تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الحادي عشر


بسم الله الرحمن الرحيم

الباب الرابع

في اللواحق

والكلام يقع في هذا الباب في مقاصد:

الأول

في القضاء

وهو إما أن يكون عن الانسان نفسه أو عن غيره من الاموات، فهنا مطلبان:

(الاول) - في قضاء الانسان عن نفسه ما فاته وفيه مسائل:

الاولى - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في عدم قضاء ما فات بصغر أو جنون أو حيض أو نفاس أو كفر أصلى. ويدل على الاولين مضافا الى الاجماع حديث رفع القلم عن الصبى والمجنون (1) كما ذكره بعض الاصحاب. إلا ان فيه ان غاية ما يدل عليه سقوط الاداء، ويمكن اتمام الاستدلال به بانه لما دل على سقوط الاداء - ومن الظاهر عدم ترتب القضاء على مجرد فوات الاداء بل لابد له من أمر جديد على الاشهر الاظهر - فلا قضاء حينئذ لعدم الدليل عليه. وقيد شيخنا الشهيد الثاني في الروض الثاني بما إذا لم يكن سبب الجنون من فعله وإلا وجب عليه القضاء كالسكران. انتهى. وعلى الثالث


(1) الوسائل الباب 4 من مقدمة العبادات، وسنن ابى داود ج 4 ص 141 حد الزنا


[ 3 ]

والرابع ما تقدم في كتاب الطهارة. وعلى الخامس مضافا الى الاجماع المذكور قوله سبحانه " قل للذين كفروا.. الآية " (1) والخبر وهو قوله صلى الله عليه وآله (2) " الاسلام يجب - أو يهدم - ما قبله ". وتقييد الكفر بالأصلي كما ذكرنا وقع في عبائر أصحابنا ايضا للاحتراز عن العارض كالمرتد وسيأتى حكمه ان شاء الله تعالى في المقام. انما الخلاف في المغمى عليه إذا استوعب الاغماء جميع وقت الصلاة فقد اختلفت فيه كلمة الاصحاب لظاهر اختلاف الاخبار في هذا الباب، فالمشهور انه لا يجب القضاء عليه، وعن بعض الاصحاب انه يقضى آخر ايام افاقته ان أفاق نهارا أو آخر ليلته ان أفاق ليلا، وقال الصدوق في المقنع (3): اعلم ان المغمى عليه يقضى جميع ما فاته من الصلوات، وروى ليس على المغمى عليه ان يقضى إلا صلاة اليوم الذى أفاق فيه والليلة التى أفاق فيها، وروى انه يقضى صلاة ثلاثة أيام، وروى انه يقضى الصلاة التى أفاق في وقتها. وهو كما ترى ظاهر في اختياره قضاء جميع ما فاته. والعجب منه (قدس سره) انه بعد أن اختار وجوب القضاء عليه لجميع ما فاته اسند الاقوال الباقية الى الرواية ولم يتعرض الى سقوط القضاء بالكلية مع انه المشهور وهو الذى تظافرت به الاخبار كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى. والاظهر هو القول المشهور، ويدل عليه من الاخبار ما رواه الشيخ في الصحيح عن ايوب بن نوح (4) قال: " كتبت الى ابى الحسن الثالث عليه السلام اسأله عن المغمى عليه يوما أو اكثر هل يقضى ما فاته من الصلاة أم لا ؟ فكتب لا يقضى الصوم ولا يقضى الصلاة ". وعن الحلبي في الصحيح عن ابى عبد الله عليه السلام (5) قال: " سألته عن المريض


(1) سورة الانفال الآية 39 " قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " (2) الخصائص الكبرى ج 1 ص 249 وصحيح مسلم باب الايمان (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات


[ 4 ]

هل يقضى الصلاة إذا اغمى عليه ؟ قال لا إلا الصلاة التى أفاق فيها ". وعن حفص في الصحيح عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " يقضى الصلاة التى افاق فيها " وعن على بن مهزيار في الصحيح (2) قال: " سألته عن المغمى عليه يوما أو اكثر هل يقضى ما فاته من الصلاة أم لا ؟ فكتب لا يقضى الصوم ولا يقضى الصلاة " ورواه في الفقيه في الصحيح عن على بن مهزيار ايضا (3) وزاد فيه " وكل ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر ". وعن ابى بصير في الموثق أو الصحيح أو الضعيف - بالنظر الى الخلاف في ابى بصير - عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: " سألته عن المريض يغمى عليه ثم يفيق كيف يقضى صلاته ؟ قال يقضى الصلاة التى أدرك وقتها ". وعن ابى ايوب عن ابى عبد الله عليه السلام (5) قال: " سألته عن رجل اغمى عليه أياما لم يصل ثم أفاق أيصلى ما فاته ؟ قال لا شئ عليه ". وعن معمر بن عمر في الحسن إليه وهو مجهول (6) قال: " سألت أبا جعفر عليه السلام عن المريض يقضى الصلاة إذا أغمى عليه ؟ قال لا ". وفى الصحيح الى على بن محمد بن سليمان وهو مجهول (7) قال: " كتبت الى الفقيه ابى الحسن العسكري عليه السلام اسأله عن المغمى عليه يوما " أو اكثر هل يقضى ما فاته من الصلاة أم لا ؟ فكتب لا يقضى الصوم ولا يقضى الصلاة ". وما رواه الكليني والشيخ في الصحيح أو الحسن عن حفص بن البخترى عن ابى عبد الله عليه السلام (8) قال: " سمعته يقول في المغمى عليه قال ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر ". وما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام (9) " في الرجل يغمى عليه الايام ؟ قال لا يعيد شيئا من صلاته ".


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) و (9) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات.


[ 5 ]

وعن عبد الله بن سنان في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " كل ما غلب الله عليه فليس على صاحبه شئ ". وعن العلاء بن الفضيل (2) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يغمى عليه يوما الى الليل ثم يفيق قال ان أفاق قبل غروب الشمس فعليه قضاء يومه هذا، فان اغمى عليه أياما ذوات عدد فليس عليه ان يقضى إلا آخر ايامه ان أفاق قبل غروب الشمس وإلا فليس عليه قضاء ". وعن ابى بصير في الموثق أو الصحيح أو الضعيف - كما تقدم - عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " سألته عن الرجل يغمى عليه نهارا ثم يفيق قبل غروب الشمس ؟ قال يصلى الظهر والعصر، ومن الليل إذا أفاق قبل الصبح قضى صلاة الليل ". وعن عبد الله بن محمد الحجال في الصحيح (4) قال " كتبت إليه جعلت فداك روى عن ابى عبد الله عليه السلام في المريض يغمى عليه اياما فقال بعضهم يقضى صلاة يومه الذى افاق فيه، وقال بعضهم يقضى صلاة ثلاثة أيام ويدع ما سوى ذلك، وقال بعضهم انه لاقضاء عليه ؟ فكتب يقضى صلاة اليوم الذى يفيق فيه ". وروى الصدوق " قدس سره " في كتاب العيون والعلل في الصحيح عن الفضل ابن شاذان عن الرضا عليه السلام (5) في حديث قال: " وكذلك كل ما غلب الله عليه مثل المغمى عليه يغمى عليه في يوم وليلة فلا يجب عليه قضاء الصلوات كما قال الصادق علله السلام كل ما غلب الله على العبد فهو اعذر له ". وروى في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام (6) قال: " سألته عن المريض يغمى عليه اياما ثم يفيق ما عليه من قضاء ما ترك من الصلاة ؟ قال يقضى صلاة ذلك اليوم ".


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات (6) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات. وفيه وفى قرب الاسناد ص 97 " يقضى صلاة اليوم الذى افاق فيه ".


[ 6 ]

وقال الرضا عليه السلام في كتاب الفقه الرضوي (1) " قال العالم عليه السلام ليس على المريض ان يقضى الصلاة إذا اغمى عليه إلا الصلاة التى افاق في وقتها ". وروى الصدوق في كتاب الخصال بسنده عن موسى بن بكر (2) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام الرجل يغمى عليه اليوم واليومين والثلاثة والاربعة واكثر من ذلك كم يقضى من صلاته ؟ فقال ألا أخبرك بما يجمع لك هذا واشباهه: كل ما غلب الله عز وجل عليه من أمر فالله اعذر لعبده " وزاد فيه غيره (3) " ان أبا عبد الله عليه السلام قال وهذا من الابواب التى يفتح كل باب منها الف باب ". وروى في بصائر الدرجات عن احمد بن محمد مثله (4). هذا ما وقفت عليه من الاخبار الدالة على القول المشهور وهى كما ترى مع كثرتها فيه واضحة الظهور. وأما روايات المسألة الباقية فمنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن حفص عن ابى عبد الله عليه السلام (5) قال: " سألته عن المغمى عليه يوما الى الليل قال يقضى صلاة يوم ". وعن سماعة في الموثق (6) قال: " سألته عن المريض يغمى عليه قال: إذا جاز عليه ثلاثة أيام فليس عليه قضاء وان اغمى عليه ثلاثة أيام فعليه قضاء الصلاة فيهن ".


(1) و (4) البحار ج 18 الصلاة ص 677 (2) و (3) الوسائل الباب 8 من قضاء الصلوات (5) الوسائل الباب 4 من قضاء الصلوات. وليس في الوسائل ولا في التهذيب ج 1 ص 438 في هذا الحديث " يوما الى الليل " وانما هو في الوافى باب صلاة المغمى عليه، فقد نقله من التهذيب بطريقين وفيه هذا القول، والموجود في التهذيب والوسائل انما هو احد الطريقين ولم نقف على الطريق الآخر. ولا يخفى ان الشيخ في التهذيب ج 1 ص 421 يروى من طريق حفص الحديث رقم (5) إلا انه لا يشتمل على السؤال ومورد الكلام انما هو حديث حفص المشتمل على السؤال. (6) الوسائل الباب 4 من قضاء الصلوات


[ 7 ]

وعن حفص بن البخترى في الصحيح عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " المغمى عليه يقضى صلاة ثلاثة ايام ". وعن حفص في الصحيح عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: يقضى المغمى عليه ما فاته ". وعن حفص في الصحيح عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " يقضى صلاة يوم " وعن ابى بصير (4) قال: " قلت لابي جعفر عليه السلام رجل اغمى عليه شهرا " أيقضى شيئا من صلاته ؟ قال يقضى منها ثلاثة أيام ". وعن ابى كهمس (5) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام وسئل عن المغمى عليه أيقضى ما ترك من الصلاة ؟ فقال أما انا وولدى واهلى فنفعل ذلك ". وفى الحسن أو الصحيح عن ابراهيم بن هاشم عن غير واحد عن منصور بن حازم عن ابى عبد الله عليه السلام (6) " انه سأله عن المغمى عليه شهرا أو اربعين ليلة قال فقال ان شئت اخبرتك بما آمر به نفسي وولدى ان تقضى كل ما فاتك ". وفى الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام (7) قال: " كل شئ تركته من صلاتك لمرض اغمى عليك فيه فاقضه إذا افقت ". وفى الحسن عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام (8) قال: " سألته عن الرجل يغمى عليه ثم يفيق قال يقضى ما فاته يؤذن في الاولى ويقيم في البقية ". وفى الصحيح عن منصور بن حازم عن ابى عبد الله عليه السلام (9) " في المغمى عليه قال يقضى كل ما فاته " وعن رفاعة في الصحيح عن ابى عبد الله عليه السلام (10) قال: " سألته عن المغمى عليه شهرا ما يقضى من الصلاة ؟ قال يقضيها كلها، ان امر الصلاة شديد ". وروى في الذكرى عن اسماعيل بن جابر (11) قال: " سقطت عن بعيرى


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) و (9) و (10) و (11) الوسائل الباب 4 من قضاء الصلوات


[ 8 ]

فانقلبت على ام رأسي فمكثت سبع عشرة ليلة مغمى على فسألته عن ذلك فقال اقض مع كل صلاة صلاة " ونقل في الذكرى (1) عن ابن ادريس انه قال: " وروى انه يقضى صلاة شهر " اقول: وهذه الرواية لم تصل الينا. وكيف كان فالظاهر - كما ذكره الشيخ وقبله الصدوق في الفقيه وهو المشهور - هو حمل هذه الاخبار على الاستحباب كما يشير إليه خبر ابى كهمس ورواية منصور بن حارم الاولى وان تفاوتت مراتبه بالجميع أو الشهر أو الثلاثة أو اليوم الواحد فهى مترتبة في الفضل والاستحباب. قال في الفقيه (2) واما الاخبار التى رويت في المغمى عليه - انه يقضى جميع ما فاته وما روى انه يقضى صلاة شهر وما روى انه يقضى صلاة ثلاثة ايام - فهى صحيحة ولكنها على الاستحباب لا على الايجاب والاصل انه لاقضاء عليه. انتهى. والعجب ان هذا كلامه في الفقيه مع انه كما تقدم من عبارة المقنع اختار وجوب قضاء جميع ما فاته، وهذا من نوادر الاتفاق له في اختلاف الفتوى في مسألة واحدة وان كان ذلك كثيرا في كلام المجتهدين من اصحابنا (رضوان الله عليهم) تنبيهات الاول - قد صرح غير واحد من اصحابنا (رضوان الله عليهم) بانه لا يلحق بالكافر الاصلى من حكم بكفره من منتحلى الاسلام ولا غيرهم من المخالفين، فان الحكم في هؤلاء جميعا هو انهم بعد الاستبصار والرجوع إلى الدين الحق يجب عليهم قضاء ما فاتهم لو اخلوا بشئ من واجباته اما ما كان صحيحا في مذهبهم فلا اعادة عليهم فيه. اما الاول فلعموم الادلة الدالة على وجوب قضاء الفائت (3) الشامل لمحل البحث، وخروج الكافر الاصلى بدليل مختص به فيبقى ما عداه داخلا تحت العموم.


(1) ص 135 وفى البحار ج 18 الصلاة ص 676 (2) ج 1 ص 237 (3) الوسائل الباب 1 من قضاء الصلوات


[ 9 ]

واما الثاني فللاخبار المستفيضة الدالة على ذلك، ومنها ما رواه ثقة الاسلام والشيخ عنه في الصحيح أو الحسن عن زرارة وبكير والفضيل ومحمد بن مسلم وبريد العجلى عن ابى جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام) (1) " انهما قالا في الرجل يكون في بعض هذه الاهواء: الحرورية والمرجئة والعثمانية والقدرية ثم يتوب ويعرف هذا الامر ويحسن رأيه أيعيد كل صلاة صلاها أو صوم أو زكاة أو حج أو ليس عليه اعادة شئ من ذلك ؟ قال ليس عليه اعادة شئ من ذلك غير الزكاة لابدان يؤديها لانه وضع الزكاة في غير موضعها وانما موضعها أهل الولاية ". ومنها - ما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن ابن اذينة (2) قال: " كتب الى أبو عبد الله عليه السلام ان كل عمل عمله الناصب في حال ضلاله أو حال نصبه ثم من الله عليه وعرفه هذا الامر فانه يؤجر عليه ويكتب له إلا الزكاة فانه يعيدها لانه وضعها في غير موضعها وانما موضعها أهل الولاية، وأما الصلاة والصوم فليس عليه قضاؤهما ". ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن بريد بن معاوية العجلى عن ابى عبد الله عليه السلام (3) في حديث قال فيه " وكل عمل عمله وهو في حال نصبه وضلالته ثم من الله عليه وعرفه الولاية فانه يؤجر عليه إلا الزكاة... الى ان قال: وأما الصلاة والحج والصيام فليس عليه قضاء ". ومنها - ما رواه الكشى بسنده عن عمار الساباطى (4) قال: " قال سليمان بن خالد لابي عبد الله عليه السلام وانا جالس انى منذ عرفت هذا الامر أصلى في كل يوم صلاتين اقضي ما فاتني قبل معرفتي قال لا تفعل فان الحال التى كنت عليها أعظم من ترك ما تركت من الصلاة ". أقول: ظاهر هذا الخبر عدم وجوب قضاء ما تركه حال ضلاله، وهو


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 3 من المستحقين للزكاة (4) الوسائل الباب 31 من مقدمة العبادات


[ 10 ]

خلاف ما صرح به الاصحاب من وجوب قضاء ما تركه كما عرفت. وشيخنا الشهيد في الذكرى قد نقل هذا الخبر من كتاب الرحمة عن عمار كما ذكرناه ثم قال: وهذا الحديث مع ندوره وضعف سنده لا ينهض مخصصا للعموم مع قبوله التأويل بان يكون سليمان يقضى صلاته التى صلاها وسماها فائتة بحسب معتقده الآن، لانه اعتقد انه بحكم من لم يصل لمخالفتها في بعض الامور، فيكون معنى قول الامام عليه السلام " من ترك.. " ما تركت من شرائطها وافعالها، وحينئذ لا دلالة فيه على عدم قضاء الفائتة حقيقة في الحال الاولى. انتهى. واستشكل العلامة في التذكرة سقوط القضاء عن من صلى منهم أو صام لاختلال الشرائط والاركان. والظاهر بعده لدلالة الاخبار الصحيحة كما ترى على خلافه، والمستفاد من هذه الاخبار ترتب الثواب على تلك الاعمال بعد الدخول في الايمان وان كانت باطلة واقعا تفضلا منه سبحانه لرجوعه الى المذهب الحق، وبطلانها سابقا لا ينافى ترتب الثواب عليها اخيرا لان الثواب هنا انما هو تفضلي لا استحقاقي لتبعية للصحة والحال انها غير صحيحة كما عرفت. قيل: وصحيحة الفضلاء المتقدمة تدل على عدم الفرق في الحكم المذكور بين من يحكم باسلامه من فرق المخالفين ومن يحكم بكفره من أهل القبلة، لان من جملة من ذكر فيها صريحا الحرورية وهم كفار لانهم خوارج. اقول: هذا الخبر وامثاله انما خرج بناء على كفر المخالفين وانه لافرق بينهم وبين الخوارج كما هو مذهب متقدمي الاصحاب وبه استفاضت الاخبار كما قدمنا ذكره في كتاب الطهارة، والحكم باسلام المخالفين انما وقع في كلام جملة من المتأخرين غفلة عن التعمق في الاخبار والنظر فيها بعين الفكر والاعتبار، وسيأتى مزيد تحقيق للمسألة ان شاء الله تعالى في كتاب الحج. الثاني - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لو حصل الاغماء بفعل المكلف كشرب المسكر وشرب المرقد وجب القضاء، اسنده في الذكرى الى


