
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء الحادي عشر
المقصد الثاني
في صلاة الجماعة
وفضلها عظيم وثوابها جسيم وقد ورد فيها عنهم (عليهم السلام) من ضروب التأكيدات ما كاد يلحقها بالواجبات: روى الشيخ عن عبد الله بن ابى يعفور عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " هم رسول الله صلى الله عليه واله باحراق قوم في منازلم كانوا يصلون في منازلهم ولا يصلون الجماعة، فاتاه رجل أعمى فقال يا رسول الله صلى الله عليه واله انى ضرير البصر وربما اسمع النداء ولا أجد من يقودنى الى الجماعة والصلاة معك ؟ فقال له النبي صلى الله عليه واله شد من منزلك الى المسجد حبلا واحضر الجماعة ". وعن عبد الله بن سنان في الصحيح عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " سمعته
(1) و (2) الوسائل الباب 2 من صلاة الجماعة.
[ 63 ]
يقول: انا اناسا " كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه واله ابطأوا عن الصلاة في المسجد فقال رسول الله صلى الله عليه واله ليوشك قوم يدعون الصلاة في المسجد ان نأمر بحطب فيوضع على ابوابهم فتوقد عليهم نار فتحرق عليهم بيوتهم ". وروى في الفقيه مرسلا (1) قال: " قال رسول الله صلى الله عليه واله لقوم: لتحضرن المسجد أو لاحرقن عليكم منازلكم ". وروى الشيخ بسند معتبر عن عبد الله بن ابى يعفور عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث العدالة الطويل المتقدم في باب صلاة الجمعة (2) قال عليه السلام: " والساتر لجميع عيوبه - حتى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته وغيبته ويجب عليهم تزكيته واظهار عدالته في الناس - التعاهد الصلوات الخمس إذا واظب عليهن وحافظ على مواقيتهن بحضور جماعة المسلمين وان لا يتخلف عن جماعتهم في مصلاهم إلا من علة، وذلك ان الصلاة ستر وكفارة للذنوب ولولا ذلك لم يكن لاحد أن يشهد على احد بالصلاح. لان من لم يصل فلا صلاح له بين المسلمين لان الحكم جرى فيه من الله ورسوله صلى الله عليه واله بالحرق في جوف بيته، قال رسول الله صلى الله عليه واله لا صلاة لمن لا يصلى في المسجد مع المسلمين إلا من علة. وقال رسول الله صلى الله عليه واله لا غيبة الا لمن صلى في بيته ورغب عن جماعتنا، ومن رغب عن جماعة المسلمين وجبت على المسلمين غيبته وسقطت بينهم عدالته ووجب هجرانه، وإذا رفع الى امام المسلمين انذره وحذره فان حضر جماعة المسلمين وإلا احرق عليه بيته.. ". وعن عبد الله بن سنان في الصحيح (3) قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام الصلاة في جماعة تفضل على صلاة الفذ باربع وعشرين درجة " اقول: الفذ بالفاء والذال المعجمة: الفرد.
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الجماعة (2) ج 10 ص 25 (3) الوسائل الباب 1 من صلاة الجماعة. وفى التهذيب باب فضل الجماعة " الفرد " نعم في الوافى باب فضل الجماعة كما هنا، واللفظ في الجميع هكذا " تفضل على كل صلاة.. ".
[ 64 ]
وعن زرارة في الحسن (1) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام ما يروى الناس ان الصلاة في جماعة أفضل من صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين صلاة ؟ فقال صدقوا. فقلت الرجلان يكونان جماعة ؟ فقال نعم ويقوم الرجل عن يمين الامام ". وفى كتاب المجالس عن النبي صلى الله عليه واله (2) " صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة ". وقال الصدوق: قال ابى (قدس سره) في رسالته الى (3) صلاة الرجل في جماعة تفضل على صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين درجة في الجنة. وقال عليه السلام في كتاب الفقه الرضوي (4) " وصلاة واحدة في جماعة بخمس وعشرين صلاة من غير جماعة، وترفع له في الجنة خمس وعشرون درجة ". وروى في كتاب المجالس في خبر الاعمش (5) قال: " قال الصادق عليه السلام فضل الجماعة على الفرد باربع وعشرين " ونحوه في كتاب العيون (6) في ما كتبه الرضا عليه السلام للمأمون. أقول: ما دل من هذه الاخبار على أربع وعشرين درجة فالمراد به بيان الفضل الذى به يحصل الزيادة وما دل على خمس وعشرين فالمراد به التفضل مع اضافة الاصل. وعن محمد بن عمارة (7) قال: " أرسلت الى ابى الحسن الرضا عليه السلام أسأله عن الرجل يصلى المكتوبة وحده في مسجد الكوفة أفضل أو صلاته في جماعة ؟ فقال
(1) الوسائل الباب 1 و 4 من صلاة الجماعة (2) لم نقف على رواية المجالس عن النبي " ص " بهذا المضمون، نعم في الوسائل الباب 1 من صلاة الجماعة عن الخصال عن النبي " ص " اللفظ المذكور، وقد نقله في البحار ج 18 الصلاة ص 613 عن الخصال. (3) الفقيه ج 1 ص 245 وليس فيه نسبة الى ابيه (4) ص 14 (5) البحار ج 18 الصلاة 613 عن الخصال (6) الوسائل الباب 1 من صلاة الجماعة (7) الوسائل الباب 33 من احكام المساجد.
[ 65 ]
الصلاة في جماعة أفضل ". قيل: ويستفاد من هذه الرواية ان الصلاة في جماعة أفضل من الف صلاة، لان الصلاة في مسجد الكوفة أفضل من الف صلاة على ما دل عليه بعض الروايات. اقول: ما ذكره جيد إلا انه قد روى ابن قولويه في كتاب كامل الزيارات قال حدثنى أبو عبد الرحمان محمد بن احمد بن الحسين العسكري عن الحسن بن على بن مهزيار عن ابيه عن الحسن بن سعيد عن محمد بن سنان (1) قال: " سمعت الرضا عليه السلام يقول: الصلاة في مسجد الكوفة فردا أفضل من سبعين صلاة في غيره جماعة " وهو كما ترى ظاهر المنافاة للخبر الاول، ولا يحضرني الآن وجه جمع بينهما. وروى الشيخ في الصحيح أو الحسن عن زرارة والفضيل (2) قالا: " قلنا له الصلاة في جماعة فريضة هي ؟ فقال الصلاة فريضة وليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلها ولكنها سنة من تركها رغبة عنها وعن جماعة المؤمنين من غير علة فلا صلاة له ". وروى الكليني والشيخ عنه باسنادين أحدهما من الصحاح أو الحسان عن زرارة (3) قال: " كنت جالسا عند ابى جعفر عليه السلام ذات يوم إذ جاءه رجل فدخل عليه فقال له جعلت فداك انى رجل جار مسجد لقومي فإذا انا لم اصل معهم وقعوا في وقالوا هو كذا وكذا ؟ فقال اما لئن قلت ذلك لقد قال أمير المؤمنين عليه السلام من سمع النداء فلم يجبه من غير علة فلا صلاة له. فخرج الرجل فقال له لا تدع الصلاة معهم وخلف كل امام. فلما خرج قلت له جعلت فداك كبر على قولك لهذا الرجل حين استفتاك فان لم يكونوا مؤمنين ؟ قال فضحك عليه السلام فقال ما اراك بعد إلا ههنا يا زرارة فاى علة تريد من أنه لا يؤتم به ؟ ثم قال يا زرارة أما تراني قلت صلوا في
(1) الوسائل الباب 33 من احكام المساجد. (2) الوسائل الباب 1 من صلاة الجماعة (3) الوسائل الباب 5 من صلاة الجماعة
[ 66 ]
مساجدكم وصلوا مع أئمتكم " قال في الوافى في ذيل هذا الخبر: لعله عليه السلام اتقى الرجل أن يروى ذلك عنه عليه السلام وصرح بالحق مع زرارة. وروى الصدوق في المجالس وفى ثواب الاعمال والبرقي في المحاسن باسانيدهم عن ميمون القداح عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (1) قال: " اشترط رسول الله صلى الله عليه واله على جيران المسجد شهود الصلاة وقال لينتهين اقوام لا يشهدون الصلاة أو لآمرن مؤذنا يؤذن ثم يقيم ثم آمر رجلا من أهل بيتى وهو على عليه السلام فليحرقن على اقوام بيوتهم بحزم الحطب لانهم لا يأتون الصلاة ". وروى الشيخ (قدس سره) في كتاب المجالس بسنده عن زريق الخلقانى (2) قال: " سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول رفع الى امير المؤمنين عليه السلام بالكوفة ان قوما من جيران المسجد لا يشهدون الصلاة جماعة في المسجد فقال عليه السلام ليحضرن معنا صلاتنا جماعة أو ليتحولن عنا ولا يجاورونا ولا نجاورهم ". وبهذا الاسناد عن زريق عن ابى عبد الله عليه السلام (3) " ان امير المؤمنين عليه السلام بلغه ان قوما لا يحضرون الصلاة في المسجد فحطب عليه السلام فقال ان قوما لا يحضرون الصلاة معنا في مساجدنا فلا يواكلونا ولا يشاربونا ولا يشاورونا ولا يناكحونا ولا يأخذوا من فيئنا شيئا أو يحضروا معنا صلاتنا جماعة، وانى لا وشك ان آمر لهم بنار تشعل في دورهم فاحرقها عليهم أو ينتهون، قال فامتنع المسلمون من مواكلتهم ومشاربتهم ومناكحتهم حتى حضروا الجماعة مع المسلمين ". وروى شيخنا الشهيد الثاني (عطر الله مرقده) في شرح الارشاد عن كتاب الامام والمأموم للشيخ ابى محمد جعفر بن احمد القمى باسناده المتصل الى ابى سعيد الخدرى (4) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) اتانى جبرئيل مع سبعين الف ملك بعد صلاة الظهر فقال يا محمد صلى الله عليه واله ان ربك يقرئك السلام
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 2 من احكام المساجد (4) مستدرك الوسائل الباب 1 من صلاة الجماعة
[ 67 ]
واهدى اليك هديتين لم يهدهما الى نبى قبلك. قلت وما تلك الهديتان ؟ قال الوتر ثلاث ركعات والصلوات الخمس في جماعة. قلت يا جبرئيل ومالامتى في الجماعة ؟ قال يا محمد إذا كانا اثنين كتب الله لكل واحد بكل ركعة مائة وخمسين صلاة، وإذا كانوا ثلاثة كتب الله لكل واحد بكل ركعة ستمائة صلاة، وإذا كانوا اربعة كتب الله لكل واحد بكل ركعة الفا ومائتي صلاة، وإذا كانوا خمسة كتب الله لكل واحد بكل ركعة الفين واربعمائة صلاة، وإذا كانوا ستة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة اربعة آلاف وثمانمائة صلاة، وإذا كانوا سبعة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة تسعة آلاف وستمائة صلاة، وإذا كانوا ثمانية كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة تسعة عشر الفا ومائتي صلاة، وإذا كانوا تسعة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة ستة وثلاثين الفا واربعمائة صلاة، وإذا كانوا عشرة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة سبعين الفا والفين وثمانمائة صلاة، فإذا زادوا على العشرة فلو صارت بحار السماوات والارض كلها مدادا والاشجار أقلاما والثقلان مع الملائكة كتابا لم يقدروا أن يكتبوا ثواب ركعة واحدة، يا محمد صلى الله عليه واله تكبيرة يدركها المؤمن مع الامام خير له من ستين الف حجة وعمرة وخير من الدنيا وما فيها سبعين الف مرة، وركعة يصليها المؤمن مع الامام خير من مائة الف دينار يتصدق بها على المساكين، وسجدة يسجدها المؤمن من الامام في جماعة خير له من عتق مائة رقبة ". وروى في جامع الاخبار عن ابى سلمة عن ابى سعيد الخدرى مثله (1) الى قوله: " يا محمد صلى الله عليه واله تكبيرة يدركها المؤمن خير له من سبعين حجة والف عمرة سوى الفريضة، يا محمد صلى الله عليه واله ركعة يصليها المؤمن مع الامام خير له من ان يتصدق بمائة الف دينار على المساكين، وسجدة يسجدها خير له من عبادة سنة، وركعة يركعها المؤمن مع الامام خير له من مائة رقبة يعتقها في سبيل الله، يا محمد
(1) مستدرك الوسائل الباب 1 من صلاة الجماعة
[ 68 ]
صلى الله عليه واله من احب الجماعة احبه الله والملائكة اجمعون ". قال شيخنا المجلسي في البحار ذيل هذا الخبر: بناء اكثر المثوبات وزيادتها في زيادة الاعداد على التضعيف إلا الاول والثامن والتاسع فان التسعة على هذا الحساب ينبغى أن يكون ثوابها ثمانية وثلاثين الفا واربعمائة والعشرة سبعين الفا وستة آلاف وثمانمائة، ولعله من الرواة أو النساخ. انتهى. وقال شيخنا الشهيد الثاني في كتاب الروضة: الجماعة مستحبة في الفريضة متأكدة في اليومية حتى ان الصلاة الواحدة منها تعدل خمسا أو سبعا وعشرين مع غير العالم ومعه الفا، ولو وقعت في المسجد تضاعف بمضروب عدده في عددها: ففى الجامع مع غير العالم الفان وسبعمائة ومعه مائة الف. قال وروى ان ذلك مع اتحاد المأموم فلو تعدد تضاعف في كل واحد بقدر المجموع (1). وروى الشهيد في النفلية عن الصادق عليه السلام (2) " الصلاة خلف العالم بالف ركعة وخلف القرشى بمائة وخلف العربي خمسون وخلف المولى خمس وعشرون ". قال الشهيد الثاني في شرحها: المراد بالقرشى المنسوب الى النضر بن كنانة جد النبي صلى الله عليه واله والسادات الاشراف اجل هذه الطائفة، والعربي المنسوب الى العرب يقابل العجم وهو المنسوب الى غير العرب مطلقا، والمولى يطلق على معان كثيرة والمراد هنا غير العربي بقرينة ما قبله، وكثيرا ما يطلقون المولى على غير العربي وان كان حر الاصل. انتهى. وروى زيد النرسى في كتابه عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " ان قوما جلسوا عن حضور الجماعة فهم رسول الله صلى الله عليه واله ان يشعل النار في دورهم حتى خرجوا
(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الجماعة، وتتمة العبارة هكذا " بقدر المجموع في سابقه الى العشرة ثم لا يحصيه إلا الله تعالى ". (2) مستدرك الوسائل الباب 23 من صلاة الجماعة (3) مستدرك الوسائل الباب 2 من صلاة الجماعة
[ 69 ]
وحضروا الجماعة مع المسلمين ". قال شيخنا المجلسي المتقدم ذكره (طيب الله مرقده) في الكتاب المذكور ذيل هذا الخبر: ظاهر هذا الخبر وامثاله وجوب الجماعة في اليومية ولم ينقل عن أحد من علمائنا القول به، وخالف فيه اكثر العامة (1) فقال بعضهم فرض على الكفاية في الصلوات الخمس، وقال آخرون انها فرض على الاعيان، وقال بعضهم انها شرط في الصلاة تبطل بفواتها، ولذا أول أصحابنا هذه الاخبار فحملوها تارة على الجماعة الواجبة واخرى على ما إذا تركها استخفافا. وربما يقال العقوبة الدنيوية لا تنافى الاستحباب كالقتل على ترك الاذان، ولا يخفى ضعفه إذ لا معنى للعقوبة على ما لا يلزم فعله ولا يستحق تاركه الذم واللوم كما فسر اكثرهم الواجب به. والقول بانه كان واجبا في صدر الاسلام فنسخ أو كان مع حضور امام الاصل واجبا فمع ان اكثر الاخبار لا تساعدهما لم أر قائلا به ايضا. وبالجملة فالاحتياط يقتضى عدم الترك إلا لعذر وان كان بعض الاخبار يدل على الاستحباب، وكفى بفضلها ان الشيطان لا يمنع من شئ من الطاعات منعها، وطرق لهم في ذلك شبهات من جهة العدالة ونحوها إذ لا يمكنهم انكارها ونفيها رأسا لان فضلها من ضروريات الدين، اعاذنا الله واخواننا المؤمنين من وساوس الشياطين. انتهى. اقول: لا يخفى على من أحاط خبرا بالاخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) في امثال هذا المضمار انهم كثيرا ما يبالغون في الحث على المندوبات بما يكاد يلحقها بالواجبات والزجر عن المكروهات بما يكاد يدخلها في حيز المحرمات تأديبا لرعيتهم لئلا يتهاونوا ويتكاسلوا عن القيام بالمستحبات ويتهاونوا بالانهماك في المكروهات، وقد تقدم التصريح باستحبابها في صحيح زرارة والفضيل أو حسنهما (2)
(1) عمدة القارئ ج 2 ص 685 وفتح القدير ج 1 ص 243 ونيل الاوطار ج 2 ص 131 (2) ص 65
[ 70 ]
وبه يندفع توهم الوجوب من هذه الاخبار ونحوها. ومن المحتمل قريبا حمل هذه الاخبار ونحوها مما ورد دالا على ترتب العذاب على ترك المستحبات على مااذا كان الترك على جهة الاستخفاف وعدم المبالاة بكمالات الشرع، وقد تقدم تحقيق القول في ذلك في المقدمة الثانية من مقدمات هذا الكتاب. ومما يؤيد ذلك زيادة على ما قدمناه في الموضع المذكور ما رواه في الكافي (1) في الحسن عن ميسر عن ابيه عن ابى جعفر عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه واله خمسة لعنتهم وكل نبى مجاب: الزائد في كتاب الله والتارك لسنتي والمكذب بقدر الله والمستحل من عترتي ما حرم الله والمستأثر بالفئ المستحل له ". والتقريب فيه انه عد التارك لسنته في عداد هؤلاء الذين لا اشكال في كفرهم وجعله ملعونا مثلهم، ولا ريب ان الجماعة أفضل سننه (صلوات الله عليه وآله) ولابد من حمل الترك فيه على كونه استخفافا وتهاونا، وقد ورد اللعن زجرا في مواضع مثل من سافر وحده أو بات في بيت وحده أو نام على سطح غير محجر (2) ونحو ذلك، والوجه فيه ما عرفت.
(1) الاصول ج 2 ص 293 وفى الخصال ابواب الستة " قال رسول الله (ص) ستة لعنهم الله وكل نبى مجاب.. كما في المتن وزاد المتسلط بالجبروت ليذل من اعزه الله ويعز من أذله الله " وفى ابواب السبعة " قال رسول الله (ص) انى لعنت سبعة لعنهم الله وكل نبى مجاب قبلى. فقيل ومن هم ؟ فقال الزائد في الكتاب الله.. وزاد والمحرم ما أحل الله " ورواه بطريقين. وفى كنز العمال ج 8 ص 191 عن عائشة " قال رسول الله (ص) ستة لعنتهم وكل نبى مجاب.. كما في الخصال برواية الستة إلا انه ابدل المستأثر بالفئ بالمستحل لحرم الله " وكذا في مجمع الزوائد ج 7 ص 205 إلا انه يذكر السادس. وفى كنز العمال ايضا ج 8 ص 192 عن عمرو بن شعيب " قال رسول الله (ص) سبعة لعنتهم.. وزاد على روايته المتقدمة المستأثر بالفئ ". (2) الوسائل الباب 20 من احكام المساكن و 30 من آداب السفر " لعن رسول الله (ص) ثلاثة: الآكل زاده وحده والنائم في بيت وحده والراكب في الفلاة وحده " وفيه النهى =
[ 71 ]
تتمة مهمة قد استفاضت الاخبار بانه يستحب حضور جماعة المخالفين استحبابا مؤكدا وها انا مورد في هذا المقام جملة من الاخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) في ذلك وفى ما يتعلق بالصلاة معهم من الاحكام مذيلا لها ان شاء الله تعالى بما يكشف عنها نقاب الابهام مستمدا منه سبحانه التوفيق لبلوغ المرام فاقول: الاول - ما رواه الصدوق (قدس سره) في الفقيه في الصحيح عن زيد الشحام عن الصادق عليه السلام (1) قال " يا زيد خالقوا الناس باخلاقهم صلوا في مساجدهم وعودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم، وان استطعتم ان تكونوا الائمة والمؤذنين فافعلوا، فانكم إذا فعلتم ذلك قالوا هؤلاء الجعفرية رحم الله جعفرا ما كان أحسن ما يؤدب اصحابه وإذا تركتم ذلك قالوا هؤلاء الجعفرية فعل الله بجعفر ما كان اسوأ ما يؤدب اصحابه ". الثاني - ما رواه الشيخ في التهذيب عن اسحاق بن عمار (2) قال: " قال لى أبو عبد الله عليه السلام يا اسحاق أتصلى معهم في المسجد ؟ قلت نعم. قال صل معهم فان المصلى معهم في الصف الاول كالشاهر سيفه في سبيل الله " قال في الوافى: انما قيد بالصف الاول لانه ادخل في معرفتهم باتيانه المسجد وادل على كونه منهم، وانما شبهه بشاهر سيفه في سبيل الله لدفعه شر العدو. الثالث - ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " من صلى معهم في الصف الاول كان كمن صلى خلف رسول الله صلى الله عليه واله في الصف الاول ". الرابع - ما رواه في الفقيه مرسلا (4) قال: " قال الصادق عليه السلام إذا صليت
- عن المبيت على سطح غير محجر كما في البحار ج 16 باب انواع النوم وسنن ابى داود ج 4 ص 310 ومجمع الزوائد ج 8 ص 99 ولم نقف على ورود العن في المبيت على سطح غير محجر. (1) الوسائل الباب 75 من صلاة الجماعة (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 5 من صلاة الجماعة. وليس في الرقم (3) لفظ " في الصف الاول " ثانيا.
[ 72 ]
معهم غفر لك بعدد من خالفك ". الخامس - ما رواه فيه عن عمر بن يزيد عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " ما منكم أحد يصلى صلاة فريضة في وقتها ثم يصلى معهم صلاة تقية وهو متوضئ إلا كتب الله له بها خمسا وعشرين درجة فارغبوا في ذلك. قال (2) وقال له رجل اصلى في اهلي ثم اخرج الى المسجد فيقدموننى ؟ فقال تقدم لا عليك وصل بهم ". السادس - ما رواه فيه ايضا عن عبد الله بن سنان عنه عليه السلام (3) انه قال: " ما من عبد يصلى في الوقت ويفرغ ثم يأتيهم ويصلى معهم وهو على وضوء إلا كتب الله له خمسا وعشرين درجة. قال (4) وقال له ايضا ان على بابى مسجدا يكون فيه قوم مخالفون معاندون وهم يمسون في الصلاة فانا اصلى العصر ثم اخرج فاصلي معهم ؟ فقال أما ترضى أن تحسب لك باربع وعشرين صلاة ؟ ". السابع - ما رواه المشايخ الثلاثة عن الحسين بن عبد الله الارجانى عن ابى عبد الله عليه السلام (5) قال: " من صلى في منزله ثم اتى مسجدا من مساجدهم فصلى معهم خرج بحسناتهم ". الثامن - ما رواه الشيخ في التهذيب عن نشيط بن صالح عن ابى عبد الله عليه السلام (6) قال: " قلت له الرجل منا يصلى صلاة في جوف بيته مغلقا عليه بابه ثم يخرج فيصلى مع جيرته تكون صلاته تلك وحده في بيته جماعة ؟ فقال الذى يصلى في بيته يضاعف الله له ضعفى اجر الجماعة تكون له خمسون درجة والذى يصلى مع جيرته يكتب الله له أجر من صلى خلف رسول الله صلى الله عليه واله ويدخل معهم في صلاتهم فيخلف عليهم ذنوبه ويخرج بحسناتهم ".
(1) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 6 من صلاة الجماعة (2) الوسائل الباب 54 من صلاة الجماعة (6) الوسائل الباب 6 من صلاة الجماعة. والرواية عن ابى الحسن الاول (ع)
[ 73 ]
التاسع - ما رواه الشيخ في التهذيب عن اسحاق بن عمار (1) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام انى أدخل المسجد واجد الامام قد ركع وقد ركع القوم فلا يمكننى أن أؤذن واقيم واكبر ؟ فقال لى فإذا كان ذلك فادخل معهم في الركعة واعتد بها فانها من افضل ركعاتك. قال اسحاق فلما سمعت اذان المغرب وانا على بابى قاعد. قلت للغلام انظر اقيمت الصلاة ؟ فجاءني فقال نعم. فقمت مبادرا فدخلت المسجد فوجدت الناس قد ركعوا فركعت مع أول صف أدركت واعتددت بها ثم صليت بعد الانصراف أربع ركعات ثم انصرفت فإذا خمسة أو ستة من جيراني قد قاموا الى من المخزوميين والامويين فاقعدوني ثم قالوا يا أبا هاشم جزاك الله عن نفسك خيرا فقد والله رأينا خلاف ما ظننا بك وما قيل فيك. فقلت واى شئ ذلك ؟ قالوا اتبعناك حين قمت الى الصلاة ونحن نرى انك لا تقتدي بالصلاة معنا وقد وجدناك قد اعتددت بالصلاة معنا وصليت بصلاتنا فرضى الله عنك وجزاك خيرا. قال قلت لهم سبحان الله المثلى يقال هذا ؟ قال فعلمت ان أبا عبد الله عليه السلام لم يأمرنى إلا وهو يخاف على هذا وشبهه ". العاشر - ما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن سعيد البصري (2) وهو مجهول قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام انى نازل في بنى عدى ومؤذنهم وامامهم وجميع أهل المسجد عثمانية يتبرأون منكم ومن شيعتكم وأنا نازل فيهم فما ترى في الصلاة حلف الامام ؟ قال صل خلفه. قال وقال واحتسب بما تسمع ولو قدمت البصرة لقد سألك الفضيل بن يسار واخبرته بما أفتيتك فتأخذ بقول الفضيل وتدع قولى. قال على فقدمت البصرة وأخبرت فضيلا بما قال فقال هو أعلم بما قال لكنى قد سمعته وسمعت أباه يقولان لا تعتد بالصلاة خلف الناصب واقرأ لنفسك كأنك وحدك. قال فاخذت بقول الفضيل وتركت قول ابى عبد الله عليه السلام.
(1) الوسائل الباب 34 من صلاة الجماعة (2) الوسائل الباب 10 و 33 من صلاة الجماعة
[ 74 ]
الحادى عشر - ما رواه عن عبيد بن زرارة عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " قلت انى ادخل المسجد وقد صليت فاصلي معهم فلا احتسب بتلك الصلاة ؟ قال لا بأس وأما أنا فاصلي معهم وأريهم انى أسجد وما أسجد ". الثاني عشر - ما رواه عن ناصح المؤذن (2) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام انى اصلى في البيت واخرج إليهم ؟ قال اجعلها نافلة ولا تكبر معهم فتدخل معهم في الصلاة فان مفتاح الصلاة التكبير ". الثالث عشر - ما رواه عن ابى الربيع عن جعفر بن محمد عن ابيه (عليهما السلام) (3) في حديث " انه سئل عن الامام ان لم اكن أثق به أصلى خلفه وأقرأ ؟ قال لا صل قبله أو بعده. قيل له افاصلى خلفه واجعلها تطوعا ؟ قال فقال لو قبل التطوع لقبلت الفريضة ولكن اجعلها سبحة ". الرابع عشر - ما رواه في الصحيح ورواه الكليني ايضا " عن يعقوب بن يقطين (4) قال: " قلت لابي الحسن عليه السلام جعلت فداك تحضر صلاة الظهر فلا نقدر أن ننزل في الوقت حتى ينزلوا وننزل معهم فنصلى ثم يقومون فيسرعون فنقوم ونصلي العصر ونريهم كأنا نركع ثم ينزلون العصر فيقدمونا فنصلى بهم ؟ قال صل بهم لاصلى الله عليهم ". الخامس عشر - ما رواه في الكافي في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (5) قال: " إذا صليت خلف امام لا تقتدي به فاقرأ خلفه سمعت قراءته أو لم تسمع ".
