تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الحادي عشر


 

المسألة الحادية عشرة

قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان للجماعة آدابا ومستحبات بعضها يتعلق بالصلاة وبعضها يتعلق بالامام وبعضها يتعلق بالمأموم، ونحن نذكر في هذه المسألة ما يجرى منها على البال ويمر بالخيال من ما نص عليه كلامهم وجرت به أقلامهم في هذا المجال فنقول:

منها - انه يستحب للمأموم الواحد إذا كان رجلا أو صبيا الوقوف عن يمين الامام والاكثر خلفه، وكذا المرأة وان كانت واحدة تقوم خلفه، وقد تقدم الكلام في ذلك وحققنا ثمة ما هو الحق الثابت عندنا من الاخبار في المسألة الثانية.

ومنها - انه يستحب ان يقف العراة المؤتمون بالعارى في صف واحد وان يبرز الامام بركبتيه، وكذا النساء المؤتمون بالمرأة إلا انها لا تبرز عنهم بل يكون الجميع في صف واحد. ويدل على الاول ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " سألته عن قوم صلوا جماعة وهم عراة، قال يتقدمهم الامام بركبتيه ويصلى بهم جلوسا وهو جالس ". والمشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) تعين الجلوس عليهم جميعا مطلقا، وقيل بوجوب القيام مع امن المطلع واختاره شيخنا الشهيد الثاني، والاكثر على انه يجب على الجميع الايماء، وادعى عليه ابن ادريس الاجماع، وهو الاظهر لاطلاق الامر بذلك في جملة من الاخبار الصحيحة الصريحة. وقال الشيخ في النهاية: يومئ الامام ويركع من خلفه ويسجد، ويشهد له ما رواه في الموثق عن اسحاق بن عمار (2) قال: " قلت لابي الحسن عليه السلام قوم قطع عليهم الطريق فاخذت ثيابهم فبقوا عراة وحضرت الصلاة كيف يصنعون ؟ فقال يتقدمهم امامهم فيجلس ويجلسون خلفه فيومئ إيماء بالركوع والسجود وهم يركعون ويسجدون خلفه على وجوههم ". وتحقيق هذه المسألة وما ورد فيها من الاخبار والخلاف والابحاث المتعلقة بها قد مرمستوفى في المقدمة الخامسة في الساتر من مقدمات هذا الكتاب فمن


(1) الوسائل الباب 51 من لباس المصلى (2) الوسائل الباب 51 من لباس المصلى. والرواية عن ابى عبد الله " ع "


[ 159 ]

أراد الوقوف على ذلك فليرجع الى الموضع المذكور ولا يحتاج الى اعادته. واما ما يدل على الثاني فجملة من الاخبار: منها - موثقة عبد الله بن بكير عن بعض أصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام (1) " انه سئل عن المرأة تؤم النساء قال نعم نقوم وسطا بينهن ولا تتقدمهن ". وصحيحة هشام بن سالم (2) " انه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة هل تؤم النساء ؟ قال تؤمهن في النافلة فاما في المكتوبة فلا ولا تتقدمهن ولكن نقوم وسطهن " وصحيحة سليمان بن خالد (3) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة تؤم النساء ؟ قال إذا كن جميعا امتهن في النافلة فاما المكتوبة فلا ولا نتقدمهن ". وصحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام (4) قال: " قلت له المرأة تؤم النساء ؟ قال لاإلا على الميت إذا لم يكن أحد أولى منها تقوم وسطهن معهن في الصف فتكبر ويكبرن ". ورواية الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (5) قال: " تؤم المرأة النساء في الصلاة وتقوم وسطا منهن ويقمن عن يمينها وشمالها تؤمهن في النافلة ولا تؤمهن في المكتوبة ". واما الكلام والخلاف في جواز امامتها مطلقا اولا مطلقا أو التفصيل فسيأتي تحقيق البحث فيه ان شاء الله تعالى قريبا في اشتراط ذكورية الامام.

ومنها - انه يستحب اختصاص أهل الفضل بالصف الاول، قيل: والمراد بهم من له مزية وكمال في علم أو عمل أو عقل. وقد نقل الاتفاق على أصل الحكم المذكور. ويدل عليه من الاخبار وكذا على أفضلية الصف الاول وان أفضله ما قرب من الامام ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) عن جابر عن ابى جعفر


(1) و (2) و (4) و (5) الوسائل الباب 20 من صلاة الجماعة (3) الوسائل الباب 20 من صلاة الجماعة. وفى آخره " ولكن تقوم وسطأ منهن "


[ 160 ]

عليه السلام (1) قال: " ليكن الذين يلون الامام أولى الاحلام منكم والنهى فان نسى الامام أو تعايا قوموه، وأفضل الصفوف أولها وأفضل أولها ما دنا من الامام.. الحديث " وقال الرضا عليه السلام في كتاب الفقه (2) " وليكن من يلى الامام منكم اولى الاحلام والنهى فان نسى الامام أوتعايا يقومه، وأفضل الصفوف أولها وأفضل أولها ما قرب من الامام ". أقول: والاحلام جمع حلم بالكسر وهو العقل ومنه قوله عزوجل " أم تأمرهم أحلامهم " (3) والنهى بالضم جميع نهية بالضم ايضا كمدية ومدى: العقل ايضا وتعاياأى لم يهتد لوجه مراده أو عجز عنه ولم يطق احكامه. وروى في الفقيه مرسلا (4) قال: " وقال أبو الحسن موسى بن جعفر عليه السلام ان الصلاة في الصف الاول كالجهاد في سبيل الله عزوجل ". وميمنة الصف أفضل لما رواه في الكافي عن على بن محمد عن سهل بن زياد باسناده (5) قال قال: " فضل ميامن الصفوف على مياسرها كفضل الجماعة على صلاة الفرد ". قال في الذكرى: وليكن يمين الصف لافاضل الصف الاول لما روى (6) ان الرحمة تنتقل من الامام إليهم ثم الى يسار الصف ثم الى الباقي، والافضل للافضل.

