
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء الثاني عشر
كتاب الخمس
وما يتبعه وفيه فصول:
الفصل الأول
في ما يجب فيه الخمس
وظاهر كلام جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) حصره في سبعة: غنائم دار الحرب والمعادن والكنوز والغوص والمكاسب وارض الذمي التى اشتراها من مسلم والحرام المختلط بالحلال، قال في المدارك: وهذه الحصر استقرائي مستفاد من تتبع الادلة الشرعية وذكر الشهيد في البيان ان هذه السبعة كلها مندرجة في الغنيمة. ويدل عليه صريحا قوله عليه السلام في كتاب الفقه الرضوي (1) بعد ذكر الآية وهى قوله عزوجل: " واعلموا أنما غنمتم.. الآية " (2): " وكل ما أفاده الناس فهو غنيمة لا فرق بين الكنوز والمعادن والغوص.. إلى آخره " وسيأتى نقله بتمامه ان شاء الله تعالى في الفصل الثاني. وما رواه في الكافي في الموثق عن سماعة (3) قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الخمس فقال في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير ". وما رواه فيه وفى التهذيب عن حكيم مؤذن بنى عبس (4) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شئ فان لله خمسه
(1) مستدرك الوسائل الباب 6 من ما يجب فيه الخمس (2) سورة الانفال الآية 43 (3) الوسائل الباب 8 من ما يجب فيه الخمس (4) الوسائل الباب 4 من الانفال وما يختص بالامام
[ 321 ]
وللرسول ولذي القربى (1) فقال أبو عبد الله عليه السلام بمرفقيه على ركبتيه ثم أشار بيده ثم قال: هي والله الافادة يوما بيوم إلا ان ابى جعل شيعته في حل ليزكيهم ". وصحيحة على بن مهزيار الطويلة عن الجواد عليه السلام (2) وستأتى ان شاء الله تعالى بطولها في موضعها، وهى متضمنة لتفسير الآية بذلك، إلى غير ذلك من الاخبار التى يقف عليها المتتبع.
وحينئذ فالكلام في هذا الفصل يقع في مقامات سبعه:
الاول في غنائم دار الحرب، قالوا: وهى ما حواه العسكر وما لم يحوه من أرض وغيرها ما لم يكن غصبا من مسلم أو معاهد قليلا كان أو كثيرا، ونقل عن الشيخ المفيد في المسائل الغرية انه قال: والخمس واجب في ما يستفاد من غنائم الكفار والكنوز والعنبر والغوص، فمن استفاد من هذه الاربعة الاصناف عشرين دينارا أو ما قيمته ذلك كان عليه أن يخرج منه الخمس. وظاهره انه لا بد من بلوغ قيمة الغنيمة عشرين دينارا فما زاد أو كونها كذلك. والمشهور ما تقدم، وهو ظاهر اطلاق الادلة ومنها الآية الشريفة، ومنها قوله عليه السلام في مرسلة حماد الطويلة (3) وستأتى ان شاء الله تعالى في موضعها " الخمس من خمسة أشياء: من الغنائم والغوص ومن الكنوز ومن المعادن.. الحديث " وصحيحة عبد الله بن سنان (4) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة ". وصحيحة ربعى بن عبد الله بن الجارود عن ابى عبد الله عليه السلام (5) قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أتاه المغنم أخذ صفوه وكان ذلك له ثم يقسم ما بقى خمسة
(1) سورة الانفال الآية 43 (2) الوسائل الباب 8 من ما يجب فيه الخمس (3) و (5) الوسائل الباب 1 من قسمة الخمس (4) الوسائل الباب 2 من ما يجب فيه الخمس
[ 322 ]
اخماس. الحديث، وسيأتى ان شاء الله تعالى في محله، إلى غير ذلك من الاخبار الآتية ان شاء الله تعالى. ولم نقف للشيخ المفيد (رضى الله عنه) هنا على دليل. ثم ان ما دل عليه صحيحة عبد الله بن سنان من حصر الخمس في الغنائم قد حمله الشيخ (قدس سره) تارة على ان معناه ليس الخمس بظاهر القرآن إلا في الغنائم خاصة لان ما عدا الغنائم الذى أو جبنا فيه الخمس إنما يثبت ذلك بالسنة وتارة بشمول الغنائم لكل ما وجب فيه الخمس، والاول منهما في التهذيب والثانى في الاستبصار وهو الاقرب، فيكون تفسيره للآية الشريفة بالعموم كما تقدم ذكره، وحينئذ فيكون الحصر بالنسبة إلى ما يدخل في الملك بالشراء كما لو اشترى جارية أو دارا أو طعاما أو نحو ذلك فانه لا خمس فيه إذ لا يعد ذلك غنيمة. بقى هنا شئ وهو انه قال شيخنا الشهيد في الدروس: ويجب في سبعة: الاول - ما غنم من دار الحرب على الاطلاق إلا ما غنم بغير اذن الامام عليه السلام فله، أو سرق أو اخذ غلية فلآخذه. وظاهره ان جميع ما يؤخذ من دار الحرب فهو غنيمة إلا انه متى كان بغير اذن الامام فانه يكون للامام عليه السلام وهو على اطلاقة مشكل لان الظاهر من الاخبار وكلام الاصحاب ان الذى يكون للامام عليه السلام متى كان بغير اذنه إنما هو ما يؤخذ على وجه الجهاد والتكليف بالاسلام كما يقع من خلفاء الجور وجهادهم الكفار على هذا الوجه لا ما أخذ جهرا وغلبة وغصبا ونحو ذلك من ما لم يكن سرقة ولا غيلة فانه يكون غنيمة بغير اذنه عليه السلام ويكون له، فانه لا دليل عليه ولا قائل به في ما اعلم. والرواية التى أوردها الاصحاب دليلا على الحكم المذكور وهى رواية العباس الوراق عن رجل سماه عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " إذا غزا قوم بغير اذن الامام فغنموا كانت الغنيمة كلها للامام وإذا غزوا بامر الامام فغنموا كان للامام عليه السلام الخمس " - موردها كما ترى إنما هو ما ذكرناه، وفي عبارات الاصحاب في معنى
(1) الوسائل الباب 1 من الانفال وما يختص بالامام
[ 323 ]
الغنيمة بانها ما حواه العسكر ما يشعر بما قلناه. واما ما ذكره - من أن ما أخذ غيلة أو سرق فهو لآخذه ولا يجب فيه الخمس لانه لا يسمى غنيمة - فهو أحد القولين، وقيل بوجوب الخمس فيه. قال في المدارك: ويدل عليه فحوى ما رواه الشيخ في الصحيح عن حفص بن البخترى عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " خذ مال الناصب حيثما وجدته وادفع الينا الخمس " وعن ابى بكر الحضرمي عن المعلى (2) قال: " خذ مال الناصب حيثما وجدته وابعث الينا بالخمس ". اقول: وفي هذه الاستدلال نظر لان مورد الروايتين الناصب لا أهل الحرب، وهذا الفحوى الذى ادعاه لا يخرج عن القياس إذ الخروج عن مورد الدليل إلى فرد آخر مغاير له لا معنى له. ولعله (قدس سره) تبع هنا كلام ابن ادريس في السرائر حيث قال بعد أن أورد صحيحة حفص المذكورة ورواية المعلى ما صورته: قال محمد بن ادريس المعنى بالناصب في هذين الخبرين أهل الحرب لانهم ينصبون الحرب للمسلمين وإلا فلا يحل أخذ مال مسلم ولا ذمى على وجه من الوجوه. انتهى. ولا يخفى ما فيه من الضعف والقصور: (اما أولا) فان اطلاق الناصب على أهل الحرب خلاف المعروف لغة وعرفا وشرعا، فان الناصب لغة هو المبغض لعلى عليه السلام كما نص عليه في القاموس وان كان أصل معنى النصب العدواة إلا انه صار مختصا بالمبغض له (عليه السلام) واما في الشروع فالاحاديث الدالة عليه اكثر من أن تحصى كما لا يخفى على من أحاط بها خبرا والعرف ظاهر في ذلك، وأى داع إلى حمله على هذا المعنى البعيد الشارد وحمله على معناه المتبادر منه صحيح لا معارض له في جملة الموارد. (واما ثانيا) فان اطلاق المسلم على الناصب وانه لا يجوز أخذ ماله من
(1) و (2) الوسائل الباب 2 من ما يجب فيه الخمس
[ 324 ]
حيث الاسلام خلاف ما عليه الطائفة المحقة سلفا وخلفا من الحكم بكفر الناصب ونجاسته وجواز أخذ ماله بل قتله، وإنما الخلاف بينهم في مطلق المخالف هل يحكم باسلامه ام بكفره ؟ وهو نفسه من اختار القول بالكفر كما هو المشهور بين متقدمي اصحابنا حيث قال في مبحث صلاة الاموات: ولا تجب الصلاة إلا على المعتقدين للحق أو من كان بحكمهم من اطفالهم الذين بلغوا ست سنين على ما قدمناه ومن المستضعفين، وقال بعض اصحابنا تجب الصلاة على أهل القبلة ومن شهد الشهادتين، الاول مذهب شيخنا المفيد والثانى مذهب شيخنا ابى جعفر الطوسى، والاول أظهر في المذهب، ويؤيده القرآن وهو قوله تعالى: " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا " (1) يعنى الكفار، والمخالف لاهل الحق كافر بلا خلاف بيننا. هذه عبارته بعينها فإذا حكم بكفر المخالف فكيف يحكم باسلام الناصب ؟ ما هذا إلا غفلة من هذا النحرير وسهو وقع في هذا التحرير.
وفي المقام فوائد:
الاولى - ظاهر الاكثر ان حكم مال البغاة الذى حواه العسكر حكم غنيمة دار الحرب، فان أرادوا باعتبار وجوب الخمس فهو محل اشكال إذ لا اعرف عليه دليلا واضحا ومورد الآية والروايات إنما هو أهل الحرب من المشركين، وان أرادوا باعتبار حل ذلك للمسلمين فالتخصيص بما حواه العسكر كما اشتهر عندهم محل اشكال. وسيجئ تحقيق القول في ذلك ان شاء الله تعالى في محله.
الثانية - ظاهر كلام الاصحاب كما قدمنا نقله ان الغنيمة التى يجب فيها الخمس هي جميع أموال أهل الحرب من ما ينقل ويحول أم لا حواه العسكر أم لا، وظاهره دخول الاراضي والضياع والدور والمساكن ونحوها. ولا اعرف على هذه التعميم دليلا سوى ظاهر الآية فان الظاهر من الروايات اختصاص ذلك بالاموال المنقولة: ومنها - صحيحة ربعى بن عبد الله (2) المتقدمة الدالة على انه صلى الله عليه وآله
(1) سورة التوبة الاية 86 (2) الوسائل الباب 1 من قسمة الخمس
[ 325 ]
إذا اتاه المغنم أخذ صفوه وكان له ثم يقسم ما بقى خمسة أخماس ويأخذ خمسه ثم يقسم أربعة أخماس بين الناس الذين قاتلوا عليه ثم قسم الخمس الذى أخذه خمسة أخماس يأخذ خمس الله عزوجل لنفسه ثم يقسم الاربعة الاخماس بين ذوى القربى واليتامى والمساكين وابناء السبيل يعطى كل واحد منهم جميعا، وكذلك الامام يأخذ كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله. ونحوها غيرها من الاحاديث الدالة على قسمة الخمس أخماسا أو اسداسا واعطاء كل ذى حق حقه. وفي بعضها (1) انه يعطيهم على قدر كفايتهم فان فضل منه شئ فهو له وان نقص عنهم ولم يكفهم أتمه لهم من عنده، كما صار له الفضل كذلك لزمه النقصان. وهذا كله كما ترى صريح في أن الخمس إنما هو في ما ينقل ويحول من غنيمة أو غيرها، وكيف يجرى هذه في الاراضي والضياع والدور ونحوها ؟ وقد تتبعت ما حضرني من كتب الاخبار كالوافي والوسائل المشتمل على اخبار الكتب الاربعة وغيرها فلم أقف فيها على ما يدل على دخول الارض ونحوها من ما قدمناه في الغنيمة التى يتعلق بها الخمس، ولم أقف في شئ منها على وجوب اخراج الخمس منها عينا أو قيمة حتى الاخبار الواردة في تفسير الآية المشار إليها فانها ما بين صريح أو ظاهر في تخصيصها بما ينقل ويحول. وحينئذ فيمكن تخصيص الآية بما دلت عليه هذه الاخبار مع ان الاخبار الواردة في الاراضي ونحوها بالنسبة إلى المفتوح عنوة إنما دلت على انها في للمسلمين من وجد ومن سيوجد إلى يوم القيامة وان أمرها إلى الامام عليه السلام يقبلها أو يعمرها ويصرف حاصلها في مصالح المسلمين. واما ما ذكره المحقق في الشرائع في باب الجهاد بالنسبة إلى هذه الاراضي بعد تقسيم الغنيمة إلى ما ينقل وما لا ينقل، حيث قال: واما ما لا ينقل فهو للمسلمين قاطبة وفيه الخمس والامام مخير بين اخراج الخمس لاربابه وبين ابقائه واخراج الخمس من ارتفاعه - فلا اعرف له دليلا ولا وقفت له على مستند إلا ما قدمناه من ظاهر
(1) الوسائل الباب 3 من قسمة الخمس
[ 326 ]
الآية، وقد عرفت انه يمكن تخصيصها بالاخبار الدالة على انحصار مخرج الخمس في ما ينقل ويحول، ومن الجائز خروج الاراضي ونحوها عن ما يجب فيه الخمس كما خرجت عن حكم الغنيمة بالنسبة إلى اختصاص المقاتلين بها فانها كما اتفقوا عليه للمسلمين قاطبة من وجد ومن سيوجد إلى يوم القيامة. وشيخنا الشهيد في المسالك لم يتعرض لنقل هذه العبارة فضلا عن ايراد دليل لها، والظاهر انه من حيث ان المسألة مسلمة الثوبت بينهم. ويؤيد ما قلناه الاخبار الواردة في حكم الارض المفتوحة عنوة ومنها خيبر وعدم التعرض فيها لذكر الخمس بالكلية مع ذكر الزكاة فيها، ولو كان ثابتا فيها لكانت أولى بالذكر لتعلقه برقبة الارض: ومنها - ما رواه في الكافي عن البزنطى (1) قال: " ذكرنا له الكوفة وما وضع عليها من الخراج وما سار فيها أهل بيته فقال من أسلم طوعا تركت أرضه في يده.. إلى أن قال: وما أخذ بالسيف فذلك إلى الامام يقبله بالذى يرى كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله بخيبر قبل سوادها وبياضها يعنى أرضها ونخلها، والناس يقولون لا تصلح قبالة الارض والنخل (2) وقد قبل رسول الله صلى الله عليه وآله خيبر، وعلى المتقبلين سوى قبالة الارض العشر ونصف العشر في حصصهم.. الحديث ". وما رواه في التهذيب في الصحيح عن البزنطى (3) قال: " ذكرت لابي الحسن عليه السلام الخراج وما سار به أهل بيته فقال العشر ونصف العشر على من أسلم طوعا تركت أرضه في يده.. إلى أن قال: وما اخذ بالسيف فذلك للامام يقبله بالذى يرى كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله بخيبر قبل ارضها ونخلها، والناس يقولون لا تصلح قبالة الارض والنخل إذا كان البياض اكثر من السواد وقد قبل رسول الله صلى الله عليه وآله خيبر
(1) و (3) الوسائل الباب 72 من جهاد العدو (2) في كتاب الاموال لابي عبيد ص 55 ان الارض المفتوحة عنوة حكم بعض بتخميسها وتقسيمها وارجع بعض امرها إلى الامام ان شاء صنع كذلك وان شاء تركها موقوفة على المسلمين عامة وانه تقر في ايدي أهلها بالطسق.
