موقع الكلمة الطيبة

الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة

تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الحادي عشر

 


المطلب الثاني

في الأحكام

والبحث يقع فيه في مسائل:

الاولى - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في أنه لو نوى اقامة عشرة أيام فصاعدا في موضع ثم بدا له الرجوع عن الاقامة فانه يقصر إلا أن يكون قد صلى فريضة بتمام فانه يجب عليه الاتمام حينئذ حتى يخرج من موضع الاقامة ويقصد المسافة، قال في المدارك: هذا الحكم ثابت باجماعنا. والاصل في الحكم المذكور ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابى ولاد الحناط (1) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام انى كنت نويت حين دخلت المدينة ان اقيم بها عشرة أيام فاتم الصلاة ثم بدا لى بعد أن لا أقيم بها فما ترى لى أتم أم اقصر ؟ فقال


(1) الوسائل الباب 18 من صلاة المسافر


[ 416 ]

ان كنت دخلت المدينة وصليت بها صلاة فريضة واحدة بتمام فليس لك أن تقصر حتى تخرج منها، وان كنت حين دخلتها على نيتك التمام ولم تصل فيها صلاة فريضة بتمام حتى بدا لك أن لا تقيم فانت في تلك الحال بالخيار ان شئت فانو المقام عشرا واتم وان لم تنو المقام عشرا فقصر ما بينك وبين شهر فإذا مضى لك شهر فاتم الصلاة " ولا ينافى ذلك ما رواه الشيخ والصدوق عن حمزة بن عبد الله الجعفري (1) قال: " لما نفرت من منى نويت المقام بمكة فاتمت الصلاة حتى جاءني خبر من المنزل فلم أجد بدا من المصير الى المنزل ولم ادر أتم أم أقصر وأبو الحسن عليه السلام يومئذ بمكة فاتيته وقصصت عليه القصة فقال ارجع الى التقصير ". فان الوجه فيه ان المراد بالجواب انما هو الامر بالتقصير بعد السفر والخروج فهو كناية عن الامر له بالسفر بمعنى سافر وقصر، إذ الظاهر ان مراد السائل انما هو الاستفهام عن من نوى الاقامة هل يجوز له ابطالها والخروج والقصر فيه أم لابد من الاتمام ولو في الطريق الى أن يتم أيام الاقامة ؟ كما يتوهمه كثير ممن لم يقف على حكم المسألة فاجابه عليه السلام بالاول وحينئذ فلا اشكال.

وتحقيق الكلام في المقام يتوقف على بسطه في مواضع:

الاول - الظاهر من اطلاق قوله في صحيحة ابى ولاد المذكورة " حتى بدا لك أن لا تقيم " انه بمجرد العدول عن نية الاقامة قبل الصلاة على التمام سواء كان بقصد المسافة أو التردد في الاقامة وعدمها يلزم الرجوع الى التقصير ما لم ينو اقامة عشرة غير الاولى، وهذا هو المعروف من مذهب الاصحاب لا نعلم فيه خلافا. لكن يظهر من كلام الشهيد الثاني (قدس سره) وجود الخلاف في ذلك وان مجرد العدول عن النية السابقة قبل الصلاة لا يقتضى التقصير ما لم يقصد مسافة، لانه قال: ويحتمل اشتراط المسافة بعد ذلك لاطلاق النص والفتوى ان نية الاقامة تقطع السفر فيبطل حكم ما سبق كما لو وصل الى وطنه، وبما قلناه


(1) الوسائل الباب 18 من صلاة المسافر


[ 417 ]

افتى الشهيد في البيان. انتهى. وهو كما ترى صريح في ما قلناه. ورواية ابى ولاد المذكورة مطلقة كما ترى في العدول عن نية الاقامة، وحملها على قصد المسافة - بسبب احتمال ارادة الخروج الى الكوفة لان الراوى كوفى كما ذكره (قدس سره) في شرح الارشاد - بعيد جدا فالمقام لا يخلو عن اشكال. كذا أفاده والدى (عطر الله مرقده) في حواشيه على كتاب الاستبصار وهو جيد وجيه. والظاهر ان ما احتمله شيخنا الشهيد الثاني من اشتراط المسافة بعيد وفيه تقييد للنص المذكور من غير دليل، وتخيل ان السائل كوفى فيحتمل حمل الخبر على ارادته الخروج الى الكوفة خيال بعيد، ولو بنيت الاحكام الشرعية على مثل هذه الخيالات البعيدة والاحتمالات السخيفة لا تسع المجال وكثر القيل والقال وبطل الاستدلال إذ لا قول إلا وهو قابل للاحتمال وان بعد كما لا يخفى على ذوى الكمال. والاحتجاج باطلاق النص والفتوى بان نية الاقامة تقطع السفر مسلم مع بقائها واستصحابها، وهذا هو الذى دل عليه النص والفتوى وبه يبطل حكم ما سبق كما ذكره، وأما مع العدول عن النية كما هو المفروض فان هذه الدعوى ممنوعة كما لا يخفى على المتأمل المنصف. قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار بعد ايراد عبارة الفقه الرضوي التى هي في معنى الرواية المذكورة ما لفظه: وظاهر الاصحاب انه لا يشترط في الرجوع الى التقصير في صورة العدول عن نية الاقامة من غير صلاة كون الباقي مسافة، وقواه الشهيد الثاني (قدس سره) واحتمل الاشتراط، واطلاق هذه الرواية وغيرها يؤيد المشهور. انتهى. وبما ذكرناه في المقام يظهر ضعف ما جنح إليه في الذخيرة في هذه المسألة من الميل الى هذا الاحتمال.

الثاني - لا اشكال في الانقطاع بالصلاة المقصورة إذا صلاها تماما بعد نية الاقامة أما لو صلى غيرها من ما لم يكن مقصورا كالصبح والمغرب بعد النية فهل


[ 418 ]

يكفى في الانقطاع ووجوب استصحاب التمام الى أن يقصد المسافة ؟ اشكال ولم أقف على مصرح بذلك من الاصحاب (رضوان الله عليهم) نفيا واثباتا، والرواية لا تخلو من الاجمال لان قوله " بتمام " في الموضعين محتمل لان يكون المراد " صليت فريضة مقصورة بتمام " وحينئذ فلا يثبت الحكم بغير المقصورة إذا اتمها، ويحتمل أن يكون المعنى صليت فريضة بعد قصد التمام في المقصورات، والظاهر بعده إذ لو كان مجرد صلاة الفريضة مقصورة أو غير مقصورة كافيا بنية التمام لم يكن للاتيان بهذا القيد وجه يعتد به، لان نية الاقامة قد حصلت بالاستقلال ومن شأنها الانتقال من حكم المسافر الى حكم الحاضر بالنسبة الى الصلاة والصوم والشرط معها صلاة فريضة، فلو لم يعتبر في تلك الفريضة أن تكون من الفرائض المقصورات التى هي عبارة عن ركعتين بان يأتي بها أربعا كما هو ظاهر العبارة بل يكفى مثل الصبح والمغرب لم يكن لضم هذا القيد في الكلام وجه بل يكفى أن يقول " صليت صلاة فريضة " بقول مطلق، لا سيما مع الاتفاق على انه لا يشترط قصد القصر والاتمام ولا نيتهما في الاتيان بكل من المقصورة والتامة. ويعضد ما قلناه انه قد وقع ما يقرب من هذه العبارة مرادا بها ما قلناه في صحيحة ابى ولاد المتقدمة في الشرط الثالث من شروط التقصير حيث قال عليه السلام: " فان عليك أن تقضى كل صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام.. الخبر ". وبالجملة فالظاهر عندي قصر الحكم على الصلاة المقصورة وان يأتي بها تماما دون غيرها من ما لم يدخله التقصير. والله العالم.

الثالث - قد اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في إلحاق الصوم الواجب بالصلاة الفريضة في هذا المقام، فقيل بالالحاق بمجرد الشروع في الصوم الواجب المشروط بالحضر. وهو اختيار العلامة في جملة من كتبه لوجود أثر النية. وقيل بذلك ايضا لكن يجب تقييده بما إذا زالت الشمس قبل الرجوع عن نية الاقامة، وهو اختيار شيخنا الشهيد الثاني في الروض.


[ 419 ]

وقيل بعدم الالحاق وقصر الحكم على الصلاة، وهو اختيار جمع من الاصحاب: منهم - الشهيد والمحقق الشيخ على والسيد السند في المدارك والفاضل الخراساني في الذخيرة. وهو الظاهر لان الحكم في النص وقع معلقا على الصلاة وتعديته الى غيرها يحتاج الى دليل شرعى وإلا كان قياسا محضا وهو لا يوافق اصول المذهب. ومقتضى النص المذكور رجوع التقصير بعد العدول عن نية الاقامة التى لم يصل بها أعم من أن يكون صام بتلك النية أو لم يصم زالت الشمس أم لم تزل فيكون الحكم ثابتا في جميع الصور المذكورة. احتج شيخنا الشهيد الثاني في الروض بانه لو فرض ان هذا الصائم سافر بعد الزوال فلا يخلو إما ان يجب عليه الافطار أو اتمام الصوم، لا سبيل الى الاول للاخبار الصحيحة الشاملة باطلاقها أو عمومها لهذا الفرد الدالة على وجوب المضى على الصوم: كصحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (1) " انه سئل عن الرجل يخرج من بيته وهو يريد السفر وهو صائم ؟ قال ان خرج قبل أن ينتصف النهار فليفطر وليقض ذلك اليوم وان خرج بعد الزوال فليتم يومه ". وصحيحة محمد بن مسلم عنه عليه السلام (2) " إذا سافر الرجل في شهر رمضان خرج بعد نصف النهار فعليه صيام ذلك اليوم " وغيرهما. فيتعين الثاني وحينئذ فلا يخلو إما أن يحكم بانقطاع نية الاقامة بالرجوع عنها بعد الزوال وقبل الخروج أولا، لا سبيل الى الاول لاستلزامه وقوع الصوم الواجب سفرا بغير نية الاقامة وهو غير جائز اجماعا الا ما استثنى من الصوم المنذور على وجه وما ماثله وليس هذا منه، فيثبت الآخر وهو عدم انقطاع نية الاقامة بالرجوع عنها بعد الزوال سواء سافر حينئذ بالفعل أم لم يسافر، إذ لا


(1) و (2) الوسائل الباب 5 ممن يصح منه الصوم


[ 420 ]

مدخل للسفر في صحة الصوم وتحقق الاقامة بل حقه أو يحقق عدمها وقد عرفت عدم تأثيره فيها فإذا لم يسافر بقى على التمام الى أن يخرج الى المسافة وهو المطلوب. انتهى ملخصا. وفيه ما ذكره سبطه السيد السند (قدس سره) في المدارك حيث قال بعد نقل ذلك عنه: ولقائل أن يقول لا نسلم وجوب إتمام الصوم والحال هذه، وما أشار إليه (قدس سره) من الروايات المتضمنة لوجوب المضى في الصوم غير صريحة في ذلك بل ولا ظاهرة، إذ المتبادر منها تعلق الحكم بمن سافر من موضع يلزم فيه الاتمام وهو غير متحقق هنا فانه نفس النزاع، سلمنا وجوب الاتمام لكن لا نسلم اقتضاء ذلك لعدم انقطاع نية الاقامة بالرجوع عنها في هذه الحالة، واستلزام ذلك لوقوع الصوم الواجب سفرا لا محذور فيه لوقوع بعضه في حال الاقامة، ولانه لا دليل على امتناع ذلك (فان قلت) انه يلزم من وجوب اتمام الصوم اتمام الصلاة لعكس نقيض قوله عليه السلام (1): " إذا قصرت أفطرت " (قلت) هذا بعد تسليم عمومه مخصوص بمنطوق الرواية المتقدمة المتضمنة للعود الى القصر مع الرجوع عن نية الاقامة قبل إتمام الفريضة. انتهى. أقول: الظاهر ان الجواب الحق هو ما ذكره أولا من منع وجوب اتمام الصوم والحال هذه لما ذكره، حيث ان المتبادر من الاخبار المشار إليها الخروج من بلد يجب عليه الاتمام فيه وفرضه فيها التمام كبلد وطنه أو بلد اقامته ثم انشأ سفرا منها، لان هذا هو الفرد الغالب المتكثر الذى ينصرف إليه الاطلاق، وقد عرفت في غير موضع من ما تقدم ان اطلاق الاخبار إنما يحمل على الافراد الشائعة المتكثرة الغالبة فانها هي التى يتبادر إليها الاطلاق، وما نحن فيه ليس من هذا القبيل فلا يدخل تحت الاطلاق، مع انه محل البحث والنزاع وأول المسألة لانه بنية الاقامة ورجوعه عنها قبل الصلاة تماما لا يمكن الجزم بكونه مقيما فيدخل تحت اطلاق الخبر، وبمجرد سفره على هذه الحال لا يمكن الجزم بدخوله تحت اطلاق


(1) في صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة ص 342


[ 421 ]

الاخبار المشار إليها. وبالجملة فان ما ذكره (قدس سره) هنا جيد. واما ما ذكره بعد تسليم وجوب الاتمام ومنع اقتضاء ذلك لعدم انقطاع نية الاقامة بالرجوع عنها في هذه الحالة - من أن استلزم ذلك لوقوع الصوم الواجب سفرا لا محذور فيها لوقوع بعضه حال الاقامة - فالظاهر أنه لا يخلو من خدش وان تبعه عليه في الذخيرة، فان الاخبار الدالة على تحريم الصوم في السفر شاملة باطلاقها وعمومها لما وقع بعضه في حال الاقامة أم لم يقع، فقوله " انه لا دليل على امتناع ذلك " ممنوع فان الاخبار عامة شاملة لما ذكره ودلالتها على ذلك بعمومها واطلاقها واضحة فلا معنى لمنعه الدليل على امتناع ذلك، ويخرج ما ذكره - من عكس النقيض في قوله عليه السلام: " إذا قصرت أفطرت " بمعنى ان عدم جواز الافطار يقتضى عدم جواز التقصير - شاهدا. وما تكلفه من الجواب عنه لا يخلو من غموض كما لا يخفى على من راجع كلام صاحب الذخيرة في هذا المقام.

الرابع - المفهوم من الخبر المتقدم ان وجوب الاتمام واستصحابه معلق بعد نية الاقامة على امور ثلاثة: أحدها - الصلاة فلو لم يكن صلى ثم رجع عن نية الاقامة عاد الى التقصير سواء كان قد دخل وقت الصلاة أم لم يدخل خرج وقتها ولم يصل عمدا أو سهوا أم لا، لان مناط الحكم الصلاة تماما ولم يحصل، ونقل عن العلامة في التذكرة انه قطع بكون الترك كالصلاة نظرا الى استقرارها في الذمة وتبعه المحقق الشيخ على واستشكل العلامة في النهاية الحكم وكذا الشهيد في الذكرى. ولو كان ترك الصلاة لعذر مسقط للقضاء كالجنون والاغماء فلا إشكال ولا خلاف في كونه كمن لم يصل. وثانيها - كون الصلاة فريضة فلو رجع عن نية الاقامة بعد صلاة نافلة فان كانت من النوافل المشروعة في السفر كنافلة المغرب فلا خلاف في عدم تأثيرها وإلا فقولان أظهر هما عدم التأثير ايضا لما عرفت من تعليق الحكم على الفريضة، وهو


[ 422 ]

مختار جماعة من الاصحاب ومنهم الشهيد في الذكرى، ونقل عن العلامة في النهاية انه ذهب الى الاجتزاء بها، واليه يميل كلام الشهيد الثاني في الروض حيث قال بعد نقل القول الاول عن الذكرى: ويحتمل قويا الاجتزاء بها لانها من آثار الاقامة، وما تقدم من الدليل على الاكتفاء بالصوم آت هنا وهو مختار المصنف في النهاية. انتهى. وفيه ما عرفت في إلحاقه الصوم وهو قياس على قياس غير خال من ظلمة الالتباس. وثالثها - كون الصلاة تماما فلا تأثير لصلاة القصر، وهل يشترط كون التمام بنية الاقامة أم يكفى مطلق التمام ولو سهوا ؟ فيه وجهان، يحتمل الاول لان ذلك هو اكثر افراد الاقامة بل هو مقتضى ظاهر الرواية لان السؤال فيها وقع عن من نوى الاقامة عشرا، ويحتمل الثاني عملا باطلاق التمام. والاقرب الاول. قالوا: وتظهر الفائدة في مواضع: منها - ما لو صلى فرضا تماما ناسيا قبل نية الاقامة سواء خرج الوقت أم لا. اقول: الظاهر ان الصلاة على هذه الكيفية لا تأثير لها إذ المفهوم من النص المتقدم هو نية الاقامة أولا ثم الصلاة تماما بعد النية كما يشير إليه قوله عليه السلام (1): " ان شئت فانو المقام عشرا واتم وان لم تنو المقام عشرا فقصر " حيث رتب الصلاة على النية أولا. قالوا: ومنها - ما لو صلى تماما في أماكن التخيير بعد النية لشرف البقعة، اما لو نوى التمام لاجل الاقامة فلا اشكال في التأثير، ولو ذهل عن الوجه ففى اعتبارها وجهان، من اطلاقها الرواية حيث علق الحكم فيها على صلاة الفريضة تماما مع ان الاقامة كانت بالمدينة فقد حصل الشرط. ومن ان التمام كان سائغا له بحكم البقعة فلم يؤثر. اقول: لا يخفى ان النص كما عرفت قد دل على نية الاقامة عشرا ثم الصلاة


(1) في صحيح ابى ولاد المتقدم ص 415


[ 423 ]

تماما بتلك النية وهو أعم من أن يكون في مواضع التخيير أو غيرها، وحينئذ فلا يجزئ مجرد الاتمام لشرف البقعة، وكون الخبر هنا مورده المدينة وهى من المواضع المذكورة لا وجه له، إذ الظاهر ان كلامه عليه السلام بمنزلة القاعدة الكلية في هذا المقام لا اختصاص له ببلد دون بلد وهو قد علق الحكم فيه على نية الاقامة ورتب الصلاة عليها وبذلك يظهر انه لو أتم جاهلا الوجه فانه لا عبرة باتمامه ما لم تحصل نية الاقامة وقصدها ثم الصلاة بتلك النية والقصد كما هو مؤدى الخبر وكلام الاصحاب في الباب. قالوا: ومنها - ما لو نوى الاقامة عشرا في اثناء الصلاة قصرا فاتمها ثم رجع عن الاقامة بعد الفراغ فانه يحتمل حينئذ الاجتزاء بهذه الصلاة لصدق التمام بعد النية، ولان الزيادة انما حصلت بسببها فكانت من آثارها كما مر، وعدمه لان ظاهر الرواية كون جميع الصلاة تماما بعد النية وقبل الرجوع عنها ولم يحصل. اقول: ظاهر جمع من الاصحاب هنا: منهم - الشيخ الشهيد في الذكرى وشيخنا الشهيد الثاني في الروض وشيخنا المجلسي في البحار هو اختيار الوجه الاول، وهو الاقرب لصدق الصلاة تماما والمؤثر في الحقيقة ليس إلا العدد الزائد عن الركعتين وقد حصل هنا. وأما ما تعلقوا به للوجه الآخر - من ان ظاهر الرواية كون جميع الصلاة تماما بعد النية - ففيه انه وان كان كذلك بالنسبة الى هذه الرواية إلا انه قد ورد ايضا ما يدل على وجوب الاتمام بالنية في اثناء الصلاة: كما في صحيحة على بن يقطين عن ابى الحسن عليه السلام (1) قال: " سألته عن الرجل يخرج في السفر ثم يبدو له في الاقامة وهو في الصلاة ؟ قال يتم إذا بدت له الاقامة ". ورواية محمد بن سهل عن ابيه (2) قال " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل


(1) و (2) الوسائل الباب 20 من صلاة المسافر


[ 424 ]

يخرج في سفر ثم تبدو له الاقامة وهو في صلاته أيتم أم يقصر ؟ قال يتم إذا بدت له الاقامة ". وحينئذ فلا فرق في استصحاب التمام ووجوب البقاء عليه بعد النية والصلاة تماما بين أن تكون النية متقدمة على الصلاة أو في اثنائها كما دل عليه الخبران المذكوران

الخامس - المفهوم من الخبر المذكور ان المعتبر في قطع السفر واستصحاب التمام اتمام الصلاة بعد نية الاقامة، فلو شرع في الصلاة بنية الاقامة ثم رجع عن الاقامة في اثنائها لم يكف ذلك في قطع السفر والخروج عن ما هو عليه وان كان بعد ركوع الثالثة. وبه صرح في المنتهى حيث قال: لو نوى المقام ثم قام فصلى ثم تغيرت نيته الى السفر في الاثناء قيل يتم والوجه عندي انه يقصر لان الشرط وهو الصلاة على التمام لم يحصل. وقال الشيخ في المبسوط لو نوى المقام عشرا ودخل في الصلاة بنية التمام ثم عن له الخروج لم يجز له القصر الى ان يخرج مسافرا، ونحوه ابن الجنيد حيث قال: لو كان مسافرا قد دخل في الصلاة بنية القصر ثم نوى الاقامة أتم على ما كان صلاه، وان كان مقيما فدخل في صلاته بنية الاتمام ثم نوى السفر قبل الفراغ منها لم يكن له القصر. وقال ابن البراج: لو بدا له في المقام وقد صلى منها ركعة أو ركعتين وجب التمام لانه دخلها بنية مقيم. وصريح كلام هؤلاء هو وجوب الاتمام وان لم يتم الصلاة بل وان لم يتجاوز فرض القصر. وفصل العلامة في التذكرة والمختلف بانه ان كان قد تجاوز في صلاته فرض القصر بان صلى ثلاث ركعات تعين الاتمام وإلا جاز له القصر، قال في الذكرى: وفصل الفاضل بتجاوز محل القصر فلا يرجع وبعدم تجاوزه فيرجع، لانه مع التجاوز يلزم من الرجوع ابطال العمل المنهى عنه ومع عدم التجاوز صدق انه لم يصل بتمام. انتهى.


