
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء العاشر
الفصل الرابع
في صلاة الاموات
والبحث في من يصلى عليه ومن يصلى والكيفية والأحكام المتعلقة بالمقام، وحينئذ فتحقيق الكلام في هذا الفصل يتوقف على بسطه في مطالب اربعة:
المطلب الاول - في من يصلى عليه وفيه مسائل:
(الاولى) لا خلاف في وجوب الصلاة على المؤمن وهو المسلم المعتقد لامامة الائمة الاثنى عشر (عليهم السلام) كما انه لا خلاف ولا إشكال في عدم الوجوب بل عدم الجواز إلا للتقية على الخوارج والنواصب والغلاة والزيدية ونحوها ممن يعتقد خلاف ما علم من الدين ضرورة.
[ 360 ]
وانما الخلاف في غير من ذكرنا من المخالفين الذين قد اشتهر بين متأخرى إصحابنا الحكم باسلامهم، فقال الشيخ في جملة من كتبه وابن الجنيد والمحقق واكثر المتأخرين بالوجوب. وقال الشيخ المفيد (قدس سره): ولا يجوز لاحد من أهل الايمان أن يغسل مخالفا للحق في الولاية ولا يصلى عليه إلا ان تدعو ضرورة إلى ذلك من جهة التقية. وظاهر الشيخ في التهذيب موافقته في ذلك حيث انه احتج له بان المخالف لاهل البيت كافر فيجب أن يكون حكمه حكم الكفار إلا ما خرج بالدليل، وإذا كان غسل الكافر لا يجوز فيجب أن يكون غسل المخالف ايضا غير جائز. وأما الصلاة عليه فتكون على حد ما كان يصلى النبي صلى الله عليه وآله والائمة (عليهم السلام) على المنافقين. والى هذا القول ذهب أبو الصلاح وابن ادريس وسلار، وهو الحق الظاهر بل الصريح من الاخبار لاستفاضتها وتكاثرها بكفر المخالف ونصبه وشركه وحل ماله ودمه كما بسطنا عليه الكلام بما لا يحوم حوله شبهة النقض والابرام في كتاب الشهاب الثاقب في بان معنى الناصب وما يترتب عليه من المطالب. والقول بالكفر هو المشهور بين الاصحاب من علمائنا المتقدمين (رضوان الله عليهم اجمعين) كما نقله الشيخ ابن نوبخت من متقدمي اصحابنا في كتابه فص الياقوت حيث قال: دافعوا النص كفرة عند جمهور أصحابنا، ومن اصحابنا من يحكم بفسقهم... إلى آخره. وقال العلامة في شرحه على الكتاب المذكور المسمى بانوار الملكوت: اما دافعوا النص على امير المؤمنين (ع) بالامامة فقد ذهب اكثر اصحابنا إلى كفرهم لان النص معلوم بالتواتر من دين محمد صلى الله عليه وآله فيكون ضروريا أي معلوما من دينه صلى الله عليه وآله بالضرورة فجاحده يكون كافرا كمن يجحد وجوب الصلاة وصوم رمضان. ثم نقل الاقوال الاخر. وبذلك صرح في باب الزكاة من كتاب المنتهى وهو ظاهر الكليني في الكافي والمرتضى واختاره جملة من افاضل متأخرى المتأخرين
[ 361 ]
ولا بأس بذكر جملة من الاخبار الدالة على ما ادعيناه من الكفر والنصب والشرك وحل المال والدم ليعلم ان ما ذهب إليه المتأخرون - من الحكم باسلامهم حتى فرعوا عليه هنا وجوب الصلاة عليهم ونحوه من أحكام الاسلام - نفخ في غير ضرام وغفلة عن النظر بعين التحقيق في اخبارهم (عليهم السلام). فمن ذلك ما رواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر (1) في ما استطرفه من كتاب مسائل الرجال ومكاتباتهم لمولانا ابى الحسن الهادى (ع) في جملة مسائل محمد ابن على بن عيسى قال: كتبت إليه اسأله عن الناصب هل أحتاج في امتحانه إلى اكثر من تقديمه الجبت والطاغوت واعتقاده بامامتها ؟ فرجع الجواب: من كان على هذه فهو ناصب). ومعنى الخبر هو انه لما استفاضت الاخبار عنهم (عليهم السلام) بكفر الناصب وشركه ونجاسته وحل ماله ودمه كتب إليه يسأله عن معنى الناصب ومظهر النصب بما يعرف حتى تترتب عليه الاحكام المذكورة وانه هل يحتاج إلى شئ زائد على مجرد تقديم الجبت والطاغوت واعتقاده امامتهما ؟ فرجع الجواب ان مظهر النصب والعداوة لاهل البيت (عليهم السلام) هو مجرد التقديم والقول بامامة الاولين. وهو ظاهر الدلالة في الرد على ما اشتهر بين متأخرى اصحابنا من جعلهم الناصب اخص من المخالف. نعم يجب أن يستثنى من عموم هذا الخبر المستضعف الذى دلت الاخبار على اسلامه ووجوب اجراء احكام الاسلام عليه في دار الدنيا وانه في الاخرة من المرجأين لامر الله تعالى. ومنها - ما رواه الصدوق في كتاب العلل (2) بسنده عن عبد الله بن سنان عن الصادق (ع) قال: (ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت (عليهم السلام) لانك لا تجد رجلا يقول انا ابغض محمدا وآل محمد صلى الله عليه وآله ولكن الناصب من نصب لكم
(1) و (2) الوسائل الباب 2 من ما يجب فيه الخمس و 68 من القصاص في النفس.
[ 362 ]
وهو يعلم انكم تتولونا وانكم من شيعتنا). ومنها - ما رواه في كتاب معاني الاخبار بسند معتبر عن المعلى بن خنيس (1) قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت (عليهم السلام) لانك لا تجد أحدا يقول أنا ابغض محمدا وآل محمد صلى الله عليه وآله ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم انكم تتولونا وتتبرأون من أعدائنا). وحاصل معنى الخبرين انه لا ينحصر الناصب في من أظهر بغضنا بلسانه وجاهر بعداوتنا لانه لو كان كذلك لم يوجد ناصب بالكلية لانك لا تجد احدا ويتظاهر بعداوتنا ويعلن ببغضنا وانما الناصب لنا والعدو هو من ابغضكم وهو يعلم انكم من شيعتنا تتولونا وتتبرأون من اعدائنا، وعلى هذا فالنصب والعداوة للشيعة من حيث التشيع مظهر للنصب لهم (عليهم السلام). ويدل على ذلك باوضح دلالة ما رواه الصدوق في كتاب الامالى (2) عن امير المؤمنين (ع) قال: (من سره أن يعلم أمحب لنا أم مبغض فليمتحن قلبه فان كان يحب وليا لنا فليس بمبغض وليا لنا فليس بمحب لنا... الحديث) ونحوه اخبار عديدة. ومن هذه الاخبار يعلم ان مظهر النصب والعداوة لهم (عليهم السلام) منحصر في امرين: تقديم الجبت والطاغوت واظهار العداوة للشيعة. وقد وافقنا في هذا المقام من متأخرى علمائنا الاعلام شيخنا الشهيد الثاني في الروض في باب السؤر حيث قال - بعد قول المصنف وسؤر الكافر والناصب - ما هذا لفظه: والناصب من نصب العداوة لاهل البيت (عليهم السلام) أو لاحدهم وأظهر البغضاء لهم صريحا أو لزوم ككراهة ذكرهم ونشر فضائلهم والاعراض عن مناقبهم من حيث انها مناقبهم والعداوة لمحبيهم من حيث محبتهم، وروى الصدوق ابن بابويه عن عبد الله بن سنان عن الصادق (ع) ثم ساق الخبر الاول ثم قال وفى بعض الاخبار
(1) الوسائل الباب 68 من القصاص في النفس (2) ارجع إلى الاستدراكات
[ 363 ]
ان كل من قدم الجبت والطاغوت فهو ناصب. واختاره بعض الاصحاب إذ لا عداوة اكثر ممن قدم المنحط عن مراتب الكمال وفضل المنخرط في سلك الاغبياء والجهال على من تسنم أوج الجلال حتى شك في انه الله المتعال. انتهى كلامه (زيد مقامه) وهو الحق الذى لا تعتريه شبة ولا اشكال وان خالفه في مواضع من كلامه في امثال هذا المجال. ومنها - ما رواه في الكافي عن ابى جعفر (ع) (1) قال (ان الله تعالى نصب عليا (ع) علما بينه وبين خلقه فمن عرفه كان مؤمنا ومن انكره كان كافرا ومن جهله كان ضالا) وبهذا المضمون أخبار عديدة في الكتاب المذكور وغيره. ونحوه ما رواه في الكافي ايضا عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (اهل الشام شر من أهل الروم وأهل المدينة شر من أهل مكة وأهل مكة يكفرون بالله جهرة) وعنه (ع) (3) (ان أهل مكة ليكفرون بالله جهرة وان أهل المدينة أخبث من اهل مكة اخبث منهم سبعين ضعفا). وعن ابى مسروق (4) قال: (سألني أبو عبد الله (ع) عن أهل البصرة فقلت مرجئة وقدرية وحرورية فقال لعن الله تلك الملل الكافرة المشركة التى لا تعبد الله على شئ) إلى غير ذلك من الاخبار. وقد ساعدتها على ذلك جملة من الايات القرآنية وما ورد في تفسيرها عن الائمة المعصومين (عليهم السلام) بتفسير الكفر فيها بانكار ولاية على (ع) رواها في الكافي (5). ومنها - ما رواه الصدوق في كتاب العلل في الموثق عن عبد الله بن ابى يعفور عن ابى عبد الله (ع) (6) في حديث قال فيه بعد ان ذكر اليهودي والنصراني
(1) الاصول ج 1 ص 437 الطبع الحديث وفي الوسائل الباب 6 من حد المرتد (2) و (4) الاصول ج 2 ص 409 الطبع الحديث (3) الاصول ج 2 ص 410 الطبع الحديث (5) باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية من كتاب الحجة (6) الوسائل الباب 11 من الماء المضاف.
[ 364 ]
والمجوسي قال: (والناصب لنا أهل البيت وهو شرهم ان الله لم يخلق خلقا انجس من الكلب وان الناصب لنا أهل البيت لانجس منه) وفى معناه اخبار عديدة تقدمت في باب النجاسات من كتاب الطهارة (1). ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن حفص بن البخترى عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (خذ مال الناصب حيثما وجدته وادفع الينا الخمس). وما رواه عن اسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (ع) (3) في حديث قال: (ولو لا انا نخاف عليكم ان يقتل رجل منكم برجل منهم - ورجل منكم خير من الف رجل منهم ومائة الف منهم - لامرناكم بالقتل لهم ولكن ذلك إلى الامام). وروى الكليني والشيخ في الصحيح عن بريد بن معاوية العجلى (4) قال: (سألت أبا جعفر (ع) عن مؤمن قتل ناصبا معروفا بالنصب على دينه غضبا لله ورسوله صلى الله عليه وآله أيقتل به ؟ قال أما هؤلاء فيقتلونه به ولو رفع إلى امام عادل ظاهر لم يقتله. قلت فيطل دمه ؟ قال لا ولكن ان كان له ورثة فعلى الامام أن يعطيهم الدية من بيت المال لان قاتله انما قتله غضبا لله ولامام المسلمين) وفى معناه غيره ومن أراد استقصاء الوقوف على جملة هذه الاخبار وما يتعلق بها من البحث والنقض والابرام فليرجع إلى كتابنا الشهاب الثاقب المتقدم ذكره فانه شاف واف بالمراد عار عن تطرق وصمة النقض والايراد. والله الهادى إلى الرشاد. إذا عرفت ذلك فاعلم ان من أوجب الصلاة على هؤلاء بناء على الحكم باسلامهم احتج على ذلك بما رواه الشيخ عن طلحة بن زيد عن ابى عبد الله عن ابيه (عليهما السلام) (5) قال: (صل على من مات من أهل القبلة وحسابه على الله).
(1) ج 5 ص 187 (2) الوسائل الباب 2 من ما يجب فيه الخمس (3) الوسائل الباب 95 من ما يكتسب به (4) الوسائل الباب 68 من القصاص في النفس، ويرجع فيه إلى الاستدراكات (5) الوسائل الباب 37 من صلاة الجنازة.
[ 365 ]
وما رواه الشيخ عن السكوني عن جعفر عن ابيه آبائه (عليهم السلام) (1) قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله صلوا على المرجوم من امتى وعلى القاتل نفسه من امتى لا تدعوا أحدا من امتى بلا صلاة). والجواب عن ذلك - مع الاغماض عن ضعفهما وعدم قيامهما بالمعارضة لا يسر يسير مما قدمناه من الاخبار مما ذكرناه وما لم نذكره - ان هذا المستدل لا يقول بهما على اطلاقهما لشمولهما للفرق التى قدمنا سابقا الاتفاق على كفرها فلابد من تخصيصهما بغيرهم، وليس تخصيصهما بما ذكروه من الادلة الدالة على كفر تلك الفرق أولى من تخصيصهما بما قدمنا ذكر بعضه من الاخبار الدالة على نصب المخالف وكفره وشركه ونحو ذلك، واحتمال الخروج مخرج التقية فيهما ظاهر لا ينكر إلا ممن صد عن قبول الحق في ما ذكرناه من الاخبار واستكبر. قال في المدارك في هذا المقام - بعد نقل القول المشهور والاستدلال له بالروايتين المذكورتين ثم نقل قول الشيخ المفيد ومن تبعه - ما لفظه: وهو غير بعيد لان الاجماع انما انعقد على وجوب الصلاة على المؤمن، والروايات التى استدل بها على العموم لا تخلو من ضعف في سند أو قصور في دلالة، والوجوب التمسك بمقتضى الاصل إلى ان يقوم على الوجوب دليل يعتد به. انتهى. اقول: قد سبق له نظير هذا الكلام المنحل الزمام في مسألة غسل الميت من كتاب الطهارة حيث قال بعد نقل كلام الشيخ المفيد المنقول هنا: والمسألة قوية الاشكال وان كان الاظهر عدم وجوب تغسيل غير المؤمن. انتهى. وفيه (أولا) ان مقتضى الحكم باسلامهم كما هو مذهبه في المسألة تبعا لجده والمحقق قبله وامثالهم هو ترتب احكام الاسلام واجراؤها عليهم مما يتعلق بالحياة والممات، فكما يجوز الحكم بمناكحتهم وموارثتهم وطهارتهم وحقن دمائهم واموالهم بل عدالتهم كما عرفت مما تقدم في مسألة العدالة من باب صلاة الجمعه المترتب جميع ذلك على الاسلام، فكذا يجب الحكم بغسلهم والصلاة عليهم فان جميع ذلك من
(1) الوسائل الباب 37 من صلاة الجنازة.
[ 366 ]
توابع الاسلام واحكامه المترتبة عليه، وتوقفه هنا على الدليل بخصوص هذين الحكمين لا معنى له، لان تلك الاحكام التى أجروها عليهم في حال الحياة أنما اجروها تبعا للاسلام وتفريعا عليه لا لخصوص أدلة دلت عليها بالنسبة إلى المخالف وان زعموا ورود ذلك في بعض هذا الاشياء المعدودة، والذى دلت عليه هذه الادلة الواردة عنهم (عليهم السلام) انما هو خلاف ما يدعونه من تلك الاحكام. و (ثانيا) ان الاصحاب في هذه المسألة على قولين (أحدهما) القول بالكفر وعدم جواز تغسيلهم والصلاة عليهم، و (ثانيهما) القول بالاسلام ووجوب الحكمين المذكورين، والقول بالاسلام وعدم جواز الحكمين المذكورين خرق للاجماع المركب وقد عرفت انه في غير موضع من كتابه يراعى الاجماع ويتشبث به وان خالف نفسه في مواضع اخر. وظاهر قوله هنا - ان الاجماع انما انعقد على وجوب الصلاة على المؤمن - هو الاعتماد على الاجماع فكيف يخرج عنه باحداث القول باسلامهم بل عدالتهم مع عدم جواز تغسيلهم والصلاة عليهم ؟ وبالجملة فالبناء لما كان على غير اساس تطرق إليه الانتقاض والانطماس فان كفرهم من المشهورات في اخبارهم (عليهم السلام) بل وربما يدعى انه من ضروريات مذهبهم كما لا يخفى على من إطلع على ما أوردناه في كتابنا المشار إليه آنفا من الاخبار وجاس خلال الديار. والله الهادى لمن يشاء. بقى الكلام في مادل عليه خبر السكوني (1) من حيث تضمنه الصلاة على القاتل نفسه مع ما ورد في جملة من الاخبار انه من أهل النار (2) ويمكن أن يقال انه بقتل نفسه لا يخرج عن الاسلام بل غايته أن يكون من أهل الكبائر المستحقين للنار ايضا، وقد دل صحيح هشام بن سالم المروى في الفقيه (3) على ان شارب
(1) ص 365 (2) الوسائل الباب 5 من القصاص في النفس (3) الوسائل الباب 37 من صلاة الجنازة. ورواه في التهذيب ج 1 ص 345.
[ 367 ]
الخمر والزانى والسارق يصلى عليهم إذا ماتوا. وبالجملة من حيث عدم الخروج عن الايمان تدركهم الشفاعة ويكونون بذلك من أهل الجنة كما دل عليه قوله صلى الله عليه وآله (1) (انما شفاعتي لاهل الكبائر من امتى) هذا مع عدم حصول التوبة وإلا فيسقط البحث. والله العالم.
المسألة الثانية - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في الحد الذى يجب فيه الصلاة على الطفل، فالاشهر الاظهر هو بلوغ ست سنين، ذهب إليه الشيخ وابن البراج وابن حمزة وابن زهرة وسلار والمتأخرون ونقل المرتضى فيه الاجماع وكذا العلامة في المنتهى، وقال الشيخ المفيد في المقنعة لا يصلى على الصبى حتى يعقل الصلاة. ونحوه قال الجعفي والصدوق في المقنع، والظاهر ان هذا القول يرجع إلى الاول. وقال ابن الجنيد تجب على المستهل يعنى من رفع صوته بالبكاء. وقال ابن ابى عقيل لا تجب على الصبى حتى يبلغ. ويدل على القول الاول وهو المختار ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح عن زرارة (2) قال: (مات ابن لابي جعفر (ع) فاخبر بموته فامر به فغسل وكفن ومشى معه وصلى عليه وطرحت خمرة فقام عليها ثم قام على قبره حتى فرغ منه ثم انصرف وانصرفت معه حتى انى لامشى معه فقال اما انه لم يكن يصلى على مثل هذا - وكان ابن ثلاث سنين - كان على (ع) يأمر به فيدفن ولا يصلى عليه ولكن الناس صنعوا شيئا (3) فنحن نصنع مثله. قال قلت فمتى تجب عليه الصلاة ؟ فقال
(1) الوسائل الباب 47 من جهاد النفس (2) الوسائل الباب 13 من صلاة الجنازة (3) في المغني ج 2 ص 522 (السقط وهو الولد تضعه المراة ميتا أو لغير تمام فاما ان خرج حيا واستهل فانه يغسل ويصلى عليه بغير خلاف، وقال ابن المنذر اجمع اهل العلم على ان الطفل إذا عرفت حياته واستهل يصلى عليه وان لم يستهل قال احمد إذا اتى له اربعة اشهر غسل وصلى عليه وهذا قول سعيد بن المسيب وابن سيرين واسحاق، وصلى ابن عمر على ابن لابنته ولد ميتا، وقال الحسن وابراهيم والحكم وحماد ومالك والاوزاعي =
[ 368 ]
إذا عقل الصلاة وكان ابن ست سنين... الحديث). وما رواه الصدوق في الصحيح عن عبيدالله الحلبي وثقة الاسلام في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله (ع) (1) (انه سئل عن الصلاة على الصبى متى يصلى عليه ؟ فقال إذا عقل الصلاة. قلت متى تجب الصلاة عليه ؟ قال إذا كان ابن ست سنين والصيام إذا اطاقه). قلت: والمراد بالوجوب هنا ليس المعنى الشرعي بل مجرد الثبوت فان صلاة الصبى مستحبة تمرينا، والمعنى انه متى يعقل الصلاة بحيث يؤمر بها تمرينا ؟ فقال إذا كان ابن ست سنين. والذى يكشف عن هذا المعنى ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الصحيح عن احدهما (عليهم السلام) (2) (في الصبى متى يصلى عليه ؟ قال إذا عقل الصلاة. قلت متى يعقل الصلاة وتجب عليه ؟ قال لست سنين). اقول: ومن هذه الروايات علم صحة ما حملنا عليه كلام الشيخ المفيد من رجوعه إلى القول المشهور خلافا لمن زعم المغايرة فعده في مقابلة القول المشهور وعده قولا برأسه. وروى الصدوق في الفقيه مرسلا (3) قال: (صلى أبو جعفر (ع) على ابن له له صبى صغير له ثلاث سنين ثم قال لولا ان الناس يقولون ان بنى هاشم لا يصلون على
= واصحاب الراي لا يصلى عليه حتى يستهل، وللشافعي قولان كالمذهبين. واما من لم يأت له اربعة اشهر فانه لا يغسل ولا يصلى عليه ويلف في خرقة ويدفن ولا نعلم فيه خلافا الا عن ابن سيرين فانه قال يصلى عليه إذا علم انه نفخ فيه الروح، وحديث الصادق المصدق يدل على انه لا ينفخ فيه الا بعد اربعة اشهر وقبل ذلك لا يكون نسمة) ونحو ذلك في البدائع ج 1 ص 302 والمهذب ج 1 ص 34 وبداية المجتهد ج 1 ص 22 والمدونة ج 1 ص 162. (1) الوسائل الباب 13 من صلاة الجنازة. (2) الوسائل الباب 3 من اعداد الفرائض ونوافلها. (3) الوسائل الباب 15 من صلاة الجنازة.
[ 369 ]
الصغار من اولادهم ما صليت عليه) قال (1): (وسئل (ع) متى تجب الصلاة عليه ؟ قال إذا عقل الصلاة وكان ابن ست سنين). وروى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن على بن جعفر عن اخيه موسى (ع) (2) قال: (سألته عن الصبى أيصلى عليه إذا مات وهو ابن خمس سنين ؟ قال إذا عقل الصلاة صلى عليه). اقول: قد عرفت من الاخبار السابقة ما يكشف اجمال هذا الخبر فانها قد فسرت من يعقل الصلاة بانه من كان ابن ست سنين. وقال الرضا في كتاب الفقه (3) (واعلم ان الطفل لا يصلى عليه حتى يعقل الصلاة) ويدل على ما ذهب إليه الجنيد ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (لا يصلى على المنفوس وهو المولود الذى لم يستهل ولم يصح ولم يورث من الدية ولامن غيرها، وإذا استهل فصل عليه وورثه) وعن على بن يقطين في الصحيح (5) قال: (سألت أبا الحسن (ع) لكم يصلى على الصبى إذا بلغ من السنين والشهور ؟ قال يصلى عليه على كل حال إلا ان يسقط لغير تمام). وعن احمد بن محمد رجل عن ابى الحسن الماضي (ع) (6) قال: قلت لكم يصلى على الصبى ؟... الحديث مثله. وعن السكوني عن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) (7) قال: (يورث للصبى ويصلى عليه إذا سقط من بطن امه فاستهل صارخا وإذا لم يستهل صارخا لم يورث ولم يصل عليه).
(1) و (2) الوسائل الباب 13 من صلاة الجنازة. (3) ص 19. (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 14 من صلاة الجنازة.
[ 370 ]
وأجاب الشيخ ومن تبعه من الاصحاب عن هذه الاخبار بالحمل على الاستحباب أو التقية (1). وفى الاول ما عرفت في غير مقام، مع انه لا وجه للحمل على ذلك بعد قول الباقر (ع) في صحيحة زرارة السابقة صدر الاخبار اما انه لم يكن يصلى على مثل هذا وان عليا (ع) كان يأمر به فيدفن ولا يصلى عليه). ويدل على ذلك ايضا ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح أو الحسن عن زرارة (2) قال: (رأيت ابنا لابي عبد الله (ع) في حياة ابى جعفر (ع) يقال له عبد الله فطيم قد درج فقلت له يا غلام من ذا الذى إلى جنبك ؟ لمولى لهم فقال هذا مولاى فقال له المولى يمازحه لست لك بمولى. فقال ذلك شر لك. فطعن في جنان الغلام (3) فمات فاخرج في سفط إلى البقيع، فخرج أبو جعفر (ع) وعليه جبة خز صفراء وعمامة خز صفراء ومطرف خز اصفر فانطلق يمشى إلى البقيع وهو معتمد على والناس يعزونه على ابن ابنه فاما انتهى إلى البقيع تقدم أبو جعفر (ع) فصلى عليه وكبر عليه أربعا ثم أمر به فدفن، ثم أخذ بيدى فتنحى بى ثم قال انه لم يكن يصلى على الاطفال انما كان أمير المؤمنين (ع) يأمر بهم فيدفنون من وراء ولا يصلى عليهم وانما صليت عليه من أجل أهل المدينة كراهية أن يقولوا لا يصلون على اطفالهم) (4). والعجب انه مع صراحة الخبرين في التقية وعدم مجال للحمل على هذا الاستحباب
(1) و (4) ارجع إلى التعليقة 3 ص 367. (2) الفروع ج 1 ص 56 وفي الوسائل الباب 15 من صلاة الجنازة (3) كذا في التهذيب ج 1 ص 311 والوافي ج 13 ص 75، وفي فروع الكافي ج 1 ص 56 والاستبصار ج 1 ص 479 الطبع الحديث هكذا (فطعن في جنازة الغلام) وفي هامش الكافي المطبوع بايران هكذا: قوله (فمات) تفسير لقوله (فطعن في جنازة الغلام) والعرب تقول طعن فلان في جنازته ورمى في جنازته إذا مات (المغرب).
[ 371 ]
يحتملونه هنا جريا على قاعدتهم في جميع الابواب وحرصا عليه مع ما عرفت انه لا دليل عليه من سنة ولا كتاب. ويزيد ذلك تأكيد ما رواه في الكافي عن على بن عبد الله (1) قال: (سمعت ابا الحسن موسى (ع) يقول لما قبض ابراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله جرت فيه ثلاث سنن، أما واحدة فانه لما مات انكسفت الشمس فقال الناس انكسفت الشمس لفقد ابن رسول الله صلى الله عليه وآله فصعد رسول الله صلى الله عليه وآله المنبر فحمد الله واثنى عليه ثم قال يا ايها الناس ان الشمس والقمر آيتان من آيات الله يجريان بامره مطيعان لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا انكسفتا أو واحدة منهما فصلوا ثم نزل عن المنبر فصلى بالناس صلاة الكسوف فلما سلم قال يا على قم فجهز ابني فقام على (ع) فغسل ابراهيم وحنطه وكفنه ثم خرج به ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله حتى انتهى به إلى قبره فقال الناس ان رسول الله صلى الله عليه وآله نسى أن يصلى على ابراهيم لما دخله من الجزع عليه فانتصب قائما ثم قال يا ايها الناس اتانى جبرئيل بما قلتم زعمتم انى نسيت أن اصلى على ابني لما دخلنى من الجزع ألا وانه ليس كما ظننتم ولكن اللطيف الخبير فرض عليكم خمس صلوات وجعل لموتاكم من كل صلاة تكبيرة وامرني أن لا اصلى إلا على من صلى... الحديث). قال في المدارك - بعد ايراد اخبار ابن الجنيد صحيحة زرارة الواردة في موت ابن ابى جعفر (ع) ورواية موت ابراهيم - والمسألة محل اشكال إلا ان المقام مقام استحباب والامر فيه هين. اقول: قد عرفت انه لا إشكال بحمد الملك المتعال بعد ما عرفت من حمل اخبار ابن الجنيد على التقية ووضوح صحيحتي زرارة في ذلك، قد عرفت ان من القواعد المأثورة التى استفاضت بها الاخبار عرض الاخبار في مقام الاختلاف على مذهب العامة والاخذ بخلافه، وحينئذ فاى اشكال يبقى في هذا المجال ؟ والظاهر ان منشأ هذا الاشكال عنده انما هو من حيث صحة مستند ابن الجنيد في ما ذهب إليه
(1) الفروع ج 1 ص 57 وفي الوسائل الباب 15 من صلاة الجنازة
[ 372 ]
وهو بناء على شدة تمسكه بهذا الاصطلاح المحدث يحوم حول الاسانيد ويدور مدارها صحة وضعفا ولا ينظر إلى متن الخبر ومخالفته القواعد الشرعية والسنة المحمدية أم لا ؟ وأما قوله إلا ان المقام مقام استحباب والامر فيه هين - فانه ليس في محله لان الاستحباب انما صاروا إليه جمعا بين الاخبار بزعمهم وإلا فمذهب ابن الجنيد انما هو القول بالوجوب واخباره ظاهرة في الوجوب وهى صحيحة صريحة فكيف يكون المقام مقام استحباب والامر فيه هين ؟ على انه لا منافاة بين صحة الخبر عنهم (عليهم السلام) وخروجه مخرج التقية حتى يحصل الاشكال عنده، فانهم انما وضعوا هذا الاصطلاح للتحرز من العمل بالاخبار المكذوبة بزعمهم، ومتى ثبت كون سندها صحيحا علم انها صدق، وحينئذ فصحة الاخبار انما تنافى كونها مكذوبة لا كونها خرجت مخرج التقية. وبالجملة فكلامه (قدس سره) هنا لا اعرف له وجه استقامة. والذى يدل على ما ذهب إليه ابن ابى عقيل على ما نقله عنه ان الصلاة استغفار للميت ودعاء له ومن لم يبلغ لا حاجة له إلى ذلك. وما رواه عمار في الموثق عن ابى عبد الله (ع) (1) (انه سئل المولود ما لم يجر عليه القلم هل يصلى عليه ؟ قال لا انما الصلاة على الرجل والمرأة إذا جرى عليها القلم). قال في المدارك: واجيب عن الاول بالمنع من كون الصلاة لاجل الدعاء للميت أو لحاجته إلى الشفاعة لوجوبها على النبي صلى الله عليه وآله والائمة (عليهم السلام) ونحن محتاجون إلى شفاعتهم. وعن الرواية بالطعن في السند باشتماله على جماعة من الفطحية ولا تنهض حجة في معارضة الاخبار الصحيحة، قال في الذكرى: ويمكن أن يراد يجرى القلم مطلق الخطاب الشرعي والتمرين خطاب شرعى. انتهى. اقول: ومما يدل على هذا القول زيادة على الموثق المذكورة ما رواه في
(1) الوسائل الباب 14 من صلاة الجنازة.
[ 373 ]
الكافي عن هشام (1) قال: (قلت لابي عبد الله (ع) ان الناس يكلمونا ويردون علينا قولنا انه لا يصلى على الطفل لانه لم يصل، فيقولون لا يصلى إلا على من صلى ؟ فنقول نعم. فيقولون أرأيتم لو أن رجلا نصرانيا أو يهوديا أسلم ثم مات من ساعته فما الجواب فيه ؟ فقال قولوا لهم أرأيتم لو أن هذا الذى أسلم الساعة افترى على انسان ما كان يجب عليه في فريته ؟ فانهم سيقولون يجب عليه الحد فإذا قالوا هذا قيل لهم فلو ان هذا الصبى الذى لم يصل افترى على انسان هل كان يجب عليه الحد ؟ فانهم سيقولون لا فيقال لهم صدقتم انما يجب أن يصلى على من وجبت عليه الصلاة والحدود ولا يصلى على من لم تجب عليه الصلاة ولا الحدود) وظاهر الخبر المذكور شهرة الحكم بما تضمنه يومئذ حتى عند المخالفين حيث أن ظاهره انهم كانوا يطعنون على الشيعة بذلك. وجمع المحدث الكاشانى في الوافى بين هذين الخبرين وبين اخبار القول المشهور بحمل تلك الاخبار على الاستحباب، قال في الكتاب المذكور بعد ذكر هذا الخبر: لا منافاة بين هذا الخبر والذى قبله لان الاول محمول على جواز الصلاة واستحبابها على من عقلها والثانى على حتمها ووجوبها على من أدرك، فمتى تستحب الصلاة للصبى تستحب عليه ومتى تجب تجب ومتى لا يعقلها وتجب عليه ولا تستحب. انتهى. ولا يخفى بعده إلا ان الظاهر انه لا مندوحة عنه في هذا المقام حيث ان هذين الخبرين كالصريحين في التخصيص بالبلوغ. وأما حمل موثقة عمار على بلوغ ست سنين وان المراد يجرى القلم يعنى جريه بالتكليف التمريني كما نقله في المدارك عن الذكرى وعليه جمد في المختلف وتبعهما صاحب الوسائل - فظني بعده بل عدم صحته، لانه (ع) عبر بالحصر في الرجل والمرأة وانه لا يصلى عليهما إلا إذا جرى عليهما القلم، ولا يخفى ان المفهوم من تتبع الاخبار وعليه يساعد العرف ان الرجل والمرأة لا يطلقان إلا على البالغ، وعلى
(1) الوسائل الباب 15 من صلاة الجنازة.