[ 327 ]
وعليهم في حصصهم العشر ونصف العشر ". وبالجملة فما ذكروه لا وجود له في شئ من الاخبار، بل ظواهرها من حيث عدم التعرض لذكره ولو اشارة سيما في مقام البيان هو العدم، بل ظاهر مرسلة حماد بن عيسى الطويلة (1) الدلالة على ما قلناه حيث قال فيها: " وليس لمن قاتل شئ من الارضين.. الحديث ".
الثالثة - قد اختلفوا في تقديم الخمس على المؤن وعدمه، واختلفوا ايضا في تقديمه على السلب والجعائل وما يرضخه الامام للنساء والعبيد والكفار ان قاتلوا وعدمه، وسيأتى الكلام عليه ان شاء الله تعالى في كتاب الجهاد، إلا ان الذى حضرني من الاخبار الآن وهو صحيحة ربعى المتقدمة (2) إنما تضمنت اخراج الخمس بعد اخراج صفو المال الذى هو من الانفال للامام عليه السلام.
المقام الثاني - في المعادن وهى من " عدن " إذا أقام لاقامة أهله فيه دائما أو لانبات الله عزوجل اياه فيه، قال في القاموس: والمعدن كمجلس منبت الجواهر من ذهب ونحوه لاقامة أهله فيه دائما أو لانبات الله عزوجل اياه فيه. وقال في المغرب: عدن بالمكان إذا أقام به، منه المعدن لما خلقه الله تعالى في الارض من الذهب والفضة لان الناس يقيمون فيه الصيف والشتاء، وقيل لانبات الله تعالى فيه جوهرها وانباته إياه في الارض حتى عدن فيها أي نبت. وهو أعم من أن يكون منطبعا كالنقدين والحديد والرصاص والصفر أو غير منطبع كالياقوت والعقيق والكحل والفيروزج والبلور ونحوها أو مائعا كالقير والنفط والكبريت، والظاهر ان مجمله ما خرج عن حقيقة الارضية ولو بخاصية زائدة عليها. وقال في التذكرة: المعادن هي كل ما خرج من الارض من ما يخلق فيها من غيرها من ماله قيمة. وقال في البيان بعد عد جملة من ما ذكرناه: وكل أرض فيها خصوصية يعظم الانتفاع بها كالنورة والمغرة. وقال في الدروس: حتى المغرة والجص والنورة وطين الغسل وحجارة الرحى. وقال في
(1) الوسائل الباب 41 من جهاد العدو (2) ص 321
[ 328 ]
المدارك بعد نقل ذلك عنه: وفي الكل توقف. وكأنه للشك في اطلاق اسم المعدن عليها على سبيل الحقيقة. وفي البيان: والحق به حجارة الرحى وكل أرض فيها خصوصية يعظم الانتفاع بها كالنورة والمغرة. وظاهره عدم دخولها في حقيقة المعادن. والمسألة لا تخلو من إشكال وان كان الاقرب هو الاول، لتناول ظاهر كلام أهل اللغة في تعريف المعدن لذلك. ووجوب الخمس في المعدن من ما وقع الاتفاق عليه نصا وفتوى، ومن الاخبار في ذلك صحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام (1) قال: " سألته عن معادن الذهب والفضة والصفر والحديد والرصاص فقال عليها الخمس جميعا ". وصحيحة الحلبي (2) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الكنز كم فيه ؟ قال الخمس. وعن المعادن كم فيها ؟ قال الخمس. وعن الرصاص والصفر والحديد وما كان من المعادن كم فيها ؟ قال: يؤخذ منها كما يؤخذ من معادن الذهب والفضة ". وصحيحة محمد بن مسلم (3) قال: " سألت أبا جعفر عليه السلام عن الملاحة قال وما الملاحة ؟ فقلت أرض سبخة مالحة يجتمع فيها الماء فيصير ملحا. فقال: هذا المعدن فيه الخمس. فقلت: والكبريت والنفط يخرج من الارض ؟ قال فقال هذا واشباهه فيه الخمس ". وصحيحة زرارة عن ابى جعفر عليه السلام (4) قال: " سألته عن المعادن ما فيها ؟ فقال كل ما كان ركازا ففيه الخمس. وقال ما عالجته بمالك ففيه من ما اخرج الله سبحانه من حجارته مصفى الخمس ". اقول: لفط الركاز في الخبر محتمل لان يحمل على الكنز وان يحمل على المعدن، قال ابن الاثير في نهايته (5): في حديث الصدقة " وفي الركاز الخمس " الركاز عند أهل الحجاز كنوز الجاهلية المدفونة في الارض وعند أهل العراق المعادن
(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 3 من ما يجب فيه الخمس (5) مادة ركز
[ 329 ]
والقولان تحتملهما اللغة لان كلا منهما مركوز في الارض أي ثابت، يقال ركزه يركزه ركزا إذا دفنه، وأركز الرجل إذا وجد الركاز، والحديث إنما جاء في التفسير الاول وهو الكنز الجاهلي، وانما كان فيه الخمس لكثرة نفعه وسهولة أخذه، وقد جاء في مسند أحمد في بعض طرق هذا الحديث " وفي الركائز الخمس " كأنها جمع ركيزة أو ركازة، والركيزة والركزة القطعة من جواهر الارض المركوزة فيها، وجمع الركزة الركاز ومنه حديث عمر: ان عبدا وجد ركزة على عهده فاخذها منه. أي قطعة عظيمة من الذهب. وهذا يعضد التفسير الثاني. انتهى. والظاهر ان معنى آخر الخبر ان الخمس إنما يجب في ما عولج بعد وضع مؤنة العلاج، ومرجعه إلى تقديم اخراج المؤنة على الخمس، وبه صرح جملة من الاصحاب. ويدل عليه ايضا صحيحة ابن ابى نصر (1) قال: " كتبت إلى ابى جعفر عليه السلام: الخمس اخرجه قبل المؤنة أو بعد المؤنة ؟ فكتب بعد المؤنة " ويدل عليه ايضا بعض الاخبار الآتية في الارباح ان شاء الله تعالى (2). ثم انه قد وقع الخلاف هنا في موضعين:
احدهما - في اعتبار النصاب وعدمه في المعدن، وعلى تقدير اعتباره فهل هو عشرون دينارا أو دينار واحد ؟ فذهب الشيخ في الخلاف إلى وجوب الخمس فيها ولا يراعى فيها النصاب وهو اختياره في الاقتصاد ايضا، ونقل عن ابن البراج وابن ادريس مدعيا عليه الاجماع حيث قال: اجماعهم منعقد على وجوب اخراج الخمس من المعادن جميعها على اختلاف اجناسها قليلا كان المعدن أو كثيرا ذهبا كان أو فضة من غير اعتبار مقدار وهذا اجماع منهم بغير خلاف. ونقل عن ابن الجنيد وابن ابى عقيل والمفيد والسيد
(1) الوسائل الباب 12 من ما يجب فيه الخمس (2) كخبر الاشعري والنيسابوري وعلى بن مهزيار والهمداني الآتية في اول المقام الخامس
[ 330 ]
المرتضى وابن زهرة وسلار انهم اطلقوا وجوب الخمس، وهو ظاهر في موافقة القول المتقدم. واعتبر أبو الصلاح بلوغ قيمته دينارا واحدا، ورواه ابن بابويه في المقنع ومن لا يحضره الفقيه (1). وقال الشيخ في النهاية: ومعادن الذهب والفضة لا يجب فيها الخمس إلا إذا بلغت إلى القدر الذى تجب فيه الزكاة. ونحوه في المبسوط. واختاره ابن حمزة، وعليه جمهور المتأخرين: لما رواه الشيخ عن احمد بن محمد بن ابى نصر في الصحيح (2) قال: " سألت ابا الحسن عليه السلام عن ما اخرج من المعدن من قليل أو كثير هل فيه شئ ؟ قال: ليس فيه شئ حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين دينارا ". احتج القائلون بالقول الاول باطلاق النصوص والاجماع الذى تقدم في كلام ابن ادريس، وهما بمكان من الضعف: اما الاطلاق فيجب تقييده بالدليل المذكور، واما الاجماع فهو في موضع النزاع غير مسموع، قال في المختلف: وكيف يدعى الاجماع في موضع الخلاف من مثل ابن بابويه والشيخ وابى الصلاح وغيرهم. ويدل على ما ذهب إليه أبو الصلاح ما رواه الكليني والشيخ عن احمد بن محمد ابن ابى نصر في الصحيح عن محمد بن على بن ابى عبد الله وهو مجهول عن ابى الحسن عليه السلام (3) قال: " سألته عن ما يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد وعن معادن الذهب والفضة هل فيه زكاة ؟ فقال إذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس " ورواه ابن بابويه مرسلا عن الكاظم عليه السلام (4). والشيخ قد جمع بين هذا الخبر وما قبله بارجاع الجواب إلى السؤال عن ما
(1) الوسائل الباب 3 من ما يجب فيه الخمس رقم 5 (2) الوسائل الباب 4 من ما يجب فيه الخمس (3) و (4) الوسائل الباب 3 من ما يجب فيه الخمس
[ 331 ]
يخرج من البحر دون المعادن. وفيه تعسف فان السؤال قد اشتمل عليهما ولا قرينة تؤنس بصرفه إلى بعض دون بعض. والاكثر حملوا الخبر الثاني على الاستحباب، وبعض حمل الاول على الرخصة والتبرع منهم (عليهم السلام). وفي النفس من جميع هذه المحامل توقف.
فروع:
الاول - المفهوم من كلام جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا يعتبر في النصاب الاخراج دفعة بل لو اخرج من المعدن في دفعات متعددة ضم بعضها إلى بعض واعتبر النصاب من المجموع وان تخلل بين الدفعات الاعراض، وشرط العلامة في المنتهى أن لا يكون بين الدفعات اعراض فلو اهمله معرضا ثم اخرج بعد ذلك لم يضم. وهو تقييد للنص بغير دليل فان ظاهر النصوص المتقدمة وجوب الخمس في هذا النوع كيف اتفق الاخراج فالتقييد بهذا الشرط يحتاج إلى دليل وليس فليس.
الثاني - قالوا: لو اشترك جماعة في استخراج المعدن اشترط بلوغ نصيب كل واحد منهم النصاب وظاهر النص العدم، وتتحقق الشركة بالاجتماع على الحيازة والحفر. ولو اختص أحدهم بالحيازة وآخر بالنقل وآخر بالسبك، فان نوى الحيازة لنفسه كان الجميع له وعليه اجرة الناقل والسابك، وان نوى الشركة كان بينهم أثلاثا ويرجع كل واحد منهم على الآخر بثلث اجرة عمله بناء على ان نية الحائز تؤثر في ملك غيره.
الثالث - صرح جملة من الاصحاب بانه لو وجد معدنا في أرض مملوكة فهو لصاحبها ولا شئ للمخرج وان كان في أرض مباحة فهو لمخرجه وعليه الخمس.
الرابع - قالوا: لو أخرج خمس تراب المعدن لم يجزئه لجواز اختلافه في الجوهر، ومقتضاه انه لو علم التساوى جاز. ولو اتخذ منه دراهم أو دنانير أو حليا فالظاهر ان الخمس في السبائك لاغير.
[ 332 ]
المقام الثالث - في الكنوز والكنز لغة هو المال المذخور تحت الارض، ولا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب الخمس فيه. ويدل عليه من الاخبار صحيحة الحلبي (1) " انه سأل ابا عبد الله عليه السلام عن الكنز كم فيه ؟ فقال الخمس ". وروى في الفقيه والخصال في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلى (2) عليه السلام قال: " يا على ان عبد المطلب سن في الجاهلية خمس سنن اجراها الله له في الاسلام.. إلى أن قال ووجد كنزا فاخرج منه الخمس وتصدق به فانزل الله: واعلموا انما غنمتم من شئ فان لله خمسه.. الآية (3). وصحيحة احمد بن محمد بن ابى نصر عن ابى الحسن الرضا عليه السلام (4) قال: " سألته عن ما يجب فيه الخمس من الكنز ؟ فقال ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس " وروى الشيخ المفيد (طيب الله مرقده) في المقنعة مرسلا (5) قال: " سئل الرضا عليه السلام عن مقدار الكنز الذى يجب فيه الخمس ؟ فقال ما يجب فيه الزكاة من ذلك بعنيه ففيه الخمس وما لم يبلغ حد ما يجب فيه الزكاة فلا خمس فيه ". ولا خلاف ايضا بين الاصحاب في ما أعلم في اشتراط الخمس في هذا النوع ببلوغ عشرين دينارا أو مائتي درهم وهو النصاب الاول من الذهب والفضة، ويدل عليه الخبران الاخيران، وما عدا النقدين المذكورين فانه يعد بهما، وبذلك صرح العلامة في المنتهى. إلا ان عبائر جملة من الاصحاب كالمحقق في الشرائع اقتصروا على نصاب الذهب خاصة ولعله لمجرد التمثيل، قال في المنتهى: وليس للركاز نصاب آخر بل لا يجب الخمس فيه إلا ان يكون عشرين مثقالا فإذا بلغها وجب فيه الخمس وفى ما زاد قليلا كان أو كثيرا.