فرعان:

الاول - لو اقتدى بالامام أصناف كالاحرار والعبيد والرجال والنساء والخناثى والصبيان قال الشيخ يقف الاحرار من كل صنف أمام العبيد من ذلك الصنف


(1) الوسائل الباب 7 و 8 من صلاة الجماعة. (2) ص 14 وفيه بدل " والنهى " " واتقى " (3) سورة الطور الآية 32 (4) و (5) الوسائل الباب 8 من صلاة الجماعة. (6) الذكرى الصورة الخامسة من صور الفرع الرابع من فروع الشرط الرابع من شروط الاقتداء.


[ 161 ]

والرجال أمام الصبيان والصبيان أمام الخناثى والخناثى أمام النساء. وقال ابن الجنيد: يقوم الرجال أولا ثم الخصيان ثم الخناثى ثم الصبيان ثم النساء ويقدم الاحرار على العبيد والاماء والاشراف على غيرهم والعلماء من الاشراف على من لا علم له، والاحق بقرب الامام من تصح منه النيابة عند احتياج الامام إليها. قال في الذكرى: والخلاف بينه وبين الشيخ في تقديم الصبيان على الخناثى فالشيخ نظر الى تحقق الذكورية في الصبيان ونظر ابن الجنيد الى تحقق الوجوب في الخناثى دون الصبيان وهو حسن واختاره ابن ادريس والفاضل. انتهى. اقول: الظاهر انهم بنوا في هذا الترتيب المذكور على مجرد الاعتبار لعدم وجود ما يدل عليه من الاخبار كما يشير إليه كلام الشهيد في وجه اختلاف الشيخ وابن الجنيد.

الثاني - قد صرح جملة: منهم - العلامة والشهيدان (رضى الله عنهم) بان الافضل وقوف الامام في وسط الصف، قال في المنتهى: ويستحب أن يقف الامام في مقابلة وسط الصف لتتساوى نسبة المأمومين إليه فيمكنهم المتابعة، وقد روى الجمهور عن النبي صلى الله عليه واله (1) انه قال: " وسطوا الامام وسدوا الخلل ". أقول: روى ثقة الاسلام في الكافي عن على بن ابراهيم رفعه (2) قال: " رأيت أبا عبد الله عليه السلام يصلى بقوم وهو الى زاوية من بيته بقرب الحائط وكلهم عن يمينه وليس على يساره أحد ". وهذا الخبر كما ترى ظاهر في خلاف ما ذكروه، ويؤيده ان أفضلية اليمين تقتضي استحباب توسيعها. ولا معارض للخبر المذكور إلا ما ينقلونه من هذا الخبر العامي. وأما ما ذكره في الذكرى في سنة الموقف في الجماعة - حيث قال: وخامسها


(1) سنن ابى داود ج 1 ص 182 رقم 68 باب مقام الامام من الصف (2) الوسائل الباب 23 من صلاة الجماعة


[ 162 ]

ان يقتدى الرجال بالرجل، والافضل صلاتهم خلفه باجمعهم وهو منصوص عنهم (عليهم السلام) (1) وكونه في وسط الصف فلو صلى لا في وسطه جاز، وقد روى من فعل بعضهم (عليهم السلام) (2) ولعله للضرورة لان الامام لا يترك الافضل - فهو جيد لو ثبت دليل أفضلية ما ذكروه وإلا فارتكاب التأويل في الخبر من غير معارض عقلي أو نقلى غير معقول ولا مقبول، وهم لم يذكروا دليلا على ما ادعوه ولو اعتباريا سوى ما عرفت من الرواية العامية.

ومنها - استحباب اعادة المصلى منفردا صلاته جماعة اماما كان أو مأموما ولا خلاف فيه بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) بل اعى عليه الاجماع جمع منهم وعليه يدل جملة من الاخبار: منها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن اسماعيل بن بزيع (3) قال: " كتبت الى ابى الحسن عليه السلام انى احضر المساجد مع جيرتى وغيرهم فيأمروني بالصلاة بهم وقد صليت قبل أن آتيهم فربما صلى خلفي من يقتدى بصلاتي والمستضعف والجاهل واكره أن اتقدم وقد صليت لحال من يصلى بصلاتي ممن سميت لك فأمرني في ذلك بامرك انتهى إليه وأعمل به ان شاء الله تعالى ؟ فكتب صل بهم ". وعن الحلبي في الصحيح عن ابى عبد الله عليه السلام (4) قال: " إذا صليت صلاة وأنت في المسجد واقيمت الصلاة فان شئت فاخرج وان شئت فصل معهم واجعلها تسبيحا ". ومنها - ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن حفص بن البخترى عن ابى عبد الله عليه السلام (5) " في الرجل يصلى الصلاة وحده ثم يجد جماعة ؟ قال يصلى معهم


(1) ارجع الى الصفحة 89 (2) تقدم في رواية على بن ابراهيم ص 161 (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 54 من صلاة الجماعة


[ 163 ]

ويجعلها الفريضة " ورواه في الفقيه عن هشام بن سالم عنه عليه السلام مثله (1) وزاد في آخره " ان شاء ". قيل: المعنى انه يجعلها تلك الفريضة التى صلاها وحده فان اعادة تلك الفريضة مستحبة، أو المراد أن يجعل هذه الفريضة المطلوبة منه وما صلاها أولا نافله، قال: وفى التهذيب حمله على محامل بعيدة من غير ضرورة. وقال في الفقيه (2) وروى انه يحسب له أفضلهما واتمهما. وروى في الكافي عن ابى بصير (3) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام اصلى ثم أدخل المسجد فتقام الصلاة وقد صليت ؟ فقال صل معهم يختار الله احبهما إليه ". وروى في التهذيب عن عمار الساباطى (4) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلى الفريضة ثم يجد قوما يصلون جماعة أيجوز له أن يعيد الصلاة معهم ؟ قال نعم وهو أفضل. قلت فان لم يفعل ؟ قال ليس به بأس ". وقال في كتاب الفقه الرضوي (5) نقلا عن العالم عليه السلام " إذا صليت صلاتك وأنت في مسجد واقيمت الصلاة فان شئت فصل وان شئت فاخرج. ثم قال لا تخرج بعدما اقيمت صل معهم تطوعا واجعلها تسبيحا ".