[ 11 ]

الاصحاب، واستدل عليه بانه مسبب عن فعله. قال في المدارك: والاعتماد في ذلك على النصوص المتضمنة لوجوب قضاء الفوائت (1) المتناولة بعمومها لهذه الصورة. وقال الفاضل الخراساني في الذخيرة: واعلم ان ظاهر الادلة عدم الفرق بين أن يكون الاغماء من غير فعله أم لا، وذكر الشهيد انه لو اغمى عليه بفعله وجب عليه القضاء واسنده الى الاصحاب والحجة عليه غير واضحة. انتهى. وظاهره المخالفة في الحكم المذكور وستعرف ما فيه ان شاء الله تعالى. قالوا: ولو اكل غذاء لم يعلم بكونه مقتضيا للاغماء فاتفق انه آل الى الاغماء لم يجب عليه قضاء ما يفوته من الصلاة في حال الاغماء. قال في المدارك: والوجه فيه اطلاق النصوص المتضمنة لسقوط القضاء عن المغمى عليه (2) ثم قال: ولو علم بكون الغذاء موجبا للاغماء قيل وجب القضاء كتناول المسكر، ولو شربت المرأة دواء للحيض أو لسقوط الولد فتصير نفساء لم يجب عليها القضاء للعموم وبه قطع الشهيدان، وفرقا بين ذلك وبين تناول الغذاء المقتضى للاغماء بان سقوط القضاء عنهما عزيمة لا رخصة وتخفيف بخلاف المغمى عليه. وفى هذا الفرق نظر. انتهى. اقول وبالله سبحانه الثقة: لا ريب انه في جميع هذه الفروض المذكورة قد تعارض فيها اطلاق الاخبار الدالة على سقوط القضاء عن المغمى عليه بناء على الاشهر الاظهر واطلاق الاخبار الدالة على وجوب القضاء على من فاتته صلاة فتقييد أحد الاطلاقين بالآخر يحتاج الى مرجح، إلا ان الظاهر من اخبار الاغماء - بالنظر الى مادل عليه جملة منها من أن سقوط القضاء عن المغمى عليه انما هو من حيث ابتلاء الله سبحانه له بذلك المرض فهو سبحانه اعذر لعبده، كما في صحيحة حفص بن البخترى (3) من قوله " ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر " وفى حسنة عبد الله


(1) الوسائل الباب 1 من قضاء الصلوات (2) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات (3) ص 4 و 5 و 6 والراوي في الثانية " ابن سنان ".


[ 12 ]

ابن المغيرة " كل ما غلب الله عليه فليس على صاحبه شئ " ونحوه في صحيحة على بن مهزيار برواية الفقيه ورواية موسى بن بكر الصريحة في أن هذا أحد القواعد الكلية والابواب التى ينفتح منها الف باب - هو انها أخص من اخبار القضاء، وحينئذ فيجب تقييد اطلاق اخبار القضاء بها في هذا المقام في جميع ما ذكروه من الافراد التى تعارض فيها الاطلاقان المذكوران، فان الجميع ظاهر كما ترى في أن سقوط القضاء عن المغمى عليه انما هو من حيث كون الاغماء من قبله سبحانه وفعله بعبده، وحينئذ فالحاق الاغماء الحاصل من قبل المكلف به وان كان عن جهل ليس بجيد بل حكمه حكم ما لو تعمد ذلك من وجوب القضاء. ومن هذا التعليل الذى قد عرفت انه من القواعد الكلية والضوابط الالهية يفهم ايضا وجوب القضاء على الحائض والنفساء إذا كان عروض ذلك من قبلهما بشرب الدواء وان كان ظاهر الاصحاب خلافه عملا باطلاق اخبار الحيض كما ذكره السيد المذكور. هذا، مع انهم صرحوا في غير مقام بان الاحكام المودعة في الاخبار انما تنصرف وتحمل على الافراد الشائعة المتكررة فانها هي التى يتبادر إليها الاطلاق دون الفروض النادرة الوقوع. وبذلك يظهر لك ما في كلام الفاضل الخراساني المتقدم في المسألة الاولى وكلام السيد في الثانية جريا على كلام الاصحاب في الباب. واستثنى جماعة من متأخرى الاصحاب من الموجب للقضاء السكر الذى يكون الشارب غير عالم به أو اكره عليه أو اضطر إليه لحاجة. وفيه ما عرفت من ان مدار الحكم في سقوط القضاء عن المغمى عليه هو كون الاغماء من قبله سبحانه، فكل ما كان كذلك فانه لاقضاء وما لم يكن كذلك فالواجب القضاء عملا باطلاق اخبار وجوب القضاء لعدم المخصص لها، مؤيدا ذلك بما ذكرناه من عدم انصراف اطلاق الحكم بسقوط القضاء عن المغمى عليه الى هذه الافراد النادرة الوقوع. والله العالم. الثالث - قال في الذكرى - بعد أن ذكر ان مما يوجب القضاء النوم المستوعب


[ 13 ]

وشرب المرقد - ما لفظه: ولو كان النوم على خلاف العادة فالظاهر التحاقه بالاغماء وقد نبه عليه في المبسوط. انتهى. اقول: لا يخفى ان الاخبار الواردة بوجوب قضاء النائم لما نام عنه شاملة باطلاقها لهذا الفرد المذكور فلا اعرف لاستثنائه دليلا معتمدا. ومن الاخبار المشار إليها ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام (1) قال: " سألته عن رجل صلى ركعتين بغير طهور أو نسى صلاة لم يصلها أو نام عنها ؟ قال يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها من ليل أو نهار ". وفى الصحيح عن عبد الله بن مسكان رفعه الى ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " من نام قبل ان يصلى العتمة فلم يستيقظ حتى يمضى نصف الليل فليقض صلاته وليستغفر الله " الى غير ذلك من الاخبار. ويدل على ذلك اطلاق الاخبار الدالة على ان من فاتته فريضة بنوم أو غيره فانه يجب عليه قضاؤها وهى كثيرة: ومنها - صحيحة حماد بن عثمان (3) " انه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل فاته شئ من الصلوات فذكر عند طلوع الشمس أو عند غروبها ؟ قال فليصل حين يذكر " وصحيحة معاوية بن عمار (4) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول خمس صلوات لا تترك على حال... الى ان قال في تعداد الخمس المذكورة: وإذا نسيت فصل إذا ذكرت ". وصحيحة زرارة أو حسنته الطويلة الواردة في ترتب الفوائت (5) وغيرها من الاخبار الكثيرة.


(1) الوسائل الباب 1 و 2 من قضاء الصلوات واللفظ " سئل " وليس فيه " ركعتين " (2) الوسائل الباب 17 و 29 من مواقيت الصلاة (3) و (4) الوسائل الباب 29 من مواقيت الصلاة (5) الوسائل الباب 63 من مواقيت الصلاة


[ 14 ]

ومن هنا صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بوجوب قضاء كل ما فاته عمدا أو سهوا بنوم أو سكر أو شرب مرقد أوردة عن الاسلام إلا ما استثنى مما تقدم ذكره. والله العالم.

المسألة الثانية - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في أن من ترك الصلاة مستحلا تركها فان كان ممن ولد على فطرة الاسلام فانه يقتل من غير استتابة. لانه مرتد لانكاره ما علم ثبوته من الدين ضرورة، ومن حكم المرتد الفطري القتل وان تاب، إلا ان الاخبار - كما تقدم جملة منها في المقدمة الاولى من مقدمات هذا الكتاب - دلت على الكفر مطلقا من غير قيد الاستحلال، وقد مر تحقيق الكلام في ذلك في الموضع المشار إليه (1) وبينا انه لامانع من حمل الكفر فيها على المعنى الحقيقي. قالوا: وفى حكم استحلال الصلاة استحلال شرط مجمع عليه كالطهارة أو جزء كالركوع دون المختلف فيه كتعين الفاتحة ووجوب الطمأنينة، وكأنهم بنوا ذلك على الفرق بين ضروري الدين وضرورى المذهب وإلا فتعين الفاتحة ووجوب الطمأنينة لا خلاف فيه عندنا وانما الخلاف فيهما بين العامة والخاصة. والفرق المذكور لا يخلو عندي من اشكال لعدم ظهور الدليل عليه. وكيف كان فهذا الحكم مختص بالرجل دون المرأة فانها لا تقتل بل تستتاب فان ابت فانها تحبس وتضرب أوقات الصلاة حتى تتوب أو تموت. وان كان التارك مستحلا مليا بان كان كافرا ثم أسلم استتيب أولا فان امتنع قتل. وان لم يكن مستحلا عزر فان عاد عزر فان عاد ثالثة قتل على قول وقيل انما يقتل في الرابعة، والخلاف هنا مبنى على الخلاف في أصحاب الكبائر هل يقتلون في الثالثة أو الرابعة ؟ ولتحقيق المسألة محل آخر.


(1) ج 6 ص 18


[ 15 ]

ولا خلاف في ان المرتد فطريا كان أو مليا إذا رجع الى الاسلام فانه يقضى زمان ردته، والمستند فيه عموم الاخبار الدالة على وجوب قضاء الفوائت (1) خرج ما خرج بالدليل وبقى الباقي. وهذا الحكم واضح في المرتد الملى والمرأة مطلقا ملية أو فطرية فانه لااشكال ولا خلاف في قبول توبتهما متى تابا. وانما الخلاف والاشكال في الرجل المرتد إذا كان فطريا هل تقبل توبته أم لا ؟ ففيه أقوال ثلاثة:

(الاول) - وهو المشهور على ما صرح به شيخنا الشهيد الثاني في كتاب الميراث من المسالك - عدم قبولها مطلقا، قال في الموضع المذكور من الكتاب المشار إليه: واما عدم قبولها مطلقا فالمشهور ذلك عملا باطلاق الاخبار (1) والحق قبولها في ما بينه وبين الله تعالى حذرا من التكليف بما لا يطاق. انتهى. وبذلك يظهر مافى كلام بعض مشايخنا المعاصرين حيث ادعى ان المشهور هو قبولها باطنا وعدم قبولها ظاهرا.

(الثاني) قبولها مطلقا باطنا وظاهرا وهو منقول عن ابن الجنيد.

(الثالث) قبولها باطنا وعدم قبولها ظاهرا وهو اختيار شيخنا الشهيد الثاني كما سمعت من كلامه وعليه جملة من المتأخرين وهو الظاهر عندي، وبه يجمع بين ادلة المسألة ويزول عنها الاختلاف، وحينئذ فتجرى عليه الاحكام التى أوجبتها الردة من القتل وبينونة الزوجة وقسمة امواله على الورثة وتصح عباداته في ما بينه وبين الله سبحانه وتقبل منه لو اتفق ذلك قبل القتل وبعد التوبة. حجة القول المشهور ظواهر الاخبار مثل قول ابى جعفر عليه السلام في حسنة محمد بن مسلم (2) " وقد سأل عن المرتد فقال من رغب عن الاسلام وكفر بما انزل على محمد صلى الله عليه وآله بعد اسلامه فلا توبة له وقد وجب قتله وبانت منه امرأته ويقسم ما ترك على ولده ".


(1) و (2) الوسائل الباب 1 من حد المرتد


[ 16 ]

وقول ابى عبد الله عليه السلام في موثقة عمار الساباطى (1) " كل مسلم بين مسلمين ارتد عن الاسلام وجحد محمدا صلى الله عليه وآله نبوته وكذبه فان دمه مباح لكل من سمع ذلك منه وامرأته عدة بائنة منه يوم ارتد فلا تقربه ويقسم ماله على ورثته، وتعتد امرأته المتوفى عنها زوجها، وعلى الامام ان يقتله ولا يستتيبه ". ونحو هما غير هما من الاخبار، وظاهر هما عدم القبول مطلقا لاجرائه مجرى الميت في الاحكام المذكورة. حجة القول بالقبول باطنا وعدمه ظاهرا كما هو المختار الجمع بين الاخبار المذكورة وبين ما دل على قبول التوبة من الآيات القرآنية والاخبار النبوية. ومن الآيات قوله عزوجل " ومن يفعل ذلك يلق اثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فاولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات (2) " وقوله سبحانه: " فمن تاب من بعد ظلمه واصلح فان الله يتوب عليه ان الله غفور رحيم " (3) ومفهوم قوله عزوجل " ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر " (4). ومن الاخبار حسنة محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام (5) قال: " من كان مؤمنا فعمل خيرا في ايمانه ثم اصابته فتنة فكفر ثم تاب بعد كفره كتب له وحسب كل شئ كان عمله في ايمانه ولا يبطله الكفر إذا تاب بعد كفره " الى غير ذلك من الآيات والروايات. وكذا ما دل على توجه خطاب التكليف إليه من عموم أدلة التكاليف لكل بالغ عاقل مسلم فيلزم صحة عباداته وقبولها منه المستلزم لقبول التوبة باطنا وإلا لزم


(1) الوسائل الباب 1 من حد المرتد (2) سورة الفرقان الآية 68 و 69 (3) سورة المائدة الآية 43 (4) سورة البقرة الآية 214 (5) الوسائل الباب 99 من جهاد النفس


[ 17 ]

التكليف بما لا يطاق، كما يشير إليه كلام شيخنا الشهيد الثاني المتقدم، وهو منفى عقلا ونقلا. وحينئذ فلو لم يطلع عليه أحد أو لم يقدر على قتله أو تأخر بوجه وقد حصلت منه التوبة فانه تقبل توبته في ما بينه وبين الله عزوجل وتصح عباداته ومعاملاته ويطهر بدنه ويدفن في مقابر المسلمين، لقوله عزوجل زيادة على ما تقدم " إلا الذين تابوا من قبل ان تقدروا عليهم فاعلموا ان الله غفور رحيم " (1) ولا ينافيه اجراء تلك الاحكام التى اشتملت عليها الاخبار المتقدمة، فان هذا أمر آخر وراء قبول التوبة باطنا. وأما ما نقل عن ابن الجنيد وهو القول الثالث فلعل وجهه العمل بما دل على قبول التوبة من الآيات والروايات، إلا ان فيه طرحا للاخبار المتقدمة والجمع بين الدليلين متى أمكن أولى من طرح أحدهما. إذا عرفت ذلك فاعلم ان كلام شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك في هذه المسألة لا يخلو من اضطراب، فانه قال في كتاب الميراث ما قدمنا ذكره مما يدل على ان المختار عنده هو قبول التوبة باطنا لا ظاهرا وان المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) هو عدم القبول مطلقا. وقال في كتاب القضاء: ثم ان قبلت توبته كالمرأة والملى قضى وان لم تقبل ظاهرا كالفطري على المشهور فان امهل بما يمكنه القضاء قبل قتله قضى وإلا بقى في ذمته، والاقوى قبول توبته مطلقا. انتهى. وهذا الكلام كما ترى ظاهر في اختياره قبول التوبة ظاهرا وباطنا كما هو المنقول عن ابن الجنيد وهو خلاف ما صرح به في كتاب الميراث، وظاهره ان القبول ظاهرا وعدمه محل خلاف والمشهور هو عدم القبول مع انه ادعى الاجماع في مبحث الارتداد من كتاب الحدود على عدم قبول توبته ظاهرا وقوى قبولها


(1) سورة المائدة الآية 38


[ 18 ]

باطنا كما حكيناه عنه في كتاب الميراث، ففى الاول نسب عدم القبول ظاهرا الى المشهور مؤذنا بالخلاف فيه، وفى الثاني ادعى الاجماع المؤذن بعدم الخلاف. ويمكن الجواب عن هذا بحمل الاجماع على الشهرة وان عبر بلفظ الاجماع لما ذكره الشهيد في الذكرى من انهم كثيرا ما يريدون به الشهرة دفعا للتناقض الواقع في كلامهم في دعوى الاجماع على حكم ودعوى الاجماع على خلافه من ذلك المدعى أو غيره، وانما الاشكال في اختياره القول بالقبول باطنا لا ظاهرا كما في كتاب الميراث مع اختياره القبول ظاهرا وباطنا كما في كتاب القضاء. والله العالم.

المسألة الثالثة - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب تقديم الفائتة على الحاضرة على اقوال ثلاثة، وقد تقدم تحقيق هذه المسألة مستوفى بحمد الله سبحانه في مبحث الاوقات فلا حاجة الى الاعادة.

