى واحدة ثم يقرأ ثم يكبر بعد القراءة خمس تكبيرات) وفى صحيحة يعقوب بن يقطين يكبر تكبيرة يفتتح بها الصلاة ثم يقرأ ويكبر خمسا وفى رواية اسماعيل الجعفي (يكبر واحدة يفتتح بها الصلاة ثم يقرأ ام الكتاب وسورة ثم يكبر خمسا) وعلى هذا النهج جملة روايات المسألة كما لا يخفى على من راجعها، وهذه الروايات المذكورة كلها قد تقدمت في صدر البحث (1) ونحوها الروايات الواردة بتقديم التكبيرات على القراءة وهى متفقة في عدم ذكر هذه التكبيرات التى ادعى استحبابها في هذه الصلاة. نعم قد تقدم في الفصل الثاني في تكبيرة الاحرام من الباب الثاني في الصلوات اليومية (2) ان من جملة الاقوال في استحباب هذه التكبيرات هو استحبابها في الفرائض مطلقا وكذا في النوافل مطلقا ولعله هنا بنى على ذلك ونحن قد أوضحنا المسألة في المقام المشار إليه وبينا ان الاخبار الواردة بهذه التكبيرات وان كانت مطلقة إلا ان اطلاقها محمول على الفريضة اليومية لانها المتبادرة من الاطلاق، وقد تقدم تحقيق الكلام في ذلك مستوفى. وكيف كان فمن الظاهر بل الصريح في عدم استحباب هذه التكبيرات في هذه الصلاة ما رواه الصدوق في كتابي العلل والعيون عن عبد الواحد بن عبدوس عن على بن محمد بن قتيبة عن الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) في العلل التى رواها عنه (ع) قال في الخبر: فان قال فلم جعل سبع في الاولى وخمس في الاخيرة ولم يسو بينهما ؟ قيل لان السنة في صلاة الفريضة ان يستفتح بسبع تكبيرات فلذلك بدئ هنا بسبع تكبيرات وجعل في الثانية خمس تكبيرات لان التحريم من التكبير في اليوم والليلة خمس تكبيرات وليكون التكبير في الركعتين جميعا وترا وترا... الحديث وهو ظاهر كما ترى في ان هذه السبع الموظفة في هذه الصلاة
(1) ص 240 و 241. (2) ج 8 ص 52 (3) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد
[ 260 ]
انما جعلت سبعا في الركعة الاولى عوضا عن السبع الافتتاحية التى في الصلوات اليومية وقضية ذلك عدم الاتيان بتلك السبع الافتتاحية الموظفة في اليومية، وإلا لزم الجمع بين العوض والمعوض عنه، فكيف يجمع بينهما كما ذكره (قدس سره) والمراد بالفريضة في هذا الخبر الصلاة اليومية، وفيه اشعار بما قدمنا ذكره من ان اطلاق تلك الاخبار الدالة على استحباب التكبيرات الافتتاحية محمول على الصلوات اليومية. والله العالم. الثالثة يستحب رفع اليدين في كل تكبيرة كما في تكبيرات الصلاة اليومية وبه صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم). ويدل عليه ما رواه الشيخ في التهذيب عن يونس (1) قال: (سألته عن تكبير العيدين أيرفع يده مع كل تكبيرة أم يجزئه أن يرفع في اول تكبيرة ؟ فقال يرفع مع كل تكبيرة). الرابعة - قال في المدارك: لو نسى التكبيرات أو بعضها حتى ركع مضى في صلاته ولا شئ عليه لانها ليست اركانا ولعموم قوله (ع) في صحيحة زرارة (2) (لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود وهل تقضى بعد الصلاة ؟ أثبته الشيخ لقوله (ع) في صحيحة ابن سنان (3) (إذا نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا ثم ذكرت فاصنع الذى فاتك سهوا) ونفاه المصنف في المعتبر ومن تأخر عنه لانه ذكر تجاوز محله فيسقط للاصل السالم من المعارض. انتهى. وظاهره التوقف في المسألة حيث اقتصر على نقل القولين وما استدل به كل منهما في البين ولم يرجح شيئا منهما. وقال في الذكرى: لو نسى التكبيرات أو بعضها حتى يركع مضى في صلاته
(1) الوسائل الباب 30 من صلاة العيد. (2) الوسائل الباب 29 من القراءة في الصلاة. (3) الوسائل الباب 12 من الركوع و 23 و 26 من الخلل.
[ 261 ]
ولا شئ عليه إذ ليست اركانا وهل تقضى بعد الصلاة ؟ أثبته الشيخ ولعله لما سبق من الرواية في باب السهو المتضمنة لقضاء الفائت من الصلاة بعدها، ونفاه في المعتبر وتبعه الفاضل لانه ذكر تجاوز محله فيسقط بالنافى السليم من المعارض. وكأنه عنى بالنافى دلالة الاصل على عدم القضاء وان الفائت لا يجب قضاؤه وعنى بالمعارض الامر الجديد الدال على القضاء فانه منفى، وللشيخ أن يبدى وجود المعارض وهى الرواية المشار إليها. انتهى. اقول: ومنه يعلم ذكر صاحب المدارك صحيحة ابن سنان دليلا للشيخ انما هو منه (قدس سره) لا ان الشيخ استدل بها كما يوهمه ظاهر كلامه، ومنه يعلم ايضا ان توقفه في المسألة كما حكيناه عنه لاوجه له بعد استدلاله بالصحيحة المذكورة والواجب عليه حينئذ أن يجيب عن كلام المحقق الذى نقله عنه - من سقوط القضاء بالاصل السالم من المعارض - بان المعارض موجود وهو هذه الصحيحة كما هو ظاهر كلام الذكرى. هذا، ويمكن أن يقال ان المحقق انما نفى وجوب القضاء هنا بنا على ما يختاره في هذه التكبيرات من الاستحباب كما تقدم نقله عنه في الموضع الاول وان كان تعليله ربما أشعر بان ذلك بناء على القول بالوجوب. وأما صحيحة ابن سنان التى استدلوا بها هنا للشيخ فقد تقدم الكلام عليها وعلى امثالها مما دل على ذلك ايضا في المسألة الخامسة من المطلب الثاني في السهو من كتاب الصلاة (1) فان جميع الاخبار المشار إليها قد اشتركت في الدلالة على قضاء ما نسيه من الافعال كائنا ما كان وان كان ركنا، ولم يقل به أحد منهم وانما أوجبوا قضاء أشياء معينة كالتشهد والسجدة الواحدة والقنوت بالادلة الخاصة المتعلقة بذلك وأبطلوا الصلاة بنسيان الركن كالركوع والسجدتين، وبالجملة فانها على اطلاقها غير معمول عليها فلا يمكن الاستناد إليها، ومن ذلك يعلم قوة ما ذهب إليه المحقق وغيره
(1) ج 9 ص 141.
[ 262 ]
من عدم وجوب القضاء لعدم الدليل الواضح على ذلك مضافا إلى اصالة العدم. والله العالم وهل تجب سجدتا السهو لنسيان التكبير هنا كلا أو بعضا ؟ صرح ابن الجنيد بذلك فقال على ما نقله عنه في المختلف: ولو نسى بعض التكبير رجع فتممه ما لم يركع وان تجاوز الركوع وايقن بالترك سجد س جدتى السهو. انتهى. وجعله في الذكرى احتمالا فقال: ويحتمل ايضا وجوب سجدتي السهو بناء على تناول أدلة الوجوب في اليومية لهذه الصورة وهو قول ابن الجنيد. انتهى. الخامسة - لو قلنا بتقديم التكبير على القراءة في الاولى كما هو أحد القولين فنسى التكبير حتى قرأ قال في المعتبر: لم يعد إليه لفوات محله. وقال في الذكرى وليس ببعيد وجوب استدراكه أو ندبه على اختلاف القولين لانه محل في الجملة ولهذا كان التكبير في الثانية واقعا فيه، ولان الروايات المتضمنة لتأخره عن القراءة في الركعتين أقل أحوالها ان يقتضى استدراكه إذا نسى. وفى التذكرة أوجب استدراكه وتوقف في اعادة القراءة من حيث عدم وقوعها في محلها وصدق القراءة. قال في الذكرى والاولى اعادتها، ثم قال ولو ذكر في اثنائها قطعها واتى به ثم استأنف القراءة، ولا يقتضى التكبير عندنا في الركوع لما فيه من تغيير هيئة الصلاة وإذا قلنا بقضاء التكبير أو استدراكه فالقنوت تابع. والظاهر وجوب الاستقبال فيهما لانهما جزء ان مما يجب فيه الاستقبال وكذا يعتبر بقية شرائط الصلاة. انتهى كلامه زيد مقامه. السادسة - لو أدرك بعض التكبيرات مع الامام دخل معه فإذا ركع الامام فان امكنه الاتيان به وبالقنوت مخففا واللحوق بالامام في الركوع فلا اشكال، وإلا فان قلنا بالاستحباب في التكبير والقنوت فانه يركع الامام حينئذ إذ لا يجوز له ترك المتابعة الواجبة لاجل أمر مندوب، وان قلنا بالوجوب فيهما كما هو المختار فعلى قول الشيخ بالقضاء في ما تقدم فانه يتابع هنا ويقتضى بعد الفراغ، واما مع عدم العمل بهذا القول فانه يحتمل المنع من الاقتداء في هذه الصورة اعني إذا علم
[ 263 ]
عدم اللحوق به، فلو اقتدى ولما يعلم ولم يمكنه الجمع بين المتابعة وبين التكبير فانه ينوى الانفراد. ويحتمل جواز الاقتداء ويسقط القنوت ويأتى بالتكبير ولاء. ويشكل بان الاصل عدم سقوط فرض المكلف بفعل غيره إلا في ما دل عليه الدليل. والعلامة مع قوله بوجوبهما اسقطه مع عدم امكان الاتيان به ولم يوجب قضاءه بعد التسليم حتى لو أدرك الامام راكعا كبر ودخل معه واجتزأ بالركعة عنده ولا يجب القضاء. وفيه ما عرفت، ويعضده ايضا ان المتابعة وان كانت واجبة إلا ان وجوبها ليس جزء من الصلاة من حيث هي صلاة بخلاف التكبير والقنوت فانهما واجبان ومن جملة اجزاء الصلاة الواجبة لان كلامنا مبنى على القول بالوجوب فكيف تصح الصلاة مع فوات بعض واجباتها عمدا ؟ وسقوطه بفعل الغير قد عرفت انه متوقف على الدليل. والمسألة لا تخلو من شوب الاشكال لعدم الدليل الواضح في هذا المجال. والله العالم. السابعة - قال في الذكرى: لا يتحمل الامام هذا التكبير ولا القنوت وإنما يتحمل القراءة، ويحتمل تحمل الدعاء ويكفى عن دعاء المأمومين، وهذا لم اقف فيه على نص ولو قلنا بالتحمل فيه فدعا المأموم فلا بأس سواء كان بدعاء الامام أو غيره. وعدم تحمل الامام القنوت في اليومية يدل بطريق اولى على عدم تحمله هنا. انتهى. اقول: قد عرفت آنفا ان سقوط الواجب عن المكلف بفعل غيره يتوقف على الدليل وهو قد اعترف بعدم الوقوف هنا على نص، فما ذكره من احتمال تحمل الامام القنوت بعيد جدا سيما مع ما ذكره من الاولوية في آخر كلامه. الثامنة - قال في الذكرى ايضا: لو شك في عدده بنى على الاقل لانه المتيقن، وفى انسحاب الخلاف في الشك في الاولتين المبطل للصلاة هنا احتمال ان قيل بوجوبه، ولو تذكر بعد فعله انه كان قد كبر لم يضر لعدم ركنيته. وكذا الشك في القنوت. انتهى.