(1) و (2) و (4) و (5) الوسائل الباب 5 من ما يجب فيه الخمس (3) سورة الانفال الآية 43
[ 333 ]
قال في المدارك بعد نقل ذلك عن المنتهى: ويشتكل بان مقتضى رواية ابن ابى نصر مساواة الخمس الزكاة في اعتبار النصاب الثاني كالاول إلا انى لا أعلم بذلك مصرحا. انتهى. أقول: لا يخفى ان المراد من السؤال في الرواية المذكورة إنما هو السؤال عن المقدار الذى يتعلق به الخمس بحيث لا يجب في ما هو أقل منه كما هو ظاهر من رواية المقنعة فأجاب عليه السلام بقدر ما تجب الزكاة في مثله وهو عشرون دينارا أو مائتا درهم، لا ان المراد المساواة في النصب ليكون ما بينها عفوا لا خمس فيه كالزكاة. وبالجملة فالمقصود بالسؤال والجواب إنما هو المساواة في مبدأ تعلق الخمس كما في مبدأ تعلق الزكاة. إذا عرفت ذلك فاعلم انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ان ما يوجد في دار الحرب فانه لآخذه وعليه الخمس أعم من أن يكون عليه أثر الاسلام أم لا. قالوا: اما انه لواجده فلان الاصل في الاشياء الاباحة، والتصرف في مال الغير إنما يحرم إذا كان ملكا لمحترم وهو هنا غير معلوم أو تعلق به نهى خصوصا أو عموما وهو هنا غير ثابت، وحينئذ فيكون باقيا على مقتضى الاباحة الاصلية واما وجوب الخمس فلما تقدم من الاخبار. أقول: ولك أن تقول ان المعلوم من أحاديث وجوب الخمس في الكنز وغيره من معدن وغوص ونحوهما من أصناف ما يجب فيه الخمس ان وجوب الاخراج متفرع على ملك المخرج ليتجه الخطاب له بالاخراج إذ لا يعقل الوجوب عليه في مال غيره، فايجاب الخمس في الصورة المذكورة بالاخبار المتقدمة مستلزم للملك البتة، وحينئذ فتكون الاخبار المشار إليها دالة على كل من الامرين. واما ما يوجد في دار الاسلام فان لم يكن عليه أثر الاسلام فهو لواجده ايضا وعليه الخمس سواء كان في أرض مباحة أو مملوكة ولم يعترف به المالك.
[ 334 ]
والظاهر انه لا خلاف فيه، واستدلوا بما قدمنا نقله عنهم في الموجود في أرض دار الحرب، ولهذا ان شيخنا الشهيد في البيان شرط وجوب الخمس في الكنز بامرين:
احدهما: النصاب عشرون دينارا
وثانيهما: وجوده في دار الحرب مطلقا أو دار الاسلام وليس عليه أثر الاسلام.
وإنما الخلاف والاشكال في ما وجد في دار الاسلام وعليه أثره فهل هو كما تقدم أو يكون لقطة ؟ قولان مشهوران، اختار أولهما الشيخ في الخلاف حيث قال: إذا وجد دراهم مضروبة في الجاهلية فهو ركاز ويجب فيه الخمس سواء كان ذلك في دار الاسلام أو دار الحرب، وان وجد كنزا عليه أثر الاسلام بان تكون الدراهم والدنانير مضروبة في دار الاسلام وليس عليها أثر ملك يؤخذ منه الخمس. وهو ظاهر في ايجابه الخمس في ما وجد في دار الاسلام وعليه أثره أعم من أن يكون في أرض مباحة أو مملوكة ولم يعترف به المالك. وإلى هذا القول ذهب ابن ادريس وغيره ومنهم المحقق في كتاب اللقطة. واختار ثانيهما الشيخ في المبسوط حيث قال: الكنوز التى تؤخذ من دار الحرب من الذهب والفضة والدراهم والدنانير سواء كان عليها أثر الاسلام أم لم يكن يجب فيها الخمس واما التى تؤخذ من بلد الاسلام فان وجدت في ملك انسان وجب أن يعرف أهله فان عرفه كان له وان لم يعرفه أو وجدت في أرض لا مالك لها، فان كان عليها أثر الاسلام فهى بمنزلة اللقطة سواء، وان لم يكن عليها أثر الاسلام اخرج منها الخمس وكان الباقي لواجدها. وإلى هذه القول ذهب جل المتأخرين: منهم العلامة في المختلف والمحقق في كتاب الخمس. وظاهره في المعتبر التوقف حيث اقتصر على نقل الخلاف عن الشيخ في الكتابين المذكورين. وظاهر الشهيد في البيان الفرق بين الموجود في الارض المباحة والموجود في المملوكة ولم يعترف المالك به حيث وافق الخلاف في الارض المملوكة إذا لم يعترف به المالك ووافق المبسوط في الارض المباحة، وهو غريب.
[ 335 ]
استدل العلامة في المختلف على ما ذهب إليه من كونه لقطة قال: لنا انه مال ضائع عليه ملك انسان ووجده في دار الاسلام فيكون لقطة كغيره. ثم قال احتج في الخلاف بعموم ظاهر القرآن (1) والاخبار الواردة في اخراج الخمس من الكنوز (2) والتخصيص يحتاج إلى دليل. ثم أجاب بالقول بالموجب ما لم يظهر المخصص، قال: والمخصص هنا ثابت فانه مال يغلب على الظن انه مملوك لمسلم فلا يحل من غير تعريف. ولا يخفى ما في هذا الجواب. والاظهر الجواب عن ذلك بما رواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن اسحاق ابن عمار (3) قال: " سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن رجل نزل في بعض بيوت مكة فوجد فيها نحوا من سبعين درهم مدفونة فلم تزل معه ولم يذكرها حتى قدم الكوفة كيف يصنع ؟ قال يسأل عنها أهل المنزل لعلهم يعرفونها. قلت: فان لم يعرفوها ؟ قال يتصدق بها " وهو ظاهر في كونه لقطة لا كنزا وحينئذ فيخص به اطلاق الاخبار التى استند إليها. وهذا الخبر صريح في الرد على ما اختاره في البيان من كون الموجود في الارض المملوكة مع عدم اعتراف المالك به يكون فيه الخمس. والخبر المذكور ايضا ظاهر في الرد على صاحب المدارك في ما ذكره من المناقشة في صحة اطلاق اللقطة على المال المكنوز، قال إذ المتبادر من معناها انها المال الضائع على غير هذا الوجه. وهذا الخبر حجة عليه. والاظهر في الاستدلال على القول الاول هو الاستدلال بصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: " وسألته عن الورق يوجد في دار. فقال: ان كانت الدار معمورة فهى لاهلها وان كانت خربة فانت أحق بما وجدت ".
(1) وهو قوله تعالى " واعلموا انما غنمتم من شئ فان لله خمسه.. " سورة الانفال الآية 43 (2) الوسائل الباب 5 من ما يجب فيه الخمس (3) و (4) الوسائل الباب 5 من اللقطة
[ 336 ]
وصحيحته الاخرى عن الصادق عليه السلام (1) قال: " سألته عن الدار يوجد فيها الورق ؟ فقال ان كانت معمورة فيها أهله فهو لهم وان كانت خربة قد جلا عنها أهلها فالذي وجد المال أحق به ". وبهذين الخبرين استدل شيخنا الشهيد الثاني في المسالك في كتاب اللقطة للمصنف على ما ذكره من أن ما يوجد في المفاوز أو في خربة قد هلك أهلها فهو لواجده ينتفع به بلا تعريف، وكذا ما يجده مدفونا في ارض لا مالك لها. وفي الاستدلال على القول الثاني هو ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن قيس عن الباقر عليه السلام (2) قال: " قضى على عليه السلام في رجل وجد ورقا في خربة ان يعرفها فان وجد من يعرفها وإلا تمتع بها ". وهذه الرواية وان كانت أعم من أن يكون ذلك الورق عليه سكة الاسلام إلا انه يجب تخصيص عمومها بما دل على ان ما لا أثر للاسلام عليه فان فيه الخمس ويكون لواجده، ومثلها في ذلك موثقة اسحاق بن عمار المتقدمة. وأنت خبير بما في هذه الاخبار من التناقض والتضاد إلا ان من قال بالقول الثاني جمع بين صحيحتي محمد بن مسلم وصحيحة محمد بن قيس بحمل الصحيحتين المذكورتين على ما لم يكن عليه أثر الاسلام وحمل صحيحة محمد بن قيس على ما إذا كان عليه أثر الاسلام. ولا يخفى ما فيه من البعد لعدم ما يدل عليه من الاخبار. وفي المدارك حيث اختار العمل بصحيحتى محمد بن مسلم حمل صحيحة محمد بن قيس على ما إذا كانت الخربة لمالك معروف أو على ما إذا كان الورق غير مكنوز. ولا يخفى ان هذا وان أمكن في الصحيحة المذكورة إلا انه لا يمكن في موثقة اسحاق ابن عمار التى ذكرناها إلا انه لم يذكرها أحد منهم في المقام.
(1) الوسائل الباب 5 من اللقطة عن ابى جعفر (ع) كما في الفروع ج 1 ص 367 والتهذيب ج 6 ص 390 ايضا (2) الوسائل الباب 5 من اللقطة
[ 337 ]
وبالجملة فالمسألة عندي موضع اشكال، على ان ظواهر الصحاح الثلاث التى ذكروها لا دلالة فيها على كون ذلك الورق كنزا، وحينئذ فيشكل التعلق بها في المسألة، بل ربما ظهر منها كونه لا كذلك، وظاهر عبارة الشرائع المتقدم ذكرها ذلك حيث عطف فيها ما يجده مدفونا على ما ذكره أولا بقوله: " وما يوجد في المفاوز.. إلى آخره ". وقد ذكر جمع منهم ايضا انه لو كان في أرض مملوكة للواجد، فان ملكت بالاحياء كان كالموجود في المباح في كونه للواجد مع عدم أثر الاسلام عليه ومع وجود الاثر يدخل تحت الخلاف المتقدم، وان ملكت بالابتياع عرفه من جرت يده على الارض فان اعترف أحدهم به فهو له وإلا جرى فيه التفصيل المتقدم. وبعض عبائرهم هنا اشتملت على كونه للواجد مطلقا، ولكن نبه شيخنا الشهيد الثاني في المسالك في كتاب اللقطة على التقييد بالتفصيل، حيث ان عبارة المصنف هنا مطلقة فقال: واطلاق الحكم بكونه لواجده مع عدم اعتراف المالك والبائع به الشامل لما عليه أثر الاسلام وعدمه تبع لاطلاق النص كما سبق، ومن قيد تلك بانتفاء أثر الاسلام قيد هنا ايضا لاشتراكهما في المتقضى فمعه يكون لقطة. واشار بالنص إلى ما قدمه من صحيحتي محمد بن مسلم المتقدمتين. وممن صرح بما ذكره شيخنا الشهيد في الدروس فقال بعد أن حكم بكون الركاز الذى فيه الخمس هو ما يوجد في دار الحرب مطلقا أو في دار الاسلام ولا اثر له ولو كان عليه أثر الاسلام فلقطة خلافا للخلاف، ثم قال: ولو وجده في ملك مبتاع عرفه البائع ومن قبله فان لم يعرفه فلقطة أو ركاز بحسب أثر الاسلام وعدمه. انتهى. وبالجملة فالمتحصل من كلامهم ان ما وجد في أرض الاسلام مطلقا ولم يعلم له مالك فانه مع عدم أثر الاسلام كنز لواجده وعليه الخمس، ومعه يكون محل الخلاف المتقدم سواء كان في أرض مباحة أو مملوكة للواجد أو غيره مع عدم اعتراف
[ 338 ]
أحد من الملاك به.
وينبغي التنبيه هنا على فوائد:
الاولى - قد صرح شيخنا الشهيد في الدروس بان الظاهر ان مجرد قول المعترف كاف بلا بينة ولا يمين ولا وصف، نعم لو تداعيا لكان لذى اليد بيمينه ولو كان مستأجرا فقولان للشيخ. اقول: اما أن مجرد قول المعترف كاف فهو مقتضى القواعد المتفق عليها بينهم المؤيدة بالنصوص ايضا (1) فان من ادعى شيئا ولا منازع له دفع إليه، ويدل عليه صريحا خبر كيس الالف درهم (2) واما مع تداعيهما معا فالحكم كما ذكره ايضا لما تبين في محله. واما لو حصل التداعي بين المالك والمستأجر فقد أوضحه في البيان وهو محل توقف.
الثانية - قد صرح جملة من الاصحاب بوجوب التعريف لمن تقدم من الملاك متى كان في أرض مملوكة للغير أو للواجد مع انتقالها بالبيع أو الارث مقدما الاقرب فالاقرب. وقال في المدارك بعد نقل ذلك عنهم: ويمكن المناقشة في وجوب تعريفه لذى اليد السابقة إذا احتمل عدم جريان يده عليه، لاصالة البراءة من هذا التكليف مضافا إلى اصالة عدم التقدم. ولو علم انتفاؤه عن بعض الملاك فينبغي القطع بسقوط تعريفه لانتفاء فائدته. وكذا الكلام لو كانت موروثة. انتهى. اقول: ما ذكره لا يخلو من قرب ويؤيده صحيحة عبد الله بن جعفر الآتية في المقام.