المسألة الرابعة - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لو نسى تعيين الصلاة الفائتة بان كانت واحدة مثلا ولا يعلم ايها من الخمس فانه يصلى ثلاثا ينوى بها المغرب واربعا مرددة بين الظهر والعصر والعشاء واثنتين ينوى بهما الصبح، ذهب إليه الشيخان وابنا بابويه وابن الجنيد واكثر المتأخرين، ونقل الشيخ في الخلاف الاجماع عليه (1) ونقل عن ابى الصلاح وابن حمزة وجوب الخمس. ويدل على المشهور ما رواه الشيخ باسنادين أحدهما من الصحاح والآخر من الحسان عن على بن اسباط عن غير واحد من اصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال " من نسى من صلاة يومه واحدة ولم يدر أي صلاة هي صلى ركعتين وثلاثا وأربعا " وما رواه أحمد بن ابى عبد الله البرقى في كتاب المحاسن عن على بن مهزيار عن الحسين رفعه (3) قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل نسى صلاة من الصلوات الخمس لا يدرى ايتها هي قال يصلى ثلاثة وأربعة وركعتين، فان كانت الظهر أو العصر أو العشاء كان قد صلى أربعا، وان كانت المغرب أو الغداة فقد صلى ".


(1) وفى الخطية " وهو الاظهر " (2) و (3) الوسائل الباب 11 من قضاء الصلوات


[ 19 ]

احتج الفاضلان المذكوران بعموم ما دل على وجوب قضاء الفوائت ولا يعلم إلا بالاتيان بالخمس كملا. واحتج في المدارك على القول المشهور بما لا يخلو عند التأمل الصادق من القصور، قال بعد ذكر القول المشهور أولا ثم القول الثاني: والمعتمد الاول، لنا ان الواجب عليه صلاة واحدة لكن لما كانت غير متعينة والزيادة والنقيصة في الصلاة مبطلة وجب عليه الاتيان بالثلاث لدخول الواجب في أحدها يقينا والاصل براءة الذمة من الزائد، ويؤيده رواية على بن اسباط... ثم ساق الرواية الى قوله " أربعا ". أقول: لا يخفى انه لما كانت الرواية المذكورة باصطلاحه ضعيفة السند لفق هذا الدليل وجعله المعتمد وجعل الرواية مؤيدة له. وفيه ان دليله لا يفي بالمطلوب ولا يقوم حجة على الخصم، لان مطرح النزاع في هذه المسألة هو انه هل يكتفى بالرباعية المرددة بين الثلاث الفرائض المذكورة أم يجب الاتيان بكل فريضة منها على حدة حتى يستوفى الخمس ؟ فالخصم يوجب الثاني وهو الحق بناء على طرح الرواية من البين لما ذكره ذلك الخصم من التعليل، وجوابه عنه بالمنع لحصوله بالثلاث المرددة مردود بان العبادات توقيفية من الشارع كما وكيفا واداء وقضاء ووجوبا وندبا لا مسرح لامثال هذه التخريجات الغثة فيها، ولم يثبت من الشارع الاكتفاء بذلك بناء على طرح النص المذكور، ويقين براءة الذمة لا يحصل إلا بالاتيان بالثلاث المذكورة على حدة. ويؤيده ان الاصل عدم التداخل، والقول بالتداخل والاكتفاء بالواحدة من غير دليل شرعى مردود. وبالجملة فان دليله المذكور لا يخرج عن المصادرة لان الخصم يمنع الاكتفاء بالاربع المرددة ويوجب الاتيان بالخمس وهو يحتج بالاكتفاء بها وهو عين الدعوى، ومن ثم ان صاحب الذخيرة مع اقتفائه له في اكثر الاحكام عدل عنه في هذا المقام ولفق للاستدلال بالخبر وجوها ذكرها لجبر ضعفه، والكل حاصل عن ضيق الخناق في هذا الاصطلاح


[ 20 ]

الذى هو الى الفساد أقرب من الصلاح كما نبهت عليه في غير مقام. فروع الاول - لو كانت الفائتة في الصورة المذكورة في السفر صلى ثنائية مطلقة اطلاقا رباعيا ومغربا، وخالف ابن ادريس هنا مع موافقته ثمة نظرا الى اختصاص النص بالاول فالتعدية قياس، وزعما منه حصول الاجماع ثمة دون ما هنا. وانت خبير بان ظاهر خبر المحاسن وقوله عليه السلام فيه " فان كانت الظهر أو العصر أو العشاء كان قد صلى أربعا، هو الاشارة الى ان الغرض من التشريك والعلة فيه هو حصول الفريضة الفائتة في ضمن هذه الكيفية. ولا تفاوت فيه بين اشتراك هذا العدد بين ثلاث فرائض أو أربع، وورود الثلاث في الخبرين المذكورين انما هو باعتبار صلاة الحضر التى هي الغالبة المتكررة، فذكر هذا التفصيل فيها بالثلاث والاربع والثنتين انما خرج مخرج التمثيل. الثاني - لو قلنا بالترديد كما هو المشهور وقلنا بوجوب الجهر والاخفات فهل الحكم في هذه الفريضة المترددة الجهر أو الاخفات ؟ اشكال، والظاهر من كلام جملة من الاصحاب هنا التخيير، ولا يخلو من قرب وإلا لزم الترجيح من غير مرجح. الثالث - لو تعددت الفائتة المجهولة قضى كما تقدم مكررا. فلو كان العدد معلوما كأن نسى فريضتين مجهولتين مثلا صلى ثلاثا ثلاثا ان كانتا من صلاة الحضر وان كانتا من السفر اثنتين اثنتين، وعلى هذا النحو لو نسى ثلاث فرائض مجهولات، وأما لو لم يكن العدد معلوما قضى على الوجه المذكور حتى يغلب على ظنه الوفاء. الرابع - لو فاتته فريضة معينة مرات لا يعلم عددها قالوا يكرر حتى يغلب على ظنه الوفاء، قال في المدارك: وهو مقطوع به في كلام الاصحاب ولم نقف فيه على نص بالخصوص. وبنحو ذلك صرح جده (قدس سره) في الروض ثم قال: والظاهر من الجماعة ايضا انه لانص عليه. ثم قال نعم ورد ذلك في قضاء النوافل الموقتة فروى


[ 21 ]

مرازم (1) قال: " سأل اسماعيل بن جابر أبا عبد الله عليه السلام ان على نوافل كثيرة فقال اقضها. فقلت لا احصيها ؟ قال توخ " والتوخى التحرى وهو طلب ما هو أحرى بالاستعمال في غالب الظن، قاله الجوهرى. وروى عبد الله بن سنان عنه عليه السلام (2) " في رجل فاته من النوافل ما لا يدرى ما هو من كثرته كيف يصنع ؟ قال يصلى حتى لا يدرى كم صلى من كثرته فيكون قد قضى بقدر ما عليه " قال في الذكرى: وبهذين الحديثين احتج الشيخ على أن من عليه فرائض لا يعلم كميتها يقضى حتى يغلب على ظنه الوفاء من باب التنبيه بالادنى على الاعلى. وفيه نظر لان كون النوافل ادنى مرتبة يوجب سهولة الخطب فيها والاكتفاء بالامر الاسهل فلا يلزم منه تعدية الحكم الى ما هو أقوى وهو الفرائض كما لا يخفى، بل الامر في ذلك بالعكس فان الاكتفاء بالظن في الفرائض الواجبة الموجبة لشغل الذمة يقتضى الاكتفاء به في النوافل التى ليست بهذه المثابة بالاولى. انتهى. قال في المدارك: ويمكن الجواب عنه بان الشيخ (قدس سره) انما استدل بالرواية على وجوب القضاء الى أن يغلب على الظن الوفاء لا على الاكتفاء بالظن فانه يكفى في عدم اعتبار ما زاد عليه عدم تحقق الفوات. نعم يرد على هذا الاستدلال ان قضاء النوافل على هذا الوجه انما هو على وجه الاستحباب فلا يلزم منه وجوب قضاء الفريضة كذلك. انتهى.

والتحقيق أن يقال انه لما كانت المسألة غير منصوصة فالواجب فيها العمل بالاحتياط كما أشرنا إليه في غير موضع مما تقدم، ووجهه انه لاريب ان الذمة مشغولة بالفريضة بيقين ولا تبرأ إلا بيقين الاداء من جميع ذلك، وحيث كانت الفريضة في هذه الصورة المفروضة غير معلومة المقدار لكثرتها فيقين البراءة لا يحصل إلا بالقضاء بما يقابل الكثرة الفائتة، فان كان الفائت قد بلغ في الكثرة الى حد لا يدرى ما قدره فينبغي أن يكون القضاء كذلك، وورد ذلك في النافلة مع


(1) و (2) الوسائل الباب 19 من اعداد الفرائض ونوافلها


[ 22 ]

انها مستحبة، وانما الغرض الحث على الاتيان بالمستحبات على وجه يحصل به يقين القيام بالوظائف الشرعية والسنة المحمدية صلى الله عليه وآله فكيف بالفرائض الواجبة الموجبة لشغل الذمة، فان تحصيل يقين البراءة فيها أهم وطلب الوجه الموجب للخروج عن المؤاخذة فيها أعظم وأتم. وبالجملة فكلام الشيخ (رضوان الله عليه) لا يخلو من قوة وابواب المناقشات واسعة المجال لا يسلم من تطرقها مقال. ونقل عن العلامة (قدس سره) في التذكرة الاكتفاء بقضاء ما تيقن فواته خاصة، قال في المدارك: وهو متجه لاصالة البراءة من التكليف بالقضاء مع عدم تيقن الفوات، ولان الظاهر من حال المسلم انه لا يترك الصلاة، ويؤيده حسنة زرارة والفضيل عن ابى جعفر عليه السلام (1) قال: " متى استيقنت أو شككت في وقت صلاة انك لم تصلها صليتها، وان شككت بعد ما خرج وقت الفوات فقد دخل حائل فلا اعادة عليك من شك حتى تستيقن، وان استيقنت فعليك أن تصليها في أي حال كنت " انتهى. وهو جيد من حيث الاعتبار إلا ان التحقيق ما قدمنا ذكره.

المسألة الخامسة - لا خلاف بين علماء الفريقين في ترتب الحواضر بعضها على بعض، وأما الفوائت فالمشهور بين اصحابنا (رضوان الله عليهم) وجوب الترتيب بينها إذا علمه بل نقل الفاضلان في المعتبر والمنتهى الاجماع عليه، وحكى الشهيد في الذكرى عن بعض الاصحاب ممن صنف في المضايقة والمواسعة القول بالاستحباب استدل الاولون بقوله صلى الله عليه وآله (2) " من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته " والتقريب فيه انه يجب الترتيب في الاداء فكذا في القضاء. وما رواه الشيخ عن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام في الصحيح (3) قال: " إذا


(1) الوسائل الباب 60 من مواقيت الصلاة (2) لم نقف على حديث بهذا اللفظ في ما وقفنا عليه من أحاديث الخاصة والعامة ويمكن أن يكون نقلا بالمضمون لما دل على وجوب المماثلة بين القضاء والاداء. (3) الوسائل الباب 63 من المواقيت و 1 من قضاء الصلوات والشيخ يرويه عن الكليني


[ 23 ]

نسيت صلاة أو صليتها بغير وضوء وكان عليك قضاء صلوات فابدأ بأولاهن فاذن لها واقم ثم صلها ثم ما بعدها باقامة اقامة لكل صلاة ". وعن محمد بن مسلم في الصحيح (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل صلى الصلوات وهو جنب اليوم واليومين والثلاثة ثم ذكر بعد ذلك ؟ قال يتطهر ويؤذن ويقيم في أولاهن ثم يصلى ويقيم بعد ذلك في كل صلاة فيصلى بغير اذان حتى يقضى صلاته ". وأجاب في الذخيرة عن الخبر الاول بعدم صحة الرواية وانها غير ثابتة قال والظاهر انها من طريق العامة، سلمنا لكن اقتضاء التشبيه المماثلة من جميع الجهات بحيث يشمل هذه الاوصاف الاعتبارية غير واضح. ثم أورد على صحيح زرارة بان الامر في اخبارنا غير واضح الدلالة على الوجوب، الى أن قال: وللتوقف في هذه المسألة طريق وطريق الاحتياط رعاية الترتيب. اقول: أما ما ذكره في رد الخبر الاول فجيد. وأما ما ذكره في رد الخبر الثاني فقد عرفت ما فيه في غير موضع مما تقدم. وبالجملة فان الحكم مما لااشكال فيه. واما القول الذى حكاه في الذكرى عن بعض الاصحاب فلم نقف له على دليل. إلا انه قال في الذكرى ان قائله حمل الاخبار وكلام الاصحاب على الاستحباب، ثم قال وهو حمل بعيد مردود بما اشتهر بين الجماعة. ثم قال (فان قيل) هي عبادات مستقلة والترتيب فيها من توابع الوقت وضروراته فلا يعتبر في القضاء كالصيام (قلنا) قياس في معارضة النص، ومعارض بانها صلوات وجبت مرتبة فلتقض مرتبة كالاداء. والاول من تعليليه جيد. والثانى مبنى على الحديث النبوى المتقدم وقد عرفت ما فيه. وبالجملة فان الحكم مما لا إشكال فيه مع العلم بالترتيب وانما الاشكال والخلاف مع جهله والاظهر سقوطه وبه قطع العلامة في التحرير وولده في الشرح، واليه ذهب جمع من المتأخرين: منهم - الشهيدان وهو ظاهر العلامة في القواعد.


(1) الوسائل الباب 1 من قضاء الصلوات


[ 24 ]

والوجه فيه ان الروايات المتضمنة لوجوب الترتيب لا تتناول الجاهل نصا ولا ظاهرا فيكون منفيا بالاصل. واستدل عليه في الذكرى بامتناع التكليف بالمحال واستلزام التكرار المحصل له الحرج المنفى (1). وقيل بوجوب الترتيب لامكان الامتثال بالتكرار المحصل له، وبه صرح العلامة في الارشاد، وعلى هذا فيجب على من فاته الظهر والعصر من يومين وجهل السابق أن يصلى ظهرا بين عصرين أو عصرا بين ظهرين ليحصل الترتيب بينهما على تقدير سبق كل منهما. ولو جامعهما مغرب من ثالث صلى الثلاث قبل المغرب وبعدها. ولو كان معها عشاء صلى السبع قبلها وبعدها. ولو انضم إليها صبح صلى الخمس عشرة قبلها وبعدها. والضابط تكريرها على وجه يحصل الترتيب على جميع الاحتمالات وهى اثنان في الاول وستة في الثاني واربعة وعشرون في الثالث ومائة وعشرون في الرابع حاصلة من ضرب ما اجتمع سابقا من الاحتمالات في عدد الفرائض المطلوبة، ففى الصورة الاولى من الاحتمالات وهى اثنان ثلاث فرائض، وفى الصورة الثانية من الاحتمالات وهى ستة سبع فرائض، وفى الصورة الثالثة منها وهى اربعة وعشرون احتمالا خمس عشرة فريضة، وفى الرابعة وهى مائة وعشرون احتمالا احدى وثلاثون فريضة، وعلى هذا القياس. ويمكن حصول الترتيب بوجه اخصر واسهل وهو ان يصلى الفوائت المذكورة باى ترتيب أراد ويكررها كذلك ناقصة عن عدد ما فاته من الصلاة بواحدة ثم يختم بما بدأ به، فيصلى في الفرض الاول الظهر والعصر ثم الظهر أم بالعكس، وفى الثاني الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم يكرر مرة اخرى ثم يصلى الظهر، وفى هذين لافرق بين الضابطين من حيث العدد، وفى الثالث يصلى الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء ثم يكررها مرتين ثم يصلى الظهر فيحصل الترتيب بثلاث عشرة فريضة،


(1) ج 1 ص 151


[ 25 ]

ومقتضى الضابطة السابقة حصول الترتيب بخمس عشرة فريضة. وعلى هذا القياس في غيرها من الصور. هذا كله في ترتيب فوائت اليومية بعضها على بعض، وأما الترتيب بين فوائت غير اليومية - مثل صلاة الآيات المتعددة الاسباب بحيث يقدم ما تقدم سببه وهكذا وكذا الترتيب بينها وبين اليومية بان يكون عليه فوائت من اليومية وفوائت من غيرها - ففى وجوب الترتيب في هاتين الصورتين وعدمه اشكال، حيث لانص في هذا المقام، والاحتياط يقتضى الترتيب. قال في الذكرى: قال بعض المتأخرين بسقوط الترتيب بين اليومية والفوائت الاخر وكذا بين تلك الفوائت اقتصارا بالوجوب على محل الوفاق، وبعض مشايخ الوزير السعيد مؤيد الدين ابن العلقمي (طاب ثراهما) أوجب الترتيب في الموضعين نظرا الى عموم " فليقضها كما فاتته " (1) وجعله الفاضل في التذكرة احتمالا، ولا بأس به. انتهى. أقول: قد عرفت ما في هذا الحديث الذى استند إليه هذا القائل، مع انه على تقدير صحة الخبر المذكور لا يخلو الاستدلال من المناقشة ايضا.