[ 264 ]
وهو جيد إلا ان ما ذكره من احتمال في انسحاب الخلاف في الشك في الاولتين المبطل للصلاة هنا محل نظر، لما قدمنا تحقيقه من أن الشك المبطل في الاولتين انما هو الشك في اعداد الركعات لا في سائر الواجبات، وحينئذ فلا وجه لهذا الاحتمال في المقام. والله العالم. البحث - في سنن هذه الصلاة وما يلحق بها، فمنها الاصحار بها إلا في مكة المعظمة وعليه اجماع علمائنا واكثر العامة (1). ومستنده التأسي به (ص) فانه كان يصحر بها، لما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (ع) (2) ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يخرج حتى ينظر إلى آفاق السماء وقال لا يصلين يومئذ على بساط ولا بارية). وما رواه في الكافي عن محمد بن يحيى رفعه عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (السنة على أهل الامصار ان يبرزوا من امصارهم في العيدين إلا أهل مكة فانهم يصلون في المسجد الحرام ورواه في الفقيه عن حفص بن غياث عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) مثله (4). وما رواه في الكافي عن ليث المرادى عن ابى عبد الله (ع) (5) قال: (قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله يوم فطر أو يوم اضحى لو صليت في مسجدك ؟ فقال انى لاحب ان ابرز إلى آفاق السماء.
(1) الام للشافعي ج 1 ص 207 والمغني ج 2 ص 372 وعمدة القارئ ج 3 ص 370 والفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 313. وفي البحر الرائق ج 2 ص 159 عن التجنيس (الصحيح عند عامة المشايخ السند في صلاة العيد الخروج إلى الجبانة وان كان يسعهم المسجد الجامع) ولم يستثن مكة. (2) و (3) و (5) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد. (4) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد. وفي النسخ هكذا (عن حفص بن غياث عن ابيه عن جعفر عن ابيه) وحيث ان كلمة (عن ابيه) الاولى زائدة حذفناها واللفظ في الفقيه ج 1 ص 321 هكذا (وروى حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن ابيه).
[ 265 ]
وما رواه في الفقيه عن ابن رئاب عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (لا ينبغى أن تصلى صلاة العيدين في المسجد مسقف ولا في بيت انما تصلى في الصحراء أو في مكان بارز). وما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن الفضيل عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (اتى ابى بالخمرة يوم الفطر فامر بردها ثم قال: هذا يوم كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحب ان ينظر فيه إلى آفاق السماء ويضع جهته على الارض). وما رواه في الفقيه في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله عن ابيه (عليهما السلام) (3) (انه كان إذا خرج يوم الفطر والاضحى ابى ان يؤتى بطنفسة يصلى عليها يقول هذا يوم كان رسول الله صلى الله عليه وآله يخرج فيه حتى يبرز لآفاق السماء ثم يضع جبهته على الارض). وروى في كتاب الاقبال (4) قال: (روى محمد بن ابى قرة في كتابه باسناده إلى سليمان بن حفص عن الرجل (ع) قال: (الصلاة يوم الفطر بحيث لا يكون على المصلى سقف إلا السماء). وألحق ابن الجنيد بمسجد مكة شرفها الله تعالى مسجد المدينة. وصحيحة معاوية ابن عمار وكذا رواية ليث المرادى (5) وصحيحة الحلبي (6) صريحة في رده. ولو كان هناك عذر من مطرأ وخوف أو وحل أو نحوها فلا بأس بصلاتها في المسجد دفعا للمشقة اللازمة من الخروج. ومنها - السجود على الارض دون غيرها مما يصح السجود عليه اظهارا لمزيد التذلل فيها، وعليه يدل ما تقدم من صحيحة الحلبي (7) وصحيحة الفضيل (8). ويظهر من صحيحة معاوية بن عمار (9) استحباب الصلاة على الارض بحيث لا يكون تحته بساط ولا بارية ولا نحوهما بل يكون مباشرا للارض في قيامه وجلوسه
(1) و (2) و (3) و (4) و (6) و (7) و (8) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد. (5). (9) ص 264.
[ 266 ]
ونحوها ما رواه في الكافي عن معاوية عن ابى عبد الله (ع) (1) في حديث (انه سأله عن صلاة العيدين فقال ركعتان... إلى ان قال: ويخرج إلى البر حيث ينظر إلى آفاق السماء ولا يصلى على حصير ولا يسجد عليه وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يخرج إلى البقيع فيصلى بالناس). وما رواه في كتاب الاقبال عن محمد بن الحسن بن الوليد باسناده عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يخرج حتى ينظر إلى آفاق السماء وقال لا تصلين يومئذ على بارية أو بساط. يعنى في صلاة العيدين). وقال في كتاب الفقه الرضوي (3) (وإذا أردت الصلاة فابرز تحت السماء وقم على الارض ولا تقم على غيرها... إلى آخره). وقل من نبه على هذا الحكم من أصحابنا (رضوان الله عليهم). ومنها - ان يقول المؤذن عوض الاذان والاقامة - فانه لا أذان ولا أقامة لغير الخمس - الصلاة (ثلاثا). ويدل على ذلك ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن اسماعيل بن جابر عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (قلت له أرأيت صلاة العيدين هل فيهما اذان واقامة ؟ قال ليس فيهما اذان ولا اقامة ولكن ينادى الصلاة (ثلاث مرات) وليس فيهما منبر، المنبر لا يحرك من موضعه ولكن يصنع للامام شبه المنبر من طين فيقوم عليه فيخطب الناس ثم ينزل). والاخبار بانه ليس فيها اذان ولا اقامة كثيرة قد تقدم جملة منها. قال في الذكرى: لا اذان لصلاة العيد بل يقول المؤذن الصلاة (ثلاثا) ويجوز رفعها باضمار خبر أو مبتدأ ونصبها باضمار (احضروا أو ائتوا) وقال ابن ابى عقيل يقول (الصلاة جامعة). ولم نقف على مستنده.
(1) و (2) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد. (3) صلاة البحار ص 862. (4) الفقيه ج 1 ص 322 وفي الوسائل الباب 7 و 33 من صلاة العيد.
[ 267 ]
وظاهر الاصحاب كما ذكره في الذكرى ان النداء بذلك ليعلم الناس بالخروج إلى المصلى، لانه اجرى مجرى الاذان الذى يحصل به الاعلام بالوقت، ومقتضى ذلك أن يكون قبل القيام للصلاة بل في أول الخروج إليها، ولا ينافى ذلك ما ورد في صحيحة زرارة عن الباقر (ع) (1) من قوله (ليس فيهما اذان ولا اقامة اذانهما طلوع الشمس فإذا طلعت خرجوا) لجواز الجمع بينهما بحصول ذلك بكل من الامرين استظهارا، وتعدد العلل الشرعية لمعلول واحد كثير في الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار حتى قال الصدوق في بعض تلك المواضع ان هذا مما يزيد تأكيدا وتقوية. ويحتمل ايضا حمل خبر زرارة على من كان عالما بان وقتها الذى يخرج فيه طلوع الشمس يعنى عالما بالوقت الشرعي لها وخبر اسماعيل بن جابر على من ليس كذلك ليحصل له العلم بالخروج لها. ونقل عن ابى الصلاح ان محله بعد القيام إلى الصلاة فإذا قال المؤذن ذلك كبر الامام تكبيرة الاحرام ودخل بهم في الصلاة، والى هذا مال بعض محققى متأخرى المتأخرى. ومنها - الخروج بعد الغسل متطيبا لا بسا أحسن اثوابه متعمما شتاء كان أو قيظا. أما الغسل فلما تقدم من الاخبار في باب الاغسال من كتاب الطهارة، ومن ذلك ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار (2) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل ينسى أن يغتسل يوم العيد حتى يصلى قال ان كان في وقت فعليه ان يغتسل ويعيد الصلاة فان مضى الوقت فقد جازت صلاته.
(1) الوسائل الباب 7 من صلاة العيد. واللفظ كما في الفروع ج 1 ص 128 والتهذيب ج 1 ص 289 هكذا (ليس في يوم الفطر والاضحى اذان ولا اقامة اذانهما طلوع الشمس إذا طلعت خرجوا...). (2) الوسائل الباب 16 من الاغسال المسنونة.
[ 268 ]
ومن ذلك ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (من لم يشهد جماعة الناس يوم العيدين فليغتسل وليتطيب بما وجد وليصل وحده كما يصلى في الجماعة، وقال: خذوا زينتكم عند كل مسجد (2) قال العيدان والجمعة). وروى الفضل بن الحسن الطبرسي في كتاب مجمع البيان عن ابى جعفر (ع) (3) في قوله تعالى: (خذوا زينتكم عند كل مسجد) أي خذوا ثيابكم التى تتزينون بها للصلاة في الجمعات والاعياد). وقال الرضا (ع) في كتاب الفقه (4) (وإذا أصبحت يوم الفطر اغتسل وتطيب وتمشط والبس انظف ثيابك واطعم شيئا قبل أن تخرج إلى الجبانة فإذا اردت الصلاة فابرز تحت السماء وقم على الارض ولا تقم على غيرها واكثر من ذكر الله تعالى). ومنها - خروج الامام ماشيا حافيا مشمرا ثيابه داعيا بالمأثور عليه السكينة والوقار معتما شاتيا كان أو قائظا ببرد أو حلة. ويدل على هذه الاحكام حديث خروج الرضا (ع) (5) إلى صلاة العيد بامر المأمون له (ع) وهو مشتمل على سنن عديدة وهو مروى في الكافي وغيره من كتب الصدوق وفيه لما حضر العيد بعث المأمون إلى الرضا (ع) يسأله ان يركب ويحضر العيد ويصلى... إلى أن قال فقال يا امير المؤمنين ان اعفيتني من ذلك فهو احب الي وان لم تعفنى خرجت كما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وامير المؤمنين (ع) فقال المأمون اخرج كيف شئت، وأمر المأمون القواد والناس أن يركبوا (6) إلى باب ابى الحسن (ع) قال فحدثني ياسر الخادم انه قعد الناس لابي الحسن (عليه السلام) في الطرقات والسطوح الرجال والنساء والصبيان واجتمع القواد والجند على باب ابى الحسن
(1) و (3) الوسائل الباب 14 من صلاة العيد (2) سورة الاعراف الاية 29. (4) صلاة البحار ص 862 (5) الاصول ج 1 ص 489 وفي الوسائل الباب 19 من صلاة العيد. (6) (يبكروا) خ ل.