[ 425 ]

وتردد المحقق في المسألة نظرا الى افتتاح الصلاة وقد ورد في الخبر (1) انها على ما افتتحت عليه، وإلى عدم الاتيان بالشرط حقيقة. وقال في الذخيرة: وحكى عن المصنف وغيره الاكتفاء بها إذا كان الرجوع بعد ركوع الثالثة وانهم اختلفوا إذا كان الرجوع بعد القيام الى الثالثة. انتهى. أقول: الظاهر من كلام من ذهب الى التفصيل ان الحد الذى به يتجاوز محل التقصير هو ركوع الثالثة كما قدمنا نقله عن العلامة في المختلف والتذكرة، وذلك لان ما قبل الركوع من الواجبات لا يكون موجبا للتجاوز لامكان جعله من قبيل زيادة الواجب سهوا وانما الاعتبار بالركن المبطل فعله عمدا وسهوا، فما ذكره في الذخيرة من الحكاية المذكورة لم أقف عليه ولا أعرف له وجها. ثم اقول وبالله التوفيق: انه لا يخفى أن مقتضى الخبر المذكور كما اعترفوا به ان الشرط في وجوب الاتمام والاستمرار عليه هو الاتيان بعد نية الاقامة بالصلاة التامة كاملة وأن تكون نية الاقامة مستمرة الى أن يفرغ منها، فلو رجع عن نية الاقامة في اثنائها في أي جزء منها تجاوز محل القصر أو لم يتجاوز فالواجب عليه بمقتضى اختلال الشرط المذكور هو التقصير. والاعتماد في وجوب الاتمام بمجرد الدخول في الصلاة على خبر " الصلاة على ما افتتحت عليه " لا يخلو من مجارفة لعدم ثبوت الخبر من طريقنا، ومع تسليمه فتناوله لموضع النزاع وعمومه له ممنوع لدلالة الصحيحة المذكورة على وجوب التقصير في الصورة المذكورة، إذ مقتضاها ذلك حيث دلت على ان الشرط في وجوب التمام واستصحابه حصول صلاة كاملة بالتمام ولم تحصل وبفوات الشرط يفوت المشروط فيتعين القصر، وحينئذ فمع


(1) يمكن أن يريد به حديث معاوية بن عمار الوارد في من قام للفريضة فظن انها نافلة سهوا وبالعكس المروى في الوسائل الباب 2 من نية من كتاب الصلاة وقد تقدم في ج 2 ص 217 وبمضمونه حديثان آخران، وبه يظهر ما في قوله " قدس سره " في ما سيأتي " لعدم ثبوت الخبر من طريقنا " وقد تعرض المسألة بمناسبة العدول في ج 2 ص 209


[ 426 ]

ثبوت الخبر المذكور يجب تخصيصه بما ذكرنا وتستثنى هذه الصورة من عمومه بذلك كما خرجوا عن عمومه في مواضع لا تحصى من الاحكام. بقى الكلام في ما إذا حصل الرجوع بعد تجاوز محل القصر بان صلى ثلاث ركعات، والظاهر هنا الاعادة بوقوع الزيادة المبطلة. وأما ما احتج به القائل بالتفصيل كما ذكره في الذكرى من لزوم ابطال العمل المنهى عنه فعليل، لعدم دليل لهم على هذه الدعوى سوى ما ذكروه من ظاهر الآية (1) الذى قد قدح فيه غيروا حد منهم. ومع تسليمه فانا نقول ان مقتضى ما قررنا من الدليل هو الحكم بالابطال، لان الواجب في حال الرجوع عن نية الاقامة قبل الاتمام بمقتضى الخبر المذكور هو البقاء على التقصير لعدم حصول شرط الاتمام وحينئذ فلا يكون من قبيل ما ذكروه، فان المتبادر من النهى عن ابطال العمل إنما هو ابطاله من غير سبب شرعى يقتضى الابطال، وما نحن فيه ليس كذلك كما عرفت حيث ان مقتضى الدليل هنا ابطاله لا ان المكلف يبطله من غير سبب يقتضى الابطال كما هو ظاهر دليلهم. والله العالم. المسألة الثانية - لو أتم مع استكمال الشروط المتقدمة فلا يخلو إما أن يكون عامدا أو جاهلا أو ناسيا، وكذا لو كان فرضه التمام فقصر. فههنا مقامات أربعة: الاول - ان يتم عالما عامدا ولا خلاف في وجوب الاعادة عليه وقتا وخارجا. وعليه تدل صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم المتقدمة في صدر المقصد (2) لقوله عليه السلام فيها بعد ان سأله الراويان المذكوران فقالا " قلنا فمن صلى في السفر أربعا أيعيد أم لا ؟ قال ان كان قد قرئت عليه آية التقصير وفسرت له فصلى أربعا أعاد وان لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا اعادة عليه ".


(1) " ولا تبطلوا اعمالكم " سورة محمد الآية 33 (2) ص 296


[ 427 ]

ويعضدها صحيحة ليث المرادى عن الصادق عليه السلام (1) قال: " إذا سافر الرجل في شهر رمضان افطر وان صامه بجهالة لم يقضه ". واستدل عليه في المدارك ايضا بما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (2) قال " قلت لابي عبد الله عليه السلام صليت الظهر أربع ركعات وأنا في سفر ؟ قال أعد ". وعندي في الاستدلال على هذا الحكم بهذه الرواية اشكال فان صدور الاتمام عالما عامدا من مثل الحلبي الذى هو من الثقات الاجلاء المشهورين غير متصور ولا جائز، ثم مع فرض ذلك عنه عمدا كيف يسأل عنه ؟ وقرينة السؤال مؤذنة بكون الترك إنما كان نسيانا أو جهلا والثانى ايضا بعيد بالنسبة إليه، وبه يظهر ان الاظهر حمل الخبر على النسيان وإلا فمتى كان عالما بالوجوب وتعمد الاخلال بذلك فاى معنى لهذا السؤال ؟ وبالجملة فان قدر الرجل المذكور أجل من أن يترك الواجب عليه عامدا عالما وإلا لاخل بعدالته واحتاج الى معلومية توبته فكيف يعدون حديثه في الصحيح من غير خلاف ؟ فالاظهر كما عرفت حمل الرواية وان كانت مجملة على كون الاتمام وقع منه نسيانا. بقى الكلام في دلالة الخبر على الاعادة مطلقا على هذا التقدير وهو مذهب الشيخ كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى في المسألة ويأتى الكلام ان شاء الله تعالى في الجمع بين أخبارها. قال شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروض - بعد الاستدلال على بطلان الصلاة مع العمد بصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم - ما صورته: ويعلم من هذا ان الخروج من الصلاة عند من لا يوجب التسليم لا يتحقق بمجرد الفراغ من التشهد بل لابد معه من نية الخروج أو فعل ما به يحصل كالتسليم وإلا لصحت الصلاة هنا عند من لا يوجب التسليم لوقوع الزيادة خارج الصلاة، وقد تقدم في باب التسليم


(1) الوسائل الباب 2 ممن يصح منه الصوم. (2) الوسائل الباب 17 من صلاة المسافر


[ 428 ]

الاشارة الى ذلك. انتهى. أقول: الظاهر من هذا الكلام ان الغرض منه الجواب عن اشكال يرد في هذا المقام على القول بندب التسليم وهو ان الرواية الصحيحة (1) قد دلت على بطلان صلاة من حكمه الركعتان قصرا لو صلاها أربعا متعمدا، وهذا على تقدير القول بوجوب التسليم ظاهر لانه قد زاد في الصلاة ركعتين حيث انه انما يخرج من الصلاة بالتسليم، وأما على القول بكونه مندوبا أو واجبا خارجا كما هو أحد الاقوال في المسألة ايضا فان اللازم هنا صحة الصلاة لان الصلاة قد تمت بالتشهد على الركعتين فهاتان الركعتان الاخيرتان وقعتا خارج الصلاة والصلاة صحيحة مع ان النص واتفاق الاصحاب على البطلان. وحاصل جواب شيخنا المشار إليه ان القائل بندب التسليم إنما تتم الصلاة عنده بنية الخروج أو بالتسليم وان كان مستحبا أو بفعل المنافى، وعلى هذا فتكون الركعتان الواقعتان بقصد التمام قد وقعتا قبل تمام الصلاة فتبطل الصلاة حينئذ لذلك. وفيه انه وان ذكروا ذلك تفصيا عن هذا الاشكال إلا ان ما ذكروه لا دليل عليه. وايضا فانه لا يحسم مادة الاشكال بالنسبة الى القول بكونه واجبا خارجا وان كان لم يتعرض إليه. واجيب ايضا عن الاشكال المذكور بان المبطل هنا قصد عدم الخروج فلا يلزم وجوب قصد الخروج أو الاتيان بالمخرج. والتحقيق في الجواب انما هو التفصيل في المقام بانه ان كانت صلاة الاربع الركعات هنا وقعت بقصد ارادة التمام من اول الامر فالصلاة باطلة، وهذا هو الذى دلت عليه الرواية ووقع الاتفاق عليه لحصول المخالفة، لان الشارع انما أوجب عليه ركعتين وهو قد قصد الى مخالفته بقصده الاربع من أول الامر، وان كان انما قصد الصلاة ركعتين كما هو المأمور به شرعا لكن حصلت الزيادة بعد الفراغ من الصلاة الواجبة فلا بطلان هنا إلا على تقدير القول بوجوب التسليم


(1) ص 426


[ 429 ]

واما على تقدير القول باستحبابه أو كونه واجبا خارجا فلا، ومدعى البطلان عليه الدليل وليس فليس. المقام الثاني - أن يتم جاهلا والاشهر الاظهر الصحة كما دلت عليه صحيحة زرارة ومحمد ابن مسلم المتقدمة (1) لقوله عليه السلام " وان لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا اعادة عليه ". ونقل عن ابن الجنيد وابى الصلاح انهما أوجبا الاعادة في الوقت، وعن ظاهر ابن ابى عقيل الاعادة مطلقا، وهما ضعيفان مردودان بالخبر المذكور. وربما احتج للقول بالاعادة في الوقت بصحيحة العيص عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " سألته عن رجل صلى وهو مسافر فاتم الصلاة ؟ قال ان كان في وقت فليعد وان كان الوقت قد مضى فلا ". وفيه انها محمولة على الناسي جمعا بين الاخبار، فانها وان دلت باطلاقها على العامد والجاهل والناسى إلا انه قد قام الدليل في الاولين على خلاف ما دلت عليه فوجب تخصيصها بالناسى لعدم المعارض. وحكى الشهيد في الذكرى ان السيد الرضى سأل أخاه المرتضى (رضى الله عنهما) عن هذه المسألة فقال: الاجماع منعقد على ان من صلى صلاة لا يعلم أحكامها فهى غير مجزئة والجهل باعداد الركعات جهل باحكامها فلا تكون مجزئة ؟ وأجاب المرتضى (رضى الله عنه) بجواز تغير الحكم الشرعي بسبب الجهل وان كان الجاهل غير معذور. اقول: قد اختلفت كلام جملة من الاصحاب في توجيه كلام السيد (رضى الله عنه) فقال في الروض: وحاصل الجواب يرجع الى النص الدال على عذره والقول به متعين. انتهى. وقيل ان الظاهر من كلام السيد (قدس سره) ان مراده ان الاحكام الشرعية تختلف باختلاف الاشخاص والاحوال فيجوز أن يكون حكم الجاهل


(1) ص 296 (2) الوسائل الباب 17 من صلاة المسافر


[ 430 ]

بالقصر وجوب الاتمام عليه وان كان مقصرا غير معذور بترك التعلم، وحينئذ فهو آت بالمأمور به في تلك الحال فيكون مجزئا. وقيل انه يمكن مقصوده (قدس سره) انه قد يختلف الحكم من الشارع بالنسبة الى الجاهل المطلق والى الجاهل العالم في الجملة كمن عرف ان للصلاة احكاما تجب معرفتها ولم يعرفها فتصح تلك الصلاة من الاول منهما دون الثاني وان دعوى الاجماع على الاطلاق غير واضح. وقال في المدارك: وكأن المراد انه يجوز اختلاف الحكم الشرعي بسبب الجهل فيكون الجاهل مكلفا بالتمام والعالم مكلفا بالقصر، واختلاف الحكم هنا على هذا الوجه لا يقتضى عذر الجاهل. انتهى. والظاهر أنه يرجع الى القول الثاني من الاقوال المنقولة. اقول: قد نقل العلامة في كتاب المختلف عن السيد (رضى الله عنه) في اجوبة المسائل الرسية الجواب عن هذه المسألة بوجه أوضح من ما أجاب به أخاه (قدس الله روحيهما) حيث قال له السائل: ما الوجه في ما تفتى به الطائفة من سقوط فرض القضاء عن من صلى من المقصرين صلاة متمم بعد خروج الوقت إذا كان جاهلا بالحكم في ذلك مع علمنا بان الجهل باعداد الركعات لا يصح معه العلم بتفصيل احكامها ووجوها، إذ من البعيد أن يعلم بالتفصيل من جهل الجملة التى هي الاصل، وللاجماع على ان من صلى صلاة لا يعلم أحكامها فهى غير مجزئة وما لا يجزئ من الصلاة يجب قضاؤه، فكيف تجوز الفتيا بسقوط القضاء عن من صلى صلاة لا تجزئه ؟ فأجاب بان الجهل وان لم يعذر صاحبه وهو مذموم جاز أن يتغير معه الحكم الشرعي ويكون حكم العالم بخلاف حكم الجاهل. انتهى. وأنت خبير بان ما أوضحه هنا من الجواب وهو الذى عليه المعمول كاشف عن نقاب الاجمال في الجواب الاول ويرجع الى الاحتمال الثاني من الاحتمالات الثلاثة المقدمة، ومنه يظهر حينئذ ان مذهب السيد (قدس سره) ان تكليف


[ 431 ]

الجاهل من حيث هو جاهل في جميع الموارد ليس كتكليف العالم وان الحكم مع الجهل ليس كالحكم مع العلم، وفيه حينئذ رد للاجماع المدعى في المقام. وهو مطابق لما حققناه في المسألة كما تقدم في المقدمة الخامسة من مقدمات الكتاب. ولا خصوصية له بالصورة المذكورة كما فهمه شيخنا الشهيد الثاني في ما قدمنا نقله عنه من كلامه في الروض ليوافق ما ذهب إليه هو وغيره في المسألة من عدم معذورية الجاهل إلا في هذا الموضع ومسألة الجهر والاخفات. ثم ان ما ذكره العلامة (قدس سره) في المختلف بعد ذكر ما قدمنا نقله عنه - من أن كلام السيد (رضى الله عنه) يدل بمفهومه على الاعادة في الوقت من حيث ان سؤال السائل تضمن تخصيص سقوط فرض القضاء بخروج الوقت، وهو يدل بمفهومه على الاعادة في الوقت والسيد (قدس سره) لم ينكره - فظني انه بعيد إذ الظاهر ان مطمح نظر السيد (رحمه الله) انما هو الى الجواب عن أصل الاشكال من غير نظر الى الخصوصية المذكورة وصحة ما ذكره السائل أو بطلانه. وقال في المدارك في هذا المقام: وهل المراد بالجاهل الجاهل بوجوب القصر من أصله أو مطلق الجاهل ليندرج فيه الجاهل ببعض أحكام السفر كمن لا يعلم انقطاع كثرة السفر باقامة العشرة ؟ فيه وجهان منشأهما اختصاص النص المتضمن لعدم الاعادة (1) بالاول، والاشتراك في العذر المسوغ لذلك وهو الجهل. انتهى. اقول: ظاهر كلامه (قدس سره) التوقف هنا ومثله نقل عن العلامة في النهاية. وأنت خبير بانه لا يخفى ما فيه على الفطن النبيه، وذلك لان المشهور في كلام الاصحاب من غير أن يداخله الشك والارتياب هو أن الجاهل بالاحكام الشرعية عندهم غير معذور إلا في مسألتي الجهر والاخفات والجهل بوجوب القصر كما هو مورد الصحيحة المتقدمة فانها هي مستندهم في الاستثناء من القاعدة المذكورة، وأما ما عدا هذين الفردين من مطلق الجاهل باحكام القصر فهو عندهم غير معذور لدخوله


(1) ص 429


[ 432 ]

في مطلق الجاهل الذى اتفقوا على عدم معذوريته. وتعليله - احتمال مطلق الجاهل بالقصر بالاشتراك في العذر المسوغ لذلك وهو الجهل - آت في الجهل بالاحكام الشرعية مطلقا من أحكام السفر وغيره صلاة كانت أو غيرها وهم لا يقولون به. وبالجملة فان مرادهم بالجاهل هنا إنما هو الفرد الاول من غير اشكال ولا يصح ان يحمل كلامهم على الفرد الثاني. وكأن منشأ هذا التردد هو ان المسألة التى استثنوها من قاعدة عدم معذورية الجاهل هل هي عبارة عن الجاهل بوجوب القصر من أصله أو مطلق الجاهل بالقصر في كل موضع يجب فيه القصر ككثير السفر متى أقام عشرة ونحوه ؟ وفيه ان الظاهر من كلامهم إنما هو الاول الذى هو مورد النص كما لا يخفى، وأما الجاهل في غير هذه الصورة من صور التمام فيرجع الى معذورية جاهل الحكم وعدمها والمشهور العدم، وبالمعذورية هنا صرح المحقق الاردبيلى (قدس سره) في شرح الارشاد. والله العالم.

المقام الثالث - أن يتم ناسيا والمشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) وجوب الاعادة في الوقت خاصة، ونقل عن الشيخ على بن بابويه والشيخ في المبسوط انه يعيد مطلقا، وعن الصدوق في المقنع انه يعيد ان ذكر في يومه وان مضى اليوم فلا اعادة. واستدل من قال بالقول المشهور برواية ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " سألته عن الرجل ينسى فيصلى في السفر اربع ركعات ؟ قال ان ذكر في ذلك اليوم فليعد وان لم يذكر حتى يمضى ذلك اليوم فلا اعادة عليه ". واعترض في المدارك على الاستدلال بهذه الرواية بعد الطعن في السند بانها مجملة المتن، لان اليوم ان كان المراد به بياض النهار كان حكم العشاء غير مذكور في الرواية، وان كان المراد به بياض النهار والليلة المستقبلة كان ما تضمنه مخالفا للمشهور


(1) الوسائل الباب 17 من صلاة المسافر


[ 433 ]

وأجاب في الذخيرة بان المراد باليوم بياض النهار وان حكم العشاء غير مستفاد من الرواية، انما المستفاد منها حكم الظهرين وينسحب الحكم في العشاء بمعونة دعوى عدم القائل بالفصل، لكن في اثباته اشكال. انتهى. اقول: ويحتمل ان اليوم وان لم يدخل تحته إلا الظهران إلا انه خرج مخرج التمثيل وجعل كناية عن خروج الوقت. والاقرب عندي ان التعبير باليوم في الرواية المذكورة إنما خرج مخرج التجوز عبارة عن الوقت. فكأنه قال ان ذكر في ذلك الوقت فليعد وان لم يذكر حتى يمضى ذلك الوقت فلا اعادة. وبه تنطبق الرواية المذكورة على المدعى، وشيوع التجوز في أمثال ذلك أظهر من أن ينكر. وبه يظهر ان ما ذكره في المقنع راجع الى ما ذكرناه، وما اطالوا به من الاعتراضات في المقام لا طائل تحته بعد ما عرفت. ويدل على القول المذكور ايضا صحيحة العيص المتقدمة (1) والتقريب فيها ما عرفت من انها وان كانت أعم من أن يكون الاتمام عمدا أو جهلا أو نسيانا إلا انك قد عرفت خروج العامد بوجوب الاعادة عليه مطلقا فلا يدخل تحت هذا التفصيل، وخروج الجاهل بقيام الادلة على عدم وجوب الاعادة عليه مطلقا، فيتحتم حملها على الناسي البتة. ومع الاغماض عن ذلك يكفى في الاستدلال بها هنا مجرد دخول الناسي تحت العموم فتكون دالة عليه بطريق العموم، وبالتقريب الاول تكون دلالتها بطريق الخصوص. وقال عليه السلام في كتاب الفقه الرضوي (2) " وان كنت صليت في السفر صلاة تامة فذكرتها وأنت في وقتها فعليك الاعادة، وان ذكرتها بعد خروج الوقت فلا شئ عليك، وان أتمتها بجهالة فليس عليك في ما مضى شئ ولا اعادة عليك إلا ان تكون قد سمعت بالحديث ". والتقريب في هذا الكلام هو ظهور تخصيص التفصيل - وان كانت العبارة


(1) ص 429 (2) ص 16


[ 434 ]