المسألة السادسة - الاعتبار في القصر والتمام وكذا في الجهر والاخفات بحال الفوات. أما الاول فقال في المدارك: انه مذهب العلماء كافة إلا من شذ. والظاهر انه اشار به الى ما نقله في الذكرى عن المزني من علماء العامة من القصر اعتبارا بحالة الفعل كالمريض إذا قضى فانه يعتبر حاله والمتيمم كذلك (2) قال: ورد بسبق


(1) ارجع الى التعليقة 2 ص 22 (2) في مختصر المزني على هامش " الام " ج 1 ص 125 " قال الشافعي ان نسى صلاة سفر فذكرها في حضر فعليه ان يصليها صلاة حضر لان علة القصر هي النية والسفر فإذا ذهبت العلة ذهب القصر، وإذا نسى صلاة حضر فذكرها في سفر فعليه يصليها اربعا لان أصل الفرض أربع فلا يجزئه أقل منها وانما رخص له في القصر ما دام وقت الصلاة =


[ 26 ]

الاجماع. والمريض والمتيمم عاجزان عن القيام واستعمال الماء، ولا تكليف مع العجز ولهذا لو شرع في الصلاة قائما ثم مرض قعد.. الى آخر كلامه زيد في اكرامه. واستدل الاصحاب على الحكم المذكور بقوله صلى الله عليه واله (1) " فليقضها كما فاتته " وقد تقدم ان الخبر المذكور لم يثبت من طرقنا. والمروى من طرقنا مما يدل على ذلك ما رواه الشيخ في الصحيح أو الحسن عن زرارة (2) قال: " قلت له رجل فاتته صلاة من صلاة السفر فذكرها في الحضر ؟ فقال يقضى ما فاته كما فاته: ان كانت صلاة السفر اداها في الحضر مثلها وان كانت صلاة الحضر فليقض في السفر صلاة الحضر كما فاتته ". وعن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام (3) قال: " إذا نسى الرجل صلاة أو صلاها بغير طهور وهو مقيم أو مسافر فذكرها فليقض الذى وجب عليه لا يزيد على ذلك ولا ينقص، ومن نسى أربعا فليقض أربعا حين يذكرها مسافرا كان أو مقيما، ومن نسى ركعتين صلى ركعتين إذا ذكر مسافرا كان أو مقيما ". ولو حصل الفوات في اماكن التخيير فهل يستحب التخيير في القضاء مطلقا أو بشرط ان يوقعه في تلك الاماكن أو يتعين القصر ؟ احتمالات احوطها الاخير. وأما الثاني وهو ان يقضى الجهرية والاخفاتية كما كانت تؤدى ليلا كان


- قائما وهو مسافر فإذا زال وقتها ذهبت الرخصة " وفى المغنى ج 2 ص 282 " نص احمد على انه إذا نسى صلاة حضر فذكرها في السفر أو صلاة سفر فذكرها في الحضر صلى في الحالتين صلاة حضر، اما المسألة الاولى فبالاجماع يصلى اربعا. واما الثانية وهو ما إذا نسى في السفر وذكر في الحضر فبالاحتياط يصلى اربعا. والى ذلك ذهب الاوزاعي وداود والشافعي في أحد قوليه، وقال مالك والثوري واصحاب الرأي يصليها صلاة سفر لانه انما يقضى ما فاته ولم يفته إلا كعتان ". (1) ارجع الى التعليقة 2 ص 22. (2) الوسائل الباب 6 من قضاء الصلوات. والشيخ يرويه عن الكليني (3) الوسائل الباب 6 من قضاء الصلوات.


[ 27 ]

أو نهارا فقد نقل الشيخ فيه الاجماع، ويدل عليه عموم قوله في الخبر الاول " يقضى ما فاته كما فاته " وان كان مورد الخبر العدد الذى هو أحد افراد هذه القضية الكلية. بقى الكلام هنا في موضعين: أحدهما - بالنسبة الى الكيفية التى هي عبارة عن هيئة الصلاة التى تؤدى عليها، والظاهر ان الاعتبار فيها بحال الفعل لاحال الفوات كصلاة الصحيح وصلاة المريض، فيقضى الصحيح فائتة المرض بالكيفية التى يصليها صحيحا ويقضى المريض فائتة الصحة على الكيفية التى هو عليها جالسا أو قائما أو نحو ذلك ويجب عليه بل ولا يجوز له التأخير الى ان يصح ويأتى بصلاة الصحيح. وثانيهما - لو قضى الرجل عن المرأة أو بالعكس مع وجوب الجهر على الرجل والاخفات على المرأة في القراءة أو جميع أفعال الصلاة بناء على تحريم اسماعها الأجنبي صوتها، وهكذا بالنسبة الى سنن صلاة المرأة وما يخصها في القيام والقعود ونحوهما، فهل الاعتبار بالقاضي أو المقضى عنه ؟ الظاهر الاول فيقضى الرجل صلاة المرأة كما يقضى عن نفسه، عملا بعموم الخطاب المتعلق به من وجوب الجهر عليه في موضعه والتكاليف الموظفة في قيامه وقعوده وأفعال صلاته أعم من أن يكون ذلك عن نفسه أو غيره، فان الاخبار الدالة على احكام صلاة الرجل لا تخصيص فيها بما أوقعه عن نفسه بل هي أعم من ذلك كما لا يخفى. وكذا المرأة تقضى صلاة الرجل مثل صلاتها عن نفسها بالتقريب المذكور. والله العالم.

المسألة السابعة - يستحب قضاء النوافل الموقتة اجماعا نصا وفتوى والاخبار بذلك متظافرة: ومنها - ما رواه ثقة الاسلام عن عبد الله بن سنان (1) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام رجل عليه من صلاة النوافل ما لا يدرى ما هو من كثرته كيف يصنع ؟ قال فليصل حتى لا يدرى كم صلى من كثرته فيكون قد قضى بقدر علمه. قلت فانه لا يقدر


(1) الوسائل الباب 18 من اعداد الفرائض ونوافلها


[ 28 ]

على القضاء من كثرة شغله ؟ فقال ان كان شغله في طلب معيشة لابد منها أو حاجة لاخ مؤمن فلا شئ عليه، وان كان شغله لدنيا تشاغل بها عن الصلاة فعليه القضاء وإلا لقى الله تعالى مستخفا متهاونا مضيعا لسنة رسول الله صلى الله عليه واله الحديث.. " ويأتى تمامه ان شاء الله تعالى. وما رواه في الكافي والتهذيب في الحسن عن مرازم (1) قال: " سأل اسماعيل ابن جابر أبا عبد الله عليه السلام فقال اصلحك الله ان على نوافل كثيرة فكيف اصنع ؟ فقال اقضها. فقال له انها اكثر من ذلك ؟ قال اقضها قلت لا احصيها ؟ قال توخ. قال مرازم وكنت مرضت أربعة اشهر لم اتنفل فيها فقلت أصلحك الله وجعلت فداك انى مرضت أربعة أشهر لم اصل فيها نافلة ؟ قال ليس عليك قضاء ان المريض ليس كالصحيح كل ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر فيه ". وقوله عليه السلام في هذا الخبر " ليس عليك قضاء " محمول على نفى تأكد الاستحباب لحسنة محمد بن مسلم (2) قال: " قلت له رجل مرض فترك النافلة ؟ فقال يا محمد ليست بفريضة ان قضاها فهو خير يفعله وان لم يفعل فلا شئ عليه ". ثم انه مع عدم القدرة على القضاء يتصدق لما رواه عبد الله بن سنان في تتمة الخبر المتقدم " قلت فانه لا يقدر على القضاء فهل يجزئ ان يتصدق ؟ فسكت مليا ثم قال فليتصدق بصدقة. قلت فما يتصدق ؟ قال بقدر طوله وادنى ذلك مد لكل مسكين مكان كل صلاة. قلت وكم الصلاة التى يجب فيها مد لكل مسكين ؟ فقال لكل ركعتين من صلاة الليل مدوكل ركعتين من صلاة النهار مد. فقلت لا يقدر ؟ فقال مد اذن لكل اربع ركعات. فقلت لا يقدر ؟ فقال مد لكل صلاة الليل ومد لصلاة النهار، والصلاة أفضل والصلاة أفضل والصلاة أفضل " والاصحاب (رضوان الله عليهم) قد ذكروا هنا انه ان عجز يتصدق عن كل ركعتين بمدفان عجز فعن كل يوم بمد استحبابا. ولا يخفى


(1) الوسائل الباب 19 و 20 من اعداد الفرائض ونوافلها (2) الوسائل الباب 20 من اعداد الفرائض ونوافلها


[ 29 ]

ما فيه من عدم الانطباق على ما تضمنه الخبر. والله العالم.

المسألة الثامنة - قال في الذكرى: قد اشتهر بين متأخرى الاصحاب قولا وفعلا الاحتياط بقضاء صلاة يتخيل اشتمالها على خلل بل جميع العبادات الموهوم فيها ذلك، وربما تداركوا مالا يدخل الوهم في صحته وبطلانه في الحياة وبالوصية بعد الوفاة، ولم نظفر بنص في ذلك بالخصوص، وللبحث فيه مجال إذ يمكن ان يقال بشرعيته لوجوه: منها - قوله تعالى " فاتقوا الله ما استطعتم " (1) و " اتقوا الله حق تقاته " (2) " وجاهدوا في الله حق جهاده " (3) " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " (4) " والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة " (5) وقول النبي صلى الله عليه واله (6) " دع ما يريبك الى ما لا يريبك " و " انما الاعمال بالنيات " (7) و " من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه " (8) وقوله صلى الله عليه واله (9) للمتيمم لما أعاد صلاته لوجود الماء في الوقت " لك الاجر مرتين " وللذى لم يعد " اصبت السنة "


(1) سورة التغابن الآية 16 (2) سورة آل عمران الآية 97 (3) سورة الحج الآية 77 (4) سورة العنكبوت الآية 69 (5) سورة المؤمنون الآية 62 (6) الوسائل الباب 12 من صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به عن الشهيد في الذكرى وغيره، وفى الجامع الصغير للسيوطي ج 2 ص 14. (7) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات (8) الوسائل الباب 12 من صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به عن الذكرى، وفى البخاري كتاب الايمان باب (فضل من استبراء لدينه) (9) في سنن ابى داود ج 1 ص 93 باب (المتيمم يجد الماء بعد ما يصلى في الوقت) عن ابى سعيد الخدرى قال: خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمها صعيدا طيبا فصليا ثم وجدا الماء في الوقت فاعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر ثم اتيا رسول الله (ص) فذكرا ذلك له فقال للذى لم يعد: اصبت السنة واجزأتك صلاتك. وقال للذي توضأ وأعاد: لك الاجر مرتين.


[ 30 ]

وقول الصادق عليه السلام في الخبر السالف (1) " انظروا الى عبدى يقضى ما لم افترض عليه " وقول العبد الصالح عليه السلام في مكاتبة عبد الله بن وضاح (2) " أرى لك ان تنتظر حتى تذهب الحمرة وتأخذ بالحائطة لدينك " وربما يخيل المنع لوجوه: منها قوله تعالى: " يريد الله بكم اليسر " (3) " يريد الله يخفف عنكم " (4) " وما جعل عليكم في الدين من حرج " (5) وفتح باب الاحتياط يؤدى إليه، وقول النبي صلى الله عليه واله (6) " بعثت بالحنيفية السمحة " وروى حمزة بن حمران عن ابى عبد الله عليه السلام (7) " ما اعاد الصلاة فقيه، يحتال فيها ويدبرها حتى لا يعيدها " والاقرب الاول لعموم قوله تعالى: " أرأيت الذى ينهى عبدا إذا صلى " (8) وقول النبي صلى الله عليه واله (9) " الصلاة خير موضوع فمن شاء استقل ومن شاء استكثر " ولان الاحتياط المشروع في الصلاة من هذا القبيل، فان غايته التجويز، ولهذا قال أبو عبد الله عليه السلام (10) " وان كان صلى اربعا كانت هاتان نافلة " ولان اجماع شيعة عصرنا وما راهقه عليه، فانهم لا يزالون يوصون بقضاء العبادات مع فعلهم إياها ويعيدون كثيرا منها اداء وقضاء والنهى عن اعادة الصلاة انما هو في الشك الذى يمكن فيه البناء. انتهى. اقول: لا يخفى ان اكثر ما أطال به (قدس سره) من الادلة سيما في المقام الاول والثانى تطويل بغير طائل، والحق في المقام انه مع تطرق احتمال النقص - كما في اكثر الناس حيث يأتون بالعبادات مع الجهل بالمسائل الشرعية وعدم صحة


(1) الوسائل الباب 57 من مواقيت الصلاة رقم 5 و 15 (2) الوسائل الباب 16 من مواقيت الصلاة رقم 14 (3) سورة البقرة الآية 181 (4) سورة النساء الآية 32 (5) سورة الحج الآية 77 (6) الجامع الصغير ج 1 ص 125 وكنز العمال ج 6 ص 111 كما هنا، وفى الذكرى " السمحة السهلة " وفى تاريخ بغداد ج 7 ص 209 " السمحة أو السهلة ". (7) الوسائل الباب 29 من الخلل في الصلاة (8) سورة العلق الآية 9 و 10 (9) الوسائل الباب 42 من احكام المساجد والمستدرك الباب 10 من اعداد الفرائض (10) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة


[ 31 ]

القراءة وعدم التورع من النجاسات والشبهات وعدم المحافظة على افعالها ونحو ذلك - فانه لاريب ان القضاء حسن بل أحسن عملا باخبار الاحتياط في الدين، واما مع يقين الصحة ويقين البراءة فاشكال يأتي التنبيه عليه ان شاء الله تعالى في المطلب الآتى.

المسألة التاسعة - من فاته الفرض المختلف باعتبار أول الوقت وآخره كمن دخل عليه الوقت وهو حاضر ثم سافر قبل الصلاة وبالعكس هل يقضى لو فاتته والحال هذه باعتبار وقت الوجوب وهو الاول أو وقت الفوات وهو الثاني ؟ قولان والاشهر الاظهر الثاني وهو الاعتبار بحال الفوات فيبنى على وجوب الاداء في المسألة، فان كان الواجب فيه التمام مطلقا كما هو أحد الاقوال وجب القضاء تماما وان كان القصر مطلقا وجب القضاء كذلك وان كان التفصيل فكذلك، وبالجملة فالمراعى ما وجب عليه اداؤها من قصر أو تمام، فمعنى حال الفوات يعنى الحالة التى فاتت عليها الفريضة ووجب اداؤها عليها. وقيل ان الاعتبار بحال الوجوب ونقل عن السيد المرتضى وابن الجنيد. ويدل على المشهور قوله عليه السلام في حسنة زرارة (1) " يقضى ما فاته كما فاته " ولا يتحقق الفوات إلا عند خروج الوقت. واستدل على القول الآخر برواية زرارة عن ابى جعفر عليه السلام (2) " انه سئل عن رجل دخل وقت الصلاة وهو في السفر فاخر الصلاة حتى قدم فهو يريد ان يصليها إذا قدم الى اهله فنسى حين قدم الى أهله أن يصليها حتى ذهب وقتها ؟ قال يصليها ركعتين صلاة المسافر لان الوقت دخل وهو مسافر كان ينبغى أن يصليها عند ذلك ". وردها المتأخرون بضعف الاسناد، واجاب عنها في المعتبر باحتمال أن يكون دخل مع ضيق الوقت عن اداء الصلاة أربعا فيقضى على وقت امكان الاداء. اقول: ويمكن أن يقال لعل هذا الخبر انما خرج بناء على ان فرض هذا الداخل الصلاة اداء بالقصر كما هو أحد الاقوال في المسألة، وحينئذ فالقضاء تابع لذلك فيكون


(1) و (2) الوسائل الباب 6 من قضاء الصلوات


[ 32 ]

الخبر موافقا لما هو المشهور من الاعتبار بحال الفوات، وليس في التعليل المذكور في الرواية منافاة لما ذكرنا، إذ غاية ما يدل عليه ان استقرار الركعتين في ذمته باعتبار دخول الوقت في السفر وهو مما لا إشكال فيه. وكيف كان فالاحتياط مما لا ينبغى تركه. والله العالم.

