تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الثاني عشر


المقصد الثالث

في مصرف الزكاة

وما تعلق بذلك من الاحكام وتفصيل ذلك يقع في ابجاث:

البحث الاول - في أصناف المستحقين لها وهى ثمانية أصناف كما دلت عليه الآية الشريفة (1):

الاول والثانى - الفقراء والمساكين، وقد اختلف الاحصاب في ترادف هذين اللفظين وتغايرهما والاشهر الاظهر الثاني وعلى فتكون الاصناف ثمانية كما ذكرناه، وقيل بالاول واليه ذهب المحقق في الشرائع وعليه فتكون الاصناف سبعة ثم انه على تقدير التغاير قد اختلفوا في ما به يتحقق ذلك وبه يتميز أحدهما عن الآخر على أقوال متعددة وكذلك اختلف كلام أهل اللغة، وليس في


(1) وهى قوله تعالى: انما الصدقات للفقراء.. " سورة التوبة الآية 61


[ 155 ]

تطويل الكلام بنقل ذلك مزيد فائدة. والاظهر في بيان وجه التغاير ما دل عليه صحيح محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) " انه سأله عن الفقير والمسكين فقال الفقير الذى لا يسأل والمسكين الذى هو أجهد منه الذى يسأل: وحسنة ابى بصير (2) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام قول الله تعالى: انما الصدقات للفقراء والمساكين ؟ (3) فقال الفقير الذى لا يسأل الناس والمسكين أجهد منه والبائس أجهدهم.. الحديث ". وقال الشيخ في التهذيب (4): ذكر على بن ابراهيم في كتاب التفسير تفصيل هذه الثمانية الاصناف فقال: فسرهم العالم عليه السلام فقال الفقراء هم الذين لا يسألون لقول الله تعالى في سورة البقرة (5) للفقراء الذين احصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الارض يحسبهم الجاهل اغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسالون الناس الحافا. والمساكين هم أهل الديانات.. الحديث ". والجميع صريح في المغايرة كما ترى، ودل الخبران الاولان على ان المسكين اسوأ حالا من الفقير. ولا يخفى ان ثمرة هذا الخلاف لا مظهر لها في هذا الباب للاجماع على جواز اعطاء كل منهما وإنما تظهر في مالو نذر أو وقف أو أوصى لاسوأهما حالا، وظاهر الاصحاب انه متى ذكر أحدهما خاصة دخل فيه الآخر بغير خلاف كما في آية الكفارة المخصوصة بالمسكين (6) فيدخل فيه الفقير، وانما الخلاف في مالو جمعا كما في آية الزكاة لا غير ولا يخلو من اشكال لانه متى ثبت التغاير كما ذكرناه وهو المشهور عندهم فدخول أحدهما تحت الآخر مجاز لا يصار إليه إلا بالقرينة، اللهم


(1) و (2) و (4) الوسائل الباب 1 من المستحقين للزكاة (3) سورة التوبة الآية 61 (5) الآية 275 (6) وهى قوله تعالى في سورة المائدة الآية 92 " ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته.. ".


[ 156 ]

إلا أن يجعل الاجماع قرينه على ذلك، وفيه ما فيه. بقى الكلام في الحد المسوغ لتناول هذين الصنفين للزكاة، ولا خلاف في أن الحد الشامل لهما عدم الغنى فانه الشامل لمعنا هما فإذا تحقق ذلك استحق صاحبه الزكاة، وانما الخلاف في ما به يتحقق الغنى المانع لا ستحقاق الزكاة. فنقل عن الشيخ في الخلاف انه قال: الغنى من ملك نصابا تجب فيه الزكاة أو قيمته. وقال في المبسوط: الغنى الذى يحرم معه أخذ الصدقة أن يكون قادرا على كفايته وكفاية من يلزمه كفايته على الدوام، فان كان مكتفيا بصنعة وكانت صنعته ترد عليه كفايته وكفاية من يلزمه نفقته حرمت عليه وان كانت لا ترد عليه حل له ذلك، هكذا حكم العقار، وان كان من أهل البضائع احتاج أن يكون معه بضاعة ترد عليه قدر كفايته فان نقصت عن ذلك حلت له الصدقة، ويختلف ذلك على حسب حاله حتى ان كان الرجل بزازا أو جوهريا يحتاج إلى بضاعة قدرها الف دينار أو الفا دينار فنقص عن ذلك قليلا حل له أخذ الصدقة. هذا عند الشافعي (1) والذى رواه اصحابنا انها تحل لصاحب السبعمائة وتحرم على صاحب الخمسين وذلك على قدر حاجته إلى ما يتعيش به ولم يرووا اكثر من ذلك. وفي أصحابنا من قال ان من ملك نصابا يجب عليه فيه الزكاة كان غنيا وتحرم عليه الصدقة وذلك قول ابى حنيفة (2) انتهى. والظاهر كما استظهره بعض الاصحاب ان المراد بقوله " على الدوام " ان يكون له ما يحصل به الكفاية عادة من صنعة أو ضيعة أو مال يتجر به بحيث لا ينقص فاضلها عن حاجته. واما حمله على ان المراد به مؤنة السنة كما ذكره العلامة في المختلف فالظاهر بعده. وقال ابن ادريس: اختلف أصحابنا في من يكون معه مقدار من المال ويحرم عليه بملك ذلك المال أخذ الزكاة، فقال بعضهم إذا ملك نصابا من الذهب وهو


(1) و (2) المغنى ج 2 ص 662، ونيل الاوطارج 4 ص 170


[ 157 ]

عشرون دينارا فانه يحرم عليه أخذ الزكاة، وقال بعضهم لا يحرم على من ملك سبعين دينارا، وقال بعضهم لا اقدره بقدر إذا ملك من الاموال ما يكون قدر كفايته لمؤنته طول سنته على الاقتصاد فانه يحرم عليه أخذ الزكاة سواء كان نصابا أو اقل أو أكثر، فان لم يكن بقدر كفاية سنته فلا يحرم عليه أخذ الزكاة. وهذا هو الصحيح واليه ذهب أبو جعفر الطوسى في مسائل الخلاف. انتهى. وإلى هذا القول ذهب المحقق والعلامة وعامة المتأخرين إلا انه على اطلاقه مشكل بما صرح به جملة منهم كالشيخ والمحقق في النافع والعلامة وغيرهم من جواز تناول الزكاة لمن كان له مال يتعيش به أو ضيعة أو دار يستغلها إذا كانت الغلة والنماء يعجز عن كفايته وان كان بحيث يكفيه راس المال وثمن الضيعة أو الدار لكفاية سنته فانه لا يكلف بالانفاق من رأس ماله ولا بيع ضيعته وداره بل يأخذ التتمة من الزكاة. والقول الفصل والمذهب الجزل في ذلك هو انه متى كان كذلك يعنى يتجر في دراهمه ويستنميها لاجل معاشه ويستغل عقاره لذلك فان الحكم فيه ما ذكر ومتى لم يكن كذلك اعتبر فيه قصور امواله عن مؤنة سنته كما ذكروه اولا. ويدل على الحكم الاول جملة من الاخبار: منها ما رواه في الكافي في الصحيح عن معاوية بن وهب (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون له ثلاثمائة درهم أو اربعمائة درهم وله عيال وهو يحترف فلا يصيب نفقته فيها ايكب فيأكلها ولا يأخذ الزكاة أو يأخذ الزكاة ؟ قال لا بل ينظر إلى فضلها فيقوت بها نفسه ومن وسعه ذلك من عياله ويأخذ البقية من الزكاة ويتصرف بهذه لا ينفقها " وما رواه الشيخ عن هارون بن حمزة الغنوى (2) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام يورى عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال لا تحل الصدقة لغنى ولا لذى مرة سوى ؟ فقال لا تصلح لغنى. قال فقلت له الرجل يكون له ثلاثمائة درهم في بضاعته وله عيال فان أقبل عليها أكلها عياله ولم يكتفوا بربحها ؟ قال فلينظر ما يستفضل منها فيأكله


(1) و (2) الوسائل الباب 12 من المستحقين للزكاة


[ 158 ]

هو ومن يسعه ذلك وليأخذ لمن لم يسعه من عياله ". وما رواه في التهذيب والفقيه في الموثق عن سماعة عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " سألته عن الزكاة هل تصلح لصاحب الدار والخادم ؟ فقال نعم إلا أن تكون داره دار غلة فيخرج له من غلتها دراهم تكفيه لنفسه وعياله، فان لم تكن الغلة تكفيه لنفسه وعياله في طعامهم وكسوتهم وحاجتهم في غير اسراف فقد حلت له الزكاة وان كانت غلتها تكفيهم فلا ". وما رواه في الكافي والفقيه عن ابى بصير (2) قال: " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل من أصحابنا له ثمانمائة درهم وهو رجل خفاف وله عيال كثيرة أله أن يأخذ من الزكاة ؟ فقال يا أبا محمد أيربح في دراهمه ما يقوت به عياله ويفضل ؟ قال قلت نعم. قال كم يفضل ؟ قلت لا أدرى. قال ان كان يفضل عن القوت مقدار نصف القوت فلا يأخذ الزكاة وان كان أقل من نصف القوت أخذ الزكاة. قلت فعليه في ماله زكاة تلزمه ؟ قال بلى. قلت كيف يصنع ؟ قال يوسع بها على عياله في طعامهم وكسوتهم وان بقى منها شئ يناوله غيرهم، وما أخذ من الزكاة فضه على عياله حتى يلحقهم بالناس ". أقول: قوله عليه السلام " ان كان يفضل عن القوت مقدار نصف القوت " لعل المراد به انه متى فضل هذا المقدار فانه يجزئ للقيام بكسوتهم وسائر ضرورياتهم فلا يجوز له تناول الزكاة، وان كان أقل من ذلك فانه لا يقوم بمؤنة السنة فيجوز له أخذ الزكاة. ولا يخفى ما في هذا الخبر من الدلالة الظاهرة على وجوب زكاة التجارة كما تقدم في تلك الاخبار التى قدمناها في أول المطلب الرابع إلا انه عليه السلام جعل مصرفها هنا في التوسعة على نفسه وعياله لانه إذا جاز أخذها من الغير لذلك فبالاولى من نفسه، والظاهر ان الامر باعطاء الغير من زكاة ماله في هذا الخبر وغيره


(1) الوسائل الباب 9 من المستحقين للزكاة. ورواه في الفروع ج 1 ص 159 ايضا (2) الوسائل الباب 8 من المستحقين للزكاة


[ 159 ]

محمول على الاستحباب. ويدل على الثاني ما رواه الشيخ المفيد (قدس سره) في كتاب المقنعة عن يونس بن عمار (1) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول تحرم الزكاة على من عنده قوت السنة وتجب الفطرة على من عنده قوت السنة ". وروى ابن ادريس في مستطرفات السرائر من كتاب المشيخة للحسن بن محبوب عن ابى ايوب عن سماعة (2) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل تكون عنده العدة للحرب وهو محتاج أيبيعها وينفقها على عياله ويأخذ الصدقة ؟ قال يبيعها وينفقها على عياله " وهو محمول على ما إذا كانت قيمتها تكفيه لمؤنة سنته. وروى ثقة الاسلام في الكافي في الصحيح إلى ابى بصير (3) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول يأخذ الزكاة صاحب السبعمائة إذا لم يجد غيره. قلت فان صاحب السبعمائة تجب عليه الزكاة ؟ قال زكاته صدقة على عياله، ولا يأخذها إلا أن يكون إذا اعتمد على السبعمائة انفدها في أقل من سنة فهذا يأخذها، ولا تحل الزكاة لمن كان محترفا وعنده ما تجب فيه الزكاة أن يأخذ الزكاة ". وحاصل معنى الخبر انه متى كان يملك سبعمائة درهم وهى موضوعه عنده إلا انه متى أقبل عليها وانفق منها لم تكفه لمؤنة سنته فانه يجوز له أخذ الزكاة وكذا يجوز له أن ينفق زكاتها من حال عليها الحول على نفسه وعياله. ونحوه ما رواه الصدوق في كتاب العلل في الموثق عن محمد بن مسلم وغيره عن ابى عبد الله عليه السلام (4) قال: " تحل الزكاة لمن له سبعمائة درهم إذا لم تكن له حرفة ويخرج زكاتها منها ويشترى منها بالبعض قوتا لعياله ويعطى البقية اصحابه، ولا تحل الزكاة لمن له خمسون درهما وله حرفة يقوت بها عياله ". وما رواه في الكافي في الموثق عن سماعة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5)


(1) و (3) و (4) الوسائل الباب 8 من المستحقين للزكاة (2) الوسائل الباب 10 من المستحقين للزكاة (5) الوسائل الباب 12 من المستحقين للزكاة


[ 160 ]

قال: " قد تحل الزكاة لصاحب السبعمائة وتحرم على صاحب الخمسين درهما. فقلت له وكيف يكون هذا ؟ قال إذا كان صاحب السبعمائة له عيال كثير فلو قسمها بينهم لم تكفه فليعف عنها نفسه وليأخذها لعياله، واما صاحب الخمسين فانه تحرم عليه إذا كان وحده وهو محترف يعمل بها وهو يصيب منها ما يكفيه ان شاء الله تعالى ". دلت هذه الاخبار بمفاهيمها على ان السبعمائة المذكورة فيها لو قامت بمؤنة سنته لم يجز له أخذ الزكاة كما دل عليه الخبران الاولان. واما القول بحصول الغنى بملك النصاب فنقل الاستدلال عليه بما روى عن النبي صلى الله عليه وآله (1) انه قال لمعاذ: " اعلمهم ان عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم " فجعل الغنى من تجب عليه الزكاة ومقتضاه ان من لا تجب عليه ليس بغنى فيكون فقيرا. وبان مالك النصاب يجب عليه دفع الزكاة فلا يحل له أخدها للتنافى. ورد الاول بان الرواية عامية فلا تقوم حجة مع ما في الدلالة من امكان المناقشة. والثانى بالمنع من التنافى فانه مجرد استبعاد لا دليل عليه.

فروع:

الاول - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في أن من قصر كسبه عن مؤنة سنته أو قصر ماله فانه يأخذه من الزكاة وانما اختلفوا في المأخوذ بانه هل يتقدر بقدر أم لا ؟ فالمشهور الثاني وقيل بالاول وهو انه لا يأخذ ازيد من تمام مؤنة سنته، وظاهر جماعة من الاحصاب ان محل الخلاف ذو الكسب القاصر وظاهر كلام المنتهى وقوع الخلاف في غيره من المال أيضا، حيث قال ولو كان معه ما يقصر عن مؤنته ومؤنته ومؤنة عياله حولا جاز له أخذ الزكاة لانه محتاج وقيل لا يأخذ زائدا عن تتمة المؤنة حولا وليس بالوجه. إلا انه قال في موضع آخر من الكتاب المذكور: يجوز أن يعطى الفقير ما يغنيه وما يزيد على غناه


(1) المغنى ج 2 ص 662 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 543


[ 161 ]

وهو قول علمائنا أجمع. وكيف كان فالظاهر من الاخبار وهى التى عليها المدار في الايراد والاصدال هو القول المشهور. ومنها - ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن سعيد بن غزوان عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " تعطيه من الزكاة حتى تغنيه ". وما رواه الكليني في الموثق عن اسحاق بن عمار عن ابى الحسن موسى عليه السلام (2) قال: " قلت له اعطى الرجل من الزكاة ثمانين درهما ؟ قال نعم وزده. قلت اعطيه مائة ؟ قال نعم واغنه ان قدرت أن تغنيه " وفي معناها موثقة عمار بن موسى ورواية زياد بن مروان ورواية اسحاق بن عمار وغيرها. واما القول الآخر فلم أقف له على حجة، وقال الشهيد في البيان وهو ممن اختار هذا القول بالنسبة إلى من قصر كسبه عن مؤنة سنته وما ورد في الحديث من الاغناء بالصدقة محمول على غير المكتسب. وفيه ان صحة هذا الحمل متفرعة على وجود المعارض وليس فليس، نعم قد ورد في صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة " ويأخذ البقية من الزكاة " وموردها كما تقدم من كان له مال يتجر به وعجز عن استنماء الكفاية، مع انها غير صريحة في المنع من الزائد.

الثاني - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ان دار السكنى والخادم وفرس الركوب لا تمنع من أخذ الزكاة مع الحاجة إليها. وعلى ذلك تدل جملة من الاخبار: منها - " ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن عمر بن اذينة عن غير واحد عن ابى جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام) (4)


(1) الوسائل الباب 24 من المستحقين للزكاة رقم (1) عن الكليني ورقم (5) عن الشيخ. (2) و (3) الوسائل الباب 24 من المستحقين للزكاة (4) الوسائل الباب 9 من المستحقين للزكاة


[ 162 ]

" انهما سئلا عن الرجل له دار وخادم أو عبد أيقبل الزكاة ؟ قالا نعم ان الدار والخادم ليسا بمال ". والظاهر من قولهما (عليهما السلام) " ليسا بمال " انهما من حيث الحاجة وإلجاء الضرورة اليهما لا يعدان من المال الذى يكون به غنيا وتحرم عليه الزكاة، ومن أجل ذلك ان الاصحاب ألحقوا بذلك ثياب التجمل وفرس الركوب وكتب العلم إذا كان من أهله. ويدل على فرس الركوب بخصوصها ما رواه على بن جعفر (رضى الله عنه) في كتابه عن اخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) (1) قال: " سألته عن الزكاة ايعطاها من له الدابة ؟ قال نعم ومن له الدار والعبد فان الدار ليس نعدها بمال ". وروى الشيخ عن سعيد بن يسار (2) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول تحل الزكاة لصاحب الدار والخادم لان أبا عبد الله عليه السلام لم يكن يرى الدار والخادم شيئا " قوله: " لان أبا عبد الله عليه السلام " الظاهر انه من كلام الراوى. وما رواه الشيخ عن اسماعيل بن عبد العزيز عن ابيه (3) قال: " دخلت انا وابو بصير على أبى عبد الله عليه السلام فقال له أبو بصير ان لنا صديقا وهو رجل صدوق يدين الله بما ندين به. فقال من هذا يا أبا محمد الذى تزكيه ؟ فقال العباس بن الوليد ابن صبيح. فقال رحم الله الوليد بن صبيح ما له يا أبا محمد ؟ قال جعلت فداك له دار تسوى اربعة آلاف درهم وله جارية وله غلام يستقى على الجمل كل يوم ما بين الدرهمين إلى الاربعة سوى علف الجمل وله عيال أله أن يأخذ من الزكاة ؟ قال نعم. قال وله هذه العروض ؟ فقال يا أبا محمد فتأمرني ان آمره أن يبيع داره وهى عزه ومسقط رأسه أو يبيع جاريته التى تقيه الحر والبرد وتصون وجهه ووجه عياله أو آمره ان يبيع غلامه وجمله وهى معيشته وقوته، بل يأخذ الزكاة فهى له


(1) و (2) الوسائل الباب 9 من المستحقين للزكاة (3) الفروع ج 1 ص 159 وفي الوسائل الباب 9 من المستحقين للزكاة


[ 163 ]

حلال ولا يبيع داره ولا غلامه ولا جمله " إلى غير ذلك من الاخبار. والظاهر من فحوى هذه الاخبار ان الحكم في ذلك مرتب على أحوال الناس وما هم عليه من الرفعة والضعة، فمن كان من أهل الشرف والرفعة الذين جرت عادتهم بالبيوت الواسعة والخدم والخيل ونحو ذلك من ثياب التجمل بين الناس والفروش والاسباب فان ذلك لا يمنع من أخذه الزكاة من حيث هذه الاشياء ولا يكلف بيعها والاقتصار على أقل المجزئ من ذلك، واما من لم يكن كذلك بل المناسب لحاله ما هو اقل من ذلك مع حصول هذه الاشياء عنده فلا يبعد القول بالاقتصار على ما يناسب حاله وجرت به عادة ابناء نوعه من المسكن والمركوب والخدم وبيع الزائد إذا قام بمؤنة سنته. والله العالم.

الثالث - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان من ادعى الفقر ان عرف صدقه أو كذبه عومل به وهو من ما لا اشكال فيه، وان جهل حاله فالمشهور بل ظاهرهم الاتفاق عليه انه يصدق في دعواه ولا يكلف يمينا ولا بينة كما يظهر من المعتبر والمنتهى وغيرهما. وربما علل بعضهم قبول قوله في الصورة المذكورة بانه مسلم ادعى أمرا ممكنا ولم يظهر ما ينافى دعواه فكان قوله مقبولا، كما في المعتبر. وربما علل بانه ادعى ما يوافق الاصل وهو عدم المال وان الاصل عدالة المسلم فكان قوله مقبولا كما في المنتهى. ولم أقف على من تعرض للمناقشة في هذا الحكم سوى السيد السند في المدارك واقتفاه وزاد عليه الفاضل الخراساني في الذخيرة. والاظهر عندي هو القول المشهور ويدل عليه وجوه: (أحدها) ما رواه في الكافي عن عبد الرحمان العزرمى عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " جاء رجل إلى الحسن والحسين (عليهما السلام) وهما جالسان على الصفا فسألهما فقالا ان الصدقة


(1) الفروع ج 1 ص 167 وفي الوسائل الباب 9 من المستحقين للزكاة


[ 164 ]

لا تحل إلا في دين موجع أو غرم مفضع أو فقر مدقع ففيك شئ من هذا ؟ قال نعم. فاعطياه، وقد كان الرجل سأل عبد الله بن عمر وعبد الرحمان بن ابى بكر فاعطياه ولم يسألاه عن شئ فرجع اليهما فقال لهما مالكما لم تسألاني عن ما سألني عنه الحسن والحسين (عليهما السلام) ؟ واخبرهما بما قالا فقالا انهما غذيا بالعلم غذاء ". وما إعترض به الفاضل المشار إليه آنفا على هذا الرواية من ضعف السند أولا وعدم موافقه الحصر المفهوم منه لما ثبت بالادلة -. مردود: اما الاول فبانه مفروغ عنه عندنا لانا لا نرى العمل بهذا الاصطلاح المحدث إذ لم يدل عليه دليل بل الادلة على خلافه واضحه السبيل، مع انه يمكن الجواب على قواعدهم من أن ضعفه مجبور بالشهرة بل الاتفاق على الحكم المذكور كما اعتذروا عن ضعف الاخبار متى اضطروا إلى العمل بها. واما الثاني فبان المراد الحصر بالنسبة إلى ذلك السائل لا مطلقا كأنه قيل " الامر الموجب لسؤالك هل هو لدين موجع ؟ " وإلا فمن المعلوم انه ليس من العاملين ولا من ابناء السبيل ولا المؤلفة ولا نحو ذلك من الاصناف وإنما هذا سؤال عن وجوه الفقر الموجبة لسؤاله.

(الثاني) اتفاق الاصحاب على الحكم المذكور من غير ظهور مخالف وإلا لنقل خلافه في المسالة. "

(الثالث) موافقة الاصل بان الاصل عدم المال، والاصل الآخر وهو عدم البينة واليمين.

(الرابع) استلزام التكليف بالبينة واليمين الحرج والعسر في كثير من الموارد سيما إذا كان من يستحى من اظهار ذلك كما في أكثر المتجملين.

(الخامس) انه لو كان شرطا لخرج عنهم (عليهم السلام) فيه خبر دال على ذلك ولنقل وليس فليس. وهذا الوجه يرجع إلى الاستدلال بالبراءة الاصلية على الوجه الذى قدمنا بيانه في غير موضع من كتاب الصلاة، ومحصله ان المحدث الماهر إذا تتبع الاخبار الواردة حق التتبسع في مسأله لو كان فيها حكم مخالف للاصل


[ 165 ]

لاشتهر لعموم البلوى بها ولم يظفر بذلك في الاخبار يحصل له العلم أو الظن المتاخم له بعدم ذلك الحكم، والامر هنا كذلك.

(السادس) وهو أمتنها وأظهرها وأو جهها وأنضرها انه لا يخفى على من تأمل الاخبار الواردة بالبينة واليمين في أبواب الدعاوى انه لا عموم فيها فضلا عن الخصوص على وجه يشمل مثل ما نحن فيه، فان موردها إنما هو ما إذا كانت الدعوى بين اثنين مدع ومنكر ولا دلالة فيها على من ادعى شيئا وليس له من يقابله وينكر دعواه بانه يكلف البينة أو اليمين، وفي الاخبار الكثيرة (1) " البينة على المدعى واليمين على من أنكر " بل ورد في جملة من الاخبار وبة قال علماؤنا الابرار ان من ادعى شيئا ولا مناقض له في دعواه يقبل قوله من غير بينة ولا يمين بمجرد احتمال صدقه. ومن ذلك ما رواه في الكافي والتهذيب عن منصور بن حازم عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " قلت عشرة كانوا جلوسا وفي وسطهم كيس فيه الف درهم فسأل بعضهم بعضا ألكم هذا الكيس ؟ فقالوا كلهم لا وقال واحد هو لى فلمن هو ؟ قال للذى ادعاه ". ويستفاد من هذا الخبر ان كل من ادعى ما لا يد عليه قضى له به، وبذلك صرح الاصحاب من غير خلاف ينقل، قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بعد نقل الرواية المذكورة دليلا للحكم المذكور: ولانه مع عدم المنازع لا وجه لمنع المدعى منه ولا لطلب البينة ولا لا حلافه إذ لا خصم له حتى يترتب عليه ذلك. وفيه اشارة إلى ما قدمناه من أن البينة واليمين إنما هي في مقام الخصومة ومع عدم خصم يقابل بانكار تلك الدعوى فليس المقام مقام البينة ولا اليمين. ومن ذلك رواية ميسر (3) وهى صحيحة إليه قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام ألقى المرأة في الفلاة التى ليس فيها أحد فاقول لها ألك زوج ؟ فتقول لا فاتزوجها ؟


(1) الوسائل الباب 3 من كيفية الحكم (2) الوسائل الباب 17 من كيفية الحكم (3) الوسائل الباب 10 من ابواب المتعة


[ 166 ]

قال نعم هي المصدقة على نفسها ". وفي رواية ابان بن تغلب عنه عليه السلام (1) " ليس هذا عليك إنما عليك أن تصدقها في نفسها ". وفي روية احمد بن محمد بن ابى نصر (2) قال: " قلت للرضا عليه السلام الرجل يتزوج المرأة فيقع في قلبه ان لها زوجا ؟ قال وما عليه أرأيت لو سألها البينة كان يجد من يشهد أن ليس لها زوج ؟ " وفي هذا الخبر اشارة إلى ما قدمناه في الوجه الرابع من لزوم العسر والحرج بطلب البينة في امثال هذه المواضع من ما يكون بين المكلف وبين الله تعالى. وفي بعض الاخبار الصحاح عن ابى عبد الله عليه السلام (3) " في رجل طلق امرأته ثلاثا فبانت منه فاراد مراجعتها فقال لها انى اريد مراجعتك فتزوجي زوجا غيرى فقالت له قد تزوجت زوجا غيرك وحللت لك نفسي. أيصدق قولها ويراجعها وكيف يصنع ؟ قال إذا كانت المرأة ثقة صدقت في قولها ". قال بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم) المراد بكونها ثقة أي موثوق باخبارها غير متهمة لا الثقه بالمعنى المصطلح، وهو كذلك. والظاهر أن قبول قول المدعى في جملة هذه المواضع وعدم تكليفه باليمين أو البينة إنما هو من حيث عدم المناقض له في دعواه لا من حيث خصوصية هذه المواضع، وحينئذ فيطرد الحكم في كل موضع كذلك، ولهذا صرح الاصحاب بذلك في مواضع عديدة: منها - ما دل عليه بخصوصه دليل، ومنها ما لم يدل عليه دليل وانما استندوا فيه إلى ما ذكرناه ومنه قبول قول من عليه زكاة أو خمس في إخراجه، ومنه ما لو ادعى صاحب النصاب ابداله في اثناء الحول فرارا من الزكاة، ومالو خرص عليه وادعى النقصان عن بلوغ النصاب، ولو ادعى الدين ولم يكذبه غريمه أو الكتابة ولم يكذبه سيده، أو ادعى


(1) و (2) الوسائل الباب 10 من ابواب المتعة (3) الوسائل الباب 11 من اقسام الطلاق واحكامه


[ 167 ]

ذهاب ماله بعد أن كان غنيا، وقد انهى شيخنا الشهيد الثاني جملة منها تزيد على عشرين موضعا. ثم قال وضبطها بعضهم بان كل ما كان بين العبد وبين الله ولا يعلم إلا منه ولا ضرر فيه على الغير أو ما تعلق به الحد أو التعزير. انتهى. ولا يخفى ان هذه الوجوه التى ذكرناها وان أمكن المناقشة في بعضها إلا انه بالنظر إلى مجموعها ولا سيما الاول والاخير منها فانه لا يبقى للتوقف فيها مجال. واما ما توهمه في المدارك في مقابلة ذلك - من أن الشرط اتصاف المدفوع إليه باحد الاوصاف الثمانية فلا بد من تحقق الشرط كما في نظائره - فجوابه ان الظاهر ان الفقر المشترط في الآية ليس عبارة عن الفقر بحسب الواقع ونفس الامر، فان الاحكام الشرعية لم تبن على الواقع ونفس الامر لا في هذا الموضع ولا في غيره للزوم الحرج وتكليف ما لا يطاق إذ ذلك غير ممكن إلا له عز شأنه وإنما جرى التكليف على الظاهر، وحينئذ فالمراد بالفقر في الآية ما يظهر من حال الفقير ويكفى فيه مجرد اخباره ودعواه استنادا إلى ما ذكرنا من الوجوه. ويؤكد ذلك ما صرحوا به من انه لو دفع له الزكاة بناء على ظاهر الفقر ثم ظهر يسره وانه ليس بمستحق للزكاة فانه لا يجزئ عنه استنادا إلى ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحسين بن عثمان عن من ذكره عن ابى عبد الله عليه السلام (1) " في رجل يعطى زكاة ماله رجلا وهو يرى انه معسر فوجده موسرا ؟ قال لا يجزئ عنه ". ومن ما يؤيد البناء على الظاهر ايضا والاكتفاء بدعوى الفقر والحاجة ما استفاض في الاخبار من استحباب اعطاء من مد يده للسؤال وعدم رده كما في صحيح محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام (2) قال: " اعط السائل ولو كان على ظهر فرس " ومن الظاهر ان هذا الاستحباب انما ترتب على مجرد مد يده للسؤال حتى ولو كان ظاهر حاله يخالف ذلك من كونه على ظهر فرس ومتجملا، وهو مؤذن بتصديقه


(1) الوسائل الباب 2 من المستحقين للزكاة (2) الوسائل الباب 22 من ابواب الصدقة


[ 168 ]

في دعوى الفقر وإلا لما ثبت الاستحباب بمجرد ذلك. وبما ذكرناه من هذا التحقيق الرشيق يظهر لك ما في كلام الفاضل الخراساني (قدس سره) من التشكيك في المقام كما هي عادته في جل الاحكام حيث قال - بعد البحث مع الاصحاب ومناقشتهم في هذا الباب ما لفظه: وبالجملة جواز اعطاء الفقير بدون البينة أو الحلف محل اشكال ينشأ من عدم دليل دال عليه فلا يحصل اليقين بالبراءة، من انه لم يعهد عنهم (صلوات الله عليهم) شئ من ذلك والظاهر انه لو كان لنقل.. إلى أن قال: والتحقيق ان تحصيل العلم بالفقر غير معتبر وإلا لزم حرمان اكثر الفقراء وانتفاء ذلك معلوم من حال الائمة (صلى الله عيهم اجمعين) وكذا السلف. وهل يكفى الظن الحاصل من الامارات أو من دعواه مطلقا أو إذا كان امينا مطلقا أو عند تعذر البينة أم لا بل يحتاج إلى البينة مطلقا أو في بعض صور المسألة أو يحتاج إلى الحلف كذلك ؟ لى فيه توقف إلى أن يفتح الله على طريق معرفته. انتهى. ولا أراك ترتاب بعد ما حققناه في المقام في ضعف هذا الكلام وانه من جملة الاوهام. والله العالم بحقائق الاحكام.

