تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الحادي عشر


المسألة الثانية عشرة

 قد ذكر الاصحاب (رضوان الله عليهم) جملة من المكروهات في الجماعة ايضا:

منها - ان يقف المأموم وحده في الصف إلا أن تمتلئ الصفوف فلا يجد موضعا يدخل فيه فانه يقف وحده في صف بغير كراهة، والحكم المذكور مجمع عليه كما نقله في المدارك وقبله العلامة، ونقل عن ابن الجنيد انه منع من ذلك، قال على ما نقل عنه في الذكرى: ان امكنه الدخول في الصف من غير اذية غيره لم يجز قيامه وحده. ويدل على الحكم الاول ما رواه الشيخ عن السكوني عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (1) قال: " قال أمير المؤمنين عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه واله لا تكونن في العيكل. قلت وما العيكل ؟ قال أن تصلى خلف الصفوف وحدك، فان لم يمكن الدخول في الصف قام حذاء الامام اجزأه فان هو عاند الصف فسد عليه صلاته " وروى في كتاب دعائم الاسلام عن على عليه السلام (2) قال: " قال لى رسول الله صلى الله عليه واله يا على لا تقومن في العيكل. قلت وما العيكل يارسول الله صلى الله عليه واله ؟ قال ان تصلى خلف الصفوف وحدك ". ثم قال في الكتاب المذكور (3): يعنى - والله العالم - إذا كان ذلك وهو


(1) الوسائل الباب 58 من صلاة الجماعة (2) مستدرك الوسائل الباب 46 من صلاة الجماعة (3) ج 1 ص 188 واللفظ فيه هكذا: " يعنى - والله اعلم - إذا وجد موضعا في ما =


[ 181 ]

يجد موضعا في الصفوف فاما إذا لم يجد فلا شئ عليه ان يصلى خلف الصفوف وحده، لانا روينا عن ابى عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) (1) " انه سئل عن رجل دخل مع قوم في جماعة فقام وحده ليس معه في الصف غيره والصف الذى بين يديه متضايق ؟ قال إذا كان كذلك وصلى وحده فهو معهم. وقال: قم في الصف ما استطعت فإذا ضاق المكان فتقدم أو تأخر فلا بأس " وعن على عليه السلام (2) انه قال: " إذا جاء الرجل ولم يستطع أن يدخل الصف فليقم حذاء الامام فان ذلك يجزئه ولا يعاند الصف " انتهى. قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار: اقول لم أر " العيكل " بهذا المعنى في كتب اللغة، قال في القاموس: اعتكل اعتزل وكمنبر مخيط الراعى. وفى بعض النسخ بالثاء المثلثة وهو ايضا كذلك ليس له معنى مناسب، ولا يبعد ان يكون الفسكل بالفاء والسين المهملة وهو بالضم والكسر الفرس الذى يجئ في الحلبة آخر الخيل، ورجل فسكل كزبرج رذل، وكزنبور وبرذون متأخر تابع، ذكره الفيروز آبادي. وقال في النهاية: فيه " ان اسماء بنت عميس قالت لعلى عليه السلام ان ثلاثة انت آخرهم لاخيار. فقال على عليه السلام لاولادها فسكلتنى امكم " أي أخرتني وجعلتني كالفسكل وهو الفرس الذى يجئ في آخر خيل السباق، وكانت قد تزوجت قبله بجعفر ثم بابى بكر. انتهى كلام شيخنا المشار إليه. وقال في كتاب مجمع البحرين بعد أن نقل الحديث بهذا اللفظ قال: وفى نسخة " الفسكل " ثم فسره بما ذكره في النهاية، وفيه تأييد لما ذكره شيخنا المشار إليه من التحريف في هذه اللفظة. ومن الاخبار الدالة على الحكم المذكور ايضا ما رواه الشيخ في الصحيح عن الفضيل بن يسار عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " اتموا الصفوف إذا وجدتم خللا


= بين يديه من الصفوف فاما إذا لم يجد فلا شئ عليه ان صلى وحده خلف الصفوف.. " (1) و (2) مستدرك الوسائل الباب 45 من صلاة الجماعة (3) الوسائل الباب 70 من صلاة الجماعة.


[ 182 ]

ولا يضرك أن تتأخر إذا وجدت ضيقا في الصف وتمشى منحرفا حتى تتم الصف ". كذا استدل به بعضهم وفى الدلالة غموض، فان مورد الخبر انما هو سد الخلل والفرج التى تكون في الصف خصوصا في ما إذا كان مكانه ضيقا. وأما ما يدل على الحكم الثاني فمنه - ما رواه في الكافي والتهذيب في الموثق عن سعيد الاعرج (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأتي الصلاة فلا يجد في الصف مقاما أيقوم وحده حتى يفرغ من صلاته ؟ قال نعم لا بأس يقوم بحذا الامام ". وما رواه في التهذيب في الصحيح عن سعيد الاعرج (2) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يدخل المسجد ليصلى مع الامام فيجد الصف متضايقا باهله فيقوم وحده حتى يفرغ الامام من الصلاة أيجوز ذلك له ؟ فقال نعم لا بأس به " وعن ابى الصباح (3) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقوم في الصف وحده ؟ فقال لا بأس انما يبدو واحد بعد واحد ". وما رواه في الفقيه (4) قال: " سأل موسى بن بكر أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يقوم.. الحديث " إلا انه قال: " انما يبدو الصف واحدا بعد واحد " واما ما تقدم نقله عن ابن الجنيد من منع ذلك فقيل انه احتج برواية السكوني المذكورة، وبما روى من طريق العامة (5) " ان النبي صلى الله عليه واله ابصر رجلا خلف الصفوف وحده فأمره أن يعيد الصلاة " واجيب عن دليليه بعد التنزل عن ضعف السند بانهما محمولان على الكراهة جمعا بين الادلة. بقى هنا شئ لم أر من نبه عليه ولا تنبه له وهو انه لا يخفى ان الظاهر من قوله (عليه السلام) في جملة من هذه الاخبار " يقوم بحذاء الامام " حال امتلاء الصفوف


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 57 من صلاة الجماعة (5) في تيسير الوصول ج 2 ص 255 الفصل الخامس في احكام المأموم عن وابصة ابن معبد " رأى رسول الله " ص " رجلا يصلى خلف الصف وحده فأمره باعادة الصلاة "


[ 183 ]

هو انه يقوم وحده في الصف الاخير الذى ليس فيه إلا هو ويكون موقفه محاذيا لموقف الامام. وهذا المعنى قد سمعته من بعض مشايخنا في صغر سنى واظنه الوالد الماجد العلامة (اجزل الله تعالى اكرامه). وهذا هو المفهوم من رواية سعيد الاعرج المذكورة، لان السائل سأله " أيقوم وحده " يعنى خارجا عن الصفوف فيقف في صف وحده فقال: " نعم لا بأس يقوم بحذاء الامام " فان قوله (عليه السلام) " نعم " صريح في موافقة السائل في وقوفه وحده ظهر الصفوف لكن امره ان يكون محاذيا للامام من خلفه. ونحو هذه الرواية قول الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (1) " فان دخلت المسجد ووجدت الصف الاول تاما " فلا بأس أن تقف في الصف الثاني وحدك أو حيث شئت، وافضل ذلك قرب الامام " فان المراد انه يكون محاذيا للامام في موقفه من خلفه ومسامتا له فانه أقرب المواقف إليه. وعلى هذا ينبغى أن يحمل اطلاق رواية السكوني. إلا ان الصدوق (عطر الله مرقده) في الفقيه (2) قال: وسألت محمد بن الحسن عن موقف من يدخل بعد من دخل ووقف عن يمين الامام لتضايق الصفوف فقال لاأدرى. وذكر انه لا يعرف في ذلك أثرا في الحديث. انتهى. وربما اشعر ظاهر هذا الكلام بحمل قولهم (عليهم السلام) في تلك الاخبار " قام بحذاء الامام " أو " يقوم بحذاء الامام " على القيام بجنبه كما في اتحاد المأموم دون ما قلناه. ولعل الاقرب حمل كلامه على امتلاء الصفوف على وجه لا يوجد في ذلك المكان موقف للمصلى، ويؤيده قول محمد بن الحسن " انه لا يعرف في ذلك اثرا في الحديث " ولو حمل على ما ذكرناه من وجود مكان في الصف الاخير فان الاخبار


(1) ص 14 (2) لم نقف على هذه العبارة في الفقيه في مظانها


[ 184 ]

دلت على انه يقوم في ذلك الصف كما يدل عليه قوله في رواية ابى الصباح المتقدمة " انما يبدو واحد بعد واحد " وفى رواية الفقيه " انما يبدو الصف واحدا بعد واحد " إلا انا لم نقف على ما يدل على القيام بجنب الامام حال تضايق الصفوف كما ذكره، وليس في الاخبار الواردة في المقام سوى هذا اللفظ اعني قوله: " يقوم بحذاء الامام " والظاهر انه فهم منه هذا المعنى الذى ذكره، وهو وان أوهمه ظاهر اللفظ في بادئ النظر إلا ان الظاهر منه انما هو ما ذكرناه، وهو الذى فهمه الاصحاب ايضا حيث انهم صرحوا بانه يكره للمأموم القيام وحده في صف إلا ان لا يجد موضعا في الصفوف فيجوز قيامه وحده من غير كراهة. لكن ظاهر كلامه في المنتهى الموافقة لما ذكره الصدوق، حيث قال: لو دخل المسجد ولم يجد مدخلا في الصف وقف وحده عن يمين الامام مؤتما لرواية سعيد الاعرج (1) وبه قال الشافعي في أحد القولين (2)... الى آخره. وهو كما ترى ظاهر في انه فهم من المحاذاة في الرواية المذكورة ونحوها انما هو القيام بجنب الامام. وظني بعده لما عرفت من ما شرحناه، ويؤيد ذلك الاخبار الدالة على انه متى كان المأموم اكثر من واحد فان حكمهم التأخر والقيام بحذاء الامام مخصوص بالمأموم المنفرد. إلا انه لا يخلو من شوب المناقشة بتخصيص هذه الصورة لعموم الحكم المذكور. وبالجملة فالحكم لا يخلو من شوب الاشكال لما عرفت من الابهام في ذلك اللفظ والاجمال وان كان الاقرب ما ذكرناه كما شرحناه. والله العالم.

ومنها - التنفل بعد قوله " قد قامت الصلاة " على المشهور ونقل عن الشيخ


(1) ص 182 (2) في نيل الاوطار ج 3 ص 198 باب ما جاء في صلاة الرجل فذا " وقد اختلف في من لم يجد فرجة ولا سعة في الصف ما الذى يفعل ؟ فحكى عن نصه في البويطى انه يقف منفردا ولا يجذب الى نفسه احدا... الى ان قال: وقال اكثر اصحاب الشافعي وبه قالت الهادوية انه يجذب الى نفسه واحدا ". ونحو ذلك في المجموع للنووي ج 4 ص 297


[ 185 ]

في النهاية وابن حمزة انهما منعا ذلك، قال في الذكرى: وقد يحمل على ما لو كانت الجماعة واجبة وكان ذلك يؤدى الى فواتها. والاظهر الاول لما رواه الشيخ والصدوق في الصحيح عن عمر بن يزيد (1) " أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرواية التى يروون انه لا ينبغى أن يتطوع في وقت فريضة ما حد هذا الوقت ؟ قال إذا أخذ المقيم في الاقامة. فقال له ان الناس يختلفون في الاقامة ؟ قال المقيم الذى تصلى معه ". وأنت خبير بان ظاهر الخبر ان الوقت المذكور لكراهة النافلة هو شروع المقيم في الاقامة التى هي عبارة عن الفصول السبعة عشرة، وعبارات الاصحاب تضمنت التحديد بقول " قد قامت الصلاة " ولا يخفى ما بينهما من المغايرة. ثم ان ظاهر الخبر وكلام الاصحاب ان الكراهة انما هي في ابتداء النافلة متى دخل الوقت المذكور أما لو دخل وهو مشتغل بها فالظاهر انه يتمها بغير كراهة في ذلك. وروى الحميرى في كتاب قرب الاسناد عن محمد بن عيسى والحسن بن ظريف وعلى بن اسماعيل كلهم عن حماد بن عيسى (2) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول قال ابى خرج رسول الله صلى الله عليه واله لصلاة الصبح وبلال يقيم وإذا عبد الله بن القشب يصلى ركعتي الفجر فقال له النبي صلى الله عليه واله يا ابن القشب أتصلى الصبح أربعا ؟ قال ذلك له مرتين أو ثلاثا ". وروى فيه عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن اخيه موسى عليه السلام (3) قال: " سألته عن رجل ترك ركعتي الفجر حتى دخل المسجد والامام قد قام في صلاته كيف يصنع ؟ قال يدخل في صلاة القوم ويدع الركعتين فإذا ارتفع النهار قضاهما ".


(1) الوسائل الباب 44 من الاذان والاقامة و 35 من مواقيت الصلاة (2) و (3) الوسائل الباب 44 من الاذان والاقامة


[ 186 ]

قال شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب البحار: الخبران يدلان على المنع من التنفل بعد الشروع في الاقامة وبعد اتمامها. اقول: من المحتمل قريبا عندي ان المنع من ذلك انما هو من حيث أن وقت صلاة ركعتي الفجر - كما قدمنا تحقيقه في موضعه من الاوقات - إنما هو قبل الفجر الثاني وانه لا يجوز تأخيرهما الى بعد الفجر لغير تقية وان كان خلاف المشهور بين أصحابنا كما اثبتنا ذلك بالاخبار المتقدمة ثمة، ولعله الى ذلك يشير قوله صلى الله عليه واله في الخبر الاول " أتصلى الصبح أربعا ؟ " بمعنى ان الوقت في النافلة قد خرج واختص بالفريضة وهى ركعتان فصلاتها فيه موجب لكون الفريضة في هذا الوقت أربعا.

ومنها - أن يخص نفسه بالدعاء لما رواه الشيخ في التهذيب مسندا والصدوق في الفقيه مرسلا (1) " ان رسول الله صلى الله عليه واله قال من صلى بقوم فاختص نفسه بالدعاء دونهم فقد خانهم ". والظاهر تخصيص الحكم المذكور بالدعاء الذى يخترعه الامام من نفسه أما لو أراد الدعاء ببعض الادعية المروية عنهم (عليهم السلام) فالظاهر الاتيان به على الكيفية الواردة تحصيلا لفضيلة الاتيان به على الوجه المنقول. والله العالم.

المطلب الثاني

في الامام

وفيه مسائل:

الاولى - يشترط فيه البلوغ والعقل والايمان وطهارة المولد والذكورة ان ام مثله والسلامة من الجذام والبرص والحد الشرعي والعدالة، وهذه الشروط قد تقدم البحث عنها وما يتعلق بها من الخلاف وذكر الادلة وتحقيق الحال بما يزيل عنها نقاب الاشكال في الفصل الاول في صلاة الجمعة من الباب الثالث فلا حاجة الى الاعادة هنا.


(1) الوسائل الباب 71 من صلاة الجماعة. ولفظ " دونهم " في الفقيه


[ 187 ]

وانما يبقى الكلام هنا في امامة المرأة، وقد عرفت اشتراط الذكورة في الامام إذا أم ذكرانا أو ذكرانا واناثا، وهو مما لا خلاف فيه وانما الخلاف في امامة المرأة بمثلها في الفريضة، اما النافلة التى تجوز الجماعة فيها فالظاهر منهم الاتفاق على جواز امامتها وانما محل الخلاف الفرائض، فالمشهور هو الجواز بل قال في التذكرة انه قول علمائنا أجمع، وذهب السيد المرتضى الى المنع وهو المنقول عن الجعفي وابن الجنيد، ونفى عنه البأس في المختلف واليه مال في المدارك. ومنشأ الخلاف المذكور اختلاف الاخبار في المقام، فالواجب اولا نقل الاخبار المشار إليها ثم الكلام في المسألة بما وفق الله سبحانه لفهمه منها: فمنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن جعفر عن اخيه عليه السلام (1) قال: " سألته عن المرأة تؤم النساء ما حد رفع صوتها بالقراءة والتكبير ؟ قال قدر ما تسمع " وعن سماعة بن مهران في الموثق (2) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة تؤم النساء ؟ فقال لا بأس به ". وعن عبد الله بن بكير في الموثق - وهو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه - عن بعض أصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام (3) " انه سئل عن المرأة تؤم النساء ؟ قال نعم تقوم وسطا بينهن ولا تتقدمهن ". وعن على بن يقطين باسناد فيه محمد بن عيسى اليقطينى - وفيه كلام - عن ابى الحسن الماضي عليه السلام (4) قال: " سألته عن المرأة تؤم النساء ما حد رفع صوتها بالقراءة والتكبير ؟ فقال بقدر ما تسمع ". وروى في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن على بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام (5) قال: " سألته عن المرأة تؤم النساء ما حد رفع صوتها بالقراءة ؟ قال قدر ما تسمع. قال: وسألته عن النساء هل عليهن الجهر بالقراءة


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 20 من صلاة الجماعة (4) و (5) الوسائل الباب 31 من القراءة في الصلاة


[ 188 ]

في الفريضة ؟ قال لا إلا أن تكون امرأة تؤم النساء فتجهر بقدر ما تسمع قراءتها " وهذه الاخبار كلها دالة على الجواز وظاهرها ان ذلك في الفريضة. ومنها - ما رواه الصدوق والشيخ في الصحيح عن هشام بن سالم (1) " انه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة هل تؤم النساء ؟ قال تؤمهن في النافلة فاما في المكتوبة فلا ولا تتقدمهن ولكن تقوم وسطهن. " وما رواه ثقة الاسلام والشيخ عن سليمان بن خالد في الصحيح (2) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة تؤم النساء ؟ فقال إذا كن جميعا امتهن في النافلة فاما المكتوبة فلا ولا تتقدمهن ولكن تقوم وسطا منهن ". وما رواه الصدوق عن زرارة في الصحيح عن ابى جعفر عليه السلام (3) قال: " قلت له المرأة تؤم النساء ؟ قال لا إلا على الميت إذا لم يكن أحد أولى منها تقوم وسطهن معهن في الصف فتكبر ويكبرن ". وما رواه الشيخ عن الحلبي في القوى عن ابى عبد الله عليه السلام (4) قال " تؤم المرأة النساء في الصلاة وتقوم وسطا منهن ويقمن عن يمينها وشمالها، تؤمهن في النافلة ولا تؤمهن في المكتوبة ". إذا عرفت ذلك فاعلم ان المحقق في المعتبر قد أجاب عن روايتي سليمان بن خالد والحلبي بانهما نادرتان لا عمل عليهما. واعترضه في المدارك بانه غير جيد لوجود القائل بمضومنهما وموافقتهما لصحيحة هشام المتقدمة مع أن الصدوق أوردها في كتابه، ومقتضى كلامه في أول كتابه الافتاء بمضمونها. والشهيد في الذكرى جمع بين الروايات بحمل اخبار المنع على نفى الاستحباب المؤكد لا مطلق الاستحباب. ولا يخفى ما فيه من البعد. وقال الفاضل الخراساني في الذخيرة: والاقرب في الجمع بين الاخبار أن يقال امامتهن في الفرائض جائزة ولكن الافضل تركها. وصاحب المدارك حيث كان يدور مدار الاسانيد ويتهافت عليها


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 20 من صلاة الجماعة


[ 189 ]

جمد على الروايات الاخيرة وطعن في روايتي سماعة وابن بكير بضعف السند واختار ما ذهب إليه المرتضى وابن الجنيد من جواز امامتهن في النوافل دون الفرائض ثم قال: ويشهد لهذا القول ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام)... ثم أورد الرواية المتقدمة الدالة على ان المرأة لا تؤم إلا على الميت اقول: والذى يخطر بالبال العليل ان ما اشتملت عليه الروايات الاخيرة من التفصيل بين النافلة والمكتوبة فيجوز في الاول دون الثانية فالمراد بالنافلة والمكتوبة انما هو الجماعة المستحبة والجماعة الواجبة فيكون كل من النافلة والمكتوبة صفة للجماعة لا للصلاة كما فهموه، وحينئذ فالمراد بالجماعة النافلة أي المستحبة كالصلاة اليومية لاستحباب الجماعة فيها، والمراد بالجماعة الواجبة كالجمعة والعيدين فانه لا يجوز امامة المرأة فيها اتفاقا نصا وفتوى، وعلى هذا تجتمع الاخبار وتكون الاخبار الاخيرة راجعة الى الاخبار الاولة الدالة على القول المشهور. والاستدلال بهذه الاخبار على ما ادعوه مبنى على جعل كل من النافلة والمكتوبة صفة للصلاة وهو غير متعين بل كما يجوز الحمل على ذلك يجوز الحمل على جعلها صفة للجماعة أي الجماعة المستحبة والجماعة الواجبة. ولا ينافى ذلك اطلاق المكتوبة فان المكتوبة بمعنى المفروضة الواجبة كما في قوله عزوجل " كتب عليكم الصيام " (1) أي فرض، وقوله: " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت " (2) أي فرض، وقوله: " ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " (3) فان الكتاب هنا مصدر بمعنى المفعول أي مكتوبا يعنى مفروضا. وبالجملة فان المكتوبة بمعنى المفروضة وهى كما يمكن جعلها صفة للصلاة يمكن أن تكون صفة للجماعة.

والذى يرجح ما قلناه من الحمل المذكور وجوه:

(أحدها) - ان فيه جمعا بين أخبار المسألة لاتفاقها واجتماعها على ما قلناه من جواز امامة المرأة في الصلاة اليومية


(1) سورة البقرة الآية 79 (2) سورة البقرة الآية 176 (3) سورة النساء الآية 104


[ 190 ]

والجمع بين الاخبار على وجه لا يطرح منها شئ أولى من اطراح بعضها كما هو اللازم من ما ذهب إليه المانع من جواز امامتها في اليومية. ولا ينافى ما قلناه من الاخبار المتقدمة إلا صحيحة زرارة وسيأتى ان شاء الله تعالى وجه الجواب عنها.

و (ثانيها) - انه قد روى الصدوق في الفقيه (1) قال: قال الحسن بن زياد الصيقل " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) كيف تصلى النساء على الجنائز إذا لم يكن معهن رجل ؟ قال يقمن جميعا في صف واحد ولا تتقدمهن امرأة. قيل ففى صلاة مكتوبة أيؤم بعضهن بعضا ؟ قال نعم " وهو كما ترى صريح في امامتهن في الصلاة اليومية، والرواية كما ترى من مرويات الفقيه التى اعترف كما تقدم في كلامه انها تكون من ما يفتى به ويعمل عليه (2) ويعضد هذه الرواية صحيحة على بن جعفر المتقدمة ورواية على بن يقطين. وهو قد اعترف بذلك في صحيحة على بن جعفر حيث انه - بعد أن طعن في روايتي سماعة وعبد الله بن بكير - قال: نعم يمكن الاستدلال عليه بما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن جعفر... ثم ساق الخبر كما قدمناه. ولا يخفى انه مع العمل بهذه الاخبار الاخيرة بناء على حمل المكتوبة فيها على الصلاة المكتوبة كما يدعونه فان اللازم طرح تلك الاخبار الدالة على الجواز رأسا مع ما عرفت من كثرتها وصحة بعضها واعتضادها بالشهرة بين الاصحاب بل دعوى الاجماع، والجمع بين الخبرين مهما أمكن أولى من طرح أحدهما رأسا.