[ 374 ]
هذا فقوله (إذا جرى عليهما القلم) بعد ذكر الرجل والمرأة إما احتراز عن المجنون بعد البلوغ حيث انه مرفوع عنه القلم أو يكون في مقام البدل من الرجل والمرأة. وبالجملة فان من يعمل على هذا الاصطلاح المحدث فلا ريب ولا اشكال عنده في ترجيح القول المشهور واما من لا يعمل عليه فالحكم لا يخلو عنده من الاشكال والاحتياط فيه مطلوب على كل حال. إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد روى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عبد الله ابن بكير عن قدامة بن زائدة (1) قال: (سمعت أبا جعفر (ع) يقول ان رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على ابنه ابراهيم فكبر عليه خمسا). ولا يخفى ما فيه من المدافعة للاخبار المتقدمة الدالة على القول المشهور ولا سيما رواية على بن عبد الله (2) الواردة في موت ابراهيم صريحة في انه صلى الله عليه وآله لم يصل عليه. وحمل هذه الرواية على التقية كما حملنا عليها روايات ابن الجنيد غير ممكن هنا لعدم جواز التقية في حقه صلى الله عليه وآله مع منافاة التكبير خمسا لذلك، والحمل على التقية في النقل وان امكن لكن ذكر التكبير خمسا في الخبر ينافر ذلك. واما ما ذكره في الوسائل من الاحتمالات في الجمع بين الخبرين المذكورين - من انه يحتمل في الخبر الاول نفى الوجوب ويحتمل النسخ وانه صلى الله عليه وآله صلى بعد قولهم أو لعله صلى عليه غيره بامره ولم يصل عليه هو فيصدق النفى حقيقة والاثبات مجازا عقليا - فلا يخفى ما فيه لان الخبرين تصادما في وقوع الصلاة وعدمها لا في الامر حتى يحتمل نفى الوجوب والنسخ. وبالجملة فوجه الجمع عندي غير ظاهر والاول منهما هو المعتضد بالاخبار الكثيرة مضافا إلى اتفاق جمهور الاصحاب على القول بها، وانما يبقى الاشكال في هذا الخبر الاخير وهو مردود إلى قائله وهو أعلم بما قال. والله العالم.
(المسألة الثالثة) - المشهور في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لو
(1) الوسائل الباب 5 و 14 من صلاة الجنازة (2) ص 371.
[ 375 ]
وجد بعض الميت فان كان فيه الصدر أو وجد الصدر وحده غسل وكفن وصلى عليه ودفن ذكره الشيخ وجملة من الاصحاب بل صرح العلامة في جملة من كتبه بان صدر الميت كالميت في جميع احكامه واطلق. والاخبار في هذه المسألة مع كثرتها لا تخلو من التنافر والاضطراب: ومنها ما رواه الشيخ والصدوق عن الفضل بن عثمان الاعور عن ابى عبد الله (ع) (1) (في الرجل يقتل فيوجد رأسه في قبيلة ووسطه وصدره ويداه في قبيلة والباقى منه في قبيلة ؟ فقال ديته على من وجد في قبيلته صدره ويداه والصلاة عليه) قوله (ووسطه إلى قوله في قبيلة) ليس في التهذيب والظاهر انه سقط سهوا من قلمه كما لا يخفى على من له ادنى انس بطريقته في الكتاب المذكور. وبهذا الخبر والخبر الاتى بنقل المحقق في المعتبر عن جامع البزنطى استدل العلامة على ما ذكره من أن صدر الميت كالميت في جميع احكامه، مع انهما لم يشتملا على ازيد من الصلاة فلا دلالة فيهما على وجوب الغسل والتكفين، إلا ان يدعى استلزام الصلاة لوجوب الغسل والتكفين. قال في المدارك: وهو ممنوع. ومنها - ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) في الصحسح عن على بن جعفر عن اخيه موسى (ع) (2) (انه سأله عن الرجل يأكله السبع أو الطير فتبقى عظامه بغير لحم كيف يصنع به ؟ قال يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن وزاد في الكافي والتهذيب (3) (وإذا كان الميت نصفين صلى على النصف الذى فيه القلب ومثلها مع الزيادة رواية القلانسى عن ابى جعفر (ع) مثله (4). وظاهر هذين الخبرين بالنسبة إلى مجموع العظام هو المساواة للميت إلا في الحنوط وهو ظاهر لفوات محله، واما بالنسبة إلى النصف الذى فيه القلب على رواية الشيخين المذكورين وكذا ورواية القلانسى ان الصدر ليس كالميت في ما يدعونه من جميع الاحكام، لانهما (عليهما السلام) أوجبا في العظام الخالية من اللحم - حيث
(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة. والحديث (1) في الوسائل والفقيه ج 1 ص 104 عن الصادق عن ابيه (عليه السلام).
[ 376 ]
انها مجموع بدن الميت كما تفيده اضافة الجمع - الاحكام الاربعة المذكورة. واما الصدر فلم يتعرض فيه إلا إلى الصلاة، والدفن وان لم يذكر إلا انه معلوم من الاخبار الاخر ومنها - حسنة محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع) (1) قال: (إذا قتل قتيل فلم يوجد إلا لحم بلا عظم لم يصل عليه وان وجد عظم بلا لحم صلى عليه) وظاهرها انه يصلى على العظم مجردا مطلقا ولا قائل به ومن أجل ذلك حملت على الاستحباب والاظهر عندي هو حمل هذه الرواية على سابقتها بمعنى انه ان وجد من هذا القتيل بعد قتله جميع لحمه إلا انه لاعظم فيه فانه لا يصلى عليه، وان وجدت عظامه كملا خالية من اللحم صلى عليها، وبه تنطبق على الرواية المتقدمة. ولا استبعاد في ذلك إلا من حيث اطلاق العظم على المجموع ومثله في باب التجوز الواسع كثير. ومنها - رواية عبد الله بن الحسين عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (إذا وسط الرجل نصفين صلى على الذى فيه القلب) هكذا في رواية الكليني. وفى الفقيه (3) عن الصادق (ع) قال: (إذا وسط الرجل بنصفين صلى على النصف الذى فيه القلب وان لم يوجد منه إلا الرأس لم يصل عليه وهذه الزيادة قد رواها في الكافي مرسلا (4) بعد نقل حسنة محمد بن مسلم فقال: (وروى انه لا يصلى على الرأس إذا افرد من الجسد). وهذه الرواية مثل روايتي الفضل الاعور وعلى بن جعفر المتقدمتين في الدلالة على وجوب الصلاة على الصدر أو ما فيه الصدر من غير تعرض فيه لغير الصلاة. ومنها. رواية محمد بن خالد عن من ذكره عن ابى عبد الله (ع) (5) قال: (إذا
(1) و (4) الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة (2) الفروع ج 1 ص 58 وفي الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة (3) ج 1 ص 104 وفي الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة (5) الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة. والسند هكذا: (عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله عليه السلام.
[ 377 ]
وجد الرجل قتيلا فان وجد له عضو تام صلى عليه ودفن وان لم يوجد له عضو تام لم يصل عليه ودفن) وهذه الرواية نقلها في الكافي مسندة كما ذكرنا، وروى في الفقيه مرسلا عن الصادق (ع) مثله (1). وهذه الرواية بالنظر إلى ظاهرها لم يقل بها أحد إلا الصدوق بناء على قاعدته المذكورة في صدر كتابه. وربما حمل العضو هنا على ما فيه القلب، وبعده ظاهر وبعض القائلين بالقول المشهور اطرح هذا الخبر وبعض حمله على الاستحباب وهو الاحوط. ومنها - رواية اسحاق بن عمار عن ابى عبد الله عن ابيه (عليهما السلام) (2) (ان عليا (ع) وجد قطعا من ميت فجعت ثم صلى عليها ثم دفنت) رواها الصدوق والشيخ ويمكن تقييد اطلاقها بوجود العضو الذى فيه القلب في جملة تلك القطع. ومنها - ما رواه في الفقيه مرسلا عن الصادق (ع) (انه سئل عن رجل قتل ووجد اعضاؤه متفرقة كيف يصلى عليه ؟ قال يصلى على الذى فيه قلبه). ويمكن الاستدلال بهذا الخبر للقول المشهور من وجوب الصلاة على الصدر لانه محل القلب فيكون هو العضو الذى فيه القلب، ومنه يظهر التأييد لما احتملناه في سابق هذا الخبر. ومنها - رواية طلحة بن زيد عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (لا تصل على عضو رجل من رجل أو يد أو رأس منفردا فإذا كان البدن فصل عليه وان كان ناقصا من الرأس واليد والرجل. ووجوب الصلاة على البدن وان لم تكن معه هذه الاعضاء ظاهر بعد ما عرفت من تصريح الاخبار بوجوب الصلاة على ما فيه القلب. واما النهى عن الصلاة على
(1) الفقيه ج 1 ص 104 وفي الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة. (2) و (3) الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة (4) التهذيب ج ؟ ص 345 وفي الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة.
[ 378 ]
تلك الاعضاء منفردة فهو المعروف بين الاصحاب إلا انه ينافيه ما تقدم من رواية محمد بن خالد (1) وما يأتي من رواية ابن المغيرة (2). ومنها ما رواه المحقق في المعتبر نقلا من جامع البزنطى عن احمد بن محمد بن عيسى عن بعض اصحابه رفعه (3) قال: (المقتول إذا قطع اعضاؤه يصلى على العضو الذى فيه القلب). وهذا الخبر ظاهر في القول المشهور لان العضو الذى فيه القلب هو الصدر أعم من أن يكون معه اعضاء اخر من رأس ويد ونحو ذلك أم لا، ومنه يعلم - وكذا من مرسلة عبد الله بن الحسين المتقدم نقلها عن صاحب الكافي ومثلها مرسلة الفقيه - ان ذكر اليد في رواية الفضل بن عثمان الاعور مع كونها في كلام السائل لا توجب تقييدا بانه لا بد في الصلاة على الصدر من كون اليد معه كما توهمه صاحب المعتبر وغيره. ومنها - ما رواه في الكتاب المذكور ايضا عن ابن المغيرة (4) قال: (بلغني عن ابى جعفر (ع) انه يصلى على كل عضو رجلا كان أو يدا أو الرأس جزء فما زاد، فإذا نقص عن رأس أو يد أو رجل ام يصل عليه). وهذا الخبر مما يوافق ظاهر رواية محمد بن خالد المتقدمة من الصلاة على العضو التام، قال الذكرى بعد نقلهما: وهذان الخبران مطرحان مع ارسالهما. وقد قدمنا ان حملهما على الاستحباب طريق الاحتياط، إلا ان رواية طلحة بن زيد المتقدمة قد دلت على النهى عن الصلاة على هذه الاعضاء الثلاثة، وايدها بالنسبة إلى الرأس رواية الصدوق ومرسلة الكافي المتقدمتان في انه لو لم يوجد إلا الرأس فلا يصلى عليه، وبه يشكل الحكم بالاستحباب إذ اقل مراتب النهى الكراهة وهى لا تجامع الاستحباب، واما مجرد الجواز فلا وجه له في العبادات.
(1) ص 376 و 377. (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة.
[ 379 ]
وقد تلخص مما ذكرنا ذيل هذه الاخبار ان الواجب الصلاة على العظام كملا كما تضمنته صحيحة على بن جعفر وكذا على النصف الذى فيه القلب، والقول بوجوب الصلاة على الصدر كما هو المشهور ليس ببعيد ايضا كما اشرنا إليه آنفا، واما الرأس واليد والرجل كل منها على حدة فقد عرفت تصادم الاخبار فيها على وجه لا يمكن الجمع بينها. والله العالم. فروع الاول قال في الذكرى: إذا صلى على الصدر أو قلنا بالصلاة على العضو التام فالشرط فيه موت صاحبه اجماعا، وهل ينوى الصلاة عليه خالية أو على الجملة ؟ قضية المذهب الصلاة عليه خاصة إذ لا صلاة على الغائب، فلو وجد الباقي وجبت الصلاة على ما لم يصل عليه. انتهى. الثاني - قال في الذكرى ايضا: لو اشتبه المسلم بالكافر فالاقرب الصلاة على الجميع بنية الصلاة على المسلمين لتوقف الواجب عليه، وروى حماد بن يحيى عن الصادق (ع) (1) (ان النبي صلى الله عليه وآله في يوم بدر أمر بمواراة كميش الذكر أي صغيره وقال انه لا يكون إلا في كرام الناس) واورده الشيخ في الخلاف (2) والمبسوط عن على (ع) فحينئذ يمكن العمل به في الصلاة في كل مشتبه لعدم تعقل معنى في اختصاص الشهيد. وفى المبسوط أورد الرواية في اشتباه قتلى المسلمين بالمشركين وبنى عليها الصلاة ثم قوى ما قلناه أولا واحتاط بان يصلى على كل واحد واحد بشرط اسلامه قال في المعتبر: ولو قيل بمواراة الجميع ترجيحا لجانب حرمة المسلم كان صوابا. وهذا فيه طرح للرواية لضعفها والصلاة على الجميع حينئذ بطريق الاولى. الثالث - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في الصلاة على ولد الزنا تفريعا على الخلاف في اسلامه وكفره، فكل من حكم بالاسلام كالشيخ واتباعه - وهو المشهور بين المتأخرين - أوجبوا الصلاة عليه، ونقل الشيخ فيه في الخلاف
(1) الوسائل الباب 39 من الدفن (2) ص 109.
[ 380 ]
الاجماع، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وآله (1) (صلوا على من قال لا إله إلا الله) وبرواية طلحة بن زيد عن الصادق (ع) المتقدمة في المسألة الاولى (2). ومنع ابن ادريس من الصلاة عليه واحتج بانه كافر بالاجماع. ورده في المختلف بانه أي اجماع حصل على كفر ولد الزنا بل أي دليل دل على ذلك ؟ قال في الذكرى بعد نقل قول الشيخ في الخلاف ودعواه الاجماع: ويشكل قبل بلوغه إذ لا إلحاق له باحد الابوين، ويمكن تبعية الاسلام هنا للغة كالتحريم، ويؤيد الاسلام تبعية الفطرة. اقول: ونحن قد اشبعنا الكلام في مسألة ابن الزنا في الفصل السابع من المقصد الاول في النجاسات من كتاب الطهارة (3) وذكرنا ان جملة من الاصحاب كالمرتضى والصدوق قالوا بكفره، وقضية القول بالكفر المنع من الصلاة كما صرح
(1) في كنز العمال ج 8 ص 83 عن حلية الاولياء والطبراني عن ابن عمر عنه صلى الله عليه واله (صلوا على من قال الا اله الا الله وصلوا وراء من قال لا اله الا الله) ورواه في مجمع الزوائد ج 2 ص 67 عن الطبراني في الكبير ثم قال فيه محمد بن الفضل بن عطية وهو كذاب. وفي سنن البيهقي ج 4 ص 19 (قال الشيخ قد روى في الصلاة على كل بر وفاجر والصلاة على من قال لا اله الا الله احاديث كلها ضعيفة غاية الضعف) وفي نيل الاوطار ج 3 ص 139 حديث (صلوا خلف من قال لا اله الا الله وصلوا على من قال لا اله الا الله) اخرجه الدار قطني وفي اسناده عثمان بن عبد الرحمن كذبه يحيى بن معين ورواه ايضا من وجه آخر عنه وفي اسناده خالد بن اسماعيل وهو متروك ورواه ايضا من وجه آخر عنه وفي اسناده أبو الوليد المخزومي وقد خفي حاله على الضياء المقدسي وتابعه ابوالبختري وهب بن وهب وهو كذاب. ورواه ايضا والطبراني من طريق مجاهد عن ابن عمر وفيه محمد بن الفضل وهو متروك وله طريق آخر عند ابن عمر وفيه عثمان بن عبد الله بن العاص وقد رماه ابن عدي بالوضع. انتهى وهذا الحديث استدل به ابن قدامة في المغني ج 2 ص 559 في الصلاة على سائر المسلمين من اهل الكبائر والمرجوم في الزنا وغيره. ونحوه في بداية المجتهد ج 1 ص 219 والمحلى ج 5 ص 171 (2) ص 364. (3) ج 5 ص 190.
[ 381 ]
به ابن ادريس، إلا انى لم اقف على مذهبهم في هذه المسألة. وقد حققنا ثمة ان المستفاد من الاخبار الواردة فيه ان له حالة غير حالتى الايمان والكفر الحقيقيين لانه بالنسبة إلى احكامه في الدنيا - من الحكم بنجاسته وكون ديته دية اليهود والنصارى وعدم قبول قبول شهادته وعدم جواز امامته في الصلاة كما دلت على جميع ذلك الاخبار - لا يمكن الحكم بايمانه لان سلب هذه الاحكام عنه لا يجامع الايمان، ولا يمكن الحكم بكفره بالنظر إلى انه متدين بظاهر الايمان كما هو المفروض، ومن ذلك يعلم أن الحكم بوجوب الصلاة عليه لا يخلو من الاشكال لعدم الوقوف على خبر نفيا أو اثباتا في ذلك يتضح به الحال. الرابع - قد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه يلحق بالمسلم الواجب الصلاة عليه الطفل البالغ ست سنين، ولا خلاف ولا اشكال فيه إذا كان متولدا من مسلم كما تقدم الكلام فيه. فاما إذا كان لقيطا في دار الاسلام أو دار الكفر وفيها مسلم يمكن تولده منه ذكرا كان الملحق بالمسلم أو اثنى حرا كان أو عبدا فظاهر كلام الاصحاب انه كذلك ايضا تغليبا للاسلام، بل صرح جملة منهم بالحاق الطفل المسبى المتولد من كافر بالسابي إذا كان مسلما فيتبعه في الطهارة والحكم بالاسلام، ومقتضاه وجوب الصلاة عليه ايضا وقد قدمنا في آخر المسألة الثالثة من المسائل الملحقة بالفصل السابع في الكافر من المقصد الاول في النجاسات من كتاب الطهارة ضعف ما ذهبوا إليه من الحكم بالطهارة والاسلام بالنسبة إلى المسبى ولحوقه بالسابي. وأما حكم اللقيط في دار الاسلام أو دار الحرب وفيها من يمكن تولده منه من المسلمين فلا يحضرني الان دليل من الاخبار يدل عليه، والشهيدان في الذكرى والروض انما عللاه بتغليت الاسلام، وانت خبير بما في هذا التعليل من عدم الصلاح لتأسيس الاحكام. والله العالم.
المطلب الثاني - في من يصلى والكلام فيه يقع في ايضا في مسائل:
[ 382 ]
الاولى - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ما اعلم في أن أولى الناس بالميت يعنى الاحق بالقيام باحكامه من غسل. صلاة ونحوهما أولاهم بميراثه يعنى ان من يرث من الاقرباء أولى ممن لا يرث بالكلية، وأما تقدم بعض الورثة على بعض فسيأتي الكلام فيه ان شاء الله تعالى. قال في المدارك: وهذا الحكم مقطوع به في كلام الاصحاب وظاهر هم انه مجمع عليه، واستدلوا عليه بقوله تعالى (واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض) (1) وما رواه الكليني عن ابن ابى عمير عن بعض اصحابه عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (يصلى على الجنازة أولى الناس بها أو يأمر من يحب) وعن احمد بن محمد بن ابى نصر عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (يصلى على الجنازة أولى الناس بها أو يأمر من يحب) وفى الجميع نظر اما الاية الشريفة فلا نتفاء العموم فيها على وجه يتناول موضع النزاع. واما الروايتان فضعيفتا السند بالارسال واشتمال سند الثانية على سهل بن زياد وهو عامى، ومع ذلك فليس فيها تصريح بان المراد الاولوية في الميراث، مع ان مقتضى ما ذكروه من تقدم بعض الوراث على بعض كالاب على الابن وان كان أقل نصيبا منه كون المراد بالاولى ذلك البعض لا مطلق الوارث. ولو قيل ان المراد بالاولى هنا امس الناس بالميت رحما وأشدهم به علاقة من غير اعتبار لجانب الميراث لم يكن بعيدا. انتهى. اقول: فيه (اولا) انه قد تقدم منه نظير هذا الكلام في مسألة غسل الميت في كتاب الطهارة وقد قدمنا ثمة (4) تحقيق الكلام في المقام وبينا ضعف ما توهمه وان تبعه فيه جملة من الاعلام، وملخصه ان المراد بالاولى في جميع احكام الميت من غسل وصلاة وتلقين وقضاء عبادات ونحوها انما هو الولى المالك للتصرف والتدبير كولى الطفل وليس المراد به الجرى على صيغة التفضيل كما توهمه، واما
(1) سورة الانفال الاية 76. (2) و (3) الوسائل الباب 23 من صلاة الجنازة (4) ج 3 ص 378.
[ 383 ]
كون الولى المشار إليه هو من كان اولى بالميراث فقد دلت عليه صحيحة حفص التى قدمناها ثمة (1) ومن اراد تحقيق الحال في صحة ما ذكرنا من المقال فليرجع إلى الموضع المشار إليه من كتاب الطهارة. ثم ان من قبيل الروايتين المذكورتين قول الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (2) (ويصلى عليه أولى الناس به). وثانيا - ان ما ذكره من عدم العموم في الاية على وجه يتناول موضع النزاع ممنوع لو كان المراد من الاية العموم كما توهمه إلا ان الامر ليس كذلك بل الذى دلت عليه اخبار أهل البيت (عليهم السلام) - الذى نزل ذلك القرآن فيه فهم أعرف الناس بباطنه وخافيه - ان مورد الاية انما هو بالنسبة إلى الميراث بمعنى ان من كان أقرب إلى الميت في النسب فهو أولى بميراثه، وقد عرفت مما قدمناه سابقا من التحقيق وأشرنا إليه هنا ان ولى الميت المالك للتصرف في اموره هو الاولى بميراثه فتكون الاية بمعونة الاخبار الدالة على ما ذكرنا دالة ايضا على الاولوية في الاحكام المذكورة وان كان بطريق الاشعار والفحوى لانها قد دلت على ان الاقرب من أولى الارحام هو الاولى بالميراث وكل من كان أولى بالميراث فهو الاولى بالميت في جميع احكامه بالاخبار المشار إليها. وأما الاخبار الواردة في معنى الاية فمنها - ما رواه في الكافي عن الصادق عليه السلام (3) قال (كان علي (صلوات الله عليه) إذا مات مولى له وترك ذا قرابة لم يأخذ من ميراثه شيئا ويقول: واولو الارحام بعضهم أولى ببعض) (4). وما رواه فيه عن محمد بن قيس عن ابى جعفر (عليه السلام) (5) قال: (قضى امير المؤمنين (ع) في خالة جاءت تخاصم في مولى رجل فقرأ هذه الاية: واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله) (6).
(1) ج 3 ص 378 (2) ص 20 (3) و (5) الوسائل الباب 1 من ميراث ولاء العتق (4) و (6) سورة الانفال الاية 76.
[ 384 ]
وفى تفسير العياشي عن ابى بصير عن ابى جعفر عليه السلام (1) قال: (الخال والخالة يرثون إذا لم يكن معهم احد غيرهم ان الله يقول (واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله) (2) إذا التقت القرابات فالسابق احق بالميراث من قرابته، والمراد بالسابق يعنى الاقرب إليه. وروى فيه عن زرارة عن ابى جعفر (ع) (3) (في قول الله عزوجل: واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله) (4) ان بعضهم اولى بالميراث من بعض لان اقربهم إليه رحما اولى به). وفى تفسير الثقة الجليل على بن ابراهيم بن هاشم (5) ان هذه الاية نسخت قوله تعالى: والذين عقدت ايمانكم فاتوهم نصيبهم) (6). وبمثل ذلك صرح شيخنا امين الاسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان (7) ونقله عن ابن عباس والحسن وجماعة من المفسرين، قال: قالوا صار ذلك نسخا لما قبله من التوارث بالمعاقدة والهجرة وغير ذلك من الاسباب فقد كانوا يتوارثون بالمواخاة وان النبي صلى الله عليه وآله كان اخى بين المهاجرين والانصار. انتهى. ومما يزيد ذلك ايضاحا وتاكيدا ان ثبوت الميراث بالقرابة وهم غير اصحاب الفروض انما استندوا فيه إلى هذه الاية باجماع الاصحاب والاخبار إلى ذكرنا بعضها في اصل المسألة. ويمكن ان يقال ان المراد بالاية انما هو العموم وورود هذا الفرد في هذه الاخبار لا يقتضى قصر الحكم عليه إذ لا دلالة في شئ منها على ذلك وانما غايتها الدلالة على دخول هذا الفرد تحت هذه الاية.
(1) الوسائل الباب 5 من ميراث الاعمال والاخوال. (2) و (4) سورة الانفال الاية 76. (3) الوسائل الباب 8 من موجبات الارث (5) تفسير الصافي عنه ص 121. (6) سورة النساء الاية 37 (7) ج 3 - 4 ص 563
[ 385 ]
ويويد ما قلناه ورود بعض الاخبار في استدلال على (ع) على استحقاق الامامة وراثة من ابراهيم (على نبينا واله وعليه السلام) في مقام الرد على معاوية كما نقلناه في كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن ابى الحديد. ومما يزيد ما ذكرناه في اصل المسألة تأييدا ويعلى مناره تشييدا ما رواه في الكافي في الصحيح عن بريد الكناسى عن ابى جعفر (ع) (1) قال: (ابنك اولى بك من ابن ابنك وابن ابنك أولى بك من اخيك. قال واخوك لابيك وامك اولى بك من اخيك لابيك. قال واخوك لابيك أولى بك من اخيك لامك. قال وابن اخيك لابيك وامك أولى بك من ابن اخيك لابيك. قال وابن اخيك من ابيك أولى بك من عمك. قال وعمك اخو ابيك من ابيه وامه أولى بك من عمك اخى ابيك من ابيه قال وعمك اخو ابيك لابيه أولى بك من عمك اخى ابيك لامه. قال وابن عمك اخى ابيك من ابيه وامه اولى بك من ابن عمك اخى ابيك لابيه. قال وابن عمك اخى ابيك من ابيه أولى بك من ابن عمك اخى ابيك لامه) فان الاولوية في الخبر كما ترى دائرة مدار الارث فمن كان الوارث فهو الاولى من غير الوارث. وفيه دلالة ايضا على ان الاكثر إرثا أولى من الاقل كما صرح به لاصحاب (رضوان الله عليهم). و (ثالثا) ان ما طعن به على الخبرين المذكورين لا يقوم حجة على المتقدمين ممن لا أصل لهذا الاصطلاح عندهم ولا على من لا يقول به من المتأخرين بل ولا على من قال به منهم ايضا حيث ان ضعفهما مجبور بالاتفاق الذى قد حكاه في ما قدمناه من كلامه، على انه قد وافقهم في مواضع عديدة مما تقدم في العمل بالاخبار الضعيفة المجبورة باتفاق الاصحاب كما نبهنا عليه ثمة، بل تبعهم في بعض المواضع
(1) الوسائل الباب 1 من موجبات الارث والباب 13 من ميراث الاخوة والاجداد و 4 من ميراث الاعمام والاخوال، ويرجع في ضبط اسم الراوي إلى ج 1 ص 82.
[ 386 ]
مع اعترافه بعدم الدليل لهم وقال انه لا خروج عن ما عليه الاصحاب، ولكنه (رضوان الله عليه) ليس له قاعدة يقف عليها ولا قاعدة يرجع إليها. إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: واعلم ان ظاهر الاصحاب ان اذن الولى انما تتوقف عليها الجماعة لا أصل الصلاة لوجوبها على الكفاية فلا تناط برأى أحد من المكلفين فلو صلوا فرادى بغير اذن اجزأ. وقال في المدارك بعد نقل ذلك: وقد يقال انه لا منافاة بين كون الوجوب كفائيا وبين اناطته برأى بعض المكلفين على معنى انه ان قام به سقط الفرض عن غيره، وكذا ان اذن لغيره وقام به ذلك الغير، وإلا سقط اعتباره وانعقدت الصلاة جماعة وفرادى بغير اذنه، ومع ذلك فلا بأس بالمصير إلى ما ذكره قصرا لما خالف الاصل على موضع الوفاق ان تم وحملا للصلاة في قوله (ع) (1) (يصلى على الجنازة أولى الناس بها) على الجماعة لانه المتبادر. انتهى. اقول: حيث قد اشتهر في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف أن احكام الميت واجبة كفائية على كافة المسلمين ممن علم بالموت وظاهر الخبرين المتقدمين اعني بهما مرسلة ابن ابى عمير والبزنطي اختصاص ولاية الصلاة بالولي حصل هذا الاشكال في المقام واحتيج إلى التفصى في الجواب عن ذلك، وظاهر كلام شيخنا الشهيد الثاني في الروض الجمع بين الاخبار بتخصيص اخبار الولى ومن يأمره بالامامة خاصة لا أصل الصلاة، وظاهر كلام السيد السند هو تخصيص للوجوب كفاية بالولي بمعنى انه يجب على الولى أو من يأمره القيام بذلك، فان قام به سقط الفرض عن الغير والا سقط اعتبار الولى ووجب على الكافة صلاة كان أو غيرها. وأنت خبير بان منشأ الاشكال كما عرفت من دعوى كون احكام الميت واجبة كفائية على جميع من علم بذلك، وهذه الدعوى لم نجد لها مستندا في الاخبار كما
(1) و (2) ص 382.
[ 387 ]
قدمنا ذكره واوسعنا نشره في مسألة غسل الميت من كتاب الطهارة سوى ما يظهر من كلامهم من الاتفاق على هذا الحكم حتى من متأخرى المتأخرين الذين عادتهم المناقشة في طلب الدليل، فانه لم يناقش أحد منهم في هذا الحكم بل تلقوه بالقبول والتسليم، والمفهوم من الاخبار الواردة في احكام الاموات هو توجه الخطاب إلى الولى من غسل وصلاة وتكفين وتلقين ونحوها، ولو كان الامر على ما ذكروه من الوجوب كفائيا على كافة المسلمين فكيف تخرج الاخبار في هذه الاحكام بما ذكرناه ؟ وهم لما نظروا إلى هذين الخبرين في مسألة الصلاة الدالين على اختصاص الولى بها أوردوا هذا الاشكال وأجابوا عنه بما عرفت، والحال ان الامر ليس مختصا باصلاة كما لا يخفى على المتتبع بل هو عام لجملة احكام الميت وحينئذ فقول شيخنا الشهيد الثاني في الجواب هنا بما ذكره وان تم بالنسبة إلى الصلاة الا انه لا يحسم مادة الاشكال بالنسبة إلى غيرها من الاحكام التى ورد الخطاب فيها للولى خاصة، وما ذكره السيد السند جيد لو قام الدليل على الوجوب الكفائي الذى يدعونه. نعم يمكن أن يقال بالوجوب على سائر المسلمين كفاية مع تعذر الولى أو اخلاله بالقيام بذلك كما تدل عليه اخبار العراة الذين مروا بميت قذفه البحر إلى الساحل فانهم امروا بالصلاة عليه ودفنه (1) ونحوها ما تقدم في صحيحة على بن جعفر في اكيل السبع تبقى عظامه (2) قال: (يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن) فانها تدل باطلاقها على ذلك وقوله صلى الله عليه وآله (3) (لا تدعوا أحدا من امتى بغير صلاة) وقول الباقر (ع) (4) (صل على من مات من أهل القبلة وحسابه على الله تعالى). ثم انه مع وجود الولى فان كان متصفا بشرائط الامامة جاز له التقدم والاستنابة والا تعين عليه الاستنابة وليس لاحد أن يتقدم بدون اذنه. بقى هنا شئ وهو ان ظاهر الاصحاب (رضوان الله عليهم) اشتراط العدالة في امام
(1) الوسائل الباب 36 من صلاة الجنازة. (2) ص 375 (3) في رواية السكوني ص 365 (4) في رواية طلحة ص 364.