مجملة - بصورة النسيان، لانه ذكر بعد ذلك حكم الجاهل والعامد وانه لا اعادة على الاول بل على الثاني. وهذه الاخبار إذا ضمت بعضها الى بعض لا يبقى مجال للشك في الحكم المذكور. وأما ما نقل عن الشيخ على بن بابويه والشيخ في المبسوط فلم نقف له على مستند، قيل: ولعل مستند هما القطع بتحقق الزيادة مع قصور كل من روايتي العيص وابى بصير المذكورتين بالطعن الذى تقدم ذكره. وفيه ان هذا الطعن الذى قد عرفت الجواب عنه إنما يجرى على مذاق المتأخرين سيما صحيحة العيص، فان دلالتها على حكم الناسي وانه كما تضمنته من ما لا إشكال فيه إنما الكلام في حملها عليه خاصة وعدم إحتمال غيره كما وجهناه وبيناه وبه تكون مختصة به، أو شمولها لغيره فعلى كل تقدير فهى دالة عليه. قال في الذكرى: ويتخرج على القول بان من زاد خامسة في الصلاة وكان قد قعد مقدار التشهد تسلم له الصلاة صحة الصلاة هنا لان التشهد حائل بين ذلك وبين الزيادة. واستحسنه الشهيد الثاني في روض الجنان وقال: انه كان ينبغى لمثبت تلك المسألة القول بها هنا ولا يمكن التخلص من ذلك إلا باحد أمور: إما الغاء ذلك الحكم كما ذهب إليه اكثر الاصحاب، أو القول باختصاصه بالزيادة على الرابعة كما هو مورد النص فلا يتعدى الى الثلاثية والثنائية فلا تتحقق المعارضة هنا، أو اختصاصه بزيادة ركعة لا غير كما ورد به النص هناك ولا يعتدى الى الزائد كما عداه بعض الاصحاب، أو القول بان ذلك في غير المسافر جمعا بين الاخبار لكن يبقى فيه سؤال الفرق مع اتحاد المحل. انتهى. وقال في المدارك بعد نقل كلام جده المذكور: واقول انه لا يخفى عليك بعد الاحاطة بما قررناه في تلك المسألة ضعف هذه الطرق كلها وانها غير مخلصة ومن هذا الاشكال، والذى يقتضيه النظر ان النسيان والزيادة ان حصلا بعد الفراغ من


[ 435 ]

التشهد كانت هذه المسألة جزئية من جزئيات من زاد في صلاته ركعة فصاعدا بعد التشهد نسيانا، وقد بينا ان الاصح ان ذلك غير مبطل للصلاة مطلقا لاستحباب التسليم، وان حصل النسيان قبل ذلك بحيث أوقع الصلاة أو بعضها على وجه التمام اتجه القول بالاعادة في الوقت دون خارجه كما اختاره الاكثر لما تقدم. انتهى. أقول وبالله التوفيق: انه لا يخفى عليك ان مبنى هذه المسألة التى نحن فيها - وتقسيمها الى الاقسام الثلاثة من كون الصلاة تماما التى أوقعها المسافر إما عن عمد فتبطل أو جهل فتصح أو نسيان فالتفصيل المتقدم - إنما هو على كون المصلى قد قصد من أول الدخول في الصلاة الى الاتمام، ولهذا حكم بالابطال مع العمد للوجه الذى بيناه سابقا وجعلناه وجه الفرق بينه وبين ما إذا قصد الزيادة بعد الدخول في الصلاة بنية القصر ثم زاد بعد تمام صلاته المقصورة فحكمنا بصحة الصلاة لذلك وحكم بالصحة مع الجهل للمعذورية، وحينئذ فما ذكره الشهيد (قدس سره) من التخريج - ووافقه عليه في الروض وزعم انه لا مخرج منه إلا باحدى تلك الوجوه - لا أعرف له وجها للفرق بين هذه المسألة التى نحن فيها وبين تلك المسألة، فان مبنى تلك المسألة على ان المصلى إنما دخل في الصلاة قاصدا الى الاتيان بما هو المفروض عليه شرعا من الاربع كما هو مورد نص تلك المسألة أو أقل كما هو قول من ألحق بالرباعية غيرها، غاية الامر أنه بعد أن أكمل ما هو الواجب عليه عرض له السهو فزاد ركعة، وقد عرفت الخلاف ثمة بان هذه الزيادة بعد الجلوس بمقدار التشهد ولما يتشهد أو بعد التشهد بالفعل كما اخترناه وحققناه ثمة، فالفرق بين المسألتين ظاهر بالنظر الى مبدأ الدخول في الصلاة كما عرفت، والنسيان الذى بنى عليه التفصيل في هذه المسألة ووردت به الاخبار إنما هو من أول الدخول في الصلاة بان نسى ان فرضه القصر وصلى تماما بزعم ان فرضه التمام نسيانا، والنسيان الذى في تلك المسألة انما هو بعد الاتيان بما هو فرضه شرعا واصل القصد انما توجه الى فرض مشروع إلا انه عرض له النسيان بعد تمامه فزاد تلك الركعة فالنسيان انما


[ 436 ]

تعلق بتلك الركعة المزادة، ووجه الفرق ظاهر بين بحمد الله سبحانه، فيتعين الوقوف في كل مسألة منهما على ما حكم به فيها وعدم تداخل المسألتين ولا إلحاق أحداهما بالاخرى، فتخريج هذه المسألة على تلك وإلحاقها بها - حتى انه يتجه على من قال بالصحة في تلك المسألة القول بها هنا كما يشير إليه كلام الشهيدين (روح الله روحيهما) هنا - لا وجه له كما عرفت. هذا هو التحقيق عندي في المقام والله سبحانه واولياؤه العالمون بحقائق الاحكام.

المقام الرابع - لو قصر من فرضه التمام فان كان عالما عامدا فلا ريب في وجوب الاعادة، ولو كان جاهلا فالمشهور وجوب الاعادة لعدم تحقق الامتثال وعدم معذورية الجاهل عندهم إلا في الموضعين المشهورين. وقد وقع الخلاف في صورة ما لو قصر بعد نية الاقامة الموجبة للتمام جاهلا فظاهر المشهور وجوب الاعادة كما هو في غير هذه الصورة من صور الجهل، ونقل عن الشيخ نجيب الدين في الجامع العدم. ويدل عليه ما رواه الشيخ في الصحيح عن منصور بن حازم عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " إذا أتيت بلدة فازمعت المقام عشرة أيام فاتم الصلاة فان تركه رجل جاهل فليس عليه اعادة ". والقول بها متجه لعدم المعارض بل وجود المؤيد لها من الاخبار الدالة على معذورية الجاهل في مواضع عديدة تقدم تفصيلها في مقدمات الكتاب. بل يمكن القول بمعذورية الجاهل في هذا المقام مطلقا كما اختاره بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين حيث قال في شرح له على كتاب المفاتيح: ثم ان الظاهر من الاخبار كون الجاهل معذورا في هذا المقام مطلقا اعني في جميع ما يتعلق بالقصر والاتمام في السفر حتى القصر في مواضع التمام والتمام في بعض مواضع القصر وان كان عالما باصل القصر كما هو مفاد ظاهر عبارة المصنف وفتوى نجيب الدين


(1) الوسائل الباب 17 من صلاة المسافر.


[ 437 ]

في جامعه، خلافا للمشهور فانهم خصوا الحكم بالجاهل بوجوب التقصير من أصله. ثم أطال الكلام في ذلك الى أن قال: فمن الاخبار ما رواه الشيخ بسند صحيح والصدوق في الفقيه باسانيد صحاح كلها عن محمد بن اسحاق الثقة عن ابى الحسن عليه السلام (1) قال: " سألته عن امرأة كانت معنا في السفر وكانت تصلى المغرب ركعتين ذاهبة وجائية ؟ قال ليس عليها قضاء. أو ليس عليها اعادة " على اختلاف الروايات. ثم أورد رواية منصور بن حازم المنقولة ثم أيد ذلك باطلاق صحيحتي عيص وليث المرادى عن الصادق عليه السلام (2) قال: " إذا سافر الرجل في شهر رمضان أفطر وان صامه بجهالة لم يقضه " ثم قال: هذا مع عدم وجود المعارض الصريح من الاخبار بالكلية، فلا حاجة الى ارتكاب تكلف حمل صحيحة محمد بن اسحاق على الشذوذ كما فعل الشيخ مع اعتماد الصدوق عليها، وكذا ارتكاب حملها على الاستفهام الانكارى أو على كون المراد نافلة المغرب وأمثال ذلك من الخيالات الضعيفة. انتهى. وهو جيد لكن الظاهر الرجوع الى التفصيل الذى قدمناه في المقدمة التى في معذورية الجاهل من مقدمات الكتاب. وبالجملة فان الجاهل في الصورة التى هي مورد صحيحة منصور المذكورة من ما لا شك في الحكم بمعذوريته للرواية المذكورة. وأما الناسي للاقامة فقيل بالحاقه بالجاهل لها وانه لا اعادة عليه وهو خروج عن موضع النص المذكور، والظاهر هو وجوب الاعادة. ويدل عليه ما ذكره الرضا عليه السلام في كتاب الفقه الرضوي (3) حيث قال: " وان قصرت في قريتك ناسيا ثم ذكرت وأنت في وقتها أو غير وقتها فعليك قضاء ما فاتك منها ".


(1) الوسائل الباب 17 من صلاة المسافر. والمسؤول في الاستبصار ج 1 ص 220 " أبو عبد الله ع " وفى الفقيه ج 1 ص 287 " أبو الحسن الرضا ع ". (2) الوسائل الباب 2 ممن يصح منه الصوم (3) ص 16


[ 438 ]

وفيه دلالة على ان التقصير نسيانا في موضع يجب الاتمام فيه موجب للاعادة وقتا وخارجا كما هو ظاهر فتوى الاصحاب. والله العالم.

المسألة الثالثة - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في حكم صلاة المسافر في المواضع الاربعة المشهور، فالمشهور التخيير بين القصر والاتمام مع أفضلية الاتمام، ولم ينقل الخلاف هنا إلا عن الصدوق والمرتضى وابن الجنيد، اما الصدوق فانه ذهب كما هو مذهب المخالفين الى مساواة هذه المواضع الاربعة لغيرها من البلدان التى يتحقق السفر إليها في وجوب التقصير ما لم ينقطع سفره باحد القواطع المتقدمة إلا انه جعل الافضل له نية المقام فيها والصلاة تماما، وسيأتى نقل كلامه في ذلك ان شاء الله تعالى. وأما المرتضى وابن الجنيد فظاهر كلاميهما المنع من التقصير في هذه المواضع الاربعة وألحقا بها في ذلك ايضا المشاهد المشرفة والضرائح المنورة. والظاهر عندي من الاقوال هو ما عليه الاكثر من علمائنا الابدال كما استفاضت به اخبار الآل عليهم صلوات ذى الجلال. وها أنا أذكر ما وصل الئ من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة من ما في الكتب المشهورة وغيرها مذيلا لها بما يكشف عن معانيها نقاب الابهام ويجلو عن مضامينها غشاوة الابهام لما ذهب إليه اولئك الاعلام بتحقيق شاف لم يسبق إليه سابق وبيان واف للنصوص المعصومية مطابق وموافق فاقول وبالله سبحانه التوفيق والاعانة لادراك المأمول: الاول - ما رواه الشيخ في الصحيح عن حماد بن عيسى (1) وكذا رواه الصدوق عنه في الخصال (2) وابن قولويه في المزار بالاسناد المذكور (3) قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام من مخزون علم الله الاتمام في أربعة مواطن: حرم الله وحرم رسول الله صلى الله عليه واله وحرم أمير المؤمنين عليه السلام وحرم الحسين بن على عليه السلام ". الثاني - ما رواه في الصحيح عن مسمع عن ابى ابراهيم عليه السلام (4) قال: " كان


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر


[ 439 ]

أبى يرى لهذين الحرمين ما لا يراه لغير هما ويقول ان الاتمام فيهما من الامر المذخور " الثالث - عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " ان من الامر المذخور الاتمام في الحرمين ". الرابع - ما رواه في الفقيه عن الصادق عليه السلام مرسلا (2) قال: " من الامر المذخور إتمام الصلاة في أربعة مواطن: مكة والمدينة ومسجد الكوفة وحائر الحسين عليه السلام " وروى هذه الرواية ابن قولويه في كتاب كامل الزيارات بسند صحيح عن حماد بن عيسى عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام (3). اقول: انت خبير بما في هذه الاخبار من وضوح الدلالة على القول المشهور وهو المؤيد المنصور، والتقريب فيها أن كون الاتمام فيها من الامر المذخور ومن مخزون علم الله إنما يتجه على القول المذكور من أفضلية التمام بمجرد الوصول إليها من غير توقف على نية الاقامة، ولو خص ذلك بما كان عن نية الاقامة لم تتجه المزية لهذه المواضع على غيرها حتى يدعى انه من مخزون علم الله وانه من الامر المذخور، فان المسافر حيثما أقام وجب عليه التمام فالاتمام دائر مدار الاقامة في هذه أو غيرها، ومن الظاهر ان هذه المزية إنما تتوجه على ترتب الاتمام على مجرد وصولها ودخولها لمزيد مشرفها. وفى الاخبار المذكورة اشارة الى حمل ما خالف هذه الاخبار على التقية أو الاتقاء، وان الاتمام في هذه المواضع من الاسرار المختصة باهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم التابعين لهم والناسجين على منوالهم، وهو خاص بهم لم يوفق له سواهم من اعدائهم المخالفين، وانه من ما ادخره الله تعالى لهم وصار مخزونا عن غير هم حيث لم يوفقوا له ولم يطلعهم الله تعالى عليه كما ورد نظيره في الصلاة بعد العصر (4). وبالجملة فانها في الدلالة على المراد من ما لا يعتريها وصمة الايراد، وبه يظهر


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر. (4) الوسائل الباب 38 من مواقيت الصلاة


[ 440 ]

لك ما في كلام الصدوق في الفقيه ونحوه في كتاب الخصال من تقيد هذه الاخبار بالاقامة عشرة، وكأنه زعم بذلك الجمع بين اخبار المسألة، وسيأتى بعد تمام نقل الاخبار ان شاء الله تعالى التعرض لكلامه وبيان ما في نقضه وإبرامه. الخامس - صحيحة على بن مهزيار (1) قال: " كتبت الى ابى جعفر الثاني عليه السلام ان الرواية قد اختلفت عن آبائك (عليهم السلام) في الاتمام والتقصير في الحرمين، فمنها أن يتم الصلاة ولو صلاة واحدة، ومنها أن يقصر ما لم ينو مقام عشرة أيام، ولم أزل على الاتمام فيهما الى أن صدرنا في حجنا في عامنا هذا فان فقهاء أصحابنا أشاروا على بالتقصير إذا كنت لا انوى مقام عشرة أيام فصرت الى التقصير، وقد ضقت بذلك حتى أعرف رأيك ؟ فكتب الى بخطه عليه السلام: قد علمت يرحمك الله فضل الصلاة في الحرمين على غير هما فانا أحب لك إذا دخلتهما أن لا تقصر وتكثر فيهما الصلاة. فقلت له بعد ذلك بسنتين مشافهة: انى كتبت اليك بكذا وأجبتني بكذا ؟ فقال نعم. فقلت فاى شئ تعنى بالحرمين ؟ فقال مكة والمدينة ". السادس - رواية عثمان بن عيسى (2) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن اتمام الصلاة والصيام في الحرمين ؟ فقال اتمها ولو صلاة واحدة ". السابع - صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج (3) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التمام بمكة والمدينة ؟ قال أتم وان لم تصل فيهما إلا صلاة واحدة ". الثامن - رواية فائد الحناط المروية في كتاب كامل الزيارات لابن قولويه عن ابى الحسن الماضي عليه السلام (4) قال: " سألته عن الصلاة في الحرمين ؟ قال أتم ولو مررت به مارا ". أقول وهذه الاخبار كما ترى ناصة على الاتمام في الحرمين من حيث خصوصية المكان، ولا مجال فيها لاحتمال التقييد بنية الاقامة بوجه كما يدعيه الصدوق (قدس سره) ومن قال بمقالته.


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر. والمسؤول في الحديث " 2 " أبو الحسن " ع "


[ 441 ]

والمفهوم من صحيحة على بن مهزيار المذكورة ان الخلاف في هذه المسألة كان في ذلك الوقت ايضا، بل ظاهرها ان التقصير ربما كان أشهر يومئذ حيث نقل عن فقهاء اصحابنا يومئذ انهم أمروه بالتقصير ما لم ينو مقام عشرة أيام. ويؤيده ما رواه جعفر بن محمد بن قولويه في كتاب كامل الزيارات (1) عن ابيه عن سعد بن عبد الله قال: " سألت ايوب بن نوح عن تقصير الصلاة في هذه المشاهد: مكة والمدينة والكوفة وقبر الحسين عليه السلام الاربعة والذى روى فيها ؟ فقال انا اقصر وكان صفوان يقصر وابن ابى عمير وجميع أصحابنا يقصرون ". وأجاب شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب البحار عن خبر أيوب ابن نوح المذكور بانه لا ينافى التخيير فانهم اختاروا هذا الفرد. وعندي في هذا الجواب نظر لانه وان سلم انه لا ينافى التخيير كما ذكره لكنه ينافى أفضلية الاتمام التى دلت عليها أخبار التمام ورغبت فيها وحثت عليها وصرحت بانه من المذخور والمخزون في علم الله سبحانه، ومن البعيد كل البعيد أن يرغب عنه هؤلاء الافاضل مع ثبوت هذه الفضيلة بل جميع اصحابنا كما نقله أيوب بن نوح. والذى يظهر لى ان هذا الخبر ونحوه من الاخبار الآتية الدالة على التقصير في هذه الاماكن إنما خرجت ناصة على تحتم التقصير وتعينه مع عدم نية الاقامة وانه لا يسوغ الاتمام إلا بنية الاقامة، فما أجاب به أصحاب القول المشهور عن اخبار القصر - من انها لا تنافى بينهما وبين أخبار التمام بحملها على اختيار أحد الفردين كما ذكره شيخنا المشار إليه هنا - ليس في محله. ويرشدك الى ذلك حكاية على بن مهزيار فانها تعطى ان الاختلاف واقع في تلك الايام وان اختلاف الرواية عنهم (عليهم السلام) إنما هو في تعين القصر وتحتمه في هذه المواضع كغيرها من سائر البلدان، إذ لو كان التخيير ثابتا يومئذ مع ارجحية التمام كما هو القول المشهور لما اشار عليه فقهاء اصحابنا يومئذ بالتقصير مع عدم نية الاقامة بل لا أقل ان يقولوا له أنت مخير ولما ضاق ذرعا بذلك


(1) مستدرك الوسائل الباب 18 من صلاة المسافر


[ 442 ]

لانه إذا كان الحكم بالتخيير متفقا عليه عندهم ومعلوما لديهم والاخبار عندهم مجتمعة عليه وان لم تثبت افضلية التمام فما وجه ضيقة بذلك وكتابته إليه عليه السلام ؟ بل الحق الصريح الذى لا يحتاج الى تكلف ولا تصحيح هو ما ذكرناه من أن روايات التقصير انما خرجت ناصة على تعين القصر إلا مع نية الاقامة وهو الذى فهمه منها أصحابنا في ذلك الوقت ولذا عكفوا على التقصير، وهو السبب الذى ضاق به على بن مهزيار حيث أنه قد روى له سابقا قبل حجته المشار إليها من الاخبار ما يدل على أفضلية التمام وقد كان يتم لذلك حتى صدر في حجه ذلك، فاشار عليه الاصحاب بالتقصير الموجب لبطلان ما عمل عليه سابقا فضاق بذلك صدرا من حيث رغبته في الاتمام لتحصيل تلك الفضيلة التى وردت في أخبار الاتمام وهؤلاء منعوه من ذلك وافهموه انه غير مشروع إلا مع نية الاقامة فكتب لهذه الحيدة الى الامام عليه السلام. وحينئذ فمع تعارض الاخبار على هذا الوجه وعدم امكان ما ذكروه من الجمع في المقام فلا بد من النظر في ما يترجح به أخبار الطرفين ليصير العمل عليه في البين، وحينئذ فلقائل أن يقول ان صحيحة على بن مهزيار المذكورة قد اشتملت على سؤاله عليه السلام عن ذينك القولين وعرض اخبار الطرفين وهو عليه السلام قد أمر مع ذلك بالتمام فلا مندوحة عن الحكم بمقتضاها والعمل بفتواها. نعم يبقى الكلام في وجه تحمل عليه أخبار القصر وأظهر الوجوه فيها الحمل على التقية كما تقدمت الاشارة إليه ذيل الاخبار الاربعة المتقدمة في صدر البحث لاختصاص الاتمام في هذه البقاع بمذهب الامامية، وسيأتى مزيد بسط الكلام في المقام بعد ذكر الاخبار المشار إليها ان شاء الله تعالى. التاسع - صحيحة مسمع عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال قال لى: " إذا دخلت مكة فاتم يوم تدخل ". العاشر - رواية عمر بن رياح (2) قال: " قلت لابي الحسن عليه السلام أقدم مكة


(1) و (2) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر


[ 443 ]

أتم أو اقصر ؟ قال اتم. قلت وأمر على المدينة فاتم الصلاة أو أقصر ؟ قال أتم ". اقول: وهذان الخبران ظاهرا الدلالة على الاتمام ايضا بمجرد الوصول كما يشير إليه قوله في الرواية الاولى " إذا دخلت مكة فاتم " ومن الظاهر ان الدخول للحج وهو أعم من أن يكون يوم الخروج منها للحج أو قبله بما لا يسع مقام عشرة أو يسع، ويشير إليه في الرواية الثانية " امر على المدينة " بل ربما يدعى كونه كالصريح في عدم الاقامة، إذ المراد بالمرور هو اتخاذها طريقا من غير توقف ولا اقامة فيها ونحوها في ذلك رواية فائد الحناط المتقدمة. الحادى عشر - صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج (1) قال: " قلت لابي الحسن عليه السلام ان هشاما روى عنك انك امرته بالتمام في الحرمين وذلك من أجل الناس ؟ قال لا كنت أنا ومن مضى من آبائى إذا وردنا مكة أتممنا الصلاة واستترنا من الناس ". اقول: هذا الخبر لا يخلو من الاجمال لتعدد الاحتمال، وأظهر ما ينبغى أن يحمل عليه هو أنه لما كان مذهب أهل البيت (عليهم السلام) واتباعهم من تحتم القصر في السفر ما لم ينو مقام عشرة أيام معلوما عند عامة أهل زمانهم فكانوا إذا رأوا أحدا منهم يتم في الحرمين بدون الاقامة سيما مكة التى إنما يحصل القدوم فيها قبل التروية بقليل كانوا إذا أرادوا التمام لتحصيل شرف البقعة استتروا خوفا من التشنيع عليهم بالاتمام الذى هو خلاف مذهبهم لعدم علمهم بافضلية الاتمام لشرف هذه البقاع، حيث انهم حجب عنهم كما تقدمت الاشارة إليه في الاخبار الاربعة الاولة، فلا جل دفع هذه المفسدة كانوا يستترون بذلك. الثاني عشر - رواية ابراهيم بن شيبة (2) قال: " كتبت الى ابى جعفر عليه السلام اسأله عن اتمام الصلاة في الحرمين فكتب الى كان رسول الله صلى الله عليه واله يحب اكثار الصلاة في الحرمين فاكثر فيهما وأتم ". الثالث عشر - رواية على بن يقطين (3) قال: " سألت ابا ابراهيم عليه السلام عن التقصير بمكة فقال اتم وليس بواجب إلا انى أحب لك مثل الذى أحب لنفسي ".