(1) و (2) الوسائل الباب 6 من صلاة الجماعة (3) الوسائل الباب 6 من صلاة الجماعة. والراوي عمرو بن الربيع والمروي عنه هو جعفر بن محمد عليه السلام (4) الوسائل الباب 54 من صلاة الجماعة (5) الوسائل الباب 33 من الجماعة
[ 75 ]
السادس عشر - ما رواه في التهذيب في الصحيح عن على بن يقطين (1) قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يصلى خلف من لا يقتدى بصلاته والامام يجهر بالقراءة ؟ قال اقرأ لنفسك وان لم تسمع نفسك فلا بأس ". السابع عشر - ما رواه عن ابى حمزة عن من ذكره عن ابى عبد الله عليه السلام ورواه في الفقيه مرسلا عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " يجزئك إذا كنت معهم مثل حديث النفس ". الثامن عشر - ما رواه عن معاوية بن وهب في الصحيح عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " سألته عن الرجل يؤم القوم وأنت لا ترضى به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فقال إذا سمعت كتاب الله يتلى فانصت له. قلت فانه يشهد على بالشرك ؟ قال ان عصى الله فاطع الله. فرددت عليه فابى ان يرخص لى، قال قلت له أصلى اذن في بيتى ثم أخرج إليه ؟ فقال أنت وذاك، وقال ان عليا عليه السلام كان في صلاة الصبح فقرأ ابن الكوا وهو خلفه " ولقد أوحى اليك والى الذين من قبلك لئن اشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " (4) فانصت على عليه السلام تعظيما للقرآن حتى فرغ من الآية ثم عاد في قراءته ثم أعا ابن الكوا الآية فانصت على عليه السلام ثم قرأ فاعاد ابن الكوا فانصت على عليه السلام ثم قال: " فاصبر ان وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون (5) " ثم أتم السورة ثم ركع ". التاسع عشر - ما رواه عن ابن بكير عن ابيه في الموثق أو الحسن عليه السلام (6) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الناصب يؤمنا ما تقول في الصلاة معه ؟ فقال
(1) الوسائل الباب 33 من صلاة الجماعة (2) الوسائل الباب 33 من صلاة الجماعة. والراوي في التهذيب ج 1 ص 256 محمد ابن بن حمزه. (3) و (6) الوسائل الباب 34 من صلاة الجماعة (4) سورة الزمر الاية 65 (5) سورة روم الآية 60
[ 76 ]
إذا جهر فانصت للقرآن واسمع ثم اركع واسجد أنت لنفسك. العشرون - ما رواه عن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام (1) قال: " لا بأس أن تصلى خلف الناصب ولا تقرأ خلفه في ما يجهر فيه فان قراءته تجزئك إذا سمعتها ". الحادى والعشرون - ما رواه في الفقيه مرسلا عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " اذن خلف من قرأت خلفه ". الثاني والعشرون - ما رواه في التهذيب عن احمد بن محمد بن ابى نصر عن ابى الحسن الرضا عليه السلام (3) قال: " قلت له انى ادخل مع هؤلاء في صلاة المغرب فيعجلوني الى ما ان أؤذن واقيم ولا اقرأ إلا الحمد حتى يركع ايجزئنى ذلك ؟ قال نعم تجزئك الحمد وحدها. الثالث والعشرون - ما رواه عن احمد بن عائذ (4) قال: " قلت لابي الحسن عليه السلام انى أدخل مع هؤلاء في صلاة المغرب فيعجلوني الى ما ان أؤذن واقيم فلا اقرأ شيئا حتى إذا ركعوا واركع معهم أيجزئنى ذلك ؟ قال نعم ". الرابع والعشرون - ما رواه عن ابن اسباط عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله وابى جعفر (عليهما السلام) (5) " في الرجل يكون خلف الامام لا يقتدي به فيسبقه الامام بالقراءة ؟ قال إذا كان قد قرأ أم الكتاب اجزأه يقطع ويركع ". الخامس والعشرون - ما رواه عن ابى بصير في الصحيح (6) قال: " قلت لابي جعفر عليه السلام من لا اقندى به في الصلاة ؟ قال افرغ قبل أن يفرغ فانك في حصار فان فرغ قبلك فاقطع القراءة واركع معه ". السادس والعشرون - ما رواه عن محمد بن عذافر عن ابى عبد الله عليه السلام (7) قال: " سألته عن دخولي مع من اقرأ خلفه في الركعة الثانية فيركع عند فراغي
(1) و (6) الوسائل الباب 34 من صلاة الجماعة (2) و (3) و (5) و (7) الوسائل الباب 33 من صلاة الجماعة (4) مستدرك الوسائل الباب 30 من صلاة الجماعة
[ 77 ]
من قراءة أم الكتاب فقال تقرأ في الاخراوين كى تكون قد قرأت في ركعتين ". السابع والعشرون - ما رواه في الكافي في الحسن عن زرارة (1) قال: " سألت أبا جعفر عليه السلام عن الصلاة خلف المخالفين فقال ما هم عندي إلا بمنزلة الجدر " الثامن والعشرون - ما رواه عبد الله بن جعفر في كتاب قرب الاسناد عن الحسين بن علوان عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (2) قال: " كان الحسن والحسين (عليهما السلام) يقرآن خلف الامام ". التاسع والعشرون - ما رواه في الكافي عن حمران بن اعين (3) قال: " قلت لابي جعفر عليه السلام جعلت فداك انا نصلى مع هؤلاء يوم الجمعة وهم يصلون في الوقت فكيف نصنع ؟ فقال صلوا معهم. فخرج حمران الى زرارة فقال له قد امرنا أن نصلى معهم بصلاتهم فقال زرارة ما يكون هذا ألا بتأويل فقال له حمران قم حتى تسمع منه قال فدخلنا عيه فقال له زرارة جعلت فداك ان حمران زعم انك أمرتنا أن نصلى معهم فانكرت ذلك ؟ فقال لنا كان على بن الحسين عليه السلام يصلى معهم الركعتين فإذا فرغوا قام فاضاف اليهما ركعتين ". الثلاثون - ما رواه في التهذيب في الحسن عن حمران (4) في حديث قال: " فقال أبو عبد الله في كتاب على عليه السلام إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم ولا تقومن من مقعدك حتى تصلى ركعتين اخريين.. الحديث ". الحادى والثلاثون - ما رواه في التهذيب عن ابى بكر الحضرمي (5) قال: " قلت لابي جعفر عليه السلام كيف تصنع يوم الجمعة ؟ قال كيف تصنع أنت ؟ قلت اصلى في منزلي ثم أخرج فاصلي معهم قال كذلك أصنع أنا ". الثاني والثلاثون - ما رواه عن زرارة في الصحيح أو الحسن (6) قال: " قلت لابي جعفر عليه السلام ان اناسا رووا عن امير المؤمنين عليه السلام انه صلى اربع ركعات
(1) و (2) الوسائل الباب 33 من صلاة الجماعة (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 29 من صلاة الجمعة
[ 78 ]
بعد الجمعة لم يفصل بينهن بتسليم ؟ فقال يا زرارة ان امير المؤمنين عليه السلام صلى خلف امام فاسق فلما سلم وانصرف قام امير المؤمنين عليه السلام فصلى اربع ركعات لم يفصل بينهن بتسليم فقال رجل الى جنبه يا أبا الحسن عليه السلام صليت أربع ركعات لم تفصل بينهن بتسليم ؟ فقال انها أربع ركعات مشتبهات فسكت فوالله ما عقل ما قال له ". الثالث والثلاثون - ما رواه في كتاب المحاسن عن عبد الله بن حبيب بن جندب (1) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام انى اصلى المغرب مع هؤلاء واعيدها فاخاف ان يتفقدوني ؟ قال إذا صليت الثالثة فمكن في الارض الييك ثم انهض وتشهد وأنت قائم ثم اركع واسجد فانهم يحسبون انها نافلة "..
إذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام في هذه الاخبار يقع في مواضع:
(الاول) ان المستفاد من جملة هذه الاخبار الدالة على الحث والتأكيد على الصلاة معهم وما ذكر فيها من الثواب الجزيل هو استحباب الصلاة أو وجوبها معهم على أحد وجهين: (أحدهما) ان يصلى في منزله لنفسه ثم يخرج الى الصلاة معهم كما دل عليه جملة من هذه الخبار، والظاهر انه الا فضل والاولى لما فيه من الاتيان بالصلاة المستجمعة لشرائط الصحة والكمال، حيث ان الغالب مع الصلاة معهم لزوم ترك بعض الواجبات أو المستحبات كما صرح به جملة من الاخبار المذكورة. و (ثانيهما) ان يصلى معهم ابتداء صلاة منفردة يؤذن ويقيم ويقرأ لنفسه مع الامكان. والظاهر انه الى القسمين المذكورين اشار في الحديث الثامن. ثم انه هل يشترط بالنسبة الى القسم الثاني عدم وجود المندوحة عن الصلاة معهم أم لا ؟ قولان والى الاول مال في المدارك وبالثانى صرح الشهيدان في الروض والبيان، وللمحقق الشيخ على (قدس سره) تفصيل في المقام قد سبق ذكره مع نقل الخلاف في المسألة في باب الوضوء من كتاب الطهارة في مسألة المسح على الرجلين قال في المدارك: وهل يشترط في التقية عدم المندوحة ؟ قيل لا لاطلاق
(1) البحار ج 18 الصلاة 632
[ 79 ]
النص وقيل نعم لانتفاء الضرورة مع وجودها فيزول المقتضى وهو أقرب. انتهى والظاهر بعده لما عرفت من هذه الاخبار ولا سيما الخبر الاول من الحث على الامر بمخالطتهم ومعاشرتهم وعيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم وان استطاعوا أن يكونوا أئمة لهم ومؤذنين فعلوا، والغرض من ذلك كله هو تأليف القلوب واجتماعها لدفع الضرر والطعن على المذهب وأهله كما سمعت من الحديث التاسع، وأمر الصادق عليه السلام بالدخول في تلك الركعة التى قد فاتته القراءة فيها فضلا عن الاذان والاقامة فانها أفضل ركعاته، وما قاله اولئك المخالفون لاسحاق لما رأوه قد اقتدى بهم مع ان الامام (عليه السلام) لم يأمره بشرط المندوحة أو عدمها ولم يأمره بالاعادة بعد ذلك وان كان في الوقت. وبه يظهر ضعف ما فرعوه على الخلاف المتقدم من الاعادة في الوقت وعدمه متى زال موجب التقية كما قدمنا ذكره في الموضع المشار إليه آنفا. وبالجملة فان المستفاد من الاخبار على وجه لا يقبل الانكار عند من تأمل فيها بعين التحقيق والاعتبار انه يجوز الدخول معهم ابتداء وان يصلى معهم صلاة منفردة ويتابع في الركوع والسجود سواء كان له مندوحة عن الدخول أولم تكن وانه يغتفر له ما يلزم فواته من الواجبات إذا لم يمكن الاتيان بها كما تضمنه خبر اسحاق وهو التاسع، وكذا الخبر الثالث والعشرون من فوات القراءة، وخبر ابى بصير وهو الخامس والعشرون من قطع القراءة، وفى خبر آخر لابي بصير ايضا اشتمل على التشهد قائما لمن اضطره الامام الى القيام قبل تشهده ونحو ذلك، كل ذلك لتحصيل المحافظة على تأليف القلوب ودفع الطعن على المذهب وامامه وشيعته كما دل عليه الخبر الاول. ونحوه ما رواه في المقنع ونقله في كتاب مشكاة الانوار عن كتاب المحاسن عن عمر بن ابان (1) قال: " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول يا معشر
البحار ج 18 الصلاة ص 636
[ 80 ]
الشيعة انكم قد نسبتم الينا كونوا لنا زينا ولا تكونوا شينا كونوا مثل أصحاب على (عليه السلام) في الناس ان كان الرجل منهم ليكون في القبيلة فيكون امامهم ومؤذنهم وصاحب أماناتهم وودائعهم، عودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم وصلوا في مساجدهم ولا يسبقوكم الى خير فانتم والله أحق منهم به ". وعن عبد الله بن بكير (1) قال: " دخلت على ابى عبد الله (عليه السلام) ومعى رجلان فقال أحدهما لابي عبد الله (عليه السلام) آتى الجمعة ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ائت الجمعة والجماعة واحضر الجنارة وعد المريض واقض الحقوق ثم قال اتخافون ان نضلكم لا والله لا نضلكم ابدا ". الثاني - المفهوم من اكثر الاخبار الدالة على الصلاة أولا لنفسه ثم الخروج والصلاة معهم مأموما أو اماما لهم هو ان تلك الصلاة الثانية تقع نافلة، وقد دل الخبر الخامس والسادس والسابع على مقدار ثواب تلك الصلاة المعادة معهم، وكذا الحديث الثامن على أحد الاحتمالين وقد تقدمت الاشارة الى الاحتمال الآخر وقد دل الحديث الخامس على اشتراط الوضوء فيها اشارة الى انها صلاة حقيقية وان كانت نفلا، وكذا الحديث السادس ايضا. إلا ان ظاهر الخبر الحادى عشر والثانى عشر والثالث عشر انه لا ينويها صلاة ولا يكبر فيها تكبيرة الاحرام وانما يأتي بالاذكار من قراءة وذكر ركوع وسجود وقيام وقعود ونحو ذلك. وهو غريب لم اقف على من نبه عليه ولا من تنبه إليه. أما الاول منها فانه تضمن في حكايته (عليه السلام) عن نفسه في الصلاة معهم انه يريهم انه يسجد وهو لا يسجد وعليه يحمل كلام السائل وقوله " فلا احتسب بتلك الصلاة " يعنى لااحتسبها صلاة بل مجرد اذكار آتى بها وان احتمل على بعد أن يكون مراده انى لا احتسبها من الصلاة الواجبة على إلا ان جواب الامام
(1) البحار ج 18 الصلاة ص 636
[ 81 ]
واخباره له عن نفسه بالاول أنسب. وأما الثاني فانه (عليه السلام) قال له: " إجعلها نافلة ولا تكبر معهم فتدخل معهم في الصلاة.. " وظاهره الاتيان بمجرد الاذكار والمتابعة وهو المراد بالنافلة. وأما الثالث فانه اصرح الجميع حيث قال له السائل: " اصلى خلفه واجعلها تطوعا " فاجابه بانه " لو قبل التطوع لقبلت الفريضة ولكن اجعلها سبحة " يعنى تسبيحا وتنزيها واذكارا من غير نية صلاة وهو المراد بالنافلة في سابقه. وبالجملة فان هذه الاخبار ظاهرة في أن الصلاة معهم انما هي عبارة عن المتابعة في القيام والقعود والاذكار من غير ان ينويها صلاة، بل ظاهر قوله في الثاني " ولا تكبر معهم " أي لا تفتتح الصلاة بالتكبير فان الذى يأتي به انما هو مجرد اذكار وليس بصلاة، وكذا نهيه في الخبر الثالث عن الصلاة معهم وانما يصلى قبلهم أو بعدهم مع استفاضة الاخبار بالصلاة معهم. ولا يحضرني الآن وجه جواب عنها إلا ان يكون هذا قسما ثالثا في الصلاة معهم مضافا الى القسمين المتقدمين في الموضع الاول. وتأويل هذه الاخبار بما ترجع به الى الاخبار الكثيرة المذكورة يحتاج الى مزيد تعسف وتكلف وربما لا يجرى في بعضها بالكلية. والله العالم. الثالث - قد اختلفت الاخبار المتقدمة في القراءة خلف المخالف فجملة منها دلت على الامر بذلك وان سمع قراءته وعيه عمل الاصحاب (رضوان الله عليهم) وهو الاوفق بالقواعد الشرعية والضوابط المرعية، لانه منفرد يجب عليه الاتيان بما يجب على المنفرد من قراءة وغيرها، وجملة منها دلت على المنع من القراءة خلفه إذا سمعه والاجتزاء بقراءته، والظاهر حملها على شدة التقية بحيث لا يتمكن من القراءة ولو خفيا مثل حديث النفس، وعلى ذلك حمل الشيخ الاخبار المذكورة. ويحتمل حمل هذه الاخبار على خصوص السائلين لما يعلمونه (صلوات الله عليهم) من لحوق الضرر لهم بترك ذلك كما في أمر اسحاق بن عمار بما أمره به (عليه السلام)
[ 82 ]
في الحديث التاسع لعلمه بما يبتلى به من تلك القضية، ونحوه خبر على بن يقطين وخبر داود بن زربى في الامور بالوضوء ثلاثا (1) لعلمه (عليه السلام) بما يجرى عليهما مما هو مذكور في خبريهما. وبالجملة فان العمل على الاخبار الاولى كما عليه كافة الاصحاب، ويؤيده قوله (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (2) بعد النهى عن القراءة خلف من يقتدى به " وإذا كان لا يقتدى به فاقرأ خلفه سمعت أم لم تسمع ". الرابع - قد عرفت ان الواجب على هذا المصلى معهم تقية القراءة لانتفاء القدوة وكونه منفردا وهو مما لا خلاف فيه بين الاصحاب لما ذكرنا، وقد عرفت الوجه في ما دل على خلاف ذلك من عدم القراءة خلفه في الجهرية. ولا خلاف ايضا في سقوط الجهر في الجهرية وان قلنا بوجوبه للتقية، وعليه يدل ايضا الخبر السادس عشر والسابع عشر. وتجزئه الحمد وحدها مع تعذر السورة بلا خلاف ولا إشكال، وعليه يدل الخبر الثاني والعشرون والرابع والعشرون. وانما الخلاف لو ركع الامام قبل اتمامه الفاتحة، فقيل انه يقرأ في ركوعه وقيل انه تسقط القراءة للضرورة وبه قطع الشيخ في التهذيب، قال ان الانسان إذا لم يلحق القراءة معهم جاز له ترك القراءة والاعتداد بتلك الصلاة بعد أن يكون قد ادرك الركوع. ثم استدل بالخبر التاسع. وقال في المدارك بعد نقل ذلك عن الشيخ: وهذه الرواية وان كانت واضحة المتن لكنها قاصرة من حيث السند، والمسألة محل إشكال ولا ريب ان الاعادة مع عدم التمكن من قراءة الفاتحة طريق الاحتياط. انتهى. اقول: ويدل على ما قاله الشيخ ايضا الخبر الثالث والعشرون والخامس والعشرون، وهو صحيح إذ ليس فيه من ربما يتوقف فيه إلا أبو بصير وهو هنا ليث المرادى بقرينة رواية عبد الله بن مسكان عنه، فما ذكره من الاستشكال
(1) الوسائل الباب 32 من الوضوء (2) ص 11
[ 83 ]
في المدارك ليس في محله. وأما القول بانه يقرأ حال ركوعه فلم اقف على مستنده بل صريح هذه الاخبار انما هو المضى والمتابعة للامام واغتفار ترك القراءة في هذا المقام.
الخامس - ما اشتمل عليه الحديث الثالث والثلاثون من التشهد حال القيام إذا ألجأته التقية الى ذلك قد ورد مثله في خبر لابي بصير إلا انه لا يحضرني الآن مكانه وبه صرح الصدوق، قال في المنتهى: قال ابن بابويه وان لم يتمكن من التشهد جالسا قام مع الامام وتشهد قائما. اقول وبذلك صرح الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1) في مالو دخل في صلاة المخالف بعد ان صلى بعض صلاته. وسيأتى الكلام في المسألة ان شاء الله تعالى في المطالب الثالث في الاحكام.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان البحث في هذا المقصد يقع في مطالب ثلاثة:
الاول
في الجماعة
وفيه مسائل:
المسألة الاولى - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ان الجماعة لا تجب اصالة إلا في الجمعة والعيدين مع اجتماع الشرائط المتقدمة فيهما، وتجب بالعارض كالنذر وشبهيه، وفى جاهل القراءة مع ضيق الوقت عن التعلم وامكان الائتمام، وما عدا ذلك فهى مستحبة، وقد عرفت تأكد استحبابها في اليومية. والمشهور بين الاصحاب بل ادعى في المنتهى عليه الاجماع هو استحبابها في جميع الفرائض، قال في المنتهى: وهو مذهب علمائنا أجمع. وتنظر فيه بعض فضلاء متأخرى المتأخرين، قال: وفى استفادة هذا التعميم من الاخبار نظر. وهو في محله والاحوط الوقوف في ذلك على موارد النصوص. قالوا: ولا تجوز الجماعة في شئ من النوافل عدا الاستسقاء والعيدين مع اختلال الشرائط. اقول: أما استحبابها في الاستسقاء فقد تقدم الكلام فيه في صلاة
(1) ص 14
[ 84 ]
الاستسقاء، واما العيدان فقد تقدم ايضا تحقيق القول في ذلك في صلاة العيد وان الامر ليس كما ادعوه (رضوان الله عليهم). وأما عدم الجواز في غير هذين الموضعين من النوافل فقال في المنتهى انه مذهب علمائنا أجمع، واستدل بما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم والفضيل عن الصادقين (عليهما السلام) (1) " ان رسول الله صلى الله عليه واله قال ان الصلاة بالليل في شهر رمضان النافلة في جماعة بدعة " وعن اسحاق بن عمار عن ابى الحسن (عليه السلام) وسماعة بن مهران عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) " ان النبي صلى الله عليه واله قال في نافلة شهر رمضان ايها الناس ان هذه الصلاة نافلة ولن يجتمع للنافلة فليصل كل رجل منكم وحده وليقل ما علمه الله من كتابه واعلموا ان لا جماعة في نافلة ". واعترضه في المدارك بان في هذا الاستدلال نظر القصور الرواية الاولى عن افادة العموم وضعف سند الثانية باشتماله على محمد بن سليمان الديلمى وغيره، قال وربما ظهر من كلام المصنف في ما سيأتي ان في المسألة قولا بجواز الاقتداء في النافلة مطلقا. ثم نقل عن الذكرى ما يقرب من ذلك ثم قال وهذا الكلام يؤذن بان المنع ليس اجماعيا وقد ورد بالجواز روايات: منها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) انه قال له: " صل باهلك في رمضان الفريضة والنافلة فانى افعله " وفى الصحيح عن هشام بن سالم (4) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تؤم النساء فقال تؤمهن في النافلة فاما في المكتوبة فلا " ونحوه روى ايضا في الصحيح عن الحلبي وسليمان بن خالد عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) ومن هنا يظهر ان ما ذهب إليه بعض الاصحاب من استجاب الجماعة في صلاة الغدير جيد وان لم يرد فيها نص على الخصوص انتهى.
(1) الوسائل الباب 10 ممن نافلة شهر رمضان (2) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 20 من صلاة الجماعة
[ 85 ]
اقول: لا يخفى ما فيه على الفطن النبيه المطلع على ما ورد عنهم (عليه السلام) في هذه المسألة من الاخبار والمتأمل فيها بعين الفكر والاعتبار: اما أولا - فلعدم انحصار ما دل على تحريم الجماعة في النافلة في هذه الروايات التى استدل بها العلامة (قدس سره) ليتم له بالطعن فيها القول بالجواز. ومما يدل على ذلك زيادة على الاخبار المذكورة ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح أو الحسن بابراهيم بن هاشم عن سليم بن قيس (1) قال: " خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) فحمد الله واثنى عليه ثم صلى على النبي صلى الله عليه واله ثم قال ألا إن اخوف ما أخاف عليكم خلتان اتباع الهوى وطول الامل.. وساق الخطبة الى ان قال (عليه السلام) وامرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة واعلمتهم ان اجتماعهم في النوافل بدعة فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معى يا أهل الاسلام غيرت سنة عمر.. الى آخرها ". وما رواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر من كتاب ابى القاسم جعفر بن محمد بن قولويه عن ابى جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام) (2) قالا " لما كان أمير المؤمنين (عليه السلام) بالكوفة اتاه الناس فقالوا له اجعل لنا اماما يؤمنا في رمضان فقال لهم لا ونهاهم ان يجتمعوا فيه فلما امسوا جعلوا يقولون ابكوا رمضان وارمضاناه، فاتى الحارث الاعور في اناس فقال يا أمير المؤمنين ضج الناس وكرهوا قولك فقال عند ذلك دعوهم وما يريدون ليصل بهم من شاءوا ثم قال: ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا " (3) ورواه العياشي في تفسيره عن حريز عن بعض اصحابنا عن احدهما (عليهما السلام) (4). وما رواه الحسن بن على بن شعبة في كتاب تحف العقول عن الرضا (عليه السلام) (5) قال: " ولا يجوز التراويح في جماعة ".
(1) و (2) و (4) و (5) الوسائل الباب 10 من نافلة شهر رمضان (3) سورة النساء الآية 115 " ومن يشافق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع.. "
[ 86 ]
وأنت خبير بانه بعد ورود هذه الاخبار كملا ما ذكرناه وما ذكره العلامة (قدس سره) لا مجال للمناقشة في الحكم المذكور سيما مع ما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في رواياته من الخلل والقصور. واما ثانيا - فلان صحيحة الفضلاء الثلاثة وان كان موردها انما هو النهى عن الاجتماع في صلاة الليل في شهر رمضان كما قدمنا بيانه في بحث نافلة شهر رمضان إلا ان النهى انما وقع من حيث تحريم الاجتماع في النافلة لا من حيث خصوصية شهر رمضان أو خصوصية الليل كما افصحت به الروايات الاخر من قوله (عليه السلام) في صحيحة سليم بن قيس " واعلمتهم ان اجتماعهم في النوافل بدعة " وقولهما (عليهما السلام) في حديثى سماعة واسحاق " ان هذه الصلاة نافلة ولن يجتمع للنافلة " وقوله (عليه السلام) (1) " واعلموا ان لا جماعة في نافلة " ومن ذلك يعلم ان اجمال هذا الخبر يحمل على غيره من الاخبار المتقدمة المفصلة حمل المطلق على المقيد والمجمل على المبين وأما ثالثا - فان ما ذكره من الروايات الدالة على الجواز - من صحيحتي عبد الرحمان وهشام - ففيه أولا - انه قد اعترض صحيحة الفضلاء بانها قاصرة عن افادة العموم اشارة الى ان موردها انما هو النهى عن الجماعة في النافلة في الليل في شهر رمضان فلا تدل على عموم تحريم النافلة مطلقا كما هو محل البحث، وهذا بعينه وارد عليه في الصحيحتين المذكورتين، فان الاولى موردها ايضا شهر رمضان والثانية موردها النساء خاصة فلا دلالة فيها على عموم الجواز، فكيف يدعى بعد ذكرهما العموم ويقول: ومن هنا يظهر ان ما ذهب إليه بعض الاصحاب من استحباب الجماعة في صلاة الغدير جيد وان لم يرد فيها نص والحال ان دليله كما عرفت اخص من المدعى ما هذا إلا عجب عجيب من هذا المحقق الاريب. وثانيا - ان ظاهر صحيحة عبد الرحمان هو أن هذه النافلة المذكورة في الخبر انما
(1) ص 84 و 85
[ 87 ]
هي نافلة شهر رمضان وإلا لما كان لذكر شهر رمضان معنى في المقام، وقد عرفت استفاضة الاخبار بتحريم الجماعة فيها، وحينئذ فالواجب حمل هذا الخبر على التقية (1) وبذلك يسقط. الاستناد إليه بالكلية. وأما صحيحة هشام فسيأتيك الجواب عنها واضحا مشروحا ان شاء الله تعالى في المطلب الثاني في شرط ذكورية الامام. وأما رابعا - فان ما ذكره - من انه يفهم من كلام المصنف والشهيد في الذكرى احتمال وجود المخالف في المسألة ليتم له القول بجواز الجماعة في النافلة ومخالفة الاصحاب في ما ظاهرهم الاتفاق عليه تحاشيا عن مخالفة الاجماع - فلا يخفى ما فيه وكم قد خالف الاصحاب في ما ظاهرهم الاتفاق عليه وان تحاشا عن ذلك في مواضع اخر كما في هذا الموضع، مع انه قد ذكر في صدر كتابه في مقام طعنه على اجماعاتهم انه قد صنف رسالة في الطعن على هذا الاجماع وانه مما لا يعول عليه في مقام التحقيق ولا يرجع إليه. هذا. ومما استثنى من تحريم الجماعة في النافلة صلاة الغدير عند ابى الصلاح كما أشار إليه في المدارك واليه ذهب الشهيد في اللمعة والمحقق الشيخ على على ما نقل عنه ورجحه شيخنا أبو الحسن في رسالته في الصلاة، ونقل عن ابى الصلاح انه نسبه الى الرواية وهو ظاهر كلامه في الكافي. إلا ان الخروج عن ظواهر الاخبار الدالة على التحريم بمثل ذلك لا يخلو عن مجازفة فالتحريم اقوى. ومما استثنى ايضا اعادة المنفرد صلاته جماعة اماما كان أو مأموما كما سيأتي بيان ذلك في محله.
