تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الثاني عشر


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبيه محمد وآله الطاهرين

كتاب الزكاة

وهى لغة تطلق على معنيين: الطهارة والزيادة والنمو، ومن الاول قوله عزوجل " قد أفلح من زكاها " (1) أي طهرها من الاخلاق الذميمة، ومن الثاني قوله عزوجل: " ذلكم أزكى لكم وأطهر " (2) أي أنمى لكم وأعظم بركة، والحمل عى الاول وان أمكن إلا أنه يصير عطف الطهارة من قبيل التأكيد والحمل على التأسيس خير من التأكيد. وسميت به الصدقة المخصوصة لكونها مطهرة للمال من الاوساخ المتعلقة به أو للنفوس من رذائل البخل وترك مواساة الاخوان المحتاجين من ابناء النوع، ولكونها تنمى الثواب وتزيده وكذلك تنمى المال وتزيده وان ظن الجاهل البخيل انها تنقصه. وقد اختلف الفقهاء في تعريفها بما لا يكاد يسلم واحد منها من المناقشة


(1) سورة الشمس الآية 9. (2) سورة البقرة الآية 232


[ 3 ]

وليس في التعرض لها مزيد فائد، والامر في التعريف هين بعد وضوح المعرف في حد ذاته.

والكلام في هذا الكتاب يقع في مقدمة وبابين، أما المقدمة ففيها فصول:

الفصل الأول

في وجوبها

وهى واجبة بالكتاب والسنة، قال الله عزوجل " واقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " (1) وقال: " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " (2) وقال: " وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة " (3). وأما السنة فمستفيضة جدا، ومنها - ما رواه ثقة الاسلام في الكافي في الصحيح عن عبد الله بن سنان (4) قال: " قال أبو عبد الله لما نزلت آية الزكاة " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " (5) وانزلت في شهر رمضان فامر رسول الله صلى الله عليه وآله مناديه فنادى في الناس ان الله تعالى فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة ففرض الله عليهم من الذهب والفضة وفرض عليهم الصدقة من الابل والبقر والغنم ومن الحنطة والشعير والتمر والزبيب ونادى فيهم بذلك في شهر رمضان وعفالهم عن ما سوى ذلك. قال عليه السلام ثم لم يتعرض لشئ من اموالهم حتى حال عليهم الحول من قابل فصاموا وافطروا فامر مناديه فنادى في المسلمين أيها المسلمون زكوا اموالكم تقبل صلاتكم. قال عليه السلام ثم وجه عمال الصدقة وعمال الطسوق " اقول: الطسق بالفتح ما يوضع من الخراج على كل جريب من الارض فارسي معرب. وما رواه في الصحيح عن الفضلاء. عن ابى جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام) (6) قالا: " فرض الله الزكاة مع الصلاة " اقول: الظاهر من المعية المقارنة


(1) سورة البقرة الآية 43. (2) و (5) سورة التوبة الآية 103. (3) سورة فصلت الآية 6 و 7. (4) ج 1 ص 139 وفى الوسائل الباب 8 من ما تجب فيه الزكاة ونقله فيه وفى الباب 1 من الفقيه ايضا. (6) الوسائل الباب 1 من ما تحب فيه الزكاة


[ 4 ]

في الرتبة كما يشعر به الحديث الآتى. وما رواه ايضا عن معروف بن خربوذ عن ابى جعفر عليه السلام (1) قال " ان الله عزوجل قرن الزكاة بالصلاة فقال: واقيمو الصلاة وآتو الزكاة " فمن أقام الصلاة ولو يؤت الزكاة فلم يقم الصلاة وما رواه في الفقيه عن عبد الله بن مسكان يرفعه إلى ابى جعفر عليه السلام (2) قال: " بينا رسول الله صلى الله عليه وآله في المسجد إذ قال قم يا فلان قم يا فلان قم يا فلان حتى أخرج خمسة نفر فقال صلى الله عليه وآله اخرجوا من مسجدنا لا تصلوا فيه وأنتم لا تزكون ". وما رواه في الكافي عن ابى بصير عن أبى عبد الله عليه السلام (3) قال: من منع قيراطا من الزكاة فليس بمؤمن ولا مسلم وهو قوله تعالى: رب ارجعون لعلى أعمل صالحا في ما تركت " (4) قال: وفى رواية اخرى (5) قال: " ولا تقبل له صلاة " وبهذا المضمون روايات عديدة اعرضنا عن نقلها. وما رواه فيه ايضا عن ابى بصير (6) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول من منع الزكاة سأل الرجعة عند الموت وهو قول الله تعالى: رب ارجعون لعلى أعمل صالحا في ما تركت " (7). وما رواه فيه عن ابى بصير ايضا عن ابى عبد الله عليه السلام (8) قال: " من منع قيراطا من الزكاة فليمت ان شاء يهوديا أو نصرانيا " إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة.

الفصل الثاني

في عقاب مانعها

روى في الكافي عن عبد الله بن سنان (9) قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله ما من ذى زكاة مال نخل أو زرع أو كرم يمنع زكاة ماله إلا قلده الله تعالى تربة أرضه يطوق بها من سبع أرضين إلى يوم القيامة ". وروى في الكافي والفقيه عن أيوب بن راشد (10) قال: " سمعت أبا عبد الله


(1) و (2) و (6) و (9) و (10) الوسائل الباب 3 من ما تحب فيه الزكاة (3) و (5) و (8) الوسائل الباب 4 من ما تحب فيه الزكاة (4) و (7) سورة المؤمنون الآية 99 و 100


[ 5 ]

عليه السلام يقول مانع الزكاة يطوق بحية قرعاء تأكل من دماغه وذلك قوله تعالى: سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة " (1) أقول: القرعاء من الحيات ما سقط شعر راسها لكثرة سمها. وروى في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تعالى: سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ؟ فقال يا محمد ما من أحد يمنع من زكاة ماله شيئا إلا جعل الله تعالى ذلك يوم القيامة ثعبانا من نار مطوقا في عنقه ينهش من لحمه حتى يفرغ من الحساب، ثم قال (ع) هو قول الله تعالى سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة. يعنى ما بخلوا به من الزكاة. وروى في الكافي والفقيه عن حريز (3) قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام ما من ذى مال ذهب أو فضة بمنع زكاة ماله إلا حبسه الله يوم القيامة بقاع قرقر وسلط عليه شجاعا أقرع يريده وهو يحيد عنه فإذا رأى انه لا يتخلص منه امكنه من يده فقضمها كما يقضم الفحل ثم يصير طوقا في عنقه، وذلك قول الله تعالى " سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة " وما من ذى مال ابل أو غنم أو بقر يمنع زكاة ماله إلا حبسه الله عزوجل يوم القيامة بقاع قرقر تطأه كل ذات ظلف بظلفها وتنهشه كل ذات ناب بنابها، وما من ذى مال نخل أو كرم أو زرع يمنع زكاتها إلا طوقه الله تعالى ريعة أرضه إلى سبع ارضين يوم القيامة ". اقول: قيل القاع الارض السهلة المطمئنة قد انفرجت عنها الجبال، والقرقر الارض المستوية اللينة، وفى بعض النسخ " قفر " وهو الخلاء من الارض، وشجاع بالضم والكسر: الحية أو الذكر منها أو ضرب منها، والحيد الميل والقضم


(1) سورة آل عمران الآية 180 (2) الفروع ج 1 ص 141 وفي الوسائل الباب 3 من ما تجب فيه الزكاة عن ابى جعفر (ع) بسند آخر وهو كذلك في الفروع ج 1 ص 142 (3) الوسائل الباب 3 من ما تجب فيه الزكاة.


[ 6 ]

بالمعجمة: الاكل باطراف الاسنان، والفحل بالمهملة: الذكر من كل حيوان ومن الابل خاصة وهو المراد هنا، والريع بكسر الراء وفتحها ثم المثناة من تحت ثم المهملة: المرتفع من الارض واحدته بهاء. وروى في الكافي عن ابى الجارود عن ابى جعفر عليه السلام (1) " قال: ان الله تعالى يبعث يوم القيامة ناسا من قبور هم مشدودة ايديهم إلى أعناقهم لا يستطيعون أن يتناولوا بها قيس انملة معهم ملائكة يعيرونهم تعييرا شديدا يقولون: هؤلاء الذين منعوا خيرا قليلا من خير كثير، هؤلاء الذين اعطاهم الله تعالى فمنعوا حق الله في اموالهم " اقول: القيس بالكسر القدر. وروى في الكافي والفقيه عن ابان بن تغلب (2) قال: أبو عبد الله عليه السلام دمان في الاسلام حلا ل من الله تعالى لا يقضى فيهما أحد حتى يبعث الله تعالى قائمنا اهل البيت فإذا بعث الله تعالى قائمنا اهل البيت حكم فيهما بحكم الله لا يريد عليهما بينة: الزانى المحصن برجمه ومانع الزكاة يضرب عنقه ورواه الصدوق في عقاب الاعمال والبرقي في المحاسن مثله (3). وروى في الكافي مسندا عن اسحاق بن عمار عن من سمع أبا عبد لله عليه السلام وفى الفقيه مرسلا عن ابى عبد الله عليه السلام (4) انه قال: " ما ضاع مال في بر ولا بحر إلا بتضييع الزكاة ولا يصاد من الطير إلا ما ضيع تسبيحه ". وروى في الكافي عن سالم مولى ابان (5) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول ما من صيد يصاد إلا بتركه التسبيح وما من مال يصاب إلا بترك الزكاة " إلى غير


(1) الوسائل الباب 6 من ما تجب فيه الزكاة. (2) الوسائل الباب 4 من ما تجب فيه الزكاة. وقوله " حكم فيهما بحكم الله لا يريد عليهما بينة " ليس في الفقيه ج 2 ص 6. (3) الوسائل الباب 4 من ما تجب فيه الزكاة. (4) و (5) الوسائل الباب 3 من ما تجب فيه الزكاة


[ 7 ]

ذلك من الاخبار التى يضيق عن نشرها المقام.

الفصل الثالث

في كفر منكر وجوبها

قال العلامة في التذكرة: أجمع المسلمون كافة على وجوبها في جميع الاعصار وهى احد الاركان الخمسة، إذا عرفت هذا فمن انكر وجوبها ممن ولد على الفطرة ونشأ بين المسلمين فهو مرتد يقتل من غير أن يستتاب، وان لم يكن عن فطرة بل أسلم عقيب كفر استتيب مع علمه بوجوبها ثلاثا فان تاب وإلا فهو مرتد وجب قتله، وان كان ممن يخفى وجوبها عليه لانه نشأ بالبادية أو كان قريب العهد بالاسلام عرف وجوبها ولم يحكم بكفره. هذا كلامه (رحمه الله). قال في المدارك بعد نقله عنه: وهو جيد وعلى ما ذكره من التفصيل يحمل ما رواه الكليني وابن بابويه عن ابان بن تغلب.. ثم ساق الرواية المتقدمة الدالة على ان القائم عليه السلام بعد قيامه يضرب عنق مانع الزكاة. اقول: ظاهر العلامة في المنتهى حمل هذه الرواية على المانع وان لم يكن عن انكار، حيث قال: مسألة - ويقاتل مانع الزكاة حتى يؤديها وهو قول العلماء، روى الجمهور.. ثم ساق روايتهم (1) ثم قال: ومن طريق الخاصة ما رواه ابن بابويه عن ابان بن تغلب.. ثم ساق الرواية المشار إليها، ثم قال فروع: الاول - القتال وان كان مباحا إلا انا لانحكم بكفره.. إلى أن قال: وأمالو علم منه انكار وجوبها فانه يكون كافرا. انتهى. والاقرب الاول فان مجرد المنع لا يوجب القتل وان أوجب المقاتلة إلى أن يؤدى أو يؤخذ من ماله ما يؤدى به عنه. ثم انه من ما يدل على كفره متى كان مستحلا منكرا ما تقدم في رواية ابى بصير من أنه يموت ان شاء يهوديا وان شاء نصرانيا، ويحتمل الحمل على مجرد المنع وان هذا لمزيد التأكيد في الزجر عن الترك كما ورد في أحاديث الحج من أن


(1) وهى قتال ابى بكر مانعي الزكاة وانكار عمر عليه وانه قال رسول الله صلى الله عليه وآله امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا " لا إله إلا الله " فإذا قالوها عصموني دمائهم واموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله. فقال أبو بكر الزكاة من حقها. تيسير الوصول ج 2 ص 121.