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر


[ 444 ]

الرابع عشر - رواية سماعة بن مهران رواها شيخنا المجلسي في كتاب البحار (1) نقلا من كتاب عبد الله بن يحيى الكاهلى عن العبد الصالح عليه السلام قال قال لى " اتم الصلاة في الحرمين مكة والمدينة ". الخامس عشر - رواية عمرو بن مرزوق (2) قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الصلاة في الحرمين وعند قبر الحسين عليه السلام قال أتم الصلاة فيها " أقول: التقريب في هذه الروايات وأمثالها انه من الظاهر البين الظهور ان وجوب القصر على المسافر مع عدم نية الاقامة ووجوب الاتمام عليه مع نيتها كان أمرا معلوما عند أصحاب الائمة (عليهم السلام) في تلك الازمان، بل ربما يدعى انه من ضروريات الدين بين اولئك الاعيان، وان ذلك حكم عام في جميع البلدان لا اختصاص له بمكان دون مكان، وهو صريح الادلة الواردة بذلك كما لا يخفى على ذوى الافهام والاذهان، وحينئذ فلو كان الاتمام في هذه الاخبار مقيدا باقامة العشرة كما يدعيه الصدوق ومن قال بمقالته لكان لا وجه لتكرار هذه الاسئلة في هذه الاخبار العديدة عن الاتمام أو التقصير في هذه المواضع المخصوصة ولا سيما الحرمين لزيادة التردد لها على غير هما لوضوح امر المسألة كما ذكرنا، فالحق ان هذه الاسئلة ما خرجت من هؤلاء السائلين في خصوصية هذه المواضع إلا من حيث انهم سمعوا ان لها خصوصية زائدة على غيرها وحكما مختصا بها دون ما سواها وهو رجحان الاتمام فيها وان لم يكن بينة الاقامة خلاف ما يعهدونه من مسألة القصر، والائمة (صلوات الله عليهم) قد أجابوا عن هذه الاسئلة تارة بالامر بالاتمام وتارة بالتخيير وتارة بالتقصير، وبذلك ارداد الاشكال الموجب لكثرة السؤال والسعى في تحقيق الحال وكشف ذلك الداء العضال، وينبهك على ذلك صحيحة على بن مهزيار المتقدمة ورواية على بن حديد الآتية (3) ان شاء الله تعالى.


(1) ج 18 الصلاة ص 695 (2) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر (3) ص 448


[ 445 ]

السادس عشر - رواية عمران بن حمران قال: " قلت لابي الحسن عليه السلام اقصر في المسجد الحرام أو اتم ؟ قال ان قصرت فذاك وان اتممت فهو خير وزيادة الخير خير ". السابع عشر - رواية الحسين بن المختار عن ابى ابراهيم عليه السلام قال: " قلت له انا إذا دخلنا مكة والمدينة نتم أو نقصر ؟ قال ان قصرت فذاك وان أتممت فهو خير تزداد ". الثامن عشر - صحيحة على بن يقطين عن ابى الحسن عليه السلام " في الصلاة بمكة ؟ قال من شاء أتم ومن شاء قصر ". والتقريب في هذه الاخبار ما تقدم في سابقها إلا انه قد وقع الجواب هنا بالتخيير مع افضلية الاتمام كما عليه جل علمائنا الاعلام، وهذه الاخبار هي مستند هم في ذلك. فان قيل: ان هذه الاخبار انما دلت على التخيير في الحرمين وأما حرم الحسين عليه السلام والكوفة فلا دلالة فيها عليهما. قلنا: لا ريب في صحة ما ذكرت إلا ان الظاهر ان مستند التخيير في هذين الموضعين انما هو الجمع بين ما دل على الاتمام وبين ما دل على التقصير من الاخبار الآتية ان شاء الله تعالى في الملحقات، لان اخبار التمام ظاهرها تعين الاتمام ووجوبه وتلك الاخبار صريحة في جواز التقصير فلا بد في الجمع بينها من حمل اخبار التمام على التخيير مع افضلية جمعا بين الجميع. التاسع عشر - رواية ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام (4) قال: " سمعته يقول تتم الصلاة في اربعة مواطن: في المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه واله ومسجد الكوفة وحرم الحسين عليه السلام ". العشرون - رواية عبد الحميد خادم اسماعيل بن جعفر عن ابى عبد الله عليه السلام قال: " تتم الصلاة في اربعة مواطن: المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه واله ومسجد


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر


[ 446 ]

الكوفة وحرم الحسين عليه السلام ". الحادى والعشرون - رواية ابراهيم بن ابى البلاد عن رجل من اصحابنا يقال له حسين عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " تتم الصلاة في ثلاثة مواطن: في المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه واله وعند قبر الحسين عليه السلام ". الثاني والعشرون - رواية زياد القندى (2) قال " قال أبو الحسن عليه السلام يا زياد احب لك ما احب لنفسي واكره لك ما اكره لنفسي اتم الصلاة في الحرمين وبالكوفة وعند قبر الحسين عليه السلام " والتقريب في هذه الاخبار ما تقدم. الثالث والعشرون - رواية ابى شبل (3) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام ازور قبر الحسين عليه السلام ؟ قال نعم زر الطيب واتم الصلاة فيه. قلت فان بعض اصحابنا يرون التقصير فيه ؟ قال انما يفعل ذلك الضعفة ". اقول: قال شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب البحار: اما قوله " انما يفعل ذلك الضعفة " فيحتمل ان يكون المراد به الضعيفة في الدين الجاهلين بالاحكام أو من له ضعف لا يمكنه الاتمام أو يشق عليه فيختار الاسهل وان كان مرجوحا، والوجه الاخير يؤيد ما اخترناه وهو اظهر، والاول لا ينافيه إذ يمكن ان يكون الضعف في الدين باعتبار اختيار المرجوح. انتهى. اقول: وعلى كل من هذه الاحتمالات لا سيما الاول فهو مناف لما تقدم نقله من كتاب كامل الزيارات عن ايوب بن نوح من اختياره مع من نقل عنه ثمة التقصير، وكذا ما تضمنته صحيحة على بن مهزيار من امر فقهاء اصحابنا يومئذ على بن مهزيار بذلك، وكأن شيخنا المشار إليه غفل عن ذلك وما في توجيهه المذكور لهذا الخبر من الاشكال في المقام بمخالفة اولئك الاعلام الذين لا يمكن نسبة هذه الوجوه إليهم كما لا يخفى على ذوى الافهام، اللهم إلا ان يحمل الخبر المذكور على من علم بالحكم في هذه المسألة وان الافضل التمام ثم مع هذا يصلى قصرا فانه


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر


[ 447 ]

لا يكون إلا عن احد الوجهين المذكورين، واما اولئك الاجلاء فانه بسبب ورود اخبار التقصير عليهم وترجحها لديهم لم يحصل لهم العلم بالحكم المذكور، ومن ثم ذهب الصدوق (قدس سره) في المسألة الى وجوب التقصير ايضا. الرابع والعشرون - صحيحة معاوية بن وهب (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التقصير في الحرمين والتمام ؟ قال لا تتم حتى تجمع على مقام عشرة أيام. فقلت ان اصحابنا رووا عنك انك أمرتهم بالتمام ؟ فقال ان اصحابك كانوا يدخلون المسجد فيصلون ويأخذون نعالهم ويخرجون والناس يستقبلونهم يدخلون المسجد للصلاة فأمرتهم بالتمام ". الخامس والعشرون - رواية محمد بن ابراهيم الحضينى (2) قال: " استأمرت أبا جعفر عليه السلام في الاتمام والتقصير قال إذا دخلت الحرمين فانو عشرة أيام واتم الصلاة. فقلت له انى اقدم مكة قبل التروية بيوم أو يومين أو ثلاثة ؟ قال انو مقام عشرة أيام وأتم الصلاة ". اقول: لا يخلو ظاهر هذا الخبر من الاشكال حيث ان ظاهره الاتمام بمجرد نية العشرة وان علم انه لا يقيم العشرة. واجيب عنه بالتزام ذلك وانه من خصائص هذا المكان كما ذكره الشيخ ومن تبعه. وبعده ظاهر. والاظهر عندي في الجواب هو انه لما كان الاختلاف في التقصير في هذا المكان يومئذ موجودا كما حققناه آنفا استأمره السائل في ذلك وسأله عن الحكم المذكور فأمره بالاتمام بعد نية الاقامة فرجع السائل واخبره وانه ربما قدم في مدة لا يمكن فيها الاقامة لضيق الوقت عن الحج، ويظهر من مراجعته ان مراده ان يرخص له في التمام من غير نية اقامة كما وقع في حديث على بن حديد الآتى (3) من قوله " وكان محبتى ان يأمرنى بالاتمام " فاجابه عليه السلام بان الاتمام لا يكون إلا بعد نية الاقامة


(1) و (2) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر (3) ص 448


[ 448 ]

وحاصله بيان تعليق الاتمام على نية الاقامة لا ان مراده عليه السلام الامر بالاقامة والاتمام على تلك الحال كما فهموه. وبالجملة فهذه العبارة مثل قوله عليه السلام في حديث على بن حديد " لا يكون الاتمام إلا أن تجمع على اقامة عشرة أيام " إلا ان هذه مجملة في ذلك وحملها على ما ذكرناه لا بعد فيه. السادس والعشرون - صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع (1) قال: " سألت الرضا عليه السلام عن الصلاة بمكة والمدينة بتقصير أو اتمام ؟ فقال قصر ما لم تعزم على مقام عشرة ". السابع والعشرون - رواية على بن حديد (2) قال: " سألت الرضا عليه السلام فقلت ان اصحابنا اختلفوا في الحرمين فبعضهم يقصر وبعضهم يتم وانا ممن يتم، على رواية قد رواها أصحابنا في التمام ؟ وذكرت عبد الله بن جندب وانه كان يتم قال رحم الله ابن جندب. ثم قال لى لا يكون الاتمام إلا ان تجمع على اقامة عشرة أيام وصل النوافل ما شئت. قال ابن حديد وكان محبتى أن يأمرنى بالاتمام ". الثامن والعشرون - صحيحة معاوية بن عمار (3) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قدم مكة فاقام على احرامه ؟ قال فليقصر الصلاة ما دام محرما ". التاسع والعشرون - صحيحة معاوية بن وهب المروية في كتاب العلل (4) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام مكة والمدينة كسائر البلدان ؟ قال نعم. قلت روى عنك بعض اصحابنا انك قلت لهم أتموا بالمدينة لخمس ؟ فقال ان اصحابكم هؤلاء كانوا يقدمون فيخرجون من المسجد عند الصلاة فكرهت ذلك لهم فلهذا قلته ". الثلاثون - رواية عمار بن موسى المروية في كتاب كامل الزيارات لابن قولويه (5) قال: " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في الحائر قال ليس الصلاة إلا الفرض بالتقصير ولا تصل النوافل ".


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر (5) الوسائل الباب 26 من صلاة المسافر


[ 449 ]

اقول: هذا ما وقفت عليه من اخبار المسألة، وانت خبير بان هذه الاخبار السبعة الاخيرة من الادلة الدالة على ما ذهب إليه الصدوق ومن قال بمقالته. قال (قدس سره) في كتاب الفقيه بعد ذكر الرواية الرابعة ما هذا لفظه: قال مصنف هذا الكتاب (رحمه الله) يعنى بذلك أن يعزم على مقام عشرة أيام في هذه المواطن حتى يتم، وتصديق ذلك ما رواه محمد بن اسماعيل بن بزيع.. ثم ساق الرواية وهى الخامسة والعشرون (1). وقال في كتاب الخصال بعد نقل صحيحة حماد بن عيسى وهى الاولى ما لفظه: يعنى أن ينوى الانسان في حرمهم (عليهم السلام) مقام عشرة أيام ويتم ولا ينوى دون مقام عشرة أيام فيقصر، وليس ما يقوله غير أهل الاستبصار بشئ انه يتم في هذه المواضع على كل حال. انتهى. اقول: قد عرفت من ما حققناه سابقا ان اخبار التقصير انما خرجت ناصة على التقصير كما ذهب إليه (قدس سره) وتأويل الاصحاب لها بما قدمنا نقله عنهم بعيد غاية البعد عن مضامين اكثرها وقرائن أحوالها بل غير مستقيم كما لا يخفى على من أعطى التأمل حقه في ما قدمناه. وانما يبقى الكلام معه في تأويل اخبار التمام بما ذكره، وفيه أولا - انه لا يخفى ان الاخبار التى استند إليها في وجوب التقصير موردها انما هو الحرمان خاصة فالمعارضة انما وقعت في اخبار الحرمين ومدعاه وجوب التقصير في المواضع الاربعة مع ان اخبار التمام التى وردت في الحرمين الآخرين لا معارض لها، ولم نقف في الاخبار على خبر ناص على التقصير فيهما إلا على خبر عمار وهو الثلاثون من الاخبار المتقدمة بالنسبة الى الحائر الحسينى، وهو - مع انحصار دلالته في الحائر مع بقاء اخبار الكوفة بلا معارض بالكلية، واشتماله على خلاف ما صرح به الاصحاب واستفاضت به الاخبار كما سيأتي ان شاء الله تعالى من المنع من صلاة


(1) بل هي السادسة والعشرون


[ 450 ]

النوافل - مردود بضعفه وندوره وعدم قيامه بمعارضة تلك الاخبار الصحيحة الصريحة في الاتمام في الحائر الشريف، مضافا الى ما عرفته في روايات عمار من تفرده بالغرائب في اخباره والشواذ كما طعن عليه في الوافى في غير موضع بذلك. وكيف كان فالكوفة كما عرفت لا معارض لاخبار التمام فيها بالكلية فبأى جهة يخرج عن أخبار التمام فيها، فان استند الى اخبار القصر المطلقة فهو مردود بان مقتضى القاعدة تقييد اطلاقها بهذه الاخبار فلا يتم الاستناد إليها كما لا يخفى على ذوى الافكار. وثانيا - ان تأويله هذا وان أمكن في بعض الاخبار المجملة كالخبرين المذكورين في كلامه إلا انه لا يتم في جملة منها كاخبار " يتم ولو صلاة واحدة " (1) وقوله في آخر " ولو مررت به مارا " (2) ونحوهما من ما قدمنا بيانه وشددنا أركانه. وحينئذ فما ذكره (قدس سره) لا يصلح لان يكون حاسما لمادة الاشكال في جميع اخبار المسألة. وثالثا - ما تقدم من التقريب ذيل الرواية الثانية عشرة والثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة. وبالجملة فان الحق الذى لاشك فيه ولا مرية تعتريه ان هذه الاخبار الواردة في هذه المسألة متصادمة لا يمكن حمل بعضها على بعض لا بما ذكره (قدس سره) من تأويل روايات التمام بنية اقامة العشرة ولا ما ذكره الاصحاب من تأويل روايات القصر بكونه أحد فردي المخير. وتوضيحه زيادة على ما تقدم ان المفهوم من صحيحة على بن مهزيار ورواية على بن حديد ان المراد من القصر في ما ورد به من الاخبار انما هو ما كان عزيمة كسائر المواضع إلا مع نية الاقامة، وان المراد من الاتمام في ما ورد به من الاخبار انما هو ما لم يكن عن نية اقامة، إذ لو كان المراد من اخبار القصر انما هو ما تأولوها به من الحمل على اختيار أحد فردي الواجب المخير - وان التخيير حكم مشهور في تلك


(1) و (2) ص 440


[ 451 ]

المواضع كما يقولون به ومن اخبار التمام التقييد بنية الاقامة كما يقول الصدوق مع ان ذلك حكم عام في جميع الاماكن - لكان لا معنى للخلاف بين اصحابنا الذين في وقتهم (عليهم السلام) حتى ان بعضهم يختار القصر وينتهى عن التمام وبعضا بالعكس ولما ضاق على بن مهزيار بذلك ولما قال على بن حديد " وكان محبتى ان يأمرنى بالاتمام " أما على الاول فلانه مخير واختيار أحد فردي الواجب المخير لا يوجب اختلافا ولا ينسب صاحبه الى المخالفة، مع ان الاتمام أفضل وارجح فكيف يعدل عنه الى المفضول والمرجوح ؟ وأما على الثاني فلان الاتمام بنية الاقامة لا ينافى القصر مع عدم النية المذكورة حتى ينسب من يختار أحدهما الى مخالفة من يختار الآخر، ولكان لا معنى لقول على بن حديد " وكان محبتى أن يأمرنى بالاتمام " كما لا يخفى على ذوى البصائر والافهام. وحينئذ فلابد من النظر في المرجحات لاخبار أحد الطرفين ليكون العمل عليه في البين، والظاهر ان الترجيح في أخبار الاتمام لوجوه: الاول - صحيحة على بن مهزيار بالتقريب الذى تقدم في ذيلها وهو عرض الاختلاف يومئذ على الامام عليه السلام وامره بالاتمام. فان قيل: ان رواية على بن حديد قد تضمنت ايضا عرض القولين على الرضا عليه السلام ومع ذلك منع من الاتمام إلا مع اقامة عشرة أيام. قلت: يمكن الجواب عن ذلك بعد الاغماض عن عدم معارضة رواية على بن حديد لصحيحة على بن مهزيار من حيث السند بان يقال انه قد ورد عنهم (عليهم السلام) انه إذا أتى حديث عن اولهم وحديث عن آخرهم أو عن واحد منهم ثم اتى عنه بعد ذلك ما ينافيه انه يؤخذ بالاخير في الموضعين: روى ذلك ثقة الاسلام في الكافي عن المعلى بن خنيس (1) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام إذا جاء حديث عن أولكم وحديث عن آخركم بايهما نأخذ ؟ فقال


(1) الوسائل الباب 9 من صفات القاضى وما يجوز أن يقضى به.


[ 452 ]

خذوا به حتى يبلغكم عن الحى فان بلغكم عن الحى فخذوا بقوله ". وروى في حديث آخر عنه عليه السلام (1) " انه قال لبعض أصحابه: أرأيتك لو حدثتك بحديث العام ثم جئتني من قابل فحدثتك بخلافه بايهما كنت تأخذ ؟ قال قلت كنت آخذ بالاخير. فقال لى رحمك الله ". ويؤيد ذلك ترحم الرضا عليه السلام على عبد الله بن جندب في رواية على بن حديد بعد أن نقل عنه انه يتم، وفيه أشعار بكونه على الحق في ذلك وان الامر بالتقصير هنا انما هو لمصلحة. الثاني - ان اخبار القصر في هذه المواضع أقرب الى موافقة العامة واخبار التخيير لا توافقهم، وذلك لان التخيير هنا من خواص مذهب الشيعة إذ العامة بين معين للقصر مطلقا وبين مخير مطلقا مع أفضلية التقصير (2) مع كون المعلوم عندهم من مذهب الشيعة هو وجوب القصر عزيمة على المسافر، وحينئذ فكل ما ورد من ما يدل على تحتم القصر وعدم جواز التخيير في هذه الاماكن يتعين حمله على التقية لما تقرر عنهم (عليهم السلام) من القواعد التى من جملتها عرض الاخبار في مقام الاختلاف على مذهب العامة والاخذ بخلافه (3) وروايات التمام في هذه المواضع مخالفة لمذهب العامة فيتحتم الاخذ بها.

