تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الثاني عشر


الباب الثاني

في زكاة الفطرة

 

قيل: المراد بالفطرة اما الخلقة أو الدين أو الفطر من الصوم، والمعنى على الاول زكاة الخلقة أي البدن، وعلى الثاني زكاة الدين والاسلام، وعلى الثالث زكاة الفطر من الصوم.

اقول: ويمكن ان يؤيد الاول بقول الصادق عليه السلام (1) لمعتب: " اذهب فاعط عن عيالنا الفطرة وعن الرقيق واجمعهم ولا تدع منهم أحدا فانك ان تركت منهم انسانا تخوفت عليه الفوت. قلت: وما الفوت ؟ قال الموت " فان فيه اشارة إلى ان الزكاة موجبة لبقائه وحفظه من الموت فيكون الغرض منها حفظ البدن وبقاءه، ووجه المناسبة ظاهر. وان يؤيد الثاني بما ورد في صحيحة ابى بصير وزرارة (2) من ان من تمام الصوم اعطاء الزكاة لانه من صام ولم يؤد الزكاة فلا صوم له إذا تركها متعمدا. ثم انه يجب أن يعلم انه حيث كان وجوبها مشروطا بشرائط مخصوصة والمخرج منها مخصوص باجناس مقدرة بوزن خاص وهى أيضا مخصوصة بوقت لا تقدم عليه ولا تؤخر عنه ومصرفها مخصوص بافراد مخصوصة فالبحث عنها يجب أن يجعل في فصول اربعة:

الفصل الاول - في شروط وجوبها وهى ثلاثة:

الاول - التكليف فلا تجب على الصبى والمجنون اجماعا كما نقله الفاضلان في المعتبر والمنتهى. ويدل عليه عدم توجه الخطاب اليهما ورفع القلم عنهما (3) وخطاب الولى يحتاج إلى دليل وليس فليس، فيكون ساقطا بالاصل. ويدل على ذلك ايضا ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن القاسم بن الفضيل عن ابى الحسن الرضا عليه السلام (4) قال: " كتبت إليه: الوصي يزكى زكاة الفطرة عن اليتامى إذا كان لهم مال ؟ فكتب: لا زكاة على يتيم ".


(1) الوسائل الباب 5 من الزكاة الفطرة (2) الوسائل الباب 1 من الزكاة الفطرة (3) ارجع إلى التعليقة 1 ص 17 (4) الوسائل الباب 1 ممن تجب عليه الزكاة والباب 4 من زكاة الفطرة


[ 259 ]

وروى الشيخ المفيد في المقنعة عن عبد الرحمان بن الحجاج عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " تجب الفطرة على كل من تجب عليه الزكاة. ثم اعلم انه قد ذكر جملة من المتأخرين هنا تفريعا على هذا الشرط سقوط الفطرة عن من أهل عليه شوال وهو مغمى عليه ولم ينقلوا عليه دليلا. واعترضهم بعض متأخرى المتأخرين بانه على اطلاقه لا يخلو من اشكال نعم لو كان الاغماء مستوعبا لوقت الوجوب اتجه ذلك.

الثاني - الحرية فلا تجب على المملوك ولو قيل بملكه مدبرا كان أو ام ولد أو مكاتبا مشروطا أو مطلقا لم يتحرر منه شئ، وظاهرهم الاتفاق على ذلك. ولا أعلم فيه مخالفا سوى الصدوق (قدس سره) في من لا يحضره الفقيه بالنسبة إلى المكاتب هل عليه فطرة شهر رمضان أو على من كاتبه وتجوز شهادته ؟ قال الفطرة عليه ولا تجوز شهادته " ثم قال (قدس سره) قال مصنف هذا الكتاب: وهذا على الانكار لا على الاخبار، ويريد بذلك انه كيف تجب عليه الفطرة ولا تجوز شهادته ؟ أي ان شهادته جائزة كما ان الفطرة عليه واجبه. انتهى. ومقتضى ذلك وجوب الفطرة عليه وهو جيد لدلالة الصحيحة على ذلك سواء حملت على الانكار كما ذكره (قدس سره) أو على الاخبار. ويمكن مع حملها على الاخبار خروجها مخرج التقية بالنسبة إلى الشهادة (3) والظاهر انه أقرب من ما ذكره (قدس سره). والاصحاب (رضوان الله عليهم) قد احتجوا على انتفاء الوجوب عن المملوك بالاصل والاخبار المستفيضة المتضمنة لوجوب فطرة المملوك على مولاه من غير


(1) الوسائل الباب 4 من زكاة الفطرة (2) الوسائل الباب 17 من زكاة الفطرة (3) في المهذب ج 2 ص 331، والمبسوط ج 16 ص 124 لا تقبل شهادة العبد


[ 260 ]

تفصيل كما سيأتي أن شاء الله تعالى نقل شطر منها في المقام، وفي قيام الدليل بها نظر إذ ظاهر سياقها كما سيظهر لك ان وجوب ذلك على المولى إنما هو من حيث العيلولة ووجوب الانفاق كسائر تلك الافراد المعدودة معه، ويؤيد ذلك دلالة صحيحة على ابن جعفر المتقدمة على وجوب الفطرة على المكاتب. واما ما رواه في الكافي عن محمد بن يحيى عن محمد بن احمد رفعه عن ابى عبد الله عليه السلام (1) - قال: " يؤدى الرجل زكاة الفطرة عن مكاتبه " - فيمكن حملها على العيلولة جمعا. ومن ما يؤيد ذلك ما قدمناه ايضا في أول الكتاب (2) من دلالة ظاهر بعض الاخبار على وجوب الزكاة عليه في ما يملكه متى أذن له المولى والتقريب انه متى وجبت عليه الزكاة المالية وجبت عليه زكاة الفطرة لما تقدم في الرواية المنقولة عن المقنعة من قوله عليه السلام " تجب الفطرة على كل من تجب عليه الزكاة ". وبالجملة فانى لم أقف لهم على دليل صريح يدفع الايراد مع ما عرفت من ظهور ما ذكرناه في المراد. ثم انه ينبغى أن يعلم ان وجوب الزكاة على المملوك مبنى على القول بملكه وإلا فانه لا وجه للقول بذلك كما قدمنا ذكره ايضا في الزكاة المالية. وظاهر الاصحاب انه لو تحرر منه شئ وجبت الزكاة بالنسبة إلا أن يعوله المولى فان العيلولة كافية في الوجوب وان كانت تبرعا كما ستأتي الاخبار به ان شاء الله تعالى. واستدل في المنتهى على وجوب الزكاة عليهما بالنسبة بان النصيب المملوك تجب نفقته على مالكه فتكون فطرته لازمة له، واما النصيب الحر فلا يجب على السيد اداء الزكاة عنه لانه لا تتعلق به الرقية بل تكون زكاته واجبة على إذا ملك لجزئه


(1) الوسائل الباب 17 من زكاة الفطرة (2) ص 28


[ 261 ]

الحر ما تجب به الزكاة عملا بالعموم. وقوى الشيخ في المبسوط سقوط الزكاة عنه وعن المولى إذا لم يعله المولى، لانه ليس بحر فيلزمه حكم نفسه ولا هو مملوك فتجب زكاته على مالكه لانه قد تحرر بعضه، ولا هو في عيلولة مولاه فتلزمه فطرته لمكان العيلولة. انتهى. وأنت خبير بان المسألة لما كانت عارية عن النص فهى محل اشكال. والظاهر ان مستند الاصحاب في ما ذكروه هو عمومات ما دل على وجوب زكاة المملوك على سيده (1) فانه أعم من أن يكون المملوك رأسا كاملا أو بعضا وعموم ما دل على وجوب الزكاة على الحر المستكمل لباقي الشروط (2) فانه أعم من أن يكون رأسا كاملا أو بعضا. وفيه ما قدمنا ذكره في كتاب الزكاة من أن اطلاق الاخبار إنما يحمل على الافراد الشائعة الكثيرة فانها هي التى يتبادر إليها الاطلاق دون الفروض النادرة، ولعل الشيخ لحظ ما ذكرناه فاسقط الزكاة عنه وعن المولى لذلك. ثم ان ظاهر هذا الكلام في المسألة يشعر بوجوب الزكاة بمجرد الملك، لان هذا الخلاف إنما يجرى على هذا التقدير فانه مع عيلولة المالك أو غيره متبرعا لا مجرى لهذا الخلاف، وحينئذ ففى المسألة اشكال آخر كما سيأتي بيانه حيث ان مفاد الاخبار الآتية هو اناطة وجوب الفطرة بالعيلولة بالفعل لا بوجوب العيلولة والانفاق.

الثالث - الغنى على الاشهر الاظهر وقد وقع الخلاف هنا في مقامين: أحدهما - في اشتراط الغنى، فذهب الاكثر إلى اشتراطه حتى قال العلامة في المنتهى انه قول علمائنا أجمع إلا ابن الجنيد، فانه ذهب إلى وجوب الفطرة على من فضل عن مؤنته ومؤنة عياله ليوم وليلة صاع. وهذا القول نقله في الخلاف عن الشافعي


(1) الوسائل الباب 5 من زكاة الفطرة (2) الوسائل الباب 1 و 2 و 4 و 5 من زكاة الفطرة


[ 262 ]

وجماعة من العامة (1) ونقله في الخلاف ايضا عن اكثر اصحابنا. والقول المشهور هو المعتمد، وعليه تدل الاخبار ومنها صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " سئل عن رجل يأخذ من الزكاة عليه صدقة الفطرة ؟ قال لا ". ورواية اسحاق بن المبارك (3) قال: " قلت لابي ابراهيم عليه السلام على الرجل المحتاج صدقة الفطرة ؟ قال ليس عليه فطرة ". ورواية يزيد بن فرقد النهدي (4) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يقبل الزكاة هل عليه صدقة الفطرة ؟ قال لا ". ورواية اسحاق بن عمار (5) قال: " قلت لابي ابراهيم عليه السلام على الرجل المحتاج صدقة الفطرة ؟ قال ليس عليه فطرة ". ورواية يزيد بن فرقد ايضا عن ابى عبد الله عليه السلام (6) " انه سمعه يقول من أخذ من الزكاة فليس عليه فطرة. قال وقال ابن عمار ان ابا عبد الله عليه السلام قال لا فطرة على من أخذ الزكاة ". ورواية الفضيل عن ابى عبد الله عليه السلام (7) قال: " قلت له لمن تحل الفطرة ؟ قال لمن لا يجد، ومن حلت له لم تحل عليه ومن حلت عليه لم تحل له ". وروى الشيخ المفيد في المقنعة عن يونس بن عمار (8) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول تحرم الزكاة على من عنده قوت السنة وتجب الفطرة على من عنده قوت السنة ".


(1) في نيل الاوطار ج 4 ص 257 نقل عن مالك والشافعي وعطاء واحمد واسحاق انه يعتبر ان يكون مخرج الفطرة مالكا لقوت يوم وليلة، وفي المغنى ج 3 ص 73 اعتبر فيه ان يكون عنده فضلة عن قوت يومه وليله، وفي المجموع شرح المهذب ج 6 ص 113 الشافعي شرط ان يملك مخرج الفطرة فاضلا عن قوته وقوف من يلزمه نفقته ليلة العيد ويومه. (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) الوسائل الباب 2 من زكاة الفطرة.


[ 263 ]

والتقريب في ما عدا رواية المقنعة انها قد دلت على ان الفقير ومن يأخذ الزكاة لفقره لا فطرة عليه، ومتى ضم إلى ذلك الاخبار المستفيضة بوجوب زكاة الفطرة وانه يجب اخراجها عن نفسه وعن عياله ينتج من ذلك تخصيص الوجوب بمن لم يكن فقيرا يجوز له أخذ الزكاة وليس إلا الغنى المالك لمؤنة سنة فعلا أو قوة. ويفصح عن ذلك قوله في رواية الفضيل " ومن حلت له لم تحل عليه ومن حلت عليه لم تحل له " واما رواية المقنعة فهى ظاهرة الدلالة في المراد غير محتاجة إلى ضم ضميمة لدفع الايراد. وأما ما رواه في الكافي عن زرارة (1) - قال: " قلت الفقير الذى يتصدق عليه هل عليه صدقة الفطرة ؟ قال نعم يعطى من ما يتصدق به عليه ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن ميمون عن ابى عبد الله عن ابيه (عليهما السلام) (2) قال: " زكاة الفطرة صاع من تمر.. إلى أن قال وليس على من لا يجد ما يتصدق به حرج ". وفي الموثق عن زرارة (3) قال: " قلت له هل على من قبل الزكاة زكاة ؟ فقال اما من قبل زكاة المال فان عليه زكاة الفطرة وليس على من قبل الفطرة فطرة " ونحوه عن الفضيل (4) - فقد أجاب عنها الاصحاب بالحمل على الاستحباب، ولا يخفى ان صحيحة القداح المذكورة غير ظاهرة في المخالفة إلا باعتبار مفهوم اللقب وهو ضعيف غير معمول عليه عندنا. ومن ما يؤكد الحمل على الاستحباب ما ورد ايضا في موثق اسحاق بن عمار (5) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام الرجل لا يكون عنده شئ من الفطرة إلا ما يؤدى


(1) و (5) الوسائل الباب 3 من زكاة الفطرة (2) الوسائل الباب 5 و 2 من زكاة الفطرة (3) و (4) الوسائل الباب 2 من زكاة الفطرة


[ 264 ]

عن نفسه وحدها أيعطيه غريبا أو يأكل هو وعياله ؟ قال يعطى بعض عياله ثم يعطى الآخر عن نفسه يرددونها بينهم فيكون عنهم جميعا فطرة واحدة ". وثانيهما - ما يتحقق به الغنى المقتضى لوجوب الزكاة، والاشهر الاظهر انه الغنى بالمعنى الذى تقدم في الزكاة المالية وهو ملك مؤنة السنة فعلا أو قوة كما تدل عليه رواية يونس بن عمار المتقدم نقلها عن كتاب المقنعة، والتقريب فيها انها دلت على كون الموجب لتحريم أخذ الزكاة والموجب للفطرة هو ملك قوت السنة وهذا هو معنى الغنى المدعى في المقام. واما ما استدل به في المدارك على ذلك - حيث قال في بيان معنى الغنى المقتضى للوجوب: والاصح انه ملك قوت السنة فعلا أو قوة، لان من لم يملك ذلك تحل له الزكاة على ما بيناه في ما سبق فلا تجب عليه الفطرة كما دلت عليه صحيحة الحلبي المتقدمة وغيرها. انتهى. - ففيه ان هذا الدليل قاصر عن افادة المدعى لان حاصله ان من لم يملك مؤنة السنة لا تجب عليه الفطرة، واين هذا من المدعى وهو ان الغنى المقتضى للوجوب عبارة عن ملك مؤنة السنة فعلا أو قوة. نعم اللازم من هذا الدليل رد القول الآتى في المسألة واما اثبات المدعى فلا. نعم إذا ضم إلى ذلك ما أشرنا إليه آنفا من الاخبار الدالة على وجوب الزكاة واخراج المكلف لها عن نفسه ومن يعوله ينتج من الجميع وجوب الزكاة على من لم يكن فقيرا يجوز له أخذ الزكاة لفقره وليس إلا الغنى المالك لقوت سنته فعلا أو قوة لعدم ثالث لهذين الفردين، فاخبار وجوب الزكاة المشار إليها لا يجوز أن تكون شاملة لما ذكره ابن الجنيد أولا من الوجوب على من فضل عن مؤنته ومؤنة عياله ليومه وليلته صاع، ولا لما ذكره الشيخ وابن ادريس كما يأتي وهو وجوب الزكاة على من يملك نصابا تجب فيه الزكاة، لدخول هذين الفردين في الفقير الذى دلت تلك الاخبار على انه لا تجب عليه الفطرة. وبالجملة فالاظهر هو الاستدلال على القول المذكور برواية يونس المذكورة


[ 265 ]

فانها وافية بالمراد عارية عن الايراد. ومقتضى ما ذكرنا في معنى الغنى انه لا يعتبر ملك مقدار زكاة الفطرة زيادة على قوت السنة وبه قطع شيخنا الشهيد الثاني، وجزم المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى باعتبار ذلك، قال في المدارك: ولا باس به. وأنت خبير بان ظاهر رواية يونس بن عمار التى ذكرناها مستندا للقول المذكور ظاهر في القول الاول فيكون هو الذى عليه المعول، ولا أعرف لهم مستندا على هذا القول إلا ان كان لزوم صيرورته فقيرا باخراج زكاة الفطرة لقصور قوت السنة بذلك فيلزم أن يكون فقيرا يجوز له أخذ الزكاة فلا معنى لوجوبها عليه ثم جواز أخذه لها، بخلاف ما إذا اشترط ملك مقدار زكاة الفطرة زيادة على قوت السنة. وقد تقدم لهم نظير هذه المسألة وبسطنا الكلام معهم فيها في شرحنا على المدارك. ونقل عن الشيخ في الخلاف انه قال تجب زكاة الفطرة على من يملك نصابا تجب فيه الزكاة أو قيمة نصاب. واعتبر ابن ادريس ملك عين النصاب دون قيمته ولله در المحقق في المعتبر حيث قال بعد نقل ذلك عنهما ونعم ما قال وما ذكره الشيخ لا اعرف به حجة ولا قائلا من قدماء الاصحاب، فان كان تعويله على ما احتج به أبو حنيفة (1) فقد بينا ضعفه، وبالجملة فانا نطالبه من اين قاله ؟ وبعض المتأخرين ادعى عليه الاجماع وخص الوجوب بمن معه أحد النصب الزكاتية ومنع القيمة وادعى اتفاق الامامية على قوله. ولا ريب انه وهم، ولو احتج بان مع ملك النصاب تجب الزكاة بالاجماع منعنا ذلك، فان من ملك النصاب ولا يكفيه لمؤنة عياله يجوز له أن يأخذ الزكاة وإذا أخذ الزكاة لم تجب عليه الفطرة، لما روى عن ابى عبد الله عليه السلام في عدة روايات: منها رواية الحلبي ويزيد بن فرقد ومعاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام (2) " انه سئل عن الرجل يأخذ من الزكاة عليه صدقة الفطرة ؟ قال لا. انتهى.