وثالثها - ان المستفاد من الاخبار - كما قدمنا تحقيقه في المسألة الاولى من المطلب الاول - هو تحريم الجماعة في النافلة مطلقا إلا ما استثنى كما عليه اتفاق الاصحاب (رضوان الله عليهم) وان كان ظاهر كلام السيد المذكور ثمة اختيار الجواز إلا انا قد أوضحنا بطلانه وهدمنا بنيانه، وحينئذ فمتى حملت هذه الاخبار على ما يدعونه من جواز امامة المرأة في النافلة دون الفريضة لزم مخالفتها لتلك الاخبار الكثيرة


(1) الوسائل الباب 25 من صلاة الجنارة (2) تقدم منه " قدس سره " ج 9 ص 115 خروجه عن هذه القاعدة في مواضع عديدة


[ 191 ]

المعتضدة باتفاق الاصحاب الدالة على تحريم الجماعة في النافلة ومخالفتها لهذه الاخبار الدالة هنا على جواز امامة المرأة في اليومية، مع ما عرفت من شهرة القول بها بين الاصحاب بل ادعى عليه الاجماع، ومتى حملنا هذه الاخبار على المعنى الذى ذكرناه فلا تعارض ولا اشكال في البين وبه يزول التنافر والاختلاف من الجانبين وتكون هذه الاخبار الثلاثة التى أوردها موافقة للمشهور في المسألتين، وعلى تقدير ما ذكره تكون معارضة كما عرفت باخبار الطرفين مع كون عمل الاصحاب كما عرفت انما هو على تلك الاخبار في الموضعين. ومن أجل ذلك نسب في المعتبر روايتي سليمان بن خالد والحلبي الى الشذوذ والندرة كما عرفت، وبمثله صرح العلامة في المنتهى ايضا. وهو جيد إلا ان ما حملناها عليه أجود لان فيه أعمالا للدليلين بحسب الامكان من غير طرح شئ في البين.

ورابعها - انه متى حملت النافلة هنا على صلاة النافلة كما يدعونه فلا يخلو إما أن يراد بها النافلة التى استثنيت من تحريم الجماعة في النافلة وهو صلاة الاستسقاء والعيدين كما زعموه وانه يجوز امامة المرأة في هاتين الصلاتين كما يفهم من كلام شيخنا الشهيد الثاني في الروض من الاتفاق عليه، أو يراد بها مطلق النافلة راتبة أو غير راتبة كما يفهم من صاحب المدارك الميل إليه. والاول أبعد بعيد من اخبار الصلاتين المذكورتين، مضافا الى ما عرفت من عدم ثبوت ذلك في صلاة العيدين. والثانى من ما يلزم منه تفضيل النساء على الرجال حيث انه يسوغ لهن من الامامة في الجماعة ما لا يجوز مثله للرجال مع ان المعهود من الشرع خلافه لنقصانهن في جميع الموارد. وكيف كان كما قيل في ارخاء العنان فانه وان لم يكن ما ذكرناه في هذه الاخبار من المعنى المذكور متعينا أو مترجحا لما أوضحناه فلا أقل من أن يكون مساويا لما ذكروه وهو كاف في دفع الاستدلال. واما صحيحة زرارة التى نقلها عن الفقيه فالاظهر حملها على التقية وكذا كل ما دل على المنع من امامة المرأة، لان جل العامة على المنع من امامتها لكن كراهة


[ 192 ]

عند بعض وتحريما عند آخرين في الفريضة دون النافلة كما هو قول المرتضى، والقول بالجواز في الفريضة كما هو المشهور عندنا قول الشافعي خاصة واحمد في احدى الروايتين كما نقله في المنتهى، واما القول بالكراهة فنقله عن عائشة وام سلمة وعطاء والثوري والاوزاعي واسحاق وابى ثور واحمد في الرواية الاخرى وابى حنيفة ومالك، قال وحكى عن نافع وعمر بن عبد العزيز، واما القول بالتفصيل كما ذهب إليه المرتضى (قدس سره) فنقله عن الشعبى والنخعي وقتادة (1) ومن ذلك يظهر لك ان جل العامة على القول بالمنع من امامتها وان كان كراهة عند بعض وتحريما عند آخرين، وهو وجه وجيه في الجمع بين اخبار المسألة. وأنت إذا تأملت بعين الحق والانصاف وجدت انه لا سبب للاضطراب في هذه الاخبار ونحوها والاختلاف إلا التقية التى عمت بها البلية وصارت أعظم سبب في الاختلاف في الاحكام الشرعية، وشهرة الحكم في الصدر الاول بالجواز من أظهر المرجحات لكون ذلك مذهبهم (صلوات الله عليهم) كما تقدمت الاشارة إليه في غير موضع. والله العالم.


(1) لا يخفى ان عبارة المنتهى ج 1 ص 368 لا ظهور لها في نقل الكراهة عن عائشة ومن بعدها وانما ظاهرها نقل الكراهة عن احمد في روايته الاخرى وابى حنيفة ومالك ونافع وعمر بن عبد العزيز، وهذه عبارته: يجوز ان تؤم المرأة النساء في الفرض والنفل الذى فيه تسن الجماعة، ذهب إليه اكثر علمائنا وهو مستحب عندنا وبه قال الشافعي واحمد في احدى الروايتين وروى عن عائشة... الى ان قال: وقال احمد في الرواية الاخرى انه مكروه وان فعلن اجزأهن وهو قول ابى حنيفه... الى آخر ما نقل في الكتاب. وعلى طبق ما استظهرناه من العبارة جاء النقل في المجموع لنووي الشافعي ج 4 ص 199 والمحلى ج 3 ص 128 فان الكراهة لم تنفل فيهما عن عائشة ومن بعدها الى ابى ثور. ولمعرفة مذهب الشافعي واحمد زيادة على ذلك يرجع الى الام ج 1 ص 145 والانصاف ج 2 ص 212، ونقل في الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 305 عن المالكية انه لا يصح ان تكون المرأة اماما لرجال أو نساء لا في فرض ولا في نقل. وكذا نقل في المجموع والمحلى عن مالك المنع مطلقا


[ 193 ]

المسألة الثانية - من الشرائط في الامامة الذكورة والقيام والقراءة والاتقان ان ام مثله، وتفصيل هذه الجملة يقع في مواضع: الاول - انه لا يؤم القاعد القائم وانما يؤم مثله، وهو قول علمائنا أجمع على ما حكاه العلامة في التذكرة. وعليه يدل ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (1) قال: " قال أبو جعفر عليه السلام ان رسول الله صلى الله عليه واله صلى باصحابه جالسا فلما فرغ قال: لا يؤمن أحدكم بعدى جالسا. قال وقال: الصادق عليه السلام كان النبي صلى الله عليه واله وقع عن فرس فشج شقه الايمن فصلى بهم جالسا في غرفة أم ابراهيم ". ومن غفلات صاحب الوسائل انه تفرد بالقول بالكراهة: فقال في كتاب الوسائل: باب كراهة امامة الجالس القيام وجواز العكس (2) ثم أورد الرواية الاولى، مع اجماع الاصحاب كما عرفت على التحريم وصراحة الخبر المذكور في ذلك من غير معارض يوجب تأويله. واستدل جملة من الاصحاب على الحكم المذكور بما رواه الشيخ عن السكوني عن ابى عبد الله عن ابيه (عليهما السلام) (3) قال: " قال أمير المؤمنين عليه السلام لا يؤم المقيد المطلقين ولا صاحب الفالج الاصحاء ". قالوا: وكذا الكلام في جميع المراتب لا يؤم الناقص الكامل فلا يجوز اقتداء الجالس بالمضطجع. والاستدلال بهذه الرواية بناء على ما ذيلوها به مبنى على كون العلة في منعه صلى الله عليه واله من امامة الجالس القائم انما هو من حيث نقصان صلاة الجالس عن صلاة القائم ولا يخفى ان هذه العلة إنما هي مستنبطة إذ لا اشعار في النص بها وإلا لاقتضى ذلك عدم جواز امامة المتيمم بالمتوضئ والمسافر بالحاضر. والظاهر انه الى ما ذكرناه يشير كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة بعد نقل


(1) و (2) الوسائل الباب 25 من صلاة الجماعة (3) الوسائل الباب 22 من صلاة الجماعة. ويرويه الشيخ عن الكليني


[ 194 ]

ما نقلناه عنهم بقوله: هكذا اشتهر بين الاصحاب. وبالجملة فان الدليل على الحكم المذكور انما هو الرواية الاولى، واما امامة الناقص الكامل بقول مطلق جوازا وتحريما فلم أقف فيه على نص. وأما بالنسبة الى جزئيات هذه الكلية فهو يدور مدار النصوص وجودا وعدما جوازا وتحريما. قالوا: واطلق الشيخ في الخلاف جواز امامة العارى بالمكتسى. وقال العلامة في التذكرة: ان اقتدى بالعارى مكتس عاجز عن الركوع والسجود جاز لمساواته له في الافعال. قال في المدارك: وهو يتم إذا قلنا ان المانع من الاقتداء بالعارى عجزه عن الاركان واما إذا علل بنقصه من حيت الستر فلا. انتهى. وفيه إشارة الى ما قدمنا ذكره عنهم. والحق في المسألة المذكورة ان المأموم في هذه الصورة ان كان فرضه شرعا الصلاة جالسا كامامه فلا بأس بائتمامه، لان فرض الامام وفرضه الجلوس فيدخلان تحت الاخبار الدالة على جواز امامة الجالس بالجالس من ذوى الاعذار. ولا يضر هنا نقص صلاة الامام من حيث كونه عاريا والمأموم مكتس إذ لا دليل على هذه العلة كما عرفت، وان كان فرضه الاتيان بالاركان من قيام وقعود وركوع وسجود فالظاهر المنع لخبر الرسول صلى الله عليه واله. الثاني - المشهور انه لا يجوز امامة اللاحن في قراءته ولا المبدل حرفا بغيره بالمتقن سواء كان اللحن مغيرا للمعنى كضم تاء " انعمت " أم لا كفتح دال " الحمد " تمكن من الاصلاح أو لم يتمكن، واطلق الشيخ كراهة امامة من يلحن في قراءته، قال في المبسوط يكره امامة من يلحن في قراءته سواء كان في الحمد أو غيرها احال المعنى أو لم يحل إذا لم يحسن اصلاح لسانه، فان كان يحسن وتعمد اللحن فانه تبطل صلاته وصلاة من خلفه إذا علموا بذلك. وظاهر ابن ادريس اختصاص المنع بما يحيل المعنى حيث قال: لا يجوز امامة اللحنة الذى يغير بلحنه معاني القرآن. وقال العلامة في المختلف: الوجه عندي انه لا يصح أن يكون اماما، اما إذا


[ 195 ]

تعمد فلان صلاته باطلة لانه لم يقرأ القرآن كما انزل، وأما إذا لم يتمكن فلانه بالنسبة الى الاعراب كالاخرس فكما لا تصح امامة الاخرس لا تصح امامة من لا يتمكن من الاعراب. ثم قال: احتج بان صلاته صحيحة فجاز أن يكون اماما. والجواب المنع من اللازمة كالاخرس. انتهى. وعلى هذا جرى كلام الاكثر كما عرفت. وكذا الكلام بالنسبة الى المبدل حرفا بغيره كالالثغ بالثاء المثلثة وهو الذى يبدل حرفا بغيره، وربما خص بمن يبدل الراء لاما، والارت وهو الذى يجعل اللام تاء، وفى حكمه الاليغ بالياء المثناة التحتانية وهو الذى لا يبين الكلام ولا يأتي بالحروف على الصحة، وكذا التمتام والفأفاء وهو من لا يحسن تأدية التاء والفاء إلا بترديدهما مرتين فصاعدا، وقيل من لا يحسن تأدية التاء والفاء أو يبدلهما بغيرهما. وهؤلاء كلهم ما عدا التمتام والفأفاء لا تصح امامتهم عند الاصحاب إلا بامثالهم أما الفردان المذكوران فقد صرح غير واحد منهم بجواز امامتهما مطلقا قالوا لان هذه الزيادة الحاصلة من الترديد زيادة غير مخرجة عن صحة القراءة وكرهه بعض الاصحاب، قال المحقق في المعتبر: اما التمتام والفأفاء فالائتمام بهما جائز لانه يكرر الحرف ولا يسقطه. ومقتضى كلامه ان التمتام هو الذى لا يتيسر النطق بالتاء إلا بعد ترديدها مرتين فصاعدا. وبهذا التفسير والحكم صرح العلامة في التذكرة والمنتهى لكنه حكم في التذكرة بكرامة امامته لمكان هذه الزيادة. وقال في المنتهى: ولو كان لثغة خفيفة تمنع من تخليص الحرف ولكن لا يبدله بغيره امكن أن يقال بجواز امامته بالقارئ. ونحوه قال في التذكرة ولكنه جزم بالجواز. وقال في الذكرى: اما من به لثغة تمنع من تخليص الحرف ولا تبلغ به تبديله بغيره فجائز امامته للقارئ وان كان القارئ أفضل لان ذلك يعد قرآنا. قال في المدارك: ويشكل بان من لم يخلص الحرف لم يكن آتيا بالقراءة على الوجه المعتبر فلا تكون


[ 196 ]

قراءته كافية عن قراءة المأموم كالمبدل. قيل: وهل يجب على اللاحن والمبدل للحرف بغيره مع العجز عن الاصلاح الائتمام بالمتقن ان تمكن منه ؟ وجهان من توقف الواجب على ذلك فيكون واجبا، ومن اصالة البراءة، واطلاق قوله عليه السلام (1) في صحيحة زرارة والفضيل " وليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلها ". والمسألة بجميع شقوقها لا تخلو من توقف وتأمل لعدم النصوص الواضحة في المقام. الثالث - انه لا خلاف في انه لا يجوز أن تؤم المرأة الرجل، نقل ذلك غير واحد من الاصحاب، واستدلوا عليه بما روى عن النبي صلى الله عليه واله (2) قال: " لا تؤم المرأة رجلا " وعنه صلى الله عليه واله (3) قال: " اخروهن من حيث اخرهن الله " قالوا ويؤيده ان المرأة مأمورة بالستر والحياء والامامة للرجال تقتضي خلافه. وأنت خبير بما في هذا الاستدلال، اما الخبران فالظاهر انهما ليسا من طريقنا إذ لم أقف عليهما في أخبارنا. وأما التعليل الاخير فعليل. والاظهر في الاستدلال على ذلك انما هو ما قدمناه في المقدمة السادسة في المكان من الاخبار الدالة على عدم جواز محاذاة المرأة للرجال ولا تقدمها عليه، مضافا الى أن العبادات مبنية على التوقيف ولم يرد عن صاحب الشريعة فعل ذلك


(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الجماعة. (2) سنن البيهقى ج 2 ص 90 (3) المغنى ج 2 ص 243، وفى البحر الرائق ج 1 ص 354 نسب الحديث الى ابن مسعود والحنفية يذكرونه مرفوعا وابن همام منع رفعه بل هو موقوف على ابن مسعود. وفى المقاصد الحسنة للسخاوي ص 28 رقم 41 " من الغلط نسبته للصحيحين ولدلائل النبوة للبيهقي ولمسند رزين ولكن في مصنف عبد الرزاق ومن طريقه الطبراني من قول ابن مسعود... " وفى موضوعات ملا على القارئ ص 19: في الهداية حديث مشهور وقال ابن همام لا يثبت رفعه فضلا عن شهرته، والصحيح انه موقوف على ابن مسعود.


[ 197 ]

ولا الامر به. ولكن لما كان المشهور بين متأخرى اصحابنا هو كراهة المحاذاة والتقدم دون التحريم التجأوا الى الاستدلال هنا بهذه الادلة المذكورة. ثم انه كما لا يجوز أن تؤم الرجل لا يجوز أن تؤم الخنثى ايضا لاحتمال الذكورية ولا خنثى بمثله لاحتمال الانوثية في الامام والذكورية في المأموم فلا تحصل المماثلة. ونقل في الذكرى عن ابن حمزة انه جوز ذلك لتكافؤ الاحتمالين فيهما والاصل الصحة. قال: وجوابه ان من صور الامكان تخالفهما في الذكورة والانوثة كما قلناه والاصل وجوب القراءة على المصلى إلا بعد العلم بالمسقط. هذا. وروى في كتاب دعائم الاسلام (1) عن على عليه السلام قال: " لا تؤم المرأة الرجال ولا تؤم الخنثى الرجال ولا الاخرس المتكلمين ولا المسافر المقمين " وروى في موضع آخر عنه عليه السلام ايضا (2) قال: " لا تؤم المرأة الرجال وتصلى بالنساء ولا تتقدمهن، تقوم وسطا منهن ويصلين بصلاتها " والله العالم.

المسألة الثالثة - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان صاحب الامارة والمسجد والمنزل أحق وأولى بالامامة في هذه الموارد الثلاثة، والمراد بصاحب الامارة من كانت امارته شرعية بمعنى انه منصوب من قبل المعصوم عليه السلام فانهم (عليهم السلام) في وقت تمكنهم وسلطتهم كانوا يعينون امراء للبلدان للامر والنهى والحكم بين الرعية والجمعة والجماعة ونحو ذلك. والمراد بصاحب المسجد يعنى الامام الراتب فيه، وصاحب المنزل ساكنه وان لم يكن ملكا له. قالوا: وكذا الهاشمي أولى من غيره ممن لم يكن كذلك. وصرح بعضهم بان امام الاصل مع حضوره أولى من الجميع. وتفصيل هذه الجملة يقع في مواضع: (أحدها) - ما ذكروه - من أولوية هؤلاء الثلاثة الاول على غيرهم عدا الامام الاعظم وان كان ذلك الغير أفضل منهم -


(1) ج 1 ص 183 طبع مصر (2) مستدرك الوسائل الباب 18 من صلاة الجماعة.


[ 198 ]

من ما لا خلاف فيه عندهم، وقد صرح بذلك العلامة في جملة من كتبه، وقال في المنتهى انه لا يعرف فيه خلافا. واستدلوا عليه بالنسبة الى صاحب الامارة والمنزل بما سيأتي ان شاء الله تعالى في رواية ابى عبيدة (1) من قوله عليه السلام: " ولا يتقدمن أحدكم الرجال في منزله ولا صاحب سلطان في سلطانه ". واما بالنسبة الى امام المسجد الراتب فعللوه بان المسجد يجرى مجرى منزله، ولان تقدم غير الراتب عليه يورث وحشة وتنافرا فيكون مرجوحا. اقول: والاظهر الاستدلال عليه بما ذكره الرضا عليه السلام في كتاب الفقه الرضوي، والظاهر انه هو المستند لما صرح به المتقدمون من هذا الحكم كما عرفت في غير موضع إلا انه لما لم يصل ذلك الى المتأخرين عللوه بما عرفت. حيث قال عليه السلام في موضع من الكتاب (2) " ان رسول الله صلى الله عليه واله قال صاحب الفراش أحق بفراشه وصاحب المسجد أحق بمسجده " وقال في باب صلاة الجماعة " اعلم ان أولى الناس بالتقدم في الجماعة اقرؤهم... الى أن قال: وصاحب المسجد أولى بمسجده " وقال في كتاب دعائم الاسلام (3) " وعن رسول الله صلى الله عليه واله انه قال: يؤمكم اكثركم نورا - والنور القرآن - وكل أهل مسجد أحق بالصلاة في مسجدهم إلا أن يكون أمير حضر فانه أحق بالامامة من أهل المسجد " وعن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (4) انه قال: يؤم القوم اقدمهم هجرة... الى أن قال: وصاحب المسجد أحق بمسجده " ولو اجتمع صاحب الامارة مع صاحب الراتبة أو صاحب المنزل فقد قطع


(1) الوسائل الباب 28 من صلاة الجماعة (2) ص 11 و 14 (3) و (4) مستدرك الوسائل الباب 25 من صلاة الجماعة


[ 199 ]

الشهيد الثاني بكونه أولى منهما، ولا يخلو من توقف. بقى الاشكال في انه قد تقدم في روايتي معاوية بن شريح والحناط المتقدمتين في آخر المسألة الحادية عشرة من مسائل المطلب الاول (1) " انه إذا قال المؤذن " قد قامت الصلاة " يقوم القوم على ارجلهم ويقدموا بعضهم ولا ينتظروا الامام حتى يجئ " ومن الظاهر أن ذلك هو في المسجد وحينئذ فلو كان امام المسجد أحق لم يسارعوا الى تقديم غيره. اللهم إلا أن يقال ان أحقيته انما هي مع الحضور لا مع الغيبة. وفيه ما لا يخفى فان حقه لا يفوت بمثل هذه المسارعة. ويؤيد ما قلناه ما صرح به شيخنا الشهيد في الذكرى حيث قال: ولو تأخر الامام الراتب استحب مراسلته ليحضر أو يستنيب، ولو بعد منزله وخافوا فوت وقت الفضيلة قدموا من يختارونه... الى أن قال: ولو حضر بعد صلاتهم استحب اعادتها معه لما فيه من اتفاق القلوب مع تحصيل الاجتماع مرتين. انتهى. وبنحو ذلك صرح غيره ايضا. وما ذكره اخيرا من استجاب الاعادة معه بعد حضوره مبنى على ما قدمنا نقله عنه من استجاب ترامى الجماعة. وفيه ما مر. على ان الخبرين المذكورين غير خاليين ايضا من الاشكال وان لم يتنبه له أحد من علمائنا الابدال، وذلك فان الظاهر من الاخبار وكلام الاصحاب ان الاذان والاقامة في الجماعة انما هما من وظائف صلاة الامام ومتعلقاتها ولا تعلق لصلاة المأمومين بشئ منهما، غاية الامر انه قد يقوم بهما الامام كلا أو بعضا وقد يقوم بهما بعض المأمومين كلا أو بعضا، وحينئذ فما لم يكن الامام حاضرا فلمن يؤذن هذا المؤذن ويقيم المقيم. واشكل من ذلك أن في رواية معاوية بن شريح بعد ذكر ما تقدم " قلت فان كان الامام هو المؤذن ؟ قال وان كان فلا ينتظرونه ويقدموا بعضهم " وكيف


(1) ص 179


[ 200 ]

يستقيم هذا وهو الذى قد أذن وأقام وعند قوله: " قد قامت الصلاة " قام الناس على أرجلهم فاين ذهب بعد ذلك حتى ينتظرونه أو لا ينتظرونه. وبالجملة فجميع ما ذكرنا من وجوه هذه الاشكالات ظاهر لاريب فيه، والاعتماد على هذين الخبرين بعد ما عرفت من ثبوت حقية الامام الراتب بالاخبار المتقدمة مضافا الى اتفاق الاصحاب مشكل غاية الاشكال. والله العالم.

وثانيها - ان ما ذكره بعضهم من أنه مع حضور امام الاصل فانه أولى بالامامة من ما لاريب فيه ولا شبهة تعتريه، لانه صاحب الرئاسة العامة وهو ولى الامور الاولى بالناس من انفسهم. ولو منعه مانع فاستناب فلاريب ان نائبه هو الاولى لترجحه بتعيين الامام له فانه لا يستنيب إلا الراجح أو المساوى، ومع رجحانه فالامر ظاهر ومع التساوى فالمرحج له التعيين، فعلى الاول فيه مرجحان وعلى الثاني مرجح واحد.

وثالثها - ولو أذن أحد الثلاثة المتقدم ذكرهم لغيره كان هو الاولى، قال في المنتهى: لو اذن المستحق من هؤلاء في التقدم لغيره جاز وكان أولى من غيره إذا اجتمع الشرائط، ولا نعرف فيه خلافا لانه حق له فله نقله الى من شاء. قال في الذخيرة: وقد جزم الشهيدان بانتفاء كراهة تقدم الغير معللا بان أولويتهم ليست مستندة الى فضيلة ذاتية بل الى سياسة أدبية. واستشكل ذلك بانه اجتهاد في مقابلة النص. اقول: من المحتمل قريبا ان الاولوية التى دل عليها النص المشار إليه انما هي عبارة عن أحقيته بالصلاة والتقدم من غيره بالنسبة الى نفسه فلو أراد غيره التقدم عليه كان على خلاف ما ورود به النص لا ان ذلك بالنسبة الى نائبه، والظاهر ان بناء كلام الشهيدين على هذا وبه يعلم سقوط ما اعترض به عليهما من انه اجتهاد في مقابل النص، إذ لا دلالة في النص على أزيد من ما ذكرناه. قال في الذكرى: وهل الافضل لهم الاذن للاكمل منهم أو الافضل لهم


[ 201 ]

مباشرة الامامة ؟ لم أقف فيه على نص، وظاهر الادلة يدل على ان الافضل لهم المباشرة، فحينئذ لو اذنوا فالافضل للمأذون له رد الاذن ليستقر الحق على أصله. انتهى. اقول: ما ذكره (قدس سره) من ان ظاهر الادلة يدل على ان الافضل لهم المباشرة دون الاذن لا يخلو من شوب النظر، فان الخطاب هنا انما توجه الى من عداهم بان الاولى أن لا يتقدموهم في هذه المواضع الثلاثة ويراعوا حقهم فيها ويحترموهم ويوقروهم، وهذا لا ينافى أفضلية اذنهم لمن كان أعلم وافقه وأفضل واتقى واورع عملا بالآيات والاحاديث الآتية الدالة على أولوية صاحب هذه الصفات وحينئذ فالافضل للناس هو ارجاع أمر الامامة لهم، وبهذا يحصل امتثال ما دل عليه الخبر المشار إليه فان تعظيمهم واحترامهم يحصل بمجرد هذا. والافضل لهم ان يأذنوا لمن كان بالصفات المذكورة عملا بالآيات والاخبار المشار إليها فلا منافاة.