الثالثة - قد ذكر جملة من الاصحاب في هذا المقام انه لو اشترى دابة ووجد
(1) يمكن ان يريد بذلك اطلاق موثقة اسحاق بن عمار وصحيحة محمد بن قيس المتقدمتين (2) الوسائل الباب 17 من كيفية الحكم واحكام الدعوى (3) ص 339
[ 339 ]
في جوفها شيئا له قيمة عرفه البائع فان عرفه فهو له وان جهله فهو للمشترى وعليه الخمس. ولو ابتاع سمكة فوجد في جوفها شيئا اخرج خمسه وكان الباقي له، وليس عليه تعريف هنا. وبما ذكروه بالنسبة إلى مسألة الدابة وانه يجب تعريفه ومع عدم اعتراف البائع به يكون للمشترى قد وردت صحيحة عبد الله بن جعفر (1) قال: " كتبت إلى الرجل عليه السلام اسأله عن رجل اشترى جزورا أو بقرة للاضاحي فلما ذبحها وجد في جوفها صرة فيها دراهم أو دنانير أو جوهرة لمن يكون ذلك ؟ فوقع عليه السلام عرفها البائع فان لم يكن يعرفها فالشئ لك رزقك الله تعالى اياه ". والرواية لا دلالة فيها على وجوب الخمس في ذلك المال الذى في جوف الدابة ولم ينقلوا في المقام دليلا غيرها، وكأنهم بنوا في ذكر هاتين المسألتين هنا على ان ما يوجد في جوف الدابة والسمكة من قبيل الكنوز، وهو بعيد فان الكنز لغة هو المال المدفون في الارض. نعم يمكن أن يكون ذلك داخلا في صنف الارباح فيكون وجوب الخمس لذلك، وحيئنذ فالانسبت ذكر ذلك في ذلك المقام. واطلاق الخبر المذكور شامل لما لو كانت الدراهم ونحوها من ما عليه أثر الاسلام أو لم يكن، ومقتضى عدهم ذلك في الكنز كما ذكرنا التفصيل هنا ايضا بين ما عليه أثر الاسلام أو لا وجريان الخلاف المتقدم في ما عليه أثر الاسلام، مع ان الرواية صريحة في كونه لواجده، فتحمل عند من قال ثمة بكونه لواجده مع عدم أثر الاسلام على كون تلك الدارهم ليس عليها أثر الاسلام، واما عند من قال انه لواجده مطلقا فلا اشكال بل تكون مثل صحيحتي محمد بن مسلم المتقدمتين. واما ما ذكره في المدارك حيث قال: واطلاق الرواية يقتضى عدم الفرق بين ما عليه أثر الاسلام وغيره، بل الظاهر كون الدارهم في ذلك الوقت مسكوكة بسكة
(1) الوسائل الباب 9 من اللقطة
[ 340 ]
الاسلام، ولعل ذلك هو الوجه في اطلاق الاصحاب الحكم في هذه المسألة والتفصيل في السابقة. انتهى. - فظني عدم استقامته، لانه متى كانت هذه المسألة من قبيل مسألة الكنز الموجود في دار الاسلام، وقد تقدم في تلك المسألة التفصيل بين ما لم يكن عليه أثر الاسلام فهو لواجده اتفاقا أو كونه عليه أثره ففيه الخلاف بين كونه لواجده أو يكون لقطة، وحينئذ فمتى كان الظاهر كون تلك الدارهم في ذلك الوقت مسكوكة بسكة الاسلام كانت محل الخلاف، فكيف يكون ذلك سببا في اطلاق الحكم بكونه لواجده في هذه المسألة ؟ واطلاقهم الحكم هنا كذلك إنما يصح تفرعه على عدم كونها مسكوكة بسكة الاسلام لانه محل الوفاق على كونه لواجده لا العكس كما ذكره ولذا قال جده (قدس سره) في المسالك: وفي المسألتين إشكال آخر وهو اطلاقهم الحكم بكونه لواجده بعد الخمس في أي فرض، فان تم فان ذلك إنما يتم مع عدم أثر الاسلام وإلا فلا يقصر عن ما يوجد في الارض لاشتراك الجميع في دلالة أثر على مالك سابق والاصل عدم زواله، فيجب تقييد جواز التملك بعدم وجود الاثر وإلا كان لقطة في الموضعين. انتهى. وكيف كان فالاظهر عندي هو ما تقدم من أن هذه المسألة بفرديها المذكورين لا ارتباط لها بهذا المقام كما ذكروه لعدم صحة اطلاق الكنز الذى هو لغة وعرفا عبارة عن المال المدفون في الارض على ما في جوف دابة أو سمكة أو نحوهما، وإنما الانسب في ايجاب الخمس فيها أن تجعل في صنف الارباح لانها من قبيله بغير اشكال، وفي ذلك الخروج من هذه الاشكالات والتكلفات التى ذكروها في هذه المسألة من ما ذكرناه وما لم نذكره. ثم لا يخفى ان ظاهر الرواية المذكورة هو وجوب تعريف البائع خاصة دون من جرت يده على ذلك المبيع مطلقا، وهو مؤيد لما ذكرناه في المسأله السابقة. والظاهر ان مبنى كلام الاصحاب في وجوب تعريف ما في جوف الدابة
[ 341 ]
دون ما في بطن السمكة هو كون ما في جوف الدابة من قبيل ما وجد في أرض مملوكة وما في جوف السمكة كالموجود في الارض المباحة، ولا اشكال في ان السمك في الاصل من جملة المباحات التى لا تملك إلا بالحيازة مع النية، والصياد انما حاز السمكة دون ما في بطنها لعدم علمه به فلم يتوجه إليه قصد، والملك فرع القصد المتوقف على العلم. وما أورده في المسالك من الاشكال على هذا الكلام الظاهر انه لا أثر له وليس في التطويل بنقله كثير فائدة. إلا انهم لن ينقلوا في مسألة ما يوجد في جوف السمكة هنا خبرا ولا دليلا مع ان الروايات به موجودة، وإذا كانت النصوص في كل من الموضعين دالة على الحكم المذكور فلا معنى لهذه المناقشات في المقام. ومن الاخبار التى وقفت عليها من ما يتعلق بما في جوف السمكة ما رواه ثقة الاسلام في الكافي (1) بسنده عن ابى حمزة عن ابى جعفر عليه السلام " ان رجلا عابدا من بنى اسرائيل كان محارفا.. إلى أن قال: فاخذ غزلا فاشترى به سمكة فوجد في بطنها لؤلؤة فباعها بعشرين الف درهم، فجاء سائل فدق الباب فقال له الرجل ادخل فقال له خذ أحد الكيسين فاخذ أحدهما فانطلق، فلم يكن باسرع من أن دق السائل الباب فقال له الرجل ادخل فدخل ووضع الكيس في مكانه، ثم قال كل هنيئا مريئا إنما أنا ملك من ملائكة ربك إنما أراد ربك أن يبلوك فوجدك شاكرا. ثم ذهب ". وروى سعيد بن هبة الله الراوندي في كتاب قصص الانبياء عن حفص بن غياث عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " كان في بنى اسرائيل رجل وكان محتاجا فالحت عليه امرأته في طلب الرزق فابتهل إلى الله في الرزق فرأى في النوم: أيما أحب اليك درهمان من حل أو الفان من حرام ؟ فقال درهمان من حل. فقال تحت رأسك. فانتبه فرأى الدرهمين تحت رأسه فاخذهما واشترى بدرهم سمكة وأقبل إلى منزله فلما
(1) الروضة ص 385 وفي الوسائل الباب 10 من اللقطة (2) الوسائل الباب 10 من اللقطة
[ 342 ]
رأته امرأته أقبلت عليه كاللائمة وأقسمت أن لا تمسها، فقام الرجل إليها فلما شق بطنها إذا بدرتين فباعهما باربعين الف درهم ". وروى الصدوق في الامالى عن على بن الحسين (عليهما السلام) (1) حديثا يشتمل على ان رجلا شكى إليه الحاجة فدفع له قرصتين وقال له خذهما فليس عندنا غيرهما فان الله يكشف بهما عنك ويريك خيرا واسعا منهما، فاشترى سمكة باحدى القرصتين وبالاخرى ملحا فلما شق بطن السمكة وجد فيها لؤلؤتين فاخرتين، فباع اللؤلؤتين بمال عظيم فقضى منه دينه وحسنت بعد ذلك حاله، ونحوها خبر في تفسير العسكري عليه السلام (2) ايضا.
الرابعة - روى ثقة الاسلام في الكافي والشيخ في التهذيب بسنديهما عن الحارث بن حصيرة الازدي (3) قال: " وجد رجل ركازا على عهد امير المومنين عليه السلام فابتاعه ابى منه بثلاثمائة درهم ومائة شاة متبع، فلامته امى وقالت أخذت هذه بثلاثمائة شاة أولادها مائة وانفهسا مائة وما في بطونها مائة ؟ قال فندم ابى فانطلق ليستقيله فابى عليه الرجل، فقال خذ منى عشر شياه خذ منى عشرين شاة فاعياه، فاخذ ابى الركاز واخرج منه قيمة الف شاة، فاتاه الآخر فقال خذ غنمك واتنى ما شئت فابى فعالجه فاعياه فقال لاضرن بك فاستعدى امير المومنين عليه السلام على ابى فلما قص ابى على امير المؤمنين عليه السلام امره قال لصاحب الركاز: اد خمس ما أخذت فان الخمس عليك فانك أنت الذى وجدت الركاز وليس على الآخر شئ لانه إنما أخذ ثمن غنمه ". أقول: قوله في الخبر " فابتاعه ابى منه بثلاثمائة درهم ومائة شاة متبع " في رواية الكافي واما رواية التهذيب (4) فليس فيها " ثلاثمائة درهم " والظاهر انه هو
(1) و (2) الوسائل الباب 10 من اللقطة (3) الوسائل الباب 6 من ما يجب فيه الخمس (4) ج 2 ص 179 باب الزيادات بعد الاجارة
[ 343 ]
الاصح كما يدل عليه سياق الخبر. ثم انه لا يخفى ما في هذا الخبر من الاشكال لدلالته على عدم تعلق الخمس بالعين، وهو خلاف مدلول الآيات والاخبار وكلام الاصحاب، والحكم في الخمس والزكاة واحد، وقد سلف تحقيق ذلك في الزكاة بما يدل على ما ذكرناه.
المقام الرابع - في ما يخرج من البحر بالغوص من الدر والجواهر، ولا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب الخمس فيه. ويدل عليه صحيحة الحبلى (1) قال: " سالت أبا عبد الله عليه السلام عن العنبر وغوص اللؤلؤ فقال عليه الخمس ". ورواية محمد بن على عن ابى الحسن عليه السلام (2) قال: " سألته عن ما يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد وعن معادن الذهب والفضة ما فيه ؟ قال إذا بلغ ثمنه دينارا ففيه الخمس ". وروى الصدوق في الخصال في الصحيح عن ابن ابى عمير عن غير واحد عن ابى عبد الله عليه السلام (3) قال: " الخمس على خمسة أشياء: على الكنوز والمعادن والغوص والغنيمة. ونسى ابن ابى عمير الخامس " ونحوه في المقنع (4). وروى الشيخ باسناده عن حماد بن عيسى قال رواه لى بعض أصحابنا ذكره عن العبد الصالح ابى الحسن الاول عليه السلام (5) قال: " الخمس من خمسة أشياء من الغنائم ومن الغوص والكنوز ومن المعادن والملاحة. وفي رواية يونس " والعنبر " اصبتها في بعض كتبه هذا الحرف وحده العنبر ولم اسمعه ". وروى الشيخ ايضا عن احمد بن محمد قال حدثنى بعض أصحابنا رفع الحديث (6) قال: " الخمس من خمسة أشياء: من الكنوز والمعادن والغوص والمغنم الذى يقاتل
(1) الوسائل الباب 7 من ما يجب فيه الخمس (2) و (3) الوسائل الباب 3 من ما يجب فيه الخمس (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 2 من ما يجب فيه الخمس
[ 344 ]
عليه. ولم يحفظ الخامس.. الحديث ". وما ذكره في المدارك بعد نقله صحيحة الحلبي المتقدمة من انها قاصرة عن افادة التعميم لاختصاصها بغوص اللؤلؤ إلا أن يقال انه لا قائل بالفصل - ضعيف فان رواية محمد بن على المتقدمة اشتملت على ضم الياقوت والزبرجد وجملة الاخبار الباقية على الغوص أي ما يخرج بالغوص وهو عام. ثم انه لا خلاف في اعتبار النصاب فيه، وانما الخلاف في تقديره فالمشهور انه ما بلغ قيمته دينارا وعليه تدل رواية محمد بن على المتقدمة، ونقل في المختلف عن الشيخ المفيد في المسائل الغرية تقديره بعشرين دينارا ولم نقف على مستنده. قال في المنتهى: ولا يعتبر في الزائد نصاب اجماعا بل لو زاد قليلا أو كثيرا وجب فيه الخمس. واعتبار الدينار في الغوص بعد المؤن كما تقدم الدليل عليه. والبحث في الدفعة والدفعات كما تقدم في المعدن، والاظهر كما تقدم ثمة ضم الجميع وان اعرض أو طال الزمان. قالوا: ولو اشترك في الغوص جماعة اعتبر بلوغ نصيب كل واحد منهم النصاب. ويضم انواع المخرج بعضها إلى بعض في التقويم. والظاهر من كلامهم اجزاء القيمة فلا يتعين الاخراج من العين.
وينبغى التنبيه على امور:
الاول - في ما يخرج بالغوص من الاموال التى عليها أثر الاسلام اشكال ينشأ من دلالة ظاهر روايتي الشعيرى والسكونى عن ابى عبد الله عليه السلام (1) " في سفينة انكسرت في البحر فاخرج بعصه بالغوص واخرج البحر بعض ما غرق فيها: فقال اما ما اخرجه البحر فهو لاهله الله أخرجه واما ما اخرج بالغوص فهو لهم وهم أحق به " ويؤيدها اطلاق الغوص في الاخبار المتقدمة، ومن أن المتبادر من ما اخرج بالغوص يعنى من ما كان مقره بالاصالة تحت الماء كالاشياء المعدودة في الروايات من
(1) الوسائل الباب 11 من اللقطة
[ 345 ]
اللؤلؤ والياقوت والزبرجد ونحوها لا ما وقع في الماء ورسب فيه ثم اخرج منه بالغوص والروايتان المشار اليهما إنما تدلان على كونه لمخرجه واما انه يجب فيه الخمس فلا. على ان ظاهر الخبرين غير خال من الاشكال لان الحكم به لمخرجه مع وجود أهله من غير ناقل شرعى مشكل، اللهم إلا ان يحمل ذلك على اعراض أهله عنه لعدم امكان اخراجه ونحو ذلك وإلا فالحكم بما دلا عليه على الاطلاق مخالف للقواعد الشرعية والضوابط المرعية المتفقة على انه لا يحل مال امرئ مسلم إلا برضاء منه (1).