الرابع - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في انه متى دفع الزكاة إلى الفقير ثم ظهر عدم فقره فانه يجب استرجاعها مع الامكان لظهور ان القابض لها عاص غاصب فيجب عليه ارجاعها إلى المالك. بقى الكلام هنا في موضعين: أحدهما ما لو لم يعلم الآخذ بانها زكاة، وقد قطع في المعتبر بعدم جواز الارتجاع لان الظاهر انها صدقة. واختلف كلام العلامة في ذلك فقال في المنتهى: ليس للمالك الرجوع لان دفعه محتمل للوجوب وللتطوع. واستقرب في التذكرة جواز الارتجاع لفساد الدفع ولانه أبصر بنيته. وقال في المدارك بعد نقل كلام التذكرة: وهو جيد مع بقاء العين وانتفاء القرائن الدالة على كون المدفوع صدقة. اقول: وكلماتهم (رضوان الله عليهم) هنا لا تخلو عن اجمال والتحقيق أن يقال


[ 169 ]

انه متى دفعه إليه بنية الزكاة ولم يعلم المدفوع إليه بكونها زكاة ولا اعلمه المالك فانه ما دامت العين باقية يجب عليه ارجاعها متى علم أو اعلمه المالك لعدم الاستحقاق شرعا، ومتى تلفت العين قبل العلم فالظاهر انه لا يجب عليه عوضها ولا قيمتها لظهور حل التصرف، والتضمين يحتاج إلى دليل. وثانيهما - ما لو قبضها بعنوان الزكاة وتعذر الارتجاع، وظاهرهم الاتفاق على انه متى كان الدافع الامام أو نائبه اجزأ ذلك، وفي المنتهى انه لا خلاف فيه بين العلماء لان المالك قد خرج فيه من العهدة بالدفع إلى الامام أو نائبه والدافع خرج من العهدة بالدفع إلى من يظهر منه الفقر، وايجاب الاعادة تكليف جديد منفى بالاصل. ولا يخلو من القرب إلا ان الفتوى به مع عدم النص في المسألة مشكل. واما لو كان الدافع المالك فقد اختلف الاصحاب فيه على اقوال ثلاثة:

أحدها - القول بالاجزاء ونقل عن الشيخ في المبسوط وجماعة من الاصحاب.

وثانيها - وجوب الاعادة ونقل عن الشيخ المفيد وابى الصلاح،

وثالثها - التفصيل بين الاجتهاد فيسقط الضمان وعدمه فتجب الاعادة، وهو اختيار المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى واليه يميل كلام المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد. احتج الاولون بانه دفعها إلى من ظاهره الفقر وهو دفع مشروع فيحصل الامتثال ولا يتعقبه الاعادة لعدم الدليل. وفيه ما يأتي في ثانيه. احتج القائلون بالثاني بما تقدم قريبا من صحيحة الحسين بن عثمان عن من ذكره عن ابى عبد الله عليه السلام (1) " في رجل يعطى زكاة ماله رجلا وهو يرى انه معسر فوجده موسرا ؟ قال لا يجزئ عنه " وبهذا الرواية تبطل حجة القول الاول كما اشرنا إليه آنفا. احتج المفصلون بان المالك امين على الزكاة فيجب عليه الاجتهاد والاستظهار في دفعها إلى مستحقها فبدونه تجب الاعادة.


(1) الوسائل الباب 2 من المستحقين للزكاة


[ 170 ]

وبما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عندي والحسن على المشهور بابراهيم ابن هاشم عن عبيد بن زرارة عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " قلت له رجل عارف أدى زكاته إلى غير أهلها زمانا هل عليه أن يؤديها ثانية إلى أهلها إذا علمهم قال نعم. قال قلت فان لم يعرف لها أهلا فلم يؤدها أو لم يعلم انها عليه فعلم بعد ذلك ؟ قال يؤديها إلى اهلها لما مضى. قال قلت له فانه لم يعلم أهلها فدفعها إلى من ليس هو لها باهل وقد كان طلب واجتهد ثم علم بعد ذلك سوء ما صنع ؟ قال ليس عليه أن يؤديها مرة اخرى " وقالا في الكافي والتهذيب بعد نقل هذه الرواية: وعن زرارة مثله (2) غير انه قال: " ان اجتهد فقد برئ وان قصر في الاجتهاد في الطلب فلا ". وأورد على الاول انه ان اريد بالاجتهاد القدر المسبوغ لجواز الدفع ولو بسؤال الفقير فلا ريب في اعتباره إلا ان ذلك لا يسمى اجتهادا، ومع ذلك فيرجع هذا التفصيل بهذا الاعتبار إلى ما اطلقه الشيخ في المبسوط من انتفاء الضمان مطلقا، وان اريد به البحث عن حال المستحق زيادة على ذلك كما هو المتبادر من لفظ الاجتهاد فهو غير واجب اجماعا على ما نقله جماعة. وعلى الروايتين ان موردهما خلاف محل النزاع لكنهما يد لان بالفحوى على انتفاء الضمان بالاجتهاد.

أقول: والتحقيق في المقام انه ليس في المسألة إلا رواية الحسين بن عثمان المتقدمة والوقوف على ظاهرها متعين. واما حمل من قال بالتفصيل لها على عدم الاجتهاد جمعا بينها وبين صحيحة عبيد بن زرارة فهو فرع ثبوت دلالة الصحيحة المذكورة على ما ادعوه وموردها من أولها إلى آخرها إنما هو الدفع إلى المخالف وهو المعبر عنه بغير أهلها، مع ما في محل الاستدلال من الاشكال أيضا فان ظاهرها انه يجزئ الدفع إلى المخالف متى اجتهد في تحصيل أهلها من الشيعة فلم يجدهم والاصحاب لا يقولون به، والاخبار ايضا ترده كما يأتي بيانه ان شاء الله تعالى حتى ورد في بعض الاخبار القاؤها في البحر مع تعذر وجود أهلها من الشيعة الامامية (3)


(1) و (2) الوسائل الباب 2 من المستحقين للزكاة (3) الوسائل الباب 5 من المستحقين للزكاة


[ 171 ]

وظاهر السيد السند في المدارك اختيار القول الاول حيث قال بعد البحث في المسألة ونقل الاقوال والادلة على كل منها: وكيف كان فينبغي القطع بسقوط الضمان مع الاجتهاد لتحقق الامتثال وفحوى الروايتين، وإنما يحصل التردد مع استناد الدفع إلى مجرد الدعوى من كون الدفع مشروعا فلا يستعقب الاعادة ومن عدم وصول الحق إلى مستحقه. ولعل الاول أرجح. انتهى. وانت خبير بان كلامه هذا مبنى على طرح صحيحة الحسين بن عثمان من البين مع انه بعد نقلها دليلا للقول الثاني لم يتعرض للطعن فيها بوجه إلا ان المعلوم من قاعدته ذلك فهى من حيث الارسال ضعيفة باصطلاحه، والاظهر عندي هو الوقوف على ظاهرها والعمل بها، ويؤيده انه الاوفق بالاحتياط والخروج عن عهدة التكليف الثابت في الذمة بيقين. والله العالم.

الخامس - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف بانه لو كان الفقير ممن يستحى من قبول الزكاة جاز دفعه إليه على وجه الصلة ويدل عليه حسنة ابى بصير المروية في الفقيه (1) قال: " قلت لابي جعفر عليه السلام الرجل من اصحابنا يستحى أن يأخذ من الزكاة فاعطيه من الزكاة ولا اسمى له انها من الزكاة ؟ فقال أعطه ولا تسم له ولا تذل المؤمن. وطعن في هذه الرواية في المدارك بانها ضعيفة السند باشتراك الراوى بين الثقه والضعيف. وفيه ان الراوى عن ابى بصير هنا عاصم بن حميد وقد ذكر أصحاب هذا الاصطلاح انه قرينة المرادى الثقة الجليل القدر وكذلك ابن مسكان فحيث ما وجد أحدهما حكموا بصحة روايته، وحسن هذه الرواية كما ذكرنا انما هو بابراهيم بن هاشم الذى حديثه في الصحيح عند جملة من محققى هذا الفن. ويؤيد الرواية المذكورة ايضا ما رواه الشيخ الطوسى في المجالس بسنده عن اسحاق بن عمار (2) قال: " قال لى أبو عبد الله عليه السلام يا اسحاق كيف تصنع بزكاة مالك إذا


(1) و (2) الوسائل الباب 58 من المستحقين للزكاة


[ 172 ]

حضرت ؟ قال يأتوني إلى المنزل فاعطيهم. فقال لى ما أراك يا اسحاق إلا قد أذللت المؤمنين فاياك اياك ان الله تعالى يقول: من أذل وليا لى فقد أرصد لي بالمحاربة " وفي هذا الخبر ما يدل على استحباب قصد المالك بالزكاة إلى الفقراء وابتدائهم وكراهة تكليفهم بالاتيان إليه. واما ما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن بابراهيم بن هاشم على المشهور عن محمد بن مسلم (1) - قال: " قلت لابي جعفر عليه السلام الرجل يكون محتاجا فنبعث إليه بالصدقة فلا يقبلها على وجه الصدقة يأخذه من ذلك ذمام واستحياء وانقباض أفنعطيها اياه على غير ذلك الوجه وهى منا صدقة ؟ فقال لا إذا كانت زكاة فله ان يقبلها فان لم يقبلها على وجه الزكاة فلا تعطها إياه ولا ينبغى له أن يستحى من ما فرض الله انما هي فريضة الله فلا يستحى منها " - فهو غير معمول به على ظاهره ولا قائل به بل الاخبار وكلام الاصحاب على خلافه فلا يلتفت إليه في مقابلة ما ذكرناه، فما ذكره في المدارك - من المعارضة به لحسنة ابى بصير بعد طعنه فيها بما قدمنا نقله باعتبار حسن هذه وضعف تلك بزعمه - ليس من ما يعول عليه لانها وان صح سندها فضلا عن ان يكون حسنا مع كون مضمونها مخالفا للاخبار وكلام الاصحاب بل اتفاقهم فان هذه الصحة مجازية كما نبهنا عليه في غير موضع من ما سبق، والصحة في التحقيق إنما هي باعتبار المتون ومطابقتها للقواعد الشرعية والاخبار المروية واتفاق الاصحاب ونحو ذلك كما عليه جملة من متقدمي اصحابنا (رضوان الله عليهم). وكيف كان فلا بد من ارتكاب جادة التأويل في الخبر المذكور، والاظهر عندي في تأويله هو حمل قوله عليه السلام في الجواب " لا " على الاضراب عن الكلام السابق لا على نفى اعطائها إياه على غير ذلك الوجه كما وقع في سؤال السائل ويكون ما بعد " لا " بيان ما هو الاولى في هذا المقام، فبين انها إذا كانت زكاة فله ان


(1) الوسائل الباب 58 و 57 من المستحقين للزكاة


[ 173 ]

يقبلها ولا ينبغى أن يستحى من قبولها وهى حق فرضه الله تعالى، ثم قال فان لم يقبلها على هذا الوجه فلا تلزمه بها وتعطيها اياه على وجه الزكاة ويفهم منه جواز الاعطاء لا على الوجه المذكور، فجواب السؤال إنما علم من المفهوم وإلا فمنطوق الخبر إنما سيق في الكلام على ذلك المستحق وانه ينبغى له كذا ولا ينبغى له كذا. وحمل الرواية المذكورة في المدارك على الكراهة بناء على رجوع النهى بقوله " لا " إلى ما ذكره السائل بقوله " أفنعطيها إياه على غير ذلك الوجه " وفيه بعد لما عرفت من ما ذكرناه. وأبعد منه حمل صاحب الوسائل الخبر المذكور على احتمال كون الامتناع لعدم الاحتياج وانتفاء الاستحقاق مع أن الراوى ذكر العلة في الامتناع وانه الاستحياء والانقباض فكيف يتم ما ذكره ؟. وقال في الوافى بعد نقل الخبر الاول أولا والثانى ثانيا: لعل الفرق بين هذا وما في الخبر السابق ان ذلك كان قد علم من حاله الاستحياء منها والتنزه عنها ولكنه كان بحيث إذا بعثت إليه لقبلها إذا كان مضطرا إليها بخلاف هذا فانه قد بعثت إليه واستنكف منها، وإنما نهى عن اعطائها اياه لانه ان كان مضطرا إليها فقد وجب عليه أخذها وان لم يأخذها فهو عاص وهو كمانع الزكاة وقد وجبت عليه وان لم يضطر إليها ولم يقبلها فلا وجه لا عطائها إياه. انتهى. وانت خبير بما فيه كما لا يخفى على الفطن النبيه الثالث من أصناف المستحقين - العاملون عليها، والمراد بهم السعاة في تحصيلها وجبايتها باخذ وكتابة وحفظ وحساب ونحو ذلك. قال الثقة الجليل على بن ابراهيم القمى في تفسيره (1) نقلا عن العالم عليه السلام: والعاملين عليها هم السعاة والجباة في أخذها وجمعها وحفظها حتى يؤدوها إلى من يقسمها. وقد أجمع الاصحاب واكثر العامة (2) على ان لهؤلاء حصة من لزكاة كما


(1) الوسائل الباب 1 من المستحقين للزكاة رقم (7) (2) المغنى ج 2 ص 654 والبداية ج 1 ص 235


[ 174 ]

يدل عليه ظاهر الآية. وما رواه ثقة الاسلام في الكافي في الصحيح أو الحسن وابن بابويه في الفقيه في الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم (1) " انهما قالا لابي عبد الله عليه السلام أرأيت قول الله عزوجل: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله (2) أكل هؤلاء يعطى وان كان لا يعرف ؟ فقال ان الامام يعطى هؤلاء جميعا لانهم يقرون له بالطاعة.. الحديث ". قالوا: ولا يجوز ان يكون العامل هاشميا لتحريم الزكاة عليه. وهو كذلك ان كان المدفوع إليه من الزكاة اما لو استؤجر على العمل ودفع إليه الامام من بيت المال فالظاهر انه لا مانع منه. ومن ما يدل على أصل الحكم ما رواه الشيخ في الصحيح عن عيص بن القاسم عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " ان اناسا من بنى هاشم اتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فسألوه أن يستعملهم على صدفات المواشى وقالوا يكون لنا هذا السهم الذى جعله الله للعاملين عليها فنحن أولى به. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا بنى عبد المطلب ان الصدقة لا تحل لى ولا لكم ولكني قد وعدت الشفاعة - ثم قال أبو عبد الله عليه السلام اشهد لقد وعدها رسول الله صلى الله عليه وآله - فما ظنكم يا بنى عبد المطلب إذا أخذت بحلقة باب الجنة أتروني مؤثرا عليكم غيركم ". والظاهر ان الاختيار إلى الامام بين أن يجعل لهم أجرة معينة أو يعطيهم ما يراه ويدل على الثاني صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (4) قال: " قلت له ما يعطى المصدق ؟ قال ما يرى الامام ولا يقدر له شئ " والظاهر ان المراد من


(1) و (4) الوسائل الباب 1 من المستحقين للزكاة (2) سورة التوبة الآية 61 (3) الوسائل الباب 29 من المستحقين للزكاة


[ 175 ]

آخر الخبر انه ليس له سهم مقدر مفروض لا يحتمل الزيادة والنقصان. ثم انه قد ذكر جمع من الاصحاب: منهم الشهيد في البيان والمحقق الشيخ على في حاشية الشرائع انه لو عين له أجرة فقصر السهم عن اجرته أتمه الامام من بيت المال أو من باقى السهام، ولو زاد نصيبه عن اجرته فهو لباقي المستحقين. ولا يخفى ما فيه فان هذا انما يتم على القول بوجوب البسط على الاصناف بالسوية وهو غير معمول عليه عندنا كما يأتي بيانه ان شاء الله تعالى.

الرابع من الاصناف المذكورة - المؤلفة قلوبهم، وقد اضطرب كلام اصحابنا في معنى المؤلفة أشد الاضطراب وكثرت الاحتمالات والاقوال في هذا الباب فما بين من خصهم بالكفار الذين يستمالون للجهاد، قالوا ولا نعرف مؤلفة غيرهم والظاهر انه المشهور، وفسره بعضهم بالمنافقين، وادخل بعضهم بعض المسلمين. وكلامهم في ذلك واسع الذيل كما لا يخف على من راجع مطولاتهم وليس في التطويل بنقله مزيد فائدة مع عدم اعتمادهم على دليل غير مجرد الاعتبارات والمناسبات التى ليس عليها مزيد تعويل. والعجب منهم (رضوان الله عليهم) في هذا الخلاف والاضطراب واخبار أهل البيت (عليهم السلام) بذلك مكشوفة الناقب مرفوعة الحجاب قد رواها ثقة الاسلام في الكافي وعنون لها بابا على حدة فقال " باب المؤلفة قلوبهم ". وها أنا أسوق لك جملة اخباره ومنها ما رواه في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن ابى جعفر عليه السلام (1) قال: " سألته عن قول الله عزوجل: والمؤلفة قلوبهم ؟ قال هم قوم وحدوا الله عزوجل وخلعوا عبادة من يعبد من دون الله وشهدوا أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وهم في ذلك شكاك في بعض ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله فامر الله نبيه ان يتألفهم بالمال والعطاء لكن يحسن اسلامهم ويثبتوا على دينهم الذى دخلوا فيه واقروا به، وان رسول الله صلى الله عليه وآله يوم حنين تألف


(1) الاصول ج 2 ص 411


[ 176 ]

رؤساء العرب من قريش وسائر مضر: منهم أبو سفيان بن حرب وعيينة بن حصين الفزارى واشباهم من الناس، فغضبت الانصار واجتمعت إلى سعد بن عبادة فانطلق بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بالجعرانة فقال يا رسول الله صلى الله عليه وآله اتأذن لى في الكلام ؟ فقال نعم. فقال ان كان هذا الامر من هذه الاموال التى قسمت بين قومك شيئا انزله الله رضينا وان كان غير ذلك لم نرض. قال زرارة: فسمعت أبا جعفر عليه السلام يقول فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا معشر الانصار أكلكم على قول سيدكم سعد ؟ فقالوا سيدنا الله ورسوله. ثم قالوا في الثالثة نحن على مثل قوله ورأيه. قال زرارة فسمعت أبا جعفر عليه السلام يقول فحط الله نورهم وفرض الله للمؤلفة قلوبهم سهما في القرآن ". وما رواه فيه عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: " المؤلفة قلوبهم قوم وحدوا الله وخلعوا عبادة من دون الله ولم تدخل المعرفة قلوبهم ان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وكان رسول الله يتألفهم ويعرفهم لكيما يعرفوا ويعلمهم ". وما رواه عن زرارة ايضا عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: " المؤلفة قلوبهم لم يكونوا قط اكثر منهم اليوم ". وما رواه عن اسحاق بن غالب (3) قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام يا اسحاق كم ترى أهل هذه الآية: ان اعطوا منها رضوا وان لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ؟ (4) قال ثم قال هم اكثر من ثلثى الناس ". وما رواه عن موسى بن بكر عن رجل (5) قال: " قال أبو جعفر عليه السلام ما كانت المؤلفة قلوبهم قط اكثر منهم اليوم وهم قوم وحدوا الله تعالى وخرجوا من الشرك ولم تدخل معرفة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله قلوبهم وما جاء به فتألفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وتألفهم المؤمنون بعد رسول الله صلى الله عليه وآله لكيما يعرفوا ". وقال الثقة الجليل على بن ابراهيم القمى (قدس سره) في تفسيره (6) نقلا


(1) و (2) الاصول ج 2 ص 411 (3) و (5) الاصول ج 2 ص 412 (4) سورة التوبة الآية 59 (6) الوسائل الباب 1 من المستحقين للزكاة رقم 7


[ 177 ]

عن العالم عليه السلام: والمؤلفة قلوبهم قال هم قوم وحدوا الله وخلعوا عبادة من دون الله ولم تدخل المعرفة قلوبهم ان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يتألفهم ويعلمهم ويعرفهم كيما يعرفوا فجعل لهم نصيبا في الصدقات لكى يعرفوا ويرغبوا ". وهذه الاخبار كلها كما ترى ظاهرة في أن المؤلفة قلوبهم قوم مسلمون قد أقروا بالاسلام ودخلوا فيه لكنه لم يستقر في قلوبهم ولم يثبت ثبوتا راسخا فامر الله تعالى نبيه بتألفهم بالمال لكى تقوى عزائمهم وتشتد قلوبهم على البقاء على هذا الدين، فالتأليف إنما هو لاجل البقاء على الدين والثبات عليه لا لما زعموه (رضوان الله عليهم) من الجهاد كفارا كانوا أو مسلمين وانهم يتألفون بهذا السهم لا جل الجهاد. بقى الكلام في قوله عليه السلام في رواية زرارة الثالثة " المؤلفة قلوبهم لم يكونوا قط أكثر منهم اليوم " ونحوها رواية موسى بن بكر، ولعل معناه - والله سبحانه وقائله أعلم - ان ضعفة الدين المحتاجين إلى التأليف لاجل البقاء عليه ورسوخه في قلوبهم ليسوا مخصوصين بوقته صلى الله عليه وآله بل هم اكثر كثير في هذه الاوقات، ولعل ذلك باعتبار عدم الاقرار بامامتهم والاعتقاد بها التى هي أعظم ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله فان الشكاك في امامتهم وهم القسم الثالث المتوسط بين النصاب والمؤمنين ويعبر عنهم في الاخبار تارة بالشكاك وتارة بالضلال وتارة بالمستضعفين - أكثر الناس في زمانهم (عليهم السلام) كما دلت عليه الاخبار، وقد دلت الاخبار على أن حكمهم في الدنيا حكم أهل الاسلام وانهم في الآخرة من المرجئين لامر الله. واما قوله عليه السلام في رواية اسحاق " كم ترى أهل هذه الآية: ان أعطوا منها رضوا.. إلى آخره " فالظاهر ان المعنى فيها ما أفاده المحدث الكاشانى في معنى خبر زرارة المتقدم وهو بهذا الخبر انسب، حيث قال: وذلك لان الكثر المسلمين في اكثر الازمنة والبلاد دينهم مبتن على دنياهم ان أعطوا من الدنيا رضوا الدين وان


[ 178 ]

لم يعطوا منها إذا هم يسخطون. انتهى. ولعل المراد بالمؤمنين في قوله عليه السلام " وتألفهم المؤمنون " في خبر موسى بن بكر هم الائمة (صلوات الله عليهم) ولكن المراد بالتألف الاستمالة إلى الدين الحق والاستقرار عليه بالهداية والتعليم والادخال فيه بالطريق الاحسن لا بالمال، فانهم (صلوات الله عليهم) لم تكن لهم يد مبسوطة تقتضي التأليف بالزكاة. ثم ان أصحابنا (رضوان الله عليهم) اختلفوا في سقوط هذا السهم بعد النبي صلى الله عليه وآله وعدمه، وبالاول قطع الصدوق في الفقيه حيث قال: وسهم المولفة قلوبهم ساقط بعد رسول الله صلى الله عليه وآله. إلى الثاني بميل كلام المحقق في المعتبر حيث قال: ان الظاهر بقاؤه لان النبي صلى الله عليه وآله كان يعتمد التأليف إلى حين وفاته ولا نسخ بعده. وقال الشيخ انه يسقط في زمن غيبة الامام خاصة لان الذى يتألفهم إنما يتألفهم للجهاد وأمر الجهاد موكول إلى الامام وهو غائب. واعترضه في المنتهى بانا نقول قد يجب الجهاد في حال غيبة الامام عليه السلام بان يدهم المسلمين والعياذ بالله عدو يخاف منه عليهم فيجب عليهم الجهاد لدفع الاذى لا للدعاء إلى الاسلام فإذا احتيج إلى التاليف حينئذ جاز صرف السهم إلى اربابه من المؤلفة. انتهى. قال في المدارك بعد نقله: ولا ريب في قوة هذا القول تمسكا بظاهر التنزيل السالم من المعارض. اقول: لا يخفى عليك بعد الوقوف على ما قدمناه من أخبارهم (عليهم السلام) ان هذا الخلاف والبحث في هذا المقام نفخ في غير ضرام فان كلامهم أولا وآخرا يدور كله على ان المراد بالمؤلفة في الآية الشريفة هو التأليف لاجل الجهاد مع انهم لم ينقلوا بذلك خبرا ولا أوردوا عليه دليلا، والاخبار الواردة في تفسيرها كلها كما عرفت قد اتفقت على ان التأليف إنما هو لاجل البقاء على الدين والثبات عليه لمن دخل فيه دخولا متزلزلا غير مستقر فأمر الله تعالى رسوله بدفع هذا السهم


[ 179 ]

لهؤلاء لكى يرغبوا في الدين ويستقر في قلوبهم. وبالجملة فان هذا من أعجب العجائب من الاصحاب. بقى الكلام في انه على تقدير المعنى الذى ذكرناه في بيان المؤلفة هل يسقط هذا السهم بعده صلى الله عليه وآله أم لا ؟ الظاهر من الاخبار المتقدمة بالتقريب الذى شرحناه انه لا ريب في سقوطه في زمن الغيبة كزماننا هذا وما قبله وما بعده إلى أن يعجل الله تعالى فرج وليه، واما في وقت الائمة (صلوات الله عليهم) فالاخبار وان دلت على وجود من يحتاج إلى التأليف في زمانهم (صلوات الله عليهم) كما قدمنا الاشارة إليه إلا ان التأليف لما كان مخصوصا بهم وايديهم (عليهم السلام) يومئذ قاصرة عن اقامة الحدود الشرعية وتنفيذ الاحكام لغلبة التقية إلا أن يكون تأليفا بغير الاموال كما أشرنا إليه - آنفا فمن أجل ذلك سقط ايضا. ويؤيد ما ذكرناه ما صرح به شيخنا امين الاسلام الطبرسي (قدس سره) في كتاب مجمع البيان حيث قال: ثم اختلف في هذا السهم هل هو ثابت بعد النبي صلى الله عليه وآله ام لا ؟ فقيل هو ثابت في كل زمان عن الشافعي واختاره الجبائى (1) وهو المروى عن ابى جعفر عليه السلام إلا انه قال من شرطه أن يكون هناك امام عادل يتألفهم به على ذلك. ثم نقل القول بالاختصاص بزمانه صلى الله عليه وآله بالتقريب الذى نقله في المدارك عن بعض العامة واسنده إلى الحسن والشعبى وابى حنيفة وأصحابه (2). ومن المحتمل قريبا ان اسقاط ابن بابويه سهم المؤلفة بعده صلى الله عليه وآله إنما هو لما ذكرناه فانه لم يتعرض لبيان معنى المؤلفة وانهم عبارة عن ماذا. وروى الصدوق (قدس سره) في الصحيح وثقة الاسلام في الصحيح أو


(1) نسبه في البداية ج 1 ص 235 إلى الشافعي وابى حنيفة وفي نيل الاوطار ج 4 ص 234 إلى الجبائى والشافعي وفي المغنى ج 2 ص 666 إلى الحسن والزهري وابى جعفر ع (2) نسبه في البداية ج 1 ص 235 إلى مالك وفي نيل الاوطار ج 4 ص 234 إلى ابى حنيفة واصحابه وفي المغنى ج 2 ص 666 إلى الشعبى ومالك والشافعي واصحاب الرأي


[ 180 ]

الحسن عن زرارة ومحمد بن مسلم (1) " انهما قالا لابي عبد الله عليه السلام أرأيت قول الله تعالى: انما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله (2) أكل هؤلاء يعطى وان كان لا يعرف ؟ فقال ان الامام يعطى هولاء جيمعا لانهم يقرون له بالطاعة. قال زرارة قلت فان كانوا لا يعرفون ؟ فقال يا زرارة لو كان يعطى من يعرف دون من لا يعرف لم يوجد لها موضع وانما يعطى من لا يعرف ليرغب في الدين فيثبت عليه، فاما اليوم فلا تعطها أنت واصحابك إلا من يعرف فمن وجدت من هؤلاء المسلمين عارفا فاعطه دون الناس. ثم قال: سهم المؤلفة قلوبهم وسهم الرقاب عام والباقى خاص. قال قلت فان لم يوجدوا ؟ قال لا تكون فريضة فرضها الله لا يوجد لها أهل. قال قلت فان لم تسعهم الصدقات ؟ فقال ان الله فرض للفقراء في مال الاغنياء ما يسعهم ولو علم ان ذلك لا يسعهم لزادهم انهم لم يؤتوا من قبل فريضة الله ولكن اوتوا من منع من منعهم حقهم لا من ما فرض الله لهم ولو ان الناس أدوا حقوقهم لكانوا عائشين بخير ". اقول: لعل المراد بالخبر - والله سبحانه وقائله أعلم - انه لما ساله زرارة " أكل هؤلاء يعطى وان كان لا يعرف ؟ " أجاب عليه السلام بان الامام القائم باعباء الامامة والمتمكن على كرسى تلك الشوكة والزعامة كالنبى صلى الله عليه وآله وامير المؤمنين عليه السلام وقت خلافته يعطيهم لانهم مقرون بامامته مذعنون لدعوته منقادون له بالطاعة. راجعه بانه لو كانوا لا يعرفون يعنى لا يصدقون بامامته وان أقروا بها ظاهرا ؟ أجابه بانه لو كان يختص الاعطاء بالعارفين المصدقين يومئذ لم يوجد لها بجميع اصنافها موضع لتخلف ذلك في صنف المؤلفة كما يشير إليه قوله: " وإنما يعطى من لا يعرف ليرغب في الدين " ويحتمل ان المراد أن الرسول صلى الله عليه وآله في وقته كان يعطى على الاسلام لا


(1) الوسائل الباب 1 من المستحقين للزكاة (2) سورة التوبة الآية 61


[ 181 ]

على الايمان فيعطى المنافقين ويعطى الشكاك التى تضمنتهم تلك الاخبار لاجل ان يرغبوا في الدين ويثبتوا عليه، فاما اليوم أي وقتهم (صلى الله عليهم) فقد انكشف الغطاء وظهر المغطى وسقط التأليف فلا تعطها إلا المؤمن العارف. ولو حملت مراجعة زرارة على السؤال عن عدم المعرفة بالمعنى الذى في صدر الخبر لم يكن لهذه المراجعة معنى لانه قد أجابه عنها في صدر الخبر فكيف يسال عنها مرة اخرى، فلا بد من حمل المعرفة هنا على المعرفة الحقيقية التى هي عبارة عن التصديق. ثم قال: سهم المؤلفة والرقاب عام للعارف وغيره والباقى من الفقراء والمساكين والعاملين والغارمين وابن السبيل خاص بالعارف لما سيأتي ان شاء الله تعالى قريبا من تحريم الدفع من الزكاة إلى غير المؤمن. والله العالم.