المطلب الثاني - في القضاء عن الاموات، وحيث ان هنا جملة من الاخبار المتعلقة بقضاء الصلاة عن الاموات ذكرها السيد الزاهد العابد رضى الدين أبو القاسم على بن طاووس الحسينى (عطر الله مرقده) في كتاب غياث سلطان الورى لسكان الثرى وقصد بها بيان قضاء الصلاة عن الاموات، وقد نقلها جملة من أصحابنا: منهم - شيخنا الشهيد في الذكرى وشيخنا المجلسي في البحار وغيرهما فاحببنا أولا ايرادها ثم إردافها ان شاء الله تعالى بالابحاث الشافية المتعلقة بالمقام والتحقيقات الوافية الداخلة في سلك هذا النظام: فنقول: الاول - ما رواه الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه (1) " ان الصادق عليه السلام سأله عمر بن يزيد أيصلى عن الميت ؟ قال نعم حتى انه ليكون في ضيق فيوسع عليه ذلك الضيق ثم يؤتى فيقال له خفف عنك هذا الضيق بصلاة فلان اخيك عنك " الثاني - ما رواه على بن جعفر في مسائله عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام (3) قال: " حدثنى اخى موسى بن جعفر عليه السلام قال سألت أبى جعفر بن محمد عليه السلام عن الرجل هل يصلح له أن يصلى أو يصوم عن بعض موتاه ؟ قال نعم فيصلى ما أحب ويجعل تلك للميت فهو للميت إذا جعل ذلك له " قيل ولفظ " ما احب " للعموم وجعلها نفسها للميت دون ثوابها ينفى أن يكون هدية صلاة مندوبة. الثالث - من مسائله ايضا عن اخيه موسى عليه السلام (3) " وسأله عن الرجل هل يصلح أن يصلى ويصوم عن بعض أهله بعد موته ؟ قال نعم يصلى ما أحب ويجعل ذلك


(1) الوسائل الباب 28 من الاحتضار (2) و (3) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات


[ 33 ]

للميت فهو للميت إذا جعله له ". الرابع - ما رواه الشيخ أبو جعفر الطوسى باسناده الى محمد بن عمر بن يزيد (1) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام يصلى عن الميت ؟ قال نعم حتى انه ليكون في ضيق فيوسع عليه ذلك ثم يؤتى فيقال له خفف عنك هذا الضيق بصلاة فلان اخيك ". الخامس - ما رواه الشيخ باسناده الى عمار الساباطى من كتاب أصله المروى عن الصادق عليه السلام (2) " وعن الرجل يكون عليه صلاة أو يكون عليه صوم هل يجوز له ان يقضيه رجل غير عارف ؟ قال لا يقضيه إلا رجل مسلم عارف ". السادس - ما رواه الشيخ باسناده الى محمد بن ابى عمير عن رجاله عن الصادق عليه السلام (3) " في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام ؟ قال يقضيه أولى الناس به ". السابع - ما رواه الشيخ محمد بن يعقوب الكليني باسناده الى محمد بن ابى عمير عن حفص بن البخترى عن ابى عبد الله عليه السلام (4) " في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام ؟ قال يقضى عنه أولى الناس به ". الثامن - هذا الحديث بعينه عن حفص بطريق آخر الى كتابه الذى هو من الاصول (5). التاسع - ماروى في أصل هشام بن سالم من رجال الصادق والكاظم (عليهما السلام) ويروى عنه ابن ابى عمير، قال هشام في كتابه: وعنه عليه السلام (6) قال: " قلت يصل الى الميت الدعاء والصدقة والصلاة ونحو هذا ؟ قال نعم. قلت ويعلم من صنع ذلك به ؟ قال نعم. ثم قال يكون مسخوطا عليه فيرضى عنه " وظاهره انه من الصلاة الواجبة التى تركها لانها سبب للسخط. العاشر - ما رواه على بن ابى حمزة في أصله وهو من رجال الصادق والكاظم


(1) و (2) و (3) و (6) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات (4) الوسائل الباب 23 من احكام شهر رمضان. والوارد " اولى الناس بميراثه " (5) الذكرى ص 74 عن كتاب غياث سلطان الورى


[ 34 ]

(عليهما السلام) (1) قال: " وسألته عن الرجل يحج ويعتمر ويصلى ويصوم ويتصدق عن والديه وذوى قرابته ؟ قال لا بأس به يؤجر في ما يصنع وله اجر آخر بصلته قرابته. قلت وان كان لا يرى ما أرى وهو ناصب ؟ قال يخفف عنه بعض ما هو فيه " اقول: وهذا ايضا مما ذكره ابن بابويه في كتابه (2). الحادى عشر - ما رواه الحسين بن الحسن العلوى الكوكى في كتاب المنسك باسناده الى على بن ابى حمزة (3) قال: " قلت لابي ابراهيم عليه السلام احج وأصلى وأتصدق عن الاحياء والاموات من قرابتي وأصحابي ؟ قال نعم تصدق عنه وصل عنه ولك أجر آخر بصلتك أياه " قال ابن طاووس (قدس سره) يحمل في الحى على ما يصح فيه النيابة من الصلوات ويبقى الميت على عمومه. الثاني عشر - ما رواه الحسن بن محبوب في كتاب المشيخة عن الصادق عليه السلام (4) انه قال: " يدخل على الميت في قبره الصلاة والصوم والحج والصدقة والبر والدعاء، قال ويكتب اجره للذى يفعله وللميت " وهذا الحسن بن محبوب يروى عن ستين رجلا من رجال ابى عبد الله عليه السلام وروى عن الرضا عليه السلام وقد دعا له الرضا واثنى عليه فقال في ما كتبه عليه السلام (5) " ان الله قد أيدك بحكمة وانطقها على لسانك قد أحسنت وأصبت أصاب الله بك الرشاد ويسرك للخير ووفقك لطاعته ". الثالث عشر - ما رواه ابن ابى عمير بطريق آخر عن الامام (6) " يدخل على الميت في قبره الصلاة والصوم والحج والصدقة والبر والدعاء، قال ويكتب أجره للذى يفعله وللميت ". الرابع عشر - ما رواه اسحاق بن عمار (7) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام


(1) و (3) و (4) و (6) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات. (2) ج 1 ص 117 قال: " ويجوز أن يجعل الحى حجته أو عمرته أو بعض صلاته أو بعض طوافه لبعض أهله.. " (5) الذكرى ص 74 (7) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات. وما في الكتاب يوافق ما في الذكرى والوسائل القديمة، وفى الوسائل الحديثة " محمد بن اسحاق بن عمار سألت ابا عبد الله.. "


[ 35 ]

يقول: يدخل على الميت في قبره الصلاة والصوم والحج والصدقة والبر والدعاء، قال ويكتب أجره للذى يفعله وللميت ". الخامس عشر - روى ابن بابويه عن الصادق عليه السلام (1) " يدخل على الميت في قبره الصلاة والصوم والحج والصدقة والعتق ". السادس عشر - ما رواه عمر بن محمد بن يزيد (2) قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام ان الصلاة والصوم والصدقة والحج والعمرة وكل عمل صالح ينفع الميت حتى ان الميت ليكون في ضيق فيوسع عليه ويقال ان هذا بعمل ابنك فلان وبعمل اخيك فلان، اخوه في الدين " قال السيد (رحمه الله) " اخوه في الدين " ايضاح لكل ما يدخل تحت عمومه من الابتداء بالصلاة عن الميت أو بالاجارات. السابع عشر - ما رواه على بن يقطين - وكان عظيم القدر عند ابى الحسن موسى عليه السلام له كتاب المسائل - عنه عليه السلام (3) قال: " وعن الرجل يتصدق عن الميت ويصوم ويعتق ويصلى ؟ قال كل ذلك حسن يدخل منفعته على الميت ". الثامن عشر - ما رواه على بن اسماعيل الميثمى في أصل كتابه قال حدثنى كردين (4) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام الصدقة والحج والصوم يلحق الميت ؟ قال نعم. قال فقال هذا القاضى خلفي وهو لا يرى ذلك. قال قلت وما أنا وذا فوالله لو أمرتنى أن أضرب عنقه لضربت عنقه. قال فضحك. قال: وسألت أبا الحسن عليه السلام عن الصلاة على الميت أتلحق به. قال نعم. قال: وسألت أبا عبد الله عليه السلام قلت انى لم أتصدق بصدقة منذ ماتت امى إلا عنها ؟ قال نعم. قلت افترى غير ذلك ؟ قال نعم نصف عنك ونصف عنها. قلت أيلحق بها ؟ قال نعم " قال السيد: قوله " الصلاة


(1) الفقيه ج 1 ص 117 وفى الوسائل الباب 28 من الاحتضار (2) الذكرى ص 74 عن كتاب غياث سلطان الورى (3) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات (4) الذكرى ص 74 وفى الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات


[ 36 ]

على الميت " أي التى كانت على الميت أيام حياته. ولو كانت ندبا كان الذى يلحقه ثوابها دون الصلاة نفسها. التاسع عشر - ما رواه حماد بن عثمان في كتابه (1) قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام ان الصلاة والصوم والصدقة والحج والعمرة وكل عمل صالح ينفع الميت حتى ان الميت ليكون في ضيق فيوسع عليه ويقال هذا بعمل ابنك فلان أو بعمل اخيك فلان، اخوه في الدين ". العشرون - ما رواه عبد الله بن جندب (2) قال: " كتبت الى ابى الحسن عليه السلام اسأله عن الرجل يريد أن يجعل أعماله من الصلاة والبر والخير اثلاثا ثلثا له وثلثين لابويه أو يفرد هما من أعماله بشئ مما يتطوع به وان كان أحدهما حيا والآخر ميتا ؟ فكتب الى: أما الميت فحسن جائز وأما الحى فلا إلا البر والصلة " قال السيد: لا يراد بهذه الصلاة المندوبة لان الظاهر جوازها عن الاحياء في الزيارات والحج وغيرهما. الحادى والعشرون - ما رواه محمد بن عبد الله بن جعفر الحميرى (3) انه كتب الى الكاظم مثله وأجابه بمثله. الثاني والعشرون - ما رواه ابان بن عثمان عن على بن مسمع (4) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام ان امى هلكت ولم أتصدق بصدقة.. كما تقدم الى قوله أفيلحق ذلك بها ؟ قال عليه السلام نعم. قلت والحج ؟ قال نعم. قلت والصلاة ؟ قال نعم. قال ثم سألت أبا الحسن عليه السلام بعد ذلك ايضا عن الصوم فقال نعم ". الثالث والعشرون - ما رواه الكليني باسناده الى محمد بن مروان (5) قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام ما يمنع الرجل منكم أن يبر والديه حيين وميتين يصلى عنهما ويتصدق عنهما ويحج عنهما ويصوم عنهما فيكون الذى صنع لهما وله مثل ذلك فيزيده الله ببره وصلته خيرا كثيرا ".


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات


[ 37 ]

الرابع والعشرون - عن عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام (1) قال: " الصلاة التى دخل وقتها قبل أن يموت الميت يقضى عنه أولى الناس به ". ثم ذكر (قدس سره) عشرة أحاديث تدل بطريق العموم قال: الاول - ما رواه عبد الله بن ابى يعفور عن الصادق عليه السلام (2) قال: " يقضى عن الميت الحج والصوم والعتق وفعاله الحسن ". الثاني - ما رواه صفوان بن يحيى (3) - وكان من خواص الرضا والجواد (عليهما السلام) وروى عن أربعين رجلا من اصحاب الصادق عليه السلام - قال " يقضى عن الميت الحج والصوم والعتق وفعاله الحسن ". الثالث - ما رواه محمد بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام (4) قال: " يقضى عن الميت الحج والصوم والعتق وفعاله الحسن ". الرابع - ما رواه العلاء بن رزين في كتابه (5) - وهو أحد رجال الصادق عليه السلام - قال: " يقضى عن الميت الحج والصوم والعتق وفعاله الحسن ". الخامس - ما رواه البزنطى - وكان من رجال الرضا (عليه السلام) (6) - قال " يقضى عن الميت الحج والصوم والعتق وفعله الحسن ". السادس - ما ذكره صاحب الفاخر مما أجمع عليه وصح من قول الائمة (عليهم السلام) (7) قال: " ويقضى عن الميت أعماله الحسنة كلها ". السابع - ما رواه ابن بابويه عن الصادق عليه السلام (8) قال: " من عمل من المسلمين عن ميت عملا صالحا أضعف الله له اجره ونفع الله به الميت. الثامن - ما رواه عمر بن يزيد (9) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) من عمل من المؤمنين عن ميت عملا صالحا اضعف الله اجره وينعم بذلك الميت ". التاسع - ما رواه العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (عليه


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (9) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات (8) الوسائل الباب 28 من الاحتضار


[ 38 ]

السلام) (1) قال: " يقضى عن الميت الحج والصوم والعتق وفعاله الحسن ". العاشر - ما رواه حماد بن عثمان في كتابه (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) من عمل من المؤمنين عن ميت عملا صالحا أضعف الله اجره وينعم بذلك الميت ". قال الشهيد: وروى يونس عن العلاء عن عبد الله بن ابى يعفور عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " يقضى عن الميت الحج والصوم والعتق والفعل الحسن " ومما يصلح هنا ما أورده في التهذيب باسناده عن عمر بن يزيد (4) قال: " كان أبو عبد الله (عليه السلام) يصلى عن ولده في كل ليلة ركعتين وعن والديه في كل يوم ركعتين. قلت جعلت فداك كيف صار للولد الليل ؟ قال لان الفراش للولد. قال: وكان يقرأ فيهما القدر والكوثر " قال: فان هذا الحديث يدل على وقوع الصلاة عن الميت من غير الولد كالاب، وهو حجة على من ينفى الوقوع أصلا أو ينفيه إلا من الولد. قال في الذخيرة: قلت يفهم من هذا الكلام وقوع الخلاف في وقوع الصلاة عن الميت ثم في عدم اختصاصه بقضاء الولد عن الوالد، وسيجيئ ما يدل على اتفاق الامامية على وقوع الصلاة عن الميت وعدم اختصاصه بالولد نقلا عن كلام الشهيد. ولعل الخلاف الذى يفهم ههنا مخصوص بالعامة أو مستند الى بعض الاصحاب المعاصرين للشهيد أو السيد أو غيرهم ممن لا يرون مخالفته قادحة في الاجماع. ثم ذكر السيد (قدس سره) ان الصلاة دين وكل دين يقضى عن الميت، أما ان الصلاة تسمى دينا ففيه أربعة أحاديث: الاول - ما رواه حماد عن ابى عبد الله عليه السلام (5) في اخباره عن لقمان (عليه السلام)


(1) و (2) و (3) و (5) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات. (4) الوسائل الباب 28 من الاحتضار. وفى التهذيب ج 1 ص 132 والوسائل " وكان يقرأ فيهما انا انزلناه في ليلة القدر وانا اعطيناك الكوثر "


[ 39 ]

" وإذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخرها لشئ صلها واسترح منها فانها دين ". الثاني - ما ذكره ابن بابويه في باب آداب المسافر (1) " إذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخرها لشئ صلها واسترح منها فانها دين ". الثالث - ما رواه ابن بابويه في كتاب معاني الاخبار باسناده الى محمد بن الحنفية في حديث الاذان لما اسرى بالنبي صلى الله عليه واله (2) الى قوله: " ثم قال حى على الصلاة قال الله جل جلاله فرضتها على عبادي وجعلتها لى دينا " إذا روى بفتح الدال الرابع - ما رواه حريز بن عبد الله عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: " قلت له رجل عليه دين من صلاة قام يقضيه فخاف أن يدركه الصبح ولم يصل صلاة ليلته تلك ؟ قال يؤخر القضاء ويصلى صلاة ليلته تلك ". وأما قضاء الدين عن الميت فلقضية الخثعمية (4) لما سألت رسول الله صلى الله عليه واله


(1) الوسائل الباب 52 من آداب السفر. والحديث عن حماد عن الصادق " ع " نقلا عن لقمان وعليه يتحد الحديثان. (2) مستدرك الوسائل نوادر ما يتعلق بابواب الاذان والاقامة (3) الوسائل الباب 61 من المواقيت عن كتاب غياث سلطان الورى (4) المذكور في سنن ابى داود ج 1 ص 286 وغيره من كتب أحاديث العامة اللفظ الآتى أو ما قاربه: عن ابن عباس عن النبي (ص) " جاءته امرأة من خثعم فقالت ان فريضة الله على عباده في الحج أدركت ابى شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأ حج عنه ؟ قال نعم " ورواه في تيسير الوصول ج 1 ص 331 عن الستة، ورواه في الوسائل عن الشيخ المفيد في المقنعة في الباب 24 من وجوب الحج وشرائطه. وفى سنن البيهقى ج 4 ص 328 بعد أن نقل الحديث كما تقدم بعدة طرق ومنها طريق سفيان قال قال سفيان وكان عمرو بن دينار حدثناه أولا عن الزهري عن سليمان بن يسار عن ابن عباس فقال فيه " أو ينفعه ذلك ؟ يا رسول الله " ص " ؟ قال نعم كما لو كان على أحدكم دين فقضاء " ثم قال فلما جاءنا الزهري حدثناه فتفقدته فلم يقل هذا الكلام الذى رواه عنه عمرو. انتهى. وقد نقل ذلك الشيخ في الخلاف ص 156. نعم في سنن النسائي ج 2 ص 5 عن ابن عباس قال: " قال رجل يا رسول الله " ص " ان ابى مات ولم يحج أفا حج عنه ؟ قال أرأيت لو كان على ابيك =


[ 40 ]

فقالت يا رسول الله صلى الله عليه واله ان ابى أدركته فريضة الحج شيخا زمنا لا يستطيع أن يحج ان حججت عنه أينفعه ذلك ؟ فقال لها ارأيت لو كان على ابيك دين فقضيته أكان ينفعه ذلك ؟ قالت نعم. قال فدين الله أحق بالقضاء. قال السيد: ويدل على أن القضاء عن الميت أمر مشروع تعاقد صفوان ابن يحيى وعبد الله بن جندب وعلى بن النعمان في بيت الله الحرام ان من مات منهم يصلى من بقى صلاته ويصوم عنه ويحج عنه مادام حيا، فمات صاحباه وبقى صفوان فكان يفى لهما بذلك فيصلى كل يوم وليلة خمسين ومائة ركعة (1) وهؤلاء من اعيان مشايخ الاصحاب والرواة عن الائمة (عليهم السلام). قال السيد: انك إذا اعتبرت كثيرا من الاحكام الشرعية وجدت الاخبار فيها مختلفة حتى صنفت لاجلها كتب ولم تستوعب الخلاف، والصلاة عن الاموات قد ورد فيها مجموع أخبار ولم نجد خبرا واحدا يخالفها، ومن المعلوم ان هذا المهم في الدين لا يخلو عن شرع بقضاء أو ترك فإذا وجد المقتضى ولم يوجد المانع علم موافقة ذلك للحكمة الالهية. انتهى كلامه زيد في الخلد اكرامه ومقامه. إذا عرفت ذلك فاعلم ان تحقيق الكلام في هذا المقام وتفصيل ما اشتمل عليه جملة هذه الاخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) والاحاطة بما فيها من نقض وإبرام يقتضى بسطها في مسائل: الاولى - المستفاد من هذه الاخبار وكذا من كلام علمائنا الابرار من غير خلاف يعرف جواز الصلاة عن الميت بان يصلى نيابة عنه كما انه يجوز أن يحج نيابة عنه أو انه يصلى لنفسه ثم يجعل ثوابها وأجرها له.