[ 269 ]
(عليه السلام) فلما طلعت الشمس قام فاغتسل وتعمم بعمامة بيضاء من قطن القى طرفا منها على صدره طرفا بين كتفيه وتشمر ثم قال لجميع مواليه افعلوا مثل ما فعلت ثم أخذ بيده عكازا ثم خرج ونحن بين يديه وهو حاف قد شمر سراويله إلى نصف الساق وعليه ثبات مشمرة فلما مشى ومشينا بين يديه رفع رأسه إلى السماء وكبر أربع تكبيرات فخيل الينا ان السماء والحيطان تجاوبه، والقود والناس على الباب قد تهيأوا ولبسوا السلاح وتزينوا باحسن زينة، فلما طلعنا عليهم بهذه الصورة وطلع الرضا (عليه السلام) وقف على الباب وقفة ثم قال: الله اكبر الله اكبر الله اكبر الله اكبر على ما هدانا الله اكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام والحمد لله على ما أبلانا. نرفع بها أصواتنا، قال ياسر فتزعزعت مرو بالبكاء والضجيج والصياح لما نظروا إلى ابى الحسن (عليه السلام) وسقط القواد عن دوابهم ورموا بخفافهم لما رأوا أبا الحسن (عليه السلام) حافيا وكان يمشى ويقف في كل عشر خطوات ويكبرثلاث تكبيرات، قال ياسر فتخيل الينا ان السماء والارض والجبال تجاوبه وصارت مرو ضجة واحدة من البكاء، وبلغ المأمون ذلك فقال له الفضل بن سهل ذو الرياستين يا امير المؤمنين ان بلغ الرضا (عليه السلام) المصلى على هذا السبيل افتتن به الناس والرأى ان تسأله أن يرجع فبعث إليه المأمون فسأله الرجوع فدعا أبو الحسن (عليه السلام) خفه فلبسه وركب ورجع). وفى هذا الخبر الشريف جملة من الفوائد: منها - ان رسول الله صلى الله عليه وآله وعليا (عليه السلام) كانا يخرجان بهذه الكيفية. ومنها - استحباب التشمير للثياب والسراويل لكل من الامام والمأموم والمشى حافيا للكل ايضا والتعمم على النحو المذكور، وهذا هو السنة في التعمم لا ما اشتهر من التحنك كما قدمنا تحقيقه في بحث اللباس من كتاب الصلاة ومنها - أن تكون العمامة بيضاء من القطن.
(1) ج 7 ص 127 و 128.
[ 270 ]
ومنها - مشى الامام وبيده عكاز وقد روى نحوه عن رسول الله صلى الله عليه وآله: روى في الفقيه عن اسماعيل بن مسلم عن الصادق عن ابيه (عليهما السلام) (1) قال (كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله عنزة في أسفلها عكاز يتوكأ عليها ويخرجها في العيدين يصلى إليها). وفى صحيحة محمد بن قيس عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) في حديث في احوال النبي صلى الله عليه وآله إلى ان قال: وكان له عنزة يتكئ عليها ويخرجها في العيدين فيخطب بها والظاهر الاختصاص بالامام فقط وظاهر الخبرين استحباب العنزة مطلقا. ومنها - الاشتغال بالتكبير والدعاء في طريقه مما ذكر هنا وغيره مما تقدم ويأتى ان شاء الله تعالى، ومنها الوقوف حال التكبير. وروى في كتاب دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3) انه قال: (وينبغى لمن خرج إلى العيد أن يلبس أحسن ثيابه ويتطيب باحسن طيبه وقال عز وجل (يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) (4) قال ذلك في العيدين والجمعة، قال ينبغى للامام أن يلبس يوم العيد بردا وان يعتم شاتيا كان أو صائفا. وعن على (عليه السلام) انه كان يمشى في خمس مواطن حافيا ويعلق نعليه بيده اليسرى وكان يقول انها مواطن لله تعالى واحب أن اكون فيها حافيا: يوم الفطر ويوم النحر ويوم الجمعة وإذا عاد مريضا وإذا شهد جنازة) انتهى ما نقلناه من كتاب الدعائم. وفى صحيحة محمد بن مسلم (5) (لا بد من العامة والبرد يوم الاضحى والفطر فاما الجمعة فانها تجزئ بغير عمامة وبرد). وفى صحيحة الحلبي (6) (قلت تجوز صلاة العيدين بغير عمامة ؟ قال نعم والعمامة
(1) و (2) و (5) و (6) الوسائل الباب 11 من صلاة العيد. (2) مستدرك الوسائل الباب 11 و 8 و 15 من صلاة العيد (4) سورة الاعراف الاية 29.
[ 271 ]
أحب الي) وظاهره العموم للامام والمأموم. وفى صحيحة معاوية (1) (وينبغى للامام أن يلبس يوم العيدين بردا ويعتم شاتيان كان أو قائظا. وفى تفسير العياشي بسنده عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) (في قول الله تعالى: خذوا زينتكم عند كل مسجد ؟ قال الاردية في العيدين والجمعة). وفى صحيحة عبد الله بن سنان عنه (ع) (3) قال: (سمعته يقول كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعتم في العيدين شاتيا كان أو قائظا ويلبس درعه وكذلك ينبغى للامام، ويجهر بالقراءة كما يجهر في الجمعة. وفى صحيحة ابى بصير (4) (ينبغى للامام أن يلبس حلة ويعتم) ولعل المراد بالحلة هنا الرداء حيث ان الحلة المشهورة لا تكون إلا من الحرير كما صرحوا به. ومنها - الذهاب إلى المصلى من طريق والعود منه من آخر، بل الظاهر من الاخبار الاستحباب مطلقا: روى الصدوق في الفقيه عن السكوني (5) (ان النبي صلى الله عليه وآله كان إذا خرج إلى العيدين لم يرجع في الطريق الذى بدأ فيه ياخذ في طريق غيره). وروى في الكافي عن موسى بن عمر بن بزيع (6) قال: (قلت للرضا (ع) ان الناس رووا ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا أخذ في طريق رجع في غيره فهكذا كان ؟ قال فقال. نعم فانا أفعله كثيرا ثم قال: أما انه ارزق لك. وروى ابن طاووس في كتاب الاقبال باسناده عن ابى محمد هارون بن موسى التلعكبرى باسناده عن الرضا (ع) (7) قال (قلت له يا سيدى انا نروى عن النبي
(1) و (3) و (4) الوسائل الباب 11 من صلاة العيد (2) مستدرك الوسائل الباب 11 من صلاة العيد. (5) و (6) الوسائل الباب 36 من صلاة العيد. (7) ص 283 وفي الوسائل الباب 36 من صلاة العيد.
[ 272 ]
صلى الله عليه وآله انه كان إذا أخذ في طريق لم يرجع فيه وأخذ في غيره، فقال هكذا كان نبى الله صلى الله عليه وآله يفعل وهكذا أفعل انا وهكذا كان ابى يفعل وهكذا فافعل فانه ارزق لك ؟ وكان النبي صلى الله عليه وآله يقول هذا ارزق للعباد). وروى في كتاب دعائم الاسلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله (1) (انه كان إذا انصرف من المصلى يوم العيد لم ينصرف على الطريق الذى خرج عليه). منها - أن يطعم قبل خروجه يوم الفطر وبعد رجوعه في يوم الاضحى والافضل في الاول أن يكون افطاره على حلو والمروى التمر، وفى الافطار على التربة الحسينية كلام، والافضل في الثاني الاكل من أضحيته. فههنا مقامات: الاول في الفرق بين العيدين بالافطار في الاول قبل الخروج وفى الثاني بعد الرجوع. ويدل عليه صحيحة حريز عن زرارة المروية في الفقيه عن ابى جعفر (ع) (2) قال: (لا تخرج يوم الفطر حتى تطعم شيئا ولا تأكل يوم الاضحى إلا من هديك واضحيتك ان قويت عليه وان لم تقو فمعذور. قال وقال أبو جعفر (ع) كان امير المؤمنين (ع) لا يأكل يوم الاضحى شيئا حتى يأكل من اضحيته ولا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ويؤدى الفطرة. قال وكذلك نفعل نحن). وروى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (اطعم يوم الفطر قبل ان تخرج إلى المصلى). وروى فيه وفى الفقيه عن جراح المدائني عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (اطعم يوم الفطر قبل أن تصلى ولا تطعم يوم الاضحى حتى ينصرف الامام). وروى في الفقيه مرسلا (5) قال (كان على (ع) يوم يأكل يوم الفطر قبل ان يغدو
(1) مستدرك الوسائل الباب 29 من صلاة العيد. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 12 من صلاة العيد.
[ 273 ]
إلى المصلى ولا يأكل يوم الاضحى حتى يذبح) وروى في التهذيب في الموثق عن سماعة عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (الاكل قبل الخروج يوم العيد وان لم تأكل فلا بأس) اقول: يعنى عيد الفطر كما تقدم في الاخبار. المقام الثاني - في ما يستحب الافطار عليه في الفطر، فروى الشيخان في الكافي والفقيه عن على بن محمد النوفلي (2) قال: (قلت لابي الحسن (ع) انى افطرت يوم الفطر على طين وتمر ؟ فقال لى جمعت بركة وسنة). وقال في كتاب الاقبال: روى ابن ابى قرة باسناده عن الرجل (ع) (3) قال: (كل تمرات يوم الفطر فان حضرك قوم من المؤمنين فاطعمهم مثل ذلك). وفى كتاب الفقه الرضوي (4) (والذى يستحب الافطار عليه يوم الفطر الزبيب والتمر، واروى عن العالم (ع) الافطار على السكر، وروى أفضل ما يفطر عليه طين قبر الحسين (ع). قال في المدارك: ويستحب يوم الفطر الافطار على الحلو لما روى (5) (ان النبي صلى الله عليه وآله كان يأكل قبل خروجه تمرات ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أقل أو اكثر) ولا يجوز الافطار على التربة الحسينية إلا بقصد الاستشفاء لمن كان به علة كغيره من الايام. انتهى. وقال في الذكرى: قال كثير من الاصحاب يستحب الافطار يوم الفطر على الحلو لما روى (6) (ان النبي صلى الله عليه وآله كان يأكل قبل خروجه في الفطر تمرات ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أقل أو اكثر) ولو افطر على التربة الحسينية (على مشرفها الصلاة والسلام) لعلة به فحسن وإلا فالاقرب التحريم، والافضل الافطار على الحلاوة وأفضلها
(1) الوسائل الباب 12 من صلاة العيد. (2) و (3) الوسائل الباب 13 من صلاة العيد (4) ص 25 (5) و (6) مستدرك الحاكم ج 1 ص 294.
[ 274 ]
السكر، وروى تربة الحسين (ع) والاول اظهر لشذوذ الرواية وتحريم الطين على الاطلاق إلا ما خرج بالدليل من التربية للاستشقاء. انتهى. اقول: اما ما ذكروه من الافطار على الحلو بقول مطلق فلم اقف فيه على خبر والذى وقفت عليه ما قدمت من الاخبار الدالة على التمر وزاد في كتاب الفقه الزبيب، واما السكر فقد ذكره الشهيد كما عرفت، ولعله استند فيه إلى رسالة على بن الحسين ابن بابويه الذى قد عرفت انه يفتى فيها غالبا بعبارات هذا الكتاب، ولعله كان في الرسالة المذكورة أو انه ذكره أحد من المتقدمين فذكره الشهيد كذلك، وكيف كان فالمستند فيه هو هذا الكتاب وبه يظهر ما في اعتراض بعض متأخرى المتأخرين على الشهيد بعدم وجود المستند فيه. ولعل من عبر بالحلو بقول مطلق حمل ما ذكر من التمر ونحوه هنا على التمثيل. واما الرواية التى نقلوها عن النبي صلى الله عليه وآله فالظاهر انها من طريق العامة التجأوا إلى الاستدلال بها حيث لم تحضرهم هذه الروايات التى ذكرناها فانى بعد التتبع لم اقف عليها في كتب اخبارنا، وايضا فان بعض محققى متأخرى اصحابنا (رضوان الله عليهم) اسندها إلى العامة (1). المقام الثالث - في الكلام على التربة الحسينية (على مشرفها أفضل الصلاة والتحية) والظاهر اتفاق الاصحاب (رضوان الله عليهم) على جواز الاكل منها لقصد الاستشفاء وعليه تدل جملة من الاخبار، انما الخلاف في الاكل للتبرك فظاهر جملة من الاخبار المنع إلا انه روى الجواز في العيد كما عرفت من رواية النوفلي المتقدمة ورواية كتاب الفقيه (2) وروى في افطار يوم عاشوراء ايضا. قال شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب البحار: واما الاكل بمحض التبرك فالظاهر عدم الجواز للتصريح به في بعض الاخبار وعموم بعضها، لكن ورد في بعض الاخبار جواز افطار العيد به وافطار يوم عاشوراء ايضا وجوزه فيهما بعض الاصحاب (رضوان الله عليهم) ويخلو من قوة، والاحتياط في الترك إلا
(1) مستدرك الحاكم ج 1 ص 294. (2) ص 273.