[ 8 ]

تارك الحج كافر (1) وكذلك قوله عزوجل " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر.. الآية " (2) وبالجملة فان المراد من الكفر هنا الترك كقوله عزوجل: " لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم.. الآية " (3). ويدل عليه ايضا ما رواه في الكافي في الصحيح عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام (4) في حديث " ان الزكاة ليس يحمد بها صاحبها وانما هو شئ ظاهر انما حقن بها دمه وسمى بها مسلما ". وما رواه فيه ايضا في الموثق عن سماعة بن مهران عن ابى عبد الله عليه السلام (5) قال: " ان الله عزوجل فرض للفقراء في اموال الاغنياء فريضة لا يحمدون إلا بادائها وهى الزكاة بها حقنوا دماءهم وبها سموا مسلمين ". وروى في الفقيه باسناده عن حماد بن عمرو وانس بن محمد عن ابيه جميعا عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلى عليه السلام " يا على كفر بالله العلى العظيم من هذه الامة عشرة.. وعد منهم مانع الزكاة، ثم قال يا علي ثمانية لا يقبل الله منهم الصلاة.. وعد منهم مانع الزكاة. ثم قال يا على من منع قيراطا من زكاة ماله فليس بمؤمن ولا مسلم ولاكرامة، يا على تارك الزكاة يسأل الله تعالى الرجعة إلى الدنيا وذلك قول الله عزوجل: حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون.. الآية ". وبالجملة فان وجوب الزكاة من الضروريات الدينية ولا خلاف ولا اشكال في كفر من انكر شيئا منها وارتداده. بقى الاشكال في حديث ابان المتقدم من حيث دلالته على اختصاص هذا الحكم مع الحكم برجم الزانى المحصن بظهور القائم عليه السلام ولا أعرف له وجها إلا على القول باختصاص اقامة الحدود بالامام عليه السلام إلا أن تخصيص هذين الفردين من ما


(1) الوسائل الباب 7 من وجوب الحج وشرائطه (2) سورة آل عمران الآية 97 (3) سورة ابراهيم الآية 7 (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 4 من ما تجب فيه الزكاة (7) سورة المؤمنون الآية 99


[ 9 ]

لا وجه له على هذا التقدير.

الفصل الرابع

في فضلها وفضل سائر الصدقات

روى ثقة الاسلام في الكافي في الصحيح عن زرارة عن سالم بن ابى حفصة عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " ان الله تعالى يقول ما من شئ إلا وقد وكلت به من يقبضه غيرى إلا الصدقة فانى أتلقفها بيدى تلقفا حتى ان الرجل يتصدق بالتمرة أو بشق تمرة فاربيها له كما يربى الرجل فلوه وفصيله فيأتى يوم القيامة وهو مثل أحد أو أعظم من أحد ". وروى فيه ايضا عن حريز عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله الصدقة تدفع ميتة السوء ". وروى فيه ايضا عن ابى بصير عن ابى جعفر عليه السلام (3) قال: " لان احج حجة أحب إلى من أن أعتق رقبة ورقبة حتى انتهى إلى عشرة ومثلها ومثلها حتى انتهى إلى سبعين، ولان اعول اهل بيت من المسلمين أشبع جوعهم وأكسو عورتهم وأكف وجوههم عن الناس أحب إلى من أن أحج حجة وحجة حتى انتهى إلى عشر وعشر ومثلها ومثلها حتى انتهى إلى سبعين ". وروى في الكافي مسندا عن ابى عبد الله عليه السلام وفى الفقيه مرسلا (4) قال: " قال الصادق عليه السلام داووا مرضاكم بالصدقة وادفعوا البلاء بالدعاء واستنزلوا الرزق بالصدقة فانها تفك من بين لحيى سبعمائة شيطان، وليس شئ أثقل على الشيطان من الصدقة على المؤمن، وهى تقع في يد الرب تبارك وتعالى قبل أن تقع في يد العبد ". وروى الشيخ عن معلى بن خنيس عن الصادق عليه السلام (5) " ان الله لم يخلق شيئا إلا


(1) الوسائل الباب 7 من ابواب الصدقة (2) الوسائل الباب 1 من ابواب الصدقة، والراوي هو السكوني (3) الوسائل الباب 2 من ابواب الصدقة الوسائل الباب 3 و 18 من ابواب الصدقة (5) الفروع ج 1 ص 164 وفى الوسائل الباب 12 من الصدقة والشيخ يرويه عن الكليني


[ 10 ]

وله خازن يخزنه إلا الصدقة فان الرب يليها بنفسه، وكان ابى إذا تصدق بشئ وضعه في يد السائل ثم ارتده منه فقبله وشمه ثم رده في يد السائل، ان صدقة الليل تطفئ غضب الرب تعالى وتمحو الذنب العظيم وتهون الحساب وصدقة النهار تنمى المال وتزيد في العمر " إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة المذكور ة في مظانها.

الفصل الخامس

في علتها

روى الصدوق (قدس سره) في الفقيه في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " ان الله عزوجل فرض الزكاة كما فرض الصلاة، فلو ان رجلا حمل الزكاة فاعطاها علانية لم يكن عليه في ذلك عيب وذلك لان الله عزو جل فرض للفقراء في اموال الاغنياء ما يكتفون به، ولو علم ان الذى فرض لهم لا يكفيهم لزادهم وانما يؤتى الفقراء في مااوتوا من منع من منعهم حقوقهم لا من الفريضة ". وروى في الكافي والفقيه عن مبارك العقرقوفى (2) قال: " قال أبو الحسن عليه السلام ان الله تعالى وضع الزكاة قوتا للفقراء وتوفيرا لا موالكم ". وروى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن عبد الله بن مسكان وغير واحد عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال " ان الله تعالى جعل للفقراء في اموال الاغنياء ما يكفيهم ولولا ذلك لزادهم وإنما يؤتون من منع من منعهم ". وروى فيه في الحسن عن الوشاء عن ابى الحسن الرضا عليه السلام (4) قال " قيل لابي عبد الله عليه السلام لاى شئ جعل الله الزكاة خمسة وعشرين في كل الف ولم يجعلها ثلاثين ؟ فقال ان الله تعالى جعلها خمسة وعشرين اخرج من اموال الاغنياء بقدر ما يكتفى به الفقراء ولو اخرج الناس زكاة اموالهم ما احتاج احد ". وروى فيه ايضا عن صباح الحذاء عن قثم عن ابى عبد الله عليه السلام (5) قال: " قلت له جعلت فداك اخبرني عن الزكاة كيف صارت من كل الف خمسة وعشرين لم


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 1 من ما تجب فيه الزكاة (4) و (5) الوسائل الباب 3 من زكاة الذهب والفضة.


[ 11 ]

تكن أقل أو اكثر ما وجهها ؟ فقال ان الله تعالى خلق الخلق كلهم فعلم صغيرهم وكبيرهم وغنيهم وفقيرهم فجعل من كل ألف انسان خمسة وعشرين مسكينا ولو علم ان ذلك لا يسعهم لزادهم لانه خالقهم وهو أعلم بهم ". وروى في الفقيه عن معتب مولى الصادق عليه السلام (1) قال: " قال الصادق عليه السلام انما وضعت الزكاة اختبارا " لاغنياء ومعونة للفقراء، ولو ان الناس ادوا زكاة اموالهم ما بقى مسلم فقيرا محتاجا ولاستغنى بما فرض الله تعالى له، وان الناس ما افتقروا ولا احتاجوا ولا جاعوا ولاعروا الا بذنوب الاغنياء وحقيق على الله تعالى ان يمنع رحمته ممن منع حق الله في ماله، واقسم بالذى خلق الخلق وبسط الرزق انه ما ضاع مال في بر ولا بحر إلا بترك الزكاة وما صيد صيد في بر ولا بحر إلا بتركه التسبيح في ذلك اليوم، وان أحب الناس إلى الله اسخاهم كفا واسخى الناس من ادى زكاة ماله ولم يبخل على المؤمنين بما افترض الله تعالى في ماله ". وروى في الفقيه مرسلا (2) قال: " كتب على بن موسى الرضا عليه السلام إلى محمد ابن سنان في ماكتب من جواب مسائله: ان علة الزكاة من أجل قوت الفقراء وتحصين اموال الاغنياء لان الله عزوجل كلف اهل الصحة القيام بشأن أهل الزمانة والبلوى كما قال الله تعالى " لتبلون في اموالكم وانفسكم " (3) في اموالكم اخراج الزكاة وفى انفسكم توطين النفس على الضر، مع مافى ذلك من اداء شكر نعم الله تعالى والطمع في الزيادة، مع ما فيه من الزيادة والرأفة والرحمة لاهل الضعف والعطف على اهل المسكنة والحث لهم على المواساة وتقوية الفقراء والمعونة لهم على امر الدين وهو عظة لاهل الغنى وعبرة لهم ليستدلوا على فقر الاخرة بهم، ومالهم من الحث في ذلك على الشكر لله تعالى لما خولهم واعطاهم والدعاء والتضرع والخوف من أن يصيروا مثلهم في امور كثيرة في اداء الزكاة والصدقات وصلة الارحام واصطناع


(1) و (2) الوسائل الباب 1 من ما تجب فيه الزكاة (3) سورة آل عمران الآية 186


[ 12 ]

المعروف " إلى غير ذلك من الاخبار.

الفصل السادس

في انه هل يجب في المال حق آخر سوى الزكاة أم لا ؟ المشهور الثاني، ونقل عن الشيخ في الخلاف الاول حيث قال: يجب في المال حق سوى الزكاة المفروضة وهو ما يخرج يوم الحصاد من الضغث بعد الضغث والحفنة بعد الحفنة يوم الجذاذ. واحتمله السيد المرتضى في الانتصار. احتج الشيخ (قدس سره) باجماع الفرقة واخبارهم (1) وقوله تعالى: " وآتوا حقه يوم حصاده " (2). واجيب بمنع انعقاد الاجماع على الوجوب بل على الرجحان المطلق الشامل للندب ايضا وعن الاخبار بمنع دلالتها على الوجوب. وعن الآية بوجهين:

احدهما - انه يجوز ان يكون المراد بالحق الزكاة المفروضة كما ذكره جمع من المفسرين بان يكون المعنى فاعزموا على اداء الحق يوم الحصاد واهتموا به حتى لا تؤخروه عن اول اوقات الامكان. وايد ذلك بان قوله تعالى " آتوا حقه " انما يحسن إذا كان الحق معلوما قبل ورود هذه الآية.

الثاني - ان الامر محمول على الاستحباب، ويدل عليه ما رواه الكليني عن معاوية بن شريح (3) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في الزرع حقان حق تؤخذ به وحق تعطيه. قلت: وما الذى أؤخذ به وما الذي اعطيه ؟ قال أما الذى تؤخذ به فالعشر ونصف العشر، واما الذي تعطيه فقول الله عزوجل " وآتوا حقه يوم حصاده " يعنى من حصدك الشئ بعد الشى، ولا أعلمه إلا قال الضغث ثم الضغث حتى يفرغ ". وما رواه عن زرارة ومحمد بن مسلم وابى بصير - في الصحيح أو الحسن على


(1) الوسائل الباب 13 من زكاة الغلات (2) سورة الانعام الآية 141. (3) الوسائل الباب 13 من زكاة الغلات.