= دين أكنت قاضيه ؟ قال نعم. قال فدين الله أحق " فالحديث المنقول في الكتاب عن السيد باللفظ المتقدم لم نقف عليه كتب الحديث ويجوز أن يكون قد تداخلت الفاظ الحديث الثاني بالاول فظهر الحديث بهذه الصورة (1) رجال النجاشي ص 140 وفهرست الشيخ 83


[ 41 ]

هذا بالنسبة الى الصلوات المستحبة واكثر الاخبار المتقدمة انما خرجت هذا المخرج، وأما الواجبة فانه يجوز ايضا أن يصليها نيابة عنه وان لم يكن ولده ولاوليه، إلا أن الفاضل الخراساني في الذخيرة قال ان الفتوى بذلك لم يكن مشهورا في كتب القدماء وانما اشتهر بين اصحابنا المتأخرين، والمشهور في كتب السابقين قضاء الولى عن الميت حسب. انتهى. وهو جيد. بقى الاشكال هنا في انه هل ينسحب جواز القضاء في الواجبة الى ما لو لم تكن ذمة الميت مشغولة بالعبادة كالصلاة اليومية بان يصليها عنه وان علم فراغ ذمته منها أم لا ؟ ظاهر الجماعة ذلك، وعليه جرى من عاصرناه من مشايخنا في بلادنا البحرين حتى ان الرجل منهم يوصى بعقار يصرف حاصله في العبادة والصلاة اليومية عنه الى يوم القيامة، وشاهدنا جملة من العلماء يعملون بتلك العبادات من غير توقف ولا تناكر، والظاهر ان عمدة ما استدلوا به على ذلك حكاية صفوان بن يحيى المتقدمة. ولم اطلع على من توقف في هذا الحكم وناقش فيه إلا الفاضل المولى محمد باقر الخراساني في الذخيرة فانه قال - بعد ذكره هذا الفرع المذكورو تقديم جملة الاخبار التى قدمناها - ما صورته: وفيه اشكال نظرا الى ان شرعية العبادات تحتاج الى توقيف الشرع وليس ههنا أمر دال على ذلك بحيث ينسد به باب التوقف والاشكال، فان الاخبار المذكورة غير واضحة الدلالة على العموم، ولو سلم لا يبعد أن يكون المراد بالصلاة فيها الصلاة المشروعة بالنسبة الى المكلف بناء على أن لفظة الصلاة موضوعة للصحيحة الشرعية لا طبيعة الاركان مطلقا، وإذا كان الامر كذلك كان محصل النص أن كل صلاة يصح شرعا أن يفعله المكلف فله أن يجعله للميت فلا يستفاد منه الجواز. وأما قضية صفوان فقد ذكرها النجاشي بلفظ " روى " والشيخ أطلق ذكرها ولم يذكر لها سندا وطريقا، والمسامحة في نقل أمثال هذه الحكايات التى لم يكن الغرض الاصلى من ايرادها تأسيس حكم شرعى شائع غالب،


[ 42 ]

فبهذا الاعتبار يحصل نوع شك في صحة الاستناد الى الامر المذكور فيحصل الشك في المسألة حتى يفتح الله ويسهل طريق معرفتها. انتهى. وهو جيد، والى ذلك ايضا يميل كلام شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار. والظاهر عندي هو العدم وان كان ظاهر كلاميهما (طاب ثراهما) انما هو التوقف والاستشكال لعدم وقوفهم على دليل صريح في ثبوت هذا الحكم وعدمه في هذا المجال، مع انه قد روى الشيخ في الموثق عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان وماتت في شوال فاوصتني أن اقضي عنها ؟ قال هل برئت من مرضها ؟ قلت لا ماتت فيه. قال لا يقضى عنها فان الله لم يجعله عليها. قلت فانى اشتهى أن اقضي عنها وقد أوصتنى بذلك ؟ قال فكيف تقضى شيئا لم يجعله الله عليها ". (فان قيل) ان مورد الرواية مخصوص بالصوم فلا يتعدى الى غيره إلا بدليل (قلنا) موضع الاستدلال في الخبر انما هو قوله عليه السلام في الجواب بعد نهيه عن القضاء في الصورة المذكورة المؤذن بالتحريم وتعليله التحريم بان الله لم يجعله عليها المؤذن بان القضاء كائنا ما كان انما يكون لما ثبت في الذمة واشتغلت به وكان مخاطبا به من قبله سبحانه، ثم تأكيد ذلك بعد مراجعة السائل بالاستفهام الانكارى بقوله (عليه السلام) " فكيف تقضى شيئا لم يجعله الله عليها ". وبالجملة فان هذا الخبر كما ترى ظاهر الدلالة واضح المقالة في ان القضاء عن الغير لا يشرع إلا مع استقرار الاداء في ذمته، مضافا الى ما عرفت في كلام الفاضل المتقدم من أن العبادات مبنية على التوقيف ثبوتا وعدما والثابت هنا بموجب هذا الخبر انما هو العدم. ولم أقف على من تنبه للاستدلال بالخبر المذكور في هذا المقام مع انه كما ترى واضح الدلالة في ما ادعيناه، ولا معارض له في البين إلا حكاية صفوان المذكورة، ومن الظاهر قصورها عن المعارضة من جهات عديدة. والله العالم.


(1) الوسائل الباب 23 من احكام شهر رمضان


[ 43 ]

المسألة الثانية - قد تقدم ان الاشهر الاظهر وجوب الترتيب على القاضى عن نفسه مع العلم بالترتيب، أما لو كان القضاء عن الغير فهل يجب ذلك بمعنى انه لا يصح أن يقضى عن الميت اثنان أو ثلاثة مثلا دفعة واحدة بل لابد أن يكون أحدهم بعد الآخر أو أن يكون القاضى عنه متحدا ؟ ظاهر الاصحاب الاول كما في قضاء الانسان عن نفسه. وقد وقفت في هذا المقام على كلام جيد للسيد الفاضل المحقق السيد نعمة الله الجزائري (نور الله تعالى تربته) يتضمن القول بعدم الوجوب في شرحه على التهذيب، حيث قال بعد ذكر المسألة: الذى أفتى به اكثر مشايخنا المعاصرين هو وجوب الترتيب، ولهذا أمروا بتوزيع الاوقات وتقسيمها بين المستأجرين حتى لا يصلى اثنان عن الميت في وقت واحد، والذى لا يزال يختلج بخاطرى من البحث عن حقيقة الاخبار هو القول الثاني، وذلك ان اخبار هذا الباب من قوله عليه السلام (1): " من فاتته فريضة " ومن هذا الخبر الذى نحن بصدد الكلام فيه هو قضاء المكلف ما في ذمته، وذلك انه يجب عليه تفريغ الذمة من ما تعلق بها أولا فاولا شيئا بعد شئ لعدم امكان المبادرة الى تفريغها من تلك الواجبات كلها دفعة واحدة وإذا لم يمكن هذا وجب ذلك، بخلاف الميت فانه إذا مات لم تبق له ذمة كذمة الحى ولهذا بطلت الاحكام المنوطة بها كأجل الدين واكثر الاجارات وأحكام الفلس ونحوها، وحينئذ فقد بقى مشغولا بما فاته من الواجبات، والمبادرة الى رفعها ورفع عذابها عنه مهما أمكن هو الاولى، لانه كما ورد في الاخبار يضيق عليه من جهتها فإذا قضيت عنه أسرعت إليه ملائكة الرحمة ووسعوا عليه من جهة قضاء العبادة عنه، فإذا أمكن رفعها عنه دفعة واحدة أو ما هو قريب منها كان هو الاحسن.. الى ان قال: على ان الاخبار التى استدلوا بها على القضاء عن الميت عامة شاملة لموضع النزاع. وبالجملة فالقول بعدم الترتيب هنا لعله الاولى، وقد أستدل لهذا القول من بعض


(1) ارجع الى التعليقة 2 ص 22


[ 44 ]

المعاصرين إلا انه لم يذكر هذا الكلام بل جعل عدم الدليل دليلا على العدم. انتهى كلام السيد المزبور وهو جيد وجيه. ويكفينا في القول بذلك ما نقله عن بعض معاصريه من عدم وجود الدليل في الصورة المذكورة على وجوب الترتيب، إذ لا تكليف إلا بعد البيان ولا مؤاخذة إلا بعد اقامة البرهان، فان ما ورد من الاخبار الدالة على وجوب الترتيب (1) مورده قضاء الانسان عن نفسه كما عرفت، وما ذكره (قدس سره) علاوة ظاهر الوجاهة، وعلى هذا جرى من عاصرناه من مشايخنا في بلاد البحرين. والله العالم.

المسألة الثالثة - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ما أعلم في جواز الاستئجار للصلاة والصوم عن الميت، إلا ان بعض متأخرى المتأخرين ممن سيأتي نقل كلامه ناقش في ذلك، والظاهر ضعفه كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى. قال السيد الزاهد العابد المجاهد رضى الدين بن طاووس (عطر الله مرقده) في كتاب غياث سلطان الورى لسكان الثرى: وقد حكى ابن حمزة في كتابه في قضاء الصلاة عن الشيخ ابى جعفر محمد بن الحسين الشوهاني انه كان يجوز الاستئجار عن الميت، واستدل ابن زهرة على وجوب قضاء الولى الصلاة بالاجماع على انها تجرى مجرى الصوم والحج. وقد سبقه ابن الجنيد بهذا الكلام حيث قال: والعليل إذا وجبت عليه الصلاة واخرها عن وقتها الى ان فاتت قضاها عنه وليه كما يقضى حجة الاسلام والصيام. قال وكذلك روى أبو يحيى عن ابراهيم بن هشام عن ابى عبد الله عليه السلام (2) فقد سويا بين الصلاة وبين الحج، ولا ريب في جواز


(1) ص 22 و 23 (2) لم نقف على رواية بهذا السند في مورد الكلام، وفى الذكرى في نسخة " أبو يحيى بن ابراهيم ابن سالم " ويجوز ان يكون تصحيف في العبارة. نعم ورد في رواية صفوان بن يحيى عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (ع) المذكور في الوسائل في الباب 28 من الاحتضار ما يتعلق بالمورد


[ 45 ]

الاستئجار على الحج. وقال شيخنا الشهيد في الذكرى بعد نقل هذا الكلام: الاستئجار على فعل الصلاة الواجبة بعد الوفاة مبنى على مقدمتين (إحداهما) جواز الصلاة عن الميت وهذه اجماعية والاخبار الصحيحة ناطقة بها كما تلوناه. و (الثانية) ان كلما جازت الصلاة عن الميت جاز الاستئجار عنه، وهذه المقدمة داخلة في عموم الاستئجار على الاعمال المباحة التى يمكن أن تقع للمستأجر، ولا يخالف فيها أحد من الامامية بل ولا من غيرهم، لان المخالف من العامة انما منع لزعمه انه لا يمكن وقوعها للمستأجر عنه (1) أما من يقول بامكان وقوعها له وهم جميع الامامية فلا يمكنه القول بمنع الاستئجار إلا ان يخرق الاجماع في احدى المقدمتين، على ان هذا النوع قد انعقد عليه الاجماع من الامامية الخلف والسلف من عهد المصنف وما قبله الى زماننا هذا، وقد تقرر ان اجماعهم حجة قطعية (فان قلت) فهلا اشتهر الاستئجار على ذلك والعمل به عن النبي صلى الله عليه واله والائمة (عليهم السلام) كما اشتهر الاستئجار على الحج حتى علم من المذهب ضرورة (قلت) ليس كل واقع يجب اشتهاره ولاكل مشهور يجب الجزم بصحته فرب مشهور لاأصل له ورب متأصل لم يشتهر، إما لعدم الحاجة إليه في بعض الاحيان أو لندور وقوعه، والامر في الصلاة كذلك فان


(1) في بدائع الصنائع ج 2 ص 212 ان العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصوم لا تقل النيابة عن الحى والميت لقوله (ص) " لا يصوم أحد عن احد ولا يصلى أحد عن أحد " والعبادة المالية المحضة كالزكاة والصدقات تجوز فيها النيابة لان الغاية اخراج المال، والبدنية المالية كالحج تجوز النيابة فيه عن الحى العاجز أو الميت وقد وجب عليه لقوله (ص) " حق الله أحق أن يقضى " وفى ص 221 قال: " من وجب عليه الحج ومات ولم يوص به أثم ويسقط عنه في احكام الدنيا لان العبادات تسقط بالموت مالية أو بدنية " والشافعي في الام ج 2 ص 98 نفى الخلاف في جواز النيابة عن الميت في الحج، ولم يخالف فيه ابن قدامة في المغنى ج 3 ص 234، يرجع الى المحاضرات تقرير بحث آية الله الخوئى ص 389


[ 46 ]

سلف الشيعة كانوا على ملازمة الفريضة والنافلة على حد لا يقع من أحد منهم اخلال بها إلا لعذر يعتد به كمرض موت أو غيره، وإذا اتفق فوات فريضة بادروا الى فعلها لان اكثر قدمائهم على المضايقة المحضة فلم يفتقروا الى هذه المسألة واكتفوا بذكر قضاء الولى لما فات الميت من ذلك على طريق الندور، ويعرف هذه الدعاوى من طالع كتب الحديث والفقه وسيرة السلف معرفة لا يرتاب فيها، فخلف من بعدهم قوم تطرق إليهم التقصير واستولى عليهم فتور الهمم حتى آل الحال الى انه لا يوجد من يقوم بكمال السنن إلا أو حديهم ولا يبادر بقضاء الفائت إلا أقلهم، فاحتاجوا الى استدراك ذلك بعد الموت لظنهم عجز الولى عن القيام به، فوجب رد ذلك الى الاصول المقررة والقواعد الممهدة وفى ما ذكرناه كفاية. انتهى. وهو جيد متين. واعترضه المولى محمد باقر الخراساني في الذخيرة - بعد أن ذكر سابقا ما قدمنا نقله عنه آنفا من أن الفتوى بذلك لم تكن مشهورة في كتب القدماء - فقال بعد نقل هذا الكلام: قلت ملخص ما ذكره الشهيد ان الحكم بجواز الاستئجار للميت مبنى على الاجماع على ان كل أمر مباح يمكن أن يقع للمستأجر يجوز الاستئجار فيه، وقد نبهت مرارا بان اثبات الاجماع في زمن الغيبة في غاية الاشكال خصوصا في مثل هذه المسألة التى لم تشتهر في سالف الاعصار وقد خلت منها مصنفات القدماء والعظماء. ثم ان قوله (قدس سره) " على ان هذا النوع قد انعقد عليه الاجماع.. الى آخره " يدل على انه زعم انعقاد الاجماع عليه في زمان السيد وما قاربه، ولا يخفى ان دعوى انعقاد الاجماع بالمعنى المعروف بين الشيعة في مثل تلك الازمان بين التعسف واضح الجزاف. ثم ما ذكره في تعليل عدم اشتهار هذا الحكم بين السلف لا يخلو عن تكلف، فان ما ذكره من ملازمة الشيعة على مداومة الصلوات وحفظ حدودها والاستباق والمسارعة الى قضاء فوائتها على تقدير تمامه انما يجرى في العلماء وأهل التقوى منهم لاعوامهم وادانيهم وعموم السفلة والجهلة منهم، ويكفى ذلك داعيا للافتقار الى هذه المسألة والفتوى بها واشتهار العمل بها لو كان لها أصل. وبالجملة للنظر


[ 47 ]

في هذه المسألة وجه فتدبر. انتهى. أقول: لا يخفى ما فيه على الفطن النبيه فانه عنده ظاهر البطلان غنى عند التأمل عن البيان: (أما اولا) فلان قوله " قلت ملخص ما ذكره الشهيد.. الى قوله الفقهاء والعظماء " مردود (اولا) بان هذا الاجماع الذى ادعاه الشهيد وادعى به صحة الاستئجار في كل الاعمال المباحة التى يمكن أن تقع للمستأجر عنه، ان كان المناقشة فيه انما هو بالنسبة الى الصلاة والصوم فهذا مما لا معنى له عند المحصل لانه متى سلم تلك القاعدة الكلية فعليه في استثناء ما ذكره الدليل، وان كان بالنسبة الى أصل الكلية فالواجب عليه طلب الدليل في كل فرد فرد من افراد الاجارات وان لا تجوز الاجارة في عمل من الاعمال ولا فعل من الافعال إلا بنص خاص بذلك الجزئي يدل على جواز الاجارة فيه بخصوصه وإلا فلا ولا أراه يلتزمه، بل لو انفتح هذا الباب لادى الى اطراده في جميع ابواب المعاملات من البيوع والمصالحات والسلم والمساقاة ونحو ذلك، فيشترط في كل فرد فرد مما يجرى فيه احد هذه العقود ورود نص فيه وإلا فلا يجوز أن يدخله البيع ونحوه من تلك المعاملات، إذ العلة واحدة في الجميع والمناقشة تجرى في الكل، مع انه لا يرتاب هو ولا غيره في أن المدار في جميع المعاملات انما هو على ما يدخل به ذلك الفرد الذى يراد اجراء تلك المعاملة عليه في جملة افرادها الشائعة وينتظم به في جملة جزئياتها الذائعة إلا أن يقوم على المنع دليل من خارج، وهذه قاعدة كلية في جميع المعاملات، فان سلمها وقال بها لزمه اجراء ذلك في محل البحث فانه احد أفرادها إلا ان يأتي بدليل على اخراجه، وان منعها - ولا اراه يتجشمه - فهو محجوج بما ذكرناه وانى له بالمخرج. و (ثانيا) - ان الشهيد (قدس سره) لم يستند هنا الى مجرد الاجماع وانما استند أولا الى عموم مادل على الاجارة في الاعمال المباحة ثم أردفه باتفاق الامامية لانه قال: وهذه المقدمة داخلة في عموم الاستئجار على الاعمال المباحة أي عموم