(1) ارجع إلى الصفحة 160 (2) الوسائل الباب 2 من زكاة الفطرة


[ 266 ]

ومتى تكاملت هذه الشروط وجب على المكلف اخراجها عن نفسه وعن جميع من يعوله فرضا أو نفلا مسلما أو كافرا، وعلى ذلك دلت الاخبار المستفيضة المعتضدة باتفاق الاصحاب في هذا الباب: ومنها - ما رواه في الفقيه في الصحيح عن هشام بن الحكم عن الصادق عليه السلام (1) قال: " نزلت الزكاة وليس للناس اموال وإنما كانت الفطرة ". اقول: هذا الخبر يدل على دخول زكاة الفطرة تحت آية الزكاة وهى قوله عزوجل: " خذ من اموالهم صدقة.. الآية " (2). وما رواه في الصحيح عن الحسن بن محبوب عن عمر بن يزيد عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون عنده الضيف من اخوانه فيحضر يوم الفطر يؤدى عنه الفطرة ؟ فقال نعم الفطرة واجبة على كل من يعول من ذكر أو انثى صغير أو كبير حر أو مملوك ". اقول: المراد بوجوب الفطرة هنا وجوب اخراجها عنه لا وجوب اخراجها عليه، والعبارة خرجت مخرج التجوز كما يدل عليه الخبر الآتى. وما رواه في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام (4) قال: " سألته عن ما يجب على الرجل في أهله من صدقة الفطرة ؟ قال تصدق عن جميع من تعول من حر أو عبد أو صغير أو كبير ". وما رواه في الكافي عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام (5) قال: " كل من ضممت إلى عيالك من حر أو مملوك فعليك أن تؤدى الفطرة عنه ". وما رواه في الكافي في الصحيح عن صفوان الجمال (6) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفطرة ؟ فقال على الصغير والكبير والحر والعبد عن كل انسان


(1) الوسائل الباب 1 من زكاة الفطرة (2) سورة التوبة الآية 105 (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 5 من زكاة الفطرة


[ 267 ]

صاع من حنطة أو صاع من تمر أو صاع من زبيب ". ورواية معتب عن ابى عبد الله عليه السلام وقد تقدمت في أول الباب. وما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " صدقة الفطرة على كل رأس من أهلك: الصغير والكبير والحر والمملوك والغنى والفقير " وما رواه في الفقيه في الصحيح عن صفوان بن يحيى عن اسحاق بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " الواجب عليك أن تعطى عن نفسك وابيك وامك وولدك وامرأتك وخادمك ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام (3) " في صدقة الفطرة ؟ فقال تصدق عن جميع من تعول من صغير أو كبير أو حر أو مملوك.. الحديث ". وما رواه في الكافي عن محمد بن يحيى عن محمد بن احمد رفعه عن ابى عبد الله عليه السلام (4) قال: " يؤدى الرجل زكاة الفطرة عن مكاتبه ورقيق امرأته وعبده النصراني والمجوسي وما اغلق عليه بابه " قال في المعتبر بعد ايراد هذا الخبر: وهذا وان كان مرسلا إلا أن فضلاء الاصحاب افتوا بمضمونه. والمستفاد من هذه الاخبار هو وجوب اخراج الفطرة عن كل من يعول من حر وعبد وذكر وانثى وكبير وصغير ومسلم وكافر واجب النفقة أو غير واجب النفقة. واما ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن صفوان عن عبد الرحمان بن الحجاج (5) قال: " سألت ابا الحسن عليه السلام عن رجل ينفق على رجل ليس من عياله إلا انه يتكلف له نفقته وكسوته أتكون عليه فطرته ؟ قال لا إنما تكون فطرته على عياله صدقة دونه. وقال: العيال الولد والمملوك والزوجة وام الولد " - فما تضمنه من حصر


(1) و (2) و (4) و (5) الوسائل الباب 5 من زكاة الفطرة (3) التهذيب ج 1 ص 371 وفي الوسائل الباب 6 من زكاة الفطرة


[ 268 ]

العيال في الافراد المذكورة يجب حمله على الخروج مخرج التمثيل، بمعنى ان تكلف الانفاق والكسوة لا يكفى في وجوب الفطرة بل لابد من صدق العيلولة كما في هذه الافراد الاربعة، وعلى ذلك ينبغى ان تحمل رواية اسحاق بن عمار المتقدمة.

وتنقيح البحث في المقام يتوقف على رسم مسائل:

الاولى - لا خلاف في وجوب اخراج الفطرة عن واجبى النفقة كالابوين والاولاد والزوجة والمملوك متى كانوا في عياله وإنما الخلاف لو لم يكونوا كذلك. وقد وقع الخلاف هنا في مواضع:

أحدها - الزوجة لو لم تكن واجبة النفقة على الزوج كالناشز والصغيرة وغير المدخول بها مع عدم التمكين، فالمشهور عدم الوجوب إلا مع العيلولة تبرعا، وذهب ابن ادريس إلى الوجوب مطلقا سواء كانت ناشزة ام لا وجبت نفقتها أم لا دخل بها أو لم يدخل دائمة ومنقطعة واحتج على ذلك بالاجماع والعموم من غير تفصيل، ولا ريب في ضعفه لما عرفت من الاخبار المتقدمة الدالة صريحا على ان ذلك منوط بالعيلولة وبموجب ذلك تنتفى عند عدمها. قال المحقق في المعتبر: قال بعض المتأخرين الزوجية سبب لايجاب الفطرة لا باعتبار وجوب مؤنتها ثم تخرج فقال يخرج عن الناشز والصغيرة التى لا يمكن الاستمتاع بها، ولم يبد حجة عدا دعوى الاجماع من الامامية على ذلك. وما عرفنا أحدا من فقهاء الاسلام فضلا عن الامامية أوجب الفطرة على الزوجة من حيث هي زوجة بل ليس تجب فطرة إلا عن من تجب مؤنته أو يتبرع بها عليه، فدعواه إذا غريبة عن الفتوى والاخبار. انتهى. وهو جيد.

وثانيها - انه لو كانت الزوجة واجبة النفقة ولكن لم يعلها الزوج ولا غيره فالمشهور وجوب فطرتها على الزوج لانها تابعة لوجوب النفقة، ونقل في الشرائع قولا بعدم وجوبها إلا مع العيلولة واليه مال السيد السند في المدارك، وهو الذى دلت عليه الاخبار المتقدمة. والمحقق في الشرائع بعد نقل القولين المذكورين قال: وفيه تردد. قال شيخنا


[ 269 ]

الشهيد الثاني في المسالك في بيان التردد: ان منشأه الشك في كون السبب هو العيلولة أو الزوجية والمملوكية، وظاهر النصوص الثاني فيجب عنهما وان لم يعلهما كما مر. انتهى. وأنت خبير بما فيه فان النصوص المتقدمة ظاهرة بل صريحة في اناطة الوجوب بالعيلولة زوجة كانت أو غيرها من تلك الافراد المعدودة في الاخبار وليس فيها ما ربما يتوهم منه ما ذكره إلا صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج ورواية اسحاق بن عمار وقد عرفت الجواب عنهما.

وثالثها - المملوك وقد قطع الاصحاب (رضوان الله عليهم) بوجوب زكاته على المولى مطلقا، قال في المعتبر: تجب الفطرة عن العبد الغائب الذى يعلم حياته والآبق والمرهون والمغصوب، وبه قال الشافعي واحمد واكثر أهل العلم، وقال أبو حنيفة لا تلزمه زكاته لسقوط نفقته كما تسقط عن الناشز (1) لنا ان الفطرة تجب على من يجب أن يعوله وبالرق تلزم العيلولة فتجب الفطرة. وحجته ضعيفة لانا لا نسلم ان نفقته تسقط عن المالك مع الغيبة وان اكتفى بغير المالك كما لو كان حاضرا واستغنى بكسبه. ونحوه كلام العلامة في المنتهى، وفي الشرائع تردد في المسالة كما قدمنا نقله عنه في الزوجة، وقد عرفت وجه التردد من ما نقلناه عن شيخنا الشهيد الثاني آنفا. وانت خبير بان الظاهر من النصوص المتقدمة كما أشرنا إليه آنفا هو حصول العيلولة بالفعل لا مجرد وجوب العيلولة، وإلى ذلك مال السيد السند في المدارك والفاضل الخراساني في الذخيرة وهو الحق الحقيق بالاتباع. وينبغى أن يعلم انه لو عال الزوجة أو المملوك غير الزوج والسيد تعلقت الزكاة به وسقطت عنهما بغير اشكال ولا خلاف.

ورابعها - الابوان والاولاد، قال الشيخ في المبسوط على ما نقل في المختلف: والابوان والاجداد والاولاد الكبار إذا كانوا معسرين كانت نفقتهم وفطرتهم


(1) المغنى ج 3 ص 71


[ 270 ]

عليه. ثم قال (قدس سره): والاقرب ان نفقتهم عليه، اما الفطرة فان عالهم وجبت الفطرة وإلا فلا وان وجبت النفقة لنا ان الفطرة منوطة بالعيلولة وقد انتفت فينتفى الوجوب: احتج الشيخ بانهم واجبو النفقة فتجب الفطرة لانها تابعة لها. والجواب انها تابعة للنفقة لا لوجوبها. انتهى. وفيه ان ما ذكره في مقام الرد على الشيخ وان كان هو الظاهر من الاخبار والذى عليه العمل إلا انه مخالف لما صرح به هو وغيره كما قدمنا نقل ذلك عنهم في مسألة الزوجة والمملوك، فانهم جعلوا الفطرة تابعة لوجوب النفقة دون حصولها بالفعل، وسؤال الفرق متجه كما لا يخفى.

الثانية - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في العبد الغائب الذى لا تعلم حياته هل تجب فطرته على المولى أم لا ؟ فذهب جماعة: منهم - الشيخ في الخلاف والمحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى إلى عدم الوجوب، وقال الشيخ في المبسوط والخلاف: الغائب ان علم مولاه حياته وجبت عليه فطرته وان لم يعلم لم تجب. وقال في المعتبر: لو كان له مملوك لا يعلم حياته قال الشيخ لا تلزمه فطرته. ثم نقل عن الشيخ انه احتج بانه لا يعلم ان له مملوكا فلا تجب عليه زكاته. ثم قال وما ذكره الشيخ حسن. والخلاف في هذه المسألة منقول عن ابن ادريس، فانه أوجب فطرته في هذه الصورة على المولى محتجا بان الاصل البقاء، وبانه يصح عتقه في الكفارة إذا لم يعلم بموته وهو إنما يتحقق مع الحكم ببقائه فتجب فطرته. ويظهر من شيخنا الشهيد الثاني في المسالك الميل إلى هذا القول ايضا. احتج الشيخ ومن تبعه على ما ذكروه بما تقدم نقله أولا، وبان الايجاب شغل الذمة فيقف على ثبوت المقتضى وهو الحياة وهى غير معلومة، وبان الاصل عصمة مال الغير فيقف انتزاعه على العلم بالسبب ولم يعلم. واما ما ذكره ابن ادريس من الاصل فهو معارض بهذا الاصل المذكور.


[ 271 ]

وما ذكره من القياس على عتقه في الكفارة - اشارة إلى صحيحة ابى هاشم الجعفري الواردة بذلك (1) قال: " سألت ابا الحسن عليه السلام عن رجل قد ابق عنه مملوكه أيجوز أن يعتقه في كفارة الظهار ؟ قال لا بأس به ما لم يعرف منه موتا " ففيه (أولا) ان التسوية بين صحة العتق ووجوب الفطرة لا دليل عليه إذ لا ملازمة بينهما ولا ترتب للثاني على الاول. و (ثانيا) بامكان الفرق بين الامرين، فان العتق اسقاط ما في الذمة من حقوق الله تعالى وهى مبنية على التخفيف بخلاف الفطرة فانها ايجاب مال على مكلف لم يثبت سبب وجوبه عليه. اقول: والتحقيق في الاحتجاج للقول المشهور والرد على ابن ادريس هو أن يقال ان وجوب الفطرة تابع للعيلولة كما اخترناه وذكرنا انه مدلول الاخبار المتقدمة، أو لو جوبها كما قدمنا نقله عنهم، وانتفاء الاصل على ما ذكرنا ظاهر، وعلى ما ذكروه هو عدم معلومية الوجود فكيف يخاطب بوجوب الانفاق عليه وهو لا يعلم حياته ؟. ولا يخفى ان الظاهر من كلامهم كما قدمنا لك من كلام الشيخ والمحقق ان محل الخلاف في المسالة هو مفقود الخبر الذى لا يعلم حياته ولا موته، وهو الذى اختلف الاصحاب في حكمه بالنسبة إلى ميراثه وزوجته واوجبوا في ميراثه وزوجته طلب أربع سنين، وهو الذى تضمنته صحيحة الجعفري المتقدمة التى استند إليها ابن ادريس ورتب حكم الفطرة عليها، فما ذكره في المدارك من أن محل الخلاف في هذه المسألة غير محرر حتى انه احتمل أن يكون محل الخلاف مطلق المملوك الغائب الذى لا يعلم حياته - ليس بجيد. وبالجملة فهنا امران: أحدهما - ما ذكرناه من مفقود الخبر الذى لا يعلم له حياة ولا موت. وثانيهما - من كان غائبا وأخباره تأتى في أغلب الاوقات فانه يحكم بوجوده وقت الفطرة مثلا وان كان ذلك غير معلوم قطعا لغيبته وبعده عملا


(1) الوسائل الباب 48 من كتاب العتق


[ 272 ]

باستصحاب الحياة، ولذا ورد في صحيحة جميل بن دراج عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " لا بأس بان يعطى الرجل عن عياله وهم غيب عنه ويأمرهم فيعطون عنه وهو غائب عنهم " ومحل الخلاف انما هو الفرد الاول كما لا يخفى على المتأمل، وكيف يحتمل أن يجعل هذا الفرد الاخير مطرح الخلاف في هذه المسألة مع قولهم بمضمون صحيحة جميل المذكورة من غير خلاف يعرف.

الثالثة - قد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لو كان العبد بين شريكين فالزكاة عليهما فان عاله أحدهما فالزكاة على العائل، ونقل في الدروس قولا بانه لا زكاة فيه، ولعله اشاره إلى ما نقل عن ابن بابويه من انه قال لا فطرة عليهم إلا أن يكمل لكل واحد منهم رأس تام. كذا نقله عنه في المدارك والظاهر انه من غير الفقيه. نعم روى في الفقيه ما يدل على ذلك رواه عن زرارة عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " قلت عبد بين قوم عليهم فيه زكاة الفطرة ؟ قال إذا كان لكل انسان رأس فعليه أن يؤدى عنه فطرته، وإذا كان عدة العبيد وعدة الموالى سواء وكانوا جميعا فيهم سواء أدوا زكاتهم لكل واحد منهم على قدر حصته، وان كان لكل انسان منهم أقل من رأس فلا شئ عليهم ". قال في المدارك: وهذه الرواية وان كانت ضعيفة السند إلا انه لا يبعد المصير إلى ما تضمنته، لمطابقته لمقتضى الاصل وسلامتها من المعارض. انتهى. أقول: فيه (أولا) - ان ظاهر الخبر المذكور هو وجوب الزكاة بمجرد الملك، وهو لا يقول به لما تقدم منه في غير موضع من اناطة ذلك بالعيلولة كما قدمنا ذكره. و (ثانيا) ما علم من طريقته وتصلبه في الوقوف على الاصطلاح المشهور


(1) الوسائل الباب 19 من زكاة الفطرة (2) الوسائل الباب 18 من زكاة الفطرة وفى الفقيه ج 2 ص 119 " رقيق " بدل " عبد "


[ 273 ]

من رد الاخبار الضعيفة فكيف يتلقى هذا الخبر هنا بالقبول ؟ و (ثالثا) ان تستره هنا بمطابقته لمقتضى الاصل مردود بان الاخبار المتقدمة قد دلت على وجوب اخراج الزكاة عن المملوك أعم من أن يكون راسا تاما أو أقل، وإلا لا نتقض عليه بما ذكره هو وغيره في المكاتب المطلق إذا تحرر منه بعض، فانه استند - في الوجوب عليه وعلى المولى بالنسبة إلى ما نقله في تلك المسألة عن العلامة في المنتهى من ما يؤذن بوجوب الزكاة على كل منهما بالنسبة. ولو أجاب هنا - بان تلك الاخبار التى ادعيتم دلالتها على وجوب اخراج الزكاة عن المملوك انما هي مع العيلولة فلا دلالة فيها قلنا يلزم إذا طرح هذا الخبر من البين لخروجه عن ما دلت عليه تلك الاخبار المتكاثرة من اناطة الوجوب بالعيلولة فلا معنى لا ستناده إليه هنا مع قوله بمضمون تلك الاخبار.

الرابعة - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) سقوط الفطرة عن الزوجة الموسرة والضيف الغنى بالاخراج عنهما، ونقل عن ظاهر ابن ادريس ايجاب الفطرة على الضيف والمضيف، ولا ريب في ضعفه لما تقدم من الاخبار الدالة على وجوب الزكاة على المعيل ولا ريب في سقوطها بعد ذلك عن المعال، وايجابها على الضيف أو غيره بعد ذلك يحتاج إلى دليل وليس فليس. والعجب من صاحب الذخيرة حيث انه بعد نقل ذلك عن ابن ادريس قال وهو أحوط. وما أدرى ما وجه هذا الاحتياط مع عدم معارض بل ولا شبهة توجب خلاف ما ذكرناه ؟ نعم لو علم بعدم اخراج المعيل لها عنه ففيه احتمال وان كان ظواهر الاخبار المشار إليها - من حيث دلالتها على تعلق الخطاب بالمعيل - سقوط ذلك عن المعال ضيفا أو غيره علم بعدم الاخراج أو لم يعلم، إلا ان الاحتياط هنا هو اخراج الضيف عن نفسه وكذا غيره ممن تجب عليه لو لم يكن عيالا على غيره.