الثاني - المشهور بين الاصحاب اختصاص وجوب الخمس بما يؤخذ من البحر بالغوص فلو أخذ من غير غوص فلا خمس فيه من هذه الجهة، وقال الشهيد في البيان: ولو أخذ من شئ من غير غوص فالظاهر انه بحكمه. قال في الذخيرة بعد نقل ذلك عن الشهيد: وهو غير بعيد ولعل مستنده اطلاق روايه احمد بن محمد بن ابى نصر السابقة. واشار بها إلى رواية محمد بن على حيث ان الراوى عنه احمد بن محمد بن ابى نصر. ولا يخفى ما فيه فان الرواية المذكورة وان تضمنت التعبير عن ذلك بقوله " يخرج من البحر " الذى هو أعم من أن يكون بغوص أو غيره إلا ان جمله الروايات الباقية التى قدمناها كلها قد اشتركت في التعبير بالغوص، فاطلاق العبارة في الرواية المذكورة مقيد بما ذكر في الاخبار الباقية والتعبير بذلك إنما وقع توسعا لظهور انه لا يقع اخراج ذلك إلا بالغوص، فائبات حكم شرعى بهذا الاطلاق والحال كما ذكرنا لا يخلو عن مجازفة وبه يظهر ضعف ما ذكروه.
الثالث - لا ريب في وجوب الخمس في العنبر وعليه اجماع الاصحاب وقد
(1) الوسائل الباب 3 من الانفاق رقم " 6 " والباب 1 من الغصب عن صاحب الزمان (ع) " لا يحل لاحد أن يتصرف في مال غيره بغير اذنه " وفي المحاضرات قسم المعاملات ص 418 ذكر الحجة المقرم مصادره من طرق الشيعة والسنة فراجعه.
[ 346 ]
تقدم ذلك في صحيحة الحلبي (1) ولكن اختلف كلامهم في مقدار نصابه فذهب الاكثر إلى انه ان اخرج بالغوص روعى مقدار دينار وان جنى من وجه الماء أو من الساحل كان له حكم المعادن. قال في المدارك: ويشكل بانتفاء ما يدل على اعتبار الدينار في مطلق المخرج بالغوص وبالمنع من اطلاق اسم المعدن على ما يجنى من وجه الماء. أقول: ما الاشكال الثاني فوجهه ظاهر، واما الاول ففيه ان الظاهر من الرواية المشتملة على ذكر الدينار ان ما ذكر فيها من ما يخرج من البحر من اللؤلؤ وما بعده من الافراد إنما هو على جهة التمثيل لا الحصر، وعلى هذا بنى الاستدلال بها على نصاب الدينار في ما أخرج بالغوص مطلقا كما عليه اتفاق الاصحاب قديما وحديثا.
الرابع - قال في القاموس: العنبر من الطيب روث دابة بحرية أو نبع عين فيه. ونقل عن ابن ادريس في سرائره انه نقل عن الجاحظ في كتاب الحيوان انه قال يقذفه البحر إلى جزيرة فلا يأكل منه شئ إلا مات ولا ينقره طائر بمنقاره إلا نصل فيه منقاره وإذا وضع رجله عليه نصلت أظفاره. وحكى الشهيد في البيان عن أهل الطب انهم قالوا انه جماجم تخرج من عين في البحر أكبرها وزنه الف مثقال. وعن الشيخ انه نبات في البحر. وعن ابن جزلة المتطبب في كتاب منهاج البيان انه من عين في البحر. ونقل في كتاب مجمع البحرين عن كتاب حياة الحيوان قال: والعنبر المشموم قيل انه يخرج من قعر البحر يأكله بعض دوابه لدسومته فيقذفه رجيعا فيطفو على الماء فيلقيه الريح إلى الساحل. وظاهر أكثر هذه العبائر انه إنما يؤخذ من وجه الماء أو من الساحل بعد أن تقذفه الريح واما انه يؤخذ بالغوص فهو بعيد عن ظواهرها، فما ذكروه من التفصيل المتقدم مع خلوه من الدليل بعيد عن ظاهر الرواية المتقدمة وكلام هؤلاء القوم.
(1) ص 343
[ 347 ]
ويظهر من كلام الشيخ في النهاية وجوب الخمس فيه مطلقا ولعله الاظهر ولا ريب انه الاحوط.
المقام الخامس - في ما يفضل عن مؤنة السنة له ولعياله من أرباح التجارات والزراعات والصناعات، ووجوب الخمس في هذا النوع هو المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) بل ادعى عليه العلامة في المنتهى والتذكرة الاجماع وتواتر الاخبار، ونقل عن ابن الجنيد في المختصر الاحمدي انه قال: فاما ما استفيد من ميراث أو كديد أو صلة أخ أو ربح تجارة أو نحو ذلك فالاحوط اخراجه لا ختلاف الرواية في ذلك، ولو لم يخرج الانسان لم يكن كتارك الزكاة التى لا خلاف فيها. وهو ظاهر في العفو عن هذه النوع، وحكاه الشهيد في البيان عن ظاهر ابن ابى عقيل ايضا فقال: وظاهر ابن الجنيد وابن ابى عقيل العفو عن هذا النوع وانه لا خمس فيه والاكثر على وجوبه، وهو المعتمد لانعقاد الاجماع عليه في الازمنة السابقة لزمانهما واشتهار الروايات فيه. انتهى. ومن ما يدل على الوجوب الآية الشريفة (1) بمعونة الاخبار التى وردت بتفسيرها بما هو أعم من غنيمة دار الحرب وقد تقدمت الاشارة إليها في أول الكتاب (2) وبه يظهر ان ما ذكره في المدارك - وتبعه عليه الفاضل الخراساني في الذخيرة من الطعن في دلالة الآية من أن المتبادر من الغنيمة الواقعة فيها غنيمة دار الحرب كما يدل عليه سوق الآيات - لا تعويل عليه فانه بعد ورود النصوص بذلك لا مجال لهذا الكلام إذا احكام القرآن وغيره وتفسيره وبيان مجملاته وحل مشكلاته إنما يتلقى عنهم (عليهم السلام) فإذا ورد التفسير عنهم بذلك فالراد له راد عليهم. والاخبار ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن مهزيار عن محمد بن
(1) وهى قوله تعالى " واعلموا انما غنمتم.. " سورة الانفال الآية 43 (2) ص 320
[ 348 ]
الحسن الاشعري (1) قال: " كتب بعض أصحابنا إلى ابى جعفر الثاني عليه السلام اخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الضياع وكيف ذلك ؟ فكتب بخطه عليه السلام: الخمس بعد المؤنة ". وما رواه ايضا في الصحيح عن على بن مهزيار عن على بن محمد بن شجاع النيسابوري (2) " انه سأل أبا الحسن الثالث عليه السلام عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كر ما يزكى فاخذ منه العشر عشرة اكرار وذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرا وبقى في يده ستون كرا ما الذى يجب لك من ذلك ؟ وهل يجب لاصحابه من ذلك عليه شئ ؟ فوقع عليه السلام: لى منه الخمس من ما يفضل من مؤنته ". وما رواه في الصحيح عن على بن مهزيار (3) قال: " قال لى أبو على بن راشد قلت له امرتي بالقيام بامرك وأخذ حقك فاعلمت مواليك ذلك فقال بعضهم وأى شئ حقه ؟ فلم أدر ما اجيبه ؟ فقال يجب عليهم الخمس. فقلت ففى أي شئ ؟ فقال في المتعتهم وضياعهم. قلت فالتاجر عليه والصانع بيده ؟ فقال ذلك إذا امكنهم بعد مؤنتهم ". وما رواه في الكافي عن ابراهيم بن محمد الهمداني (4) قال: " كتبت إلى ابى الحسن عليه السلام اقرأني على بن مهزيار كتاب أبيك عليه السلام في ما أوجبه على أصحاب الضياع نصف السدس بعد المؤنة وانه ليس على من لم تقم ضيعته بمؤنته نصف السدس ولا غير ذلك واختلف من قبلنا في ذلك فقالوا يجب على الضياع الخمس بعد المونة مؤنة الضيعه وخراجها لا مؤنة الرجل وعياله ؟ فكتب عليه السلام بعد مؤنته ومؤنة عيالة وبعد خراج السلطان ". وما رواه في التهذيب في الصحيح عن على بن مهزيار (5) قال: كتب إليه ابراهيم بن محمد الهمداني اقرأني على كتاب ابيك.. الحديث مثل ما تقدم إلا انه
(1) و (2) و (3) و (5) الوسائل الباب 8 من ما يجب فيه الخمس (4) الاصول ج 1 ص 547 وفي الوسائل الباب 8 من ما يجب فيه الخمس
[ 349 ]
قال في آخره " فكتب عليه السلام وقرأه على بن مهزيار: عليه الخمس بعد مؤنته ومؤنه عياله وبعد خراج السلطان ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن مهزيار (1) قال: " كتب إليه أبو جعفر عليه السلام وقرأت أنا كتابه إليه في طريق مكة قال: الذى أو جبت في سنتى هذه وهذه سنة عشرين ومائتين فقط لمعنى من المعاني اكره تفسير المعنى كله خوفا من الانتشار وسأفسر لك بعضه ان شاء الله تعالى: ان موالى اسأل الله صلاحهم أو بعضهم قصروا في ما يجب عليهم فعلمت ذلك فاجبت أن أطهر هم وأزكيهم بما فعلت في عامى هذا من أمر الخمس، قال الله تعالى: " خذ من أموالهم صدقة تطهر هم وتزكيهم بها وصل عليهم ان صلاتك سكن لهم والله سميع عليم ألم يعلموا ان الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وان الله هو التواب الرحيم وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون " ولم اوجب ذلك عليهم في كل عام، ولا أوجب عليهم إلا الزكاة التى فرضها الله تعالى عليهم، وإنما أوجبت عليهم الخمس في سنتى هذه في الذهب والفضة التى قد حال عليها الحول ولم أوجب ذلك عليهم في متاع ولا آنية ولا دواب ولا خدم ولا ربح ربحه في تجارة ولا ضيعة إلا ضيعة سأفسر لك امرها تخفيفا منى عن موالى ومنا منى عليهم لما يغتال السلطان من أموالهم وبما ينوبهم في ذاتهم. فاما الغنائم والفوائد فهى واجبة عليهم في كل عام، قال الله تعالى: " واعلموا أنما غنمتم من شئ فان الله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ان كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قدير " (3) فالغنائم والفوائد يرحمك الله فهى الغنيمة يغنمها المرء والفائدة
(1) الوسائل الباب 8 من ما يجب فيه الخمس (2) سورة التوبة الآية 105 و 106 و 107 (3) سورة الانفال الآية 43
[ 350 ]
يفيدها، والجائزة من الانسان للانسان التى لها خطر، والميراث الذى لا يحتسب من غير اب ولا ابن، ومثل عدو يصطلم فيؤخذ ماله، ومثل مال يؤخذ ولا يعرف له صاحب، ومن ضرب ما صار إلى موالى من أموال الخرمية الفسقة فقد علمت ان اموالا عظاما صارت إلى قوم من موالى، فمن كان عنده شئ من ذلك فليوصل إلى وكيلى ومن كان نائيا بعيد الشقة فليعمد لايصاله ولو بعد حين فان نية المؤمن خير من عمله. فاما الذى أوجب من الضياع والغلات في كل عام فهو نصف السدس ممن كانت ضيعته تقوم يمؤنته ومن كانت ضيعته لا تقوم بمؤنته فليس عليه نصف سدس ولا غير ذلك ".
اقول: الوجه في ايجابه نصف السدس هو أنه صاحب الحق فله تحليل شيعته بما أراد من حقه، وسيأتى تحقيق المسألة ان شاء الله تعالى على وجهها في الفصل الثاني وما رواه في الكافي في الموثق عن سماعة (1) قال: " سالت أبا الحسن عليه السلام عن الخمس فقال في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير ". وما رواه في أيضا عن يزيد (2) قال: " كتبت جعلت لك الفداء تعلمني ما الفائدة وما حدها ؟ رأيك ابقاك الله تعالى أن تمن على ببيان ذلك لكى لا أكون مقيما على حرام لا صلاة لى ولا صوم ؟ فكتب: الفائدة من ما يفيد اليك في تجارة من ربحها وحرث بعد الغرام أو جائزة ". وما رواه الشيخ عن عبد الله بن سنان (3) قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام على كل امرئ غنم أو اكتسب الخمس من ما أصاب لفاطمة (عليها السلام) ولمن يلى أمرها من بعدها من ذريتها الحجج على الناس فذاك لهم خاصة يضعونه حيث شاءوا وحرم عليهم الصدقة، حتى الخياط ليخيط ثوبا بخمسة دوانيق فلنا منه دانق إلا من أحللناه من شيعتنا لتطيب لهم به الولادة.. الحديث ". وما رواه باسناده عن الريان بن الصلت (4) قال: " كتبت إلى ابى محمد عليه السلام
(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 8 من ما يجب فيه الخمس
[ 351 ]
ما الذى يجب على يا مولاى في غلة رحى في أرض قطيعة لى وفى ثمن سمك وبردى وقصب ابيعه من اجمة هذه القطيعة ؟ فكتب يجب عليك فيه الخمس ان شاء الله تعالى " وما رواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب محمد بن على بن محبوب (1) قال: " كتبت إليه في الرجل يهدى إليه مولاه والمنقطع إليه هدية تبلغ الفى درهم أو أقل أو أكثر هل عليه فيها الخمس ؟ فكتب عليه السلام الخمس في ذلك. وعن الرجل يكون في داره البستان فيه الفاكهة تأكله العيال إنما يبيع منه الشئ بمائة درهم أو خمسين درهما هل عليه الخمس ؟ فكتب: اما ما أكل فلا واما البيع فنعم هو كسائر الضياع ". ولم نقف لما نقل عن ابن الجنيد وابن ابى عقيل على دليل معتمد سوى ما نقله في المختلف فقال احتج ابن الجنيد باصالة براءة الذمة وبما رواه عبد الله بن سنان (2) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة " ثم قال (قدس سره): والجواب عن الاول انه معارض بالاحتياط مع ان الاصل لا يعمل به مع قيام الموجب، وعن الثاني بالقول بالموجب فان الخمس إنما يجب في ما يكون غنيمة وهو يتناول غنائم دار الحرب وغيرها من جميع الاكتسابات. على انه لا يقول بذلك فانه أوجب الخمس في المعادن والغوص وغير ذلك انتهى. ويمكن أن يقال ولعله الاظهر: ان الوجه في ما ذكره ابن الجنيد وابن ابى عقيل انما هو من حيث ورود جملة من الاخبار كما سيأتي ان شاء الله تعالى في محلها بتحليل الخمس من هذه النوع كما يشير إليه قول ابن الجنيد في عبارته المتقدمة: " لاختلاف الرواية في بذلك " فكأنهما رجحا العمل باخبار التحليل فاسقطاه هنا.