الخامس من الاصناف الثمانية - الرقاب والمراد بهم على ما ذكره الاصحاب المكاتبون والعبيد تحت الشدة أو غير شدة لكن مع عدم المستحق اقول اما ما يدل على المكاتب فهو ما رواه الشيخ في التهذيب مسندا عن ابى اسحاق عن بعض أصحابنا عن الصادق عليه السلام ورواه ابن بابويه في الفقيه مرسلا عنه عليه السلام (1) قال: " سئل عن مكاتب عجز عن مكاتبته وقد أدى بعضها ؟ قال يؤدى عنه من مال الصدقة ان الله يقول في كتابه: وفي الرقاب (2) " ومورد الخبر من عجز عن مكاتبته وقد أدى بعضها وظاهر الاصحاب المكاتب مطلقا. واما ما يدل على شراء العبيد تحت الشدة فما رواه في الكافي عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " سألته عن الرجل يجتمع عنده من الزكاة الخمسمائة والستمائة يشترى بها نسمة ويعتقها ؟ قال إذا يظلم قوما آخرين حقوقهم. ثم مكث مليا ثم قال إلا أن يكون عبدا مسلما في ضرورة فيشتريه ويعتقه ".


(1) الوسائل الباب 44 من المستحقين للزكاة (2) سورة التوبة الآية 61 (3) الوسائل الباب 43 من المستحقين للزكاة


[ 182 ]

وهذه الرواية رواها الشيخ في التهذيب (1) من الكافي عن عمر وبن ابى نصر والناظر فيها ينظمها في الصحيح وهو تصحيف منه (قدس سره) وسهو واقع في عبارته وانما هو عن عمرو عن ابى بصير، وصاحب المدارك قد اغتر بنقل صاحب التهذيب لها بهذه الكيفية فنظمها في الصحيح واستدل بها. واما ما يدل على الثالث فهو ما رواه في الكافي والتهذيب في الموثق عن عبيد بن زرارة (2) قال: " سالت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أخرج زكاة ماله الف درهم فلم يجد لها موضعا يدفع ذلك إليه فنظر إلى مملوك يباع في من يزيد فاشتراه بتلك الالف التى أخرجها من زكاته فاعتقه هل يجوز له ذلك ؟ قال نعم لا بأس بذلك. قلت فانه لما أن اعتق وصار حرا اتجر واحترف فاصاب مالا ثم مات وليس له وارث فمن يرثه إذا لم يكن له وارث ؟ قال يرثه الفقراء المؤمنون الذين يستحقوق الزكاة لانه إنما اشترى بمالهم ". هذا ما استدل به الاصحاب في المسألة على الاقسام الثلاثة. وقال الثقة الجليل على بن ابراهيم في تفسيره (3) في تتمة الخبر المتقدم نقله عن العالم عليه السلام: وفي الرقاب قوم لزمتهم كفارات في قتل الخطأ وفي الظهار وفي الايمان وفي قتل الصيد في الحرم وليس عندهم ما يكفرون وهم مؤمنون فجعل الله لهم سهما في الصدقات ليكفر عنهم. وأنت خبير بان غاية ما تدل عليه رواية ابى بصير وكذا موثقه عبيد بن زرارة هو شراء العبد من مال الزكاة وليس فيها تصريح ولا اشارة إلى كونه من سهم الرقاب كما ادعوه. ومن ما يعاضدها في ذلك ما رواه الصدوق في كتاب العلل في الصحيح عن


(1) ج 1 ص 377 وفي الوسائل الباب 43 من المستحقين للزكاة (2) الوسائل الباب 43 من المستحقين للزكاة (3) الوسائل الباب 1 من المستحقين للزكاة رقم 7.


[ 183 ]

ابوب بن الحر أخى أديم بن الحر (1) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام مملوك يعرف هذا الامر الذى نحن عليه اشتريه من مال الزكاة واعتقه ؟ قال فقال اشتره واعتقه. قلت فان هو مات وترك مالا ؟ فقال ميراثه لاهل الزكاة لانه اشترى بسهمهم " قال وفي حديث آخر " بمالهم ". وما رواه في الكافي عن محمد الوابشى عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " سأله بعض أصحابنا عن رجل اشترى اباه من الزكاة زكاة ماله ؟ قال اشترى خير رقبة لا باس بذلك. والقول بجواز الاعتاق من الزكاة منقول عن العلامة في القواعد وقواه ولده في الشرح ونقله عن الشيخ المفيد وابن ادريس (قدس سره) ولا ريب ان هذه الاخبار ظاهرة الدلالة عليه وليست من أخبار ما نحن فيه في شئ لما عرفت، وحينئذ فتكون هذه الاخبار خارجة مخرج الرخصة في العتق من الزكاة لعدم دخول ذلك تحت شئ من الاصناف الثمانية المعدودة في الآية كما حققنا ذلك بما لا مزيد عليه في شرحنا على المدارك وفق الله لا تمامه. ولا ريب ايضا في قوة القول المذكور لدلالة الاخبار المذكورة عليه وان كان كثير منهم ذهب إلى عدمه كما نقله بعض الافاضل. واما ما يظهر من السيد في المدارك وهو ظاهر الاصحاب من الاستدلال على شراء العبد تحت الشدة أو مع عدم وجود المستحق بخبرى ابى بصير وعبيد بن زرارة والاستدلال بخبرى أيوب بن الحر والوابشى على جواز الشراء من مال الزكاة - فلا أعرف له وجها وجيها فان مورد الجميع إنما هو الاشتراء من الزكاة مطلقا كما عرفت، وحينئذ فاما ان يجعل الجميع دليلا على الشراء من سهم الرقاب أو دليلا على القول بجواز الشراء من الزكاة مطلقا، ليس بين الاخبار الاربعة فرق


(1) الوسائل الباب 43 من المستحقين للزكاة (2) الوسائل الباب 19 من المستحقين للزكاة


[ 184 ]

إلا باعتبار ان خبر ابى بصير قد دل بظاهره على المنع من شراء العبد إلا أن يكون تحت الشدة وباقى الروايات مطلقة سيما رواية العلل ورواية الوابشى. وما اشتمل عليه صدر رواية عبيد بن زرارة من أنه لم يجد لها موضعا لا يصلح للتخصيص لانه إنما وقع في كلام السائل وليس في الجواب ما يدل عليه. والجمع بينها ممكن اما بابقاء تلك الاخبار على اطلاقها وحمل رواية ابى بصير على الكراهة أو تقييد أطلاق تلك الاخبار بها أو تخصيص المنع بما إذا اشترى بالزكاة كملا كما هو ظاهر. خبر ابى بصير وقوله (عليه السلام) فيه " إذا يظلم قوما آخرين حقوقهم " وحمل غيره على ما إذا لم يكن كذلك. ويؤيد ما قلناه ما اشتمل عليه خبر عبيد بن زرارة وخبر العلل من انتقال ميراث العبد للفقراء مع عدم الوارث معللا بانه اشترى من مالهم، ومن الظاهر أن سهم الرقاب ليس من مالهم لانه أحد الاصناف الثمانية ووجوب البسط عندنا غير ثابت حتى انه مع الاشتراء بجميع مال الزكاة فللفقراء فيه حصة. نعم ربما يشكل بما لو اشترى العبد من سهم سبيل الله بناء على انه لجميع القرب والطاعات كما سيأتي ان شاء الله تعالى بيانه وانه لا وجه ايضا لرجوع ميراثه إلى الفقراء لانه اشترى من مالهم فان سهم السبيل مصرف آخر غير مالهم. ولعل الوجه في التفصى عن هذا الاشكال هو الرجوع إلى قصد المشترى ونيته فان اشتراه بقصد كونه من مال سهم سبيل الله فالوجه فيه ما ذكرناه وان ميراثه يرجع إلى الامام عليه السلام وان اشتراه من الزكاة لا بهذا القصد صار الحكم فيه ما تضمنته الاخبار. ولا استبعاد في ذلك لان العبادات بل جملة الافعال تابعة للنيات والقصود صحة وبطلانا وثوابا وعقابا وحلية وتحريما ونحو ذلك. ولا يخفى ان ظاهر تلك الاخبار مساعد لما ذكرناه لا نها دلت على الاشتراء من الزكاة بقول مطلق من غير تقييد بسهم خاص، واما ادخال ذلك في سهم الرقاب كما عليه ظاهر كلمة الاصحاب فلا أعرف له وجها لعدم فهمه من الاخبار واجمال الآية


[ 185 ]

يجب فيه الرجوع إلى النصوص، والذى دلت عليه النصوص الواردة في تفسيرها هو المكاتب كما تقدم في مرسلة ابى اسحاق وما تقدم من رواية على بن ابراهيم في تفسيره، إلا أن الرواية الاولى هي الاشهر بين الاصحاب فانه لا خلاف بينهم في حملها على المكاتب وان كان مورد الرواية أخص من ما ذكروه كما قدمنا الاشارة إليه ومن ما يؤيد ما ذكرناه ان الصدوق في الفقيه لم يذكر في مصرف سهم الرقاب غير المكاتبين العاجزين عن اداء الكتابة كما هو مورد الرواية التى قدمناها. واما ما دلت عليه الرواية الثانية فانه محل خلاف بينهم، فان ظاهر المحقق في الشرائع التردد في ذلك حيث قال بعد ذكر الاصناف الثلاثة التى قدمنا نقلها عنهم: وروى رابع وهو من وجبت عليه كفارة ولم يجد فانه يعتق عنه، وفيه تردد. وهو اشارة إلى الرواية المذكورة كما صرح به السيد السند في المدارك، وطعن فيها في المدارك ايضا بان مقتضاها اخراج الكفارة وان لم تكن عتقا، وانها غير واضحة الاسناد لان على بن ابراهيم أوردها مرسلة، قال ومن ثم تردد المصنف في العمل بها وهو في محله. انتهى. وقال الشيخ في المبسوط: وروى اصحابنا ان من وجب عليه عتق رقبة في كفارة ولا يقدر على ذلك جاز أن يعتق عنه، والاحوط عندي أن يعطى ثمن الرقبة لكونه فقيرا فيشترى هو ويعتق عن نفسه. وظاهره انه يعطى من سهم الفقراء، وجوز في المعتبر اعطاءه من سهم الغارمين ايضا لان القصد بذلك ابراء ذمة المكفر عنه من ما في عهدته. قال في المدارك بعد نقله عنه: وهو جيد لان ذلك في معنى الغرم. أقول: لا يخفى ما في كلامهم (نور الله تعالى مراقدهم) في هذا المقام وانه مجرد اجتهاد في مقابلة نصوصهم (صلوات الله عليهم) وليت شعرى أي مانع من العمل بالخبر المذكور بعد صراحته في تفسير الآية بذلك ؟ والمناسبة للآية حيث تضمنت الرقاب لا تختص بالعتق كما توهموه بل هي أعم من ذلك بان يراد بها فك الرقاب وتخليصها


[ 186 ]

من رق العبودية أو من حقوق لزمتها باحد هذه الوجوه المذكورة في الخبر، فانه لا ريب ان من لزمه شئ من هذه الحقوق فقد تعلق برقبته فجعل الله تعالى له سهما في الصدقات لفك رقبته من ذلك. ولا منافاة في هذه الرواية للرواية الاخرى الواردة ايضا في تفسير الآية كما لا يخفى، بل مقتضى الخبرين هو كون سهم الرقاب عبارة عن ما يصرف في اعانة المكاتب كما تضمنته احدى الروايتين أو في هذه الاشياء كما تضمنته هذه الرواية. وبذلك يظهر لك مافى طعن صاحب المدارك في الرواية بتضمنها اخراج الكفارة وان لم تكن عتقا فانه لا ضير فيه ولا طعن به والآية قابلة للحمل عليه كما عرفت. واما طعنه بضعف السند فقد عرفت في غير مقام انه غير معتبر ولا معتمد سيما والمرسل لها هذا الثقة الجليل، ومن المعلوم ان مراسيلهم ومسانيدهم أمر واحد وان هذا الارسال إنما يقع غالبا للاختصار كما لا يخفى على من أحاط خبرا بطريقة الصدوق في الفقيه وتصريحه في غير موضع بعد ذكر الاحاديث المرسلة انى اخرجتها مسندة في كتاب كذا وكذا. ثم انه قد وقع الخلاف بينهم في ما لو دفع المالك من هذا السهم للمكاتب ولم يصرفه في وجه المكاتبة بان ابرأه سيده أو تطوع عليه متطوع فهل يجب ارتجاعه منه أم لا ؟ صرح الشيخ بالثاني قال لانه ملكه بالقبض فكان له التصرف فيه كيف شاء، واستشكله المحقق في المعتبر وقال ان الوجه انه إذا دفعه إليه ليصرفه في مال الكتابة ارتجع بالمخالفة لان للمالك الخيرة في صرف الزكاة في الاصناف. قال في المدارك بعد نقله عنه: وهو جيد. لكن يبقى الكلام في اعتبار هذا القصد من المالك ومقتضى كلامه في الغارم وابن السبيل اعتباره فانه استدل على جواز الارتجاع بان كلا من الغارم وابن السبيل إنما ملك المال ليصرفه في وجه مخصوص فلا يسوغ له غيره. وهو غير بعيد إذا لولا ذلك لجاز اعطاء المكاتب وابن السبيل


[ 187 ]

ما يزيد عن قدر حاجتهم وهو باطل قطعا. انتهى. والمسألة عندي محل توقف لعدم النص وان كان ما ذكره السيد السند لا يخلو من قرب. تتمة (1) قال السيد السند (قدس سره) في المدارك بعد قول المصنف: والمكاتب انما يعطى من هذا السهم إذا لم يكن معه ما يصرفه في كتابته ما لفظه: مقتضى العبارة جواز اعطاء المكاتب من هذا السهم إذا لم يكن معه ما يصرفه في كتابته وان كان قادرا على تحصيله بالتكسب، وهو كذلك عملا بالاطلاق، واعتبر الشهيد في البيان قصور كسبه عن مال الكتابة. انتهى. اقول: لا يخفى ان الخبر الذى قدمناه مستندا لهذا الحكم وهو خبر ابى اسحاق قد دل على تقييد اعطاء المكاتب بالعجز عن اداء مال الكتابة، والظاهر انه هو مراد المصنف وان كانت عبارته غير صريحة فيه إلا ان السيد المذكور لم يقف على الخبر المشار إليه وجمد على اطلاق الآية. وبما ذكرنا صرح ايضا شيخنا الصدوق في الفقيه لما فسر سهم الرقاب المكاتب خاصة، حيث قال: وسهم الرقاب يعان به المكاتبون الذين يعجزون عن اداء مال الكتابة. انتهى. وبه يظهر ان الاظهر هو ما صرح به في الدروس. ومن ما يؤيد ذلك ايضا ما ذكره السيد المذكور في صنف الغارمين حيث قال: ويعتبر في الغارم ان يكون غير متمكن من القضاء كما صرح به الشهيدان وجماعة لان الزكاة انما شرعت لسد الخلة ورفع الحاجة ولا تدفع مع الاستغناء عنها. ولو تمكن من قضاء البعض دون البعض اعطى ما لا يتمكن من قضائه. انتهى ولا يخفى ان هذا الكلام جار في ما نحن فيه ايضا، فانه ان عمل على اطلاق الآية فهى في هذا الموضع ايضا مطلقة فكيف استجاز تقييدها بما ذكره، وان اعتبر بهذا التقييد - وهو ان الزكاة انما شرعت لسد الخلة.. إلى آخره فلا معنى


(1) هذه التتمة أوردناها على طبق النسخة الخطية ولم ترد في المطبوعة.


[ 188 ]

لكلامه هنا لان القادر على التحصيل بالتكسب غنى عندهم فهو غير محتاج، فلا وجه لعمله على اطلاق الآية. وهذا بحمد الله سبحانه ظاهر لاستر عليه.

السادس من الاصناف المذكورة - الغارمون وفسرهم الاصحاب بانهم الذين عليهم الديون في غير معصية، والظاهر انه لا خلاف فيه كما صرح به غير واحد منهم ويدل عليه ما رواه في الكافي عن محمد بن سليمان عن رجل من أهل الجزيرة يكنى ابا نجاد (1) قال: " سأل الرضا عليه السلام رجل وانا اسمع فقال له جعلت فداك ان الله عزوجل يقول: " وان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة " (2) اخبرني عن هذه النظرة التى ذكرها الله تعالى في كتابه لها حد يعرف إذا صار هذا المعسر إليه لابد من أن ينظر وقد أخذ مال هذا الرجل وانفقه على عياله وليس له غلة ينتظر ادراكها ولا دين ينتظر محله ولا مال غائب ينتظر قدومه ؟ قال نعم ينتظر بقدر ما ينتهى خبره إلى الامام فيقضى عنه ما عليه من الدين من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في طاعة الله عزوجل فان كان أنفقه في معصية الله فلا شئ له على الامام. قلت فما لهذا الرجل الذى ائتمنه وهو لا يعلم في ما أنفقه في طاعة الله عزوجل أم في معصيته ؟ قال يسعى له في ماله ويرده عليه وهو صاغر ". وما رواه فيه ايضا عن صباح بن سيابة عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله أيما مومن أو مسلم مات وترك دينا لم يكن في فساد ولا اسراف فعلى الامام ان يقضيه فان لم يقضه فعليه اثم ذلك، ان الله تبارك وتعالى يقول: " انما الصدقات للفقراء والمساكين.. الآية " (4) فهو من الغارمين وله سهم عند الامام فان حبسه عنه فاثمه عليه ". وفي تفسير على بن ابراهيم في تتمة الحديث المتقدم نقله (5) في الاصناف


(1) الوسائل الباب 9 من ابواب الدين وفيه كما في الفروع ج 1 ص 235 والتهذيب ج 6 ص 185 (يكنى ابا محمد) (2) سورة البقرة الآية 281 (3) الاصول ج 1 ص 407 (4) سورة التوبة الآية 61 (5) الوسائل الباب 1 من المستحقين للزكاة رقم (7)


[ 189 ]

المتقدمة قال: " والغارمين قوم قد وقعت عليهم ديون انفقوها في طاعة الله من غير اسراف فيجب على الامام أن يقضى عنهم ويفكهم من مال الصدقات ". وما رواه الحميرى في كتاب قرب الاسناد عن الحسين بن علوان عن جعفر ابن محمد عن أبيه (عليهما السلام) (1) " ان عليا عليه السلام كان يقول يعطى المستدينون من الصدقة والزكاة دينهم كله ما بلغ إذا استدانوا في غير سرف ". وما رواه الكليني في الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج (2) قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل عارف فاضل توفى وترك عليه دينا قد ابتلى به لم يكن بمفسد ولا مسرف ولا معروف بالمسألة هل يقضى عنه من الزكاة الالف والالفان ؟ قال نعم ". ثم انه قد ورد هنا اخبار مطلقة ينبغى حملها على هذه الاخبار المقيدة: منها ما رواه في الكافي عن موسى بن بكر (3) قال: " قال لى أبو الحسن عليه السلام من طلب هذا الرزق من حله ليعود به على نفسه وعياله كان كالمجاهد في سبيل الله فان غلب عليه فليستدن على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله ما يقوت به عياله فان مات ولم يقضه كان على الامام قضاؤه فان لم يقضه كان عليه وزره، ان الله عزوجل يقول: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها.. إلى قوله والغارمين (4) وهو فقير مسكين مغرم " وما رواه فيه ايضا عن العباس عن من ذكره عن ابى عبد الله عليه السلام (5) قال: " الامام يقضى عن المؤمنين سائر الديون ماخلا مهور النساء ". إذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام هنا يقع في مواضع: احدها - قد صرح جمع من الاصحاب بانه يعتبر في الغارم أن يكون غير متمكن من الاداء لان الزكاة إنما شرعت لسد الخلة ورفع الحاجة ولا تدفع مع الاستغناء عنها، واستقرب العلامة في


(1) الوسائل الباب 24 و 48 من المستحقين للزكاة (2) الوسائل الباب 24 و 46 من المستحقين للزكاة (3) الوسائل الباب 46 من المستحقين للزكاة والباب 9 من ابواب الدين (4) سورة التوبة الآية 61 (5) الوسائل الباب 9 من ابواب الدين


[ 190 ]

النهاية جواز الدفع إلى المديون وان كان عنده ما يفى بدينه إذا كان بحيث لو دفعه يصير فقيرا لانتفاء الفائدة في أن يدفع ماله ثم يأخذ الزكاة باعتبار الفقر. قال في المدارك بعد نقله عنه: ومقتضى كلامه ان الاخذ والحال هذه يكون من سهم الغارمين، وهو غير بعيد لاطلاق الآية وعدم صدق التمكن من اداء الدين عرفا بذلك. انتهى. اقول: لا ريب ان ما ذكروه من أنه يعتبر في الغارم أن يكون غير متمكن من الاداء هو مقتضى الاخبار التى ذكرناها فالاولى في الاستدلال على ما ذكروه هو الاستناد إليها، إلا انهم (رضوان الله عليهم) لم يلموا في هذا المقام بشئ منها ولا ذكروا منها شيئا بالمرة فلذا عللوا الحكم المذكور بما ذكروه، وهو من حيث الاعتبار لا يخلو من قوة إلا انك قد عرفت في غير موضع ان أمثال هذه التعليلات العقلية لا تصلح مجردة عن الاخبار لتأسيس الاحكام الشرعية. واما ما ذكره العلامة من جواز الدفع إلى المديون وان كان عنده ما يفى بدينه فظواهر الاخبار التى ذكرناها تأباه وترده ولا سيما الخبر الاول فانه صريح في ذلك وما ذكره في المدارك - من أنه غير بعيد لاطلاق الآية.. إلى آخر كلامه - ينافى ما صرح به أولا من ما نقلناه عنهم من أنه يعتبر في الغارم أن يكون غير متمكن من الاداء.. إلى آخر ما نقلناه عنهم، فان هذا الكلام ظاهر في انهم لم يعملوا على اطلاق الآية بل قيدوها بعدم التمكن، ولا ريب ان هذا متمكن كما هو المفروض وتعليلهم الذى ذكروه أظهر ظاهر في ذلك. واما ما ذكره من عدم صدق التمكن من اداء الدين عرفا فهو ممنوع أشد المنع، وكيف لا يكون متمكنا وعنده ما يفى بدينه كما هو المفروض، وإنما يتعللون بانه بعد الدفع في الدين يكون فقيرا محتاجا إلى الزكاة. وهذا لا يصلح وجها لما اعتمده (أما أولا) فلان الله تعالى ضامن للرزق فلعل الله تعالى بسبب حسن نيته في قضاء دينه والمسارعة إلى فكاك عنقه بما عنده يعجل له بالرزق من حيث لا يحتسب ولا يحتاج إلى الزكاة.