ورابعها - قال الشيخ في المبسوط: إذا حضر رجل من بنى هاشم كان أولى بالتقديم إذا كان ممن يحسن القرآن. وقال في الذكرى بعد نقل عنه: والظاهر انه أراد به على غير الامير وصاحب المنزل والمسجد مع انه جعل الاشرف بعد الافقه الذى هو بعد الاقرأ والظاهر انه الاشرف نسبا، وتبعه ابن البراج في تقديم الهاشمي وقال بعده: ولا يتقدمن أحد على أميره ولا على من هو في منزله أو مسجد، وجعل أبو الصلاح بعد الافقه القرشى، وابن زهرة جعل الهاشمي بعد الافقه، وفى النهاية لم يذكر الشرف وكذا المرتضى وابن الجنيد وعلى بن بابويه وابنه وسلار وابن ادريس والشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد وابن عمه في المعتبر، وذكر ذلك في الشرائع واطلق وكذا الفاضل في المختلف وقال انه المشهور يعنى تقديم الهاشمي، ونحن لم نره مذكورا في الاخبار إلا ما روى مرسلا أو مسندا بطريق غير معلوم من قول النبي صلى الله عليه واله (1) " قدموا قريشا


(1) الجامع الصغير ج 2 ص 85 ويرجع الى التعليقة 2 ص 395 ج 10


[ 202 ]

ولا تقدموها " وهو على تقدير تسليمه غير صريح في المدعى، نعم هو مشهور في التقديم في صلاة الجنازة كما سبق من غير رواية تدل عليه. نعم فيه اكرام لرسول الله صلى الله عليه واله إذ تقديمه لاجله نوع اكرام، واكرام رسول الله صلى الله عليه واله وتبجيله من ما لا خفاء في أولويته. انتهى كلامه في الذكرى. وما ذكره من عدم الوقوف على نص في الهاشمي في هذا المقام جيد واما في صلاة الجنازة فقد قدمنا (1) وجود النص بذلك في كتاب الفقه الرضوي واوضحنا ان كلام على بن بابويه الذى تبعه الاصحاب في مقام مأخوذ من عبارة الكتاب المذكور. والله العالم.

المسألة الرابعة - قد ذكر جملة من الاصحاب: منهم - السيد السند في المدارك انه إذا تشاح الائمة في الامامة فاما أن يكره المأمومون امامة بعضهم واما أن يختاروا امامة واحد باسرهم واما أن يختلفوا في الاختيار: فان كرهه جميعهم لم يؤمهم لقوله عليه السلام (2) " ثلاثة لا يقبل الله لهم صلاة أحدهم من تقدم قوما وهم وله كارهون " وان اختار الجميع واحدا فهو أولى لما فيه من اجتماع القلوب وحصول الاقبال بالمطلوب. وان اختلفوا فقد أطلق الاكثر المصير الى الترجيح بالمرجحات الآتية، وقال في التذكرة: انه يقدم اختيار الاكثر فان تساووا طلب الترجيح. قال في الذكرى: وفى ذلك تصريح بان ليس للمأمومين أن يقتسموا الائمة ويصلى كل قوم خلف من يختارونه لما فيه من الاختلاف المثير للاحن. هكذا ذكروا (رضوان الله عليهم). واستندوا في الترجيح في مقام الاختلاف الى ما رواه ثقة الاسلام في الكافي عن ابى عبيدة (3) قال: " سألت أبا عبد لله عليه السلام عن القوم من اصحابنا يجتمعون


(1) ج 10 ص 396 عن الفقه الرضوي ص 19 (2) الوسائل الباب 27 من صلاة الجماعة. وفيه " ام قوما " (3) الوسائل الباب 28 من صلاة الجماعة


[ 203 ]

فتحضر الصلاة فيقول بعضهم لبعض تقدم يا فلان ؟ فقال ان رسول الله صلى الله عليه واله قال يتقدم القوم اقرأهم للقران فان كانوا في القراءة سواء فاقدمهم هجرة فان كانوا في الهجرة سواء فاكبرهم سنا فان كانوا في السن سواء فليؤمهم اعلمهم بالنسبة وأفقههم في الدين. ولا يتقدمن أحدكم الرجل في منزله ولا صاحب سلطان في سلطانه ". اقول: وعندي في ما ذكروه (رضوان الله عليهم) من التفصيل في هذا المقام نظر لا يخفى على من تأمل من ذوى الافهام، فان ما ذكروه من هذا التفصيل - باتفاق المأمومين واختلافهم وانه مع تشاح الائمة في الامامة يؤخذ باتفاق المأمومين ونحو ذلك من ما هو مذكور - لا أعرف له وجها ولا عليه دليلا إلا مجرد اعتبارات تخريجية لا تصلح مستندا للاحكام الشرعية، والنص المذكور الذى هو المستند في هذا المقام قد دل على ان الاحق بهذا المقام والاولى بان يكون الامام هو من كان اقرأ... الى آخر ما تضمنه الخبر من المراتب، ولا تعلق لذلك باتفاق المأمومين ولا باختلافهم ولا رضاهم ولا كراهتهم ولا تشاح الائمة ولا عدمه، فلو فرض وجود أئمة متعددين وحصول المشاحة بينهم فلا وجه للترجيح بينهم بالاتفاق على من لم يكن على الصفة المذكورة في الخبر لان فيه ردا للنص المذكور. وأولى بالعدم الترجيح باختيار الاكثر. ولا معنى لتشاح الائمة مع كون النبي صلى الله عليه واله قد قرر لهم ودلهم على ان صاحب هذا المقام هو من كان متصفا بتلك الصفة، بل الاولى لهم ان كانوا على الطريقة القويمة ومن العاملين بالسنة المستقيمة هو تقديم من كان كذلك عملا بما رسمه لهم، إلا فقد خالفوا الوظائف الشرعية ورجع تشاحهم الى التكالب على الرئاسة الدنيوية إلا ان يدعى كل واحد منهم انه المتصف بذلك دون غيره وهو خارج عن ما نحن فيه. واما مسألة كراهة المأمومين الامام فلا تعلق لها بهذا المقام. وبالجملة فكلامهم هنا لا أعرف له مزيد فائدة.

بقى الكلام هنا في مواضع:

(الاول) في مادل عليه الخبر المذكور من هذه المراتب المذكورة.


[ 204 ]

والذى وقفت عليه زيادة على الخبر المذكور ما صرح به الرضا عليه السلام في كتاب الفقه حيث قال (1): وان اولى الناس بالتقديم في الجماعة اقرأهم للقرآن وان كانوا في القرآن سواء فافقههم وان كانوا في الفقه سواء فاقربهم هجرة وان كانوا في الهجرة سواء فاسنهم فان كانوا في السن سواء فاصبحهم وجها. وصاحب المسجد أولى بمسجده. انتهى. وروى في كتاب دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (2) قال: " يؤم القوم أقدمهم هجرة فان استووا فاقرأهم فان استووا فافقههم فان استووا فاكبرهم سنا ". إذا عرفت ذلك فاعلم ان المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) هو تقديم الاقرأ على الافقه كما دلت عليه هذه الاخبار، وذهب جملة من الاصحاب: منهم - العلامة في المختلف الى العكس، وعليه جملة من افاضل متأخرى المتأخرين كالسيد السند في المدارك والفاضل الخراساني في الذخيرة والمحدث الكاشانى والمحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي وغيرهم، وهو الحق الحقيق بالاتباع وان كان قليل الاتباع للادلة العقلية والنقلية كتابا وسنة كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى. قال في المختلف: لنا - ان الافقه اشرف واعلم باركان الصلاة وامكان تدارك السهو ومراتبه وكيفية الصلاة فيكون أولى بالتقديم، قال الله تعالى: " قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون " (3). وما رواه العرزمى عن ابيه رفع الحديث الى النبي صلى الله عليه واله (4) قال: " من أم قوما وفيهم من هو أعلم منه لم يزل أمرهم الى سفال الى يوم القيامة ".


(1) ص 14 (2) مستدرك الوسائل الباب 25 من صلاة الجماعة. وفى آخره هكذا " وصاحب المسجد أحق بمسجده " كما تقدم ص 198 (3) سورة الزمر الآية 12 (4) الوسائل الباب 26 من صلاة الجماعة.


[ 205 ]

ولانه يستحب تقديم أهل الفضل واولى النهى في الصفوف بقرب الامام لينبهوه على الغلط والسهو ولمزية شرفهم على غيرهم. ثم نقل رواية جابر بذلك عن الباقر عليه السلام (1) ثم نقل رواية ابى عبيدة (2) وتأولها بتأويل لا يخلو من البعد. اقول: ومن ما يدل على ما اخترناه ما لا خلاف فيه بين الامامية من قبح تقديم المفضول على الفاضل. ونقل في الذكرى عن ابن ابى عقيل انه قال: ولا يؤم المفضول الفاضل ولا الاعرابي المهاجر ولا الجاهل العالم. ثم قال في الذكرى: وقول ابن ابى عقيل بمنع امامة المفضول بالفاضل ومنع امامة الجاهل بالعالم ان أراد به الكراهة فحسن وان أراد به التحريم أمكن استناده الى أن ذلك يقبح عقلا، وهو الذى اعتمد عليه محققو الاصوليين في الامامة الكبرى، ولقول الله تعالى " أفمن يهدى الى الحق أحق ان يتبع امن لا يهدى إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون " (3) وللخبرين المتقدمين في كلام ابن بابويه. انتهى. وظاهره احتمال التحريم في المسألة احتمالا قويا لمطابقة الدليل العقلي للدليل النقلي كتابا وسنة. وتقريب الاستدلال بالآية المذكورة انها خرجت مخرج الانكار على من يحكم بخلاف ذلك الذى هو مقتضى بديهة العقول السليمة كما يشير إليه قوله تعالى: " فما لكم كيف تحكمون " (4). واما الاخبار الواردة بذلك فمنها ما رواه في الفقيه مرسلا (5) قال: " قال رسول الله صلى الله عليه واله امام القوم وافدهم فقدموا افضلكم " قال: " وقال على عليه السلام (6) ان


(1) ص 159 و 160 (2) ص 202 (3) و (4) سورة يونس الآية 36 (5) الوسائل الباب 26 من صلاة الجماعة (6) الوسائل الباب 26 من صلاة الجماعة. وليس فيه ولا في الفقيه ج 1 ص 247 ولا في الوافى باب (صفة امام الجماعة ومن لا ينبغى امامته) نسبة الحديث الى على (ع) بل ظاهر الجميع النسبة الى النبي " ص "


[ 206 ]

سركم أن تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم ". ورواه في كتاب العلل مسندا عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله ان سركم... الحديث مثله. وروى في الفقيه ومثله الشيخ في كتاب الاخبار مرسلا في الاول ومسندا في الثاني (2) قال: قال النبي صلى الله عليه واله من أم قوما وفيهم من هو أعلم منه... الحديث كما تقدم في كلام صاحب المختلف. وروى في كتاب قرب الاسناد في الموثق عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي صلى الله عليه واله (3) قال: " ان أئمتكم وفدكم الى الله فانظروا من توفدون في دينكم وصلاتكم ". وفى حسنة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام (4) قال: " قلت اصلى خلف الاعمى ؟ قال نعم إذا كان له من يسدده وكان افضلهم " وفيها ايضا (5) " الصلاة خلف العبد ؟ قال لا بأس به إذا كان فقيها ولم يكن هناك أفقه منه ". وفى موثقة سماعة (6) قال: " سألته عن المملوك يؤم الناس ؟ فقال لا إلا ان يكون هو افقههم واعلمهم ". وروى الشهيد في الذكرى عن النبي صلى الله عليه واله (7) قال: " من صلى خلف عالم


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 26 من صلاة الجماعة (4) الوسائل الباب 21 من صلاة الجماعة. (5) و (6) الوسائل الباب 16 من صلاة الجماعة (7) الوسائل الباب 26 من صلاة الجماعة عن الذكرى. وفى البحر الرائق ج 1 ص 349 لو صلى خلف فاسق أو مبتدع ينال فضل الجماعة لكن لا ينال كما ينال خلف تقى ورع لقوله (ص) " من صلى خلف عالم تقى فكانما صلى خلف نبى " قال ابن امير الحاج لم يجده الخروجون. وفى موضوعات ملا على القارئ ص 82 حديث " من صلى خلف تقى فكانما صلى خلف نبى " لا أصل له. وفى المقاصد الحسنة للسخاوي ص 304 حرف القاف عند قوله: " قدموا خياركم " قال: ما وقع في الهداية للحنفية بلفظ " من صلى خلف عالم تقى فكانما صلى خلف نبى " لم اقف عليه اللفظ.


[ 207 ]

فكأنما صلى خلف رسول الله صلى الله عليه واله ". وروى الصدوق في كتاب اكمال الدين بسنده فيه عن ابى الحسن الليثى عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي صلى الله عليه واله (1) قال: " ان أئمتكم قادتكم الى الله فانظروا بمن تقتدون في دينكم وصلاتكم ". وتؤيده الاخبار العامة مثل قوله صلى الله عليه واله (2): " ان العلماء ورثة الانبياء " وقوله صلى الله عليه واله (3) " علماء امتى كانبياء بنى اسرائيل " وما دل من الاخبار على فضل العلماء على من سواهم (4) وقوله عزوجل: " ان الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في والعلم والجسم " (5) واحتجاج الله عزوجل على الملائكة في تفضيله آدم وجعله خليفة بكونه أعلم منهم (6) وأمثال ذلك كما لا يخفى على الناقد البصير ولا ينبئك مثل خبير. وظاهر ايراد الصدوق هذه الاخبار التى قدمنا نقلها عنه في باب الجماعة هو القول بمضونها بمقتضى قاعدته في صدر كتابه حيث انه لم ينقل رواية ابى عبيدة المذكورة، إلا انه نقل عن ابيه في رسالته إليه قبل ايراد هذه الاخبار انه قال: اعلم يا بنى ان أولى الناس بالتقدم في جماعة اقرؤهم للقرآن فان كانوا في القراءة سواء فافقههم فان كانوا في الفقه سواء فاقدمهم هجرة فان كانوا في الهجرة سواء فاسنهم فان كانوا في السن سواء فاصبحهم وجها. وصاحب المسجد أولى بمسجده. انتهى. وهذه عين عبارة كتاب الفقه التى قدمناها. والذى يقرب عندي ان هذه الاخبار الدالة على تقديم الاقرأ انما خرجت


(1) مستدرك الوسائل الباب 23 من صلاة الجماعة (2) و (4) اصول الكافي كتاب فضل العلم، وفى الوسائل الباب 8 من صفات القاضى (3) البحار ج 1 ص 76 وكفاية الطالب للكنجي ص 239. وفى المقاصد الحسنة للسخاوي ص 286 انكره شيخنا - يعنى ابن حجر العسقلاني - وقبله الدميري والزركشى وقال بعضهم لا يعرف في كتاب معتبر. (5) سورة البقرة الآية 248 (6) سورة البقرة الآية 28 الى 32


[ 208 ]

مخرج التقية فانه قول جمهور العامة (1) وبه تكاثرت أخبارهم. ومنها - مارووه عن النبي صلى الله عليه واله (2) " يؤمكم اقرأكم لكتاب الله " وفى خبر آخر (3) " يؤم القوم اقرأهم لكتاب الله فان كانوا في القراءة سواء فاعلمهم بالسنة فان كانوا في السنة سواء فاقدمهم هجرة فان كانوا في الهجرة سواء فاقدمهم سنا ". وما رووه عن عمرو بن ابى سلمة (4) قال كنت غلاما حافظا قد حفظت


(1) في نيل الاوطار ج 3 ص 133 باب (من أحق بالامامة) قال: حديث " يؤم القوم اقرأهم " فيه حجة لمن قال يقدم في الامامة الاقرأ على الافقه، واليه ذهب الاحنف بن قيس وابن سيرين والثوري وابو حنيفة واحمد وبعض اصحابهما، وقال الشافعي ومالك واصحابهما والهادوية الافقه مقدم على الاقرأ، وقال الشافعي المخاطب الذين كانوا في عصره (ص) كان اقرأهم افقههم فانهم كانوا يسلمون كبارا ويتفقهون قبل أن يقرأوا فلا يوجد قارئ إلا وهو متفقه. وقال النووي وابن سيد الناس: قوله في الحديث " فان كانوا في القراءة سواء فاعلمهم بالسنة " دليل على تقديم الاقراء مطلقا. وفى عمدة القارئ ج 2 ص 732 قال طائفة الافقه مقدم على الاقرأ وبه قال أبو حنيفة ومالك والجمهور، وقال أبو يوسف واحمد واسحاق الاقرأ مقدم وهو قول ابن سيرين وبعض الشافعية، وقال اصحابنا - الحنفية - أولى الناس بالامامة اعلمهم بالسنة أي الفقه إذا كان يحسن من القرأة ما تجوز به الصلاة وهو قول الجمهور واليه ذهب عطاء والاوزاعي والشافعي ومالك، وقال أبو يوسف اقرأ الناس أولى بالامامة يعنى اعلمهم بالقرأة وكيفية اداء حروفها وما يتعلق بها، وهو أحد الوجوه عند الشافعية. (2) كنز العمال ج 4 ص 125 (3) كنز العمال ج 4 ص 126 (4) في اسد الغابة ج 4 ص 110 في ترجمة عمرو الجرمى قال أممت قومي وانا غلام ابن ست أو سبع سنين. وفى حديث عنه: كنت في الوفد الذين وفدوا على رسول الله (ص) فقال (ص) " ويؤمكم اقرأكم " وكنت اقرأهم. وفى حديث آخر عنه: وفدوا على رسول الله (ص) وارادوا ان ينصرفوا قالوا يا رسول الله (ص) من يؤمنا ؟ قال " اكثركم جمعا للقرآن " أو " اخذا للقرآن " فلم يكن أحد من القوم جمع ما جمعت فقد مونى وانا غلام وعلى شملة فما شهدت مجمعا من جرم إلا كنت امامهم وكنت أصلى على جنائزهم.


[ 209 ]

قرآنا كثيرا فانطلق ابى وافدا الى رسول الله صلى الله عليه واله في نفر من قومه فقال النبي صلى الله عليه واله " يؤمكم اقرأكم لكتاب الله " فقدموني فكنت أصلى بهم وانا ابن سبع سنين أو ثمان " وربما أجيب عن خبر ابى عبيدة بان المراد بالاقرأ فيه الافقه، لان المتعارف كان في زمانه صلى الله عليه واله انهم إذا تعلموا القرآن تعلموا أحكامه، قال ابن مسعود (1) " كنا لا نتجاوز عشر آيات حتى نعرف أمرها ونهيها " واطلاق القارئ على العالم باحكام الشريعة غير عزيز في الصدر الاول. واعترض عليه بان جعل الاعلم مرتبة بعد الاقرأ صريح في انفكاك القراءة عن العلم بالسنة، وتعلم أحكام القرآن غير كاف في الفقه إذ معظمه يثبت بالسنة، وبان فيه عدولا عن ظاهر اللفظ. وهو جيد. وظني ان الوجه في الجواب عن الخبر المذكور وأمثاله انما هو ما ذكرته من الحمل على التقية فانها هي السبب التام في اختلاف الاحكام الشرعية وان كانت هذه القاعدة غير معمول عليها بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) كما قدمنا ذكره في غير مقام.

الثاني - قد فسر جماعة من الاصحاب الاقرأ بمعنى الاجواد قراءة واتقانا للحروف واشد اخراجا لها من مخارجها. وزاد بعضهم على الامور المذكورة الاعرف بالاصول والقواعد المقررة بين القراء. وقيل ان المراد اكثر قرآنا. ونسبه في البيان الى الرواية. اقول: ولعله أشار بذلك الى ما روى (2) من " ان الاعمى يؤم القوم إذا رضوا به وكان اكثرهم قراءة " وفى صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (3) " انه


(1) في سنن البيهقى ج 3 ص 119 عن عبد الله: كنا إذا تعمنا من النبي " ص " عشر آيات من القرآن لم نتعلم من العشر التى نزلت بعدها حتى نعلم ما فيه. قيل لشريك من العمل ؟ قال نعم (2) الوسائل الباب 21 من صلاة الجماعة. وفيه ايضا " وافقههم " (3) الوسائل الباب 16 من صلاة الجماعة


[ 210 ]

سئل عن العبد يؤم القوم إذا رضوا به وكان اكثرهم قرآنا ؟ قال لا بأس ". ثم انه على تقدير هذا المعنى فهل المراد يعنى اكثرهم قراءة للقرآن - وتؤيده الرواية الاولى من هاتين الروايتين - أو اكثرهم حفظا للقرآن وتؤيده رواية عمرو بن ابى سلمة العامية ؟ وقيل الاجود بحسب طلاقة اللسان وحسن الصوت وجودة المنطق. الثالث - جعل الشيخ الافقه بعد الاقرأ وقبل غيره وهو اختيار ابن بابويه في رسالته كما تقدم، وذهب بعضهم الى تقديم الاقرأ ثم الاقدم هجرة ثم الاسن ثم الافقه كما هو مورد رواية ابى عبيدة، وبعضهم الى تقديم الاقدم هجرة بعد الاقرأ ثم الافقه، وقدم الشيخ في المبسوط بعد الافقه الاشرف ثم الاقدم هجرة ثم الاسن، وقدم السيد المرتضى الاسن بعد الافقه ولم يذكر الهجرة. ولا اعرف لهم في هذا الاختلاف وجها يرجع إليه ولا مستندا يعتمد عليه إلا أن يكون مجرد اعتبارات يعتبرها كل منهم في ما ذهب إليه كما هو شأنهم في كثير من الاحكام، وإلا فليس في المسالة من الاخبار المتداولة في كلامهم والمتناقلة على رؤوس اقلامهم إلا خبر ابى عبيدة، نعم خبر كتاب الفقه الذى جرى عليه على بن الحسين بن بابويه قد اشتمل على تقديم الاقرأ اولا ثم الافقه ثم الاقرب هجرة ثم الاسن ثم الاصبح وجها. وكيف كان فقد عرفت كلامهم في معنى الاقرأ، وأما الهجرة فالمراد بها السبق من دار الحرب الى دار السلام، وقال العلامة في التذكرة المراد سبق الاسلام أو من كان اسبق هجرة من دار الحرب الى دار الاسلام أو يكون من أولاد من تقدمت هجرته. ونقل في الذكرى عن الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد ان المراد التقدم في العلم قبل الآخر. وقال في الذكرى: وربما جعلت الهجرة في زماننا سكنى الامصار لانها تقابل البادية مسكن الاعراب لان أهل الامصار أقرب الى تحصيل شرائط الامامة والكمال فيها. انتهى. اقول: لا يخفى ان المراد من خبر ابى عبيدة انما هو المعنى الاول وهو


[ 211 ]

الاسبق هجرة من دار الحرب الى دار الاسلام فان هذا هو معنى الهجرة في وقته صلى الله عليه واله والخبر مروى عنه صلى الله عليه واله. بقى الكلام في الترجيح بهذه المرتبة في ما عدا زمانه صلى الله عليه واله والاظهر انه لا يمكن الترجيح بها بل يجب اطراحها من البين لعدم دليل على شئ من هذه المعاني التى ذكروها، وبناء الاحكام الشرعية على مثل هذه التخريجات والتقريبات لا يخلو من مجازفة. نعم روى الصدوق (قدس سره) في كتاب معاني الاخبار (1) مرسلا عن الصادق عليه السلام قال: " من ولد في الاسلام فهو عربي ومن دخل فيه بعد ما كبر فهو مهاجر ومن سبى وعتق فهو مولى " وفيه اشعار بالمعنى الاول الذى ذكره في التذكرة فيمكن حينئذ الترجيح بهذه المرتبة باعتبار هذا المعنى. واما الاسن فالمتبادر منه الاكبر بحسب السن، وفى الذكرى وغيره ان المراد علو السن في الاسلام، وكذا نقل عن الشيخ في المبسوط، وهو اعتبار حسن إلا انه خلاف المتبادر من ظاهر اللفظ. وأما الاصبح وجها فذكره الصدوقان والشيخان وجماعة، وقال المرتضى وابن ادريس: وقد روى (2) إذا تساووا فاصبحهم وجها. وقال المحقق في المعتبر: لا أرى لهذا أثرا في الاولوية ولا وجها في شرف الرجال. وعلله في المختلف بان في حسن الوجه دلالة على عناية الله به.