والكلام هنا يقع في مواضع:

الاول - لا خلاف ولا إشكال في صحة الاعادة ومشروعيتها لمن صلى الفرض أولا منفردا وانما الاشكال والخلاف في ما لو صلاه جماعة فهل يستحب الاعادة جماعة مرة اخرى ؟ الاشهر الاظهر العدم، وحكم الشهيد في الذكرى باستحباب الاعادة للمنفرد والجامع لعموم الادلة، قال في المدارك: وهو غير واضح لان اكثر الروايات مخصوصة بمن صلى وحده وما ليس بمقيد بذلك فلا عموم فيه، ومن هنا يعلم ان الاظهر عدم تراسل الاستحباب، وجوزه الشهيدان. انتهى.


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 54 من صلاة الجماعة (5) ص 11


[ 164 ]

وقال شيخنا الشهيد الثاني في الروض بعد قول المصنف " واعادة المنفرد مع الجماعة ": ولو صلى أولا جماعة ففى استحباب الاعادة قولان اصحهما الجواز لعموم الادلة خصوصا مع اشتمال الجماعة الثانية على مرجح، وهل يسترسل الاستحباب ؟ منعه المصنف في التذكرة وجوزه في الذكرى، وعموم الادلة يدل عليه. انتهى. وظاهر الفاضل الخراساني في الذخيرة الميل الى ما ذكره الشهيدان حيث نفى البعد عن قولهما مستندا الى عدم الاستفصال في صحيحة محمد بن اسماعيل، ثم قال: والاحوط الاول لعدم ما يدل عليه صريحا وتوقف الصلاة على توقيف الشارع وقد روى عنه صلى الله عليه واله (1) لا تصل صلاة في يوم مرتين. انتهى. اقول: الظاهر المتبادر من صحيحة محمد بن اسماعيل المذكورة ان صلاته أولا انما كانت فرادى حيث انه أخبر عن نفسه بانه يأتي المساجد وقد صلى، فان قرينة الحال تدل على أنه صلى في بيته قبل مجئ المساجد، والحمل على كونه صلى في بيته جماعة بعيد عن رسم العادة سيما ان المساجد التى اتى إليها من ما تقام فيها الجماعة من غير تقية كما هو المفروض، وبه يظهر سقوط ما ذكره الفاضل المذكور. وكذلك ظاهر صحيحة الحلبي وقوله فيها " إذا صليت صلاة وأنت في المسجد واقيمت الصلاة " فان ظاهرها انه صلى فرادى واتفقت الجماعة بعد صلاته كذلك، والحمل على كونه صلى جماعة وبعد فراغه اقيمت جماعة اخرى في غاية البعد عن رسم العادة وما هو المتكرر المعروف سيما على القول بتحريم الجماعة ثانية أو كراهتها كما هو المشهور. وبالجملة فان الاحكام في الاخبار انما تنصرف الى الافراد المتكررة المتعارفة. وأما صحيحة حفص أو حسنته فهى صريحة في كونه صلى وحده، ومثلها صحيحة هشام بن سالم المروية في الفقيه. واما رواية ابى بصير فالتقريب فيها ما تقدم في صحيحة محمد بن اسماعيل ونحوها رواية عمار. وأما رواية كتاب الفقه الرضوي فالتقريب فيها ما تقدم في صحيحة الحلبي مع احتمال حملها على كون الصلاة اخيرا مع جماعة المخالفين كما قدمنا ذكره سابقا على هذا المقام.


(1) تيسير الوصول ج 2 ص 276


[ 165 ]

ويمكن ان يقال ايضا ان هذه الاخبار مابين مطلق ومقيد والقاعدة تقتضي حمل مطلقها على مقيدها، وبذلك يظهر ان الاظهر هو القول المشهور من الاختصاص بالمنفرد، ويؤيده ان العبادات مبنية على التوقيف ولم يثبت يقينا الاعادة بعد الصلاة جماعة. ومنه يظهر بطلان التراسل كما ذهبوا إليه تفريعا على ما اختاروه من استحباب اعادة الجامع.

الثاني - قال في المدارك: لو صلى اثنان فرادى ففى استحباب اعادة الصلاة لهما جماعة إذا لم يكن معهما مفترض وجهان، من ان اقصى ما يستفاد من الروايات مشروعية الاعادة إذا اقتدى بمفترض أو اقتدى به مفترض، ومن عموم الترغيب في الجماعة. انتهى. ولا يخفى ضعف ثانى الوجهين المذكورين، فان استحباب الجماعة لا يقتضى استحباب ايقاعها كيف اتفقت بل على الوجه الذى وردت به النصوص، والكيفية التى ثبتت عنهم (عليهم السلام) استحباب الصلاة بقول مطلق، مع انه لابد من تقييدها بما ثبت مشروعيته من الكيفية والكمية ونحوها. وبالجملة فالاظهر هو ما يستفاد من الوجه الاول وهو المستفاد من روايات المسألة.

الثالث - قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: واولى الصلاتين أو الصلوات هي فرضه فينوي بالباقي الندب لامتثاله المأمور به على وجهه فيخرج من العهدة، ولو نوى الفرض في الجميع جاز لرواية هشام بن سالم.. ثم نقل الرواية، ثم قال ولما روى (1) " ان الله تعالى يختار احبهما إليه " وروى " أفضلهما واتمهما " ونقل في المدارك الوجه الثاني عن الشهيد في الذكرى والدروس للرواية المذكورة، ورده بانه بعيد جدا والرواية لاتدل عليه بوجه. اقول: قد تقدم ان الرواية محتملة لان يكون المعنى في قوله: " يصلى معهم ويجعلها الفريضة " انه يجعل الصلاة المعادة جماعة هي الفريضة التى صلاها أولا


(1) ص 163


[ 166 ]

لا صلاة غيرها من الفرائض والصلوات وهو وجه وجيه، والحمل على المعنى الذى فهموه من الخبر وان كان محتملا إلا ان صيرورة الفريضة بعد اتمامها نافلة والنافلة فريضة غير معهود، فاثباته بمجرد هذا الخبر لا يخلو من الاشكال سيما مع قيام ما ذكرناه من الاحتمال، وعليه حمل صاحب المدارك الخبر المذكور. ورواية " ان الله يختار احبهما إليه " لا تقتضي نية وجوب كل منهما واتصافها بانها فرض، بل المعنى انه لما شرع (عز شأنه) الاعادة وامر بها استحبابا فله سبحانه الاختيار في ما يختاره منهما فيختار ما هو أحب إليه. هذا غاية ما يدل عليه الخبر المذكور وهو لا يقتضى ما ادعاه. والله العالم.