الخامسة - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في الزوجة الموسرة إذا


[ 274 ]

كان الزوج معسرا هل تجب الفطرة عليها أم لا ؟ فقال الشيخ في المبسوط لا فطرة عليها ولا على الزوج، لان الفطرة على الزوج فإذا كان معسرا لا تجب عليه الفطرة ولا تلزم الزوجة لانه لا دليل عليه. وقواه فخر المحققين في الايضاح. وقيل بوجوبها على الزوجة وبه قطع ابن ادريس وقواه المحقق في المعتبر، لانها ممن يصح ان يزكى والشرط المعتبر موجود فيها وانما تسقط عنها لوجوبها على الزوج فإذا لم تجب عليه وجبت عليها، واختار هذا القول الشهيد في الدروس. وفصل العلامة في المختلف فقال: والاقرب ان نقول ان بلغ الاعسار بالزوج إلى حد تسقط عنه نفقه الزوجة بان لا يفضل معه شئ البتة فالحق ما قاله ابن ادريس وان لم ينته الحال إلى ذلك بان كان الزوج ينفق عليها مع اعساره فلا فطرة هنا. والحق ما قاله الشيخ. ثم استدل على الاول بعموم الادلة الدالة على وجوب الفطرة على كل مكلف غنى خرج منه الزوجة الموسرة لمكان العيلولة فيبقى الباقي مندرجا في العموم. وعلى الثاني بانها في عيلولة الزوج فسقطت فطرتها عن نفسها وعن زوجها لفقره. واعترضه هنا الشهيد في البيان فقال: ويضعف بان النفقة لا تسقط فطرة الغنى إلا إذا تحملها المنفق. قال في المدارك بعد نقل ذلك عن الشهيد: وهو جيد. ثم ان شيخنا العلامة في المختلف ايضا رجع في تتمة الكلام السابق إلى بناء المسألة على وجوبها على الزوج بالاصالة أو عليها بالاصالة فقال: والتحقيق ان الفطرة ان كانت بالاصالة على الزوج سقطت لاعساره عنه وعنها، وان كانت بالاصالة على الزوجة وانما يتحملها الزوج سقطت عنه لفقره ووجبت عليها عملا بالاصل. انتهى وأورد عليه بان ظاهر الاخبار وكلام الاصحاب وان اقتضى وجوب الفطرة بالاصالة على الزوج مع يساره إلا ان ذلك لا يقتضى سقوطها عن الزوجة الموسرة مع اعساره. ومرجع هذا الكلام إلى تخصيص الاصالة على الزوج بصورة اليسار. اقول: والتحقيق عندي في هذا المقام أن يقال لا ريب انه قد اتفقت


[ 275 ]

الاخبار وكلمة الاصحاب على وجوب زكاة الفطرة على المكلف الحر الغنى كما تقدم تحقيقه كائنا من كان، خرج من ذلك بالاخبار المتقدمة من وجبت فطرته على غيره بالعيلولة كائنا من كان، ولا ريب ان الزوج المعسر لا تجب عليه فطرته ولا فطرة زوجته في الصورة المفروضة، فيبقى وجوب اخراج الفطرة على الزوجة بمقتضى الاخبار وكلام الاصحاب خاليا من المعارض. ومن ما ذكرنا يعلم توجه المنع إلى كلام اليخ المتقدم في موضعين: (أحدهما) قوله: " لان الفطرة على الزوج " فانه على اطلاقه ممنوع فانها إنما تكون عليه مع يساره. و (ثانيهما) قوله: " ولا تلزم الزوجة لانه لا دليل عليه " وكيف لا دليل عليه وهى داخلة في عموم الاخبار وكلمة الاصحاب الدالة على وجوب الفطرة على كل مكلف حر غنى

السادسة - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في قدر الضيافة المقتضية لوجوب اخراج الفطرة عن الضعيف، فنقل عن الشيخ والمرتضى اشتراط الضيافة طول الشهر، واكتفى الشيخ المفيد بالنصف الاخير، وعن ابن ادريس انه اجتزأ بليلتين في آخره واختاره في المختلف، واجتزأ في المنتهى والتذكرة بالليلة الواحدة ونقل في المعتبر والتذكرة عن جماعة من الاصحاب الاكتفاء بالعشر الاواخر ونقل في المعتبر عن جماعة من الاصحاب الاكتفاء بآخر جزء من الشهر بحيث يهل الهلال وهو في ضيافته، قال وهذا هو الاولى. وقال في الدروس: ويكفى في. الضيف أن يكون عنده في آخر جزء من شهر رمضان متصلا بشوال سمعناه مذاكرة، والاقرب انه لابد من الافطار عنده في شهر رضمان ولو ليلة. وفي البيان فيمكن الاكتفاء بمسمى الضيافة في جزء من الشهر بحيث يدخل شوال وهو عنده كما قال في المعتبر إلا ان مخالفة قدماء الاصحاب مشكل. وهو مؤذن بالتوقف في المسألة، واختار هذا القول ايضا المحقق الاردبيلى في شرح الارشاد ولكن صرح بوجوب الاكل عند المضيف كما لو ساغ له الافطار لسفر أو مرض لتصدق العيلولة بذلك، وظاهر من عداه ممن ذهب إلى ذلك الاطلاق وان لم يأكل عنده، ومنهم شيخنا الشهيد الثاني حيث انه اختار ذلك فقال: ان المتبادر من معنى الضيافة لغة


[ 276 ]

وعرفا هو النزول للقرى وان لم يكن قد اكل عنده. وكأنه (قدس سره) غفل عن ملاحظة ما اشتملت عليه الروايات من ذكر العيلولة، ولا سيما رواية عمر بن يزيد (1) التى تضمنت ذكر الضيف حيث قال فيها: " نعم الفطرة واجبة على كل من يعول ". ونقل في المدارك انه استدل على هذا القول الاخير بتعلق الحكم في رواية عمر بن يزيد المتقدمة على حضور يوم الفطر ويكون عند الرجل الضيف من اخوانه، فان ذلك تحقيق لمسمى الضيافة في جزء من الشهر ثم اعترضه فقال: وهو منظور فيه ايضا لان مقتضى قوله عليه السلام: " نعم الفطرة واجبة على كل من يعول " اعتبار صدق العيلولة عرفا في الضيف كغيره. انتهى. وهو جيد. والظاهر من ما ذكرناه ان هذه القول الاخير وان اختاره جملة من هؤلاء الفضلاء إلا انه أضعف أقوال المسألة. وبالجملة فالمسألة عندي محل اشكال والاحتياط فيها مطلوب على كل حال. بقى الكلام هنا في موضعين: أحدهما - انه لا ريب ان وجوب الزكاة على المضيف إنما هو مع الغنى الذى هو أحد شروط الوجوب المتقدمة فمع عدم ذلك لا تجب عليه، وحينئذ فلو كان الضيف موسرا هل تجب عليه أم لا ؟ قيل بالوجوب وبه صرح شيخنا العلامة في المختلف والشهيد في البيان وغيرهما والظاهر انه هو المشهور لان العيلولة لا تسقط فطرة الغنى إلا إذا تحملها المعيل. واحتمل بعضهم السقوط هنا مطلقا اما عن المضيف فلاعساره واما عن الضيف فلمكان العيلولة. وضعفه يظهر من ما قدمناه من التحقيق في سابق هذه المسألة. وثانيهما - لو كان المضيف معسرا وتبرع بالاخراج عن ضيفه الموسر فهل يسقط الوجوب عن الضيف أم لا ؟ جزم الشهيد في البيان بعدم الاجزاء، واحتمل في المختلف الاجزاء لان الشارع قد ندب إليها. ورده في البيان بعدم ثبوت الندب


(1) ص 266


[ 277 ]

في هذه الصورة والمنصوص استحباب اخراج الفقير لها عن نفسه وعياله وليس هذا منه. وفصل شيخنا الشهيد الثاني بالفرق بين اذن الضيف وعدمه فقال ان عدم الاجزاء على الثاني حسن والاجزاء على الاول أحسن، وقال لو تبرع المضيف باخراجها عن الموسر توقف الاجزاء على اذنه، وكذا القول في الزوجة وغيرها. انتهى. اقول: لا يخفى ان براءة الذمة من ما علم اشتغالها به بفعل الغير خارج عن مقتضى القواعد الشرعية والضوابط المرعية باذن كان أو بغير اذن فيقتصر فيه على موارد الرخصة، وقد قام الدليل على ذلك في الدين وقضاء بعض العبادات عن الميت وتبرع المقرض بدفع الزكاة عن المقترض فيجب القول بذلك وقوفا على موضع النص، ولا نص في هذا المقام على ما ذكروه.

السابعة - الظاهر انه لا خلاف في أن من بلغ قبل الهلال أو أسلم أو زال جنونه أو ملك ما يحصل به الغنى فانه تجب عليه زكاة الفطرة، وكذا من ولد له مولود أو ملك مملوكا، أما لو كان بعد ذلك فانه لا تجب وان استحب له الاخراج إلى الزوال. ويدل على عدم الوجوب ما رواه في الفقيه عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام (1) " في المولود يولد ليلة الفطر واليهودى والنصراني يسلم ليلة الفطر ؟ قال ليس عليهم فطرة، ليس الفطرة إلا على من أدرك الشهر ". وما رواه الشيخ في التهذيب والكليني في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مولود ولد ليلة الفطر عليه فطرة ؟ قال: لا قد خرج الشهر. وسألته عن يهودى أسلم ليلة الفطر عليه فطرة ؟ قال لا ". واستدلوا على الاستحباب بما رواه الشيخ مرسلا (3) قال: وقد روى انه ان ولدله قبل الزوال يخرج عنه الفطرة وكذلك من أسلم قبل الزوال. وحمله الشيخ


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 11 من زكاة الفطرة


[ 278 ]

ومن تبعه على الاستحباب. وفيه ما عرفت في غير موضع من هذا الكتاب. واستدل عليه أيضا بما رواه ابن بابويه عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام (1) قال: " سألته عن ما يجب على الرجل في أهله من صدقة الفطرة ؟ قال تصدق عن جميع من تعول من حر أو عبد صغير أو كبير من أدرك منهم الصلاة " بناء على ان الظاهر من الصلاة صلاة العيد، المراد بادراكها إدراك وقتها بمعنى دخوله في عيلولته قبل وقت الصلاة. وحكى العلامة في المختلف عن ابن بابويه في المقنع انه قال: وان ولد لك مولود يوم الفطر قبل الزوال فادفع عنه الفطرة وان ولد بعد الزوال فلا فطرة عليه، وكذا إذا أسلم الرجل قبل الزوال وبعده. وظاهر هذه العبارة الوجوب، وهى عين عبارة كتاب الفقه الرضوي، وبها عبر ابوه في رسالته ايضا كما نقله في المختلف، والاصحاب بهذه العبارة نسبوا اليهما القول بامتداد وقت الوجوب إلى الزوال كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى، إلا انه في كتاب من لا يحضره الفقيه صرح هنا بالاستحباب فقال: وان ولد لك مولود يوم الفطر قبل الزوال فادفع عنه الفطرة استحبابا وان ولد بعد الزوال فلا فطرة عليه، وكذلك الرجل إذا أسلم قبل الزوال أو بعده فعلى هذا، وهذا على الاستحباب والاخذ بالافضل فاما الواجب فليست الفطرة إلا على من أدرك الشهر، روى ذلك على بن ابى حمزة عن معاوية بن عمار.. وساق الرواية المتقدم نقلها عنه، وحينئذ فيحتمل حمل عبارة المقنع على ذلك وان كان الاقرب ابقاء تلك العبارة على ظاهرها فيكون قولا آخر له في المسألة.

الفصل الثاني - في بيان ما يجب اخراجه من الاجناس وبيان مقداره، والكلام في هذا الفصل يقع في مقامين:

الاول - في الجنس الواجب اخراجه وقد اختلفت فيه كلمة الاصحاب (رضوان الله عليهم) فنقل عن على بن بابويه في رسالته وولده في مقنعه وهدايته وابن


(1) الوسائل الباب 5 من زكاة الفطرة


[ 279 ]

ابى عقيل في متمسكه ان صدقة الفطرة صاع من حنطة أو صاع من شعير أو صاع من نمر أو صاع من زبيب. وظاهر هذا الكلام وجوب الاقتصار على هذه الاربعة وقال الشيخ في الخلاف: يجوز اخراج صاع من الاجناس السبعة: التمر والزبيب والحنطة والشعير والارز والاقط واللبن، للاجماع على اجزاء هذه وما عداها ليس على جوازه دليل. وفي المبسوط الفطرة صاع من التمر أو الزبيب أو الحنطة والشعير أو الارز أو الاقط أو اللبن. وهذا يشعر بوجوب الاقتصار على هذه السبعة. وقال الشيخ المفيد في المقنعة: باب ماهية زكاة الفطرة وهى فضلة اقوات أهل الامصار على اختلاف اقواتهم في النوع من التمر والزبيب والحنطة والشعير والارز والاقط واللبن فيخرج أهل كل مصر فطرتهم من قوتهم. وبمثل هذه العبارة عبر السيد والمرتضى (رضى الله عنه) إلا انه لم يذكر الارز. وقال ابن الجنيد يخرجها من وجبت عليه من أغلب الاشياء على قوته حنطة أو شعيرا أوتمرا أو زبيبا أو سلتا أو ذره. وبه قال أبو الصلاح وابن ادريس. وقال المحقق في المعتبر: والضابط اخراج ما كان قوتا غالبا كالحنطة والشعير والتمر والزبيب والارز والاقط واللبن وهو مذهب علمائنا. ونحو ذلك كلام العلامة في المنتهى والشهيد وهو المشهور بين المتأخرين، وهو يرجع إلى كلام الشيخ في الخلاف والمبسوط من التخصيص بالاجناس السبعة من حيث انها هي القوت الغالب كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى وقال السيد السند في المدارك: والمعتمد وجوب اخراج الحنطة والشعير والتمر والزبيب والاقط خاصة. وهذا القول يرجع إلى القول الاول في الاجناس الاربعة ويزيد عليه بالاقط خاصة. ومنشأ هذا الاختلاف اختلاف الاخبار بحسب الظاهر وها أنا أتلوها عليك فمنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن صفوان الجمال (1) قال: " سألت أبا عبد الله


(1) التهذيب ج 1 ص 371 وفي الوسائل الباب 5 من زكاة الفطرة، والشيخ يرويه عن الكليني.


[ 280 ]

عليه السلام عن الفطرة ؟ فقال على الصغير والكبير والحر والعبد، عن كل انسان صاع من بر أو صاع من تمر أو صاع من زبيب ". وفي الصحيح عن سعد بن سعد الاشعري عن ابى الحسن الرضا عليه السلام (1) قال: " سألته عن الفطرة كم يدفع عن كل رأس من الحنطة والشعير والتمر والزبيب ؟ قال صاع بصاع النبي صلى الله عليه وآله ". وفي الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " صدقة الفطرة على كل رأس من أهلك: الصغير والكبير والحر والمملوك والغنى والفقير، عن كل انسان نصف صاع من حنطة أو شعير أو صاع من تمر أو زبيب لفقراء المسلمين ". وفي الصحيح عن عبد الله بن ميمون عن ابى عبد الله عن ابيه (عليهما السلام) (3) قال: " زكاة الفطرة صاع من تمر أو صاع من زبيب أو صاع من شعير أو صاع من اقط عن كل انسان حر أو عبد صغير أو كبير، وليس على من لا يجد ما يتصدق به حرج ". وفي الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام (4) قال: " يعطى اصحاب الابل والبقر والغنم في الفطرة من الاقط صاعا ". أقول: وعلى هذه الروايات اعتمد صاحب المدارك لصحة اسانيدها حيث انه يدور مدار الاسانيد صحة وضعفا ولكن فيه ما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى. ومنها - ما رواه في الكافي عن يونس عن من ذكره عن ابى عبد الله عليه السلام (5) قال: " قلت له جعلت فداك هل على أهل البوادى الفطرة ؟ قال فقال الفطرة على كل من اقتات قوتا فعليه أن يؤدى من ذلك القوت ". وما رواه في التهذيب عن زرارة وابن مسكان عن ابى عبد الله عليه السلام (6) قال


(1) و (4) الوسائل الباب 6 من زكاة الفطرة (2) الوسائل الباب 3 و 6 من زكاة الفطرة (3) الوسائل الباب 5 و 2 من زكاة الفطرة (5) و (6) الوسائل الباب 8 من زكاة الفطرة


[ 281 ]