[ 275 ]
أن يكون به مرض يقصد الاستشفاء. وقال المحقق الاردبيلى (قدس سره) بعد ذكر المسألة: ولا بد إن يكون بقصد الاستشفاء وإلا فيحرم ولم يحصل له الشفاء كما في رواية ابى يحيى (1) ويدل عليه غيرها ايضا، وقد نقل اكله يوم عاشوراء بعد العصر وكذا الافطار به في يوم العيد ولم تثبت صحته فلا يؤكل إلا للشفاء. وظاهر كلامه (قدس سره) رد خبرى الجواز في هذين الموضعين لضعف السند بناء على هذا الاصطلاح حيث انه (قدس سره) من القائلين به والعاكفين عليه، وظاهر كلام شيخنا المجلسي (قدس سره) القول بمضمون الخبرين والظاهر انه لكونهما خاصين وتلك الاخبار مطلقة فالعمل بهما مقدم كما هو القاعدة، وكلامه (قدس سره) مبنى على الغاء هذا الاصطلاح كما هو المعروف من طريقته. والظاهر ان الرواية المشار إليها في الجواز يوم عاشوراء هو ما ذكره الشيخ في المتهجد (2) قال: ويستحب صوم هذا العشر فإذا كان يوم عاشوراء امسك عن الطعام والشراب إلى بعد العصر ثم يتناول شيئا يسيرا من التربة. ولم يذكر شيخنا المجلسي في كتاب البحار دليلا سواها في هذا الحكم. ومن الاخبار الواردة في المسألة ما رواه في كتاب كامل الزيارات (3) عن احدهما (عليهما السلام) قال: قلت له ما تقول في طين قبر الحسين (عليه السلام) ؟ قال يحرم على الناس أكل لحومهم ويحل لهم أكل لحومنا ولكن الشئ اليسير منه مثل الحمصة) وظاهر الخبر الجواز بهذا المقدار وان لم يكن بقصد الاستشفاء. ومنها - ما رواه فيه ايضا بسنده عن سماعة بن مهران عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: (كل طين حرام على بنى آدم ما خلا طين قبر ابى عبد الله (عليه
(1) ص 276. (2) ص 538 (3) ص 285 و 286 وفي الوسائل الباب 74 من المزار عن الشيخ عن ابن قولويه (4) الوسائل الباب 59 من الاطعمة المحرمة .
[ 276 ]
السلام) من أكله من وجع شفاء الله) وظاهره يشير إلى الجواز بقصد الشفاء إلا انه غير صريح بل ولا ظاهر في المنع من غيره. ومنها - ما رواه في كتاب دعوات الراوندي عن سدير عن الصادق (عليه السلام) (1) انه قال (من أكل من طين قبر الحسين (عليه السلام) غير مستشف به فكأنما أكل من لحومنا وهو صريح في التحريم إلا بقصد الاستشفاء ويمكن تقييده بالاخبار المتقدمة. ومنها - ما رواه في كتاب العلل (2) عن ابى يحيى الواسطي عن رجل قال: (قال أبو عبد الله (عليه السلام) الطين حرام أكله كلحم الخنزير ومن أكله ثم مات فيه لم اصل عليه إلا طين القبر، فمن أكله بشهوة لم يكن فيه شفاء). ورواه الكليني في الكافي (3) وابن قولويه في كتاب الزيارات (4) عن الكليني وفيهما (حرام أكله... إلى قوله إلا طين القبر فان فيه شفاء من كل داء ومن أكله بشهوة لم يكن فيه شفاء وليس فيه دلالة صريحة بل ولا ظاهرة على التحريم بقصد التبرك كما هو محل الخلاف. والظاهر ان جملة (فان فيه شفاء من كل داء) سقطت من قلم صاحب العلل أو من بعض الرواة حيث انها الانسب بسياق الخبر ورواية الشيخين المذكورين لها وهذه هي الرواية التى اشار إليها المحقق الاردبيلى (نور الله مرقده) وادعى دلالتها على التحريم إلا بقصد الاستشفاء والحال فيها كما ترى. وبالجملة فالاخبار المدعى دلالتها على التحريم مطلقا وان كان للتبرك لا بقصد الشفاء لا صراحة فيها ولا ظاهرية بذلك كما عرفت إلا رواية سدير وقد عرفت قيام الاحتمال بتقييدها، وروايتا النوفلي وكتاب الفقه الرضوي صريحتان
(1) البحار ج 14 ص 323. (2) ص 179 وفي الوسائل الباب 59 من الاطعمة المحرمة (3) الفروع ج 2 ص 156 وفي الوسائل الباب 59 من الاطعمة المحرمة (4) ص 286 وفي الوسائل الباب 59 من الاطعمة المحرمة.
[ 277 ]
في الجواز للتبرك ورواية المصباح في يوم عاشوراء. وقضية الجمع بين اخبار المسألة تقييد ما يدعى دلالته على التحريم باطلاقه وقصر الحكم بالتحريم على ما عدا المواضع الثلاثة المذكورة في ما قدمناه من الاخبار. والاحتياط لا يخفى. والله العالم ومنها - التكبير في الفطر عقيب أربع صلوات أولها المغرب وآخرها صلاة العيد، وضم الصدوق إلى هذه الصلوات الاربع صلاة الظهرين، وضم ابن الجنيد النوافل ايضا، وفى الاضحى عقيب خمس عشرة صلاة أولها ظهر يوم النحر لمن كان بمنى وفى الامصار عقيب عشر صلوات أولها ما تقدم.
وتفصيل هذه الجملة يقع في مواضع:
(الاول) اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب هذا التكبير واستحبابه في عيد الفطر فنقل عن المرتضى (رضى الله عنه) القول بالوجوب والمشهور الاستحباب. ويدل على ما ذهب إليه المرتضى من الوجوب في الفطر الاية اعني قوله عز وجل: (ولتكبروا الله على ما هداكم) (1). وروى الصدوق (قدس سره) في كتاب الخصال باسناده عن الاعمش عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (2) في حديث شرائع الدين قال: (والتكبير في العيدين واجب أما في الفطر ففى خمس صلوات يبتدأ به من صلاة المغرب ليلة الفطر إلى صلاة العصر من يوم الفطر، وهو ان يقال: الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله اكبر ولله الحمد الله اكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أبلانا. لقوله عز وجل (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم... الحديث). والتقريب فيه انه قد فسر (ع) الاية بهذا التكبير الواقع في الفطر، والاوامر القرآنية للوجوب اجماعا إلا ما قام الدليل على خلافه، ويعضده تصريح الخبر بالوجوب ايضا.
(1) سورة البقرة الاية 181. (2) الوسائل الباب 20 من صلاة العيد.
[ 278 ]
ونحوه ما رواه الصدوق في كتاب عيون الاخبار عن الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) (1) (انه كتب إلى المأمون: والتكبير في العيدين واجب في الفطر في دبر خمس صلوات ويبدأ به في دبر صلاة المغرب ليلة الفطر) ورواه الحسن بن على بن شعبة في كتاب تحف العقول مرسلا (2). وقال في المدارك - بعد نقل القول بالاستحباب عن اكثر الاصحاب والوجوب عن المرتضى ما لفظه: والذى وقفت عليه في هذه المسألة رواية سعيد النقاش (3) قال: (قال أبو عبد الله (ع) اما ان في الفطر تكليرا ولكنه مسنون. قال قلت واين هو ؟ قال في ليلة الفطر في المغرب والعشاء الاخرة وفى صلاة الفجر وصلاة العيد ثم يقطع. قال قلت كيف اقول ؟ قال تقول: الله اكبر الله اكبر لا إله الا الله والله اكبر ولله الحمد الله اكبر على ما هدانا. وهو قول الله سبحانه: ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم) (4) وهى صريحة في الاستحباب وينبغى العمل بها في كيفية التكبير ومحله وان ضعف سندها لانها الاصل في هذا الحكم. انتهى. ولا يخفى عليك ما فيه (أما أولا) فلما أدعاه من أن الذى وقف عليه انما هو هذه الرواية وانها الاصل في هذا الحكم مع ما عرفت مما قدمناه من الروايتين في هذه المسألة. ومن رواياتها ايضا ما رواه ثقة الاسلام في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (ع) (5) قال: (تكبر ليلة الفطر وصبيحة الفطر كما تكبر في العشر). اقول: الظاهر ان المراد بالعشر يعنى عشر صلوات في الامصار في الاضحى والمراد استحباب التكبير أو وجوبه في هذا الموضع كما في ذلك الموضع، ولا يلزم منه اتحاد الكيفية. و (اما ثانيا) فان ما ذكره - من ان هذه الرواية هي الاصل في هذا الحكم
(1) و (2) و (3) و (5) الوسائل الباب 20 من صلاة العيد (4) البقرة الاية 181.
[ 279 ]
وانه ينبغى العمل بها وان ضعف سندها - انما الجأه إليه ضيق الخناق في هذا الاصطلاح الذى هو إلى الفساد أقرب من الصلاح وذلك فان الخبر الضعيف عنده ليس بدليل شرعى ومن عادته وقاعدته رد الاخبار الضعيفة في كتابه، وبموجب ذلك انه لا يصلح لتأسيس الاحكام الشرعية ولا يجوز بناؤها عليه ومن قاعدته تقديم العمل بالبراءة الاصلية على الاخبار الضعيفة، فكيف خرج عن قاعدته هنا واحتج بهذه الحجة الواهية التى هي لبيت العنكبوت - وانه لاوهن البيوت - مضاهية ؟ على انك قد عرفت وجود الاخبار في الحكم المذكور غير هذه الرواية كرواية معاوية بن عمار، فانها قد تضمنت الامر بالتكبير وان لم تدل على كيفية، ورواية الاعمش وان اشتملت على كيفيته الا ان في رواية الاعمش زيادة على ما نقله ورواية النقاش في آخر التكبير (والحمد لله على ما أبلانا) وهذه الزيادة ايضا موجودة في رواية النقاش بنقل الصدوق لها في الفقيه (1) وأما على نقل الشيخ في التهذيب (2) وهو الذي أخذ منه فهو كما نقله هنا. وبالجملة فهو معذور في ما ذكره حيث لم يعط التأمل حقه في تتبع الاخبار والوقوف عليها في مظانها وان لم يكن معذورا حقيقة لما ذكرناه. وكيف كان فان ظاهر رواية النقاش هو الاستحباب، إذ الظاهر من قوله (مسنون) انما هو المستحب لا ما ثبت وجوبه بالسبة كما يدل عليه السياق، وعلى ذلك تحمل الاية المذكورة في الخبر، لانه لو اريد بها الوجوب لكان حق العبارة في الخبر ان يقال انه مفروض أي واجب بالكتاب، ويؤيد ذلك ما يأتي في صحيحة علي بن جعفر (3) وأما لفظ الوجوب في الخبرين المتقدمين ففيه ما عرفت مما قدمناه في غير موضع من مباحث الكتاب من ان هذا اللفظ من الالفاظ المتشابهة، فانه وان كان في إصطلاح ارباب الاصول بمعنى ما يترتب العقاب على تركه لكنه في الاخبار اعم
(1) الوسائل الباب 20 من صلاة العيد. (2) ج 1 ص 290 عن الكليني. (3) ص 281.