[ 191 ]

(واما ثانيا) فانه ليس الفقر إلا عدم ملك مؤنة السنة وهذا لا يستلزم الحاجة إلى الزكاة في الحاضر وان كان من أهلها باعتبار فقره وانما يحتاج إليها لاتمام مؤنة السنة، ومع فرض احتياجه إلى الزكاة كما ادعوه فهو لا يصلح مستندا لما ذكروه. وبالجملة فكلامهم في المقام لما كان غير مبنى على خبر ولا دليل شرعى وانما هو مجرد اعتبارات وتخريجات فالباب في ذلك واسع، وأنت إذا رجعت إلى الاخبار التى ذكرناها لا ترتاب في صحة ما ذكرناه وظهورة منها كما بيناه. وثانيها - ان ظاهر كلمة الاصحاب الاتفاق على اشتراط الاداء عن الغارمين بان لا يكون ما استدانوه في معصية والاخبار المتقدمة صريحة في ذلك كما عرفت، وبعضها وان كان مطلقا لكن يجب حمله على مقيدها. وبذلك يظهر لك ما في مناقشة السيد السند في المدارك ومن اقتفاه كالفاضل الخراساني في الذخيرة. قال في المدارك: واشترط الاصحاب في جواز الدفع إلى الغارم أن لا يكون استدانته في معصية، واستدلوا عليه بان في قضاء دين المعصية حملا للغريم على المعصية وهو قبيح عقلا فلا يكون متعبدا به شرعا، وبما روى عن الرضا عليه السلام (1) انه قال: " يقضى ما عليه من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في طاعة الله عزوجل وإذا كان انفقه في معصية الله فلا شئ له على الامام " ويمكن المناقشة في الاول بان اعانة المستدين في المعصية انما تقبح مع عدم التوبة لا مطلقا، وفي الرواية بالطعن في السند فانا لم نقف عليها مسندة في شئ من الاصول، ومن ثم ذهب المصنف في المعتبر إلى جواز اعطائه مع التوبة من سهم الغارمين وهو حسن. انتهى. أقول: بل الدليل على ما ذكره الاصحاب إنما هو هذه الاخبار الواضحة الدلالة على ذلك ولكنه معذور حيث لم يقف عليها كما يفصح عنه انكاره لوجود هذه الرواية عن الرضا عليه السلام في شئ من الاصول وهى في كتاب الكافي لكنها حيث


(1) وهى رواية محمد بن سليمان المتقدمة ص 188


[ 192 ]

لم تكن في كتاب الزكاة وانما هي في كتاب الديون لم يطلع عليها وكذا غيرها من ما نقلناه واما ما نقله عن المعتبر من جواز اعطائه مع التوبة فالظاهر انه مبنى على ما أجاب به هنا عن التعليل الذى استدل به الاصحاب على عدم جواز الدفع من هذا السهم لمن انفق ما استدانه في معصية وانه مع التوبة لا يقبح الاداء عنه وان كان كذلك. وأنت قد عرفت انا لا نعتمد على هذه التعليلات الواهية وإنما العلة هي النصوص المذكورة والتوبة لا مدخل لها في ذلك، لان الظاهر ان ايجاب الشارع القضاء عليه من غير ان يعطى من هذا السهم ما يقضى به عن نفسه إنما وقع عقوبة له في ما فعل من صرف ما استدانه في المعصية كما ينادى به قول الرضا عليه السلام في الرواية الاولى (1) " يسعى له في ماله ويرده عليه وهو صاغر ". وبالجملة فان الاخبار وكلمة الاصحاب متفقة على ان الدفع من هذا السهم مخصوص بمن استدان في غير معصية، والخروج عن ذلك من غير دليل واضح مع كونه تحكما محضا جرأة كما لا يخفى على المنصف. إلا أن ذلك إنما هو بالنسبة إلى من وقف على الاخبار المذكورة واما من لم يقف عليها فهو معذور في ما ذكره. إلا ان الحكم في المسألة قبل تتبع الادلة الشرعية من مظانها مشكل فنسال الله تعالى لنا ولهم المسامحة بجوده ومغفرته. وثالثها - انه قد ذكر الاصحاب انه لو جهل مصرف الدين في طاعة أو معصية فانه يعطى من سهم الغارمين، ونقل عن الشيخ القول بالمنع، قالوا وربما كان مستنده رواية محمد بن سليمان المتقدمة في اول الاخبار السابقة (2) وقوله فيها " قلت فما لهذا الرجل الذى إئتمنه وهو لا يعلم في ما أنفقه في طاعة الله عزوجل أم في معصيته ؟ قال يسعى له في ماله ويرده عليه وهو صاغر " قالوا: وهذه الرواية ضعيفة جدا فلا يمكن التعويل عليها في اثبات حكم مخالف للاصل، لان الاصل في تصرفات المسلم


(1) و (2) ص 188


[ 193 ]

وقوعها على الوجه المشروع، ولان تتبع مصارف الاموال عسر. أقول: الظاهر ان الخبر المذكور لا دلالة فيه على ما ذكروه من انه متى جهل الامام حال انفاقه لم يدفع له من هذا السهم. وبيان ذلك ان الظاهر ان المرجع في الانفاق إلى كونه طاعة أو معصية إنما هو إلى المنفق لانه المتولي لذلك، واطلاع الناس على ذلك أمر نادر غالبا سيما إذا كان مستور الظاهر، وحينئذ فيرجع الحكم إليه فان أنفقه في طاعة جاز له الاخذ من هذا السهم وحل له ذلك وان أنفقه في معصية حرم عليه الاخذ منه. واما الحكم بالنسبة إلى الامام فانه ان اطلع على أحد الامرين عامله به وان لم يطلع ولا سيما مع كونه مستور الظاهر غير معروف بالفسق فانه يدفع إليه بناء على ظاهر الحال ولكنه يحرم عليه في ما بينه وبين الله ان كان ما استدانه قد أنفقه في المعصية، وحينئذ فيرجع قوله عليه السلام: " إذا كان أنفقه في طاعة الله " إلى ما لو علم الانفاق بكونه في طاعة أو بنى في ذلك على حسن ظاهره كما يشير إليه قوله عليه السلام في صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج " لم يكن بمفسد ولا مسرف " وقوله في رواية صباح بن سيابه " لم يكن في فساد ولا إسراف " فان مرجع ذلك إلى الحكم بحسن الظاهر. والرواية عند التأمل فيها لا منافاة فيها لما ذكرناه، لانه لما ذكر عليه السلام انه انما يعطيه الامام إذا أنفقه في طاعة الله واما إذا أنفقه في المعصية فلا شئ له رجع له الراوى وقال له ان صاحب هذا الدين لا علم له بكونه أنفقه في طاعة أو معصية، أجابه عليه السلام بما معناه ان صاحب الدين لا مدخلية له في ذلك، وإنما المرجع فيه إلى المستدين فان كان قد أنفق ما استدانه منه في معصية وجب عليه أن يسعى له فيه ويرده عليه وهو صاغر. هذا حاصل جوابه عليه السلام. وجهل الانفاق هنا إنما نسب إلى صاحب الدين لا إلى الامام حتى يتم ما تو هموه من الخبر من أنه متى جهل الامام وجه الانفاق لم يدفع له من هذا السهم، غاية الامر ان الامام عليه السلام للتفصيل الذى ذكره أولا وعلم منه الحكم اجمل في الجواب ثانيا اعتمادا على ما قدمه من التفصيل.


[ 194 ]

هكذا حقق المقام ولا تصغ إلى ما سبق من الاوهام. ورابعها - قال الشيخ في المبسوط: واما الغارمون فصنفان: صنف استدانوا في مصلحتهم في غير معصية ثم عجزوا عن ادائه فهؤلاء يعطون من سهم الغارمين بلا خلاف، وقد ألحق بهذا قوم ادانوا مالا في دم بان وجد قتيل لا يدرى من قتله وكاد ان تقع بسببه فتنة فتحمل رجل ديته لاهل القبيلة فهؤلاء ايضا يعطون اغنياء كانوا أو فقراء لقوله صلى الله عليه وآله (1) " لا تحل الصدقة لغنى إلا لخمسة: غاز في سبيل الله أو عامل عليها أو غارم " والحق به ايضا قوم تحملوا في ضمان مال بان يتلف مال رجل ولا يدرى من أتلفه وكاد ان تقع بسببه فتنة فتحمل رجل قيمته واطفأ الفتنة. انتهى. وبذلك صرح كثير من الاصحاب ممن تأخر عنه: منهم - العلامة في اكثر كتبه وابن حمزة ؟ وظاهرهم دفع ذلك من سهم الغارمين، ولم أقف فيه على نص من طرقنا والرواية التى ذكرها الشيخ الظاهر انها من طرق المخالفين، ولو اريد الدفع من سهم سبيل الله بناء على ما هو الاشهر الاظهر من أن مصرفه جميع الطاعات وإصلاح ذات البين من أعظمها فهو جيد. وروى ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب محمد بن على بن محبوب في الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج (2) ان محمد بن خالد قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصدقات فقال إقسمها في من قال الله عزوجل ولا تعطين من سهم الغارمين الذين ينادون بنداء الجاهلية شيئا. قلت وما نداء الجاهلية ؟ قال هو الرجل يقول يا لبنى فلان فيقع بينهم القتل والدماء فلا تؤدوا ذلك من سهم الغارمين، ولا الذين يغرمون من مهور النساء، ولا أعلمه إلا قال ولا الذين لا يبالون ما صنعوا في اموال الناس " وفي هذا الحديث إيماء إلى ما ذكره الاصحاب.


(1) سنن ابى داود ج 1 ص 259 (2) الوسائل الباب 48 من المستحقين للزكاة وفيه (يا بنى فلان)


[ 195 ]

وخامسها - قد صرح الاصحاب بانه لو كان له دين على فقير جاز له مقاضته به من الزكاة، وهو من ما لا خلاف فيه. ويدل عليه جملة من الاخبار: منها - ما رواه الكليني في الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج (1) قال: " سألت أبا الحسن الاول عليه السلام عن دين لى على قوم قد طال حبسه عندهم لا يقدرون على قضائه وهم مستوجبون للزكاة هل لى أن أدعه وأحتسب به عليهم من الزكاة ؟ قال نعم ". وعن عقبة بن خالد (2) قال: " دخلت أنا والمعلى وعثمان بن عمران على ابى عبد الله عليه السلام فلما رآنا قال مرحبا بكم وجوه تحبنا ونحبها جعلكم الله معنا في الدنيا والآخرة فقال له عثمان جعلت فداك فقال له أبو عبد الله عليه السلام نعم مه. قال انى رجل موسر فقال له بارك الله لك في يسارك قال فيجيئنى الرجل فيسألني الشئ وليس هو إبان زكاتي ؟ فقال له أبو عبد الله عليه السلام القرض عندنا بثمانية عشر والصدقة بعشر وماذا عليك إذا كنت كما تقول موسرا اعطيته فإذا كان إبان زكاتك احتسبت بها من الزكاة، يا عثمان لا ترده فان رده عند الله عظيم، يا عثمان انك لو علمت ما منزلة المؤمن من ربه ما توانيت في حاجته، ومن أدخل على مؤمن سرورا فقد أدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وقضاء حاجة المؤمن يدفع الجنون والجذام والبرص ". وروى الكليني في الموثق عن سماعة عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " سألته عن الرجل يكون له الدين على رجل فقير يريد أن يعطيه من الزكاة ؟ فقال ان كان الفقير عنده وفاء بما كان عليه من الدين من عرض من دار أو متاع من متاع البيت أو يعالج عملا يتقلب فيه بوجهه فهو يرجو ان ياخذ منه ماله عنده من دينه فلا بأس أن يقاصه بما أراد أن يعطيه من الزكاة أو يحتسب بها، وان لم يكن عند


(1) و (3) الوسائل الباب 46 من المستحقين للزكاة (2) الفروع ج 1 ص 163 باب القرض، وفي الوسائل الباب 49 من المستحقين للزكاة و 25 من فعل المعروف


[ 196 ]

الفقير وفاء ولا يرجو أن يأخذ منه شيئا فليعطه من زكاته ولا يقاصه بشئ من الزكاة " وذكر شيخنا الشهيد الثاني ان المقاصة احتساب الزكاة على الفقير ثم أخذها مقاصة من دينه، وقيل هي القصد إلى اسقاط ما في ذمة الفقير للمزكى من الدين على وجه الزكاة، وهو أظهر. قال في المدارك: وفي معنى الفقير الغنى اعني مالك قوت السنة إذا كان بحيث لا يتمكن من اداء الدين. ولا يخفى ما فيه: أما أولا - فلانه خلاف ما اتفقت عليه الاخبار وكلمة الاصحاب من غير خلاف يعرف في الباب من اشتراط الفقر في المستحق وان الغنى وهو المالك مؤنة سنة لا يجوز أن يعطى منها، والفرق بين الاعطاء ابتداء والمقاصة من ما لا دليل عليه فلا وجه له. والظاهر ان منشأ الشبهة عنده هو ما تقدم في الموضع الاول من انه باداء ما عليه من الدين يكون فقيرا محتاجا إلى الزكاة لفقره فلا معنى لان يعطى ما عليه من الدين ثم يأخذ الزكاة. وفيه ما عرفت وانه ليس كل فقير يحتاج في الحاضر إلى الزكاة وان احتاج إليها في وقت آخر، فلو فرضنا ان شخصا عنده الف درهم جنسا أو نقدا وهى مؤنة سنته وعليه مائة درهم دينا فلو أعطى تلك المائة نقص ما عنده عن مؤنة سنته وصار فقيرا يحل له أخذ الزكاة، ولا ريب ان الواجب عليه اعطاء ما عليه من الدين لكونه مقتدرا عليه فهو داخل تحت الاوامر الدالة على وجوب الوفاء بالدين ولا يحل له حبسه مع المطالبة، واحتساب ما عليه من الدين من وجه الزكاة غير جائز لكونه غنيا كما عرفت. واما ثانيا - فلما عرفت من الاخبار المتقدمة فانها ظاهرة بل صريحة في عدم ملك مؤنة السنة بل عدم القدرة على اداء الدين، اما صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج فلقوله فيها " لا يقدرون على قضائه وهم مستوجبون للزكاة " واما رواية عقبة بن


[ 197 ]

خالد فلقوله " يجيئنى الرجل فيسألني " ومالك مؤنة سنة لا يسأل، واما موثقة سماعة فالفرق بين الموضعين فيها لا يخلو من اجمال، وتوضيحه بتوفيق الله وعونه سبحانه انه لما كان الفقير هو الغير المالك لمونة سنة فعلا أو قوة فقد يملك اشياء وان كانت لا تفى بمؤنة السنة وان وفت بدينه وزيادة وقد لا يملك شيئا بالكلية، فأمره عليه السلام بالاحتساب في الحالة الاولى من حيث الفقر وان امكنه اداء الدين ومنعه من الاحتساب في الحالة الثانية وذلك لانه معسر فيجب انظاره كما دلت عليه الآية (1) والاحتساب استيفاء وقبض للدين وهو غير جائز شرعا بالنسبة إلى المعسر لوجوب انظاره إلى ميسرة فلذا منعه من الاحتساب عليه وأمره باعطائه من الزكاة وسادسها - لو كان الدين على ميت جاز أن يقضى عنه من هذا السهم وان يقاص به، وهو من ما لا خلاف فيه وعليه تدل الاخبار: ومنها - ما تقدم (2) من صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج ورواية صباح بن سيابة وهما دالتان على القضاء. ورواية يونس بن عمار (3) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول قرض المؤمن غنيمة وتعجيل اجر، ان أيسر قضاك وان مات قبل ذلك احتسبت به من الزكاة ". ورواية ابراهيم بن السندي عن ابى عبد الله عليه السلام (4) قال: " قرض المؤمن غنيمة وتعجيل خير، ان أيسر أدى وان مات احتسب به من زكاته " ونحوهما غيرهما وهما دالتان على الاحتساب. وروى زرارة في الصحيح أو الحسن على المشهور (5) قال: " قلت لابي عبد الله


(1) وهى قوله تعالى: " وان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة " سورة البقرة الآية 281 (2) ص 188 و 189 (3) و (4) الوسائل الباب 49 من المستحقين للزكاة (5) الوسائل الباب 18 من المستحقين للزكاة


[ 198 ]

عليه السلام رجل حلت عليه الزكاة ومات ابوه وعليه دين أيؤدى زكاته في دين ابيه وللابن مال كثير ؟ فقال ان كان ابوه أورثه مالا ثم ظهر عليه دين لم يعلم به يومئذ فيقضيه عنه قضاه من جميع الميراث ولم يقضه من زكاته، وان لم يكن أورثه مالا لم يكن أحد أحق بزكاته من دين ابيه فإذا أداها في دين ابيه على هذه الحال اجزأت عنه " إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في انه هل يشترط في جواز الاداء عن الميت من الزكاة قصور تركته عن الوفاء بالدين أم لا ؟ قولان ذهب إلى الاول الشيخ في المبسوط وابن الجنيد على ما نقل عنهما وإلى الثاني الفاضلان. ويدل على الاول حسنة زرارة المذكورة أو صحيحته على المختار، وموردها وان كان الاب إلا أن الظاهر انه لا خصوصية له فيتعدى إلى غيره كما في سائر الاحكام. واستدل العلامة في المختلف على الثاني بعموم الامر باحتساب الدين على الميت من الزكاة (1) ولانه بموته انتقلت التركة إلى ورثته فصار في الحقيقة عاجزا ولا يخفى ما في هذا الاستدلال: اما العموم فانه يجب تخصيصه بالصحيحة المذكورة كما هو القاعدة المطردة. واما انتقال التركة فانه في موضع النزاع ممنوع لصريح قوله عزوجل في غير موضع " من بعد وصية يوصى بها أو دين " (2) فانها صريحة في عدم الانتقال مع الدين والوصية النافذة كما لا يخفى. ثم انه لا يخفى انه لا فرق في جواز قضاء الدين عن الميت أو مقاصته به بين أن يكون أجنبيا أو واجب النفقة وهو موضع وفاق بينهم، ويدل عليه حسنة زرارة المتقدمة أو صحيحته. وكذا لو كان الدين على من تجب نفقته مع كونه حيا فانه يجوز القضاء عنه


(1) الوسائل الباب 9 من ابواب الدين (2) سورة النساء الآية 13 و 17


[ 199 ]

أو مقاصته من غير خلاف. ويدل عليه موثقة اسحاق بن عمار (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل على ابيه دين ولابيه مؤنة أيعطى أباه من زكاته يقضى دينه، قال نعم ومن أحق من أبيه ". وسابعها - انه لو صرف الغارم ما دفع إليه في غير وجه الغرم فهل يجب استعادته أم لا ؟ قولان ذهب إلى الاول المحقق في المعتبر والشرائع، وإلى الثاني الشيخ، وعلله بانه ملكه بالقبض فلا يحكم عليه بوجوب الاعادة. واجاب في المعتبر بانه ملكه ليصرفه في وجه مخصوص لا يسوغ له غيره. واستحسنه في المدارك والمسألة محل توقف لعدم النص وان كان ما ذكره لا يخلو من قرب.

السابع - من الاصناف المتقدمة سبيل الله، وهل هو الجهاد خاصة أو ما يشمل جميع القرب والخيرات والمصالح ؟ قولان صرح بالاول الشيخ في النهايه والشيخ المفيد في المقنعة والصدوق في الفقيه، والمشهور الثاني وهو الظاهر من الادلة. ويدل عليه ما نقله الثقة الجليل على بن ابراهيم في تفسيره (2) في تتمة الحديث المتقدم ذكره في الاصناف المتقدمة عن العالم عليه السلام قال: " وفي سبيل الله قوم يخرجون إلى الجهاد وليس عندهم ما يتقوون به أو قوم مؤمنون ليس عندهم ما يحجون به أو في جميع سبل الخير، فعلى الامام ان يعطيهم من مال الصدقات حتى يقووا على الحج والجهاد ". وما رواه ابن بابويه في الصحيح عن على بن يقطين (3) " انه قال لابي الحسن الاول عليه السلام يكون عندي المال من الزكاة فأحج به موالى وأقاربي ؟ قال لا باس ". وما رواه ثقة الاسلام في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام (4)


(1) الوسائل الباب 18 من المستحقين للزكاة (2) الوسائل الباب 1 من المستحقين للزكاة رقم 7 (3) و (4) الوسائل الباب 42 من المستحقين للزكاة


[ 200 ]

قال: " سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا جالس فقال انى أعطى من الزكاة فاجمعه حتى أحج به ؟ فقال نعم يأجر الله من يعطيك " واحتمال الدفع هنا من حيث الفقر ممكن بل هو الظاهر. وما رواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر من نوادر احمد بن محمد بن ابى نصر عن جميل عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " سألته عن الصرورة أيحجه الرجل من الزكاة ؟ قال نعم ". ويدل على ذلك ايضا ما رواه المشايخ الثلاثة عن الحسن بن راشد (2) قال: " سألت أبا الحسن العسكري عليه السلام بالمدينة عن رجل أوصى بمال في سبيل الله قال سبيل الله شيعتنا ". وبأسانيدهم عن الحسين بن عمر (3) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام ان رجلا أوصى إلى بشئ في سبيل الله ؟ فقال لى إصرفه في الحج. قال قلت أوصى إلى في السبيل قال إصرفه في الحج فانى لا أعلم شيئا في سبيل الله أفضل من الحج " وفي رواية أحدهم (4) لا أعلم سبيلا من سبله أفضل من الحج. وجمع بينهما في الفقيه فقال: وهذان الحديثان متفقان وذلك انه يصرف ما أوصى به في السبيل إلى رجل من الشيعة يحج به. ونقل ذلك الشيخ عنه ثم قال وهذا وجه حسن. ولا يخفى ما في كلاميهما (طاب ثراهما) فان سبيل الله إما ان يخص بالجهاد كما هو أحد القولين أو يفسر بما هو أعم من جميع القربات والطاعات، والمعنى الاول لا مجال لاعتباره هنا، وعلى الثاني فلا تنافى ليحتاج إلى الجمع بين الخبرين. ثم انه يفهم من جملة من الاخبار ان حمل سبيل الله على الجهاد إنما هو تقية حيث أن مذهبهم تفسير سبيل الله بذلك (5) وهى في باب الوصايا:


(1) الوسائل الباب 42 من المستحقين للزكاة (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 33 من الوصايا (5) المحلى ج 6 ص 151 ونيل الاوطار ج 4 ص 236


[ 201 ]

ومنها - ما رواه في الكافي عن يونس بن يعقوب (1) " ان رجلا كان بهمذان ذكر ان أباه مات وكان لا يعرف هذا الامر فأوصى بوصية عند الموت وأوصى أن يعطى شئ في سبيل الله فسئل عنه أبو عبد الله عليه السلام كيف يفعل به واخبرناه انه كان لا يعرف هذا الامر ؟ فقال لو ان رجلا اوصى الى ان اضع في يهودى أو نصراني لوضعته فيهما ؟ ان الله عزوجل يقول: " فمن بدله بعد ما سمعه فانما اثمه على الذين يبدلونه " (2) فانظروا إلى من يخرج إلى هذا الوجه يعنى بعض الثغور - فابعثوا به إليه ". ثم انه هل يشترط في الدفع من هذا السهم الحاجة أم لا ؟ ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بل صريحه الاول، حيث قال: ويجب تقييده بان لا يكون فيه معونة لغنى مطلق بحيث لا يدخل في شئ من الاصناف الباقية فيشترط في الحاج والزائر الفقر أو كونه ابن سبيل أو ضيفا، والفرق بينهما حينئذ وبين الفقيران الفقير لا يعطى الزكاة ليحج بها من جهة كونه فقيرا ويعطى لكونه في سبيل الله. انتهى. وقال العلامة في التذكرة بعد أن ذكر انه يدخل في سهم سبيل الله مؤنة الزوار والحجيج: وهل يشترط حاجتهم ؟ اشكال ينشأ من اعتبار الحاجة كغيره من أهل السهام ومن اندراج اعانة الغنى تحت سبيل الخير. انتهى. وقال السيد السند في المدارك بعد نقل كلام جده (قدس سرهما): وهو مشكل لان فيه تخصيصا لعموم الادلة من غير دليل، والمعتمد جواز صرف هذا السهم في كل قربة لا يتمكن فاعلها من الاتيان بها بدونه، وإنما صرنا إلى هذا القيد لان الزكاة انما شرعت بحسب الظاهر الدفع الحاجة فلا تدفع مع الاستغناء عنها ومع ذلك فاعتباره محل تردد. انتهى.


(1) الوسائل الباب 33 من ابواب الوصايا (2) سورة البقرة الآية 178


[ 202 ]

أقول: لا يخفى ان ههنا ثلاث صور: إحداها أن يكون فقيرا لا مال له بالكلية أو له مال لا يتمكن منه كابن السبيل والضيف، وهذا من ما لا اشكال في جواز الدفع إليه من هذا السهم.

الثانية - أن يكون غنيا متمكنا من كل ما يريد من ابواب القربات والطاعات وهذا محل الاشكال في جواز الدفع إليه من هذا السهم، وهو الذى منع من الدفع إليه شيخنا الشهيد في المسالك، وهو أحد وجهى الاشكال في كلام العلامة.

الثالث - من كان مالكا مؤنة سنة بالفعل أو القوة لكنه لا يتمكن بذلك من الحج ونحوه، وظاهر عبارة شيخنا الشهيد الثاني المنع أيضا من الدفع إليه لصدق الغنى، وكذا ظاهر كلام العلامة باعتبار الاشكال فيه، وظاهر كلام السيد السند جواز الدفع إليه لان ظاهر عبارته انه يدفع هذا السهم إلى كل من لا يتمكن من تلك القربة إلا بالاعانة من ذلك السهم أعم من أن يكون فقيرا لا مال له أوله مال لكن لا يقوم بالتمكن منه. وكيف كان فينبغي أن يعلم ان الحاجة إلى الحج لا تنافى الغنى الذى هو عبارة عن ملك مؤنة السنة أو الحرفة أن الصنعة الموجبة الغنى ولكن لا يتمكن من الحج منها، وفيه جمع بين اطلاق الادلة وبين ما ذكروه من أن الزكاة إنما شرعت لدفع الحاجة وسد الخلة. والله العالم.

الثامن من الاصناف المذكورة - ابن السبيل، وفي عبائر جمع من الاصحاب تفسيره بالمنقطع به والضعيف، وفي بعض بالاول ونسبة الثاني إلى الرواية. قال شيخنا المفيد (عطر الله مرقده) في المقنعة: وابن السبيل وهم المنقطع بهم في الاسفار وقد جاءت رواية (1) انهم الاضياف يراد به من اضيف لحاجته إلى ذلك وان كان له في موضع آخر غنى ويسار، وذلك راجع إلى ما قدمناه. انتهى وظاهر كلامه بل صريحه التخصيص بالمعنى الاول حيث تأول الرواية بالارجاع إليه


(1) المقنعة ص 29 وفي الوسائل الباب 1 من المستحقين للزكاة


[ 203 ]

ويدل على ذلك حديث على بن ابراهيم (1) المتقدم نقله في الاصناف المتقدمة حيث قال: " وابن السبيل ابناء الطريق الذين يكونون في الاسفار في طاعة الله فيقطع بهم ويذهب مالهم فعلى الامام أن يردهم إلى أوطانهم من مال الصدقات ". وظاهر الخبر اعتبار كون السفر طاعة والمشهور بين الاصحاب اشتراط الا باحة فلا يعطى من كان سفره معصية، ولم أر من قال بمضمون الرواية إلا ابن الجنيد على ما نقل عنه حيث قيد الدفع بالمسافرين في طاعة الله والمريدين لذلك. وليس في الباب خبر غير الرواية المذكروة، والمسألة لا تخلو من شوب الاشكال. وما أجاب به في المختلف عن الرواية المذكورة - من أن الطاعة تصدق على المباح بمعنى أن فاعله معتقدا لكونه مباحا مطيع في اعتقاده وايقاعه الفعل على وجهه - لا يخفى ما فيه فان الطاعة والمعصية عبارة عن موافقة الامر ومخالفته وذلك لا يتعلق بالمباح، واما اعتقاد الاباحة فامر خارج عن الفعل. والله العالم.

البحث الثاني - في أوصاف المستحقين وهى على ما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) امور:

الاول - الايمان الذى هو عبارة عن الاسلام مع اعتقاد امامة الائمة الاثنى عشر (عليهم السلام) واعتبار هذا الوصف مجمع عليه نصا وفتوى. واستدل عليه في المنتهى بان الامامة من أركان الدين واصوله وقد علم ثبوتها من النبي صلى الله عليه وآله ضرورة فالجاحد لها لا يكون مصدق للرسول صلى الله عليه وآله في جميع ما جاء به فيكون كافرا فلا يستحق الزكاة، وبان الزكاة معونة وارفاق فلا يعطى غير المؤمن، ولانه محاد لله ولرسوله والمعونة والارفاق مودة فلا يجوز فعلها مع غير المؤمن لقوله تعالى: " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله " (2) انتهى. وهو جيد متين بل جوهر ثمين. وما ذكره في المدارك حيث قال بعد نقله: وفي الدليلين بحث ضعيف


(1) الوسائل الباب 1 من المستحقين للزكاة رقم 7. (2) سورة المجادلة الآية 23


[ 204 ]

لا يعول عليه وباطل لا يرجع إليه، وذلك فانه وان اشتهر بين المتأخرين الحكم باسلام المخالفين ولا سيما السيد المذكور وجده (قدس سرهما) حتى انجر بهما الامر إلى الحكم بعدالة النصاب الذين هم أشد نجاسة من الكلاب كما أوضحناه في شرحنا على كتاب المدارك إلا أن مقتضى اخبار أهل البيت (عليهم السلام) - وهو المشهور بين متقدمي أصحابنا - هو الحكم بكفرهم ونصبهم ونجاستهم كما أوضحنا ذلك بما لا مزيد عليه في كتابنا الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب وفي مواضع من كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن ابى الحديد. ولا ريب ان حديث الغدير من ما تواتر بين الفريقين واجمع على نقله رواة الطرفين بل تواتره من طرق المخالفين أشهر كما ذكرناه في ذينك الكتابين (1) وارتكاب بعض متعصبي المخالفين فيه التأويلات الباردة والتمحلات الشاردة تعصبا وعنادا على الله ورسوله لا يخرجه عن الدلالة ولا سيما مع اعتراف جمع منهم بالدلالة على ذلك. وبالجملة فذيل البحث في المسألة واسع ومن أراد الوقوف على صحة ما ذكرناه فليرجع إلى الكتابين المذكورين. واما كون الزكاة معونة وارفاقا فهو ظاهر من الاخبار الواردة في العلة في وضع الزكاة (2) واما كون المخالفين داخلين في آية المحادة لله ورسوله فهو معلوم من كفرهم ونصبهم للشيعة الذى هو أظهر من الشمس في دائرة النهار، بل للائمة (عليهم السلام) كما صرحت به جملة من الاخبار التى استوفيناها في كتابنا الشهاب الثاقب. ثم ان من الاخبار الدالة على أصل المسألة صحيحة بريد بن معاوية العجلى (3) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل حج وهو لا يعرف هذا الامر.. إلى ان قال: وقال كل عمل عمله وهو في حال نصبه وضلالته ثم من الله عليه وعرفه الولاية فانه يؤجر عليه إلا الزكاة فانه يعيدها لانه وضعها في غير مواضعها لانها لاهل الولاية ".