الثالث - انه مع العمل باخبار التمام كما اخترناه واختاره جمهور أصحابنا يمكن حمل أخبار التقصير على التقية كما ذكرنا، ولو عملنا على أخبار القصر لزم طرح أخبار التمام رأسا مع استفاضتها وكثرتها وصحة اكثرها وصراحتها وذلك لعدم قبولها لما ذكره الصدوق من الحمل المتقدم نقله كما أوضحناه، وفى طرحها - مع ما عرفت مضافا الى قول الطائفة بها سلفا وخلفا إلا الشاذ النادر - من الشناعة ما لا يخفى.


(1) و (3) الوسائل الباب 9 من صفات القاضى وما يجوز ان يجوز يقضى به. (2) المغنى ج 2 ص 267 الى 270 والام ج 1 ص 159 والمهذب ج 1 ص 101 وبدائع الصنائع ج 1 ص 91 وبداية المجتهد ج 1 ص 152


[ 453 ]

فان قيل: انه يمكن حمل اخبار الاتمام على التقية لقول العامة بالاتمام كما تقدم قلنا: فيه انه وان قال العامة بالاتمام في مطلق السفر في الجملة وان كان مرجوحا إلا انه لا يتمشى في أخبار هذه الاماكن: أما أولا - فلتصريح جملة منها بان العلة في الاتمام إنما هو تحصيل الثواب بكثرة الصلاة في هذه الاماكن وانه من المخزون والمذخور ونحو ذلك من ما يدل على ان العلة في الاتمام إنما هو شرف هذه البقاع، ولو كانت العلة في الاتمام إنما هي التقية لما كان لخروج هذا الكلام وجه بالكلية. وأما ثانيا - فلما عرفت آنفا من أن كثرة الاسئلة عن هذه البقاع بانه هل يصلى فيها تماما أو قصرا - مع معلومية وجوب القصر على المسافر ووجوب التمام على ناوى الاقامة ووجوب العمل بالتقية كيف اقتضته، بل ربما صارت هذه المسائل من ضروريات مذهب أهل البيت (عليهم السلام) - من ما لا وجه له، وأى وجه اشكال وخفاء فيه حتى تكثر فيه السؤالات عنه ؟ واى خصوصية لتعلق هذه الاسئلة بهذه الاماكن وهى كغيرها من ما يجب على المسافر فيه التقصير والاتمام على ناوى الاقامة والعمل بما اقتضته التقية. وبذلك يظهر ان الامر بالتمام إنما وقع من حيث شرف هذه البقاع. وأما ثالثا - فلما عرفت في صحيحة على بن مهزيار من عمله على التمام مدة مديدة لما روى له فيه ثم عدوله الى التقصير لما افتوه به ووقوعه بسبب ذلك في الضيق والحيرة حتى كتب الى الامام عليه السلام، وأى حيرة وضيق في الاتمام إذا نوى الاقامة أو اقتضته التقية ؟ بل صريح اشارة الفقهاء عليه بالتقصير يومئذ ان اتمامه لم يكن عن نية اقامة ولا تقية كما لا يخفى على أدنى ذى فهم. ونحو ذلك ما تضمنته رواية على بن حديد. وبالجملة فالحاذق البصير بل من له أدنى روية وفكر يسير لا يخفى عليه ان العلة في الاتمام في هذه الاخبار إنما هو شرف البقعة والوصول الى محل الزلفى والرفعة. فان قيل: المفهوم من صحيحة معاوية بن وهب وهى الرابعة والعشرون ان


[ 454 ]

الامر بالاتمام إنما وقع تقية وكذلك صحيحته الاخيرة وهى التاسعة والعشرون. قلت: لا يخفى ان هاتين الروايتين من جملة الروايات الدالة على وجوب التقصير حتما كما في سائر المواضع، وقد تقدم البحث فيهما في المقام الاول من الشرط الرابع من شروط التقصير (1). وبيانه زيادة على ما تقدم انه لما أجابه الامام عليه السلام في الصحيحة الاولى بانه لا يتم في الحرمين حتى يجمع على مقام عشرة أيام اعترضه السائل بان اصحابنا قد رووا عنك انك أمرتهم بذلك بالتمام في ذينك الموضعين وان لم يقيموا عشرة أجاب عليه السلام بانى لم آمرهم بالتمام في هذه الصورة من حيث شرف البقعة الموجب للتمام في جملة الايام وانما أمرتهم بذلك لمصلحة اخرى وهو دفع الضرر عنهم بما كانوا يفعلونه يومئذ، حيث انهم مع عدم اقامة العشرة كانوا يقصرون فيخرجون من المسجد والناس يستقبلونهم داخلين للصلاة وهذا من ما يوجب الضرر عليهم فأمرتهم بالاتمام وان لم يقيموا عشرة لدفع ذلك عنهم. ومنه يعلم ان الاتمام هنا غير الاتمام المدعى في أصل المسألة لان هذا خاص بهؤلاء المذكورين لهذه العلة وذلك الاتمام الذى في أصل المسألة عام. قال الشيخ (رحمه الله) بعد نقل الخبر الاول من هذين الخبرين وكلام في البين ما لفظه: ويكون قوله عليه السلام لمن كان يخرج عند الصلاة من المسجد ولا يصلى مع الناس أمرا على الوجوب ولا يجوز تركه لمن كان هذا سبيله لان فيه دفعا للتقية واغراء بالنفس وتشنيعا على المذهب. انتهى. ومرجعه الى ان الاتمام المأمور به في أصل المسألة تخييري وانه أفضل الفردين وهذا الاتمام المذكور في هذين الخبرين حتمي لا يجوز تركه لما ذكره (قدس سره). فان قلت: ان حمل الاتمام على التقية في هذين الخبرين ينافى ما ذكرتم من حمل التقصير على التقية ومن جملة ما دل على ذلك صدر الخبرين المذكورين.


(1) ص 250


[ 455 ]

قلت: لا مانع من أن تكون العلة في التقصير في هذه المواضع هو التقية وانه قد يتبدل الحكم بوجود عارض وأمر آخر كما في هاتين الروايتين من الخروج من المسجد على هذه الحال، وحينئذ فيكون الاتمام هنا مخصوصا بهؤلاء الذين كانوا يفعلون ذلك، ومن الظاهر ان التقية هنا أشد لان خروجهم عند دخول المخالفين ربما كان موجبا لهم الخروج عن الدين في اعتقاد أولئك المعاندين فلذا أمرهم عليه السلام بالاتمام الذى هو أقل مفسدة، ولا يخفى ان اجوبتهم (عليهم السلام) تدور مدار المصالح التى تقتضيها الحال، فلا إشكال في هذا المجال كما لا يخفى على ذوى الكمال. ثم ان من جملة من رجح ما رجحناه واختار ما اخترناه من حمل اخبار القصر في هذه المسألة على التقية جملة من مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين: منهم - شيخنا المجلسي في البحار ونقله فيه ايضا عن الفاضل العلامة المحقق المولى عبد الله الشوشترى، واختاره ايضا المحدث الكاشانى في الوافى والشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في الوسائل، ولكن أحدا منهم لم يعط المسألة حقها من التحقيق كما أوضحناه بحمد الله سبحانه مانح التوفيق، ولا تجد لامثال هذه التحقيقات ذكرا في غير كتبنا وزبرنا، ولله سبحانه الحمد والمنة بذلك. والله العالم بحقائق احكامه ونوابه القائمون بمعالم حلاله وحرامه. تنبيهات الاول - في تحقيق المكان الذى يستحب فيه الاتمام من هذه المواضع الاربعة والكلام هنا يقع في مواضع ثلاثة: الاول - في الحرمين الشريفين وقد اختلفت كلام الاصحاب هنا في انه البلد في كل منهما أو المسجد كذلك أو الحرم ؟ المشهور الاول، وذهب ابن ادريس الى الثاني فخص الحكم بالمسجدين وهو مختار العلامة في المختلف والشهيدين في اللمعة وشرحها والروض، وظاهر كلام الشيخ في التهذيب الثالث حيث قال: ويستحب إتمام الصلاة في الحرمين فان فيه فضلا كثيرا. ثم قال ومن حصل بعرفات فلا يجوز


[ 456 ]

له الاتمام على حال. انتهى. وبه يظهر ما في كلام بعض مشايخنا المعاصرين من انكار القول بذلك حيث قال: ولم نظفر على قائل مصرح بالشمول لجميع حرم الله ورسوله صلى الله عليه واله فضلا عن غيرهما. والظاهر انه نشأ من غفلة عن ملاحظة العبارة المذكورة. ومن الظاهر ان الاصل في الخلاف المذكور اختلاف الاخبار الواردة في المقام، فان جملة من الاخبار المتقدمة منها ما تضمن التعبير عن ذلك بالحرمين كالرواية الاولى والثانية والثالثة والخامسة والسادسة والثامنة والحادية وعشرة والثانية عشرة والرابعة عشرة (1) والثانية والعشرين والصحيح منها أربع روايات، ومنها ما تضمن التعبير بمكة والمدينة كالرواية الرابعة والسابعة والتاسعة والعاشرة والثالثة عشرة والسابعة عشرة (2) والصحيح منها ثلاث روايات، ومنها ما تضمن التعبير بالمسجدين كالرواية السادسة عشرة والتاسعة عشرة والعشرين (3) وكلها ضعيفة السند وحينئذ فان عملنا باخبار الحرمين - وهى اكثر الاخبار كما عرفت وهو ظاهر التهذيب في ما قدمنا من عبارته - كان محل الاتمام فيهما أعم من البلدين. وظاهر الاصحاب انهم حملوا الحرمين في تلك الاخبار على البلدين وهو غير بعيد، ويؤيده ما ورد عن الصادق عليه السلام (4) انه قال " مكة حرم الله وحرم رسوله صلى الله عليه واله وحرم امير المؤمنين على بن ابى طالب (عليه السلام) والمدينة حرم الله وحرم رسوله صلى الله عليه واله وحرم على بن ابى طالب (عليه السلام) والكوفة حرم الله وحرم رسوله صلى الله عليه واله ووحرم على بن ابى طالب (عليه السلام). وما رواه الشيخ في الامالى بسند موثق عن عاصم بن عبد الواحد وهو مهمل (5) قال: " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: مكة حرم الله والمدينة حرم محمد


(1) والخامسة عشرة (2) والثامنة عشرة وهى الصحيحة الثاثية (3) والحدية والعشرين (4) الوسائل الباب 44 من أحكام المساجد. (5) البحار ج 21 ص 30


[ 457 ]

صلى الله عليه واله والكوفة حرم على بن ابى طالب (عليه السلام) ان عليا حرم من الكوفة ما حرم ابراهيم من مكة وما حرم محمد صلى الله عليه واله من المدينة ". ويعضد ذلك ايضا قوله في آخر صحيحة على بن مهزيار وهى الرواية الخامسة " أي شئ تعنى بالحرمين ؟ فقال مكة والمدينة ". وقد أفصح عليه السلام هنا بذلك، وبه يظهر قوة القول المشهور وانه المؤيد المنصور وقوفا في ما خالف أخبار القصر العامة على القدر المتيقن من هذه الاخبار. وأما القول بالاقتصار على المسجدين كما ذهب إليه جمع ممن قدمنا ذكره وغيرهم فعللوه بكون الحكم على خلاف الاصل والخروج عن العهدة بالقصر حاصل اجماعا، إذ غاية الحكم بالاتمام التخيير فالقصر في البلدين مجزئ اجماعا على التقديرين بخلاف الاتمام. قال العلامة في المختلف بعد اختيار قول ابن ادريس: لنا - ان الاصل وجوب القصر فيصار الى خلافه في موضع الوفاق. اقول: فيه مع الاغماض عن المناقشة في بعض هذه المقدمات انه ان كان التخصيص بالمسجدين على جهة الاولوية والاحتياط فلا بأس، وان كان على جهة الترجيح والاختيار والحكم بعدم اجزاء ما خرج عنهما كما هو صريح كلام ابن ادريس فان اللازم اطراح تلك الاخبار الجمة المتكاثرة مع كثرتها وصحة جملة منها وصراحتها والاعتماد عليها في أصل المسألة وضعف سند ما دل على اعتبار المسجدين باصطلاحهم كما قدمنا ذكره، مع ان قاعدتهم سيما شيخنا الشهيد الثاني ومن يحذو حذوه رد الاخبار الموثقة فضلا عن الضعيفة. وأما ما أجاب به العلامة في المختلف - حيث قال بعد ذكر ما قدمنا نقله عنه: احتجوا بما تقدم من الروايات الدالة على الاتمام في الحرمين، والجواب بالحمل على نفس المسجدين جمعا بين الادلة - ففيه أولا - مع الاغماض عن المناقشة ببعد هذا الاطلاق ان المخالفة غير


[ 458 ]

منحصرة في أخبار الحرمين بل مثلها في أخبار البلدين بلفظ مكة والمدينة، واطلاق هذين اللفظين على المسجدين أبعد. وثانيا - ان صحيحة على بن مهزيار تضمنت سؤال الامام عليه السلام عن الحرمين الذين أمر بالاتمام فيهما فأجاب بمكة والمدينة ولو كان ما يدعونه حقا لاجاب عليه السلام بالمسجدين دون البلدين. وبالجملة فالظاهر ان التخصيص بالمسجدين في تلك الروايات انما خرجت لمزيد الشرف وان الغالب والمتعارف هو الصلاة في المسجد. ومن ما يؤيد الحمل على البلد زيادة على ما تقدم لكن بالنسبة الى مكة ما ورد في بعض اخبار الاعتكاف من أن البلد كلها في حكم المسجد: مثل ما في صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام (1) قال: " المعتكف بمكة يصلى في أي بيوتها شاء سواء عليه في المسجد صلى أو في بيوتها ". وفى بعضها (2) " ولا يصلى المعتكف في بيت غير المسجد الذى اعتكف فيه إلا بمكة فانه يعتكف بمكة حيث شاء لانها كلها حرم الله ". ثم انه على تقدير قصر الحكم على المسجد فهل المعتبر في المسجد الحرام المسجد القديم الذى كان في زمن النبي صلى الله عليه واله أو هذا المسجد الموجود الآن ؟ اشكال قد تقدم بيانه في مسألة كراهة النوم في المسجد في المقدمة السادسة في المكان (3). وأما مسجد الرسول صلى الله عليه واله فالظاهر اختصاص الحكم بما كان في زمنه صلى الله عليه واله دون ما زيد فيه لان الحكم بالتمام هنا وقع على خلاف الاصل فيقتصر فيه على القدر المتقين. ويعضد ذلك اضافته إليه صلى الله عليه واله في الاخبار فيخص بما كان في زمانه إذ


(1) الوسائل الباب 8 من الاعتكاف. (2) الوسائل الباب 8 من الاعتكاف، وهو حديث عبد الله بطريق الشيخ (3) ج 7 ص 295


[ 459 ]

لا يضاف إليه ما فعله غيره بعده خصوصا ما أحدثه الثاني من غصب بعض الدور وجعلها في المسجد كما صرحت به الاخبار (1). وقد ورد في تحديده من الاخبار صحيحة محمد بن مسلم (2) قال: " سألته عن حد مسجد الرسول صلى الله عليه واله قال الاسطوانة التى عند رأس القبر الى الاسطوانتين من وراء المنبر عن يمين القبلة، وكان من وراء المنبر طريق تمر فيه الشاة ويمر فيه الرجل منحرفا، وكان ساحة المسجد من البلاط الى الصحن " ونحوها صحيحة ابى بصير المرادى (3). وثانيها - في الكوفة وقد اختلف ايضا في محل الاتمام هنا هل هو مختص بالمسجد أو يعم البلد ؟ فنقل جمع من متأخرى اصحابنا (رضوان الله عليهم) عن الشيخ (قدس سره) انه قال: إذا ثبت الحكم في الحرمين من غير اختصاص بالمسجد يكون الحكم كذلك في الكوفة لعدم القائل بالفصل. ونقل الشهيد في الدروس عن المحقق انه حكم في كتاب له في السفر بالتخيير في البلدان الاربعة حتى الحائر، ورجح المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد عموم الاتمام في الكوفة، وصرح جمع من المتأخرين باختصاص الحكم بالمسجد، قال في المعتبر: ينبغى تنزيل حرم أمير المؤمنين عليه السلام على مسجد الكوفة خاصة أخذ بالمتيقن. انتهى. وظاهر الشيخ في المبسوط تعدية الحكم الى الغرى أيضا حيث قال: ويستحب الاتمام في أربعة مواطن في السفر: بمكة والمدينة ومسجد الكوفة والحائر (على ساكنه أفضل التحية والسلام) وقد روى الاتمام في حرم الله وحرم الرسول صلى الله عليه واله وحرم امير المؤمنين وحرم الحسين (عليهما السلام) (4) فعلى هذه الرواية يجوز


(1) وفاء الوفاء للسمهودي ج 1 ص 342 إلا انه لم يذكر الغضب بل انه كان بنحو الاشتراء والاسترضاء. (2) و (3) الوسائل الباب 58 من أحكام المساجد (4) في حديث حماد ص 438


[ 460 ]

الاتمام خارج مسجد الكوفة وبالنجف. انتهى. وقال شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) بعد نقل ذلك عنه: وكأنه نظر الى ان حرم امير المؤمنين عليه السلام ما صار محترما بسببه واحترام الغرى به اكثر من غيره. ولا يخلو من وجه ويومئ إليه بعض الاخبار، ثم قال (قدس سره) والاحوط في غير المسجد القصر. انتهى. فاما الاخبار الواردة هنا فان بعضها تضمن التعبير بحرم أمير المؤمنين عليه السلام وهى الرواية الاولى وبعضا تضمن التعبير بالكوفة وهى الرواية الثانية والعشرون وبعضا بالمسجد وهى الرواية الرابعة والتاسعة عشرة والعشرون. وقد طعن بعض المتأخرين في الرواية الواردة بحرم أمير المؤمنين عليه السلام بان فيها اجمالا لعدم معلومية الحرم ثمة، ثم نقل عن المعتبر كما أسلفنا تنزيله على المسجد. وأنت خبير من ما أسلفنا من الروايتين الدالتين على أن الكوفة حرم أمير المؤمنين عليه السلام ونحوهما غيرهما انه لا مجال للطعن بهذا الاجمال لتفسير الحرم في تلك الاخبار بالكوفة. وحينئذ فيمكن القول بان موضع الاتمام هو البلد وتحمل رواية الحرم على ذلك، وتحمل رواية المسجد على ما ذكرنا سابقا من حيث مزيد الشرف واعتياد العبادة فيه. ويحتمل التخصيص بالمسجد لكثرة الروايات الواردة به وتخصيص الحرم به كما ذكره في المعتبر. ولعل الاول أقرب وان كان الثاني أحوط. ثم انه على تقدير الصلاة في المسجد خصوصا أو احتياطا فهل يختص الحكم بالموجود الآن أو المسجد القديم لما دلت عليه جملة من الاخبار من حصول التغيير فيه عن ما كان عليه سابقا ؟ اشكال. ومن الاخبار الدالة على ما قلناه من نقصان هذا المسجد عن المسجد القديم ما رواه العياشي في تفسيره عن المفضل بن عمر (1) قال " كنت مع ابى عبد الله عليه السلام


(1) مستدرك الوسائل الباب 35 من احكام المساجد


[ 461 ]

بالكوفة أيام قدم على ابى العباس فلما انتهينا الى الكناسة نظر عن يساره ثم قال يا مفضل ههنا صلب عمى زيد (رحمه الله) ثم مضى حتى أتى طاق الرواسين وهو آخر السراجين فنزل فقال لى انزل فان هذا الموضع كان مسجد الكوفة الاول الذى خطه آدم عليه السلام وانا اكره أن أدخله راكبا. فقلت له فمن غيره عن خطته ؟ فقال أما أول ذلك فالطوفان في زمن نوح عليه السلام ثم غيره أصحاب كسرى والنعمان بن المنذر ثم غيره زياد بن ابى سفيان. فقلت له جعلت فداك وكانت الكوفة ومسجدها في زمن نوح ؟ فقال نعم يا مفضل.. الحديث ". وما رواه في الكافي بسنده فيه عن أمير المؤمنين عليه السلام (1)، انه كان يقوم على باب المسجد ثم يرمى بسهم فيقع في موضع التمارين فيقول ذلك من المسجد وكان يقول قد نقض من أساس المسجد مثل ما نقص في تربيعه ". وما رواه شيخنا المجلسي (رحمه الله) في كتاب البحار (2) نقلا من كتاب المزار الكبير بسنده فيه الى على عليه السلام في حديث يتضمن فضل مسجد الكوفة قال في آخره " ولقد نقص منه اثنا عشر الف ذراع ". وما رواه في الكتاب الكذكور ايضا (3) عن حذيفة في حديث قال فيه " ولقد نقص من ذرعه من الاساس الاول اثنا عشر الف ذراع، وان البركة منه على اثنى عشر ميلا من أي الجواب جئته ". وما رواه في الكافي عن وهيب بن حفص عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام (4) قال: " ان القائم إذا قام رد البيت الحرام الى اساسه ومسجد الرسول صلى الله عليه واله الى اساسه ومسجد الكوفة الى اساسه. وقال أبو بصير الى موضع التمارين من المسجد ". وحينئذ فعلى تقدير القول بالاقتصار على المسجد هل يكون الحكم في ما خرج عن المسجد الآن من ما علم دخوله في هذه الحدود المذكورة في هذه الروايات


(1) الوسائل الباب 44 من احكام المساجد، وهو حديث ابى بصير رقم " 2 " (2) و (3) ج 22 ص 88 (4) الفروع ج 1 ص 313 باب النوادر


[ 462 ]

حكم هذا المسجد ؟ اشكال من دلالة هذه الاخبار على كونه من المسجد، ومن احتمال بناء حمل اللفظ الوارد عنهم (عليهم السلام) على المعهود المعروف يومئذ بين كافة الناس، ولو اريد ما زاد على ذلك لكان ينبغى بيان الحال حذرا من الاجمال الحاصل من تأخير البيان. ويؤيد ذلك جعل البيوت في زمانه عليه السلام بجنب المسجد الموجود الآن كما هو الموجود الآن من آثار بيت امير المؤمنين عليه السلام ومن الظاهر ايضا بيوت الناس في ذلك الوقت والاسواق ونحوها فانها كلها واقعة في تلك الحدود المستلزم البتة لوقوع النكاح فيها والبول والتغوط وازالة النجاسات ونحو ذلك من ما يجب اجتنابه في المساجد. ولم أقف لاحد من اصحابنا (رضوان الله عليهم) على كلام للتفصى عن هذا الاشكال، وقد نقل لى بعض من أثق به من الاخوان حين تشرفت في الاعوام السابقة بذلك المكان ان بعض العلماء المعاصرين المجاورين في النجف الاشرف كان يمنع من ضرب الخلاء في تلك الصحراء من ما يدخل في تلك الحدود، وحكى لى بعض الاخوان ايضا عن بعض علماء ذلك الزمان تخصيص النقصان من المسجد بالجهة التى فيها باب الفيل دون سائر الجهات، قال وهو الذى يلى موضع التمارين. وكيف كان فالاحوط الاقتصار على هذا المسجد الموجود الآن. وقد تقدم الكلام في هذا المقام ايضا في التذنيب الملحق بالختام الذى في المساجد من آخر المقدمة السادسة في المكان (1) والله سبحانه العالم. وثالثها - في الحائر المقدس (على مشرفه أفضل التحية والسلام) وقد اختلف ايضا فيه كلام أصحابنا (رضوان الله عليهم) وقد تقدم النقل عن المحقق في كتابه المشار إليه آنفا انه جعل البلد محلا للتمام، والمشهور بين أصحابنا الاختصاص بالحائر وأما الروايات الواردة هنا. فمنها ما هو بلفظ الحائر وهى الرواية الرابعة.