[ 13 ]

المشهور - عن ابى جعفر عليه السلام (1) " في قول الله عزوجل: وآتوا حقه يوم حصاده ؟ فقالوا جميعا قال أبو جعفر عليه السلام هذا من الصدقة تعطى المساكين القبضة بعد القبضة ومن الجذاذ الحفنة بعد الحفنة حتى تفرغ.. الحديث ". اقول: والذى وقفت عليه من الاخبار زيادة على ما ذكر ما نقل عن السيد المرتضى (قدس سره) في الانتصار (2) انه قال: " روى عن ابى جعفر عليه السلام في قوله تعالى " وآتوا حقه يوم حصاده " فقال ليس ذلك الزكاة ألا ترى. انه قال: ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين ؟ " قال المرتضى (قدس سره) وهذه نكتة منه عليه السلام مليحة لان النهى عن السرف لا يكون إلا في ما ليس بمقدر والزكاة مقدرة. وما رواه الثقة الجليل على بن ابراهيم في تفسيره في الصحيح عن شعيب العقرقوفى (4) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله عزوجل: وآتوا حقه يوم حصاده ؟ قال الضغث من السنبل والكف من التمر إذا خرص. قال: وسألته هل يستقيم اعطاؤه إذا أدخله ؟ قال: لا هو اسخى لنفسه قبل ان يدخله بيته ". وروى فيه في الصحيح عن سعد بن سعد عن الرضا عليه السلام (5) قال: " قلت له ان لم يحضر المساكين وهو يحصد كيف يصنع ؟ قال ليس عليه شئ ". وظاهر هذه الاخبار المذكورة هو الاستحباب، أما رواية معاوية بن شريح فهى ظاهرة في ذلك لان مقابلة الحق الذى يعطيه بالذى يؤخذ به ظاهر في أنه لا يؤخذ بهذا الحق الذى يعطيه، والمتبادر من الاخذ به العقاب على تركه وهو هنا كناية عن الوجوب والالزام به شرعا. واما ما ذكره الفاضل الخراساني في الذخيرة - حيث مال إلى الوجوب في هذه المسألة من ان المراد من قوله " تؤخذ به " يعنى الاخذ في الدنيا لان الامام


(1) و (4) و (5) الوسائل الباب 13 من زكاة الغلاة (2) ص 21 (3) سورة الانعام الآية 141.


[ 14 ]

يأخذ الزكاة من أصحاب الاموال بخلاف حق الحصاد فانه امر بينه وبين الله وان عصى بالترك بناء على الوجوب - فتعسفه ظاهر لانه لو كان المراد إنما هو أخذ الامام لكان حق العبارة ان يقال " يؤخذ منه " كما لا يخفى على الممارس لكلام البلغاء بل هذه العبارة إنما ترمى في مقام المؤاخذة بالترك والمعاقبة، قال في المصباح المنير وأخذه بذنبه عاقبه عليه. وأما صحيحة الفضلاء الثلاثة فظاهر الصدقة فيها إنما هو بمعنى الصدقة المستحبة وأما صحيحة شعيب العقرقوفى فهى ظاهرة في انه متى أدخله بيته سقط الحكم عنه ولو كان واجبا لم يكن كذلك. واما صحيحة سعد بن سعد فاظهر، فانها دلت على انه لو لم يحضره أحد من المساكين وقت الحصاد فلا شئ عليه والفرض الواجب اخراجه لا يتفاوت بين حضور مستحقه ولا غيبته. وبذلك يظهر لك مافى كلام الفاضل المتقدم ذكره حيث انه مال إلى الوجوب استنادا إلى ظاهر الآية، ولا ريب ان الآية مخصصة بالاخبار المذكورة كما هو القاعدة الجارية في غير موضع من الاحكام. ولا بأس بنقل بعض الاخبار المتعلقة بهذه المسألة، روى ثقة الاسلام (قدس سره) في الحسن عن ابى بصير المرادي عن ابي عبد الله عليه السلام (1) قال: " لا تصرم بالليل ولا تحصد بالليل ولاتضح بالليل ولا تبذر بالليل فانك ان فعلت ذلك لم يأتك القانع والمعتر. فقلت وما القانع والمعتر ؟ قال القانع الذى يقنع بما اعطيته والمعتر الذى يمر بك فيسألك. وان حصدت بالليل لم يأتك السؤال وهو قول الله عزوجل: " وآتوا حقه يوم حصاده " عند الحصاد يعنى القبضة بعد القبضة إذا حصدته وإذا خرج فالحفنة بعد الحفنة، وكذلك عند الصرام وكذلك عند البذر، ولا تبذر بالليل لانك تعطى من البذر كما تعطى في الحصاد ". وعن ابن ابى نصر في الصحيح عن ابى الحسن عليه السلام (2) قال: " سألته عن


(1) الوسائل الباب 14 من الزكاة الغلات (2) الوسائل الباب 16 من زكاة الغلات


[ 15 ]

قول الله عزوجل: " وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا " قال كان ابى يقول من الاسراف في الحصاد والجذاذ ان يصدق الرجل بكفيه جميعا، وكان ابى إذا حضر شيئا من هذا فرأى أحدا من غلمانه يتصدق بكفيه صاح به اعط بيد واحدة القبضة بعد القبضة والضغث بعد الضغث من السنبل ". ومن ما يدخل في سلك هذه النظام ما رواه في الكافي عن يونس أو غيره عن من ذكره من ابى عبد الله عليه الله السلام قال: " قلت جعلت فداك بلغني انك كنت تفعل في غلة عين زياد شيئا وأنا أحب أن اسمعه منك قال فقال لى نعم كنت آمر إذا أدركت الثمرة ان يثلم في حيطانها الثلم ليدخل الناس ويأكلوا، وكنت آمر في كل يوم أن يوضع عشر بنيات يقعد على كل بنية عشرة كلما أكل عشرة جاء عشرة اخرى يلقى لكل نفس منهم مد من رطب، وكنت آمر لجيران الضيعة كلهم الشيخ والعجوز والمريض والصبى والمرأة ومن لا يقدر ان يجئ فيأكل منها لكل انسان منهم مدا فإذا كان الجذاذ أوفيت القوام والوكلا والرجال اجرتهم واحمل الباقي إلى المدينة ففرقت في أهل البيوتات والمستحقين الراحلتين والثلاثة والاقل والاكثر على قدر استحقاقهم، وحصل لى بعد ذلك أربعمائة دينار وكان غلتها أربعة آلاف دينار ". الفصل

السابع - الظاهر انه لا يجب في المال حق زيادة على الزكاة والخمس اتفاقا وما تقدم من حق الحصاد على القول به. الا ان الصدوق قال في الفقيه قال الله تعالى: " والذين في اموالهم حق معلوم للسائل والمحروم " (2) فالحق المعلوم غير الزكاة وهو شئ يفرضه الرجل على نفسه انه في ماله ونفسه ويجب ان يفرضه على قدر طاقته ووسعه. وربما ظهر من هذه العبارة الوجوب. ويؤيده ما رواه في الكافي في الموثق عن سماعة بن مهران عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " ان الله عزوجل فرض للفقراء في اموال الاغنياء فريضة لا يحمدون


(1) الوسائل الباب 18 من زكاة الغلات (2) سورة المعارج الآية 24 و 25. (3) الوسائل الباب 4 و 7 من ما تجب فيه الزكاة


[ 16 ]

إلا بادائها وهى الزكاة، بها حقنوا دماءهم وبها سموا مسلمين، ولكن الله عزو جل فرض في اموال الاغنياء حقوقا غير الزكاة فقال عزوجل: " وفى اموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) فالحق المعلوم غير الزكاة وهو شئ يفرضه الرجل على نفسه في ماله يجب عليه ان يفرضه على قدر طاقته وسعة ماله فيؤدى الذى فرض على نفسه ان شاء في كل يوم وان شاء في كل جمعة وان شاء في كل شهر.. الحديث ". وفى الصحيح أو الحسن عن ابى بصير (1) قال: " كنا عند ابى عبد الله عليه السلام ومعنا بعض اصحاب الاموال فذكروا الزكاة فقال أبو عبد الله عليه السلام ان الزكاة ليس يحمد بها صاحبها وانما هو شئ ظاهر انما حقن بها دمه وسمى بها مسلما ولو لم يؤدها لم تقبل له صلاة، وان عليكم في اموالكم غير الزكاة. فقلت اصلحك الله تعالى وما علينا في اموالنا غير الزكاة ؟ فقال سبحان الله أما تسمع الله عزوجل يقول في كتابه " والذين في اموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ؟ " قال قلت فماذا الحق المعلوم الذى علينا ؟ قال هو الشئ يعلمه الرجل في ماله يعطيه في اليوم أو في الجمعة أو في الشهر قل أو كثر غير انه يدوم عليه ". وعن عامر بن جذاعة (3) قال: " جاء رجل إلى ابى عبد الله عليه السلام فقال يا أبا عبد الله قرض إلى ميسرة فقال له أبو عبد الله عليه السلام إلى غلة تدرك ؟ فقال الرجل لا والله. قال فالى تجارة تؤوت ؟ قال لا والله. قال فالى عقدة تباع ؟ قال لا والله. فقال أبو عبد الله عليه السلام فانت ممن جعل الله له في أموالنا حقا ثم دعا بكيس فيه دراهم فادخل يده فيه فناوله منه قبضة ثم قال له اتق الله تعالى ولا تسرف ولا تقتر ولكن بين ذلك قواما.. الحديث ". إلا انه قدر روى في الكافي ايضا عن القاسم بن عبد الرحمان الانصاري (4) قال: " سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول ان رجلا جاء إلى على بن الحسين عليه السلام فقال له


(1) و (3) و (4) الوسائل الباب 7 من ما تجب فيه الزكاة (2) سورة المعارج الآية 24 و 25.


[ 17 ]

اخبرني عن قول الله عزوجل: " والذين في اموالهم حق معلوم للسائل والمحروم " ما هذا الحق المعلوم ؟ فقال له على بن الحسين عليه السلام الحق المعلوم الشئ تخرجه من مالك ليس من الزكاة ولامن الصدقة المفروضتين. فقال إذا لم يكن من الزكاة ولا من الصدقة فما هو ؟ قال هو الشئ يخرجه الرجل من ماله ان شاء اكثر وان شاء أقل على قدر ما يملك. فقال له الرجل فما يصنع به ؟ قال يصل به رحما ويقوى به ضعيفا ويحمل به كلا ويصل به أخا له في الله أو لنائبة تنوبه. فقال الرجل الله أعلم حيث يجعل رسالته ". والخبر كما ترى ظاهر في الاستحباب ووجه الجمع بينه وبين ما تقدمه حمل الاخبار المتقدمة الثلاثة على تأكد الاستحباب ومثله في الاخبار غير عزيز، ويؤيده بعض الاخبار الدالة على انه إذا أدى العبد زكاة ماله لم يسأله الله تعالى عما سواها. ثم انه ينبغى ان يعلم انه لما كانت الزكاة منها ما يتعلق بالمال في جميع الاعوام على الشروط الآتية في المقام، ومنها ما يتعلق بالفطر من الصيام على الوجوه المذكورة في اخبارهم (عليهم السلام) فالكلام فيها يقع في بابين. الباب الاول - في الزكاة المتعلقة بالمال، ثم ان زكاة المال لما كان وجوبها مخصوصا ببعض المكلفين دون بعض وفى بعض الاموال دون بعض ومصرفها مقصورا على مصارف مخصوصة فالكلام في هذا الباب يفع في مقاصد ثلاثة:

المقصد الأول:

في من تجب عليه وهو البالغ العاقل الحر المالك للنصاب المتمكن من التصرف فيه، فههنا شروط خمسة: الشرط الاول والثانى - البلوغ والعقل، فاما اشتراطهما بالنسبة إلى النقدين فالظاهر انه لا خلاف فيه، ويدل عليه حديث رفع القلم عن الصبى حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق (1) وقد ورد في جملة من الاخبار الصحاح الصراح انه ليس في مال اليتيم زكاة (2) وفى بعضها ليس في العين والصامت شئ (3) وفى صحيحة


(1) الوسائل الباب 4 من مقدمة العبادات وسنن ابى داود ج 4 ص 141 حد الزنا (2) الوسائل الباب 1 و 2 ممن تجب عليه الزكاة (3) التهذيب ج 1 و 2 ص 356 وفى الوسائل الباب 1 ممن تجب عليه الزكاة.