[ 280 ]
من ذلك كما لا يخفى على من تدبر الاخبار وجاس خلال الديار. الثاني - في وجوبه أو استحبابه في عيد الاضحى، والمشهور الاستحباب ايضا ونقل عن المرتضى وابن الجنيد والشيخ في الاستبصار الوجوب. قال في المدارك بعد ذكر المصنف تكبير الاضحى: المشهور بين الاصحاب ان ذلك على سبيل الاستحباب ايضا، وقال المرتضى وابن الجنيد والشيخ في الاستبصار بالوجوب لما رواه محمد بن مسلم في الحسن (1) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله عز وجل: واذكروا الله في أيام معدودات (2) قال التكبير في ايام التشريق من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الفجر من اليوم الثالث وفى الامصار عشر صلوات فإذا نفر الناس النفر الاول امسك أهل الامصار انتهى. ثم نقل الاختلاف في الكيفية. اقول: ظاهر كلامه (زيد في مقامه) - حيث ذكر ان المشهور هو الاستحباب ولم ينقل عليه دليلا ثم نقل القول بالوجوب وأورد له دليلا الحسنة المذكورة ثم تجاوز عن المقام إلى نقل الاختلاف في الكيفية، ولم يرجح شيئا من القولين ولم يتكلم بشئ في البين - هو التوقف في الحكم بل ربما اشعر بالميل إلى الوجوب حيث نقل ما يدل عليه ولم يطعن فيه بشئ كما هي عادته إذا لم يرتض القول بالخبر، مع عدم تعرضه لنقل دليل مقابله. والذى وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالمسألة الحسنة التى ذكرها، ولا يخفى ان وصفه لها بالحسن انما هو بابراهيم بن هاشم الذى قد عرفت اضطراب كلامه فيه ما بين ان يرد روايته بالضعف وما بين ان يصفها بالحسن كما هنا وما بين أن يصفها
(1) الوسائل الباب 21 من صلاة العيد. وفيه كما في الفروع ج 1 ص 306 (فإذا نفر بعد الاولى) وفي التهذيب ج 1 ص 523 عن الكليني والوافي باب التكبير في ايام التشريق من الحج كما هنا. (2) سورة البقرة الاية 199.
[ 281 ]
بالصحة كما اشرنا إليه في الابحاث المتقدمة. ومنها - موثقة عمار عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (التكبير واجب في دبر كل صلاة فريضة إو نافلة ايام التشريق). ومنها - صحيحة على بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: (سألته عن التكبير ايام التشريق أواجب هو ؟ قال يستحب وان نسى فلا شئ عليه... الحديث). ومنها - صحيحة منصور بن حازم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) (في قول الله عز وجل: واذكروا الله في ايام معدودات (4) قال هي ايام التشريق كانوا إذا اقاموا بمنى بعد النحر تفاخروا فقال الرجل منهم كان ابى يفعل كذا وكذا فقال الله عز وجل: فإذا افضتم من عرفات فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا (5) قال والتكبير: الله اكبر الله اكبر لاإله إلا الله والله اكبر ولله الحمد الله اكبر على ما هدانا الله اكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام). وجملة من الاخبار انما تضمن السؤال عنه أو بيان كيفية من غير اشعار بوجوب أو استحباب. وانت خبير بانه وان كان ظاهر ما عدا صحيحة على بن جعفر من هذه الاخبار هو الوجوب إلا ان ظاهر الصحيحة المذكورة بل صريحها هو الاستحباب لانه لا مجال للتأويل هنا في لفظ الاستحباب فيها فيجب حمل ما عداها من الاخبار عليها، وكذلك الاية المذكورة في حسنة محمد بن مسلم وصحيحة منصور. ومما يؤيد القول بالاستحباب صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (6) قال: (سألته عن التكبير بعد كل صلاة فقال كم شئت انه ليس شئ
(1) و (3) الوسائل الباب 21 من صلاة العيد (2) الوسائل الباب 21 و 23 من صلاة العيد (4) سورة البقرة الاية 199. (5) سورة البقرة الاية 196 (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله...) (6) الوسائل الباب 24 من صلاة العيد.
[ 282 ]
موقت. يعنى في الكلام) وظاهر هذه الرواية العموم لكل من تكبير الفطر والاضحى وأظهر منه قوله في هذا الحديث على ما نقله في مستطرفات السرائر من جامع البزنطى بسنده صحيح ايضا (1) عوض هذه العبارة قال: (كم شئت انه ليس بمفروض) ويشعر به ايضا قوله (ع) في موثقة عمار المتقدمة (2) (واجب في دبر كل صلاة فريضة أو نافلة) مع دلالة رواية داود بن فرقد (3) على انه ليس في النافلة تكبير. والله العالم. الثالث - في كيفيته وقد اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ذلك فقال ابن ابى عقيل ان كيفية: الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله اكبر ولله الحمد على ما هدانا الله اكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام والحمد لله ما أولانا. ولم يذكر تكبير الفطر. وقال ابن الجنيد في كيفية تكبير الفطر: الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله اكبر الله اكبر ولله الحمد لله اكبر على ما هدانا. وفى الاضحى الله اكبر الله اكبر الله اكبر لا اله الا الله والله اكبر ولله الحمد لله اكبر على ما هدانا الله اكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام والحمد لله على ما أولانا. وروى الصدوق في من لا يحضره الفقيه (4) عن على (ع) انه كان يقول في دبر كل صلاة في عيد الاضحى: الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله اكبر الله اكبر ولله الحمد. ولم يذكر تكبير الفطر. وفى المقنع (5) في صفة تكبير الاضحى: الله اكبر الله اكبر لاإله إلا الله والله اكبر ولله الحمد والله اكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أولانا والله اكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام.
(1) الوسائل الباب 24 من صلاة العيد. (2) ص 281. (3) ص 288. (4) ج ؟ ص 308 وفي الوسائل الباب 21 من صلاة العيد (5) مستدرك الوسائل الباب 17 من صلاة العيد.
[ 283 ]
وقال الشيخ المفيد في تكبير الفطر: الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله اكبر والحمد لله على ما هدانا وله الشكر على ما أولانا. وفى الاضحى الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله اكبر والحمد لله على ما رزقنا من بهيمة الانعام. وقال الشيخ في النهاية في صفة تكبير الفطر: الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله اكبر ولله الحمد الحمد لله على ما هدانا وله الشكر على ما أولانا. وفى الاضحى كذلك إلا انه يزيد فيه (ورزقنا من بهيمة الانعام) وكذلك في المبسوط وقال في الخلاف: صفة التكبير ان يقول الله اكبر والله اكبر ولا إله إلا الله والله اكبر الله اكبر ولله الحمد. ولم يفصل بين العيدين. هذا ما وقفت عليه من الاقوال المنقولة في المختلف، واقوال من تأخر عنه أيضا مختلفة في ذلك كما يخفى على من راجعها. واما الاخبار الواردة في ذلك فاما بالنسبة إلى عيد الفطر فالذي وقفت عليه ما تقدم في رواية الاعمش المنقولة من كتاب الخصال ورواية سعيد النقاش (1). والذى في الاولى: الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله اكبر ولله الحمد الله اكبر على ما هدانا والحمد لله على ما ابلانا. والذى في الثانية برواية الصدوق (2) مثل هذه الرواية وأما برواية الكليني والشيخ عنه (3) فانهما اسقطا قوله في آخر الرواية: (والحمد لله على ما ابلانا) كما أشرنا إليه آنفا. وروى في كتاب الاقبال (4) قال: روينا باسنادنا إلى ابى محمد هارون بن موسى التلعكبرى باسناده إلى معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول ان في الفطر تكبيرا. قلت متى ؟ قال في المغرب ليلة الفطر والعشاء وصلاة الفجر وصلاة العيد ثم ينقطع وهو قول الله تعالى: ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم (5) والتكبير
(1) ص 277 و 278 (2) و (3) الوسائل الباب 20 من صلاة العيد (4) ص 271 (5) سورة البقرة الاية 181.
[ 284 ]
ان يقول: الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله اكبر الله اكبر ولله الحمد على ما هدانا اقول: وهذه كيفية اخرى ايضا. والعمل بالصورة التى اتفقت عليها رواية الاعمش ورواية النقاش بناء على نقل الصدوق لها هو الاحوط وان كان القول بالتخيير بين ما ورد هو الوجه في الجمع بين الاخبار. وانت خبير بان ما قدمنا نقله عن ابن الجنيد والشيخ المفيد وكذلك الشيخ في النهاية والمبسوط من صورة تكبير الفطر مع اختلافه لا ينطبق شئ منه على ما دل عليه الخبران المذكوران، وحمله على وصول اخبار لهم مما ذكره كل منهم مع عدم وصول شئ منها لنا وان امكن لكنه بعيد، وابعد منه أن يكون ما قاله كل منهم عن اجتهاد في المسألة إذ لا مسرح للاجتهاد في مثل ذلك. واما بالنسبة إلى عيد الاضحى فالاخبار فيه اشد اختلافا وابعد ائتلافا، قال المدارك: واختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في كيفية التكبير في الاضحى والاجود العمل بما رواه معاوية بن عمار في الصحيح عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (والتكبير ان يقول: الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله اكبر الله اكبر ولله الحمد الله اكبر على ما هدانا الله اكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام والحمد لله على ما أبلانا) انتهى. اقول: لا أعرف لهذه الاجودية وجها إلا من حيث صحة سند هذه الرواية باصطلاحه، وقد عرفت ان صحيحة منصور بن حازم المتقدمة (2) قد تضمنت التكبير في الاضحى بوجه آخر، وفى صحيحة زرارة أو حسنته بابراهيم بن هاشم الذى قدمنا قريبا عنه عد حديثه في الحسن عن ابى جعفر (ع) (3) (يقول فيه: الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله اكبر الله اكبر ولله الحمد الله اكبر على ما هدانا الله اكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام) وهذه ايضا كيفية ثالثة. وبذلك يظهر لك انه لا وجه لهذه الاجودية وترجيح تلك الرواية لاجلها
(1) و (3) الوسائل الباب 21 من صلاة العيد (2) ص 281.