المسألة الثانية - من شرائط الجماعة وترتب ثوابها واحكامها العدد واقله اثنان في غير الجمعة والعيدين يقوم المأموم عن يمين الامام وان كان امرأة فخلفه، فههنا أحكام ثلاثة:
(1) المهذب ج 1 ص 82 والمغنى ج 2 ص 168
[ 88 ]
أما الحكم الاول اعني كون أقل الجماعة اثنين فيدل عليه صحيحة زرارة (1) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام الرجلان يكونان جماعة ؟ قال نعم ويقوم الرجل عن يمين الامام ". وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: " الرجلان يؤم أحدهما صاحبه يقوم عن يمينه ". قال في المدارك: ويدل عليه رواية الحسن الصيقل عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " سألته عن أقل ما تكون الجماعة قال رجل وامرأة، وإذا لم يحضر المسجد أحد فالمؤمن وحده جماعة " ومعنى كون المؤمن وحده جماعة انه إذا طلب الجماعة فلم يجدها تكون صلاته على الانفراد مساوية لصلاة الجماعة في الثواب تفضلا من الله تعالى ومعاملة له بمقتضى نيته. انتهى. اقول: رواية الصيقل المذكورة قد رواها الشيخ في التهذيب (4) بما نقله الى قوله " رجل وامرأة " ورواها الصدوق في الفقيه (5) هكذا: وسأل الحسن الصيقل أبا عبد الله عليه السلام عن أقل ما تكون الجماعة قال رجل وامرأة، وإذا لم يحضر المسجد أحد فالمؤمن وحده جماعة لانه متى اذن واقام صلى خلفه صفان من الملائكة ومتى أقام ولم يؤذن صلى خلفه صف واحد. انتهى. وانت خبير بان الظاهر ان ما زاد على رواية التهذيب فهو من كلام الصدوق الذى يداخل به الاخبار فيقع بسببه الالتباس، باحتمال كونه منها، وفى التعليل الذى ذكره ايناس بما قلنا، وظاهر صاحب المدارك ان قوله: " وإذا لم يحضر المسجد احد... الخ " من الرواية، والظاهر انه ليس كذلك بل انما هو من كلام الصدوق لما
(1) الوسائل الباب 4 من صلاة الجماعة (2) الوسائل الباب 23 من صلاة الجماعة (3) الوسائل الباب 4 من صلاة الجماعة. واللفظ هكذا " سألته كم اقل... " (4) ج 1 ص 235 (5) ج 1 ص 246
[ 89 ]
ذكرناه من نقل الشيخ الرواية عارية عن ذلك وايناس التعليل بما هنالك. وروى الشيخ في التهذيب عن ابى البخترى عن جعفر عليه السلام (1) " ان عليا عليه السلام قال: الصبى عن يمين الرجل إذا ضبط الصف جماعة، والمريض القاعد عن يمين الصبى جماعة ". وروى في الفقيه مرسلا (2) قال: " قال رسول الله صلى الله عليه واله الاثنان جماعة. قال وقال رسول الله صلى الله عليه واله المؤمن وحده حجة والمؤمن وحده جماعة ". وروى في الكافي والشيخ في التهذيب في الصحيح عن محمد بن يوسف عن ابيه (3) وهو مجهول قال: " سمعت ابا جعفر عليه السلام يقول ان الجهنى اتى النبي صلى الله عليه واله فقال يارسول الله انى اكون في البادية ومعى أهلى وولدى وغلمتى فاؤذن واقيم واصلي بهم أفجماعة نحن ؟ فقال نعم... الى أن قال فان ولدى يتفرقون في الماشية فابقى أنا وأهلي فاؤذن واقيم واصلي بها أفجماعة نحن ؟ فقال نعم. فقال يا رسول الله صلى الله عليه واله ان المرأة تذهب في مصلحتها فابقى أنا وحدي فأؤذن واقيم أفجماعة أنا ؟ فقال نعم المؤمن وحده جماعة " والظاهر في تعليل كونه وحده جماعة هو ما ذكره في الفقيه مما قدمنا نقله عنه. وأما ما علله به في المدارك فالظاهر بعده وان امكن احتماله. وأما الحكم الثاني اعني قيام المأموم إذا كان واحدا عن يمين الامام فهو مما لا خلاف في رجحانه بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) وان كان المأموم اكثر من واحد وقفوا خلف الامام. واستندوا في هذا التفصيل الى ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: " الرجلان يؤم أحدهما صاحبه يقوم عن يمينه فان كانوا اكثر من ذلك قاموا خلفه ". وبالجملة فانه لا خلاف في أفضلية قيام الرجل وحده عن يمين الامام انما
(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 4 من صلاة الجماعة (4) الوسائل الباب 23 من صلاة الجماعة
[ 90 ]
الخلاف في وجوبه واستحبابه والمشهور ان ذلك على جهة الفضل والاستحباب، قال في المنتهى: وهذا الموقف سنة فلو خالف بان وقف الواحد على يسار الامام أو خلفه لم تبطل صلاته عند علمائنا أجمع. ونقل في المختلف عن ابن الجنيد القول بالبطلان مع المخالفة، قال في المدارك وهو ضعيف. أقول: لا أعرف لما ذكره الاصحاب من الاستحباب هنا مستندا سوى الاجماع الذى ادعاه في المنتهى، ولا اعرف لحكم السيد بضعف قول ابن الجنيد وجها مع عدم الدليل على خلافه وقيام الادلة وتكاثرها على ما نقلوه عنه، وهم انما استندوا في هذا التفصيل الى صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة بانه ان كان واحدا قام عن يمين الامام وان كانوا اكثر قاموا خلفه، وهى ان لم تدل على ما ذهب إليه ابن الجنيد كما هو الظاهر منها فلا تدل على خلافه. وبالجملة فانها أعم من ذلك فلا دلالة فيها على كون ذلك على جهة الاستحباب بوجه، وجميع ما حضرني من روايات هذه المسألة على كثرتها وتعددها لااشارة في شئ منها فضلا عن الدلالة الى الاستحباب بل المتبادر من سياقها واتفاقها على الحكم المذكور انما هو الوجوب، لان العبادات كمية وكيفية صحة وبطلانا مبنية على التوقيف فما ثبت عن صاحب الشرع وجب الحكم بصحته وما لم يثبت عنه فلا مساغ للحكم بصحته بمجرد التخرص والظن، والذى ثبت عنه كما ستقف عليه ان شاء الله تعالى انما هو ما ذكرناه. وها انا أسوق لك ما وقفت عليه من اخبار المسألة، فمنها صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة وصحيحة زرارة المتقدمة في صدر المسألة ورواية ابى البخترى المتقدمة ايضا. ومنها - ما رواه في الكافي عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد (1) قال: " ذكر الحسين - يعنى ابن سعيد - انه أمر من يسأله عن رجل صلى الى جانب رجل فقام عن يساره وهو لا يعلم ثم علم وهو في صلاته كيف يصنع ؟ قال
(1) الوسائل الباب 24 من صلاة الجماعة
[ 91 ]
يحوله عن يمينه ". وما رواه في الكافي في الصحيح عن ابراهيم بن ميمون عن ابى عبد الله عليه السلام (1) " في الرجل يؤم النساء ليس معهن رجل في الفريضة ؟ قال نعم وان كان معه صبى فليقم الى جانبه ". وما رواه في الفقيه في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام (2) " انه سئل عن الرجل يؤم الرجلين ؟ قال يتقدمها ولا يقوم بينهما. وعن الرجلين يصليان جماعة ؟ قال نعم يجعله عن يمينه ". وما رواه الشيخ في التهذيب عن الحسين بن يسار المدائني (3) " انه سمع من يسأل الرضا عليه السلام عن رجل صلى الى جانب رجل فقام عن يساره وهو لا يعلم كيف يصنع ثم علم وهو في الصلاة ؟ قال يحوله عن يمينه ". وما رواه في كتاب العلل بسنده فيه عن احمد بن رباط عن ابى عبد الله عليه السلام (4) قال " قلت له لاى علة إذا صلى اثنان صار التابع عن يمين المتبوع ؟ قال لانه امامه وطاعة للمتبوع وان الله جعل أصحاب اليمين المطيعين، فلهذه العلة يقوم عن يمين الامام دون يساره ". وما رواه في كتاب قرب الاسناد عن الحسين بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم السلام) (5) " انه كان يقول المرأة خلف الرجل صف ولا يكون الرجل خلف الرجل صفا انما يكون الرجل الى جنب الرجل عن يمينه ". وما رواه فيه ايضا عن السندي بن محمد عن ابى البخترى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على (عليهم السلام) (6) قال: " رجلان صف فإذا كانوا ثلاثة تقدم الامام " وروى الصدوق في كتاب المجالس في الصحيح الى محمد بن عمر
(1) و (2) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 23 من صلاة الجماعة (3) الوسائل الباب 24 من صلاة الجماعة
[ 92 ]
الجرجاني (1) قال: " قال الصادق عليه السلام أول جماعة كانت ان رسول الله صلى الله عليه واله كان يصلى وأمير المؤمنين على بن ابى طالب عليه السلام معه إذ مر أبو طالب وجعفر معه فقال يا بنى صل جناح ابن عمك فلما احسن رسول الله صلى الله عليه واله تقدمهما وانصرف أبو طالب مسرورا.. الحديث ". وقال في كتاب الفقه الرضوي (2) " يؤم الرجلين أحدهما صاحبه يكون عن يمينه فإذا كانوا اكثر من ذلك قاموا خلفه ". اقول: هذا ما حضرني من اخبار المسألة المذكورة وهى كما ترى متطابقة الدلالة متعاضدة المقالة على ان الحكم في الاثنين هو قيام المأموم عن يمين الامام والحكم في الاكثر التأخر، وقد عرفت ان العبادات مبنية على التوقيف عن صاحب الشريعة، وهذا هو الذى وورد به الشرع عنهم (عليهم السلام) في كيفية الائتمام في هذه الصورة سبما مع اشتمالها على الاوامر التى هي حقيقة في الوجوب، والخروج عن ذلك خروج عن المشروع عين ما سيأتي ان شاء الله تعالى في استدلالهم في مسألة عدم جواز تقدم المأموم على الامام، حيث قالوا ثمة: لان المنقول من فعل النبي صلى الله عليه واله والائمة (عليهم السلام) إما تقدم الامام أو تساوى الموقفين فيكون الاتيان بخلافه خروجا عن المشروع. انتهى. وهذا بعينه آت في ما نحن فيه فان المنقول عنهم (عليهم السلام) كما عرفت من هذه الاخبار هو وقوف الواحد عن يمين الامام وتأخر الاكثر، والخروج عنه من غير دليل ولانص خروج عن المشروع. نعم لو كان هنا دليل معارض لهذه الاخبار لتم لهم حملها على الاستحباب جمعا بين الدليلين كما هي قاعدتهم المطردة إلا ان الامر ليس كذلك. وغاية ما استدل به العلامة في المختلف للقول المشهور ما رواه أبو الصباح في الصحيح (3) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقوم في الصف وحده فقال
(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الجماعة (2) ص 11 (3) الوسائل الباب 57 من صلاة الجماعة
[ 93 ]
لا بأس إنما يبدو واحد بعد واحد " ثم نقل الاحتجاج لابن الجنيد برواية زرارة المتقدمة وهى صحيحته المتقدمة في صدر المسألة، قال والامر للوجوب. ثم قال والجواب المنع من كونه للوجوب. انتهى. وأنت خبير بما في كلامه من الوهن والضعف الظاهر الذى لا يخفى على الخبير الماهر، اما الخبر الذى استدل به فان الظاهر منه انما هو قيام المأموم وحده في صف مع امتلاء الصفوف وعدم وجود مكان له فيها فانه يقوم وحده كما ورد في صحيحة سعيد الاعرج (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يدخل المسجد ليصلى مع الامام فيجد الصف متضايقا باهله فيقوم وحده حتى يفرغ الامام من الصلاة أيجوز ذلك له ؟ قال نعم لا بأس " وفى موثقة اخرى لسعيد الاعرج (2) ايضا قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأتي الصلاة فلا يجد في الصف مقاما أيقوم وحده حتى يفرغ من صلاته ؟ قال نعم لا بأس يقوم بحذاء الامام " وما ذكرناه في معنى الخبر المذكور ان لم يكن متعينا لما ذكرنا من الاخبار فلا أقل أن يكون مساويا لما ذكره في الاحتمال وهو كاف في ابطال الاستدلال. واما جوابه عن صحيح زرارة بعد اعترافه بان الامر فيه للوجوب بمنع ذلك فهو تحكم محض كما لا يخفى. وبالجملة فالقول المذكور في غاية القوة لما عرفت، ولا أعرف لهم وجها في رد هذه الاخبار إلا قصور النظر عن تتبعها والاطلاع عليها والجمود على ظواهر المشهورات المزخرفة بالاجماعات. قال في الذكرى: وتنعقد الجماعة بالصبى المميز لان ابن عباس ائتم بالنبي صلى الله عليه واله وكان إذ ذاك غير بالغ (3).
(1) و (2) الوسائل الباب 57 من صلاة الجماعة (3) في سنن ابى داود ج 1 ص 166 عن ابن عباس قال: بت في بيت خالتي ميمونة فقام رسول الله " ص " من الليل فاطلق القربة فتوضأ ثم اوكأ القربة ثم قام الى الصلاة فقمت فتوضأت كما توضأ ثم جئت فقمت عن يساره فاخذني بيمينه فادارنى من ورائه فاقامنى عن يمينه فصيلت معه.
[ 94 ]
أقول: الاظهر الاستدلال على ذلك بخبر ابى البخترى وابراهيم بن ميمون المتقدمين، وأما الخبر الذى أشار إليه فالظاهر انه من طريق القوم. وتنعقد بالمرأة خلف الرجل كما دل عليه خبر كتاب قرب الاسناد المتقدم وغيره ثم انه لا يخفى ان ظاهر الاخبار المتقدمة الدالة على انهما إذا كان اثنين يقوم المأموم عن يمين الامام هو مساواة المأموم للامام في الموقف، ونقل في المختلف عن ابن ادريس انه لابد من تقدم الامام عليه بقليل. ثم أجاب عنه بانه ممنوع لان الاصل براءة الذمة منه. ثم أورد صحيحة محمد بن مسلم وحسنة زرارة المتقدمتين الدالتين على أنه يقوم عن يمين الامام. ثم استدل بانه لو كان كذلك بطلت صلاة الاثنين إذا قال كل واحد منهما كنت اماما، قال لانهما ان اخلا بالتقدم المذكور مع وجوبه بطلت صلاتهما، ويستحيل ان يأتيا به معا، وان تقدم أحدهما فهو الامام، لكن التالى باطل اجماعا فكذا المقدم. انتهى. وظاهر الشهيد (قدس سره) في الذكرى موافقة ابن ادريس هنا حيث قال في بيان سنة الموقف: أحدها - أن يقتدى الرجل بالرجل فيستحب قيامه عن يمينه ويتقدم الامام بيسير. انتهى. ولا ريب في ضعفه لما عرفت. وأما الحكم الثالث وهو تأخر المرأة خلفه فهو مبنى على ما هو المختار من عدم جواز محاذاة المرأة للرجل في الموقف كما تقدم تحقيقه في مبحث المكان من مقدمات الكتاب، واما من قال بجواز المحاذاة فالحكم هنا عنده على الاستحباب. والذى يدل على تأخرها روايات: منها - ما رواه الشيخ عن ابى العباس (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يؤم المرأة في بيته ؟ قال نعم تقوم وراءه " وعن عبد الله بن بكير عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله عليه السلام (2) " في الرجل يؤم المرأة ؟ قال نعم تكون خلفه. وعن المرأة تؤم النساء ؟ قال نعم تقوم وسطا
(1) الوسائل الباب 19 من صلاة الجماعة (2) الوسائل الباب 19 و 20 من صلاة الجماعة
[ 95 ]
بينهن ولا تتقدمهن ". ويستحب لها مع التأخر أن تقوم عن يمين الامام إذا كانت واحدة لما رواه الصدوق في الصحيح عن هشام بن سالم عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " الرجل إذا أم المرأة كانت خلفه عن يمينه سجودها مع ركبتيه ". وما رواه الشيخ عن الفضيل بن يسار قال (2): " قلت لابي عبد الله عليه السلام اصلى المكتوبة بام على ؟ قال نعم تكون عن يمينك يكون سجودها بحذاء قدميك ". ولو كان المأموم رجلا وامرأة قام الرجل عن يمين الامام والمرأة خلفه لما رواه عن القاسم بن الوليد (3) قال: " سألته عن الرجل يصلى مع الرجل الواحد معهما النساء ؟ قال يقوم الرجل الى جنب الرجل ويتخلفن النساء خلفهما ". والله العالم.
المسألة الثالثة - من الشرائط ايضا عند الاصحاب (رضوان الله عليهم) المشاهدة بمعنى أن لا يكون ثمة بين الامام والمأموم أو بين المأمومين بعض مع بعض حائل يمنع المشاهدة، قال في المدارك: هذا الحكم مجمع عليه بين الاصحاب. والاصل فيه ما رواه الشيخ في الحسن والصدوق في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام (4) قال: " ان صلى قوم وبينهم وبين الامام ما لا يتخطى فليس ذلك الامام لهم بامام، وأى صف كان أهله يصلون بصلاة امام وبينهم وبين الصف الذى يتقدمهم قدر مالا يتخطى فليس تلك لهم بصلاة، وان كان بينهم سترة أو جدار
(1) الوسائل الباب 5 من مكان المصلى (2) و (3) الوسائل الباب 19 من صلاة الجماعة (4) الوسائل الباب 62 و 59 من صلاة الجماعة. ومصدر الحديث الفقيه والكافي والشيخ يرويه عن الكليني. وقوله " ع " " ينبغى ان تكون الصفوف.. " الى قوله " ع " " إذا سجد " رواه في الفقيه قبل قوله " ع " " ان صلى قوم... " وفى كلمة " إذا سجد " دون الكافي كما ان قوله " ع " " ايما امرأة... " حديث الفقيه دون الكافي راجع الفروع ج 1 ص 107 والفقيه ج 1 ص 253
[ 96 ]
فليس تلك لهم بصلاة إلا من كان حيال الباب. قال: وهذه المقاصير لم تكن في زمن أحد من الناس وإنما أحدثها الجبارون وليس لمن صلى خلفها مقتديا بصلاة من فيها صلاة. قال: وقال أبو جعفر عليه السلام ينبغى أن تكون الصفوف تامة متواصلة بعضها الى بعض لا يكون بين الصفين ما لا يتخطى يكون قدر ذلك مسقط جسد الانسان إذا سجد. قال وقال: أيما امرأة صلت خلف امام وبينها وبينه مالا يتخطى فليس لها تلك بصلاة. قال قلت: فان جاء انسان يريد أن يصلى كيف يصنع وهى الى جانب الرجل ؟ قال: يدخل بينها وبين الرجل وتنحدر هي شيئا ". وتحقيق الكلام في هذا المقام ان يقال قد عرفت انه لا يجوز الحيلولة بين الامام والمأمومين ولا بين المأمومين بعضهم مع بعض بما يمنع المشاهدة من الحائل فلو لم يمنع المشاهدة كالحائل القصير المانع حالة الجلوس خاصة والشباك المانع من الاستطراق دون المشاهدة فلا بأس بالصلاة والحال هذه، وبذلك صرح معظم الاصحاب ومنهم الشيخ في المبسوط على ما نقله في الذخيرة، وخالف في الخلاف فقال من صلى وراء الشبابيك لا تصح صلاته مقتديا بصلاة الامام الذى يصلى داخلها. واستدل بصحيحة زرارة، قال في المدارك: وكأن موضع الدلالة فيها النهى عن الصلاة خلف المقاصير فان الغالب فيها أن تكون مشبكة. وأجاب عنه في المختلف بجواز أن تكون المقاصير المشار إليها فيها غير مخرمة.. الى أن قال: ولا ريب ان الاحتياط يقتضى المصير الى ما ذكره الشيخ. انتهى. أقول: ما ذكره (قدس سره) - من أن موضع الدلالة في ما استدل به الشيخ من الرواية النهى عن الصلاة خلف المقاصير فان الغالب فيها أن تكون مشبكة - لا يخلو من بعد، فانه لا يخفى أن ظاهر قوله عليه السلام: " وهذه المقاصير لم تكن في زمن أحد من الناس " انما وقع تفريعا على قوله: " وان كان بينهم سترة أو جدار فليس تلك لهم بصلاة " فانه لما حكم عليه السلام ببطلان الصلاة والحال هذه وكانت تلك
[ 97 ]
المقاصير حائلة وساترة مع كون الناس يصلون خلفها استدرك عليه السلام وبين ان هذه المقاصير التى يصلى خلفها الناس الآن لم تكن في الصدر الاول من زمنه صلى الله عليه واله ولا ما قاربه وانما هي شئ محدث، ولايجوز الصلاة خلفها لحصول الستر والحيلولة بها. هذا هو ظاهر سياق الخبر المذكور وهو الذى فهمه الاصحاب منه كما نقله عن المحقق ومثله العلامة وغيرهما، فقوله (قدس سره) ان الغالب في تلك المقاصير ان تكون مشبكة مع كونه مجرد دعوى مخالف لظاهر النص، ومن اين علم ان تلك المقاصير التى كانت في زمانهم (عليهم السلام) كانت مشبكة لو ثبت كونها في زمانه كذلك. وبالجملة فان استدلال الشيخ بالخبر المذكور على ما ادعاه ليس له وجه ان ثبت ما نقلوه عنه من انه استدل بخبر زرارة، ومن المحتمل قريبا عندي ان هذا الاستدلال انما هو من كلام الاصحاب وان اسندوه إليه ظنا منهم استناده في ذلك الى الخبر المذكور كما وقع في المختلف في استدلاله للاقوال التى ينقلها فيه وان اسند ذلك الى صاحب القول، كما لا يخفى على من تأمل ذلك بعين التحقيق. هذا. ولا يخفى ان صاحب الذخيرة نقل ان الشيخ في المبسوط وافق المشهور في جواز الصلاة خلف الشبابيك وانما خالفهم في الخلاف، والمفهوم من كلام الذكرى ان خلافه انما هو في المبسوط حيث قال: ولو كانت المقصورة مخرمة صحت كالشبابيك، ويظهر من المبسوط وكلام ابى الصلاح عدم الجواز مع حيلولة الشباك لرواية زرارة مع اعتراف الشيخ بجواز الحيلولة بالمقصورة المخرمة ولا فرق بينهما. انتهى. أقول: لا يخفى على من لاحظ عبارة المبسوط في هذا المقام انها غير خالية من التدافع والتناقض في هذه الاحكام ومنه وقع الاشتباه في ما نقل عنه من هذا الكلام، حيث قال: الحائط وما يجرى مجراه مما يمنع من مشاهدة الصفوف يمنع من صحة الصلاة والاقتداء بالامام، وكذلك الشبابيك والمقاصير تمنع من الاقتداء
[ 98 ]
بامام الصلاة إلا إذا كانت مخرمة لا تمنع من مشاهدة الصفوف. انتهى. ووجه الاشكال فيها انه لاريب ان الشبابيك لا تمنع المشاهدة مع انه عدها في ما يمنع من صحة الصلاة والاقتداء بالامام وجوز في المقاصير المخرمة، ولاريب ان المقصورة المخرمة والشباك بمعنى واحد ولهذا أورد عليه في الذكرى ما ذكره، وصاحب الذخيرة نظر الى آخر العبارة وغفل عن ذكره الشبابيك وانها تمنع. ثم انه لا يخفى عليك ان ظاهر الشهيد في الذكرى كما قدمناه في عبارته ان الشيخ في المبسوط استند في عدم الجواز مع حيلولة الشباك الى رواية زرارة مع ان عبارة المبسوط كما حكيناها خالية من ذلك، وهو دليل على ما قدمناه من أن نسبة الاستدلال بالرواية الى الشيخ انما هو من الاصحاب تكلفا لتحصيل الدليل له، وبذلك يسقط ما ذكره في المدارك من تمحل توجيه الاستدلال له بالخبر المذكور، ونحوه في الذخيرة حيث حذا حذوه في المقام كما هو الغالب عليه في اكثر الاحكام. تنبيهات الاول - لو وقف بحذاء باب المسجد وهو مفتوح بحيث يشاهد الواقف حذاء الباب الامام أو المأمومين الذين في المسجد صحت صلاة المحاذي للباب لمشاهدته لمن في المسجد وصلاة من على يمينه ويساره من الصف لمشاهدتهم ذلك الواقف حذاء الباب، وقد صرح بذلك الشيخ (قدس سره) وجملة من الاصحاب: منهم - العلامة في المنتهى حيث قال: لو وقف المأموم خارج المسجد بحذاء الباب وهو مفتوح يشاهد المأمومين في المسجد صحت صلاته، ولو صلى قوم عن يمينه وشماله صحت صلاتهم لانهم يرون من يرى الامام. ولو وقف بين يدى هذا الصف صف آخر عن يمين الباب أو يساره لا يشاهدون من في المسجد لم تصح صلاتهم. انتهى. وبنحو ذلك صرح في المدارك ايضا. وتوقف في الذخيرة في الحكم الاول فقال - بعد نقل ما ذكره في المنتهى عن جماعة من الاصحاب - ما لفظه: والحكم الثاني صحيح وأما الحكم الاول فقد ذكره
[ 99 ]
غير واحد من الاصحاب كالشيخ ومن تبعه، وهو متجه ان ثبت الاجماع على ان مشاهدة بعض المأمومين تكفى مطلقا وإلا كان في الحكم المذكور اشكال نظرا الى قوله عليه السلام (1) " إلا من كان بحيال الباب " فان ظاهره قصر الصحة على صلاة من كان بحيال الباب. وجعل بعضهم هذا الحصر اضافيا بالنسبة الى الصف الذى يتقدمه عن يمين الباب ويساره. وفيه عدول عن الظاهر يحتاج الى دليل. انتهى. أقول: الظاهر أن منشأ الشبهة الحاصلة له هو تخصيص المشاهدة التى هي شرط في صحة القدوة بمشاهدة الانسان من يكون قدامه دون من على يمينه ويساره والذى على الباب من المأمومين يشاهد الامام أو المأمومين الذين في المسجد فتصح صلاته وأما من على يمينه ويساره فانهم لا يشاهدون قدامهم إلا جدار المسجد فتبطل صلاتهم لفوات شرط المشاهدة، ومشاهدة من على جنبه غير كافية عنده. واللازم من هذا أنه لو استطال الصف الاول على وجه لا يرى من في طرفيه الامام فانه يلزم بطلان صلاتهم، حيث انهم لا يشاهدون الامام ومشاهدة من على الجنب يمينا ويسارا غير كافية، ولا أظن هذا القائل يلتزمه. ونحو ذلك لو استطال الصف الثاني أو الثالث زيادة على الصفوف المتقدمة وكان الذى بلى قبلة هذه الزيادة جدارا لا أحدا من المأمومين فانه يلزم بطلان صلاة هذه الزيادة لعدم وجود المأمومين قدامهم وعدم الاكتفاء بمشاهدة من على الجنب. والظاهر من قوله عليه السلام " إلا من كان بحيال الباب " يعنى من الصفوف لا من المأمومين لان عبارة الخبر هنا كلها منصبة على الصفوف، حيث قال " وأى صف كان أهله يصلون بصلاة امام وبينهم وبين الصف الذى يتقدمهم قدر مالا يتخطى فليس تلك لهم بصلاة وان كان بينهم ستر أو جدار فليس تلك لهم بصلاة إلا من كان حيال الباب " وهذا الكلام كما ترى مشتمل على شرطين: (أحدهما) - أن لا يكون بين الصفوف من البعد ما لا يتخطى.