[ 388 ]
هذه الصلاة كالصلاة اليومية وغيرها من الصلوات، ويظهر من العلامة في المنتهى الاتفاق على ذلك. وقال في الذخيرة: ولولا ذلك - يعنى دعوى الاتفاق - لكان للمنازعة فيه محال لعموم النص وعدم كونها صلاة حقيقة فلا يعتبر فيها ما يعتبر في الصلاة الحقيقية كما يستفاد من بعض الاخبار السابقة. انتهى. اقول: وما ذكره لا يخلو من قرب لما تكرر في الاخبار من قولهم (عليهم السلام) (1) (انما هو تكبير وتسبيح كما تسبح في بيتك من غير طهر) ونحو ذلك مضافا الى عدم ما يدل على ما يدل على ما ذكروه في شئ من اخبار هذه الصلاة، وكأنهم نظروا إلى مجرد صدق الصلاة عليها. المسألة الثانية - قد صرح جمع من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان الاب أولى من الابن، والوالد أولى من الجد والاخ والعم، والاخ من الاب والام أولى ممن يتقرب باحدهما. والاول متفق عليه كما نقله في المدارك، واستدل عليه بان الاب اشفق على الميت من الابن وارق عليه فيكون دعاؤه اقرب إلى الاجابة. ورد بان ذلك انما يصلح توجيها للنص لا دليلا برأسه. وعلل الثاني بما تقدم من الاولوية في الميراث ونقل عن ابن الجنيد انه جعل الجد هنا أولى من الاب والابن محتجا بان منصب الامامة أليق بالاب من الولد والجد اب الاب فكان أولى من الاب. ورده في المختلف بان الاولى بالميراث أولى لعموم الاية (2). قال في المدارك بعد نقل كلام المختلف: وقد عرفت ما فيه. وعلى ما احتملناه من معنى الاولوية يقرب ما ذكره ابن الجنيد. اقول: قد عرفت مما قدمناه صحة الاستدلال بالاية على ما ذكره الاصحاب
(1) الوسائل الباب 21 من صلاة الجنازة. (2) (واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض) سورة الانفال الاية 76
[ 389 ]
(رضوان الله عليهم) بمعونة الاخبار المتقدمة، وقد عرفت ان ما احتمله في معنى الاولى ساقط لا اعتماد عليه، وان ما ذكره الاصحاب من أن الولى هو الاولى بالميراث هو الظاهر من الاخبار. على ان ما احتمله لا ينطبق على مذهب ابن الجنيد لانه فسر الاولى - كما تقدم - بمن كان امس الناس بالميت رحما وأشدهم به علاقة، ولا ريب ان ابا الميت أشد به علاقة وامس به رحما. وعلل تقديم الاخ من الابوين على الاخ من الاب خاصة بانه لا يرث معه واما على الاخ من الام فعلله في المنتهى بانه اكثر نصيبا في الميراث، وبان الام لا ولاية لها في الصلاة فمن يتقرب بها أولى. اقول: والوجه هو التعليل الاول كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في المقام والثانى وان قال في المدارك انه لا بأس به فالبأس فيه أظهر من أن يخفى على ذوى الافهام، فان ما ذكره من الاولوية لا وجه له مع عدم صحة بناء الاحكام الشرعية على امثال هذه التعليلات العليلة. ونقل في المعتبر عن الشيخ في المبسوط انه قال: الاب أولى الاقارب ثم الولد ثم ولد الولد ثم الجد من قبل الاب ثم الاخ من قبل الاب والام ثم الاخ من قبل الاب ثم الاخ من قبل الام ثم العم ثم الخال ثم ابن العم ثم ابن الخال، ثم قال وبالجملة من كان أولى بميراثه كان أولى بالصلاة عليه. قال في المدارك: ومقتضى ذلك ان ترتب الاولياء على هذا الوجه لاولوية الارث وهو مشكل فانه ان اراد بالاولوية ان من يرث أولى ممن لا يرث لم يلزم منه اولوية بعض الورثة على بعض كالأب على الابن والجد على الاخ والعم على الخال، وان اراد بها كثرة النصيب انتقض بالاب فانه أولى من الابن مع انه اقل نصيبا منه، وكذا الجد فانه أولى من الاخ مع تساويهما في الاستحقاق. إلا ان يقال ان التخلف في هاتين الصورتين لعارض وهو قوة جانب الاب والجد باختصاصهما بزادة الحنو والشفقة وحصول النسل منهما، لكن في ذلك خروج
[ 390 ]
عن اعتبار الارث. ولو حمل الاولى هنا على المعنى الذى ذكرناه وجب الرجوع في تحقيق الاولوية إلى العرف وسقط جانب الارث مطلقا. انتهى كلامه (زيد مقامه) اقول: لا يخفى على من تأمل في ما حققناه في المقام مما دلت عليه اخبارهم (عليهم السلام) ولا سيما صحيحة بريد الكناسى (1) ان ولى الميت هو الاولى بميراثه بمعنى من يرث دون من لا يرث. ويستفاد من صحيحة بريد المذكورة انه مع تعدد الوارث فمن كان اكثر نصيبا فهو الولى كما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) وبه صرح في المنتهى في ما قدمنا نقله عنه، واشرنا إلى انه هو الوجه في ما علل به الحكم المتقدم لهذه الصحيحة الصريحة في ذلك. واما مع تساوى الورثة في الميراث فالمفهوم من صحيحة محمد بن الحسن الصفار المروية بطرق المشايخ الثلاثة (2) - قال: (كتبت إلى ابى محمد الحسن رجل مات وعليه قضاء من شهر رمضان عشرة ايام وله وليان هل يجوز لهما ان يقضيا عنه جميعا خمسة ايام الوليين وخمسة ايام الاخر ؟ فوقع عليه السلام: يقضى عنه اكبر ولييه عشرة ايام ولاء ان شاء تعالى) ونحوه قول الرضا عليه السلام في كتاب الفقه الرضوي (3) (وإذا كان للميت وليان فعلى اكبر هما من الرجلين أن يقضى عنه فان لم يكن له ولى من الرجال قضى عنه وليه من النساء) - ان الولى شرعا هو الاكبر. كما انه مع تعددهم ذكورة وانوثة فالولاية للذكر دون الانثى كما تشعر به صحيحة حفص الواردة في القضاء ايضا (4) لقوله فيها: (قلت ان كان أولى الناس به امرأة
(1) ص 385. (2) الوسائل الباب 23 من احكام شهر رمضان. وفي الفروع ج 1 ص 197 والتهذيب ج 1 ص 421 كما في الوسائل ايضا هكذا (كتبت إلى الاخير ع) نعم في الفقيه ج 2 ص 98 التصريح بالاسم المبارك. (3) ص 25. (4) الوسائل الباب 23 من احكام شهر رمضان.
[ 391 ]
فقال لا إلا الرجال، فانها شاملة باطلاقها لما لو اختصت بالولاية أو شاركها رجل، والتقريب فيها ان ولى الميت المخاطب بوجوب القضاء عنه هو الذى جعل إليه احكام الميت من غسل وتكفين وتلقين وصلاة نحوها كما تقدم تحقيقه. بقى الاشكال في ما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) من صورة اجتماع الاب والابن فانهم جزموا بان الولاية للاب إلا انهم لم يأتوا عليه بدليل سوى ما عرفت من ذلك التخريج العليل، وهو كما ترى مخالف لمقتضى القاعدة المستفادة من الصحيحة المتقدمة (1) من حيث انه يفهم منها ان الاكثر نصيبا من الوراث هو الولى للميت وبموجبه تكون الولاية للولد دون الاب. وبالجملة فانه لا مستند لهذا الحكم مع مخالفته لظاهر الصحيحة المذكورة إلا مجرد كلام الاصحاب وفيه ما لا يخفى على ذوى الافهام والالباب. ويعضد ما ذكرناه تصريح النص بسقوط ولاية الاب مع الزوج وعليه الاصحاب من غير خلاف يعرف، فيمكن أن يكون مع الولد كذلك. والله العالم. المسألة الثالثة - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في أن الزوج أولى بزوجته من جميع قراباتها، قال في الذكرى لا أعرف فيه مخالفا من الاصحاب. وقال في المدارك: هذا هو المعروف من مذهب الاصحاب. اقول: والذى يدل عليه من الاخبار ما رواه المشايخ الثلاثة في الكتب الثلاثة عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) قال: (قلت له المرأة تموت من أحق الناس بالصلاة عليها ؟ قال زوجها. قلت الزوج أحق من الاب والولد والاخ ؟ قال نعم ويغسلها). ويعضد هذه الرواية ما رواه الشيخ عن اسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (ع) قال (الزوج أحق بامرأته حتى يضعها في قبرها). واعترض في المدارك هنا بان الرواية ضعيفة السند لاشتراك راويها وهو
(1) ص 385. (2) و (3) الوسائل الباب 24 من صلاة الجنازة.
[ 392 ]
أبو بصير بين الثقة والضعيف، بل الظاهر انه الضعيف الضرير بقرينة ان الراوى عنه قائده وهو على بى ابى حمزة البطائني، وقال النجاشي انه كان أحد عمد الواقفية، وفى الطريق القاسم بن محمد وهو واقفى ايضا، قال وروى الشيخ في الصحيح عن حفص ابن البخترى عن ابى عبد الله (ع) (1) (في المرأة تموت ومعها اخوها وزوجها ايهما يصلى عليها ؟ فقال اخوها أحق بالصلواة عليها) وعن عبد الرحمان بن ابى عبد الله (2) قال: (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الصلاة على المرأة الزوج احق بها أو الاخ ؟ قال الاخ) ثم اجاب عنهما بالحمل على التقية (2) وهو يتوقف على وجود المعارض. انتهى اقول: لا يخفى ان المعارض عند الشيخ وامثاله من المتقدمين ممن لا يرى العمل بهذا الاصطلاح موجود، وكذا عند من يعمل به بالنظر إلى جبر الخبر باتفاق الاصحاب على العمل بمضمونه، ولا سيما ان الرواية قد رواها المشايخ الثلاثة باسانيد عديدة، وهو من اقوى المرجحات لصحتها وثبوتها ولا سيما صاحب الفقيه بناء على ما قدمه في صدر كتابه من القاعدة التى قد احتج بها السيد المذكور في جملة من المواضع لجبر الخبر الضعيف الذى يتمسك به، وما تضمنته الرواية متفق عليه بين الاصحاب سلفا وخلفا كما يشير إليه كلامه المتقدم نقله، ولكنه لما رأى صحة سند رواية حفص المذكورة جمد عليها كما هي عادته من دورانه مدار صحة السند وان اشتمل المتن على خلل وعلل، وقد تقدم منه في مسألة غسل الميت من كتاب الطهارة المناقشة في ذلك ايضا استنادا إلى الصحيحة المذكورة بعد أن أورد دليلا للقول المشهور رواية اسحاق بن عمار المتقدمة ثم نقل عن المعتبر ان مضمون الرواية متفق عليه. ثم قال: قلت ان كانت المسألة اجماعية فلا بحث وإلا أمكن المناقشة فيها بضعف السند. ونحن قد قدمنا في غير مقام ان هذه المناقشات الواهية لا تقوم حجة على المتقدمين لعدم الدليل على هذا الاصطلاح، واما المتأخرون فضعف هذه الاخبار عندهم مجبور بالاتفاق على القول بمضمونها، والحكم بما دلت
(1) و (2) الوسائل الباب 24 من صلاة الجنازة. (3) ارجع إلى التعليقة 1 ص 393.
[ 393 ]
عليه الصحيحة التى جمد عليها معمول عليه عند العامة (1) وقد تقرر في القاعدة المنصوصة عن أهل البيت (عليه السلام) عرض الاخبار على مذهبهم والاخذ بخلافه (2) ومقتضاه حمل الصحيحة المذكورة على التقية كما ذكره الشيخ. وكيف كان فاطلاق الاخبار التى هي مستند الحكم المذكور دال على انه لا فرق بين الدائم والمستمتع بها ولا بين الحرة والمملوكة، فعلى هذا يكون الزوج أولى من سيد المملوكة لو كانت لغيره. ولا يلحق بالزوج الزوجة في هذا الحكم لعدم النص، وذهب بعض الأصحاب إلى مساواتها للزوج لشمول اسم الزوج لها لغة كما قال الله تعالى (واصلحنا له زوجه) (3) ويضعف بان ذلك انما يتم مع اطلاق ولاية الزوج لا مع التصريح بانه أحق بامرأته كما تضمنه الخبر ان اللذان هما مستند الحكم المذكور (4).
المسألة الرابعة - لو حضر امام الاصل فانه أولى من الولى كائنا من كان لقيامه مقام النبي صلى الله عليه وآله الذى هو أولى بالمؤمنين من انفسهم (5). وقوله صلى الله عليه وآله (6) في خطبة الغدير (ألست أولى بكم من انفسكم ؟ قالوا بلى
(1) في الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 481 (عند الحنفية والحنابلة الزوج يتأخر في الصلاة على الميت عن ذوي الارحام، وعند الشافعية يتقدم الاولى فالاولى في الميراث وعند المالكية بعد ان ذكر الترتيب في من يصلى عليه من السلطان وغيره قال لا حق لزوج الميت في التقدم) وفي المغني ج 2 ص 483 (اما زوج المرأة وعصبتها فظاهر كلام الخرقي تقديم العصبات وهو اكثر الروايات عن احمد وهو قول سعيد بن المسيب والزهري وبكير ابن الاشبح ومذهب ابي حنيفة ومالك والشافعي الا ان ابن حنيفة يقدم زوج المرأة على ابنها، وروى عن احمد تقديم زوج المراة على العصبات لان ابا بكرة صلى على امرأته ولم يستأذن اخوتها). (2) الوسائل الباب 9 من صفات القاضي وما يقضى به (3) سورة الانبياء الاية 9. (4) ص 391. (5) لقوله تعالى في سورة الاحزاب الاية 6: (النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم) (6) الغدير لاية الله الاميني ج 1 ص 11 وص 294 إلى 313.
[ 394 ]
يا رسول الله قال من كنت مولاه فعلى مولاه). وما رواه في الكافي والتهذيب عن طلحة بن زيد عن الصادق (ع) (1) قال: (إذا حضر الامام الجنازة فهو أحق الناس بالصلاة عليها). وما رواه الشيخ في التهذيب عن السكوني عن جعفر بن محمد عن ابيه عن ابائه (عليهم السلام) (2) قال: (قال امير المؤمنين (ع) إذا حضر سلطان من سلطان الله جنازة فهو احق بالصلاة عليها ان قدمه ولى الميت والا فهو غاصب فان الظاهر ان المراد بالسلطان هنا هو الامام المعصوم لان سلطنته من جهة الله تعالى على عباده سلطنة حقيقية. وظاهر اطلاق الخبر الاول عدم التوقف على اذن الولى، وهو ظاهر ابى الصلاح حيث قال: الامام أولى فان تعذر حضوره واذنه فولى الميت. إلا ان ظاهر الخبر الثاني التوقف على الاذان فان لم يأذن له الولى فانه يكون غاصبا لحق الامام (ع) وهذا هو المنقول عن الشيخ في المبسوط استنادا إلى الخبر المذكور وبه صرح العلامة في المنتهى. وظاهر الشهيد في الذكرى العمل على الخبر الاول وتأول الخبر الثاني بالحمل على غير امام الاصل، قال لان تنكيره مشعر بالكثرة وفيه اشعار باستحباب تقديم الولى اياه. انتهى. والظاهر بعده فان نسبة السلطنة إلى كونها من الله عزوجل لا تتبادر إلا إلى امام الاصل، والاخبار المتقدمة قد عرفت صراحتها مع كثرتها واستفاضتها في أن الاولى بالميت هو الاولى بميراثه من غير تقييد إلا ان قضية أولويته (ع) مطلقا بالناس من انفسهم تمنع من توقف تقديمه على الاذن. وبذلك يظهر ان المسألة لا تخلو من شوب الاشكال. وظاهر شيخنا الشهيد الثاني في الروض عدم التوقف على اذن الولى في الصورة
(1) و (2) الوسائل الباب 23 من صلاة الجنازة
[ 395 ]
المذكورة كما اختاره في الذكرى. وكيف كان فالكلام في هذه المسألة تكلف مستغنى عنه الان إلى ان يظهر صاحب الزمان عجل الله فرجه. ونقل عن ابن الجنيد ان الاولى الامام ثم خلفاؤه ثم امام القبيلة كباقي الصلوات اقول: وفى هذا اسقاط لولاية الولى المنصوص عليه إلا ان يخص بفقده أو طفوليته وعدم لياقته للصلاة والاذن فيها.
المسألة الخامسة - قال الشيخ المفيد: إذا حضر الصلاة رجل من بنى هاشم كان اولى بالتقديم للصلاة عليه بتقديم وليه له، ويجب على الولى تقديمه وان لم يقدمه لم يجز له التقدم. قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: فان اراد المفيد (قدس سره) بالرجال الذى اشار إليه امام الاصل فهو حق وإلا فهو ممنوع بل الاولى للولى التقديم اما الوجوب فلا، لنا عموم الاية (1) انتهى. وقال في الذكرى: قال ابن بابويه والشيخان والجعفى واتباعهم الهاشمي أولى وبالغ المفيد (قدس سره) فاوجب تقديمه، وربما حمل كلامه على امام الاصل وهو بعيد لانه قال: (وان حضر رجل من فضلاء بنى هاشم) وهو صريح في كل واحد من فضلائهم، ولم اقف على مستنده، والصدوق عزاه إلى ابيه في رسالته، ولم يذكر في التهذيب عليه دليلا، وفى المعتبر احتج بما روى عن النبي صلى الله عليه وآله (2) (قدموا
(1) (واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله) سورة الانفال الاية 76. (2) في الجامع الصغير للسيوطي ج 2 ص 85 عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله (قدموا قريشا ولا تقدموها وتعلموا منها ولا تعلموها) وفيها عن عبد الله بن السائب (قدموا قريشا ولا تقدموها وتعلموا من قريش ولا تعلموها، ولو لا ان تبطر قريش لا خبرتها ما لخيارها عند الله تعالى) وفيه عن علي عليه السلام (قدموا قريشا ولا تقدموها ولولا ان تبطر قريش لاخبرتها بما لها عند الله تعالى) قال المناوى في شرح الجامع الصغير ج 4 ص 512 استدل بهذه الاحاديث على تقديم قول الشافعي على غيره ورده عياض بان =
[ 396 ]
قريشا ولا تقدموها) ولم نستثبته في رواياتنا مع انه اعم من المدعى. انتهى. اقول: قال الصدوق في الفقيه: وقال ابى في رسالته إلى: إعلم يا بنى ان أولى الناس بالصلاة على الميت من يقدمه ولى الميت، فان كان في القوم رجل من بنى هاشم فهو أحق بالصلاة عليه إذا قدمه ولى الميت فان تقدم من غير أن يقدمه ولى الميت فهو غاصب. انتهى. وهذه العبارة عين عبارة كتاب الفقه الرضوي بتغيير ما حيث قال (ع) (1) واعلم ان أولى الناس بالصلاة على الميت الولى أو من قدمه الولى، فان كان في القوم رجل من بنى هاشم فهو أحق بالصلاة عليه إذا قدمه الولى فان تقدم من غير ان يقدمه الولى فهو غاصب. انتهى. ومن ذلك علم ان مستند على بن بابويه في ما ذكره في الرسالة والشيخ المفيد في ما تقدم نقله عنه انما هو هذا الكتاب كما اشرنا إليه في غير مقام، إلا ان الكتاب المذكور حيث لم يصل إلى المتأخرين انكروا الوقوف على المستند. ولعل السبب في عدم اشتهار هذا الكتاب ووصوله إلى الشيخ الطوسى (قدس سره) ومن كان في عصره هو ان نسخة الكتاب في الصدر الاول لعلها كانت عزيزة الوجود ولم تصل إلا إلى الشيخ على بن بابويه وابنه الصدوق، ولما كان كل منهما قد أخذ عبائر الكتاب وافتى بها كما حكيناه في غير موضع مما تقدم وسيأتى في هذا الكتاب وفى كتاب الزكاة والحج والصوم ونحو ذلك ايضا اخفيا الكتاب فلم ينتشر ولم يشتهر إلى هذا العصر الاخير كما ذكره شيخنا غواص بحار الانوار في مقدمة كتاب البحار وكذا ابوه (قدس سره) كما وجدته بخطه من حكاية أصل الوقوف على الكتاب المذكور، ولذا لم تر لنقل عبائره والاستدلال بها اثرا في غير كلام الصدوقين وان وجد قيلا في عبائر الشيخ المفيد (قدس سره) ايضا، ولعله
= المراد منها الخلافة وقد قدم النبي صلى الله عليه وآله ابن حذيفة في الصلاة وخلفه قريش. (1) ص 19
[ 397 ]
للاخذ عنهما. والله العالم. المسألة السادسة - لو اوصى الميت إلى شخص بان يعليه فالمنقول عن ابن الجنيد وجوب تقديمه، قال في المختلف: قال ابن الجنيد الموصى إليه اولى بالصلاة من القرابات. ولم يعتبر علمائنا ذلك، لنا عموم قوله تعالى (واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض) (1) احتج بعموم قوله (فمن بدله بعد ما سمعه) (2) والجواب الوجوب مختص بالحقوق لقوله (ان ترك خيرا) انتهى. ونقل عنه في الذكرى الاستدلال باشتهار ذلك بين السلف كوصية الاول بصلاة الثاني ووصية الثاني بصلاة صهيب ووصية عائشة بصلاة ابى هريرة ووصية ابن مسعود بصلاة الزبير ووصية ابن جبير بصلاة انس ووصية ابى شريحة بصلاة زيد ابن أرقم فجاء عمرو بن حريث امير الكوفة ليتقدم فاعلمه بوصيته فقدم زيدا (3) ولان ايصاءه إليه لظنه فيه مزيد فلا ينبغى منعه منها. ثم قال في الذكرى: والفاضل (قدس سره) قال الوارث أولى وهو أقرب للاية والخبر (4) وفعل المذكورين ليس حجة وجاز أن يكون برضاء الوارث ونحن لا نمنعه لذا رضى بل يستحب له انفاذه مع الاهلية. انتهى. وهو جيد. والاظهر التمسك في ذلك بالاخبار الدالة على اختصاص الصلاة بمن هو الاولى بالميراث كما تقدم تحقيقه في المسألة الاولى، وتخصيصها يحتاج إلى دليل واضح. وعموم آية (فمن بدله بعد ما سمعه) (5) معارض بعموم (واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض) (6).
(1) و (6) سورة الانفال الاية 76 وسورة الاحزاب الاية 6. (2) و (5) سورة البقرة الاية 177 (3) ذكر ذلك كله في المغني ج 2 ص 48. (4) امام الاية فقوله تعالى (واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله) في سورة الانفال الاية 76، وامام الخبر فروايتا ابن ابي عمير والبزنطي المتقدمتان ص 382
[ 398 ]
وشيخنا الشهيد الثاني في الروض اقتصر على نقل القولين ودليلهما ولم يرجح شيئا في البين.
المسألة السابعة - لو تساوى الاولياء في مرتبة الولاية قال الشيخ في المبسوط والخلاف يقدم الاقرأ فالافقه فالاسن، وتبعه الفاضلان في المعتبر والتذكرة لعموم قوله صلى الله عليه وآله (1) (يؤمكم اقرؤكم) وزاد في المبسوط بعد الاسن قال: فان تساووا اقرع بينهم. وقال فيه ايضا ان الحر أولى من العبد والذكر أولى من الانثى إذا كان ممن يعقل الصلاة. وتبعه ابن ادريس. وهو يشعر بان التمييز كاف في الامامة كما افتى به في المبسوط والخلاف في جماعة اليومية. اقول: أما أولوية الذكر على الانثى فقد صرح به جملة منهم (رضوان الله عليهم) بل قال في المنتهى انه لا خلاف فيه، وحكى بعض المتأخرين قولا باشتراك الورثة في الولاية. واستدل في المدارك للقول الاول قال وربما كان مستنده قوله (ع) (2) (يصلى على الجنازة أولى الناس بها) ومع وجود الذكر يصدق كونه أولى فيتعلق به الحكم. وفيه ان ما ذكره نوع مصادرة فانه عين الدعوى، فان أراد باعتبار كون الذكر اكثر ميراثا فهو لا يتم كليا لتخلفه في ما لو نحصرت الولاية في الاخ من قبل الام مع الاخت من قبل الابوين فانها اكثر ميراثا بموجبه تكون الولاية لها دونه. نعم يمكن استفادة ما ذكره من صحيحة حفص بالتقريب الذى ذكرناه فيها كما تقدم في المسألة الثانية (3). هذا إذا كانت الانثى في طبقة الذكر كما هو المفروض وان كانت جملة من عبائر الاصحاب مطلقة في ذلك. أما لو لم يكن في طبقتها ذكر فالظاهر اختصاصها بالولاية لما رواه الصدوق
(1) في سنن ابي داود ج 1 ص 159 عنه صلى الله عليه واله (يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله). (2) ص 382 (3) ص 390
[ 399 ]
والشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (ع) (1) قال: (قلت المرأة تؤم النساء ؟ قال لا الا على الميت إذا لم يكن احد اولى منها تقوم وسطهن في الصف فتكبر ويكبرن) ورواه الشيخ بسنده آخر في الموثق وبسند ثالث في الضعيف (2). وأما أولوية الحر على العبد وان كان العبد أقرب فالظاهر انه لا خلاف فيه لانه لا يرث مع الحر، ويعضده انه محجور من التصرف في نفسه فكذا في غيره. وأما ما ذكروه - من تقديم الاقرأ فالافقه فالاسن كما قدمناه وهو خيرة الاكثر أو تقديم الافقه ثم الاقرأ ثم الاسن كما هو خيرة العلامة في القواعد والتحرير والمحقق في الشرائع - فلم نقف له على نص في هذا المقام، وكأنهم بنوا الحكم هنا على ما ذكروه في جماعة اليومية. قال في الذكرى بعد نحو ما ذكرنا: ولم نقف لهم على مأخذ ذلك في خصوصية الجنازة، وظاهرهم الحاقها بجماعة المكتوبة وهى مرجحة بهذه الاوصاف كلها، ولكن ذكر العبد هنا مشكل لانه لا ارث له فيخرج عن الولاية. والمحقق في الشرائع قدم الافقه على الاقرأ، وهو متوجه لان القراءة هنا ساقطة إلا انه خلاف فتوى الاصحاب بتقديم الاقرأ في الجماعة على الاطلاق وخلاف فتواه وفتوى الشيخ في هذه المسألة. انتهى. وما علل به توجه تقديم الافقه على الاقرأ من أن القراءة هنا ساقطة قد أورد عليه بان مرجحات القراءة معتبرة في الدعاء ولو لا ذلك لسقط الترجيح بالقراءة مطلقا، وانتقل جماعة: منهم - الشيخ إلى القرعة بعد التساوى في السن كما تقدم ذكره، واعتبر بعضهم بعد الاسن الاقدم هجرة ثم الاصبح وجها، لما سيأتي ان شاء الله تعالى في باب الجماعة منقحا موضحا.
المسألة الثامنة - قد ذكر الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لو كان المؤتم في صلاة الجنازة واحد وقف خلف الامام ولم يقف إلى جنبه كما في جماعة اليومية،
(1) و (2) الوسائل الباب 25 من صلاة الجنازة و 20 من صلاة الجماعة.
[ 400 ]
وإذا اقتدى النساء بالرجل وقفن خلفه ولو كان فيهن حائض انفردت عن صفهن استحبابا، ولو اجتمع الرجال والنساء وقفن النساء خلف الرجال. والذى يدل على الحكم الاول ما رواه ثقة الاسلام والصدوق عن اليسع بن عبد الله القمى (1) قال: (سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل يصلى على الجنازة وحده ؟ قال نعم. قلت فاثنان يصليان عليها ؟ قال نعم ولكن يقوم الاخر خلف الاخر ولا يقوم بجنبه). وعلى الحكم الثاني ما سيأتي في باب الجماعة من أن مواقف النساء خلف الرجال وعدم جواز محاذاة المرأة للرجال. وعلى الحكم الثالث ما رواه الشيخ في الحسن عن محمد بن مسلم (2) قال: (سألت ابا عبد الله (ع) عن الحائض تصلى على الجنازة ؟ قال نعم ولا تقف معهم وتقف مفردة). وعلى ا حكم الرابع ما رواه الكليني عن السكوني عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله خير الصفوف في الصلاة المقدم وخير الصفوف في الجنائز المؤخر. قيل يا رسول الله صلى الله عليه وآله ولم ؟ قال صار سترة للنساء). اقول: مادلت عليه هذه الرواية بظاهرها - من ان أفضل الصفوف في صلاة الجماعة اليومية الصف الاول وهو الاقرب إلى القبلة وفى صفوف صلاة الجنائز هو الصف الاخير - هو الذى عليه جملة الاصحاب استنادا إلى هذه الرواية. إلا ان شيخنا المجلسي في كتاب البحار قد استظهر من الخبر معنى آخر وطعن في المعنى المشهور بوجوه ذكرها ثمة. قال: والذى يفهم من الرواية وهو الظاهر منها لفظا ومعنى ان المراد بالصفوف
(1) الوسائل الباب 28 من صلاة الجنازة. (2) الوسائل الباب 22 من صلاة الجنازة. (3) الوسائل الباب 29 من صلاة الجنازة.
[ 401 ]
في الصلاة صفوف جميع الصلوات الشاملة لصلاة الجنازة وغيرها، والمراد بصفوف الجنائز انما هو الجنائز المختلفة إذا وضعت بين يدى الامام للصلاة عليها، وان المراد خير الصفوف في الصلاة الصف المقدم أي ماكان أقرب إلى القبلة وخير الصفوف في الجنائز المؤخر أي ما كان أبعد من القبلة واقرب إلى الامام، ولما كان الاشرف في جميع المواضع متعلقا بالرجال صار كل من الحكمين سببا لسترة النساء لان تأخرهن في الصفوف سترة لهن وتأخر جنائزهن لكونه سببا لبعدهن عن الرجال المصلين سترة لهن، فاستقام التعليل في الجزءين وسلم الكلام عن ارتكاب الحذف والمجاز وصار الحكم مطابقا لما دلت عليه الاخبار. والعجب من الاصحاب كيف غفلوا عن هذا الاحتمال الظاهر وذهبوا إلى ما يحتاج إلى تلك التكلفات البعيدة الركيكة، فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين. انتهى. وهو جيد كما لا يخفى على الفطن النبيه. إلا انه قال (ع) في كتاب الفية الرضوي (1) (وأفضل المواضع في الصلاة على الميت الصف الاخير) وهو كما ترى موافق لما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) وفهموه من خبر السكوني. وقال الصدوق في الفقيه: وأفضل المواضع في الصلاة على الميت الصف الاخير والعلة في ذلك ان النساء كن يختلطن بالرجال في الصلاة على الجنائز فقال النبي صلى الله عليه وآله (أفضل المواضع في الصلاة على الميت الصف الاخير) فتأخرن إلى الصف الاخير فبقى فضله على ما ذكره (ع). وصدر عبارته كما ترى عين عبارة كتاب الفقه. ومن الظاهر ان العلة التى ذكرها انما أخذها من نص وصل إليه بذلك لانه من أرباب النصوص الذين لا يعولون إلا عليها بالخصوص دون التخريجات العقلية وحينئذ فتكون هذه رواية ثانية مطابقة لما في كتاب الفقه، وما ذكره شيخنا المشار إليه وان تم رواية السكوني إلا انه لا يتم في هذين الخبرين.
(1) ص 19.
[ 402 ]
ويمكن الجمع بين ما ذكره وذكرناه بان ما ذكره المتقدمون من هذا الحكم لا ينحصر دليله في الرواية المذكورة، لما عرفت في غير موضع انه كثيرا ما يذكرون الاحكام التى لم تصل أدلتها إلى المتأخرين فيعترضونهم تارة بعدم وجود الدليل - ودليله موجود في هذا الكتاب كما مر بيانه في غير مقام - وربما يتكلفون لهم الاستدلال بخبر أو دليل عقلي، ومن المحتمل ان الامر هنا من هذا القبيل فان المتأخرين حيث لم يصل إليهم إلا هذا الخبر استدلوا به ظنا منهم انه الدليل والحال ان الدليل شئ غيره مما ذكرناه، والخبر المذكور انما خرج على الوجه الذى ذكره شيخنا المشار إليه. والله العالم.
المطلب الثالث - في الكيفية وهى على ما تضمنه كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان يكبر تكبيرة الاحرام ثم يتشهد عقيبها الشهادتين ثم يكبر ثانية ثم يصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم يكبر ثالثة ويدعو للمؤمنين والمؤمنات ثم يكبر رابعة ويدعو للميت ان كان مؤمنا ثم خامسة وينصرف. والمستند في هذه الكيفية ما رواه ثقة السلام في الكافي عن محمد بن مهاجر عن امه ام سلمة (1) قالت (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا صلى على ميت كبر وتشهد ثم كبر وصلى على الانبياء ودعا ثم كبر ودعا للمؤمنين ثم كبر الرابعة ودعا للميت ثم كبر وانصرف، فلما نهاه الله عن الصلاة على المنافقين كبر وتشهد ثم كبر وصلى على النبيين ثم كبر ودعا للمؤمنين ثم كبر الرابعة وانصرف) ورواه الصدوق في العلل (2) بوجه أبسط وفيه في التكبير الثاني على المؤمن (فصلى على النبي صلى الله عليه وآله عوض قوله في رواية الكافي (على الانبياء) ومثلها في الصلاة على المنافق. وفى الفقيه (3) نقل متن الخبر قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا صلى على ميت... وساق الخبر، وفيه في التكبير الثاني وفى الموضعين (ثم كبر
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الجنازة. وفي آخر الرواية هكذا (ولم يدع للميت) (2) ص 109. (3) ج 1 ص 100.
[ 403 ]
فصلى على النبي صلى الله عليه وآله. وفى معنى هذه الرواية ما رواه الشيخ في التهذيب عن اسماعيل بن همام عن ابى الحسن (ع) (1) قال: (قال أبو عبد الله (ع) صلى رسول الله صلى الله عليه وآله على جنازة فكبر عليه خمسا وصلى على آخر فكبر عليه اربعا، فاما الذى كبر عليه خمسا فحمد الله ومجده في التكبيرة الاولى ودعا في الثانية للنبى صلى الله عليه وآله ودعا في الثالثة للمؤمنين والمؤمنات ودعا في الرابعة للميت وانصرف في الخامسة. واما الذى كبر عليه اربعا فحمد الله ومجده في التكبيرة الاولى ودعا لنفسه وأهل بيته صلى الله عليه وآله في الثانية ودعا للمؤمنين والمؤمنات في الثالثة وانصرف في الرابعة ولم يدع له لانه كان منافقا).
وتحقيق الكلام في هذا المقام يقع في مواضع:
(الاول) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) وجوب الدعاء بين التكبيرات، بل قال في الذكرى ان الاصحاب باجمعهم يذكرون ذلك في كيفية الصلاة كانبى بابويه والجعفى والشيخين واتباعهما وابن ادريس ولم يصرح أحد منهم بندب الاذكار، والمذكور في بيان الواجب ظاهره الوجوب. وذهب المحقق في الشرائع صريحا وفى النافع ظاهرا إلى الاستحباب. والاظهر الاول لوقوع الامر به في الاخبار المتكاثرة الاتية في المقام ووقوع ذلك في بيان كيفية الواجب كما في رواية ابى بصير (2) (انها خمس تكبيرات بينهن أربع صلوات). ولم نقف لما ذكره المحقق على مستند واضح إلا انه قال السيد السند في المدارك: وربما كان مستنده اطلاق الروايات المتضمنة لان الصلاة على الميت خمس تكبيرات الواردة في مقام البيان الدالة بظاهرها على عدم وجوب ما عدا ذلك. انتهى. اقول: ومن الاخبار المشار إليها ما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح عن
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الجنازة. (2) الوسائل الباب 5 من صلاة الجنازة رقم 12.