[ 18 ]

عبد الرحمان بن الحجاج أو حسنته (1) في مال المجنون " ان كان عمل به فعليه زكاة وان لم يعمل به فلا " ونحوها أخبار اخر. انما الخلاف بالنسبة إلى الغلات والمواشى، فالمشهور بين المتأخرين عدم الوجوب، وأوجب الشيخان وابو الصلاح وابن البراج الزكاة في غلات الاطفال والمجانين ومواشيهم، وقال السيد المرتضى في المسائل الناصرية: الصحيح عندنا انه لا زكاة في مال الصبى من العين والورق وأما الزرع والضرع فقد ذهب اكثر اصحابنا (رضوان الله عليهم) إلى ان الامام يأخذ منه الصدقة. وهو مؤذن بشهرة القول بذلك بين المتقدمين ويدل على الاول موثقة ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " سمعته يقول ليس في مال اليتيم زكاة وليس عليه صلاة وليس على جميع غلاته من نخل أو زرع أو غلة زكاة، وان بلغ فليس عليه لما مضى زكاة ولا عليه لما يستقبل حتى يدرك فإذا ادرك كانت عليه زكاة واحدة وكان عليه مثل ما على غيره من الناس " وأجاب الشيخ عن هذا الخبر بالبعد. ويدل على القول الثاني صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم عن ابى جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام) (3) انهما قالا " مال اليتيم ليس عليه في العين والصامت شئ فاما الغلات فان عليها الصدقة واجبة " وأجاب عنها جملة من المتأخرين بالحمل على الاستحباب، وايده بعضهم بان لفظ الوجوب في الاخبار أعم من المعنى المصطلح فانه كثيرا ما يرد بمعنى مجرد الثبوت أو تأكد الاستحباب، فيجب فيه حمل هذه الصحيحة على تأكد الاستحباب أو ثبوته جمعا بين الادلة. أقول: فيه (أولا) ان ما ذكروه من أن لفظ الوجوب في الاخبار أعم من


(1) الوسائل الباب 3 ممن تجب عليه الزكاة. (2) و (3) التهذيب ج 1 ص 356 وفي الوسائل الباب 1 ممن تجب عليه الزكاة.


[ 19 ]

المعنيين المذكورين متجه، إلا انه متى كان الامر كذلك فانه يصير لفظ الوجوب في الاخبار من قبيل اللفظ المشترك الذى لا يحمل على أحد معنييه الا مع القرينة، ومجرد اختلاف الاخبار ووجود هذه الرواية في مقابلة هذه الصحيحة لا يكون قرينة على الاستحباب. وبالجملة فان الجمع المذكور غير تام وان اشتهر بينهم الجمع بين الاخبار بذلك في كل موضع وانه قاعدة كلية في جميع ابواب الفقه في مقام اختلاف الاخبار الا انه لادليل عليه. وايضا فانه متى قيل بالاستحباب وجواز. التصرف في مال اليتيم فالقول بالوجوب وقوفا على ظاهر الصحيحة المذكورة احوط وأولى كما لا يخفى. وثانيا - ان الاظهر هو حمل الصحيحة المذكورة على التقية فان الوجوب مذهب الجمهور كما نقله العلامة في المنتهى حيث قال: واختلف علمائنا في وجوب الزكاة في غلات الاطفال والمجانين فاثبته الشيخان واتباعهما وبه قال فقهاء الجمهور ونقلوه ايضا عن على والحسن بن على (عليهما السلام) وجابر بن زيد وابن سيرين وعطاء ومجاهد واسحاق وابى ثور (1) انتهى. أقول: ومن ما يؤيد القول الاول اطلاق جملة من الاخبار بانه ليس في مال اليتيم زكاة، وظاهر قوله عزوجل: " خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " (2) وهو كناية عن ما يوجب محو الذنوب والاثام وهذا انما يترتب على البالغ ومنه يظهر قوة القول المشهور. وأنت خبير بان ظاهر الصحيحة التى هي مستند الشيخين واتباعهما انما دل على الغلات خاصة واما المواشى فلا دلالة فيه عليها وليس غير ذلك في الباب،


(1) المغنى ج 2 ص 602 وحكى فيه ايضا عن الحسن وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وابى وائل والنخعي وابى حنيفة القول بعدم وجوب الزكاة في اموالهما كما حكى عن ابن مسعود والثوري والاوزاعي انها تجب ولا تخرج حتى يبلغ الصبى ويفيق المعتوه (2) سورة التوبة الاية 103


[ 20 ]

ومورد النص المذكور انما هو اليتيم وأما المجنون فلا نص فيه مع ان المنقول عنهم القول بالوجوب في الموضعين، ومنه يظهر ان حكم المتأخرين بالاستحباب في الموضعين المذكورين للتفصى من خلاف الشيخين لا معنى له، فان الاستحباب حكم شرعى كالوجوب والتحريم يتوقف على الدليل ومجرد وجود الخلاف ولا سيما اذالم يكن عن دليل لا يصلح لان يكون مستندا، وكذا حكمهم بالاستحباب في غلات اليتيم، ومتى حملنا الصحيحة المذكورة على التقية كما هو الظاهر فانه لا وجه للاستحباب حينئذ وينبغى التنبيه على امور: الاول - ان ظاهر كلام جملة من المتأخرين بالنسبة إلى شرط الكمال الذى هو عبارة عن البلوغ والعقل اعتبار استمرار الشرط المذكور طول الحول ليترتب عليه بعد ذلك الخطاب بوجوب الزكاة بمعنى انه يستأنف الحول من حين البلوغ. وناقش في ذلك بعض افاضل متأخرى المتأخرين قائلا ان اثبات ذلك بحسب الدليل لا يخلو من اشكال، إذ المستفاد من الادلة عدم وجوب الزكاة ما لم يبلغ وهو غير مستلزم لعدم الوجوب حين البلوغ بسبب الحول السابق بعضه عليه إذ لا يستفاد من أدلة اشتراط الحول كونه في زمان التكليف.

اقول: فيه (اولا) ان ظاهر قوله (عليه السلام) في موثقة ابى بصير المتقدمة (وان بلغ فليس عليه لما مضى زكاة) هو انه غير مخاطب بالزكاة بالنسبة إلى الاموال التى ملكها قبل البلوغ أعم من أن يكون قد حال عليها أحوال عديدة أو مضى عليها حول إلا أياما قلائل، فان لفظ (ما مضى) شامل للجميع وانه لا يتعلق بما كان كذلك زكاة، والظاهر ان هذا هو الذي فهمه الاصحاب وعليه بنى ما ذكروه من الحكم المذكور. وأما قوله في الخبر (ولا عليه لما يستقبل زكاة حتى يدرك) فان جعل معطوفا على الجزاء كما هو الظاهر فلا بد من حمل الادراك على غير معنى البلوغ لينتظم الكلام لان الشرط المرتب عليه الكلام أولا هو البلوغ فلا معنى لجعله هنا غاية، بل يكون المعنى انه إذا بلغ فليس عليه زكاة لما يستقبل في تلك الاموال التى ملكها أولا حتى يدرك الحول


[ 21 ]

فإذا أدرك الحول كانت عليه زكاة باعتبار مضى الحول عليه كذلك، وان جعل جملة مستقلة مع بعده يكون المعنى انه ليس عليه لما يستقبل من الزمان زكاة متى حال الحول عليه حتى يحول عليه وهو مدرك بالغ فإذا حال عليه وهو كذلك وجبت زكاة واحدة. و (ثانيا) ان ما ذكره من ان أدلة الحول لا يستفاد منها اشتراط كون الحول في زمن التكليف ان اريد به أنه لم يصرح بذلك فيها فهو مسلم لكن المفهوم من جملة منها ذلك، فانه يستفاد منها صريحا في بعض وظاهرا في آخر انه لابد في وجوب الزكاة على المكلف أن يحول الحول على النصاب عنده وفى يده كما في روايات الدين وروايات المال الغائب (1) والمتبادر من كونه عنده وفى يده هو التصرف فيه كيف شاء وهو المشار إليه في تلك الشروط بامكان التصرف، ولاريب ان المال بالنسبة إلى الطفل محجور عليه ليس عنده ولا في يده. وبالجملة فان قيد امكان التصرف المشترط في وجوب الزكاة وانه لابد أن يحول عليه الحول متمكنا من التصرف من ما ينفى وجوب الزكاة في الصورة المفروضة على الطفل حتى يبلغ ويحول عليه الحول في يده. الثاني - لا ريب ان الذى اشتملت عليه روايات المسألة كما سمعت من ما نقلناه منها وكذا ما لم ننقله إنما هو التعبير بالتيمم وهو لغة وشرعا من لااب له، والا صحاب هنا كملا من غير خلاف يعرف أرادوا به المتولد حيا ما لم يبلغ وان كان بين ابويه، واكثرهم إنما يعبر بالصبى، وخصوصية اليتم غير مرادة في كلامهم والظاهر ان التعبير بهذه العبارة في الاخبار خرج مخرج الغالب من عدم الملك للطفل إلامن جهة موت الاب. وبالجملة فانه لا اشكال في ارادة المعنى الاعم، لان المفهوم من الاخبار ان هذه العبارة وقعت في مقابلة البلوغ، ويؤيده التعبير في بعض اخبار التجارة بغير هذه العبارة من ما يحمل على المعنى الاعم.

الثالث - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) باستحباب الزكاة في مال


(1) الوسائل الباب 6 ممن تجب عليه الزكاة


[ 22 ]

اليتيم والمجنون إذا اتجر به الولى لهما، وظاهر الشيخ المفيد في المقنعة الوجوب إلا ان الشيخ في التهذيب حمل كلامه على الاستحباب محتجا بان المال لو كان لبالغ واتجر به لما وجبت فيه الزكاة فالطفل أولى. ونقل عن ابن ادريس نفى الوجوب والاستحباب، واليه مال السيد السند في المدارك. حجة القول المشهور على عدم الوجوب الاخبار الآتية في زكاة التجارة المؤيدة بالاصل، وعلى الاستحباب اخبار عديدة: منها - حسنة محمد بن مسلم (1) قال: " قلت لا بى عبد الله (عليه السلام) هل على مال اليتيم زكاة ؟ قال لا إلا ان يتجر به أو يعمل به ". وما رواه في الكافي عن سعيد السمان (2) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول ليس في مال اليتيم زكاة إلا أن يتجر به فان اتجر به فالربح لليتيم وان وضع فعلى الذى يتجر به ". وما رواه في الموثق عن يونس بن يعقوب (3) قال: " أرسلت إلى ابى عبد الله (عليه السلام) ان لى اخوة صغارا " فمتى تجب على اموالهم الزكاة ؟ فقال إذا وجبت عليهم الصلاة وجبت عليهم الزكاة. قلت فما لم تجب عليهم الصلاة ؟ قال إذا اتجر به فزكه ". وما رواه في التهذيب عن احمد بن عمر ابى شعبة عن ابيه عن ابى عبد الله عليه السلام (4) " انه سئل عن ما اليتيم فقال لا زكاة عليه إلا أن يعمل به ". وما رواه عن محمد بن الفضيل (5) قال: " سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن صبية صغار لهم مال بيد ابيهم أواخيهم هل يجب على مالهم الزكاة ؟ فقال لا يجب في مالهم زكاة حتى يعمل به فإذا عمل به وجبت الزكاة فاما إذا كان موقوفا فلا زكاة عليه " ويدل على ذلك بالنسبة إلى المجنون ما رواه الكليني في الصحيح عن