(1) هذا مؤلف من حديثين ذكرهما في معاني الاخبار باب نوادر المعاني ص 405 من الطبع الحديث عن ابى جعفر " ع " " من ولد في الاسلام فهو عربي ومن دخل فيه طوعا أفضل ممن دخل فيه كرها، والمولى هو الذى يؤخذ اسيرا من أرضه ويسلم " وقال أبو جعفر " ع " في حديث آخر " من دخل في الاسلام طوعا فهو مهاجر ". (2) في سنن البيهقى ج 3 ص 121 باب (من يومهم أحسنهم وجها) عن النبي " ص " قال: " إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم اقرأهم لكتاب الله فان كانوا في القراءة سواء فاكبرهم سنا فان كانوا في سنن سواء فاحسنهم وجها ".


[ 212 ]

أقول: قد عرفت ان كتاب الفقه الرضوي صرح بذلك، والصدوقان إنما أخذا هذا الحكم من الكتاب لان عبارة على بن الحسين المتقدمة في الرسالة عين عبارة الكتاب من أولها الى آخرها ومنها هذا الموضع، وهذا من جملة المواضع التى قدمنا الاشارة إليها بانه كثيرا ما يذكر القدماء حكما من الاحكام الشرعية ولا يصل دليله الى المتأخرين فيعترضونهم بعدم الدليل وهو في هذا الكتاب، وما نحن فيه من هذا الباب. والظاهر انه الى هذا الخبر أشار الصدوق في كتاب العلل حيث قال - بعد نقل خبر ابى عبيدة فيه (1) المتضمن لانه إذا كانوا في السن سواء فليؤمهم أعلمهم بالسنة - وفى حديث آخر: وان كانوا في السن سواء فاصبحهم وجها. انتهى. والظاهر ايضا انه الى هذه الرواية المرسلة هنا في العلل أشار المرتضى وابن ادريس في ما قدمنا نقله عنهما وقولهما: وقد روى إذا تساووا فاصبحهم وجها. ومن ما يعضد ما ذكره العلامة في المختلف من أن في حسن الوجه دلالة على عناية الله تعالى بذلك الشخص ما في حديث ابراهيم ابى اسحاق الليثى الوارد في طينة المؤمن وطينة الناصب المروى في العلل (2) وغيره حيث قال عليه السلام بعد ذكر الطينتين وهما الطيبة والخبيثة المذكورتان في صدر الخبر: ثم عمد الى بقية ذلك الطين فمزجه بطينتكم ولو ترك طينتهم على حالها لم تمزج بطينتكم ما عملوا ابدا عملا صالحا ولا أدوا امانة الى أحد ولا شهدوا الشهادتين ولا صاموا ولا صلوا ولا زكوا ولا حجوا ولا شبهوكم في الصور ايضا، يا ابراهيم ليس شئ أعظم على المؤمن من أن يرى صورة حسنة في عدو من أعداء الله عزوجل والمؤمن لا يعلم ان تلك الصورة من طين المؤمن ومزاجه: انتهى.


(1) ص 202 (2) هو آخر حديث في العلل وبه الختام


[ 213 ]

ويشير الى ذلك ما ورد (1) من " ان النبي صلى الله عليه واله طلب من الله سبحانه ان ينزل عليه جبرئيل متى ارسل إليه في صورة دحية الكلبى وكان من أجمل الناس صورة " وبذلك يظهر لك ما في كلام المحقق من الغفلة. ثم انه لا يخفى أن التقديم في هذه المراتب تقديم فضل واستحباب لا حتم وايجاب كما صرح به غير واحد: منهم - العلامة في التذكرة، قال: وهذا كله تقديم استحباب لا تقديم إشتراط وإيجاب فلو قدم المفضول جاز ولا نعلم فيه خلافا. انتهى

المسألة الخامسة - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في الاستنابة في الاثناء لو عرض للامام عارض يمنع من إتمام الصلاة فانه يستنيب من يتم بهم الصلاة وإلا استناب المأمومون، وكذا يستنيب لو كان مقصرا والمأموم متما. والذى وقفت عليه من الاخبار في المقام عدة أخبار: الاول - ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (2) " في رجل أم قوما فصلى بهم ركعة ثم مات ؟ قال يقدمون رجلا آخر ويعتدون


(1) لم يذكر ذلك في طبقات ابن سعد ج 4 ص 249 وسير اعلام النبلاء ج 2 ص 396 والاصابة ج 1 ص 473 واسد الغابة ج 2 ص 130 واستيعاب في ترجمته وتهذيب تاريخ الشام ج 5 ص 218 وتهذيب التهذيب ج 3 ص 206 ومجمع الزوائد ج 9 ص 378 وكنز العمال ج 6 ص 173 نعم في جميعها كان دحية جميلا ربما نزل جبرئيل بصورته. وفى تهذيب تاريخ الشام ج 5 ص 220 عن عائشة قالت: رأيت رسول الله (ص) واضعا يده على عرف فرس دحية فسألته عن ذلك قال " ص " ذاك جبرئيل وهو يقرئك السلام فقالت وعليه السلام ورحمة الله وبركاته. هذا أصل الحديث ثم أخذ الشعبى والزهرى وانس وأمثالهم يتحدثون عن نزول جبرئيل بصورة دحية تركيزا لهذا الحديث. وبالنظر الى ما في تاريخ ابن عساكر من الرواية عن ابن عباس ان دحية اسلم في زمن ابى بكر تفسد جميع تلك الاحاديث (2) الوسائل الباب 43 من صلاة الجماعة


[ 214 ]

بالركعة ويطرحون الميت خلفهم ويغتسل من مسه ". الثاني - ما رواه في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأتي المسجد وهم في الصلاة وقد سبقه الامام بركعة أو اكثر فيعتل الامام فيأخذ بيده ويكون أدنى القوم إليه فيقدمه ؟ فقال يتم صلاة القوم ثم يجلس حتى إذا فرغوا من التشهد أومأ إليهم بيده عن اليمين والشمال وكان الذى اومأ إليهم بيده التسليم وانقضاء صلاتهم وأتم هو ما كان فاته أو بقى عليه ". الثالث - ما رواه في الفقيه مرسلا (2) قال: " قال أمير المؤمنين عليه السلام ما كان من امام تقدم في الصلاة وهو جنب ناسيا أو أحدث حدثا أو رعافا أو اذى في بطنه فليجعل ثوبه على أنفه ثم لينصرف وليأخذ بيد رجل فليصل مكانه ثم ليتوضأ وليتم ما سبقه به من الصلاة، فان كان جنبا فليغتسل وليصل الصلاة كلها ". الرابع - ما رواه في الكافي والتهذيب عن سلمة ابى حفص عن ابى عبد الله عليه السلام (3) " ان عليا عليه السلام كان يقول لا يقطع الصلاة الرعاف ولا القئ ولا الدم فمن وجد أذى فليأخذ بيد رجل من القوم من الصف فليقدمه يعنى إذا كان اماما ". الخامس - ما رواه في التهذيب عن طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (4) قال: " سألته عن رجل أم قوما فأصابه رعاف بعد ما صلى ركعة أو ركعتين فقدم رجلا ممن قد فاته ركعة أو ركعتان: قال يتم بهم الصلاة ثم يقدم رجلا فيسلم بهم ويقوم هو فيتم بقية صلاته ". السادس - ما رواه في التذيب عن معاوية بن شريح (5) قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول إذا أحدث الامام وهو في الصلاة لم ينبغ أن يقدم إلا من شهد الاقامة ".


(1) و (4) الوسائل الباب 40 من صلاة الجماعة (2) الوسائل الباب 72 من صلاة الجماعة. (3) الوسائل الباب 2 من قواطع الصلاة. وفى التهذيب ج 1 ص 228 " عن ابى حفص " (5) الوسائل الباب 41 من صلاة الجماعة


[ 215 ]

السابع - ما رواه عن سليمان بن خالد في الصحيح (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يؤم القوم فيحدث ويقدم رجلا قد سبق بركعة كيف يصنع ؟ فقال لا يقدم رجلا قد سبق بركعة ولكن يأخذ بيد غيره فيقدمه ". الثامن - ما رواه في الفقيه عن معاوية بن ميسرة عن الصادق عليه السلام (2) انه قال: " لا ينبغى للامام إذا أحدث ان يقدم إلا من أدرك الاقامة فان قدم مسبوقا بركعة فان عبد الله بن سنان روى عنه عليه السلام انه قال إذا أتم صلاته بهم فليومئ إليهم يمينا وشمالا فلينصرفوا ثم ليكمل هو ما فاته من صلاته ". التاسع - ما رواه في الفقيه ايضا عن جميل بن دراج في الصحيح عنه عليه السلام (3) " في رجل أم قوما على غير وضوء فانصرف وقدم رجلا ولم يدر المقرم ما صلى الامام قبله ؟ قال يذكره من خلفه ". العاشر - ما رواه في الكافي والتهذيب عن زرارة (4) قال: " سألت احدهما (عليهما السلام) عن امام أم قوما فذكر انه لم يكن على وضوء فانصرف وأخذ بيد رجل وادخله وقدمه ولم يعلم الذى قدم ما صلى القوم ؟ قال يصلى بهم فان اخطأ سبح القوم به وبنى على صلاة الذى كان قبله ". الحادى عشر - ما رواه في الكافي والفقيه عن زرارة في الصحيح (5) قال: " قلت لابي جعفر عليه السلام رجل دخل مع قوم في صلاتهم وهو لا ينويها صلاة فاحدث امامهم فاخذ بيد ذلك الرجل فقدمه فصلى بهم أتجزئهم صلاتهم بصلاته وهو لا ينويها صلاة ؟ فقال لا ينبغى للرجل ان يدخل مع قوم في صلاتهم وهو لا ينويها صلاة بل ينبغى له أن ينويها صلاة فان كان قد صلى فان له صلاة اخرى وإلا فلا يدخل


(1) الوسائل الباب 41 من صلاة الجماعة (2) الفقيه ج 1 ص 262 وفى الوسائل الباب 41 من صلاة الجماعة (3) و (4) الوسائل الباب 40 من صلاة الجماعة (5) الوسائل الباب 39 من صلاة الجماعة


[ 216 ]

معهم، قد تجزئ عن القوم صلاتهم وان لم ينوها ". الثاني عشر - ما رواه في التهذيب في الصحيح (1) قال: " سأل على بن جعفر أخاه موسى بن جعفر عليه السلام امام أحدث فانصرف ولم يقدم احدا ما حال القوم ؟ قال لا صلاة لهم إلا بامام فليتقدم بعضهم فليتم بهم ما بقى منها وقد تمت صلاتهم " الثالث عشر - ما رواه في الصحيح عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: " سألته عن رجل صلى بقوم ركعتين ثم أخبرهم انه ليس على وضوء ؟ قال يتم القوم صلاتهم فانه ليس على الامام ضمان ". الرابع عشر - ما رواه في الفقيه والتهذيب في الموثق عن ابى العباس البقباق عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " لا يؤم الحضرى المسافر ولا المسافر الحضرى فإذا ابتلى بشئ من ذلك فأم قوما حاضرين فإذا أتم الركعتين سلم ثم أخذ بيد بعضهم فقدمه فأمهم.. الحديث ". الخامس عشر - ما رواه في كتاب الاحتجاج من سؤالات الحميرى للناحية المقدسة (4) قال: " كتب الحميرى الى القائم عليه السلام انه روى عن العالم عليه السلام انه سئل عن امام قوم صلى بهم بعض صلاتهم وحدثت حادثة كيف يعمل من خلفه ؟ فقال عليه السلام يؤخر ويتقدم بعضهم ويتم صلاتهم ويغتسل من مسه ؟ التوقيع ليس على من نحاه إلا غسل اليد وإذا لم يحدث ما يقطع الصلاة تمم صلاته مع القوم.. الحديث ". إذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام في هذه الاخبار يقع في مواضع: (أحدها) - المفهوم من هذه الاخبار ان مواضع الاستنابة من الامام أو المأمومين في صور:

(الاولى) - موت الامام كما في الخبر الاول والخبر الخامس عشر


(1) الوسائل الباب 72 من صلاة الجماعة (2) الوسائل الباب 46 من صلاة الجماعة (3) الوسائل الباب 18 من صلاة الجماعة (4) الوسائل الباب 3 من غسل المس


[ 217 ]

(الثانية) - في صورة دخوله في الصلاة على غير طهارة نسيانا كما تضمنه الخبر الثالث والتاسع والعاشر والثالث عشر.

(الثالثة) - في صورة مالو أحدث الامام في الصلاة، وعليه يدل الخبر الثاني والثالث والرابع بحمل الاذى فيه وهو الوجع في البطن على ما لا يتحمل الصبر عليه أو الكناية عن خروج الحدث، والسادس والسابع والثامن والحادي عشر والثانى عشر.

(الرابعة) - ما لو اصابه الرعاف ولم يمكن غسله إلا بالمنافى، وعليه يدل الخبر الخامس.

(الخامسة) - في مالو كان الامام مسافرا كما يدل عليه الخبر الرابع عشر، فهذه المواضع الخمسة مورد النصوص في الاستنابة. والاصحاب قد ذكروا الاغماء مضافا الى الموت ونقلوا الاجماع عليه، قال في المدارك - بعد قول المصنف: وإذا مات الامام أو اغمى عليه استنيب من يتم بهم الصلاة - قد أجمع الاصحاب على ان الامام إذا مات أو أغمى عليه يستحب للمأمومين استنابة من يتم بهم الصلاة كما نقله جماعة: منهم - العلامة في التذكرة، وتدل عليه روايات.. ثم أورد الخبر الاول خاصة ومورده كما عرفت انما هو الموت. والظاهر انهم بنوا على ان الاغماء في تلك الحال في حكم الموت، بل ظاهر كلام جملة منهم عروض المانع للامام بقول مطلق. وهو جيد من حيث الاعتبار إلا انه بالنسبة الى عدم النص عليه لا يخلو من شوب الاشكال.

وثانيها - قال في المدارك بعد الاستدلال بالخبر الثاني عشر: ومقتضى الرواية وجوب الاستنابة إلا ان العلامة (قدس سره) في التذكرة نقل اجماع علمائنا على انتفاء الوجوب، وعلى هذا فيمكن حمل الرواية على ان المنفى فيها الكمال والفضيلة لا الصحة. والمسألة محل تردد. انتهى. اقول: الظاهر أنه غفل عن صحيحة زرارة وهى الخبر الثالث عشر فانه ظاهر في جواز الانفراد مضافا الى دعوى الاجماع في المقام، وحينئذ فيجب حمل صحيحة على بن جعفر على تأكد الاستحباب كما يقوله الاصحاب. وظاهر جملة من الاصحاب


[ 218 ]

ايضا عدم الوقوف على الصحيحة المذكورة كالعلامة في المنتهى والفاضل الخراساني في الذخيرة، فانهم انما استندوا - في تأويل صحيحة على بن جعفر بحملها على الفضيلة والاستحباب - الى ما صرحوا به من جواز انفراد المأموم عن الامام مع وجوده فمع عدمه أولى. وسيأتى مافى هذا الدليل عند ذكر المسألة المذكورة. والاظهر انما هو الاستدلال بصحيحة زرارة المذكورة فانها ظاهرة في جواز الاتمام منفردين.

وثالثها - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه يكره أن يستناب المسبوق سواء كانت الاستنابة من الامام أو المأمومين، ووجه الكراهة الجمع بين ما دل على الجواز كالخبر الثاني وعجز الخبر الثامن، وما دل على المنع كالخبر السادس والسابع وصدر الخبر الثامن. وقد صرح الاصحاب هنا بجواز استنابة من لم يكن من المأمومين، قال العلامة في المنتهى: لو استناب من جاء بعد حدث الامام فالوجه الجواز بناء على الاصل ولانه جاز استنابة التابع فغيره أولى. انتهى. اقول: لا يخفى مافى هذا التعليل العليل وكأنه غفلوا عن الاخبار الواردة من هذا القبيل وهى الرواية التاسعة والعاشرة، فان ظاهر الخبرين المذكورين ما ذكرناه فان قوله " أخذ بيد رجل وأدخله وقدمه " يدل على أنه ليس من المأمومين وانما أدخله الامام بعد اعتلاله ولهذا انه لم يعلم ما صلى القوم، وظاهره أنه يصلى من حيث قطع الامام كما يدل عليه قوله في الخبر العاشر " وبنى على صلاة الذى كان قبله " وانه انما يصلى بهم ذلك القدر الناقص خاصة. وهو حكم غريب لم يوجد له في الاحكام نظير، فان هذه الصلاة بالنسبة الى هذا الداخل انما هي عبارة عن مجرد الاذكار وان اشتملت على ركوع وسجود وإلا فانها ليست بصلاة حقيقة، إذ المفهوم من الخبرين المذكورين أنه يدخل معهم من حيث اعتل الامام ويخرج معهم من غير أن يزيد شيئا على صلاتهم وانما يؤمهم في ما بقى عليهم كائنا ماكان ولو ركعة واحدة، ومن هذا حصل الاستغراب. واحتمال حمل الخبرين المذكورين على استنابة


[ 219 ]

بعض المأمومين من المسبوقين - كما يفهم هذين الخبرين أو أحدهما مع أحاديث المسبوق كما جرى عليه في المدارك ومثله صاحب الوسائل - بعيد بل غير مستقيم، لان المسبوق الداخل في الصلاة قبل اعتلال الامام عالم بما صلوا وان دخوله في أي ركعة لانه صلى بصلاتهم ومع عدم علمه فالواجب عليه الاتيان بالترتيب الواجب عليه شرعا، فلا معنى لقوله " فان اخطأ سبح القوم به " ولا لقوله " بنى على صلاة الذى كان قبله " ولا معنى ايضا لقوله " وأخذ بيد رجل وأدخله " فان هذا كله إنما يبتنى على رجل خارج من الصلاة لم يدخله الامام الا بعد اعتلاله وهو صريح عبارة العلامة المتقدمة، فهو انما يبتدئ الصلاة من حيث قطع الاول فلو فرضنا ان الاول انصرف عن ركعتين أتم هذا الداخل بالمأمومين الركعتين الاخيرتين خاصة وهكذا. قال في المنتهى ايضا: لو استخلف من لا يدرى كم صلى فالوجه انه يبنى على اليقين فان وافق الحق وإلا سبح القوم به فيرجع إليهم. ثم نقل أقوالا عديدة من العامة، ثم احتج برواية زرارة المتقدمة. وبالجملة فالحكم المذكور في غاية الغرابة ولم أقف على من أفصح عن الكلام فيه ولا تنبه لما ذكرناه. والله العالم

ورابعها - الظاهر أنه لا فرق بين اعتلال الامام وخروجه أن يقدم هو أو المأمومون من يتم بهم أو يتقدم شخص من المأمومين ممن له أهلية الامامة من غير استخلاف أو يأتم كل طائفة بامام أو يأتم بعض وينفرد بعض. قال في المنتهى: لو قدم بعض الطوائف اماما وصلى الآخرون منفردين جاز لان لهم الانفراد مع وجود الامام فمع العدم أولى. أقول: فيه انه مبنى على مسألة انفراد المأموم من غير عذر كما تقدمت الاشارة إليه في كلامه وسيأتى ما فيه ان شاء الله تعالى. والاظهر الاستدلال على ذلك بما ذكرنا من صحيحة زرارة وهى الخبر الثالث عشر الظاهر في جواز صلاتهم فرادى بعد اعتدال الامام مع الاخبار الدالة على جواز الاستنابة بل استحبابها، فإذا كان الامران جائزين للجميع جاز ذلك


[ 220 ]

بالنسبة الى البعض في جميع ما ذكرنا من الصور. وخامسها - قد دل الخبر الثاني الوارد في استنابة المسبوق وكذا عجز الخبر الثامن على انه بعد تمام صلاة المأمومين يومئ إليهم بيده عن اليمين والشمال عوض التسليم بهم ثم يتم ما فاته، ودل الخبر الخامس على انه يقدم رجلا منهم يسلم بهم ثم يقوم هو ويتم ما بقى عليه. والجمع بين الاخبار يقتضى التخيير بين الامرين. وقال العلامة في المنتهى: ولو انتظروا حتى يفرغ ويسلم بهم لم استبعد جوازه وقد ثبت جواز ذلك في صلاة الخوف. انتهى. اقول: ثبوت ذلك في صلاة الخوف لا يستلزم جوازه هنا سيما بعد ورود النص بالحكم في هذه الصلاة بالخصوص كما عرفت. والله العالم. وسادسها - ان الخبر الرابع عشر قد دل على انه بعد تمام صلاة الامام يقدم من يتم بالمأمومين صلاتهم، والظاهر أنه لا فرق بين أن يقدم الامام أو يقدموا لانفسهم من يختارونه من المأمومين. وهل يجرى هذا الحكم في المسبوقين بان يأتم بعضهم ببعض بعد انقضاء صلاة الامام وقيامهم لما بقى عليهم من الصلاة ؟ اشكال، قال في المدارك: ومتى اقتدى الحاضر بالمسافر في الصلاة المقصورة وجب على المأموم اتمام صلاته بعد تسليم الامام منفردا أو مقتديا بمن صاحبه في الاقتداء كما في صورة الاستخلاف مع عروض المبطل، وربما ظهر من كلام العلامة في التحرير التوقف في جواز الاقتداء على هذا الوجه، حيث قال: ولو سبق الامام اثنين ففى ائتمام أحدهما بصاحبه بعد تسليم الامام إشكال. وكيف كان فالظاهر مساواته لحالة الاستخلاف. انتهى. اقول: ينبغى أن يعلم ان هنا صورتين:

(احداهما) أن يقتدى جماعة من الحاضرين بمسافر، ولا ريب أنه متى أتم المسافر صلاته فانه يجب على المأمومين الاتيان بما بقى من صلاتهم، وهل يجوز أن يأتم بعضهم ببعض في تلك البقية أم لا ؟


[ 221 ]

و (الثانية) انه لوسبق الامام اثنين فصاعدا بمعنى انهم لم يدركوا الامام إلا بعد فوات ركعة أو ركعتين من صلاته فبعد تسليم الامام وقيامهم لما بقى عليهم هل يأتم بعضهم ببعض أم لا ؟ وهذه الصورة الثانية هي مراد العلامة من هذا الكلام والصورة الاولى هي المفروضة في كلامه " قدس سره " وكلام السيد هنا لا يخلو من اجمال فيحتمل انه حمل كلام العلامة هنا على ما فرضه أولا من صورة اقتداء الحاضرين بالمسافر كما يشير إليه قوله بالتوقف في جواز الاقتداء على هذا الوجه يعنى الوجه المتقدم في كلامه أو ما هو أعم من الصورتين المفروضتين وان كلام العلامة شامل لاقتداء الحاضرين بالمسافر. وكيف كان فالظاهر ان المسألتين متغايرتان والنص قد دل بالنسبة الى ائتمام الحاضرين بالمسافر انه بعد تمام صلاة الامام يقدم بعض المأمومين، فجواز الائتمام هنا من مالا اشكال فيه سواء قدمه الامام لما عرفت من الخبر الرابع عشر أو المأمومين لعين ما تقدم في صورة موت الامام كالخبر الاول، وفى صورة ما لو أحدث وانصرف ولم يقدم أحدا كما في الخبر الثاني عشر، فان الامامة لما كانت جائزة ومشروعة لا يفرق بين الآتى بها والمتصدي لها من الامام أو المأمومين أو تقدم بعضهم واقتداء الباقي من غير تعيين أحد، أما بالنسبة الى المسبوقين بعد اتمام الامام صلاته فلم يرد هنا نص على الاستخلاف من الامام أو المأمومين. وقوله: " وكيف كان فالظاهر مساواته لحال الاستخلاف " ان أراد به بالنسبة الى ائتمام الحاضرين بالمسافر فقد عرفت انه لا إشكال فيه، وان أراد بالنسبة الى الصورة الاخرى وهى الظاهرة من كلام العلامة فلا أعرف لهذه الظاهرية وجها يعتمد عليه، فان العبادات عندنا مبنية على التوقيف كما وكيفا وفرادى وجماعة، والنصوص الواردة بالاستخلاف المستلزم لنقل النية من المأمومية الى الامامة ومن الائتمام بامام الى الائتمام بآخر مخصوصة بالصور الخمس التى قدمناها وليس هذا منها، والحاق ما سوى ذلك به قياس لا يوفق اصول المذهب وان


[ 222 ]

كان بعض الاصحاب قد عدوا ذلك الى صور خالية من النصوص، والظاهر انه لما ذكرناه استشكل العلامة في صورة المسبوقية وهو في محله. وبالجملة فان العدول في الصلاة من نية الى اخرى - مع ما يترتب على ذلك من تغاير الاحكام كما هو المعلوم من أحكام الامامة والمأمومية - أمر على خلاف الاصل المستفاد من قواعد الشرع. فالواجب الاقتصار فيه على موارد الرخص، وقد عرفت اختصاص ذلك بالصور الخمس المتقدمة وإلا فههنا صور عديدة قد قدمنا الكلام فيها مستوفى في بحث نية الوضوء من كتاب الطهارة: منها - ان يعدل من الائتمام بامام في اثناء الصلاة الى الائتمام بآخر لو حضرت جماعة اخرى في ذلك المكان، وقد نقل القول بالجواز هنا عن العلامة في التذكرة وتبعه المحدث الكاشانى في المفاتيح.