و (الثاني) أن لا يكون بينهم ستر ولا جدار كالصف الذى يقوم عن يمين الباب
(1) ص 95 و 96
[ 100 ]
ويساره، فانه لا ريب في بطلان صلاتهم لعدم المشاهدة، ثم استثنى الصف الذى يقوم بحيال الباب لحصول الشرط المذكور فيه بمشاهدة من على الباب لمن في المسجد ومشاهدة من على يمين ذلك الرجل ويساره له وهكذا. وبالجملة فاللازم مما ذكره في هذه الصورة هو بطلان الصلاة في الصورتين المذكورتين اللتين فرضناهما ولا أظنه يلتزمه. ونحوهما ايضا وقوف بعض المأمومين خلف الاساطين بحيث ان الاسطوانة في قبلته فهو لا يرى من قدامه من المأمومين وانما يرى من على يمينه ويساره، واللازم بمقتضى ما ذهب إليه بطلان صلاته مع ان صحيح الحلبي (1) دل على انه لا بأس بالصفوف بين الاساطين. وبالجملة فما ذكره (قدس سره) انما هو من قبيل الاوهام البعيدة والتشكيكات الغير السديدة. والله العالم. الثاني - الاشهر الاظهر عدم اشتراط هذا الشرط في حق المرأة فيجوز لها الاقتداء مع الحائل، ويدل على ذلك - مضافا الى الاصل والعمومات وعدم ظهور تناول الصحيحة المتقدمة التى هي الاصل في هذا الحكم لهذه الصورة - ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار (2) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلى بالقوم وخلفه دار فيها نساء هل يجوز لهن أن يصلين خلفه ؟ قال نعم ان كان الامام اسفل منهن. قلت فان بينهن وبينه حائطا أو طريقا ؟ قال لا بأس ". وقال ابن ادريس في سرائره: وقد وردت رخصة للنساء أن يصلين وبينهن وبين الامام حائط والاول أظهر وأصح. ومراده بالاول مساواة النساء للرجال في هذا الشرط، وهو جيد على أصله الغير الاصيل. الثالث - لو لم يشاهد بعض المأمومين الامام وشاهد من يشاهده ولو بوسائط عديدة كفى في صحة القدوة وإلا بطلت صلاة الصفوف الاخيرة مع كثرة الصفوف حيث انهم لا يشاهدون الامام وهو معلوم البطلان، قال في المنتهى: ولا نعرف
(1) ص 101 (2) الوسائل الباب 60 من صلاة الجماعة
[ 101 ]
فيه خلافا، والخبر إنما دل على بطلان القدوة بالحائل والساتر من جدار ونحوه لا بحيلولة المأمومين بعضهم ببعض. وبالجملة فالاصل وعموم الادلة يقتضى صحة القدوة في الصورة المذكورة مضافا الى دعوى الاتفاق على ذلك. الرابع - نقل عن ابى الصلاح وابن زهرة المنع من حيلولة النهر بين الامام والمأموم، قال في المدارك فان أرادا به مالا يمكن تخطيه من ذلك كان جيد الاطلاق صحيحة زرارة المتقدمة، وان لم يعتبرا فيه هذا القيد طولبا بالدليل على الاطلاق. وقال في الذكرى: ومنع أبو الصلاح وابن زهرة من حيلولة النهر لرواية زرارة السالفة وقد بينا حملها على الاستحباب. أقول: سيأتي ان مذهب هذين الفاضلين هو تفسير البعد الموجب لبطلان القدوة بما لا يتخطى وهو الذى دل عليه الخبر المشار إليه، وسيأتى في معنى الخبر المذكور انه لابد من تواصل الصفوف بعضها مع بعض وهكذا مع الامام، بان لا يزيد ما بين موقف الصف الثاني الى الصف الذى قدامه على مسقط جسد الانسان حال سجوده وان هذا هو الحد الذى يتخطى عادة وما زاد عليه فهو مما لا يتخطى، ولاريب ان النهر إذا فصل بين الصفوف أو بين الامام والصف فقد حصلت الزيادة في المسافة المعتبرة وانتهت الى مالا يتخطى. وبذلك يظهر ان كلامهما هنا يرجع الى ما ذكروه ثمة كما قدمنا نقله عنهما، وهو جيد عند من عمل بالخبر المذكور كما يشير إليه كلام صاحب المدارك دون من يتأوله كما يشير إليه كلام صاحب الذكرى. الخامس - تجوز الصلاة بين الاساطين مع المشاهدة واتصال الصفوف لقوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي (1) " لا أرى بالصفوف بين الاساطين بأسا ". وقال في كتاب الفقه الرضوي (2): نقلا عن العالم (عليه السلام) قال: " وقال لا أرى بالصفوف بين الاساطين بأسا " وهو يشمل ما لو كانت الاساطين
(1) الوسائل الباب 59 من صلاة الجماعة (2) ص 11
[ 102 ]
معترضة بين الصف الواحد أو بين الصفين. وفيه دلالة على أنه لا يضر الوقوف خلف الاسطوانة وان كان مانعا من رؤية الامام إذا رأى المأمومين الذين يرون الامام أو من يراه. وبما ذكرنا صرح في الذكرى فقال: يجوز الصلاة بين الاساطين مع المشاهدة واتصال الصفوف لقوله (عليه السلام): " لا أرى بالصفوف بين الاساطين بأسا " وبذلك يظهر ما في كلام العلامة (اجزل الله اكرامه) في المنتهى حيث قال: ويكره للمأمومين الوقوف بين الاساطين لانها تقطع صفوفهم، وبه قال ابن مسعود والنخعي وحذيفة وابن عباس، ولم يكره مالك واصحاب الرأى (1) لعدم الدلالة على المنع. والجواب ما رواه الجمهور عن معاوية بن قرة عن ابيه (2) قال: " كنا ننهى ان نصف بين الاساطين على عهد رسول الله صلى الله عليه واله ونطرد عنها طردا " ولما ذكرناه من قطعها للصف. انتهى. وظاهره انه لامستند له في ما ذكره إلا هذه الرواية العامية وهذا التعليل العليل وغفل عن ملاحظة النص الواضح في نفى البأس عن ذلك. السادس - قال في الذكرى: لو صلى في داره خلف امام المسجد وهو يشاهد الصفوف صحت قدوته وأطلق الشيخ ذلك، والاولى تقييده بعدم البعد المفرط، قال ولو كان باب الدار بحذاء باب المسجد أو باب المسجد عن يمينه أو عن يساره واتصلت الصفوف من المسجد الى داره صحت صلاتهم، وان كان قدام هذا الصف في داره صف لم تصح صلاة من كان قدامه، ومن صلى خلفهم صحت صلاتهم سواء كان على الارض أو في غرفة منها لانهم يشاهدون الصف المتصل بالامام والصف الذى قدامه لا يشاهدون الصف المتصل بالامام، وقد روى (3) " ان انسا كان يصلى في بيت حميد بن عبد الرحمان بن عوف بصلاة الامام وبينه وبين
(1) و (2) المغنى ج 2 ص 220 (3) المغنى ج 2 ص 209 وفيه هكذا ".. في موت حميد بن عبد الرحمان.. "
[ 103 ]
المسجد طريق " وفيه ايضا دلالة على أن الشارع ليس بحائل (فان قلت) قد روى عن النبي صلى الله عليه واله (1) " من كان بينه وبين الامام حائل فليس مع الامام " قلت يحمل على البعد المفرط أو على الكراهة. انتهى ما ذكره في الذكرى. أقول: هذا الكلام من أوله الى آخره مبنى على ما تقدم نقله عنهم من تفسير البعد الموجب لبطلان القدوة بما قدمنا نقله عن الشيخ في الخلاف والمبسوط وما ذكره الاكثر من الاحالة الى العرف، وقد عرفت ما في الجميع وان الاعتماد في ذلك انما هو على الخبر الصحيح الصريح الدال على التقدير بما لا يتخطى عادة المفسر في الخبر المذكور بما زاد على مسقط جسد الانسان حال السجود. واما ما استند إليه في عدم كون الشارع حائلا من الخبر العامي فضعفه أظهر من أن يبين، وتأويله الخبر المروى عنه صلى الله عليه واله بما ذكره موقوف على وجود المعارض وليس في المقام ما يعارضه بل الموجود فيها ما يعضده ويقويه وهو صحيحة زرارة المتقدمة. وبالجملة فان كلماتهم في هذا المقام لكون البناء على غير أساس وثيق القوام مختلة النظام عديمة الانتظام.
المسألة الرابعة - قال في المدارك: أجمع علماؤنا واكثر العامة على انه يشترط في الجماعة عدم التباعد بين الامام والمأموم إلا مع اتصال الصفوف، وانما الخلاف في حده فذهب الاكثر الى ان المرجع فيه الى العادة، وقال في الخلاف حده مع عدم اتصال الصفوف ما يمنع من مشاهدته والاقتداء بافعاله، ويظهر منه في المبسوط جواز البعد بثلاثمائة ذراع. انتهى.
(1) في المجموع للنوى شرح المهذب للشيرازي ج 2 ص 309 في حيلولة الطريق " وقال أبو حنيفة لا يصح لحديث رووه مرفوعا " من كان بينه وبين الامام طريق فليس مع الامام " ثم قال: وهذا حديث باطل لا أصل له وانما يروى عن عمر من رواية ليث بن ابى سليم عن تميم وليث ضعيف وتميم مجهول " وفى التذكرة في المسألة الرابعة من الشرط الثالث من شروط الجماعة رواه كما تقدم بلفظ " طريق " وبما تقدم من النووي يظهر ان نسبة الحديث الى النبي " ص " كما في الذكرى والتذكرة ليست في محلها.
[ 104 ]
أقول: فيه (أولا) - ان الظاهر من كلام العامة - على ما نقله بعض محققى متأخرى المتأخرين - خلاف ما ذكره (قدس سره) فانه نقل ان مذهب الشافعية الفرق في ذلك بين المساجد وغيرها، قال البغوي في التهذيب: فان تباعدت الصفوف أو بعد الصف الاول عن الامام نظر ان كانوا جميعا في مسجد واحد صحت صلاتهم مع الامام، وان بعدوا واختلف بهم البناء أو كان بين الامام والمأموم حائل.. الى ان قال: وان كانوا في غير المسجد فان كان بين المأموم والامام أو بينه وبين الصف الآخر ثلاثمائة ذراع أو أقل صحت. انتهى. وهو صريح في عدم اعتبار الصفوف كما زعمه (قدس سره). وقال في شرح المنهاج: واشترطوا ان يجمع الامام والمأموم المسجد وان بعدت المسافة وحالت الابنية نافذة أغلق أبوابها أم لا، وقيل لا تصح في الاغلاق. وهو كما ترى ظاهر في انهم لم يشترطوا في المساجد غير ذلك من قرب المسافة أو وجود الصفوف فضلا عن اتصالها لكن لابد أن يعلم بانتقالات الامام إما برؤية شخصه أو يسمعه أو يبلغه غيره. ومذهب مالك على ما ذكره العثماني في كتابه انه إذا صلى في داره بصلاة الامام وهو في المسجد وكان يسمع التكبير صح الاقتداء إلا في الجمعة فانها لا تصح إلا في الجامع أو في رحابه إذا كان متصلا به، وقال أبو حنيفة يصح الاقتداء في الجمعة وغيرها، وقال عطاء الاعتبار العلم بصلاة الامام دون المشاهدة وعدم الحائل وحكى ذلك عن النخعي والحسن البصري (1) انتهى. ومقتضاه ان أبا حنيفة قائل
(1) في المجموع للنووي الشافعي ج 4 ص 309 " فرع في مسائل: إحداها - يشترط ان لا تطول المسافة بين الامام والمأمومين إذا صلوا في غير المسجد وبه قال جماهير العلماء، وقدر الشافعي القرب بثلاثمائة ذراع، وقال عطاء يصح مطلقا وان طالت المسافة ميلا واكثر إذا علم صلاته.. الثانية - لو حال بينهما طريق صح الاقتداء عندنا وعند مالك والاكثرين، وقال أبو حنيفة لا يصح.. الى آخر ما تقدم في التعليقة (1) ص 103 الثالثة - لو صلى في دار أو نحوها بصلاة الامام في المسجد وحال بينهما حائل لم يصح عندنا وبه قال احمد، وقال مالك تصح إلا في الجمعة، وقال أبو حنيفة تصح مطلقا "
[ 105 ]
بقول مالك حتى في الجمعة، وبذلك يظهر ان ما نسبه الى أكثر العامة من موافقة الاصحاب في ما ذكره ليس في محله وكان ينبغى أن يقول: أجمع أصحابنا خلافا لاكثر العامة بل جميعهم. على ان ما ادعاه من اجماع أصحابنا على ما ذكره يرده ظاهر كلام العلامة في المختلف من قوله: والمشهور المنع من التباعد الكثير، ويستند في ذلك الى العرف. و (ثانيا) ان ما نسبه الى الشيخ في المبسوط من انه يظهر منه جواز البعد بثلاثمائة ذراع ليس في محله، وهذه عبارته قال في المبسوط: وحد البعد ما جرت العادة بتسميته بعدا، وحد قوم ذلك بثلاثمائة ذراع وقالوا على هذا ان وقف وبينه وبين الامام ثلاثمائة ذراع ثم وقف آخر وبينه وبين هذا المأموم ثلاثمائة ذراع ثم على هذا الحساب والتقدير بالغا ما بلغوا صحت صلاتهم. قالوا وكذلك إذا اتصلت الصفوف في المسجد ثم إتصلت بالاسواق والدروب والدور بعد أن يشاهد بعضهم بعضا ويرى الاولون الامام صحت صلاة الكل. وهذا قريب على مذهبنا ايضا. قال العلامة (قدس سره) ومراده بالقوم هنا بعض الجمهور لانه لاقول لعلمائنا في ذلك. انتهى. وهو جيد. وقد عرفت قول بعض الجمهور بذلك من ما نقلناه. وقال في الذكرى بعد نقل ذلك عنه: يمكن أن يشير الى جميع ما تقدم فيكون رضى بالثلاثمائة، ويمكن أن يشير بالقرب الى الفرض الاخير خاصة فلا يكون راجعا الى التقدير بثلاثمائة ذراع وهو الانسب بقوله: وحد البعد ما جرت العادة بتسميته بعدا. وقال أبو الصلاح وابن زهرة لا يجوز أن يكون بين الصفين من المسافة مالا يتخطى. والى هذا القول مال جملة من أفاضل متأخرى المتأخرين، وهو الحق الحقيق بالاتباع لقوله عليه السلام في صحيحة زرارة المتقدمة (1) " ان صلى قوم وبينهم وبين الامام ما لا يتخطى فليس ذلك الامام لهم بامام، وأى صف كان أهله يصلون بصلاة امام
(1) ص 95 و 96
[ 106 ]
وبينهم وبين الصف الذى يتقدمهم قدر مالا يتخطى فليس تلك لهم بصلاة ". وأجاب عنها في المعتبر بان اشتراط ذلك مستبعد فيحمل على الافضل. وأجاب عنها في المختلف باحتمال أن يكون المراد مالا يتخطى من الحائل لا من المسافة. ورد بالتصريح في الرواية بعد ذلك بذكر الحائل، مع ان اللازم من حمله على الحائل المنع من الصلاة خلف الشبابيك والحائل القصير الذى يمنع من الاستطراق دون المشاهدة وهو لا يقول به. اقول: ويؤيد الرواية المذكورة ما رواه في كتاب دعائم الاسلام عن ابى جعفر محمد بن على (عليهما السلام) (1) انه قال: ينبغى للصفوف أن تكون تامة متصلة ويكون بين كل صفين قدر مسقط جسد الانسان إذا سجد، وأى صف كان أهله يصلون بصلاة الامام وبينهم وبين الصف الذى تقدمهم أزيد من ذلك فليس تلك الصلاة لهم بصلاة. انتهى. ثم ان العجب منهم (نور الله مراقدهم) في هذا المقام في ارتكاب هذه التأويلات البعيدة والتمحلات الشديدة من غير موجب لذلك، فان ما ذهبوا إليه من الحوالة على العادة لا دليل عليه غير مجرد تخرصهم وظنهم، مع ما عرفت في غير مقام من ما تقدم ما في حوالة الاحكام الشرعية على العرف الذى لا انضباط له بالكلية، وهل هو إلا رد الى جهالة لما يعلم من اختلاف الاقطار والبلدان في هذا العرف فان لكل قطر عرفا على حدة، ثم انه من الذى يدعى الوقوف والاطلاع على العرف العام لجميع الناس في جميع الاقطار والامصار حتى يرتب عليه حكما شرعيا أو أنه يجب الوقوف في الحكم حتى يحصل تتبع العرف أو أنه يكتفى بعرف كل بلد واقليم على حدة، ما هذه إلا تخرصات ظنية ومجازفات وهمية في أحكامه سبحانه المبنية على القطع واليقين والعلم " أتقولون على الله مالا تعلمون " (2) مع ان
(1) مستدرك الوسائل الباب 49 من صلاة الجماعة. وفيه بدل " ازيد " " اقل " (2) سورة الاعراف الآية 27
[ 107 ]
الخبر المذكور صحيح صريح خال من المعارض دال على الحكم المذكور باظهر تأكيد لقوله عليه السلام (1) زيادة على ما قدمنا ذكره " ينبغى أن تكون الصفوف تامة متواصلة بعضها الى بعض لا يكون بين الصفين ما لا يتخطى " و " ينبغى " هنا بمعنى الوجوب كما استفاض في الاخبار، وعليه صدر الكلام الى أن قال عليه السلام ايضا في الخبر " ايما امرأة صلت خلف امام وبينها وبينه مالا يتخطى فليس لها تلك بصلاة " وهل وقع في حكم من الاحكام ما وقع في هذا الحكم من المبالغة بهذا التأكيد التام ؟ ماهذا إلا عجب عجيب من هؤلاء الاعلام تجاوز الله عنا وعنهم في دار المقام. وبالجملة فالظاهر عندي من النص المذكور هو وجوب مراعاة هذا المقدار بين الامام والمأمومين وكذا ما بين المأمومين بعضهم مع بعض، وظاهر الخبر المذكور انه لا ينبغى أن يكون بين الصفين زيادة على مسقط جسد الانسان حال السجود بمعنى أنه يكون سجوده متصلا بعقب رجلى المتقدم فتكون مسافة البعد من موقف المصلى لا من موضع سجوده، وقوله عليه السلام: " يكون قدر ذلك مسقط جسد الانسان " أي قدر المسافة التى يحصل بها تواصل الصفوف بعضها الى بعض هذا المقدار. وما ذكرناه ظاهر من عبارة الخبر المنقول من كتاب الدعائم اتم الظهور. فرعان الاول - قال في المدارك: واعلم انه ينبغى للبعيد من الصفوف أن لا يحرم بالصلاة حتى يحرم قبله من المتقدم من يزول معه التباعد. انتهى. وهو جيد لانه مع إحرام البعيد بهذا المقدار قبل احرام من يزول به البعد يصدق وجود مالا يتخطى فان وجود المأمومين قبل الدخول في الصلاة في حكم العدم وحينئذ تبطل القدوة. واحتمال انهم آن وجودهم مريدين الصلاة وان لم يحرموا في حكم من أحرم معارض بجواز انصرافهم وتركهم الاقتداء أو عروض مانع منه. إلا ان اعتبار هذا الشرط في غاية الاشكال الآن في حق المأمومين الذين هم في الاغلب
(1) ص 96
[ 108 ]
الاكثر من الجهال ولكن جهلهم ليس عذرا شرعيا يوجب الخروج عن العمل باحكام الملك المتعال. الثاني - لو حصل البعد المذكور بخروج الصفوف المتخللة بين الامام والمأمومين من الصلاة عن الاقتداء لانتهاء صلاتهم أو نية الانفراد، فهل تنفسخ القدوة لحصول البعد حينئذ أم لا ؟ وعلى تقدير الانفساخ هل تعود القدوة بالانتقال الى محل القرب الذى به يزول البعد بناء على جواز تجديد المؤتم بامام آخر إذا انتهت صلاة الامام الاول أم لا ؟ ولعل الاظهر ان اشتراط عدم البعد انما هو في ابتداء الصلاة خاصة دون استدامتها، كما تقدم نظيره في صلاة الجمعة والعيد من أن اشتراط الجماعة والعدد المشروط فيهما إنما هو في الابتداء فلو انفض العدد بعد الدخول في الصلاة وجب الاتمام جمعة ولو لم يبق إلا الامام خاصة.
المسألة الخامسة - من الشرائط ايضا في صحة الجماعة عدم علو الامام بما يعتد به من الابنية ونحوها بل إما أن يكون مساويا للمأموم أو أخفض منه، ولا بأس بذلك في المأموم، ويستثنى من ذلك العلو في الارض المنبسطة لو قام الامام في المكان الاعلى منها. والاصل في هذه الاحكام ما رواه ثقة الاسلام والصدوق والشيخ في الموثق عن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " سألته عن الرجل يصلى بقوم وهم في موضع أسفل من موضعه الذى يصلى فيه ؟ فقال ان كان الامام على شبه الدكان أو على موضع أرفع من موضعهم لم تجز صلاتهم، وان كان أرفع منهم بقدر اصبع أو أكثر أو أقل إذا كان الارتفاع ببطن مسيل، فان كان أرضا مبسوطة وكان في
(1) الوسائل الباب 63 من صلاة الجماعة. والشيخ يرويه عن الكليني. وقوله " سألته " في رواية الكليني في الفروع ج 1 ص 107 والشيخ عنه في التهذيب ج 1 ص 261، وفى الفقيه ج 1 ص 253 " قال عمار سئل أبو عبد الله ع " وفى الفقيه ايضا هكذا " وان كانت الارض مبسوطة " وفيه ايضا بعد قوله " منحدر " هكذا " فلا بأس به " وفى الفروع والتهذيب " قال لا بأس ".