(1) راجع الغدير ج 1 ص 14 إلى 151 و 294 إلى 313 الطبعة الثانية (2) تقدمت ص 10 و 11 (3) الوسائل الباب 23 من وجوب الحج و 3 من المستحقين للزكاة


[ 205 ]

وما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن على المشهور وابن بابويه في الصحيح عن زرارة وبكير والفضيل ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلى عن ابى جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام) (1) " انهما قالا في الرجل يكون في بعض هذه الاهواء الحرورية والمرجئة والعثمانية والقدرية ثم يتوب ويعرف هذا الامر ويحسن رأيه أيعيد كل صلاة صلاها أو صوم أو زكاة أو حج أو ليس عليه اعادة شئ من ذلك ؟ قال ليس عليه اعادة شئ من ذلك غير الزكاة لابد أن يؤديها لانه وضع الزكاة في غير موضعها وإنما موضعها أهل الولاية ". وفي رواية ابى بصير (2) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام الرجل يكون له الزكاة وله قرابة محتاجون غير عارفين أيعطيهم من الزكاة ؟ قال لا ولا كرامة لا يجعل الزكاة وقاية لماله يعطيهم من غير الزكاة ان أراد ". وروى في التهذيب عن ابراهيم الاوسي عن الرضا عليه السلام (3) قال: " سمعت ابى يقول كنت عند ابى يوما فاتاه رجل فقال انى رجل من أهل الرى ولى زكاة فالى من ادفعها ؟ فقال الينا. فقال أليس الصدقة محرمة عليكم ؟ فقال بلى إذا دفعتها إلى شيعتنا فقد دفعتها الينا. فقال انى لا اعرف لها أحدا ؟ فقال فانتظر بها سنة. قال فان لم أصب لها أحدا ؟ قال انتظر بها سنتين.. حتى بلغ اربع سنين. ثم قال له ان لم تصب لها أحدا فصرها صرارا واطرحها في البحر فان الله عزوجل حرم اموالنا واموال شيعتنا على عدونا " إلى غير ذلك من الاخبار التى يطول بنقلها الكلام. بقى الكلام هنا في مواضع: أحدها - ظاهر كلام جملة من الاصحاب انه مع تعذر المؤمن فانه لا يعطى غيره ناصبا كان أو مستضعفا، ونقل بعض أفاضل متأخرى المتأخرين قولا بجواز اعطاء المستضعف والحال هذه.


(1) الوسائل الباب 3 من المستحقين للزكاة. والصدوق يرويه في العلل ص 131 (2) الوسائل الباب 16 من المستحقين للزكاة (3) الوسائل الباب 5 من المستحقين للزكاة


[ 206 ]

ويدل على المشهور الاخبار المتقدمة وغيرها من ما دل على التخصيص باهل الولاية. ويدل على القول المشار إليه رواية يعقوب بن شعيب الحداد عن العبد الصالح عليه السلام (1) قال: " قلت له الرجل منا يكون في أرض منقطعة كيف يصنع بزكاة ماله ؟ قال يضعها في اخوانه وأهل ولايته. فقلت فان لم يحضره منهم فيها أحد ؟ قال يبعث بها إليهم. قلت فان لم يجد من يحملها إليهم ؟ قال يدفعها إلى من لا ينصب. قلت فغيرهم ؟ فقال ما لغيرهم إلا الحجر ". ورد هذه الرواية في المعتبر بضعف السند، وردها في المنتهى بانها شاذة، وكيف كان فالخروج عن مقتضى تلك الروايات الكثيرة الصريحة ولا سيما رواية ابراهيم الاوسي بهذا الرواية مشكل. نعم يبقى الاشكال في جملة من عوام الشيعة الضعفة العقول ممن لا يعرفون الله سبحانه إلا بهذه الترجمة حتى لو سئل عنه من هو ؟ لربما قال محمد أو على، ولا يعرف الائمة (عليهم السلام) كملا ولا يعرف شيئا من المعارف الخمس أصلا فضلا عن التصديق بها، والظاهر ان مثل هؤلاء لا يحكم بايمانهم وان حكم باسلامهم واجراء أحكام الاسلام عليهم في الدنيا، واما في الآخرة فهم من المرجئين لامر الله اما يعذبهم واما يتوب عليهم. وفي اعطاء هولاء من الزكاة اشكال لاشتراط ذلك بالايمان وهو غير ثابت، وليس كذلك النكاح والميراث ونحوهما فان الشرط فيها الاسلام وهو حاصل. وبالجملة فالاقرب عندي عدم اجزاء اعطائهم. والله العالم. وثانيها - انه قد صرح جمع من الاصحاب باستثناء المؤلفة من هذا الحكم، وهو مبنى على أمرين: أحدهما - تفسير المؤلفة بمن يتألف للجهاد من الكفار أو المسلمين كما تقدم نقله عنهم، وثانيهما - على ان الجهاد في زمان الغيبة جائز، وفي كل من الحكمين إشكال ولهذا ان الشيخ في النهاية صرح بسقوطه وكذا صرح


(1) الوسائل الباب 5 من المستحقين للزكاة


[ 207 ]

بسقوط سهم السعاة وسهم الجهاد، قال وإذا لم يكن الامام ظاهرا ولا من نصبه حاصلا فرقت الزكاة في خمسة أصناف من الذين ذكرناهم وهم الفقراء والمساكين وفي الرقاب والغارمين وابن السبيل وسقط سهم المؤلفة قلوبهم وسهم السعاة وسهم الجهاد، لان هؤلاء لا يوجدون إلا مع ظهور الامام، لان المؤلفة إنما يتألفهم الامام ليجاهدوا معه والسعاة ايضا إنما يكونون من قبله عليه السلام في جمع الزكوات والجهاد ايضا إنما يكون به أو بمن نصبه فإذا لم يكن هو ظاهرا ولا من نصبه فرق في من عداهم. انتهى. هذا. وقد عرفت سابقا ان المستفاد من الاخبار التى قدمناها ان المراد من التاليف ليس إلا لاجل البقاء على الاسلام بعد الدخول فيه وبينا ان ذلك ساقط في زمن الغيبة. واستثنى في المدارك ايضا وقبله جده في المسالك بعض افراد سبيل الله ووجهه غير ظاهر. وثالثها - انه لا خلاف بين الاصحاب في ان أطفال المؤمنين يعطون من الزكاة دون اطفال غيرهم. ويدل عليه أخبار عديدة: منها - رواية ابى بصير (1) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام الرجل يموت ويترك العيال أيعطون من الزكاة ؟ فقال نعم حتى ينشأوا ويبلغوا ويسألوا من اين كانوا يعيشون إذا قطع ذلك عنهم. فقلت انهم لا يعرفون ؟ فقال يحفظ فيهم ميتهم ويحبب إليهم دين ابيهم فلا يلبثون أن يهتموا بدين أبيهم، فإذا بلغوا وعدلوا إلى غيركم فلا تعطوهم ". ورواية ابى خديجة عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " ذرية الرجل المسلم إذا مات يعطون من الزكاة والفطرة كما كان يعطى ابوهم حتى يبلغوا فإذا بلغوا وعرفوا ما كان أبوهم يعرف اعطوا وان نصبوا لم يعطوا ".


(1) و (2) الوسائل الباب 6 من المستحقين للزكاة


[ 208 ]

ورواية عبد الرحمان بن الحجاج (1) قال: " قلت لابي الحسن عليه السلام رجل مسلم مملوك ومولاه رجل مسلم وله مال يزكيه وللمملوك ولد صغير حر أيجزئ مولاه أن يعطى ابن عبده من الزكاة ؟ فقال لا باس به ". وروى عبد الله بن جعفر في كتاب قرب الاسناد عن محمد بن الوليد عن يونس بن يعقوب (2) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام عيال المسلمين اعطيهم من الزكاة فاشترى لهم منها ثيابا وطعاما وارى ان ذلك خير لهم ؟ قال فقال لا باس ". وظواهر هذه الاخبار تدل على ان الدفع إليهم أعم من أن يدفع إلى وليهم أو إليهم إذا كانوا ممن يمكنهم التصرف في الاخذ والعطاء والبيع والشراء. ونقل عن العلامة في التذكره انه صرح بانه لا يجوز دفع الزكاة إلى الصغير وان كان مميزا، واستدل عليه بانه ليس محلا لاستيفاء ماله من الغرماء فكذا هنا. وفيه ما عرفت. قال: ولا فرق بين أن يكون يتيما أو غيره فان الدفع إلى الولى فان لم يكن له ولى جاز ان يدفع إلى من يقوم بامره ويعتنى بحاله. قال في المدارك بعد نقل هذا عنه: ومقتضى كلامه (رحمه الله) جواز الدفع إلى غير ولى الطفل إذا لم يكن له ولى، ولا بأس به إذا كان مأمونا بل لا يبعد جواز تسليمها إلى الطفل بحيث يصرف في وجه يسوغ للولى صرفها فيه. انتهى. وهو جيد وفيد تأييد لما أشرنا إليه آنفا. ثم ان ظواهر الاخبار المتقدمة جواز اعطاء الاطفال وان ثبت اشتراط العدالة في المستحق فان حكم الاطفال مستثنى بهذه الاخبار، واخبار اشتراط العدالة على تقدير ثبوتها لا دلالة فيها على دخول الاطفال في ذلك، فما ذكره شيخنا الشهيد.

الثاني - من ان اعطاء الاطفال انما يتم إذا لم تعتبر العدالة في المستحق اما لو


(1) الوسائل الباب 45 من المستحقين للزكاة (2) الوسائل الباب 6 من المستحقين للزكاة


[ 209 ]

اعتبرناها أمكن عدم جواز اعطاء الاطفال مطلقا لعدم اتصافهم بها، والجواز لان المانع الفسق وهو منفى عنهم. انتهى - لا وجه له.

الثاني من أوصاف المستحقين - العدالة عند جملة من الاصحاب: منهم الشيخ والمرتضى وابن البراج وابن حمزة وغيرهم، ونقل عن ابن الجنيد اعتبار مجانية الكبائر خاصة. ونقل عن ابن بابويه انه اقتصر على اعتبار الايمان وكذا سلار ولم يشترطا شيئا يزيد على ذلك وهو الذى عليه المتأخرون. وهو الظاهر من إطلاق الادلة آية ورواية، وخصوص ما رواه في العلل عن محمد بن الحسن عن احمد بن ادريس ومحمد بن يحيى جميعا عن محمد بن احمد بن يحيى عن على بن محمد عن بعض أصحابنا عن بشر بن بشار (1): قال " قلت للرجل - يعنى أبا الحسن عليه السلام - ما حد المؤمن الذى يعطى من الزكاة ؟ قال يعطى المؤمن ثلاثة الاف، ثم قال أو عشرة ألاف، ويعطى الفاجر بقدر لان المؤمن ينفقها في طاعة الله والفاجر ينفقها في معصية الله ". نعم روى الشيخ عن داود الصرمى (2) قال: " سألته عن شارب الخمر يعطى من الزكاة شيئا ؟ قال لا ". والجمع بينها وبين ما ذكرنا بالاقتصار على استثناء شارب الخمر وقوفا عللا ظاهر الخبر وان رده جملة من المتأخرين بضعف السند بناء على الاصطلاح المشهور واما ما نقل عن المرتضى (رضى الله عنه) من الاحتجاج على ذلك باجماع الطائفة والاحتياط ويقين براءة الذمة ؟ قال: ويمكن أن يستدل على ذلك بكل ظاهر من قرآن أو سنة مقطوع عليها يقتضى النهى عن معونة الفساق والعصاة وتقويتهم وذلك كثير - فلا يخفى ما فيه: اما الاجماع فمع الاغماض عن الطعن في الاستدلال به ممنوع


(1) و (2) الوسائل الباب 17 من ابواب المستحقين للزكاة


[ 210 ]

هنا بوجود الخلاف في المسألة. واما الاحتياط فانما بكون في مقام اختلفت فيه الادلة ولا اختلاف في المقام بل الادلة على القول المختار واضحة ولا معارض لها سوى رواية داود الصرمى وقد قلنا بمضمونها فاى معنى لهذا الاحتياط ؟ ولو تم هذا الاحتياط هنا لجرى في جميع ما اتفقت عليه الادلة من الاحكام وهو من ما لا يقول به أحد من الاعلام بل ولا أحد من الانام. واما يقين البراءة فانه حاصل بما ذكرناه من الادلة عموما وخصوصا كما عرفت. واما النهى عن معونة الفساق فانما هي من حيث الفسق كما يشعر به تعليق الوصف والامر هنا ليس كذلك، مع ما عرفت من صراحة رواية العلل في جواز الدفع وان كان يعلم انه يصرفه في معصية الله. واما القول باشتراط مجانبة الكبائر فلم اقف له على دليل إلا رواية داود الصرمى وهى اخص من المدعى فلا تصلح للدلالة.

الثالث من الاوصاف المتقدمة - أن لا يكون من واجبى النفقة على المالك كالابوين وان علوا والاولاد وان نزلوا والزوجة والمملوك، وهذا الحكم من ما لا خلاف فيه بين الاصحاب. ويدل على ذلك من الاخبار ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " خمسة لا يعطون من الزكاة شيئا: الاب والام والوالد والمملوك والمرأة، وذلك انهم عياله لازمون له ". وما رواه الكليني في الموثق عن اسحاق بن عمار عن ابى الحسن موسى عليه السلام (2) قال: " قلت له لى قرابة انفق على بعضهم وافضل بعضهم على بعض فيأتيني إبان الزكاة أفاعطهيم منها ؟ قال مستحقوق لها ؟ قلت نعم قال هم أفضل من غيرهم اعطهم. قال قلت فمن ذا الذى يلزمنى من ذوى قرابتي حتى لا احتسب الزكاة عليهم ؟ فقال أبوك وامك. قلت أبى وامى ؟ قال الوالدان والولد ".


(1) الوسائل الباب 13 من المستحقين للزكاة، والشيخ يرويه عن الكليني (2) الوسائل الباب 15 و 13 من المستحقين للزكاة


[ 211 ]

ورواية زيد الشحام عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال في الزكاة: " يعطى منها الاخ والاخت والعم والعمة والخال والخالة ولا يعطى الجد ولا الجدة ". وما رواه الصدوق في كتابي الخصال والعلل في الصحيح عن ابى طالب عبد الله ابن الصلت عن عدة من اصحابنا يرفعونه إلى ابى عبد الله عليه السلام (2) انه قال: " خمسة لا يعطون من الزكاة: الولد والوالدان والمرأة والمملوك لانه يجبر على النفقة عليهم ". فاما ما رواه الكليني في الكافي عن اسماعيل بن عمران القمى (3) - قال: " كتبت إلى ابى الحسن الثالث عليه السلام ان لى ولدا رجالا ونساء أفيجوز أن أعطيهم من الزكاة شيئا ؟ فكتب ان ذلك جائز لك " - فحمله الشيخ في التهذيبين على اختصاصه بالسائل ومن حاله كحاله في ان ماله لا يفى بنفقة عياله. وهو جيد. واما ما رواه ايضا مرسلا عن محمد بن جزك (4) - قال: " سألت الصادق عليه السلام ادفع عشر مالى إلى ولد ابني ؟ فقال نعم لا بأس " - فيحتمل وجوها: منها - ان لا يكون العشر من الزكاة الواجبة بل من زكاة التجارة ونحوها، ومنها - ان يحمل على حال الضرورة، ومنها ان يحمل على ان المراد إنما هو المشاورة في هبة عشر ماله أو الصدقة به على ابن ابنه وليس سؤالا عن الزكاة. واحتمل في الوافى ايضا انه مبنى على ان ولد الولد ممن لا تجب نفقته قال فان في ذلك اشتباها. ورواه في كتاب الوسائل بلفظ " ولد ابنتى " وحمله على قيام الاب أو الجد لابيه بنفقته فيكون ما يدفعه إليه جده لامه على جهة التوسعة لا القيام بالنفقة الواجبة.

وتنقيح البحث في المسألة تتوقف على بيان مسائل:

الاولى المستفاد من بعض الاخبار انه يجوز لمن وجبت نفقته على غيره الاخذ من الزكاة من غير المنفق للتوسعة إذا كان من يقوم به لا يوسع عليه اما لعدم سعته أو معها:


(1) و (2) الوسائل الباب 13 من المستحقين للزكاة (3) و (4) الوسائل الباب 14 من المستحقين للزكاة


[ 212 ]

وهو صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج عن ابى الحسن الاول عليه السلام (1) قال: " سألته عن الرجل يكون أبوه أو عمه أو اخوه يكفيه مؤنته أيأخذ من الزكاة فيتوسع به ان كانوا لا يوسعون عليه في كل ما يحتاج إليه ؟ قال لا بأس ". وظاهر جملة من الاصحاب: منهم - العلامة في المنتهى والشهيد في الدروس والبيان الجواز مطلقا معللين ذلك بصدق الفقر عرفا وعدم خروج من لم يملك قوت السنة بوجوب النفقة عن وصف الفقر عرفا، فيندرج تحت الاية والعمومات الدالة على جواز اخذ الفقير الزكاة. ولا يخفى ما في هذا التعليل في مقابلة الاخبار المتقدمة المتفقة على انهم لا يعطون من الزكاة. اقول: ولعله لما ذكرناه قطع العلامة في التذكرة بعدم الجواز على ما نقل عنه. وما ادعوه من الاندراج ممنوع فان لقائل أن يقول انهم بكونهم واجبى النفقة وان المنفق يجرى عليهم ذلك فانهم داخلون تحت الغنى الموجب لتحريم أخذ الزكاة. نعم دلت صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج على جواز الاخذ للتوسعة إذا كانوا لا يوسعون عليه فيجب الوقوف عليها وتخصيص تلك الاخبار بها. واستدلوا ايضا بالصحيحة المذكورة وقد عرفت ان موردها خاص بالتوسعة فلا تنهض دليلا على عموم الجواز. ثم انهم بناء على ما نقلناه عنهم من القول بالجواز مطلقا استثنى بعضهم الزوجة من هذا الحكم، قال لان نفقتها كالعوض. وزاد بعضهم المملوك، وقد تقدم في صدر الكتاب من الاخبار ما يدل عليه.

الثانية - انه يجوز للمالك صرف زكاته إلى واجبى النفقة عليه للتوسعة عليهم متى كان عاجزا عن ذلك إلا ان ظاهرها ان تلك الزكاة إنما هي زكاة التجارة، فاستدلال بعض أفاضل متأخرى المتأخرين بها على جواز ذلك من الزكاة الواجبة لا يخلو من نظر.


(1) الوسائل الباب 11 من ابواب المستحقين للزكاة


[ 213 ]

قال في الدروس: وروى أبو بصير جواز التوسعة بالزكاة على عياله (1) وروى سماعة ذلك بعد أن يدفع منها شيئا إلى المستحق (2) كل ذلك مع الحاجة. وظاهره ان ذلك من الزكاة الواجبة مع ان ظاهر الروايتين المشار اليهما كما قدمنا هما إنما ذلك من زكاة التجارة، على ان جملة منها ربما يدل بظاهره على نقصان المؤنة وان هذه الزيادة التى يأخذها من هذه الزكاة إنما هي لتتمة المؤنة لا للتوسعة الزائدة على المؤنة الواجبة كما لا يخفى على من لاحظها، كرواية ابى بصير المذكورة في كلامه بالتقريب الذى ذكرناه في ذيلها ثمة. قال في المدارك: يجوز للمالك ان يصرف إلى قريبه الواجب النفقة غير النفقة من الحقوق اللازمة له إذا كان مستحقا كنفقة الزوجة والمملوك، لعدم وجوب ذلك عليه، ولقوله عليه السلام في صحيحة عبد الرحمان (3) " وذلك انهم عياله لازمون له " فان مقتضى التعليل ان المانع لزوم الانفاق وهو منتف في ما ذكرناه انتهى. ويرد عليه عموم المنع في الاخبار المتقدمة لاتفاقها على انهم لا يعطون من الزكاة أعم من أن يكون للنفقة أو غيرها، نعم خرج منه ما دلت عليه صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج وبقى ما عداه. وما استند إليه من التعليل المذكور فيمكن أن يكون المقصود منه كما ذكره بعض الاصحاب إنما هو انهم لكونهم لازمين له بناء على وجوب نفقتهم عليه بمنزلة الاغنياء فلا يجوز الدفع إليهم، وعلى هذا فلا يقتضى التخصيص بما ذكره من النفقة الواجبة وعدم دخول ما يكون للتوسعة. نعم لو استند في ذلك إلى مفهوم صحيحته التى ذكرناها من حيث دلالتها على ذلك وان كان ظاهرها الاخذ من الغير لم يبعد الجواز. وبالجملة فان ظاهر كلام الاصحاب ان هنا مسألتين:

الاولى منهما وهى التى


(1) الوسائل الباب 8 من المستحقين للزكاة رقم 4 (2) الوسائل الباب 14 من المستحقين للزكاة (3) ص 210


[ 214 ]

قدمناها انه يجوز لواجبي النفقة تناول الزكاة من غير المالك واستدلوا على ذلك بما قدمنا نقله عنه من التعليل والرواية وقد عرفت ما فيهما. والثانية جواز صرف المالك زكاته عليهم في غير النفقة الواجبة عليه وقد عرفت ما فيه. والمفهوم من الروايات المتقدمة هو المنع مطلقا واستثناء الاخذ للتوسعة. هذا كله مع اجراء المنفق عليهم النفقة الواجبة وإلا فانه يجوز لهم الاخذ قولا واحدا.

الثالثة - قد صرح جملة من الاصحاب بعدم جواز الدفع إلى الزوجة وان كانت ناشزة لو كانت فقيرة لتمكنها من الطاعة في كل وقت فتكون غنية في الحقيقة، قال في المعتبر: لا تعطى الزوجة من سهم الفقراء والمساكين مطيعة كانت أو عاصية اجماعا لتمكنها من النفقة.

الرابعة - يجوز الدفع إلى الزوجة المستمتع بها لعدم وجوب الانفاق عليها، وربما قيل بالمنع لاطلاق النص وهو ضعيف، فان النص باعتبار ما اشتمل عليه من التعليل بوجوب الانفاق في معنى القيد كما لا يخفى.

الخامسة - المشهور بين الاصحاب انه يجوز للزوجة ان تدفع زكاتها إلى الزوج مع استحقاقه وان انفق عليها منها لعموم الادلة وانتفاء المعارض، ونقل عن ابن بابويه المنع من اعطائه مطلقا، وعن ابن الجنيد الجواز لكن لا ينفق عليها منها ولا على ولدها. ولم نقف لهما على دليل.

السادسة - الظاهر انه لا خلاف في جواز اعطاء من يعول من القرابة وغيرهم إذا لم يكن من الافراد المتقدمة عملا بعموم الادلة وخصوص موثقة اسحاق ابن عمار المتقدمة. واما ما رواه الشيخ في الموثق عن ابى خديجة عن ابى عبد الله عليه السلام (1) - قال " لا تعط من الزكاة أحدا ممن تعول " فمحمول على واجبى النفقة جمعا بين الاخبار.

السابعة - لو كان من تجب نفقته من بعض الاصناف الاخر كان يكون عاملا


(1) الوسائل الباب 14 من المستحقين للزكاة


[ 215 ]

أو غازيا أو غارما أو من الرقاب فلا اشكال في جواز الدفع إليه من سهام هذه الاصناف، لعموم الآية (1) السالم من المعارض، ولان ظاهر الاخبار المانعة من الدفع إلى هؤلاء إنما هو من حيث كون المدفوع من سهم الفقراء، ولان ما يأخذه العامل والغازي كالاجرة ولهذا جاز لهما الاخذ مع العسر واليسير، والمكاتب إنما يأخذ لفك رقبته والغارم لوفاء دينه وهما لا يجبان على القريب اجماعا، وللاخبار المتقدمة في قضاء الدين عن الاب من سهم الغارمين ومن اشترى اباه من سهم الرقاب.

الرابع من الاوصاف المشار إليها آنفا - أن لا يكون هاشميا ويكون المعطى من غير قبيله، وهو محل اجماع من علماء الخاصة والعامة (2). والاخبار بذلك مستفيضة: منها - صحيحة محمد بن مسلم وزرارة وابى بصير أو حسنتهم على المشهور بابراهيم بن هاشم عن ابى جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام) (3) قالا: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله ان الصدقة أو ساخ ايدى الناس وان الله قد حرم على منها ومن غيرها ما قد حرمه وان الصدقة لا تحل لبنى عبد المطلب. ثم قال أما والله لو قد قمت على باب الجنة ثم أخذت بحلقته لقد علمتم انى لا أؤثر عليكم فارضوا لانفسكم بما رضى الله ورسوله لكم قالوا قد رضينا ". وصحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام (4) قال: " لا تحل الصدقة لولد العباس ولا لنظرائهم من بنى هاشم " وصحيحة العيص بن القاسم وقد تقدمت في الصنف الثالث من أصناف المستحقين (5).


(1) وهى قوله تعالى: " انما الصدقات للفقراء.. " سورة التوبة الآية 61 (2) المغنى ج 2 ص 655 والمحلى ج 6 ص 146 والمهذب ج 1 ص 174 ونيل الاوطار ج 4 ص 240 وبدائع الصنائع ج 2 ص 49. (3) الفروع ج 1 ص 179 وفى الوسائل الباب 29 من المستحقين للزكاة (4) الوسائل الباب 19 من المستحقين للزكاة (5) ص 174


[ 216 ]

ورواية المعلى بن خنيس عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " سمعته يقول لا تحل الصدقة لاحد من ولد العباس ولا لاحد من ولد على عليه السلام ولا لنظرائهم من ولد عبد المطلب " إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة. واما ما رواه الصدوق عن ابى خديجة سالم بن مكرم الجمال عن ابى عبد الله عليه السلام (2) - قال: " اعطوا الزكاة من أرادها من بنى هاشم فانها تحل لهم وإنما تحرم على النبي صلى الله عليه وآله وعلى الامام الذى من بعده وعلى الائمة عليهم السلام " - فمحمول على الضرورة وان النبي والائمة (صلوات الله عليهم) لا يضطرون إلى ذلك.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان البحث في هذه المسألة يقع في مواضع:

الاول - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان تحريم الصدقة الواجبة مختص باولاد هاشم، ونقل عن الشيخ المفيد (قدس سره) في الرسالة الغرية تحريم الزكاة على بنى المطلب وهو عم عبد المطلب بن هاشم وهو منقول عن ابن الجنيد ايضا. ويدل على المشهور عموم الآية (3) خرج منه من انتسب إلى هاشم بالاخبار المتقدمة ونحوها فيبقى ما عداه. احتج الشيخ المفيد على ما نقل عنه بما رواه زرارة في الموثق عن ابى عبد الله عليه السلام (4) انه قال: " لو كان العدل ما احتاج هاشمى ولا مطلبي إلى صدقة ان الله جعل لهم في كتابه ما كان فيه سعتهم ". وأجاب عنه في المعتبر بانه خبر واحد نادر فلا يخص به عموم القران. قال في المدارك: وهو جيد مع انه مروى في التهذيب بطريق فيه على بن الحسن بن فضال ولا تعويل على ما ينفرد به. انتهى. أقول: والاظهر في الجواب عن هذه الرواية هو ما ذكره بعض مشايخنا


(1) التهذيب ج 2 ص 378 وفى الوافى باب ان الزكاة لا تحل لبنى هاشم (2) الوسائل الباب 29 من المستحقين للزكاة (3) وهى قوله تعالى: " انما الصدقات للفقراء.. " سورة التوبة الآية 61 (4) الوسائل الباب 33 من المستحقين للزكاة


[ 217 ]

المحققين من متأخرى المتأخرين حيث قال: ويمكن أن يكون المراد بالمطلبى في الخبر من ينتسب إلى عبد المطلب، فان النسبة إلى مثله قد تكون بالنسبة إلى الجزء الثاني حذرا من الالتباس كما قالوا " منافى " في عبد مناف، وقد صرح بذلك سيبويه كما نقله عنه نجم الائمة (قدس سره) واختاره، ونقل عن المبرد انه قال ان كان المضاف يعرف بالمضاف إليه والمضاف إليه معروف بنفسه فالقياس حذف الاول والنسبة إلى الثاني وان كان المضاف إليه غير معروف فالقياس النسبة إلى الاول، وعلى هذا يقوى ما ذكرناه من الاحتمال إذ من المعلوم ان ما نحن فيه من ذلك القبيل كما اعترف به نجم الائمة (قدس سره) وعلى هذا فلا يكون في الخبر دلالة على مذهب المفيد (قدس سره) (فان قلت) فعلى هذا يلزم عطف الشئ على مرادفه أو ما شاكله (قلت) لا بأس بذلك فان العطف التفسيرى شائع لا ترى فيه عوجا ولا امتا، ومعلوم ان هاشما لم يعقب إلا من عبد المطلب كما هو مصرح به في كتب الاصحاب وغيرهم، ففائدة العطف التنبيه على هذا المعنى والتقرير له. انتهى وهو جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه.