(1) ج 7 ص 323 و 324


[ 463 ]

ومنها ما هو بلفظ الحرم وهى الرواية الاولى والتاسعة عشرة والعشرون. ومنها ما هو بلفظ " عند القبر " وهى الرواية الحادية والعشرون والثانية والعشرون والثالثة والعشرون. ونقل عن المحقق في الكتاب المشار إليه آنفا انه استند في ما ذهب إليه هنا من الاتمام في مجموع البلد الى الاخبار الواردة بلفظ حرم الحسين عليه السلام قال: وقدر بخمسة فراسخ وأربعة فراسخ والكل حرم وان تفاوتت في الفضيلة. انتهى. ونفى عنه البعد شيخنا المجلسي (رحمه الله) في البحار (1) ثم نقل شطرا من الاخبار الواردة في تقدير الحرم وفى بعضها فرسخ في فرسخ من أربع جوانب القبر وفى بعض آخر خمسة فراسخ من أربعة جوانبه، ونقل في جلد المزار من البحار (2) رواية تتضمن انه فرسخ من كل جانب، ولكن الكل مشترك في ضعف السند. ثم انه (قدس سره) قال: والاحوط إيقاع الصلاة في الحائر وإذا أوقعها في غيره فيختار القصر. أقول: والاقرب عندي هو القول المشهور وحمل الحرم في تلك الروايات على الحائر باعتبار انه أخص أفراد الحرم وأشرفها، وتؤيده الروايات الدالة على انه عند القبر، فان اطلاق العندية على البلد لا يخلو من البعد وأما على الحائر فهو قريب وان كان المتبادر من ذلك هو ما كان تحت القبة الشريفة خاصة إلا ان ادخال الحائر تحت هذا اللفظ في مقام الجمع بين الاخبار غير بعيد ولا مستنكر مثل ادخال البلد ويؤيده ما ورد في بعض الاخبار عن ابى عبد الله عليه السلام (3) انه قال " قبر الحسين عليه السلام عشرون ذراعا في عشرين ذراعا مكسرا روضة من رياض الجنة منه معراج الملائكة الى السماء.. الحديث ". واظهر في ذلك تأييدا ان وجوب القصر ثابت على المسافر بيقين ولا يرتفع إلا بدليل ثابت مثله، وذلك في المشهد الشريف وهو الحائر المقدس ثابت بما ذكرنا


(1) ج 18 الصلاة ص 703 (2) و (3) البحار ج 22 ص 139 و 141 باب الحائر وفضله


[ 464 ]

من الادلة لاجتماع صدق الالفاظ الثلاثة عليه، وأما في غيره من أماكن البلد فلا لان المنط حينئذ إنما هو محض احتمال كون المراد بالحرم هنا مطلق حرمه عليه السلام واحتمال حمل الحائر على ما رواه سور المشهد واحتمال التجوز في " عنده " بما يشمل البلد، وكل هذه الاحتمالات ولا سيما الاخير في غاية البعد والخروج عن الظاهر المتبادر، فالخروج عن يقين وجوب القصر بهذه الاحتمالات لا يخلو من مجازفة ظاهرة وأما تحديد الحائر الشريف فقال ابن ادريس انه ما دار سور المشهد والمسجد عليه دون ما دار سور البلد عليه، لان ذلك هو الحائر حقيقة لان الحائر في لسان العرب الموضع المطئن الذى يحار فيه الماء، وقد ذكر شيخنا الشهيد ان في هذا الموضع حارا لماء لما أمر المتوكل (لعنه الله) باطلاقه على قبر الحسين عليه السلام ليعفيه فكان لا يبلغه. انتهى. وقال شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار بعد نقل كلام ابن ادريس المذكور: واقول ذهب بعضهم الى ان الحائر مجموع الصحن المقدس وبعضهم الى انه القبة السامية وبعضهم الى انه الروضة المقدسة وما أحاط بها من العمارات المقدسة من الرواق والمقتل والخزانة وغيرها، والاظهر عندي انه مجموع الصحن القديم لا ما تجدد منه في الدولة الصفوية (شيد الله اركانهم) والذى ظهر لى من القرائن وسمعته من مشايخ تلك البلاد الشريفة انه لم يتغير الصحن من جهة القبلة ولا من جهة اليمين ولا من جهة الشمال بل إنما زيد من خلاف جهة القبلة، وكل ما انخفض من الصحن وما دخل فيه من العمارات فهو الصحن القديم وما ارتفع منه فهو خارج عنه، ولعلهم انما تركوه كذلك ليتمايز القديم من الجديد. والتعليل المنقول عن ابن ادريس (قدس سره) ينطبق على هذا وفى شموله لحجرات الصحن من الجهات الثلاثة اشكال. انتهى كلام شيخنا المذكور. اقول: وقد اخبرني من أثق به من علماء تلك البلد وسكنة ذلك المكان منذ مدة من الزمان لما تشرفت بتقليل تلك الاعتاب وفاوضته في كلام شيخنا المذكور


[ 465 ]

ونقله التغيير في الصحن في دبر القبلة فقال ان سبب ذلك ان هذا المسجد الجامع الموجود الآن في ظهر القبة السامية لم يكن قبل وانما أحدث في ما يقرب من مائتي سنة ولما أحدثوه اخروا جدار الصحن من تلك الجهة لتتسع مثل باقى جهاته. ثم ان ما اختاره شيخنا المتقدم ذكره - من تحديد الحائر الشريف وانه عبارة عن الصحن لا خصوص القبة السامية أو هي وما اتصل بها من العمارات - يدل عليه بعض اخبار الزيارات كما في رواية صفوان الطويلة (1) ونحوها من الاخبار الدالة على سعة ما بين دخول الحائر ووصول القبر بحيث يزيد على الروضة والعمارات المتصلة بها. التنبيه الثاني - قد تقدم النقل عن المرتضى وابن الجنيد (رضى الله عنهما) انهما ذهبا الى وجوب التمام في هذه المواضع الاربعة وألحقا بها المشاهد المشرفة. هكذا نقله الاصحاب عنهما. والذى وقفت عليه من كلاميهما ما نقله عنهما في المختلف، فنقل عن السيد في الجمل انه قال: لا يقصر في مكة ومسجد النبي صلى الله عليه واله ومشاهد الائمة القائمين مقامه (عليهم السلام). ونقل عن ابن الجنيد انه قال: والمسجد الحرام لا يقصر فيه احد لان الله جعله سواء العاكف فيه والباد (2). وهاتان العبارتان قاصرتان عن افادة ما نقل عنهما سيما عبارة ابن الجنيد المختصة بالمسجد الحرام، أللهم إلا أن يكون قد وقفوا لهما على كلام غير هذا، مع ان المحقق في المعتبر والعلامة في المختلف نقلا عن السيد القول بالقول المشهور، ويمكن حمل النهى في كلاميهما هنا على النهى عن تحتمه ردا على مثل الصدوق القائل بتحتم القصر، فانهم كثيرا ما يجرون في التعبير على وفق الفاظ النصوص وان كانوا يفهمون ان المراد بها خلاف ظاهرها كما هو في كلام الشيخ والصدوق شائع وكيف كان فهو على ظاهره مطروح غير معمول عليه. واما تعدية الحكم الى سائر


(1) البحار ج 22 ص 158 (2) في قوله تعالى في سورة الحج الآية 25


[ 466 ]

المشاهد المشرفة فقال في الذكرى: انا لم نقف لهما على مأخذ في ذلك والقياس عندنا باطل

الثالث - ظاهر اصحابنا (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف ان التخيير في هذه المواضع مخصوص بالصلاة دون الصوم لخلو الاخبار الواردة في المسألة من التعرض له، بل اشعار بعض الروايات المتقدمة وهى الرواية السادسة بالعدم، حيث سئل فيها عن اتمام الصلاة والصيام في الحرمين فأجاب عليه السلام عن الصلاة خاصة واضرب عن الصيام والظاهر انه لعدم جريان الحكم فيه. وما ربما يوجد في بعض النسخ بلفظ ضمير التثنية فالظاهر انه غلط من النساخ بل الاظهر ما في اكثر النسخ المعتمدة بضمير الافراد الراجع الى الصلاة خاصة كما يؤيده قوله عليه السلام: (ولو صلاة واحدة). ومن أظهر ما يدل على ذلك صحيحة أحمد بن محمد بن ابى نصر البزنطى (1) قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الصيام بمكة والمدينة ونحن في سفر فقال أفريضة ؟ فقلت لا ولكنه تطوع كما يتطوع بالصلاة. قال فقال تقول اليوم وغدا ؟ فقلت نعم. فقال لا تصم " والتقريب فيها ان المنع عن التطوع مستلزم للمنع عن الواجب بطريق أولى. وما ربما يتوهم من جواز ذلك - استنادا الى صحيحة معاوية بن وهب عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " قلت دخلت بلدا أول يوم من شهر رمضان ولست أريد أن اقيم عشرا ؟ قال قصر وافطر. قلت فانى مكثت كذلك أقول غدا أو بعد غد فافطر الشهر كله واقصر ؟ قال نعم هما واحد إذا قصرت أفطرت وإذا افطرت قصرت " وبهذا المضمون روايات اخر تقتضي جواز الصيام مع الاتمام - فقد أجاب عنه شيخنا المجلسي في البحار بانه يمكن أن يكون المراد به القصر على الحتم كما هو الغالب. انتهى. وهو جيد لما عرفت في غير مقام من ما تقدم ان


(1) الوسائل الباب 12 ممن يصح منه الصوم (2) الوسائل الباب 15 من صلاة المسافر


[ 467 ]

الاحكام المودعة في الاخبار انما تبنى على الافراد المتكررة المتكثرة فانها هي التى ينصرف إليها الاطلاق وتتبادر الى الفهم. ويحتمل ايضا تخصيص الخبر المذكور بغير ما نحن فيه كما وقع تخصيصه في مواضع اخر ايضا: منها - ما سيأتي ان شاء الله تعالى في كتاب الصيام في من سافر بعد الظهر بدون تبييت النية على الخلاف الآتى ان شاء الله تعالى، وحينئذ فلابد من حمله على ان ذلك من حيث اقتضاء السفر فلا ينافيه ما لو حصل احيانا التخلف لعارض ومن جهة اخرى كما نحن فيه، إذ خروج القصر عن كونه عزيمة في هذه المواطن إنما هو من جهة خصوصية فيها اقتضت ذلك بالادلة القاطعة. هذا مع ان ما نحن فيه دائر بين كون الصيام افضل من الافطار وبين كونه حراما بخلاف الافطار فانه دائر بين كونه واجبا حتميا أو تخييريا، ومقتضى القواعد العقلية والنقلية في ما إذا دار الفعل بين الاستحباب والتحريم هو ترك ذلك الفعل، وأما الافطار هنا فهو موجب للخروج عن العهدة على كل من التقديرين. والله العالم.

الرابع - قد صرح جملة من الاصحاب - منهم الشهيد في الذكرى والمحقق الاردبيلى في شرح الارشاد والفاضل الخراساني في الذخيرة وشيخنا المجلسي في البحار والمحدث الكاشانى في المفاتيح - بجواز فعل النافلة الساقطة في السفر في هذه الاماكن سواء اختار القصر أو الاتمام للتحريض والترغيب في كثرة الصلاة فيها كما تقدم في الرواية الخامسة والرواية الثانية عشرة. ومن ما يدل على ذلك مع اختيار القصر جملة من الاخبار رواها ابن قولويه في كتاب كامل الزيارات: منها - ما رواه بسنده عن على بن ابى حمزة (1) قال: " سألت العبد الصالح عليه السلام عن زيارة قبر الحسين عليه السام فقال ما أحب لك تركه. فقلت وما ترى في الصلاة عنده وأنا مقصر ؟ قال صل في المسجد الحرام ما شئت قطوعا وفى مسجد الرسول صلى الله عليه واله ما شئت تطوعا وعند قبر الحسين عليه السلام فانى أحب ذلك. قال


(1) الوسائل الباب 26 من صلاة المسافر


[ 468 ]

وسألته عن الصلاة بالنهار عند قبر الحسين عليه السلام ومشاهد النبي صلى الله عليه واله والحرمين تطوعا ونحن نقصر ؟ فقال نعم ما قدرت عليه ". وما رواه في الكتاب المذكور بسنده عن ابن ابى عمير عن ابى الحسن عليه السلام (1) قال: " سألته عن التطوع عند قبر الحسين عليه السلام وبمكة والمدينة وأنا مقصر ؟ قال تطوع عنده وأنت مقصر ما شئت وفى المسجد الحرام وفى مسجد الرسول صلى الله عليه واله وفى مشاهد النبي صلى الله عليه واله فانه خير ". وما رواه عن اسحاق بن عمار (2) قال: " قلت لابي الحسن عليه السلام اتنفل في الحرمين وعند قبر الحسين عليه السلام وانا اقصر ؟ قال نعم ما قدرت عليه ". وجه الدلالة انه إذا جاز التنفل مع القصر فمع الاتمام أولى. اقول: لقائل ان يقول انه لا ريب في صراحة الاخبار الدالة على سقوط النافلة الراتبة النهارية في السفر وهو حكم اتفاقى نصا وفتوى، وهذه الاخبار غاية ما تدل عليه الحث على التطوع وكثرة الصلاة، وهو وان كان أعم من الراتبة وغيرها لكن عارضها في الراتبة ما عرفت فيجب قصرها على غير الراتبة. وبالجملة فان الاحوط ترك الراتبة النهارية مع اختيار القصر لعدم صراحة هذه الاخبار مع غض الطرف عن النظر في أسانيدها في جوازها على التعيين وعدم تبادرها من حاق ألفاظها على اليقين. ودخولها في مطلق التطوع معارض بما دل على سقوطها على الخصوص والتعيين مع قصر فرائضها ووجوب تقديم الخاص في العمل. نعم مع اختيار الاتمام الظاهر انه لا إشكال في جواز الاتيان بها، ويشير الى ذلك رواية ابى يحيى الحناط (3) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن صلاة النافلة بالنهار في السفر ؟ فقال يا بنى لو صلحت النافلة في السفر تمت الفريضة ".


(1) و (2) الوسائل الباب 26 من صلاة المسافر (3) الوسائل الباب 21 من اعداد الفرائض ونوافلها


[ 469 ]

وربما أيد الحمل هنا على غير الراتبة عد مشاهد النبي صلى الله عليه واله من تلك المواضع في استحباب كثر التطوع في حال السفر مع الصلاة قصرا مع انها ليست داخلة في شئ من المواضع الاربعة. وبالجملة فدليل سقوطها مع التقصير صحيح صريح متفق عليه فلا يخرج عن مقتضاه إلا بدليل مثله، سيما انا لم نعثر على مصرح بهذا الحكم من المتقدمين. إلا انه يمكن أن يقال ايضا ان سقوط الراتبة المذكورة انما ثبت مع تعين التقصير وتحتمه وحينئذ فمع عدمه تبقى أدلتها الدالة على استحبابها مطلقا وتوظيفها سالمة من المعارض، وحينئذ فيمكن القول بجوازها اعتمادا على تلك الادلة دون هذه، والاحتياط لا يخفى. والله العالم.

الخامس - قد صرح جملة من الاصحاب: منهم - المحقق في المعتبر وغيره بانه لا يعتبر في الصلاة الواقعة في هذه الاماكن التعرض لنية القصر والاتمام، واستحسنه جماعة ممن تأخر عنه: منهم - السيد السند في المدارك وشيخنا المجلسي في البحار وغيرهما في غيرهما، والمفهوم من كلام شيخنا الشهيد في الدروس والبيان وجوب التعرض لذلك في النية، لكن صرح في البيان بانه لا يخرج بذلك عن التخيير والمشهور خلافه. والظاهر ان مرادهم بالتعرض لنية القصر والاتمام أخذ ذلك في قيود النية المشهور تصويرها في كتبهم بقول المصلى مثلا " اصلى فرض كذا.. الى آخره " التى هي عبارة عن الكلام النفسي والتصوير الفكري، وإلا فلا ريب انه لابد من اعتبار ذلك بل لا يمكن بدونه لضرورة عدم انفكاك أفعال العقلاء عند توجه النفس الى شئ منها عن القيود المميزة، ولهذا قيل لو كلفنا الله العمل بغير نية لكان تكليفا بما لا يطاق، وهذه هي النية الحقيقية كما تقدم تحقيقه في غير مقام من مباحث النية. والظاهر ان مرادهم ايضا بعدم تعيين أحدهما بالنسبة إليه انه لو نوى الاتمام


[ 470 ]

مثلا جاز له الرجوع الى القصر ما لم يتجاوز محل العدول ولا يتعين عليه المضى على الاتمام، وكذا لو نوى القصر جاز له العدول الى التمام ما لم يسلم على الركعتين مستصحبا للنية الاولى، وإلا فلو كان المراد الاتيان بايهما كيف اتفق كما يفهم من ظاهر العبارة لاشكل ذلك في ما لو دخل بنية الاتمام ثم سلم على الركعتين ساهيا أو دخل بنية القصر ثم صلى الركعتين الاخيرتين ساهيا، فان الحكم بالصحة بناء على انه مخير في الاتيان بهما وقد أتى باحدهما مشكل، لان الظاهر ان المكلف وان كان مخيرا بين الفردين إلا انه باختياره أحدهما وقصده الامتثال به من غير عدول عنه في محل العدول يتعين في حقه وتترتب عليه أحكامه من الابطال بزيادة ما تكون زيادته مبطلة ونقصان ما نقصانه مبطل، وإلا لزم الحكم بالصحة بناء على استحباب التسليم في ما لو صلى بنية التمام ثلاث ركعات ثم سلم على الثالثة ساهيا، فانه قد اوجد الصلاة المقصورة في ضمن هذه الثلاث ركعات وان كانت غير مقصودة فتكون مجزئة، بل ولو سلم عامدا أو أحدث والحال هذه بعد اتمام الركعتين الاخيرتين أو فعل ما يبطلهما بعد ذلك فانه تكون صلاته صحيحة باعتبار اشتمالها على الصلاة المقصورة في الجملة، والحكم بالصحة في أمثال ذلك خارج عن مقتضى القواعد والاصول المقررة. وبذلك يظهر لك ما في كلام المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد حيث قال: الظاهر انه لو نوى القصر ثم تممها نسيانا أو عمدا مع النقل تصح الصلاة وبالعكس. انتهى. والظاهر ان مراده بالعكس ما لو نوى التمام ثم سلم على الركعتين الاولتين ساهيا أو احدث بعد التشهد أو فعل غيره من المبطلات فانه تكون صلاته صحيحة. ومرجع كلامه الى اجزاء الاتيان باحد الفردين واقعا وان لم يكن مقصودا ولامرادا له حال دخوله في الصلاة الى الفراغ منها، وبطلانه اظهر من ان يذكر فان العبادات تابعة للقصود والنيات ولكل من افرادها احكام خاصة مبنية على ذلك كما لا يخفى


[ 471 ]

على من تأمل القواعد المستفادة من الاخبار وكلام الاصحاب في هذا الباب. والله العالم.