[ 109 ]
موضع منها ارتفاع فقام الامام في الموضع المرتفع وقام من خلفه أسفل منه والارض مبسوطة إلا انهم في موضع منحدر فلا بأس به. وسئل فان قام الامام أسفل من موضع من يصلى خلفه ؟ قال لا بأس. قال وان كان رجل فوق بيت أو غير ذلك دكانا كان أو غيره وكان الامام يصلى على الارض أسفل منه جاز للرجل أن يصلى خلفه ويقتدى بصلاته وان كان أرفع منه بشئ كثير " قوله: " إذا كان الارتفاع ببطن مسيل " في الكافي، وفى غيره (1) " إذا كان الارتفاع بقدر شبر " وطعن السيد السند في المدارك في هذه الرواية بانها ضعيفة السند متهافتة المتن قاصرة الدلالة فلا يسوغ التعويل عليها في اثبات حكم مخالف للاصل، قال ومن ثم تردد فيه المصنف (رحمة الله عليه) وذهب الشيخ في الخلاف الى كراهة كون الامام أعلى من المأموم بما يعتد به كالابنية وهو متجه. انتهى كلامه زيد مقامه. أقول: ومما ورد في المسألة ايضا ما رواه الشيخ في الصحيح عن صفوان - وهو ممن اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه - عن محمد بن عبد الله وهو مجهول عن الرضا عليه السلام (2) قال: " سألته عن الامام يصلى في موضع والذين خلفه يصلون في موضع أسفل منه أو يصلى في موضع والذين خلفه في موضع أرفع منه ؟ فقال يكون مكانهم مستويا ". وما رواه على بن جعفر (رضى الله عنه) في كتاب المسائل عن اخيه موسى ابن جعفر عليه السلام (3) قال: " سألته عن الرجل هل يحل له أن يصلى خلف الامام فوق دكان ؟ قال إذا كان مع القوم في الصف فلا بأس ". أقول: قضية الجمع بين هذه الاخبار هو المنع من علو الامام كما دلت عليه الموثقة المذكورة، إذ لا معارض لها في البين وطرحها من غير معارض مشكل وجواز علو المأموم كم دل عليه خبر على بن جعفر، والظاهر انه مما لا خلاف فيه كما يظهر من المنتهى حيث انه اسنده الى علمائنا مؤذنا بدعوى الاجماع عليه، وأفضلية
(1) هذا في التهذيب وفى الفقيه " بقطع سيل " (2) و (3) الوسائل الباب 63 من صلاة الجماعة
[ 110 ]
المساواة بحمل خبر محمد بن عبد الله المذكور على ذلك جمعا بين الاخبار المذكورة. وحمل العلامة في المختلف كلام الشيخ في الخلاف على أنه انما قصد به التحريم وهو غير بعيد. إلا ان ظاهر كلام المحقق في المعتبر ان الشيخ في الخلاف انما استند في ما ذكره من الكراهة الى رواية سهل (1) قال: " رأيت رسول الله صلى الله عليه واله على المنبر فكبر وكبر الناس وراءه ثم ركع وهو على المنبر ثم رجع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر ثم عاد حتى فرغ ثم أقبل على الناس فقال أيها الناس فعلت كذا لتأتموا ولتعلموا صلاتي " ثم أجاب في المعتبر بمنع الرواية (أولا) وبالحمل على علو لا يعتد به كالمرقاة السفلى (ثانيا) وبجواز كونه من خواصه صلى الله عليه واله (ثالثا) وزاد العلامة فقال: ولانه لم يتم الصلاة على المنبر فان سجوده وجلوسه انما كان على الارض بخلاف ما وقع فيه الخلاف، أو لانه صلى الله عليه واله علمهم الصلاة ولم يعتدوا بها. انتهى. اقول: ربما اشعر تكلف هذه الاجوبة عن الخبر المذكور بثبوته عندهم إلا ان يحمل على التنزل بعد تسليم صحته وهو الاقرب، فان الظاهر ان الخبر المذكور ليس من طرقنا ولا من أخبارنا. وكيف كان فالظاهر ان الشيخ إنما ذهب الى الكراهة جمعا بين ما دل عليه هذا الخبر من الجواز كما يعطيه استدلاله به وما دلت عليه موثقة عمار من المنع فجعل وجه الجمع بينهما حمل خبر عمار على الكراهة، ومنه يظهر بعد ما ذكره العلامة في المختلف من حمل الكراهة في عبارته على التحريم. ثم انه في المختلف نقل عن ابن الجنيد أنه قال لا يكون الامام أعلى في مقامه بحيث لا يرى المأموم فعله إلا أن يكون المأمومون اضراء، فان فرض البصراء الاقتداء بالنظر وفرض الاضراء الاقتداء بالسماع إذا صح لهم التوجه. ثم استدل للقول المشهور بالموثقة المتقدمة ثم قال وهو شامل للبصراء والاضراء. هذا. وقد استدل في الذكرى للقول المشهور زيادة على الموثقة المذكورة
(1) صحيح مسلم ج 1 ص 205 باب جواز الخطوة والخطوتين
[ 111 ]
بما روى (1) " ان عمارا (رضى الله عنه) تقدم للصلاة على دكان والناس أسفل منه فقدم حذيفة (رضى الله عنه) فاخذ بيده حتى انزله فلما فرغ من صلاته قال له حذيفة ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه واله يقول إذا أم الرجل القوم فلا يقومن في مكان أرفع من مقامهم ؟ قال عمار فلذلك اتبعتك حين أخذت على يدى " قال وروى ايضا (2) " ان حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان فاخذ عبد الله بن مسعود بقميصه فجذبه فلما فرغ من صلاته قال ألم تعلم انهم كانوا ينهون عن ذلك ؟ قال بلى ذكرت حين جذبتني " والظاهر ان هذين الخبرين من روايات العامة أو من الاصول التى وصلت إليه ولم تصل الينا. فروع الاول - اختلف الاصحاب (رضى الله عنهم) في مقدار العلو المانع من صحة القدوة فقيل انه القدر المعتد به وانه لا تقدير له إلا بالعرف، وهو قول الاكثر ومنهم الشهيد في الذكرى والعلامة في بعض كتبه، وقيل قدر شبر، وقيل ما لا يتخطى وبه صرح العلامة في التذكرة، قال لو كان العلو يسيرا جاز اجماعا وهل يتقدر بشبر أو بمالا يتخطى ؟ الاقرب الثاني. والظاهر انه بنى في ذلك على صحيحة زرارة المتقدمة. قال في الذكرى: لا تقدير للعلو إلا بالعرف وفى رواية عمار (3) " ولو كان أرفع منهم بقدر اصبع الى شبر فان كان أرضا مبسوطة وكان في موضع فيه ارتفاع فقام الامام في المرتفع وقام من خلفه أسفل منه إلا انه في موضع منحدر فلا بأس " وهى تدل بمفهومها على ان الزائد على شبر ممنوع وأما الشبر فيبنى على دخول الغاية في المغيى وعدمه. انتهى.
(1) و (2) سنن ابى داود باب (الامام يقوم مكانا ارفع من مكان القوم). (3) ص 108 و 109
[ 112 ]
أقول: وهذا الموضع من ما طعن به على الرواية بانها متهافتة فانه لا يخفى ما في عبارة الخبر من القصور عن تأدية هذا المعنى الذى ذكره هنا. الثاني - لو وقف الامام على الموضع الاعلى بما يعتد به صحت صلاته وبطلت صلاة المأموم لانه منهى عن الاقتداء به في هذه الحال، وأما الامام فلا وجه لبطلان صلاته، والنهى عن قيامه في الموضع المذكور انما هو لاجل صحة صلاة المأموم لا لاجل صحة صلاته. ونقل عن بعض العامة القول ببطلان صلاة الامام ايضا لانه منهى عن القيام على مكان أعلى من مكان المأمومين (1) وفيه ما عرفت. الثالث - قال في المدارك: لو صلى الامام على سطح والمأموم على آخر وبينهما طريق صح مع عدم التباعد وعلو سطح الامام. انتهى. أقول: قد عرفت من ما قدمنا ان المستفاد من خبر زرارة وكذا من خبر كتاب الدعائم انه لابد من إتصال الصفوف بالامام والصفوف بعضها ببعض بحيث لا يكون بينهم ازيد من مسقط جسد الانسان حال سجوده، وحينئذ فالطريق التى بين السطحين متضمنة لزيادة المسافة على القدر المذكور، وبه يظهر الاشكال في الحكم بالصحة في الصورة المفروضة إلا أن تعتبر مسافة التقدير بما لا يتخطى من موضع سجود المأموم، والظاهر أنه ليس كذلك بل المسافة إنما هي من موقفه الى موقف من قدامه فانه هو الذى به يحصل تواصل الصفوف المأمور به في الخبر، ورواية كتاب الدعائم كما تقدم صريحة في ما ذكرناه. وظاهر الاصحاب ان هذا الحكم اعني تواصل الصفوف على الوجه المذكور
(1) في المغنى ج 2 ص 211 " إذا صلى الامام في مكان أعلى من المأمومين فقال ابن حامد بطلت صلاتهم وهو قول الاوزاعي، لان النهى يقتضى فساد المنهى عنه. وقال القاضى لا تبطل وهو قول اصحاب الرأي، لان عمارا أتم صلاته ولو كانت فاسدة لاستأنفها. ثم قال: ويحتمل أن يتناول النهى الامام لكونه منهيا عن القيام في مكان أعلى من مقامهم، فعلى هذا الاحتمال تبطل صلاة الجميع عند من أبطل الصلاة بارتكاب النهى ".
[ 113 ]
انما هو على سبيل الاستحباب، قال في الذكرى: يستحب تقارب الصفوف فلا يزيد ما بينها على مسقط الجسد إذا سجد، رواه زرارة عن ابى جعفر عليه السلام (1) وقدر ايضا بمربض عنز (2) ذكره في المبسوط. انتهى. أقول: لاريب ان تصريحهم بالاستحباب هنا مبنى على حملهم الخبر في ما يدل عليه من النهى عن البعد بما لا يتخطى على الاستحباب كما تقدم ذكره واعتمادهم في تقدير البعد على ما تقدم نقله عنهم من الاقوال، وأما من يجعل البعد الموجب لبطلان القدوة هو ما دل عليه الخبر فلا إشكال عنده في صحة ما ذكرنا، وبه يظهر ما في كلام صاحب المدارك حيث انه ممن يقول بما دل عليه الخبر المذكور ظاهرا وان كان كلامه غير صريح في ذلك مع قوله هنا بصحة الصلاة على السطحين اللذين بينهما طريق فاصلة، فان القول بالصحة هنا لا يجامع ما دل عليه الخبر كما أوضحناه وانما يتم بناء على القول المشهور من تحديد البعد بما تقدم نقله عنهم. والله العالم.
المسألة السادسة - من الشرائط في صحة القدوة أن لا يتقدم المأموم في الموقف على الامام بمعنى أن يكون أقرب الى القبلة من الامام، قال في المدارك: هذا قول علمائنا أجمع ووافقنا عليه أكثر العامة (3) ثم احتج عليه بان المنقول من فعل النبي صلى الله عليه واله والائمة (عليهم السلام) إما تقدم الامام أو تساوى الموقفين فيكون الاتيان بخلافه خروجا عن المشروع، ولان المأموم مع التقدم يحتاج الى إستعلام حال الامام بالالتفات الى ما وراءه وذلك مبطل. انتهى.
(1) و (2) الوسائل الباب 62 من صلاة الجماعة (3) في المهذب للشيرازي ج 1 ص 99 " ان تقدم المأموم على الامام ففيه قولان: قال في القديم لا تبطل لو وقف خلف الامام وحده. وقال في الجديد تبطل، لانه وقف في موضع ليس بموقف مؤتم بحال فاشبه إذا وقف في موضع نجس " وفى المغنى ج 2 ص 213 " السنة ان يقف المأمومون خلف الامام فان وقفوا قدامه لم تصح وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك واسحاق تصح ".
[ 114 ]
والتعليل الاول جيد لان مرجعه الى أن العبادات توقيفية فيرجع في كيفيتها صحة وبطلانا الى ما ثبت من الشارع فما ثبت التعبد به حكم بصحته وإلا فلا، إلا انه ينقض عليهم بما قدمنا ذكره في مسألة صلاة المأموم الواحد مع الامام حيث جعلوا موقفه على يمينه من المستحبات وجوزوا كونه خلفه وعن يساره، والاخبار الواردة في المسألة كلها متفقة على كون المأموم المتحد موقفه عن يمين الامام والاكثر خلفه، وقضية التعليل المذكور في هذه المسألة جار في تلك المسألة كما عرفت فكيف عدلوا عنه ثمة من غير دليل ؟ وكيف كان فظاهر كلامهم انهم لم يقفوا على دليل من الاخبار زائدا على ما ذكروه هنا من هذا الدليل المؤيد باتفاقهم. ويمكن أن يستدل على ذلك بصحيحة محمد بن عبد الله الحميرى المروية في التهذيب (1) قال: " كتبت الى الفقيه عليه السلام اسأله عن الرجل يزور قبور الائمة (عليهم السلام) هل يجوز أن يسجد على القبر أم لا ؟ وهل يجوز لمن صلى عند قبورهم أن يقوم وراء القبر ويجعل القبر قبلة ويقوم عند رأسه ورجليه ؟ وهل يجوز أن يتقدم القبر ويصلى ويجعله خلفه أم لا ؟ فأجاب وقرأت التوقيع ومنه نسخت: أما السجود على القبر فلا يجوز في نافلة ولا فريضة ولا زيارة بل يضع خده الايمن على القبر، وأما الصلاة فانها خلفه يجعله الامام ولا يجوز أن يصلى بين يديه لان الامام لا يتقدم ويصلى عن يمينه وشماله ". والتقريب فيها انه عليه السلام جعل القبر الشريف بمنزلة إمام الجماعة في الاحكام المذكورة فكما لا يجوز التقدم على الامام في الجماعة لا يجوز التقدم في الصلاة على القبر الشريف، وكما يجوز التأخر والمساواة هناك فانهما يجوزان هنا. وقد سبقنا الى فهم هذا المعنى من الخبر شيخنا البهائي (عطر الله مرقده) في كتاب الحبل المتين حيث قال ما صورته: هذا الخبر يدل على عدم جواز وضع
(1) الوسائل الباب 26 من مكان المصلى
[ 115 ]
الجبهة على قبر الامام عليه السلام.. الى أن قال: وعلى عدم جواز التقدم على الضريح المقدس حال الصلاة، لان قوله عليه السلام " يجعله الامام " صريح في جعل القبر بمنزلة الامام في الصلاة، فكما أنه لا يجوز للمأموم أن يتقدم على الامام بان يكون موقفه أقرب الى القبلة من موقف الامام بل يجب أن يتأخر عنه أو يساويه في الموقف يمينا أو شمالا فكذا هنا، وهذا هو المراد هنا بقوله عليه السلام " لا يجوز أن يصلى بين يديه لان الامام لا يتقدم ويصلى عن يمينه وشماله " والحاصل ان المستفاد من الحديث ان كل ما ثبت للمأموم من وجوب التأخر عن الامام أو المساواة أو تحريم التقدم عليه فهو ثابت للمصلى بالنسبة الى الضريح المقدس من غير فرق فينبغي لمن صلى عند رأس الامام أو عند رجليه أن يلاحظ ذلك. انتهى المقصود نقله من كلامه (أفاض الله تعالى عليه رواشح اكرامه) وهو جيد رشيق كما لا يخفى على ذوى التحقيق، ومنه يظهر الدليل على الحكم المذكور وان غفل عنه الجمهور.
بقى الكلام هنا في مواضع:
(الاول) - ان ظاهر كلام اكثر الاصحاب (رضوان الله عليهم) أنه يجوز المساواة مع تعدد المأمومين، بل نقل عن العلامة في التذكرة دعوى الاجماع على ذلك وان الممنوع منه انما هو التقدم على الامام، ونقل عن ابن ادريس هنا انه اعتبر تأخر المأموم ولم يكتف بالتساوى، قال في المدارك: وهو مدفوع بالاصل السالم من المعارض وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: " الرجلان يؤم أحدهما صاحبه يقوم عن يمينه فان كانوا اكثر من ذلك قاموا خلفه " ونحوه روى زرارة (2) قال: دلت الروايتان على استحباب وقوف المأموم الواحد عن يمين الامام أو وجوبه ولو وجب التأخر لذكره إذ المقام مقام البيان. انتهى. أقول: قد تقدم في المسألة الثانية النقل عن ابن ادريس في صورة اتحاد
(1) الوسائل الباب 23 من صلاة الجماعة (2) الوسائل الباب 4 من صلاة الجماعة
[ 116 ]
المأموم أنه أوجب ايضا تقدم الامام بقليل، وظاهر النقل عنه في هذه المسألة أنه مع التعدد ايضا أوجب تقدم الامام. والتحقيق في المقام بالنظر الى ما يفهم من أخبارهم (عليهم السلام) التى عليها المدار في النقض والابرام ان ما ذكره ابن إدريس في هذه المسألة جيد دون ما ذكره في المسألة المتقدمة، لما عرفت في المسألة المتقدمة من تكاثر الاخبار واستفاضتها بانه متى كان المأموم متحدا فموقفه عن يمين الامام والمتبادر منه المحاذاة وان كانوا أكثر فموقفهم خلفه، وقد عرفت من ما قدمنا في المسألة المذكورة تطابق الاخبار على ذلك، وحينئذ فحكمهم بالاستحباب في كل من الموقفين - مع دلالة ظواهر الاخبار على الوجوب من غير معارض سوى مجرد الشهرة بينهم - تحكم محض، وبه يظهر قوة ما ذكره ابن ادريس هنا. وما استدل به عليه في المدارك من الاخبار الدالة على صورة وحدة المأموم ليس في محله إذ هو أخص من المدعى، فان المدعى أنه هل تجوز المساواة تعدد المأموم أو اتحد أم لا ؟ والبحث هنا انما هو في هذه المسألة والروايات إنما دلت على جواز المساواة مع الاتحاد كما قدمناه في تلك المسألة. وأما ما يدل على الجواز مع التعدد فلم يرد في شئ من الاخبار بل الوارد فيها إنما هو وجوب التأخر خلف الامام كما تقدم، فكلام ابن ادريس في صورة تعدد المأموم حق لا ريب فيه. وبالجملة فالمستفاد من الاخبار كما عرفت هو كون المأموم متى كان رجلا واحدا فموقفه على يمين الامام ومتعددا خلفه، وما ذكروه من جواز خلاف ذلك فلم نقف فيه على دليل، ومقتضى دليلهم الذى قدمنا ذكره في صدر هذه المسألة كما أشرنا إليه هو عدم الجواز كما لا يخفى. الثاني - قال في المدارك: وقد نص الاصحاب على أن المعتبر التساوى بالاعقاب فلو تساوى العقبان لم يضر تقدم أصابع رجل المأموم أو رأسه، ولو تقدم بعقبه على الامام لم ينفعه تأخره عنه باصابعه أو رأسه، واستقرب العلامة في
[ 117 ]
النهاية اعتبار التقدم بالعقب والاصابع معا، وصرح بانه لا يقدح في التساوى تقدم رأس المأموم في حالتى الركوع والسجود ومقاديم الركبتين أو الاعجاز في حال التشهد. والنص خال من ذلك كله. ولو قيل ان المرجع في التقدم المبطل الى العرف كان وجيها قويا. انتهى. أقول: روى في كتاب دعائم الاسلام عن رسول الله صلى الله عليه واله (1) قال: " سووا صفوفكم وحاذوا بين مناكبكم ولا تخالفوا بينها فتختلفوا ويتخللكم الشيطان.. الحديث " وهو ظاهر في ان التساوى في الموقف يحصل بتحاذى المناكب فإذا وقع المنكب بحذاء المنكب فقد حصل التساوى في الموقف، ولهذا رتب اعتدال الصفوف واستقامتها على ذلك، وعلى هذا فلا يحتاج الى ما تكلفوه هنا من ما لم يقم عليه دليل في المقام. واما ما اختاره من الحوالة على العرف فقد عرفت في غير مقام من ما تقدم ولاسيما ما تقدم قريبا ما في حوالة الاحكام الشرعية على العرف من المجازفة بل الاختلال مضافا الى عدم وجود الدليل عليه من الآل عليهم صلوات ذى الجلال. واما ما ذكره من عدم ورود نص في هذا المقام فهو وان كان كذلك ألا ان المستفاد من النصوص التى قدمناها في المقدمة السادسة في المكان في مسألة محاذاة الرجل للمرأة جوازا ومنعا ما به يعلم التساوى والتقدم، فان المستفاد من تلك الاخبار كما قدمنا تحقيقه في تلك المسألة المذكورة هو تحريم محاذاة المرأة للرجل حال الصلاة وانه لابد من تقدم الرجل عليها، وانه يحصل التقدم بنحو شبر كما في صحيحة معاوية بن وهب عن ابى عبد الله عليه السلام (2) " انه سأله عن الرجل والمرأة يصليان في بيت واحد فقال إذا كان بينهما قدر شبر صلت بحذائه وحدها وهو وحده لا بأس " والمراد تقدم الرجل بالشبر، وفى بعض الاخبار " بقدر عظم الذراع " (3)
(1) مستدرك الوسائل الباب 54 من صلاة الجماعة (2) الوسائل الباب 5 من مكان المصلى (3) وهو حديث زرارة المروى في الفقيه ج 1 ص 159 باللفظ الآتى: " إذا كان =
[ 118 ]
وفى بعض " قدر ما يتخطى " وفى موثقة عبد الله بن بكير (1) قال: " إذا كان سجودها مع ركوعه فلا بأس " بمعنى ان موضع سجودها يحاذي ركبتيه، وفى صحيحة لزرارة (2) " لا تصلى المرأة بحيال الرجل إلا ان يكون قدامها ولو بصدره " وهذه الرواية قريبة من ما ذكره الاصحاب من بناء ذلك على التقدم بالاعقاب، فانه متى تقدم الرجل بعقبه لزم تقدم صدره الى القبلة على صدر من يحاذيه ممن كان متأخرا عنه بالمقدار المذكور. وبالجملة فالمفهوم من هذه الروايات انه متى حصل تقدم الرجل باحد هذه المقادير زالت المحاذاة وهى وان كانت متفاوتة لكن التفاوت يسير، وأقل مراتبها التقدم بالصدر وبعده بالشبر، وفى معناه سجودها مع ركوعه ثم عظم الذراع ثم بما يتخطى الذى قد عرفت آنفا انه عبارة عن مسقط جسد الانسان حال السجود. والله العالم الثالث - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في جواز استدارة المأمومين حول الكعبة في المسجد الحرام، فنقل عن ابن الجنيد القول بجواز ذلك بشرط أن لا يكون المأموم أقرب الى الكعبة من الامام، وبه قطع الشهيد في الذكرى محتجا بالاجماع عليه عملا في كل الاعصار السالفة، ونقل عن العلامة في جملة من كتبه منع ذلك، وأوجب وقوف المأموم في الناحية التى فيها الامام بحيث يكون خلفه أو الى جانبه كما في غير المسجد، واحتج عليه في المنتهى بان موقف المأموم خلف الامام اوالى جانبه وهو انما يحصل في جهة واحدة فصلاة من غايرها باطلة، وبان المأموم مع الاستدارة إذا لم يكن واقفا في جهة الامام يكون واقفا بين يديه فتبطل صلاته.
= بينها وبينه قدر ما يتخطى أو قدر عظم ذراع فصاعدا فلا بأس صلت بحذائه وحدها " وهكذا أورده في الوافى باب (صلاة كل من الرجل والمرأة بحذاء الآخر أو قريبا منه) واورده في الوسائل في الباب 5 من مكان المصلى هكذا: " إذا كان بينها وبينه ما لا يتخطى أو قدر عظم الذراع فصاعدا فلا بأس ". (1) و (2) الوسائل الباب 6 من مكان المصلى
[ 119 ]
أقول: لم أقف في هذا المقام على نص عنهم (عليهم السلام) وطريق الاحتياط في ما ذهب إليه العلامة (اجزل الله تعالى اكرامه) والله العالم.
المسألة السابعة - من الشرائط في صحة القدوة نية الائتمام بامام معين، فلو نوى كل منهما الامامة صحت صلاتهما معا، بخلاف ما لو نوى كل منهما الائتمام بالآخر فانه يجب الحكم ببطلان صلاتهما معا، وكذا في ما لو شكا في ما اضمراه من الامامة والائتمام.
وتفصيل هذا الاجمال يحتاج الى بسطه في مقامات ثلاثة:
(الاول) في وجوب نية الائتمام بامام معين، أما وجوب نية الائتمام فلانه بدون ذلك يكون منفردا يجب عليه ما يجب على المنفرد، وهو من ما لا خلاف فيه حتى قال في المنتهى انه قول كل من يحفظ عنه العلم. وأما قصد تعيين الامام فالظاهر ايضا انه من ما لا خلاف فيه. واستدلوا على ذلك بعدم الدليل على سقوط القراءة بدون ذلك فتكون العمومات الدالة على وجوب القراءة باقية على عمومها بالنسبة إليه. ولا يخفى ما فيه إلا ان الحكم لما كان من ما ظاهرهم الاتفاق عليه مع معلومية ذلك من حال السلف من اصحابنا (رضوان الله عليهم) مضافا الى توقف يقين البراءة عليه ورجوع الاحتياط إليه فيجب العمل به. وتعيين الامام كما يكون باسمه وصفته يكون ايضا بالاشارة إليه بهذا الحاضر إذا علم استجماعه لشرائط الامامة. ولو اقتدى بالحاضر على انه زيد فبان انه عمرو مثلا ففى ترجيح الاشارة على الاسم فيصح الاقتداء أو العكس فيبطل نظر، بمعنى انه لاحظ في حال النية هذا الحاضر مع كونه زيدا فبالنظر الى قيد الحضور وظهور كونه عمرا يصح من حيث أنه هو الحاضر وبالنظر الى نية كونه زيدا مع ظهور انه ليس هو يبطل، والحق ان منشأ النظر والتوقف انما هو من حيث عدم النص والدليل في المسألة، قال في الذكرى: ونظيره أن يقول المطلق لزوجة اسمها عمرة " هذه زينب طالق " أو يشير البائع الى
[ 120 ]
حمار فيقول " بعتك هذا الفرس ". وهل يشترط في الامام نية الامامة ؟ ظاهر الاصحاب العدم، بل قال العلامة لو صلى بنية الانفراد مع علمه بان من خلفه يأتم به صح عند علمائنا، لان افعال الامام مساوية لافعال المنفرد في الكيفية والاحكام فلا وجه لاعتبار تمييز احدهما عن الآخر. وهو جيد. وظاهرهم - بل صرح به جملة منهم - ان الثواب لا يترتب على صلاة الامام إلا مع النية، ولو تحققت القدوة به وهو لا يعلم حتى فرغ من الصلاة فهل يكون الحكم فيه كالحكم في من نوى الانفراد فلا يترتب عليه الثواب أو حكم من نوى الجماعة فيترتب ؟ اشكال إلا انه لا يبعد من سعة كرمه سبحانه وفضله واحسانه جل شأنه امداده بالثواب وادخاله في سعة تلك الابواب. وفى وجوب نية الامامة في الجماعة احتمالات، استظهر جملة من أصحابنا العدم، إذ المعتبر فيها تحقق القدوة في نفس الامر وهى حاصلة، وجزم الشهيدان بالوجوب لوجوب نية الواجب. وفيه بحث تقدم في باب الوضوء من كتاب الطهارة في بحث النية.
المقام الثاني - في ما لو صلى اثنان فقال كل منهما كنت الامام فانه يحكم بصحة صلاتهما، ولو قال كل منهما كنت مأموما بطلت صلاة كل منهما. والوجه في الاول ان كلا منهما اتى بجميع الافعال الواجبة من قراءة وغيرها ولم يخل بشئ من الواجبات فلا وجه لبطلان صلاته. ونية الامامة لا منافاة فيها لصحة صلاة المنفرد فلا تؤثر بطلانا. وفى الثاني انه أخل كل منهما بالقراءة الواجبة فتبطل صلاته. والاصل في ذلك مضافا الى ما ذكرناه من ما هو واضح الدلالة على الحكم المذكور ما رواه الشيخ عن السكوني عن ابى عبد الله عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) عن
[ 121 ]
على (صلوات الله عليه) (1) " انه قال في رجلين اختلفا فقال أحدهما كنت امامك وقال الآخر انا كنت امامك ان صلاتهما تامة. قال قلت: فان قال كل واحد منهما كنت أئتم بك ؟ فقال صلاتهما فاسدة وليستأنفا " ورواه الصدوق في الفقيه عن على عليه السلام مرسلا (2). ونقل عن المحقق الشيخ على (قدس سره) انه استشكل في البطلان في الصورة الثانية، قال لان اخبار كل منهما بالائتمام بالآخر يتضمن الاقرار على الغير فلا يقبل كما لو أخبر الامام بعد الصلاة بفسادها بغير ذلك. واجيب عنه بانه غير مسموع في مقابلة النص الدال على البطلان. قال في المدارك: وهو جيد لو كانت الرواية صالحة لاثبات هذا الحكم لكنها ضعيفة جدا. أقول: لا ريب انها وان كانت ضعيفة بهذا الاصطلاح المحدث إلا ان ضعفها مجبور بعمل الاصحاب بها، إذ لا مخالف في الحكم المذكور، وهو (قدس سره) قد جرى على هذه القاعدة في غير موضع من كتابه وان خالف نفسه في مواضع اخر كما هنا. وبالجملة فان الخبر معمول عليه بالاصطلاحين فالخروج عن مادل عليه بهذه التخريجات اجتهاد محض في مقابلة النص. واما ما ذكره في المدارك - حيث قال: ويمكن أن يقال ان من شرائط الائتمام أن يظن المأموم قيام الامام بوظائف الصلاة التى من جملتها القراءة وسبقه بتكبيرة الاحرام، فان دخل كل منهما في الصلاة على هذا الوجه كان دخولهما مشروعا واتجه عدم قبول اخبار كل منهما بما ينافى ذلك كما في صورة الاخبار بالحدث، وان انتفى ذلك تعين الحكم بالبطلان وان لم يحصل الاخبار، وعلى هذا الوجه يمكن تنزيل
(1) الوسائل الباب 29 من صلاة الجماعة. والسند فيه وفى التهذيب ج 1 ص 261 والوافى باب (نوادر الجماعة) هكذا " عن ابى عبد الله عن ابيه قال قال امير المؤمنين.. " والشيخ يرويه عن الكليني. نعم السند في المدارك والذخيرة كما في المتن. (2) الوسائل الباب 19 من صلاة الجماعة
[ 122 ]
الرواية وكلام الاصحاب. انتهى - ففيه ان ما ذكره الشيخ على (قدس سره) لا يخرج عن ما ذكره من الدخول على الوجه الشرعي، إلا ان ما ذكره من اتجاه عدم قبول اخبار كل منهما بما ينافى ذلك ممنوع بالخبر المذكور. وقياسه على صورة الاخبار بالحدث قياس مع الفارق، إذ من الجائز خروج هذا الجزئي بهذا الخبر من تلك القاعدة، وكم وقع امثال ذلك في القواعد الشرعية والضوابط المرعية من انه ترد اخبار بقاعدة كلية ويرد في بعض الاخبار في بعض جزئياتها ما يوجب التخصيص والاستثناء مع اتفاقهم على ذلك من غير تناكر، فما لمانع أن يكون ما نحن فيه من قبيل ذلك ؟ وقد اتفقت الروايات وكلمة الاصحاب على ان كل شئ على أصل الطهارة حتى تعلم النجاسة وعلى عدم نقض اليقين بالشك، مع انهم قد خرجوا عن هاتين القاعدتين في مواضع: منها البلل المشتبه بعد البول قبل الاستبراء فقد حكموا بنجاسته ونقضه الطهارة وهو خروج عن القاعدتين المذكورتين، ونحوه البلل المشتبه بعد الجنابة وقبل البول من الحكم بنجاسته ونقضه للطهارة، وامثال ذلك مما يقف عليه المتتبع. وبالجملة فالعمل على القول المشهور وعدم الالتفات الى هذه التخريجات والاستبعادات في مقابلة النصوص. قال في المدارك: ولا يخفى ان وقوع الاختلاف على هذا الوجه نادر جدا فانه لا يكاد يتحقق إلا في حال التقية والائتمام بثالث ظاهرا.