ومنها - القرب من الامام لما تقدم من رواية جابر ورواية كتاب الفقه الرضوي، وقد عده الشهيد في النفلية من مستحبات الجماعة. وذكر أفضلية القرب في الخبرين المذكورين من الصف الاول يقتضى (1) افضلية الاقربية مطلقا.

ومنها - اقامة الصفوف واعتدالها ويستحب استحبابا مؤكدا وكذا سد الفرج الواقعة في الصفوف: روى الصدوق في الفقيه في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام (2) في حديث قال: " قال رسول الله صلى الله عليه واله اقيموا صفوفكم فانى اراكم من خلفي كما أراكم من قدامى ومن بين يدى ولا تخالفوا فيخالف الله بين قلوبكم ". وروى في التهذيب عنه عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) (3) قال: " قال


(1) وفى المطبوع القديم " لا يقتضى " (2) الوسائل الباب 70 من صلاة الجماعة. وقد نقلها عن الصدوق الارسال عن النبي (ص) الا ان الظاهر عبارة الفقيه ج 1 ص 250 خلاف ذلك حيث ان العبارة فيه بعد ذكر رواية امامة الرجل للرجل والرجلين هكذا " قال وقال رسول الله ص.. " وظاهرها ان الذي حكى قول رسول الله (ص) هو أبو جعفر (ع) وفد نقلها في الوافى باب (اقامة الصفوف) كذلك. (3) الوسائل الباب 70 من صلاة الجماعة. وهى رواية السكوني عن جعفر عن ابيه عن آبائه (ع).


[ 167 ]

رسول الله صلى الله عليه واله سووا بين صفوفكم وحاذوا بين مناكبكم لا يستحوذ عليكم الشيطان " وروى في كتاب ثواب الاعمال في الموثق عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " قال رسول الله صلى الله عليه واله يا أيها الناس اقيموا صفوفكم وامسحوا بمناكبكم لئلا يكون بينكم خلل ولا تخالفوا فيخالف الله بين قلوبكم، ألا وانى أراكم من خلفي ". وروى في كتاب البصائر في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) قال: " قلت لابي جعفر عليه السلام الرجل يكون في المسجد فتكون الصفوف مختلفة فيها الناس فاميل إليه مشيا حتى أقيمه ؟ قال نعم لا بأس به ان رسول الله صلى الله عليه واله قال يا أيها الناس انى أراكم من خلفي كما أراكم من بين يدى لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم ". ومن الكتاب المذكور (3) عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) قال ; " قلت له انا نصلى في مسجد لنا فربما كان الصف امامى وفيه انقطاع فامشي إليه بجانبى حتى اقيمه ؟ قال نعم ان رسول الله صلى الله عليه واله قال أراكم من خلفي كما أراكم من بين يدى، لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم ". ومن الكتاب المذكور عن عبد الله الحلبي في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " ان رسول الله صلى الله عليه واله قال اقيموا صفوفكم فانى أراكم من خلفي كما أراكم من بين يدى، ولا تختلفوا فيخالف الله بين قلوبكم ". ومن الكتاب المذكور عن ابى عتاب زياد مولى آل دغش عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " سمعته يقول اقيموا صفوفكم إذا رأيتم خللا. ولا عليك أن تأخذ وراءك إذا وجدت ضيقا في الصفوف فتتم الصف الذى خلفك أو تمشى منحرفا فتتم الصف الذى قدامك فهو خير. ثم قال ان رسول الله صلى الله عليه واله قال أقيموا صفوفكم فانى انظر اليكم من خلفي لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم "


(1) و (2) و (4) و (5) الوسائل الباب 70 من صلاة الجماعة (3) ص 419 الطبع الحديث وفى البحار ج 18 الصلاة ص 632


[ 168 ]

ومنه ايضا عن هارون بن حمزة الغنوى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " ان رسول الله صلى الله عليه واله قال اقيموا صفوفكم فانى انظر اليكم من خلفي لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم ". وروى في كتاب دعائم الاسلام عن رسول الله صلى الله عليه واله (2) قال: " سووا صفوفكم وحاذوا بين مناكبكم ولا تخالفوا بينها فتختلفوا ويتخللكم الشيطان تخلل أولاد الحذف " قال: والحذف ضرب من الغنم الصغار السود واحدتها حذفة فشبه رسول الله صلى الله عليه واله تخلل الشيطان الصفوف إذا وجد فيها حللا بتخلل أولاد تلك الغنم بين كبارها. انتهى. اقول: وروى العامة في صحاحهم (3) " كان رسول صلى الله عليه واله يسوى صفوفنا كما يسوى القداح. وقال اقيموا صفوفكم فانى أراكم من وراء ظهرى. وقال سووا صفوفكم فان تسوية الصفوف من تمام الصلاة. وكان يمسح مناكبكم في الصلاة ويقول استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ". قال في النهاية: فيه " سووا صفوفكم ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم " أي إذا تقدم بعضهم على بعض في الصفوف تأثرت قلوبهم ونشأ بينهم الخلف. ومنه الحديث الآخر " لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم " يريد ان كلا منهم بصرف وجهه عن الآخر يوقع بينهم التباغض، فان اقبال الوجه على الوجه من أثر المودة والالفة. وقيل المراد تحويلها الى الادبار. وقيل تغيير صورها الى صور اخرى. وأنت خبير بان ظاهر الخبر الاول من أخبار البصائر جواز المشى حال الصلاة لاجل اقامة الصف إذا رآهم مختلفين في الوقوف تقدما وتأخرا، وينبغى


(1) الوسائل الباب 70 من صلاة الجماعة (2) مستدرك الوسائل الباب 54 من صلاة الجماعة (3) سنن ابى داود وصحيح مسلم وصحيح البخاري باب تسوية الصفوف وسنن النسائي باب كم مرة يقول استووا.