[ 404 ]
ابى عبد الله (ع) (1) قال: (التكبير على الميت خمس تكبيرات) وفى معناها غيرها. وانت خبير بان اطلاق هذه الاخبار يجب تقييده بما اشرنا إليه من تلك الاخبار حملا للمطلق على المقيد كما هي القاعدة المسلمة بينهم. وما ذكره من كون هذه الاخبار واردة في مقام البيان يمكن أن يجاب عنه بعد الاغماض عما ذكرنا بانه من الجائز ان المراد انما هو بيان كمية التكبير لوقوع الاختلاف فيه بين الخاصة والعامة (2) لا بيان كيفية الصلاة كما ادعاه. وظاهر صاحب المدارك حيث نقل الحجة المذكورة للمحقق ولم يطعن فيها بشئ الجمود عليها، وفيه ما عرفت. الثاني - انه على تقدير القول بالوجوب فهل يتعين فيها شئ مخصوص أم لا ؟ ظاهر المشهور بين المتأخرين الاول، فانه قد صرح العلامة ومن تأخر عنه
(1) الوسائل الباب 5 من صلاة الجنازة. (2) في بدائع الصنائع ج 1 ص 312 (اختلفت الروايات في فعل رسول الله صلى الله عليه وآله فروى عنه الخمس والسبع والتسع واكثر من ذلك الا ان آخر فعله صلى الله عليه وآله كان اربع تكبيرات، وعمر جمع الصحابة حين اختلفوا في عدد التكبير وقال انكم اختلفتم في عدد التكبير ومن ياتي بعدكم يكون اشد منكم اختلافا فانظروا آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله على جنازة فخذوا به فوجدوه انه صلى الله عليه وآله صلى على امراة فكبر اربعا فاتفقوا على ذلك فكان هذا دليلا على كون التكبيرات في صلاة الجنازة اربعا) وفي شرح صحيح مسلم للنووي على هامش ارشاد السارى ج 4 ص 284 (كان النبي صلى الله عليه وآله يكبر اربعا وخمسا وستا وسبعا وثمانيا حتى مات النجاشي فكبر عليه اربعا وثبت على ذلك. واختلفت الصحابة في ذلك من ثلاث تكبيرات إلى تسع، وروى عن علي عليه السلام انه كان كبر على اهل بدر ستا وعلى سائر الصحابة خمسا وعلى غيرهم اربعا. وانعقد الاجماع بعد ذلك على الاربع، ولا نعلم احدا من فقهاء الامصار يخمس الا ابن ابي ليلى) وفي عمدة القارئ ج 4 ص 26 (فرقة تكبر سبعا وفرقة تكبر ثلاثا وقيل ست، وقال القاضي أبو محمد اكثره سبع تكبيرات واقله ثلاث. وذهبت الشيعة وابن ابي ليلى وزيد بن ارقم إلى الخمس وتبعهم الظاهرية وابو يوسف من اصحاب ابي حنيفة).
[ 405 ]
بوجوب التشهد في الاولى والصلاة على النبي وآله صلى الله عليه وآله في الثانية والدعاء للمؤمنين والمؤمنات في الثالثة والدعاء للميت في الرابعة. ونقل عن ابن الجنيد انه ليس في الدعاء بين التكبيرات شئ موقت لا يجوز غيره، والى هذا مال جماعة من متأخرى المتأخرين، وهو ظاهر الشهيد في الذكرى ايضا، وهو الاظهر. ويدل عليه ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم وزرارة في الصحيح (1) (انهما سمعا ابا جعفر (ع) يقول ليس في الصلاة على الميت قراءة ولا دعاء موقت إلا أن تدعو بما بدا لك، وأحق الاموات ان يدعى له ان يبدأ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله. وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم وزرارة ومعمر ابن يحيى واسماعيل الجعفي عن ابى جعفر (ع) (2) قال: (ليس في الصلاة على الميت قراءة ولا دعاء موقت تدعو بما بدا لك، وأحق الموتى أن يدعى له المؤمن وان يبدأ بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله. ويؤيده ما رواه الشيخ عن يونس بن يعقوب في الموثق (3) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن الجنازة أيصلى عليها على غير وضوء ؟ فقال نعم انما هو تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل... الحديث). الثالث - انه على تقدير القول المشهور من وجوب الاذكار الاربعة المتقدمة لا يتعين فيها لفظ مخصوص وبه صرح كثير من الاصحاب، قال شيخنا الشهيد في الذكرى: والمشهور توزيع الاذكار على ما مر ونقل الشيخ فيه الاجماع. ولا ريب انه كلام الجماعة إلا ابن ابى عقيل والجعفى فانهما أوردا الاذكار الاربعة عقيب كل تكبيرة وان تخالفا في الالفاظ، قال الفاضل وكلاهما جائز. قلت لاشتمال ذلك على الواجب والزيادة غير منافية مع ورود الروايات بها وان كان العمل بالمشهور أولى، وينبغى
(1) و (2) الوسائل الباب 7 من صلاة الجنازة. (3) الوسائل الباب 21 من صلاة الجنازة. والرواية للكليني والشيخ يرويها عنه
[ 406 ]
مراعاة هذه الالفاظ تيمنا بما ورد عنهم (عليهم السلام). انتهى. اقول: والاخبار الواردة في المسألة مع كثرتها وتعددها لا تجد فيها خبرا يوافق الاخر في تعيين الاذكار وتشخيصها، ولنورد منها جملة في المقام لتحيط خبرا بما اشتملت عليه من الكلام: فمنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابى ولاد ورواه ثقة الاسلام باسنادين أحدهما من الصحيح أو الحسن عنه (1) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن التكبير على الميت فقال خمس: تقول في اولاهن أشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له اللهم صل على محمد وآل محمد. ثم تقول: اللهم ان هذا المسجى قدامنا عبدك وابن عبدك وقد قبضت روحه اليك وقد احتاج إلى رحمتك وانت غنى عن عذابه اللهم انا لا نعلم من ظاهره إلا خيرا وأنت أعلم بسريرته اللهم ان كان محسنا فزد في احسانه وان كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. ثم تكبر الثانية وتفعل ذلك في كل تكبيرة). ومنها - ما رواه في الكافي عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (تكبر ثم تشهد ثم تقول انالله وانا إليه راجعون الحمد لله رب العالمين رب الموت والحياة صل على محمد وأهل بيته جزى الله عنا محمدا صلى الله عليه وآله خير الجزاء بما صنع بامته وبما بلغ من رسالات ربه. ثم تقول اللهم عبدك ابن عبدك ابن امتك ناصيته بيدك خلا من الدنيا واحتاج إلى رحمتك وانت غنى عن عذابه اللهم انا لا نعلم منه إلا خيرا وانت اعلم به منا، اللهم ان كان محسنا فزد في احسانه وتقبل منه وان كان مسيئا فاغفر له ذنبه وارحمه وتجاوز عنه برحمتك، اللهم ألحقه بنبيك وثبته بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفى الاخرة، اللهم اسلك بنا وبه سبيل الهدى اهدانا واياه صراطك المستقيم اللهم عفوك عفوك. ثم تكبر الثانية وتقول مثل ما قلت حتى تفرغ من خمس تكبيرات). ومنها - ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن ابى عبد الله
(1) و (2) الوسائل الباب 2 من صلاة الجنازة.
[ 407 ]
(ع) (1) (في الصلاة على الميت ؟ قتل تكبرثم تصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم تقول اللهم عبدك ابن عبدك ابن امتك لا اعلم منه إلا خيرا وانت أعلم به منى، اللهم ان كان محسنا فزد في احسانه وتقبل منه وان كان مسيئا فاغفر له ذنبه وافسح له في قبره واجعله من رفقاء محمد صلى الله عليه وآله. ثم تكبر الثانية وتقول، اللهم ان كان زكيا فزكه وان كان خاطئا فاغفر له. ثم تكبر الثالثة وتقول: اللهم لا تحرمنا اجره ولا تفتنا بعده. ثم تكبر الرابعة وتقول: اللهم اكتبه عندك في عليين واخلف على عقبه في الغابرين واجعله من رفقاء محمد صلى الله عليه وآله. ثم كبر الخامسة وانصرف). ومنها - ما رواه في الكافي والتهذيب في الموثق عن سماعة (2) قال: (سألته عن الصلاة على الميت فقال تكبر خمس تكبيرات تقول أول ما تكبر: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله اللهم صل على محمد وآل محمد وعلى الائمة الهداة واغفر لنا ولا خواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رؤوف رحيم، اللهم اغفر لاحيائنا وامواتنا من المؤمنين والمؤمنات والف قلوبنا على قلوب أخيارنا واهدانا لما اختلف فيه من الحق باذنك انك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم. فان قطع عليك التكبيرة الثانية فلا يضرك تقول: اللهم عبدك ابن عبدك وابن امتك أنت أعلم به منى افتقر إلى رحمتك واستغنيت عنه اللهم فتجاوز عن سيئاته وزد في احسانه واغفر له وارحمه ونور له في قبره ولقنه حجته وألحقه بنبيه صلى الله عليه وآله ولا تحرمنا اجره ولا تفتنا بعده. تقول هذا حتى تفرغ من خمس تكبيرات وزاد في التهذيب (3) (فإذا فرغت سلمت عن يمينك). قال في الوافى ذيل هذا الخبر: قوله (ع) (فان قطع عليك التكبيرة الثانية فلا يضرك) كأنه اريد به انك ان كنت مأموما لمخالف فكبر الامام الثانية قبل فراغك من هذا الدعاء أو بعده وقبل الاتيان بما يأتي فلا يضرك ذلك القطع بل تأتى بتمامه
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 2 من صلاة الجنازة.
[ 408 ]
أو بما يأتي بعد الثانية بل الثالثة والرابعة حتى تتم الدعاء. وقوله (ع) (تقول اللهم) أي تقول هذا بعد ذاك سواء قطع عليك باحد المعنيين أولم يقطع، وفى التهذيب (فقل) بدل (تقول) وقوله في آخر الحديث (تقول هذا) يعنى تكرر المجموع أو هذا الاخير ما بين كل تكبيرتين. وفى التهذيب (حين تفرغ) مكان (حتى تفرغ) وعلى هذا يكون معناه أن تأتى بالدعاء الاخير بعد الفراغ من الخمس. وفيه بعد والظاهر انه تصحيف. والتسليم شاذ ولهذا ترك في الكافي ما تضمنه من الاخبار رأسا ولم يورده في هذا الخبر، وحمله في التهذيب على التقية (1) وينافيه ذكر الخمس في عدد التكبيرات. انتهى. ومنها - ما رواه في التهذيب عن كليب الاسدي (2) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن التكبير على الميت فقال بيده: خمسا. قلت كيف اقول إذا صليت عليه ؟ قال تقول: اللهم عبدك احتاج إلى رحمتك وأنت غنى عن عذابه اللهم ان كان محسنا فزد في احسانه وان كان مسيئا فاغفر له). اقول: الظاهر ان المراد هو الاتيان بهذا الدعاء بين كل تكبيرتين واما احتمال انه بعد الرابعة بالخصوص بعد الاتيان بما هو الموظف في روايتي أم سلمة واسماعيل بن همام (3) فالظاهر بعده. ومنها - ما رواه في التهذيب في الموثق عن عمار الساباطى عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (سألته عن الصلاة على الميت فقال تكبر ثم تقول انا لله وانا إليه راجعون، ان الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا
(1) في المهذب ج 1 ص 133 (في الام يكبر في الرابعة ويسلم مثل تسليم الصلاة، وهل يسلم تسليمة أو تسليمتين ؟ على ما ذكرناه في الصلاة) وفي المغني ج 2 ص 491 (يسلم تسليمة واحدة عن يمينه بعد التكبير للرابعة) وفي البدائع ج 1 ص 313 (يكبر للرابعة ويسلم تسليمتين). (2) و (4) الوسائل الباب 2 من صلاة الجنازة (3) ص 403.
[ 409 ]
تسليما، اللهم صل على محمد وآل محمد وبارك على محمد وآل محمد كما صليت وباركت على ابراهيم وآل ابراهيم إنك حميد مجيد، اللهم صل على محمد وعلى أئمة المسلمين اللهم صل على محمد وعلى امام المسلمين، اللهم عبدك فلان وأنت أعلم به اللهم ألحقه بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وافسح له في قبره ونور له فيه وصعد روحه ولقنه حجته واجعل ما عندك خيرا له وارجعه إلى خير مما كان فيه، اللهم عندك نحتسبه فلا تحرمنا اجره ولا تفتنا بعده، اللهم عفوك عفوك. تقول هذا كله في التكبيرة الاولى ثم تكبر الثانية وتقول: اللهم عبدك فلان اللهم ألحقه بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وافسح له في قبره ونور له فيه وصعد روحه ولقنه حجته واجعل ما عندك خيرا له وارجعه إلى خير مما كان فيه، اللهم عندك نحتسبه فلا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، اللهم عفوك اللهم عفوك. تقول هذا في الثانية والثالثة والرابعة فإذا كبرت الخامسة فقل: اللهم صل على محمد وآل محمد اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والف بين قلوبهم وتوفنى على ملة رسولك صلى الله عليه وآله اللهم اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رؤوف رحيم، اللهم عفوك اللهم عفوك. وتسلم). قال في الوافى في ذيل هذا الخبر: وما ذكر من الدعاء بعد الخامسة والتسليم شاذ وكذا في الخبر الاتى كما أشرنا إليه من قبل. ومنها - ما رواه في التهذيب عن يونس عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (الصلاة على الجنائز التكبيرة الاولى استفتاح الصلاة والثانية يشهد أن لاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله والثالثة الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وعلى أهل بيته والثناء على الله تعالى والرابعة له والخامسة يسلم ويقف مقدار ما بين التكبيرتين ولا يبرح حتى يحمل السرير من بين يديه). ومنها - ما في كتاب الفقه الرضوي حيث قال (ع) (2): (وارفع يديك
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الجنازة. (2) ص 19.
[ 410 ]
بالتكبير الاول وقل أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وان الموت حق والجنة حق والنار حق والبعث حق وان الساعة آتية لاريب فيها وان الله يبعث من في القبور. ثم كبر الثانية وقل: اللهم صل على محمد وآل محمد أفضل ما صليت وباركت ورحمت وترحمت وسلمت على ابراهيم وآل ابراهيم في العالمين انك حميد مجيد. ثم تكبر الثالثة وتقول: اللهم اغفر لى ولجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الاحياء منهم والاموات تابع اللهم بيننا وبينهم في الخيرات انك مجيب الدعوات وولى الحسنات يا ارحم الراحمين. ثم تكبر الرابعة وتقول: اللهم ان هذا عبدك وابن عبدك وابن امتك نزل بساحتك وأنت خير منزول به اللهم انا لا نعلم منه إلا خيرا وأنت أعلم به منا، اللهم ان كان محسنا فزد في احسانه وان كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته واغفر لنا وله، اللهم احشره مع من يتولاه ويحبه وابعده ممن يتبرأه ويبغضه، اللهم ألحقه بنبيك وعرف بينه وبينه وارحمنا إذا توفيتنا يا إله العالمين. ثم تكبر الخامسة وتقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفى الاخرة حسنة وقنا عذاب النار. ولا تسلم ولاتبرح من مكانك حتى ترى الجنازة على ايدى الرجال). وقال (ع) في مواضع آخر (1): (إذا أردت أن تصلى على الميت فكبر عليه خمس تكبيرات، يقوم الامام عند وسط الرجل وصدر المرأة، ويرفع اليد بالتكبير الاول ويقنت بين كل تكبيرتين، والقنوت ذكر الله والشهادتان والصلاة على محمد وآله والدعاء للمؤمنين والمؤمنات، هذا في تكبيرة بغير رفع اليدين ولا تسليم لان الصلاة على الميت انما هو دعاء وتسبيح واستغفار.. وساق الكلام إلى ان قال: وتقول في التكبيرة الاولى في الصلاة على الميت: أشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله انا لله وانا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين رب الموت والحياة وصلى الله على محمد وعلى أهل بيته وجزى الله محمدا
(1) ص 20.
[ 411 ]
صلى الله عليه وآله عنا خير الجزاء بما صنع لامته وما بلغ من رسالات ربه. ثم تقول اللهم عبدك وابن عبدك وابن امتك ناصيته بيدك تخلى من الدنيا واحتاج إلى عندك نزل بك وأنت خير منزول به افتقر إلى رحمتك وأنت غنى من عذابه، اللهم انا لا نعلم منه إلا خيرا وأنت أعلم به منا اللهم ان كان محسنا فزد في احسانه وتقبل منه وان كان مسيئا فاغفر له ذنبه وارحمه وتجاوز عنه برحمتك، اللهم ألحقه بنبيك وثبته بالقول الثابت في الدنيا والاخرة، اللهم اسلك بنا وبه سبيل الهدى واهدنا وإياه صراطك المستقيم اللهم عفوك عفوك. ثم تكبر الثانية وتقول مثل ما قلت حتى تفرغ من خمس تكبيرات. وقال ليس فيها تسليم... إلى آخره. وقال ايضا في الكتاب المذكور (1): باب آخر في الصلاة على الميت قال: تكبر ثم تصلى على النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته، ثم تقول اللهم عبدك وابن عبدك وابن امتك لا اعلم منه إلا خيرا وأنت أعلم به، اللهم ان كان محسنا فافسح له في قبره واجعله من رفقاء محمد صلى الله عليه وآله. ثم تكبر الثانية فقل: اللهم ان كان زاكيا فزكه وان كان خاطئا فاغفر له. ثم تكبر الثالثة فقل: اللهم لا تحرمنا اجره ولا تفتنا بعده. ثم تكبر الرابعة وقل: اللهم اكتبه عندك في عليين واخلف على أهله في الغابرين واجعله من رفقاء محمد صلى الله عليه وآله. ثم تكبر الخامسة وتنصرف. اقول: ما ذكره (ع) في هذا الباب الاخير هو رواية زرارة المتقدم نقلها عن الكافي وهى الثالثة من الروايات المتقدمة، وما ذكره في سابق هذه الكيفية هو مضمون حسنة الحلبي المتقدم نقلها عن الكافي ايضا وهى الثانية بتغيير يسير، ولعله من قلم النساخ في احدى النسختين واما الاولى مما ذكره (ع) فهو من خصوصيات الكتاب وهى راجعة إلى الرواية المشهورة إلا ان تلك مجملة وهذه مفصلة فتكون مؤيدة لها وعاضدة لما دلت عليه من التوزيع على النحو المخصوص. وذكره (ع) هذه الكيفيات الثلاث مشعر بان الامر في ذلك موسع وانه ليس فيه
(1) ص 21.
[ 412 ]
تعيين لفظ مخصوص كما يفهم من الروايات الاخر التى سردناها ايضا وان كان الافضل العمل بالرواية المشهورة المعتضدة بعمل الاصحاب بمضمونها سلفا وخلفا. وبذلك يظهر لك ما في كلام صاحب المدارك هنا حيث قال بعد ان نقل عن المصنف ان أفضل ما يقال في صلاة الجنازة ماروه محمد بن مهاجر عن امه ام سلمة (1): وكأن وجه الدلالة على أفضلية ما تضمنته الرواية قوله (ع): (كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا صلى على ميت كبر وتشهد فان لفظ (كان) يشعر بالدوام واقل مراتب مواظبة النبي صلى الله عليه وآله على ذلك الرجحان.. إلى ان قال: والاولى والافضل اعتماد ما تضمنته الروايات المعتبرة عن أئمة الهدى (عليهم السلام) ثم نقل صحيحة ابى ولاد وحسنة الحلبي وحسنة زرارة. اقول: لا يخفى ان وجه هذه الافضلية عنده انما نشأت من حيث اعتبار اسانيد هذه الاخبار باصطلاحه فان فيها الصحيح والحسن بخلاف رواية ابن المهاجر المعتضدة برواية اسماعيل بن همام حيث انهما ضعيفتا السند باصطلاحه. وفيه انهما وان ضعف سندهما بهذا الاصطلاح إلا ان عمل الطائفة سلفا وخلفا بما اشتملتا عليه هو المرجح لهما، فانه لم ينقل عن أحد القول بما دلت عليه هذه الاخبار التى نوه بها وان صح سندها حتى من أصحاب هذا الاصطلاح بل الكل متفقون على القول بمضمون الروايتين المذكورتين، وكم من رواية صحيحة قد اعرض عنها الاصحاب حتى مثل هذا القائل إذا اعوزتهم الحيلة فيها، ومنه يعلم انه ليس المدار على الصحة بهذا المعنى المحدث وانما المدار على الصحة بالمعنى القديم المعمول عليه بين جمهور القدماء الذين ليس لهذا الاصطلاح عندهم اثر. على ان هذه الاخبار التى استند إليها غير متفقة على نمط واحد بل هي مختلفة كما عرفت. وكيف كان فالظاهر هو القول المشهور وحمل هذه الاخبار على الرخصة والتوسعة كما يشير إليه ايراده (ع) في كتاب الفقه هذه الكيفيات الثلاث. والله العالم.
(1) ص 402.
[ 413 ]
الرابع - ظاهر خبرى ام سلمة واسماعيل بن همام المتقدمين (1) انه صلى الله عليه وآله في صلاته على المنافق انصرف بعد التكبير الرابع ولم يدع له ولا عليه، وعلى هذا فالمراد بقوله (ع) في حديث أم سلمة (فلما نهاه الله عن الصلاة على المنافقين) انما هو بمعنى الدعاء لهم لا ان النهى عن أصل الصلاة، لان الخبرين صريحان في انه صلى الله عليه وآله صلى عليهم بعد النهى انما ترك الدعاء لهم بعد الرابعة خاصة. وبالجملة فظاهر الخبرين المذكورين انه ينصرف بمجرد التكبير الرابع في الصلاة على المنافق كما ينصرف بالخامس في الصلاة على المؤمن. وما احتمله بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين - من أن المراد الانصراف باتمام دعاء الرابعة جمعا بينه وبين مادل على الدعاء على المنافق كما سيأتي في الاخبار - فلا يخفى بعده وركاكته بالنظر إلى ظاهر سياق الخبرين المذكورين. وبما ذكرنا صرح شيخنا الشهيد في الذكرى فقال: والظاهر ان الدعاء على هذا القسم غير واجب لان التكبير عليه اربع وبها يخرج من الصلاة. قال في المدارك: وهو غير جيد فان الدعاء للميت أو عليه لا يتعين وقوعه بعد الرابعة كما بيناه. أقول: أشار بما بينه إلى ما اختاره - كما قدمنا نقله عنه - من العمل بتلك الروايات الصحيح بعضها والحسن بعضها وطرح روايتي ام سلمة واسماعيل بن همام. وفيه ان كلام شيخنا الشهيد مبنى على العمل بهذين الخبرين الذين هنا مستند الاصحاب في تفريق الادعية وتوزيعها على التكبيرات كما هو القول المشهور بين كافة الاصحاب سلفا وخلفا. والاخبار التى أشار إليها لم يقل بها أحد سواه ومن تبعه، ولا ريب ان الخبرين المذكورين واضحا الدلالة في ما ذكره الشهيد من الانصراف بمجرد التكبير الرابع وعدم الدعاء مطلقا. نعم يبقى الكلام في الجمع بين هذين الخبرين وبين الاخبار الدالة على الدعاء على المنافق كما عليه الاصحاب (رضوان الله عليهم) وقد عرفت بعد ما احتمله بعض
(1) ص 402 و 403.
[ 414 ]
المحققين في الجمع بين هذه الاخبار كما أشرنا إليه آنفا. ويمكن التوفيق بينها بان يقال لا يخفى ان ما دل على الانصراف بعد الرابعة انما ورد في صلاته صلى الله عليه وآله على منافقي زمانه وحكاية صلاته عليهم، وما ورد في الدعاء عليهم انما ورد في الصلاة على النصاب والمخالفين من أهل السنة وان عبر عنهم بالمنافقين ايضا في بعض الاخبار. وها انا أسوق ما وقفت عليه من الاخبار في ذلك لتطلع على صحة ما هنالك، فمن ذلك ما رواه في الكافي عن عامر بن السمط عن ابى عبد الله (ع) (1) (ان رجلا من المنافقين مات فخرج الحسين بن على (عليهما السلام) يمشى معه فلقيه مولى له فقال له الحسين (ع) أين تذهب يا فلان ؟ فقال له مولاه افر من جنازة هذا المنافق أن اصلى عليها. فقال له الحسين (ع) انظر ان تقوم على يمينى ما تسمعني اقول فقل مثله. فلما ان كبر عليه وليه قال الحسين (ع): الله اكبر العن فلانا عبدك الف لعنة مؤتلفة غير مختلفة اللهم أخز عبدك في عبادك وبلادك واصله حر نارك واذقه أشد عذابك فانه كان يتولى اعداءك ويعادي أولياءك ويبغض أهل بيت نبيك صلى الله عليه وآله وما رواه في الكافي والفقيه في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (إذا صليت على عدو الله فقل: اللهم ان فلانا لا نعلم منه إلا انه عدولك ولرسولك صلى الله عليه وآله اللهم فاحش قبره نارا واحش جوفه نارا وعجل به إلى النار فانه كان يتولى اعداءك ويعادي أولياءك ويبغض أهل بيت نبيك اللهم ضيق عليه قبره. وإذا رفع فقل اللهم لا ترفعه ولا تزكه). وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: (ان كان جاحدا للحق فقل: اللهم املا جوفه نارا وقبره نارا وسلط عليه الحيات والعقارب وذلك قاله أبو جعفر (ع) لامرأة سوء من بنى امية صلى عليها ابى، وقال هذه المقالة واجعل الشيطان لها قرينا).
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 4 من صلاة الجنازة.
[ 415 ]
وقال في كتاب الفقه الرضوي (1) في تتمة العبارة الاولى مما قدمنا نقله عنه: وإذا كان الميت مخالفا فقل في تكبيرك الرابعة: اللهم اخز عبدك وابن عبدك هذا اللهم اصله حر نارك اللهم اذقه اليم عذابك وشديد عقوبتك وأورده نارا واملا جوفه نارا وضيق عليه لحده فانه كان معاديا لاوليائك ومتواليا لاعدائك. اللهم لا تخفف عنه العذاب واصبب عليه العذاب صبا. فإذا رفع جنازته فقل اللهم لا ترفعه ولا تزكه). وهذه الروايات كلها كما ترى ظاهرة في المخالف من أهل السنة، وحينئذ فيجب ان يقصر كل من هذه الاخبار والخبرين المتقدمين على مورده. ولا ينافى ذلك ما ورد في حديث عبد الله بن ابى وهو ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله (ع) (2) قال (لما مات عبد الله بن ابى بن سلول حضر
(1) ص 19. (2) الوسائل الباب ب 4 من صلاة الجنازة وقد ورد مضمون هذا الحديث في روايات العامة. ففي البخاري باب الكفن في القميص (ان ابنه عبد الله جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وطلب منه قميصه والصلاة عليه والاستغفار له فاجابه رسول الله صلى الله عليه واله إلى ما اراد فلما قام ليصلى عليه جذبه عمر وقال اليس نهاك الله ان تصلى على المنافقين ؟ فقال انا بين خيرتين قال: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم فصلى عليه) وفي تفسير ابن كثير ج 2 ص 378 (قال عمر بن الخطاب لما قام النبي صلى الله عليه وآله ليصلى عليه تحولت حتى قمت في صدره وقلت اعلى عدو الله القائل يوم كذا وكذا تصلى ؟ ورسول الله صلى الله عليه واله يتبسم حتى إذا اكثرت عليه قال اخر عنى يا عمر اني خيرت فاخترت ولو اعلم اني زدت على السبعين يغفر له لفعلت. ثم صلى عليه ومشى معه وقام على قبره حتى فرغ منه. قال عمر فعجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وآله والله ورسوله اعلم) وفي تفسير السراج المنير ج 1 ص 612 للخطيب الشربيني واسباب النزول للواحدي ص 193 وروح المعاني للالوسي ج 10 ص 154 (لما اكثر عليه عمر بن الخطاب قال له رسول الله (ان قميصي لا يغني عنه من الله شيئا واني اؤمل ان يدخل في الاسلام سببه كثير) فيروى انه اسلم الف من الخزرج. وقد اوردوا هذه القصة في تفاسيرهم في تفسير قوله تعالى في سورة التوبة الاية 85 (ولا تصل على احد منهم).
[ 416 ]
النبي صلى الله عليه وآله جنازته فقال عمر لرسول الله يا رسول الله صلى الله عليه وآله ألم ينهك الله ان تقوم على قبره ؟ فسكت فقال يا رسول الله صلى الله عليه وآله ألم ينهك الله أن تقوم على قبره ؟ فقال له ويلك وما يدريك ما قلت ؟ انى قلت: اللهم احش جوفه نارا واملا قبره نارا واصله نارا. قال أبو عبد الله (ع) فابدى من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما كان يكره) فانه يمكن تخصيص الخبر به حيث انه كان رأس النفاق (1) على ان الخبر غير ظاهر في كونه (صلى الله عليه وآله) صلى عليه وانما فيه انه حضر جنازته ومجرد الحضور لا يستلزم الصلاة. ومما يعضد الاول اعني تخصيص الخبر به ما صرح به شيخنا المفيد (عطر الله مرقده) في كتاب المقنعة (2) حيث قال: روى عن الصادقين (عليهم السلام) انهم قالوا (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلى على المؤمنين ويكبر خمسا ويصلى على أهل النفاق سوى من ورد النهى عن الصلاة عليهم فيكبر اربعا) فانه يدل على
(1) في تفسير الخازن ج 3 ص 108 نقلا عن شرح مسلم للقرطبي (كان ابن ابي راسا في المنافقين واعظمهم نفاقا واشدهم وكان المنافقون كثيرين بلغوا ثلثمائة رجل ومائة وسبعين امراة وانتهب إليه رئاسة الخزرج فلما ظفر النبي صلى الله عليه وآله) وانصرف الخزرج إليه حسد رسول الله صلى الله عليه وآله وبالغ في العداوة له. وكان ولده عبد الله من خيار الصحابة واصدقهم اسلاما واكثرهم عادة واشرحهم صدرا بارا بابيه مع كفره ونفاقه، قال للنبي صلى الله عليه وآله انك لتعلم اني ابر الناس بابي وان امرتني لاتيك براسه فعلت واخشى ان تأمر احدا بقتله فلا تدعني نفسي ان انظر إلى قاتل ابي فاقتله فاكون قد قتلت مؤمنا بكافر ؟ فقال نبي الحنان صلى الله عليه وآله لا يتحدث الناس ان محمدا يقتل اصحابه بل احسن صحبته وبر به وترفق به ما صحبنا) وفي اسد الغابة ج 3 ص 197 (ان الخزرج اجمعوا على ان يتوجوه ويملكوه امرهم قبل الاسلام فلما جاء صلى الله عليه واله رجعوا عن ذلك فحسد رسول الله صلى الله عليه وآله واخذ به. العزة واضمر النفاق وهو القائل في غزوة بني المصطلق (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل) سورة المنافقين الاية 8. (2) الوسائل الباب 5 من صلاة الجنازة.
[ 417 ]
ان النهى انما هو عن اناس مخصوصين، ولا ريب ان رأس المنافقين الذى نزلت فيه سورة المنافقين هو عبد الله المذكور. على ان حديث الحسين (ع) غير صريح ولا ظاهر في كونه صلى عليه الصلاة المعهودة وانما تضمن انه دعا عليه، فان قوله (فلما ان كبر عليه وليه قال الحسين (ع) الله اكبر اللهم العن فلانا... إلى آخره) ظاهر في انه دعا عليه في أول تكبيرة ثم لم يزل يكرر ذلك في كل تكبيرة. وبالجملة فانك قد عرفت مما قدمنا ذكره في المطلب الاول ان المخالف لا يصلى عليه إلا ان تجلئ التقية إلى ذلك، وحينئذ فمتى صلى عليه فهو مخير بين الدعاء عليه بعد كل تكبيرة - كما هو ظاهر خبر الحسين (ع) بالتقريب الذى ذكرناه، وعليه يحمل ما بعده ايضا من خبرى الحلبي ومحمد بن مسلم فانهما ظاهران في الاطلاق - وبين الدعاء بعد الرابعة كما هو صريح عبارة كتاب الفقه الرضوي. وأما روايتا ام سلمة واسماعيل بن همام (1) فقد عرفت انهما مخصوصتان بمنافقى أهل زمانه صلى الله عليه وآله لاجل تألف الناس، مع الخبرين ليس فيهما دعاء له ولا عليه. والله العالم. الخامس - روى الصدوق في كتاب العلل بسنده عن ابى بصير (2) قال: (قلت لابي عبد الله (ع) لاى علة تكبر على الميت خمس تكبيرات ويكبر مخالفونا اربع تكبيرات ؟ قال لان الدعائم التى بنى عليها الاسلام خمس: الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية لنا أهل البيت، فجعل الله للميت من كل دعامة تكبيرة، وانكم اقررتم بالخمس كلها واقر مخالفوكم باربع وانكروا واحدة، فمن ذلك يكبرون على موتاهم أربع تكبيرات وتكبرون خمسا). وروى في كتاب عيون الاخبار بسنده عن الحسن بن النضر (3) قال: (قال الرضا (ع) ما العلة في التكبير على الميت خمس تكبيرات ؟ قلت رووا انها
(1) ص 402 و 403. (2) و (3) الوسائل الباب 5 من صلاة الجنازة.