المقام الثالث - في ما لو شكا في ما اضمراه من الامامة أو الائتمام، وقد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لا تصح صلاتهما في هذه الحال، قالوا: لان الشك ان كان في اثناء الصلاة لم يمكنهما المضى على الائتمام وهو ظاهر، ولا على الانفراد أو الامامة لجواز أن يكون كل واحد منهما قد نوى الائتمام بصاحبه فتبطل النية من رأسها ويمتنع العدول لبطلان النية، وان كان بعد الفراغ لم يحصل منهما اليقين بالاتيان بافعال الصلاة. وفصل العلامة في التذكرة فقطع بالبطلان ان عرض الشك في اثناء الصلاة
[ 123 ]
لانه لا يمكنهما المضى في الصلاة على الانفراد ولا على الاجتماع، وتردد في ما إذا شكا بعد الفراغ من انه شك بعد الانتقال، ومن عدم اليقين بالاتيان بافعال الصلاة. وفصل الشهيد في الذكرى تفصيلا آخر فقال: يمكن أن يقال ان كان الشك في الاثناء وهو في محل القراءة لم يمض ما فيه اخلال بالصحة نوى الانفراد وصحت الصلاة، لانه ان كان نوى الامامة فهى نية الانفراد وان كان نوى الائتمام فالعدول عنه جائز، وان كان بعد مضى محل القراءة فان علم انه قرأ بنية الوجوب أو علم القراءة ولم يعلم بنية الندب إنفرد ايضا لحصول الواجب عليه، وان علم ترك القراءة أو القراءة بنية الندب أمكن البطلان للاخلال بالواجب. واعترضه في المدارك بانه يشكل بما ذكرناه من جواز أن يكون كل منهما قد نوى الائتمام بصاحبه فتبطل الصلاة ويمتنع العدول. انتهى. أقول: والحق في المقام ان المسألة المذكورة لما كانت عارية عن النصوص عنهم (عليهم السلام) فالواجب الوقوف فيها على ساحل الاحتياط كما أشرنا إليه في جملة من المواضع وعدم الالتفات الى هذه التخريجات والاحتمالات سيما مع ماهى عليه من التدافع. والله العالم.
المسألة الثامنة - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في القراءة خلف الامام على اقوال منتشرة وآراء متعددة حتى قال شيخنا الشهيد الثاني (قرس سره) في الروض انه لم يقف في الفقه على خلاف في مسألة يبلغ ما وقع في هذه المسألة، وها نحن ننقل أولاما وصل الينا من اقوالهم (رضوان الله عليهم) ثم نردفها بما وصل الينا من الاخبار في المقام مذيلين لها بما يرتفع به ان شاء الله تعالى عنها غشاوة الابهام من التحقيق الذى لا يخفى على ذوى الافهام، فنقول مستمدين منه عزوجل التوفيق لاصابة الصواب والعصمة من زلل اقدام الاقلام في هذا الباب وفى كل باب: قال الصدوق (قدس سره) في المقنع: واعلم ان على القوم في الركعتين الاولتين ان يستمعوا الى قراءة الامام، وإذا كان في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة
[ 124 ]
سبحوا، وعليهم في الركعتين الاخراوين أن يسبحوا. وقال المرتضى (رضى الله عنه) لايقرأ المأموم خلف الموثوق به في الاولتين في جميع الصلوات من ذوات الجهر والاخفات إلا أن تكون صلاة جهر لم يسمع فيها المأموم قراءة الامام فيقرأ كل واحد لنفسه، وهذا أشهر الروايات، وروى أنه لا يقرأ في ما جهر فيه الامام وتلزمه القراءة في ما يخافت فيه الامام، وروى انه بالخيار في ما يخافت فيه. وأما الاخيرتان فالاولى ان يقرأ المأموم أو يسبح فيهما، وروى انه ليس عليه ذلك. وقال الشيخ في النهاية: إذا تقدم من هو بشرائط الامامة فلا تقرأن خلفه جهرية أو اخفاتية بل تسبح مع نفسك وتحمد الله، وان كانت جهرية فانصت للقراءة، فان خفى عليك قراءة الامام قرأت لنفسك، وان سمعت مثل الهمهمة من قراءة الامام جاز لك ان لا تقرأ وأنت مخير في القراءة، ويستحب أن تقرأ الحمد وحدها في ما لا يجهر الامام بالقراءة فيها وان لم تقرأها فليس عليك شئ. وقال ابن البراج: ومتى أم من يصح تقدمه بغيره في صلاة جهر وقرأ فلا يقرأ المأموم بل يسمع قراءته، وان كان لا يسمع قراءته كان مخيرا بين القراءة وتركها، وان كانت صلاة اخفات استحب للمأموم أن يقرأ فاتحة الكتاب وحدها ويجوز أن يسبح الله ويحمده. وقال أبو الصلاح: ولا يقرأ خلفه في الاولتين من كل صلاة ولا في الغداة إلا أن يكون بحيث لا يسمع قراءته ولا صوته في ما يجهر فيه فيقرأ، وهو في الاخيرتين من الرباعيات وثالثة المغرب بالخيار بين قراءة الحمد والتسبيح، والقراءة أفضل. وقال ابن حمزة: فالواجب أربعة أشياء.. وعد منها الانصات لقراءته، ثم قال: وإذا اقتدى بالامام لم يقرأ في الاولتين، فان جهر الامام وسمع انصت وان خفى عليه قرأ وان سمع مثل الهمهمة فهو مخير، وان خافت الامام سبح في نفسه، وفى الاخيرتين ان قرأ كان أفضل وان لم يقرأ جاز وان سبح كان أفضل من السكوت
[ 125 ]
وقال سلار في قسم المندوب: ولا يقرأ المأموم خلف الامام، وروى ان ترك القراءة في صلاة الجهر خلف الامام واجب فان ثبت وإلا ثبت الاول. وقال ابن زهرة: ويلزم المؤتم أن يقتدى بالامام عزما وفعلا فلا يقرأ في الاولتين من كل صلاة ولا في الغداة إلا ان تكون صلاة جهر وهو لا يسمع قراءة الامام، واما الآخرتان وثالثة المغرب فحكمه فيها حكم المنفرد. قال في الذكرى: وهذه العبارة وعبارة ابى الصلاح تعطى وجوب القراءة أو التسبيح على المؤتم في الاخيرتين وكأنهما أخذاه من كلام المرتضى. وقال ابن ادريس: اختلفت الرواية في القراءة خلف الامام الموثوق به، فروى انه لا قراءة على المأموم في الاولتين في جميع الركعات والصلوات سواء كانت جهرية أو اخفاتية في أظهر الروايات، والذى تقتضيه اصول المذهب ان الامام ضامن للقراءة بلا خلاف، وروى انه لا قراءة على المأموم في الاولتين في جميع الصلوات الجهرية والاخفاتية إلا ان تكون صلاة جهر لم يسمع فيها المأموم قراءة الامام فيقرأ لنفسه، وروى انه ينصت في ما جهر فيه الامام بالقراءة ولا يقرأ هو شيئا ويلزمه القراءة في ما خافت فيه، وروى انه بالخيار في ما خافت فيه الامام فاما الركعتان الاخيرتان فقد روى انه لا قراءة فيهما ولا تسبيح، وروى انه يقرأ فيها أو يسبح، والاول أظهر. وقال المحقق: وتكره القراءة خلف الامام في الاخفاتية على الاشهر وفى الجهر لو سمع ولو همهمة ولو لم يسمع قرأ، وقال: تسقط القراءة عن المأموم وعليه اتفاق العلماء. ونقل عن الشيخين انهما قالا: لا يجوز أن يقرأ المأموم في الجهرية إذا سمع قراءة الامام ولو همهمة. كذا في المعتبر وقال في الشرائع نحوه. وقال ابن عمه نجيب الدين يحيى بن سعيد: ولا يقرأ المأموم في صلاة جهر بل يصغى لها فان لم يسمع وسمع كالهمهمة اجزأه وجاز أن يقرأ، وان كان في صلاة اخفات سبح مع نفسه وحمد الله. وندب الى قراءة الحمد في ما لا يجهر فيه.
[ 126 ]
وقال العلامة في المختلف بعد ذكر جملة من روايات المسألة: والاقرب في الجمع بين الاخبار استحباب القراءة في الجهرية إذا لم يسمع ولا همهمة لا الوجوب وتحريم القراءة فيها مع السماع لقراعة الامام، والتخيير بين القراءة والتسبيح في الاخيرتين من الاخفاتية. وقال في التذكرة: لا يجب على المأموم القراءة سواء كانت الصلاة جهرية أو إخفاتية وسواء سمع قراءة الامام أم لا، ولا يستحب في الجهرية مع السماع عند علمائنا أجمع. ثم نقل عن الشيخين انه لا يجوز القراءة في الجهرية مع السماع ولو همهمة. ثم قال ويحتمل الكراهة، قال ولو لم يسمع القراءة في الجهرية ولو همهمة فالافضل القراءة، ونقل عن الشيخ استحباب قراءة الحمد خاصة في صلاة السر اقول: والذى ظهر لى من الاخبار هو تحريم القراءة خلف الامام في الاولتين جهرية كانت الصلاة أو اخفاتية، إلا إذا كانت صلاة جهرية ولم يسمع المأموم قراءة الامام ولو همهمة فانه يستحب له القراءة في هذه الحال. وأما في الاخيرتين فقد تقدم تحقيق الكلام فيهما في الفصل الثامن من الباب الثاني في الصلوات اليومية وما يلحق بها، وأوضحنا ان الحكم فيهما افضلية التسبيح وانه لا فرق بين المأموم ولا غيره من المنفرد. والذى وصل الى من اخبار المسألة المذكورة هنا عدة روايات (الاولى) ما رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي - ورواه الكليني والشيخ في الصحيح أو الحسن عن الحلبي ايضا - عن ابى عبد الله عليه السلام (1) انه قال: " إذا صليت خلف امام تأتم به فلا تقرأ خلفه سمعت قراءته أو لم تسمع إلا ان تكون صلاة يجهر فيها بالقراءة ولم تسمع فاقرأ ". وهذه الرواية كما ترى واضحة الدلالة في ما اخترناه صريحة المقالة في ما ادعيناه فان النهى الذى هو حقيقة في التحريم قد وقع عن القراءة خلف من يأتم به مطلقا
(1) الوسائل الباب 31 من صلاة الجماعة. والشيخ يرويه عن الكليني
[ 127 ]
في جهرية أو اخفاتية ولم يستثن منه إلا الجهرية التى لم يسمع فيها فانه امره بالقراءة والامر هنا محمول على الاستحباب كما يأتي بيانه ان شاء الله تعالى. الثانية - ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة خلف الامام اقرأ خلفه ؟ فقال أما الصلاة التى لا يجهر فيها بالقراءة فان ذلك جعل إليه فلا تقرأ خلفه، وأما الصلاة التى يجهر فيها فانما أمر بالجهر لينصت من خلفه فان سمعت فانصت وان لم تسمع فاقرأ " والتقريب في هذا الخبر كما في سابقه فانه دال على تحريم القراءة خلفه في الاخفاتية والجهرية إلا في صورة عدم سماع قراءته في الجهرية فانه يقرأ استحبابا كما يأتي ان شاء الله تعالى بيانه. الثالثة - ما رواه المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) عن زرارة ومحمد ابن مسلم (2) قالا: " قال أبو جعفر عليه السلام كان امير المؤمنين عليه السلام يقول من قرأ خلف امام يأتم به فمات بعث على غير الفطرة " وهو صريح الدلالة على تحريم القراءة مطلقا إلا انه مخصوص بما عرفت من الاخبار الدالة على الاستحباب مع عدم السماع في الجهرية. الرابعة - ما رواه الصدوق عن زرارة في الصحيح عن ابى جعفر عليه السلام (3) انه قال: " وان كنت خلف امام فلا تقرأن شيئا في الاولتين وانصت لقراءته، ولا تقرأن شيئا في الاخيرتين فان الله عزوجل يقول للمؤمنين " وإذا قرئ القرآن - يعنى في الفريضة خلف الامام - فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون " (4) والاخيرتان تبع للاولتين ". ومورد هذا الخبر الصلاة الجهرية لتعليل التحريم في الاولتين بوجوب
(1) الوسائل الباب 31 من صلاة الجماعة. والشيخ يرويه عن الكليني (2) و (3) الوسائل الباب 31 من صلاة الجماعة (4) سورة الاعراف الاية 203
[ 128 ]
الانصات لقراءة الامام، وهو ظاهر في مرجوحية القراءة في الاخيرتين مطلقا خلافا لجمهور الاصحاب كما تقدم تحقيقه. الخامسة - ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: " إذا كنت خلف امام تأتم به فانصت وسبح في نفسك " اقول: دل هذا الخبر على وجوب الانصات في الصلاة الجهرية، والامر بالتسبيح سرا واخفاتا محمول على الاستحباب، وبذلك صرح ايضا جملة من الاصحاب. السادسة - ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن قتيبة عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " إذا كنت خلف امام ترتضي به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلم تسمع قراءته فاقرأ أنت لنفسك وان كنت تسمع الهمهمة فلا تقرأ ". والتقريب فيه انه دل على المنع من القراءة مع سماع الهمهمة في الجهرية، وفيه رد على الشيخ في المبسوط حيث قال: لو سمع مثل الهمهمة جاز له أن يقرأ. وقال في المنتهى: ولعله استند الى ما رواه في الحسن عن الحلبي.. ثم نقل الرواية الاولى ثم قال: وسماع الهمهمة ليس سماعا للقراءة فربما كان الوجه في ما ذكره هذا الحديث. انتهى. ولم يتعرض للجواب عن ذلك، وقد عرفت ان الخبر المذكور صريح في الرد لما ذكره، وقضية الجمع بينه وبين حسنة الحلبي المذكورة هو حمل قوله في الحسنة المذكورة " ولم يسمع " على ما هو أعم من سماع القراءة نفسها أو سماع الصوت وان لم يسمع الحروف مفصلة. ويؤيد ذلك موثقة سماعة الآتية في المقام ان شاء الله تعالى. ونظير صحيحة قتيبة المذكورة في ما ذكرناه في الرد على الشيخ ما ذكره الصدوق في الفقيه (3) حيث قال: وفى رواية عبيد بن زرارة " ان سمع الهمهمة فلا يقرأ ". السابعة - ما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن يقطين (4) قال: " سألت أبا الحسن الاول عليه السلام عن الرجل يصلى خلف امام يقتدى به في صلاة يجهر فيها
(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 31 من صلاة الجماعة
[ 129 ]
بالقراءة فلا يسمع القراءة ؟ قال لا بأس ان صمت وان قرأ ". أقول: ومن هذا الخبر يعلم ما قدمنا ذكره من حمل الامر بالقراءة في صورة عدم السماع في الجهرية ولو همهمة على الاستحباب لتخييره هنا بين الصمت والقراءة الثامنة - ما رواه الشيخ في الموثق عن يونس بن يعقوب (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة خلف من ارتضى به اقرأ خلفه ؟ قال من رضيت به فلا تقرأ خلفه ". والتقريب فيه ظاهر للنهى الدال على التحريم الشامل للجهرية والاخفاتية. نعم يجب ان يستثنى منه صورة عدم السماع في الجهرية بالنصوص المتقدمة. التاسعة - ما رواه عن سليمان بن خالد (2) قال " قلت لابي عبد الله عليه السلام أيقرأ الرجل في الاولى والعصر خلف الامام وهو لا يعلم انه يقرأ ؟ فقال لا ينبغى له أن يقرأ يكله الى الامام ". اقول: قوله " وهو لا يعلم انه يقرأ " ليس المراد به الشك في قراءة الامام وعدمها لان فيه طعنا على الامام بالاخلال بالواجب فلا يجوز الاقتداء به حينئذ، وانما المراد بهذا الكلام الكناية عن عدم سماع قراءته، فكأنه قال وهو لا يسمع انه يقرأ. وكأنه ظن انه انما يترك القراءة في ما إذا جهر الامام لوجوب الانصات وأما مع الاخفات وعدم السماع فانه يجوز القراءة. وقوله عليه السلام " لا ينبغى " المراد به التحريم كما استفاض مثله في الاخبار بقرينة باقى اخبار المسألة الصريحة في النهى عن القراءة الذى مفاده التحريم. والمراد من ايكال ذلك الى الامام هو الاشارة الى ما ورد في بعض الاخبار من أن الامام ضامن للقراءة (3). العاشرة - ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام (4) قال: " إذا كنت خلف الامام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة حتى يفرغ
(1) و (2) و (4) الوسائل الباب 31 من الجماعة (3) الوسائل الباب 30 من صلاة الجماعة
[ 130 ]
وكان الرجل مأمونا على القرآن فلا تقرأ خلفه في الاولتين. وقال يجزئك التسبيح في الاخيرتين. فقلت أي شئ تقول أنت ؟ قال اقرأ فاتحة الكتاب ". أقول: دل الخبر المذكور على النهى عن القراءة خلف الامام في الاولتين من الاخفاتية وهو بعض المدعى. وأما معنى باقى الخبر فقد تقدم القول فيه في الفصل الثامن في ما يعمل في الاخيرتين من الباب الثاني. الحادية عشرة - ما رواه الشيخ في الصحيح عن عمر بن يزيد (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امام لا بأس به في جميع اموره عارف غير انه يسمع ابويه الكلام الغليظ الذى يغيظهما اقرأ خلفه ؟ قال لا تقرأ خلفه ما لم يكن عاقا قاطعا ". والتقريب فيه النهى عن القراءة خلف الامام المرضى مطلقا في جهرية أو اخفانية. وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في ما دل عليه من جواز امامة من يسمع ابويه الكلام الغليظ في بحث العدالة من الفصل الاول في صلاة الجمعة من هذا الباب. الثانية عشرة - ما رواه ايضا في الموثق عن سماعة (2) قال: " سألته عن الرجل يؤم الناس فيسمعون صوته ولا يفقهون ما يقول ؟ فقال إذا سمع صوته فهو يجزئه وإذا لم يسمع صوته قرأ لنفسه ". دل الخبر المذكور على انه يكتفى في تحريم القراءة بمجرد سماع صوت الامام وهو المشار إليه بالهمهمة في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) واما قراءته مع عدم السماع فقد تقدم الكلام فيه. الثالثة عشرة - ما رواه الصدوق والشيخ عن بكر بن محمد الازدي في الصحيح عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " انى اكره للمؤمن أن يصلى خلف الامام في صلاة
(1) الوسائل الباب 11 من صلاة الجماعة (2) الوسائل الباب 31 من صلاة الجماعة (3) الوسائل الباب 32 من صلاة الجماعة
[ 131 ]
لا يجهر فيها بالقراءة فيقوم كأنه حمار. قال قلت جعلت فداك فيصنع ماذا ؟ قال يسبح " واستحباب التسبيح في هذا المقام قد صرح به الاصحاب ايضا استنادا الى الخبر المذكور. ويدل عليه ايضا وان لم يذكره أحد منهم ما رواه على بن جعفر (رضى الله عنه) في كتابه عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام (1) قال: " سألته عن الرجل يكون خلف الامام يقتدى به في الظهر والعصر يقرأ خلفه ؟ قال لا ولكن يسبح ويحمد ربه ويصلى على النبي صلى الله عليه واله وعلى أهل بيته ". الرابعة عشرة - ما رواه الشيخ عن ابراهيم المرافقى وابى احمد عمرو بن الربيع البصري عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (2) " انه سئل عن القراءة خلف الامام فقال إذا كنت خلف امام تتولاه وتثق به فانه يجزئك قراءته وان احببت ان تقرأ فاقرأ في ما يخافت فيه فإذا جهر فانصت قال الله تعالى وانصتوا لعلكم ترحمون " (3) اقول: الظاهر ان هذا الخبر هو مستند الشيخ في ما تقدم نقله عنه من كتاب النهاية من قوله: ويستحب ان يقرأ الحمد وحدها في ما لا يجهر الامام بالقراءة فيها. إلا انه معارض بما هو أصح منه سندا واكثر عددا ومنها الاخبار العامة كالخبر الثالث والثامن والحادي عشر وخصوص الخبر الثاني وقد تضمن النهى الذى هو حقيقة في التحريم، والخبر التاسع وقد عرفت ان " لا ينبغى " محمولة على التحريم بقرينة الاخبار الباقية، والخبر العاشر وقد تضمن النهى ايضا، والخبر الثالث عشر وقد تضمن ان المستحب في هذه الصورة انما هو التسبيح دون القراءة وعاضدها في ذلك على وجه ابلغ خبر على بن جعفر حيث نهى عن القراءة وأمر بالتسبيح والتحميد والصلاة على النبي صلى الله عليه واله وبالجملة فان الخبر المذكور لما عرفت غير
(1) البحار ج 4 ص الصلاة 151 وفى الوسائل الباب 32 من صلاة الجماعة (2) الوسائل الباب 31 من صلاة الجماعة. وفى التهذيب ج 1 ص 255 النصري بالنون (3) سورة الاعراف الآية 203
[ 132 ]
معمول عليه عند النظر في الاخبار بعين التحقيق فهو مردود الى قائله عليه السلام إذ لا يحضرني الآن وجه يمكن حمله عليه. الخامسة عشرة - ما رواه الشيخ ايضا عن سالم ابى خديجة عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " إذا كنت امام قوم فعليك أن تقرأ في الركعتين الاولتين وعلى الذين خلفك أن يقولوا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر وهم قيام، فإذا كان في الركعتين الاخيرتين فعلى الذين خلفك ان يقرأوا فاتحة الكتاب وعلى الامام التسبيح مثل ما يسبح القوم في الركعتين الاخيرتين ". أقول: يمكن حمل الخبر المذكور على ما هو أعم من الجهرية والاخفاتية، فان استحباب التسبيح للمأموم في حال قراءة الامام وان كان اكثر الاخبار على كونه في الصلاة الاخفاتية وكذا كلام الاصحاب إلا انه قد تقدم في الخبر الرابع ما يؤذن بذلك في الجهرية ايضا وبه صرح جملة من الاصحاب، ويمكن تخصيصه بالاخفاتية لا ظهرية الحكم المذكور فيها. وكيف كان فالمراد بقوله " فإذا كان في الركعتين الاخيرتين.. الخ " انه إذا كان الائتمام وقع في الركعتين الاخيرتين بمعنى ان المأموم لم يدخل مع الامام إلا في الركعتين الاخيرتين فعلى من خلفه من المأمومين ان يقرأوا، لما سيأتي ان شاء الله تعالى في المسألة المذكورة من ان حكم المسبوق بالركعتين الاولتين هو وجوب القراءة عليه في اولتيه اللتين هما اخيرتا الامام وعلى الامام التسبيح فيهما من حيث انهما اخيرتاه وحكم الاخيرتين التسبيح كما يسبح الناس في الركعتين الاخيرتين، لان التسبيح وظيفتهما مطلقا اماما أو مأموما أو منفردا على جهة الافضلية كما هو أحد الاقوال في المسألة أو التعيين كما صار إليه بعض أفاضل المتأخرين، وقد تقدم تحقيق القول في ذلك في الفصل الثامن في ما يعمل في الاخيرتين من الباب الثاني في الصلوات اليومية (2).