[ 169 ]

ان يقيد بغير وقت القراءة لما تقدم في الباب الثاني في افعال الصلاة من وجوب الطمأنينة على المأموم حال القراءة وان تحمل عنه الامام القراءة. وظاهر الخبر الثاني من الاخبار المذكورة ان من اقامة الصفوف اتمام الصف لو كان ناقصا، وقوله " فامشي إليه بجانبى " يدل على ان النقصان في جانب اليمين أو اليسار من موقف المصلى وإلا فلو كان محاذيا له في الموقف لم يحتج الى المشى إليه على جانب. ونحو هذا الخبر خبر ابى عتاب. وقال في الذكرى: لو وجد فرجة في الصف فله السعي إليها وان كانت في غير الصف الاخير، ولا كراهة هنا في اختراق الصفوف لانهم قصروا حيث تركوا تلك الفرجة، نعم لو أمكن الوصول بغير اختراقهم كان أولى. اقول: واطلاق الخبرين المذكورين يدل على ما ذكره لان الصف الواقع امام أو خلف في الخبرين أعم من أن يكون بغير فاصلة أو بفاصلة صف آخر. واظهر من ذلك ما رواه على بن جعفر في كتابه عن اخيه عليه السلام (1) قال: " سألته عن الرجل يكون في صلاته في الصف هل يصلح له ان يتقدم الى الثاني أو الثالث أو يتأخر وراءه في جانب الصف الآخر ؟ قال: إذا رأى خللا فلا بأس به ". وظاهر الحديث المرسل في التهذيب وحديث كتاب ثواب الاعمال وخبر كتاب الدعائم ان اقامة الصفوف واستواءها بالمحاذاة بين المناكب من المأمومين. ومنه يعلم تحديد المساواة في الموقف بين الامام والمأموم مع اتحاد المأموم والتقدم مع التعدد. وقد تقدم في كلام الاصحاب تحديد ذلك بالاعقاب أو مع رؤوس الاصابع، وقد عرفت انه لا مستند له.

ومنها - تقارب الصفوف بعضها من بعض، قال في الذكرى: يستحب تقارب الصفوف فلا يزيد ما بينها على مسقط الجسد إذا سجد، رواه زرارة عن ابى جعفر عليه السلام (2) وقدر ايضا بمربض عنز (3) ذكره في المبسوط.


(1) الوسائل الباب 70 من صلاة الجماعة. (2) و (3) الوسائل الباب 62 من صلاة الجماعة.


[ 170 ]

اقول: قد قدمنا ان ظاهر الخبر المذكور وكذا غيره من ما ورد بهذا المضمون ان التقدير بهذا المقدار على جهة الوجوب والشرطية لصحة القدوة فلو زاد على ذلك بطلت القدوة، لان الرواية قد اشتملت على النهى عن التباعد بين الامام والمأموم وبين المأمومين بعضهم مع بعض بما لا يتخطى، وان نهاية ما يتخطى الذى يجوز التباعد به قدر مسقط جسد الانسان حال السجود. والاصحاب لما حملوا الرواية في ما اشتملت عليه من تحديد البعد على الاستحباب - حيث انهم فسروه بما يرجع الى العرف والعادة - فرعوا عليه ما ذكروه هنا من الاستحباب، ومن عمل بظاهر الخبر المذكور كما أوضحناه آنفا فانه يصير هذا الحد بين الصفوف نهاية الجواز فلو زاد على ذلك بطلت القدوة.

ومنها - انه يستحب تسبيح المأموم إذا فرغ من قراءته قبل الامام في موضع يجوز له القراءة فيه كما في الجهرية إذا لم يسمع ولا همهمة فانه متى قرأ وفرغ قبل الامام فانه يستحب له ان يسبح حتى يفرغ الامام، وله ايضا ان يمسك آية حتى إذا فرغ الامام قرأها وركع بعدها: روى الشيخ في الموثق عن عمر بن ابى شعبة عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " قلت له اكون مع الامام فافرغ قبل أن يفرغ من قراءته ؟ قال فاتم السورة ومجد الله واثن عليه حتى يفرغ ". وعن زرارة في الموثق (2) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الامام اكون معه فافرغ من القراءة قبل أن يفرغ ؟ قال فامسك آية ومجد الله واثن عليه فإذا فرغ فاقرأ الآية واركع ". وقد ورد نحو ذلك في الصلاة خلف المخالفين إذا فرغ المأموم من قراءته قبل الامام (3) فانه يتخير بين الامرين المذكورين: روى الكليني في الكافي في الموثق عن اسحاق بن عمار عن من سأل أبا عبد الله


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 35 من صلاة الجماعة


[ 171 ]

عليه السلام (1) قال: " اصلى خلف من لا اقتدى به فإذا فرغت من قراءتى ولم يفرغ هو ؟ قال فسبح حتى يفرغ ". وروى البرقى في كتاب المحاسن عن صفوان الجمال (2) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام ان عندنا مصلى لا نصلى فيه وأهله نصاب وامامهم مخالف فائتم به ؟ قال لا. قلت ان قرأ اقرأ خلفه ؟ قال نعم. قلت فان نفدت السورة قبل أن يركع ؟ قال سبح وكبر انما هو بمنزلة القنوت وكبر وهلل ". أقول: وبذلك صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) قال في المنتهى: لو فرغ المأموم من القراءة قبل الامام استحب له ان يسبح الى ان يفرغ الامام ويركع معه، ويستحب له أن يبقى آية فإذا ركع الامام قرأها وركع معه. وقال في الذكرى: لو قرأ ففرغ قبله استحب أن يبقى آية ليقرأها عند فراغ الامام ليركع عن قراءة. ثم ذكر رواية زرارة وقال: فيه دليل على استحباب التسبيح والتحميد في الاثناء ودليل على جواز القراءة خلف الامام. ثم قال وكذا يستحب ابقاء آية لو قرأ خلف من لا يقتدي به. انتهى. والظاهر انه لم يقف على رواية التحميد والتسبيح في الصورتين المذكورتين. ومن ما يدل على التخيير بين الامرين المذكورين في الصلاة خلف المخالف قوله عليه السلام في كتاب الفقه الرضوي (3) بعد ذكر الصلاة خلف المخالف تقية: واذن لنفسك واقم واقرأ فيها لانه غير مؤتمن به. فإذا فرغت قبله من القراءة أبق آية منها حتى تقرأ وقت ركوعه وإلا فسبح الى أن يركع. انتهى. وكذا يستحب للمأموم في الصلاة الاخفاتية والجهرية، وقد تقدم ذكر ذلك والدليل عليه في المسألة الثامنة.