إذا عرفت ذلك فتنقيح هذا المقام يتوقف على رسم مسائل:
(1) الوسائل الباب 8 من ما يجب فيه الخمس، وابن محبوب يرويه عن احمد بن هلال عن ابن ابى عمير عن ابان بن عثمان عن ابى بصير عن ابى عبد الله (ع). (2) الوسائل الباب 2 من ما يجب فيه الخمس
[ 352 ]
الاولى: المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) وجوب الخمس في جميع انواع المكاسب من الزراعات والصناعات والتجارات عدا الميراث والصداق والهبة، ونقل عن ابى الصلاح وجوبه في الميراث والهبة والهدية، وانكر ذلك ابن ادريس وقال هذا شئ لم يذكره اصحابنا غير ابى الصلاح. أقول: ويدل على ما ذهب إليه أبو الصلاح عموم رواية محمد بن الحسن الاشعري المتقدمة (1) من ان الخمس على جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب، وموثقة سماعة (2) لقوله عليه السلام فيها " في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير ". وعلى خصوص الهدية الرواية المتقدم نقلها من مستطرفات السرائر، واليه يشير ايضا ما رواه في الكافي عن على بن الحسين بن عبد ربه (3) قال: " سرح الرضا عليه السلام بصلة إلى ابى فكتب إليه ابى هل على في ما سرحت إلى خمس ؟ فكتب إليه: لا خمس عليك في ما سرح به صاحب الخمس " فانه يشعر بوجوب الخمس في ما يسرح به غير صاحب الخمس وإلا لكتب إليه انه لا خمس في ما يسرح به مطلقا. وعلى الجميع صحيحة على بن مهزيار وقوله فيها " الفائدة يفيدها والجائزة من الانسان للانسان التى لها خطر والميراث الذى لا يحتسب من غير أب ولا ابن ". وما في كتاب الفقه الرضوي (4) حيث ذكر الغنيمة في الآية وفسرها بهذه الافراد: ربح التجارة وغلة الضيعة وسائر الفوائد من المكاسب والصناعات والمواريث وغيرها لان الجميع غنيمة وفائدة. وبالجملة فانه متى فسرت آية الغنيمة بما هو أعم من غنيمة دار الحرب كما عرفته من الاخبار فان هذه الاشياء تدخل فيها التبة وتخرج الاحاديث الواردة في هذه الاشياء على الخصوص شاهدة لذلك. وبه يظهر قوة القول المذكور.
(1) ص 347 و 348 (2) ص 350 (3) الوسائل الباب 11 من ما يجب فيه الخمس (4) مستدرك الوسائل الباب 6 من ما يجب فيه الخمس
[ 353 ]
واما عد الصداق في ذلك فلم أقف على قائل به، ولو قيل به فالظاهر انه ليس من قبيل هذه لان الصداق عوض البضع كثمن المبيع فلا يكون من قبيل الغنيمة. ومثله ما لو دفع إليه مال يحج به كما رواه في الكافي عن على بن مهزيار (1) قال: " كتبت إليه يا سيدى رجل دفع إليه مال يحج به هل عليه في ذلك المال حين يصير إليه الخمس أو على ما فضل في يده بعد الحج ؟ فكتب: ليس عليه الخمس ".
الثانية - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في أن الخمس المتعلق بالارباح إنما يجب بعد مؤنة السنة له ولعياله، وقد تقدم في الاخبار المذكورة في المقام ما يدل على كونه بعد المؤنة له ولعياله، إلا انى لم أقف على خبر صريح يتضمن كون المراد مؤنة السنة، لكن الظاهر انه هو المتبادر من اطلاق هذه الالفاظ. واعتبار الحول هنا ليس في الوجوب بمعنى توقف الوجوب عليه خلافا لابن ادريس كما نقله عنه في الدروس، بل بمعنى تقدير الاكتفاء فلو علم الاكتفاء في أول الحول وجب الخمس ولكن يجوز تأخيره احتياطا له وللمستحق لجواز زيادة النفقة بسبب عارض أو نقصها كما صرح به شيخنا الشهيد في البيان. وظاهر العلامة في التذكرة حيث نسب اعتبار السنة الكاملة إلى علمائنا انه لا يكتفى بالدخول في الثاني عشر كما في الزكاة واستقر به الشهيد في الدروس. وذكر غير واحد من الاصحاب ان المراد بالمؤنة هنا ما ينفقه على نفسه وعياله الواجبى النفقة وغيرهم كالضيف، ومنها الهدية والصلة لاخوانه وما يأخذه الظالم منه قهرا أو يصانعه به اختيار والحقوق اللازمة له بنذر وكفارة ومؤنة التزويج وما يشتريه لنفسه من دابة ومملوك ونحو ذلك، كل ذلك ينبغى أن يكون على ما يليق بحاله عادة وان أسرف حسب عليه ما زاد وان قتر حسب له ما نقص. وما ذكروه (نور الله تعالى مراقدهم) لا بعد فيه فانه هو المتبادر من هذا
(1) الوسائل الباب 11 من ما يجب فيه الخمس
[ 354 ]
اللفظ بالنظر إلى العادة الجارية والطريقة التى عليها الناس في جميع الاعصار والامصار وظاهرهم ان ما يستثنى من ربح عامه وبه صرح بعضهم، فلو استقر الوجوب في مال بمضي الحول لم يستثن ما تجدد من المؤن. ولا يعتبر الحول في كل تكسب بل مبدأ الحول من حين الشروع في التكسب بانواعه فإذا تم الحول خمس ما بقى عنده. ولو تملك قبل الحول ما يزيد على المؤنة دفعة أو دفعات تخير في العجيل والتأخير كما ذكرنا أولا، إلا ان ظواهر بعض الاخبار مثل قوله عليه السلام (1) " حتى الخياط ليخيط ثوبا بخمسة دوانيق فلنا منه دانق " - ربما ينافى ما ذكرناه ولكن الظاهر ان هذه الخبر ونحوه ليس على اطلاقه بل يجب تقييده باخبار استثناء المؤنة المتكاثرة كما عرفت. ولو كان له مال لا خمس فيه ففى احتساب المؤنة منه أو من الربح المكتسب أو بالنسبة منهما ؟ أوجه أجودها الثاني وأحوطها الاول. وأدخل في المنتهى في الاكتساب زيادة قيمة ما غرسه لزيادة نمائه فاوجب الخمس فيها بخلاف ما لو زادت قيمته السوقية من غير زيادة فيه وهو جيد، ومنهم من أوجب في زيادة القيمة أيضا. وهل يكفى ظهور الربح في امتعة التجارة أم يحتاج إلى البيع والانضاض ؟ وجهان ولعل الثاني هو الاقرب.
الثالثة - قال الشيخ في المبسوط العسل الذى يؤخذ من الجبال وكذلك المن يؤخذ منه الخمس، واختاره ابن ادريس وابن حمزة وقطب الدين الكيدرى وجملة من المتأخرين، ونقل عن السيد المرتضى (رضى الله عنه) في أجوبة المسائل الناصرية عدم الوجوب. والظاهر هو القول المشهور لكون ذلك كسبا فيدخل تحت الاخبار الدالة
(1) في رواية عبد الله بن سنان ص 350
[ 355 ]
على وجوب الخمس في المكاسب كرواية محمد بن الحسن الاشعري المتقدمة (1) الدالة على ان الخمس على جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب ونحوها من ما تقدم. احتج السيد على ما نقل عنه بالاجماع، وبان الاصل ان لا حق في الاموال، فمن أثبت حقا في العسل أو غيره اما خمسا أو غيره فعليه اقامة الدليل ولا دليل. وضعفه ظاهر، اما الاجماع ففيه انه لا قائل به سواه واما الدليل فقد ذكرناه. ولا اعرف هنا وجها لتخصيص الكلام بالعسل والمن كما ذكره في المبسوط إلا أن يكون المراد من كلامه مجرد التمثيل، وإلا فالحكم جار في كل ما يجتنى كالترنجبين والصمغ والشير خشك وغير ذلك لدخول الجميع تحت الاكتساب كما عرفت.
الرابعة - قال المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في كتاب المنتقى بعد نقل صحيحة على بن مهزيار الطويلة المتقدمة (2) ما صورته: قلت على ظاهر هذا الحديث عدة اشكالات ارتاب منها فيه بعض الواقفين عليه، ونحن نذكرها مفصلة ثم نحلها بما يزيل عنها الارتياب بعون الله سبحانه ومشيئته:
الاشكال الاول - ان المعهود والمعروف من أحوال الائمة (عليهم السلام) انهم خزنة العلم وحفظة الشرع يحكمون فيه بما استودعهم الرسول صلى الله عليه وآله واطلعهم عليه، وانهم لا يغيرون الاحكام بعد انقطاع الوحى وانسداد باب النسخ، فكيف يستقيم قوله عليه السلام في هذا الحديث " أوجبت في سنتى ولم أوجب ذلك عليهم في كل عام " إلى غير ذلك من العبارات الدالة على انه عليه السلام يحكم في هذا الحق بما شاء واختار.
الثاني - ان قوله عليه السلام: " ولا أوجب عليهم إلا الزكاة التى فرضها الله عليهم " ينافيه قوله بعد ذلك: " فاما الغنائم والفوائد فهى واجبة عليهم في كل عام ".
(1) ص 347 و 348 (2) ص 7349
[ 356 ]
الثالث - ان قوله عليه السلام: " وإنما أوجب عليهم الخمس في سنتى هذه من الذهب والفضة التى قد حال عليها الحول " خلاف المعهود إذ الحول يعتبر في وجوب الزكاة في الذهب والفضة لا الخمس. وكذا قوله: " ولم أوجب ذلك عليهم في متاع ولا آنية ولا دواب ولا خدم " فان تعلق الخمس بهذه الاشياء غير معروف.
والرابع - ان الوجه في الاقتصار على نصف السدس غير ظاهر بعد ما علم من وجوب الخمس في الضياع التى تحصل منها المؤنة كما يستفاد من الخبر الذى قبل هذا وغيره من ما سيأتي. إذا تقرر ذلك فاعلم ان الاشكال الاول مبنى على ما اتفقت فيه كلمة المتأخرين من استواء جميع أنواع الخمس في المصرف، ونحن نطالبهم بدليله ونضايقهم في بيان مأخذ هذه التسوية، كيف وفي الاخبار التى بها تمسكهم وعليها اعتمادهم ما يؤذن بخلافها بل ينادى بالا ختلاف كالخبر السابق عن ابى على بن راشد (1) ويعزى إلى جماعة من القدماء في هذه الباب ما يليق أن يكون ناظرا إلى ذلك، وفي خبر لا يخلو من جهالة في الطريق تصريح به ايضا فهو عاضد للصحيح، والخبر يرويه الشيخ باسناده عن سعد بن عبد الله عن احمد بن محمد عن على بن مهزيار قال حدثنى محمد بن على بن شجاع النيسابوري (2) " انه سأل أبا الحسن الثالث عليه السلام عن رجل أصاب من ضيعته مائة كر.. " ثم نقل الخبر بتمامه كما قدمناه، ثم قال: وإذا قام احتمال الاختلاف فضلا عن ايضاح سبيله باختصاص بعص الانواع بالامام عليه السلام فهذا الحديث مخرج عليه وشاهد به، واشكال نسبة الايحاب فيه بالاثبات والنفى إلى نفسه عليه السلام مرتفع معه فان له التصرف في ماله باى وجه شاء أخذا وتركا.