السادس - قد اورد بعض الاصحاب اشكالا في هذا المقام وما شاكله من كل موضع حكم فيه بالتخيير بين واجبين مع ارجحية احدهما، كالحكم بالتخيير بين التسبيح والفاتحة في الاخيرين مع الحكم بافضلية التسبيح، والتخيير بين الظهر والجمعة مع افضلية الجمعة، والحكم بالتخيير في الاستنجاء بين الماء والاحجار مع عدم التعدي وافضلية الماء ونحو ذلك، وقد تقدم الكلام في بيان الاشكال المذكور والجواب عنه والبحث في ذلك في الفصل الثامن في حكم الاخيرتين من الباب الثاني (1) وفى بحث النية في الوضوء من كتاب الطهارة وغير هما فليرجع إليه من احب الوقوف عليه.

السابع - قد صرح جملة من متأخرى المتأخرين: منهم - المحقق الاردبيلى والفاضل الخراساني وشيخنا المجلسي بان الظاهر بقاء التخيير في فوائت هذه الامكنة فيتخير في قضائها بين الاتمام والقصر وان وقع القضاء في خارجها لعموم " من فاتته صلاة فليقضها كما فاتته " (2) ثم احتملوا تعين القصر احتمالا وجعله بعضهم احوط اما لو اراد ان يقضى فيها ما فات في خارجها فظاهر هم عدم التخيير للخبر المذكور.

الثامن - قال في المنتهى: من عليه صلاة فائتة هل يستحب له الاتمام في هذه المواطن ؟ الاقرب نعم عملا بالعموم، وكان والدى (قدس سره) يمنع من ذلك لقوله صلى الله عليه واله (3) " لا صلاة لمن عليه صلاة " ولان من عليه فريضة لا يجوز له فعل النافلة. انتهى. وقد نقل هذا القول عن والد العلامة جماعة وردوه بالضعف، وهو كذلك بناء على ما هو المشهور بين المتأخرين من جواز المواسعة في القضاء، وأما على


(1) ج 8 ص 428 (2) تقدم في التعليقة 2 ص 22 والتعليقة 1 ص 26 ما يتعلق بالمقام (3) مستدرك الوسائل الباب 46 من مواقيت الصلاة


[ 472 ]

كلام جمهور المتقدمين من القول بالمضايقة كما تقدم تحقيقه في محله فانه لا يشرع له الاتيان بالحاضرة مطلقا إلا في آخر وقتها في أي مكان كان. وكيف كان فهذا القول لا يظهر له وجه على كل من القولين، فان ظاهره جواز الصلاة قصرا وانما منع من الركعتين الاخيرتين حيث انهما نافلة ومستحبة وهى غير مشروعة لمن عليه فريضة واجبة. وفيه ان عموم الاخبار الدالة على التخيير دال على الصحة في ما نحن فيه، مع انا نمنع ما ذكره من الاستحباب بل هاتان الركعتان باختيار الاتمام يكون من قبيل الواجب. وبالجملة فالظاهر ان كلامه لا وجه له يعتمد عليه.

التاسع - لو ضاق الوقت إلا عن أربع ركعات فقيل بوجوب القصر لتقع الصلاتان في الوقت، واستظهره السيد السند في المدارك والفاضل الخراساني في الذخيرة، وقيل يجوز الاتيان بالعصر تماما في الوقت لاختصاصها بمقدار الاربع ركعات من آخر الوقت وقضاء الظهر. والظاهر ضعفه فان اختصاص هذا المقدار بها إنما يتم لو كانت يتعين الاتيان بها أربعا وليس كذلك. وقيل يجوز الاتمام في العصر لعموم " من أدرك " (1) يعنى انه يصلى الظهر قصرا أولا ثم يصلى العصر تماما وان وقع بعضها خارج الوقت لعموم الخبر المذكور. وضعفه في المدارك بانه وان تحقق بذلك ادراك الصلاة إلا انه لا يجوز تعمده اختيارا لاقتضائه تأخير الصلاة عن وقتها المعين لها شرعا. انتهى. والله العالم.

المسألة الرابعة - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ما لو دخل عليه الوقت في الحضر ثم سافر قبل الصلاة حتى تجاوز محل الترخص، فقيل بوجوب الاتمام عليه مطلقا اعتبارا بحال الوجوب، ونقل ذلك عن جمع من الاصحاب: منهم - ابن ابى عقيل والصدوق في المقنع واختاره العلامة في جملة من كتبه وشيخنا الشهيد الثاني في المسالك، ونقل في الروض ان القول بالاتمام في هذه المسألة


(1) الوسائل الباب 30 من مواقيت الصلاة


[ 473 ]

والمسألة الآتية هو المشهور بين المتأخرين، ثم نقل بقية الاقوال التى في المسألتين معا وقال بعد ذلك: والمسألة من أشكل الابواب. وظاهره التوقف في الحكم هنا. وقيل بوجوب التقصير اعتبارا بحال الاداء ونقل عن الشيخ المفيد وابن ادريس والسيد المرتضى في المصباح والشيخ على بن الحسين بن بابويه وجمع من الاصحاب: منهم - المحقق وهو اختيار جمع من أفاضل متأخرى المتأخرين، وقيل بالتفصيل بين سعة الوقت وعدمها فان وسع التمام وجب وإلا صلى قصرا، ونسب هذا القول الى الشيخ في النهاية وموضع من المبسوط وهو اختيار الصدوق في الفقيه، وقيل بالتخيير ونقل عن الشيخ في الخلاف. هذا ما وقفت عليه من الاقوال في المسألة. والاصل في اختلاف هذه الاقوال اختلاف اخبار المسألة واختلاف الافهام في المقام، وها أنا أسوق لك ما وصل الى من روايات المسألة مذيلا لكل منها بما يتعلق به من البحث والكلام لينجلي بذلك عنها غشاوة الابهام فاقول: الاول - ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يدخل من سفره وقد دخل وقت الصلاة وهو في الطريق قال يصلى ركعتين، وان خرج الى سفره وقد دخل وقت الصلاة فليصل اربعا ". أقول: وهذا الخبر أقوى ما استدل به العلامة في المختلف على القول الاول إلا انه قابل للتأويل كما ذكره جملة من المتأخرين من امكان حمل قوله: " الرجل يدخل من سفره " على معنى انه يريد الدخول وحينئذ فصلاة الركعتين انما هي في السفر، وقوله: " وان خرج الى سفره " أي أراد الخروج الى سفره وقد دخل وقت الصلاة فليصل اربعا يعنى في الحضر. وهو قريب لان مثل هذا التجوز شائع في الآيات والاخبار ومنه قوله عزوجل: " إذا قمتم الى الصلاة " (2) وقوله: " فإذا قرأت القرآن.. " (3) ونحو ذلك.


(1) الوسائل الباب 21 من صلاة المسافر. (2) سورة المائدة الآية 8 (3) سورة النحل الآية 99


[ 474 ]

الثاني - رواية بشير النبال (1) قال: " خرجت مع ابى عبد الله عليه السلام حتى أتينا الشجرة فقال لى أبو عبد الله عليه السلام يا نبال قلت لبيك قال انه لم يجب على أحد من أهل هذا العسكر ان يصلى أربعا غيرى وغيرك، وذلك انه قد دخل وقت الصلاة قبل أن نخرج ". اقول: وهذه الرواية ظاهرة الدلالة على القول الاول، وردها المتأخرون بضعف السند وعدم قوة معارضتها لما يأتي من الاخبار الدالة على التقصير في الصورة المذكورة. وما ذكره في الوسائل من حملها على انهما صليا في المدينة بعيد جدا كما لا يخفى. الثالث - صحيحة اسماعيل بن جابر (2) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام يدخل على وقت الصلاة وانا في السفر فلا اصلى حتى أدخل أهلى ؟ قال صل وأتم الصلاة قلت فدخل على وقت الصلاة وأنا في أهلى أريد السفر فلا أصلى حتى أخرج ؟ فقال فصل وقصر، فان لم تفعل فقد خالفت والله رسول الله صلى الله عليه واله ". اقول: وهذه الرواية صحيحة ظاهرة الدلالة على القول الثاني وهو وجوب التقصير والاعتبار بحال الاداء في الموضعين مؤكدا ذلك بالقسم على ان خلاف ذلك باى نوع كان خلاف ما أمر به رسول الله صلى الله عليه واله ومن ثم قال في المعتبر: وهذه الرواية أشهر وأظهر في العمل. الرابع - صحيحة محمد بن مسلم (3) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام.. الى أن قال قلت الرجل يرد السفر فيخرج حين تزول الشمس ؟ فقال إذا خرجت فصل ركعتين " والتقريب فيها كما في سابقتها. وأيد هذا القول زيادة على دلالة هاتين الصحيحتين انه في هذا الوقت مسافر فيتناوله ما دل بعمومه أو اطلاقه على وجوب التقصير على المسافر، ويزيده تأييدا ايضا الاخبار الدالة على وجوب التقصير على المسافر إذا بلغ محل الترخص، فان


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 21 من صلاة المسافر


[ 475 ]

اطلاقها شامل لما نحن فيه. إلا ان هنا شيئا قل من تنبه له وهو ان من قال بوجوب الاتمام في هذه المسألة يشترط مضى وقت الصلاة كاملة الشرائط في الحضر ليحصل استقرارها في الذمة فيجب الاتيان بها عليه تماما. وظاهر هم ان محل الخلاف في المسألة مقصور موقوف على هذه الصورة فلو سافر قبل مضى الوقت المشار إليه لم يكن من محل الخلاف في شئ بل الواجب هو التقصير، ولهذا ان بعض الاصحاب احتمل في صحيحتي محمد بن اسماعيل ومحمد بن مسلم المذكورتين حمل الامر بالتقصير على الخروج من البلد بعد دخول الوقت وقبل مضى الوقت المشار إليه وجعل هذا وجه جمع بين اخبار القولين المذكورين، وبه يشكل استدلال القائلين بالقول الثاني بهاتين الروايتين. الخامس - رواية الوشاء (1) قال: " سمعت الرضا عليه السلام يقول إذا زالت الشمس وأنت في المصر وأنت تريد السفر فاتم فإذا خرجت بعد الزوال قصر العصر ". اقول: هذا الخبر يحتمل حمله على أن يكون الاتمام فيه بعد الخروج فيكون من أدلة القول الاول، ويحتمل أن يكون الاتمام في المصر فلا دلالة فيه. وأما تقصير العصر فهو في السفر البتة لكن إن كان مع صلاة الظهر في المصر فيمكن ان يستدل به ايضا للقول الثاني وهو الاعتبار بحال الاداء وان كان مع صلاة الظهر في السفر فيشكل ذلك كما لا يخفى، ولعل الامر بتقصير العصر هنا من ما يعين الحمل على الاحتمال الثاني. وكيف كان فالظاهر انه لا يمكن الاستناد الى هذا الخبر في شئ من أقوال المسألة لما عرفت من تشابهه واجماله. السادس - موثقة عمار الساباطى عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " سئل عن الرجل إذا زالت الشمس وهو في منزله ثم يخرج في سفر ؟ قال يبدأ بالزوال فيصليها ثم يصلى الاولى بتقصير ركعتين لانه خرج من منزله قبل أن تحضر الاولى. وسئل


(1) الوسائل الباب 21 من صلاة السافر (2) الوسائل الباب 23 من اعداد الفرائض ونوافلها.


[ 476 ]

فان خرج بعد ما حضرت الاولى ؟ قال يصلى الاولى أربع ركعات ثم يصلى بعد النوافل ثمانى ركعات لانه خرج من منزله بعد ما حضرت الاولى، فإذا حضرت العصر صلى العصر بتقصير وهى ركعتان لانه خرج في السفر قبل أن تحضر العصر ". أقول: ظاهر هذا الخبر انه مع الخروج بعد مضى وقت النافلة خاصة وهو الذارع يبدأ بالنافلة لدخول وقتها في الحضر ويصلى الظهر بتقصير لعدم دخول وقتها ثمة وانما دخل بعد السفر، وظاهره ان الوقت الموجب للاتيان بها في السفر تماما انما هو وقت الفضيلة فإذا مضى عليه وقت الفضيلة في الحضر حتى سافر صلى تماما دون وقت النافلة، والمفهوم من كلام الاصحاب في هذا المقام كما تقدمت الاشارة إليه ان الوقت المذكور انما هو من الزوال، بمعنى انه لو زالت الشمس ومضى وقت الصلاة بشروطها بحيث استقرت في الذمة ثم سافر فهل يصلى في السفر تماما أو قصرا ؟ القولان المتقدمان، وأما استحباب النافلة في السفر بعد مضى وقتها في الحضر فقد ذكره الاصحاب ايضا لكن الظاهر ان المراد مضى وقت النافلة والفريضة معا. ثم ان ظاهر قوله: " وسئل فان خرج بعد ما حضرت الاولى.. الى آخره " انه متى خرج بعد مضى وقت النافلة والفريضة معا انه يبدأ بالفريضة أو لا فيصليها تماما حيث ان وقتها دخل عليه في الحضر، والامر باتمام الفريضة هنا دال على القول الاول وهو اعتبار حال الوجوب فتكون الرواية المذكورة من أدلته. إلا ان الامر بتأخير النافلة هنا عن الفريضة لا أعرف له وجها وجيها ولعله من التهافت الذى يقع في روايات عمار. واحتمل في الذخيرة الجمع بين روايات القصر والاتمام بهذه الموثقة حيث قال: ويمكن الجمع بوجه آخر وهو أن يقال إذا خرج بعد دخول وقت الفضيلة يتم وان كان بعد دخول وقت الاجزاء يقصر وعلى هذا تحمل صحيحة اسماعيل، فالمراد بالوقت في أحد الخبرين وقت الفضيلة وفى الآخر وقت الاجزاء ويشهد لهذا التأويل موثقة


[ 477 ]

عمار المذكورة، لكنى لا أعرف أحدا من الاصحاب ذكر هذا التفصيل والمسألة عندي محل اشكال. انتهى. اقول: بل ظاهر كلامهم كما قدمنا الاشارة إليه انما هو خلافه، حيث انهم جعلوا محل الخلاف في القولين المذكورين انما هو مضى ما يسع الفريضة بشروطها من الزوال في الحضر فإذا مضى هذا الوقت وسافر ولم يصل فهل يصلى في السفر تماما أو قصرا ؟ لان المدار على استقرار الفريضة في الذمة في الحضر وعدمه، ولاريب انه بمضي قدر الاربع الركعات بشروطها من الزوال يستقر الفرض في الذمة اتفاقا سواء كان ممن يصلى النافلة أم لا. وبالجملة فان الاعتماد على هذه الرواية - مع ما عرفت من التهافت فيها كما اوضحناه - لا يخلو من الاشكال.

السابع - ما نقله ابن ادريس في مستطرفات السرائر من كتاب جميل عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (1) انه قال: " في رجل مسافر نسى الظهر والعصر في السفر حتى دخل أهله ؟ قال يصلى أربع ركعات. وقال لمن نسى الظهر والعصر وهو مقيم حتى يخرج ؟ قال يصلى اربع ركعات في سفره. وقال إذا دخل على الرجل وقت صلاة وهو مقيم ثم سافر صلى تلك الصلاة التى دخل وقتها عليه وهو مقيم أربع ركعات في سفره ". اقول: وهذا الخبر صحيح السند وظاهره الاتمام في الدخول والخروج إلا انه لا يخلو من نوع اجمال، وتفصيل ما اشتمل عليه أن يقال انه قد اشتمل على صور ثلاث: (احداها) - قوله " في رجل مسافر.. الخ " وهو محتمل لانه قد نسى الظهر والعصر حتى خرج وقتهما وانه يصلى في أهله أربع ركعات قضاء وعلى هذا يكون خارجا عن ما نحن فيه، ويحتمل ولعله الاقرب انه نيسهما في السفر مع بقاء الوقت الى دخول أهله وانه يصلى أربعا، وفيه دلالة على ما يأتي في المسألة


(1) الوسائل الباب 21 من صلاة المسافر


[ 478 ]

الآتية من القول باعتبار الاداء كما دل عليه صدر صحيحة اسماعيل بن جابر المتقدمة.

(الثانية) - قوله " وقال لمن نسى الظهر والعصر.. " وفيه الاحتمالان المتقدمان، وعلى تقدير الثاني منهما وهو أن تكون صلاته الاربع في السفر اداء يكون الخبر دالا على القول الاول في هذه المسألة وهو الاعتبار بحال الوجوب

(الثانية) - قوله " وقال إذا دخل على الرجل... الخ " والاقرب انه تعميم بعد تخصيص أو ان الاول على القضاء كما عرفت وهذا على الاداء، وعلى ايهما كان ففى هذه الصورة دلالة على القول المذكور وهو الاعتبار بحال الوجوب فيكون الخبر المذكور من ادلته.

الثامن - ما نقله شيخنا المجلسي في كتاب البحار (1) من كتاب محمد بن المثنى الحضرمي انه روى فيه عن جعفر بن محمد بن شريح عن ذريح المحاربي قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام إذا خرج الرجل مسافرا وقد دخل وقت الصلاة كم يصلى ؟ قال أربعا. قال قلت فان دخل وقت الصلاة وهو في السفر ؟ قال يصلى ركعتين قبل أن يدخل أهله وان دخل المصر فليصل اربعا ". أقول: وصدر هذا الخبر ايضا يدل على القول الاول بظاهره وان احتمل تأويله بما تقدم في الخبر الاول من حمل الخروج على ارادة الخروج فتكون صلاة الاربع في البلد. التاسع - ما ذكره عليه السلام في كتاب الفقه الرضوي (2) حيث قال: وان خرجت من منزلك وقد دخل عليك وقت الصلاة ولم تصل حتى خرجت فعليك التقصير، وان دخل عليك وقت الصلاة وأنت في السفر ولم تصل حتى تدخل أهلك فعليك التمام. وظاهر هذه الرواية يساوق صحيحة اسماعيل بن جابر في الدلالة على الاعتبار بحال الاداء في الموضعين المذكورين، إلا انها ايضا قابلة للاحتمال الذى قدمناه في الصحيحة المشار إليها بان دخل وقت الصلاة قبل مضى وقت يسع الاتيان بها بشرائطها


(1) ج 18 ص 695 (2) ص 16


[ 479 ]

هذا ما حضرني من الروايات المتعلقة بكل من القولين وأما باقى اخبار المسألة فتأتى في مطاوى البحث في هذه المسألة وفى المسألة الآتية ان شاء الله تعالى. إذا عرفت ذلك فاعلم ان هذه الاخبار التى تلوناها انما تصادمت في القول الاول والثانى، وقد عرفت ما في ترجيح أحد القولين على الآخر من الاشكال لتطرق البحث الى كل من روايات الطرفين والاحتمال، وبه يشكل الترجيح في هذا المجال فالاحتياط فيها لازم عندي على كل حال. وأما القول الثالث فالظاهر ان مستنده الجمع بين الاخبار كما ذكره الشيخ في كتابي الاخبار، حيث جمع بينها بحمل ما دل على التمام على سعة الوقت والقصر على ضيقه. واستدل على هذا الجمع بما رواه عن اسحاق بن عمار في الموثق (1) قال: " سمعت ابا الحسن عليه السلام يقول في الرجل يقدم من سفره في وقت الصلاة فقال ان كان لا يخاف فوت الوقت فليتم وان كان يخاف خروج الوقت فليقصر ". وفيه أولا - ان الجمع بين الاخبار لا ينحصر في ما ذكره لجوازه بوجوه اخر كما تقدم نقل بعضها. وثانيا - ما ذكره السيد السند في المدارك حيث قال - بعد نقل ما قدمناه عن الشيخ من الجمع المذكور واستدلاله عليه بالخبر المشار إليه - ما لفظه: وهذه الرواية مع ضعف سندها انما تدل على التفصيل في صورة القدوم من السفر في اثناء الوقت لا في صورة الخروج الى السفر. وثالثا - ما سيأتي ان شاء الله تعالى في المسألة الآتية في معنى الموثقة المذكورة وانها ليست على ما فهمه منها وان لم يهتد إليه (قدس سره) في هذا المقام. وأما القول الرابع فالظاهر ايضا ان مستنده هو الجمع بين الاخبار، ويرد عليه ما تقدم من عدم انحصار الجمع في الوجه المذكور. وما استند إليه في هذا الجمع من صحيحة منصور بن حازم (2) قال: " سمعت


(1) و (2) الوسائل الباب 21 من صلاة المسافر


[ 480 ]

أبا عبد الله عليه السلام يقول إذا كان في سفر فدخل عليه وقت الصلاة قبل أن يدخل أهله فسار حتى يدخل أهله فان شاء قصر وان شاء أتم والاتمام أحب الى ". وفيه اولا - ان مورد الرواية انما هو الدخول من السفر فليست من محل البحث في شئ. وثانيا - احتمال أن يكون المراد منها انه ان شاء صلى في السفر قصرا وان شاء صبر حتى يدخل أهله ويصلى تماما وهو الافضل، وحينئذ ففيها دلالة على ترجيح التأخير الى دخول المنزل والصلاة تماما. وثالثا - ما ذكره بعض مشايخنا من احتمال الحمل على التقية. لانه مذهب بعض العامة (1). ورابعا - عدم قبول بعض الاخبار لهذا الحمل مثل صحيحة اسماعيل بن جابر المشتملة على الحلف بانه ان لم يفعل ما تضمنته فقد خالف رسول الله صلى الله عليه واله وقوله عليه السلام في رواية النبال " لم يجب " المشعر بوجوب ذلك عليهما، والمتبادر من الوجوب هو الحتمى كما لا يخفى. وبذلك يظهر لك بقاء المسألة في قالب الاشكال الموجب للاحتياط على كل حال. والله العالم. المسألة

الخامسة - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ما لو دخل عليه الوقت في السفر ولم يصل حتى دخل بلده أو بيته، فالمشهور بين المتأخرين انه


(1) لم نجد الفرع في ما وقفنا عليه من كتبهم والذى حرر في كتبهم السفر بعد دخول الوقت فقال في المغنى ج 2 ص 283: إذا سافر بعد دخول وقت الصلاة فيه روايتان: له قصرها وهو قول مالك والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأى لانه سافر قبل خروج وقتها فاشبه ما لو سافر قبل وجوبها، والرواية الثانية ليس له قصرها لانها وجبت عليه في الحضر فلزمه اتمامها. ويمكن استفادة التخيير في صورة الرجوع الى أهله قبل خروج الوقت من الرواية الاولى عنه بل من الثانية ايضا بناء على ما هو المشهور عنه من التخيير للمسافر بين القصر والاتمام مطلقا كما في المغنى ج 2 ص 267.