[ 285 ]
إلا من حيث غفلته وقت التصنيف عن هذين الروايتين كما يشعر به قوله في رواية النقاش (انه لم يقفت في تلك المسألة إلا عليها) مع وجود الاخبار التى ذكرناها ثمة. ثم ان في صحيحة على بن جعفر المروية في كتابه وهى مروية في كتاب قرب الاسناد (1) عن اخيه (ع) قال: (تقول الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله اكبر الله اكبر ولله الحمد الله اكبر على ما هدانا الله اكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام وهذه الكيفية مطابقة لما ورد في صحيحه زرارة أو حسنته المتقدمة (2). وفى رواية الاعمش المنقولة من كتاب الخصال التى قدمنا ذكرها في تكبير الفطر (3) قال في آخرها. (وبالاضحى في الامصار في دبر عشر صلوات.. إلى ان قال ويزاد في هذا التكبير: والله اكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام) وهذه ايضا كيفية رابعة وما يأتي نقله من كتاب الفقه الرضوي وهى كيفية خامسة ايضا. والعمل بكل ما ورد حسن ان شاء الله تعالى. فائدة قد تقدم في كلام ابن الجنيد ذكر التكبير في صدر التكبير المسنون في الاضحى ثلاث مرات والموجود في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) وكذا في الاخبار انما هو مرتان، وأخبار المسألة على كثرتها وتعدد في الكتب الاربعة وغيرها لم تشتمل إلا على المرتين، قال المحقق في الشرائع بعد قوله الله اكبر مرتين، وفى الثالثة تردد. والظاهر انه اشارة إلى ما نقلناه عن ابن الجنيد كما تقدم تصريحه به في عبارته المتقدمة. وكيف كان فانه لا وجه لهذا التردد بمجرد وجود القائل بذلك مع عدم وجود ما يدل عليه من الاخبار، اللهم إلا أن يكون وصل إليه لم يصل الينا وهو بعيد. الرابع - ما تقدم نقله عن الصدوق من زيادة فريضتين على الاربع المشهورة
(1) الوسائل الباب 21 من صلاة العيد (2) ص 284 (3) الوسائل الباب 20 من صلاة العيد.
[ 286 ]
قد صرح به في المقنع حيث قال بانه عقيب ست صلوات اخيرتها صلاة العصر يوم الفطر. والاصحاب لم يذكروا له مستندا بل صرح الشهيد في الذكرى بعدم وقوفه على مأخذه. قال بعض الاصحاب بعد نقل ذلك من الذكرى: الظاهر ان مأخذه ما اشار إليه في الفقيه عند نقل رواية سعيد (1) حيث قال وفى غير رواية سعيد وفى الظهر والعصر أقول: بل الظاهر ان مأخذه انما هو كتاب الفقه الرضوي الذى قد عرفت في غير مقام مما تقدم اعتماده وكذا ابوه في الرسالة على أخذ عبارات هذا الكتاب والافتاء بها. قال (ع) في الكتاب المذكور (2) (وكبر بعد المغرب والعشاء الاخرة والغداة وصلاة العيد والظهر والعصر كما تكبر أيام التشريق: الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله والله اكبر الله اكبر على ما هدانا والحمد لله على ما اولانا وابلانا والحمد لله بكرة واصيلا). وقد تقدم (3) في رواية الاعمش المنقولة من الخصال انه في خمس صلوات يبتدأ به من صلاة المغرب ليلة الفطر إلى صلاة العصر. والظاهر ان مراده بالخمس مع لزوم كونها ستا يعنى من اليومية فلا ينافى كونها ستا مع صلاة العيد. ويشير إلى هذا القول ايضا ما رواه في عيون الاخبار في حديث عن الفضل ابن شاذان عن الرضا (ع) (4) في كتابه إلى المأمون (والتكبير في العيدين واجب في الفطر في دبر خمس صلوات ويبدأ به في دبر صلاة المغرب ليلة الفطر) واجمال هذه الرواية يعلم من رواية الخصال. ويدل على هذا القول ايضا ما رواه العياشي في تفسيره عن سعيد، والظاهر انه النقاش المتقدم حيث نقل عنه تلك الرواية المتقدمة في تفسيره (5) ثم قال وعن
(1) و (4) الوسائل الباب 20 من صلاة العيد (2) ص 25 (3) ص 277. (5) مستدرك الوسائل الباب 16 من صلاة العيد.
[ 287 ]
سعيد عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (ان في الفطر تكبيرا. قال قلت ما تكبير إلا في يوم النحر ؟ قال فيه تكبير ولكنه مسنون: في المغرب والعشاء والفجر والظهر والعصر وركعتي العيد). وبذلك يظهر لك ما في كلام من رد على الصدوق هنا بعدم وجود المستند، لعدم اعطاء التأمل حقه في تتبع الاخبار. ولم اقف على من تعرض للجواب عن هذه الاخبار حيث ان الاكثر كما عرفت لم يطلعوا عليها بالكلية، وغاية ما أجاب به بعض محققى متأخرى المتأخرين بعد أن ذكر رواية الاعمش المنقولة في الخصال ان قال: ولا يخفى ان الاستناد إلى ما هو المنجبر بعمل الاصحاب والمروى في الكتب الاربعة اولى. ولا يخفى ما فيه سيما بعد ما عرفت من تعدد الرواية بذلك. واما ما ذكره ابن الجنيد من ضم النوافل فان العلامة في المختلف نقل عنه القول بالوجوب عقيب الفرائض المذكورة والاستحباب عقيب النوافل، ونقل عنه انه احتج بانه تكبير مستحب وذكر مندوب إليه فيكون مشروعا، ثم أجاب عنه بما حاصله انا نسلم ان التكبير مستحب لكن من حيث انه تكبير اما من حيث انه تكبير العيد فنمنع مشروعيته. وظاهره في المنتهى انكار القول المذكور ونسبه للشافعي (2) ونقل استدلاله عليه بما نقله في المختلف عن ابن الجنيد ثم رده بمثل ما رده في المختلف. اقول: لا يخفى ان جملة من الروايات قد صرحت بالاستحباب بعد النوافل مثل
(1) مستدرك الوسائل الباب 16 من صلاة العيد. (2) في المهذب للشيرازي الشافعي ج 1 ص 122 (وهل يكبر خلف النوافل ؟ فيه طريقان، من اصحابنا من قال يكبر قولا واحدا لانها صلاة راتبة فاشبهت الفرائض، ومنهم من قال لا يكبر لان النفل تابع للفرض والتابع لا يكون له تبع) وفي الام ج 1 ص 214 (ويكبر خلف النوافل وخلف الفرائض وعلى كل حال) وفي المغني ج 2 ص 395 (وقال الشافعي يكبر عقيب كل صلاة فريضة كانت أو نافلة منفردا صلاها أو في جماعة).
[ 288 ]
ما في صحيحة على بن جعفر عن اخيه (ع) (1) قال: (سألته عن النوافل ايام التشريق هل فيها تكبير ؟ قال نعم وان نسى لا بأس). وفى موثقة عمار المتقدمة في الموضع الثاني (2) (واجب في دبر كل صلاة فريضة أو نافلة أيام التشريق). وفى رواية حفص بن غياث باسناده إلى على (ع) الاتية قريبا ان شاء الله تعالى (3) (وعلى من صلى تطوعا). إلا ان في صحيحة داود بن فرقد (4) - قال: (قال أبو عبد الله (ع) التكبير في كل فريضة وليس في النافلة تكبير أيام التشريق) - ما يدل على نفى ذلك. والجمع بين هذه الصحيحة الروايات المتقدمة لا يخلو من اشكال إلا ان يحمل هذه الصحيحة على نفى الوجوب والاخبار المتقدمة على تأكيد الاستحباب إلا ان ذلك لا يوافق مراد الاصحاب (رضوان الله عليهم) حيث أن التكبير عندهم بعد الفريضة أو نافلة انما هو على جهة الاستحباب وبموجبه يكون النفى في الصحيحة المذكورة متوجها إلى نفى التوظيف مطلقا وان كان ما ذكرناه من الجمع موافقا لما نقله في المختلف عن ابن الجنيد. وجملة من اصحابنا نقلوا الاخبار المذكورة مع ما هي عليه من التعارض ولم يتعرضوا لوجه الجمع بينها. وبالجملة فالظاهر من الاخبار هو ما ذكره ابن الجنيد من الاستحباب عقيب النافلة، وحينئذ يحمل النفى في صحيحة داود بن فرقد على نفى تأكد الاستحباب مثل الفريضة. وأما على القول المشهور من تخصيص الاستحباب بالفريضة فيشكل الجمع بين اخبار المسألة كما عرفت. هذا، والظاهر الاستحباب في هذا التكبير للرجال والنساء والمصلى جماعة
(1) الوسائل الباب 25 من صلاة العيد عن كتاب علي بن جعفر. (2) ص 28. (3) ص 289. (4) الوسائل الباب 25 من صلاة العيد.
[ 289 ]
أو منفردا، قال في الذكرى: هذا التكبير مستحب للمنفرد والجامع والحاضر والمسافر والبلدى والقروى والذكر والانثى والحر والعبد للعموم. انتهى. وهو كذلك. ومن الاخبار المتعلقة بذلك ما رواه الشيخ في التهذيب عن حفص بن غياث عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (1) قال: (قال على (ع) الرجال والنساء أن يكبروا أيام التشريق في دبر الصلوات وعلى من صلى وحده وعلى من صلى تطوعا) وعن على بن جعفر في الصحيح عن اخيه موسى (ع) (2) قال: (سألته عن النساء هل عليهن التكبير أيان التشريق ؟ قال نعن ولا يجهرن. قال: وسألته عن الرجل يصلى وحده أيام التشريق هل عليه تكبير ؟ قال نعم وان نسى فلا بأس. قال: وسألته عن التكبير أيام التشريق هل يرفع فيه اليدين أم لا ؟ قال يرفع يده شيئا أو يحركها) وروى هذا الخبر بكماله الحميرى في قرب الاسناد عن على بن جعفر عن أخيه موسى (ع) في الصحيح مثله (3). ولو نسيه حتى قام من موضعه سقط الاتيان به لما رواه الشيخ في الموثق عن عمار الساباطى عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (سألته عن الرجل ينسى أن يكبر أيام التشريق قال ان نسى حتى قام من موضعه فليس عليه شئ). الخامس - المعروف من كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) بحيث لم يظهر فيه مخالف ان أول التكبير في الاضحى ظهر يوم النحر إلى تمام خمس عشرة صلاة وهو غداة اليوم الثالث عشر لمن كان بمنى ناسكا أو غير ناسك، وعشر صلوات اخيرتها غداة اليوم الثاني عشر لمن كان من أهل الامصار أو نفر اليوم الثاني عشر من منى.
(1) و (3) الوسائل الباب 22 من صلاة العيد. (2) الوسائل الباب 22 من صلاة العيد عن كتاب علي بن جعفر والسؤال الاول نقله من التهذيب ايضا في نفس الباب رقم (1). (4) التهذيب ج ؟ ص 523 وفي الوسائل الباب 23 من صلاة العيد.