" الفطرة على كل قوم من ما يغذون عيالاتهم من لبن أو زبيب أو غيره ". وما رواه الشيخ في التهذيب عن ابراهيم بن محمد الهمداني (1) قال: " اختلفت الروايات في الفطرة فكتبت إلى ابى الحسن صاحب العسكر عليه السلام أسأله عن ذلك فكتب ان الفطرة صاع من قوت بلدك: على أهل مكة واليمن والطائف وأطراف الشام واليمامة والبحرين والعراقين وفارس والاهواز وكرمان تمر، وعلى أهل أوساط الشام زبيب، وعلى أهل الجزيرة والموصل والجبال كلها بر أو شعير، وعلى أهل طبرستان الارز، وعلى أهل خراسان البر إلا أهل مرو والرى فعليهم الزبيب، وعلى أهل مصر البر، ومن سوى ذلك فعليهم ما غلب قوتهم، ومن سكن البوادى من الاعراب فعليهم الاقط. والفطرة عليك وعلى سائر الناس.. الحديث ". وزاد شيخنا المفيد في المقنعة في الخبر بعد قوله " فعليهم الاقط ": ومن عدم الاقط من الاعراب ووجد اللبن فعليه الفطرة منه " ويحتمل أن تكون هذه الزيادة من كلامه (قدس سره). أقول: وبهذه الاخبار الاخيرة أخذ من قال بالقول المشهور وضم إليها الاخبار الاول بحمل ما ذكر فيها على جهة التمثيل لا الحصر كما توهمه من خالف في المسألة، وصاحب المدارك لما كان اختياره يدور مدار صحة الاسانيد اختار ما دلت عليه تلك الاخبار الاولة وأجاب عن ما عداها بضعف الاسناد وعدم صلاحيته لمعارضة تلك الاخبار. وأنت خبير بان من لا يعتمد على هذا الاصطلاح الذى هو إلى الفساد اقرب من الصلاح فالظاهر عنده هو حمل ما ذكره من الاخبار على ما ذكرناه، ولهذا اختلفت الاخبار في ذكر هذه الاجناس بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير، فنقص من صحيحة صفوان الشعير ومن صحيحة عبد الله بن ميمون البر وزيد الاقط وفي صحيحة ابى عبد الرحمان الحذاء وهو ايوب بن عطية عن ابى عبد الله


(1) الوسائل الباب 8 من زكاة الفطرة


[ 282 ]

عليه السلام (1) " انه ذكر صدقة الفطرة انها تجب.. إلى أن قال صاع من تمر أو صاع من زبيب أو صاع من شعير أو صاع من ذرة " فنقص من هذه الرواية البر وزيد الذرة، وكان الواجب عليه أن يعد الذرة ايضا لصحة الخبر ولعله لم يقف عليه. وفي صحيحة معاوية بن وهب (2) " جرت السنة بصاع من تمر أو صاع من زبيب أو صاع من شعير " وقد ترك الحنطة مع انه في مقام البيان لما جرت به السنة. وفي رواية عبد الله بن المغيرة (3) قال: " يعطى من الحنطة صاع ومن الشعير صاع ومن الاقط صاع " وفي صحيحة الحلبي (4) " صاع من تمر أو نصف صاع من بر " وفي صحيحة عبد الله بن سنان (5) " صاع من حنطة أو صاع من شعير " إلى غير ذلك من الاخبار التى يقف عليها المتتبع. ولو لا الحمل على ما ذكرناه من مجرد التمثيل وذكر الافراد في الجملة لكانت هذه الاخبار مختلفة متضادة، وإذ كل منها ورد في مقام البيان لما يجب اخراج الفطرة منه، وحينئذ فتحمل تلك الاخبار على ما حملنا عليه هذه لاختلافها كما عرفت بالزيادة والنقصان والتغيير والتبديل، على ان صحيحة سعد بن سعد ليست واضحة الدلالة على ما ادعاه فان الاجناس المذكورة انما ذكرت في السؤال، وصحيحة معاوية بن عمار بالدلالة على القول المشهور اشبه، لان تخصيص اصحاب الابل والغنم بالاقط مشعر بان ذلك من حيث كونه هو القوت الغالب عندهم كما تضمنه آخر رواية الهمداني. وبذلك يظهر قوة القول المشهور بين المتقدمين والمتأخرين وانطباق الاخبار عليه، ويضعف ما اعتمد عليه وصار إليه وان تبعه فيه من تبعه من غير تأمل ولا تدبر في المقام. ومنه يظهر ان جميع الاخبار كلها متفقة الدلالة على القول المشهور بحمل مطلقا على مقيدها ومجملها على مفصلها. والله العالم.


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 6 من زكاة الفطرة. (5) الوسائل الباب 5 من زكاة الفطرة


[ 283 ]

ثم ان في هذا المقام فوائد:

الاولى - قد ذكر الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا يجوز اخراج ما عدا الاجناس المتقدم ذكرها من كونها أربعة أو سبعة أو خمسة أو القوت الغالب إلا بالقيمة، إلا ان كلامهم في هذا المقام مع اختيارهم القول المشهور لا يخلو من اضطراب. قال المحقق في المعتبر: الركن الثاني في جنسها وقدرها، والضابط اخراج ما كان قوتا غالبا كالحنطة والشعير والتمر والزبيب والارز والاقط واللبن هو مذهب علمائنا. ثم قال بعد ذلك قال الشيخ في الخلاف: لا يجزئ الدقيق والسويق من الحنطة والشعير على انهما أصل ويجزئان بالقيمة. ثم نقل عن بعض فقهائنا قولا بجواز اخراجهما اصالة وقال: الوجه ما ذكره الشيخ في الخلاف، لان النبي صلى الله عليه وآله نص على الاجناس المذكورة فيجب الاقتصار عليها أو على قيمتها. ثم قال بعد ذلك: ولا يجزئ الخبز على انه أصل ويجزئ بالقيمة وقال شاذ منا يجزئ لان نفعه معجل، وليس بوجه لاقتصار النص على الاجناس المعينة فلا يصار إلى غيرها إلا بالقيمه. انتهى. اقول: ومراده بالبعض المخالف في كل من الموضعين هو ابن ادريس. ونحوه قال العلامة في المنتهى حيث قال: البحث الثالث في قدرها وجنسها، ثم قال: الجنس ما كان قوتا غالبا كالحنطة والشعير والتمر والزبيب والارز والاقط واللبن ذهب إليه علمائنا أجمع. ثم استدل على كل من هذه الاجناس بما تقدم من الروايات إلى أن قال: قال الشيخ في الخلاف لا يخرج الدقيق... إلى آخر ما تقدم نقله في عبارة المعتبر. ثم نقل عن ابى حنيفة واحمد جواز اخراج هذه الاشياء أصلا لا قيمة (1) قال وبه قال ابن ادريس منا. ثم قال: والاقرب ما قاله الشيخ، لنا ان المنصوص الاجناس المعدودة فيقتصر عليها.. إلى أن قال ايضا: وفي اجزاء الخبز على انه أصل لا قيمة تردد أقربه عدم الاجزاء خلافا لابن ادريس.. إلى أن قال


(1) المغنى ج 3 ص 63 وبدائع الصنائع ج 2 ص 72


[ 284 ]

لنا ان النص يتناول الاجناس المعينة فلا يصار إلى غيرها إلا بدليل ولم يقع على المتنازع فيه دليل، والقياس على الطعام ضعيف. ونحوه كلامه في المختلف ايضا. وانت خبير بان الظاهر من هذا الكلام ونحوه ايضا من ما تقدم من عبارة الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ في كتابي الخلاف والمبسوط حيث اختاروا القول بوجوب الزكاة من القوت الغالب وفسروه بهذه السبعة - انه ليس المراد بالقوت الغالب مطلقا بل ما كان غالبا من هذه الافراد المنصوصة، وكأنه بناء منهم على ان غالب الاقوات هي هذه السبعة وان النصوص إنما وردت بها من حيث كونها كذلك، وهو يرجع إلى ما حققناه سابقا من ان ما اشتمل من النصوص على فردين أو ثلاثة أو أربعة زيادة ونقصانا وتغييرا وتبديلا إنما خرجت مخرج التمثيل وهو وجه الجمع بين روايات المسألة، وحيث كانت هذه الاشياء المذكورة ليست مذكورة في النصوص فلا يجوز اخراجها أصلا بل قيمة، إلا ان المحقق في الشرائع قد نص على كون الدقيق والخبز من ما يخرج أصلا لا قيمة حيث قال: والضابط اخراج ما كان قوتا غالبا كالحنطة والشعير ودقيقهما وخبز هما والتمر والزبيب والارز واللبن ومن غير ذلك يخرج بالقيمة السوقية. ومثله العلامة في القواعد ايضا حيث قال: المطلب الثالث في الواجب وهو صاع من ما يقتات به غالبا كالحنطة والشعير والتمر والزبيب والارز واللبن والاقط والدقيق والخبز أصلا ويخرج من غيرها بالقيمة السوقية. ثم ان هنا روايات أخر غير ما تقدم مشتملة على زيادة على السبعة المذكورة مثل صحيحة محمد بن مسلم (1) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول الصدقة لمن لا يجد الحنطة والشعير يجزئ عنه القمح والعدس والذرة نصف صاع من ذلك كله.. الحديث ". وما رواه في الفقية (2) مرسلا قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام من لم يجد الحنطة


(1) الوسائل الباب 6 من زكاة الفطرة (2) ج 2 ص 115 وفي الوسائل الباب 8 من زكاة الفطرة


[ 285 ]

والشعير اجزأ عنه القمح والسلت والعلس والذرة ". ورواية الفضلاء عن الباقر والصادق (عليهما السلام) (1) قالوا: " سألناهما عن زكاة الفطرة قالا صاع من تمر أو زبيب أو شعير أو نصف ذلك كله حنطة أو دقيق أو سويق أو ذرة أو سلت.. الحديث ". وظاهر الاصحاب الجواب عن هذه الافراد الزائدة اما بالحمل على القيمة أو الحمل على عدم امكان الاخراج من تلك الاجناس، ويؤيد الثاني صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة ومرسلة الفقيه، واما الاول فمحل اشكال كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى قالوا: والسلت ان كان نوعا من الشعير فلا بأس باخراجه اصالة وإلا تعين أن يكون بالقيمة. والظاهر ان منشأ هذه التأويلات التعويل على الاجماع المدعى على السبعة المذكورة كما عرفت. بقى الكلام في ما لو كان غالب القوت غير هذه السبعة المذكورة، وظاهر كلامهم المتقدم عدم الاجزاء لخروجه عن المنصوص من تلك الافراد كما ردوا به كلام ابن ادريس في الدقيق والخبز، إلا ان الاقرب الاجزاء عملا بعموم الاخبار المتقدمة من قوله عليه السلام في روايه زرارة وابن مسكان (2) " الفطرة على كل قوم من ما يغذون عيالاتهم من لبن أو زبيب أو غيره " وقوله في مرسلة يونس (3) " الفطرة على كل من اقتات قوتا فعليه أن يؤدى من ذلك القوت " وقوله في رواية الهمداني " ومن سوى ذلك فعليهم ما غلب قوتهم " وحينئذ فتحمل أخبار السبعة على ما إذا كانت هي القوت الغالب. نعم يبقى الكلام في الدليل على ما ذكروه من جواز جعل ما عدا هذه الاجناس قيمة عن الواجب وسيأتى الكلام فيه. ثم انه ينبغى أن يعلم انه ليس مرادهم بالقوت الغالب من هذه السبعة يعنى


(1) الوسائل الباب 6 من زكاة الفطرة (2) و (3) الوسائل الباب 8 من زكاة الفطرة


[ 286 ]

باعتبار كل بلدة وما غلب على قوتها بل مرادهم هذه الاجناس مطلقا، فلو كان غالب قوت أهل بلد التمر مثلا لم يتعين عليهم التمر بل يجوز لهم اخراج غيره من هذه الافراد المتقدمة، وبذلك صرح العلامة في المنتهى والمحقق في المعتبر. ومن ما حققناه في المقام يتضح لك ما في اعتراض السيد السند في المدارك على كلام المحقق المتقدم نقله عن المعتبر حيث نقله (قدس سره) كما نقلنا وقال بعد نقله: هذا كلامه (قدس سره) وهو جيد لكنه رجوع عن ما أفهمه ظاهر كلامه في الضابط الذى ذكره أولا، اللهم إلا ان يقال بانحصار القوت الغالب في هذه الانواع السبعة وهو بعيد. انتهى. فان فيه انه لا بعد فيه بل هو الظاهر كما لا يخفى على من لاحظ البلدان في كل قطر ومكان، وهذا الكلام كما عرفت ليس مختصا بالمحقق المذكور بل هو ظاهر جملة من المتقدمين والمتأخرين كما عرفت، ومنهم شيخه المحقق الاردبيلى ايضا في شرح الارشاد حيث قال: اما الجنس فهو ما كان قوتا غالبا كالحنطة والشعير والتمر والزبيب والارز والاقط واللبن. وقد عرفت نقل العلامة في المنتهى والمحقق في المعتبر الاجماع على ذلك، مثلهما عبارة الشيخ في الخلاف، وحينئذ فلا معنى لاستبعاده ذلك إلا أن يكون غفلة عن مراجعة كلامهم في المقام. وكيف كان فالاحوط الاقتصار على الحنطة والشعير في البلدان التى يكون مدار أهلها عليهما والتمر في البلدان التى يكون مدار أهلها عليه وهكذا غيرها من الاجناس المنصوصة التى يكون مدار أهل تلك البلاد عليها.

الثانية - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في أفضل ما يخرج في الزكاة فقال ابنا بابويه والشيخان وابن ابى عقيل ان أفضل ما يخرج التمر قال الشيخ ثم الزبيب، وهو قول ابن البراج في كامله والمحقق في شرائعة، وفي الشرائع: ويليه أن يخرج كل انسان ما يغلب على قوته. وقال ابن البراج في المهذب: التمر والزبيب هو أفضل ما يخرج في الفطرة. وقال سلار: فاما ما يخرج في الفطرة فافضله أقوات أهل البلاد من التمر والزبيب والحنطة والشعير والارز والاقط واللبن، إلا انه


[ 287 ]

ان اتفق أن يكون في بلد بعض هذه الاشياء أغلى سعرا وهو موجود فاخراجه أفضل ما لم يجحف، وروى ان التمر أفضل. وقال الشيخ في المبسوط: الافضل أن يخرج من قوته أو ما هو أغلى منه، وافضل ما يخرجه التمر. وقال الشيخ في الخلاف: المستحب ما يكون غالبا على قوت البلد، وهو ظاهر اختيار المحقق في المعتبر حيث قال بعد أن اختار في صدر المسألة ان الافضل التمر ثم ساق الاقوال.. إلى أن قال: وقال آخرون ما يغلب على قوت البلد ولعل هذا أجود لرواية العسكري عليه السلام المتضمنة لتمييز الفطرة وما يستحب أن يخرج أهل كل اقليم. والذى وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة ما رواه الشيخ في الصحيح عن هشام بن الحكم عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " التمر في الفطرة افضل من غيره لانه اسرع منفعة وذلك انه إذا وقع في يد صاحبه أكل منه ". وما رواه عن زيد الشحام (2) قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام لان اعطى صاعا من تمر احب إلى من ان اعطى صاعا من ذهب في الفطرة ". وما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (3) قال: " قال الصادق عليه السلام لان اعطى في الفطرة صاعا من تمر أحب إلى من أعطى صاعا من تبر ". وما رواه الشيخ عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام (4) قال: " سألته عن صدقة الفطرة ؟ قال عن كل رأس من اهلك صاع " وقد تقدم إلى ان قال في آخره: " وقال التمر احب إلى فان لك بكل تمرة نخلة في الجنة ". وما رواه عن منصور بن خارجة عن ابى عبد الله عليه السلام (5) قال: " سألته عن صدقة الفطرة ؟ قال صاع من تمر أو نصف صاع من حنطة أو صاع من شعير والتمر أحب إلى ".


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 10 من زكاة الفطرة (4) الوسائل الباب 5 و 10 من زكاة الفطرة (5) الوسائل الباب 6 من زكاة الفطرة


[ 288 ]

وما رواه في الموثق عن اسحاق بن عمار (1) قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن صدقة الفطرة ؟ قال التمر أفضل ". وما رواه في الصحيح عن الحلبي (2) في حديث في صدقة الفطرة بعد ذكر الحنطة والشعير والتمر والزبيب قال: " وقال التمر أحب ذلك إلى ". وما رواه عن اسحاق بن المبارك عن ابى ابراهيم عليه السلام (3) في حديث في الفطرة قال: " صدقة التمر أحب إلى لان ابى عليه السلام كان يتصدق بالتمر. ثم قال: ولا بأس ان يجعلها فضة والتمر أحب إلى ". وما رواه الشيخ المفيد في المقنعة مرسلا (4) قال: " سئل الصادق عليه السلام عن الانواع ايها أحب اليك في الفطرة ؟ فقال اما أنا فلا اعدل عن التمر للسنة شيئا ". وانت خبير بانه لا معدل بعد هذه الاخبار عن القول الاول ولعل من أضاف الزبيب إلى التمر أو جعله بعده في المرتبة اعتمد على التعليل الذى في صحيحة هشام المتقدمة فانه يقتضى مساواة الزبيب للتمر في ذلك، وفيه ما فيه. واما من ذهب إلى القوت الغالب فالظاهر انه اعتمد على رواية الهمداني المتقدمة كما يدل عليه كلام المحقق في المعتبر، ومثلها في ذلك رواية يونس المتقدمة ايضا ورواية ابن مسكان المتقدمة ايضا. والجمع بين الاخبار يقتضى حمل ما اشتملت عليه هذه الروايات من القوت الذى يقتاتون به على المرتبة الثانية في الفضل بعد التمر كما دلت عليه عبارة الشرائع المتقدمة.