ومنها - ما لو صلى مأموما ثم عدل في اثناء الصلاة الى نية الامامة ببعض المأمومين أو غيرهم بعد نقل نيته الى الانفراد أو عدمه.

ومنها - أن ينقل الامام نيته في الاثناء الى الائتمام ببعض المأمومين وذلك المأموم ينقل نيته الى الامامة. الى غير ذلك من الصور التى يمكن فرضها، وقد تقدم الكلام فيها ونحوها في الموضع المشار إليه، والاظهر الاشهر العدم لما عرفت من الخروج عن مواضع النصوص. والله العالم.

المسألة السادسة - قد ذكر الاصحاب (رضوان الله عليهم) كراهة الامامة في جملة من المواضع:

منها - المسبوق وقد تقدم الكلام فيه في سابق هذه المسألة.

ومنها - المجذوم والابرص والمحدود والاعرابي، وقد تقدم الكلام في هؤلاء الاربعة في بحث صلاة الجمعة.

ومنها - الاغلف وقد أطلق جملة من الاصحاب كراهة امامة الاغلف، ومنع منه جماعة منهم كالشيخ والمرتضى.


[ 223 ]

وقال في المدارك - بعد أن ذكر المصنف الاغلف في من يكره امامته - ما صورته: الحكم بكراهة امامة الاغلف مشكل على اطلاقه لان من أخل بالختان مع التمكن منه يكون فاسقا فلا تصح امامته، واطلق الاكثر المنع من امامته وهو مشكل ايضا. وقال المحقق في المعتبر: والوجه ان المنع مشرط بالفسوق وهو التفريط في الاختتان مع التمكن لا مع العجز، وبالجملة ليس الغفلة مانعة باعتبارها ما لم ينضم إليها الفسوق بالاهمال ونطالب المانعين بالعلة، فان احتجوا - بما رواه أبو الجوزاء عن الحسين بن علوان عن عمرو بن خالد عن زيد بن على عن أبائه عن على (عليهم السلام) (1) قال: " الاغلف لا يؤم القوم وان كان اقرأهم لانه ضيع من السنة أعظمها ولا تقبل له شهادة ولا يصلى عليه إلا أن يكون منع ذلك خوفا على نفسه " فالجواب من وجهين:

(أحدهما) - الطعن في سند الرواية فانهم باجمعهم زيدية مجهولو الحال.

و (الثاني) - أن نسلم الخبر ونقول بموجبه، فانه تضمن ما يدل على اهمال الاختتان مع وجوبه فلا يكون المنع متعلقا على الغلفة، فان ادعى مدع الاجماع فذاك يلزم من علمه ونحن لا نعلم ما ادعاه. انتهى. وهو جيد. ثم ان الظاهر انه مع قدرته على الاختتان والاخلال به لا يقتضى ذلك بطلان صلاته بل غايته الاثم لعدم توجه النهى الى شئ من العبادة وانما هو أمر خارج إلا عند من يقول باقتضاء الامر بالشئ النهى عن ضده الخاص، وهو قول مرغوب عنه لعدم الدليل عليه بل الدليل على خلافه واضح السبيل. إلا ان شيخنا الشهيد الثاني في الروض صرح بانه لا تصح صلاته بدون الاختتان وان كان منفردا، ولا اعرف له وجها ولا سيما ان مذهبه في تلك المسألة الاصولية هو عدم استلزام الامر بالشئ النهى عن ضده الخاص. ومن ما يدل على النهى عن امامة الاغلف زيادة على الخبر المذكور ما نقله


(1) الوسائل الباب 13 من صلاة الجماعة.


[ 224 ]

في البحار (1) عن كتاب جعفر بن محمد بن شريح عن عبد الله بن طلحة النهدي عن ابى عبد الله عليه السلام قال: لا يؤم الناس المحدود وولد الزنا والاغلف والاعرابي والمجنون والابرص والعبد ". وما رواه الصدوق في الخصال بسنده فيه عن الاصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السلام (2) قال: " ستة لا ينبغى أن يؤموا الناس: ولد الزنا والمرتد والاعرابي بعد الهجرة وشارب الخمر والمحدود والاغلف، ورواه جعفر بن محمد بن قولويه في كتابه باسناده الى الاصبغ مثله (3). وروى في المقنع مرسلا (4) قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام الاغلف لا يؤم القوم.. الحديث كما تقدم في حديث الزيدية.

ومنها - امامة من يكرهه المأمومون وقد ورد بذلك جملة من الاخبار: منها - ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (5) قال: قال النبي صلى الله عليه واله ثمانية لا يقبل الله لهم صلاة: العبد الآبق حتى يرجع الى مولاه والناشز عن زوجها وهو عليها ساخط ومانع الزكاة وامام قوم صلى بهم وهم له كارهون.. الحديث ". وروى في الكتاب المذكور بسنده عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (6) في حديث المناهى قال: " ونهى أن يؤم الرجل قوما إلا باذنهم. وقال من أم قوما باذنهم وهم به راضون فاقتصد بهم في حضوره واحسن صلاته بقيامه وقراءته وركوعه وسجوده وقعوده فله مثل أجر القوم ولا ينقص من اجرهم شئ ".


(1) ج 18 الصلاة ص 627 (2) و (3) الوسائل الباب 14 من صلاة الجماعة (4) الوسائل الباب 13 من صلاة الجماعة. (5) و (6) الوسائل الباب 27 من صلاة الجماعة


[ 225 ]

وروى في كتاب الخصال بسنده عن عبد الملك بن عمير عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " أربعة لا تقبل لهم صلاة: الامام الجائر، والرجل يؤم القوم وهم له كارهون، والبعد الآبق من مولاه من غير ضرورة، والمرأة تخرج من بيتها بغير إذن زوجها ". وروى الشيخ بسنده عن زكريا صاحب السابرى عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " ثلاثة في الجنة على المسك الاذفر: مؤذن اذن احتسابا، وامام أم قوما وهم به راضون، ومملوك يطيع الله ويطيع مواليه ". وروى في الامالى بسنده فيه عن عبد الله بن ابى يعفور عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " ثلاثة لا تقبل لهم صلاة: عبد آبق من مواليه حتى يرجع إليهم فيضع يده في أيديهم، ورجل أم قوما وهم له كارهون وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط " ورواه الكليني في كتاب النكاح (4). وروى جملة من الاصحاب عن على عليه السلام (5) انه قال لرجل أم قوما وهم له كارهون: " انك لخروط " قال في الروض: انه بفتح الخاء المعجمة والراء المهملة والواو والطاء المهملة وهو الذى يتهور في الامور ويركب رأس كل ما يريد بالجهل وقلة المعرفة بالامور. قال العلامة في التذكرة: الاقرب انه ان كان ذا دين يكرهه القوم لذلك لم تكره امامته والاثم على من كرهه وإلا كرهت. وظاهر هذا الكلام حمل الاخبار المذكورة على من لم يكن أهل الامامة ويحمل الناس على الائتمام به، وحينئذ فهذه الكراهة ترجع الى التحريم إلا مع التقية. وقال في المنتهى: لا تكره امامة من يكرهه المأمومون أو أكثرهم إذا كان


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 27 من صلاة الجماعة (4) ج 2 ص 60 وفى الوسائل الباب 80 من مقدمات النكاح (5) الفائق للزمخشري ونهاية ابن الاثير ولسان العرب وتاج العروس مادة " خرط "


[ 226 ]

بشرائط الامامة خلافا لبعض الجمهور (1) لنا قوله صلى الله عليه واله (2): " يؤمكم أقرأكم " وذلك عام، ولا اعتبار بكراهة المأمومين له إذا الاثم انما يتعلق بمن يكرهه لابه. انتهى. وهو جيد يرجع الى ما تقدم. اقول: ويمكن - ولعله الاقرب - ان المراد بالاخبار المذكورة ان المأمومين ليس لهم مزيد اعتقاد فيه ويرجحون غيره عليه ويريدون الائتمام بغيره وهو يحملهم مع ذلك على الائتمام به ويمنعهم من غيره، وحينئذ فالكراهة في محلها وان صحت الصلاة خلفه. والله العالم.

ومنها - المتيمم بالمتوضئين، والحكم بذلك مشهور بين الاصحاب بل قال العلامة في المنتهى: انا لا نعرف فيه خلافا إلا ما حكى عن محمد بن الحسن الشيباني من المنع من ذلك (3). واستدل الشيخ على الحكم المذكور في كتابي الاخبار بمارواه عن عباد بن صهيب (4) قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول " لا يصلى المتيمم بقوم متوضئين " وعن السكوني عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (5) قال: " لا يؤم صاحب التيمم المتوضئين ولا يؤم صاحب الفالج الاصحاء ". وانما حملتا على الكراهة لما رواه الشيخ وابن بابويه في الصحيح عن جميل بن دراج (6) " انه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن امام قوم أجنب وليس معه من الماء ما يكفيه للغسل ومعهم ماء يتوضأون به أيتوضأ بعضهم ويؤمهم ؟ قال لا ولكم يتيمم الامام


(1) في المهذب ج 1 ص 98: ويكره ان يصلى الرجل بقوم واكثرهم له كارهون، وان كان الذى يكره أقل فلا كراهة. وبه قال ابن قدامة في المغنى ج 1 ص 363 وقال احمد إذا كرهه واخد أو اثنان فلا بأس. (2) ص 208 (3) في البحر الرائق ج 1 ص 263 ذهب محمد الى فساد اقتداء المتوضئ بالتيمم وذهبا (أبو حنيفة وابو يوسف) الى صحة (4) و (5) الوسائل الباب 17 من صلاة الجماعة (6) الوسائل الباب 17 من صلاة الجماعة. واللفظ للفقيه ج 1 ص 250


[ 227 ]

ويؤمهم فان الله (عزوجل) جعل الارض طهورا كما جعل الماء طهورا ". وما رواه الشيخ عن عبد الله بن بكير في الموثق (1) قال: (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل أجنب ثم تيمم فأمنا ونحن طهور ؟ فقال لا بأس به ". وعن عبد الله بن المغيرة في الحسن عن عبد الله بن بكير عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " قلت له رجل أم قوما وهو جنب وقد تيمم وهم على طهور: فقال لا بأس ". وعن ابى اسامة عن ابى عبد الله عليه السلام (3) " في الرجل يجنب وليس معه ماء وهو امام القوم ؟ قال يتيمم ويؤمهم ". والاقرب عندي في الجمع بين هذه الاخبار هو حمل الاخبار الاولة على التقية لا تفاق المخالفين إلا الشاذ النادر على الحكم المذكور (4) كما عرفت من كلام العلامة وان وافقهم اصحابنا (رضوان الله عليهم) في ذلك وجعلوه وجه جمع بين هذه الاخبار إلا ان الاخبار المجوزة لا إشارة فيها الى ذلك فضلا عن التصريح به، ويعضده ان رواة الخبرين الاولين من العامة. والى ما ذكرناه من العمل بهذه الاخبار الاخيرة يميل كلام صاحب المدارك بناء على قاعدته، حيث نقل صحيحة جميل في المسألة ورد الخبرين الاولين بضعف الاسناد ورجح العمل بالصحيحة المذكورة لضعف المعارض لها ولم ينقل شيئا من الروايات التى أردفناها به. وبالجملة فالاظهر عندي ما ذكرته. والله العالم.

ومنها - العبد وقد وقع الخلاف في امامته، فقال في المبسوط والنهاية: لا يجوز أن يؤم الاحرار ويجوز أن يؤم مواليه إذا كان اقرأهم. وقال ابن بابويه في المقنع: ولا يؤم العبد إلا أهله لرواية السكوني (5) وأطلق ابن حمزة ان العبد لا يؤم الحر،


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 17 من صلاة الجماعة (4) في المهذب ج 1 ص 97 يجوز للمتوضئ أن يصلى خلف المتيمم لانه اتى عن طهارة يبدل. وفى المغنى ج 2 ص 225 يصح ائمام المتوضئ بالمتيمم لا اعلم فيه خلافا لان عمرو ابن العاص صلى باصحابه متيمما وبلغ النبي (ص) فلم ينكره. (5) ص 228


[ 228 ]

وجوز امامته مطلقا ابن الجنيد وابن ادريس، وأطلق الشيخ في الخلاف جواز امامته قال: وفى بعض رواياتنا لا يؤم إلا مولاه. وقال أبو الصلاح يكره. ويدل على جواز امامته جملة من الاخبار: منها - ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام (1) قال: " قلت له الصلاة خلف العبد فقال لا بأس به إذا كان فقيها ولم يكن هناك أفقه منه.. الحديث ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) " انه سئل عن العبد يؤم القوم إذا رضوا به وكان اكثر هم قرآنا ؟ قال لا بأس به " ورواه ايضا في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام وذكر مثله (3). وعن سماعة في الموثق (4) قال: " سألته عن المملوك يؤم الناس فقال لا إلا أن يكون هو افقههم وأعلمهم ". وما رواه الحميرى في كتاب قرب الاسناد عن السندي بن محمد عن ابى البخترى عن جعفر عن ابيه عن على (عليهم السلام) (5) قال: " لا بأس أن يؤم المملوك إذا كان قارئا ". وهذه الاخبار كما ترى كلها ظاهرة في الجواز إذا كان من أهل الامامة. إلا انه روى الشيخ عن النوفلي عن السكوني عن جعفر عن ابيه عن على (عليهم السلام) (6) قال " لا يؤم العبد إلا أهله ". وجمع الشيخ بينه وبين الاخبار المتقدمة بحمل هذا الخبر على الاستحباب وتبعه في ذلك جملة من الاصحاب كما هي قاعدتهم في سائر الابواب. أنت خبير بان ظاهر تلك الاخبار على تعدادها مؤذن بجواز الامامة متى كان قارئا أو فقيها من غير اشعار بكراهة بالكلية، وحملها على خلاف ظاهرها بمجرد هذا الخبر مع ضعفه وعدم نهوضه بالمعارضة مشكل، ولعل طرحه وارجاعه الى قائله هو الاولى ان لم يكن خرج مخرج التقة. ومن ذلك يظهر لك


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 16 من صلاة الجماعة


[ 229 ]

عدم المستند لما ذكروه من الاقوال المتقدمة فان هذه أخبار المسألة التى وصلت الينا. والله العالم.

ومنها - المقيد بالمطلقين وصاحب الفالج بالاصحاء، والظاهر ان امامة المقيد بالمطلقين ترجع الى امامة القاعد بالقائمين، وقد عرفت آنفا ان الحكم في ذلك هو التحريم، وحينئذ فلا وجه لعده هنا في المكروهات كما ذكره بعضهم إلا ان يكون المقيد يستطيع الصلاة قائما وهو خلاف الظاهر وكذا صاحب الفالج، وبالجملة فانه متى استلزم نقصان صلاة الامام بترك شئ من واجباتها فظاهرهم المنع من الاقتداء كما صرحوا به في غير موضع وإلا فالكراهة. ومن الاخبار الواردة هنا ما رواه في الكافي عن السكوني عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " قال امير المؤمنين عليه السلام لا يؤم المقيد المطلقين ولاصاحب الفالج الاصحاء ولاصاحب التيمم المتوضئين.. الحديث " ورواه الصدوق مرسلا (2). وعن السكوني عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (3) قال " لا يؤم صاحب الفالج الاصحاء ". وعن صاعد بن مسلم عن الشعبى (4) قال قال على عليه السلام في حديث: " لا يؤم المقيد المطلقين ". قال شيخنا المجلسي في البحار: وظاهر كلام بعض الاصحاب عدم جواز امامة المقيد المطلقين وصاحب الفالج الاصحاء، والمشهور الكراهة إلا مع عدم تمكنهما من الاتيان بافعال الصلاة. انتهى.

ومنها - امامة المسافر بالحاضر وبالعكس، وقد تقدم الكلام في ذلك في المسأله العاشرة من المطلب المتقدم.


(1) الوسائل الباب 22 من صلاة الجماعة. (2) الوسائل الباب 22 من صلاة الجماعة الى قوله " الاصحاء " (3) الوسائل الباب 22 من صلاة الجماعة. والرواية للشيخ في التهذيب ج 1 ص 302 (4) الوسائل الباب 22 من صلاة الجماعة. وفى النسخ " محمد بن مسلم " وقد صححناه


[ 230 ]

المطلب الثالث

في الاحكام

وفيه مسائل:

الاولى - الاشهر الاظهر أنه لو تبين بعد الصلاة ان الامام كافر أو فاسق أو على غير طهارة لم تبطل صلاة من ائتم به، ونقل عن المرتضى وابن الجنيد انهما أوجبا الاعادة على المأموم، كذا نقله عنهما في المدارك ومثله الفاضل الخراساني في الذخيرة. وظاهره يؤذن بان المرتضى خالف في كل من المسائل الثلاث اعني فسق الامام وكفره وحدثه، والظاهر انه ليس كذلك فان ظاهر العلامة في المنتهى والمختلف ان خلاف السيد انما هو في مسألتي الكفر والفسق دون الحدث، أما في المنتهى فانه قال: لو صلى خلف من ظاهره العدالة فبان فاسقا لم يعد وبه قال الشيخ وقال السيد المرتضى يعيد. ثم قال: الثاني - لو صلى خلف جنب أو محدث عالما أعاد بغير خلاف ولو كان جاهلا لم يعد، قال السيد المرتضى يلزم الامام الاعادة دون المأموم. قال: وقد روى ان المأمومين ان علموا في الوقت لزمهم الاعادة. وأما في المختلف فانه انما نقل خلاف المرتضى في مسألة ظهور الفسق أو الكفر وأما مسألة الحدث فلم يتعرض لذكرها في الكتاب، وهو مؤذن بانها ليست محل خلاف. وحكى الصدوق في الفقيه عن جماعة من مشايخه انه سمعهم يقولون ليس عليه اعادة شئ من ما جهر فيه وعليهم اعادة ما صلى بهم من ما لم يجهر فيه، قال: والحديث المفصل يحكم على المجمل. ويدل على القول المشهور جملة من الاخبار: منها - ما رواه ثقة الاسلام والشيخ عن ابن ابى عمير في الصحيح أو الحسن عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام (1) " في قوم خرجوا من خراسان أو بعض الجبال وكان يؤمهم رجل فلما صاروا الى الكوفة علموا انه يهودى ؟ قال لا يعيدون ". وقال الصدوق في الفقيه: وفى كتاب زياد بن مروان القندى وفى نوادر محمد


(1) الوسائل الباب 37 من صلاة الجماعة. والشيخ يرويه عن الكليني


[ 231 ]

ابن ابى عمير ان الصادق عليه السلام (1) قال: " في رجل صلى بقوم من حين خرجوا من خراسان حتى قدموا مكة فإذا هو يهودى أو نصراني ؟ قال ليس عليهم اعادة ". ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام (2) قال: " سألته عن الرجل يؤم القوم وهو على غير طهر فلا يعلم حتى تنقضي صلاته فقال يعيد ولا يعيد من خلفه وان اعلمهم انه على غير طهر ". وعن زرارة في الصحيح عن ابى جعفر عليه السلام (3) قال: " سألته عن قوم صلى بهم امامهم وهو غير طاهر أتجوز صلاتهم ام يعيدونها ؟ فقال لا اعادة عليهم تمت صلاتهم وعليه هو الاعادة، وليس عليه ان يعلمهم هذا عنه موضوع ". وعن عبد الله بن بكير في الموثق به (4) قال: " سأل حمزة بن حمران أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أمنا في السفر وهو جنب وقد علم ونحن لا نعلم ؟ قال لا بأس " وعن عبد الله بن ابى يعفور بسند لا يبعد أن يكون موثقا (5) قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل أم قوما وهو على غير وضوء ؟ فقال ليس عليهم اعادة وعليه هو أن يعيد ". وعن الحلبي في الصحيح عن ابى عبد الله عليه السلام (6) انه قال: " في رجل يصلى بالقوم ثم يعلم انه صلى بهم الى غير القبلة ؟ قال ليس عليهم اعادة ". وما رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (7) قال: " من صلى بقوم وهو جنب أو على غير وضوء فعليه الاعادة وليس عليهم أن يعيدوا، وليس عليه أن يعلمهم ولو كان ذلك عليه لهلك. قال قلت كيف كان يصنع بمن قد خرج الى خراسان وكيف كان يصنع بمن لايعرف ؟ قال هذا عنه موضوع ". وباسناده عن جميل بن دراج عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (8)


(1) الوسائل الباب 37 من صلاة الجماعة (2) و (3) و (4) و (5) و (7) و (8) الوسائل الباب 36 من صلاة الجماعة (6) الوسائل الباب 38 من صلاة الجماعة


[ 232 ]

قال: " سألته عن رجل صلى بقوم ركعتين ثم أخبرهم انه ليس على وضوء ؟ قال يتم القوم صلاتهم فانه ليس على الامام ضمان ". وما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أم قوما وهو على غير طهر فاعلمهم بعد ما صلوا ؟ فقال يعيد هو ولا يعيدون ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن وهب (2) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام أيضمن الامام صلاة الفريضة فان هؤلاء يزعمون انه يضمن ؟ فقال لا يضمن أي شئ يضمن ؟ إلا أن يصلى بهم جنبا أو على غير طهر ". وأما ما رواه الشيخ عن عبد الرحمن العرزمى عن ابيه عن ابى عبد الله عليه السلام (3) - قال " صلى على (عليه السلام) بالناس على غير طهر وكانت الظهر ثم دخل فخرج مناديه ان امير المؤمنين (عليه السلام) صلى على غير طهر فاعيدوا وليبلغ الشاهد الغائب " - فأجاب عنه الشيخ في التهذيبين بان هذا خبر شاذ مخالف للاخبار كلها وما هذا حكمه لا يجوز العمل به، على ان فيه ما يبطله وهو ان امير المؤمنين (عليه السلام) أدى فريضة على غير طهر ساهيا غير ذاكر، وقد امننا من ذلك دلالة عصمته (عليه السلام) انتهى. وهو جيد. اقول: ومن الاخبار الدالة على ما دل عليه هذا الخبر من وجوب الاعادة على المأمومين ما نقله في كتاب البحار (4) عن نوادر الراوندي بسنده فيه عن موسى بن اسماعيل عن ابيه عن جده موسى بن جعفر عن آبائه عن على (عليهم السلام) قال: " من صلى بالناس وهو جنب اعاد هو واعاد الناس ".