وبهذا ينحل الاشكال الرابع ايضا فانه في معنى الاول، وإنما يتوجه السؤال عن وجه الاقتصار على نصف السدس بتقدير عدم استحقاقة لكل، فاما مع كون
(1) و (2) ص 348
[ 357 ]
الجميع له فتعيين مقدار ما يأخذ ويدع راجع إلى مشيئته وما يراه من المصلحة ولا مجال للسؤال عن وجهه. اقول: لا يخفى ان الجواب عن السؤال المذكور لا ينحصر في ما ذكره (قدس سره) لتخذه مستندا لما ذهب إليه من اختصاص هذه النوع به عليه السلام دون الاصناف الاخر، بل يمكن الجواب بما ورد في جملة من الاخبار من انهم (عليهم السلام) قد فوض إليهم كما فوض إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقد عقد له في الكافي بابا على حدة. ومن اخباره ما رواه (قدس سره) عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسن قال وجدت في نوادر محمد بن سنان عن عبد الله بن سنان (1) قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام لا والله ما فوض الله إلى أحد من خلقه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وإلى الائمة (عليهم السلام) قال الله تعالى: انا أنزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله (2) وهى جارية في الاصياء عليهم السلام ". وفي حديث آخر (3) " فما فوض الله إلى رسوله صلى الله عليه وآله فقد فوضه الينا " وفي ثالث (4) " ان الله فوض إلى سليمان بن داود فقال: هذا عطاؤنا فامنن أو امسك بغير حساب (5) وفوض إلى نبيه صلى الله عليه وآله فقال: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (6) فما فوض إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقد فوضه الينا " إلى غير ذلك من الاخبار. ويؤيد هذه الاخبار ايضا ما في رواية ابى خالد الكابلي عنه عليه السلام (7) قال:
(1) و (3) اصول الكافي ج 1 ص 268 (2) سورة النساء الآية 107 (4) اصول الكافي ج 1 ص 265 رقم 2 (5) سورة ص الآية 39 (6) سورة الحشر الآية 8 (7) الوسائل الباب 2 من قسمة الخمس
[ 358 ]
" ان رأيت صاحب هذا الامر يعطى كل ما في بيت المال رجلا واحدا فلا يدخلن في قلبك شئ فانه انما يعمل بامر الله ". وحينئذ يكون ما ذكره عليه السلام راجعا إلى الخمس بجميع موارده لا إلى صنف منه مختص به كما يدعيه، وسيأتى ان شاء الله تعالى ما فيه مزيد تحقيق المقام والكلام على ما ذهب إليه بما يكشف عن المسألة غياهب الابهام. ثم قال (قدس سره): واما الاشكال الثاني فمنشأه نوع اجمال في الكلام اقتضاه تعلقة بامر معهود بين المخاطب وبينه عليه السلام كما يدل عليه قوله " بما فعلت في عامى هذا " وسوق الكلام يشير إلى البيان وينبه على ان الحصر في الزكاة اضافي مختص بنحو الغلات، ومنه يعلم ان قوله عليه السلام: " والفوائد " ليس على عمومه بحيث يتناول الغلات ونحوها بل هو مقصور على ما سواها، ويقرب ان يكون قوله " والجائزة " وما عطف عليه إلى آخر الكلام تفسيرا للفائدة أو تنبيها على نوعها، ولا ريب في مغايرته لنحو الغلات التى هي متعلق الحصر هناك. ثم ان في هذه التفرقة بمعونة ملاحظة الاستشهاد بالآية وقوله بعد ذلك " فليعمد لايصاله ولو بعد حين " دلالة واضحة على ما قلناه من اختلاف حال انواع الخمس، فان خمس الغنائم ونحوها من ما يستحقه أهل الآية ليس للامام عليه السلام أن يرفع فيه ويضع على حد ماله في خمس نحو الغلات وما ذاك إلا للاختصاص هناك والاشتراك هنا. أقول: ما ذكره (قدس سره) هنا بناء على ما اختاره من ما أشرنا إليه آنفا من أنه ليس للامام عليه السلام أن يرفع ويضع في ما يستحقه أهل الآية على حد ماله منظور فيه، فان المفهوم من الاخبار خلافه ومنها رواية ابى خالد الكابلي وما سيأتي ان شاء الله تعالى في أخبار التحليل (1) من دلالة جمله من الاخبار بعمومها على تحليل الخمس مطلقا، وصحيحة عمر بن اذينة (2) الواردة في حمل ابى سيار مسمع بن عبد الملك
(1) الوسائل الباب 4 من الانفال (2) الصحيح " عمربن يزيد "
[ 359 ]
خمس ما استفاده من الغوص إلى ابى عبد الله عليه السلام (1) ورده عليه وتحليله به كملا. ويعضد ذلك الاخبار الآتية ان شاء الله تعالى فانها دالة على ان الارض وما خرج منها كله لهم (عليهم السلام) (2) ويؤكد ذلك ايضا أخبار التفويض التى تقدم ذكر بعض منها. ثم قال (قدس سره): وبقى الكلام على الاشكال الثالث ومحصله ان الاشياء التى عددها عليه السلام في ايجابه للخمس ونفيه أراد بها ما يكون محصلا من ما يجب له فيه الخمس فاقتصر في الاخذ على ما حال عليه الحول من الذهب والفضة، لان ذلك امارة الاستغناء عنه فليس في الاخذ منه ثقل على من هو بيده، وترك التعرض لهم في بقية الاشياء المعدودة طلبا للتخفيف كما صرح به عليه السلام انتهى كلامه زيد مقامه أقول: جميع ما تكلفه في دفع هذه الاشكالات مبنى على ما زعمه من اختصاص خمس الارباح به عليه السلام دون شركائه المذكورين في الآية وسيأتى ما فيه. وبالجملة فالحق ما ذكره جملة من الاصحاب من أن الرواية في غاية الاشكال ونهاية الاعضال، واجوبته (قدس سره) مع كونها تكلفات ظاهرة مدخولة بما ذكرناه هنا وما سيأتي ان شاء الله تعالى.
المقام السادس - في أرض الذمي التى اشتراها من مسلم، وهذه الارض ذكرها الشيخ واتباعه استنادا إلى صحيحة ابى عبيدة الحذاء (3) قال: " سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول ايما ذمى اشترى من مسلم أرضا فان عليه الخمس ". وحكى العلامة في المختلف عن كثير من المتقدمين كابن الجنيد والشيخ المفيد وابن ابى عقيل وسلار وابى الصلاح انهم لم يذكروا هذه الفرد في ما يجب فيه الخمس وظاهرهم سقوط الخمس هنا، ونقل عن شيخنا الشهيد الثاني في فوائد القواعد الميل
(1) الوسائل الباب 4 من الانفال وما يختص بالامام رقم 12 (2) اصول الكافي ج 1 ص 407 باب ان الارض كلها للامام " ع " (3) الوسائل الباب 9 من ما يجب فيه الخمس
[ 360 ]
إلى ذلك استضعافا للرواية الواردة بذلك، وذكر في الروضة تبعا للعلامة في المختلف انها من الموثق. والجميع سهو ظاهر فان سند الرواية في أعلى مراتب الصحة لان الشيخ قد رواها في التهذيب (1) عن سعد عن احمد بن محمد عن الحسن بن محبوب عن ابى أيوب ابراهيم بن عثمان عن ابى عبيدة الحذاء، وروى هذه الرواية في الفقية (2) عن ابى عبيدة الحذاء ورواها المحقق في المعتبر عن الحسن بن محبوب، وروى الشيخ المفيد في باب الزيادات من المقنعة (3) عن الصادق عليه السلام مرسلا قال: " الذمي إذا اشترى من المسلم الارض فعليه فيها الخمس ". بقى الكلام في أن مصرف هذا الخمس هل هو مصرف الخمس الذى تضمنته الآية ؟ ظاهر الاصحاب ذلك حيث عدوا هذه الارض في هذا الباب. وقال المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في كتاب المنتقى بعد نقل الخبر المتقدم: قلت ظاهر اكثر الاصحاب الاتفاق على ان المراد من الخمس في هذا الحديث معناه المعهود وللنظر في ذلك مجال، ويعزى إلى مالك (4) القول بمنع الذمي من شراء الارض العشرية وانه إذا اشتراها ضوعف عليه العشر فيجب عليه الخمس، وهذا المعنى يحتمل إرادته من هذا الحديث اما موافقة عليه أو تقية، فان مدار التقية على الرأى الظاهر لاهل الخلاف وقت صدور الحكم، ومعلوم ان رأى مالك كان هو الظاهر في زمن الباقر عليه السلام ومع قيام هذا الاحتمال بل قربه
(1) ج 1 ص 384 و 389 (2) ج 2 ص 22 (3) الوسائل الباب 9 من ما يجب فيه الخمس (4) نقل أبو عبيد في كتاب الاموال ص 90 عن ابى حنيفة انه إذا اشترى الذمي أرض عشر تحولت أرض خراج. قال وقال أبو يوسف يضاعف عليه العشر. ثم نقل ذلك عن غيره ثم قال: فاما مالك بن انس فكان يقول غير ذلك كله، حدثنى عنه يحيى بن بكير لا شئ عليه فيها. ثم ذكر علة ذلك ثم قال: وروى بعضهم عن مالك انه قال لا عشر عليه ولكنه يؤمر ببيعها لان في ذلك ابطالا للصدقة.
[ 361 ]
لا يتجه التمسك بالحديث في اثبات ما قالوه، وليس هو بمظنة بلوغ حد الاجماع ليغنى عن طلب الدليل فان جمعا منهم لم يذكروه أصلا، وصرح بعضهم بالتوقف فيه لا لما قلناه بل استضعافا لطريق الخبر وهو من الغرابة بمكان.. إلى آخر كلامه (قدس سره). أقول: ويمكن أن يؤيد ما ذكره من احتمال حمل الخمس هنا على غير المعنى المشهور ما تقدم في أول الكتاب في صحيحة عبد الله بن سنان (1) من قوله عليه السلام " ليس الخمس إلا في الغنائم " بحمل الغنائم في الخبر على المعنى الاعم كما قدمنا بيانه وشددنا أركانه، وهو أظهر الاحتمالين في معنى الخبر كما قدمنا ذكره ثمة، ومن الظاهر ان ما نحن فيه هنا لا يدخل تحت الغنائم. وكذا يؤيد ذلك ما تقدم في المقام الرابع في الغوص من الاخبار الدالة بظاهرها على حصر ما فيه الخمس في خمسة اشياء ولم يذكر منها هذه الارض. إلا أن ما ذكره (قدس سره) من أن رأى مالك كان هو الظاهر في زمن الباقر عليه السلام لا يخلو من شئ، فان مذهب مالك في زمن وجوده ليس إلا كمذاهب سائر المجتهدين في تلك الاوقات، ومذهبه إنما اشتهر وصار له صيت مع مذهبي الشافعي وأحمد بن حنبل بعد الاصطلاح على تلك المذاهب اخيرا في ما يقرب من سنة خمسمائة وخمسين كما ذكره جملة من علمائنا وعلمائهم. نعم مذهب ابى حنيفة في وقته كان شائعا مشهورا وله تلامذة يجادلون على مذهبه. وبالجملة فما ذكره المحقق المشار إليه لا يخلو من قرب، وقريب منه ما ذكره في المدارك حيث قال - بعد أن ذكر ان الرواية خالية من ذكر متعلق الخمس ومصرفه صريحا - ما صورته: وقال بعض العامة ان الذمي إذا اشترى أرضا من مسلم وكانت عشرية ضوعف عليه العشر واخذ منه الخمس (2) ولعل ذلك هو المراد من النص. انتهى.
(1) ص 351 (2) ارجع إلى التعليقة 4 ص 360
[ 362 ]
فروع:
الاول - هل المراد بالارض هنا أرض الزراعة خاصة أو ما هو أعم منها ومن الارض المشغولة بالبناء والغرس ؟ ظاهر المعتبر الاول حيث قال: والظاهر ان مراد الاصحاب أرض الزراعة لا المساكن. واختاره في المدارك. وبالثانى صرح شيخنا الشهيد الثاني جزما حيث صرح بالوجوب فيها سواء اعدت للزراعة أم لغيرها حتى لو اشترى بستانا أو دارا أخذ منه خمس الارض عملا بالاطلاق، وخصها في المعتبر بالاول، وإلى ذلك ايضا يميل كلام شيخنا الشهيد في البيان، وجزم في المدارك بضعف هذا القول. والمسألة لا تخلو من الاشكال.
الثاني - قالوا: لو اشتملت على أشجار وبناء فالخمس واجب في الارض لا فيهما ويتخير في الاخذ بين الاخذ من رقبة الارض أو ارتفاعها. والاقرب ان التخيير إنما هو في ما إذا لم تكن الارض مشغولة بغرس أو بناء وإلا يتعين الاخذ من الارتفاع، وطريقه انه متى كانت مشغولة بشجر أو بناء ان تقوم الارض مع ما فيها بالاجرة وتوزع الاجرة على ما للمالك وعلى خمس الارض فيأخذ الامام أو المستحق ما يخص الخمس من الاجرة.
الثالث - مورد الخبر كما عرفت الشراء وظاهر جملة من عباراتهم ترتب الحكم على مجرد الانتقال، قال شيخنا الشهيد الثاني في الروضة - بعد قول المصنف السابع أرض الذمي المنتقلة إليه من مسلم ما صورته: سواء انتقلت إليه بشراء أم غيره وان تضمن بعض الاخبار لفظ الشراء وبذلك صرح الشهيد في البيان ايضا، واكثر عباراتهم على التعبير بلفظ الشراء وهو الاقرب وقوفا على مورد النص متى عمل به.
الرابع - لا فرق على القول بذلك بين الارض التى فيها الخمس كالارض المفتوحة عنوة بناء على ما هو المفهوم من كلامهم من تعلق الخمس برقبة الارض وقد مر الكلام فيه والتى ليست كذلك كالارض التى اسلم عليها أهلها طوعا وصارت ملكا لهم عملا باطلاق النص، إلا أن بيع الارض المفتوحة عنوة في مصالح العسكر
[ 363 ]
ونحوها من ما لا إشكال فيه، وكذا من أرباب الخمس ان أخذوه منها بناء على ما عرفت من كلامهم من أن خمسها لارباب الخمس، واما بيعها تبعا لآثار التصرف كما هو المشهور فاستشكله في المدارك لعدم دخولها في ملك المتصرف بتلك الآثار قطعا ومتى انتفى الملك امتنع تعلق البيع بها كما هو واضح. وسيجئ تحقيق المسألة في محلها ان شاء الله تعالى.