الثالثة - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في جواز اخراج القيمة السوقية عن ما وجب من الفطرة سواء وجدت الانواع المنصوصة أم لم توجد. وعلى ذلك دلت الاخبار المستفيضة: ومنها - ما رواه الصدوق في الصحيح


(1) و (3) و (4) الوسائل الباب 10 من زكاة الفطرة (2) الوسائل الباب 6 و 10 من زكاة الفطرة


[ 289 ]

عن محمد بن اسماعيل بن بزيع (1) قال: " بعثت إلى ابى الحسن الرضا عليه السلام بدراهم لى ولغيري وكتبت إليه اخبره انها من فطرة العيال فكتب عليه السلام إلى بخطه: قبضت ". وما رواه الكليني في الصحيح عن ايوب بن نوح (2) قال: " كتبت إلى ابى الحسن عليه السلام ان قوما سألوني عن الفطرة ويسألوني أن يحملوا قيمتها اليك وقد بعثت اليك هذا الرجل عام أول وسألني أن أسألك فانسيت ذلك وقد بعثت اليك العام عن كل رأس من عيالي بدرهم على قيمة تسعة أرطال بدرهم فرأيك جعلني الله فداك في ذلك ؟ فكتب عليه السلام الفطرة قد كثر السؤال عنها وأنا أكره ما أدى إلى الشهرة فاقطعوا ذكر ذلك واقبض ممن دفع لها وامسك عن من لم يدفع ". وما رواه الشيخ عن عمر بن يزيد في الصحيح (3) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون عنده الضيف.. إلى أن قال: وسألته يعطى الرجل الفطرة دراهم ثمن التمر والحنطة فيكون انفع لاهل بيت المؤمن ؟ قال لا بأس ". وموثقة اسحاق بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام (4) قال: " لا بأس بالقيمة في الفطرة ". وموثقته الاخرى (5) قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الفطرة ؟ قال الجيران أحق بها ولا بأس أن تعطى قيمة ذلك فضة ". وموثقته الاخرى ايضا (6) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن تعجيل الفطرة بيوم ؟ فقال لا بأس به. قلت فما ترى ان نجمعها ونجعل قيمتها ورقا ونعطيها رجلا واحدا مسلما ؟ قال لا بأس به ". ورواية اسحاق بن عمار الصيرفى (7) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام جعلت فداك ما تقول في الفطرة يجوز أن أؤديها فضة بقيمة هذه الاشياء التى سميتها ؟


(1) و (2) و (4) و (5) و (7) الوسائل الباب 9 من زكاة الفطرة (3) الوسائل الباب 5 و 9 من زكاة الفطرة (6) الوسائل الباب 12 و 9 من زكاة الفطرة


[ 290 ]

قال نعم ان ذلك انفع له يشترى ما يريد ". ورواية سليمان بن حفص المروزى (1) قال: " سمعته يقول ان لم تجد من تضع الفطرة فيه فاعزلها تلك الساعة قبل الصلاة. والصدقة بصاع من تمر أو قيمته في تلك البلاد دراهم ". ورواية ابى على بن راشد (2) قال: " سألته عن الفطرة لمن هي ؟ قال للامام. قال قلت له فاخبر اصحابي، قال: نعم من أردت أن تطهره منهم. وقال: لا بأس بان تعطى وتحمل ثمن ذلك ورقا. إذا عرفت ذلك فاعلم ان ظاهر كلام الاصحاب وبه صرح الشيخ (قدس سره) هو جواز اخراج القيمة نقدا كانت أو جنسا كما ينادى به كلامهم في المسألة المتقدمة من انه يجوز الخراج ما عدا الاجناس المنصوصة بالقيمة، قال الشيخ في المبسوط: يجوز اخراج القيمة عن أحد الاجناس التى قدرناها سواء كان الثمن سلعة أو حبا أو خبزا أو ثيابا أو دراهم أو شيئا له ثمن بقيمة الوقت. ولا يخفى ان الاخبار التى قدمناها كلها متفقة الدلالة في كون القيمة المرخص فيها إنما هي من النقد خاصة، نعم موثقة اسحاق بن عمار الاولى مطلقة وحملها على غيرها من الاخبار متعين، ويؤيده ان المتبادر من لفظ القيمة إنما هو النقد سيما مع وجود التعليل الدال على ذلك في بعضها. وإلى التخصيص بالنقد يميل كلام ابن ادريس كما نقله عنه في المختلف، واليه يميل كلام المحقق الاردبيلى (قدس سره) في شرح الارشاد، وهو الظاهر والعلامة في المختلف - بعد ان نقل كلام الشيخ المتقدم وكلام ابن ادريس عليه ونزاعه للشيخ - اختار كلام الشيخ (قدس سره) واستدل عليه بادلة اظهرها موثقة اسحاق بن عمار المشار إليها وقد عرفت ما فيها. وبالجملة فانى لااعرف لهذا القول دليلا سوى الشهرة، نعم ربما يمكن الاستدلال على ذلك بصحيحة عمر بن يزيد عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " سألته


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 9 من زكاة الفطرة


[ 291 ]

تعطى الفطرة دقيقا مكان الحنطة ؟ قال: لا بأس يكون أجر طحنه بقدر ما بين الحنطة والدقيق ". وظاهر المحقق في المعتبر الاستدلال بهذه الرواية على ذلك حيث انه بعد أن نقل عن الشيخ في الخلاف انه لا يجزئ الدقيق والسويق من الحنطة والشعير على انهما أصل ويجزئان بالقيمة - قال روى عمر بن يزيد عن ابى عبد الله عليه السلام.. ثم ساق الرواية. ويظهر ذلك من العلامة في المنتهى حيث انه نقل هذه الرواية دليلا لابن ادريس في جواز اخراج الدقيق أصلا ثم أجاب عنها بان فيها تنبيها على اعتبار القيمة لانه عليه السلام ذكر المساواة بين اجرة الطحن والتفاوت. اقول: الظاهر ان معنى الرواية المذكورة هو ان السائل سأل عن اعطاء الدقيق الذى يحصل من صاع الحنطة بعد طحنه هل يجزئ عن صاع الحنطة أم لا ؟ فأجاب عليه السلام انه يجزئ لانه تكون اجرة الطحن في مقابلة التفاوت الذى بين الحنطة والدقيق، ولا دلالة في الرواية على كونه قيمة عن الحنطة ان كان إلا من حيث قوله " مكان الحنطة " أي عوضا عنها، وهو غير ظاهر في ذلك إذ يجوز أن يكون السائل توهم انحصار جواز الاعطاء في الحنطة دون دقيقها فاجابه عليه السلام بانه لا ينحصر فيها بل يجزئ اعطاء الدقيق، وكونه أقل من الصاع بعد الطحن يكون في مقابلة اجرة الطحن التى دفعها المالك، وحينئذ فلا دلالة في الخبر المذكور. ومن ما ذكرنا يعلم ان ما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) في المسألة المتقدمة من جواز اخراج بعض الاجناس قيمة عن الاجناس الواجبة في الفطرة من ما لا دليل عليه سوى مجرد الشهرة بينهم. إذا عرفت ذلك فاعلم ان المشهور بين الاصحاب هو اخراج القيمة بسعر الوقت، ونقل في المعتبر أن بعض الاصحاب قدرها بدرهم وآخرون باربعة دوانيق وقال الشيخ المفيد في المقنعة (1) " وسئل - يعنى الصادق عليه السلام - عن القيمة مع وجود النوع فقال لا بأس بها. وسئل عن مقدار القيمة فقال درهم في الغلاء


(1) الوسائل الباب 9 من زكاة الفطرة


[ 292 ]

والرخص. وروى ان أقل القيمة في الرخص ثلثا درهم. وذلك متعلق بقيمة الصاع في وقت المسألة عنه، والاصل اخراج القيمة عنها بسعر الوقت الذى تجب فيه. انتهى وقد ورد بالدرهم خبر اسحاق بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام (1) وفيه " لا بأس ان يعطيه قيمتها درهما " والظاهر حمله على قيمة الوقت وان يومئذ كان كذلك كما يدل عليه خبر ايوب بن نوح المتقدم.

الرابعة - قد صرح جمع من الاصحاب بانه لا يجزئ اخراج صاع واحد من جنسين وقيده بعضهم بما إذا كان اصالة أما بالقيمة فيجوز، واستقرب العلامة في المختلف الجواز اصالة، والاظهر هو القول الاول لما مر في غير خبر من الاخبار المتقدمة (2) من قولهم: " صاع من حنطة أو صاع من شعير أوم صاع من تمر أو من زبيب " ونحو ذلك، وهى صريحة في وجوب اخراج الصاع من جنس معين فلا يحصل الامتثال بدونه. احتج العلامة بان المطلوب شرعا اخراج الصاع وليس تعيين الصاع معتبرا في نظر الشرع وإلا لما جاز التخيير، ولانه يجوز اخراج الاصواع المختلفة من الشخص الواحد عن جماعة فكذا الصاع الواحد.. إلى آخر كلامه الذى من هذا القبيل من ما لا يشفى العليل ولا يبرد الغليل.

المقام الثاني - في المقدار، الظاهر انه لا خلاف بين اصحابنا (رضوان الله عليهم) في أن القدر الواجب في زكاة الفطرة صاع وهو قول اكثر العامة ايضا (3) ويدل على ذلك أخبار كثيرة مستفيضة قد تقدم كثير منها لا ضرورة إلى اعادته ولا التطويل بنقل غيرها. نعم قد ورد بازائها ما يدل على خلافها مثل ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (4) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن صدقة الفطرة ؟ فقال على كل من يعول الرجل.. إلى ان قال: صاع من تمر أو نصف صاع من بر، والصاع أربعة امداد ".


(1) الوسائل الباب 9 من زكاة الفطرة (2) ص 279 و 280 (3) المغنى ج 3 ص 57 (4) الوسائل الباب 6 من زكاة الفطرة


[ 293 ]

وعن عبد الله بن سنان في الصحيح عن ابى عبد الله عليه السلام (1) " في صدقة الفطرة ؟ فقال: تصدق عن جميع من تعول.. إلى أن قال على كل انسان نصف صاع من حنطة أو صاع من تمر أو صاع من شعير، والصاع أربعة امداد ". وفي صحيحة الفضلاء عن ابى جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام) (2) " انهما قالا: على الرجل أن يعطى عن كل من يعول.. إلى ان قالا: فان أعطى تمرا فصاع لكل رأس وان لم يعط تمرا فنصف صاع لكل رأس من حنطة أو شعير والحنطة والشعير سواء ما اجزأ عنه الحنطة فالشعير يجزئ عنه ". وصحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " صدقة الفطرة على كل رأس من أهلك.. إلى أن قال: عن كل انسان نصف صاع من حنطة أو شعير والحنطة والشعير سواء ما اجزأ عنه الحنطة فالشعير يجزئ ". قال الشيخ (قدس سره) في كتابي الاخبار: هذه الاخبار وما يجرى مجراها خرجت مخرج التقية ووجه التقية فيها ان السنة كانت جارية في اخراج الفطرة بصاع من كل شئ فلما كان زمن عثمان وبعده في أيام معاوية جعل نصف صاع من حنطة بازاء صاع من تمر وتابعهم الناس على ذلك (4) فخرجت هذه الاخبار وفاقا لهم على جهة التقية انتهى. وهو جيد. ويدل عليه ما رواه في التهذيب عن سلمة ابى حفص عن ابى عبد الله عليه السلام (5) قال: " صدقة الفطرة على كل صغير وكبير.. إلى أن قال: صاع من تمر أو صاع


(1) و (5) الوسائل الباب 6 من زكاة الفطرة (2) الوسائل الباب 12 و 6 من زكاة الفطرة (3) الوسائل الباب 6 من زكاة الفطرة. وليس قوله: " والحنطة والشعير.. إلى آخره " جزء من هذه الصحيحة وانما هو جزء من الصحيحة المتقدمة فقط كما في التهذيب ج 1 ص 369 والاستبصار ج 2 ص 42 والوافى - باب من تجب عنه الفطرة ومن لا تجب - والوسائل. (4) سنن البيهقى ج 4 ص 165 ونيل الاوطار ج 4 ص 190 والمغنى ج 3 ص 58


[ 294 ]

من شعير أو صاع من زبيب، فلما كان زمن عثمان حوله مدين من قمح ". اقول: القمح بالقاف والحاء المهملة الحنطة كما هو المعروف من اللغة والعرف إلا ان صحيحة محمد بن مسلم وكذا مرسلة الفقيه المتقدمتين في الفائدة الاولى من الفوائد الملحقة بالمقام الاول (1) يشعر ان بخلاف ذلك، ومثلهما في روايات العامة (2) إلا ان روايات العامة قابلة للتأويل. وما رواه في الصحيح عن ابى عبد الرحمان الحذاء عن ابى عبد الله عليه السلام (3) " انه ذكر صدقة الفطرة.. إلى أن قال صاع من تمر أو صاع من زبيب أو صاع من شعير أو صاع من ذرة، فلما كان زمن معاوية وخصب الناس عدل الناس ذلك إلى النصف صاع من حنطة ". وعن ابراهيم بن ابى يحيى عن ابى عبد الله عن ابيه (عليهما السلام) (4) " ان اول من جعل مدين من الزكاة عدل صاع من تمر عثمان ". وعن معاوية بن وهب في الصحيح (5) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في الفطرة: جرت السنة بصاع من تمر أو صاع من زبيب أو صاع من شعير فلما كان زمن عثمان وكثرت الحنطة قومه الناس فقال نصف صاع من بر بصاع من شعير ". وعن ياسر القمى عن الرضا عليه السلام (6) قال: " الفطرة صاع من حنطة وصاع من شعير وصاع من تمر وصاع من زبيب وانما خفف الحنطة معاوية ". والمفهوم من هذه الاخبار ان الحنطة كانت في الصدر الاول قليلة وانهم إنما يخرجون الزكاة من التمر أو الزبيب أو الشعير، ولما كان زمان عثمان وكثرت الحنطة فارادوا اعطاء الزكاة منها وكان قيمتها ضعف قيمة الشعير قوموها ووازنوا قيمة الصاع من الشعير بنصف الصاع من الحنطة فاعطوا من الحنطة نصف صاع، وبعد


(1) ص 284 (2) سنن البيهقى ج 4 ص 167 ونيل الاوطار ج 4 ص 193 (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 6 من زكاة الفطرة


[ 295 ]

موت عثمان ورجوع الخلافة إلى مقرها ومستقرها انتسخت تلك البدعة، ولما انتقلت إلى معاوية أحيى سنة عثمان، ومن أجل ذلك نسب ذلك في بعض الاخبار إلى عثمان وفى بعض إلى معاوية، ووجه الجمع ما ذكرناه. وروى المحقق في المعتبر مرسلا عن امير المؤمنين عليه السلام (1) " انه سئل عن الفطرة فقال: صاع من طعام. فقيل أو نصف صاع ؟ فقال بئس الاسم الفسوق بعد الايمان " (2). بقى الكلام في انه قد ورد النصف في غير الحنطة ايضا في الاخبار المتقدمة وهو غير قابل لهذا التأويل لاطباق الكل على خلافه، والشيخ قد أورد الاخبار المتضمنة لذلك فقال انها محمولة على التقية (3) واستدل بالاخبار الواردة في الحنطة خاصة، ولم أر من تعرض للجواب عن ذلك بوجه. واما قدر الصاع فقد تقدم بيانه في الزكاة المالية. ثم ان الشيخ وجماعة من الاصحاب قد ذكروا انه يجزئ من اللبن أربعة أرطال، ومستند هم في ذلك إلى ما رواه الشيخ عن القاسم بن الحسن رفعه إلى ابى عبد الله عليه السلام (4) قال: " سئل عن الرجل في البادية لا يمكنه الفطرة ؟ قال يتصدق باربعة أرطال من لبن " ورواه الكليني في الكافي عن على بن ابراهيم عن ابيه رفعه عن ابى عبد الله عليه السلام (5). ولا يخفى ان الخروج عن تلك الاخبار المستفيضة بوجوب الصاع بمثل هذا الخبر الضعيف السند المجمل القابل للتأويل مشكل، فان الارطال فيه غير معلومة بانها من الارطال المدنية أو العراقية والصاع كما تقدم ستة بالمدني وتسعة بالعراقى، وظاهر الخبر عدم التمكن من الفطرة فيمكن حمله على الاستحباب. واحتمل بعض الاصحاب


(1) الوسائل الباب 6 من زكاة الفطرة (2) سورة الحجرات الآية 12 (3) المغنى ج 3 ص 57 ونيل الاوطار ج 4 ص 193 (4) و (5) الوسائل الباب 7 من زكاة الفطرة


[ 296 ]

ان وضع الارطال هنا موضع الامداد وقع سهوا من الراوى، ولا يخلو عن قرب بان يكون معنى قوله: " لا يمكنه الفطرة " يعنى من الغلات. والشيخ قد فسر الارطال هنا بالمدنية استنادا إلى ما رواه عن محمد بن احمد عن محمد بن عيسى عن محمد بن الريان (1) قال: " كتبت إلى الرجل عليه السلام أساله عن الفطرة وزكاتها كم تؤدى ؟ فكتب أربعة ارطال بالمدني " مع انه بعد ذكر هذه الرواية احتمل فيها وجهين: أحدهما أن يكون الاربعة امداد فصحف الراوى، والثانى انه اراد أربعة أرطال من اللبن والاقط لان من كان قوته ذلك يجب عليه منه القدر المذكور اقول: ويحتمل ايضا تبديل الستة بالاربعة وهو الاوفق بتقييده بالمدني. وبالجملة فالخروج عن تلك الاخبار بمثل هذين الخبرين المجملين مشكل، ولذا قال في المعتبر: والرواية في الضعف على ما ترى. قال في المدارك بعد نقل ذلك عن المعتبر: وكأن الوجه في ذلك اطباق الاصحاب على ترك العمل بظاهرها وإلا فهى معتبرة الاسناد. انتهى. اقول: فيه أولا - ان الصحة على الوجه الصحيح والنهج الصريح إنما هو عبارة عن مطابقة مضمون الرواية لمقتضى الاصول والقواعد والكتاب والسنة المستفيضة واتفاق الاصحاب ونحو ذلك صح سندها باصطلاحه أو ضعف، والصحة باعتبار الاسانيد كما عليه أصحاب هذا الاصطلاح انما هي صحة مجازية وإلا فالواجب عليه القول بمضمون هذه الرواية لصحة سندها واعتباره عنده وان اطبق الاصحاب على ترك العمل به ولا أراه يتفوه به، ومثل ذلك في الاخبار من ما صح سنده وأعرض الاصحاب عنه كثير كما لا يخفى على المتتبع. وثانيا - انه لا يخفى ان محمد بن عيسى في سند الخبر مشترك بين العبيدي والاشعرى وهو دائما يعد حديث العبيدي في الضعيف ويرد حديثه كما عليه اكثر أصحاب هذا الاصطلاح فكيف يدعى ان الرواية معتبرة الاسناد ؟