ومنها - ان الافضل للامام ان يصلى بصلاة أضعف من خلفه والاخبار به مستفيضة


(1) و (2) الوسائل الباب 35 من صلاة الجماعة (3) ص 14


[ 172 ]

    ومنها - ما رواه الشيخ والصدوق عن اسحاق بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " ينبغى للامام أن تكون صلاته على صلاة أضعف من خلفه ". وما رواه الشيخ في التهذيب مسندا عن السكوني عن جعفر عن ابيه عن على (عليهم السلام) - ورواه الصدوق مرسلا عن على عليه السلام (2) - قال " آخر ما فارقت عليه حبيب قلبى صلى الله عليه واله انه قال يا على إذا صليت فصل صلاة أضعف من خلفك.. الحديث ". وما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " صلى رسول الله صلى الله عليه واله الظهر والعصر فخفف الصلاة في الركعتين الاخيرتين فلما انصرف قال له الناس يارسول الله صلى الله عليه واله أحدث في الصلاة شئ ؟ قال وماذاك ؟ قالوا خففت في الركعتين الاخيرتين. فقال لهم أما سمعتم صراخ الصبى ؟ " ورواه في كتاب عدة الداعي (4) ثم قال: وفى حديث آخر " خشيت ان يشتغل به خاطر ابيه ". وقال في كتاب الفقيه (5): كان معاذ يؤم في مسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه واله ويطيل القراءة وانه مربه رجل فافتتح سورة طويلة فقرأ الرجل لنفسه وصلى ثم ركب راحلته فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه واله فبعث الى معاذ فقال يا معاذ إياك أن تكون فتانا عليك بالشمس وضحاها وذواتها. وفى كتاب نهج البلاغة (6) في عهده عليه السلام للاشتر (رضى الله عنه) " إذا قمت في صلاتك للناس فلا تكونن منفرا ولا مضيعا فان في الناس من به العلة وله الحاجة وقد سألت رسول الله صلى الله عليه واله حين وجهنى الى اليمن كيف اصلى بهم ؟ فقال صل بهم كصلاة اضعفهم وكن بالمؤمنين رحيما ". وقال في كتاب الفقه الرضوي (7): إذا صليت فخفف بهم الصلاة وإذا كنت


(1) و (2) و (3) و (5) و (6) الوسائل الباب 69 من صلاة الجماعة (4) مستدرك الوسائل الباب 53 من صلاة الجماعة (7) ص 14


[ 173 ]

وحدك فثقل فانها العبادة. وقال في الذكرى: يستحب للامام تخفيف الصلاة والاقتصار على السور القصار والتسبيح في الركوع والسجود ثلاثا لا ازيد. ثم نقل رواية اسحاق بن عمار المتقدمة. ثم قال: ولو أحس بشغل لبعض المأمومين استحب التخفيف أزيد من ذلك. ثم نقل صحيحة عبد الله بن سنان في بكاء الصبى. وبالجملة فالحكم المذكور اتفاقى نصا وفتوى، واستثنى بعض الاصحاب من ذلك مااذا علم منهم حب التطويل ولا بأس به، لان الظاهر من الاخبار هو مراعاة حالهم في الاستعجال لاغراضهم وحوائجهم وأمراضهم فإذا احبوا ذلك فلا منافاة فيه لما دلت عليه النصوص المذكورة.

ومنها - ان الافضل للامام أن لا يقوم من مقامه بعد التسليم حتى يتم من خلفه صلاته، وقد تقدم الكلام في ذلك في المسألة العاشرة. ومن الاخبار الواردة في المسألة زيادة على ما قدمناه ما رواه الشيخ في الصحيح عن اسماعيل بن عبد الخالق (1) قال: " سمعته يقول لا ينبغى للامام ان يقوم إذا صلى حتى يقضى كل من خلفه ما قد فاته من الصلاة ". وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " لا ينبغى للامام أن ينتقل إذا سلم حتى يتم من خلفه الصلاة.. الحديث ". وما رواه في الفقيه عن حفص بن البخترى في الصحيح عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " ينبغى للامام ان يجلس حتى يتم من خلفه صلاتهم ". وما رواه في التهذيب في الموثق عن سماعة (4) قال: " ينبغى للامام ان يلبث قبل أن يكلم احدا حتى يرى ان من خلفه قد اتموا الصلاة ثم ينصرف هو ". وعن ابى بكر الحضرمي (5) قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام إذا صليت بقوم


(1) الوسائل الباب 51 من صلاة الجماعة. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 2 من التعقيب


[ 174 ]

فاقعد بعدما تسلم هنيهة ". وقد تقدم ثمة (1) نقل موثقة عمار الدالة على جواز قيامه من موضعه وانصرافه قبل أن يتم من خلفه. ومن اخبار المسألة قوله عليه السلام في كتاب الفقه الرضوي (2) نقلا عن العالم (عليه السلام) قال: " لا ينبغى للامام ان ينتقل من صلاته إذا سلم حتى يتم من خلفه الصلاة ". اقول: ربما اشعر ظاهر هذا الخبر وظاهر موثق سماعة وكذا ظاهر صحيحة الحلبي أو حسنته بانه يستحب له البقاء بعد التسليم على هيئة الصلاة فلا يتكلم ولا يلتفت حتى يتم من خلفه، والذى ذكره الاصحاب انما هو ان لا يقوم من محله وما اشعرت به هذه الاخبار اخص من ذلك.