[ 418 ]
اشتقت من خمس صلوات. فقال هذا ظاهر الحديث فاما في وجه آخر فان الله فرض على العباد خمس فرائض: الصلاة والزكاة والصوم الحج والولاية فجعل للميت من كل فريضة تكبيرة واحدة، فمن قبل الولاية كبر خمسا ومن لم يقبل الولاية كبر اربعا، فمن أجل ذلك تكبرون خمسا ومن خالفكم يكبر أربعا). اقول: المعنى في هذين الخبرين ان العلة في فرض الله سبحانه خمس تكبيرات في الصلاة على الميت المؤمن هو فرض هذه الفرائض الخمس عليه في حال الحياة فجعل له بعد الموت من كله فريضة تكبيرة، ولما كانت الشيعة الامامية ممن وفق في الحياة للقيام بالفرائض الخمس المذكورة كان الواجب عندهم في التكبير على الميت هذا العدد فحصل لهم التوفيق بالفرضين حياة وموتا، والمخالف لما سلب التوفيق للقيام بالفريضة الخامسة وهى الولاية في الحياة سلب التوقيق لتكبيرها بعد الموت، فحصل لهم من الشبهة في الحالين الناشئة عن الخذلان وسلب التوقيق ما أوجب لهم ترك الولاية في الحياة وترك التكبير بعد الموت. ولعل الشبهة الموجبة لتركهم التكبير الخامس ما ورد في بعض الاخبار عنه صلى الله عليه وآله انه كان يكبر اربعا على بعض الاموات ولم يتفقهوا إلى ان ذلك انما هو في ما إذا كان الميت منافقا كما صرحت به أخبار أهل البيت (عليهم السلام) من انه صلى الله عليه وآله كان يصلى على بعض خمس تكبيرات وعلى اناس اربعا وانه إذا كبر اربع تكبيرات اتهم بالنفاق. وربما اكد ذلك عندهم اصرار الشيعة على الخمس حيث انهم يتعمدون مخالفتهم وان اعترفوا بان السنة النبوية في ما عليه الشيعة، بل قد صرح بهذا الوجه بعض شراح صحيح مسلم على ما نقله بعض اصحابنا (رضوان الله عليهم) حيث قال نقلا عنه: انما ترك القول بالتكبيرات الخمس في صلاة الجنازة لانه صار علما للتشيع. وقال عبد الله المالكى المغربي في كتابه المسمى بفوائد مسلم (1) - كما نقله بعض اصحابنا
(1) لم نعثر على هذين الكتابين ولكنه غير بعيد بعدما ذكر الغزالي في الوجيز ج 1 =
[ 419 ]
ايضا - ان زيدا كبر خمسا على جنازة، قال وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يكبرها، وهذا المذهب الان متروك لانه صار علما على القول بالرفض. وقد أوردنا في كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن ابى الحديد جملة من مخالفاتهم التى من هذا القبيل. قال شيخنا الشهيد في الذكرى يجب فيها خمس تكبيرات لخبر زيد بن ارقم انه كبر على جنازة خمسا وقال كان رسول الله صلى الله عليه وآله يكبرها، أورده مسلم (1) واكثر المسانيد، ولفظ (كان) يشعر بالدوام، والاربع وان رويت فالاثبات مقدم على النفى وجاز أن يكون راوي الاربع لم يسمع الخامسة أو نسيها، قال بعض العامة الزيادة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله والاختلافات المنقولة في العدد من جملة الاختلاف في المباح والكل شائع. وفى كلام بعض شراح مسلم انما ترك القول بالخمس لانه صار علما للقول بالتشيع وهذا عجيب. انتهى. هذا، وأما الاخبار الدالة على انه صلى الله عليه وآله كان يكبر على المنافقين أربعا فانه لا منافاة فيها لهذه العلة المذكورة في هذين الخبرين، لان هذه العلة انما ذكرت بالنسبة إلى من دخل في الاسلام وصدق به ودان به من الانام دون من لم يصدق به من المنافقين في زمنه (صلى الله عليه وآله) وحينئذ فصلاته عليهم أربعا الظاهر انها انما وقعت للتمييز بينهم وبين المؤمنين واظهار بغضهم ونفاقهم بين العالمين، والمخالفون لخذلانهم وسلب توفيقهم للولاية قد دخلوا في زمرتهم والتحقوا بهم. والله العالم. السادس - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في أن الواجب في الصلاة على الميت المؤمن خمس تكبيرات وبه استفاضت الاخبار عنهم (عليهم السلام)
= ص 47 ان تسنيم القبور افضل من التسطيح مخالفة لشعار الروافض. (وفي المهذب ج 1 ص 107 (قال أبو علي الطبري في زماننا يسنم القبر لان التسطيح من شعار الرافضة) ويرجع في ذلك إلى التعليقة 2 ص 466 ج 8. (1) ج 1 ص 352 باب الصلاة على القبر من كتاب الجنائز، واورده البيهقي في السنن وابن ماجة والنسائي وابو داود.
[ 420 ]
وقد مر جملة منها في المباحث المتقدمة ولا سيما الاخبار المتضمنة لعلة الخمس المذكورة ومنها - ما رواه الصدوق والشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) (1) انه قال: (لما مات آدم فبلغ إلى الصلاة عليه فقال هبة الله لجبرئيل تقدم يا رسول الله فصلى على نبى الله فقال جبرئيل ان الله أمرنا بالسجود لابيك فلسنا نتقدم ابرار ولده وانت من أبرهم فتقدم فكبر عليه خمسا عدة الصلوات التى فرضها الله على امة محمد (صلى الله عليه وآله) وهى من السنة الجارية في ولده إلى يوم القيامة). وما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (التكبير على الميت خمس تكبيرات). وعن اسماعيل بن سعد الاشعري في الصحيح عن ابى الحسن الرضا (ع) (3) قال: (سألته عن الصلاة على الميت فقال أما المؤمن فخمس تكبيرات واما المنافق فاربع، ولا سلام فيها). وعن ابى بصير عن ابى جعفر (ع) (4) قال: (كبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) خمسا). وعن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع) (5) قال: (التكبير على الميت خمس تكبيرات). وما رواه في الكافي عن ابى بكر الحضرمي (6) قال: (قال أبو جعفر (ع) يا أبا بكر هل تدرى كم الصلاة على الميت ؟ قلت لا. قال خمس تكبيرات. فتدرى من اين اخذت الخمس ؟ قلت لا. قال اخذت الخمس تكبيرات من الخمس صلوات من كل صلاة تكبيرة). وعن سليمان بن جعفر الجعفري عن ابيه عن ابى عبد الله (ع) (7) قال (قال
(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 5 من صلاة الجنازة.
[ 421 ]
رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان الله فرض الصلاة خمسا وجعل للميت من كل صلاة تكبيرة). وما رواه الشيخ عن قدامة بن زائدة (1) قال: (سمعت ابا جعفر (ع) يقول ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلى على ابنه ابراهيم فكبر عليه خمسا) إلى غير ذلك من الاخبار. ومقتضى ذلك انه لا يجوز الزيادة على ذلك بقصد انها من الصلاة لانه تشريع محض. وهل تبطل الصلاة بالزيادة ؟ قيل لا لخروجه بالخامسة من الصلاة. ولا يجوز النقيصة عن ذلك إلا مع امكان التدارك. واما ما يدل على خلاف ذلك - مثل ما رواه الشيخ عن جابر (2) قال: (سألت أبا جعفر (ع) عن التكبير على الجنازة هل فيه شئ مؤقت ؟ فقال لا كبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) احد عشر وتسعا وسبعا وخمسا وستا واربعا) - فقد أجاب الشيخ عنه فقال: ما تضمن هذا الخبر من زيادة التكبير على الخمس مرات متروك بالاجماع، ويجوز أن يكون (ع) اخبر عن فعل النبي (صلى الله عليه وآله) بذلك لانه كان يكبر على جنازة واحدة أو اثنتين فكان يجاء بجنازة اخرى فيبتدئ من حيث انتهى خمس تكبيرات فإذا اضيف إلى ما كان كبر زاد على الخمس تكبيرات، وذلك جائز على ما سنبينه في ما بعد ان شاء الله تعالى. واما ما يتضمن من الاربع تكبيرات فمحمول على التقية لانه مذهب المخالفين (3) أو يكون اخبر عن فعل النبي (صلى الله عليه وآله) مع المخالفين والمتهمين بالاسلام لانه (صلى الله عليه وآله) كذا كان يفعل. انتهى. وربما حمله بعض الاصحاب على الاستحباب إذا التمس اهل الميت ذلك وفى
(1) الوسائل الباب 5 و 14 من صلاة الجنازة. (2) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة. (3) ارجع إلى التعليقة 2 ص 404.
[ 422 ]
بعض الاخبار اشارة إليه. وبالجملة فالمفهوم من الاخبار هو وجوب الخمس في الصلاة على المؤمن وأما المنافق والمخالف فالاربع كما تقدم. والله العالم. السابع - لا يخفى ان لهذه الصلاة واجبات ومندوبات، وتحقيق الكلام في ذلك يقع في مقامين:
(الاول) في ما يجب فيها:
ومنها - النية وهى قصد الفعل طاعة لله، قالوا: ولا يجب فيها التعرض للوجه ولا للاداء والقضاء. اقول: والامر في النية - كما عرفت في المباحث المتقدمة - مفروع عنه عندنا ونعنى بها النية الحقيقية لا هذه النية الافتعالية كما تقدم تحقيقه.
ومنها - وجوب الاستقبال من المصلى ولا خلاف فيه، واستدلوا على ذلك بانه هو المنقول عن النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام) فيجب تحصيلا للبراءة اليقينية لعدم ثبوت شرعيتها على وجه آخر. ومثل هذا التعليل وان جرت لهم فيه مناقشات في غير هذا الموضع إلا انه في هذا الموضع مسلم الثبوت بين اصحاب تلك المناقشات. قال في الذكرى: يجب فيها استقبال المصلى الحاقا لها بسائر الصلوات. ولا يخفى ما فيه كيف كان فيقين البراءة يقتضيه. نعم انما يجب ذلك مع الامكان فلو تعذر من المصلى أو الجنازة كالمصلوب الذى يتعذر انزاله سقط الوجوب. وروى الكليني في الصحيح إلى ابى هاشم الجعفري (1) قال: (سألت الرضا (ع) عن المصلوب فقال اما علمت ان جدى صلى على عمه ؟ قلت أعلم ذلك ولكني لا أفهمه مبينا. قال ابينه لك: ان كان وجه المصلوب إلى القبلة فقم على منكبه الايمن وان كان قفاه إلى القبلة فقم على منكبه الايسر فان بين المشرق والمغرب قبلة وان كان منكبه الايسر إلى القبله فقم على منكبه الايمن وان كان منكبه الايمن إلى القبلة
(1) الوسائل الباب 35 من صلاة الجنازة.
[ 423 ]
فقم على منكبه الايسر، وكيف كان منحرفا فلا تزايلن مناكبه وليكن وجهك إلى ما بين المشرق والمغرب ولا تستقبله ولا تستدبره البتة. قال أبو هاشم وقد فهمته ان شاء الله تعالى فهمته والله). قال في الذكرى: وهذه الرواية وان كانت غريبة نادرة كما قال الصدوق واكثر الاصحاب لم يذكروا مضمونها في كتبهم إلا انه ليس لها معارض ولا راد، وقد قال ابو الصلاح وابن زهرة يصلى على المصلوب ولا يستقبل وجهه الامام في التوجه فكأنهما عاملان بها، وكذا صاحب الجامع الشيخ نجيب الدين بن سعيد، والفاضل في المختلف قال ان عمل بها فلا بأس، وابن ادريس نقل عن بعض الاصحاب انه ان صلى عليه وهو على خشية استقبل بوجهه وجه المصلى عليه ويكون هو مستدبر القبلة، ثم حكم بان الاظهر انزاله قد بعد الثلاثة والصلاة عليه. قلت هذا النقل لم اظفر به وانزاله قد يتعذر كما قضية زيد (ع). انتهى. وقال في المختلف بعد ذكر الحكم المذكور: ويحمل الصلب على من وجب عليه قودا وفى حق المحارب إذا قتل فانه يقتل ويصلب بعد ان يؤمر بالغسل والكفن.
ومنها - القيام مع القدرة اجماعا ومع العجز يصلى بحسب الامكان، قال في الذكرى بعد دعوى الاجماع على وجوبه: بل هو الركن الاظهر لان النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام) والصحابة صلوا عليها قياما والتأسى واجب خصوصا في الصلاة لقول النبي (صلى الله عليه وآله) (1) (صلوا كما رأيتموني أصلى) ولان الاصل بعد شغل الذمة عدم البراءة إلا بالقيام فيتعين. انتهى. والكلام فيه كما عرفت في الاول لانه مسلم الصحة بينهم لا راد ولا مناقش فيه. وفى الاكتفاء بصلاة العاجز مع وجود من يمكنه القيام اشكال، من صدق الصلاة الواجبة بالنسبة إلى ذلك المصلى، ومن نقصها ووجود من يأتي بالصلاة الكاملة. ورجح في المدارك الثاني معللا بان الاصل عدم السقوط بغير الصلاة الكاملة
(1) مسند احمد ج 5 ص 53.
[ 424 ]
وجعل الاول احتمالا. وظاهره في الذكرى وكذا الفاضل الخراساني في الذخيرة التوقف، وهو كذلك لعدم الدليل الواضح في المقام.
ومنها - وجوب الستر مع الامكان على خلاف فيه، فجزم العلامة (قدس سره) بعدم اعتباره، قال لانه دعاء. وقال في الذكرى: الاقرب وجوب ستر العورة مع الامكان الحاقا لها بسائر الصلوات وبحكم التأسي. ثم قال: وقال الفاضل ليس الستر شرطا في صلاة الجنازة لانها دعاء. وثم أجاب عنه وقال: قلت لاريب انها تسمى صلاة وان اشتملت على الدعاء فتدخل تحت عموم الصلاة، ويعارض بوجوب القيام والاستقبال فيها. انتهى. اقول: لا يخفى ما في كلامه (قدس سره) من الوهن وتطرق المناقشة إليه بان الاطلاق أعم من الحقيقة، والاستدلال على الوجوب بالالحاق بسائر الصلوات والتأسى مجازفة محضة في الاحكام الشرعية المطلوب فيها الثبوت بالادلة القطعية دون مجرد التخمينات الظنية وإلا كان قولا على الله بغير علم، وقد استفاضت الايات والروايات بالنهي عنه، ومن ذلك يظهر لك ان لا مستند لهم في جميع هذه الاحكام أزيد من الاتفاق الاجماع الذى يدعونه، فان جميع ما ذكروه من هذه التعليلات العليلة وان جرى الخلف فيها على ما جرى عليه السلف لا تصلح لتأسيس الاحكام الشرعية، وليس في المقام دليل شرعى يمكن التمسك به سوى الاحتياط فانه في مواضع الاشتباه واجب كما قدمنا تحقيقه في غير مقام. قال في الذكرى: وفى وجوب ازالة الخبث عنه وعن ثوبه نظر من الاصل وانها دعاء واخفية الخبث بالنسبة إلى الحدث ومن ثم صحت الصلاة مع الخبث لا مع بقاء حكم الحدث، ومن اطلاق التسمية بالصلاة التى يشترط فيها ذلك والاحتياط. ولم اقف في هذا على نص ولا فتوى. انتهى. اقول: ضعف الوجه الثاني أظهر من أن يحتاج إلى بيان، سيما بعد ما عرفت في ما قدمناه مما ظاهرهم الاتفاق عليه في هذا المكان، ويزيده تأييدا ما في موثقة
[ 425 ]
يونس بن يعقوب (1) (في الصلاة على الجنازة من غير وضوء ؟ قال نعم انما هو تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل كما تكبر وتسبح كما تكبر وتسبح في بيتك) وما في صحيحة الحلبي الواردة في جواز الصلاة حين تغيب الشمس وحين تطلع (2) قال (انما هو استغفار).
ومنها - وجوب الاستقبال بالميت بان يوضع رأسه عن يمين المصلى مستلقيا ورجلاه إلى يسار المصلى، قال ابن حمزة بحيث لو اضطجع على يمينه لكان بازاء القبلة وعللوه بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وآله والائمة (عليهم السلام) وعدم يقين الخروج من العهدة بدونه. والاظهر الاستدلال عليه بما رواه الشيخ في الموثق عن عمار عن ابى عبد الله (ع) (3) (انه سئل عن ميت صلى عليه فلما سلم الامام فإذا الميت مقلوب رجلاه إلى موضع رأسه قال: يسوى وتعاد الصلاة عليه وان كان قد حمل ما لم يدفن فان دفن فقد مضت الصلاة ولا يصلى عليه وهو مدفون). والحكم المذكور مما لا خلاف فيه بينهم، لكن ينبغى أن يعلم ان ذلك انما يعتبر بالنسبة إلى غير المأموم ولا بد ايضا من تقييده بصورة الامكان، فلو تعذر كالمصلوب الذى يتعذر انزاله سقط كما تقدم (4) في صلاة الصادق (ع) على عمه زيد مصلوبا.
ومنها - انهم صرحوا بانه لا يجوز الصلاة عليه إلا بعد تغسيله وتكفينه إلا ان يتعذر الكفن فانه يجعل في قبره وتستر عورته ويصلى عليه. والحكم الاول مما ظاهرهم الاتفاق عليه، قال المدارك: هذا قول العلماء كافة لان النبي صلى الله عليه وآله هكذا فعل وهكذا الصحابة والتابعون فيكون الاتيان بخلافه تشريعا محرما.
(1) الوسائل الباب 21 من صلاة الجنازة (2) الوسائل الباب 20 من صلاة الجنازة. (3) الوسائل الباب 19 من صلاة الجنازة (4) في حديث ابي هاشم ص 422.
[ 426 ]
والاظهر في الاستدلال على عدم الجواز في الصورة المذكورة هو وجوب الاحتياط في مقام الاشتباه (حلال بين وحرام بين شبهات بين ذلك) (1) والحكم الشرعي في الشبهات هو الوقوف عن الفتوى والعمل بالاحتياط في مقام العمل وفعل ذلك الشئ، وحينئذ فالاحوط وجوبا أن لا يصلى عليه إلا بعد الغسل والتكفين واما الحكم الثاني فيدل عليه ما رواه الشيخ والصدوق في الموثق عن عمار بن موسى الساباطى (2) قال: (قلت لابي عبد الله (ع) ما تقول في قوم كانوا في سفر لهم يمشون على ساحل البحر فإذا هم برجل ميت عريان قد لفظه لبحروهم عراة وليس عليهم إلا ازار كيف يصلون عليه وهو عريان وليس معهم ثوب يكفنونه به ؟ قال يحفر له ويوضع في لحده ويوضع اللبن على عورته فتستر عورته باللبن وبالحجر ثم يصلى عليه يدفن. قلت فلا يصلى عليه إذا دفن... الحديث). وما رواه في التهذيب عن محمد بن اسلم عن رجل من أهل الجزيرة (3) قال: (قلت لابي الحسن الرضا (ع) قوم كسر بهم مركب في بحر فخرجوا يمشون على الشط فإذا هم برجل ميت عريان والقوم ليس عليهم إلا مناديل متزرين بها وليس عليهم فضل ثوب يوارون به الرجل فكيف يصلون عليه وهو عريان ؟ فقال إذا لم يقدروا على ثوب يوارون به عورته فليحفروا قبره ويضعوه في لحده ويوارون عورته بلبن أو إحجار أو تراب ثم يصلون عليه ثم يوارونه في قبره. قلت ولا يصلون عليه وهو مدفون بعد ما يدفن ؟ قال لا لو جاز ذلك لاحد لجاز لرسول الله صلى الله عليه وآله فلا يصلى على المدفون ولا على العريان) ومقتضى اطلاق الامر بالستر اناطته عدم بوجود الناظر. وذكر الشهيد في الذكرى انه ان امكن ستره بثوب صلى عليه قبل الوضع في اللحد وتبعه الشهيد الثاني مصرحا بالوجوب، والرواية الثانية دالة عليه وان كان اطلاق
(1) الوسائل الباب 12 من صفات القاضي وما يجوز ان يقضى به (2) و (3) الوسائل الباب 36 من صلاة الجنازة
[ 427 ]
الاولى يدفعه والظاهر انه كذلك. قال في المدارك بعد نقل كلام الذكرى: ولا ريب في الجواز نعم يمكن المناقشة في الوجوب. المقام الثاني في المستحبات:
ومنها - ان يقف الامام عند وسط الرجل وصدر المرأة على المشهور، وقال الشيخ في الاستبصار انه يقف عند رأس المرأة وصدر الرجل. ويدل على الاول ما رواه الشيخ في الحسن عن عبد الله بن المغيرة عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (قال أمير المؤمنين علية السلام من صلى على امرأة فلا يقوم في وسطها ويكون مما يلى صدرها وإذا صلى على الرجل فليقم في وسطه). وعن جابر عن ابى جعفر (ع) (2) قال: (كان رسول الله يقوم من الرجل بحيال السرة ومن النساء ادون من ذلك قبل الصدر). ويدل على ما ذهب إليه الشيخ ما رواه هو وقبله الكليني عن موسى بن بكر عن ابى الحسن (ع) (3) قال: (إذا صليت على المرأة فقم عند رأسها وإذا صليت على الرجل فقم عند صدره، والشيخ في التهذيب حمل الصدر في هذا الخبر على الوسط والرأس على الصدر، قال لانه يعبر عن الشئ باسم ما يجاوره، والاظهر الجمع بين الاخبار بالتخيير.
ومنها - استحباب الطهارة والظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في عدم اشتراط الطهارة من الحدث في الصلاة على الميت، نقل اتفاقهم عليه العلامة في التذكرة. ويدل عليه جملة من الاخبار: منها - ما رواه الكليني في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: (سألته عن الرجل نفجأه الجنازة وهو على غير طهر ؟ قال فليكبر معهم). وما رواه الكليني والشيخ في الموثق وابن بابويه باسناد فيه ضعف عن يونس
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 27 من صلاة الجنازة. (4) الوسائل الباب 21 من صلاة الجنازة.
[ 428 ]
ابن يعقوب (1) قال: (سألت ابا عبد الله علية السلام عن الجنازة اصلى عليها على غير وضوء ؟ فقال نعم انما هو تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل كما تسبح وتكبر في بيتك على غير وضوء). وعن محمد بن مسلم في الصحيح أو الحسن (2) قال: (سألت ابا عبد الله (ع) عن الحائض تصلى على الجنازة ؟ قال نعم ولا تقف معهم تقف مفردة كذا في التهذيب، وفي الكافي (3) (ولا تصف معهم). وعن عبد الرحمان بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (قلت تصلى الحائض على الجنازة ؟ قال نعم ولا تصف معهم وتقوم مفردة). وما رواه الشيخ عن سماعة في الموثق عن ابى عبد الله (ع) (5) (عن المرأة الطامث إذا حضرت الجنازة ؟ قال تتيمم وتصلى عليها وتقوم وحدها بارزة عن الصف) وعن عبد الله بن المغيرة غن رجل عن ابى عبد الله (ع) (6) قال: (سألته عن الحائض تصلى على الجنازة ؟ فقال نعم. ولا تقف معهم والجنب يصلى على الجنازة) وقال (ع) في الفقه الرضوي (7): ولا بأس ان يصلى الجنب على الجنازة والرجل على غير وضوء الحائض إلا ان الحائض تقف ناحية ولا تختلط بالرجال وان كنت جنبا وتقدمت للصلاة عليها فتيمم أو توضأ وصل عليها، وقد اكره ان يتوضأ انسان عمدا للجنازة لانه ليس بالصلاة انما هو التكبير، والصلاة هي التى فيها الركوع والسجود. انتهى. اقول: ما دل عليه جملة من هذه الاخبار من تأخر الحائض يحتمل أن يكون المراد تأخرها ولو عن من تكون بصفها من النساء كما هو ظاهر الاصحاب، قال في
(1) الوسائل الباب 21 من صلاة الجنازة. (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 22 من صلاة الجنازة. (7) ص 19.
[ 429 ]
التذكرة: وإذا صلوا جماعة ينبغى أن يتقدم الامام والمؤتمون خلفه صفوفا، وان كان فيهم نساء وقفن اخر الصفوف، وان كان فيهم حائض انفردت بارزة عنهم وعنهن. ونحوه قال في المنتهى. ويحتمل أن يكون المراد تأخرها عن صف الرجال فلا اختصاص له بالحائض بل هذا حكم مطلق النساء، ويؤيده لفظ الرجال في عباره كتاب الفقه الرضوي وتذكير ضمير (معهم) في الروايات المتقدمة، ومن ثم قال في الذكرى: وفي انفراد الحائض هنا نظر، من خبر محمد بن مسلم فان الضمير يدل على الرجال واطلاق الانفراد يشمل النساء، وبه قطع في المبسوط وتبعه ابن ادريس والمحقق. انتهى. والاستدلال بهذه الاخبار على تأخرها عن النساء كما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) لا يخلو من الاشكال ولم اقف على غيرها في هذا المجال. واما ما اشتملت عليه عبارة كتاب الفقه الرضوي من الوضوء للجنب فلم اقف عليه الا في الكتاب دون غيره من الاخبار وكلام الاصحاب وانما المذكور التيمم للمحدث وان امكن الغسل والوضوء. واما قوله: (واكره أن يتوضأ انسان عمدا للجنارة) فالظاهر ان المراد بقوله عمدا يعنى بنية الوجوب إذ لا خلاف في الاستحباب نصا وفتوى. والله العالم. واما ما يدل على الحكم الاول فمنه ما رواه الكليني والشيخ عنه عن صفوان بن يحيى عن عبد الحميد بن سعد (1) قال: (قلت لابي الحسن الجنازة يخرج بها ولست على وضوء فان ذهبت ا توضأ فاتتني الصلاة أيجزئنى أن اصلى عليها وانا على غير وضوء ؟ قال تكون على طهر احب إلى). وقد تقدم في باب التيمم جوازه مع وجود الماء في صلاة الجنارة إذا خاف فوت الصلاة محافظة على الطهارة بالممكن.
(1) الوسائل الباب 21 من صلاة الجنازة.
[ 430 ]
ويدل عليه ما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن (1) قال: (سئل أبو عبد الله عن الرجل تدركه الجنازة وهو على غير وضوء فان ذهب يتوضأ فاتته الصلاة عليها ؟ قال يتيمم ويصلى). وأطلق الشيخ وجماعة جواز التيمم لصلاة الجنازة مع وجود الماء لموثقة سماعة (2) قال (سألته عن رجل مرت به جنازة وهو على غير وضوء كيف يصنع ؟ قال يضرب بيديه على حائط اللبن فيتيمم). اقول: يمكن تقييد اطلاقها بما دلت عليه رواية الحلبي المذكورة من خوف فوت الصلاة فلا يحتاج إلى الطعن فيها بضعف السند كما ذكره في المدارك.
ومنها - استحباب نزع النعلين حال الصلاة وهو مذهب الاصحاب (رضوان الله عليهم) لا يعلم فيه مخالف كما ذكره غير واحد منهم. والاصل فيه ما رواه الشيخ عن سيف بن عميرة عن ابى عبد الله (ع) (3) قال (لا يصلى على الجنازة بحذاء ولا بأس بالخف) وهو مؤذن بتخصيص النهى بالنعل خاصة كما هو المصرح به في كلام الاصحاب لان الحذاء هو النعل، قال في النهاية الحذاء بالمد النعل. واستحب المحقق في المعتبر الحفاء، قال لانه موضع اتعاظ فناسب التذلل بالحفاء ولقول النبي صلى الله عليه وآله (4) (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار وقال الصدوق في الفقيه: وقال ابى في رسالته إلى (لا تصل على الجنازة بنعل حذو ولا تجعل ميتين على جنازة). اقول: هذه العبارة عين كلام الرضا (ع) في كتاب الفقه الرضوي وكذا
(1) الوسائل الباب 21 من صلاة الجنازة. والراوي هو الحلبي (2) الوسائل الباب 21 من صلاة الجنازة. (3) الوسائل الباب 26 من صلاة الجنازة. (4) الجامع الصغير للسيوطي ج 2 ص 164.
[ 431 ]
ما ذكره في الفقيه بعدها ايضا حيث قال: ولا تصل على الجنازة بنعل حذو ولا تجعل ميتين على جنازة واحدة... إلى آخره. قيل اراد بالنعل الانتعال وهو لبس النعل، وفي الصحاح: نعلت وتنعلت إذا احتذيت. واضافته إلى الحذو لعله بمعنى الحذاء للتوضيح. وقيل يحتمل أن يكون مرادهم بنعل الحذو والحذاء غير العربية من النعال الهندية والعجمية الساترة لظهر القدم أو اكثره بغير ساق. وقال الصدوق في المقنع على ما نقله في الذكرى: وروى انه لا يجوز للرجل أن يصلى على الجنازة بنعل حذو، وكان محمد بن الحسن يقول: كيف تجوز صلاة الفريضة ولا تجوز صلاة الجنازة. وكان يقول لا نعرف النهى عن ذلك إلا من رواية محمد بن موسى الهمداني (1) وكان كذابا، وقال الصدوق: وصدق في ذلك إلا انى لا اعرف عن غيره رخصة واعرف النهى وان كان من غير ثقة ولا يرد الخبر بغير خبر معارض. قال في الذكرى بعد نقل ذلك: قلت: وروى الكليني عن عدة عن سهل ابن زياد عن اسماعيل بى مهران عن سيف بن عميرة ما قلناه (2) وهذا طريق غير طريق الهمداني إلا ان يفرق بين الحذاء ونعل الحذو. انتهى. اقول: لا يخفى ان ظاهر كلام الصدوق في عدوله عن مذهب شيخه هنا ان الخبر وان كان ضعيفا عنده فانه يعمل به إذا لم يكن معارض اقوى وأما مع وجود المعارض الاقوى فانه يطرح ولا يجب تحصيل وجه يحمل عليه، وهو خلاف ما عليه ظهر الاصحاب قديما وحديثا، فان الظاهر من كلامهم - كما دلت عليه الاية والرواية (3) - ان خبر الفاسق من كذاب وغيره لا يثبت به حكم شرعى فكيف
(1) الرواية المشار إليها لم نقف عليها في كتب الحديث. والعبارة المنقولة عن المقنع لم نجدها في المقنع المطبوع في مظانها. (2) ص 430 (3) اما الاية فقوله تعالى في سورة الحجرات الاية 6 (ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) واما الرواية فيمكن ان يستفاد ذلك من ما ورد في الباب 11 من صفات القاضي وما يجوز =
[ 432 ]
يتوقف رده على خبر معارض ؟ واعجب من ذلك عدم تنبه شيخنا الشهيد (قدس سره) لما قلناه. والعجب ايضا من شيخنا الصدوق ان عبارة ابيه في الرسالة إليه المأخوذة كما عرفت من كتاب الفقه الرضوي الذى اعتمد عليه هو وابوه في جميع ابواب الفقه مما عرفت وستعرف ان شاء الله تعالى قد دلت على النهى عن ذلك فكيف لم يستند إلى ذلك واستند إلى رواية الهمداني مع اعترافه بان راويها كذاب. اللهم إلا ان يقال ان عبارة كتاب الفقه لا صراحة فيها في الدلالة على التحريم كما هو ظاهر عبارته في المقنع من قوله (لا يجوز) والكلام انما هو في التحريم كما تؤذن به هذه العبارة وحينئذ يكون هذا بحثا آخر خارجا عن ظاهر كلام الاصحاب. والله العالم.
ومنها - استحباب ترتيب الجنائز متى تعددت بالذكورة والانوثة والصغر والكبر والحرية والمملوكية. وينبغى أن يعلم أولا انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) كما نقله في المنتهى في جواز الصلاة الواحدة على الجنائز المتعددة. واستشكل جمع من الاصحاب الصلاة الواحدة في صورة اجتماع الصبى الذى لم يبلغ الست مع غيره ممن تجب الصلاة عليه لاختلاف الوجه، والحق انه لا اشكال بحمد الملك المتعال كما سيأتي بيانه في المقام ان شاء الله تعالى. وقد صرح جملة من الاصحاب بان الافضل التفريق بان يصلى على كل جنازة على حيالها قال في الذكرى: والتفريق أفضل ولو كان على كل طائفة لما فيه من تكرار ذكر الله وتخصيص الدعاء الذى هو أبلغ من التعميم، إلا أن يخاف حدوث أمر على الميت فالصلاة الواخدة أولى فيستحب إذا اجتمع الرجل والمرأة محاذاة
= ان يقضي به من الوسائل من الاحاديث الظاهرة في اناطة اخذ الحكم من الراوى بكونه ثقة ومأمونا، وتعضده الاخبار الوادرة في عدم قبول شهادة الفاسق في الباب 30 من الشهادات من الوسائل.