(1) الوسائل الباب 7 من زكاة الفطرة


[ 297 ]

الفصل الثالث - في وقت وجوبها والبحث في هذا الفصل يقع في مواضع:

الاول - في مبدأ وقت الوجوب، وقد اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ذلك، فقيل انها تجب بغروب شمس آخر يوم من شهر رمضان، وهو المنقول عن الشيخ في الجمل والاقتصاد وهو اختيار ابن حمزة وابن ادريس وبه صرح المحقق في المعتبر والشرائع والعلامة في المنتهى والمختلف وسائر كتبه واختاره شيخنا الشهيد الثاني في المسالك والظاهر انه هو المشهور بين المتأخرين، وقيل ان أول وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم الفطر، كذا قاله ابن الجنيد واختاره المفيد في المقنعة والرسالة الغرية والسيد المرتضى وابو الصلاح وابن البراج وسلار وابن زهرة، كذا نقله عنهم في المختلف، وإلى هذا القول مال السيد السند في المدارك. ونقل في المختلف ايضا عن ابني بابويه انهما قالا: وان ولد لك مولود يوم الفطر قبل الزوال فادفع عنه الفطرة وان ولد بعد الزوال فلا فطرة عليه، وكذا إذا أسلم الرجل قبل الزوال أو بعده. وهذه العبارة مشعرة بامتداد وقت الوجوب إلى الزوال كما فهمه الاصحاب منها ونسبوه اليهما، قال شيخنا الشهيد في البيان: ويظهر من ابني بابويه ان تجدد الشرائط ما بين طلوع الفجر إلى الزوال مقتضية للوجوب كما لو أسلم الكافر أو تجدد الولد. اقول: والعبارة المنقولة عنهما عبارة كتاب الفقه الرضوي (1). والظاهر عندي هو القول الاول، ويدل عليه ما رواه في الفقيه عن على بن ابى حمزة عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام (2) " في المولود يولد ليلة الفطر واليهودى والنصراني يسلم ليلة الفطر ؟ قال ليس عليهم فطرة. ليس الفطرة إلا على من أدرك الشهر ". وما رواه الشيخ في التهذيب والكليني في الصحيح عن معاوية بن عمار ايضا (3) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مولود ولد ليلة الفطر عليه فطرة ؟ قال لا قد


(1) ص 25 (2) و (3) الوسائل الباب 11 من زكاة الفطرة


[ 298 ]

خرج الشهر: وسألته عن يهودى أسلم ليلة الفطر عليه فطرة، قال لا ". احتج في المدارك على القول الثاني حيث انه هو المعتمد عنده فقال: لنا ان الوجوب في هذا الوقت متحقق وقبله مشكوك فيه فيجب الاقتصار على المتيقن. وما رواه الشيخ في الصحيح عن العيص بن القاسم (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفطرة متى هي ؟ فقال قبل الصلاة يوم الفطر. قلت فان بقى منه شئ بعد الصلاة ؟ قال لا بأس نحن نعطى عيالنا منه ثم يبقى فنقسمه ". وفي الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابراهيم بن ميمون (2) قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام الفطرة ان اعطيت قبل أن تخرج إلى العيد فهى فطرة وان كانت بعدما تخرج إلى العيد فهى صدقة ". والجواب: اما عن الاول فبأن ما أدعاه - من ان الوجوب قبل الوقت الذى ذكره مشكوك فيه - محل منع فانه بعد قيام الدليل الصحيح الصريح عليه لا شك فيه ولا مرية تعتريه. واما عن الروايتين المذكورتين فان موردهما إنما هو وقت الاخراج لا وقت الوجوب، وههنا شيئان وقت وجوب الفطرة وتعلقها بالذمة واشتغالها بها ووقت وجوب اخراجها ومحل البحث هو الوقت الاول، وقد دل الخبران الاولان على ان وجوبها منوط بمن يمضى عليه جزء من شهر رمضان ويهل عليه هلال شوال مستكملا لشروط الوجوب، كالمولود يولد والكافر يسلم والعبد يشترى والفقير يصير غنيا والصغير يبلغ والمعال يبقى في العيلولة ونحو ذلك من الفروع التى يتفرع على ذلك، ولو لم يتجدد شئ من هذه المذكورات إلا بعد الهلال فانه لا يتعلق به الوجوب بنص الخبرين المذكورين. واما وقت وجوب الاخراج فالمفهوم من الاخبار كالخبرين المذكورين انه قبل الصلاة، وقيل قبل الزوال بناء على حمل الصلاة


(1) و (2) الوسائل الباب 12 من زكاة الفطرة


[ 299 ]

في الاخبار على وقت الصلاة وان وقتها ممتد إلى الزوال. وفيه ما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى. ومن العجب انه مع تصلبه في اصطلاحه ورده الاخبار الضعيفة والطعن فيها يستدل هنا برواية ابراهيم بن ميمون ويصفها بالصحة باعتبار صحة السند إليه حيث انه أراد الاستدلال بها مع رده لها في ثالث هذه المقالة - في مسألة انتهاء وقت الفطرة بجهالة الراوى (1). وأما ما اجاب به عن صحيحة معاوية بن عمار لما نقلها دليلا للقول الاول - حيث قال: وعن الرواية انها انما تدل على وجوب الاخراج عن من أدرك الشهر لا على ان أول وقت الاخراج الغروب وأحد هما غير الآخر. انتهى - فلا يخفى ما فيه على المتأمل فان محل النزاع ومحط البحث كما عرفت إنما هو في بيان وقت وجوب الفطرة وتعلقها بالمكلف واخراجها عن نفسه ومن يعوله وقد اعترف بدلالة الرواية عليه، وليس محل النزاع وقت وجوب الاخراج كما يعطيه كلامه حتى انه بمنع دلالة الرواية على ذلك يسقط الاستدلال بها. وهذا ظاهر كتب الاصحاب كالمعتبر والمنتهى والمختلف وغيرها فان خلاف ابن الجنيد ومن معه في المسألة انما هو في أصل تعلق الوجوب بالمكلف عن نفسه أو غيره، ولهذا ان العلامة في المختلف قد استدل لهم بصحيحة العيص بن القاسم بالتقريب الذى ذكره العامة في روايتهم المطابقة للصحيحة المذكورة. وبيانه ان المحقق (قدس سره) في المعتبر - بعد ان ذكر انه تجب الفطرة بغروب الشمس آخر يوم من شهر رمضان - قال: وقال ابن الجنيد وجماعة من الاصحاب تجب بطلوع الفجر يوم العيد وبه قال أبو حنيفة لما رواه ابن عمر (2)


(1) سيأتي نقل ذلك عنه في الموضع الثاني ص 302 (2) سنن البيهقى ج 4 ص 174 ونيل الاوطار ج 4 ص 191 والمغنى ج 3 ص 67


[ 300 ]

" ان النبي صلى الله عليه وآله كان يأمرنا ان نخرج الفطرة قبل الخروج إلى المصلى " وهو لا يأمر بتأخير الواجب عن وقته. ثم ان المحقق استدل على ما قدمه بما ذكره الشارح هنا من الدليل العقلي ثم صحيحة معاوية بن عمار، ثم قال: وحجة ابى حنيفة ضعيفة لاحتمال أن يكون الافضل اخراجها قبل الصلاة. وقوله: " لا يأمر بالتأخير عن وقت الوجوب " قلنا: متى إذا لم يشتمل التأخير على مصلحة أم إذا اشتمل ؟ وهنا التأخير مشتمل على مصلحة لانه يجمع فيه بين ايتاء الزكاة والصلاة كما تؤخر المغرب لمن أفاض من عرفة إلى المشعر ليجمع بينها وبين العشاء وان كان التقديم جائزا، ولان حاجة الفقير إليها نهارا فكان دفعها في وقت الحاجة افضل من دفعها ليلا. وقوله: " كان يأمر باخراج الزكاة قبل الخروج " لا يدل على أن ذلك الوقت وقت الوجوب باجماع الناس لان الصلاة لا تكون إلا بعد طلوع الشمس وانبساطها والوجوب عنده يتحقق مع طلوع الفجر فقد صارت حجته غير دالة على موضع النزاع. انتهى. ولم ينقل في المقام دليل لمذهب ابن الجنيد من طرق الاصحاب، وفي المختلف استدل لهم بصحيحة العيص بهذا التقريب ورده بما ذكره في المعتبر وان كان بطريق أخصر. وحينئذ فقد علم من ذلك ان مدلول الرواية وموردها إنما هو بيان وقت الاخراج، ولكنهم إنما استدلوا بها على تعلق أصل الوجوب من حيث قبح التأخير عن وقت الوجوب، فهو إنما امر بالاخراج في هذا الوقت لانه هو الوقت الذى تعلق فيه الوجوب بالمكلف. وبذلك يظهر لك صحة ما قلناه وهو ان أصل المسألة ومحل البحث والخلاف إنما هو في وقت تعلق الوجوب لا وقت الاخراج كما يعطيه كلامه. ولهذا ان الشيخ وكذلك المحقق في المعتبر والشرائع والعلامة في كتبه فرعوا على ما اختاروه من تعلق الوجوب بغروب شمس آخر نهار يوم من شهر رمضان فروعا: منها - لو وهبه عبدا قبل الهلال ولم يقبض، ومنها لو أوصى له بعبد


[ 301 ]

ومات الموصى فان قبل قبل الهلال فعليه فطرته وان قبل بعده قال الشيخ لم يلزم أحدا فطرته لانه ليس ملكا لاحد، ومنها - لو مات وعليه دين وله عبد ففطرته في تركته، ولو مات قبل الهلال لم يلزم أحدا فطرته لانه ليس ملكا لاحد. وهذا كما ترى كله ظاهر في أن محل البحث إنما هو أصل تعلق الوجوب لا وجوب الاخراج وبالجملة فكلامه هنا وقع على سبيل الاستعجال وعدم التأمل في المقام.

الموضع الثاني - في آخر وقت وجوب الاخراج، وقد اختلف فيه كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) فذهب الاكثر ومنهم الشيخ المفيد وابنا بابويه والسيد المرتضى وسلار وابو الصلاح والمحقق في المعتبر إلى التحديد بصلاة العيد، ونسب في التذكرة إلى علمائنا انه يأثم بالتأخير عن صلاة العيد، وقال في المنتهى: لا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد اختيارا فان اخرها أثم وبه قال علماؤنا أجمع. إلا انه قال بعد ذلك باسطر قليلة: الاقرب عندي هو جواز تأخيرها عن الصلاة وتحريم التأخير عن يوم العيد. وظاهره امتداد وقتها إلى آخر النهار، قال في المدارك: ولا يخلو من قوة. واستقربه ايضا الفاضل الخراساني في الذخيرة وقيل بالتحديد إلى الزوال، ونقل عن ابن الجنيد حيث قال أول وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم الفطر وآخره زوال الشمس منه، واستقربه في المختلف واختاره في البيان والدروس. والذى وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالمسألة: منها رواية ابراهيم بن ميمون المتقدمة (1) الدالة على انه ان أعطيت قبل أن يخرج إلى العيد فهى فطرة وان كان بعد ما يخرج إلى العيد فهى صدقة. وما رواه الكليني بسند ليس فيه من ما ربما يطعن به إلا رواية محمد بن عيسى عن يونس عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام (2) في حديث قال فيه: " واعطاء الفطرة قبل الصلاة أفضل وبعد الصلاة صدقة ".


(1) و (2) الوسائل الباب 12 من زكاة الفطرة.


[ 302 ]

وما رواه الشيخ في صحيحة الفضلاء عن ابى جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام) (1) انهما قالا: " على الرجل أن يعطي عن كل من يعول من حر وعبد وصغير وكبير يعطى يوم الفطر قبل الصلاه فهو أفضل، وهو في سعة أن يعطيها من أول يوم يدخل من شهر رمضان إلى آخره ". وما رواه السيد رضى الدين بن طاووس في كتاب الاقبال (2) قال: " روينا باسنادنا إلى ابى عبد الله عليه السلام قال: ينبغى أن يؤدى الفطرة قبل أن يخرج الناس إلى الجبانة فإذا أداها بعد ما يرجع فانما هي صدقة وليست فطرة ". وما رواه العياشي في تفسيره عن سالم بن مكرم الجمال عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " اعط الفطرة قبل الصلاة وهو قول الله عزوجل: واقيموا الصلاة وآتوا الزكاة (4) وان لم يعطها حتى ينصرف من صلاته فلا تعد له فطرة ". وما ذكره عليه السلام في كتاب الفقه الرضوي (5) قال: " وهى زكاة إلى أن تصلى صلاة العيد فان أخرجتها بعد الصلاة فهى صدقة ". وما رواه الشيخ عن سليمان بن حفص المروزى (6) قال: " سمعته يقول ان لم تجد من تضع الفطرة فيه فاعز لها تلك الساعة قبل الصلاة.. الحديث ". وهذه الاخبار كما ترى ظاهرة الدلالة واضحة المقالة في القول الاول، وصاحب المدارك إنما استدل لهذا القول برواية ابراهيم بن ميمون ثم طعن فيها بجهالة الراوى مع استدلاله في المسألة السابقة بها ووصفه لها بالصحة إلى الراوى المذكور تنويها بشأنها وجبرا لنقصانها. اقول: ولفظ " ينبغى " في رواية الاقبال بمعنى الوجوب كما هو شائع في الاخبار، ويدل عليه قوله: " فإذا أداها بعد ما يرجع فهى صدقة " ولفظ " أفضل " في صحيحة الفضلاء ليس على بابه بل هو من قبيل لفظ " أفضل " أيضا في رواية عبد الله


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 12 من زكاة الفطرة (4) سورة البقرة الآية 41 و 78 و 105 (5) ص 25 (6) الوسائل الباب 9 و 13 من زكاة الفطرة


[ 303 ]

ابن سنان المصرحة بانها بعد الصلاة صدقة، غاية الامر انها دلت على جواز التقديم من أول الشهر رخصة أو قرضا على الخلاف الآتى بيانه ان شاء الله تعالى. احتج العلامة في المنتهى على ما اختاره من جواز تأخيرها بعد الصلاة وتحريم التأخير عن يوم العيد بصحيحة العيص بن القاسم (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفطرة متى هي ؟ فقال قبل الصلاة يوم الفطر. قلت فان بقى منه شئ بعد الصلاة ؟ فقال لا بأس نحن نعطى عيالنا منه ثم يبقى فنقسمه ". قال في المدارك بعد نقل هذه الرواية: ويدل عليه ايضا اطلاق قول الصادقين (عليهما السلام) في صحيحة الفضلاء " يعطى يوم الفطر فهو أفضل ". أقول: اما ما ذكره من الاستدلال بصحيحة الفضلاء فقد عرفت الجواب عنه، واما صحيحة العيص فصدرها ظاهر الدلالة في القول الاول، واما عجزها فهو محمول على العزل جمعا كما سيأتي في الاخبار (2) انك إذا عزلتها لا يضرك متى اخرجتها. وبذلك تجتمع مع الاخبار السابقة. ولا يخفى انه مع العمل على ما يدعى من ظاهر هذه الرواية وهو الامتداد إلى آخر النهار يلزم منه طرح الاخبار الاولة مع كثرتها وصراحة اكثرها في المدعى والعمل بالدليلين مهما أمكن أولى من طرح أحدهما، إلا ان الاصحاب لم ينقلوا في المسألة ما نقلناه من هذه الاخبار وإنما الدائر في كلامهم الاستدلال لهذا القول برواية ابراهيم بن ميمون خاصة. واما ما اختاره في المختلف من الامتداد إلى الزوال فانما استند فيه إلى صحيحة العيص بن القاسم وقوله فيها: " قبل الصلاة يوم الفطر " فحمل الصلاة على معنى وقت الصلاة، ووقت الصلاة عندهم ممتد إلى الزوال. وفيه أولا - انه وان كان المشهور بينهم امتداد وقت صلاة العيد إلى الزوال إلا انا لم نقف لهم على دليل يدل عليه غير مجرد ما يدعونه من اتفاقهم على ذلك،


(1) الوسائل الباب 12 من زكاة الفطرة (2) ص 307


[ 304 ]

والروايات كلها إنما دلت على ان وقتها بعد طلوع الشمس ولم نطلع على ما يدل على الامتداد إلى الزوال كما يدعونه. وثانيا - ان هذا التجوز وان تم له في هذه الرواية إلا انه لا يتم له في الروايات التى قدمناها المشتملة على التفصيل بقبل الخروج إلى الصلاة وبعد الرجوع من الصلاة فانه لا مجال لهذا التجوز بل يتعين حمل الصلاة على معناها الحقيقي. إلا انه قد روى السيد رضى الدين بن طاووس (عطر الله مرقده) في كتاب الاقبال نقلا من كتاب عبد الله بن حماد الانصاري عن ابى الحسن الاحمسي عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " أد الفطرة عن كل حر ومملوك.. إلى ان قال: قلت أقبل الصلاة أو بعدها ؟ قال: ان اخرجتها قبل الظهر فهى فطرة وان اخرجتها بعد الظهر فهى صدقة ولا تجزئك. قلت فاصلي الفجر واعزلها فامكث يوما أو بعض يوم ثم اتصدق بها ؟ قال لا بأس هي فطرة إذا اخرجتها قبل الصلاة.. الحديث ". والاقرب عندي ان لفظ " الظهر " في الخبر وقع سهوا من الراوى أو غلطا في النسخ وإنما هو " الصلاة " ويؤيده مفهوم قوله في آخر الخبر " هي فطرة إذا اخرجتها قبل الصلاة " الدال على انها بعد الصلاة ليست بفطرة، وبذلك يجمع بينه وبين الاخبار المتقدمة. وبذلك يظهر لك بطلان ما عدا القول الاول الذى عليه من بينها المعول. وهكذا حقق المقام ولا تصغ إلى ما زلت به اقدام اقلام اولئك الاعلام. الموضع