(1) الوسائل الباب 32 من صلاة الجماعة (2) ج 8 ص 388
[ 133 ]
السادسة عشرة - ما رواه الشيخ عن الحسين بن بشير عن ابى عبد الله عليه السلام (1) " انه سأله رجل عن القراءة خلف الامام فقال لا ان الامام ضامن للقراءة وليس يضمن الامام صلاة الذين خلفه وإنما يضمن القراءة ". اقول: قد دل الخبر المذكور على النهى عن القراءة خلف الامام مطلقا في جهرية أو اخفاتية معللا ذلك بان الامام ضامن للقراءة، وفيه رد ايضا لما دل عليه خبر المرافقى والبصرى من استحباب القراءة خلف الامام في الاخفاتية حسبما دلت عليه الاخبار المتقدمة عموما وخصوصا. السابعة عشرة - ما رواه الشيخ عن عبد الرحيم القصير (2) قال: " سمعت ابا جعفر عليه السلام يقول إذا كان الرجل تعرفه يؤم الناس فقرأ القرآن فلا تقرأ واعتد بقراءته ". والتقريب فيه ما تقدم، ويجب تقييد اطلاقه بما إذا لم يسمع المأموم في الصلاة الجهرية القراءة ولو همهمة فانه لو قرأ لا بأس للاخبار المتقدمة. الثامنة عشرة - ما ذكره الرضا عليه السلام في كتاب الفقه (3) حيث قال: نقلا عن العالم عليه السلام وقال: " إذا صليت خلف امام تقتدي به فلا تقرأ خلفه سمعت قراءته أم لم تسمع إلا أن تكون صلاة يجهر فيها فلم تسمع فاقرأ " اقول: وهذا الخبر طبق ما ادعيناه ووفق ما اخترناه. هذا ما حضرني من اخبار المسألة. إذا عرفت ذلك فاعلم انى لا أعرف لما ذهب إليه المحقق وغيره من القول بكراهة القراءة مطلقا وجها يعتمد عليه ولا دليلا يرجع إليه، وغاية ما استدل به في المعتبر على ذلك هو تعليل الجهر بالانصات في الرواية الثانية حيث انه بعد أن
(1) الوسائل الباب 30 من صلاة الجماعة (2) الوسائل الباب 12 من صلاة الجماعة. واللفظ الوارد فيه " لا تعرفه " كما في التهذيب ج 1 ص 331 والوافى باب صفة امام الجماعة وفيه " بصلاته " بدل " بقراءته " (3) ص 11
[ 134 ]
نقل عن الشيخ تحريم القراءة في الجهرية إذا سمع قراءة الامام ولو همهمة قال: ولعله استند الى رواية يونس بن يعقوب ثم أورد بعده الخبر الاول ثم قال: والاولى أن يكون النهى على الكراهة لرواية عبد الرحمان بن الحجاج عن ابى عبد الله عليه السلام (1): إنما أمر بالجهر لينصت من خلفه.. الى آخر ما في الرواية الثانية، فانظر الى هذا الدليل العليل إذ لا ريب في أن ظاهر النهى في الخبرين اللذين نقلهما أولا هو التحريم لانه المعنى الحقيقي للنهى كما هو الاشهر الاظهر، والخروج عنه الى الحمل على الكراهة مجاز يحتاج الى قرينة ظاهرة، ودعوى ايذان التعليل بالانصات بالاستحباب ممنوعة، فان علل الشرع ليست من قبيل العلل الحقيقية وانما هي معرفات والتعليل هنا إنما وقع بيانا للحكمة وإلا فالعلة الحقيقية إنما هي أمر الشارع فيتحقق الوجوب ونهيه فيتحقق التحريم. هذا مع قطع النظر عن ملاحظة ما ذكرنا من الاخبار الظاهرة العلية المنار الساطعة الانوار في الدلالة على ما هو المختار. وقال في الروض - بعد أن نقل عن المصنف كراهة القراءة خلف الامام المرضى إلا إذا لم يسمع ولو همهمة - ما صورته: أما كراهة القراءة خلفه فلقوله تعالى " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا " (2) وقول النبي صلى الله عليه واله (3) " انما جعل الامام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فانصتوا " وقول الصادق عليه السلام (4): " من ارتضيت قراءته فلا تقرأ خلفه " وحمل الامر على الندب والنهى على الكراهة
(1) ص 127 (2) سورة الاعراف الآية 203 (3) في سنن ابى داود ج 1 ص 164 باب (الامام يصلى من قعود) عن ابى هريرة قال: " قال رسول الله (ص) انما جعل الامام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد " ثم روى هذا الحديث من طريق آخر عن ابى هريرة ايضا بزيادة قوله في آخره " وإذا قرأ فانصتوا " ثم قال وهذه الزيادة ليست بمحفوظة والوهم انما هو من ابى خالد (4) لم نقف على اللفظ المذكور وانما الموجود في الرواية الثامنة " من رضيت به فلا تقرأ خلفه ".
[ 135 ]
جمعا بينهما وبين ما دل على عدم التحريم كصحيحة على بن يقطين عن الكاظم عليه السلام (1) " في الرجل يصلى خلف من يقتدى به ويجهر بالقراءة فلا يسمع القراءة ؟ فقال لا بأس ان صمت وان قرأ " انتهى.
أقول: لا يخفى ما في هذا الاستدلال من الاختلال الذى لا يخفى على سائر الناظرين في هذا المقال فضلا عن ذوى الكمال، وذلك فان الآية المذكورة والخبر العامي الذى بعدها صريحان في وجوب الانصات في الجهرية، والخبر الذى نقله عن الصادق عليه السلام صريح في النهى الذى مفاده التحريم عن القراءة خلف من ارتضى قراءته جهرية كانت الصلاة أو اخفاتية. وخبر على بن يقطين إنما دل على التخيير بين السكوت والقراءة في صورة ما لو كانت الصلاة جهرية ولم يسمع المأموم القراءة وهو أخص من المدعى، وأنت خبير بان محل الخلاف والاشكال إنما هو في ما عدا هذه الصورة، وحينئذ فاين الدليل على الكراهة في صورة سماع القراءة ولو همهمة في الجهرية وكذا في الصلاة الاخفاتية كما يدعونه ؟ ثم انظر الى اقتصاره (رضى الله عنه) على ما نقله من هذه الرواية العامية وهذا الخبر المجمل الذى بعدها وروايات المسألة كما نقلناها مستفيضة عديدة ولم يرجعوا إليها ولم يتأملوا فيها، ومن هنا يعلم ان منشأ هذا الاختلاف وكثرة هذا الخلاف انما هو من حيث عدم تتبع الاخبار والتأمل فيها بعين الفكر والاعتبار وإلا فمن أعطى التأمل فيها حقه فانه لا يخفى عليه صحة ما ذكرناه ووضوح ما أوضحناه وأعجب من ذلك انهم أدخلوا حكم الاخيرتين للمأموم في هذا الاختلاف ونظموه في سلك هذا الخلاف، وقد أوضحنا ما فيه في الفصل الثامن (2) من فصول الباب الثاني في الصلوات اليومية وما يلحق بها فليرجع إليه من أحب تحقيق الحال وازاحة الاشكال. والله العالم.
(1) الوسائل الباب 31 من صلاة الجماعة (2) ج 8 ص 388
[ 136 ]
فروع الاول - لو كان الامام ممن لا يقتدى به وجبت القراءة على المأموم لانه منفرد وحكم المنفرد ذلك، وقد تقدم تحقيق الكلام في هذه المسألة في التتمة المذكورة في أول هذا المقصد. الثاني - قد ذكر جمع من الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه يستحب للمأموم التسبيح حال قراءة الامام في الاخفاتية وهو جيد، ويدل عليه الخبر الثالث عشر وصحيح على بن جعفر المذكور في ذيله. ولا يبعد القول باستحباب التسبيح ايضا ولو كانت الصلاة جهرية وانصت لقراءة الامام إذا امكن الجمع بينهما كما يشير إليه الخبر الخامس. وربما قيل بانه ينافى ظاهر الآية من وجوب الانصات فينبغي حمل الخبر المذكور على التسبيح والذكر القلبى كما يشير إليه قوله " في نفسك ". وفيه ان الظاهر انه لا منافاة بين الانصات الذى هو عبارة عن الاستماع وبين الذكر والتسبيح إذا كان خفيا لا يظهر ولا يسمع، إلا ان يقال ان الانصات عبارة عن السكوت فما لم يحصل السكوت لا يتحقق الانصات، وفيه ما فيه، مع انه يمكن اطلاق السكوت العرفي على هذه الصورة التى يكون التسبيح فيها خفيا لا يسمع ويؤيده انه لم يعهد التكليف بالاذكار من التسبيح ونحوه في القلب خاصة وانما هذا اللفظ خرج مخرج المبالغة في الاخفات، كما عبر في بعض الاخبار عن القراءة الاخفاتية بتحريك اللسان في لهواته (1) وعبر عنه تارة بالصمت (2) وفى مرسلة ابن ابى حمزة عن ابى عبد الله عليه السلام (3) " يجزئك إذا كنت معهم من القراءة مثل حديث النفس " الثالث - متى قلنا بتحريم القراءة على المأموم فهل يستحب له الاستعاذة ودعاء الاستفتاح أم لا ؟ الظاهر بالنسبة الى الاستعاذة العدم لانها من مستحبات القراءة
(1) و (3) الوسائل الباب 52 من القراءة (2) الوسائل الباب 31 من صلاة الجماعة
[ 137 ]
فلا وجه لها هنا. واما دعاء الاستفتاح وهو دعاء التوجه فالظاهر استحبابه إلا أن يكون وقت قراءة الامام ويشغله ذلك عن السماع. قال في الذكرى: وهل يستحب له دعاء الاستفتاح اعني دعاء التوجه ؟ الوجه ذلك للعموم، نعم لو كان يشغله الاستفتاح عن السماع أمكن استحباب تركه، وقطع العلامة بانه لا يستفتح إذا اشتغل به. الرابع - لو قرأ المأموم في الموضع الذى سوغنا له القراءة فيه وفرغ قبل الامام استحب له أن يبقى آية ليقرأها عند فراغ الامام ويركع بعدها. ويدل عليه ما رواه في الكافي عن زرارة في الموثق (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الامام اكون معه فافرغ من القراءة قبل أن يفرغ ؟ قال فامسك آية ومجد الله واثن عليه فإذا فرغ فاقرأ الآية واركع " قال في الذكرى: وفيه دليل على استحباب التسبيح والتحميد في الاثناء ودليل على جواز القراءة خلف الامام. اقول: قد عرفت من الاخبار المتقدمة وهى مجموع اخبار المسألة انه لا يجوز القراءة للمأموم إلا في صورة واحدة وهى في ما إذا كانت الصلاة جهرية ولم يسمع المأموم ولا همهمة فانه يستحب له القراءة، وهذا الحديث وان كان مطلقا إلا انه يجب حمله على ما علم من خارج من جواز القراءة للمأموم وهو إما في الصورة المذكورة أو في صورة الصلاة خلف المخالف، فيكون المراد بالامام هنا وان اطلق هو الامام الذى يجب القراءة خلفه، ولهذا ان المحدث الكاشانى نظم هذا الخبر في اخبار الصلاة خلف من لا يقتدى به، كما رواه في الكافي والتهذيب عن اسحاق بن عمار في الموثق (2) عن من سأل أبا عبد الله عليه السلام قال " أصلى خلف من لا اقتدى به
(1) الوسائل الباب 35 من صلاة الجماعة. والفظ المذكور للشيخ في التهذيب ج 1 ص 257، وفى الكافي ج 1 ص 104 هكذا: " قلت لابي عبد الله (ع) اكون مع الامام فافرغ.. " وفيه بدل " فامسك " " ابق ". (2) الوسائل الباب 35 من صلاة الجماعة عن الكافي فقط والنقل عنهما في الوافى ولم نقف عليه في التهذيب.
[ 138 ]
فإذا فرغت من قراءتى ولم يفرغ هو ؟ قال فسبح حتى يفرغ " وما رواه الشيخ في الموثق عن عمر بن ابى شعبة عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " قلت له اكون مع الامام فافرغ قبل أن يفرغ من قراءته ؟ قال فاتم السورة ومجد الله واثن عليه حتى يفرغ " وهذا الحديث مطلق مثل موثقة زرارة المذكورة، وبالجملة فالظاهر ان هذه الاخبار الثلاثة إنما خرجت بالنسبة الى الصلاة خلف المخالفين لانه هو الغالب المتكرر يومئذ وان دخل في اطلاق الخبرين المذكورين الصلاة خلف من يقتدى به في الصورة المذكورة. والله العالم.
المسألة التاسعة - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب متابعة المأموم للامام في الافعال حتى قال في المعتبر: وعليه اتفاق العلماء ولقوله صلى الله عليه واله (2) " إنما جعل الامام ليؤتم به " وقال في المنتهى: متابعة الامام واجبة وهو قول أهل العلم قال صلى الله عليه واله (3) " انما جعل الامام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا " وظاهر كلامهما (طاب ثراهما) انه لا دليل لهم على هذا الحكم بعد دعوى الاجماع إلا هذا الخبر، والظاهر انه عامى فانا لم نقف عليه بعد التتبع في أخبارنا، والى ذلك ايضا أشار في الذخيرة. وفسرت المتابعة في كلامهم بانها عبارة عن عدم تقدم المأموم على الامام وعلى هذا فتصدق مع المساواة، ولم نجد لهم على هذا التفسير دليلا مع ان المتبادر من اللغة والعرف ان المتابعة انما هي التأخر. والتمسك باصالة عدم الوجوب وصدق الجماعة عند المقارنة ضعيف لا يصلح لتأسيس حكم شرعى. إلا ان ظاهر كلام الصدوق المنقول هنا يقتضى الصحة في صورة المساواة، حيث قال: ان من المأمومين من لا صلاة له وهو الذى يسبق الامام في ركوعه وسجوده ورفعه، ومنهم من له صلاة واحدة وهو المقارن له في ذلك، ومنهم من له اربع وعشرون ركعة وهو الذى
(1) الوسائل الباب 35 من صلاة الجماعة (2) و (3) صحيح مسلم باب ائتمام المأموم بالامام
[ 139 ]
يتبع الامام في كل شئ ويركع بعده ويسجد بعده ويرفع منهما بعده. وحيث كان من ارباب النصوص فالظاهر انه لا يقوله إلا مع وصول نص إليه بذلك. هذا بالنسبة الى الافعال واما الاقوال فاما في تكبيرة الاحرام فتجب المتابعة فيها اجماعا فلو تقدم المأموم بها لم تنعقد صلاته، ولا ريب في الصحة مع تأخره بها عن الامام، وانما الاشكال والخلاف في المقارنة فقيل بالمنع وبه صرح في المدارك والذخيرة، وعلله في الذخيرة بالشك في تحقق الجماعة والائتمام حينئذ فلا يحصل اليقين بالبراءة من التكليف الثابت، قال واستدل عليه ايضا بقول النبي صلى الله عليه واله " إذا كبر فكبروا " فان الفاء ظاهرة في التعقيب. وأنت خبير بما في الدليل الثاني من الوهن، وأما الاول فمرجعه الى ان العبادات صحة وبطلانا مبنية على التوقيف ولم يثبت من صاحب الشريعة انعقاد الصلاة جماعة في صورة المقارنة. وهو جيد. إلا انه روى الحميرى في كتاب قرب الاسناد بسنده عن على بن جعفر عن اخيه عليه السلام (1) قال: " سألته عن الرجل يصلى أله أن يكبر قبل الامام ؟ قال لا يكبر إلا مع الامام فان كبر قبله اعاد التكبير " فان ظاهرهما جواز المقارنة، وقواه شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار للخبر المذكور. ويخطر بالبال العليل ان الظاهر ان معنى الخبر ليس على ما فهمه شيخنا المشار إليه، والذى يظهر من قوله " لا يكبر إلا مع الامام " ان المراد به انما هو أنه لا يدخل في الصلاة إلا حين يدخل الامام في الصلاة أولا، فالمعية ليس المراد بها المعية مع تكبير الامام كما ربما يتوهم بل المعية مع الامام وحصول الامامة لانه لو سبق الامام بالتكبير لم تكن هناك امامة، وقوله عليه السلام " فان كبر قبله أعاد " لا يدل على انه لو كبر مقارنا له صح، فان تخصيص هذين الفرديين بالذكر انما هو من حيث كونهما الشائع
(1) البحار ج 18 الصلاة ص 627. ولم نجده في قرب الاسناد ولا في الوسائل ولا في المستدرك
[ 140 ]
المتكرر، فان المقارنة أمر نادر والمتكرر إما التقدم أو التأخر فلاجل ذلك بين الكلام فيهما في الخبر. وبالجملة فالمسألة لا تخلو من اشتباه واشكال والاحتياط عندنا في أمثال ذلك واجب على كل حال. وأما في غير تكبيرة الاحرام من الاقوال فقولان: الوجوب واختاره الشهيد في جملة من كتبه، والعدم واختاره العلامة وجملة ممن تأخر عنه والظاهر انه المشهور، واختاره صاحب المدارك واحتج على ذلك باصالة البراءة من هذا التكليف، ولانه لو وجبت المتابعة فيها لوجب على الامام ان يجهر بها ليتمكن المأموم من متابعته، قال والثانى منفى بالاجماع فالمقدم مثله. وتكليف المأموم بتأخير الذكر الى أن يعلم وقوعه من الامام بعيد جدا بل ربما كان مفوتا للقدوة. انتهى. وهو جيد. وكيف كان فينبغي أن يعلم ان وجوب اشتراط المتابعة في الافعال لا بمعنى أنه تبطل القدوة مع التقدم مطلقا بل الظاهر اختصاص البطلان بما إذا مضى في صلاته كذلك، فلو تقدم ركوعا أو سجودا أو رفعا منهما فالمشهور استمراره أي بقاؤه على حاله حتى يلحقه الامام، وعن الشيخ في المبسوط القول بالبطلان حيث قال: من فارق الامام لغير عذر بطلت صلاته. وتفصيل الكلام في المقام على ما يستفاد من اخبارهم (عليهم السلام) هو أن يقال: لاريب ان المشهور في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) هو أنه لو تقدم المأموم في الركوع أو السجود أو الرفع منهما، فان كان عامدا استمر بمعنى انه لا يرجع وان كان ساهيا يرجع. ومستندهم في ذلك الجمع بين رواية غياث الآتية الدالة على عدم الرجوع بحملها على العامد وبين الروايات الكثيرة الدالة على الرجوع بحملها على الساهي تبعا للشيخ (قدس سره) في ما ذكره من ذلك. ورد بعدم اشعار شئ من روايات
[ 141 ]
المسألة بهذا التفصيل وامكان حمل مادل على الرجوع على الاستحباب. وظاهر كلام الاصحاب في وجه هذا الحمل هو أنه مع الرجوع حال رفع رأسه عامدا يلزم زيادة الركن عمدا واما مع السهو فاللازم زيادته سهوا وهو مغتفر. وفيه انهم قد صرحوا بان زيادة الركن مبطلة عمدا وسهوا فلا وجه لهذا التفصيل حينئذ والواجب أولا نقل ما وقفنا عليه من أخبار المسألة ثم الكلام فيها بما وفق الله سبحانه لفهمه منها مستمدين منه تعالى الهداية الى الصواب في هذا الباب وفى جميع الابواب فنقول: من الاخبار المذكورة ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن المغيرة - وهو ممن اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه - عن غياث بن ابراهيم الثقة البترى (1) قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الرجل يرفع رأسه من الركوع قبل الامام أيعود فيركع إذا ابطأ الامام ويرفع رأسه معه ؟ قال لا ". وما رواه الشيخ في الموثق عن الحسن بن على بن فضال (2) قال: " كتبت الى ابى الحسن الرضا عليه السلام في الرجل كان خلف امام يأتم به فركع قبل أن يركع الامام وهو يظن ان الامام قد ركع فلما رآه لم يركع رفع رأسه ثم اعاد الركوع مع الامام أيفسد ذلك صلاته أم تجوز له الركعة ؟ فكتب يتم صلاته ولا يفسد ما صنع صلاته ". وعن محمد بن على بن فضال عن ابى الحسن عليه السلام (3) قال: " قلت له اسجد مع الامام وارفع رأسي قبله أعيد ؟ قال أعد واسجد ". وعن على بن يقطين (4) قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يركع مع الامام يقتدى به ثم يرفع رأسه قبل الامام ؟ قال يعيد ركوعه معه " ورواه في الفقيه عن محمد بن سهل الاشعري عن ابيه عن ابى الحسن الرضا عليه السلام مثله (5).
(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 48 من صلاة الجماعة (5) الوسائل الباب 48 من صلاة الجماعة ورواه الشيخ ايضا في التهذيب ج 1 ص 259 عن محمد بن سهل عن ابيه عن الرضا (ع) ونقله عنه في الوسائل في نفس الباب.
[ 142 ]
وما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن ربعى والفضيل - ورواه في الفقيه عن الفضيل بن يسار - عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قالا: " سألناه عن رجل صلى مع امام يأتم به فرفع رأسه من السجود قبل ان يرفع الامام رأسه من السجود ؟ قال فليسجد ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج عن ابى الحسن عليه السلام (2) قال: " سألته عن الرجل يصلى مع امام يقتدى به فركع الامام وسها الرجل وهو خلفه لم يركع حتى رفع الامام رأسه وانحط للسجود أيركع ثم يلحق بالامام والقوم في سجودهم أو كيف يصنع ؟ قال يركع ثم ينحط ويتم صلاته معهم ولا شئ عليه، إذا عرفت ذلك فاعلم ان اخبار المسألة المذكورة لا تساعد على ما ذكروه من الكلام المنقول عنهم آنفا على اطلاقه، وينبغى تفصيل ما يستفاد منها في صور: الاولى - صورة تقدم المأموم في الرفع من الركوع وكذا من السجود، والحكم فيه أنه يرجع وجوبا أو استحبابا عامدا كان أو ناسيا، والوجه في ذلك دلالة صحيحة على بن يقطين وصحيحة ربعى والفضيل ورواية سهل وموثقة محمد بن على بن فضال على الرجوع، وموردها الرفع من الركوع في بعض ومن السجود في بعض، وظاهرها العموم لحالتي العمد والنسيان، وموثقة غياث الدالة على عدم الرجوع وموردها مورد تلك الاخبار وهى مطلقة ايضا شاملة للعمد والنسيان، والشيخ ومن تبعه كما هو المشهور بين الاصحاب وان جمعوا بينها وبين تلك الاخبار بحملها على العامد وحمل تلك الاخبار على الناسي إلا انه كما عرفت تحكم محض، والاظهر إما طرحها لضعفها عن معارضة تلك الاخبار أو حملها على الجواز وحمل تلك الاخبار على الاستحباب، ومن ثم حصل الترديد في العبارة المتقدمة بقولنا وجوبا أو استحبابا.
(1) الوسائل الباب 48 من صلاة الجماعة (2) الوسائل الباب 64 من صلاة الجماعة
[ 143 ]
الثانية - صورة تقدم المأموم في الهوى للركوع والسجود، والاظهر التفصيل بين العمد وعدمه، فان تقدمه عمدا فالاحوط الاعادة للصلاة بعد اتمامها كما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) فانا لم نقف في النصوص على ما يدل على ما ذكره الاصحاب من ما قدمنا نقله عنهم من جعل الحكم هنا كالرفع، ومورد الروايات التى ذكرناها في الصورة الاولى انما هو الرفع وهو غير الهوى البتة. وجملة من الاصحاب قد فصلوا في هذه الصورة بانه ان كان تعمد المأموم الركوع قال قراءة الامام فالظاهر بطلان الصلاة لوجوب الوقوف عليه والطمأنينة في تلك الحال، وان كان بعد القراءة فنقلوا عن الشيخ في المبسوط بطلان الصلاة حيث ذهب الى ان من فارق الامام لغير عذر بطلت صلاته كما قدمنا نقله عنه. ومال جملة منهم الى العدم وان لزم الاثم خاصة. ورجح بعض أفاضل متأخرى المتأخرين البطلان من حيث ان الفعل وقع منهيا عنه فيكون فاسدا غير مبرئ للذمة، والرجوع إليه ثانيا يستلزم زيادة الركن والواجب عمدا وهو مبطل للصلاة. والتعليل المذكور وان كان لا يخلو من المناقشة إلا أن الاحوط ما ذكره لما قدمناه. الثالثة - صورة تقدم المأموم سهوا أو ظنا منه بهوى الامام فيرجع في صورة الهوى للركوع لموثقة الحسن بن على بن فضال المذكورة، وموردها الركوع والاصحاب عمموا الحكم في السجود ايضا، وكأنهم بنوا على عدم ظهور الخصوصية بالركوع فعدوا الحكم الى السجود من باب تنقيح المناط القطعي كما هو المعمول عليه في جملة من الاحكام، وهو غير بعيد إلا ان الاحوط قصر الحكم على مورد الرواية والاحتياط في الهوى للسجود بالاعادة بعد الاتمام كما ذكروه. ومورد الرواية ايضا وان كان الظن إلا أن النسيان ايضا يرجع إليه لاشتراك الجميع في عدم التعمد وحصول العذر، ولهذا لم يفرق الاصحاب بينهما هنا وفى أكثر الاحكام. قال في المدارك: وأما الرجوع مع النسيان فيدل عليه ما رواه الشيخ عن سعد عن ابى جعفر عن الحسن بن على بن فضال.. ثم ساق الرواية حسبما قدمناه،
[ 144 ]
ثم قال: وهذه الرواية لا تقصر عن الصحيح إذ ليس في رجالها من قد يتوقف في شأنه إلا الحسن بن على بن فضال، وقد قال الشيخ انه كان جليل القدر عظيم المنزلة زاهدا ورعا ثقة في رواياته وكان خصيصا بالرضا عليه السلام واثنى عليه النجاشي وقال انه كان فطحيا ثم رجع الى الحق (رضى الله عنه) انتهى. أقول: لا يخفى مافى تستره بما ذكره عن الخروج من قاعدة اصطلاحه من الوهن الناشئ عن ضيق الخناق في العمل بهذا الاصطلاح كما قدمنا الاشارة إليه في غير موضع، وقد تقدم له في غير موضع ايضا رد اخبار ابراهيم بن هاشم التى هي في أعلى مراتب الحسن عند اصحاب هذا الاصطلاح بل عدها في الصحيح جملة منهم. وقد وقع له في كتاب الحج اضطراب في حديث على بن الحسن بن فضال فما بين ان يرده ويطعن عليه اذالم يوافق اختياره وما بين أن يقبله إذا وافق مراده، ويتستر بمثل هذا الكلام الذى ذكره علماء الرجال في حقه ومدحه والثناء عليه، وكذا وقع له في مسمع بن عبد الملك مابين أن يعد حديثه في الصحيح تارة وفى الحسن اخرى ويرده ثالثا ويرميه بالضعف، وبحمل الكلام انه ان كان التوثيق موجبا " للعمل بالخبر فانه يجب العمل بالاخبار الموثقة حيثما كانت وفى أي حكم وردت ولا معنى لردها من هذه الجهة، وإلا فلا معنى لهذا الكلام المنحل الزمام وامثاله من ما جرى له في غير مقام. وهذا المدح لا يختص بهذا الرجل بل قد ذكر علماء الرجال في امثاله من الواقفية والفطحية امثال هذا الكلام كما لا يخفى على من لاحظ كتب الرجال مع انه يرد أحاديثهم غالبا. ونقل رجوعه الى الحق سيما عند الموت كما هو المروى لا يفيد فائدة. والله العالم. فروع الاول - لو كان الامام ممن لا يقتدى به فرفع المأموم رأسه من الركوع أو السجود قبله عامدا أو ناسيا استمر على حاله حتى يلحقه الامام ولا يعود إليه كما
[ 145 ]
ذكرنا في الصورة الاولى، لانه منفرد فيقع رفعه في موضعه ويلزم من رجوعه زيادة ركن في صلاته. الثاني - لو ترك المأموم الرجوع بناء على القول بوجوبه عليه إما في صورة النسيان كما هو المشهور أو مطلقا كما هو أحد الاحتمالين في القول الآخر فهل تبطل صلاته أم لا ؟ وجهان: أحدهما - نعم لان المتعبد به والمأمور به الرجوع ولم يأت به متعمدا فيبقى تحت عهدة الخطاب. وثانيهما - لا لان الرجوع لقضاء حق المتابعة لا لكونه جزء من الصلاة، ولانه بترك رجوعه يصير في حكم المتعمد الذى عليه الاثم لا غير. والمسألة خالية من النص والاحتياط لا يخفى. الثالث - قال في المنتهى: لو تقدم على الامام بركنين كما لو ركع قبل امامه ثم نهض قبله لم تبطل صلاته ولا ائتمامه بل الحكم ما قدمناه، وقال الشافعي لو تقدم بركنين بطلت صلاته (1) انتهى. أقول: قد عرفت ان تقدم المأموم في الركوع والسجود عمدا غير منصوص وقد عرفت وجه الاشكال في المسألة، ولكنه (قدس سره) بناء على ما هو المشهور عندهم من اجراء التقدم في الركوع مجرى الرفع منه وكذا في السجود جعل الحكم في مالو تقدم بركنين مثل الحكم في ما لو تقدم بركن. وفيه انه مع تسليم وجود الدليل في تلك المسألة والدلالة على جواز التقدم بركن فالحاق الركنين به قياس مع الفارق. الرابع - هل تبطل المتابعة وتنفسخ القدوة بالتأخر عن الامام بقدر ركن أم لا ؟ ظاهر الشهيد في الذكرى في باب الجماعة العدم، قال (قدس سره): لو سبق الامام بعد انعقاد صلاته أتى بما وجب عليه والتحق بالامام سواء فعل ذلك عمدا أو سهوا أو لعذر، وقد مر مثله في الجمعة، ولا يتحقق فوات القدوة بفوات ركن ولا اكثر عندنا، وفى التذكرة توقف في بطلان القدوة بالتأخر بركن، والمروى
(1) المهذب للشيرازي الشافعي ج 1 ص 95 والوجيز للعزالى ج 1 ص 35
[ 146 ]
بقاء القدوة، رواه عبد الرحمان عن ابى الحسن عليه السلام في من لم يركع ساهيا.. ثم ذكر مضمون الخبر الذى قدمناه. انتهى. أقول: لا يخفى ان الدليل أخص من المدعى فلا ينهض حجة على العموم، وكذا ما أشار إليه انه مر مثله في الجمعة، فانه اشارة الى صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج عن ابى الحسن عليه السلام (1) " في رجل صلى في جماعة يوم الجمعة فلما ركع الامام الجأه الناس الى جدار أو اسطوانة فلم يقدر على أن يركع ولا ان يسجد حتى رفع القوم رؤوسهم أيركع ثم يسجد ثم يقوم في الصف ؟ قال لا بأس " وموردها كما ترى حال الضرورة والعذر كالرواية المذكورة، وقد تقدم منه (قدس سره) في باب صلاة الآيات ما يناقض هذا الكلام كما قدمنا ذكره ثمة وحققنا المقام بما يرفع عنه غشاوة الابهام. والظاهر عندي من تتبع النصوص في جملة من الموارد هو القول بوجوب المتابعة وعدم التخلف من الامام بركن: ففى صحيحة معاوية بن وهب عن ابى عبد الله عليه السلام (2) " في الرجل يدرك آخر صلاة الامام وهى أول صلاة الرجل فلا يمهله حتى يمهله حتى يقرأ فيقضى القراءة في آخر صلاته ؟ قال نعم ". وفى صحيحة زرارة في المسبوق ايضا (3) وستأتى بكمالها ان شاء الله تعالى في المسألة المذكورة، قال فيها: " قرأ في كل ركعة من ما أدرك خلف الامام في نفسه بام الكتاب
(1) الوسائل الباب 17 من صلاة الجمعة. واللفظ في الفقيه ج 1 ص 170 ونحوه في التهذيب ج 1 ص 301 هكذا: " ثم يسجد ويلحق بالصف وقد قام القوم أم كيف يصنع ؟ فقال يركع ويسجد ثم يقوم في الصف ولا بأس بذلك " (2) الوسائل الباب 47 من صلاة الجمعة واللفظ هكذا " قال: " سألت أبا عبد الله (ع) الرجل.. " (3) الوسائل الباب 47 من صلاة الجماعة
[ 147 ]
وسورة فان لم يدرك السورة تامة اجزأته ام الكتاب.. الحديث ". والتقريب فيهما ان الظاهر من قوله في الاولة " فلا يمهله حتى يقرأ " ومن قوله في الثانية " فان لم يدرك السورة " انما هو باعتبار خوف فوت الركوع مع الامام بمعنى انه لو اشتغل بالقراءة تامة فاته الركوع مع الامام، ولو جاز التخلف عنه ولو بركن كما يدعونه لم يكن لهذا الكلام معنى، لانه يتم القراءة كملا وان لم يلحقه في الركوع لحقه في السجود أو بعد السجود كما يدعونه من عدم فوات القدوة بالاخلال بالمتابعة في ركنين. ونحو هاتين الروايتين ايضا قوله عليه السلام في كتاب الفقه الرضوي (1): " فان سبقك الامام بركعة أو ركعتين فاقرأ في الركعتين الاولتين من صلاتك الحمد وسورة فان لم تلحق السورة اجزأك الحمد ". وفى كتاب دعائم الاسلام عن أمير المؤمنين عليه السلام (2) قال: " إذا سبق أحدكم الامام بشئ من الصلاة فليجعل ما يدرك مع الامام أول صلاته وليقرأ في ما بينه وبين نفسه ان أمهله الامام.. ". وروى فيه ايضا عن ابى جعفر محمد بن على (عليهما السلام) (3) قال: " إذا أدركت الامام وقد صلى ركعتين فاجعل ما أدركت معه أول صلاتك فاقرأ لنفسك فاتحة الكتاب وسورة إن أمهلك الامام أو ما أدركت أن تقرأ " والتقريب فيها ما عرفت. والله العالم.