الثاني - ظاهر كلام جملة من الاصحاب الاتفاق على جواز أخذ الهاشمي للصدقة المندوبة، ونقل عن العلامة في المنتهى انه نسبه إلى علمائنا واكثر العامة (1). ويدل على ذلك من الاخبار ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج عن ابى عبد الله عليه السلام (2) انه قال: " لو حرمت علينا الصدقة لم يحل لنا ان نخرج إلى مكة لان كل ماء بين مكة والمدينة فهو صدقة ". وفى الصحيح عن جعفر بن ابراهيم الهاشمي عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " قلت له أتحل الصدقة لبنى هاشم ؟ قال إنما تلك الصدقة الواجبة على الناس لا تحل لنا فاما غير ذلك فليس به بأس، ولو كان كذلك ما استطاعوا أن يخرجوا إلى مكة


(1) في نيل الاوطار ج 4 ص 242 نقل الخلاف في ذلك، وفى المغنى ج 2 ص 658 فيه روايتان عن احمد، وفى المحلى ج 6 ص 147 عدم جواز المندوبة ايضا. (2) و (3) الوسائل الباب 31 من المستحقين للزكاة


[ 218 ]

هذه المياه عامتها صدقة ". وعن اسماعيل بن افضل الهاشمي (1) قال: " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الصدقة التى حرمت على بنى هاشم ما هي ؟ فقال هي الزكاة. قلت فتحل صدقة بعضهم على بعض ؟ قال نعم ". وعن زيد الشحام عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " سألته عن الصدقة التي حرمت عليهم ؟ فقال هي الزكاة المفروضة ". والعجب من العلامة (قدس سره) في التذكرة مع نقله القول بالجواز عن علمائنا واكثر العامة ذهب في الكتاب المشار إليه إلى التحريم وقال: وما روى عن الامام الباقر عليه السلام - انه كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة فقيل له أتشرب من الصدقة ؟ فقال إنما حرم علينا الصدقة المفروضة - من ما تفردت بروايته العامه (3) انتهى. والعجب انه نسب ذلك إلى العامة وغفل عن هذه الروايات، واعجب منه موافقة شيخنا البهائي له في كتاب أربعين الحديث وجموده على كلامه من غير مراجعة لهذه الاخبار. وبالجملة فان ظاهر الاخبار المذكورة كما ترى هو الدلالة على ما قدمناه نقله عن الاصحاب، إلا انه قد روى الصدوق (قدس سره) في كتاب الخصال عن محمد بن عبد الرحمان العزرمى عن ابيه عن جعفر بن محمد عن ابيه (عليهما السلام) (4) قال: " لا تحل الصدقة لبنى هاشم إلا في وجهين: إذا كانوا عطاشا فأصابوا ماء فشربوا وصدقة بعضهم على بعض ". وروى عبد الله بن جعفر الحميرى في قرب الاسناد عن احمد بن محمد بن عيسى عن احمد بن محمد بن ابى نصر عن الرضا عليه السلام (5) قال: " سألته عن الصدقة تحل


(1) و (2) و (4) و (5) الوسائل الباب 32 من المستحقين للزكاة (3) المغنى ج 2 ص 659 عن الصادق عن ابيه (ع)


[ 219 ]

لبنى هاشم ؟ فقال لا ولكن صدقات بعضهم على بعض تحل لهم. فقلت جعلت فداك إذا خرجت إلى مكة كيف تصنع بهذه المياه المتصلة بين مكة والمدينة وعامتها صدقة ؟ قال سم فيها شيئا. قلت عين ابن بزيع وغيره. قال وهذه لهم ". وظاهرهما من ما ينافى الاخبار الاولة إلا أن تلك الاخبار مع كثرتها معتضدة بفتوى الاصحاب بل اتفاقهم في الظاهر كما عرفت وان من خالف إنما خالف سهوا عن ملاحظة تلك الاخبار، وللاصحاب أن يحملوا التحريم في ظاهر هذين الخبرين على الكراهة المؤكدة.

الثالث - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) على ما نقله غير واحد في جواز اعطائهم من الصدقة الواجبة عند قصور الخمس عن كفايتهم. ويدل على ذلك قوله في موثقة زرارة (1) المتقدمة في الموضع الاول بعد ذكر ما قدمنا نقله: " ثم قال عليه السلام ان الرجل إذا لم يجد شيئا حلت له الميتة والصدقة لا تحل لاحد منهم إلا أن لا يجد شيئا ويكون ممن تحل له الميتة ". إنما الخلاف في القدر الذى يجوز لهم أخذه في تلك الحال، فقيل انه لا يقدر بقدر ونسبه في المختلف إلى الاكثر، واحتج عليه بان ابيح له الزكاة فلا يتقدر بقدر للاخبار الدالة على ان الزكاة لا تتقدر بقدر وانه يجوز أن يعطى الفقير ما يغنيه (2) وضعفه يظهر من ما يأتي. وقيل انه لا يتجاوز قدر الضرورة واستقر به العلامة في المنتهى والشهيد في الدروس على ما نقل عنهما واختاره غير واحد من المتأخرين، إلا انهم فسروا قدر الضرورة بقوت يوم وليلة، والمفهوم من الخبر وجعله من قبيل أكل الميتة ان القدر المذكور أقل من ذلك. وبالجملة فالادلة المتقدمة قد صرحت بالتحريم خرج منه ما وقع عليه الاتفاق نصا وفتوى من القدر الضرورى، وبذلك يظهر بطلان القول الاول.


(1) الوسائل الباب 33 من المستحقين للزكاة (2) الوسائل الباب 24 من المستحقين للزكاة


[ 220 ]

أقول: ويمكن أن يقال ان قوله عليه السلام " ان الرجل إذا لم يجد شيئا حلت له الميتة ". انما أريد به بيان تحليل الزكاة في هذه الحال بعد أن كانت محرمة، بمعنى ان الزكاة وان كانت محرمة عليهم لكنهم متى لم يجدوا شيئا حلت لهم كما أن من لم يجد شيئا تحل له الميتة المحرمة عليه قبل ذلك، واما أن أخذهم من الزكاة يتقدر بقدر الاكل من الميتة فلا دلالة في الكلام عليه، وبالجملة فالغرض من التمثيل إنما هو بيان الانتقال من التحريم إلى التحليل لمكان الاضطرار، وحينئذ متى حل لهم تناول الزكاة جاز الاخذ منها وان زاد على قدر الضرورة، بل يمكن ادخالهم تحت العمومات الدالة على الاعطاء إلى أن يستغنى (1) وبذلك يظهر قوة القول الاول، والظاهر ان من قال بذلك إنما بنى على ما ذكرناه وهو احتمال قريب إلا أن تقييد الحل في آخر الخبر بان يكون ممن تحل له الميتة من ما يشعر ببعده. والاحتياط لا يخفى.

الرابع - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في جواز أخذ الهاشمي الزكاة من هاشمى مثله في حال الاختيار. ويدل عليه روايات عديدة: منها - رواية اسماعيل بن الفضل الهاشمي المتقدمة (2) وموثقة زرارة عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " قلت له صدقات بنى هاشم بعضهم على بعض تحل لهم ؟ فقال نعم صدقة الرسول صلى الله عليه وآله تحل لجميع الناس من بنى هاشم وغيرهم، وصدقات بعضهم على بعض تحل لهم ولا تحل لهم صدقات انسان غريب ". ورواية جميل عن ابى عبد الله عليه السلام (4) وفيها " ولا تحل لهم إلا صدقات بعضهم على بعض " إلى غير ذلك من الاخبار التى لا ضرورة إلى التطويل بنقلها مع الاتفاق على الحكم المذكور.

الخامس - الظاهر انه لا خلاف في جواز اعطاء الصدقة لموالى بنى هاشم


(1) الوسائل الباب 24 من المستحقين للزكاة (2) ص 218 (3) الوسائل الباب 32 من المستحقين للزكاة (4) الوسائل الباب 34 من المستحقين للزكاة رقم 4.


[ 221 ]

والمراد بهم كما صرح به في المنتهى عتقاؤهم، لعموم الادلة خرج منها ما خرج بدليل وبقى الباقي. وخصوص رواية جميل بن دراج عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " سألته هل تحل لبنى هاشم الصدقة ؟ قال لا. قلت تحل لمواليهم ؟ قال تحل لمواليهم ولا تحل لهم إلا صدقات بعضهم على بعض ". وصحيحة سعيد بن عبد الله الاعرج (2) قال: " لابي عبد الله عليه السلام أتحل الصدقة لموالى بنى هاشم ؟ فقال نعم ". ومرسلة حماد بن عيسى الطويلة الآتية ان شاء الله تعالى في كتاب الخمس عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح عليه السلام (3) وفيها: " وقد تحل صدقات الناس لمواليهم وهم والناس سواء ". ورواية ثعلبة بن ميمون (4) قال " كان أبو عبد الله عليه السلام يسأل شهابا من زكاته لمواليه وإنما حرمت الزكاة عليهم دون مواليهم ". واما ما رواه زرارة في الموثق عن ابى عبد الله عليه السلام (5) في حديث قال: " مواليهم منهم ولا تحل الصدقة من الغريب لمواليهم ولا بأس بصدقات مواليهم عليهم " - فقد أجاب عنه الشيخ في التهذيب بحمل الموالى هنا على المماليك. واستبعده المحدث الكاشانى في الوافى لعدم جريان ذلك في قوله في بقية الخبر: " ولا بأس بصدقات مواليهم عليهم " قال لان المملوك لا يجد شيئا يتصدق به فالاولى أن يحمل على الكراهة كما في الاستبصار. انتهى. وهو جيد.

والمراد بقوله " صدقات مواليهم عليهم " أي بعضهم على بعض.

البحث الثالث " - في كيفية الاخراج ومن المتولي له وما يلحق ذلك من الاحكام، وفي هذا البحث مسائل:

 الاولى - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ولا سيما المتأخرين


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 34 من المستحقين للزكاة


[ 222 ]

جواز تولى المالك أو وكيله لتفريق الزكاة، ونقل عن الشيخ المفيد وابى الصلاح وابن البراج القول بوجوب حملها إلى الامام عليه السلام مع حضوره وإلى الفقيه الجامع الشرائط مع غيبته. والظاهر هو القول المشهور للاخبار المستفيضة في جملة من المواضع التى مرت وتأتى، ومنها الاخبار الدالة على الامر بايصال الزكاة إلى المستحقين (1) والاخبار الدالة على نقل الزكاة من بلد إلى آخر مع عدم وجود المستحق (2) والاخبار الدالة على التوكيل في تفريق الزكاة وانه يجوز للوكيل أن يأخذ لنفسه حصة من ذلك إذا كان فقيرا ويكون كأحدهم (3) والاخبار الدالة على اشتراء العبيد منها كما تقدم (4) إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة المتكررة في الكتاب في غير باب. احتج القائلون بالوجوب على ما نقل عنهم بقوله عزوجل " خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " (5) قالوا: ان وجوب الاخذ يستلزم وجوب الدفع. واجيب بانه لا نزاع في وجوب الدفع مع طلبه عليه السلام انما الكلام في وجوب الحمل ابتداء وحينئذ فتحمل الآية على الاستحباب جمعا بينها وبين الاخبار المتقدمة. اقول: والذى يقرب بالبال ان يقال لا ريب في أن ظاهر الآية وجوب الاخذ عليه صلى الله عليه وآله الموجب لطلبه ذلك ونقل ذلك إليه وهو المعلوم من سيرته صلى الله عليه وآله. ومن ما يدل على ذلك صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة (6) الدالة على انه لما نزلت آية الزكاة " خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " (7) أمر رسول الله صلى الله عليه وآله مناديه فنادى في الناس ان الله تعالى فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة.. إلى أن قال: ثم تركهم حولا ثم وجه عمال الصدقة وعمال الطسوق. ومثل ذلك الاخبار المتقدمة الدالة على انه كان يأمر بخرص النخيل وان الناس كانوا ينقلون


(1) الوسائل الباب 4 و 52 من المستحقين للزكاة (2) الوسائل الباب 37 من المستحقين للزكاة (3) الوسائل الباب 40 من المستحقين للزكاة (4) ص 181 إلى 183 (5) و (7) سورة التوبة الآية 105 (6) ص 3


[ 223 ]

إليه زكاتهم (1) وكذا من سيرة امير المؤمنين عليه السلام كما تدل على صحيحة بريد بن معاوية (2) المتضمنة لارساله عليه السلام مصدقا من الكوفة إلى باديتها وامره بقبض الصدقات ونقله، ونحوها رواية ابن مهاجر (3) وغيرها. ومن أجل ذلك صرح الشيخ ومن تبعه كما هو المشهور بانه يجب على الامام أن ينصب عاملا للصدقات. وجميع ذلك من ما يدل على وجوب طلب الامام لذلك ووجوب النقل إليه، ولا يخفى ما فيه من المنافاة للاخبار المشار إليها أولا لدلالتها صريحا على جواز تولى المالك لذلك بنفسه أو وكيله. ولعل وجه التوفيق بينها هو تخصيص ما دل من الاخبار على وجوب طلب الامام لذلك ووجوب الدفع إليه بزمان بسط يده عليه السلام وقيامه بالامر كزمانه صلى الله عليه وآله وزمان خلافة امير المؤمنين عليه السلام وما دل على جواز تولى المالك لذلك بزمانهم (عليهم السلام) لقصر يدهم عن القيام بامر الولاية (4) وما يترتب عليها فرخصوا للشيعة في صرفها ولم يوجبوا عليهم حملها ونقلها لهم لمقام التقية ودفع الشناعة والشهرة، وحينئذ فلا منافاة في هذه الاخبار لظاهر الآية ولا يحتاج إلى حمل الآية على الاستحباب كما صرح به الاصحاب لدفع التنافى بينها وبين الاخبار في هذا الباب. ومن ما يعضد ما قلناه ما رواه الصدوق (قدس سره) في كتاب العلل عن ابيه عن سعد بن عبداالله عن الحسن بن على الكوفى عن عبد الله بن المغيرة عن سفيان ابن عبد المؤمن الانصاري عن عمر بن شمر عن جابر (5) قال: " أقبل رجل إلى ابى جعفر عليه السلام وانا حاضر فقال رحمك الله اقبض منى هذه الخمسمائة درهم فضعها في مواضعها فانها زكاة مالى. فقال أبو جعفر عليه السلام بل خذها أنت وضعها في جيرانك


(1) ص 132 إلى 136 (2) ص 51 (3) الوسائل الباب 14 من زكاة الانعام (4) في الخطية " بامر الامامة " (5) الوسائل الباب 36 من المستحقين للزكاة


[ 224 ]

والايتام والمساكين وفي اخوانك من المسلمين، إنما يكون هذا إذا قام قائمنا عليه السلام فانه يقسم بالسوية ويعدل في خلق الرحمان البر منهم والفاجر.. الحديث ".

الثانية - قد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) - بل الظاهر انه لا خلاف فيه بينهم - بانه يستحب حمل الزكاة إلى الامام ومع عدم وجوده فالى الفقيه الجامع الشرائط وانه يتأكد الاستحباب في الاموال الظاهرة كالمواشي والغلات وعللوا استحباب نقلها إلى الامام عليه السلام بانه أبصر بمواقعها واعرف بمواضعها ولما في ذلك من ازالة التهمة عن المالك بمنع الحق وتفضيل بعض المستحقين بمجرد الميل الطبيعي. وأنت خبير بان الاستحباب حكم شرعى وفي ثبوت الاحكام الشرعية بمثل هذه التعليلات العقلية والمناسبات الذوقية اشكال سيما مع ما عرفت من رواية جابر المتقدمة وعدم قبول الامام عليه السلام لذلك وامره السائل بتفريقها بنفسه واما تأكد الاستحباب في الاموال الظاهرة فقد قال في المدارك انا لم نقف على حديث يدل عليه بمنطوقه، ولعل الوجه فيه ما يتضمنه من الاعلان بشرائع الاسلام والاقتداء بالسلف الكرام. انتهى. وفيه ما في سابقه. ثم انه لو كان الامر كما يدعونه من استحباب حمل ذلك إلى الامام فكيف غفل أصحاب الائمة (عليهم السلام) عن ذلك مع تهالكهم على التقرب إليهم (صلوات الله عليهم) حتى ان الصادق عليه السلام كان يسأل شهاب بن عبد ربه من زكاته لمواليه كما تقدم الخبر بذلك (1) وما دل من الاخبار على ان أصحابهم كانوا يفرقون زكاتهم بانفسهم أو وكلائهم كثير متفرق في ضمن أخبار هذا الكتاب (2).

الثالثة - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في عدم وجوب البسط على الاصناف وانه يجوز تخصيص جماعة من كل صنف أو صنف واحد بل شخص واحد من بعض الاصناف، قالوا نعم يستحب بسطها على الاصناف


(1) ص 221 (2) ص 208 و 210 و 211 و 212


[ 225 ]

أقول: اما ما ذكروه من الحكم الأول فلا ريب فيه والاخبار به مستفيضة ومنها - حسنة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقسم صدقة أهل البوادى في أهل البوادى وصدقة أهل الحضر في أهل الحضر ولا يقسمها بينهم بالسوية إنما يقسمها على قدر من يحضرها منهم وما يرى ليس في ذلك شئ موقت ". وصحيحة أحمد بن حمزة (2) قال: " قلت لابي الحسن عليه السلام رجل من مواليك له قرابة كلهم يقول بك وله زكاة أيجوز أن يعطيهم جميع زكاته ؟ قال نعم ". وحسنة زرارة بل صحيحته بابراهيم بن هاشم (3) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام رجل حلت عليه الزكاة ومات ابوه وعليه دين أيؤدى زكاته في دين ابيه وللابن مال كثير ؟ فقال عليه السلام ان كان أبوه أورثه مالا.. إلى أن قال وان لم يكن أورئه مالا لم يكن أحد أحق بزكاته من دين أبيه فإذا أداها في دين أبيه على هذه الحال اجزأت عنه " ورواية ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام المتقدمة في صنف الرقاب (4) المتضمنة لجواز شراء نسمة يعتقها إذا كان عبدا مسلما في ضرورة بمال زكاته. وصحيحة على بن يقطين المتقدمة ايضا (5) المتضمنة لجواز ان يحج مواليه وأقاربه بمال الزكاة. إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة، وبالجملة فالحكم اتفاقى نصا وفتوى وما ربما يتوهم من مخالفة ظاهر الآية (6) لذلك كما تمسك به بعض العامة (7) فقد أجاب عنه في المعتبر بان اللام في الآية الشريفة للاختصاص لا للملك كما تقول: " الباب للدار " فلا تقتضي وجوب البسط ولا التسوية في العطاء. وأجاب عنه في المنتهى بان المراد بالآية الشريفة بيان المصرف أي الاصناف


(1) الوسائل الباب 28 من المستحقين للزكاة (2) الوسائل الباب 15 من المستحقين للزكاة (3) الوسائل الباب 18 من المستحقين للزكاة (4) ص 181 (5) ص 199 (6) وهى قوله تعالى " انما الصدقات.. " سورة التوبة الآية 61 (7) المحلى ج 6 ص 144، والمغنى ج 2 ص 669، والمهذب ج 1 ص 171


[ 226 ]

التى تصرف الزكاة إليهم لا إلى غيرهم كقوله " إنما الخلافة لقريش ". واما ما ذكروه من استحباب البسط فلم أقف فيه على نص، وغاية ما عللوه به كما ذكره في المدارك بما فيه من شمول النفع وعموم الفائدة، ولانه أقرب إلى امتثال ظاهر الآية. ولا يخفى ما فيه من الوهن والضعف. واستدل عليه في التذكرة والمنتهى بما فيه من التخلص من الخلاف وحصول الاجزاء يقينا. والظاهر انه أشار بذلك إلى خلاف العامة (1) لانه صرح قبل ذلك باجماع علمائنا على عدم وجوب البسط، وهو اضعف من سابقه.

الرابعة - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) باستحباب ترجيح بعض المستحقين على بعض لاسباب تقتضي ذلك ككونه أفضل أو كونه ممن يستحى من السؤال أو كونه رحما ونحو ذلك. وعلى ذلك دلت الاخبار ايضا كصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج (2) قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الزكاة أيفضل بعض من يعطى ممن لا يسأل على غيره ؟ قال نعم يفضل الذى لا يسأل على الذى يسال ". وما رواه الكليني عن عتيبة بن عبد الله بن عجلان السكوني (3) قال: " قلت لابي جعفر عليه السلام انى ربما قسمت الشئ بين أصحابي أصلهم به فكيف اعطيهم ؟ فقال اعطهم على الهجرة في الدين والعقل والفقة ". وما رواه اسحاق بن عمار في الموثق عن ابى الحسن موسى عليه السلام (4) قال: " قلت له لى قرابة انفق على بعضهم وأفضل بعضهم على بعض فيأتيني إبان الزكاة أفأعطيهم منها ؟ قال مستحقون لها ؟ قلت نعم. قال هم أفضل من غيرهم.. الحديث "


(1) في المهذب ج 1 ص 171 الوجوب، وفي البداية ج 1 ص 266 نسبه إلى الشافعي ايضا وإلى مالك وابى حنيفة العدم، وفي المحلى ج 6 ص 144 نقل الخلاف، وفي البدائع ج 2 ص 47 اختار العدم (2) و (3) الوسائل الباب 25 من المستحقين للزكاة (4) الوسائل الباب 15 من المستحقين للزكاة


[ 227 ]

ولا ينافى هذا الخبر ما رواه الكليني في الحسن بابراهيم بن هاشم الذى هو صحيح عندي عن زرارة ومحمد بن مسلم عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " ان الصدقة والزكاة لا يحابى بها قريب ولا يمنعها بعيد " لحمل الاول على استحباب تفضيل الرحم بالزيادة على غيره وحمل هذا الخبر على المنع من دفع الجميع إلى القريب وحرمان البعيد بالكلية بل يقسم ذلك على القريب والبعيد وان فضل القريب لقربه بالزيادة وقد تقدم في بعض الاخبار (2) " لا تعطين قرابتك الزكاة كلها ولكن اعطهم بعضا واقسم بعضا في سائر المسلمين ". وبالجملة فان أصل الحكم من ما لا إشكال فيه ولا خلاف بين الاصحاب إلا أنه قد روى الشيخ في التهذيب بسنده عن حفص بن غياث (3) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول وسئل عن قسمة بيت المال فقال أهل الاسلام هم ابناء الاسلام اسوى بينهم في العطاء وفضائلهم بينهم وبين الله اجعلهم كبنى رجل واحد لا يفضل أحد منهم لفضله وصلاحه في الميراث على آخر ضعيف منقوص، قال وهذا هو فعل رسول صلى الله عليه وآله في بدو امره، وقد قال غيرنا أقدمهم في العطاء بما قد فضلهم الله تعالى بسوابقهم في الاسلام إذا كانوا بالاسلام قد أصابوا ذلك فانزلهم على مواريث ذوى الارحام بعضهم أقرب من بعض وأوفر نصيبا لقربه من الميت وإنما ورثوا برحمهم، وكذلك كان عمر يفعله ". ولا يخفى ما في هذا الخبر من الاشكال فانه ظاهر في أن ما كان مالا لله سبحانه كمال الخراج والزكاة فانه يقسم على السوية والتفضيل إنما يكون في الصدقات المستحبة التى هي من مال الانسان. ولم أر بمضمونه قائلا إلا ما يظهر من المحدث الكاشانى في الوافى حيث قال بعد نقل خبر عبد الله بن عجلان المذكور: بيان انما رخص له التفضيل على الفقه والدين لانه إنما يصلهم بماله وليس له ذلك في قسمة حق الله فيهم كما يأتي. ثم اورد


(1) الوسائل الباب 4 من المستحقين للزكاة (2) هذا اللفظ في حديث ابى خديجة المتقدم بعضه ص 214 ولم يتقدم هو. (3) الوسائل الباب 29 من ابواب جهاد العدو


[ 228 ]

رواية حفص المذكورة ثم قال بعدها: قد مضى في كتاب الحجة ان القائم عليه السلام إذا ظهر قسم المال بين الرعية بالسوية، وفي باب سيرتهم بين الناس ان ذلك حقهم على الامامة. انتهى. والمسألة لا تخلو من الاشكال لما عرفت من اتفاق الاصحاب سلفا وخلفا على جواز التفضيل حتى ان الكليني (قدس سره) في الكافي (1) عقد له بابا على حدة فقال: " باب تفضيل أهل الزكاة بعضهم على بعض " وأورد فيه أولا حديث عبد الله بن عجلان المذكور ثم رواية عبد الرحمان بن الحجاج. والشيخ المفيد على ما نقل عنه في المختلف ذهب إلى وجوب التفضيل حيث قال: يجب تفضيل الفقراء في الزكاة على قدر منازلهم في الفقه والبصيرة والطهارة والديانة. انتهى. والظاهر حمل الخبر المذكور على التخصيص بمال الخراج وهو الذى علم من النبي صلى الله عليه وآله وعلى عليه السلام في زمن خلافته تسوية الناس في قسمته. وقد ورد ايضا استحباب صرف صدقة المواشى إلى المتجملين وصرف صدقة غيرها إلى الفقراء المدقعين كما رواه الكليني عن عبد الله بن سنان (2) قال " قال أبو عبد الله عليه السلام ان صدقة الخف والظلف تدفع إلى المتجملين من المسلمين واما صدقة الذهب والفضة وما كيل بالقفيز من ما اخرجت الارض فللفقراء المدقعين. قال ابن سنان قلت وكيف صار هذا هكذا ؟ فقال لان هؤلاء متجملون يستحيون من الناس فيدفع إليهم اجمل الامرين عند الناس، وكل صدقة ". وروى الشيخ المفيد في المقنعة عن عبد الكريم بن عتبة الهاشمي عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال " تعطى صدقة الانعام لذوى التجمل من الفقراء لانها أرفع من صدقة الاموال وان كان جميعها صدقة وزكاة ولكن أهل التجمل يستحيون أن يأخذوا صدقات الاموال.


(1) الفروع ج 1 ص 155 (2) و (3) الوسائل الباب 26 من المستحقين للزكاة


[ 229 ]

    الخامسة - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في جواز تأخير الزكاة بعد حول الحول وامكان الدفع، فالمشهور انه لا يجوز التأخير إلا لعذر كعدم وجود المستحق ونحوه. قال الشيخ المفيد في المقنعة: الاصل في اخراج الزكاة عند حلول وقتها دون تقديمها عليه وتأخيرها عنه كالصلاة، وقد جاء عن الصادقين عليهم السلام (1) رخص في تقديمها شهرين قبل محلها وتأخيرها شهرين عنه، وجاء ثلاثة أشهر ايضا وأربعة عند الحاجة إلى ذلك وما يعرض من الاسباب، والذى أعمل عليه هو الاصل المستفيض عن آل محمد (عليهم السلام) من لزوم الوقت (2). وقال الشيخ في النهاية: وإذا حال الحول فعلى الانسان أن يخرج ما يجب عليه على الفور ولا يؤخره، قال: وإذا عزل ما يجب عليه فلا باس أن يفرقه ما بين شهر وشهرين ولا يجعل ذلك اكثر منه. وظاهر الشهيدين جواز التأخير بل جزم الشهيد الثاني بجواز تأخيرها شهرا وشهرين خصوصا للبسط ولذي المزية، واختاره في المدارك. أقول: لا يخفى ان أكثر الاخبار صريحة الدلالة في جواز التأخير، ومنها صحيحة حماد بن عثمان عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " لا باس بتعجيل الزكاة شهرين وتأخيرها شهرين ". وصحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام (4) " انه قال في الرجل يخرج زكاته فيقسم بعضها ويبقى بعض يلتمس لها المواضع فيكون بين أوله وآخره ثلاثة أشهر ؟ قال لا بأس ". وموثقة يونس بن يعقوب (5) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام زكاتي تحل على


(1) و (2) الوسائل الباب 49 من المستحقين للزكاة (4) الوسائل الباب 53 من المستحقين للزكاة (5) الوسائل الباب 53 من المستحقين للزكاة


[ 230 ]

في شهر أيصلح لى أن احبس منها شيئا مخافة أن يجيئنى من يسألنى ؟ فقال إذا حال الحول فاخرجها من مالك ولا تخلطها بشئ ثم اعطها كيف شئت. قال قلت فان انا كتبتها واثبتها أيستقيم لى ؟ قال نعم لا يضرك ". وصحيحة معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " قلت له الرجل تحل عليه الزكاة في شهر رمضان فيؤخرها إلى المحرم ؟ قال لا بأس. قال قلت فانها لا تحل عليه إلا في المحرم فيعجلها في شهر رمضان ؟ قال لا بأس " هذا ما وقفت عليه من الاخبار الدالة على جواز التأخير. إلا انه قد ورد في بعض الاخبار ايضا ما يدل على التعجيل وعدم جواز التأخير مثل صحيحة سعد بن سعد الاشعري عن ابى الحسن الرضا عليه السلام (2) قال " سألته عن الرجل تحل عليه الزكاة في السنة في الثلاثة أوقات أيؤخرها حتى يدفعها في وقت واحد ؟ قال متى حلت أخرجها ". ورواية ابى بصير المروية في آخر كتاب السرائر نقلا من نوادر محمد بن على بن محبوب (3) قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام إذا أردت ان تعطى زكاتك قبل حلها بشهر أو شهرين فلا بأس، وليس لك ان تؤخرها بعد حلها ". وظاهر عبارة الشيخ المفيد (قدس سره) المتقدمة استفاضة الاخبار عنده بالاخراج في وقتها حتى انه جعل التأخير من قبيل الرخصة ومع هذا عدل عنه وقوفا على ما ذكره من الاخبار المشار إليها، ولعلها وصلت إليه ولم تصل الينا. ولعل الاظهر في الجمع بين هذه الاخبار هو أن يقال ان الواجب هو اخراجها متى وجبت إلا أن يعزلها أو يثبتها فيجوز له التأخير شهرين وثلاثة واخراجها شيئا فشيئا، والى هذا يشير كلام الشيخ في النهاية والظاهر انه جعله وجه جمع بين أخبار المسألة.