الثالث - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في جواز تقديم الفطرة، والمشهور بين الاصحاب انه لا يجوز التقديم إلا على جهة القرض ثم احتساب ذلك عن الفطرة في وقت وجوبها، ذهب إليه الشيخ المفيد في المقنعة والشيخ في الاقتصاد وابو الصلاح وابن ادريس والعلامة في بعض كتبه وغيرهم، وقيل بالجواز وهو قول الشيخ في المبسوط والخلاف وابنى بابويه، قال في المختلف:


(1) الوسائل الباب 5 من زكاة الفطرة


[ 305 ]

وقال ابنا بابويه: لا بأس باخراج الفطرة في اول يوم من شهر رمضان إلى آخره وأفضل وقتها آخر يوم من شهر رمضان، ذكره على بن بابويه في رسالته وابنه محمد في مقنعه وهدايته، قالا: وان ولد لك مولود يوم الفطر قبل الزوال فادفع عنه الفطرة وان ولد بعد الزوال فلا فطره عليه، وكذا إذا أسلم الرجل قبل الزوال أو بعده. والى القول بالجواز في المسألة مال المحقق في المعتبر أيضا والعلامة في التذكرة والمختلف وغيرهم. أقول: لم اقف في كتب الاخبار على ما يتعلق بهذه المسألة إلا على صحيحة الفضلاء المتقدمة قريبا (1) وقوله عليه السلام فيها " وهو في سعة أن يعطيها من أول يوم يدخل من شهر رمضان إلى آخره ". واما ما نقله في المختلف عن ابني بابويه هنا فهو مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي على عادتهما الجارية من نقلهما عبارات الكتاب المذكور والافتاء بها على وجه يظن الناظر انها من كلامهما. قال عليه السلام في الكتاب المذكور (2) وان ولد لك مولود يوم الفطر قبل الزوال فادفع عنه الفطرة وان ولد بعد الزوال فلا فطرة عليه، وكذا إذا أسلم الرجل قبل الزوال أو بعده فعلى هذا. ولا بأس باخراج الفطرة في أول يوم من شهر رمضان إلى آخره، وهى زكاة إلى أن يصلى صلاة العيد فان اخرجها بعد الصلاة فهى صدقة، وأفضل وقتها آخر يوم من شهر رمضان. انتهى كلامه عليه السلام. وظاهر الخبرين المذكورين الدلالة على الجواز، واصحاب القول الاول قد حملوا صحيحة الفضلاء على القرض. ولم اقف على حجة للقول الاول إلا ما نقله في المختلف حيث قال: احتج المانع بانها عبادة موقتة فلا يجوز فعلها قبل وقتها، ولانها زكاة منوطة بوقت فلا يجوز قبله إلا على وجه القرض كزكاة المال، ولانه لو جاز تقديمها في شهر


(1) ص 302 (2) ص 25


[ 306 ]

رمضان لجاز قبله لاشتراكهما في المصالح المطلوبة من التقديم بل هنا أولى، وما رواه العيص في الصحيح (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفطرة متى هي ؟ فقال قبل الصلاه يوم الفطر " ثم قال: والجواب عن الاولين بانا نقول بموجبه ونقول ان وقتها شهر رمضان كما تلوناه من حديث محمد بن مسلم وغيره. وعن الثالث بالفرق فان سبب الفطرة الصوم والفطر منه فجاز فعلها عند أحد السببين وهو دخول الصوم كما جاز عند حصول النصاب وان لم يحصل السبب الثاني وهو الحول، بخلاف تقديمها على رمضان فانه يكون تقديما على السببين معا وهو غير جائز، والرواية لا تدل على منعها في غيره. انتهى. اقول: اما الاحتجاج بانها عبادة موقتة فهو احتجاج صحيح والوقت المشار إليه هنا هو ما دلت عليه الاخبار التى قدمناها من كون وقتها قبل الصلاة وبعدها تصير صدقة، لانها قد اتفقت على ان وقت اخراجها ذلك وان التأخير إلى بعد الصلاة موجب لخروج الوقت، وإذا ثبت توقيتها بذلك امتنع تقديمها عليه لما تقدم في صحيحة عمر بن يزيد أو حسنته بابراهيم المتقدمة في الزكاة وعدم جواز تقدميها (2) انه ليس لاحد أن يصلى صلاة إلا لوقتها وكذلك لا يصومن أحد شهر رمضان إلا في شهره إلا قضاء، وكل فريضة انما تؤدى إذا حلت. ونحوها صحيحة زرارة (3) وقول العلامة (قدس سره) هنا في الجواب - ان وقتها شهر رمضان استنادا إلى صحيحة الفضلاء - ليس في محله إذ لا دلالة فيها على ازيد من انه موسع له في التقديم بعد أن ذكره إن وقتها قبل الصلاة كما قدمنا ذكره سابقا، وهذا التوسيع اما على سبيل الرخصة كما هو الاقرب أو التقديم قرضا كما ذكروه. وكذلك قوله عليه السلام في كتاب الفقه الرضوي: " ولا بأس باخراج الفطرة في أول يوم من شهر رمضان إلى آخره " مع قوله: " انها زكاة إلى أن يصلى صلاة العيد فان أخرجها


(1) الوسائل الباب 12 من زكاة الفطرة (2) و (3) ص 233


[ 307 ]

بعد الصلاة فهى صدقة " فان ظاهره ان وقتها هو قبل الصلاة وانه لا بأس بالتقديم والظاهر حمله على الرخصة. وبالجملة فالمسألة لا تخلو المذكورين على الرخصة. والاقرب هو القول الاول وحمل الخبرين المذكورين على الرخصة. والاحتياط لا يخفى الموضع.

الرابع - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في انه متى عزل الفطرة أي عينها في مال مخصوص قبل الصلاة فانه يجوز اخراجها حينئذ بعد ذلك وان خرج وقتها. ويدل عليه جملة من الاخبار: منها - ما رواه الصدوق في الحسن بابراهيم ابن هاشم عن صفوان عن اسحاق بن عمار (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفطرة ؟ قال: إذا عزلتها فلا يضرك متى اعطيتها قبل الصلاه أو بعدها.. الحديث " وما رواه الشيخ في الموثق عن ابن ابى عمير عن بعض اصحابه عن ابى عبد الله عليه السلام (2) " في الفطرة إذا عزلتها وأنت تطلب بها الموضع أو تنتظر بها رجلا فلا بأس به ". وعن اسحاق بن عمار وغيره (3) قال " سألته عن الفطرة ؟ قال إذا عزلتها فلا يضرك متى اعطيتها قبل الصلاه أو بعد الصلاة ". ورواية سليمان بن حفص المروزى (4) قال: " سمعته يقول ان لم تجد من تضع الفطرة فيه فاعزلها تلك الساعة قبل الصلاه.. الحديث ". وفي الصحيح عن زرارة عن ابى عبد الله عليه السلام (5) " في رجل اخرج فطرته فعزلها حتى يجد لها أهلا ؟ فقال إذا أخرجها من ضمانه فقد برئ وإلا فهو ضامن لها حتى يؤديها إلى أربابها ". قال بعض الفضلاء بعد ذكر صحيحة زرارة المذكورة: ولعل المراد انه إذا اخرج الفطرة التى عزلها إلى مستحقها فقد برئ وإلا فهو ضامن لها حتى يؤديها،


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 13 من زكاة الفطرة


[ 308 ]

بمعنى انه مكلف بايصالها إلى مستحقها لا كونه بحث يضمن المثل أو القيمة مع التلف، لانها بعد العزل تصير امانة في يد المالك. ويحتمل ارجاع الضمير في قوله " اخرجها " إلى مطلق الزكاة ويكون المراد باخراجها عن ضمانه عزلها، والمراد انه إذا عزلها فقد برئ من ما عليه من التكليف بالعزل وإلا فهو ضامن لها مكلف بادائها إلى ان يوصلها إلى اربابها. وكأن المعنى الاول أقرب. انتهى. اقول: ويحتمل أن يكون المراد باخراجها من ضمانه إنما هو العزل، فكأنه قال: إذا عزلها فقد برئ يعنى برئت ذمته لانها خرجت من ذمته وصارت في يده من قبيل الامانة إلى ان يدفعها إلى أهلها. والضمان عبارة عن شغل الذمة بها فإذا عزلها فقد برئت الذمة منها وان لم يعزلها فالذمة مشغولة بها حتى يؤديها، غاية الامر انه لو خرج الوقت سقط الاداء وبقى شغل الذمة. ولعل ما ذكرناه هو الاقرب في معنى الخبر لانه أقل تكلفا من المعنيين الاولين. وظاهر اطلاق كلام الاصحاب يقتضى جواز العزل وان وجد المستحق وهو الظاهر من اطلاق الرواية الاولى والثالثة، ولا منافاة في الخبرين الاخيرين لذلك لانهما دلا على جواز العزل في هذه الصورة ولا دلالة فيهما على الحصر وعدم جوازه في غير ذلك. واما اختلافهم في كون الاخراج بعد الوقت مع العزل اداء أو قضاء فلا ثمرة مهمة تتعلق به عندنا. هذا كله على تقدير العزل واما لو لم يعزلها وخرج الوقت الموظف لها فهل تسقط بالكية أم لا ؟ وعلى الثاني تعطى اداء أو قضاء ؟ أقوال: أو لها منقول عن الشيخ وابنى بابويه وابى الصلاح وابن البراج وابن زهرة وادعى ابن زهرة الاجماع عليه واختاره المحقق، والقول الثاني لجملة من الاصحاب: منهم الشيخ والعلامة وابن ادريس وغيرهم، والمشهور بينهم انها قضاء ونقل عن ابن ادريس انها اداء. احتج الاولون بما تقدم في رواية ابراهيم بن ميمون الدالة على انها قبل الصلاة


[ 309 ]

زكاة وبعد الصلاة صدقة، قالوا: والتفصيل قاطع للشركة والعلامة حيث ذهب في المختلف إلى وجوب الاخراج وانها تكون قضاء قال: فهنا مقامان:

المقام الاول - وجوب الاخراج والخلاف فيه مع المفيد وابنى بابويه وابى الصلاح وابن البراج، لنا - انه لم يأت بالمأمور به فيبقى في عهدة التكليف إلى أن يأتي به، ولان المقتضى للوجوب قائم والمانع لا يصلح للمانعية، اما الاول فللعموم الدال على وجوب اخراج الفطرة عن كل رأس صاع، واما الثاني فلان المانع ليس إلا خروج وقت الاداء لكنه لا يصلح للمعارضة إذ خروج الوقت لا يسقط الحق كالدين وزكاة المال والخمس وغيرها، وما رواه زرارة في الصحيح عن الصادق عليه السلام (1) " في رجل أخرج فطرته فعزلها حتى يجد لها أهلا ؟ فقال إذا أخرجها من ضمانه فقد برئ وإلا فهو ضامن لها حتى يؤديها إلى اربابها ".. إلى أن قال: المقام الثاني - انها تكون قضاء والخلاف فيه مع ابن ادريس، لنا انها عبادة موقتة بوقت وقد خرج وقتها فتكون قضاء إذا المراد بالقضاء ذلك. احتج ابن ادريس بان الزكاة المالية والرأسية تجب بدخول وقتها فإذا دخل وجب الاداء ولا يزال الانسان مؤديا لها لان بعد دخول وقتها هو وقت الاداء في جميعه. والجواب المنع لان لوقتها طرفين أولا وآخرا بخلاف زكاة المال ولولا ضبط أولها وآخرها لما تضيقت عند الصلاة، لان بعد الصلاة يكون الوقت باقيا في زعمه، ولانه لو كان الوقت باقيا لوجبت الفطرة على من بلغ بعد الزوال كما تجب الصلاة لو بلغ والوقت باق. انتهى كلامه زيد اكرامه. اقول: ما ذكره من الدليل في المقام الاول منظور فيه من وجوه: احدها - دعوى العموم الدال على وجوب اخراج الفطرة فانه ممنوع بما اعترف به في رده على ابن ادريس من التقييد بالوقت، فوجوب اخراج الفطرة مقيد بذلك الوقت المخصوص. بذلك يظهر بطلان قوله " لان المقتضى للوجوب قائم "


(1) الوسائل الباب 13 من زكاة الفطرة


[ 310 ]

وثانيها - قوله: " المانع لا يصلح للمانعية " فان فيه انه قد صرح جملة من المحققين بان الامر بالاداء لا يتناول القضاء بل يحتاج القضاء إلى أمر جديد. وبه يظهر ما في قوله: " إذ خروج الوقت لا يسقط الحق ". وثالثها - قياسه ذلك على الدين والزكاة المالية والخمس فانه قياس محض، مع كونه قياسا مع الفارق فان هذه الاشياء التى ذكرها ليست من قبيل الواجب الموقت بخلاف الفطرة كما عرفت. ورابعها - ان الرواية على ما قدمناه من الاحتمالات فيها إنما تدل على وجوب الاخراج مع العزل وهو غير محل النزاع. واما ما ذكره في الرد على ابن ادريس فهو جيد، قال المحقق في المعتبر بعد نقل كلام ابن ادريس: وهذا ليس بشئ لان وجوبها موقت فلا يتحقق وجوبها بعد الوقت. وبما ذكرناه يظهر ان القول بالسقوط هو الذى عليه العمل كما استفاضت به الاخبار التى قدمناها. ثم انه قد ذكر الاصحاب انه لو عزلها واخر دفعها مع الامكان فانه يكون ضامنا ولا معه لا يضمن، وهو من ما لا ريب فيه لانها بعد العزل تكون امانة في يده فلا يضمنها إلا بالتعدي أو التفريط المتحقق بتأخير الدفع إلى المستحق مع امكانه. واما جواز الحمل إلى بلد آخر فهو مبنى على عدم وجود المستحق في البلد فلو حمل مع وجوده كان ضامنا ولا معه لا ضمان كما تقدم في الزكاة المالية.

الفصل الرابع - في مصرفها والمشهور في كلام الاصحاب ان مصرفها مصرف الزكاة المالية من الاصناف الثمانية. واستدل عليه في المنتهى بانها زكاة فتصرف إلى ما يصرف إليه سائر الزكوات وبانها صدقة فتدخل تحت قوله تعالى " انما الصدقات للفقراء والمساكين.. الآية (1) "


(1) سورة التوبة الآية 61


[ 311 ]

وظاهرهم سقوط سهم المؤلفة والعاملين من هذه الصدقة والتخصيص بالستة الباقية، قال في المعتبر: وهى لستة أصناف: الفقراء والمساكين والرقاب والغارمون وسبيل الله وابن السبيل. وقال الشيخ المفيد (قدس سره) في المقنعة: ومستحق الفطرة هو من كان على صفات مستحق الزكاة من الفقر أولا ثم المعرفة والايمان وظاهر هذا الكلام اختصاصها بفقراء المؤمنين ومساكينهم. ويدل عليه ظواهر جملة من الاخبار كصحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (1) في حديث قال: " عن كل انسان نصف صاع من حنطة أو شعير أو صاع من تمر أو زبيب لفقراء المسلمين ". ورواية الفضيل عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " قلت له لمن تحل الفطرة ؟ قال لمن لا يجد ". وفي رواية زرارة (3) " قلت له هل على من قبل الزكاة زكاة ؟ قال اما من قبل زكاة المال فان عليه الفطرة وليس على من قبل الفطرة فطرة ". وفي رواية يونس بن يعقوب عن ابى عبد الله عليه السلام (4) قال: " سألته عن الفطرة من أهلها الذين تجب لهم ؟ قال من لا يجد شيئا ". وكيف كان فلا ريب ان الوقوف مع ظواهر هذه الاخبار هو الاحوط.