ومنها - ان الافضل له ان يسمع من خلفه كل ما يقول من الاذكار ولا سيما التشهد ولمن خلفه أن لا يسمعوه شيئا. ويدل عليه ما رواه الشيخ في التهذيب عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " ينبغى للامام أن يسمع من خلفه كل ما يقول ولا ينبغى لمن خلفه ان يسمعه شيئا من ما يقول ". وربما سبق الى بعض الافهام الفاسدة والاوهام الشاردة من هذا الخبر وجوب الجهر في الاخيرتين على الامام بتقريب ان لفظ " ينبغى " في الاخبار قد تكاثر وروده بمعنى الوجوب و " لا ينبغى " بمعنى التحريم. وفيه انه لاريب ان الامر كذلك إلا انه قد ورد فيها ايضا بمعنى الاستحباب والكراهة كما هو ظاهر الاستعمال العرفي، ونحن قد حققنا في غير موضع من ما تقدم ان هذين اللفظين في الاخبار من الالفاظ المتشابهة وانه لا يحمل على أحد المعنيين


(1) ص 153 (2) ص 10 (3) الوسائل الباب 52 من صلاة الجماعة


[ 175 ]

في الاخبار إلا بقرينة تؤذن بذلك. (فان قلت) ان مقتضى كون اللفظ كما ذكرتم - مع تصريحكم بان الحكم في المتشابه هو الاحتياط وجوبا - ترجيح الجهر في الاخيرتين احتياطا وجوبا كما تختارونه واستحبابا كما هو المشهور لدخول الجزئي تحت عموم الخبر، وكذا الكلام بالنسبة الى المأموم. فالجواب انه لاريب في صحة ما ذكرت لو خلينا وظاهر الخبر المذكور " إلا انه لما كان اصحابنا (رضوان الله عليهم) سلفا وخلفا على الاخفات في هذه المسألة وحمل الخبر المذكور في جميع ما اشتمل عليه من الاحكام على الاستحباب بالنسبة الى الامام والكراهة بالنسبة الى المأموم - فانهم مابين مصرح بما ذكرنا وما بين من لم يظهر منه خلاف ذلك - فالواجب تقييد الخبر المذكور بما ذكروه وعدم الخروج عن ما اعتمدوه، وكم في الاخبار من ما هو من هذا القبيل من ما اشتمل على هذا اللفظ مع حمله على الاستحباب بين كافة الاصحاب جيلا بعد جيل، أو لفظ " لا ينبغى " مع حمله على الكراهة اتفاقا أو مع خلاف نادر قليل كما لا يخفى على المتتبع من ذوى التحصيل. ولا يخفى على المتتبع ايضا ورود ما هو اصرح من هذا الخبر في الوجوب في جملة من الاحكام مع اتفاقهم على العدول عنه من غير خلاف يعرف أو خلاف شاذ في المقام، وكثير من مستحبات الصلاة من هذا القبيل كالتكبير للركوع والسجود ونحوهما من ما قد وردت الاوامر به من غير معارض ومقتضى الامر الوجوب والاستغفار في الاخيرتين بعد التسبيح فان مقتضى الامر الوجوب مع الفتوى منهم من غير خلاف يعرف أو خلاف شاذ على الاستحباب، والتورك في الصلاة كذلك وليس للامر به معارض إلا اطلاق بعض الاخبار التى يمكن حمل اطلاقها على الاخبار المقيدة مع انه لا خلاف في الاستحباب، وامثال ذلك كثير يقف عليها المتتبع، ولا سيما ما اشتمل عليه حديث حماد بن عيسى الوارد في تعليم


[ 176 ]

الصادق (عليه السلام) له الصلاة، ونحوه صحيحة زرارة، وما ذكره (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي المتقدم جميع ذلك في صدر الباب الثاني في الصلوات اليومية (1) فان جميع ما اشتملت عليه الاخبار المشار إليها من الاوامر والنواهي لا معارض لها يوجب اخراجها عن حقيقة الامر والنهى. فالواجب على هذا القائل هنا بمجرد ورود لفظ مشتبه محتمل للوجوب أن يقول بالوجوب والتحريم في جمبع تلك المستحبات والمكروهات باتفاق العلماء، وهذا عين السفسطة، وما ذاك إلا من حيث تقييد تلك الاخبار بعمل الاصحاب على ذلك الحكم واتفاقهم عليه. ولا يخفى على المنصف المتدرب في الفن ان اتفاق الاصحاب على الحكم متقدميهم ومتأخريهم من ما يثمر العلم أو الظن المتاخم له بان ذلك هو مذهب الائمة (صلوات الله عليهم) فان مذهب كل امام من أئمة الهدى أو أئمة الضلال انما يعلم بنقل شيعته واتباعه. واما الاخبار فليست كذلك فان فيها ما خرج على خلاف المذهب وفيها المجمل والمتشابه ونحو ذلك من الوجوه المانعة من الجزم بكون ما اشتملت عليه مذهبا، وقد وردت عندنا جملة من الاخبار الصحاح الصراح في جملة من الاحكام لم يلتفت إليها أصحابنا ولم يعملوا بها واطرحوها كاخبار عدم وجوب الغسل على المرأة بالاحتلام (2) واخبار السنة والسنتين في الرضاع المحرم (3) ونحو ذلك من ما يقف عليه المتتبع البصير ولا ينبئك مثل خبير. وحينئذ فإذا جاز الخروج عن مقتضى الاوامر الظاهرة في الوجوب باتفاق الاصحاب على خلاف ذلك فكيف بلفظ محتمل كما هو محل البحث، ومن ذا الذى يروم الجزم بوجوب جهر الامام بجميع ما يأتي به من الاذكار وتحريم الجهر على المأموم في جميع ذلك بهذا الخبر المجمل مع مخالفة كافة العلماء له قديما وحديثا وطرحه


(1) ج 8 ص 2 الى 11 (2) الوسائل الباب 7 من الجنابة (3) الوسائل الباب 2 من ما يحرم بالرضاع


[ 177 ]