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 36 من صلاة الجماعة. (4) ج 18 الصلاة ص 625. وفيه " اعاد هو والناس صلاتهم "


[ 233 ]

وما رواه في كتاب دعائم الاسلام عن على (صلوات الله عليه) (1) قال: " صلى عمر بالناس صلاة الفجر فلما قضى الصلاة أقبل عليهم فقال يا أيها الناس ان عمر صلى بكم الغداة وهو جنب. فقال له الناس فماذا ترى ؟ فقال على الاعادة ولا اعادة عليكم. فقال له على (عليه السلام) بل عليك الاعادة وعليهم ان القوم بامامهم يركعون ويسجدون فإذا فسدت صلاة الامام فسدت صلاة المأمومين ". قال شيخنا في البحار بعد نقل خبر الراوندي: وهذا الخبر يمكن حمله على علمهم بكونه جنبا أو على الاستحباب أو على التقية لانه مذهب الشعبى وابن سيرين واصحاب الرأى من العامة (2) وان كان اكثرهم معنا. أقول: وأظهر هذه الاحتمالات هو الثالث لان مذهب ابى حنيفة واصحابه المعبر عنهم باصحاب الرأى كان له قوة في وقته فحمل ما وافقه على التقية غير بعيد، والتقية هنا من الكاظم (عليه السلام) في نقل ذلك، وعلى ذلك يحمل ايضا حديث كتاب الدعائم. وبالجملة فانه لما ثبت اتفاق الطائفة على الحكم المذكور وتكاثر الاخبار الصريحة الصحيحة به كما عرفت من ما تلوناه فلا مندوحة من تأويل هذين الخبرين الضعيفين أو طرحهما بالكلية. ونقل ان السيد المرتضى احتج - على ما نقل عنه - بانها صلاة تبين فسادها لاختلال بعض شرائطها فيجب اعادتها، وبانها صلاة منهى عنها فتكون فاسدة. وفيه (أولا) - ان هذا الاحتجاج في مقابلة النصوص المتكاثرة كما عرفت غير مسموع. و (ثانيا) - ان تبين الفساد مسلم بالنسبة الى الامام أما بالنسبة الى المأمومين فهو محل المنع، لانهم مأمورون بالاقتداء بمن ظاهره الاتصاف بشرط الامامة اعم من أن يكون ذلك الظاهر مطابقا للواقع أولا، ومقتضى الامر الاجزاء والاعادة تحتاج الى دليل. وكذا قوله " انها صلاة منهى عنها " مسلم بالنسبة الى الامام وأما المأموم


(1) مستدرك الوسائل الباب 32 من صلاة الجماعة (2) المغنى ج 2 ص 99


[ 234 ]

فلا بل هي مأمور بها لما عرفت. وأما ما نقله الصدوق عن بعض مشايخه فلم يصل الينا ما يدل على ما ذكروه من التفصيل، والظاهر انه لم يصل إليه أيضا وإلا لافتى بما قالوه ولم يكتف بمجرد نقل ذلك عنهم. هذا. ولو ظهر ذلك في الاثناء فانهم يعدلون الى الانفراد بناء على القول المشهور من عدم وجوب الاعادة، واما على القول بوجوب الاعادة فقيل بانه يستأنف هنا. قيل ويحتمل الاستئناف على القولين ان قلنا بتحريم المفارقة في اثناء الصلاة، قال في الذكرى: ولو صلى بهم بعض الصلاة ثم عملوا حينئذ أتم القوم في رواية جميل وفى رواية حماد عن الحلبي (1) " يستقبلون صلاتهم ". اقول: الظاهر هو القول بالعدول الى الانفراد لما عرفت من الاخبار المتكاثرة المتعاضدة الدلالة على صحة الصلاة كملا بعد العلم فكذا بعضها بطريق أولى، ولصحيحة زرارة المتقدمة وهى الثانية من روايتيه المتقدمتين. واما ما نقله هنا في الذكرى من رواية حماد عن الحلبي الدالة على الاستقبال فلم اقف عليها في ما حضرني من كتب الاخبار ولا سيما ما جمع الكتب الاربعة وغيرها من الوسائل والبحار. والله العالم.

المسألة الثانية - قد تقدم في باب صلاة الجمعة الكلام في ما به تدرك الركعة وتحتسب من ادراك الامام راكعا أو انه لابد من إدراك تكبير الركوع، وقد تقدم تحقيق القول في ذلك ونقل الاخبار المتعلقة بالمسألة. بقى الكلام هنا بناء على القول المشهور ثمة من ادراك الركعة بالدخول معه حال ركوعه، فلو دخل المأموم وخاف بالالتحاق بالصف رفع الامام رأسه من الركوع فانه يكبر مكانه ويمشى في ركوعه حتى يلتحق بالصف، ولو سجد الامام


(1) سيأتي منه (قدس سره) بعد اسطر التصريح بعدم الوقوف عليها


[ 235 ]

قبل التحاقه جاز له السجود في موضعه ثم الالتحاق بالصف إذا قام، قال في المنتهى: ذهب إليه علماؤنا. أقول: ويدل على الحكم الاول ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) " انه سئل عن الرجل يدخل المسجد فيخاف ان تفوته لركعة ؟ فقال يركع قبل أن يبلغ القوم ويمشى وهو راكع حتى يبلغهم ". قال الصدوق في الفقيه (2): وروى انه يمشى في الصلاة يجر رجليه ولا يتخطى. وعلى الثاني ما رواه عن عبد الرحمان بى ابى عبد الله في الصحيح عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " إذا دخلت المسجد والامام راكع فظننت انك ان مشيت إليه رفع رأسه قبل أن تدركه فكبر واركع فإذا رفع رأسه فاسجد مكانك فإذا قام فالحق بالصف وان جلس فاجلس مكانك فإذا قام فالحق بالصف ". وعن معاوية بن عمار في الصحيح (4) قال: " رأيت أبا عبد الله عليه السلام يوما وقد دخل المسجد الحرام لصلاة العصر فلما كان دون الصفوف ركعوا فركع وحده وسجد السجدتين ثم قام فمضى حتى لحق الصفوف ". أقول: وفى ذكر هذا الخبر في عداد أخبار هذه المسألة كما ذكره الاصحاب نظر لان الظاهر ان ائتمامه عليه السلام انما كان بمخالف، وقد عرفت أن الصلاة معهم انما هو على جهة الانفراد، فهو عليه السلام كان منفردا والكلام في المأموم الحقيقي، بقى جواز مشيه عليه السلام حال الصلاة حتى لحق بالصف وهو محمول على التقية (5).


و (1) و (2) و (3) الوسائل الباب 46 من صلاة الجماعة (4) الوسائل الباب 46 من صلاة الجماعة. والراوي معاوية بن وهب (5) في بداية المجتهد ج 1 ص 137 المسألة الخامسة من الفصل الثالث: ذهب مالك وكثير من العلماء الى ان الداخل وراء الامام إذا خاف فوات الركعة له ان يركع دون الصف ثم يدب راكعا، وكره ذلك الشافعي، وفرق أبو حنيفة بين الواحد فيكره وبين الجماعة فيجوز لهم. وفى المغنى ج 2 ص 134: ممن رخص في ركوع الرجل ثم بدب راكعا حتى يدخل في الصف زبد بن ثابت وفعله ابن مسعود وزيد بن وهب وابو بكر بن عبد الرحمن =


[ 236 ]

اقول: ومن اخبار المسألة ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) قال: " قلت له الرجل يتأخر وهو في الصلاة ؟ قال لا. قلت فيتقدم ؟ قال نعم ماشيا الى القبلة " ورواه الكليني مثله (2). وروى الشيخ عن اسحاق بن عمار (3) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام ادخل المسجد وقد ركع الامام فاركع بركوعه وانا وحدي واسجد فإذا رفعت رأسي أي شئ أصنع ؟ فقال قم فاذهب إليهم فان كانوا قياما فقم معهم وان كانوا جلوسا فاجلس معهم " ورواه الصدوق باسناده عن اسحاق بن عمار مثله (4). وقيد شيخنا الشهيد الثاني المشى حال الصلاة بغير حالة الذكر الواجب، والظاهر ان منشأه المحافظة على وجوب الطمأنينة في موضعها، إلا ان ظاهر النصوص الاطلاق ولعله يخص هذا الاطلاق بما دلت عليه أدلة وجوب الطمأنينة. والاقرب تخصيص أدلة وجوب الطمأنينة بهذه الاخبار فانها أظهر في الدلالة سيما مع عدم ما يدل على ما يدعونه من وجوب الطمأنينة من النصوص. وقال العلامة في المنتهى: ولو فعل ذلك من غير ضرورة وخوف فوت فالظاهر الجواز خلافا لبعض العامة (5) لان للمأموم أن يصلى في الصف منفردا وان يتقدم بين يدية وحينئذ يثبت المطلوب. انتهى. قال في الذخيرة بعد نقله: ويدل عليه ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الصحيح (6) قال: قلت له: الرجل يتأخر وهو في الصلاة.. الخبر كما ذكرناه. اقول: ان هنا مسألتين: أحداهما التقدم من صف الى آخر والتأخر إما لسد


= وعروة وسعيد بن جبير وابن جريح وجوزه الزهري والاوزاعي ومالك والشافعي إذا كان قريبا من الصف. (1) و (2) و (3) و (4) و (6) الوسائل الباب 46 من صلاة الجماعة (5) لم اقف على نفس الفرع ويمكن ان يستفاد من ما في المجموع للنووي ج 4 ص 298 حيث انه بعد حكاية الخلاف في صلاة المنفرد خلف الصف نقل ان المشهور عن احمد واسحاق صحة احرامه وان دخل في الصف قبل الركوع صحت قدوته.


[ 237 ]

خلل الصفوف أو لضيق مكان المصلى أو لاتمام الصف، ومن الظاهر انه ليس هنا ما يمنع من ذلك إلا من حيث الاخلال بالطمأنينة لو انتقل في وقت تجب فيه الطمأنينة، فالاولى والاظهر هو جواز الانتقال كما دلت عليه الاخبار لكن في وقت لا يلزم الاخلال بالطمأنينة التى هي أحد واجبات الصلاة وفيه جمع بين الادلة الثانية - ما لو دخل المصلى المسجد وبينه وبين الصفوف مسافة تزيد على ما لا يتخطى الذى هو كما عرفت من ما يبطل القدوة، فان الاخبار هنا دلت على انه متى خاف فوت الركعة برفع الامام رأسه قبل وصوله الى الصفوف والالتحاق بها فانه يكبر مكانه ويركع، وتصير هذه المسافة والبعد المبطلان للقدوة في غير هذه الصورة مغتفرين في هذه الصورة بالنص لضرورة ادراك الركعة، وقد رخص له في الخبر أن يمشى في حال ركوعه ويلتحق بالصف، وفيه دليل على اغتفار وجوب الطمأنينة وانها لا تبطل الصلاة بتركها في هذه الصورة، وهكذا لو سجد الامام قبل التحاقه فانه يسجد معه ولو جلس للتشهد جلس ايضا معه وان كانت تلك المسافة المبطلة في غير هذه الصورة موجودة لانها صارت مغتفرة بهذه النصوص. وبذلك يظهر لك ما في كلام المنتهى وان وافقه عليه في الذخيرة من عدم الاستقامة من انه لو فعل ذلك من غير ضرورة وخوف فوت الركعة جاز قياسا على التقدم والتأخر في الصفوف وهى كما عرفت مسألة اخرى، وكيف يجوز ما ذكروه حال الاختيار والمفروض حصول البعد بين المأموم والصفوف بالقدر الممنوع منه في غير هذه الصورة، اللهم إلا ان يبنى كلامه على عدم حصول البعد الموجب للاخلال بالقدوة الذى ناطوه بالعرف. وبالجملة فان كلامه هنا على ما حققناه آنفا في مسألة البعد وتحديده غير وجيه ولا تام. وقياسه مسألة تكبير الداخل للجماعة قبل الالتحاق بالصفوف على مسألة الانتقال من صف الى آخر قياس مع الفارق كما عرفت. والله العالم.

المسألة الثالثة - المعروف من كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا يجوز


[ 238 ]

للمأموم مفارقة الامام لغير عذر إلا أن ينوى الانفراد. واستدل على الاول وهو عدم جواز المفارقة لغير عذر بالتأسي وقوله صلى الله عليه واله (1): " انما جعل الامام اماما ليؤتم به ". وفيه ما عرفت مرارا من أن التأسي لا يكون دليلا في وجوب أو تحريم إلا مع معلومية وجهه وإلا فهو أعم من ذلك والامر هنا كذلك. وأما الحديث المذكور فقد تقدم الكلام في انه غير ثابت من طرقنا بل الظاهر انه من روايات القوم كما صرح به بعض أصحابنا، مع ما في دلالته من المناقشة. والاولى الاستدلال على ذلك بما ذكره بعض محققى متأخرى المتأخرين من أن الصلاة عبادة مترتبة على التوقيف عن صاحب الشرع وليس هنا ما يدل على شرعيتها على هذا الوجه. واما المفارقة مع العذر فلا ريب في جوازها كما في المسبوق الذى يجلس للتشهد حال قيام الامام ويتشهد ثم يلتحق به، وكذا من تخلف عنه بركن أو اكثر لعذر من سهو أو ضيق مكان كما تقدم، فانه يأتي بما سبقه به ويلتحق به ولا يضر تأخره عنه لمكان العذر. وأما جواز الانفراد بنيته قبل فراغ الامام فهو المشهور في كلامهم بل نقل العلامة في النهاية الاجماع عليه. وقال الشيخ في المبسوط: من فارق الامام لغير عذر بطلت صلاته وان فارقه لعذر وتمم صحت صلاته. وهو ظاهر في عدم جواز نية الانفراد. واحتج الاولون بوجوه: منها - ان النبي صلى الله عليه واله صلى بطائفة يوم ذات الرقاع ركعة ثم خرجت من صلاته واتمت منفردة (2).

ومنها - ان الجماعة ليست واجبة ابتداء فكذا استدامة.

ومنها - ان الغرض من الائتمام تحصيل الفضيلة فيكون


(1) ارجع الى التعليقة 3 ص 134 وليس فيه كلمة " اماما " (2) سنن ابى داود ج 2 ص 13 صلاة الخوف


[ 239 ]

تركه لها مفوتا لها دون الصحة. ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن جعفر عن اخيه موسى عليه السلام (1) قال: " سألته عن الرجل يكون خلف امام فيطول في التشهد فيأخذه البول أو يخاف على شئ أن يفوت أو يعرض له وجع كيف يصنع ؟ قال: يسلم وينصرف ويدع الامام ". ومنها - الاخبار الدالة على جواز التسليم قبل الامام، مضافا الى اتفاق الاصحاب على ذلك حتى من القائلين بوجوب التسليم. كما رواه الشيخ في الصحيح عن ابى المعزا عن ابى عبد الله عليه السلام (2) " في الرجل يصلى خلف امام فيسلم قبل الامام ؟ فقال ليس بذلك بأس ". وعن الحلبي في الصحيح عن ابى عبد الله عليه السلام (3) " في الرجل يكون خلف الامام فيطيل الامام التشهد ؟ فقال يسلم من خلفه ويمضى في حاجته ان أحب ". وأنت خبير بما في هذه الوجوه من امكان تطرق المناقشات إليها: أما الاول فهو ظاهر في أن المفارقة انما كانت لعذر وقد عرفت انه ليس بمحل خلاف ولا اشكال. وأما الثاني فانه لا يلزم من عدم وجوب الجماعة ابتداء عدم وجوبها استدامة، والحاق أحدهما بالآخر قياس لا يوافق اصول المذهب، واما الثالث فان نية الائتمام كما تفيد الفضيلة كذا تفيد الصحة على هذا الوجه، ومن الجائز أن يكون ترك الائتمام ابتداء مفوتا للفضيلة وفى الاثناء مفوتا للصحة، وبالجملة فانه مع الاستمرار على نية الائتمام مقطوع بالصحة بلا إشكال ومع نية الانفراد وحصول المفارقة لا قطع على الصحة، فافادتها الصحة من ما لاشك ولا إشكال فيه. واما الرابع فهو يرجع الى الاول لان الرواية المذكورة ظاهرة في العذر، وقد عرفت انه من ما لا خلاف فيه ولا اشكال. واما الخامس فنقول بموجبه ونمنع التعدي عن موضع النص وهو أخص من المدعى فلا يفيد دلالة على المطلوب.


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 64 من صلاة الجماعة


[ 240 ]

وكيف كان فالمسألة لا تخلو من الاشكال والاحتياط فيها واجب على كل حال، وهو في ما ذهب إليه الشيخ كما هو الاقرب في هذا المجال. هذا كله في الجماعة المستحبة أما الواجبة فلا يجوز الانفراد فيها قطعا من غير خلاف. ثم انه على تقدير القول المشهور من جواز نية الانفراد فقد فرعوا على ذلك فروعا عديدة: منها - عدوله بعد نية الانفراد الى الائتمام بامام آخر في اثناء الصلاة، وقد تقدم الكلام في ذلك مستوفى في بحث نية الوضوء من كتاب الطهارة ومرت الاشارة إليه قريبا ايضا. وينبغى أن يعلم انه متى جوزنا للمأموم الانفراد فانه يجب عليه اتمام صلاته منفردا، فان حصلت المفارقة قبل القراءة قرأ لنفسه وان كان بعد تمامها ركع لنفسه ومضى في صلاته، وانما الكلام في ما لو كان في اثنائها فالظاهر على تقدير القول المذكور انه يقرأ من موضع القطع والمفارقة، وأوجب الشهيد الثاني الابتداء من أول السورة التى حصل القطع في اثنائها، واستوجه الشهيد في الذكرى الاستئناف مطلقا لانه في محل القراءة وقد نوى الانفراد. والحكم محل إشكال إلا انك قد عرفت ان أصل القول المتفرع عليه هذا الحكم خال من الاستدلال. والله العالم.

المسألة الرابعة - إذا فاته مع الامام شئ صلى ما يدركه وجعله أول صلاته واتم ما بقى عليه، وعليه الاصحاب كافة كما نقله الفاضلان في المعتبر والمنتهى. ويدل على الحكم المذكور جملة من الاخبار: منها - ما رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (1) انه قال " إذا فاتك شئ مع الامام فاجعل أول صلاتك ما استقبلت منها ولا تجعل اول صلاتك آخرها ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام (2) قال:


(1) و (2) الوسائل الباب 47 من صلاة الجماعة.


[ 241 ]

" إذا ادرك الرجل بعض الصلاة وفاته بعض خلف امام يحتسب بالصلاة خلفه جعل أول ما أدرك اول صلاته: ان أدرك من الظهر أو من العصر أو من العشاء ركعتين وفاتته ركعتان قرأ في كل ركعة من ما أدرك خلف الامام في نفسه بام الكتاب وسورة، فان لم يدرك السورة تامة اجزأته ام الكتاب، فإذا سلم الامام قام فصلى ركعتين لا يقرأ فيهما، لان الصلاة انما يقرأ فيها في الاولتين في كل ركعة بام الكتاب وسورة وفى الاخيرتين لا يقرأ فيهما انما هو تسبيح وتكبير وتهليل ودعاء ليس فيهما قراءة، وان أدرك ركعة قراء فيها خلف الامام فإذا سلم الامام قام فقرأ بام الكتاب وسورة ثم قعد فتشهد ثم قام فصلى ركعتين ليس فيهما قراءة ". وفى الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يدرك الركعة الثانية من الصلاة مع الامام وهى له الاولى كيف يصنع إذا جلس الامام ؟ قال يتجافى ولا يتمكن من القعود فإذا كانت الثالثة للامام وهى له الثانية فليلبث قليلا إذا قام الامام بقدر ما يتشهد ثم يلحق الامام. قال: وسألته عن الرجل الذى يدرك الركعتين الاخيرتين من الصلاة كيف يصنع بالقراءة ؟ فقال اقرأ فيهما فانهما لك الاولتان ولا تجعل أول صلاتك آخرها ". الى غير ذلك من الاخبار الآتية ان شاء الله تعالى في المقام. قال في المدارك بعد ايراد صحيحتي زرارة وعبد الرحمان المذكورتين ما لفظه: ومقتضى الروايتين ان المأموم يقرأ خلف الامام إذا أدركه في الركعتين الاخيرتين وكلام اكثر الاصحاب خال من التعرض لذلك، وقال العلامة (قدس سره) في المنتهى: الاقرب عندي ان القراءة مستحبة، ونقل عن بعض فقهائنا الوجوب لئلا تخلو الصلاة عن قراءة إذ هو مخير في التسبيح في الاخيرتين. وليس بشئ، فان احتج بحديث زرارة وعبد الرحمان حملنا الامر فيهما على الندب لما ثبت من عدم وجوب القراءة على المأموم. هذا كلامه (قدس سره) ولا يخلو من نظر لان


(1) الوسائل الباب 47 من صلاة الجماعة. والشيخ يرويه عن الكليني


[ 242 ]

ما تضمن سقوط القراءة باطلاقه لا ينافى هذين الخبرين المفصلين لوجوب حمل الاطلاق عليهما وان كان ما ذكره من الحمل لا يخلو من قرب، لان النهى في الرواية الاولى عن القراءة في الاخيرتين للكراهة قطعا، وكذا الامر بالتجافي وعدم التمكن من القعود في الرواية الثانية محمول على الاستحباب، ومع اشتمال الرواية على استعمال الامر في الندب والنهى في الكراهة يضعف الاستدلال بما وقع فيها من الاوامر على الوجوب أو النواهي على التحريم. مع ان مقتضى الرواية الاولى كون الامر بالقراءة في النفس وهو لا يدل صريحا على وجوب التلفظ بها. وكيف كان فالروايتان قاصرتان عن اثبات الوجوب. انتهى. وتبعه في هذه المقالة جمع ممن تأخر عنه كما هي عادتهم غالبا ومنهم الفاضل الخراساني متمسكا زيادة على ذلك بما صرح به في غير موضع من ما قدمنا نقله عنه من أن الاوامر والنواهي في أخبارنا لا تدل على الوجوب والتحريم. وفيه ما سيظهر لك ان شاء الله تعالى. والتحقيق عندي في المقام بما لم يسبق إليه سابق من علمائنا الاعلام (أعلى الله تعالى مقامهم في دار المقام) هو أن يقال لا يخفى ان عبائر جملة من المتقدمين وجل المتأخرين في هذه المسألة مجملة وان كان الظاهر منها بعد التأمل هو الوجوب، حيث ان بعضهم صرح بانه يقرأ وبعضهم عبر بلفظ الرواية وهو انه يجعل ما أدرك مع الامام أول صلاته، ثم ربما أردف ذلك بعضهم بذكر الصحيحتين المذكورتين. ولم أقف على من صرح بوجوب القراءة من المتقدمين إلا على كلام المرتضى (قدس سره) حيث نقل عنه في المختلف انه قال: لو فاتته ركعتان من الظهر أو العصر أو العشاء وجب أن يقرأ في الاخيرتين بالفاتحة في نفسه فإذا سلم الامام قام فصلى الركعتين الاخيرتين مسبحا فيهما. انتهى. وهو ايضا صريح كلام الشيخ ابى الصلاح في كتابه الكافي حيث قال: وإذا سبق بركعة فاولته ثانية الامام فإذا نهض الامام الى الثالثة وهى له ثانية فليقرأ لنفسه


[ 243 ]

الحمد وسورة، وإذا سبق بركعتين صارت اخيرتا الامام له أولتين فليقرأ لنفسه فيهما كقراءة المنفرد ويجلس بجلوسه، وان سبقه بثلاث ركعات فرابعة الامام له اولة فليقرأ لنفسه فيها. انتهى. الظاهر ان أول من صرح بالاستحباب في هذه المسألة هو العلامة في المنتهى والمختلف وتبعه المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد والسيد في المدارك لما ذكره من الوجوه المذكورة في كلامه. وعندي في ما ذكروه نظر وليكن محط الكلام وبيان ما فيه من النظر الظاهر لمن تدبر أخبار أهل الذكر (عليهم السلام) على كلام السيد المشار إليه حيث انه من ما استوفى البحث في المقام بما فيه من نقض وإبرام: فنقول: ان ما ذكره منظور فيه من وجوه: الاول - ان ما ذكره - من انه باشتمال الرواية على بعض الاوامر والنواهي المستحبة والمكروهة يلزم منه انسحاب الحكم الى جملة ما فيها من الاوامر والنواهي - فانه ممنوع لما صرحوا به في الاصول من أن الاصل في الامر الوجوب وفى النهى التحريم، وبه تمسك السيد المذكور في جملة من المواضع في كتابه، وقد عرفت من ما قدمناه في مقدمات الكتاب دلالة الآيات والروايات على ذلك ايضا، وحينئذ فالواجب الوقوف على ذلك حتى يقوم دليل على الخروج عنه والحمل على المعنى المجازى، وخروج بعض الاوامر والنواهي في تلك الرواية مخرج الاستحباب لدليل من خارج يدل على ذلك لا يقتضى انسحابه في ما لا دليل عليه. وهذا بحمد الله سبحانه ظاهر لمن نظر بعين الانصاف وجنح إليه الثاني - انه لو سلم ذلك بالنسبة الى صحيحة زرارة لو لم يكن لها معاضد يمنع ذلك لكنه غير مسلم بالنسبة الى صحيحة عبد الرحمان، لان الامر بالقراءة فيها وقع معللا منهيا عن خلافه وهو من ما يؤكد الوجوب كما لا يخفى. وايضا فالامر بالقراءة فيها واقع في سؤال منفصل على حدة غير السؤال المشتمل على الامر بالتجافي " ومن الجائز بل الواقع اشتمال الرواية على اسئلة متعددة عن احكام متباينة بل هو شائع