(1) و (2) و (5) الوسائل الباب 2 ممن تجب عليه الزكاة (3) و (4) الوسائل الباب 1 ممن تجب عليه الزكاة


[ 23 ]

عبد الرحمان بن الحجاج (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) امرأة من أهلنا مختطة أعليها زكاة ؟ فقال ان كان عمل به فعليها زكاة وان لم يعمل به فلا ". وعن موسى بن بكر (2) قال: " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن امرأة مصابة ولها مال في يد أخيها فهل عليه زكاة ؟ فقال ان كان اخوها يتجر به فعليه زكاة ". وأنت خبير بان ظاهر هذه الاخبار هو الوجوب كما نقل عن الشيخ المفيد ولكن الشيخ ومن تبعه من الاصحاب كما هو المشهور لما اتفقوا على الاستحباب في مال التجارة وهذه المسألة من افراد تلك المسألة حكموا بالاستحباب هنا، وسياتى في زكاة التجارة مافى المسألة من الاشكال. وقال بعض المحققين من متأخرى المتأخرين: والظاهر ان للولى الاجرة في الصورة المذكورة ان لم يتبرع وله المضاربة ايضا وكل ذلك مع المصلحة. ولا اشكال في صحة ما ذكره (قدس سره) ويدل عليه رواية ابى الربيع (3) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون في يده مال لاخ له يتيم وهو وصيه أيصلح له أن يعمل به ؟ قال نعم كما يعمل بمال غيره والربح بينهما. قال قلت فهل عليه ضمان ؟ قال لا إذا كان ناظرا له ". ونقل عن ابن ادريس ان أنكر جواز أخذ الولى من الربح شيئا في هذه الصورة. وهو اجتهاد في مقابلة النص لكنه بناء على أصله الغير الاصيل صحيح. وأما القول الآخر وهو ما ذهب إليه ابن ادريس من نفى الزكاة وجوبا واستحبابا فاحتج عليه بان الروايات الواردة بالاستحباب ضعيفة شاذة أوردها الشيخ في كتبه ايرادا لا اعتقادا.


(1) و (2) الوسائل الباب 3 ممن تجب عليه الزكاة (3) الوسائل الباب 2 ممن تجب عليه الزكاة


[ 24 ]

قال في المدارك: وهذا القول جيد على اصله بل لا يبعد المصير إليه لان ما استدل به على الاستحباب غير نقى الا سناد بل ولا واضح الدلالة ايضا. انتهى. وفيه نظر: أما ما طعن به من ضعف اسناد هذه الاخبار فمنها حسنة محمد بن مسلم وحسنها انما هو بابراهيم بن هاشم الذى اتفق أصحاب هذا الاصطلاح على قبول روايته وانها لا تقصر عن الصحيح بل عدها في الصحيح جملة من محققى متأخرى المتأخرين، وهو ايضا قد عدها في الصحيح في مواضع اشرنا إلى جملة منها في كتاب الطهارة والصلاة، ومنها موثقة يونس بن يعقوب التى ذكرها ايضا وقد تقدم في غير موضع من شرحه عمله بالموثقات المعتضدة بالشهرة بين الاصحاب، ومنها ايضا زيادة على ما ذكره صحيحة زرارة المروية في الفقيه عن ابى جعفر عليه السلام (1) قال " ليس في الجوهر واشباهه زكاة وان كثر وليس في نقر الفضة زكاة ولا على مال اليتيم زكاة إلا أن يتجر به فان اتجر به ففيه الزكاة، والربح لليتيم وعلى التاجر ضمان المال " ومن ما يعضدها ما ورد في مال المجنون من الاخبار المتقدمة ورواية موسى بن بكر. وأما ما طعن به من عدم وضوح الدلالة فهو محل العجب فان وضوحها في الدلالة على ذلك أوضح من أن ينكر وصراحة مقالاتها في ما هنالك ظاهر لذوى النظر. وبالجملة فان رد هذه الاخبار التى ذكرناها من غير معارض في المقام يحتاج إلى مزيد جرأة على الملك العلام وأهل الذكر (عليهم السلام) وهذا أحد مفاسد هذا الاصطلاح الذى هو إلى الفساد أقرب من الصلاح، ولهذا ان الفاضل الخراساني مع اقتفائه أثر السيد المذكور في جل الاحكام والانتصار لمقالاته في غير مقام نكص عنه هنا حيث قال بعد نقل جل هذه الاخبار ما صورته: وهذه الاخبار


(1) الوسائل الباب 12 من ما تجب فيه الزكاة و 2 ممن تجب عليه الزكاة


[ 25 ]

واضحة الدلالة على المدعى مع كون اكثرها معتبرا صالحا للحجية واعتضادها بالشهرة بين الطائفة وعدم خلاف محقق، فلا وجه لتوقف بعض المتأخرين في الحكم المذكور نظرا إلى ان ما استدل به على الاستحباب غير نقى السند ولا واضح الدلالة ايضا. انتهى وبالجملة فان كلامه (قدس سره) هنا لا يخلو من مجازفة. نعم في المسألة اشكال يأتي ذكره في زكاة التجارة ان شاء الله تعالى.

الرابع - انهم صرحوا بانه يجوز للناظر متى كان وليا مليا أن ينقل المال إلى ذمته ويتجر به لنفسه فيكون الربح له والزكاة عليه. ويدل عليه ما رواه الشيخ عن ربعى بن عبد الله عن ابى عبد الله عليه السلام (1) " في رجل عنده مال ليتيم ؟ فقال ان كان محتاجا وليس له مال فلا يمس ماله وان هو اتجر به فالربح لليتيم وهو ضامن ". وما رواه عن اسباط بن سالم عن ابيه (2) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام قلت أخى أمرنى أن اسألك عن مال يتيم في حجره يتجر به ؟ فقال ان كان لاخيك ما يحيط بمال اليتيم ان تلف أو أصابه شئ غرمه وإلا فلا يتعرض لمال اليتيم ". واستثنى الاصحاب من غير خلاف يعرف من الولى الذى يشترط في جواز تصرفه الملاءة ان لا يكون أبا أو جدا فجوزوا لهما الاقتراض من مال الطفل مطلقا واستشكله السيد في المدارك، والظاهر ان ما ذكره الاصحاب هو الاقرب ولاسيما مع اشتراط الضمان لما استفاض في الاخبار ان الولد وماله لابيه (3). ولو اختل أحد الشرطين المتقدمين من الولاية والملاءة فقد ذكروا انه يكون ضامنا والربح لليتيم أو المجنون، وتدل عليه صحيحة ربعى المتقدمة.


(1) و (2) الوسائل الباب 75 من ما يكتسب به. والراوي في الحديث (2) اسباط بن سالم كما في الفروع ج 1 ص 365، وفى التهذيب ج 6 ص 341 الطبع الحديث عن الكليني الراوى اساط بن سالم عن ابيه كما هنا. (2) الوسائل الباب 78 من ما يكتسب به


[ 26 ]

ومثلها رواية منصور الصيقل عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " سألته عن مال اليتيم يعمل به ؟ قال فقال إذا كان عندك مال وضمنته فلك الربح وأنت ضامن للمال وان كان لا مال لك وعملت به فالربح للغلام وأنت ضامن للمال ". وأنت خبير بان ما اشتمل عليه الخبران من الضمان فلا إشكال فيه، لان التصرف على هذا الوجه منهى عنه شرعا فيكون المتصرف غاصبا عاصيا والغصب يستلزم الضمان، وانما الاشكال في ما دلا عليه من أن الربح لليتيم مطلقا فانه على اطلاقه مخالف لجملة من القواعد الشرعية والضوابط المرعية، بل لابد في صحة إنتقاله لليتيم أن يقيد بكون الشراء وقع بعين المال لافى الذمة فانه متى كان بعين المال اقتضى انتقال المبيع إلى الطفل والربح يتبعه، ولابد ايضا من تقييده بما إذا كان المشترى وليا أو باجازة الولى كما صرح به الشهيد وغيره وإلا كان باطلا لانه تصرف منهى عنه شرعا، بل لا يبعد كما ذكره السيد السند في المدارك توقف الشراء وان كان من الولى أو باجازته على الاجازة من الطفل بعد البلوغ، لان الشراء لم يقع بقصد الطفل ابتداء وانما أوقعه المتصرف لنفسه فلا ينصرف إلى الطفل بدون الاجازة، قال: ومع ذلك كله يمكن المناقشة في صحة مثل هذا العقد وان قلنا بصحة العقد الواقع من الفضولي مع الاجازة لانه لم يقع للطفل ابتداء من غير من إليه النظر في ماله وانما وقع بقصد التصرف ابتداء على وجه منهى عنه. انتهى وظاهر الخبرين المتقدمين كما ترى الحكم بانتقال الربح لليتيم مطلقا. وبالجملة فان الخروج عن متقضى هذه القواعد إلى العمل باطلاق الخبرين مشكل ومخالفته اشكل

الخامس - انه قد اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في استحباب الزكاة في الصورة المتقدمة، فذهب المحقق والعلامة إلى نفيه، واحتج عليه في النهاية بانه تجارة باطلة، وبما رواه سماعة في الموثق عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " قلت له الرجل يكون عنده مال اليتيم فيتجر به أيضمنه ؟ قال نعم. قلت فعليه زكاة ؟


(1) و (2) الوسائل الباب 2 ممن تجب عليه الزكاة


[ 27 ]

قال: لا لعمري لا أجمع عليه خصلتين الضمان والزكاة " وأثبته الشيخ والشهيدان والمحقق الشيخ على لعموم الادلة السابقة. قال بعض فضلاء متأخرى المتأخرين: ويمكن الجمع بين هذه الرواية والعمومات السابقة إما بتخصيص الاخبار السابقة بصورة يكون الاتجار لليتيم وتخصيص هذه بغيرها وإما بحمل هذه الرواية على نفى الوجوب أو الاستحباب المؤكد. انتهى. اقول: الظاهر هو الاول والحمل الثاني بعيد غاية البعد، وذلك فان صحيحة ربعى المتقدمة ومثلها رواية منصور الصيقل قد دلتا على ان الربح لليتيم ومن الظاهر ان الربح تابع للاصل، ومتى كان أصل المبيع لليتيم وربحه له فلا وجه لجعل الزكاة على المتصرف في مال اليتيم، هذا ان عملنا على اطلاق الخبرين المذكورين، وان خصصناهما كما تقدم يرجع الكلام إلى صورة ما إذا اشترى في الذمة حيث ان المبيع ينتقل له والربح له وان كان تصرفه في الثمن محرما، وفى دخول هذه الصورة تحت تلك العمومات نظر لان ظاهر قولهم (عليهم السلام) " ليس في مال اليتيم زكاة إلا أن يتجر به " لا يصدق على هذه الفروض التي اشتراها في الذمة فانها ليست مال اليتيم وانما هي مال المشترى. وبالجملة فان الاتجار بمال اليتيم انما يصدق في ما إذا اشترى لليتيم بعين ماله أوشرى في الذمة نيابة وولاية عنه ودفع الثمن من ماله ما عدا ذلك فلا يدخل تحت عمومات تلك الاخبار إلا على وجه المجاز البعيد.

السادس - ما تقدم من الحكم بسقوط الزكاة عن المجنون من ما لا اشكال فيه لو كان الجنون مطبقا اما لو اعتراه أدوارا فهل يكون حكمه كذلك أو يتعلق به الوجوب في حال الافاقة ؟ صرح العلامة في التذكرة والنهاية بالاول، قال في التذكرة: لو كان الجنون يعتوره ادوارا اشترط الكمال طول الحول فلوجن في اثنائه سقط واستأنف من حين عوده. واستقرب في المدارك تعلق الوجوب به في حال الافاقة، قال إذ لا مانع من توجه الخطاب إليه في تلك الحال. والمسألة


[ 28 ]

محل اشكال وان كان الاقرب ما ذكره العلامة (قدس سره) لما قدمناه قريبا من أن المستفاد من أدلة الحول الدالة على انه يشترط أن يحول عليه الحول عند ربه وفى يد مالكه كما سيأتي ان شاء الله تعالى في موضعها هو امكان التصرف مدة الحول وفي أي وقت شاء، وهذا لا يجرى في ذى الادوار لانه في حال الجنون يخرج عن مصداق هذه الاخبار كما لا يخفى على الناظر بعين التفكر والاعتبار.