[ 433 ]
صدرها لوسطه ليقف الامام موقف الفضيلة وان يلى الرجل الامام ثم الصبى لست ثم العبد ثم الخنثى ثم المرأة ثم الطفل لدون ست ثم الطفلة، وجعل ابن الجنيد الخصى بين الرجل والخثى، ونقل في الخلاف الاجماع على تقديم الصبى الذى تجب عليه الصلاة إلى الامام على المرأة، ثم قال: واطلق الصدوقان تقديم الصبى إلى الامام. وفي النهاية اطلق تقديم الصبى إلى القبلة. انتهى. اقول: ما ذكره من تقييد الطفل بكونه لدون ست سنين مبنى على ما قدمنا نقله عنهم مما اشتهر بينهم انه يستحب الصلاة عليه حيث انهم جعلوا ذلك وجه جمع بين اخبار المسألة، ومن أجل ذلك استشكل بعضهم - كما قدمنا ذكره - في الصلاة الواحدة في هذه الحال لاختلاف الوجه. قال في المدارك - بعد قول المصنف ولو كان طفلا جعل وراء المرأة - ما لفظه المراد بالطفل هنا من لا تجب الصلاة عليه كما نص عليه في المعتبر، واستدل على استحباب جعله وراء المرأة بان الصلاة لا تجب عليه وتجب على المرأة ومراعاة الواجب أولى فتكون مرتبتها أقرب إلى الامام. وقال ابنا بابويه يجعل الصبى إلى الامام والمرأة إلى القبلة واسنده المصنف في المعتبر إلى الشافعي (1) واستحسنه لما رواه الشيخ عن ابن بكير عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (توضع النساء مما يلى ا لقبلة والصبيان دونهن والرجال دون ذلك) قال: وهذه الرواية وان كانت ضعيفة لكنها سليمة من المعارض ولا بأس به. واستشكل جمع من الاصحاب الاجتزاء بالصلاة الواحدة هنا لاختلاف الوجه، وصرح العلامة في التذكرة بعدم
(1) في الام ج 1 ص 244 (إذا اجتمعت جنائز رجال ونساء وصبيان خناثى جعل الرجال مما يلي الامام وقدم إلى الامام افضلهم ثم الصبيان يلونهم ثم الخناثى يلونهم ثم النساء خلفهم مما يلي القبلة) وفي الوجيز ج 1 ص 46 (إذا اجتمعت الجنائز يقرب من الامام الرجل ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة). (2) الوسائل الباب 32 من صلاة الجنازة.
[ 434 ]
جواز جمع الجميع بنية واحدة متحدة الوجه. ثم قال ولو قيل باجزاء الواحدة المشتملة على الوجهين بالتقسيط امكن. وهو مشكل لان الفعل الواحد الشخصي لا يتصف بوصفين متنافيين. وقال في الذكرى انه يمكن الاكتفاء بنية الوجوب لزيادة الندب تأكيدا. وهو مشكل ايضا لان الوجوب مضاد للندب فلا يكون مؤكدا له. والحق انه ان لم يثبت الاجتزاء بالصلاة الواحدة بنص أو اجماع وجب نفيه لان العبادة كيفية متلقاة من الشارع فيقف اثباتها على النقل، وان ثبت الاجتزاء بذلك كان الاشكال مندفعا بالنص كما في تداخل الاغسال الواجبة والمستحبة، وعلى هذا فيكون المراد ان الغرض المطلوب من الصلاة على الطفل يتأدى بالصلاة الواجبة على هذا الوجه كما تتأدى وظيفة غسل الجمعة بايقاع غسل الجنابة في ذلك اليوم. انتهى. وانما اطلنا الكلام بنقله بالتمام لتطلع بذلك على كلامهم في المقام وما وقع لهم من النقض والابرام وان كان نفخا في غير ضرام كما لا يخفى على من أعطى التأمل حقه في اخبارهم (عليهم السلام). وذلك ان منشا الشبهة التى أوجبت لهم هذا الاضطراب والوقوع في هذا الاشكال الذى اختلفت في المخرج عنه كلمة الاصحاب هو الاخبار الدالة على مذهب ابن الجنيد وهو وجوب الصلاة على من استهل وان لم يبلغ ست سنين، وهم قد جمعوا بينها وبين الاخبار المقيدة للوجوب بست سنين بالحمل على الاستحباب كما هي القاعدة عندهم في جميع الابواب، ونحن قد أوضحنا في ما تقدم (1) خروجها مخرج التقية بغير شك ولا ارتياب، والصبيان الذين قد تضمنتهم مرسلة ابن بكير المذكورة انما اريد بهم من تجب الصلاة عليه ممن بلغ ست سنين فصاعدا لا الاطفال الذين لم يبلغوا ذلك. ومع فرض التصريح بالاطفال الذين لم يبلغوا هذا المبلغ فانه يجب حمل الرواية على التقية لو كان الامر كذلك كما حملت عليه تلك الاخبار. وأما ما نقله عن ابن بابويه من قوله: (يجعل الصبى إلى الامام والمرأة إلى
(1) ارجع إلى التعليقة 3 ص 367 وص 370.
[ 435 ]
القبلة) فانما أراد به الصبى الذى تجب الصلاة عليه لا الطفل الذى هو محل البحث وكيف لا وهو قد روى في الكتاب صحيحة زرارة وعبيدالله بن على الحلبي (1) الدالة على (ان الصبى تجب عليه الصلاة إذا عقل الصلاة. قلت متى تجب الصلاة عليه ؟ قال إذا كان ابن ست سنين ثم قال وصلى أبو جعفر عليه السلام على ابن له صبي صغير له ثلاث سنين. ثم قال لولا ان الناس يقولون ان بنى هاشم لا يصلون على الصغار من أولادهم ما صليت عليه، وهذا مضمون صحيحة زرارة التى قدمناها في تلك المسألة (2) ومن هنا يعلم ان مذهبه موافق للمشهور في تخصيص الوجوب بمن بلغ ستا وان من نقص عن ذلك انما يصلى عليه تقية، وحينئذ فكيف ينظم عبارته بمجرد تضمنها لفظ الصبى في هذه المسألة المخصوصة ويخصها بمن لم يبلغ هذا المقدار. وبالجملة فان نقل الرواية المذكورة وكلام الصدوق المذكور هنا مغالطة أو غفلة ظاهرة. وبذلك يظهر لك ما في قوله: واسنده المصنف في المعتبر إلى الشافعي واستحسنه لما رواه.. إلى آخره. ثم قال ولا بأس به، فان فيه ان قول الشافعي (3) بذلك انما هو لوجوب الصلاة عندهم على الاطفال الذين لم يبلغوا الست (4) كما هو مذهب ابن الجنيد فهو صحيح على مذهبهم وأما عندنا فلا، والخبر الذى قد استند إليه قد عرفت الوجه فيه، وبه يظهر ان نفيه البأس عن ذلك محل البأس بلا شبهة ولا التباس. على انه لم يقم لنا دليل على اعتبار نية الوجه لا في هذا الموضع ولا في غيره، فالاشكال بسبب ذلك كما ذكروه ليس في محله كما لا يخفى على من راجع ما حققناه في بحث النية في كتاب الطهارة. ثم انه مما يدل على تقديم الرجل إلى الامام وتأخير المرأة اخبار عديدة منها صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (5) قال: (سألته عن الرجال
(1) (2) ص 367 و 368 (3) ارجع إلى التعليقة 1 ص 433 (4) ارجع إلى التعليقة 3 ص 367. (5) الوسائل الباب 32 من صلاة الجنازة.
[ 436 ]
والنساء كيف يصلى عليهم ؟ قال الرجال امام النساء مما يلى الامام يصف بعضهم على اثر بعض). وصحيحة زرارة والحلبي عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (في الرجل والمرأة كيف يصلى عليهما ؟ قال يجعل الرجل والمرأة ويكون الرجل مما يلى الامام). وقال في كتاب الفقه الرضوي (2): فإذا اجتمع جنازة رجل وامرأة وغلام ومملوك فقدم المرأة إلى القبلة واجعل المملوك بعدها واجعل الغلام بعد المملوك والرجل بعد الغلام مما يلى الامام ويقف الامام خلف الرجل في وسطه ويصلى عليهم جميعا صلاة واحدة. ومما يدل على تقديم الحر على العبد والكبير على الصغير رواية طلحة بن زيد عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (كان إذا صلى على المرأة والرجل قدم المرأة وأخر الرجل، وإذا صلى على العبد والحر قدم العبد وأخر الحر، وإذا صلى على الصغير والكبير قدم الصغير وأخر الكبير)، بحمل التقديم فيها على التقديم إلى القبلة جمعا بينها وبين الاخبار المتقدمة. ويحتمل أن يكون هذا الخبر على وجه الجواز والتخيير بين الامرين، ويؤيده ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عبيدالله الحلبي (4) قال: (سألته عن الرجل والمرأة يصلى عليهما قال يكون الرجل بين يدى المرأة مما يلى القبلة فيكون رأس المرأة عند وركى الرجل مما يلى يساره ويكون رأسها ايضا مما يلى يسار الامام ورأس الرجل مما يلى يمين الامام) فان هذا الخبر كما ترى ظاهر بل صريح في خلاف الصورة المتقدمة، ولا طريق إلى الجمع بينه وبين ما قدمناه من الاخبار إلا بالقول بالتخيير كما هو ظاهر الشيخ في الاستبصار. ومما يدل على كون الترتيب المذكور على وجه الاستحباب دون الوجوب صحيحة هشام بن سالم عن ابى عبد الله (ع) (5) قال: (لا بأس بان يقدم الرجل
(1) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 32 من صلاة الجنازة (2) ص 19.
[ 437 ]
وتؤخر المرأة ويؤخر الرجل وتقدم المرأة يعنى في الصلاة على الميت) ويحتمل ما عرفت من التخيير ايضا، وبالاول قال في التهذيب وبالثانى في الاستبصار، والظاهر انه الاقرب لما عرفت من صحيحة عبيدالله الحلبي المذكورة. ثم ان اطلاق اكثر الاخبار الواردة في المقام دال على وضع الجنائز مع الاختلاف قدام الامام بان تكون في صف واحد إلى جهة القبلة كل ميت بجنب الاخر، إلا انه يقدم من حقه التقديم إلى الامام ويؤخر من حقه التأخير على ما تقدم في عبارة الذكرى. وظاهر موثقة عمار انه متى تعددت الجنائز جعلت صفا واحدا مثل الدرج بحيث يحمل رأس الثاني عند الية الاول، ولو كان فيها جنائز النساء جعلت في الصف ايضا ولكن بعد تمام صف الرجال فيجعل رأس المرأة عند الية الرجل الاخير وهكذا، وان الامام يقوم وسط الرجال. وهى ما رواه في الموثق عن ابى عبد الله (ع) (1) (في الرجل يصلى على ميتين أو ثلاثة موتى كيف يصلى عليهم ؟ قال ان كان ثلاثة أو اثنين أو عشرة أو اكثر من ذلك فليصل عليهم صلاة واحدة، يكبر عليهم خمس تكبيرات كما يصلى على ميت واحد وقد صلى عليهم جميعا: يضع ميتا واحدا ثم يجعل الاخر إلى الية الاول ثم يجعل رأس الثالث إلى الية الثاني شبه المدرج حتى يفرغ منهم كلهم ما كانوا، فإذا سواهم هكذا قام في الوسط فكبر خمس تكبيرات يفعل كما يفعل إذا صلى على ميت واحد سئل فان كان الموتى رجالا ونساء ؟ قال يبدأ بالرجال فيجعل رأس الثاني إلى الية الاول حتى يفرغ من الرجال كلهم ثم يجعل رأس المرأة إلى الية الرجل الاخير ثم يجعل رأس المرأة الاخرى إلى الية المرأة الاولى حتى يفرغ منهم كلهم، فإذا سوى هكذا قام في الوسط وسط الرجال فكبر وصلى عليهم كما يصلى على ميت واحد). قال في الذكرى: لو اجتمع الرجال صفوا مدرجا يجعل رأس الثاني إلى
(1) الوسائل الباب 32 من صلاة الجنازة.
[ 438 ]
الية الاول وهكذا ثم يقوم الامام في الوسط، ولو كان معهم نساء جعل رأس المرأة الاولى إلى الية الرجل الاخير ثم الثانية إلى الية الاولى وهكذا، ثم يقوم الامام في وسط الرجال ويصلى عليهم صلاة واحدة، روى ذلك كله عمار عن الصادق (ع) (1). انتهى. اقول: رواية عمار قد رواها الكليني في الكافي (2) والشيخ في التهذيب (3) وهى في الكافي كما نقلناه وذكره شيخنا المذكور، وأما في التهذيب فان فيه (ثم يجعل رأس المرأة الاخرى إلى رأس المرأة الاولى) ومثله في المنتهى، والظاهر انه اخذه من التهذيب، ولا يبعد انه سهو من قلم الشيخ فان الموافق لسياق الرواية انما هو ما في الكافي. وظاهر كلام شيخنا الشهيد في الذكرى تخصيص اطلاق تلك الروايات بهذه الرواية. وكيف كان فعندي في العمل برواية عمار اشكال، فانه متى طال الصف وقام الامام في وسط الرجال فان قرب الامام إلى الجنازة التى يقوم بحذائها كما هو السنة في الصلاة قلى الجنازة لزم تأخر ميمنة الصف خلفه وان بعد على وجه تكون الميمنة قدامه لزم خلاف السنة في الصلاة. ولم أر من تعرض لهذا الاشكال في هذا المجال. والله العالم.
ومنها - استحباب كثرة المصلين، قال في الذكرى: يستحب كثرة المصلين لرجاء مجاب الدعوة فيهم وفي الاربعين بلاغ، ففى الصحاح عن النبي صلى الله عليه وآله (4) (ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته اربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه) وروينا عن عمر بن يزيد عن الصادق (ع) (5) (إذا مات المؤمن فحضر جنازته
(1) الوسائل الباب 32 من صلاة الجنازة. (2) الفروع ج 1 ص 48. (3) ج 1 ص 344. (4) صحيح مسلم ج 1 ص 351 وسنن البيهقي ج 4 ص 30. (5) الوسائل الباب 90 من الدفن.
[ 439 ]
اربعون رجلا من المؤمنين فقالوا: اللهم انا لا نعلم منه إلا خيرا وانت اعلم به منا قال الله تعالى قد اجزت شهادتكم وغفرت له ما عملت مما لا تعلمون) والمائة أبلغ لما في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وآله (1) (ما من ميت يصلى عليه امة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه. أقول: ومما يدل على ذلك من طريقنا ما نقله شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار (2) عن كتاب الزهد للحسين بن سعيد عن ابراهيم بن ابى البلاد عن سعد الاسكاف عن ابى جعفر قال: (كان في بنى اسرائيل عابد فاعجب به داود (ع) فأوحى الله تعالى إليه لا يعجبك شئ من امر فانه مراء، قال فمات الرجل فانى داود (ع) فقيل له مات الرجل فقال ادفنوا صاحبكم قال فانكرت ذلك بنو اسرائيل وقالوا كيف لم يحضره ؟ قال فلما غسل قام خمسون رجلا فشهدوا بالله ما يعلمون إلا خيرا فلما صلوا عليه قام خمسون رجلا فشهدوا بالله انهم ما يعلمون إلا خيرا قال فأوحى الله عزوجل إلى داود (ع) ما منعك أن تشهد فلانا ؟ قال الذى اطلعتني عليه من امره، قال انه كان كذلك ولكن شهده قوم من الاحبار والرهبان فشهدوا انهم ما يعلمون إلا خيرا فاجزت شهادتهم عليه وغفرت له مع علمي فيه). ثم قال شيخنا المذكور في تتمة كلامه المتقدم: وأقل الفضل اثنان لما في الصحاح عنه صلى الله عليه وآله (3) (ايما مؤمن شهد له اربعة بخير أدخله الله الجنة. قلناو ثلاثة ؟ قال وثلاثة. قلنا واثنان ؟ قال واثنان. ثم لم نساله عن الواحد) وعنه صلى الله عليه وآله من الصحاح (4) (انهم مروا بجنازة فاثنوا عليها خيرا فقال النبي وجبت ثم مروا باخرى فاثنوا عليها شرا فقال وجبت فقليل له صلى الله عليه وآله ما وجبت ؟ فقال هذا اثنيتم عليه خيرا فوجبت له
(1) صحيح مسلم ج 1 ص 350 وسنن البيهقي ج 4 ص 30. (2) ج 18 الطهارة ص 280. (3) صحيح البخاري باب ثناء الناس على الميت كتاب الجنائز. (4) صحيح مسلم ج 1 ص 351 باب من يثنى عليه خير أو شر
[ 440 ]
الجنة وهذا اثنيتم عليه شرا فوجبت له النار، المؤمنون شهداء الله في الارض) قال الفاضل: وليكونوا ثلاثة صفوف لما روى عن النبي صلى الله عليه وآله (1) (من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب قلت: الخبر عامى ولكن فضائل الاعمال ربما تثبت بالخبر الضعيف. انتهى. أقول: لا يخفى ما في اعتراضه على الفاضل بان الخبر عامى مع ان جل اخباره التى أوردها في المقام عامية، والاعتذار الذى ذكره مما لا يسمن ولا يغنى من جوع كما تقدم تحقيقه. والله العالم.
ومنها - استحباب رفع اليدين بالتكبيرات كملا، أما استحباب الرفع في التكبير الاول فهو مجمع عليه كما نقله غير واحد من الاصحاب وانما الخلاف في البواقى والاظهر انه كذلك، وهو اختيار الفاضلين وظاهر الشيخ في كتابي الاخبار واليه يميل كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة، والمشهور العدم وانه غير مستحب وذهب إليه الشيخ المفيد والمرتضى والشيخ في النهاية والمبسوط وابن ادريس وغيرهم ويدل على الاول ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان العرزمى عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (صليت خلف ابى عبد الله على جنازة فكبر خمسا يرفع يده في كل تكبيرة). وعن يونس (3) قال: (سألت الرضا قلت جعلت فداك ان الناس يرفعون أيديهم في التكبير على الميت في التكبيرة الاولى ولا يرفعون في ما بعد ذلك فاقتصر على التكبيرة الاولى كما يفعلون أو ارفع يدى في كل تكبيرة ؟ فقال ارفع يدك في كل تكبيرة). وعن محمد بن عبد الله بن خالد مولى بنى الصيداء (4) (انه صلى خلف جعفر بن محمد على جنازة فرآه يرفع يديه في كل تكبيرة).
(1) سنن ابي داود ج 3 ص 202 (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 10 من صلاة الجنازة
[ 441 ]
ويدل على الثاني ما رواه الشيخ عن غياث بن ابراهيم عن ابى عبد الله عن على (عليهما السلام) (1) (انه كان لا يرفع يده في الجنازة إلا مرة واحدة يعنى في التكبير). وعن اسماعيل بن اسحاق بن ابان الوراق عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (2) قال: (كان امير المؤمنين على بن ابى طالب (ع) يرفع يده في أول التكبير على الجنازة ثم لا يعود حتى ينصرف). وحملهما الشيخ في التهذيبين تارة على الجواز ورفع الوجوب واخرى على التقية، قال لموافقته لمذهب كثير من العامة (3). اقول: واليه يشير قوله في رواية يونس (ان الناس يرفعون ايديهم في التكبير على الميت في التكبيرة الاولى). وقال المحقق في المعتبر بعد ايراد اخبار الطرفين: ما دل على الزيادة أولى ولان رفع اليدين مراد الله في أول التكبير وهو دليل الرجحان فيسوغ في الباقي تحصيلا للارجحية، ولانه فعل مستحب فجاز ان يفعل مرة ويخل به اخرى فلذلك اختلفت الروايات فيه. واعترضه في الذكرى فقال بعد نقل كلامه: قلت رواية النقيصة ندل على نفى الزائد صريحا فهما متعارضان في الاثبات والثانى مرغوب عنه، والثالث لا بأس به لو لا ان (كان) تشعر بالدوام. ثم قال ولو حملت رواية عدم الرفع على التقية كما قاله الشيخ امكن لان بعض العامة يرى ذلك (4) وبالجملة الخروج عن جمهور الاصحاب بخبر الواحد فيه ما فيه. انتهى. ولا يخفى ما فيه فان ترجيح العمل بالشهرة التى هي عبارة عن الشهرة في
(1) و (2) الوسائل الباب 10 من صلاة الجنازة. (3) و (4) في المغني ج 2 ص 490 (اجمع اهل العلم على ان المصلى على الجنائز يرفع يديه في اول تكبيرة يكبرها، وكان يرفع عند كل تكبيرة ابن عمر وسالم وعمر بن عبد العزيز وعطاء وقيس بن ابي حازم والزهري واسحاق وابن المنذر والاوزاعي والشافعي، وقال مالك والثوري وابو حنيفة لا يرفع يده الا في الاولى لان كل تكبيرة مقام ركعة ولا ترفع الايدى في جميع الركعات).
[ 442 ]
الفتوى لم يقم عليه دليل، والمرجحات المنصوصة عن اصحاب العصمة (عليهم السلام) وان تضمنت الترجيح بها لكن المراد انما هو الشهرة في الرواية، وهو في جانب الروايات الدالة على الاستحباب في الجميع لا سيما مع صحة سند الرواية الاولى، مضافا إلى الترجيح بالعرض على مذهب العامة والعامة وان كانوا هنا على قولين ايضا إلا ان العدم مذهب ابى حنيفة ومالك والثوري (1) ولا يخفى قوة مذهب ابى حنيفة وشيوعه في الصدر الاول وإلى ذلك تشير رواية يونس كما عرفت. وايضا فان من القواعد المنصوصة (2) - وان كان الاصحاب قد اعرضوا عنها كملا كما نبهنا عليه في غير مقام مما تقدم - انه متى ورد خبر عن أولهم (عليهم السلام) وخبر عن آخرهم فانه يؤخذ بالاخير، وروايتا العدم قد وردتا عن الباقر والصادق (عليهم السلام) ورواية الاستحباب قد وردت عن الرضا فيكون الترجيح بمقتضى هذه القاعدة في جانب الاستحباب. والله العالم.
ومنها - استحباب ان لا يبرح من مكانه حتى ترفع الجنازة اماما كان أو مأموما كما صرح به جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) وخصه الشهيد بالامام تبعا لابن الجنيد، وقال في الروض: ويستحب لكل مصل تأسيا به (ع) نعم لو فرض صلاة جميع الحاضرين استثنى منهم أقل ما يمكن به رفع الجنازة. والاقرب القول الاول، فروى الشيخ عن حفص بن غياث عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (ان عليا كان إذا صلى على جنازة لم يبرح من مصلاه حتى يراها على ايدى الرجال). وفي رواية يونس المتقدمة (4) في الموضع الثالث (ولا يبرح حتى يحمل السرير من بين يديه).
(1) ارجع إلى التعليقة (3) و (4) ص 441. (2) الوسائل الباب 9 من صفات القاضي وما يجوز ان يقضى به (3) الوسائل الباب 11 من صلاة الجنازة (4) ص 409.
[ 443 ]
وفى كتاب الفقه الرضوي (1) بعد ذكر الصلاة: ولا تبرح من مكانك حتى ترى الجنازة على ايدى الرجال.
ومنها - استحباب الدعاء له عقيب الرابعة ان كان مؤمنا وعليه ان كان مخالفا وبدعاء المستضعف ان كان كذلك وبدعاء المجهول ان كان مجهولا وبدعاء الاطفال ان كان طفلا. وفسر ابن ادريس المستضعف بمن لا يعرف اختلاف الناس في المذاهب ولا يبغض أهل الحق على اعتقادهم. وعرفه في الذكرى بانه الذى لا يعرف الحق ولا يعاند فيه ولا يوالى أحدا بعينه. وحكى عن المفيد في الغرية انه عرفه بانه الذى يعرف بالولاء ويتوقف عن البراء. وهذه التعريفات متقاربة في المعنى. والمفهوم من الاخبار ان المستضعف هو من لا يعرف الولاية ولم ينكر، ففى الخبر (2) (قلت هل يسلم الناس حتى يعرفوا ذلك ؟ قال لا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا (3) قلت من هو ؟ قال أرأيتم خدمكم ونساءكم ممن لا يعرف... الحديث) وقد ورد في تفسير الاية المذكورة (4): لا يستطيعون حيلة إلى الكفر فيكفرون ولا يهتدون سبيلا إلى الايمان فيؤمنوا. واما المجهول فالمراد به من جهل دينه ومذهبه. واما الاخبار الدالة على ما ذكرنا من هذه الاحكام فاما بالنسبة إلى المستضعف والمجهول فما رواه ثقة الاسلام في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (5) قال: (الصلاة على المستضعف والذى لا يعرف: الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله والدعاء للمؤمنين والمؤمنات يقول: ربنا اغفر للذين تابوا وا تبعوا سبيلك
(1) ص 19. (2) و (4) تفسير البرهان ج 1 ص 406 الطبع الثاني نقلا بالمعنى (3) سورة النساء الاية 100. وكلمة (الذين) ليست في الاية. (5) الوسائل الباب 3 من صلاة الجنازة
[ 444 ]
وقهم عذاب الجحيم... إلى آخر الايتين) (1) والمراد بالذى لا يعرف يعنى مذهبه كما سيأتي التصريح به في الخبر الاتى. والاية الثانية هكذا: (ربنا وادخلهم جنات عدن التى وعدتهم ومن صلح من آبائهم وازواجهم وذرياتهم انك انت العزيز الحكيم). وما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع) (2) انه قال: (الصلاة على المستضعف والذى لا يعرف مذهبه: يصلى على النبي صلى الله عليه وآله ويدعو للمؤمنين وللمؤمنات ويقول: اللهم اغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم). وما رواه في الكافي في الصحيح عن عمر بن اذينة عن الفضيل بن يسار عن ابى جعفر (ع) (3) قال: (إذا صليت على المؤمن فادع له واجتهد له في الدعاء وان كان واقفا مستضعفا فكبرو قل: اللهم اغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم). والظاهر ان المراد بقوله (واقفا) أي متحيرا في دينه، وهو يرجع إلى المستضعف بالمعنى الذى قدمنا دلالة الاية عليه وتفسيرها به. واما الحمل على الوقف على أحد الا ئمة (عليهم السلام) فبعيد، وأبعد منه ما وقع من تبديل لفظ (واقفا) ب (منافقا) كما وقع في كلام بعض اصحابنا. وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن وفي الفقيه في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (ان كان مستضعفا فقل: اللهم اغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم، وإذا كنت لا تدرى ما حاله فقل: اللهم ان كان يحب الخير وأهله فاغفر له وارحمه وتجاوز عنه، وان كان المستضعف منك بسبيل فاستغفر له على وجه الشفاعة لا على وجه الولاية).
(1) سورة المؤمن الاية 7 و 8. والاية الاولى: (ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين...) (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 3 من صلاة الجنازة.
[ 445 ]
قال في الوافى: بيان - (منك بسبيل) أي له عليك حق، ويعنى بالولاية ولاية أهل البيت (عليهم السلام) يعنى حق من لا ولاية له عليك لا يوجب أن تدعو له كما تدعو لاهل الولاية بل يكفى لذلك ان تستغفر له على وجه الشفاعة. انتهى ولا يخفى من تكلف وبعد. والظاهر - والله سبحانه وقائله أعلم - ان المراد بقوله (ان منك بسبيل) أي قريبا منك في النسب، والمراد بالولاية انما هي الاخوة الايمانية فان المؤمنين بعضهم أولياء بعض، والمراد انه ان كان قريبا لك في النسب فاستغفر له على وجه الشفاعة والالتماس لا على جهة الاخوة الايمانية الموجبة لمزيد الجد والاجتهاد في الدعاء له كما يشير إليه قوله في حديث الفضيل المتقدم (1) (إذا صليت على المؤمن فادع له واجتهد له في الدعاء) ولعل السر في ذلك هو ان المستضعف لما كان من المرجأين لأمر الله إما يتوب عليه واما يعذبه كما دلت عليه الاخبار فلا ينبغى الحتم عليه سبحانه والالحاح في الدعاء بل ينبغى أن يكون بطريق الالتماس والشفاعة. وما رواه في الكافي عن سليمان بن خالد عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (تقول: اشهد أن لا إله إلا الله واشهد ان محمدا صلى الله عليه وآله رسول الله اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، اللهم صل على محمد وآل محمد وتقبل شفاعته وبيض وجهه واكثر تبعه اللهم اغفر لى وارحمني وتب على اللهم اغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم. فان كان مؤمنا دخل فيها وان كان ليس بمؤمن خرج عنها). وعن ثابت بن ابى المقدام (3) قال (كنت مع ابى جعفر (ع) فإذا بجنازة لقوم من جيرته فحضرها وكنت قريبا منه فسمعته يقول: اللهم انك انت خلقت هذه النفوس وأنت تميتها وأنت تحييها وأنت أعلم بسرائرها وعلانيتها منا ومستقرها ومستودعها، اللهم وهذا عبدك ولا أعلم منه سوء وانت أعلم به وقد جئناك شافعين له
(1) ص 444 (2) و (3) الوسائل الباب 3 من صلاة الجنازة
[ 446 ]
بعد موته كان مستوجبا فشفعنا فيه واحشره مع من كان يتولاه). قال في الوافى في الحاشية: هذا الخبر أورده في الكافي في باب الصلاة على المؤمن (1) والانسب أن يورد في هذا الباب كما فعلناه لان الدعاء المذكور من قبيل دعاء المستضعفين والمجهولين كما لا يخفى. اقول: الظاهر ان مبنى ما ذكره في الكافي من حمل هذا الخبر على المؤمن هو قوله في الخبر (من جيرته) أي جيرانه ويبعد على هذا أن يكون داخلا في المجهول الذى لا يعرف مذهبه ولا دينه، نعم ظاهر الدعاء المذكور انه ليس بمؤمن على اليقين والظاهر انه من المستضعفين الذين هم اكثر الناس يومئذ كما يفهم من الاخبار، والمراد به كما قدمنا ذكره من لا يعرف ولا ينكر. وانت خبير بان المفهوم من هذه الاخبار على كثرتها هو ان الصلاة على هذا الصنف هو مجرد التكبير وقول هذا المذكور في هذه الاخبار وان اختلفت فيه زيادة ونقصانا لا ما يفهم من كلام الاصحاب من كون ذلك بعد التكبيرة الرابعة كما قدمنا ذكره في صدر هذا الكلام وكذا في ما يأتي من الاخبار الصلاة على المخالف فانها كذلك، والاخبار المتقدمة في بيان كيفية الصلاة - منهت ما اشتمل على توزيع الاذكار بين التكبيرات الخمس ومنها ما اشتمل على جمع الاذكار بينها - موردها انما هو المؤمن ولم يتعرض في شئ منها الذكر المخالف والمستضعف والمجهول، نعم في خبر ام سلمة واسماعيل
(1) هذا الخبر اورده في الكافي ج 1 ص 51 باب الصلاة على المستضعف وعلى من لا يعرف، وحاشية الوافي ليست على هذا الخبر وانما هي على خبر اسماعيل بن عبد الخالق بن عبد ربه، فان صاحب الوافي قد ذكره آخر باب الصلاة على المستضعف بعد حديث ثابت ابن ابي المقدام، وقد اورده في الكافي في باب الصلاة على المؤمن وفي الوسائل في الباب 2 من صلاة الجنازة رقم 4 ولم يذكره المصنف (قدس سره) هنا. واحتمال سقوطه من قلم النساخ ينفيه ما في المتن ففي توجيه ايراده في الكافي في باب الصلاة على المؤمن من الاستفادة من لفظ (جيرته) الوارد في حديث ابن ابي المقدام فان هذا اللفظ لا وجود له في حديث اسماعيل.
[ 447 ]
ابن همام (1) نقل صلاة الرسول صلى الله عليه وآله على المنافق بتوزيع الاذكار الثلاثة خاصة من غير ذكر دعاء للمنافق أو عليه، وقد تقدم الكلام في ذلك. وظاهر كلام الاصحاب الاتفاق على ما قدمنا ذكره في صدر المسألة من أن الادعية المختصة بهذه الاصناف محلها بعد التكبيرة الرابعة، وفى فهمه من الاخبار كما عرفت اشكال إلا ما ربما يظهر من عبارة كتاب الفقه الرضوي الاتية في المقام ان شاء الله تعالى. وأما بالنسبة إلى الطفل فهو ما رواه الشيخ عن عمرو بن خالد عن زيد بن على عن آبائه عن على (عليهم السلام) (2) (في الصلاة على الطفل انه كان يقول: اللهم اجعله لابويه ولنا سلفا وفرطا واجرا) أقول (الفرط) بفتح الراء هو من يتقدم القوم ليصلح لهم ما يحتاجون إليه مما يتعلق بالمراد، قال النبي صلى الله عليه وآله (3) (انا فرطكم على الحوض) قال ابن الاثير: أي متقدمكم إليه يقال فرط يفرط فهو فارط وفرط إذا تقدم وسبق القوم ليرتاد لهم الماء ويهئ لهم الدلاء والارشية، ومنه الدعاء للطفل الميت (اللهم اجعله لنا فرطا) أي اجرا يتقدمنا. انتهى. ومن ذلك ما سيأتي في عبارة الفقه ايضا ان شاء الله تعالى. واما بالنسبة إلى المخالف فمنها ما تقدم في الموضع الرابع من حديث عامر بن السمط وصحيحة الحلبي وصحيحة محمد بن مسلم أو حسنته (4). ومنها - ما في كتاب الفقه الرضوي حيث قال (ع) في الموضع الاول (5) من المواضع الثلاثة التى قدمنا نقلها عنه في الموضع الثالث بعد ذكر الصلاة على المؤمن بالتكبيرات الخمس والادعية بينها موزعة (وإذا كان الميت مخالفا فقل في تكبيرك الرابعة اللهم اخز عبدك... إلى آخر ما تقدم في الموضع المذكور، إلى أن قال: واعلم ان
(1) ص 402 و 403 (2) الوسائل الباب 12 من صلاة الجنازة (3) كنز العمال ج 7 ص 221 كتاب القيامة باب الحوض (4) ص 414. (5) ص 415.