[ 244 ]

ذائع في الاخبار فالانسحاب فيها من ما لا وجه له بالكلية، ويلزم على ما ذكره انجرار هذا الحكم وانسحابه الى قوله: " فليلبث قليلا إذا قام الامام بقدر ما يشتهد " فينبغي بمقتضى ما ذكره أن يحمل اللبث هنا الذى هو عبارة عن الجلوس للتشهد في هذا المقام على الاستحباب مع ان هذه الرواية هي مستند الاصحاب في وجوب لتشهد على المسبوق، على انه ما ذكره من كون الامر بالتجافي وعدم التمكن محمولا على الاستحباب محل كلام، فان بعض الاصحاب ذهب الى وجوبه استنادا الى هذه الرواية والى ما رواه في كتاب معاني الاخبار عن الصادق عليه السلام (1) قال: " إذا اجلسك الامام في موضع يجب أن تقوم فيه فتجاب " ونقل القول بالوجوب شيخنا الشهيد في الذكرى عن ابن بابويه. الثالث - ان ما طعن به على صحيحة زرارة - من كون الامر بالقراءة فيها في النفس وهو لا يدل على الوجوب - كلام ظاهري فان هذه العبارة من ما شاع في الاخبار التعبير بها في مقام الكناية عن الاخفات والمبالغة فيه، حيث انه يكره للمأموم هنا أن يسمع الامام شيئا من ما يقول كما دلت عليه الاخبار. ومثل ذلك ما ورد في الاقتداء بالمخالف مع وجوب القراءة خلفه اتفاقا من قوله عليه السلام (2): " يجزئك إذا كنت معهم من القراءة مثل حديث النفس ". وابلغ منه ما روى من التعبير عن الاخفات بالصمت الذى هو حقيقة عدم الكلام بالكلية كما في صحيحة على بن يقطين (3) قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الركعتين اللتين يصمت فيهما الامام أيقرأ فيهما بالحمد.. الخبر " فان المراد بهما الركعتان من الصلاة الاخفاتية. وفى صحيحة على بن جعفر عن اخيه عليه السلام (4) قال: " سألته عن الرجل


(1) الوسائل الباب 6 من السجود (2) الوسائل الباب 33 من صلاة الجماعة. (3) الوسائل الباب 31 من صلاة الجماعة. (4) الوسائل الباب 52 من القراءة في الصلاة


[ 245 ]

يصلح له ان يقرأ في صلاته ويحرك لسانه بالقراءة في لهواته من غير أن يسمع نفسه ؟ قال: لا بأس ان لا يحرك لسانه يتوهم توهما " وحمله الشيخ على الصلاة خلف من لا يقتدى به. وفى كتاب قرب الاسناد عن اخيه عليه السلام (1) " انه سأله عن الرجل يقرأ في صلاته هل يجزئه أن لا يحرك لسانه وأن يتوهم توهما ؟ قال لا بأس " هذا مع الاتفاق على وجوب القراءة. وبالجملة فان باب المجاز واسع والتعبير بهذه العبارة عن المعنى الذى ذكرناه شائع، وعليه يحمل ما تقدم في عبارة السيد (قدس سره) وبذلك يظهر لك ان ما نسبه من القصور الى الروايتين لا أثر له عند التأمل ولا عين. الرابع - ان الاخبار المتعلقة بهذه المسألة كلها متطابقة الدلالة متعاضدة المقالة على وجوب القراءة في المقام ما بين صريح وظاهر لجملة ذوى الافهام، ومنها الصحيحتان المتقدمتان فانهما بما أوضحناه وكشفنا عنه نقاب الابهام صريحتان واضحتان، ومنها ما تقدم في كلامه من صحيحة الحلبي. وما رواه في التهذيب عن طلحة بن زيد عى جعفر عن ابيه عن على (عليهم السلام) (2) قال: " يجعل الرجل ما أدرك مع الامام أول صلاته. قال جعفر عليه السلام وليس نقول كما يقول الحمقى ". وعن احمد بن النضر عن رجل عن ابى جعفر - ورواه في الفقيه مرسلا عنه - عليه السلام (3) قال: " قال لى أي شئ يقول هؤلاء في الرجل إذا فاتته مع الامام ركعتان ؟ قلت يقولون يقرأ في الركعتين بالحمد وسورة. فقال هذا يقلب صلاته فيجعل أولها آخرها. قلت: فكيف يصنع ؟ قال يقرأ فاتحة الكتاب في كل ركعة ". والتقريب في هذه الروايات ومثله ما وقع في صحيحة عبد الرحمان من قوله


(1) الوسائل الباب 52 من القراءة في الصلاة (2) و (3) الوسائل الباب 47 من صلاة الجماعة


[ 246 ]

عليه السلام " اقرأ فيهما فانهما لك الاولتان ولا تجعل أول صلاتك آخرها " هو انه قد ذهب بعض العامة - ونسبه في المعتبر الى ابى حنيفة واتباعه - الى أن ما يدركه المأموم يجعله آخر صلاته إذا كان مسبوقا محتجا بقوله صلى الله عليه واله (1) " ما ادركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا " فان لفظ القضاء يدل على ان ما ينفرد به المصلى بعد تسليم الامام هو ما فاته مع الامام وهو اول صلاته، فعندهم انه يلزم في ما أدركه ما يلزم في الاخيرتين من القراءة أو التسبيح أو السكوت وما انفرد به يثبت فيه ما يثبت في الاولتين من الحمد والسورة، وهذه الروايات قد وردت في مقام الرد على هذا المذهب والنهى عنه وتضمنت ان ذلك قلب للصلاة كما صرحت به رواية احمد بن النضر وصحيحة الحلبي (2) حيث قال: عليه السلام " فاجعل أول صلاتك ما استقبلت منها ولا تجعل أول صلاتك آخرها " وحينئذ فعدم القلب انما هو بارجاع كل الى مقره من جعل الحمد والسورة في أول ما يدركه المأموم والتخيير المتقدم انما هو في ما ينفرد به. وهذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا سترة عليه. ومنها - ما رواه الشيخ عن عبد الرحمان بن ابى عبد الله البصري عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " إذا سبقك الامام بركعة فادركت القراءة الاخيرة قرأت في الثالثة من صلاته وهى ثنتان لك، فان لم تدرك معه إلا ركعة واحدة قرأت فيها وفى التى تليها.. الحديث ".


(1) في بدائع الصنائع للكاسانى الحنفي ج 1 ص 218 قال محمد: يؤمر من أدرك القوم ركوعا أن يأتي وعليه السكينة والوقار ولا يعجل في الصلاة حتى يصل الى الصف فما أدرك مع الامام صلى بالسكينة والوقار وما فاته قضى، واصله قول النبي (ص) " إذا اتيمم الصلاة فاتوها وأنتم تمشون ولا تأتوها وانتم تسعون عليكم بالسكينة والوقار، وما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا " وفى المهذب ج 1 ص 94 فان ادرك معه الاخيرة كان ذلك أول صلاته لما روى عن على (ع) انه قال " ما أدركت فهو أول صلاتك ". (2) ص 240 (3) الوسائل الباب 47 من صلاة الجماعة


[ 247 ]

وعن عمار بن موسى في الموثق عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " سألته عن الرجل يدرك الامام وهو يصلى اربع ركعات وقد صلى الامام ركعتين ؟ قال يفتتح الصلاة ويدخل معه ويقرأ خلفه في الركعتين ". وقال عليه السلام في كتاب الفقه الرضوي (2) " فان سبقت بركعة أو ركعتين فاقرأ في الركعتين الاولتين من صلاتك بالحمد وسورة فان لم تلحق السورة اجزأك الحمد ". وقال ايضا في موضع آخر (3) " وإذا فاتك مع الامام الركعة الاولى التى فيها القراءة فانصت للامام في الثانية التى ادركت ثم اقرأ أنت في الثالثة للامام وهى لك ثنتان ". وروى في كتاب دعائم الاسلام عن أمير المؤمنين عليه السلام (4) انه قال: " إذا سبق أحدكم الامام بشئ من الصلاة فليجعل ما يدرك مع الامام أول صلاته وليقرأ في ما بينه وبين نفسه ان أمهله الامام فان لم يمكنه قرأ في ما يقضى، وإذا دخل مع الامام في صلاة العشاء الآخرة وقد سبقه بركعة وادرك القراءة في الثانية فقام الامام في الثالثة قرأ المسبوق في نفسه كما كان يقرأ في الثانية واعتد بها لنفسه انها الثانية " وروى فيه عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) نحوه (5). وروى فيه عن ابى جعفر محمد بى على (عليهما السلام) (6) انه قال: " إذا أدركت الامام وقد صلى ركعتين فاجعل ما أدركت معه أول صلاتك فاقرأ لنفسك بفاتحة الكتاب وسورة ان امهلك الامام أو ما أدركت أن تقرأ واجعلها أول صلاتك ". فهذه جملة ما وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة، وكلها كما قدمنا ذكره قد اشتملت على الامر بالقراءة، وبه يظهر لك ما في كلام الجماعة المتقدمين من البناء في المسألة على مجرد الظن والتخمين. والحق فيها بحمد الله سبحانه واضح


(1) الوسائل الباب 29 من صلاة الجمعة (2) ص 14 (3) ص 10 وفيه " اجزأك الحمد وحده " (4) و (5) و (6) مستدرك الوسائل الباب 38 من صلاة الجماعة.


[ 248 ]

ومناره لمن اعطى التأمل حقه لائح. والله العالم. فروع الاول - قد عرفت من ما قدمنا من الاخبار وجوب القراءة على المسبوق في اولتيه، فلو اتفق ان الوقت ضاق عن القراءة كملا على وجه يدرك الامام في الركوع فهل يقرأ وان فاته ادراك الركوع فيقرأ ويلحقه في السجود أو يترك القراءة ويتابعه في الركوع ؟ اشكال ينشأ من وجوب القراءة كما عرفت ومن وجوب المتابعة وانفساخ القدوة بالاخلال بها في ركن كما تقدم بيانه في فروع المسألة التاسعة من المطلب الاول، وطريق الاحتياط في المقام مطلوب فينبغي للمكلف قبل دخوله وتكبيره ان يتامل وينظر فان امكنه الدخول والقراءة ولو بالحمد وحدها قبل رفع الامام رأسه من الركوع كبر ودخل معه وان عرف ضيق الوقت عن ذلك صبر حتى يركع الامام فيدخل معه إذ لا قراءة في هذه الحال، ومع فرض دخوله واتفاق الامر كما ذكرنا من الاشكال فالاولى له قطع القراءة ومتابعة الامام في الركوع قبل الرفع ثم الاعادة من رأس وان كان المفهوم من ظواهر جملة من الاخبار تقديم المتابعة وقطع القراءة كما تقدم ايضاحه في الموضع المشار إليه إلا ان الاحتياط بالاعادة من رأس اولى. الثاني - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان التخيير بين قراءة الحمد والتسبيح ثالث للمسبوق في الركعتين الاخيرتين وان إختار الامام التسبيح في الركعتين الاخيرتين ولم يقرأ، ويظهر من المنتهى كون ذلك اتفاقيا حيث قال: الذى عليه علماؤنا انه يقرأ في الركعتين اللتين فاتتاه بام الكتاب خاصة أو يسبح لانهما آخر صلاته. ونقل عن بعض الاصحاب القول بوجوب القراءة هنا في ركعة لئلا تخلو الصلاة عن قراءة، والاظهر الاستدلال على ذلك برواية احمد بن النضر المتقدمة (1)


(1) ص 245


[ 249 ]

حيث انه بعد أن منع من قراءة الحمد والسورة في الاخيرتين لاستلزامه قلب الصلاة أمر بقراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة. ومن ذلك ايضا ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن وهب (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يدرك آخر صلاة الامام وهى أول صلاة الرجل فلا يمهله حتى يقرأ فيقضى القراءة في آخر صلاته ؟ قال نعم " فان المراد من هذا الخبر كما ذكره في الاستبصار انه يأتي بالقراءة في الاخيرتين التى هي أحد فردي التخيير حيث انه فاتته القراءة في الاولتين، والتعبير بالقضاء وقع مجازا أو بمعنى الفعل كقوله عزوجل: " فإذا قضيت الصلاة " (2). وبذلك يظهر ان ما استدل به للقول المشهور - من عموم أدلة التسبيح الشاملة لموضع البحث - مدخول بانه يمكن تخصيص العموم المذكور بهذه الرواية كما انه خصص ايضا باخبار ناسى القراءة في الاولتين وان عليه القراءة في الاخيرتين كما هو أحد القولين حسبما تقدم تحقيق البحث في ذلك في الفصل الثامن من الباب الاول (3) في الصلوات اليومية، فانا قد رجحنا ثمة وجوب القراءة بالاخبار الدالة على ذلك وان كان خلاف المشهور فليرجع إليه من احب تحقيق الحال. الثالث - لو دخل المأموم مع الامام في الركعة الثانية وقنت الامام فانه يستحب للمأموم القنوت معه وان لم يكن موضع قنوت بالنسبة إليه. ويدل عليه ما رواه الشيخ عن عبد الرحمان بن ابى عبد الله في الموثق عن ابى عبد الله عليه السلام (4) " في الرجل يدخل في الركعة الاخيرة من الغداة مع الامام فقنت الامام أيقنت معه ؟ فقال نعم ". وكذا ينبغى المتابعة له في التشهد وان لم يكن موضع تشهد للمأموم، ويدل عليه


(1) الوسائل الباب 47 من صلاة الجماعة. (2) سورة الجمعة الآية 10 (3) الصحيح " الثاني " (4) الوسائل الباب 17 من القنوت


[ 250 ]

ما رواه الشيخ في الموثق عن الحسين بن المختار وداود بن الحصين (1) قال " سئل عن رجل فاتته ركعة من المغرب مع الامام وأدرك الثنتين فهى الاولى والثانية للقوم يتشهد فيها ؟ قال نعم. قلت والثانية ايضا ؟ قال نعم. قلت كلهن ؟ قال نعم فانما هو بركه ". وعن اسحاق بن يزيد (2) قال " قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك يسبقنى الامام بركعة فتكون لى واحدة وله ثنتان أفاتشهد كلما قعدت ؟ قال نعم فانما التشهد بركة ". وبذلك يظهر ان ما نقله في الذكرى عن ابى الصلاح - من انه يجلس مستوقرا ولا يتشهد، قال: وتبعه ابن زهرة وابن حمزة - غفلة عن ملاحظة هذه الاخبار وعدم الوقوف عليها. قيل: ومنه يعلم انه قد يوجد خمس تشهدات في الرباعية واربعة في الثلاثية وثلاثة في الثنائية. والظاهر انه سهو من القلم أو من القائل بل أربعة في الرباعية وثلاثة في الثلاثية واثنان في الثنائية. الرابع - قيل: الاولى القيام الى ادراك الفائت بعد تسليم الامام ويجوز قبله بعد التشهد على القول باستحباب التسليم، واما على القول بوجوبه فلا يبعد ايضا ذلك بل يجوز المفارقة بعد رفع الرأس من السجدة ايضا قبل التشهد بناء على القول بعدم وجوب المتابعة في الاقوال، وعلى تقدير الجواز هل تجب نية الانفراد ؟ فيه وجهان ولعل الاقرب العدم. انتهى. اقول: لا يحضرني الآن خبر في هذه المسالة إلا ما سيأتي قريبا في موثقة عمار (3) من قوله عليه السلام " فإذا سلم الامام قام الرجل فاتم صلاته " وهى كما ترى ظاهرة في كون القيام بعد التسليم، وباب الاحتمال في المسألة واسع. والله العالم.

المسألة الخامسة - لا يخفى ان للمأموم بالنظر الى دخوله مع الامام في الصلاة


(1) و (2) الوسائل الباب 66 من صلاة الجماعة (3) ص 254


[ 251 ]

احوالا: احدها - ان يدركه قبل الركوع، ولا خلاف في ادراكه الركعة والاعتداد بها، وعليه تدل الاخبار الكثيرة كما تقدم في صلاة الجمعة. الثانية - أن يدركه حال الركوع والاشهر الاظهر ادراك الركعة والاعتداد بها، وقد تقدم تحقيق القول في ذلك في فصل صلاة الجمعة وفى المسألة الثانية من هذا المطلب، فيكبر تكبيرة للافتتاح واخرى للركوع وان خاف فوت الركوع اجزأته تكبيرة الافتتاح، قال في المنتهى: ولو خاف الفوات اجزأته تكبيرة الافتتاح عن تكبيرة الركوع إجماعا. أقول: وقد تقدم ما يدل على ذلك من الاخبار في الفصل الثاني في تكبيرة الاحرام من فصول الباب الثاني في الصلوات اليومية وقد تقدم ما يتعلق من البحث بذلك الثالثة - أن يدركه بعد رفع رأسه من الركوع، ولا خلاف في فوات الركعة بذلك وعدم احتسابها، وكذلك الظاهر انه لا خلاف ايضا في استحباب التكبير والدخول معه ومتابعة الامام في السجدتين، وانما الخلاف في وجوب استئناف النية وتكبيرة الاحرام بعد القيام من السجود أو الاعتداد بما فعله أولا، فالشيخ على الثاني مستندا الى ان زيادة الركن مغتفرة في متابعة الامام، والاكثر على الاول لان زيادة السجدتين تبطل الصلاة، ويظهر من العلامة في المختلف التوقف في هذا الحكم من أصله للنهى عن الدخول في الركعة عند فوات تكبيرها. الرابعة - ان يدركه وقد سجد سجدة واحدة، قالوا وحكمه كالسابق. الخامسة - أن يدركه بعد رفع رأسه من السجدة الاخيرة، وقد قطع المحقق وغيره بانه يكبر ويجلس معه ويتخير بين الاتيان بالتشهد وعدمه استنادا الى رواية عمار الآتية، وقال في الذكرى: الحالة الخامسة - أن يدركه بعد السجود فيكبر ويجلس معه جلسة الاستراحة أو جلسة التشهد الاول أو التشهد الاخير، وتجزئ هذه التكبيرة قطعا فان كان قد بقى شئ من صلاة الامام بنى عليه وإلا نهض بعد تسليم الامام وأتم صلاته. ثم نقل روايتي عمار المتقابلتين في الجلوس بعد التكبيرة وقد جمع بينهما بجواز الامرين.


[ 252 ]

أقول: وتحقيق الكلام في المقام بما لا يحوم حوله ان شاء الله تعالى نقض ولا ابرام ان المستفاد من اخبار المسألة هو ثبوت التعبد بالدخول مع الامام في هذه الصور الثلاث الاخيرة وانما البحث والاشكال ومحل الخلاف في جوب تجديد النية وتكبيرة الاحرام وعدمه. وها انا أذكر الاخبار التى وقفت عليها في هذه المسألة مذيلا لكل منها بما رزقني الله سبحانه فهمه منها مستمدا منه تعالى الهداية والتوفيق الى الصواب والعصمة من زلل الاقدام في هذه الابواب: فاقول: من الاخبار المذكورة رواية المعلى بن خنيس عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " إذا سبقك الامام بركعة فادركته وقد رفع رأسه فاسجد معه ولا تعتد بها " وظاهرها كما عرفت هو جواز الدخول واستحبابه وحصول فضيلة الجماعة بذلك لكنها مجملة بالنسبة الى الاستئناف وعدمه بل ربما ظهر منها ان المراد انما هو مجرد المتابعة في السجود لا انه ينوى ويكبر بحيث يدخل في الصلاة، ولعل في قوله " ولا تعتد بها " ما يشير الى ذلك بمعنى انك لا تعد ذلك دخولا في الصلاة وان احتمل ايضا أن يكون المعنى انك لا تعتد بها بحيث تجعلها ركعة تامة بمجرد ادراك السجود، وحينئذ فيحمل قوله " فادركته " يعنى كبرت معه ودخلت في الصلاة. وكيف كان فانها بهذا الاجمال وتعدد الاحتمال تسقط عن درجة الاستدلال ومنها - موثقة عمار (2) قال: " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل أدرك الامام وهو جالس بعد الركعتين ؟ قال يفتتح الصلاة ولا يقعد مع الامام حتى يقوم ". وظاهر هذه الرواية انه يكبر تكبيرة الاحرام المعبر عنه بالافتتاح ويدخل في الصلاة مع الامام حال جلوسه في التشهد ولكن لا يجلس معه بعد التكبير والدخول بل يبقى قائما الى أن يقوم الامام. وهذه الرواية خارجة عن محل البحث لان المفروض ان المأموم لم يأت بشئ زائد من ركن أو واجب ومنشأ الاشكال


(1) و (2) الوسائل الباب 49 من صلاة الجماعة


[ 253 ]

انما هو من ذلك، وحينئذ فالرواية خارجة من البين لعدم الدلالة على شئ من القولين ومنها - رواية معاوية بن شريح عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " إذا جاء الرجل مبادرا والامام راكع اجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة والركوع، ومن أدرك الامام وهو ساجد كبر وسجد معه ولم يعتد بها، ومن أدرك الامام وهو في الركعة الاخيرة فقد أدرك فضل الجماعة، ومن أدركه وقد رفع رأسه من السجدة الاخيرة وهو في التشهد فقد أدرك الجماعة وليس عليه اذان ولا اقامة، ومن أدركه وقد سلم فعليه الاذان والاقامة ". أقول: يمكن أن يستدل للشيخ بهذا الخبر بان يقال لا يخفى أن الظاهر من قوله " ومن أدركه " أي نوى وكبر معه ودخل في الصلاة، وقد دلت على ان من دخل معه وهو ساجد سجد معه ولم يعتد بها واستمر معه في الصلاة ومن دخل معه بعد رفع رأسه من السجدة الاخيرة فانه يمضى في صلاته بعد تسليم الامام، ولو كان ما يدعونه من وجوب اعادة النية والتكبير حقا لوجب ذكره في الكلام إذ المقام مقام البيان وليس فليس. وبعين ذلك يمكن أن يقال في رواية المعلى المتقدمة فانها دلت على الدخول معه بعد النية والتكبير المعبر عنهما بقوله " فادركته " لان هذا هو ظاهر معنى هذا اللفظ كما عرفت، ولم يتعرض في الخبر لاعادة النية وتكبير الاحرام ومقام البيان يقتضيه لو كان واجبا. وبالجملة فانه حيث كان ظاهر اللفظ المذكور اعني قوله " ومن أدركه " هو ما ذكرنا من الكناية عن الدخول معه بعد النية وتكبير الاحرام فانه لا مناص من صحة ما رتبناه عليه من توجيه الاستدلال به للشيخ (قدس سره) ونحوه رواية المعلى بالتقريب المذكور، ولا معنى لحمل هذا اللفظ على معنى الوصول الى الامام في تلك الحال وان لم يكبر ويدخل معه لانه معنى متهافت لا يقبله الذوق السليم ولا الفهم القويم. إلا ان الشيخ قد روى هذه الرواية (2) الى قوله " اجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة والركوع " خاصة


(1) الوسائل الباب 49 من صلاة الجماعة. (2) الوسائل الباب 4 من تكبيرة الاحرام


[ 254 ]

وما نقلناه بهذه الكيفية انما هو من رواية صاحب الفقيه (1) واحتمل في الوافى (2) ان تكون هذه الزيادة من كلام صاحب الفقيه، وحينئذ فيسقط الاستدلال بما دلت عليه هذه الزيادة، وصاحب الوسائل قد نقل الجميع (3) بناء على انه من الرواية ولعله الاظهر. ومنها - رواية عبد الرحمان بن ابى عبد الله البصري عن ابى عبد الله عليه السلام (4) وفيها قال: " إذا وجدت الامام ساجدا فاثبت مكانك حتى يرفع رأسه وان كان قاعدا قعدت وان كان قائما قمت ". أقول: ظاهر هذه الرواية الدخول معه في الصلاة وانه متى كان الدخول وهو ساجد لم يتابعه في السجود مع دلالة رواية المعلى المتقدمة على السجود معه متى دخل معه بعد رفع رأسه من الركوع. ويشكل الجمع بينهما في ذلك إذلا فرق بينهما إلا ان هذا الخبر دل على دخوله حال السجود وخبر المعلى دل على دخوله قبل السجود، وهذا لا يصلح للفرق وجواز السجود في ما إذا دخل قبل وعدم الجواز في ما إذا دخل حال السجود. اللهم إلا ان يقال ان رواية المعلى قد دلت على انه لا يعتد بذلك السجود وحينئذ يكون وجوده كعدمه، وظاهرها انه لا ضرورة في الاتيان به كما هو مذهب الشيخ، وحينئذ يكون وجه الجمع بينهما التخيير بين الاتيان بالسجود وعدمه. ومنها - موثقة عمار الساباطى عن ابى عبد الله عليه السلام (5) " في الرجل يدرك الامام وهو قاعد يتشهد وليس خلفه إلا رجل واحد عن يمينه ؟ قال لا يتقدم الامام ولا يتأخر الرجل ولكن يقعد الذى يدخل معه خلف الامام فإذا سلم الامام قام الرجل فاتم صلاته ". اقول: ظاهر الخبر انه بدخوله في هذه الحال يدرك فضيلة الجماعة وان لم


(1) ج 1 ص 265 (2) باب الرجل يدرك الامام في اثناء الصلاة أو بعد انقضاة الاولى (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 49 من صلاة الجماعة.