مسائل:

الاولى - المشهور بين الاصحاب انه لا يجوز ان يعطى الفقير اقل من صاع صرح به الشيخ المفيد وابنا بابويه والشيخ والسيد المرتضى وابن ادريس وابن حمزة وسلار وابن زهرة والعلامة وغيرهم، بل قال المرتضى في الانتصار: من ما انفردت به الامامية القول بانه لا يجوز ان يعطى الفقير الواحد أقل من صاع، وباقى الفقهاء


(1) الوسائل الباب 6 من زكاة الفطرة (2) و (3) الوسائل الباب 2 من زكاة الفطرة (4) الوسائل الباب 14 من زكاة الفطرة


[ 312 ]

يخالفون في ذلك (1). واستدل الاصحاب على ذلك بما رواه الشيخ في التهذيب عن الحسين بن سعيد في الصحيح عن بعض أصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " لا تعط أحد أقل من راس ". قال المحقق في المعتبر - بعد نقل مذهب الاصحاب ونقله إطباق الجمهور على خلافه وذكر حجة الجمهور على جواز تفريق الصاع الواحد ما صورته: فان احتج المانعون منا بما رواه احمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " لا يعطى أحد أقل من رأس " قلت: الرواية مرسلة فلا تقوى ان تكون حجة، والاولى أن يحمل ذلك على الاستحباب تفصيا من خلاف الاصحاب ويدل على جواز الشركة ما رواه اسحاق بن المبارك (4) قال: " سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن صدقة الفطرة قلت اجعلها فضة واعطيها رجلا واحدا أو اثنين ؟ قال تفريقها أحب إلى " فاطلق استحباب التفرقة من غير تفصيل. انتهى. وتبعه في القول بالاستحباب جمع من متأخرى المتأخرين: منهم السيد السند في المدارك بل الظاهر انه أولهم، وتبعه الفاضل الخراساني في الذخيرة. أقول: العجب من هذا المحقق (قدس سره) وعدم وقوفه على قاعدة، فانه في كتابه المشار إليه في غير موضع كما لا يخفى على من راجعه كثيرا ما يذكر الاخبار لضعيفة ويعمل بها مستندا إلى فتوى الاصحاب بها وقولهم بمضونها فكيف خالف نفسه هنا ؟ والحال انه لا مخالف في الحكم قبله كما هو صريح كلام العلامة في المختلف حيث قال - بعد ان نقل عن ظاهر الشيخ في التهذيب الاستحباب - ما صورته: لنا - انه قوله فقهائنا ولم نقف لهم على مخالف فوجب المصير إليه، وما رواه احمد بن محمد عن بعض أصحابنا عن ابى عبد الله عليه السلام قال: " لا تعط أحدا أقل من رأس،


(1) المغنى ج 3 ص 79 (2) و (3) الوسائل الباب 16 من زكاة الفطرة (4) التهذيب ج 1 ص 373 وفى الوسائل الباب 9 و 16 من زكاة الفطرة باختلاف في اللفظ


[ 313 ]

(لا يقال) هذا الحديث مرسل فلا نعمل عليه (لانا نقول) الحجة في قول الفقهاء فانه يجرى مجرى الاجماع، وإذا تلقت الامة الخبر بالقبول لم يحتج إلى سند. ثم نقل احتجاج الشيخ برواية اسحاق بن المبارك المذكورة في كلام المحقق وانه عليه السلام اطلق استحباب التفرقة من غير تفصيل. ثم قال: والجوب انه ليس دالا على المطلوب إذ لا تقدير فهى لاعطاء الفقير، وترك التفصيل لا يدل على صورة النزاع بالخصوص إذا قام هناك معارض. قال الشيخ في الاستبصار: يحتمل هذه الحديث اشياء: منها ان جواز التفريق في حال التقية لان مذهب جميع العامة يوافق ذلك ولا يوافقنا على وجوب اعطاء رأس لرأس واحد. ومنها - انه ليس في الخبر تجويز تفريق رأس واحد فيجوز أن يكون اشارة إلى من وجبت عليه عدة اصواع. ومنها - ان عند اجتماع المحتاجين وأن لا يكون هناك ما يفرق عليهم يجوز تفريق الرأس الواحد. وكلامه (قدس سره) هنا يدل على وجوب اعطاء رأس لرأس ولم يتعرض للتأويل بالاستحباب كما ذكره في التهذيب. وما ذكره من المحامل الثلاثة جيد ولا سيما المحملين الاولين. ثم العجب ايضا من المحقق ومن تبعه في المقام انه مع ثبوت تعارض الخبرين المذكورين واعترافهم باطباق العامة على جواز التشريك في صاع كيف عملوا بخبر التشريك الموافق للعامة واطرحوا ما قابله ردا على أئمتهم في ما وضعوه لهم من القواعد عند اختلاف الاخبار وهو عرض الخبرين على مذهب العامة والاخذ بما خالفهم كما استفاضت به نصوصهم (1) فليت شعرى لمن أخرجت هذه الاخبار ومن خوطب بها غيرهم وهم قد القوها وراء ظهورهم ؟ فتراهم في جميع أحكام الفقه لا يلمون بشئ من تلك القواعد بل مهدوا لانفسهم قاعدة الجمع بين الاخبار بالكراهة والاستحباب التى لم يرد به سنة ولا كتاب، نسأل الله تعالى المسامحة لنا ولهم من هفوات الاقلام وزلات الاقدام.


(1) الوسائل الباب 9 من صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به


[ 314 ]

هذا. وما علل به مصيره إلى الاستحباب من التفصى من خلاف الاصحاب فهو أوهن من بيت العنكبوت وانه لاوهن البيوت، واى مخرج له في القول بالاستحباب عن مخالفة الاصحاب إذا كان القول بالاستحباب مؤذنا بجواز التشريك في صاع والاصحاب قائلون بتحريم التشريك فاى تفص هنا من خلافهم ؟ ما هذه إلا عجيب منه وممن تبعه في هذا الباب. قال الصدوق (قدس سره) في كتاب من لا يحضره الفقيه - بعد نقل رواية اسحاق بن عمار الدالة على انه لا بأس ان يعطى الرجل الرجل عن رأسين وثلاثة واربعة يعنى في الفطرة - ما صورته: وفي خبر آخر " لا بأس بان تدفع عن نفسك وعن من تعول إلى واحد ولا يجوز أن تدفع ما يلزم واحدا إلى نفسين " وهذه العبارة كملا نقلها في الوسائل على انها من الخبر المشار إليه، وصاحب الوافى نقلها إلى ما قبل قوله " ولا يجوز " بناء على ان " ولا يجوز " من كلام المصنف وهو الظاهر إلا ان هذه العبارة إنما أخذها المصنف من كتاب الفقه الرضوي وافتى بها كما عرفت في غير موضع منه ومن ابيه في رسالته إليه، حيث قال عليه السلام (1) " ولا يجوز ان تدفع ما يلزم واحدا إلى نفسين " واما العبارة التى قبلها في الفقيه فلم يتعرض لها عليه السلام في الكتاب، وحينئذ فتكون هذه الرواية عاضدة لمرسلة الحسين بن سعيد المتقدمة صريحة في التحريم. وبذلك يظهر ان الاصح هو القول المشهور وان من خالف في ذلك فهو مجرد اجتهاد في مقابلة النصوص.

الثانية - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في جواز دفع الفطرة إلى غير المؤمن من المستضعفين، فقيل بعدم الجواز وهو مذهب الشيخ المفيد والمرتضى وابن الجنيد وابن ادريس وجمع من الاصحاب، وقيل بالجواز ذهب إليه الشيخ واتباعه. والذى يدل على الاول صحيحة اسماعيل بن سعد الاشعري عن الرضا


(1) ص 25


[ 315 ]

عليه السلام (1) قال: " سألته عن الزكاة هل توضع في من لا يعرف ؟ قال لا ولا زكاة الفطرة " وما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن عيسى (2) قال: " كتب إليه ابراهيم ابن عقبة يسأله عن الفطرة كم هي برطل بغداد عن كل رأس ؟ وهل يجوز اعطاؤها غير مؤمن ؟ فكتب عليه السلام.. إلى أن قال: ولا ينبغى لك أن تعطى زكاتك إلا مؤمنا ". وما رواه الصدوق في كتاب عيون أخبار الرضا باسانيده عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام (3): " انه كتب إلى المأمون: وزكاة الفطرة فريضة.. إلى ان قال: ولا يجوز دفعها إلا إلى أهل الولاية ". ويدل على الثاني ما رواه الصدوق في الصحيح عن على بن يقطين (4) " انه سأل أبا الحسن الاول عليه السلام عن زكاة الفطرة أيصلح أن تعطى الجبران والظؤورة ممن لا يعرف ولا ينصب ؟ قال لا بأس إذا كان محتاجا ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن عيسى (5) قال: " حدثنى على بن بلال - وأرانى قد سمعته من على بن بلال - قال: كتبت إليه هل يجوز أن يكون الرجل في بلدة ورجل من اخوانه في بلدة اخرى محتاج أن يوجه له فطرة أم لا ؟ فكتب يقسم الفطرة على من حضر ولا يوجه ذلك إلى بلدة اخرى وان لم يجد موافقا ". وعن الفضيل في الموثق عن ابى عبد الله عليه السلام (6) قال: " كان جدى عليه السلام يعطى فطرته الضعفة ومن لا يجد ومن لا يتولى. قال وقال أبو عبد الله عليه السلام: هي لاهلها إلا أن لا تجدهم فان لم تجدهم فلمن لا ينصب، ولا تنقل من أرض إلى ارض. وقال: الامام أعلم يضعها حيث يشاء ويصنع فيها ما يرى ". وعن اسحاق بن عمار في الموثق عن ابى ابراهيم عليه السلام (7) قال: " سألته عن


(1) الوسائل الباب 5 من المستحقين للزكاة (2) الوسائل الباب 6 من زكاة الفطرة (3) الوسائل الباب 14 من زكاة الفطرة (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 15 من زكاة الفطرة


[ 316 ]

صدقة الفطرة اعطيها غير أهل ولايتى من فقراء جيراني ؟ قال: نعم الجيران أحق بها لمكان الشهرة ". ورواية مالك الجهنى (1) قال: " سألت أبا جعفر عليه السلام عن زكاة الفطرة فقال: تعطيها المسلمين فان لم تجد مسلما فمستضعفا ". اقول: هذا ما وقفت عليه من أخبار المسألة من ما يتعلق بكل من القولين، والجمع بينها ممكن باحد وجهين: اما حمل الاخبار الاخيرة على التقية كما يشير إليه قوله عليه السلام في موثق اسحاق بن عمار " الجيران أحق بها لمكان الشهرة " أي خوف ان يشهروه ويطعنوا عليه بالرفض إذا لم يعطهم، واما حملها على ما إذا لم يجد المؤمن كما يشعر به قوله عليه السلام في رواية الفضيل " هي لاهلها إلا أن لا تجدهم ". ويمكن أن يقال ان موثقة اسحاق بن عمار ليس فيها تصريح بكون الدفع إلى المستضعف وإنما تضمنت غير أهل الولاية، فيمكن حملها على النصاب وانه يجوز الدفع تقية سيما من حيث كونهم جيرانا وخوف الشهرة، وحينئذ فتخرج هذه الرواية عن محل البحث وينحصر الجمع بين اخبار المسألة في الوجه الثاني وهو إذا لم يجد المؤمن. قال في المعتبر بعد نقل أخبار الطرفين: والرواية المانعة أشبه بالمذهب لما قررته الامامية من تضليل مخالفيها في الاعتقاد وذلك يمنع الاستحقاق. انتهى. اقول: ينبغى أن يعلم ان المراد بالمستضعف هنا هو الجاهل بالامامة وهؤلاء في وقت الائمة (عليهم السلام) اكثر الناس لاستفاضة الاخبار عنهم (عليهم السلام) بتقسيم الناس يومئذ إلى مؤمن وكافر ومستضعف (2) والمراد بالمؤمن هو المقر بامامة الائمة (عليهم السلام) والكافر هو المنكر لها وهم المرادون بالنصاب، والاولان من أهل الوعدين بالجنة والنار والثالث من المرجئين لامر


(1) الوسائل الباب 15 من زكاة الفطرة (2) الاصول ج 2 ص 401 إلى 408


[ 317 ]

الله اما يعذبهم واما يتوب عليهم، وهؤلاء مسلمون يجوز مناكحتهم وموارثتهم ويحكم بطهارتهم وحقن اموالهم ودمائهم، ويفهم من بعض الاخبار انهم يدخلون الجنة بعفو الله من حيث عدم انكارهم الامامة ونصبهم، فلا استبعاد في ما دلت عليه هذه الاخبار من جواز اعطائهم من الفطرة مع عدم المؤمن. إلا أن هذا الفرد من الناس في هذه الاوقات الاخيرة بعد عصرهم (عليهم السلام) وما قاربه من ما لا يكاد يوجد لاشتهار صيت الامامة والخلاف فيها بين الامة. ولتحقيق هذا المقام محل آخر وقد أودعناه كتابنا الموسوم بالشهاب الثاقب في معرفة الناصب وما يترتب عليه من المطالب.

الثالثة - قد تقدم في الباب الاول تحريم الصدقة الواجبة على بنى هاشم إلا في حال الضرورة أو صدقة بعضهم على بعض، والحكم في الفطرة كذلك أيضا لدخولها في عموم تلك الاخبار من غير خلاف يعرف. نعم يبقى الكلام هنا في شئ لم اقف على من تعرض للتنبيه عليه وهو انه لو كانت الفطرة واجبة على عامى لعيلولته جماعة من السادة أو سيد لعيلوته جماعة من غير السادة فهل الاعتبار هنا في جواز دفع الزكاة للسيد بناء على جواز أخذه زكاة مثله بالمعيل أو المعال ؟ فعلى الاول يجوز في الصورة الثانية دون الاولى وعلى الثاني يجوز في الاولى دون الثانية. والذى يقرب عندي هو ان الاعتبار بالمعال لانه هو الذى تضاف إليه الزكاة فيقال فطرة فلان وان وجب اخراجها عنه على غيره لمكان العيلولة واضيفت إليه أيضا من هذه الجهة وإلا فهى أولا وبالذات إنما تضاف إلى المعال. ومن ما يؤيد ما قلناه قول الصادق عليه السلام (1) لمعتب " اذهب فاعط عن عيالنا الفطرة واعط عن الرقيق واجمعهم ولا تدع منهم أحدا فانك ان تركت منهم انسانا تخوفت عليه الفوت " فانه ظاهر كما ترى في كون الزكاة الواجب عليه عليه السلام


(1) الوسائل الباب 5 من زكاة الفطرة


[ 318 ]

اخراجها إنما هي زكاة الغير وفطرته وهم عياله وإنما وجبت عليه من حيث العيلولة فهى منسوبة إليهم ومتعلقة بهم ولهذا خاف عليهم الفوت مع عدم اخراجها عنهم. ونحو ذلك صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع (1) قال: " بعثت إلى ابى الحسن الرضا عليه السلام بدراهم لى ولغيري وكتبت إليه أخبره انها من فطرة العيال فكتب بخطه: قبضت وقبلت ". وصحيحة الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " صدقة الفطرة على كل رأس من أهلك: الصغير والكبير والحر والمملوك والغنى والفقير، عن كل انسان نصف صاع.. الحديث " ومعنى قوله: " على كل رأس " إما بمعنى عن كل رأس أو بمعنى ثبوتها على كل رأس وان كان وجوب الاخراج على المعيل من حيث العيلولة لا من حيث ان أصل الوجوب متعلق به. وبالجملة فالمفهوم من هذه الاخبار ان هذه الزكاة التى وجب على المعيل دفعها إنما هي زكاة المعال وان تعلقت به من حيث العيلولة، ولهذا لو سئل عن تفصيلها لقال هذه زكاتي وهذه زكاة زوجتى وهذه زكاة ابني وهذه زكاة خادمي ونحو ذلك. ومن ما يؤيد ما قلناه ما ورد من العلة في تحريم الزكاة على بنى هاشم من ان الزكاة أوساخ الناس (3) اشارة إلى قوله عز وجل: " خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " (4) فكأنها مثل الماء الذى يغسل به الثوب الوسخ فينتقل الوسخ إلى الماء، وهذا المعنى إنما يناسب المعال من جهة حديث معتب الدال على ان من لم يخرج عنه الزكاة يخاف عليه الموت، فهى في قوة المطهرة له والدافعة للبلاء عنه ولا مدخل للمعيل في ذلك.


(1) الوسائل الباب 9 من زكاة الفطرة (2) الوسائل الباب 5 و 6 من زكاة الفطرة (3) الوسائل الباب 29 من المستحقين للزكاة، والمحلى ج 1 ص 146 وبدائع الصنائع ج 2 ص 49 والمغنى ج 2 ص 655 والمجوع ج 6 ص 227 ونيل الاوطار ج 4 ص 182 (4) سورة التوبة الآية 105


[ 319 ]

نظير هذه المسألة ما تقدم في دفع المقرض زكاة مال القرض عن المقترض بشرط كان أو تبرعا، وكذا شرط دفع زكاة قيمة المبيع كما في حديثى الباقر عليه السلام مع هشام بن عبد الملك (1) فان الاعتبار بمن وجبت عليه وهو المقترض والبائع لا بمن وجب عليه اعطاؤها بالشرط أو التبرع، ولا فرق بين ما نحن فيه وبين صورة الشرط إلا من حيث ان وجوب الدفع هنا من حيث العيلولة وثمة من حيث الشرط وإلا فاصل الزكاة إنما تعلق بالمعال في ما نحن فيه وبالمشترط ثمة. (لا يقال) ان في المعال من لا يجب عليه الاخراج مثل الصغير والعبد والفقير (لا نا نقول) الوجوب في ما نحن فيه نوع آخر غير وجوب الاخراج على من استكمل الشرائط المقررة في محلها، ولا يلزم في من وجب الاخراج عنه ان يكون ممن يجب الاخراج عليه لو لا العيلولة، وذلك فانه بالعيلولة حصل هنا أمران: أحدهما تعلق الزكاة بالمعال، والآخر وجوب الاخراج على المعيل. إذ لا يعقل وجوب الاخراج عن احد ما لم يستقر على المخرج عنه ويثبت عليه. وكيف كان فالمسألة لخلوها عن النص الصريح من ما ينبغى أن لا يترك فيها الاحتياط. والله العالم.

الرابعة - " المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) استحباب حملها إلى الامام عليه السلام مع وجوده ومع عدمه فالى فقهاء الامامية المستكملين لشروط النيابة عنه عليه السلام وظاهر كلام الشيخ المفيد (قدس سره) في المقنعة الوجوب، واستدل الاصحاب على ما ذكروه بانهم أبصر بمواقعها، لان في ذلك جمعا بين براءة الذمة واداء الحق. والاظهر في الاستدلال على ذلك ما تقدم في رواية على بن ابى راشد (2) قال: " سألته عن الفطرة لمن هي ؟ قال للامام. قال: فقلت فاخبر اصحابي ؟ قال نعم من أردت تطهيره منهم.. الحديث " وقوله عليه السلام: " من أردت تطهيره منهم " اشارة إلى الآية " خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " (3) وما تقدم في سابق هذه المسألة من قوله عليه السلام في رواية الفضيل: " الامام أعلم يضعها حيث يشاء ويصنع فيها ما يرى " واما ما ذكره شيخنا المفيد فترده الاخبار الدالة على تولى المالك صرفها بنفسه أو نائبه.


(1) ص 42، والثانى مع سليمان بن عبد الملك (2) الوسائل الباب 9 من زكاة الفطرة. واللفظ " من اردت أن تطهره منهم " (3) سورة التوبة الآية 105


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>