(1) الوسائل الباب 49 من المستحقين للزكاة (2) و (3) الوسائل الباب 52 من المستحقين للزكاة


[ 231 ]

وقال الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه (1): وقد روى في تقديم الزكاة وتأخيرها أربعة أشهر وستة أشهر، إلا ان المقصود منها أن تدفعها إذا وجبت عليك، ولا يجوز لك تقديمها ولا تأخيرها لانه مقرونة بالصلاة ولا يجوز تقديم الصلاة قبل وقتها ولا تأخيرها إلا أن تكون قضاء وكذلك الزكاة، فان أحببت أن تقدم من زكاة مالك شيئا تفرج به عن مؤمن فاجعله دينا عليه فإذا حلت عليك فاحسبها له زكاة ليحسب لك من زكاة مالك ويكتب لك أجر القرض. ولا يخفى ما في هذا الكلام من الغموض بل التدافع. مع ان هذه العبارة مأخوذة من كتاب الفقه الرضوي على النحو الذى قدمنا ذكره في غير مقام. حيث قال عليه السلام (2) وانى أروى عن ابى في تقديم الزكاة وتأخيرها اربعة اشهر وستة أشهر، إلا ان المقصود منها أن تدفعها إذا وجبت عليك، ولا يجوز لك تقديمها ولا تأخيرها لانها مقرونة بالصلاة ولا يجوز لك تقديم الصلاة قبل وقتها ولا تأخيرها إلا أن تكون قضاء وكذلك الزكاة، وان أجبت أن تقدم من زكاة مالك شيئا تفرج به عن مؤمن فاجعلها دينا عليه فإذا حلت عليك وقت الزكاة فاحسبها له زكاة فانه يحسب لك من زكاة مالك ويكتب لك أجر القرض والزكاة. انتهى. والذى يظهر لى في معنى هذا الكلام ورفع ما يوهم التناقض هو انه بعد أن نقل عن ابيه عليه السلام جواز التقديم والتأخير اراد تأويله بناء على ما افتى به من وجوب دفعها متى وجبت وانه لا يجوز التقديم فيها ولا التأخير كالصلاة المقيدة بوقت مخصوص - بحمل التقديم على أن يكون على جهة القرض وحمل التأخير على العذر المانع من الدفع وقت الوجوب كالصلاة التى تكون قضاء بالعذر الموجب لتأخيره عن وقتها.


(1) الفقيه ج 2 ص 10 وفي الوسائل الباب 49 من المستحقين للزكاة (2) ص 22


[ 232 ]

ومن هذا يظهر مستند ما ذهب إليه الشيخ المفيد وغيره من المقدمين من وجوب الاخراج وقت الوجوب وعدم جواز التأخير ويكون من قبيل ما تقدم في على موضع من اختصاص المستند بهذا الكتاب. وكيف كان فالاحتياط باخراجها متى وجبت إلا لعذر من مالا ينبغى تركه. والله العالم.

السادسة - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا يجوز تعجيل الزكاة قبل وقتها إلا أن يكون المدفوع دينا على جهة القرض ثم يحتسب به بعد الوجوب مع بقاء الشرائط، ونقل عن ظاهر ابن ابى عقيل وسلار جواز التعجيل والظاهر هو القول المشهور ويدل عليه أولا ما تقدم من الاخبار الدالة على ان حول الحول شرط في الوجوب (1) فلم يجز تقديم الواجب عليه كما لا يقدم على النصاب. وأورد عليه بانه يجوز أن يكون الوجوب في الوقت عند استجماع الشرائط مقيدا بعدم الاتيان بها سابقا عليه ويكون التقديم جائزا لا بد لنفيه من دليل. كذا أورده الفاضل الخراساني في الذخيرة. وفيه ان من جملة أخبار الحول قولهما (عليهما السلام) في صحيحة الفضلاء (2) " وكل ما لم يحل عليه الحول عند ربه فلا شئ عليه فيه فإذا حال عليه الحول وجب عليه " ولا ريب في دلالة صدر الكلام على نفى الزكاة قبل حول الحول، وكلامه هذا وان أمكن اجراؤه في قوله: " فإذا حال عليه الحول وجب عليه " بمعنى تقييد الوجوب بما إذا لم يخرجها سابقا بعنوان الزكاة إلا أنه لا يستقيم في صدر الكلام لدلالته على نفى الزكاة قبل أن يحول عليه الحول ومتى انتفى ثبوت الزكاة قبل الحول انتفى الاخراج بعنوان الزكاة البتة، وفى صحيحة على بن يقطين (3) " كل ما لم يحل عليه


(1) الوسائل الباب 8 من زكاة الانعام و 15 من زكاة الذهب والفضة (2) الوسائل الباب 8 من زكاة الانعام (3) الوسائل الباب 15 من زكاة الذهب والفضة


[ 233 ]

عندك الحول فليس عليك فيه زكاة " والتقريب ما تقدم، ونحو ذلك في الاخبار غير عزيز. وثانيا - ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن بابراهيم بن هاشم عن عمر ابن يزيد (1) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام الرجل يكون عنده المال أيزكيه إذا مضى نصف السنة ؟ قال لا ولكن حتى يحول عليه الحول ويحل عليه، انه ليس لاحد أن يصلى صلاة إلا لوقتها وكذلك الزكاة، ولا يصومن أحد شهر رمضان إلا في شهره إلا قضاء، وكل فريضة إنما تؤدى إذا حلت ". وصحيحة زرارة (2) قال: " قلت لابي جعفر عليه السلام أيزكى الرجل ماله إذا مضى ثلث السنة ؟ قال لا، ايصلى الاولى قبل الزوال ؟. ويدل على القول الآخر صحيحتا حماد بن عثمان ومعاوية بن عمار المتقدمتان (3) وما رواه الكليني في الصحيح إلى ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام (4) قال: " سألته عن رجل يكون نصف ماله عينا ونصفه دينا فتحل عليه الزكاة ؟ قال يزكى العين ويدع الدين. قلت فانه اقتضاه بعد ستة أشهر ؟ قال يزكيه حين اقتضاه. قلت فان هو حال عليه الحول وحل الشهر الذى كان يزكى فيه وقد أتى لنصف ماله سنة ولنصفه الآخر ستة أشهر ؟ قال يزكى الذى مرت عليه سنة ويدع الآخر حتى تمر عليه سنة. قلت فان اشتهى أن يزكى ذلك ؟ قال ما أحسن ذلك ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن الحسين بن عثمان عن رجل عن ابى عبد الله عليه السلام (5) قال: " سألته عن الرجل يأتيه المحتاج فيعطيه من زكاته في أول السنة ؟ فقال ان كان محتاجا فلا بأس ". وما رواه عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام (6) قال: " سألته عن الرجل


(1) و (2) الوسائل الباب 51 من المستحقين للزكاة (3) ص 229 و 230 (4) الوسائل الباب 6 ممن تجب عليه الزكاة و 49 من المستحقين للزكاة (5) الوسائل الباب من 49 من المستحقين للزكاة (6) الوسائل الباب 49 من المستحقين للزكاة، وفي الاستبصار ج 2 ص 32 =


[ 234 ]

يعجل زكاته قبل المحل ؟ قال إذا مضت خمسة أشهر فلا باس ". ويدل على ذلك أيضا رواية ابى بصير المتقدمة في سابق هذه المسألة (1) بنقل ابن ادريس من كتاب نوادر محمد بن على بن محبوب إذا عرفت ذلك فاعلم ان الشيخ في كتابي الاخبار قد أجاب عن صحيحتي حماد ابن عثمان ومعاوية بن عمار وما في معناهما بالحمل على أن التقديم على سبيل القرض لا انه زكاة معجلة. واستدل على هذا التأويل بما رواه في الصحيح عن الاحول عن ابى عبد الله عليه السلام (2) " في رجل عجل زكاة ماله ثم أيسر المعطى قبل رأس السنة ؟ قال يعيد المعطى الزكاة ". واعترضه المحقق في المعتبر بان ما ذكره الشيخ ليس حجة على ما ادعاه إذ يمكن القول بجواز التعجيل مع ما ذكره، مع أن الرواية تضمنت ان المعجل زكاة فتزيله عن القرض تحكم. انتهى. وهو جيد. ومن ما يضعف هذا الحمل ان الروايات قد دلت على انها زكاة معجلة كما دلت على جواز تأخيرها شهرين وثلاثة، فالتقديم إنما هو بعنوان الزكاة لا القرض كما ان التأخير كذلك، وإلا لم يصدق انه عجل زكاته بل يقال أقرض. وأيضا لو كان المراد إنما هو بمعنى القرض لكان الاقتصار على الشهرين أو الثلاثة أو نحو ذلك من ما ورد في تلك الاخبار لا معنى له، مع ان جمعا من محققى الاصوليين يذهبون إلى حجية مفهوم العدد، بل قال شيخنا الشهيد الثاني في تمهيده انه مذهب اكثر الاصوليين، ولا ريب أن ذلك لا يجرى في ما كان على سبيل القرض وانما يجرى في ما لو كان زكاة معجلة فيكون جواز تقديمها مقيدا بتلك المدة المذكورة في الاخبار. وبالجملة فالروايات المذكورة ظاهرة


= والتهذيب ج 1 ص 361 " ثمانية أشهر " نعم في الطبعة الحديثة من التهذيب ج 4 ص 44: في بعض المخطوطات " خمسة اشهر " (1) ص 230 (2) الوسائل الباب 50 من المستحقين للزكاة


[ 235 ]

في جواز تعجيل الزكاة كما هو المدعى منها وتأويلها بما ذكر تعسف ظاهر. وبذلك يظهر ما في كلام السيد السند في المدارك حيث قال: وما ذكره الشيخ في الجمع جيد إلا أن جواز التعجيل على سبيل القرض لا يتقيد بالشهرين والثلاثة فلا يظهر للتخصيص على هذا التقدير وجه، لكن ليس في الروايتين ما يدل على التخصيص بالحكم صريحا، والتخصيص بالذكر لا يقتضى التخصيص بالحكم خصوصا الرواية الاولى، فان التخصيص فيها وقع في كلام السائل وليس في الجواب عن المقيد المسؤول عنه دلالة على نفى الحكم عن ما عداه. انتهى. فان فيه أولا - ان كلامه هذا إنما يتجه على القول بعدم حجية مفهوم العدد واما على القول بذلك كما قدمناه فيجب تقييد الجواز بذلك البتة. وثانيا - انه قد جزم بذلك بالنسبة إلى التأخير كما تقدم في كلامه تبعا لجده (قدس سره) كما قدمنا نقله عنه، والكلام في المقامين واحد فان كانت الاخبار المذكورة لا دلالة فيها على التخصيص بالحكم كما ذكره هنا ففى الموضعين وإلا فلا معنى لكلامه هنا مع اعتباره التخصيص بالحكم في صورة التأخير، وبالجملة فان تخصيص الحكم إنما يتجه على تقدير القول بحجية مفهوم العدد فكيف يكون مفهوم العدد حجة في المسألة الاولى ولا يكون في هذه المسألة والتحديد بالشهرين فيهما معا. ثم انه في المدارك ايضا استشهد لهذا الجمع بما ورد من الاخبار الدالة على استحباب القرض قبل ابان الزكاة والاحتساب به بعد الوجوب (1) ومثله الفاضل الخراساني في الذخيرة. وفيه ما عرفت من أن ظواهر تلك الاخبار كونها زكاة معجلة مقيدة باوقات مخصوصة لا كونها قرضا، وحمل أحدهما على الآخر تعسف محض كما عرفت. ولهذا ان شيخنا المفيد (عطر الله مرقده) حمل هذه الروايات على الرخصة


(1) الوسائل الباب 49 من المستحقين للزكاة


[ 236 ]

فقال: وقد جاءت رخص عن الصادقين (عليهم السلام) في تقديمها شهرين قبل حلها وجاء ثلاثة أشهر وأربعة أشهر عن الحاجة إلى ذلك. واليه يميل كلام المحقق في المعتبر ايضا حيث قال على أثر الكلام المتقدم نقله عنه: وكأن الاقرب ما ذكره المفيد من تنزيل الرواية على ظاهرها في الجواز فيكون فيه روايتان. انتهى. ولا ريب ان هذا أقرب في الجمع بين الاخبار من ما ذكره الشيخ (قدس سره). ولعل الاقرب منها هو حمل هذه الاخبار على التقية التى هي في اختلاف الاخبار أصل كل بلية، فان القول بالجواز مذهب أبى حنيفة والشافعي واحمد (1) كما نقله في المعتبر لما روى (2) " ان العباس سأل رسول الله صلى الله عليه وآله في تعجيل صدقته فرخص له " ورووا عن على عليه السلام (3) " ان النبي صلى الله عليه وآله قال لعمر قد أخذنا زكاة العباس عام أول للعام " وظاهر النقل عنهم يعطى القول بجواز التقديم مطلقا غير مخصص بعدد، ولعل ذكر الشهر والشهرين ونحوهما في أخبارنا إنما خرج مخرج التمثيل فلا يدل على التخصيص كما يشير إليه اختلاف الاخبار في ذلك. ورجح بعض مشايخنا المعاصرين حمل أخبار الجواز على العذر والضرورة المانع من التمكن من اعطائها بعد حلول وقت الوجوب كما يقدم غسل الجمعة لخوف اعواز الماء، قال: وهذا جمع حسن تتلائم به الاخبار، وحينئذ فالاقتصار على الشهرين كالاقتصار على يوم الخميس وما بعده بالنسبة إلى غسل الجمعة. انتهى. ولا يخفى بعده بل عدم استقامته، وكأنه بنى في ذلك على رواية حماد بن عثمان المتضمنة للشهرين (4) وإلا فالاخبار التى قدمناها منها ما يدل على التقديم في أول السنة كمرسلة حسين بن عثمان ومنها بعد ستة أشهر كرواية ابى بصير أو خمسة أشهر كروايته الثانية (5) ومعلومية العذر عن اخراج الزكاة في هذه المدد كمعلومية العذر


(1) نيل الاوطار ج 4 ص 214 (2) و (3) سنن البيهقى ج 4 ص 111 (4) ص 229 (5) ص 233


[ 237 ]

في يوم الخميس بعوز الماء قياس مع الفارق وتنظير غير مطابق كما لا يخفى على الخبير الحاذق. واما الروايات الدالة على احتساب القرض من الزكاة بعد حلول وقتها كما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) فهى كثيرة: منها - ما تقدم في هذا المقام نقلا من كتاب الفقه الرضوي (1) ومنها رواية عقبة بن خالد المتقدمة في صنف الغارمين (2). ومنها - رواية يونس بن عمار (3) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول قرض المؤمن غنيمة وتعجيل اجر، ان أيسر قضاك وان مات قبل ذلك احتسبت به من الزكاة " ورواية موسى بن بكر عن ابى الحسن عليه السلام (4) قال: " كان على عليه السلام يقول قرض المال حمى الزكاة " ونحوه في كتاب الفقه الرضوي (5).

فرعان:

الاول - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لو دفع له مالا على سبيل القرض فحضر وقت الوجوب جاز احتسابه من الزكاة بشرط بقاء القابض على صفة الاستحقاق وبقاء الوجوب في المال، وللمالك ايضا المطالبة بعوضه ودفعه إلى غيره ودفع غيره إليه ودفع غيره إلى غيره وان بقى على صفة الاستحقاق لان حكمه حكم الديون. ولو كان المدفوع زكاة معجلة وقلنا بجواز ذلك فالظاهر ايضا اعتبار بقاء الشرط المذكور لان الدفع يقع مراعى في جانب الدافع اتفاقا فكذا في جانب القابض خلافا لبعض العامة في الثاني (6). وظاهر الفاضل الخراساني في الذخيرة هنا التوقف في اعتبار المراعاة في جانب القابض ايضا، حيث قال: ولو قلنا ان المدفوع زكاة معجلة ففى اعتبار بقاء


(1) ص 231 (2) ص 195 (3) و (4) الوسائل الباب 49 من المستحقين للزكاة (5) ص 23 (6) المغنى ج 2 ص 636 والانصاف ج 3 ص 212


[ 238 ]

الشرط في القابض نظر لا طلاق ادلة جواز التقديم. انتهى. وفيه نظر لما تقدم في صحيحة الاحول (1) من الدلالة على انه لو عجل زكاة ماله ثم أيسر المعطى قبل راس السنة فانه يعيد المعطى الزكاة، وكأنه (قدس سره) غفل عن مراجعة الخبر المذكور. ثم انه على تقدير كون المدفوع زكاة فانه لا يجوز استعادته مع بقاء الشرائط في المال والقابض بخلاف القرض كما عرفت.

الثاني - لو دفع إليه مالا فاستغنى بعين ذلك المال ثم حال الحول عليه كذلك، فان قلنا بجواز الدفع زكاة معجلة وقصد به ذلك فانه ليس له استعادته لما عرفت. ولو دفعه على سبيل القرض والحال كذلك فهل له احتسابه عليه ولا يكلف أخذه واعادته عليه أم لا ؟ المشهور الاول نص عليه الشيخ واكثر الاصحاب، وبه قطع المحقق والعلامة في جملة من كتبه من غير نقل خلاف. واستدل عليه في المنتهى بان العين إنما دفع إليه ليستغني بها وترتفع حاجته وقد حصل الغرض فلا يمنع الاجزاء، وبانالو استرجعنا منه لصار فقيرا فجاز دفعها إليه بعد ذلك وذلك لا معنى له. ونقل عن ابن ادريس انه لا يجوز الدفع إليه مع الغنى وان كان بعين المدفوع، لان الزكاة لا يستحقها غنى والمدفوع إليه غنى بالدفع إليه مع الغنى وان كان قرضا لان المستقرض يملك ما استقرضه. وأجاب عنه في المختلف بان الغنى هنا ليس مانعا إذ لاحكمة ظاهرة في أخذه ودفعه. واعترضه في المدارك بان عدم ظهور الحكمة لا يقتضى عدمها في نفس الامر ثم قال: نعم لو قيل ان من هذا شانه لا يخرج عن حد الفقر عرفا لم يكن بعيدا من الصواب. انتهى.


(1) ص 234


[ 239 ]

اقول: وكلام ابن ادريس هو الاوفق بمقتضى الاصول، والمسألة غير منصوصة والاحتياط فيها مطلوب. واما ما ذكره في المدارك من أن من هذا شأنه لا يخرج عن حد الفقر عرفا - فقد تقدم الكلام عليه في مثل هذه المسألة في صنف الغارمين. هذا في ما لو استغنى بعين ذلك المال اما لو استغنى بغيره ولو بنمائه وربحه أو زيادة قيمته على قيمته حين القبض استعيد منه القرض لتحقق الغنى المانع من استحقاقه. وكذا لو كان المدفوع زكاة معجلة، لانها كما عرفت مراعاة ببقاء الشروط إلى وقت الوجوب، ولما عرفت من صحيحة الاحول المتقدمة (1).

السابعة - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في جواز نقل الزكاة من البلد مع وجود المستحق فيها، فالمشهور التحريم واسنده في التذكرة إلى علمائنا أجمع، ونقل في المنتهى عن الشيخ المفيد والشيخ في بعض كتبه القول بالجواز واختاره في المنتهى، واختار في المختلف القول بالجواز على كراهة ونقله عن ابن حمزة، ونقل عن الشيخ الجواز بشرط الضمان. والمفهوم من الاخبار الواردة في هذا المضمار هو أنه مع عدم وجود المستحق في البلد فلا إشكال في الجواز بل الوجوب ولا ضمان لو تلقت في الطريق، ومع وجوده فانه يجوز النقل ايضا ولكن يكون ضامنا وان كان الافضل صرفها في البلد ومن ما يدل على الاول صحيحة ضريس (2) قال: " سأل المدائني أبا جعفر عليه السلام فقال ان لنا زكاة نخرجها من أموالنا ففى من نضعها ؟ فقال في أهل ولايتك. فقال انى في بلاد ليس فيها أحد من اوليائك ؟ فقال ابعث بها إلى بلدهم تدفع إليهم.. الحديث ". ورواية يعقوب بن شعيب الحداد عن العبد الصالح عليه السلام (3) قال: " قلت له


(1) ص 234 (2) و (3) الوسائل الباب 5 من المستحقين للزكاة


[ 240 ]

الرجل منا يكون في أرض منقطعة كيف يصنع بزكاة ماله ؟ قال يضعها في اخوانه وأهل ولايته. قلت فان لم يحضره منهم فيها أحد ؟ قال يبعث بها إليهم.. الحديث " ومن ما يدل على الثاني حسنة هشام بن الحكم بابراهيم بن هاشم عن ابى عبد الله عليه السلام (1) " في الرجل يعطى الزكاة يقسمها أله ان يخرج الشئ منها من البلدة التى هو فيها إلى غيره ؟ قال لا باس ". ورواية درست بن ابى منصور عن رجل ابى عبد الله عليه السلام (2) " انه قال في الزكاة يبعث بها الرجل إلى بلد غير بلده ؟ فقال لا بأس ان يبعث بالثلث أو الربع. الشك من ابى احمد ". ورواية احمد بن حمزة بل صحيحته عند بعض (3) قال: " سألت أبا الحسن الثالث عليه السلام عن الرجل يخرج زكاته من بلد إلى بلد آخر ويصرفها في اخوانه فهل يجوز ذلك ؟ فقال نعم ". ومن ما يدل على عدم الضمان في الاول والضمان في الثاني صحيحة محمد بن مسلم (4) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام رجل بعث بزكاة ماله لتقسم فضاعت هل عليه ضمانها حتى تقسم ؟ فقال إذا وجد لها موضعا فلم يدفعها إليه فهو لها ضامن حتى يدفعها، وان لم يجد من يدفعها إليه فبعث بها إلى أهلها فليس عليه ضمان لانها قد خرجت من يده. وكذلك الوصي الذى يوصى إليه يكون ضامنا لما دفع إليه إذا وجد ربه الذى أمر بدفعه إليه، وان لم يجد فليس عليه ضمان ". وحسنة زرارة بابراهيم بن هاشم (5) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل بعث إليه اخ له زكاته ليقسمها فضاعت ؟ فقال ليس على الرسول ولا على المؤدى ضمان قلت فانه لم يجد لها أهلا ففسدت وتغيرت أيضمنها ؟ قال لا ولكن ان عرفت لها أهلا فعطبت أو فسدت فهو لها ضامن حتى يخرجها ". ومن ما يدل على ذلك باطلاقه حسنة بكير بن اعين (6) قال: " سألت


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 37 من المستحقين للزكاة (4) و (5) و (6) الوسئل الباب 39 من المستحقين للزكاة


[ 241 ]

أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يبعث بزكاته فتسرق أو تضيع ؟ قال ليس عليه شئ. وعن وهيب بن حفص في الموثق (1) قال: " كنا مع ابى بصير فاتاه عمرو ابن الياس فقال له يا ابا محمد ان اخى بحلب بعث إلى بمال من الزكاة اقسمه بالكوفة فقطع عليه الطريق فهل عندك فيه رواية ؟ قال نعم سألت أبا جعفر عليه السلام عن هذه المسألة ولن أظن ان أحدا يسألنى عنها أبدا فقلت لابي جعفر عليه السلام جعلت فداك الرجل يبعث بزكاة ماله من أرض إلى أرض فيقطع عليه الطريق ؟ فقال قد أجزأت عنه ولو كنت انا لاعدتها " ونحوها غيرها. واطلاقها مقيد بالخبرين الاولين. وظاهر هذا الخبر الاخير استحباب اعادة الاخراج في الصورة المذكورة. ومن ما يدل على الثالث صحيحة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقسم صدقة أهل البوادى في أهل البوادى وصدقة أهل الحضر في أهل الحضر.. الحديث ". وصحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " لا تحل صدقة المهاجرين للاعراب ولا صدقة الاعراب للمهاجرين. واورد هذين الخبرين في الكافي في باب (بعث الزكاة من بلد إلى آخر) وهو مؤذن بما قلناه وان احتمل حملهما على ما هو أعم. والله أعلم.

تنبيهات:

الاول - الظاهر انه لا خلاف بناء على القول بتحريم النقل في انه لو خالف ووصلت إلى الفقراء فانها تجزئ عنه لصدق الامتثال وان أثم باعتبار المخالفة، إلا انك قد عرفت انه لا دليل على التحريم بل الدليل قائم على خلافه.

الثاني - قد صرحوا بانه لو أخر الدفع مع وجود المستحق اثم وضمن، فاما


(1) الفروع ج 1 ص 157 وفي الوسائل الباب 39 من المستحقين للزكاة (2) و (3) الوسائل الباب من المستحقين للزكاة.


[ 242 ]

الضمان فلا ريب فيه لما عرفت من الاخبار المتقدمة، واما الاثم فهو مبنى على القول بالفورية وعدم جواز التأخير عن وقت الوجوب، واما على القول بجواز التأخير شهرين أو اكثر فلا. وقد تقدم تحقيق القول في المسألة.

الثالث - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه إذا لم يجد المالك لها مستحقا فالافضل عزلها، بل صرح العلامة في التذكرة باستحبابه متى حال الحول وان كان المستحق موجودا. ويدل على ذلك موثقة يونس بن يعقوب المتقدمة في المسألة الخامسة وصحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة ثمة أيضا (1). وحسنة عبيد بن زرارة عن ابى عبد الله عليه السلام (2): " انه قال إذا أخرجها من ماله فذهبت ولم يسمها لاحد فقد برئ منها ". ورواية ابى بصير عن ابى جعفر عليه السلام (3) قال: " إذا أخرج الرجل الزكاة من ماله ثم سماها لقوم فضاعت أو أرسل بها إليهم فضاعت فلا شئ عليه ". والمراد بالعزل هو تعيينها في مال خاص وبذلك تصير من قبيل الامانة في يده لا يضمنها إلا بالتفريط أو تأخير الاخراج مع التمكن منه كما تقدم. والظاهر ان النماء تابع لها منفصلا كان أو متصلا، لما رواه الكليني عن على بن ابى حمزة عن ابيه عن ابى جعفر عليه السلام (4) قال: " سألته عن الزكاة تجب على في موضع لا يمكننى أن أوديها ؟ قال اعزلها فان اتجرت بها فانت ضامن لها ولها الربح.. إلى أن قال وان لم تعزلها واتجرت بها في جملة مالك فلها بقسطها من الربح ولا وضيعة عليها " وبذلك يظهر ضعف ما ذهب إليه في الدروس من أن النماء مع العزل للمالك.

الثامنة - إذا أدركته الوفاة وعليه زكاة وجب عليه اخراجها أو الوصية بها


(1) ص 229 (2) و (3) الوسائل الباب 39 من المستحقين للزكاة (4) الوسائل الباب 52 من المستحقين للزكاة


[ 243 ]

على وجه تثبت شرعا لتوقف الواجب عليه. ويدل على ذلك الاخبار المستفيضة بوجوبها وان تاركها معذب مؤاخذ بها حتى تؤدى عنه (1) وفي حسنة زرارة بابراهيم التى هي صحيحة عندي (2) قال: " قلت لابي جفعر عليه السلام رجل لم يزك ماله فاخرج زكاته عند موته فاداها كان ذلك يجزئ عنه ؟ قال نعم. قلت فان أوصى بوصية من ثلثه ولم يكن زكى أيجزئ عنه من زكاته ؟ قال نعم تحسب له زكاة ولا تكون له نافلة وعليه فريضة ". والظاهر - والله سبحانه أعلم - حمل الخبر على أن تلك الوصية التى أوصى بها من ثلثه داخلة تحت أحد مصارف الزكاة ومن جملتها وانه متى صرفت الوصية في ذلك المصرف حسبت له زكاة وان لم ينوها زكاة لعدم صحة التبرع مع اشتغال الذمة بالواجب. وروى الكليني والشيخ في التهذيب عن عباد بن صهيب عن ابى عبد الله عليه السلام (3) " في رجل فرط في اخراج زكاته في حياته فلما حضرته الوفاة حسب جميع ما كان فرط فيه من ما لزمه من الزكاة ثم أوصى به أن يخرج ذلك فيدفع إلى من تجب له ؟ قال جائز يخرج ذلك من جميع المال إنما هو بمنزلة دين لو كان عليه ليس للورثة شئ حتى يؤدوا ما أوصى به من الزكاة ". وفي صحيحة شعيب - والظاهر انه العقرقوفى - (4) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام ان على أخى زكاة كثيرة أفاقضيها أو أؤديها عنه ؟ فقال لى وكيف لك بذلك ؟ فقلت احتاط ؟ قال نعم إذا تفرج عنه ". والظاهر ان معنى قوله: " وكيف لك بذلك " أي بالعلم بجميع ما عليه فقال احتاط بالزيادة. وفيه دلالة على براءة الذمة بالتبرع بدفع الواجب عن الميت.


(1) الوسائل الباب 1 و 3 من ما تجب فيه الزكاة و 21 و 22 من المستحقين للزكاة (2) و (4) الوسائل الباب 22 من المستحقين للزكاة (3) الوسائل الباب 21 من المستحقين للزكاة


[ 244 ]

وفي صحيحة على بن يقطين (1) قال: " قلت لابي الحسن الاول عليه السلام رجل مات وعليه زكاة فأوصى أن تقضى عنه الزكاة وولده محاويج ان دفعوها أضر ذلك بهم ضررا شديدا، قال يخرجونها فيعودون بها على انفسهم ويخرجون منها شيئا فيدفع إلى غيرهم ". اقول: الظاهر انه لا اشكال في جواز صرفها عليهم لانهم في تلك الحال غير واجبى النفقة على صاحب الزكاة، وحينئذ فالامر باخراج شئ منها إلى غيرهم ينبغى حمله على الاستحباب، مع انه قد تقدم في الاخبار وكلام الاصحاب ما يدل على جواز صرفها عليهم في حال حياة الاب ايضا للتوسعة مع الامر باخراج شئ منها لغيرهم وفي حسنة معاوية بن عمار (2) قال: " قلت له رجل يموت وعليه خمسمائة درهم من الزكاة وعليه حجة الاسلام وترك ثلاثمائة درهم وأوصى بحجة الاسلام وان يقضى عنه دين الزكاة ؟ قال يحج عنه من أقرب ما يكون ويخرج البقية في الزكاة ". وفي رواية اخرى له ايضا عن ابى عبد الله عليه السلام (3) " في رجل مات وترك ثلاثمائة درهم وعليه من الزكاة سبعمائة درهم فأوصى ان يحج عنه ؟ قال يحج عنه من أقرب المواضع ويجعل ما بقى في الزكاة ". وظاهر هذين الخبرين التوزيع كالديون المتعددة مع قصور التركة وتقديم الحج على الزكاة وانه يحج عنه من أقرب المواقيت وما بقى يصرف في الزكاة حتى لو لم يبق شئ بعد الحج.