[ 255 ]

يدرك من الصلاة شيئا ولم يكن حكمه حكم المأموم حقيقة، ولهذا منع من تقدم الامام وتأخر الرجل الذى الى جنبه لان هذا الداخل ليس مأموما حقيقيا يوجب تعدد المصلى خلف الامام الموجب لتقدم الامام وتأخر المأمومين خلفه كما تقدم. وكيف كان فظاهر الخبر الدلالة على مذهب الشيخ، لان قوله: " فإذا سلم الامام قام الرجل فاتم صلاته " ظاهر في الدلالة على الاعتداد بالتكبير الاول وان كان قد زاد واجبا وهو التشهد، ومن ثم ان جمعا ممن خالف الشيخ في الصورة الثالثة والرابعة وافقه هنا كالمحقق والعلامة وغير هما للموثقة المذكورة كما قدمنا ذكره وصاحب المدارك انما طعن في الرواية المذكورة من حيث السند دون الدلالة، إلا انه لا يخفى ان موثقة عمار المتقدمة دالة على النهى عن القعود مع الامام في مثل هذه الصورة، إلا ان يقال بالفرق بين التشهد الاول والثانى فيقال بالمتابعة في الثاني كما دلت عليه هذه الموثقة دون الاول كما دلت عليه الموثقة المتقدمة. ومنها - ما رواه الصدوق في الفقيه (1) عن عبد الله بن المغيرة قال " كان منصور بن حازم يقول إذا أتيت الامام وهو جالس قد صلى ركعتين فكبر ثم اجلس فإذا قمت فكبر " وهو ظاهر الدلالة على المشهور. والرواية وان كانت غير مسندة الى امام إلا ان الظاهر من حال القائل المذكور لكونه من أجل ثقات الاصحاب انه لا يقوله إلا عن ثبت وسماع من الامام ويؤيده ايراد الصدوق لها في كتابه. وحينئذ فتبقى المسألة في قالب الاشكال، ولعل نهيه عليه السلام في موثقة عمار الاولى عن الجلوس والتشهد مع الامام في هذه الصورة انما هو لاجل البقاء على التكبير الاول وعدم الاحتياج الى إعادة التكبير ثانيا كما في هذه الرواية، على أن في الابطال بالتشهد مع الامام إشكالا لدلالة الاخبار المتقدمة قريبا على استحباب


(1) ج 1 ص 26


[ 256 ]

متابعة المأموم للامام في التشهد وان لم يكن موضع تشهد للمأموم فليكن هنا من قبيل ذلك. وبالجملة فان هذه الاخبار قد تصادمت وتقابلت في هذه الزيادات التى بعد تكبير الاحرام نفيا واثباتا كالسجود الذى تقابلت فيه رواية المعلى اثباتا ورواية البصري نفيا، والتشهد الذى قد تقابلت فيه موثقة عمار الاولى نفيا وموثقته الثانية وكذا رواية عبد الله بن المغيرة اثباتا، وظاهر الروايات المثبتة في كل من الموضعين موافق لكلام الشيخ وظاهر الروايات النافية في كليهما موافقة للمشهور وحمل أحد الطرفين على الآخر وان أمكن كما أشرنا إليه آنفا إلا انه لا يخرج المسألة عن قالب الاشكال ومجال الاحتمال، والاحتياط عندي أن لا يدخل المأموم في حال من هذه الاحوال. ومنها - صحيحة محمد بن مسلم (1) قال: " قلت له متى يكون يدرك الصلاة مع الامام ؟ قال إذا أدرك الامام وهو في السجدة الاخيرة من صلاته ". قال في المدارك: ويستفاد من هذه الرواية عدم جواز الدخول مع الامام بعد رفع رأسه من السجدة الاخيرة، لان الظاهر ان السؤال انما وقع عن غاية ما تدرك به الجماعة وقد ناطه عليه السلام بادراك السجدة الاخيرة، وليس في الرواية دلالة على حكم المتابعة إذا لحقه في السجود، والظاهر ان الاقتصار على الجلوس أولى. انتهى أقول: لا يخفى ان هذه الدلالة إنما هي بالمفهوم الضعيف المعارض بمناطيق جملة من الاخبار، إذ غاية ما تدل عليه الرواية انه إذا أدرك الامام وهو في السجدة الاخيرة فقد أدرك الصلاة معه ومفهومه عدم ادراك الصلاة بعد ذلك، وقد عرفت دلالة موثقة عمار الثانية على ادراك فضيلة الجماعة بالدخول معه في التشهد الاخير، واصرح منها رواية معاوية بن شريح المتقدمة وقوله فيها " ومن أدركه وقد رفع رأسه من السجدة الاخيرة وهو في التشهد فقد أدرك الجماعة " ونحو ذلك إطلاق


(1) الوسائل الباب 49 من صلاة الجماعة


[ 257 ]

رواية عبد الرحمان بن ابى عبد الله البصري (1) وحينئذ فوجه الجمع بين هذه الاخبار حمل الصحيحة المذكورة على أعلى المرتبتين، وذلك فانه بعد فوات الدخول في الركعة الاخيرة لعدم ادراك ركوعها فهنا مراتب في ادراك فضيلة الجماعة: أولها ادراكه قبل السجود ثانيها ادراكه في السجدة الثانية ثالثها ادراكه في التشهد، والصحيحة المذكورة لا دلالة فيها على انحصار ادراك الفضيلة في هذه الحال دون ما بعدها إلا بالمفهوم وهو من ما يجب إطراحه في مقابلة المنطوق. ولكن العذر له ظاهر حيث انه يدور مدار الاسانيد صحة وضعفا، وهذه الرواية صحيحة السند عنده وتلك الاخبار ضعيفة باصطلاحه، فالغى مناطيق تلك الاخبار في مقابلة هذا المفهوم الضعيف وهو تعسف محض. واما قوله - وليس في الرواية دلالة على حكم المتابعة إذا لحقه في السجود.. الى آخره - ففيه ان قضية الدخول مع الامام في الصلاة كيف كان وحيث كان هو المتابعة في جميع ما يأتي به في ذلك المكان إلا ان يستثنى من ذلك شئ بخصوصة، ولا يحتاج بعد ذلك الى التصريح بالمتابعة في كل فعل حتى انه يحتاج هنا الى ذلك ويكون عدم ذكر المتابعة في السجود دليلا على عدمها. وهذا بحمد الله سبحانه ظاهر لمن تأمل في أخبار الجماعة الواردة في المسبوق وغيره أدرك ما يوجب انعقاد الجماعة أم لا كما لا يخفى. والله العالم.

المسألة السادسة - قد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لو دخل الامام والمأموم في النافلة قطعها وان كان في الفريضة أتمها نافلة ودخل مع الامام، ولو كان امام الاصل قطع الفريضة، ولو كان الامام مخالفا لم يقطع فرضه ولم ينقله الى النفل بل يدخل معه. وتوضيح هذه الجملة يقع في مواضع: الاول - لو كان في نافلة فدخل الامام قالوا فانه يقعها ان خشى باتمامها الفوات وإلا أتمها. قالوا وإنما يقطعها تحصيلا للعبادة التى هي أهم في نظر الشارع فان الجماعة في نظر الشارع أهم من النافلة، وأما لو لم


(1) ص 254


[ 258 ]

يخش الفوات فانه يتمها جمعا بين الوظيفتين وتحصيلا للفضيلتين. والظاهر ان المراد بالفوات يعنى فوات الركعة، واحتمال فوات الصلاة كملا بعيد. ولم أقف في هذا المقام على نص إلا على ما ذكره الرضا عليه السلام في كتاب الفقه (1) حيث قال: " وان كنت في صلاة نافلة واقيمت الصلاة فاقطعها وصل الفريضة مع الامام ". والاصحاب (رضوان الله عليهم) لم ينقلوا مستندا لما ذكره في هذا الموضع سوى ما عرفت من التعليل الاعتباري الذى نقلناه عنهم. ويمكن أيضا أن يستدل على ذلك بما تقدم في المسألة الثانية عشرة من المطلب الاول (2) من صحيحة عمر بن يزيد الدالة على السؤال عن الرواية التى يروون انه لا ينبغى أن يتطوع في وقت فريضة ما حد هذا الوقت ؟ قال إذا أخذ المقيم في الاقامة.. الحديث. والاصحاب قد استدلوا به على كراهة النافلة بعد قوله " قد قامت الصلاة " ويمكن الاستدلال به هنا بتقريب ان الخبر قد دل على انه إذا أخذ المقيم في الاقامة فلا ينبغى التطوع، وهو أعم من أن يبتدئ بالتطوع بعد أخذ المقيم في الاقامة أو يحصل الاخذ في الاقامة بعد دخوله في النافلة، فالمراد من النهى عن التطوع في هذا الوقت ابتداء واستدامة. الثاني - ما لو كان في فريضة فانه ينقل نيته الى النفل ويتمها ركعتين على المشهور وكلام العلامة في التذكرة يؤذن بدعوى الاجماع عليه. ويدل عليه ما رواه في الكافي عن سليمان بن خالد في الصحيح (3) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل دخل المسجد فافتتح الصلاة فبينما هو قائم يصلى إذ أذن المؤذن وأقام الصلاة ؟ قال فليصل ركعتين ثم ليستأنف الصلاة مع الامام ولتكن الركعتين تطوعا ". وعن سماعة في الموثق (4) قال: " سألته عن رجل كان يصلى فخرج الامام


(1) ص 14 (2) ص 185 (3) و (4) الوسائل الباب 56 من صلاة الجماعة


[ 259 ]

وقد صلى الرجل ركعة من صلاة فريضة ؟ فقال ان كان اماما عدلا فليصل اخرى وينصرف ويجعلهما تطوعا وليدخل مع الامام في صلاته كما هو، وان لم يكن امام عدل فليبن على صلاته كما هو ويصلى ركعة اخرى معه يجلس قدر ما يقول: " أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد ان محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه واله " ثم ليتم صلاته معه على ما استطاع، فان التقية واسعة ليس شئ من التقية إلا وصاحبها مأجور عليها ان شاء الله تعالى ". وقال في كتاب الفقه الرضوي (1) " وان كنت في فريضتك واقيمت الصلاة فلا تقطعها واجعلها نافلة وسلم في ركعتين ثم صل مع الامام إلا أن يكون الامام ممن لا يقتدى به فلا تقطع صلاتك ولا تجعلها نافلة ولكن اخط الى الصف وصل معه، وإذا صليت أربع ركعات وقام الامام الى رابعته فقم معه وتشهد من قيام وسلم من قيام ". ونقل عن ابن ادريس المنع من النقل لانه في قوة الابطال. ولا يخفى ما فيه بعد ما عرفت. ونقل عن ظاهر الشيخ في المبسوط انه جوز قطع الفريضة من غير احتياج الى النقل إذا خاف الفوت مع النقل. وقواه الشهيد في الذكرى استدراكا لفضل الجماعة الذى هو أعظم من فضل الاذان، ولان العدول الى النفل قطع للفريضة أو مستلزم لجوازه. واستحسنه جملة ممن تأخر عنه: منهم - السيد في المدارك، وهو كذلك. وهل المراد بدخول الامام في الصلاة الذى ينقل لاجله المأموم صلاته الى النفل هو الاشتغال بشئ من واجباتها على ما قاله جماعة أو عند اقامة الصلاة كما ذكره آخرون ؟ ظاهر الاخبار الثاني. ثم ان ظاهر الاخبار المذكورة انه ينوى العدول عن الفريضة التى كان فيها


(1) ص 14


[ 260 ]

الى النفل ويضيف إليها ركعة اخرى لو كان قد صلى ركعة منها ولو كان قد صلى ركعتين منها عدل بما صلاه الى النفل وتشهد وسلم، وانما الاشكال في ما لو صلى أزيد من ركعتين حيث انه لا يفهم من النصوص المذكورة الحكم في ذلك إذ الظاهر منها إنما هو ما عدا الصورة المفروضة، وحينئذ فهل يستمر لتحريم قطع الفريضة وخروج هذه الصورة عن مورد النصوص، أو أنه يعدل الى النفل للاشتراك في العلة وهى تحصيل فضيلة الجماعة، أو يهدم الركعة ويسلم أو يقطعها استدراكا لفضيلة الجماعة وعدم دليل على تحريم قطع الفريضة بحيث يشمل محل البحث ؟ أوجه استقرب العلامة في التذكرة والنهاية منها الاول والظاهر انه الاحوط. الثالث - لو كان الداخل امام الاصل قالوا انه يقطع الفريضة ويدخل معه، قاله الشيخ وتبعه جمع من الاصحاب، وعللوه بان له المزية الموجبة لشدة الاهتمام بمتابعته واللحوق به. وتردد فيه الفاضلان من حيث كمال المزية كما ذكروا، ومن عموم النهى عن قطع الصلاة. وفى المختلف جزم بعدم قطع الصلاة لقوله تعالى: " ولا تبطلوا أعمالكم " (1) وخبري سليمان بن خالد وسماعة المتقدمين (2) والتحقيق ان الاخبار المتقدمة التى هي العمدة في هذه المسألة عامة لامام الاصل وغيره والفرق بمجرد هذا الاعتبار الذى ذكروه لا وجه له. الرابع - ما لو كان الداخل اماما مخالفا وهو في الفريضة فقد صرحوا بانه لا ينقل الفريضة الى النفل ولا يقطعها بل يدخل معه، والظاهر انه لا خلاف في ذلك انما الخلاف في ما لو الجأه الامام الى القيام في موضع التشهد فهل يتشهد جالسا ثم يقوم أو يقوم معه ويتشهد قائما ؟ ظاهر الشيخ وجماعة الاول وظاهر الشيخ على بن بابويه الثاني. قال الشيخ (قدس سره): لو كان الامام ممن لا يقتدى به وقد سبقه المأموم لم يجز له قطع الفريضة بل يدخل معه في صلاته ويتم هو في نفسه فإذا فرغ سلم


(1) سورة محمد الآية 36 (2) ص 258


[ 261 ]

وتابعه نفلا، فان وافق حال تشهده حال قيام الاول فليقتصر في تشهده على الشهادتين والصلاة على النبي وآله صلى الله عليه واله ويسلم ايماء ويقوم مع الامام. وعلى هذا تدل موثقة سماعة المتقدمة. وقال الشيخ على بن بابويه: فإذا صليت أربع ركعات وقام الامام الى رابعته فقم معه وتشهد من قيام وسلم من قيام. وعلى هذا القول يدل كلامه عليه السلام في كتاب الفقه الرضوي، بل الظاهر ان الشيخ المزبور إنما أخذ عبارته من الكتاب المذكور كما لا يخفى على من تأمل العبارتين لتطابقهما لفظا وكذلك ما قبل هذه العبارة، فان العلامة في المختلف في موضع آخر نقلها عن الشيخ المذكور بعين عبارة الكتاب، وهو من قبيل ما عرفت في غير موضع من ما تقدم وستعرف امثاله من أخذ الشيخ المزبور عبارات الكتاب المشار إليه والافتاء بها. وكيف كان فطريق الجمع بين الكلامين - وهو يرجع الى الجمع بين الخبرين المذكورين - هو ما ذكره في المختلف من انه ان تمكن المأموم من تخفيف الشهادتين والتسليم والاتيان بهما جالسا وجب وإلا قام مع الامام وتشهد وسلم قائما لضرورة التقية فانها تبيح ذلك وامثاله. والله العالم.

المسألة السابعة - قال شيخنا العلامة أبو الحسن الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني (طيب الله مرقده) في رسالته التى في الصلاة: وفى جواز الاقتداء بمن علم نجاسة ثوبه أو بدنه نظر. واستوجه المحقق الشيخ على المنع وبعض المتأخرين الجواز ولا يخلو من قوة. انتهى. ولم ينبه على وجه القوة التى اختارها في حواشى رسالته كما جرى عليه غالبا في حواشيه. وقال تلميذه المحدث الصالح شيخنا الشيخ عبد الله بن صالح (قدس سره) في شرحه على الرسالة المذكورة بعد قوله " نظر " وبيان وجه النظر ما لفظه: ينشأ من أن الامام غافل فتكون صلاته صحيحة فيكون الاقتداء به صحيحا، ومن ان طهارة الثوب والبدن واجب في الصلاة مع العلم وصلاة المأموم متحدة بصلاة الامام


[ 262 ]

فتكون كأنها في ثوبه أو بدنه. ثم قال (قدس سره) بعد قول المصنف - واستوجه الشيخ على المنع - ما لفظه: لما مر. ثم قال بعد قوله: " ولا يخلو من قوة " ما لفظه: لما مر وعدم صلاحية المعارض للمعارضة وان كان الاحتياط لا يخفى. انتهى. اقول: لا يخفى ما في كلام شيخنا الشارح المذكور وما ذكره من التعليل العليل الظاهر القصور كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى غاية الظهور. ومن ما يناسب هذا المقام ويدخل في سلك هذا النظام ما وقفت عليه من مسألة مذيلة بالجواب لبعض الاعلام حيث قال السائل ما هذه صورته: لو رأى المأموم في اثناء الصلاة في ثوب الامام نجاسة غير معفو عنها فهل يجوز له الاقتداء في تلك الحال أم لا ؟ وهل يجب عليه إعلامه أم لا ؟ ولو لم يجز له الاقتداء فهل يبنى بعد نية الانفراد على ما مضى أم يعيد من رأس ؟ فكتب المسؤول ما صورته: الجواب الاولى عدم الائتمام ويجب الاعلام ويجب الانفراد في الاثناء ويبنى على قراءة الامام. انتهى. أقول وبالله سبحانه التوفيق لادراك كل مأمول ونيل كل مسؤول: أما ما ذكره هذا المجيب من وجوب الاعلام في هذه الصورة فقد صرح به العلامة (اجزل الله تعالى اكرامه) في اجوبة مسائل السيد السعيد مهنا بن سنان المدنى (طاب ثراه) مستندا الى كونه من باب الامر بالمعروف. ولا يخفى ما فيه (اما أولا) - فلان الاصل عدمه وأدلة الامر بالمعروف لا تشمله لعدم توجه الخطاب الى الجاهل والغافل والناسى كما ذكروه فلا معروف ولا منكر بالنسبة اليهما. وثانيا - دلالة الاخبار على خلافه فان جملة ما وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بجزئيات هذه المسألة ترد ما ذكروه وتبطل ما حرروه: ومنها - صحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام (1) " ان الباقر عليه السلام اغتسل وبقيت لمعة في جسده لم يصبها الماء فقيل له فقال ما كان عليك لو سكت ؟ ".


(1) الوسائل الباب 41 من الجنابة و 47 من النجاسات.


[ 263 ]

ورواية محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل يرى في ثوب أخيه دما وهو يصلى ؟ فقال لا يؤذنه حتى ينصرف " وهى صريحة في المطلوب خالية عن جهات العيوب. ورواية عبد الله بن بكير المروية في كتاب قرب الاسناد (2) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اعار رجلا ثوبا فصلى فيه وهو لا يصلى فيه ؟ فقال لا يعلمه. قلت فان اعلمه ؟ قال يعيد ". والمستفاد من هذه الاخبار كراهية الاخبار فضلا عن جوازه فكيف الوجوب وله مؤيدات كثيرة من الاخبار. إذا عرفت ذلك فنقول بالنسبة الى أصل المسألة وما وقع فيها من القولين بجواز الاقتداء والمنع ان الظاهر ان القول بالمنع هنا مبنى على مسألة اخرى وهى ان من صلى في النجاسة جاهلا بها فهل تكون صلاته والحال هذه صحيحة أم لا ؟ المشهور الثاني وان كان غير معاقب ولا مؤاخذ من حيث الجهل، وهو يرجع الى أن تكون صحيحة ظاهرا باطلة واقعا، والظاهر انه على هذا القول يتجه المنع من الائتمام بمن كان بدنه أو ثوبه نجسا والانفراد في الاثناء كما ذكره المجيب المتقدم لتبين بطلان الصلاة عند المأموم وان كانت صحيحة ظاهرا عند الامام لمكان جهله، وحينئذ فيتجه عدم جواز الاقتداء ووجوب الانفراد في الاثناء. إلا ان الظاهر عندي في هذه المسألة إنما هو القول الاول (أما أولا) - فلما تقدم تحقيقه في كتاب الطهارة من أن الحكم بالطهارة والنجاسة والحل والحرمة ونحوها ليس منوطا بالواقع ونفس الامر وانما ترتب على نظر المكلف وعلمه وعدم علمه، فالطاهر شرعا هو ما لا يعلم المكلف بملاقاة النجاسة له وان لاقته واقعا لا ما لم تلاقه النجاسة واقعا، ويقابله النجس وهو ما علم المكلف بملاقاة النجاسة له لا ما لاقته النجاسة وان لم يعلم بها. وحينئذ فإذا صلى


(1) و (2) الوسائل الباب 47 من النجاسات


[ 264 ]

المكلف في ثوب لم يعلم ملاقاة النجاسة له ومثله في بدنه فقد امتثل ما أمره الشارع به ويلزم منه كون صلاته صحيحة موجبة للثواب بغير شك ولا ارتياب. و (اما ثانيا) - فلما أسلفنا من الاخبار الدالة على المنع من الاخبار بالنجاسة وان كان في اثناء الصلاة، ولو كان الامر كما يدعونه من كون وصف النجاسة والطهارة ونحوهما انما هو باعتبار الواقع ونفس الامر وان تلبس المصلى بالنجاسة جاهلا موجب لبطلان صلاته واقعا فكيف يحسن من الامام عليه السلام المنع من الايذان بها والاخبار في الصلاة كما تضمنته رواية محمد بن مسلم أو قبلها كما في رواية ابن بكير ؟ وهل هو بناء على ما ذكروه إلا من باب التقرير له على تلك الصلاة الباطلة والمعاونة على الباطل، ولاريب في بطلانه. و (اما ثالثا) - فانه يلزم على ما ذكروه عدم الجزم بصحة شئ من العبادات إلا نادرا لشيوع تطرق النجاسات سيما من النساء والاطفال ومن لا يحترز عن النجاسة وسريان ذلك في عامة الناس، وقد اعترف بذلك شيخنا الشهيد الثاني في شرح الالفية وألزم به القول المشهور. وبما ذكرنا يظهر لك ان الاظهر في أصل المسألة هو القول بجواز الاقتداء وان علم بالنجاسة في بدن الامام أو ثوبه وعدم وجوب الانفراد. ومن أراد تحقيق المسألة زيادة على ما ذكرناه فليرجع الى كتابنا الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية. والله العالم.


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>