[ 481 ]

يتم في بلده أو منزله اعتبارا بحال الاداء، وقال في المختلف ذهب إليه المفيد (قدس سره) بناء على اصله من ان الاعتبار بحال الاداء لا حال الوجوب، وهو قول الشيخ على بن بابويه بناء على هذا الاصل وكذا ابن ادريس. انتهى. اقول: وهو الظاهر هنا من الاخبار على وجه لا يعتريه الشك والانكار. وقيل بالتفصيل فيتم مع السعة ويقصر مع الضيق وهو مذهب الشيخ في النهاية وكتابي الاخبار، وقيل بالتخيير ونقل عن الشيخ ايضا وابن الجنيد، وحكى الشهيدان قولا بالتقصير مطلقا. والذى يدل على القول الاول وهو الذى عليه المعول صحيحة اسماعيل بن جابر المتقدمة (1) وهى صريحة غير قابلة للتأويل بوجه. وصحيحة العيص بن القاسم (2) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يدخل عليه وقت الصلاة في السفر ثم يدخل بيته قبل أن يصليها ؟ قال يصليها أربعا وقال لا يزال يقصر حتى يدخل بيته " وهى صريحة كذلك. ويدل عليه ايضا ما قدمناه في المسألة السابقة من عبارة كتاب الفقه الرضوي ايضا وما سيأتي من صحيحة محمد بن مسلم. واستدل على القول الثاني بموثقة عمار المتقدمة (3) والسيد السند في المدارك في المسألة السابقة انما أجاب عنها بضعف السند وعدم دلالتها على ما ادعاه الشيخ في تلك المسألة. وظاهر كلامه انه لو صح سندها لتم الاستدلال بها هنا. وأنت خبير بان الطعن بضعف السند لا يقوم حجة على الشيخ ونحوه من المتقدمين ممن لا أثر لهذا الاصطلاح عندهم كما قدمناه في غير موضع، والاظهر في الجواب عنها إنما هو ما قدمنا الاشارة إليه من ان المعنى في الموثقة المذكورة ليس ما ذكره بل الظاهر ان المراد منها انما هو أن من دخل عليه وقت الصلاة وقت قدومه من السفر فان كان لا يخاف فوت الوقت بوصوله الى منزله تركها حتى يدخل وصلاها تماما في بلده أو منزله، وان كان يخاف فوته بذلك صلى قصرا في السفر قبل دخوله.


(1) و (3) ص 474 و 475 (2) الوسائل الباب 21 من صلاة المسافر


[ 482 ]

ومن ما هو ظاهر في هذا المعنى صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) " في الرجل يقدم من الغيبة فيدخل عليه وقت الصلاة ؟ فقال ان كان لا يخاف أن يخرج الوقت فليدخل وليتم وان كان يخاف أن يخرج الوقت قبل أن يدخل فليصل وليقصر " وهذه الرواية كما ترى ظاهرة في ما اخترناه كما تقدمت الاشارة إليه. ولعل من ذهب الى التقصير هنا نظر الى أن الصلاة قد استقرت في الذمة بهذه الكيفية حال دخول الوقت في السفر. وفيه بعد ما عرفت من النصوص الدالة على التمام انه اجتهاد محض في مقابلة النص، على انه لو فرض دليل يدل على هذا التعليل العليل لامكن الجواب بانه وان استقر وجوب القصر في تلك الحال لكن يجوز أن يكون ذلك مراعى بالوصول وعدمه جمعا بين الدليلين. ومن ما ذكرنا من التحقيق في المقام ظهر قوة ما اخترناه من القول الاول وان ما عداه من هذه الاقوال لا معتمد عليه ولا معول. وكيف كان فقد تلخص من الكلام في هاتين المسألتين وهو من دخل عليه الوقت حاضرا ثم سافر وبالعكس ان اقوال الاصحاب فيهما خمسة:

(احدها) - الاعتبار بحال الاداء في الموضعين فيتم في هذه المسألة ويقصر في المسألة الاولى، وهو اقوى الاقوال في هذه المسألة وكذا في المسألة الاولى لو سلمت صحيحة اسماعيل بن جابر وما في معناها من ذلك الاحتمال، ومن ثم اختاره جملة من المحققين في الموضعين حيث لم يخطر لهم هذا الاحتمال بالبال.

و (ثانيها) - القول بالتخيير في الموضعين.

و (ثالثها) - القول بالتفصيل بالسعة والضيق كذلك.

و (رابعها) - الاعتبار بحال الوجوب في المسألة الاولى وبحال الاداء في هذه المسألة فيتم في الموضعين وهو مذهب العلامة.

و (خامسها) - عكسه فيقصر في المسألتين. ويأتى بناء على ما ذكرناه - من الاشكال في الاولى والتوقف وهو ظاهر الفاضل الخراساني في الذخيرة ايضا مع


(1) الوسائل الباب 21 من صلاة المسافر


[ 483 ]

الجزم في هذه المسألة بما قدمنا ذكره - قول سادس. وأما لو فاتت الفريضة على احدى هاتين الصورتين فهل يقضى باعتبار حال الوجوب أو حال الاداء ؟ فقد تقدم البحث فيه في المقصد الاول في القضاء من مقاصد هذا الباب.

المسألة السادسة - لو نوى الاقامة في موضع وصلى تماما ثم خرج الى ما دون المسافة مع ارادة الرجوع الى موضع الاقامة، وهذه المسألة من مشكلات المسائل وامهات المقاصد لتعدد الاقوال فيها والاحتمالات وتصادم التأويلات والتخريجات مع خلو المسألة من الروايات حتى ان شيخنا الشهيد الثاني صنف فيها رسالة مستقلة ونحن نتكلم فيها ههنا بما يقتضيه الحال من التفصيل دون الاجمال. فنقول: إعلم ان هذه المسألة وما وقع فيها من الابحاث والشقوق والاحتمالات لم تقع في كلام أحد من المتقدمين وانما وقع البحث فيها بالنحو الذى ذكرناه من المتأخرين، نعم ذكرها الشيخ في المبسوط في فرض مخصوص على سبيل التفريع على مسألة من أقام في بلد وصلى فيه تماما فانه يجب عليه التمام فيه حتى يقصد المسافة، وهذه مسألة متفق عليها نصا وفتوى، ومن عادته كما أشار إليه في خطبة الكتاب المذكور التفريع على النصوص لتكثير الفروع الشرعية لتنبيه المخالفين على ان ابطال القياس لا يوجب قلة فروعنا كما زعموه وشنعوا بذلك على الشيعة وهو (قدس سره) قد فرضها في الخروج من مكة الى عرفة فقال: إذا خرج حاجا الى مكة وبينه وبينها مسافة تقصر فيها الصلاة ونوى أن يقيم بها عشرا قصر في الطريق فإذا وصل إليها أتم، وان خرج الى عرفة يريد قضاء نسكه لا يريد المقام عشرة أيام إذا رجع الى مكة كان عليه القصر لانه قد نقض مقامه بسفر بينه وبين بلده يقصر في مثله، وان كان يريد إذا قضى نسكه مقام عشرة أيام بمكة أتم بمنى وعرفة ومكة حتى يخرج من مكة مسافرا فيقصر. هذه عبارته وهى أول ما ذكر في هذه المسألة ثم تبعه المتأخرون في ذلك وعمموا العبارة وأكثروا فيها الشقوق


[ 484 ]

والتفريعات. وخالفه جماعة في وجوب القصر بالذهاب الى عرفات في الصورة المفروضة وهو عدم الاقامة بعد العود الى محل الاقامة كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى وبذلك يظهر ان المسألة بجميع ما فيها من التفاريع والشقوق والاحكام الآتية إنما استخرجها المجتهدون بانظارهم وكل أفتى بما وصل إليه علمه وفهمه، وهى خالية من النص كما عرفت ومن أجل ذلك فللبحث في تفاصيلها مجال، والجزم بالفتوى في بعض شقوقها غير خلى من شوب الاشكال. وتفصيل الحال بما يتضح به هذا الاجمال ان يقال ان الخارج من موضع الاقامة بعد نية الاقامة والصلاة تماما سواء كان في ضمن العشرة أو بعد تمامها لا يخلو أمره من أن يكون مريدا للعود الى موضع الاقامة ام لا، وعلى الاول فاما أن يكون بعد عوده قاصدا المقام عشرة أيام أم لا، وعلى الثاني من الثاني فاما أن يكون قاصدا للمفارقة أو ذاهلا أو مترددا، وحينئذ فههنا صور خمس:

الاولى - ان يعزم على المفارقة وعدم العود الى موضع الاقامة، وظاهر الاصحاب المتعرضين للبحث في هذه المسألة الاتفاق على التقصير وانما اختلفوا في انه يقصر بمجرد الخروج من البلد وان لم يتجاوز محل الترخص لصدق السفر عليه والضرب في الارض واختصاص توقفه على مجاوزة محل الترخص بموضع الوفاق وهو بلد المسافر أو يتوقف على محل الترخص ومجاوزة الحدود لصيرورة موضع الاقامة بالنسبة إليه بعد الاقامة والصلاة تماما في حكم البلد، وكلامهم كما ترى هنا على اطلاقه غير واضح لدلالة صحيحة ابى ولاد (1) على انه متى نوى الاقامة وصلى تماما فانه لا يقصر حتى يقصد المسافة، والمفروض في المسألة ان المقصود أقل من المسافة فوجوب التقصير لا وجه له وهو أظهر من أن يحتاج الى مزيد بيان. وألحق بعض الاصحاب بهذه الصورة ما لو تردد الخارج على الوجه المذكور في العود عدمه، وما لو ذهل عن القصد الى المفارقة أو العود بنية اقامة عشرة أو لامعها، وهو في الاشكال مثل سابقه لعدم تحقق القصد الى المسافة في الجميع


(1) ص 415


[ 485 ]

الذى هو شرط العود الى القصر.

الثانية - أن يعزم على العود الى موضع اقامة والاقامة عشرة مستأنفة، وهذا من ما لا خلاف ولا اشكال في كونه يتم ذاهبا وآيبا وفى موضع قصده، ووجهه ان فرضه التمام سابقا ولم يحصل له ما يوجب الخروج عنه فيجب استصحابه والعمل عليه الى أن يتحقق المخرج.

الثالثة - أن يعزم على العود بدون اقامة عشرة بل إما مع اقامة ما دونها أو بدون اقامة بالمرة. وقد عرفت من ما تقدم من كلام الشيخ وجوب القصر في خروجه من موضع الاقامة ويستمر عليه في ذهابه وفى مقصده وعوده ومحل اقامة وبه قال العلامة وجماعة، وقد تقدم تعليل الشيخ لذلك. وعلله جماعة بانه قد خرج من محل الاقامة وليس في نيته اقامة اخرى فيعود إليه حكم السفر. وهذا الاستدلال كما ترى يقتضى ضم الرجوع الى ما مضى من الذهاب ويأتى فيه القولان المتقدمان في التقصير بمجرد الخروج من البلد أو اشتراط محل الترخص. وذهب الشيخ وجملة من المتأخرين - كالمحقق الشيخ على والشهيد والظاهر أنه المشهور وبه صرح جملة من متأخرى المتأخرين ايضا - الى وجوب التمام في الذهاب والمقصد والقصر في الرجوع. واحتجوا على الاول بانه إنما يخرج عن حكم الاقامة ووجوب التمام بالقصد الى المسافة وهى منتفية في الذهاب، لان المفروض الخروج الى ما دون المسافة. وعلى الثاني بانه حال رجوعه قاصد المسافة حيث انه قاصد الى بلده في الجملة إما الآن أو بعد مروره وتوقفه في بلد إقامته أياما دون العشرة والبلد الذى كان مقيما فيه ساوى غيره بالنسبة إليه. وأنت خبير بأن وجوب الاتمام في الذهاب كما أدعوه مبنى على عدم ضم


[ 486 ]

الذهاب الى الاياب، وإلا فهذا التعليل آت في الذهاب أيضا لزوال حكم الاقامة ببلوغ محل الترخص وتحقق قصد المسافة على الوجه السابق، وحينئذ فان ثبت ما ادعوه من الاجماع على عدم جواز ضم أحدهما الى الآخر إلا في قصد الاربعة مع الرجوع ليومه أو لليلته وإلا فالقول الاول أظهر. ثم أنت خبير بما في ثبوت الاحكام الشرعية بمثل هذه الاجماعات من الاشكال وان كان ما ذكروه من الامثلة لهذه المسألة لا يخلو من تأييد إلا انه لا يقطع مادة الاشكال، ولهذا إن الفاضل الخراساني صاحب الذخيرة والكفاية رجح وجوب القصر بالخروج عن محل الاقامة كما هو قول العلامة والشيخ. وقد اضطرب كلام شيخنا الشهيد (قدس سره) في هذه الصورة في ما إذا عزم على العود الى موضع الاقامة من غير قصد إقامة جديدة، فقطع في البيان بعوده الى التقصير بالخروج كمذهب الشيخ في المبسوط والعلامة، وذهب في الدروس الى القصر في العود كما نقلناه عنه، إلا أن عبارته فيه لا تخلو من إشكال، حيث قال في الصورة المذكورة: إن فيه وجهين أقربهما القصر في الذهاب ومقتضى ذلك التمام بالوصول الى المقصد. وظاهره وجوب القصر في المقصد وإن أقام أياما إذ لا يدخل ذلك في الذهاب الذى أوجب فيه التمام، وهذا يخالف ما ذكره أصحاب هذا القول فانهم يخصون القصر بوقت الرجوع وأما موضع القصد فانه تابع للذهاب في وجوب الاتمام فيه. هذا، ولا يخفى عليك ما في كلامهم في هذه الصورة أيضا من أنه لا يخلو من نوع إجمال حيث رتبوا القصر على عدم قصد الاقامة بقول مطلق، وينبغى تقييده أيضا بما إذا كان من مبدأ عوده الى منتهى المقصد مسافة لان وجوب القصر معلق على قصد المسافة. وقيده شيخنا الشهيد الثاني في رسالته أيضا بما إذا كان بلد الاقامة التى يرجع إليها في سمت منتهى القصد فالعود إليها مستلزم لقصد ذلك المقصد، أما لو كان


[ 487 ]

مخالفا له فالمتجه التمام بناء على أن المسافة المعتبرة في القصر لا تكون ملفقة من الذهاب والاياب إلا في قصد الاربعة كما تقدم. وفيه ما عرفت آنفا. والمشهور في كلام الاصحاب الذين وقفت على كلامهم في هذه الصورة هو ما قدمناه أولا من القولين. ويظهر من العلامة (قدس سره) في أجوبة مسائل السيد السعيد مهنا بن سنان المدنى اختيار قول ثالث وهو وجوب الاتمام في الذهاب والاياب والمقصد وبلد الاقامة بعد الرجوع إليها حتى يخرج منها قاصدا للسفر ويصل الى محل الترخيص فيجب عليه القصر حينئذ تنزيلا لبلد إقامة منزلة بلد الوطن، فيصير اعتبار قصد المسافة إنما هو من بلد الاقامة لا ما قبله من الذهاب أو الرجوع. وهو من حيث الاعتبار لا يخلو من وجه.

الرابعة - أن يعزم على العود ويتردد في إقامة العشرة وعدمها، وقد ذكر المحقق الشيخ على أن فيه وجهين: أحدهما - الاتمام مطلقا لانتقاء المقتضى للتقصير وهو عزم المسافة، قال وأصحهما الاتمام في الذهاب والتقصير في العود، لان حكم الاقامة يزول بمفارقة البلد وإنما يعود إليها باقامة أخرى ولم تحصل لمنافاته التردد. انتهى. وفيه أن النص الصحيح في المسألة دل على أنه بنية الاقامة في بلد والصلاة تماما يجب استصحاب التمام حتى يقصد المسافة وهذا متردد ليس قاصدا للمسافة. وما علل به التقصير في العود من أن حكم بلد الاقامة يزول بالمفارقة وارد عليه في صورة الذهاب الذى أوجب فيه التمام فينبغي أن يجب القصر بناء على هذا التعليل. ولا يمكن الجواب هنا بما تقدم من أن الذهاب لا يضم الى الاياب في حصول المسافة، لان وجوبه هنا لم يعلل بقصد المسافة إذ لا قصد للمسافة في الصورة المذكورة وإنما علل بمفارقة بلد الاقامة ومفارقة البلد حاصلة على كلتا الحالتين، وهو إنما صار الى التمام في الذهاب من حيث استصحاب حكم الاقامة السابقة الموجبة للتمام


[ 488 ]

حتى يحصل المقتضى للقصر وهذا بعينه آت في حال العود. وبالجملة فكلامه (قدس سره) لا أعرف له وجه استقامة يدفع عنه تطرق الايراد، وظاهر كلامه جعل هذه الصورة من قبيل الصورة الثالثة في مجئ الوجهين المتقدمين، والفرق ظاهر فان قصد المسافة في تلك الصورة ظاهر كما عرفت دون هذه، والانسب بالقواعد في هذه الصورة هو الوجه الاول الذى ذكره وهو الاتمام مطلقا عملا بظاهر النص المشار إليه. والله العالم.

الخامسة - الصورة بحالها وان يكون ذاهلا عن الاقامة وعدمها بحيث يكون عادم القصد الى شئ من الامور المتقدمة، وحكمها ما ذكرنا في سابقتها من الاتمام مطلقا، أما لو كان في أول خروجه عزم على وجه من الوجوه وإنما حصل له الذهول أخيرا عمل على ذلك العزم المتقدم. وحيث قد اتضح لك ما في المسألة من الشقوق والخلاف وتعليل كل منهم ما ذهب إليه بما ظهر من الدليل لديه مع ما عرفت من خلو المسألة من النصوص على العموم والخصوص فالواجب الرجوع الى الاحتياط في ما بعد تطبيقه على النص المشار إليه أعنى صحيحة ابى ولاد (1) من المواضع التى أشرنا إليها. والله العالم. فائدة يستحب جبر المقصورات بالتسبيحات الاربع المشهورة في دبرها لما رواه سليمان بن حفص المروزى (2) قال: " قال الفقيه العسكري عليه السلام يجب على المسافر أن يقول في دبر كل صلاة يقصر فيها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر (ثلاثين مرة) لتمام الصلاة " ولفظ الوجوب في الخبر محتمل للمبالغة في الاستحباب أو المعنى اللغوى. أللهم اجر تقصيرنا بعفوك وإحسانك وعاملنا بجودك ورضوانك. هذا آخر


(1) ص 415 (2) الوسائل الباب 24 من صلاة المسافر


[ 489 ]

الكلام في هذا المجلد وهو المجلد الرابع (1) من كتاب الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة وهو آخر كتاب الصلاة، ويتلوه ان شاء الله تعالى المجلد الخامس في كتاب الزكاة والصوم بتوفيق الله سبحانه وتعالى وإعانته، والحمد لله سبحانه على توفيقه للاتمام والفوز بسعادة الاختتام، وصلى الله على محمد وآله بدور التمام ومصابيح الظلام. وكتب مؤلفه الحقير الجاني بيمناه الداثرة اعطاه الله كتابه بها في الآخرة الفقير الى ربه الكريم يوسف بن احمد بن ابراهيم البحراني عفى الله تعالى عنه وعن والديه في الارض المقدسة كربلاء المعلى بجواز سيد الشهداء صلى الله عليه واله بتأريخ اليوم السادس والعشرين من شهر ربيع المولود من سنة 1181 حامدا مصليا مستغفرا (2).


(1) هذا بحسب تقسيمه " قدس سره " وبحسب تقسيما هذا آخر الجزء الحادى عشر وبتلوه الجزء الثاني عشر. والحمد لله أولا وآخرا. (2) أوردناه الختام والتأريخ على طبق النسخ الخطية (2) الوسائل الباب 24 من صلاة المسافر


موقع الكلمة الطيبة

jaashariqi@hotmail.com