[ 48 ]

أدلة الاستئجار بمعنى أن دليلها عموم الادلة الدالة على الاستئجار على الاعمال المباحة، ثم قال ولا يخالف فيها أحد من الامامية.. الى آخره، فاستند أولا الى عموم الادلة، وثانيا الى الاجماع، وهذا هو الواقع والجارى في جميع المعاملات، فان هذه القواعد كما انها متفق عليها بين الاصحاب منصوصة في جميع أبواب المعاملات من اجارة وغيرها، فالمدعى لاخراج فرد من افراد بعض تلك القواعد عليه اقامة الدليل. ومن الاخبار الدالة على هذه القاعدة بالنسبة الى الاجارة ما رواه الحسن بن شعبة في كتاب تحف العقول عن الصادق عليه السلام (1) في وجوه المعايش قال: واما تفسير الاجارات فاجارة الانسان نفسه أو ما يملك أو يلى أمره من قرابته أو دابته أو ثوبه بوجه الحلال من جهات الاجارات أن يؤجر نفسه أو داره أو أرضه أو شيئا يملكه في ما ينتفع به من وجوه المنافع، أو العمل بنفسه وولده ومملوكه أو اجيره من غير أن يكون وكيلا للوالى.. الى أن قال: وكل من آجر نفسه أو آجر ما يملكه أو يلى أمره من كافر أو مؤمن أو ملك أو سوقة على ما فسرناه مما تجوز الاجارة فيه فحلال محلل فعله وكسبه. انتهى. قال بعض المحدثين من أفاضل متأخرى المتأخرين بعد نقل هذا الخبر: أقول فيه دلالة على جواز اجارة الانسان من يلى أمره من قرابته وان يؤجر نفسه للعبادات.. الى أن قال: وبالجملة المستفاد منها جواز ان يستأجر لكل عمل وان يؤجر نفسه من كل أحد لكل عمل إلا ما أخرجه الدليل. انتهى. وأما قوله - ثم ان قوله على ان هذا النوع.. الى آخره - فهو في محله إلا انه لا يضر بما قلناه فان المطلوب يتم بما قدمناه وأحكمناه. و (اما ثانيا) فلان قوله - ثم ما ذكره في تعليل عدم اشتهار هذا الحكم.. الى آخره - سقيم عليل لا يبرد الغليل وكلام شيخنا (قدس سره) هنا حق لاريب


(1) الوسائل الباب 1 من الاجارة


[ 49 ]

فيه وصدق لا شبهة تعتريه، فان ما ذكره (قدس سره) من الاستئجار على الصلاة والوصية بها انما يترتب على ترك العلماء وأهل التقوى العارفين بوجوب قضائها الخائفين من تبعاتها وجزائها لو كانوا يتركونها فانهم يوصون بها، ولكن لما كانوا يحافظون عليها في حال الحياة تمام المحافظة اداء وقضاء واجبا وسنة لم يقع ذلك ولم يشتهر، فاما اعتراضه بالجهلة والسفلة الذين لا يبالون بالصلاة صحيحة كانت أو باطلة في حياتهم أو بعد موتهم فغير وارد، لانهم لما ذكرنا يتركونها ويتهاونون بها ويموتون على ذلك من غير فحص ولا وصية بقضائها لجهلهم وقلة مبالاتهم بالدين فكيف يكون ذلك حينئذ داعيا الى الافتقار الى هذه المسألة والفتوى بها واشتهار العمل بها، على ان مساق كلام شيخنا المشار إليه انما هو بالنسبة الى شهرة الاستئجار على الصلاة وانه لم لا اشتهر كاشتهار الاستئجار على الحج لا بالنسبة الى الفتوى بهذه المسألة، ويزيدك تأكيدا لما ذكرنا ثمة كلام شيخنا المذكور وقوله " فخلف من بعدهم قوم تطرق إليهم التقصير.. الى آخره " مما يدل على ان اشتهار الوصية بالصلاة والاستئجار عليها في الوقت الاخير انما كان لتهاون العلماء والعارفين بما يعرفون وجوبه عليهم وفتورهم عن القيام بالواجبات فضلا عن السنن الموظفة في ذلك المقام، فالكلام أولا وآخرا انما ترتب على العلماء والعارفين لا ما توهمه من ضم السفلة والجاهلين. وبالجملة فكلامه (قدس سره) ليس بموجه يعتمد عليه وكلام شيخنا المذكور أولى واحرى بالرجوع إليه. ثم ان ممن ناقش في هذه المسألة وان كان من جهة اخرى المحدث الكاشانى (طاب ثراه) في كتاب المفاتيح، حيث قال - في آخر الخاتمة التى في الجنائز من الكتاب المذكور بعد أن ذكر انه يصل الى الميت ثواب الصلاة والصوم والصدقة والحج - ما صورته: وأما العبادات الواجبة عليه التى فاتته فما شاب منها المال كالحج يجوز


[ 50 ]

الاستئجار له كما يجوز التبرع به عنه بالنص (1) والاجماع، واما البدني المحض كالصلاة والصيام ففى النصوص (2) " يقضيها عنه أولى الناس به " وظاهرها التعيين عليه، والاظهر جواز التبرع بهما عنه من غيره ايضا، وهل يجوز الاستئجار لهما ؟ المشهور نعم، وفيه تردد لفقد النص فيه وعدم حجية القياس حتى يقاس على الحج أو على التبرع، وعدم ثبوت الاجماع بسيطا ولا مركبا إذا لم يثبت ان كل من قال بجواز العبادة للغير قال بجواز الاستئجار لها، وكيف كان فلا يجب القيام بالعبادات البدنية المحضة له بتبرع ولا استئجار إلا مع الوصية.. الى آخر كلامه. وقال في كتاب المعايش والمكاسب بعد كلام في المقام: والذى يظهر لى ان ما يعتبر فيه نية التقرب لا يجوز أخذ الاجرة عليه مطلقا لمنافاته الاخلاص فان النية كما مضى ما يبعث على الفعل دون ما يخطر بالبال، نعم يجوز فيه الاخذ ان اعطى على وجه الاسترضاء أو الهدية أو الارتزاق من بيت المال ونحو ذلك من غير تشارط، وأما مالا يعتبر فيه ذلك بل يكون الغرض منه صدور الفعل على أي وجه اتفق فيجوز أخذ الاجرة عليه مع عدم الشرط في ماله صورة العبادة.. وأما جواز الاستئجار للحج مع كونه من القسم الاول فلانه انما يجب بعد الاستئجار وفيه تغليب لجهة المالية، فانه انما يأخذ المال ليصرفه في الطريق حتى يتمكن من الحج ولا فرق في صرف المال في الطريق بان يصدر من صاحب المال أو نائبه، ثم ان النائب إذا وصل الى مكة وتمكن من الحج امكنه التقرب به كما لو لم يكن أخذ اجرة فهو كالمتطوع أو نقول ان ذلك ايضا على سبيل الاسترضاء للتبرع. أما الصلاة والصوم فلم يثبت جواز الاستئجار لهما. انتهى. وفيه نظر من وجوه: الاول - ان ما ذكره في الكلام الاول من التردد في جواز الاستئجار لفقد النص مردود (اولا) - بما عرفت آنفا من أن فقد النص في خصوص


(1) الوسائل الباب الثيابة في الحج وبعض ابواب وجوب الحج وشرائطه. (2) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات والباب 13 من احكام شهر رمضان


[ 51 ]

الاستئجار للصلاة والصيام لا يصلح للمانعية، ومن ذا الذى اشترط وجود النص في خصوص كل عمل وفعل يراد الاستئجار عليه حتى يشترط هنا، والنصوص العامة كافية كما في غير الاجارة من المعاملات. وثانيا - انه قد روى الصدوق (قدس سره) في الفقيه (1) عن عبد الله بن جبلة عن اسحاق بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام " في رجل يجعل عليه صياما في نذر فلا يقوى ؟ قال يعطى من يصوم عنه كل يوم مدين " وهى صريحة في المطلوب والمراد عارية عن وصمة الايراد. وثالثا - النقض بالحج ايضا كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى. الثاني - ما ذكره في كلامه الثاني - بقوله: والذى يظهر لى ان ما يعتبر فيه نية التقرب لا يجوز أخذ الاجرة عليه.. الى آخره - فان فيه (أولا) - ما ذكرناه في الوجه الاول من ورود النص في الصوم وكذا في الحج، وما اعتذر به في الحج فسيأتي بيان بطلانه. وثانيا - انه متى كان العلة في عدم جواز الاستئجار ذلك فانه لا يجوز وان أوصى الميت بذلك، لان الاستئجار متى كان باطلا لبطلان العبادة والاجير لا يستحق لذلك اجرة فالوصية غير مشروعة فتكون باطلة، مع انه قد استثنى الوصية كما عرفت، هذا خلف. وثالثا - ان لقائل أن يقول ان الفعل المستأجر عليه هو الصلاة المتقرب بها الى الله سبحانه فانها هي المستقرة في ذمة المستأجر عنه، فالاجرة في مقابلة المجموع لا الصلاة خاصة ليحصل منافاة الاجرة للقربة، والفرق لطيف يحتاج الى مزيد تأمل، وتوضيحه ان النية مشتملة على قيود منها كون الفعل خالصا لله سبحانه ومنها كونه اداء أو قضاء عن نفسه أو غيره تبرعا أو باجرة، وكل من هذه القيود الاخيرة غير مناف لقيد الاخلاص، والاجرة في ما نحن فيه انما وقعت أولا


(1) الوسائل الباب 12 من النذر والعهد عن الفقيه والكافي


[ 52 ]

وبالذات بازاء القصد الثاني اعني النيابة عن زيد مثلا، بمعنى انه استؤجر على النيابة عن زيد في الاتيان بهذه الفريضة للتقرب بها وقيد القربة على حاله وفى محله لا تعلق للاجرة به إلا من حيث كونه قيدا للفعل المستأجر عليه، نعم لو اشترط في النيابة عن الغير التقرب زيادة على التقرب المشروط في صحة العبادة اتجه منافاة الاجرة لذلك إلا انه ليس بشرط اجماعا، وبالجملة فان أصل الصلاة مقصود بها وجهه سبحانه ولكن الحامل عليها والباعث عليها مع التقرب هو هذا المبلغ الذى قرر له ولذلك نظائر في الشرع توجب رفع الاستبعاد مثل الصلاة لاجل الاستسقاء وصلاة الاستخارة وصلاة الحاجة وصلاة طلب الولد وطلب الرزق ونحو. ذلك مما كان الباعث عليه أحد هذه الاغراض فان أصل الصلاة مقصود بها وجهه سبحانه ومتقرب بها إليه جل شأنه ولكن الحامل عليها هو أحد هذه الامور المذكورة ونحوها بمعنى انه يأتي بالصلاة الخالصة لوجه الله سبحانه لاجل هذا الغرض الحامل له عليها. (فان قيل) ان هذا مما قام الدليل على صحته وورد الخبر به (قلنا) ان الخصم انما تمسك بان الصلاة بالاجرة مناف للقربة والاخلاص بها لله سبحانه حيث ان الحامل عليها انما هو الاجرة دون قصد وجهه سبحانه، وبمقتضى تعليله المذكور لا يصح شئ من هذه الصلوات بالكلية فان الباعث عليها امور اخركما عرفت، مع ان الشرع قد ورد بصحتها وليس الوجه في ذلك إلا ما قلناه من أن هذه الاسباب انما هي أسباب حاملة على الاتيان بالصلاة الخالصة له سبحانه، ومثله يجرى في مسألة الاجارة فلا فرق حينئذ. وبالجملة فان ورود النص بالصحة في هذه المواضع دليل واضح في بطلان ما توهمه في أمر الاستئجار على الصلاة، وحينئذ فكما يصح أن يكون الحامل على العبادة أحد هذه الامور يجوز ان يكون الحامل أخذ الاجرة والانتفاع بها. الثالث - ما ذكره - بقوله: وأما جواز الاستئجار على الحج مع كونه من القسم الاول.. الى آخره - فان فيه (أولا) - انه من الجائز الواقع ان يكون الاستئجار


[ 53 ]

من الميقات أو من مكة وهو مما لا يجرى فيه هذا التخرص الذى ذكره والتمحل الذى اعتبره، فلا يكون ما ذكره كليا مع ان ظاهر النصوص كلية الحكم وهو كاف للخصم في التعلق به فانه لا ينكر صحته. وثانيا - انه يمكن ايضا اجراء ما فرضه في الحج في الصلاة بان يقبض الاجير الاجرة ويتصرف فيها بعد الاستئجار ولا يأتي بالصلاة إلا بعد نفاد الاجرة إذ الاجارة لا تقتضي الفورية كما هو الاظهر الاشهر، وحينئذ فيمكنه التقرب بها كما لو لم يكن أخذ اجرة فهو كالمتطوع. وثالثا - ان قوله - أو نقول ان ذلك على سبيل الاسترضاء للتبرع - مناف لفرض المسألة أولا، فان المفروض الاستئجار للحج كما صرح به في كلامه فكيف يجعله تبرعا وان المدفوع من الاجرة على سبيل الاسترضاء. والفرق بين الامرين أوضح واضح. وبالجملة فانه لو جاز بناء الاحكام الشرعية على مثل هذه التخريجات البعيدة والتمحلات الغير السديدة لاتسع المجال وانفتح باب القيل والقال، ولم يبلغ المجتهدون الذين قد اكثر من التشنيع عليهم في رسائله ومصنفاته الى مثل هذه التخريجات الواهية الباردة والتخرصات البعيدة الشاردة. والله العالم.

المسألة الرابعة - لا يخفى على من تتبع كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) في هذا الباب ما وقع لهم من الاختلاف في القاضى والمقضى والمقضى عنه. أما الاول فقد صرح الاكثر بانه الولد الاكبر، قال في الذكرى بعد نقل ذلك عنهم: وكأنهم جعلوه بازاء حبوته لانهم قرنوا بينها وبينه والاخبار خالية عن التخصيص كما أطلقه ابن الجنيد وابن زهرة، ولم نجد في اخبار الحبوة ذكر الصلاة نعم ذكرها المصنفون ولا بأس به اقتصارا على المتيقن وان كان القول بعموم كل ولى ذكر أولى حسبما تضمنته الروايات. انتهى. أقول: قال ابن الجنيد: والعليل إذا اوجبت عليه صلاة فاخرها عن وقتها


[ 54 ]

الى ان مات قضاها عنه وليه كما يقضى عنه حجة الاسلام والصيام ببدنه، فان جعل بدل كل ركعتين مدا اجزأه فان لم يقدر فلكل اربع فان لم يقدر فمد لصلاة النهار ومد لصلاة الليل، والصلاة أفضل. وعن المرتضى نحو ذلك. وظاهر هما مع التخيير بين القضاء والتصدق التخصيص بما فات عن العليل في مرض موته. وقال ابن زهرة: ومن مات وعليه صلاة وجب على وليه قضاءها، وان تصدق عن كل ركعتين بمد اجزأه.. الى آخر ما ذكره ابن الجنيد. واحتج بالاجماع وطريق الاحتياط، وظاهره التخيير بين القضاء والصدقة مع عموم الفائت دون التخصيص بفائت مرض الموت. والجميع متفقون على الولى بقول مطلق. وقال ابن ادريس بوجوب القضاء على وليه الاكبر من الذكر ان ما وجب على العليل فاخره عن اوقاته حتى مات ولا يقضى عنه إلا الصلاة الفائتة في حال مرض موته فحسب، وتبعه في ذلك سبطه نجيب الدين يحيى بن سعيد والشهيد في اللمعة. وهو صريح في التخصيص بالفائت في مرض الموت وان القاضى هو الولى وهو الاكبر من الذكران. واما الثاني فظاهر الشيخين وابن ابى عقيل وابن البراج وابن حمزة والعلامة في اكثر كتبه انه جميع ما فات الميت وهو ظاهر كلام ابن زهرة المتقدم، وظاهر ما قدمنا نقله عن ابن الجنيد والمرتضى وابن ادريس ويحيى بن سعيد والشهيد في اللمعة هو التخصيص بما فات في مرض الموت، وقال المحقق في كتابيه بقول الشيخين، وقال في المسائل البغدادية المنسوبة الى سؤال جمال الدين بن حاتم االمشغرى (قدس سره): الذى ظهر لى ان الولد يلزمه قضاء ما فات الميت من صيام وصلاة لعذر كالمرض والسفر والحيض لا ما تركه الميت عمدا مع قدرته عليه. قال في الذكرى بعد نقل ذلك عنه: وقد كان شيخنا عميد الدين (قدس سره) ينصر هذا القول ولا بأس به، فان الروايات تحمل على الغالب من الترك وهو انما يكون على هذا الوجه أما تعمد ترك الصلاة فانه نادر، نعم قد يتفق فعلها لا على الوجه المبرئ للذمة


[ 55 ]