[ 290 ]
قال بعض محققى متأخرى المتأخرين: هذا مما تفردنا به ايضا ولم يقل به أحد من العامة، فان أحدا منهم لم يفرق بين من بمنى ومن بغيرها (1) ومع هذا أوله عند اكثرهم من صلاة الفجر يوم عرفة وآخره عند الشافعي وجماعة العصر من آخر أيام التشريق، وعند ابى حنيفة وجمع منهم العصر من يوم النحر، وفى قول آخر للشافعي يكبر من المغرب ليلة النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق، وقال جمع منهم من الظهر يوم النحر إلى الظهر من يوم النفر، ولهم اقوال اخر شاذة (2) انتهى. وبالجملة فان المتفق عليه عندنا هو تحديد الوقت أولا وآخرا بما قدمنا ذكره إلا ان بعض الاخبار الواردة في المسألة ربما ظهر منه المنافاة فلا بأس ببسط اخبار المسألة الواردة في ذلك عنهم (عليه السلام) ما كان موافقا أو مخالفا ليحصل به الوقوف على ما تضمنته من الاحكام فلا نحتاج إلى اعادته في كتاب الحج وان كان هو الانسب بالمقام فنقول: من الاخبار الواردة في ذلك ما رواه ثقة الاسلام والشيخ في الصحيح أو الحسن عن زرارة (3) قال: (قلت لابي جعفر (ع) التكبير أيام التشريق في دبر الصلوات ؟ فقال التكبير بمنى في دبر خمس عشرة صلاة وفى سائر الامصار في دبر عشر صلوات، واول التكبير في دبر صلاة الظهر يوم النحر يقول فيه: الله اكبر... إلى آخر ما تقدم في الموضع الثالث. ثم قال (ع) وانما جعل في سائر الامصار في دبر عشر لانه إذا نفر الناس في النفر الاول أمسك أهل
(1) في عمدة القارئ ج 3 ص 383 (حكى ابن المنذر عن ابن عيينة واستحسنه احمد ان اهل منى يبدأون من ظهر يوم النحر واهل الامصار من صبح يوم عرفة واليه مال أبو ثور). (2) المغني ج 2 ص 393 وفتح الباري ج 2 ص 316 وعمدة القارئ ج 3 ص 283 (3) الوسائل الباب 21 من صلاة العيد. والرواية عن ابي جعفر (عليه السلام) كما في الفروع ج 1 ص 306 والتهذيب ج 1 باب الرجوع إلى منى والوافي باب التكبير في العيدين، الا انها في الوسائل عن ابي عبد الله (عليه السلام).
[ 291 ]
الامصار عن التكبير وكبر أهل منى ما داموا بمنى إلى النفر الاخير). وما رواه ثقة الاسلام (عطر الله مرقده) في الكافي في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم (1) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله عز وجل: واذكروا الله في أيام معدودات (2) قال التكبير في ايام التشريق من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الفجر من اليوم الثالث وفى الامصار عشر صلوات، فإذا نفر الناس النفر الاول أمسك أهل الامصار ومن أقام بمنى فصلى بها الظهر والعصر فليكبر) وهذه الرواية قد دلت على انه من أقام بمنى في اليوم الثالث عشر وصلى بها الظهر والعصر فليكبر، وفيه زيادة فريضتين هي الظهر والعصر على الخمس عشرة المحدودة وما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (التكبير أيام التشريق من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الظهر من آخر أيام التشريق ان أنت أقمت بمنى وان أنت خرجت فليس عليك التكبير، والتكبير ان يقول الله اكبر... الحديث) وقد تقدم في الموضع الثالث في كلام صاحب المدارك. وهذه الرواية بهذه الصورة في الكافي (4) والظاهر ان لفظ (الظهر) الاخير تحريف الفجر كما هو الموجود في التهذيب (5) ولهذا ان صاحب الوافى انما نقلها (6) برواية التهذيب، وعليه فلا اشكال في الخبر المذكور.
(1) الوسائل الباب 21 من صلاة العيد. وقوله (فإذا نفر الناس النفر الاول) مطابق لرواية التهذيب ج 1 ص 523 عن الكليني، وفي الفروع ج 1 ص 306 (فإذا نفر بعد الاولى) (2) سورة البقرة الاية 199. (3) الوسائل الباب 21 من صلاة العيد. (4) الموجود في الكافي ج 1 ص 306 هكذا (إلى صلاة العصر من آخر ايام التشريق وكذا في الوسائل. (5) ج 1 ص 523. (6) في باب التكبير ايام التشريق من افعال العمرة والحج.
[ 292 ]
وما رواه الشيخ في التهذيب عن غيلان (1) قال: (سألت أبا الحسن (ع) عن التكبير في أيام الحج من أي يوم يبتدئ به وفى أي يوم يقطعه ؟ وهو بمنى وسائر الامصار سواء أو بمنى اكثر ؟ فقال التكبير بمنى يوم النحر عقيب صلاة الظهر إلى صلاة الغداة من يوم النفر فان أقام الظهر كبر وان أقام العصر كبر وان أقام المغرب لم يكبر، والتكبير بالامصار يوم عرفة صلاة الغداة إلى النفر الاول صلاة الظهر وهو وسط أيام التشريق). وهذه الرواية فيها من الاشكال مثل ما تقدم في صحيحة محمد بن مسلم من زيادة فريضتين. قال بعض المحققين من متأخرى المتأخرين في الجواب عن الخبرين المذكورين: يحتمل أن يكون المرادان من نفر في النفر الاول من غير أن يصلى الظهرين بمنى فاخيرتها الفجر، وان أقام إلى أن صلاهما فليكبر بعدهما ايضا ولا سيما إذا كان مراده البيتوتة الاخيرة. ويحتمل أن يكون هذا في النفر الاخير أي من لم ينفر في الاخير إلى صلاة الظهرين فليكبر بعدهما ايضا إما تقية لكونه مذهب جمع منهم واما لاستحبابه بالنسبة إلى هذا واقعا. انتهى. اقول: والظاهر هو الحمل على التقية كما أشار إليه (قدس سره) فانه لا وجه لهذه المخالفة مع اتفاق الاصحاب (رضوان الله عليهم) على الحكم المذكور سلفا وخلفا كما تقدمت الاشارة إليه المعتضد بالاخبار الكثيرة إلا التقية ويؤيده التتمة التى في رواية غيلان (والتكبير بالامصار يوم عرفة... إلى آخره) فانه موافق لمذهب جمع من العامة (2) ولهذا ان الشيخ (قدس سره) قال في الجواب عن هذا الخبر انه موافق للعامة ولسنا نعمل به. السادس قال تعض المحققين من مشايخنا من متأخرى المتأخرين: واعلم ان
(1) الوسائل الباب 21 من صلاة العيد. (2) ارجع إلى التعليقة 1 ص 290.
[ 293 ]
ظاهر ما رواه الصدوق عن على (ع) (انه كان إذا صلى كل صلاة يبدأ بهذا التكبير) أي مقدما على سائر التعقيب (1) وكذا يظهر من ما مر من تكبير على (ع) في أول خطبته (2) وكذا من ما نقل من حكاية الرضا (ع) من انه حين ما خرج من بيته نادى بالتكبير وكلما مشى عشر خطوات وقف فنادى بالتكبير (3) وكذا يظهر من غيرهما ايضا عدم اختصاص هذا التكبير بتعقيب الصلاة بل الظاهر استحبابه في (؟ ذينك) الوقتين ايضا ولا سيما وقت الذهاب إلى المصلى. انتهى. ولا يخفى ما فيه فانه وان أمكن احتماله إلا ان ظواهر الاخبار تعطى ان التكبير الذى وقع الاختلاف في كيفية نصا وفتوى انما هو التكبير المخصوص باعقاب الصلوات، وقد تقدم ان من جملة احكامه انه متى نسيه حتى قام من مكانه فلا قضاء عليه، ولو كان التكبير المذكور انما هو الموقت كما زعمه (قدس سره) لما حسن نفى القضاء مع بقاء الوقت، ومثله نفى البأس عن من نسى وقد صلى وحده كما تقدم في صحيحة على بن جعفر (4) فانه لو كان الاستحباب لهذا الوقت لما حسن نفى البأس عن من نسيه دبر الصلاة إلى غير ذلك من المؤيدات لما ذكرناه كما لا يخفى على المتأمل. وجميع ما عده من المواضع المشتملة على تكبيرهم (عليهم السلام) فالظاهر انها وظائف أخر ومستحبات على حدة كما لا يخفى، خصوصا مع عدم انطباق التكبير في هذه المواضع التى ذكرها على شئ من الكيفيات الواردة في الاخبار المتضمنة لكيفية ذلك التكبير المخصوص وتفسيره مافى الاية الشريفة بهذه الكيفية الواردة عقيب الصلوات. والله العالم. ومنها - كراهة التنفل قبلها وبعدها إلى الزوال إلا بمسجد النبي صلى الله عليه وآله فانه يصلى فيه ركعتين قبل خروجه إلى المصلى. والاصل في ذلك الاخبار المتكاثرة وقد مر طرف منها، ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابى عبد الله (ع) (5) قال: (صلاة العيدين مع
(1) و (2) الفقيه ج 1 ص 328 (3) ص 268 (3) ص 289 (5) الوسائل الباب 1 من صلاة العيد.
[ 294 ]
الامام سنة وليس قبلها ولا بعدها صلاة ذلك اليوم إلى الزوال). وفى صحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) (1) (صلاة العيدين ركعتان بلا اذان ولا اقامة ليس قبلها ولا بعدهما شئ). وفى صحيحة حريز المروية في التهذيب عن ابى جعفر (ع) (2) قال: (لا تقض وتر ليلتك ان كان فاتك حتى تصلى الزوال في يوم العيدين) وفى الفقيه رواها عن حريز عن زرارة عن ابى عبد الله (ع) مثله (3). وروى الشيخ في التهذيب عن زرارة عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (صلاة العيدين مع الامام سنة وليس قبلها ولا بعدها صلاة ذلك اليوم إلى الزوال فان فاتك الوتر في ليلتك قضية بعد الزوال) ومطلق هذه الاخبار يحمل على مقيدها. وروى الشيخان ثقة الاسلام والصدوق (عطر الله مرقديهما) في الكافي والفقيه من محمد بن الفضل الهاشمي عن ابى عبد الله (ع) (5) قال: (ركعتان من السنة ليس تصليان في موضع إلا بالمدينة قال تصلى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله في العيد قبل أن يخرج إلى المصلى ليس ذلك إلا بالمدينة لان رسول الله صلى الله عليه وآله فعله). وقد وقع الخلاف هنا في مواضع (أحدها) ان المشهور كما عرفت هو الكراهة ونقل في الذكرى عن ابن زهرة وابن حمزة انهما قالا لا يجوز التنفل قبلها ولا بعدها. وظاهرهما التحريم كما ترى. وقال أبو الصلاح لا يجوز التطوع ولا القضاء قبل صلاة العيد ولا بعدها حتى تزول الشمس. وظاهره كما ترى التحريم ايضا، وربما أشعر بتحريم قضاء الفريضة ايضا إلا ان يحمل على قضاء النافلة كما دل عليه الخبران المتقدمان.
(1) و (3) و (5) الوسائل الباب 7 من صلاة العيد (2) الوسائل الباب 7 من صلاة العيد، والسند مطابق للوافي باب آداب العيدين، وفي التهذيب ج 1 ص 214 والوسائل عن حريز عن زرارة عن ابي جعفر عليه السلام. (4) الوسائل الباب 1 من صلاة العيد.