الشرط الثالث - الحرية ولا خلاف بين الاصحاب في ذلك مع القول بعدم ملكه، بل الظاهر انه لا وجه لهذا الشرط على هذا التقدير لان اشتراط الملك يقوم مقامه، انما الخلاف على تقدير ملكه كما هو الاصح وعليه دلت جملة من الاخبار وبه صرح جملة من الاصحاب من ملكه ارش الجناية وفاضل الضريبة وما وهبه سيده، والمشهور عدم الوجوب وقيل بالوجوب ونقل عن المعتبر والمنتهى والمعتمد الاول لصحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " ليس في مال المملوك شئ ولو كان له الف الف ولو احتاج لم يعط من الزكاة شيئا " وصحيحته الاخرى عنه عليه السلام (2) قال: " سأله رجل وانا حاضر عن مال الملوك أعليه زكاة ؟ فقال لا ولو كان له الف الف درهم، ولو احتاج لم يكن له من الزكاة شئ ". وموثقة اسحاق بن عمار (3) قال " قلت لابي عبد الله عليه السلام ما تقول في رجل يهب لعبده الف درهم أو أقل أو أكثر.. إلى ان قال قلت: فعلى العبد ان يزكيها إذا حال عليه الحول ؟ قال لا إلا أن يعمل له فيها، ولا يعطى العبد من الزكاة شيئا ". قيل: ان عدم الزكاة عليه في هذه الاخبار إنما هو من حيث حجر المولى عليه فلو صرفه واذن له وازال عنه الحجر وجب عليه، وهو غير بعيد لما رواه في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن على بن جعفر عن اخيه موسى عليه السلام (4) قال: " ليس على المملوك زكاة إلا باذن مواليه ".


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 4 ممن تجب عليه الزكاة


[ 29 ]

وحمل في الوسائل هذه الرواية على الاستحباب، والظاهر ان الموجب لهذا الحمل انما هو عدم وجود القائل بمضمونها مع انك قد عرفت القول بوجوب الزكاة على العبد مطلقا "، وهو جيد لولا ورود هذه الاخبار التى ذكرناها عملا بعموم الاخبار الدالة على وجوب الزكاة على من ملك النصاب (1) وحينئد فيمكن تخصيص هذه الاخبار الدالة على عدم وجوب الزكاة على العبد في ما يملكه بهذه الرواية فان ظاهرها الوجوب مع اذن السيد، وكيف كان فلا ريب انه الاحوط. ثم لا يخفى ان ظاهر الاخبار المذكورة هو سقوط الزكاة عن المملوك مطلقا " مكاتبا كان أوغير مكاتب، نعم يخرج منه المكاتب المطلق إذا تحرر منه شئ وبلغ نصيب جزئه الحر نصابا لدخوله تحت العمومات الدالة على من ملك النصاب مع شرط الحرية، ولولا الاتفاق على الحكم المذكور لامكن المناقشة في دخوله تحت العمومات المذكورة، فان تلك العمومات إنما ينصرف اطلاقها إلى الافراد الشائعة المتكثرة وهى من كان رقا بتمامه لامن تبعض بان صار بعضه رقا وبعضه حرا فانه من الفروض النادرة. وجملة من الاصحاب إنما استدلوا على سقوط الزكاة عن المكاتب برواية وهب بن وهب القرشى عن جعفر عن آبائه عن على (عليهم السلام) (2) قال: " ليس في مال المكاتب زكاة " ورد بضعف السند. والاظهر الاستدلال بما ذكرنا من الاخبار في المقام. قال في المدارك: واما السقوط عن المكاتب المشروط والمطلق الذى لم يؤد شيئا فهو المعروف من مذهب الاصحاب، واستدل عليه في المعتبر بانه ممنوع من التصرف فيه إلا بالاكتساب فلا يكون ملكه تاما، وبما رواه الكليني عن ابى البخترى... ثم أورد الرواية المتقدمة ثم قال: وفى الدليل الاول نظر وفى سند


(1) يستفاد ذلك من أخبار الباب 7 ممن تجب عليه الزكاة من الوسائل. (2) الوسائل الباب 4 ممن تجب عليه الزكاة


[ 30 ]

الرواية ضعف، مع ان مقتضى ما نقلناه عن المعتبر والمنتهى من وجوب الزكاة على المملوك ان قلنا بملكه الوجوب على المكاتب بل هو أولى بالوجوب. انتهى. أقول: ظاهر كلامه انه باعتبار بطلان الاستدلال المذكور لما ذكره من النظر في الدليلين المذكورين فانه يقوى القول بالوجوب لعدم الدليل على السقوط وأيد ذلك بما ذهب إليه في المعتبر والمنتهى من الوجوب على المملوك مطلقا فالكاتب أولى.

وفيه (اولا) ان ما نقله عن الكتابين المذكورين في سابق هذه المقالة قدرده بالاخبار المتقدمة فكيف يعتضد به هنا ؟

و (ثانيا) - ان الاخبار المتقدمة قد دلت على انه ليس في مال المملوك شئ وهو أعم من المكاتب وغيره، وهى صحيحة صريحة شاملة بعمومها لما نحن فيه فهى الدليل على السقوط عن المكاتب، نعم يخرج منه من تحرر بعضه بما يوجب بلوغ نصيب الحرية نصابا لما ذكره من الادلة المشار إليها ويبقى الباقي.

و (ثالثا) - انه كيف يكون المكاتب أولى بالوجوب وأصل القول لادليل عليه بل الدليل كما عرفت قائم على خلافه فاى معنى لهذه الاولوية. نعم لو كان مجرد كلام المعتبر والمنتهى حجة شرعية أو ناشئا عن دليل اتجه القول بالاولوية وان كانت الاحكام الشرعية عندنا لاتبنى على مجرد الاولوية بل على الادلة الواضحة الجلية وبالجملة فان كلامه هنا جار على ما تقدم في غير موضع من الاستعجال وعدم التأمل والتحقيق في ذلك المجال. والله العالم.

الشرط الرابع - الملك للنصاب وعليه اتفاق العلماء كما نقله في المعتبر، ولان الاخبار الدالة على وجوب الزكاة مصرحة بالملك إذ لا يخاطب بزكاة ما لا يملكه.

وقد فرعوا على هذا الشرط فروعا: منها مالو وهب له نصاب لم يجر في الحول إلا بعد القبض، وهو مبنى على ان القبض شرط في صحة الهبة كما هو أحد القولين لافى اللزوم كما هو القول الآخر، فعلى القول الثاني يعتبر حصول القبض في


[ 31 ]

جريان الموهوب في الحول بل المعتبر من حين الهبة التى بها حصل الملك، نعم يخرج هذا بقيد التمكن من التصرف كما سيأتي. ومنها - ما لو استقرض مالا وكانت عينه باقية عند المقترض فانه يجرى في الحول من حين القبض الذى حصل به الملك على المشهور، واما على مذهب الشيخ من أن القرض لا يملك الا بالتصرف فلا يجب فيه شئ وان بقى احوالا، والاخبار صريحة في وجوب الزكاة في مال القرض على المقترض إذا بقى بعينه بعد القرض كما هو المشهور من ملكه بمجرد القبض إلا أن يتبرع المقرض باداء الزكاة عنه كما دلت عليه صحيحة منصور بن حازم عن ابى عبد الله عليه السلام (1) في رجل استقرض مالا فحال عليه الحول وهو عنده ؟ فقال ان كان الذى أقرضه يؤدى زكاته فلا زكاة عليه وان كان لايؤدي ادى المستقرض " واعتبر الشهيد في الاجزاء اذن المستقرض واطلاق الرواية يدفعه. ومنها - المبيع ذو الخيار خيار حيوان أو خيار شرط للبائع أو المشترى، فان المشهور ان المبيع ينتقل إلى المشترى من حين البيع، وحينئذ فيجرى في الحول من ذلك الوقت، ومذهب الشيخ انه لا ينتقل إلا بعد مضى الخيار والحيوان لا ينتقل إلا بعد مضى الثلاثة وذو الشرط حتى ينقضى الشرط، وعلى ذلك فلا يدخل في الحول إلا بعد انقضاء الشرط. وقال ان الخيار إذا اختص بالمشترى ينتقل المبيع من ملك البائع بالعقد ولا يدخل في ملك المشترى، ومقتضى ذلك سقوط الزكاة عن البائع والمشترى جميعا. وسيجئ تحقيق هذه المسألة ان شاء الله تعالى في محلها.

الشرط الخامس - التمكن من التصرف وهو ايضا من مالاخلاف فيه في ما أعلم، فلا تجب الزكاة في المفقود ولا الغائب الذى ليس في يد وكيله ونحو ذلك. ومن ما يدل على ذلك ما رواه في الكافي عن سدير الصير في (2) قال: " قلت


(1) الوسائل الباب 7 ممن تجب عليه الزكاة. (2) الوسائل الباب 5 ممن تجب الزكاة.


[ 32 ]

لابي جعفر عليه الاسلام ما تقول في رجل كان له مال فانطلق به فدفنه في موضع فلما حال عليه الحول ذهب ليخرجه موضعه فاحتفر الموضع الذى ظن ان المال فيه مدفون فلم يصبه فمكث بعد ذلك ثلاث سنين ثم انه احتفر الموضع من جوانبه كله فوقع على المال بعينه كيف يزكيه ؟ قال يزكيه لسنة واحدة لانه كان غائبا وان كان احتبسه ". وموثقة اسحاق بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام (1) " رجل مات ابوه وهو غائب فعزل ميراثه هل عليه زكاة ؟ قال لاحتى يقدم. قلنا يزكيه حين يقدم ؟ قال لا حتى يحول عليه الحول وهو عنده ". وموثقة زرارة عن ابى عبد الله عليه السلام (2) " انه قال في رجل ماله عنه غائب لا يقدر على أخذه ؟ قال فلا زكاة عليه حتى يخرج فإذا خرج زكاه لعام واحد، وان كان يدعه متعمدا وهو يقدر على اخذه فعليه الزكاة لكل ما مر به من السنين " وفى صحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " لا صدقة على الدين ولا على المال الغائب عنك حتى يقع في يدك ". ويدل على ذلك ايضا الاخبار الدالة على ان كل ما لم يحل عليه الحول عند ربه فلا شئ عليه (4) وستأتى في محلها ان شاء الله تعالى. ولا يخفى انه وان كان واحد من هذه الاخبار اخص من المدعى إلا انه بضم بعضها إلى بعض من ما ذكرناه ومن ما لم نذكره ينتج منها الحكم المذكور، فان اكثر القواعد الشرعية انما تحصل من ضم الجزئيات بعضها إلى بعض مثل القواعد النحوية الحاصلة من تتبع الجزئيات.


(1) لم نقف على رواية لاسحاق بهذا اللفظ عن ابى عبد الله (ع) نعم له موثقتان بهذا المضمون عن ابى ابراهيم (ع) راجع الوسائل الباب 5 ممن تجب عليه الزكاة (2) و (3) الوسائل الباب 5 ممن تجب عليه الزكاة (4) الوسائل الباب 8 من زكاة الانعام.


[ 33 ]

بقى الكلام في ان الامر في بعض هذه الاخبار بزكاة المال لسنة واحدة هل هو على الاستحباب أو الوجوب ؟ المشهور الاول بناء على اشتراط امكان التصرف في الوجوب طول الحول كما تضمنته موثقة اسحاق المتقدمة وروايات الحول، وظاهر بعض فضلاء متأخرى المتأخرين الوجوب وحمل مطلق الاخبار على مقيدها. ولا ريب انه الاحوط.