التاسعة - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في أقل ما يعطى الفقير من الزكاة، فقيل انه لا يعطى أقل من ما يجب في النصاب الاول وهو عشرة


(1) الوسائل الباب 14 من المستحقين للزكاة (2) الوسائل الباب 21 من المستحقين للزكاة (3) الوسائل الباب 42 من الوصايا


[ 245 ]

قراريط أو خمسة دراهم، ونقل عن الشيخ المفيد والشيخ في جملة من كتبه والسيد المرتضى في الانتصار، وهو اختيار المحقق في المعتبر والشرائع، ونسبه في المعتبر - بعد أن نقله عن الشيخين وابنى بابويه - إلى أكثر الاصحاب، وقيل بجواز الاقتصار على ما يجب في النصاب الثاني وهو درهم أو عشر دينار قيراطان، ونسب إلى ابن الجنيد وسلار ونقل ايضا عن المرتضى في المسائل المصرية، وقيل لا يجزئ ان يعطى أقل من نصف دينار، ونقل عن الشيخ على بن الحسين بن بابويه وعن ابنه في المقنع انه يجوز أن يعطى الرجل الواحد الدرهمين والثلاثة ولايجوز في الذهب إلا نصف دينار، وعن المرتضى في الجمل وابن ادريس عدم التحديد بحد لا يجزئ ما دونه، وهو المشهور بين المتأخرين. واما الاخبار المتعلقة بالمسألة: فمنها - صحيحة محمد بن ابى الصهبان (1) قال: " كتبت إلى الصادق عليه السلام هل يجوز لى يا سيدي أن اعطى الرجل من اخواني من الزكاة الدرهمين والثلاثة فقد اشتبه ذلك على ؟ فكتب ذلك جائز " والمراد بالصادق في هذا الخبر أحد العسكريين (عليهما السلام) فان الرجل المذكور من أصحابهما ولعل التعبير وقع تقية. ومنها - صحيحة محمد بن عبد الجبار عن بعض أصحابنا (2) قال: " كتبت على يدى احمد بن اسحاق إلى على بن محمد العسكري عليه السلام اعطى الرجل من اخواني من الزكاة الدرهمين والثلاثة ؟ فكتب افعل ان شاء الله تعالى ". ومنها - صحيحة ابى ولاد الحناط عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " سمعته يقول لا يعطى أحد من الزكاة أقل من خمسه دراهم وهو أقل ما فرض الله من الزكاة في أموال المسلمين فلا تعطوا أحدا أقل من خمسة دراهم فصاعدا ". ومنها - رواية معاوية بن عمار وعبد الله بن بكير عن ابى عبد الله عليه السلام (4) قال: " لا يجوز أن يدفع من الزكاة اقل من خمسة دراهم فانها أقل الزكاة " والظاهر انه


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 23 من المستحقين للزكاة


[ 246 ]

بهذين الخبرين أخذ القائلون الاول. ومنها - حسنة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقسم صدقة أهل البوادى في أهل البوادى وصدقة أهل الحضر في أهل الحضر ولا يقسم بالسوية وإنما يقسمها على قدر ما يحضرها منهم وما يرى ليس في ذلك شئ موقت ". ومنها - حسنة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " قلت له ما يعطى المصدق ؟ قال ما يرى الامام ولا يقدر له شئ ". اقول: والمصدق هو الذى يجبى الصدقات بامر الامام عليه السلام وهو أحد الافراد التى تصرف فيها الزكاة. وأنت خبير بان جملة من متأخرى المتأخرين - ومنهم السيد السند في المدارك والفاضل الخراساني في الذخيرة حيث اختاروا القول الاخير - حملوا الخبرين الدالين على انه لا يجوز أقل من خمسة دراهم على الفضل والاستحباب، وقد عرفت ما في هذا الجمع في ما تقدم في غير باب. ولا يخفى ان الخبرين المذكورين ظاهران بل الثاني صريح في انه لا يجوز ان يدفع أقل من ذلك فاخراجهما عن ذلك يحتاج إلى دليل، ومجرد وجود المعارض من الاخبار ليس بدليل ولا قرينة توجب ارتكاب التجوز في اخراج الخبرين عن ظاهريهما. مع ان المحقق في المعتبر قد نقل ان القول بعدم التقدير مذهب الجمهور (3) وبذلك ايضا صرح السيد المرتضى (رضى الله عنه) في كتاب الانتصار حيث اختار فيه القول الاول فقال: ومن ما انفردت به الامامية القول بانه لا يعطى الفقير الواحد


(1) الوسائل الباب 28 من المستحقين للزكاة رقم 1 (2) الوسائل الباب 23 من المستحقين للزكاة (3) البداية ج 1 ص 269 والمجموع شرح المهذب ج 6 ص 189


[ 247 ]

من الزكاة المفروضة أقل من خمسة دراهم، ويروى ان الاقل درهم واحد، وباقى الفقهاء يخالفون في ذلك ويجيزون اعطاء القليل والكثير من غير تحديد، وحجتنا على ما ذهبنا إليه اجماع الطائفة وطريقة الاحتياط وبراءة الذمة. انتهى. وحينئذ فلقائل أن يقول ان مقتضى القاعدة المقررة عن أهل العصمة (عليهم السلام) في اختلاف الاخبار هو حمل ما دل على عدم التحديد على التقية وهما صحيحة محمد بن ابى الصهبان وصحيحة محمد بن عبد الجبار. واما حمل الشيخ (قدس سره) لهما ومثله المحقق في المعتبر على ان المعطى من النصاب الثاني والثالث فانه يجوز إذا أدى ما في النصاب الاول إلى الفقير ان يعطى ما وجب في النصاب الثاني غيره أو إليه بحيث لا يعطى أقل من ما وجب في النصاب الذى أخرج منه الزكاة. كذا ذكر في المعتبر - فقد رده المتأخرون عنه بالبعد وهو كذلك، بل الاظهر هو ما قلناه من الحمل على التقية، ولكنهم (رضوان الله عليهم) كما أشرنا إليه في غير موضع من ما تقدم قد أعرضوا عن العمل بهذه القاعدة المروية فوقعوا في أمثال هذه التكلفات البعيدة. واما حسنة عبد الكريم فليست ظاهرة الدلالة في المدعى لامكان حملها على عدم البسط، فان سياق الرواية من أولها إنما هو الرد على عمرو بن عبيد المعتزلي ومن معه من العامة القائلين بوجوب البسط (1). حيث ان صورة الخبر هكذا في احتجاجه عليه السلام على عمرو بن عبيد مع من معه (2) قال له " ما تقول في الصدقة ؟ فقرأ عليه: إنما الصدقات للفقراء والمساكين.. إلى آخر الآية. قال عليه السلام نعم فكيف تقسمها ؟ فقال اقسمها على ثمانية اجزاء فاعطى كل جزء واحدا. قال وان كان صنف منهم عشرة آلاف وصنف منهم رجلا واحدا أو رجلين أو ثلاثة جعلت لهذا الواحد ما جعلت للعشرة آلاف ؟ قال نعم. قال


(1) ارجع إلى التعليقة 1 ص 226. (2) الوسائل الباب 28 من المستحقين للزكاة


[ 248 ]

وتجمع صدقات أهل الحضر وأهل البوادى فتجعلهم فيها سواء ؟ قال نعم. قال فقد خالفت رسو ل الله صلى الله عليه وآله في كل ما قلت في سيرته: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقسم صدقة أهل البوادى في اهل البوادى وصدقة أهل الحضر في اهل الحضر ولا يقسم بينهم بالسوية وانما يقسمه على قدر ما يحضره منهم وما يرى، وليس في ذلك شئ موقت موظف، وإنما يصنع ذلك بما يرى على قدر ما يحضره منهم.. الحديث ". ومن الجائز بل هو الانسب بالمقام والسياق ان المراد بقوله: " ليس في ذلك شئ موقت موظف " إنما هو بالنسبة إلى البسط الذى يدعى الخصم انه موقت موظف لا يجوز مخالفته كما يدل عليه قوله بعده " وإنما يصنع ذلك بما يرى " من التوفير لبعض على بعض بالمرجحات المتقدمة وتقسيمه على من حضر من صنف واحد أو صنفين أو نحو ذلك. ولكن الاصحاب في كتب الاستدلال نقلوا من الخبر هذه العبارة المنقولة في كلامهم وهى بحسب الظاهر موهمة لما يدعونه، إلا ان سياق الخبر كما ذكرناه وقرينة المقام ترجح ما اخترناه، ولا أقل من تساوى الاحتمالين فيسقط الاستدلال بالخبر من البين. واما حسنة الحلبي فهى وان أوردها جملة من متأخرى المتأخرين في أدلة هذا القول إلا ان فيه انك قد عرفت ان أصل المسألة التى وقع الخلاف فيها وجعلوها محلا للنزاع إنما هو الفقير والدفع إليه من حيث الفقر دون غيره من الاصناف كما هو المفروض في عباراتهم، ومورد هذه الرواية إنما هو العاملون الساعون في جمع الصدقات. على انه لا يخفى ان اجراء هذا الخلاف بالدرهم والاقل والاكثر بالنسبة إلى عمال الصدقات والمؤلفة والغارمين والرقاب ونحوهم من ما لا معنى له بالكلية، لانه من الظاهر المعلوم ان هؤلاء من ما لا يقوم بحقوقهم واستحقاقهم الاضعاف مضاعفة من ما وقع الخلاف فيه كما لا يخفى على المنصف.


[ 249 ]

وبالجملة فالقول المشهور بين المتقدمين لا يحلو من قوة ورجحان لما ذكرناه والاحتياط لا يخفى. والله العالم.

وههنا فوائد:

الاولى - ظاهر عبارات اكثر الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان هذه التقديرات على سبيل الوجوب وهو ظاهر الخبرين المتقدمين، وظاهر كلام العلامة في جملة من كتبه بل صريحه انه على جهة الاستحباب حتى انه قال في التذكرة بعد أن حكم بانه يستحب أن لا يعطى الفقير أقل من ما يجب في النصاب الاول وما قلناه على سبيل الاستحباب لا الوجوب اجماعا. انتهى. اقول: الظاهر ان ما ذكره (قدس سره) لا يخلو من نظر فان مقتضى كلام المتقدمين ودليلهم الذى ذكرناه هو الوجوب، والاستحباب إنما صرح به من ذهب إلى القول بعدم التحديد حملا للدليل إلمشار إليه على الاستحباب جمعا كما قدمنا نقله عنهم.

الثانية - قد عرفت ان القائلين بالتحديد في القول الاول حددوا الاقل من نصاب الدراهم بالخمسة دراهم والاقل من نصاب الذهب بنصف دينار وهو عشرة قراريط، ولم يصل الينا في الاخبار ما يتعلق بنصاب الذهب وإنما الموجود فيها ما تقدم من الدراهم، والظاهر ان مثل ابني بابويه إنما ذكروا ذلك لخبر وصلهم فيه ثم انه على تقدير ما وصل الينا من الاخبار فيحتمل سقوط التحديد في غير الدراهم مطلقا كما هو مقتضى الاصل، ويحتمل اعتبار بلوغ قيمة المدفوع ذلك ذهبا كان أو غيره، واختاره شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) وهو الاحوط. ولو فرض نقص قيمة الواجب عن ذلك كما لو وجب عليه شاة واحدة لا تساوى خمسة دراهم دفعها إلى الفقير وسقط اعتبار التقدير قطعا.

الثالثة - إنما يستحب أو يجب اعطاء الخمسة دراهم إذا بلغ الواجب ذلك، فلو أعطى ما في النصاب الاول لواحد ثم وجبت عليه الزكاة في النصاب الثاني


[ 250 ]

اخرج زكاته وسقط اعتبار التقدير فيه كما تقدم في كلام المحقق. ولو كان عند المالك نصابان اول وثان قال شيخنا الشهيد الثاني وغيره انه يجوز اعطاء ما في الاول لواحد وما في الثاني لآخر من غير كراهية ولا تحريم على القولين. قال في المدارك بعد نقل ذلك عنهم: وهو مشكل لاطلاق النهى عن اعطاء أقل من الخمسة وامكان الامتثال بدفع الجميع إلى الواحد. انتهى. أقول: والذى يقرب بالبال العليل والفكر الكليل ان الخبرين الواردين بالتحديد بالخمسة دراهم انما خرجا بناء على ما هو الغالب المتكرر في الزكوات من اجتماع مبلغ يعتد به يراد قسمته على الفقراء والمساكين، فينبغي ان يقسم عليهم على وجه لا ينقص أحد منهم عن خمسة دراهم التى هي أول ما تجب في الزكاة لا باعتبار نصاب واحد أو نصابين ونحو ذلك من الفروض النادرة. والله العالم.

العاشرة - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب الدعاء على الامام عليه السلام والساعى لصاحب الزكاة بعد قبضها منه واستحبابه، فقيل بالوجوب وبه صرح العلامة في الارشاد، والمحقق في المعتبر اختار الوجوب إلا انه خص ذلك بالامام وهو المنقول عن الشهيد في الدروس، وقيل بالاستحباب وبه صرح جمع من الاصحاب. ومن قال بالوجوب استند إلى ظاهر الآية وهى قوله عزوجل: " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم ان صلاتك سكن لهم " (1). ولا يخفى ان البحث عن ذلك بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وآله والامام عليه السلام قليل الجدوى فانهم (عليهم السلام) أعرف بما يجب أو يستحب، وانما الكلام في الساعي والفقيه والمستحق، والآية المذكورة غير ظاهرة الدلالة في شمولهم ولا دليل سواها في الباب، والاصل العدم، ويؤيده خلو الرواية الواردة عن امير المؤمنين


(1) سورة التوبة الآية 105


[ 251 ]

عليه السلام (1) بارسال ساعيه لاخذ الزكاة من ذلك مع اشتمالها على كثير من الآداب والسنن والاحكام، وظاهر الاصحاب استحباب ذلك. وفيه انه من حيث التوقيف في المقام مشكل لعدم الدليل وان كان الدعاء للمؤمنين مستحبا بقول مطلق

الحادية عشرة - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لو اجتمع للمستحق أسباب توجب الاستحقاق مثل كونه فقيرا وغارما ومكاتبا فانه يجوز ان يعطى بكل سبب نصيبا. ولم أقف لهم على دليل إلا أن يكون دعوى صدق هذه العنوانات عليه من كونه فقيرا وغارما ونحو ذلك فيدخل تحت عموم الآية (2). وفيه انه لا يخفى ان المتبادر من الآية إنما هو الشائع المتكثر من تعدد هذه الافراد ولهذا صارت اصنافا ثمانية باعتبار مقابلة كل منها بالآخر. وايضا فانه متى أعطى من حيث الفقر ما يغنيه ويزيده على غناه فكيف يعطى من حيث الغرم والكتابة المشروطين - كما تقدم - بالعجز عن الاداء ؟ وبالجملة فالحكم عندي محل توقف لعدم الدليل عليه.

الثانية عشرة - الظاهر انه لا خلاف فيما لو دفع إليه مال من الزكاة ليفرقه في المستحقين وكان من جملتهم انه يجوز له أن يأخذ كنصيب أحدهم ما لم يعلم التخصيص بغيره. وعلى ذلك تدل جملة من الاخبار: منها - صحيحة سعيد بن يسار (3) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام الرجل يعطى الزكاة يقسمها في أصحابه أيأخذ منها شيئا ؟ قال نعم ". وحسنة الحسين بن عثمان بابراهيم بن هاشم عن ابى ابراهيم عليه السلام (4) " في رجل أعطى مالا يفرقه في من يحل له أله أن يأخذ شيئا لنفسه وان لم يسم له، قال يأخذ


(1) وهى صحيحة بريد المتقدمة ص 51 (2) وهى قوله تعالى " انما الصدقات.. " سورة التوبة الآية 61 (3) و (4) الوسائل الباب 40 من المستحقين للزكاة


[ 252 ]

منه لنفسه مثل ما يعطى غيره ". وموثقة عبد الرحمان بن الحجاج عن ابى عبد الله عليه السلام (1) " في رجل اعطاه رجل مالا ليقسمه في المساكين وله عيال محتاجون أيعطيهم منه من غير أن يستأمر صاحبه ؟ قال نعم ". وأما ما رواه في التهذيب بهذا الاسناد (2) قال: " سألته عن رجل اعطاه رجل مالا ليقسمه في محاويج أو مساكين وهو محتاج أيأخذ منه لنفسه ولا يعلمه ؟ قال لا يأخذ منه شيئا حتى يأذن له صاحبه " فحمله الشيخ على محامل اقربها الكراهة واحتمل بعض مشايخنا (عطر الله مراقدهم) حمله أيضا على ما إذا علم ان مراده غيره أو الاخذ زيادة على غيره. وهذه المحامل وان كانت لا تخلو من بعد إلا انها لا مندوحة عنها في مقام الجمع إذ ليس بعدها إلا طرح الخبر لرجحان ما عارضه بالكثرة، مضافا إلى اتفاق الاصحاب ظاهرا على ذلك. ختام به الاتمام اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ميراث العبد المشترى من الزكاة إذا مات ولا وارث له هل يكون ميراثه للامام عليه السلام أو لارباب الزكاة ؟ قولان المشهور الثاني وقيل بالاول وهو منقول عن بعض القدماء إلا انه مجهول القائل، واختاره العلامة في الارشاد والقواعد وولده في الشرح. حجة المشهور موثقة عبيد بن زرارة (3) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اخرج زكاة ماله الف درهم فلم يجد لها موضعا يدفع ذلك إليه فنظر إلى مملوك يباع في من يزيد فاشتراه بتلك الالف التى أخرجها من زكاته فاعتقه هل يجوز له ذلك ؟ قال نعم لا بأس بذلك: قلت فانه لما ان اعتق وصار حرا اتجر


(1) و (2) الوسائل الباب 84 من ما يكتسب به (3) الوسائل الباب 43 من المستحقين للزكاة


[ 253 ]

واحترف فاصاب مالا ثم مات وليس له وارث فمن يرثه إذا لم يكن له وارث قال يرثه الفقراء المؤمنون الذين يستحقون الزكاة لانه إنما اشترى بما لهم ". حجة القول الآخر على ما نقل ان الرقاب أحد مصارف الزكاة فيكون سائبة، قال المحقق في المعتبر بعد الحكم بان ميراثه لارباب الزكاة واسناد ذلك إلى علمائنا: ويمكن أن يقال لا يرثه الفقراء لانهم لا يملكون العبد المبتاع بمال الزكاة لانه أحد مصارفها فيكون كالسائبة. وتضعف الرواية لان في طريقها ابن فضال وهو فطحى وعبد الله بن بكير وفيه ضعف، غير ان القول بها عندي اقوى لمكان سلامتها من المعارض واطباق المحققين منا على العمل بها. انتهى. وتوقف العلامة في المختلف في المسألة من أجل ما ذكر هنا. أقول: والتحقيق في المقام بما لم يسبق إليه سابق من علمائنا الاعلام ان يقال: لا ريب ان كلا من القولين المذكورين لا يخلو من النظر والاشكال، وذلك لانهم متفقون على ان الشراء في الصورة المذكورة من سهم الرقاب، فانهم كما تقدم في المسألة فصلوا صنف الرقاب إلى ثلاثة أقسام: أحدها المكاتبون. وثانيها العبيد تحت الشدة. وثالثها العبيد مع عدم وجود المستحق، واستدلوا على القسم الثالث بموثقة عبيد المذكورة. وحينئذ فوجه الاشكال في القول المشهور هو انه إذا كان المفروض الشراء من سهم الرقاب الذى هو أحد الاصناف الثمانية التى اشتملت عليها الآية - وليس فيه مدخل ولا تعلق للفقراء بالكلية وإلا فلا معنى لقسمة الزكاة في الآية على الاصناف الثمانية المؤذن بمغايرة كل منها للآخر كما هو ظاهر - فكيف ترثه الفقراء لانه اشترى من مالهم، وأى مال للفقراء في سهم الرقاب كما هو ظاهر لذوى الافهام والالباب فاللازم إما كون الشراء ليس من سهم الرقاب كما زعموه وانما هو من الزكاة بقول مطلق كما هو أحد القولين في المسألة على ما تقدم ذكره، وهذا هو ظاهر الرواية المذكورة وغيرها من الروايات المتقدمة في تلك المسألة، أو كون الشراء من سهم


[ 254 ]

الرقاب كما ادعوه، ولكن لا دليل عليه فان هذه الرواية لا تنطبق على ذلك كما عرفت ويؤيد ما قلناه قوله عليه السلام في رواية ابى بصير (1) التى استدلوا بها ايضا على القسم الثاني وهو شراء العبيد تحت الشدة " إذا يظلم قوما آخرين حقوقهم " وأى ظلم في اعطاء أهل هذا الصنف من سهمهم على اولئك الآخرين الذين هم باقى الاصناف مع ان البسط غير واجب عندنا بل يجوز صرف الزكاة كملا في صنف واحد بل في واحد من أي الاصناف. وبالجملة فان الاستدلال بهذين الخبرين على هذين الفردين وانهما من سهم الرقاب تعسف محض وخروج عن مقتضى الاصول المقررة عندهم. ووجه الاشكال في القول الثاني انه لا ريب في صحة ما ذكره ذلك القائل من كونه متى اشترى من سهم الرقاب فانه يكون سائبة ويكون ميراثه للامام عليه السلام كما هو مقتضى القواعد الشرعية والضوابط المرعية، إلا ان استدلال هذا القائل المذكور على هذا الحكم بهذه الموثقة الدالة على ان ميراثه للفقراء لا يوافق مدعاه كما عرفت، فالواجب عليه تحصيل دليل يدل على انه يجوز ان يشترى العبد من سهم الرقاب ويعتق ليتم له ما ذكره وإلا فالقول بذلك من غير دليل باطل مردود عند ذوى التحصيل، ونحن لم نقف لهم على دليل إلا ما يدعونه من هاتين الروايتين وفيهما من الاشكال ما قد عرفت رأى العين. وقد عرفت من ما قدمنا في تلك المسألة ان الذى وردت به النصوص عن أهل الخصوص (عليهم السلام) في تفسير الرقاب في الآية إنما هو المكاتبون أو قوم لزمتهم كفارات في قتل الخطأ أو في الظهار أو في الايمان أو في قتل الصيد كما في رواية على بن ابراهيم (2) واما هذه الاخبار فلا دلالة فيها على ازيد من انه يشترى من الزكاة بقول مطلق، وحمل ذلك على سهم الرقاب - مع كونه لا دليل في


(1) الوسائل الباب 43 من المستحقين للزكاة وقد تقدمت ص 181 (2) ص 181 و 182


[ 255 ]

تلك الاخبار عليه بل ولا أدنى اشارة إليه - مدافع لما دل عليه بعضها من مسألة الميراث كما ذكرناه وما دل عليه الآخر من كونه يظلم قوما آخرين حقوقهم كما أوضحناه، بل التحقيق كما قدمنا ذكره في تلك المسألة ان جملة هذه الاخبار الدالة على شراء العبد من الزكاة وعتقه كخبر ابى بصير وخبر عبيد بن زرارة وخبر ايوب وخبر الوابشى المتقدم جميع ذلك (1) إنما خرجت مخرج الرخصة في جواز ذلك من غير ان يكون ذلك داخلا تحت شئ من الاصناف الثمانية كما ذهب إليه جملة من الاصحاب المتقدم ذكرهم ثمة، وهذه الاخبار ظاهرة الدلالة على هذا القول. والعجب من صاحب المعتبر وما في كلامه من التناقض الذى أغمض عنه النظر، فانه لا ريب في أن ما ذكره - من ان العبد المبتاع بسهم الرقاب كالسائبة وان الفقراء لا مدخل لهم فيه بوجبه هو الموافق للقواعد الشرعية، وبمقتضى ذلك فميراثه للامام عليه السلام فمن اين جاز له الخروج عن ذلك والرواية لا دلالة فيها على أزيد من كونه اشترى من مال الزكاة بقول مطلق ؟ نعم ما زعموه من كون العبد يجوز ابتياعه من سهم الرقاب لا دليل عليه كما عرفت ولكن مع الاغماض عن الدليل فان القول بذلك يلزم منه ما ذكرناه. وقول المحققين بمضمون الرواية ان قصدوا به كون ذلك من سهم الرقاب فهم محجوجون بما ذكرنا، وان أرادوا به من الزكاة مطلقا كما هو القول المشار إليه آنفا فلا حجة له فيه كما عرفت. وبالجملة فان كلامهم في هذه المسألة لا يخلو من تناقض واضطراب ومنه يظهر وجه توقف العلامة في المختلف في هذه المسألة ولنعم ما فعل. نعم يبقى الكلام في أن الميراث هل هو مخصوص بالفقراء والمساكين كما تدل عليه رواية عبيد بن زرارة أو يكون لجميع أرباب الزكاة كما تدل عليه صحيحة أيوب بن الحر المروية في كتاب العلل وقد تقدمت في تلك المسألة (2) ؟ اشكال وعبائر الاصحاب ايضا في هذا المقام بعضها اشتمل على كونه للفقراء والمساكين


(1) ص 181 و 182 و 183 (2) ص 182


[ 256 ]

وبعضها اشتمل على كونه لارباب الزكاة. والعلامة في المختلف بعد أن نقل عبارة الشيخ المفيد الدالة على التخصيص بالفقراء والمساكين من المؤمنين، قال: والظاهر ان مراده ليس تخصيص الفقراء والمساكين بل أرباب الزكاة أجمع لان التعليل يعطيه. ووجه الجمع بين الخبرين المذكورين ممكن باحد وجهين: أولهما أن يقال ان الميراث إنما هو لجميع ارباب الزكاة كما هو ظاهر كلام الاكثر وان ذكر الفقراء في موثقة عبيد بن زرارة إنما خرج مخرج التمثيل لا الحصر، فانه لما كان أصل مال الزكاة مشتركا بين الاصناف الثمانية - وكان الشراء على هذا الوجه خارجا عن الاصناف المذكورة كما عرفت - كان ما اشترى بذلك من مال الاصناف المذكورة، فميراثه حينئذ يرجع إليهم بالولاء لانه من مالهم. وثانيهما - ولعله الاظهر - ان يقال ان ظاهر رواية عبيد المذكورة كون المال المشترى به إنما هو من سهم الفقراء خاصة، لحكمه عليه السلام بكون ميراثه للفقراء خاصة وتعليله ذلك بانه اشترى بمالهم، وإلا فلو كان إنما اشترى بالمال المشترك بين الاصناف الثمانية لم يكن لتخصيصه بالفقراء وجه ظاهر لان نسبته إلى الاصناف بالسوية، وحينئذ فيمكن بمعونة ما ذكرناه ان يقال ان المراد من صدر الخبر ان صاحب الزكاة قد خص هذه الالف الدرهم التى أخرجها زكاة ماله بالفقراء لانها أحد الاصناف والبسط عندنا غير واجب ولما لم يجدهم كما تضمنه الخبر اشترى بما العبد المذكور واعتقه ثم ساله الامام عليه السلام عن ذلك فاجازه. هذا هو الذى ينطبق عليه عجز الخبر بلا تمحل واشكال. وحينئذ فوجه الجمع بين الخبرين المذكورين هو حمل الشراء في موثقة عبيد على الشراء من سهم الفقراء بالتقريب الذى ذكرناه، وبذلك يكون الميراث للفقراء لانه من مالهم، وحمل صحيحة ايوب على ان الشراء وقع بالمال المشترك من غير قصد لتخصيصه بصنف من الاصناف، فانه يكون الميراث حينئذ لجميع


[ 257 ]

ارباب الزكاة لانه قد اشترى بمالهم، والفارق في المقامين هو قصد المشترى ونيته ولا بعد في ذلك فان العبادات بل الافعال كملا تابعة للقصود والنيات صحة وبطلانا وثوابا وعقابا وتعددا واتحادا ونحو ذلك، ألا ترى انه لو قصد صرف زكاته كملا في سبيل الله الذى هو عبارة عن جميع الطاعات والقربات كما هو الاشهر الاظهر ثم انه اشترى بها عبدا واعتقه فانه لا إشكال في كونه سائبة وان ميراثه للامام عليه السلام ولا ريب في قوة هذا الاحتمال وعليه تجتمع الاخبار بلا إشكال. بقى الكلام في انه على تقدير كون الشراء بمال الزكاة لا بقصد صنف مخصوص وكون الميراث حينئذ لارباب الزكاة كما ذكره عليه السلام في خبر ايوب فهل يكون قسمة هذا الميراث بينهم على حسب قسمة المواريث من وجوب بسطه عليهم كملا أو يكون حسب قسمة الزكاة من جواز تخصيص بعض الاصناف به ؟ اشكال ينشأ من احتمال كونه في حكم الزكاة لانه فرع عليها والشركة في الزكاة ليست باعتبار وجوب البسط وإنما هي باعتبار التخيير بين تلك الاصناف وافرادها، ومن ان الاصل في الشركة لغة وعرفا وشرعا هو وجوب التقسيط والبسط بين الشركاء قام الدليل بالنسبة إلى الزكاة على عدم وجوب البسط وبقى ما عداه على حكم الاصل وهذا ليس زكاة، وقيام الدليل في الزكاة لا يستلزم اجراءه في ما نحن فيه. وبالجملة فالمسألة عندي محل توقف واشكال وان كان للاحتمال الاخير نوع رجحان. ولم أقف على من تعرض لذلك ولانبه عليه أحد من اصحابنا (رضوان الله عليهم) والله العالم بحقائق أحكامه.


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>