والظاهر انه ملحق بالتعمد للتفريط. انتهى. وأما الثالث فظاهر هم انه الرجل، قال في الذكرى: لذكر هم اياه في معرض الحبوة. وظاهر عبارة المحقق الشمول للمرأة. والتحقيق عندي في هذا المقام أما بالنسبة الى الاول فهو ولى الميت وهو أولى الناس بميراثه كما صرح به ابن الجنيد ومن معه ممن قدمنا ذكره، وبذلك صرح الصدوقان ايضا. وعليه تدل صحيحة حفص بن البخترى وهى السابعة من الروايات المتقدمة ومثلها الرواية السادسة والرواية الرابعة والعشرون (1). ونحوها ايضا مرسلة حماد بن عثمان عن من ذكره عن ابى عبد الله عليه السلام (2) " في الرجل يموت وعليه دين من شهر رمضان من يقضى عنه ؟ قال أولى الناس به قلت فان كان أولى الناس به امرأة ؟ قال لا إلا الرجال " وبذلك يظهر لك ما في كلام جمهور الاصحاب من التخصيص بالولد فانه خال عن المستند. ويختص القضاء بالرجال النساء كما تضمنه خبر حفص (3) ومرسلة حماد (4) وباكبر الرجال لو تعددوا لصحيحة الصفار عن ابى محمد الحسن عليه السلام (5) " انه كتب إليه رجل مات وعليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيام وله وليان هل يجوز لهما ان يقضيا عنه جميعا خمسة أيام أحد الوليين وخمسة أيام الآخر ؟ فوقع عليه السلام يقضى عنه اكبر ولييه عشرة أيام ولاء انشاء الله " قال في الفقيه: وهذا التوقيع عندي مع توقيعاته الى الصفار بخطه عليه السلام. واما بالنسبة الى الثاني فهو كل ما فات الميت لعذر كان أم لا لعذر في مرض الموت أو غيره لاطلاق الاخبار المذكورة من الخبر السادس والسابع، ولا ينافى ذلك الخبر الرابع والعشرون إذ لا دلالة فيه على نفى ما عدا ما ذكر فيه بل غايته أن


(1) ص 33 و 37 (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 23 من احكام شهر رمضان


[ 56 ]

يكون بالنسبة الى ذلك مطلقا واطلاقه محمول على مادل عليه الخبران المذكوران من جميع ما فات الميت. وقال في الذكرى: ورواية عبد الله بن سنان وردت بطريقين وليس فيها نفى لما عداها، إلا أن يقال قضية الاصل تقتضي عدم القضاء إلا ما وقع الاتفاق عليه، أو أن المتعمد مؤاخذ بذنبه فلا يناسب مؤاخذة الولى به لقوله تعالى: " ولا تزر وازرة وزر اخرى " (1) انتهى. وفيه ان قضية الاصل يجب الخروج عنها بالدليل وهو خبر حفص ومرسلة ابن ابى عمير فانهما ظاهر ان في العموم. وأما التعليل بالمؤاخذة بالذنب فعليل سيما في مقابلة النص، والآية المذكورة لو عمل على ظاهرها لوجب المنع ايضا من تحمل الولى ما فات الميت لعذر وهو لا يقول به. وأما بالنسبة الى الثالث فاشكال ينشأ من ورود بعض الاخبار بلفظ الرجل وبعض بلفظ الميت، والظاهر حمل ذكر الرجل على مجرد التمثيل لاشتراكهما في الاحكام غالبا فيرجح القول بالعموم، ويؤيده ان التخصيص بالرجل في الروايات انما وقع في الاسئلة فلا يقتضى تقييد المطلق الواقع في الروايات الاخر، ويؤكده ايضا انه الاحوط. ثم انه على تقدير تفسير الولى بالولد الاكبر كما هو الاشهر ينحصر المقضى عنه في الاب سيما على القول بكون المقضى عنه الرجل وكأنهم جعلوه في مقابلة الحبوة كما تقدم في كلام شيخنا الشهيد، أو مع الام بناء على العموم في المقضى عنه ولا يتعدى الى غيرهما. ولكن تفسير الولى بذلك كما عرفت عار عن الدليل بل الدليل على خلافه واضح السبيل. وسيأتى ان شاء الله تعالى في كتاب الصيام مزيد بحث في هذا المقام محيط باطراف الكلام بابرام النقض ونقض الابرام.


(1) سورة الانعام الآية 164


[ 57 ]

فوائد الاولى - قد تقدم في كلام ابن الجنيد والمرتضى وابن زهرة التخيير بين الصلاة والصدقة ولم نظفر له مستند، والذى ورد من الصدقة انما هو بالنسبة الى النوافل كما تقدم، قال في المختلف بعد نقل التخيير عن ابن الجنيد والمرتضى: وباقى المشهورين من الاصحاب لم يذكروا الصدقة في الفرائض، ثم قال: لنا انه واجب عليه فلا تجزئ عنه الصدقة كالميت. ثم ذكر بانهم احتجوا بانه واجب عليه على سبيل البدل فاجزأت الصدقة عنه كالصوم. ثم أجاب بانه لولا النص لما صرنا إليه في الصوم. انتهى. وقال في الذكرى: واما الصدقة عن الصلاة فلم نرها في غير النافلة. الثانية - هل يشترط كمال الولى حال الوفاة ؟ قرب الشهيد في الذكرى ذلك، قال لرفع القلم عن الصبى والمجنون (1) ثم قال: ويمكن إلحاق الامر به عند البلوغ بناء على انه يحبى وانها تلازم القضاء. أما السفيه وفاسد الرأى فعند الشيخ لا يحبى فيمكن انتفاء القضاء عنه، ووجوبه أقرب اخذا بالعموم. والشيخ نجم الدين لم يثبت عنده منع السفيه والفاسد الرأى من الحبوة، فهو أولى بالحكم بوجوب القضاء عليهما. انتهى. اقول: مبنى هذا الكلام والبحث في هذا المقام على كون الولى الذى يجب قضاؤه عن الميت هو الولد كما هو المشهور، وقد عرفت ما فيه من القصور وان الولى في هذا الباب الذى يتعلق به الخطاب انما هو الاولى بالميراث، ومنه يعلم سقوط هذا الكلام والدوران مدار الحبوة وعدمها الذى فرعوا عليه الكلام في السفيه وفاسد الرأى. بقى الكلام على ما اخترناه من معنى الولى لو اتفق عدم بلوغه وقت الوفاة، وفيه اشكال لعدم النص الواضح في البين وقيام الاحتمال من الجانبين. الثالثة - لو قلنا بعدم قضاء الولى ما تركه الميت عمدا أو كان الميت لا ولى له فان أوصى الميت بفعلها من ماله وجب انفاذه، وان أخل بذلك فظاهر المتأخرين من


(1) ارجع الى التعليقة 1 ص 2.


[ 58 ]

الاصحاب عدم وجوب الاخراج من ماله، وعلله في الذكرى قال لعدم تعلق الفرض بغير البدن خالفناه مع وصية الميت لانعقاد الاجماع عليه بقى ما عداه على اصله. انتهى ونقل عن بعض الاصحاب القول بوجوب اخراجها كالحج وصب الاخبار التى لاولى فيها عليه، واحتج ايضا بخبر زرارة الطويل الوارد في الزكاة (1) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام ان أباك قال لى من فربها من الزكاة فعليه أن يؤديها ؟ قال صدق ابى عليه أن يؤدى ما وجب عليه وما لم يجب عليه فلا شى عليه فيه. ثم قال أرأيت لو أن رجلا أغمى عليه يوما ثم مات فذهبت صلاته أكان عليه وقد مات أن يؤديها ؟ قلت لا إلا أن يكون افاق من يومه " قال: وظاهره انه يؤديها بعد موته وهو انما يكون بوليه أو ماله فحيث لاولى يحمل على المال وهو شامل لحالة الايصاء وعدمه. انتهى. وظاهر الشهيد في الذكرى الميل الى ذلك أو التوقف في ما هنالك، حيث انه نقل فيه القول والاستدلال المذكورين ولم يقدح فيه بشئ، ويضد انه قال بعد ذكر المسألة المذكورة: لو أوصى بفعلها من ماله فان قلنا بوجوبه لولا الايصاء كان من الاصل كسائر الواجبات وان قلنا بعدمه فهو تبرع يخرج من الثلث إلا ان يجيزه الوارث. انتهى. اقول: لا يخفى ان ظاهر كلمة الاصحاب عدا من نقل عنه الخلاف هنا هو الاتفاق على ان الصلاة والصوم ونحو هما من الواجبات البدنية لا يجب اخراجها مع عدم الوصية ومع الوصية فمخرجها الثلث كسائر الوصايا، بخلاف الواجبات المالية كالزكاة ونحوها، والحج وان كان مشوبا إلا انه غلب فيه الجهة المالية، وسيأتى مزيد تحقيق لذلك ان شاء الله تعالى في كتاب الحج. وكيف كان فان ما استند إليه ذلك البعض المنقول عنه القول بوجوب اخراج الصلاة والصوم عن الميت وان لم يوص به لا يخلو من المناقشة وان جمد عليه من


(1) الفروع ج 1 ص 148 وفى الوسائل الباب 12 من زكاة الذهب والفضة.


[ 59 ]

نقل كلامه في المقام كشيخنا الشهيد في الذكرى والفاضل الخراساني في الذخيرة، وذلك اما بالنسبة الى الاخبار الغير المشتملة على ذكر الولى فقد عرفت في ما تقدم ان المتبادر من سياق تلك الاخبار انما هو الصلوات المستحبة لا الواجبة، ومع تسليم شمول الواجبة فانا نقول ان غاية تلك الاخبار أن تكون مطلقة بالنسبة الى القاضى. والقاعدة تقتضي حمل اطلاقها على مادلت عليه الاخبار المتقدمة من اناطة القضاء بالولي، وكذا الكلام في رواية زرارة المذكورة. ومن الاخبار الدالة على اناطة القضاء بالولي زيادة على ما تقدم موثقة ابن بكير عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام (1) " في الرجل يموت في شهر رمضان ؟ قال ليس على وليه ان يقضى عنه.. الى ان قال: فان مرض فلم يصم شهر رمضان ثم صح بعد ذلك فلم يقضه ثم مرض فمات فعلى وليه ان يقضى عنه لانه قد صح فلم يقض ووجب عليه. وقال الرضا عليه السلام في كتاب الفقه (2) " وإذا مات الرجل وعليه من صوم شهر رمضان فعلى وليه أن يقضى عنه.. الى ان قال: وإذا كان للميت وليان فعلى اكبرهما من الرجال أن يقضى عنه، فان لم يكن له ولى من الرجال قضى عنه وليه من النساء " وبهذه العبارة ما ذكرناه منها وما لم نذكره عبر في الفقيه. وبالجملة فانك إذا ضممت هذه الاخبار بعضها الى بعض وحملت مطلقها على مقيدها ظهر لك انه لا مستند لهذا القول المذكور من الاخبار وان قياس الصلاة والصوم على الحج في التعلق بالمال بعد تعذر البدن قياس مع الفارق، وذلك فان الحج بدنى مشوب بالمال فمن ثم دلت الاخبار بعد تعذر الاتيان به بالبدن على التعلق بالمال، فوجب اخراجه بعد الموت من ماله بل في حال الحياة مع المرض المانع من المباشرة كما سيأتي ان شاء الله تعالى في كتاب الحج، وأما الصوم والصلاة فانهما


(1) الوسائل الباب 23 من احكام شهر رمضان (2) ص 25


[ 60 ]

بدنيان محضان لا تعلق لهما بالمال في حال الحياة فمع تعذر الاتيان بهما والموت بعد استقرارهما في الذمة يتعلق الخطاب بالولي، ومع عدم الولى فلا دليل يدل على تعلقهما بالمال كما ادعاه القائل المذكور بل يسقط حكمهما كما هو ظاهر الادلة المتقدمة الدالة على انه مع فقد الولى من الرجال فلا يتعلق القضاء بالولي من النساء، ولو كان القضاء يرجع الى المال في الصورة المذكورة لاشير إليه في بعض تلك الاخبار بان يقال بل يجب القضاء عنه من ماله. وبالجملة فعندي ان ما تكلفه هذا الفاضل المذكور من القول واستدل عليه بما ذكر فهو غير خال من القصور. والله العالم. الرابعة - لو أوصى الميت بقضائها عنه باجرة من ماله واسندها الى احد أوليائه أو الى اجنبي فهل تسقط عن الولى ؟ وجهان واستقرب في الذكرى السقوط لوجوب العمل بما رسمه الموصى. وهو غير بعيد، ويؤيده ان المتبادر من الاخبار الدالة على اناطة ذلك بالولي انما هو مع عدم وصية الميت بذلك على وجه من الوجوه، وحينئذ فلا منافاة في هذه الصورة لما دلت عليه الاخبار، ويؤيد ما ذكرناه ما صرح به السيد ابن طاووس (قدس سره) في رسالته التى قدمنا نقل هذه الاخبار المتقدمة منها، حيث قال ما صورته: لو أوصى الميت بالصلاة عنه وجب العمل بوصية لعموم " فمن بدله بعد ما سمعه فانما اثمه على الذين يبدلونه " (1) ولانه لو أوصى ليهودي أو نصراني لوجب انفاذ وصيته فكيف الصلاة المشروعة. ثم أورد بعض الاخبار الدالة على ذلك. الخامسة - قال في الذكرى: لا يشترط خلو ذمة الولى من صلاة واجبة لتغاير السبب فيلزمان معا، والاقرب الترتيب بينهما عملا بظاهر الاخبار وفحاويها، نعم لو فاتته صلاة بعد التحمل أمكن القول بوجوب تقديمها لان زمان قضائها مستثنى كزمان ادائها، ويمكن تقديم المتحمل لسبق سببه. انتهى. اقول: أما الحكم الاول فجيد، وأما الثاني وهو وجوب الترتيب بين ما في ذمته وبين ما تحمله عن الميت فلا أعرف له دليلا معتمدا بل ظواهر الاخبار واطلاقها


(1) سورة البقرة الآية 177


[ 61 ]

انما يقتضى عدم وجوب الترتيب، فان اطلاقها دال على وجوب قضاء ما لزمه من نفسه وما لزمه من غيره وأما انه يرتب بينهما فلا يفهم ذلك منها بوجه. وأما الثالث فالظاهر التخيير لعدم الدليل على رجحان واحد من الاحتمالين المذكورين في كلامه. السادسة - قال في الذكرى: لو مات هذا الولى فالاقرب ان وليه لا يتحملها لقضية الاصل والاقتصار على المتيقن سواء تركها عمدا أو لعذر. انتهى. أقول: من المحتمل قريبا القول بوجوب التحمل لظاهر الاخبار المتقدمة، فان قوله في صحيحة حفص (1) " في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام ؟ قال يقضى عنه أولى الناس به " شامل لما لو كانت تلك الصلاة التى في ذمته وعليه من فوائت صلاته ومما لزمه تحمله عن غيره، ونحوها مرسلة ابن ابى عمير (2) ونحوها الروايات الدالة على الصوم، فان الجميع ظاهر في العموم لصدق كونه عليه. السابعة - قال في الذكرى: الاقرب انه ليس له الاستئجار لمخاطبته بها والصلاة لاتقبل التحمل عن الحى. ويمكن الجواز لما يأتي ان شاء الله تعالى في الصوم ولان الفرض فعلها عن الميت. فان قلنا بجوازه وتبرع بها متبرع اجزأت ايضا. انتهى اقول: قد تقدم في الرواية الحادية عشرة ما يدل على جواز الحج والصلاة والصدقة عن الاحياء والاموات من القرابة والاصحاب، والسيد ابن طاووس (قدس سره) تأوله في الحى بما يصح فيه النيابة من الصلوات، والظاهر ان مراده مثل ركعتي الطواف نيابة وصلاة الزيارة نيابة دون ما عدا ذلك، وهو ظاهر كلمة الاصحاب في هذا الباب. ويعضده ما في الحديث العشرين حيث " سأله السائل عن الرجل يريد ان يجعل اعماله من الصلاة والبر والخير أثلاثا له ولابويه وكان أحدهما حيا والآخر


(1) الوسائل الباب 23 من احكام شهر رمضان، وفى الفروع ج 1 ص 196 والوسائل والوافى باب (من مات وعليه صيام) " أولى الناس بميراثه ". (2) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات


[ 62 ]

ميتا ؟ فكتب إليه: أما الميت فحسن جائز وأما الحى فلا إلا البر والصلة " وهو ظاهر بل صريح في عدم جواز الصلاة عن الحى وجوبا أو استحبابا، لانه انما رخص له في الحى بالبر والصلة دون الصلاة التى هي مذكورة معهما في السؤال، ومن ذلك يظهر ان الاقرب عدم صحة الاستئجار من الولى. وأما ما علل به امكان الجواز - من حصول ذلك في الصوم وكون الفرض فعلها عن الميت - ففيه ما ذكره السيد السند (قدس سره) في المدارك في مسألة الصوم بعد أن نقل عن جده انه لو تبرع بعض بالقضاء سقط عن الولى، وان وجه السقوط حصول المقتضى وهو براءة الذمة، حيث قال: ويتوجه عليه ان الوجوب تعلق بالولي وسقوطه بفعل غيره يحتاج الى دليل، ومن ثم ذهب ابن ادريس والعلامة في المنتهى الى عدم الاجتزاء بفعل المتبرع وان وقع باذن من تعلق به الوجوب لاصالة عدم سقوط الفرض عن المكلف بفعل غيره. وقوته ظاهرة. انتهى وهو جيد. والله العالم بحقائق احكامه واولياؤه القائمون بمعالم حلاله وحرامه.


الجزء التالي الصفحة الرئيسية  
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>