مسائل:

الاولى - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في الدين الذى يقدر صاحبه على أخذه متى شاء لو لم يأخذه هل تجب عليه فيه الزكاة بعد الحول أم لا ؟ قولان اختار أولهما الشيخ في النهاية والجمل والخلاف والمبسوط والشيخ المفيد والسيد المرتضى، وثانيهما ابن ابى عقيل وابن الجنيد وابن ادريس، وهو المشهور بين المتأخرين ومتأخريهم. ومنشأ الاختلاف اختلاف ظواهر الاخبار، ففى الموثق عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " قلت له ليس في الدين زكاة ؟ قال لا ". وفى موثقة اسحاق بن عمار (2) قال: " قلت لابي ابراهيم عليه السلام الدين عليه زكاة ؟ فقال لا حتى يقبضه. قلت فإذا قبضه أيزكيه ؟ قال لا حتى يحول عليه الحول في يده " وموثقة ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " سألته عن رجل يكون نصف ماله عينا ونصفه دينا فتحل عليه الزكاة ؟ قال يزكى العين ويدع الدين. وصحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة قريبا (4) وتؤيده الاخبار الدالة على ان كل ما لا يحول عليه الحول عند ربه فلا شئ عليه (5) هذا ما يدل على المشهور. وأما ما يدل على القول الآخر فموثقة زرارة المتقدمة (6) وقوله فيها:


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 6 ممن تجب عليه الزكاة (5) الوسائل الباب 8 من زكاة الانعام. (4) و (6) ص 32


[ 34 ]

" وان كان يدعه متعمدا وهو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكل ما مر به من السنين " وما رواه في الكافي عن عمر بن يزيد عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " ليس في الدين زكاة إلا أن يكون صاحب الدين هو الذى يؤخره، فإذا كان لا يقدر على أخذه فليس عليه زكاة حتى يقبضه ". وما رواه في التهذيب عن عبد العزيز (2) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون له الدين أيزكيه ؟ قال كل دين يدعه هو إذا أراد أخذه فعليه زكاته، وما كان لا يقدر على أخذه فليس عليه زكاة ". ومن قال بالقول المشهور حمل هذه الاخبار على الاستحباب جمعا بين الاخبار، ومن قال بالقول الآخر حمل مطلق الاخبار على مقيدها، وهو الاظهر فان الجمع بين الاخبار بالحمل على الاسحباب وان اشتهر بين الاصحاب حتى صار هو المعول عليه في جميع الابواب إلا انه لا دليل عليه من سنة ولا كتاب، مع ما في منافرة التفصيل الذى في الروايتين الاخيرتين لذلك. وأما أخبار الحول فهى غير منافية لان المراد بالعندية فيها الكناية عن امكان التصرف سواء كان في يده أو يد وكيله أو نحو ذلك اتفاقا، ولا يخفى انه هو الاوفق بالاحتياط ايضا. والظاهر انه لا خلاف في عدم الوجوب في الدين الذى لا يقدر صاحبه على أخذه، ويدل عليه مضافا إلى روايتي عمر بن يزيد وعبد العزيز المتقدمتين صحيحة ابراهيم بن ابى محمود (3) قال: " قلت لابي الحسن الرضا عليه السلام الرجل يكون له الوديعة والدين فلا يصل اليهما ثم يأخذهما متى تجب عليه الزكاة ؟ قال إذا أخذهما ثم يحول عليه الحول يزكى ". وأما ما رواه في الكافي عن عبد الحميد بن سعد (4) قال: " سألت ابا الحسن عليه السلام عن رجل باع بيعا إلى ثلاث سنين من رجل ملى بحقه وماله في ثقة يزكى ذلك. المال في كل سنة تمر به أو يزكيه إذا أخذه ؟ قال لا بل يزكيه إذا أخذه. قلت لكم


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 6 ممن تجب عليه الزكاة


[ 35 ]

يزكيه إذا أخذه ؟ قال لثلاث سنين " - فحمله جملة من الاصحاب على الاستحباب والاظهر حمله على ما إذا كان تأخير القبض من صاحب المال أو حمله على مال التجارة وعدم الوضيعة عن رأس المال. وكذا ما رواه في الكافي في الموثق عن سماعة قال: " سألته عن الرجل يكون له الدين على الناس تجب فيه الزكاة ؟ قال ليس عليه فيه زكاة حتى يقبضه فإذا قبضه فعليه الزكاة، وان هو طال حبسه على الناس حتى يمر لذلك سنون فليس عليه زكاة حتى يخرج فإذا خرج زكاه لعامه ذلك، وان كان يأخذ منه قليلا قليلا فليزك ما خرج منه اولا فاولا، وان كان متاعه ودينه وماله في تجارته التى يتقلب فيها يوما بيوم يأخذ ويعطى ويبيع ويشترى فهو شبه العين في يده فعليه الزكاة، ولا ينبغى له ان يغير ذلك إذا كان حال متاعه وماله على ما وصفت لك فيؤخر الزكاة " وحملت على الاستحباب ايضا، والظاهر هو الحمل على الوجوب لكن بتقدير حول الحول عليه بعينه. وأما آخر الخبر فالظاهر ان المراد به زكاة التجارة وان كان معناه لا يخلو من نوع غموض. تتمة تتضمن الكلام على كلام بعض الاعلام قال السيد في المدارك بعد اختياره القول المشهور بين المتأخرين: لنا التمسك بمقتضى الاصل والروايات المتضمنة لسقوط الزكاة في مال القرض عن المقرض (2) فانه من انواع الدين. ثم استدل بصحيحة عبد الله بن سنان وموثقة اسحاق بن عمار وموثقة الحلبي، ثم نقل احتجاج الشيخ برواية درست وعبد العزيز (3) وأجاب عنهما بضعف السند، ثم نقل عن العلامة في المختلف حملهما على الاستحباب مع كلام له تأتى الاشارة إليه.


(1) الوسائل الباب 6 ممن تجب عليه الزكاة (2) الوسائل الباب 7 ممن تجب عليه الركاة. (3) ص 34 ورواية درست هي رواية عمر بن يزيد إلا ان الشيخ في التهذيب ج 1 ص 357 لم يذكر عمر بن يزيد


[ 36 ]

    اقول: فيه:

(اولا) ان ما اعتمده من الاصل فانه يجب الخروج عنه بالدليل وقد عرفته وستعرف ما يؤكده.

و (ثانيا) ان ما استند إليه من روايات القرض مردود بان الروايات المذكورة قد دل اكثرها على تعليل وجوب الزكاة على المقترض بانه صار ماله بالقرض وهو ملكه فنسبة المقرض إليه نسبة الأجنبي وما اجمل منها فهو محمول على ذلك، فلا دلالة فيها على ما ادعاه إذ المفهوم منها ان محل السؤال فيها انما هو عن تلك العين التى اقترضها المقترض ومحل البحث انما هو في الدين المستقر في ذمة المستدين مع حلوله عليه وبذله، ولا ريب ان احدى المسألتين غير الاخرى كما لا يخفى على من راجع روايات القرض الآتية في تلك المسألة، ومنها صحيحة زرارة أو حسنته وصحيحة منصور بن حازم الآتيتان (1) وهو انما استند إلى روايات القرض من حيث كونه من انواع الدين والروايات المذكورة لم تتضمن سقوط الزكاة من هذه الحيثية وانما تضمنت السقوط عن تلك العين المخصوصة من حيث انها ليست ملكا للمقرض فلا تعلق له بروايات القرض في هذا المقام.

و (ثالثا) ما اجاب به عن حجة الشيخ بالطعن في السند فانه لا يقوم حجة على الشيخ وأمثالة من المتقدمين الذين لا أثر لهذا الاصطلاح عندهم بل يحكمون بصحة جميع الاخبار، على ان الدليل غير منحصر في هاتين الروايتين: فقد روى الكليني في الكافي في الصحيح عن ابى الصباح الكنانى عن الصادق عليه السلام (2) " في الرجل ينسئ أو يعين فلا يزال ماله دينا كيف يصنع في زكاته ؟ فقال يزكيه ولا يزكى ما عليه من الدين انما الزكاة على صاحب المال " وموثقة زرارة المتقدمة. وقال عليه السلام في كتاب الفقه الرضوي (3): وان غاب مالك عنك فليس عليك


(1) ص 39 و 40 (2) الوسائل الباب 9 ممن تجب عليه الزكاة. (3) مستدرك الوسائل الباب 5 و 6 ممن تجب عليه الزكاة


[ 37 ]

الزكاة إلا ان يرجع اليك ويحول عليه الحول وهو في يدك، إلا أن يكون مالك على رجل متى ما أردت أخذت منه فعليك زكاته. ولا يخفى ان اعتماده في الاستدلال لما ذهب إليه انما هو على اطلاق صحيحة عبد الله بن سنان، حيث ان الموثق عنده من قسم الضعيف وان اغمض النظر عنه في وقت الاحتياج إليه كما هنا، وان ما عارض ذلك من روايتي درست وعبد العزيز في حكم العدم عنده لضعفهما، وحينئذ فمع وجود صحيحة الكنانى المذكورة وموثقة زرارة يضعف ما صار إليه لمعارضة صحيحة عبد الله بن سنان بصحيحة الكنانى وموثقتي اسحاق بن عمار والحلبي بموثقة زرارة مع بقية الاخبار المذكورة، والجمع بين الجميع بتقييد اطلاق تلك الاخبار التى اعتمدها بهذه الاخبار التى ذكرناها مقتضى القاعدة المطردة في كلامهم من حمل المطلق على المقيد والعام على الخاص والمجمل على المبين، على ان الحمل على الاستحباب وان اشتهر بين الاصحاب في جميع الابواب إلا أنه لا دليل عليه من سنة ولا كتاب وان النظر بعين الانصاف والاعتبار يقتضى ضعفه وانه ناقص العيار، وذلك فان الاستحباب حكم شرعى يتوقف على الدليل الواضح كغيره من الوجوب والتحريم ونحوهما اختلاف الاخبار ليس دليلا على ذلك. وايضا فان الحمل على الاستحباب مجاز لا يصار إليه إلا مع القرينة واختلاف الاخبار ليس من قرائن المجاز.

و (رابعا) ان قول العلامة في المختلف في ما نقله السيد عنه واستجوده - من انه يلزم من تقييد الاطلاق في رواية الحلبي تأخير البيان عن وقت الحاجة ممنوع وانما اللازم تأخير البيان عن وقت الخطاب وإلا لزم ذلك في جميع الاخبار المطلقة وبالنسبة إلى الاخبار والمقيدة فلا يمكن تقييدها بها وهم لا يلتزمونه، ووقت الحاجة هنا غير معلوم ولا مدلول عليه بصريح ولا اشارة. نعم ذكر بعض الاصحاب ممن اختار القول بعدم الوجوب ان جمهور العامة على القول بالوجوب في الدين فان ثبت فلا يبعد حمل هذه الاخبار على التقية. إلا


[ 38 ]

ان فيه ايضا ان الاخبار المذكورة دلت على التفصيل في الدين بين ما يمكن أخذه ومالا يمكن اخذه والخلاف المنقول عن العامة كما نقله العلامة في المنتهى في الدين مطلقا، فبعض قال فيه بالوجوب مطلقا ونقله عن الثور وابى ثور وأصحاب الرأى وجابر وطاووس والنخعي والحسن والزهرى وقتادة وحماد والشافعي وأحمد وبعض قال بعدم الوجوب مطلقا ونقله عن عكرمة وعائشة وابن عمر والشافعي في القديم. وأما القول بالتفصيل كما دلت عليه الاخبار فلم ينقل عن أحد منهم (1) وبذلك يظهر ضعف الحمل على التقية كما ذكره البعض المشار إليه. وبالجملة فالظاهر هو قوة القول بالوجوب للاخبار المذكورة ويجب حمل مطلقها على مقيدها. والله العالم.