[ 448 ]
الطفل لا يصلى عليه حتى يعقل الصلاة فإذا حضرت مع قوم يصلون عليه فقل: اللهم اجعله لابويه ولنا ذخرا ومزيدا وفرطا وأجرا، وإذا صليت على مستضعف فقل: اللهم اغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم، وإذا لم تعرف مذهبه فقل: اللهم هذه النفس التى أنت احييتها وأنت امتها دعوت فاجابتك اللهم ولها ما تولت واحشرها مع من أحبت وأنت أعلم بها). وظاهر هذا الكلام محتمل لكون هذه الادعية بعد الرابعة كما صرح به في المخالف، ويحتمل أن تكون صورة الصلاة هكذا مستقلة كما هو ظاهر الاخبار المتقدمة وقال (ع) في الصورة الثالثة (1) من الكيفيات التى ذكرها بعد التكبيرات الاربع والادعية بينها المختصة بالصلاة على المؤمن (ثم تكبر الخامسة وتنصرف وإذا كان ناصبا فقل: اللهم انا لا نعلم إلا انه عدولك ولرسولك اللهم فاحش جوفه نارا وقبره نارا وعجله إلى النار فانه كان يتولى اعداءك ويعادي أولياءك ويبغض أهل بيت نبيك صلى الله عليه وآله اللهم ضيق عليه قبره. وإذا رفع فقل: اللهم لا ترفعه ولا تزكه وان كان مستضعفا فقل: اللهم اغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم، وإذا لم تدر ما حاله فقل: اللهم ان كان يحب الخير وأهله فاغفر له وارحمه وتجاوز عنه) والكلام هنا كما تقدم من ظهور كون الصلاة على هؤلاء بهذا النحو من غير التكبيرات الخمس التى في الصلاة على المؤمن والاحتياط في ما قاله الاصحاب والله العالم ومنها - استحباب الصلاة في المواضع المعتادة، ذكره جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) وعللوه بانه ليكون طريقا إلى تكثير المصلين لان السامع بموته يقصدها للصلاة عليه فيها فيكون ذلك طريقا إلى تكثير المصلين الذى قد قدمنا انه من مستحبات هذه الصلاة ايضا. ولم اقف في ذلك على نص. نعم وقع الخلاف في الصلاة في المسجد كراهة وعدمها والمشهور الكراهة في جميع المساجد إلا مكة المشرفة.
(1) ص 21.
[ 449 ]
استنادا إلى الجمع بين ما رواه الشيخ عن ابى بكر بن عيسى بن احمد العلوى (1) قال: (كنت في المسجد وقد جيئ بجنازة فاردت ان اصلى عليها فجاء أبو الحسن الاول (ع) فوضع مرفقه في صدري فجعل يدفعني حتى اخرجني من المسجد ثم قال يا أبا بكر ان الجنائز لا يصلى عليها في المسجد). وبين ما رواه في الصحيح عن الفضل بن عبد الملك (2) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) هل يصلى على الميت في المسجد ؟ قال نعم) ورواه في الفقيه ايضا عن الفضل في الصحيح (3). وما رواه عن الفضل بن عبد الملك ايضا (4) قال: (سألته عن الميت هل يصلى عليه في المسجد ؟ قال نعم وما رواه ايضا عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) مثله (5). واما استثناء مسجد مكة فقد ذكره الشيخ في الخلاف واحتج عليه باجماع الفرقة عقيب ذكر الكراهة والاستثناء. وعلله العلامة في المنتهى بان مكة كلها مسجد فلو كرهت الصلاة في بعض مساجدها لزم التعميم فيها أجمع وهو خلاف الاجماع. وتبعه الشهيد في ذلك. وأورد عليه بان مسجدية ما خرج عن المسجد الحرام منها ليس على حد المساجد لجواز تلويثه بالنجاسة واللبث فيه للجنب ونحو ذلك بخلاف المسجد. والله العالم.
المطلب الرابع - في الاحكام، وقد تقدم جملة منها في ما قدمناه من الابحاث المتقدمة وبقى الكلام هنا في مسائل: الاولى - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في تكرار الصلاة على الميت فالمشهور الكراهة، وقال ابن ابى عقيل لا بأس بالصلاة على من صلى عليه مرة
(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 30 من صلاة الجنازة.
[ 450 ]
فقد صلى أمير المؤمنين (ع) على سهل بن حنيف خمس مرات (1) وقال ابن ادريس تكره جماعة وتجوز فرادى لتكرار الصحابة الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله (2) وقال الشيخ في الخلاف من صلى على جنازة يكره له أن يصلى عليها ثانيا. وهو مشعر باختصاص الكراهة بالمصلى المتحد. وقال الشهيد في الذكرى ظاهر هم اختصاص الكراهة بمن صلى على الميت لما تلوناه عنهم من جواز الصلاة ممن فاتته على القبر أو يريدون بالكراهة قبل الدفن حتى ينتظم الكلام. واحتمل الشيخ في الاستبصار استحباب التكرار من المصلى الواحد وغيره، وللعلامة قول بكراهة تكرار الصلاة إذا خاف على الميت، وله ايضا قول بكراهة التكرار عند الخوف عليه أو مع منا فاته التعجيل وقيد شيخنا الشهيد الثاني الكراهة بكون التكرار من المصلى الواحد أو يكون منافيا للتعجيل. هذا ما وقفت عليه من اقوال الاصحاب المتعلقة بهذه المسألة. وأما الاخبار فهى مختلفة في ذلك ومنها نشأ الاختلاف بين الاصحاب في هذا الباب: وها انا اسوق ما وقفت عليه منها مذيلا لها بما رزقني الله سبحانه فهمه منها فمنها - ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن ابى مريم الانصاري عن ابى جعفر (ع) (3) (انه سأله كيف صلى على النبي صلى الله عليه وآله ؟ قال سجى بثوب وجعل وسط البيت فإذا دخل قوم داروا به وصلوا عليه ودعوا له ثم يخرجون ويدخل آخرون ثم دخل على (ع) القبر... الحديث). وما رواه في الكافي عن ابى مريم الانصاري عن ابى جعفر (ع) (4) قال: (قلت له كيف كانت الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله ؟ قال لما غسله امير المؤمنين (ع) وكفنه سجاه ثم ادخل عليه عشرة فداروا حوله ثم وقف امير المؤمنين (ع) في وسطهم فقال ان الله وملائكته يصلون على النبي صلى الله عليه وآله يا ايها الذين امنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (5) فيقول القوم كما يقول حتى صلى عليه أهل المدينة وأهل العوالي).
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 6 ه من صلاة الجنازة. (4) الاصول ج 1 ص 450 باب مولد النبي (صلى الله عليه واله) ووفاته. (5) سورة الاحزاب الاية 56.
[ 451 ]
وما رواه في الكافي (1) عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله (ع) قال: (اتى العباس امير المؤمنين (ع) فقال يا على ان الناس قد اجتمعوا ان يدفنوا رسول الله صلى الله عليه وآله في بقيع المصلى وان يؤمهم رجل منهم فخرج اميرا المؤمنين (ع) إلى الناس فقال: يا ايها الناس ان رسوال الله صلى الله عليه وآله امام حيا وميتا، وقال انى ادفن في البقعة التى اقبض فيها. ثم قام على الباب فصلى عليه ثم أمر الناس عشرة عشرة يصلون عليه ثم يخرجون). وما رواه في الكتاب المذكور (2) عن جابر عن ابى جعفر (ع) قال (لما قبض النبي صلى الله عليه وآله صلت عليه الملائكة والمهاجرون والانصار فوجا فوجا. قال وقال أمير المؤمنين (ع) سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في صحته وسلامته: انما انزلت هذه الاية على في الصلاة على بعد قبض الله لى: ان الله وملائكته يصلون على النبي يا ايها الذين امنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) (3). وما رواه الثقة الجليل احمد بن ابى طالب الطبرسي في كتاب الاحتاج عن سليم بن قيس عن سلمان الفارسى في حديث يصف فيه تغسل على (ع) له صلى الله عليه وآله (4) قال فيه (فلما غسله وكفنه أدخلني وادخل أبا ذر والمقداد وفاطمة وحسنا وحسينا (عليهم السلام) فتقدم وصففنا خلفه فصلى عليه ثم أدخل عشرة من المهاجرين وعشرة من الانصار فيصلون ويخرجون حتى لم يبق أحد من المهاجرين والانصار إلا صلى عليه). وانت خبير بانه ربما ظهر من التأمل في هذه الاخبار الواردة في صلاة الناس على النبي صلى الله عليه وآله فوجا فوجا انما هو بمعنى الدعاء خاصة وانه لم يصل عليه الصلاة المعهودة إلا على (ع) مع هؤلاء النفر الذين تضمنهم حديث الاحتجاج، واليه
(1) الاصول باب مولد النبي صلى الله عليه واله ووفاته وفي الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة. (2) الاصول باب مولد النبي صلى الله عليه وآله ووفاته (3) سورة الاحزاب الاية 56. (4) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.
[ 452 ]
تشير ايضا صحيحة الحلبي أو حسنته (1) وقوله فيها: (ثم قام على (ع) على الباب فصلى عليه ثم أمر الناس... إلى آخره) فان ظاهر صحيح ابى مريم الاول (2) وقوله فيه (فإذا دخل قوم داروا به وصلوا ودعوا له انهم يحيطون به من جميع الجهات ويدعون له وهكذا من يدخل بعدهم. وكذا قوله في حديثه الثاني (ثم أدخل عليه عشرة فداروا حوله - يعنى بعد ما صلى عليه أمير المؤمنين (ع) كما دل عليه خبر الاحتجاج - ثم وقف امير المؤمنين (ع) في وسطهم فقال... الحديث) فانه ظاهر في ان الصلاة كانت بهذه الكيفية كما يدل عليه قوله (فيقول القوم كما يقول) واليه يشير قوله في حديث جابر (انه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في حال صحته ان هذه الاية نزلت عليه في الصلاة عليه بعد الموت) ولا ريب ان الصلاة في الاية انما هي بمعنى الدعاء. ولم اقف على من تنبه لهذا الاحتمال الذى ذكرناه إلا الفاضل محمد تقى المجلسي في حواشى التهذيب حيث على كتب على حديث ابى مريم الانصاري الاول منهما ما صورته: يمكن أن يكون المراد طافوا به احتراما له صلى الله عليه وآله ثم صلوا عليه بعد اوانهم جعلوه قبلة وتوجهوا إليه من كل جانب عند الصلاة عليه. ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة هنا الدعاء وكان صلاة الناس عليه هكذا وانما صلى عليه الصلاة المخصوصة أمير المؤمنين (ع) وخواصه كما دل عليه خبر أورده فيكتاب الاحتجاج (3). انتهى. اقول: وما احتمله (قدس سره) غير بعيد للتقريب الذى قدمناه في جملة من اخبار الصلاة عليه (صلوات الله وسلامه عليه وعلى آل الطاهرين) وعلى هذا يسقط الاستدلال بهذه الاخبار على جواز التكرار. ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله
(1) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة. (2) ص 450. (3) 451.
[ 453 ]
(ع) (1) قال: (كبر امير المؤمنين (ع) على سهل بن حنيف وكان بدريا خمس تكبيرات ثم مشى ساعة ثم وضعه وكبر عليه خمسة اخرى فصنع ذلك حتى كبر عليه خمسا وعشرين تكبيرة). وعن عمرو بن شمر (2) قال: (قلت لجعفر بن محمد (عليهما السلام) جعلت فداك انا نتحدث بالعراق ان عليا (عليه السلام) صلى على سهل بن حنيف فكبر عليه ستا ثم التفت إلى من كان خلفه فقال انه كان بدريا ؟ قال فقال جعفر (عليه السلام) انه لم يكن كذا ولكنه صلى عليه خمسا ثم رفعه ومشى به ساعة ثم وضعه فكبر عليه خمسا ففعل ذلك خمس مرات حتى كبر عليه خمسا وعشرين تكبيرة). وعن عقبة (3) قال: (سئل جعفر (عليه السلام) عن التكبير على الجنائز فقال ذاك إلى أهل الميت ما شاءوا كبروا. فقيل انهم يكبرون اربعا ؟ فقال ذاك إليهم ثم قال أما بلغكم ان رجلا صلى عليه على (عليه السلام) فكبر عليه خمسا حتى صلى عليه خمس صلوات يكبر في كل صلاة خمس تكبيرات ؟ قال ثم قال انه بدرى عقبى احدى وكان من النقباء الذين اختارهم رسول الله صلى الله عليه وآله من الاثنى عشر نقيبا وكانت له خمس مناقب فصلى عليه لكل منقبة صلاة). اقول: والمذكور في الخبر في تعداد المناقب انما هو اربع مناقب مع قوله (عليه السلام) ان له خمس مناقب وان تعداد الصلاة خمسا كان بازاء المناقب الخمس ولعل المنقبة الخامسة هو اخلاص الرجل في التشيع والولاء لامير المؤمنين وأهل بيته (عليهم السلام) وانه كان من السابقين الذين رجعوا إليه بعد ارتداد الناس. واما ما تضمنه الخبر من عدم التحديد في التكبير وان ذلك إلى أهل الميت يكبرون ما شاء وافترده الاخبار المستفيضة المتقدمة في الموضع التاسع (4) وقد مر نظير هذا الخبر في عدم التوقيت في التكبير، وحمل الجميع على التقية متعين.
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة. (4) ص 419 وهو الموضع السادس.
[ 454 ]
قال في المنتهى: وهى خمس تكبيرات بينها أربعة ادعية وعليه علماؤنا أجمع وبه قال زيد بن أرقم وحذيفة بن اليمان، وقال الشافعي يكبر أربعا وبه قال الاوزاعي والثوري وابو حنيفة ومالك وداود وابو ثور، وقال محمد بن سيرين وابو السقيا جابر بن زيد يكبر ثلاثا، ورواه الجمهور عن ابن عباس، وقال عبد الله بن مسعود يكبر ما كبر الامام أربعا وخمسا وسبعا وتسعا، وعن احمد روايات إحداها يكبر أربعا والاخرى يتابع الامام إلى خمس والاخرى يتابعه إلى سبع (1) وبذلك يظهر انه لم يوافق الامامية في هذه المسألة إلا زيد بن أرقم وحذيفة بن اليمان من الصحابة وأما علماؤهم فكما عرفت من الاختلاف. وبالجملة فان كلمة الاصحاب قديما وحديثا متفقة على الخمس في المؤمن وقد عضدها الاخبار المستفيضة المتقدم كثير منها في الموضع المشار إليه واقوال العامة كما ترى، وحينئذ فلا وجه لما دل على خلاف ما قلناه إلا التقية. ثم لا يخفى ان خبر عقبة المذكور وان لم يصرح فيه باسم سهل بن حنيف المذكور لكنه هو المراد قطعا من الخبر المذكور بقرينة الاخبار الاخر. ومنها - ما رواه في الكافي عن ابى بصير عن ابى جعفر (ع) (2) قال (كبر رسول الله صلى الله عليه وآله على حمزة سبعين تكبيرة، وكبر على (ع) عندكم على سهل بن حنيف خمسا وعشرين تكبيرة، قال كبر خمسا خمسا كلما أدركه الناس قالوا يا أمير المؤمنين لم ندرك الصلاة على سهل فيضعه فيكبر عليه خمسا حتى انتهى إلى قبره خمس مرات). وعن زرارة عن ابى جعفر (ع) (3) قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وآله على حمزة سبعين صلاة). ومنها - قول أمير المؤمنين (ع) على ما نقله في كتاب نهج البلاغة (4) (ان قوما استشهدوا في سبيل الله من المهاجرين ولكل فضل حتى إذا استشهد شهيدنا قيل
(1) عمدة القارئ ج 4 ص 26 و 129 ونيل الاوطار ج 4 ص 51 وشرح المهذب ج 5 ص 231 (2) و (3) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة (4) ج 3 ص 35.
[ 455 ]
سيد الشهداء، وخصه رسول الله صلى الله عليه وآله بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه). ونحوه ما نقله شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب البحار (1) عن كتاب الهداية للحسين بن حمدان الحصينى بسنده عن سيدنا ابى محمد العسكري (ع) في حديث طويل يتضمن قتل حمزة (ع) وحزن النبي صلى الله عليه وآله له قال فيه: (وامره الله أن يكبر عليه سبعين تكبيرة ويستغفر له ما بين كل تكبيرتين منها فأوحى الله تعالى إليه انى قد فضلت عمك حمزة بسبعين تكبيرة لعظمته عندي وكرامته على... الحديث) وما رواه الصدوق في كتاب عيون الاخبار (2) عن الرضا عن آبائه عن الحسين ابن على (عليهم السلام) قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وآله كبر على حمزة خمس تكبيرات وكبر على الشهداء بعد حمزة خمس تكبيرات فلحق حمزة سبعون تكبيرة). ورواه في صحيفة الرضا (ع) باسناده إلى امير المؤمنين (ع) (3) قال (رأيت النبي صلى الله عليه وآله كبر على عمه حمزة خمس تكبيرات وكبر على الشهداء بعد حمزة خمس تكبيرات فلحق حمزة بسبعين تكبيرة ووضع يده اليمنى على اليسرى). اقول: ومن هذين الخبرين يظهر ان السبعين تكبيرة على حمزة وقعت في صلوات متعددة كل صلاة منها خمس تكبيرات ويعضده الاتفاق كما عرفت، وعليه دلت النصوص المستفيضة ان صلاة الميت لا تزيد على خمس تكبيرات، وحينئذ تكون هذه السبعون عبارة عن اربع عشرة صلاة، ويمكن أن يكون الوجد في ذلك هو انه لما صلى على حمزة بخمس تكبيرات جيئ بجماعة بعد جماعة فكان يصلى على كل جماعة بخمس تكبيرات وكان يشركهم في الصلاة وحمزة مع كل جماعة حتى إذا انتهت الصلاة عليهم صارت الصلوات اربع عشرة صلاة ولحق حمزة من الجميع سبعون تكبيرة. إلا ان ظاهر كلام أمير المؤمنين (ع) في كتاب النهج وكذا ظاهر خبر
(1) ج 18 الطهارة ص 285. (2) ص 210 وفي الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة. (3) مستدرك الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.
[ 456 ]
الحصينى يدل على وقوع ذلك في صلاة واحدة وان ذلك فضيلة ومزية اختص بها حمزة (رضى الله عنه) دون غيره، فلا منافاة فيه للاخبار التى وقع الاتفاق عليها من أن صلاة الميت لا تزيد على خمس تكبيرات. ومنها ما رواه في التهذيب عن جابر عن ابى جعفر (ع) (1) قال: (قلت له أرأيت ان فاتتني تكبيرة أو اكثر ؟ قال تقضى ما فاتك. قلت استقبل القبلة ؟ قال بلى وانت تتبع الجنازة فان رسول صلى الله عليه وآله خرج إلى جنازة امرأة من بنى النجار فصلى عليها فوجد الحفرة لم يمكنوا فوضعوا الجنازة فلم يجئ قوم إلا قال لهم صلوا عليها). وعن عمار بن موسى في الموثق عن ابى عبد الله (ع) (2) قال (الميت يصلى عليه ما لم يوار بالتراب وان كان قد صلى عليه). وعن يونس بن يعقوب في الموثق عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (سألته عن الجنازة لم ادركها حتى بلغت القبر اصلى عليها ؟ قال ان ادركتها قبل ان تدفن فان شئت فصل عليها). اقول: هذه جملة ما وقفت عليه من الاخبار الدالة على جواز التكرار. واما الاخبار الدالة على العدم فمنها - ما رواه الشيخ عن وهب بن وهب عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (4) (ان رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على جنازة فلما فرغ جاءه اناس فقالوا يا رسول الله صلى الله عليه وآله لم ندرك الصلاة عليها فقال لا يصلى على جنازة مرتين ولكن ادعوا لها. وعن اسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (ع) (5) قال: (ان رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على جنازة فلما فرغ جاء قوم فقالوا فاتتنا الصلاة عليها فقال ان الجنازة لا يصلى عليها مرتين ادعوا له وقولوا خيرا.
(1) الوسائل الباب 17 و 6 من صلاة الجنازة (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.
[ 457 ]
وما رواه في كتاب قرب الاسناد عن الحسين بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (1) (ان رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على جنازة فلما فرغ جاء قوم لم يكونوا أدركوها فكلموا رسول الله صلى الله عليه وآله أن يعيد الصلاة عليها فقال لهم قد قضيت الصلاة عليها ولكن ادعوا لها). إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما ورد في الاخبار من التعدد في الصلاد على سهل ابن حنيف فهو محمول على خصوصية الرجل المذكو لما صرحت به رواية عقبة المتقدمة، وبه يظهر ضعف ما ذكره في المدارك من تخصيصه استحباب الاعادة بمن لم يصل للتأسي وانتفاء ما ينهض حجة على اختصاص الحكم بذلك الشخص. وهو غفلة منه عن هذه الرواية حيث انه انما اورد حسنة الحلبي وما ورد من الاخبار بالنسبة إلى حمزة (سلام الله عليه) فان حملنا السبعين على كونها في صلاة واحدة كما هو الظاهر من كلام امير المؤمنين (ع) في كتاب نهج البلاغة وخبر الحصينى المتقدم لم تكن هذه الاخبار من محل البحث في شئ، لان الكلام في تعداد الصلاة وتكررها وهذه صلاة واحدة غاية الامر انه زيد في تكبيراتها الموظفة لمزية هذا الشخص واظهار فضله كما صربه خبر الحصينى، وان حملنا السبعين على كونها في صلوات متعددة كما هو ظاهر خبر كتاب عيون الاخبار وخبر الصحيفة الرضوية فالظاهر حمل التكرار هنا ايضا على المزية والفضيلة. وأما اخبار الصلاة على الرسول صلى الله عليه وآله فاظهر في الفضيلة والمزية، وان حملناها على الاحتمال الذى قدمنا ذكره خرجت عن محل البحث. وبالجملة فان حمل الاخبار في هذه المواضع الثلاثة على الاختصاص لمزيد الفضيلة مما لا يمكن انكاره سيما خبر سهل بن حنيف الصريح في ان كل صلاة بازاء منقبة من مناقبه وحديث حمزة، وحينئذ فلا يمكن الاستناد إليها في عموم الحكم وشموله لجميع الاموات.
(1) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.
[ 458 ]
بقى الكلام في الاخبار والجمع بينها وهو ممكن باحد وجهين:
(الاول) حمل الاخبار الدالة على التكرار على ان الصلاة فيها بمعنى الدعاء لا الصلاة المعهودة، ويؤيده ما يأتي ان شاء الله تعالى في مسألة الصلاة على القبر.
و (الثاني) حمل الاخبار الدالة على النهى عن التكرار على التقية فان العلامة في المنتهى نقل القول بالكراهة عن ابن عمر وعائشة وابى موسى والاوزاعي واحمد والشافعي ومالك وابى حنيفة واسنده ايضا إلى علي (ع) (1) ولعله الاقرب ويعضده ان اكثر روايات النهى من العامة. ومما ذكرنا يظهر ضعف الاقوال المتقدمة، اما القول بالكراهة مطلقا كما هو المشهور عملا بالاخبار الدالة على النهى فينا فيه ظاهر أمر النبي صلى الله عليه وآله بالصلاة لمن اتى في رواية جابر (2) وكذلك التزام أمير المؤمنين (ع) في الصلاة على سهل بن حنيف بالامر المكروه خمس مرات، وأظهر منه صلاة النبي صلى الله عليه وآله على عمه (رضى الله عنه) ومثله صلاة الناس على النبي صلى الله عليه وآله. واما ما ذكره ابن ادريس من كراهة الصلاة جماعة فترده اخبار سهل بن حنيف وتكرار أمير المؤمنين (ع) الصلاة عليه جماعة خمس مرات وكذا أخبار حمزة (سلام الله عليه) (3) وأما تخصيص الكراهة بالمصلى نفسه كما نقل عن الشيخ في الخلاف فينافيه مورد الاخبار الثلاثة الدالة على النهى، فان موردها من لم يصل. وأما تخصيص الكراهة بما خيف على الميت أو بضم منافاة التعجيل فلم نقف له على مستند، وربما كان المستند حمل اخبار النهى على ذلك، وأنت خبير بانه لا اشعار في شئ منها بذلك فضلا عن التصريح
(1) عمدة القارئ ج 4 ص 135 وشرح المهذب ج 5 ص 249 وفي المغني ج 2 ص 512 (من صلى مرة فلا يسن له اعادة الصلاة عليها، وإذا صلى على الجنازة مرة لم توضع لاحد يصلى عليها، قال القاضي لا يحسن بعد الصلاة عليه ويبادر بدفنه، وقال ابن عقيل لا ينتظر به احد، فاما من ادرك الجنازة فمن لم يصل فله ان يصلى عليها فعل ذلك علي عليه السلام وانس وسلمان بن ربيعة وابو حمزة ومعمر بن سمير) وفي المهذب ج 1 ص 134 نحوه. (2) ص 456. (3) ص 454 و 455.
[ 459 ]
به أو ظهوره فيه. وبالجملة فالظاهر عندي من اخبار المسألة هو ما ذكرته. والله العالم. المسألة الثانية - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في الصلاة على القبر، فقال الشيخان (عطر الله مرقديهما) من لم يدرك الصلاة على الميت صلى على القبر يوما وليلة فان زاد على ذلك لم تجز الصلاة عليه، وهو اختيار ابن ادريس وابن البراج وابن حمزة وبه صرح المحقق في الشرائع والعلامة في الارشاد. واطلاق كلامهم يقتضى جواز الصلاة عليه وان كان قد صلى عليه. ولم يقدر ابن ابى عقيل وعلى بن بابويه لها وقتا بل قالا من لم يدرك الصلاة على الميت صلى على القبر، وقربه الشهيد في البيان وقال ابن الجنيد يصلى عليه ما لم تتغير صورته، وقال سلار يصلى عليه إلى ثلاثة ايام وجعله الشيخ في الخلاف رواية، وقال في المختلف: والاقرب عندي انه ان لم يصل على الميت اصلا بل دفن بغير صلاة صلى على قبره وإلا فلا. وحكم المحقق في المعتبر بعدم وجوب الصلاة بعد الدفن مطلقا قال ولا امنع الجواز. واستدل في المعتبر على عدم الوجوب بان المدفون خرج بدفنه من أهل الدنيا فساوى من فنى في قبره، وعلى الجواز بالاخبار الواردة بالاذن في الصلاة على القبر كصحيحة هشام بن سالم ثم ساق الخبر كما يأتي ان شاء الله تعالى (1) وقال في المدارك: والاصح ما اختاره المصنف من عدم الوجوب بعد الدفن مطلقا لكن لا يبعد اختصاص الجواز بيوم الدفن. انتهى. والى ما ذكره المحقق في المعتبر مال العلامة في المنتهى. هذا ما حضرني من اقوالهم. واما الاخبار الواردة في هذه المسألة فمنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن هشام ابن سالم عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (لا بأس أن يصلى الرجل على الميت بعد ما يدفن). وما رواه الشيخ في التهذيب مسندا عن مالك مولى الجهم عن ابى عبد الله (ع) والصدوق في الفقيه مرسلا عن ابى عبد الله (ع) (3) قال: (إذا فاتتك الصلاة على الميت حتى يدفن فلا بأس بالصلاة عليه وقد دفن).
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 18 من صلاة الجنازة.
[ 460 ]
وما رواه الشيخ عن عمرو بن جميع عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا فاتته الصلاة على الميت صلى على القبر). وعن محمد بن أسلم عن رجل من أهل الجزيرة (2) قال: (قلت للرضا (ع) يصلى على المدفون بعد ما يدفن ؟ قال لا لو جاز لاحد لجاز لرسول الله صلى الله عليه وآله قال بل لا يصلى على المدفون ولا على العريان). وما رواه في الكافي والتهذيب عن عمار الساباطى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال (سئل عن ميت صلى عليه فلما سلم الامام إذا الميت مقلوب رجلاه إلى موضع رأسه ؟ قال يسوى وتعاد الصلاة عليه وان كان قد حمل ما لم يدفن، فان كان قد دفن فقد مضت الصلاة ولا يصلى عليه وهو مدفون). وقد تقدم (4) في المسألة المتقدمة في موثقة يونس بن يعقوب (ان أدركتها قبل أن تدفن فان شئت فصل عليها). وفى موثقة عمار (5) (الميت يصلى عليه ما لم يوار بالتراب وان كان قد صلى عليه). وما رواه الكافي والتهذيب في تتمة حديث عمار المتقدم في الموضع السابع من البحث المتقدم (6) قال: (قلت فلا يصلى عليه إذا دفن ؟ قال لا لا يصلى على الميت بعد ما يدفن ولا يصلى عليه وهو عريان حتى توارى عورته). وما رواه في التهذيب في الصحيح عن حريز عن محمد بن مسلم أو زرارة قال: (الصلاة على الميت بعد ما يدفن انما هو الدعاء. قال قلت فالنجاشي لم يصل عليه النبي صلى الله عليه وآله ؟ فقال لا انما دعا له). وعن جعفر بن عيسى (8) قال (قدم أبو عبد الله (ع) مكة فسألني عن عبد الله
(1) و (2) و (7) و (8) الوسائل الباب 18 من صلاة الجنازة. (3) الوسائل الباب 19 من صلاة الجنازة (4) و (5) ص 456 (6) ص 426.
[ 461 ]
ابن اعين فقلت مات. فقال مات ؟ أفتدرى موضع قبره ؟ قلت نعم. قال فانطلق بنا إلى قبره حتى نصلى عليه قلت نعم. فقال لا ولكن نصلى عليه ههنا، فرفع يديه واجتهد في الدعاء وترحم عليه). وقال في كتاب الفقه الرضوي (1) (فان لم تلحق الصلاة على الجنازة حتى يدفن الميت فلا بأس بان تصلى بعد ما دفن). هذه جملة ما حضرني من اخبار المسألة وهى ظاهرة الاشكال لما بينها من التدافع في هذا المجال، وما ذهب إليه الاصحاب في وجوه الجمع بينها لا يخلو من الاشكال والاختلال: اما ما ذكره الشيخان ومن تبعهما فلعدم وجود المستند لما ذكروه من التقدير باليوم والليلة، وكذا قول سلار إلى ثلاثة أيام وقول ابن الجنيد، فان الجميع خال من الدليل، وقد اعترف بذلك الفاضلان في المعتبر والمنتهى. واما ما ذكره العلامة في المختلف - من حمل اخبار المسألة على من دفن بغير صلاة فاوجب الصلاة عليه وحمل اخبار المنع على من صلى عليه - ففيه ان ظاهر موثقة عمار الواردة في الصلاة على المقلوب رأسه إلى موضع رجليه (2) يدل على المنع وان لزم دفنه بغير صلاة، لان من صلى عليه صلاة باطلة كمن لم يصل عليه بالكلية مع المعارضة باحتمال حمل الصلاة في اخبار الجواز على مجرد الدعاء كما تدل عليه مضمرة زرارة ورواية جعفر المذكورتان (3). واما ما ذكره بعضهم - من حمل اخبار المنع على الكراهة وحينئذ تجوز الصلاة عليه على كراهة إذا كان الميت قد صلى عليه وإلا فتجب الصلاة عليه عملا بالاخبار العامة الدالة على وجوب الصلاة على الميت مطلقا من غير استثناء (4) وان المعارض المذكور يضعف عن المعارضة.
(1) ص 19 (2) (3) ص 460. (4) الوسائل الباب 37 من صلاة الجنازة.
[ 462 ]
ففيه ما قد عرفت مرارا من أن الاحكام المودعة في الاخبار انما تحمل على الافراد المتكررة الشائعة وهل التى يتبادر إليها الاطلاق دون الفروض النادرة الشاذة التى ربما لا توجد إلا بطريق الاحتمال. وأما ما ذكره في المعتبر - ومال إليه في المدارك من عدم الوجوب بعد الدفن وان جاز ذلك - فليس فيه تعرض لاخبار المنع ولا بيان الوجه فيه مع كونها ظاهرة بل بعضها صريحا في المنع، وحينئذ فقوله بالجواز مع معارضتها باخبار المنع من غير أن يجب عنها لا وجه له. نعم ربما كان التفاتهم إلى ان اخبار المنع ضعيفة السند لا تعارض الصحيحة التى ذكروها، ولعله لهذا الوجه جمد في المدارك على ما ذهب إليه صاحب المعتبر، على ان ما علل به في المعتبر عدم الوجوب في هذا المقام عليل لا يعتمد عليه، وان كان الاولى التمسك باصالة العدم حتى يقوم دليل الوجوب، لان أخبار الصلاة المطلقة لا عموم فيها على وجه يشمل محل البحث لما عرفت. وبالجملة فان حمل روايات الجواز على مجرد الدعاء غير بعيد لما عرفت من الخبرين المتقدمين. إلا ان المسألة بعد لا تخلو من شوب الاشكال والاحتياط يقتضى ترك الصلاة على من صلى عليه والاقتصار على مجرد الدعاء على من لم يصل عليه بل على من صلى عليه ايضا. والله العالم. المسألة الثالثة - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لو فات المأموم بعض التكبيرات اتم بعد فراغ الامام ولاء، وانه لو سبق الامام ببعض التكبيرات استحب له الاعادة مع الامام، فالكلام هنا يقع في موضعين: الاول - من فاته بعض التكبيرات مع الامام، والحكم فيه كما ذكروه (رضوان الله عليهم). ويدل عليه جملة من الاخبار: منها - ما رواه الصدوق الشيخ في الصحيح عن
[ 463 ]
الحلبي عن ابى عبد الله (ع) (1) قال: (إذا أدرك الرجل التكبيرة والتكبيرتين من الصلاة على الميت فليقض ما بقى متتابعا). وما رواه في التهذيب في الصحيح عن عيص بن القاسم (2) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يدرك من الصلاة على الميت تكبيرة قال يتم ما بقى). وعن خالد بن ماد القلانسى عن رجل عن ابى جعفر (ع) (3) قال: (سمعته يقول في الرجل يدرك مع الامام في الجنازة أو تكبيرة أو تكبيرتين ؟ فقال يتم التكبير وهو يمشى معها فإذا لم يدرك التكبير كبر عند القبر، فان كان أدركهم وقد دفن كبر على القبر). أقول: ربما أشعر هذا الخبر بجواز الصلاة على الميت بعد الدفن وان كان قد صلى عليه، إذ الظاهر من قوله كبر على القبر يعنى التكبير المعهود في الصلاة وهو كناية عن الصلاة الكاملة كما وقع التعبير به في جملة من الاخبار. ولا مجال لحمل الصلاة هنا على مجرد الدعاء كما ذكرناه في المسألة المتقدمة، فان هذا الاحتمال انما يجرى لو كان التعبير بلفظ الصلاة التى معناها لغة انما هو الدعاء لا في لفظ التكبير وفى الخبر على ما ذكرناه رد على ما ذهب إليه في المختلف من تخصيص الصلاة بعد الدفن بمن لم يصل عليه واما من صلى عليه فانه لا يصلى عليه. حيث ان الظاهر ان هؤلاء الذين دفنوه انما يدفنونه بعد الصلاة عليه البتة. واما احتمال كون التكبير على القبر في الصورة المذكورة ولاء كما في صورة فوات بعض التكبيرات مع الامام فالظاهر بعده. وعن الحلبي في الصحيح عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (إذا ادرك الرجل التكبيرة والتكبيرتين من الصلاة على الميت فليقض ما بقى متتابعا). وعن زيد الشحام (5) قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن الصلاة على الجنائز
(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 17 من صلاة الجنازة. والحديث (4) عين (1).