[ 295 ]
وقال في المختلف بعد نقل العبارة المذكورة: وهذه عبارة ردية فانها توهم المنع من قضاء الفرائض إذ قضاء النوافل داخل تحت التطوع، فان قصد بالتطوع ابتداء النوافل وبالقضاء ما يختص بقضاء النوافل فهو حق في الكراهة، وان قصد المنع من قضاء في الفرائض فليس كذلك وتصير المسألة خلافية. ثم احتج على وجوب القضاء في الفرائض بعموم الامر بالقضاء وقوله (ع) (1) (من فاتته صلاة فريضة فوقتها حين يذكرها) ثم قال فان احتج بما رواه زرارة في الحسن عن الباقر (ع) (2) (وليس قبلها ولا بعدها صلاة) اجبنا بان المراد بذلك النوافل جمعا بين الادلة وما أظنه يريد سوى ما قصدناه. انتهى. وهو جيد. ثانيها - قد عرفت استثناء الركعتين في مسجد النبي صلى الله عليه وآله من الكراهة حيث انهما تستحبان فيه قبل الخروج، وهو المشهور في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) ونقل في المختلف والذكرى عن الصدوق في المقنع والشيخ في الخلاف اطلاق الكراهة وعدم الاستثناء، ونقل فيالذكرى استنادهما إلى حسنة زرارة المتقدمة ورده بان اطلاق الرواية المذكورة محمول على الروايات المقيدة الدالة على استثناء الركعتين في مسجد النبي صلى الله عليه وآله. وهو كذلك. وثالثها - انه نقل في المختلف والذكرى عن ابن الجنيد انه قال: ولا يستحب التنفل قبل الصلاة ولا بعدها للمصلى في موضع التعبد، فان كان الاجتياز بمكان شريف كمسجد الحرام أو مسجد الرسول صلى الله عليه وآله فلا أحب اخلاءه من ركعتين قبل الصلاة وبعدها، وقد روى عن ابى عبد الله (ع) (ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يفعل ذلك في البدأة والرجعة في مسجده) انتهى. وانت خبير بان كلامه هذا يشعر بالمخالفة في مقامين (احدهما) - في الحاق
(1) هذا المضمون يستفاد مما ورد من الاحاديث في الوسائل في الباب 63 من مواقيت الصلاة و 1 من قضاء الصلوات. (2) الوسائل الباب 1 من صلاة العيد.
[ 296 ]
المسجد الحرام وكل مكان شريف بمسجد النبي صلى الله عليه وآله وقد عرفت ان الاستثناء نصا وفتوى مقصور على مسجد النبي صلى الله عليه وآله. و (ثانيهما) - استحباب الركعتين بعد الرجوع، والموجود في النص وعليه اتفقت كلمة الاصحاب انما هو قبل الخروج. ونقل عنه في المختلف انه احتج بمساواة المسجد الحرام لمسجد الرسول صلى الله عليه وآله في اكثر الاحكام فيساويه في هذا الحكم، والابتداء كالرجوع فيتساويان. ثم اجاب عنه بالمنع من التساوى في المقامين للحديث. وأشار بالحدث إلى ما قدمه من رواية محمد بن الفضل الهاشمي التى ذكرناها. اقول: الظاهر ان ما ذكره من مستند ابن الجنيد انما هو من كلامه كما هي قاعدته في الكتاب المذكور غالبا، والذى يقرب عندي ان مستنده بالنسبة إلى الالحاق انما هو شرف المكان كما يشير إليه قوله الاجتياز بمكان شريف) وفيه ان هذه العلة مستنبطة فالعمل بها قياس محض، وبالنسبة إلى استحباب الركعتين بعد انما هو الخبر الذى نقله عن ابى عبد الله (ع) من أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يفعل في البدأة والرجعة في مسجده، وحينئذ فان ثبت الخبر المذكور فلا اعتراض عليه في ذلك ويبقى محل الايراد على كلامه بالنسبة إلى الاول. ورابعها - ما ذكره في الذكرى عن الفاضلين من جواز صلاة التحية إذا صليت في مسجد لعموم الامر بالتحية، ثم أجاب عنه بان الخصوص مقدم على العموم. أقول: التحقيق ان هنا عمومين قد تعارضا وهو صلاة التحية فان ظاهر النصوص استحبابها مطلقا في يوم العيد وغيره، وكراهية الصلاة يوم العيد قبل صلاة العيد وبعدها أعم من أن تصلى في مسجد أو غيره، فقول شيخنا المذكور ان الخصوص مقدم على العموم لا أعرف له وجها، فانه كما يحتمل العمل بعموم الامر بالتحية الشامل ليوم العيد وغيره وتقييد الكراهة في العيدين بما عدا صلاة التحية كما ذكره الفاضلان يمكن ايضا العمل بعموم ما دل على كراهية التنفل يوم العيد الشامل لصلاة التحية وغيرها وتخصيص عموم صلاة التحية بغير يوم العيد. وبالجملة تخصيص
[ 297 ]
أحد العامين بالاخر يحتاج إلى دليل من خارج وإلا فالاحتمال قائم من الطرفين كما عرفت. وخامسها - ما رواه الصدوق (قدس سره) في كتاب ثواب الاعمال عن محمد بن ابراهيم عن عثمان بن محمد وابى يعقوب القزاز معا عن محمد بن يوسف عن محمد بن شعيب عن عاصم بن عبد الله عن اسماعيل بن ابى زياد عن سليمان التيمى عن ابى عثمان النهدي عن سلمان (رضى الله عنه) (1) قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله من صلى اربع ركعات يوم الفطر بعد صلاة الامام يقرأ في أولاهن (سبح اسم ربك الاعلى) فكأنما قرأ جميع الكتب كل كتاب انزله الله تعالى، وفى الركعة الثانية (والشمس وضحاها) فله من الثواب ما طلعت عليه الشمس، وفى الثانية (والضحى) فله من الثواب كمن أشبع جميع المساكين ودهنهم ونظفهم، وفى الرابعة (قل هو الله احد) ثلاثين مرة غفر الله ذنوب خمسين سنة مستقبلة وخمسين سنة مستدبرة). وهذا الخبر كما ترى مخالف لما تكاثرت به الاخبار واجتمعت عليه كلمة جل الاصحاب (رضوان الله عليهم) من عدم الصلاة في هذا الوقت، ولهذا قال الصدوق (قدس سره) في الكتاب المذكور بعد نقله ما صورته: اقول - وبالله التوفيق - ان هذا الثواب هو لمن كان امامه مخالفا لمذهبه فيصلى معه تقية ثم يصلى هذه الاربع ركعات للعيد ولا يعتد بما صلى خلف مخالفه، فاما من كان امامه يوم العيد اماما من الله تعالى عز وجل واجب الطاعة على العباد فصلى خلفه صلاة العيد لم يكن له ان يصلى بعد ذلك صلاة حتى ترول الشمس، وكذا من كان امامه موافقا لمذهبه وان لم يكن مفروض الطاعة وصلى معه العيد لم يكن له ان يصلى بعد ذلك صلاة حتى تزول الشمس. انتهى. وانت خبير بما فيه من البعد عن سياق الخبر المذكور سيما مع ما قدمناه من أن استحباب الاتيان بها مع اختلال الشرائط انما هو بالاتيان بركعتين كما تصلى في
(1) الوسائل الباب 6 من صلاة العيد. وفيه (شبيب) بدل (شعيب).
[ 298 ]
الجماعة لا باربع كما دل عليه الخبر المذكور وان كان قد قيل بالاربع ايضا ودل عليه بعض الاخبار الضعيفة التى قدمنا ان الاظهر حملها على التقية، ولو صح سند الخبر المذكور لامكن تخصيص تلك الاخبار به إلا انه لضعفه وشذوذه وندوره لا يمكن التعلق به، ولا اعرف جوابا عنه إلا الارجاء فيه إلى قائله لو ثبت عنه صلى الله عليه وآله إلا ان الظاهر ان الخبر عامى ورجاله انما هم من العامة وحينئذ فلا حاجة إلى تكلف الجواب عنه. واما ما ذكره الصدوق من الجواب عنه فبعيد إلا ان مذهبه في القضاء مع اختلال الشروط هو الصلاة اربعا كما ذكره في الهداية، ومن أجل ذلك حمل الاربع المذكورة هنا على انها صلاة العيد المقضية بعد فوات شرطها. والله العالم. ومنها - كراهة نقل المنبر من المسجد بل يعمل له شبه المنبر من طين، ونقل عليه في الذكرى الاجماع. ويدل عليه ما رواه الصدوق عن اسماعيل بن جابر عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (قلت له أرأيت صلاة العيدين هل فيهما اذان واقامة ؟ قال ليس فيهما أذان ولا اقامة ولكن ينادى: الصلاة ثلاث مرات وليس فيهما منبر، المنبر لا يحرك من موضعه ولكن يصنع للامام شئ شبه المنبر من طين فيقوم عليه فيخطب الناس ثم ينزل). ومنها - كراهة الخروج بالسلاح، قال في الذكرى: لمنافاته الخضوع والاستكانة، ولو خاف عدوا لم يكره لما روى عن السكوني عن الصادق عن الباقر (عليهما السلام) (2) انه قال: (نهى النبي صلى الله عليه وآله ان يخرج السلاح في العيدين إلا أن يكون عدو ظاهر). ومنها - كراهة السفر بعد الفجر من يوم العيد، وتردد المحقق في الشرائع في
(1) الوسائل الباب 7 و 33 من صلاة العيد. (2) الوسائل الباب 16 من صلاة العيد.
[ 299 ]
التحريم ثم قال الاشبه الجواز. قال في المدارك: منشأ التردد اصالة الجواز السالمة عن معارضة الاخلال بالواجب، وقوله (ع) في رواية ابى بصير (1) (إذا أردت الشخوص في يوم عيد فانفجر الصبح وأنت بالبلد فلا تخرج حتى تشهد ذلك العيد قال في الذكرى: ولما لم يثبت الوجوب حمل، النهى عن السفر على الكراهة. ويشكل بعدم المنافاة بين الامرين حتى يتوجه الحمل لكن الراوى وهو أبو بصير مشترك بين الثقة والضعيف فلا يصح التعليق بروايته والخروج بها عن مقتضى الاصل. انتهى ما ذكره في المدارك. اقول: لا إشكال في أن ظاهر النهى في الرواية المذكورة هو التحريم، وجواب صاحب الذكرى - بانه لما لم يدخل وقت الصلاة ولم يتحقق وجوبها والخطاب بها يحمل النهى على الكراهة - فيه ما ذكره السيد (قدس سره) من ان التحريم لا يتوقف على دخول وقتها إذ لا منافاة بين التحريم وبين عدم وجوبها إذ يجوز ان يكون التحريم لامر آخر. وجواب صاحب المدارك بضعف الرواية مردود بان الراوى عن ابى بصير هنا عاصم بن حميد، وقد تقرر في كلامهم انه متى كان الراوى عن ابى بصير عاصم بن حميد أو عبد الله بن مسكان فهو ليث المرادى الثقة الجليل القدر، والراوي هنا عنه عاصم بن حميد فتكون الرواية صحيحة، ولهذا ان صاحب الذخيرة وصفها بالصحة ولكن أجاب عنها بعدم انتهاض الدلالة على التحريم خصوصا إذا لم يكن القول بذلك مشهورا بين الاصحاب. ولا يخفى ما فيه إذ لا أعرف لهذا الجواب وجها إلا من حيث ما تكرر في كلامه - كما نبهنا عليه في غير مقام - من أن الاوامر والنواهي عنده في الاخبار لا تدل على الوجوب والتحريم إلا باعتبار اعتضادها بالشهرة بين الاصحاب. وقد أوضحنا ما فيه من الوهن والبطلان في غير مما تقدم. وبالجملة فانه لا خلاف كما ذكره في التذكرة في الجواز السفر قبل الفجر، ولا خلاف ايضا بينهم في ما اعلم في التحريم بعد طلوع الشمس، والبحث هنا يجرى على حسب ما تقدم في تحريم السفر بعد الزوال يوم الجمعة على من وجبت عليه الجمعة وانما الاشكال في ما بعد الفجر وقبل طلوع الشمس، وقد عرفت الكلام في ذلك والاحتياط لا يخفى.
(1) الوسائل الباب 27 من صلاة العيد.
<>