المسألة العاشرة - من الشرائط في الجماعة توافق نظم الصلاتين في الافعال لا في عدد الركعات ومرجعه الى اتحاد النوع، أي أن تكون صلاة الامام والمأموم من نوع واحد، فلو اختلفا نوعا كاليومية وصلاة الآيات أو العيدين أو بالعكس لم يجز الاقتداء. وأما اختلاف الصنف كالمفترض بالمنتفل وبالعكس والمقصر بالمتم
(1) ص 14 (2) و (3) مستدرك الوسائل الباب 38 من صلاة الجماعة
[ 148 ]
وبالعكس فلا مانع منه. ولا يشترط الاتحاد في عدد الركعات على الاشهر الاظهر وخلاف الصدوق (قدس سره) كما سيأتي نقله ان شاء الله تعالى في المقام شاذ.
وتفصيل هذه الجملة يقع في مواضع:
(الاول) - احتج شيخنا الشهيد في الذكرى على عدم جواز الاقتداء في اليومية بصلاة الكسوف وبالعكس ونحوه في العيدين بقوله صلى الله عليه واله (1) " إنما جعل الامام اماما ليؤتم به.. الخبر " قال وهو غير حاصل مع الاختلاف. أقول: قد عرفت آنفا ان هذا الخبر ليس من طريقنا وإنما هو من طريق العامة وان استسلقوه (رضوان الله عليهم) في أمثال هذه المقامات سيما مع عدم الدليل من أخبار أهل البيت (عليهم السلام). والاظهر في الاستدلال على منع ذلك بان العبادة مبنية على التوقيف من صاحب الشريعة كيفية وكمية وصحة وبطلانا وفرادى وجماعة ونحو ذلك، ولم يثبت عنهم (عليهم السلام) فتوى ولا فعلا صحة الاقتداء في موضع البحث فيجب الحكم بالمنع حتى يقوم الدليل عليه. الثاني - المعروف من مذهب الاصحاب (رضوان الله عليهم) جواز اقتداء المفترض بمثله في فروض الصلاة اليومية وان اختلف العدد والكمية، بل قال في المنتهى انه قول علمائنا أجمع. ونقل عن الصدوق انه قال: لا بأس أن يصلى الرجل الظهر خلف من يصلى العصر ولا يصلى العصر خلف من يصلى الظهر إلا ان يتوهمها العصر فيصلى معه العصر ثم يعلم انها كانت الظهر فتجزئ عنه. قال في الذكرى بعد نقل ذلك عنه: ولا أعلم مأخذه إلا أن يكون نظر الى ان العصر لا تصح إلا بعد الظهر فإذا صلاها خلف من يصلى الظهر فكأنه قد صلى العصر مع الظهر مع انها بعدها. وهو خيال ضعيف لان عصر المصلى مترتبة على ظهر نفسه لاعلى
(1) ارجع الى التعليقة 3 ص 134
[ 149 ]
ظهر امامه. انتهى. وهو جيد. إلا انه من المحتمل قريبا عدم ثبوت النقل المذكور عنه فانى لم اقف عليه في كتاب الفقيه، وقد عرفت من ما ذكرنا في باب السهو والشك عدم صحة جملة من الاقوال المنقولة عنه في ذلك الباب وأوضحنا ذلك بايضاح لا يزاحمه الشك والارتياب ويؤيده ايضا ما ذكره في الذخيرة قال: وحكى عنه الشارح الفاضل اشتراط اتحاد الكمية مع انه صرح في الفقيه بجواز اقتداء المسافر بالحاضر وبالعكس. انتهى وما ذكره ايضا في الذخيرة - من انه صرح في الفقيه بجواز اقتداء المسافر بالحاضر وبالعكس - لم اقف عليه في الكتاب المذكور بهذا النقل، وانما روى فيه حديث داود بن الحصين (1) المشتمل على جواز ذلك على كراهية، فلعله أراد ما ذكرناه حيث ان ما يرويه من الاخبار ينسب مذهبا إليه. قال في المدارك: وربما استدل له بصحيحة على بن جعفر (2) " انه سأل أخاه موسى بن جعفر عليه السلام عن امام كان في الظهر فقامت امرأة بحياله تصلى معه وهى تحسب انها العصر هل يفسد ذلك على القوم ؟ وما حال المرأة في صلاتها معهم وقد كانت صلت الظهر ؟ قال لا يفسد ذلك على القوم وتعيد المرأة صلاتها " وهو غير جيد، لان مدلول الرواية مناف لما ذكره الصدوق.. الى آخر ما ذكره. أقول: قد قدمنا في المقدمة السادسة في المكان من مقدمات هذا الكتاب (3) ان الحكم باعادة المرأة صلاتها انما هو لمحاذاة المرأة للامام وتقدمها على الرجال مع تحريم ذلك كما أوضحناه ثمة، لا لما ذكره في المدارك من حمل الاعادة على الاستحباب حيث انه يختار القول بكراهة المحاذاة دون التحريم، وقد سبق البحث معه في ذلك في الموضع المشار إليه. وأما قوله ان مدلول الرواية مناف لما ذكره الصدوق فالوجه فيه ان الصدوق قد صرح بالصحة متى ظن المأموم ان تلك الصلاة صلاة العصر والحال ان الخبر صرح بان المرأة ظنت كذلك، فمقتضى كلام الصدوق هو الصحة في هذه الصورة لا البطلان
(1) ص 151 (2) الوسائل الباب 53 من صلاة الجماعة (3) ج 7 ص 177
[ 150 ]
كما صرحت به الرواية. وبالجملة فان بطلان صلاة المرأة انما استند الى ما ذكرناه. وكيف كان فالعمل على القول المشهور لعموم أدلة الجماعة، ويدل على جواز صلاة الظهر خلف من يصلى العصر ما رواه الشيخ عن حماد بن عثمان في الصحيح (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل امام قوم يصلى العصر وهى لهم الظهر ؟ قال اجزأت عنه واجزأت عنهم ". وروى الشيخ في الصحيح عن سليم الفراء (2) قال: " سألته عن الرجل يكون مؤذن قوم وامامهم يكون في طريق مكة أو غير ذلك فيصلى بهم العصر في وقتها فيدخل الرجل الذى لا يعرف فيرى انها الاولى أفتجزئه انها العصر قال لا " أقول: الظاهر ان المعنى في هذه الرواية ان الرجل نوى الظهر والحال ان الامام يصلى العصر في وقتها يعنى وقت الفضيلة لها فهل صلاته تكون صحيحة أوانه باعتبار كون الوقت وقتا للعصر تجزئه عن العصر وان لم ينوها ؟ فأجاب عليه السلام بانها لا تجزئ عن العصر لعدم نيتها. ومجرد كون الوقت للعصر لا يمنع من وقوع الظهر فيه وعن ابى بصير في الموثق (3) قال: " سألته عن رجل صلى مع قوم وهو يرى انها الاولى وكانت العصر ؟ قال فليجعلها الاولى وليصل العصر " ورواه الكليني عن احمد بن محمد مثله (4) ثم قال: وفى حديث آخر " فان علم انهم في صلاة العصر ولم يكن صلى الاولى فلا يدخل معهم ". اقول: حمل في الوسائل هذه الرواية المرسلة على التقية واحتمل حملها على الدخول بنية العصر. والاول أظهر. ويدل على اقتداء المسافر بالحاضر وبالعكس وان كان على كراهية ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (5) " في المسافر يصلى خلف المقيم ؟ قال يصلى ركعتين ويمضى حيث شاء " ورواه الشيخ في التهذيب في
(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 53 من صلاة الجماعة (5) الوسائل الباب 18 من صلاة الجماعة
[ 151 ]
الصحيح عن حماد (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المسافر.. الحديث ". وما رواه في التهذيب عن محمد بن على (2) " انه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل المسافر إذا دخل في الصلاة مع المقيمين ؟ قال فليصل صلاته ثم يسلم وليجعل الاخيرتين سبحة ". وما رواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن ابى العباس الفضل بن عبد الملك - ورواه في الفقيه عن الفضل بن عبد الملك - عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " لا يؤم الحضرى المسافر ولا المسافر الحضرى، فان ابتلى بشئ من ذلك فأم قوما حاضرين فإذا اتم الركعتين سلم ثم أخذ بيد بعضهم فقدمه قامهم، وإذا صلى المسافر خلف قوم حضور فليتم صلاته ركعتين ويسلم، وان صلى معهم الظهر فليجعل الاولتين الظهر والاخيرتين العصر " ورواه في الفقيه عن داود بن الحصين عنه (عليه السلام) (4) مثله الى قوله " ويسلم ". وروى في الفقيه عن العلاء عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (5) قال: " إذا صلى المسافر خلف قوم حضور.. الحديث بتمامه ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن النعمان الاحول عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " إذا دخل المسافر مع أقوام حاضرين في صلاتهم فان كانت الاولى فليجعل الفريضة في الركعتين الاولتين وان كانت العصر فليجعل الاولتين نافلة والاخيرتين فريضة ". قال في التهذيب: وفقه هذا الحديث انه انما قال: " ان كانت الظهر فليجعل الفريضة في الركعتين الاولتين " لانه متى فعل ذلك جاز له أن يجعل الركعتين الاخيرتين
(1) و (2) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 18 من صلاة الجماعة (3) الوسائل الباب 18 من صلاة الجماعة. ولم ينقل فيه رواية الفضل عن الفقيه كما لم نجدها في الفقيه في مظانها نعم في الوافى باب (ائتمام كل من مسافر والمقيم بالآخر) نقلها عن التهذيب والفقيه.
[ 152 ]
صلاة العصر وإذا كان صلاة العصر انما يجعل الركعتين الاخيرتين صلاته لانه تكره الصلاة بعد صلاة العصر إلا على جهة القضاء. وروى الشيخ عن ابى بصير في الصحيح (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا يصلى المسافر مع المقيم فان صلى فلينصرف في الركعتين ". وقال في الفقيه (2) وقد روى " انه ان خاف على نفسه من أجل من يصلى معه صلى الركعتين الاخيرتين وجعلهما تطوعا " اقول: والوجه فيه ان المخالفين يتمون في السفر. وعندي في المقام اشكال لم أر من نبه عليه ولا من تنبه إليه، وهو ان ظاهر جملة من هذه الاخبار - وبه صرح هنا جملة من علمائنا الابرار - جواز الائتمام في النافلة هنا لقوله (عليه السلام) في رواية محمد بن على " وليجعل الاخيرتين سبحة " وفى رواية محمد بن النعمان " فليجعل الاولتين نافلة والاخيرتين نافلة والاخيرتين فريضة " وقد عرفت دلالة كلام الشيخ على ما تضمنه الخبر المذكور مع ان الاظهر الاشهر كما تقدم تحقيقه انه لا يجوز الجماعة في النافلة إلا ما استثنى ولم يعدوا هذا الموضع من جملة ما خصوه بالاستثناء. الثالث - قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض في مالو صلى المسافر الصلاة الرباعية مع الحاضر انه يسلم إذا فرغ من أفعاله الموافقة لصلاة الامام قبل الامام، ولو تشهد معه ثم انتظره الى أن يكمل صلاته ويسلم معه كان أفضل. ولو انعكس الفرض تخير الحاضر عند انتهاء الفعل المشترك بين المفارقة في الحال والصبر حتى يسلم الامام فيقوم الى الاتمام وهو أفضل، والافضل للامام أن ينتظر بالسلام فراغ المأموم ليسلم به فان علم المأموم بذلك قام بعد تشهد الامام. انتهى. وبنحوه صرح الشهيد في الذكرى ايضا. وما ذكره (طاب ثراه) من الافضلية في هذه
(1) الوسائل الباب 18 من صلاة الجماعة (2) الوسائل الباب 53 من صلاة الجماعة
[ 153 ]
المواضع لم أقف فيه على دليل. الرابع - المشهور عدم وجوب بقاء الامام المسافر في مجلسه الى أن يتم المأموم المقيم خلافا للمرتضى وظاهر ابن الجنيد. قال المرتضى (رضى الله عنه) في الجمل على ما نقله في المختلف: لو دخل المقيم في صلاة مسافر وجب عليه أن لا ينتقل من الصلاة بعد سلامه إلا بعد ان يتم المقيم صلاته. واقتصر في المختلف على نقل خلاف المرتضى. واماما نسبناه الى ظاهر ابن الجنيد فقد نقله شيخنا الشهيد الثاني في الروض. ثم انه في المختلف اختار الاستحباب ونقله عن الشيخ وابن ادريس، واحتج بانه قد صلى فرضه فلا يجب عليه انتظار المأموم كالمأموم المسبوق. اقول: يمكن أن يكون دليلهما ما رواه في الكافي عن ابى بصير في الموثق أو الصحيح عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " ايما رجل أم قوما فعليه أن يقعد بعد التسليم ولا يخرج من ذلك الموضع حتى يتم الذين خلفه الذين سبقوا صلاتهم، ذلك على كل امام واجب إذا علم ان فيهم مسبوقا، فان علم ان ليس فيهم مسبوق بالصلاة فليذهب حيث شاء ". إلا ان مورد الرواية كما ترى انما هو المسبوق وقد ورد ما يدل على جواز القيام بالنسبة إليه وعدم الانتظار كما رواه الشيخ عن عمار الساباطى في الموثق (2) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلى بقوم فيدخل قوم في صلاته بعد ما قد صلى ركعة أو اكثر من ذلك فإذا فرغ من صلاته وسلم أيجوز له وهو امام ان يقوم من موضعه قبل أن يفرغ من دخل في صلاته ؟ قال نعم ". وقال في الروض على اثر الكلام المتقدم نقله عنه هنا ونقل خلاف المرتضى وابن الجنيد: وما ذكرناه من التفصيل آت في الصلاتين المختلفتين عددا وصلاة المسبوق وان لم يختلفا سفرا وحضرا، فإذا اقتدى مصلى الصبح بالظهر فحكمه حكم
(1) و (2) الوسائل الباب 2 من التعقيب
[ 154 ]
اقتداء المسافر بالحاضر، ومثله اقتداء مصلى المغرب بالعشاء فانه يجلس بعد الثالثة للتشهد والتسليم والافضل له انتظاره به كما مر. وربما قيل بالمنع هنا لاحداثه تشهدا مانعا من الاقتداء بخلاف مصلى الصبح مع الظهر والمسافر مع الحاضر فانه يتشهد مع الامام. ويضعف بان ذلك ليس مانعا من الاقتداء ومن ثم يتأخر المأموم المسبوق للتشهد مع بقاء القدوة. انتهى. الخامس - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) كراهة ائتمام الحاضر بالمسافر وكذا بالعكس، ذكره المفيد والمرتضى والشيخ في الخلاف وابو الصلاح وابن ادريس والمحقق في المعتبر والعلامة، ونقل في المختلف عن الشيخ على بن بابويه انه قال: لا يجوز امامة المتم للمقصر وبالعكس. وقال ابنه في المقنع: لا يجوز أن يصلى المسافر خلف المقيم. وجملة من الاصحاب كالشيخ في المبسوط والنهاية والجمل لم يعدوا في قسم المكروه ائتمام المسافر بالحاضر، وكذا المحقق في الشرائع حيث اقتصر في عده المكروهات على ائتمام الحاضر بالمسافر، وهو ظاهر سلار ايضا كما نقله في المختلف، وظاهره في المختلف الميل الى عدم الكراهية في الصورة المذكورة. وأنت خبير بانه قد تقدم في موثقة الفضل بن عبد الملك المنع من امامة الحضرى بالمسافر وبالعكس، واكثر الروايات المتقدمة كصحيحة حماد بن عثمان وصحيحة محمد بن مسلم وصحيحة محمد بن النعمان الاحول دلت على جواز ائتمام المسافر بالحاضر من غير كراهة وكذا رواية محمد بن على، إلا ان غاية ما تدل عليه هو الجواز وان لم يتعرض فيها لذكر الكراهة، وهولا ينافى ما دل على الكراهة كالموثقة المذكورة ومثلها صحيحة ابى بصير، فانها دلت على انه لا يصلى المسافر مع المقيم. وصاحب المختلف حيث اختار الجواز بلا كراهة رد موثقة الفضل بن عبد الملك بان في طريقها داود بن الحصين وهو واقفى. وصاحب المدارك حيث اختار الكراهة اعتذر عن الموثقة المذكورة حيث
[ 155 ]
ان مذهبه كما عرفت نظم الموثق في قسم الضعيف فقال: وهذه الرواية معتبرة الاسناد إذ ليس في طريقها مطعون فيه سوى داود بن الحصين، وقد وثقه النجاشي وقال انه كان يصحب أبا العباس الفضل بن عبد الملك وان له كتابا يرويه عدة من أصحابنا. لكن قال الشيخ وابن عقدة انه كان واقفيا. ولا يبعد ان يكون الاصل في هذا الطعن من الشيخ كلام ابن عقدة وهو غير ملتفت إليه لنص الشيخ والنجاشى على أنه كان زيديا جاروديا وانه مات على ذلك. انتهى. أقول: انظر ما يتستر به (قدس سره) في الخروج عن اصطلاحه من هذا الكلام الضعيف والعذر السخيف (أما أولا) فان ما ذكره من كون الشيخ انما أخذ الطعن من ابن عقدة وتبعه فيه من غير أن يثبت عنده مع كونه مجرد تخرص غير مسموع، إذ هو موجب للطعن في الشيخ (قدس سره) والقدح فيه من جهة أنه يقدح في الرواة وينسبهم الى خلاف المذهب الحق من غير أن يكون ذلك معلوما عنده ولا ثابتا لديه بل بمجرد التقليد لغيره وان كان ممن لا يعتمد عليه، وهو مما لا ينبغى ظنه بالشيخ ولا نسبته إليه. و (أما ثانيا) فلانا ان لم نقل بترجيح الجرح على التعديل لما ذكروه من اطلاع الجارح على ما لم يطلع عليه المعدل حيث ان بناء العدالة على الظاهر فلا أقل من الجمع بينهما بان يعد الحديث في الموثق الذى هو من قسم الضعيف عنده، ولهذا ان العلامة في الخلاصة بعد نقل القولين المذكورين قال: والاقوى عندي التوقف في روايته. والمشهور بين اصحاب هذا الاصطلاح هو عد حديثه في الموثق. وبالجملة فقد عرفت في غير موضع انه (قدس سره) لا رابطة له يرجع إليها ولا ضابطة يعتمد عليها بل كلامه يختلف باختلاف اختياراته واراداته وان ناقض بعضه بعضا. إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما نقلوه هنا عن الشيخ على بن بابويه من العبارة المتقدمة مجملة غير منسوبة الى رسالته ولاغيرها، وصورة عبارته في الرسالة لم ينقلها
[ 156 ]
أحد في المقام، وأنت قد عرفت من ما قدمناه في غير مقام ان اكثر عباراته في الرسالة إنما هو من كتاب الفقه الرضوي، ومضمون هذه العبارة وان كان موجودا في الكتاب المذكور إلا ان بعدها ما يدل على انه ليس المراد بها ما يظهر منها من التحريم بل المراد بعدم الجواز تأكد الكراهة كما دلت عليه موثقة الفضل بن عبد الملك. حيث قال عليه السلام (1): واعلم ان المقصر لا يجوز له أن يصلى خلف المتم ولا يصلى المتم خلف المقصر، وان ابتليت مع قوم لا تجد بدا من أن تصلى معهم فصل معهم ركعتين وسلم وامض لحاجتك لو تشاء.. الى أن قال: وان كنت متما صليت خلف المقصر فصل معه ركعتين فإذا سلم فقم واتمم صلاتك. انتهى. وهو كما ترى طبق ما ذكر في موثقة الفضل المذكورة، فان صدر الكلام دال على التحريم إلا ان آخره من ما يكشف عن كون ذلك على جهة الكراهة المؤكدة. ويمكن أن يكون ما نقلوه عن الشيخ على بن بابويه بناء على ما ذكرنا من أخذه غالبا من كتاب الفقه أخذوه من صدر العبارة من غير التفات الى آخرها فصار قولا مخالفا لما عليه الاصحاب في المسألة. السادس - قد عرفت جواز اقتداء المفترض بمثله وان اختلف الفرضان عددا وكميه، وأما اقتداء المتنفل بالمفترض فكاقتداء الصبى بالبالغ ومعيد صلاته جماعة بعد أن صلاها فرادى بمن لم يصل، واقتداء المفترض بالمتنفل كمبتدئ الصلاة مع امام صلى منفردا وأراد الاعادة جماعة وفى الاقتداء بالصبى المميز على مذهب الشيخ وفى صلاة بطن النخل من صلوات الخوف كما سيأتي ذكره في محله ان شاء الله تعالى واقتداء المتنفل كما في المعادة منهما معا عند بعض، وفيه كلام يأتي ذكره ان شاء الله تعالى عند ذكر المسألة، وكما في جماعة الصبيان والعيد المندوبة عند الاصحاب، وفيه كلام قد تقدم ذكره في باب صلاة العيد، والاستسقاء والغدير على قول تقدم ذكره.
(1) ص 16
[ 157 ]
قال في الذكرى: الظاهر ان هذه الفروض إنما تتأتى في صورة الاعادة فلو صلى مفترض خلف متنفل نافلة مبتدأة أو قضاء لنافلة أو صلى متنفل بالراتبة خلف المفترض أو متنفل براتبة أو غيرها من النوافل فظاهر المتأخرين المنع. انتهى أقول: وبهذه العبارة تعلق في المدارك في ما قدمنا نقله عنه في المسألة الاولى في عدم ثبوت الاجماع على تحريم الجماعة في النافلة. وأنت خبير بما قدمناه في المسألة المذكورة من الادلة الدالة على القول المشهور ومنه يظهر لك ضعف هذا الكلام وانه لا إعتماد عليه ولا ركون إليه في هذا المقام لما صرحت به اخبارهم (عليهم السلام) من التحريم الظاهر لذوى الافهام ولكنهم (رضوان الله عليهم) لقصور تتبعهم للاخبار يقعون في مثل هذه الاوهام. فروع الاول - قال العلامة في المنتهى: لو كان الامام حاضرا والمأموم مسافرا استحب للامام ان يومئ برأسه الى التسليم ليسلم المأموم ثم يقوم الامام فيتم صلاته ويجوز للمأموم أن يصلى معه فريضة اخرى لحديث الفضل. الثاني - قال فيه ايضا: لو كان الامام مسافرا سلم ولا يتبعه المأموم فيه فإذا سلم قام المأموم فاتم صلاته. ويستحب للامام أن يقدم من يتم الصلاة بهم وان لم يفعل قدم المأمومون. وهل يجوز أن يصلى الامام فريضة اخرى وينوى المأموم الائتمام به في التتمة التى بقيت عليه ؟ الذى يلوح من كلام الشيخ في الخلاف الجواز. الثالث - هل يكره إئتمام المسافر بالمقيم وعكسه عند تساوى الفرضين أو تختص الكراهة بصورة الاختلاف ؟ الذى صرح به المحقق في المعتبر الثاني نظرا الى انتفاء المفارقة المقتضية للكراهة. وهو غير بعيد. والله العالم.
<>