[ 464 ]
إذا فات الرجل منها التكبيرة أو الثنتان أو الثلاث قال يكبر ما فاته). وحمل مطلق هذه الاخبار على مقيدها يقتضى الاتيان بالتكبير الفائت ولاء من غير الاذكار الموظفة. وفى كتاب الفقه الرضوي (1) (فإذا فاتك مع الامام بعض التكبير ورفعت الجنازة فكبر عليها تمام الخمس وانت مستقبل القبلة). وروى الثقة الجليل على بن جعفر (رضى الله عنه) في كتاب المسائل عن اخيه موسى بن جعفر (ع) (2) قال: (سألته عن الرجل يدرك تكبيرة أو ثنتين على ميت كيف يصنع ؟ قال يتم ما بقى من تكبيره ويبادره دفعة ويخفف). وأما ما رواه الشيخ عن اسحاق بن عمار ابى عبد الله عن ابيه (عليهما السلام) (3) (ان عليا (ع) كان يقول لا يقضى ما سبق من تكبير الجنائز) وفى بعض النسخ (ما بقى) - فقد حمله الشيخ في التهذيبين على القضاء مع الدعاء، قال لانه انما يقضى متتابعا من دون فصل بالدعاء كما كان يبتدأ به. وقال في الوافى: وفيه بعد والاولى ان يحمل على عدم الوجوب. انتهى. اقول: ويؤيده الاتفاق على الوجوب الكفائي ولا ريب انه قد سقط الوجوب حينئذ عن هذا المصلى بصلاة القوم على الجنازة. وقال في الذكرى ببعد ذكر الخبر: وحمله الشيخ على القضاء الخاص وهو القضاء مشفوعا بالدعاء لا القضاء المتتابع. قلت يريد به نفى وجوب الدعاء لحصوله من السابقين ولانه موضع ضرورة لا نفى جوازه لدلالة ما يأتي عليه، بل يمكن وجوبه مع الاختيار لعموم أدلة الوجوب وعموم قول النبي صلى الله عليه وآله (4) (ما أدركتم فصلوا
(1) ص 19. (2) و (3) الوسائل الباب 17 من صلاة الجنازة (4) في المغني ج 2 ص 495 قوله صلى الله عليه واله (ما ادركتم فصلوا وما فاتكم فاتموا) وفي لفظ (فاقضوا).
[ 465 ]
وما فاتكم فاقضوا) فحينئذ تحمل رواية اسحاق على غير المتمكن من الدعاء بتعجيل رفعها، وعليه يحمل قول الصادق (ع) في رواية الحلبي (فليقض ما بقى متتابعا) إلى أن قال: بعد ذكر رواية القلانسى: وهذا يشعر بالاشتغال بالدعاء إذ لو والى لم يبلغ الحال إلى الدفن. انتهى. اقول: ظاهر كلامه (قدس سره) تخصيص التكبير ولاء بصورة عدم التمكن من الاذكار بينها، ونقل ذلك عن العلامة في بعض كتبه بل نسبه شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار إلى الاكثر حيث قال: وقال الاكثر ان امكن الدعاء يأتي باقل المجزئ وإلا يكبر ولاء من غير دعاء. انتهى. وربما يشير إلى ذلك قوله (ع) في صحيحة على بن جعفر المتقدم نقلها عن كتابه (ويبادره دفعة ويخفف). ويشكل بان ظاهر الاخبار المذكورة بالنظر إلى حمل مطلقها على مقيدها هو التكبير ولاء امكن الاتيان بالاذكار قبل وقوع ما ينافى ذلك من العبد والانحراف عن الميت والقبلة أم لم يمكن، والتخصيص بما ذكروه يحتاج إلى دليل واضح. وما استند إليه من العموم على وجه يشمل محل البحث ممنوع. والحديث الذى نقله غير معلوم كونه من طرقنا بل الظاهر انه من الاخبار العامية التى يستسلقونها في امثال هذه المقامات، ويعضد ذلك ما أشرنا إليه آنفا من ان قضية الوجوب الكفائي سقوط الوجوب في الصورة المذكورة، وبه يظهر انه لا شمول لادلة الوجوب لموضع البحث كما ذكرنا. وأما دعواه اشعار رواية القلانسى بالاشتغال بالدعاء ففيه ان الظاهر من الرواية بعد التأمل فيها ان التكبير على القبر بعد الدفن انما هو في صورة ما لو لم يدرك التكبير مع الامام بالكلية كما أوضحناه آنفا، لا أنه أدرك بعضها وقضى البعض الباقي بعد الدفن حتى يدعى انه لو والى لم يبلغ الحال إلى الدفن وكيف كان فالا حتياط في ما ذكروه (رضوان الله عليهم) والله العالم.
[ 466 ]
الثاني - قال في الذكرى: لو سبق المأموم بتكبيرة فصاعدا متعمدا اثم واجزأ، ولو كان ناسيا أو ظانا فلا اثم واعادها معه ليدرك فضيلة الجماعة، وفى اعادة العامد تردد من حيث المساواة لليومية في عدم اعادة العامد ولانها اركان زيادتها كنقصانها ومن انها ذكر الله تعالى فلا تبطل الصلاة بتكرره. وقال في كتاب الروض: ويستحب للمأموم اعادة ما سبق به من التكبير على الامام ظانا أو ناسيا ليدرك فضيلة الجماعة كما يرجع إليه في اليومية لو ركع أو رفع قبله ولا تنقطع بذلك القدوة، ولو كان متعمدا ففى الاعادة اشكال من ان التكبير ركن فزيادته كنقصانه ومن كونه ذكر الله تعالى. ولا ريب ان عدم العود هنا أولى. وهو راجع إلى ما في الذكرى إلا انه هنا رجح في العامد عدم العود وفى الذكرى ظاهره التوقف حيث اقتصر على ذكر الوجهين الموجبين للاشكال. وقال في المسالك - بعد قول المصنف: إذا سبق المأموم بتكبيرة أو ما زاد استحب له اعادتها مع الامام - ما لفظه: ان سبقه سهوا أو ظنا انه كبر أما لو تعمد استمر متأنيا حتى يلحقه الامام ويأثم في الاخير. أقول. وهذا احتمال ثالث زائد على ما في الذكرى والروض. وقال في المدارك - بعد ذكر حكم الساهي والظان وانهما يعييدان مع الامام وحكم العامد وانه يستمر متأنيا حتى يلحقه الامام كما في المسالك - ما لفظه: وفى الحكمين معا اشكال خصوصا الثاني، لان التكبير الواقع في هذا الموضع على هذا الوجه منهى عنه والنهى في العبادة يقتضى الفساد، بل لو قيل بوجوب الاعادة مع العمد كان جيدا ان لم تبطل الصلاة بذلك. انتهى. اقول: لا يخفى ان المسألة خالية من النص، وجميع ما ذكر فيها من التعليلات معلول لا يمكن الاعتماد عليه، واستشكال صاحب المدارك في محله، ومن ثم ان الفاضل الخراساني في الذخيرة اقتصر على نقل الاقوال. والله العالم. المسألة الرابعة - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لو حضرت
[ 467 ]
جنازة في اثناء الصلاة على اخرى تخير بين قطع الصلاة الاولى واستئناف صلاة واحدة عليهما وبين ان يتم الصلاة على الاولى ويستأنف على الثانية، ذكره الصدوقان والشيخ واتباعه وهو المشهور. وقال ابن الجنيد على ما نقل عنه يجوز للامام جمعهما إلى أن يتم الثانية خمسا وان شاء ان يومئ إلى أهل الاولى ليأخذوها ويتم على الثانية خمسا. استدل المتأخرون على القول الاول بما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن على بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (ع) (1) (في قوم كبروا على جنازة تكبيرة أو تكبيرتين ووضعت معها اخرى ؟ قال ان شاءوا تركو ا الاولى حتى يفرغوا من التكبير على الاخيرة وان شاءوا رفعوا الاولى واتموا ما بقى على الاخيرة كل ذلك لا بأس به). قال في الذكرى: والرواية قاصر الدلالة عن افادة المدعى إذ ظاهرها ان ما بقى من تكبير الاولى محسوب للجنازتين فإذا فرغ من تكبير الاولى تخيروا بين تركها بحالها حتى يكملوا التكبير على الاخيرة وبين رفعها من مكانها والاتمام على الاخيرة وليس في هذا دلالة على ابطال الصلاة على الاولى بوجه. هذا مع تحريم قطع العبادة الواجبة. اقول: ما ذكره (قدس سره) في بيان معنى ظاهر الرواية جيد وقد اقتفاه في ذلك جملة من متأخرى المتأخرين. والتحقيق عندي في هذا المقام وان غلفت عنه علماؤنا الاعلام ان المتقدمين سيما الصدوقين انما اعتمدوا في هذا الحكم واستندوا إلى عبارة كتاب الفقه الرضوي حيث انه (ع) قد صرح بذلك وقد عرفت في غير موضع مما قدمناه وستعرف ان شاء الله تعالى امثاله في ما يأتي أن كثيرا من الاحكام التى ذكرها المتقدمون واعترضهم المتأخرون بعدم وجود المستند لها فان مستنداتها قد ظهرت من هذا الكتاب ومن جملة ذلك
(1) الوسائل الباب 34 من صلاة الجنازة.
[ 468 ]
هذه المسألة إلا ان المتأخرين لما نقلوا الحكم المذكور عن كلام المتقدمين ولم يصل إليهم مما يظن دلالته عليه إلا هذه الصحيحة جعلوها دليلا للمتقدمين في ما نقلوه عنهم واعترضوها بما عرفت. والحق ان دليلهم ليس إلا عبارة الكتاب المذكور حيث قال (ع) (1) (وان كنت تصلى على الجنازة وقد جاءت اخرى فصل عليها صلاة واحدة بخمس تكبيرات وان شئت استأنف على الثانية). والصدوق في الفقيه قد أخذ معنى العبارة المذكورة فقال: ومن كبر على جنازة تكبيرة أو تكبيرتين فوضعت جنازة اخرى معها فان شاء كبر الان عليهما خمس تكبيرات وان شاء فرغ من الاولى واستأنف الصلاة على الثانية. انتهى نعم صحيحة على بن جعفر المذكورة ظاهرة في مذهب ابن الجنيد ومنطبقة عليه فهى دليله ودليل المشهور انما هي العبارة المذكورة. وظاهر كلام الشيخ في كتابي الاخبار القول بالتشريك ايضا كما هو مذهب ابن الجنيد حيث انه - بعد ان نقل رواية جابر المتقدمة (2) عن ابى جعفر (ع) الدالة على التكبير على الميت احدى عشر وتسعا وسبعا وخمسا وستا وأربعا - قال ما تضمنه هذا الخبر من زيادة التكبير على الخمس مرات متروك بالاجماع ويجوز ان يكون عليه السلام اخبر عن فعل النبي صلى الله عليه وآله بذلك لانه كان يكبر على جنازة واحدة أو اثنتين فكان يجاء باخرى فيبتدى من حيث انتهى خمس تكبيرات فإذا اضيف إلى ما كان كبر زاد على الخمس تكبيرات وذلك جائز على ما سنبينه في ما بعد ان شاء الله تعالى. انتهى ومما حررناه في المقام يظهر لك ان في المسألة قولين:
(أحدهما) - القول بالتشريك كما ذهب إليه ابن الجنيد وهو ظاهر الشيخ كما عرفت، وعليه تدل صحيحة علي بن جعفر المذكورة.
(الثاني) - القول بالتخيير بين القطع والاستئناف عليهما والاتمام على الاولى ثم الصلاة على الثانية كما هو القول المشهور، ومستنده ما عرفت
(1) ص 19. (2) ص 421.
[ 469 ]
من كلامه في كتاب الفقه. والقول بالتخيير بين الامرين المذكورين في هذين الخبرين جمع بين الدليلين. ثم انه على تقدير القول بالتشريك فان قلنا بالاكتفاء بمجرد الاذكار والادعية كيف اتفق من غير توظيف شرعى فلا اشكال، وان قلنا بالقول المشهور من التوظيف لكل تكبيرة بوظيقة مخصوصة فانه يجب الاتيان بعد كل تكبيرة من التكبيرات المشتركة بوظيفة الصلاتين من الادعية والاذكار، فلو اتى بالجنازة الثانية بعد تكبيرتين ووقع التشريك في الثالثة دعا بعدها لوظيفة الاولى بدعاء المؤمنين ولوظيفة الثانية بالشهادتين وهكذا. هذا. وما ذكره الشهيد في الذكرى في آخر عبارته المتقدمة من قوله (هذا مع تحريم قطع العبادة الواجبة) فقد اعترض عليه في الذخيرة فقال: واما ما ذكره - من تحريم قطع العبادة الواجبة ووافقه غير واحد من المتأخرين فحكموا بتحريم القطع هنا إلا لضرورة - فغير مسلم إذ عمدة ما يعول عليه في هذا الباب هو الاجماع وهو غير تام في موضع النزاع. واما الاستناد إلى قوله تعالى: (ولا تبطلوا) (1) فغير تام كما بيناه في المباحث السالفة. انتهى. اقول: ويعضد ما ذكره (قدس سره) عبارة كتاب الفقه التى هي مستند القول المشهور من جواز القطع كما عرفت، وبالجملة فان دعواهم تحريم قطع الواجب مطلقا ممنوع لعدم الدليل عليه، نعم قام الدليل عندي على ذلك في الصلاة اليومية فانه يحرم قطعها كما تقدم تحقيقه في كتاب الصلاة (2) وما عدا ذلك فلا اعرف له دليلا بل الدليل على خلافه - كما عرفت في هذا المقام - واضح السبيل. والله العالم. المسألة الخامسة - قد صرح غير واحد من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لا قراءة عندنا في هذه الصلاة ولا تسليم. والكلام هنا يقع في مقامين.
(1) سورة محمد الاية 35 (2) ج 9 ص 101.
[ 470 ]
(الاول) بالنسبة إلى القراءة والذى يدل على عدمها من الاخبار ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح عن محمد بن مسلم وزرارة ومعمر بن يحيى واسماعيل الجعفي عن ابى جعفر (ع) (1) قال: (ليس في الصلاة على الميت قراءة ولا دعاء موقت تدعو بما بدالك... الحديث) وقد تقدم. وما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم وزرارة (2) (انهما سمعا ابا جعفر (ع) يقول ليس في الصلاة على الميت قراءة ولا دعاء موقت.. الحديث) وقد مر ايضا ويؤيده ما في كثير من الاخبار (3) (انما هو تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل). وقد ورد بازاء هذه الاخبار ما ظاهره المعارضة كما رواه الشيخ عن عبد الله ابن ميمون القداح عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (4) (ان عليا (ع) كان إذا صلى على ميت يقرأ بفاتحة الكتاب ويصلى على النبي صلى الله عليه وآله. وعن على بن سويد عن الرضا (ع) (5) في ما نعلم قال: (في الصلاة على الجنائز تقرأ في الاولى بام الكتاب وفى الثانية تصلى على النبي صلى الله عليه وآله... الحديث) وقد تقدم ايضا (6). وهذان الخبران محمولان عند الاصحاب على التقية (7) قال الشيخ بعد ذكر خبر على بن سويد: أول ما فيه ان الراوى شاك في كونه الرضا (ع) وكما يكون شاكا يجوز أن يكون قدوهم في القراءة، ولانه رواه بطريق آخر عن الكاظم (ع) واضطراب النقل دليل الضعف، وان صح حمل على التقية. ثم انه حمل ايضا خبر القداح على التقية (8).
(1) و (2) و (4) و (5) الوسائل الباب 7 من صلاة الجنازة. (3) هذا المضمون لم نقف عليه في غير موثقة يونس بن يعقوب الواردة في الوسائل في الباب 7 و 9 و 17 من صلاة الجنازة، نعم ورد في بعض الاخبار التعبير عن صلاة الميت بانها شفاعة وليست بصلاة فيها ركوع وسجود كما في الباب 5 و 8 أو انها دعاء ومسألة كما في الباب 21 أو انها استغفار كما في الباب 20 من صلاة الجنازة (6) لم يتقدم. (7) و (8) في المغني ج 2 ص 485 (قراءة الفاتحة واجبة في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الاولى وبه قال الشافعي واسحاق وروي عن ابن عباس، وقال الثوري والاوزاعي =
[ 471 ]
قال في الذكرى: فرع - قال الشيخ في الخلاف تكره القراءة. وكأنه نظر إلى انه تكليف لم يثبت شرعيته. ويمكن ان يقال بعدم الكراهة لان القرآن في نفسه حسن ما لم يثبت النهى عنه والاخبار خالية من النهى وغايتها النفى وكذا كلام الاصحاب لكن الشيخ نقل الاجماع بعد ذلك وقد يفهم منه الاجماع على الكراهية ونحن لم نر أحدا ذكر الكراهة فضلا عن الاجماع عليها. انتهى. ولا يخفى ما فيه على الفطن النبيه وذلك فان البحث ليس في جواز قراءة القرآن من حيث هو قرآن حتى انه يحتج بان القرآن في نفسه حسن، بل محل البحث في انه هل القراءة هنا جزء من الصلاة من واجباتها أو مستحباتها كما هو عند العامة أم لا ؟ والاتفاق من الاصحاب على عدم ذلك كما يفهم من شيخنا الشهيد الثاني في كتاب الروض حيث قال: ولا قراءة فيها واجبة ولا مندوبة اجماعا. واما قوله - والاخبار خالية من النهى وغايتها النفى - فانه مردود بان اثبات القراءة في هذه الصلاة هو المحتاج إلى الدليل لا نفيها حتى يدعى ان الاخبار لا تدل على النهى. وبالجملة فان العبادات الشرعية توقيفية من الشارع فبأى كيفية علمت من الشارع يجب الوقوف عليها، وحيث ان اجماع الاصحاب كما عرفت على عدم توظيفها لا وجوبا ولا استحبابا وقد تأيد بالاخبار المتقدمة الدالة على نفيها، فالمعلوم هو عدم دخولها في الكيفية المذكورة. بقى ما دل على ثبوتها من الخبرين المتقدمين فحيث كانا مخالفين لما عليه الاصحاب والاخبار وكانا موافقين لكثير من العامة تعين حملهما على التقية بغير اشكال. والعجب من صاحب الذخيرة حيث نقل كلامه وجمد عليه ولم يتعرض لما فيه مما ذكرنا من التنبيه، والسبب في ذلك هو ما قدمنا ذكره في غير موضع من
= وابو حنيفة لا يقرأ فيها شئ من القرآن لان بان مسعود قال ان النبي صلى الله عليه وآله لم يوقت فيها قولا ولا قراءة) وفي بداية المجتهد ج 1 ص 215 (قال مالك وابو حنيفة ليس فيها قراءة انما هو الدعاء).
[ 472 ]
الغائهم الاعتماد على هذه القواعد المنصوصة عن أئمتهم (عليه السلام) واتخذوا لهم قواعد اخر عكفوا عليها في جميع ابواب الفقه. والله العالم. الثاني - بالنسبة إلى التسليم والذى يدل على عدمه في هذه الصلاة من الاخبار ما رواه الشيخ في الصحيح عن اسماعيل بن سعد الاشعري عن ابى الحسن الرضا (ع) (1) قال: (سألته عن الصلاة على الميت قال اما المؤمن فخمس تكبيرات واما المنافق فاربع ولا سلام فيها). وما رواه في الكافي في الصحيح عن الحلبي وزرارة عن ابى جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام) (2) قالا: (ليس في الصلاة على الميت تسليم). وعن الحلبي (3) قال: (قال أبو عبد الله ليس في الصلاة على المت تسليم). وما رواه الحسن بن على بن شعبة في كتاب تحف العقول عن الرضا (ع) (4) في كتابه إلى المأمون قال: (والصلاة على الجنازة خمس تكبيرات وليس في صلاة الجنازة تسليم لان التسليم في صلاة الركوع والسجود وليس لصلاة الجنازة ركوع ولا سجود). وفي كتاب الفقه الرضوي نحو ذلك في الموضع الاول والثانى وقد تقدم جميع ذلك في الموضع المشار إليه (5) إلى غير ذلك من الاخبار التى يقف عليه المتتبع وبازاء هذه الروايات مما يدل على التسليم موثقة عمار المتقدمة في المطلب الثالث في الكيفية ومثلها رواية يونس المتقدمة ثمة ايضا (6) وغيرهما والجميع محمول عند اصحابنا على التقية (7). قال في الذكرى: اجمع الاصحاب على سقوط التسليم فيها وظاهر هم عدم مشروعيته فضلا عن استحبابه قال في الخلاف وليس فيها تسليم واحتج عليه
(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 9 من صلاة الجنازة (5) ص 410 و 411 (6) ص 409. (7) ارجع إلى التعليقة 1 ص 473.
[ 473 ]
الفرقة ونقل عن العامة التسليم على اختلافهم في كونه فرضا أو سنة (1) وقال ابن الجنيد: ولا يستحب التسليم فيها فان سلم الامام فواحدة عن يمينه. وهذا يدل على شرعيته للامام وعدم استحبابه لغيره أو على جوازه للامام من غير استحباب بخلاف غيره. واحتج المرتضى بعد الاجماع بان مبناها على التخفيف ولهذا حذف فيها الركوع والسجود فغير منكر ان يحذف التسليم. وقال ابن ابى عقيل لا تسليم لان التسليم في الصلاة التى فيها الركوع والسجود ولذلك لا تسليم في صلاة الخوف التى ليس فيها ركوع ولا سجود. لنا على عدمه في الجملة اطباق الاصحاب على تركه علما وعملا، وخبر الحلبي عن الصادق (ع) (2) (ليس في الصلاة على الميت تسليم) وعن الحلبي بطريق آخر وعن زرارة عن الباقر والصادق (عليهما السلام) (3) (ليس في الصلاة على الميت تسليم) وعن اسماعيل بن سعد الاشعري عن الرضا (ع) (4) (لا سلام فيها) وفي خبر ام سلمة (5) (ثم كبر وانصرف) ولم يذكر التسليم وكذا في اكثر الاخبار وقد أورد في التهذيب التسليم في أربعة اخبار: مضمر سماعة (6) (فإذا فرغت سلمت عن يمينك) وهو يعطى التسليم مطلقا وخبر الحسن بن احمد المنقرى عن يونس عن الصادق (ع) (7) (والخامسة يسلم ويقف مقدار ما بين التكبيرتين ولا يبرح حتى يحمل السرير من بين يديه) وخبر عمار عن الصادق (ع) (8) (سئل عن ميت صلى عليه فلما سلم الامام فإذا الميت
(1) في المغني ج 2 ص 491 (اختار القاضي ان المستحب تسليمتان وتسليمة واحدة تجزئ وبه قال الشافعي واصحاب الرأي قياسا على سائر الصلوات) وفي ص 492 قال: (الواجب في صلاة الجنازة النية والتكبيرات والقيام وقراءة الفاتحة والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وادنى دعاء للميت وتسليمة واحدة) وفي بداية المجتهد لابن رشد ج 1 ص 216 (الجمهور على ان التسليم واحد وسبب الخلاف في الواحدة والاثنتين هو اختلافهم في التسليم في الصلاة المكتوبة فمن قال بالواحدة هناك قال به هنا ومن قال بالاثنتين قال به هنا). (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 9 من صلاة الجنازة. (5) ص 402. (6) 407. (7) ص 409. (8) ص 425.
[ 474 ]
مقلوب) وهذان يدلان على تسليم الامام والثانى منهما حكاية فعل الامام إلا انه لم يذكر انكار المعصوم (ع) اياه وخبر عمار عنه (عليه السلام) (1) قال (سألته عن الصلاة على الميت فقال يكبر... إلى قوله عفوك عفوك وتسلم) وهذا كالاول في اطلاق التسليم. وهى باسرها ضعيفة الاسناد معارضة للمشهور محمولة على التقية (2) واما شرعية التسليم استحبابا أو جواز فالكلام فيه كالقراءة إذ الاجماع المعلوم انما هو على عدمه وجوبه ومع التقية لا ريب فيه. انتهى كلامه زيد مقامه. وانما نقلناه بطوله لجودة محصولة واحطته باطراف الكلام من نقل الاقوال والاخبار ومجمل القول فيه - كما قدمنا ذكره في القراءة - ان العبادات مبنية على التوقيف من الشارع والاخبار هنا وان كانت قد تعارضت فيه إلا ان مقتضى القاعدة المأثورة عن اصحاب العصمة (صلوات الله عليهم) في اختلاف الاخبار وعرضها على مذهب العامة والاخذ بما خافه هو نفى التسليم في هذه الصلاة وجوبا واستحبابا واما الجواز فانه لا معنى له هنا لان التسليم عبادة فان شرعت فهى لا تخرج عن الوجوب أو الاستحباب والا فالاتيان بها بقصد كونها جزء من الصلاة مع عدم ثبوت الوجوب والاستحباب تشريع محض كما نبه عليه في صدر كلامه. وقال في الروض: ولا تسليم ايضا واجبا ولا مندوبا باجماع الاصحاب قال في الذكرى: وظاهر هم عدم مشروعيته وما ورد باثباته من الاخبار محمول على التقية لانه مذهب العامة (3) مع كونها ضعيفة. اقول: وبذلك يظهر لك ضعف ما ذهب إليه ابن الجنيد فانه موافق لاقوال العامة.
المسألة السادسة - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في جواز ايقاع صلاة الجنازة الاوقات ما لم تزاحم صلاة فريضة حاضرة ولا كراهة
(1) ص 408. (2) (3) ارجع إلى التعليقة 1 ص 473.
[ 475 ]
ايضا لها وان كان في الاوقات المكروهة. قال في المعتبر: يصلى على الجنازة في الاوقات الخمسة المكروهة ما لم يتضيق وقت فريضة حاضرة، وبه قال الشافعي واحمد وقال الاوزاعي تكره في الاوقات الخمسة وقال أبو حنيفة ومالك لا يجوز عند طلوع الشمس وغروبها وقيامها (1) وقال العلامة في التذكرة: ويصلى على الجنازة في الاوقات الخمسة المكروهة ذهب إليه علماؤنا اجمع. وقال في الذكرى لا كراهة في فعلها في الاوقات الخمسة في أشهر الاخبار لانها دعاء مجرد وواجبة وذات سبب. اقول: أما ما يدل من الاخبار على عدم الكراهة في الاوقات الخمسة المشار إليها مضافا إلى ما نقل من الاجماع فمنه ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابى عبيدالله بن على الحلبي عن ابى عبد الله (ع) (2) قال: (لا بأس بالصلاة على الجنائز حين تغيب الشمس وحين تطلع انما هو استغفار). وما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع) قال: (يصلى على الجنازة في كل ساعة انها ليست بصلاة ركوع ولا سجود وانما تكره الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها التى فيها الخشوع والركوع والسجود ولانها تغرب بين قرنى شيطان وتطلع بين قرنى شيطان) ورواه الشيخ ايضا مثله.
(1) في المغني ج 2 ص 554 (قال احمد تكره الصلاة على الميت عند طلوع الشمس ونصف النهار وعند غروب الشمس، وعن ابن عمر وعطاء والنخعي والاوزاعي والثوري واسحاق واصحاب الرأي جواز الصلاة على الميت في هذه الاوقات الثلاث، وحكى عن احمد جوازها في هذه الاوقات وهو قول للشافعي) وفي بداية المجتهد لابن رشد المالكي ج 1 ص 222 (قال قدم لا يصلى على الجنازة في الاوقات الثلاثة وقت المغرب والطلوع والزوال، وقال قوم لا يصلى في الغروب والطلوع فقط، وقال قوم لا يصلى عليها في الاوقات الخمسة التي ورد النهي عن الصلاة فيها وبه قال عطاء والنخعي وابو حنيفة، وقال الشافعي يصلى عليها في كل وقت لان النهي انما هو خارج على النوافل لا على السنن) (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 20 من صلاة الجنازة.
[ 476 ]
وعن محمد بن مسلم (1) قال: (سألت أبا عبد الله هل يمنعك شئ من هذه الساعات عن الصلاة على الجنائز ؟ قال: لا). وما رواه في كتاب دعائم الاسلام عن ابى جعفر محمد بن على (عليهما السلام) (2) قال: (لا بأس بالصلاة على الجنازة حين تطلع الشمس وحين تغرب وفى كل حين انما هو استغفار). وروى الصدوق في كتاب عيون الاخبار وفي كتاب العلل باسناده عن الفضل ابن شاذان عن الرضا (ع) (3) قال: (فان قال فلم جوزتم الصلاة عليه قبل المغرب وبعد الفجر ؟ قيل ان هذه الصلاة انما تجب في وقت الحضور والعلة وليست هي موقتة كسائر الصلوات وانما هي صلاة تجب في وقت حدوث الحدث وليس للانسان فيه اختيار وانما هو حق يؤدى وجائز أن تؤدى الحقوق في أي وقت كان إذا لم يكن الحق موقتا). وأما ما رواه الشيخ في التهذيب عن عبد الرحمان بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله (ع) (4) قال: (يكره الصلاة على الجنائز حين تصفر الشمس وحين تطلع) فقد حمل الشيخ وجه الكراهة على التقية لموافقة الخبر مذهب العامة (5) وهو جيد لما عرفت. وأما لو زاحمت صلاة الميت فريضة حاضرة فقال في المعتبر انه يتخير ما لم يخف على الميت أو يخف فوت الحاضرة جمعا بين رواية جابر عن الباقر (ع) (6) (وسأله عن الصلاة على الجنازة في وقت مكتوبة فقال فجل الميت إلى قبره إلا ان تخاف فوت الفريضة) ورواية هارون بن حمزة عن الصادق (ع) (7) (إذا دخل وقت المكتوبة فابدا بها قبل الصلاة على الميت إلا أن يكون مبطونا أو نفساء أو نحو
(1) و (3) و (4) الوسائل الباب 20 من صلاة الجنازة. (2) مستدرك الوسائل الباب 18 من صلاة الجنازة (5) التعليقة 1 ص 475 (6) و (7) الوسائل الباب 31 من صلاة الجنازة.
[ 477 ]
ذلك) قال ومع التعارض يتعين التخيير. اقول: ويعضد الرواية الثانية ما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن جعفر عن اخيه (ع) (1) قال: (سألته عن صلاة الجنائز إذا احمرت الشمس أتصلح أو لا ؟ قال لا صلاة في وقت صلاة. وقال: إذا وجبت الشمس فصل المغرب ثم صل على الجنائز). وظاهر المحدث الكاشانى في الوافى حمل الخبر الاول على وقت الفضيلة فمعنى قوله: إلا ان يخاف ان يفوت وقت الفريضة) أي وقت فضيلتها ومعناه انه يبدأ بالصلاة على الميت إلا أن يخاف فوت وقت الفضيلة والخبرين الآخرين على ما إذا ضاق وقت الفضيلة فانه يقدم الحاضرة. وقال في الذكرى بعد نقل كلام المعتبر: قلت الاقرب استحباب تقدم المكتوبة ما لم يخف على الميت لا فضليتها وعموم احاديث فضلية أول الوقت. وقال الشيخ في المبسوط: إذا تضيق وقت فريضة بدأ بالفرض ثم الصلاة على الميت إلا أن يكون الميت يخاف من ظهور حادثة فيه فحينئذ يبدأ بالصلاة عليه. قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: وهذا كلام غير معتمد لان مع تضيق وقت الحاضرة تتعين ولا يجوز الاشتغال بغيرها سواء خيف على الميت أو لا. انتهى. وظاهر كلام ابن ادريس انه مع تضيق وقت الحاضرة تكون مقدمة على الاطلاق كما جزم به في المختلف. اقول: من المحتمل قريبا ان مراد الشيخ هنا وقت الفريضة يعنى وقت فضيلتها فان اطلاق الوقت عليه بقول مطلق غير عزيز في الاخبار كما تقدم ذكره في باب الاوقات وحينئذ فمعناه ما قدمناه نقله سابقا عن المحدث الكاشانى وهو انه تقدم الصلاة على الميت إلا إذا ضاق وقت الفضيلة فانه تقدم الفريضة الحاضرة إلا ان يخاف على الميت من حادثة فانه تقدم صلاة الميت ويكون هذا من قبيل الاعذار في التأخير عن وقت الاختيار إلى الوقت الثاني الذى هو وقت اصحاب الاعذار ولعل هذا من جملة الاعذار عنده وحينئذ فلا يرد عليه ما ذكره في المختلف. والله العالم.
(1) الوسائل الباب 31 من صلاة الجنازة.
<>