بينهم بهذا المعنى الذى توهموه وحملهم له على ما ذكروه (رضوان الله عليهم) من المعنى الذى قدمناه عنهم. هذا مع ما أخذ على المفتى في الاخبار من القول بالعلم واليقين والنهى عن الظن والتخمين. وما توهمه بعض من لم يعض على العلم بضرس قاطع ولم يعط التأمل حقه في جميع المواضع من التفرد بالعمل بالاخبار من غير ملاحظة كلام الاصحاب فهو جهل محض لما أوضحناه وان صار في هذه الايام من صار الى ما ذكرناه إلا انه كما عرفت واضح الفساد ناشئ من العصبية واللداد. ومن ما يوضح لك صحة ما ذكرناه ما اشتهر بينهم الآن من انه ينبغى لطالب العلم ان لا يشتغل إلا بكتب الاخبار وان كان اميا لم يقرأ شيئا من العلوم بالكلية وصارت كتب الفقهاء بينهم مهجورة مطرحة، وهذه حماقة ظاهرة فانه لا يخفى على المنصف العارف بالقواعد الشرعية والضوابط المرعية ان هذه المرتبة وهى الاشتغال بالاخبار واستنباط ما فيها من الاحكام والاسرار ليست بسهلة التناول لكل من رامها من الناس وان زعم ذلك من تلبس الآن بهذا اللباس وانما هي مرتبة الفقيه الجامع الشرائط، وهى مرتبة لم يصلها العلماء إلا بعد أن تشيب نواصيهم في تحصيل العلوم والاطلاع على كل معلوم منها ومفهوم واحكام قواعدها وتحصيل ضوابطها، ومع هذا فهم فيها بين قائم وطائح وغريق وسابح، واين لهؤلاء الجهال من نيل هذه المرتبة العزيزة المنال بمجرد عقولهم الناقصة العيار وتوهماتهم الموجبة للعثار، نعوذ بالله سبحانه من زيغ الافهام وزلل الاقدام والخروج عن النهج القويم والميل عن الصراط المستقيم وأما ما يدل على تأكد الاسماع في التشهد فرواية ابى بصير (1) قال: " صليت خلف ابى عبد الله عليه السلام فلما كان في آخر تشهده رفع صوته حتى اسمعنا فلما انصرف قلت كذا ينبغى للامام ان يسمع تشهده من خلفه ؟ قال نعم ". وما رواه الشيخ والصدوق في الصحيح عن حفص بن البخترى عن ابى عبد الله


(1) الوسائل الباب 6 من التشهد


[ 178 ]

عليه السلام (1) قال: " ينبغى للامام أن يسمع من خلفه التشهد ولا يسمعونه هم شيئا " قال في الفقيه (2): يعنى الشهادتين. قال: ويسمعهم ايضا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

ومنها - انه يستحب للامام إذا أحس بداخل حال ركوعه أن يطيل بقدرى ركوعه انتظارا للداخلين ثم يرفع. ويدل على ذلك ما رواه الشيخ عن جابر الجعفي (3) قال: " قلت لابي جعفر عليه السلام انى اؤم قوما فاركع فيدخل الناس وأنا راكع فكم انتظر ؟ فقال ما أعجب ما تسأل عنه يا جابر انتظر مثلى ركوعك فان انقطعوا وإلا فارفع رأسك ". وروى في الكافي عن مروك بن عبيد عن بعض أصحابه عن ابى جعفر عليه السلام (4) قال: " قلت له انى امام مسجد الحى فاركع بهم وأسمع خفقان نعالهم وأنا راكع ؟ قال اصبر ركوعك ومثل ركوعك فان انقطعوا وإلا فانتصب قائما ".

ومنها - أن يقول المأموم عند فراغ الامام من الفاتحة: الحمد لله رب العالمين. قال العلامة في المنتهى: ذكر ابن بابويه في كتابه انه يستحب للمأمومين إذا فرغ الامام من قراءة الحمد أن يقولوا: الحمد لله رب العالمين. ورواه الحسين بن سعيد في كتابه ايضا (5). انتهى. اقول: ويدل عليه ايضا ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن جميل عن


(1) الوسائل الباب 6 من التشهد (2) الوسائل الباب 52 من صلاة الجماعة (3) و (4) الوسائل الباب 50 من صلاة الجماعة. (5) اورد في الوسائل في الباب 17 من القراءة روايات الحسين بن سعيد ولكنها تتضمن النهى عن قول " آمين " فقط ولم نقف على ما نقله من روايته الامر بقول " الحمد لله رب العالمين " وقد نقل في البحار ج 18 الصلاة ص 623 عبارة المنتهى كما في المتن ولم يعقبها بشئ.


[ 179 ]

ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " إذا كنت خلف امام فقرأ الحمد وفرغ من قراءتها فقل أنت: الحمد لله رب العالمين. ولا تقل آمين " ونحوه روى عن جميل في كتاب مجمع البيان للطبرسي (2).

ومنها - قيام المأمومين الى الصلاة عند قول المقيم " قد قامت الصلاة " على المشهور، واستدل عليه بان هذا اللفظ اخبار عن الاقامة فيجب المبادرة للتصديق. ولا يخفى ما فيه من الوهن فهو بالاعراض عنه حقيق. والاظهر الاستناد في ذلك الى ما رواه الشيخ والصدوق عن الحناط (3) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام إذا قال المؤذن " قد قامت الصلاة " أيقوم القوم على أرجلهم أو يجلسون حتى يجئ امامهم ؟ قال لا بل يقومون على أرجلهم فان جاء امامهم وإلا فليؤخذ بيد رجل من القوم فيقدم ". وما رواه الشيخ عن معاوية بن شريح (4) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام قال إذا قال المؤذن " قد قامت الصلاة " ينبغى لمن في المسجد أن يقوموا على ارجلهم ويقدموا بعضهم ولا ينتظروا الامام. قال قلت وان كان الامام هو المؤذن ؟ قال وان كان فلا ينتظرونه ويقدموا بعضهم ". اقول: والواجب على ذلك القائل المتقدم ذكره بما قدمنا نقله عنه هو القول بوجوب القيام في هذه الصورة، لورود الخبر المذكور من غير معارض بل تأكده بالخبر المتقدم، والقول به سفسطة ظاهرة. وقال الشيخ في المبسوط والخلاف وقت القيام الى الصلاة عند فراغ المؤذن من كمال الاذان. ولم نقف على دليله. وحكى العلامة في المختلف عن بعض علمائنا قولا بان وقت القيام الى الصلاة عند قوله " حى على الصلاة " لانه دعاء إليها فاستحب القيام عنده. واجيب عنه بالمعارضة بالاذان فان هذا اللفظ موجود فيه ولا يستحب القيام عنده. وبان هذا اللفظ دعاء الى الاقبال الى الصلاة و " قد قامت " صيغة اخبار بمعنى الامر فالقيام عنده أولى. وقد مضى بعض المستحبات في الابحاث السابقة وسيأتى ايضا في المطلب الآتى بعض ذلك من ما سنشير إليه ان شاء الله تعالى.


(1) الوسائل الباب 17 من القراءة في الصلاة، والشيخ يرويه عن الكليني (2) ج 1 ص 31 (3) و (4) الوسائل الباب 42 من صلاة الجماعة


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>