الخامس - قالوا: لو باعها الذمي ذميا آخر لم يسقط الخمس إذا لم يكن قد أخذ ولو باعها على مسلم فالاقرب انه كذلك لان أهل الخمس استحقوه في العين. ولو شرط الذمي في البيع سقوط الخمس عنه فسد الشرط، وهل يفسد البيع ؟ اشكال وظاهرهم الحكم بفساده كما هو المشهور بينهم في كل عقد اشتمل على شرط فاسد. ولو تقايلا بعد البيع احتمل سقوط الخمس بناء على ان الاقالة فسخ عندهم، وفيه اشكال
المقام السابع - في الحلال إذا اختلط بالحرام، والقول بوجوب الخمس هنا هو المشهور، ونقل عن الشيخ المفيد وابن ابى عقيل وابن الجنيد انهم لم يذكروا الخمس هنا في عداد الافراد المتقدمة كما لم يذكروه في سابق هذه المقام. وقد ورد بالخمس هنا روايات: منها - ما رواه الشيخ في التهذيب عن الحسن ابن زياد عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " ان رجلا أتى امير المومنين عليه السلام فقال يا امير المؤمنين انى أصبت مالا لا أعرف حلاله من حرامه ؟ فقال له اخرج الخمس من ذلك المال فان الله عزوجل قد رضى من المال بالخمس واجتنب ما كان صاحبه يعلم ". وما رواه في الفقيه مرسلا (2) قال: " جاء رجل إلى امير المؤمنين عليه السلام فقال يا امير المؤمنين اصبت مالا أغمضت فيه أفلى توبة ؟ قال: إئتني بخمسه فاتاه بخمسه فقال هو لك ان الرجل إذا تاب تاب ماله معه ".
(1) و (2) الوسائل الباب 10 من ما يجب فيه الخمس
[ 364 ]
وما رواه الصدوق في الخصال بسند قوى إلى عمار بن مروان (1) قال: " سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول في ما يخرج من المعادن والبحر والغنيمة والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه والكنوز الخمس ". وما رواه ثقة الاسلام في الكافي عن السكوني عن ابى عبد الله عن آبائه عن على (عليهم السلام) (2) " أنه أتاه رجل فقال انى كسبت مالا اغمضت في مطالبه حلالا وحراما وقد أردت التوبة ولا أدرى الحلال منه والحرام وقد اختلط على ؟ فقال امير المؤمنين عليه السلام تصدق بخمس مالك فان الله رضى من الاشياء بالخمس وسائر المال لك حلال " ورواه البرقى في المحاسن (3) والمفيد والمقنعة (4). أقول: والكلام في هذه الاخبار يقع في مقامين: الاول في مخرج الخمس هنا، ظاهر الاخبار المذكورة هو وجوب الخمس في هذا المال الممتزج حلاله بحرامه أعم من أن يكون علم مالكه وقدره أم لم يعلمهما أو علم القدر دون المالك أو بالعكس إلا أن الاصحاب خصوها بصورة عدم معلومية القدر والمالك، قالوا فلو علمهما فالواجب هو دفع ما علمه لمالكه. وهذا من ما لا ريب فيه ولا اشكال يعتريه لانه يصير من قبيل الشريك الذى يجب دفع حصته له متى أراد. واما إذا علم القدر دون المالك فقيل هنا بوجوب الصدقة مع اليأس من المالك سواء كان بقدر الخمس أو أزيد أو أنقص واختاره في المدارك، وقيل بوجوب اخراج الخمس ثم الصدقة بالزائد في صورة الزيادة. والظاهر ان مستند القول الاول هو الاخبار الدالة على الامر بالتصدق بالمال المجهول المالك (5) ومن أجل ذلك أخرجوا هذه الصورة من عموم النصوص المتقدمة.
(1) الوسائل الباب 3 من ما يجب فيه الخمس. والرواية عن ابى عبد الله " ع " (2) الوسائل الباب 10 من ما يجب فيه الخمس. واللفظ " عن ابى عبد الله قال أتى رجل امير المؤمنين.. " (3) و (4) الوسائل الباب 10 من ما يجب فيه الخمس (5) الوسائل الباب 47 من ما يكتسب به والباب 6 من ميراث الخنثى وما اشبهه
[ 365 ]
ولقائل أن يقول أن مورد تلك الاخبار الدالة على التصدق إنما هو المال المتميز في حد ذاته لمالك مفقود الخبر والحاق المال المشترك به مع كونه من ما لا دليل عليه قياس مع الفارق، لانه لا يخفى ان الاشتراك في هذا المال سار في كل درهم درهم وجزء جزء منه، فعزل هذا القدر المعلوم للمالك المجهول مع كون الشركة شائعة في اجزائه كما انها شائعة في اجزاء الباقي لا يوحب استحقاق المالك المجهول له حتى انه يتصدق به عنه، فهذا العزل لا ثمرة له بل الاشتراك باق مثله قبل العزل. فان قيل: انه متى كان المال مشتركا بين شريكين فان لهما قسمته ويزول الاشتراك بالقسمة وتمييز حصة كل منهما عن الآخر. قلنا: إنما صحت القسمة في الصورة المذكورة وذاك الاشتراك من حيث حصول التراضي من الطرفين على ما يستحقه أحدهما في مال شريكه بما يستحقه الآخر في حصته كما صرح به الاصحاب، فهو في قوة الصلح بل هو صلح موجب لنقل حصة كل منهما للآخر، وهذا غير ممكن في ما نحن فيه فقياس أحدهما على الآخر مع الفارق كما لا يخفى. واما القول الآخر وهو إخراج الخمس ثم الصدقة بالزائد في صورة الزيادة ففيه ما في سابقه بالنسبة إلى الصدقة بالزائد في الصورة المذكورة. وبما ذكرنا يظهر ان الاظهر دخول هذه الصورة تحت اطلاق الاخبار المتقدمة وانه لا دليل على اخراجها. واما إذا علم المالك دون القدر فانهم قالوا الواجب في هذه الصورة هو التخلص منه بصلح ونحوه، فان ابى قال في التذكرة: دفع إليه خمسه لان القدر جعله الله مطهرا للمال. وفيه نظر فان جعله مطهرا إنما هو من حيث عدم ظهور المالك ومعلوميته لا مع ظهوره. قال في المدارك: والاحتياط يقتضى وجوب دفع ما يحصل به يقين البراءة، ويحتمل الاكتفاء بدفع ما يتيقن انتفاؤه عنه. وعندي في هذه الصورة توقف من حيث احتمال ما ذكروه من وجوب التخلص منه بصلح ونحوه ومن
[ 366 ]
حيث اطلاق الاخبار المتقدمة. ولا ريب ان الاحتياط في ما ذكروه والاحتياط التام ما ذكره في المدارك من دفع ما يحصل به يقين البراءة. واما ما ذكره السيد السند في المدارك في الصورة المتفق عليها بينهم من أن المطابق للاصول وجوب عزل ما يتيقن انتفاؤه عنه والتفحص عن مالكه إلى أن يحصل اليأس من العلم به فيتصدق به على الفقراء كما في غيره من الاموال المجهولة المالك.. إلى آخره - ففيه أولا - ما عرفت من أن مورد تلك الاخبار إنما هو المال المتميز في حد ذاته لا ما كان مشتركا وأحدهما غير الآخر كما عرفت. و (ثانيا) - ان ما ذكره موجب لاطراح هذه النصوص رأسا، فانها صريحة الدلالة في وجوب اخراج الخمس وحل الباقي بذلك أعم من أن يتيقن انتفاء شئ منه عنه أم لا، بل التيقن البتة حاصل ولو جزء يسيرا مع انه عليه السلام حكم بوجوب اخراج الخمس وحل الباقي ولم يلتفت إلى هذا التيقن بالكلية. وطرحها مع تكررها في الاصول واتفاق الاصحاب على القول بها من ما لا يجترئ عليه ذو مسكة. وبالجملة فان الحق ان مورد تلك الاخبار غير مورد هذه فيعمل بكل منهما في ما ورد فيه ولا اشكال ولا منافاة.
المقام الثاني - في مصرف هذا الخمس، جمهور الاصحاب (رضوان الله عليهم) على ان مصرفه هو مصرف غيره من المصارف التى تضمنتها الآية (1) وظاهر جملة من محققى متأخرى المتأخرين المناقشة في ذلك. قال المحدث الكاشانى في الوافى - بعد نقل خبر أرض الذمي أولا ثم خبر الحسن بن زياد وخبر الفقيه التى قدمناها - ما لفظه: وهذا الخبران والذى قبلهما لا دلالة في شئ منها على ان مصرف الخمس المذكور فيه هو المصرف المذكور في آية الخمس كما فهمه جماعة من أصحابنا، بل يحتمل أن يكون المراد بالاول تضعيف الزكاة على الذمي المشترى من المسلم أرضه أو الخراج وبالاخيرين التصدق على
(1) وهى قوله تعالى " واعلموا انما غنمتم.. " سورة الانفال الآية 43
[ 367 ]
الفقراء والمساكين ويكون التعليل برضاء الله تعالى بالخمس من المال لتعيين هذا القدر للتصدق في رضاء الله، والدليل على ذلك قوله عليه السلام في هذين الخبرين برواية السكوني (1) على ما يأتي في كتاب المعايش " تصدق بخمس مالك فان الله جل اسمه رضى من الاشياء بالخمس وسائر المال لك حلال " هذا كلامه عليه السلام هناك وظاهر أن التصدق لا يحل لبنى هاشم. واما قوله عليه السلام (2): " إئتني بخمسه " فلا دلالة فيه على ان هذا الخمس له عليه السلام ولعله انما قبضه ليصرفه على أهله لانه أعرف بمواضعه ولذا أعطاه إياه حيث وجده أهلا له. انتهى. ويظهر من شيخنا الشهيد في البيان التردد في المسألة حيث قال: ظاهر الاصحاب ان مصرف هذا الخمس أهل الخمس وفي الرواية (3) " تصدق بخمس مالك لان الله رضى من الاموال بالخمس " وهذه تؤذن بانه في مصرف الصدقات لان الصدقة الواجبة محرمة على مستحق الخمس. انتهى. اقول: أما ما ذكره في الوافى - منه أنه لا دلالة في الخبرين وكذلك الذى قبلهما على ان مصرف الخمس المذكور هو المصرف المذكور في آية الخمس - ففيه ان الاخبار المتقدمة في المعدن والكنز والغوص والارباح كلها من هذا القبيل لم يتعرض في شى منها لبيان المصرف وإنما دلت على ما دلت عليه هذه الاخبار من أن فيه الخمس فالايراد بهذا الوجه من ما لا وجه له. نعم ما ذكره من دلالة ظاهر رواية السكوني على خلاف ما ذكروه جيد كما أشار إليه شيخنا الشهيد ايضا. واما تأويله قول امير المؤمنين عليه السلام (4) " إئتني بخمسه " فلا يخفى انه خلاف الظاهر، إذ الظاهر من طلبه له هو كونه له ومختصا به كغيره من افراد الاخماس ولا ينافى ذلك رده على صاحبه لانه من قبيل رد الصادق عليه السلام على مسمع بن عبد الملك خمس ما حمل إليه من الغوص كما تقدم (5) المؤذن بالتحليل، وسيأتى في أخبار
(1) ص 364 (2) و (4) في مرسلة الفقيه المتقدمة ص 363 (3) المتقدمة ص 364 عن السكوني (5) ص 358 و 359
[ 368 ]
التحليل في محله ان شاء الله تعالى فيكون هذا الخبر من جملتها، ويؤيد قوله عليه السلام في صحيحة على بن مهزيار المتقدمة في عد ما يجب فيه الخمس من الغنائم والفوائد قال: " ومثله مال يؤخذ ولا يعرف له صاحب " إلا ان ما ذكره يصلح وجه تأويل للجمع بينه وبين خبر السكوني ولعله الارجح. واما ما تضمنته صحيحة على بن مهزيار فهو مخالف لما دلت عليه الاخبار الكثيرة من التصدق بما هذا شأنه عن صاحبه لا انه يؤخذ منذ الخمس ويحل الباقي له، وهذا من جملة المخالفات التى اوجبت التوقف في هذا الخبر. إلا ان الظاهر من رواية الخصال التى قدمناها (1) حيث عد الحلال المختلط بالحرام في جملة ما يجب فيه الخمس بالمعنى المعروف انه كذلك وظهورها في هذا المعنى أمر لا ينكر، وبه تبقى المسألة في قالب الاشكال. واما ما يفهم من كلام المحدث المذكور - ومثله شيخنا الشهيد على تقدير كون هذا الخمس صدقة من انه يحرم على بنى هاشم لانه صدقة واجبة ففيه ان المفهوم من الاخبار كما قدمنا بيانه ان المحرم عليهم من الصدقة واجبة كانت أو مستحبة إنما هو الزكاة خاصة وبذلك صرح جملة من أصحابنا كما سلف بيانه. وبالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال والاحتياط بعد اخراج هذا الخمس دفعة لفقراء السادة للخروج به عن العهدة على الاحتمالين، واما ما ذكره الفاضلان المتقدمان فقد عرفت ما فيه. تتمة روى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن حفص بن البخترى عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " خذ مال الناصب حيثما وجدته وادفع الينا الخمس " رواه بسند آخر عن معلى بن خنيس عن ابى عبد الله عليه السلام مثله (2). ويقرب منه أيضا ما رواه في الموثق عن عمار عن ابى عبد الله عليه السلام (3)
(1) و (2) الوسائل الباب 2 من ما يجب فيه الخمس (3) الوسائل الباب 10 من ما يجب فيه الخمس
[ 369 ]
" انه سئل عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل ؟ قال لا إلا أن لا يقدر على شئ ولا يأكل ولا يشرب ولا يقدر على حيلة فان فعل فصار في يده شئ فليبعث بخمسه إلى أهل البيت عليهم السلام ". وهذه الاخبار صريحة كما ترى في وجوب الخمس في هذا الموضع وان مصرفه مصرف الخمس الذى في الآية مع ان أحدا من الاصحاب لم يتعرض لذكر هذا الحكم في هذا الباب في ما أعلم. وربما أشعرت هذه الاخبار بان الخمس مشاع في أموالهم حيث انهم لا يرون وجوب أدائه إلى أصحابه فكل من اغتال شيئا من أموالهم أوصل الخمس إلى أهله وملك الباقي. ومن ما يدل على وجوب الخمس هنا ايضا ما تقدم في صحيحة على بن مهزيار (1) من قوله عليه السلام " ومثل عدو يصطلم فيؤخذ ماله.. ومن ضرب ما صار إلى موالي من أموال الخرمية الفسقة فقد علمت ان أموالا عظاما صارت إلى قوم من موالي فمن كان عنده شئ من ذلك فليوصل إلى وكيلى.. الحديث " والاصطلام بمعنى الاستئصال قال في الوافي: والخرمية بالخاء المعجمة والراء المهملة أصحاب التناسخ والاباحة.
(1) ص 350
<>