الثانية - الظاهر انه لا خلاف في عدم الزكاة في الوقف، لانها مشروطة كما تقدم بالملك والوقف غير مملوك للموقف عليه على أحد القولين أو مملوك له ولكنه غير مستقل بالملك لانه حق البطون بعده، ولانه ممنوع من التصرف فيه إلا بالاستنماء. نعم تجب الزكاة في نمائه إذا كان الوقف على شخص معين أو اشخاص مع بلوغ


(1) في المغنى ج 3 ص 46: إذا كان له دين على معترف به باذل له فعلى صاحبه زكاته إلا انه لا يلزمه اخراجها حتى يقبضه فيؤدى لما مضى، روى ذلك عن على (ع) وبه قال للثوري وابو ثور واصحاب الرأى، وقال عثمان وابن عمر وجابر وطاووس والنخعي وجابر بن زيد والحسن وميمون بن مهران والزهري وقتادة وحماد بن ابى سليمان والشافعي واسحاق وابو عبيد: عليه اخراج الزكاة في الحال وان لم يقبضه لانه قادر على أخذه والتصرف فيه فلزمه اخراج زكاته كالوديعه، وقال عكرمة ليس في الدين زكاة وروى ذلك عن عائشة وابن عمر، وقال سعيد بن المسيب وعطاء بن ابى رباح وعطاء الخراساني وابو الزناد: يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة. واما الدين على معسر أو مماطل أو جاحد ففيه روايتان: أحداهما - لا تجب قال به قتادة واسحاق وابو ثور وأهل العراق، والثانية يزكيه إذا قبضه قال به الثوري وابو عبيد، وللشافعي قولان كالروايتين، وعن عمر بن عبد العزيز والحسن والليث والاوزاعي ومالك يزكيه إذا قبضه لعام واحد.


[ 39 ]

حصة كل منهم على تقدير التعدد النصاب، أما لو كان الوقف على جهة عامة كالوقف على المساجد ونحوها فهو في الحقيقة وقف على سائر المسلمين كما صرحوا به ولا زكاة فيه كما لا زكاة في بيت المال من غير خلاف ولا إشكال لان خطابات الزكاة لا عموم فيها بحيث تتعلق بمثل ذلك.

الثالثة - قد صرحوا من غير خلاف يعرف انه لا يشترط في وجوب الزكاة المتكن من الاداء بل تجب عليه وان لم يتمكن من ايصالها إلى مستحقها، ويدل عليه ظواهر جملة من الاخبار مثل قولهم (عليهم السلام) (1) " ايما رجل عنده مال وحال عليه الحول فانه يزكيه " نعم يشترط ذلك في الضمان، والظاهر انه متفق عليه ايضا، ويدل عيه ظواهر جملة من الاخبار الدالة على ان من وجد لها موضعا فلم يدفعها فضاعت فان عليه الضمان ومن لم يجد فليس عليه ضمان (2) وسياتى تحقيق ذلك ان شاء الله تعالى في موضعه اللائق به.

الرابعة - قد تقدم ان الاشهر الاظهر هو ان مال القرض تجب زكاته على المقترض إذا حال الحول عليه عنده. ويدل عليه جملة من الاخبار: منها - صحيحة زرارة أو حسنته على المشهور بابراهيم بن هاشم (3) قال: " قلت لابي جعفر عليه السلام رجل دفع إلى رجل مالا قرضا على من زكاته على المقرض أو على المقترض ؟ قال لا بل زكاتها ان كانت موضوعة عنده حولا على المقترض. قال قلت فليس على المقرض زكاتها ؟ قال لا يزكى المال من وجهين في عام واحد، وليس على الدافع شئ لانه ليس في يده شئ انما المال في يد الآخر فمن كان المال في يده زكاه. قال قلت أفيزكى مال غيره من ماله ؟. قال انه ماله ما دام في يده وليس ذلك المال لاحد غيره. ثم قال يا زرارة أرأيت وضيعة ذلك


(1) الوسائل الباب 10 ممن تجب عليه الزكاة و 12 من زكاة الذهب والفضة. (2) الوسائل الباب 29 من المستحقين للزكاة (3) الوسائل الباب 7 ممن تجب عليه الزكاة، واللفظ مطابق لما في التهذيب ج 1 ص 357 عن الكليني


[ 40 ]

المال أو ربحه لمن هو وعلى من هو ؟ قلت للمعترض. قال فله الفضل وعليه النقصان وله أن ينكح ويلبس منه ويأكل منه، ولا ينبغى له أن لا يزكيه بل يزكيه فانه عليه جميعا " وبمضمونها أخبار عديدة. وبه يظهر ضعف قول الشيخ المقتدم ذكره من أنه لايدخل في ملك المقترض إلا بالتصرف في عينه وانه لا زكاة عليه حينئذ. نعم لو تبرع المقرض بالزكاة عنه اجزأ كما سيأتي في صحيحة منصور بن حازم. بقى الكلام هنا في أنه لو اشترط المقترض زكاته على المقرض فهل تسقط عن المقترض وتجب على المقرض أم لا ؟ المشهور الثاني ونقل عن الشيخ الاول. قال العلامة في المختلف: ولا زكاة على المقرض مطلقا اما المستقرض فان ترك المال بعينه حولا وجبت عليه الزكاة وإلا فلا، وهو اختيار ابن ابى عقيل والشيخ في النهاية في باب لزكاة والخلاف والمفيد في المقنعة والشيخ على بن بابويه في الرسالة وابن ادريس. وقال الشيخ في باب القرض من النهاية ان شرط المقترض الزكاة على القارض وجبت عليه دون المستقرض. لنا - انه ملك المقترض فالزكاة عليه والشرط غيره لازم لانه اشتراط للعبادة على غير من وجبت عليه وانه باطل كما لو شرط غير الزكاة من العبادت، وما رواه يعقوب بن شعيب في الصيحيح (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقرض المال للرجل السنة والسنتين والثلاث لو ما شاء الله على من الزكاة على المقرض أو على المستقرض ؟ فقال على المستقرض لان له نفعه وعليه زكاته " ثم ساق جملة من الاخبار الدالة على ذلك ومنها حسنة زرارة المتقدمة، ثم قال احتجوا بما رواه منصور بن حازم في الصحيح عن الصادق عليه السلام (2) " في رجل استقرض مالا فحال عليه الحول وهو عنده ؟ فقال ان كان الذى اقرضه يؤدى زكاته فلا زكاة عليه وان كان لا يؤدى أدى المستقرض " والجواب انا نقول بموجبه فان المقرض لو تبرع بالاداء سقط عن المقترض اما الوجوب مع الشرط فممنوع


(1) و (2) الوسائل الباب 7 ممن تجب عليه الزكاة


[ 41 ]

وليس في الحديث ما يدل عليه، قال الشيخ على بن الحسين بن بابويه: ان بعث شيئا وقبضت ثمنه واشترطت على المشترى زكاة سنة أو سنتين أو اكثر فان ذلك يلزمه دونك. وفى لزوم هذا الشرط نظر. انتهى كلامه زيد مقامه. ونسج على منواله في هذا الكلام جملة من تأخر عنه من الاعلام من المتأخرين ومتأخريهم.

وعندي فيه نظر (اما أولا) فان ما نقله عن أولئك الاجلاء في صدر عبارته الظاهر انه لا دلالة فيه على المدعى، لان غاية كلامهم وجوب الزكاة على المقترض ولم يتعرضوا لحكم الشرط نفيا ولا اثباتا، وهو من مالا نزاع فيه ولا اشكال يعتريه. والذى يحضرني من كلامهم هنا عبارة الشيخ المفيد في المقنعة حيث قال: ولا زكاة على المقرض في ما اقرضه إلا ان يشاء التطوع بزكانه، وعلى المستقرض زكاته مادام في يده ولم يستهلكه لان له نفعه. وعبارة الشيخ في النهاية حيث قال: ومال القرض ليس فيه زكاة على صاحبه بل تجب على المستقرض الزكاة ان تركه بحاله حتى يحول عليه الحول. والظاهر ان باقى كلام من نقل عنه من هذا القبيل، ومثل ذلك الاخبار التى نقلها فانه غايتها اطلاق الزكاة على المقترض ولا تعرض فيها لحكم الشرط نفيا ولا اثباتا.

و (أما ثانيا) فان ما ادعاه من أن الشرط غير لازم لانه اشتراط للعبادة على غير من وجبت عليه وانه باطل - مردود (أولا) بان تعلقها بالمقترض مشروط عندهم بعدم تبرع المقرض بها كما صرح به فلو تبرع بها سقطت عن المقترض، فلا يتم ما ذكره كليا من أن اشتراطها من قبيل اشتراط العبادة على غير من وجبت عليه، إذ مقتضاه تعين الوجوب على المقترض خاصة وعدم السقوط عنه بفعل الغير تبرعا كان أو اشتراطا. وايضا فان الزكاة وان كانت من قبيل العبادة من وجه إلا انها من قبيل الدين من وجه آخر. وثانيا - وهو العمدة في الاستدلال الاخبار الدالة على صحة شرط زكاة ثمن المبيع على المشترى (1) كما نقله في آخر كلامه عن الشيخ على بن الحسين بن بابويه وان


(1) الوسائل الباب 18 من زكاه الذهب والفضة


[ 42 ]

تنظر فيه بناء على ما قدمه في صدر كلامه. ومن الاخبار الدالة على ما قلناه ما رواه ثقة الاسلام في الكافي في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول باع ابى من هشام بن عبد الملك أرضا بكذا وكذا ألف دينار واشترط عليه زكاة ذلك المال عشر سنين وانما فعل ذلك لان هشاما كان هو الوالى " ورواه الصدوق ايضا في كتاب العلل في الصحيح مثله (2). وروى في الكافي ايضا في الصحيح أو الحسن بابراهيم بن هاشم على المشهور عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " باع ابى أرضا من سليمان بن عبد الملك بمال واشترط عليه في بيعه ان يزكى هذا المال من عنده لست سنين " والخبران كما ترى صحيحان صريحان في صحة الشرط المذكور ولزومه، وبه يظهر لك ما في كلامه (قدس سره) - وكذا كل من تبعه وحكم ببطلان الشرط لما ذكره من التعليل - من الغفلة عن ملاحظة هذين الخبرين. ومثلهما ما في كتاب الفقه الرضوي (4) حيث قال عليه السلام: فان بعت شيئا وقبضت ثمنه واشترطت على المشترى زكاة سنة أو سنتين أو أكثر من ذلك فانه يلزمه دونك. انتهى. وهذه عين عبارة الشيخ على بن الحسين التى نقلها عنه في المختلف، ومنه يعلم ان مستنده في هذا الحكم هو الكتاب المذكور وان كان الخبران المتقدمان يدلان على ذلك. وبمثل هذه العبارة عبر ابنه الصدوق في الفقيه، وهو ظاهر في ان مذهبه ذلك. وحينئذ فمتى ثبتت بهذه الاخبار صحة الشرط المذكور وانه سائغ وان الزكاة تنتقل به إلى ذمة المشروط عليه فلا فرق بين وقوعه واشتراطه في بيع أو قرض أو غيرهما عملا بما دل على ان المؤمينن عند شروطهم (5).

و (أما ثالثا) فانه لا يخفى ان ما نقله عن الشيخ على بن الحسين اخيرا مناف لما نقله عنه اولا لو كان النقل صريحا في عدم صحة الشرط كما يدعيه، وإلا فانه متى كان مطلقا كما نقلناه من عبارتي المقنعة والنهاية فلا منافاة، وعلى هذا جرى الشيخ في النهاية كما نقله عنه، فصرح في باب الزكاة بانها على المقترض بقول مطلق، وفى باب القرض بانها مع الشرط تلزم المقرض وتسقط عن المقترض وبه يقيد الاطلاق الاول


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 18 من زكاة الذهب والفضة (4) ص 23 (5) الوسائل الباب 6 من ابواب الخيار من كتاب التجارة


الجزء التالي الصفحة الرئيسية  
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>