
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء الثاني عشر
الفصل الثاني
في قسمة الخمس وما يتبعها
والكلام في هذا الفصل يقع في مطالب:
الاول - في كيفية القسمة والكلام فيه يقع في مقامين: أحدهما - في أنه هل يقسم أسداسا أو أخماسا ؟ المشهور الاول وهى سهم الله وسهم رسوله وسهم ذي القربى وهى للنبى صلى الله عليه وآله وبعده للامام عليه السلام القائم مقامه والثلاثة الاخر لليتامى والمساكين وابن السبيل، وحكى المحقق والعلامة عن بعض الاصحاب قولا بانه يقسم خمسة أقسام: سهم الله لرسوله صلى الله عليه وآله
[ 370 ]
وسهم ذى القربى لهم والثلاثة الباقية لليتامى والمساكين وابن السبيل، وإلى هذا القول ذهب أكثر العامة ونقله في المعتبر عن ابى حنيفة والشافعي (1). حجة القول الاول ظاهر الآية وهو قوله تعالى: " واعلموا أنما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل " (2) قالوا: فان اللام للملك أو الاختصاص والعطف بالواو يقتضى التشريك فيجب صرفه في الاصناف الستة. والاخبار الدالة على ذلك ومنها - ما رواه الشيخ في الموثق عن عبد الله بن بكير عن بعض أصحابه عن أحدهما (عليهما السلام) (3) " في قول الله عزوجل: واعلموا أنما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل (4) قال خمس الله للامام وخمس الرسول للامام وخمس ذى القربى لقرابة الرسول صلى الله عليه وآله الامام عليه السلام واليتامى يتامى الرسول صلى الله عليه وآله والمساكين منهم وأبناء السبيل منهم فلا يخرج منهم إلى غيرهم ". وما رواه في الصحيح عن احمد بن محمد قال حدثنا بعض أصحابنا رفع الحديث (5) قال: " الخمس من خمسة أشياء.. ثم ساق الخبر إلى أن قال: فاما الخمس فيقسم على ستة أسهم: سهم لله وسهم للرسول وسهم لذوى القربى وسهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لابناء السبيل، فالذي لله فلرسول الله صلى الله عليه وآله فرسول الله أحق به فهو له خاصة، والذى للرسول صلى الله عليه وآله هو لذى القربى والحجة في زمانه فالنصف له خاصة، والنصف لليتامى والمساكين وابناء السبيل من آل محمد صلى الله عليه وآله الذين لا تحل
(1) المغنى ج 6 ص 406 والمحلى ج 7 ص 327 والاموال ص 325 والبداية ج 1 ص 377 والبدائع ج 7 ص 124 وقد نقل فيه ذلك وفي البداية عن الشافعي كما في المتن إلا ان المنقول عن ابى حنيفة في البدائع اختصاص ذلك بحياة النبي " ص " وانه يقسم بعده ثلاثة أقسام، وفي المحلى ج 7 ص 330 نقل عنه القسمة إلى ثلاثة أقسام ايضا. (2) و (4) سورة الانفال الآية 43 (3) و (5) الوسائل الباب 1 من قسمة الخمس
[ 371 ]
لهم الصدقة ولا الزكاة عوضهم الله مكان ذلك بالخمس، فهو يعطيهم على قدر كفايتهم فان فضل منهم شئ فهو له وان نقص عنهم ولم يكفهم أتمه لهم من عنده، كما صار له الفضل كذلك لزمه النقصان.. الحديث ". وما رواه ثقة الاسلام الكليني في الحسن بابراهيم الذى هو صحيح عندي عن حماد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح عليه السلام (1) قال: " الخمس من خمسة أشياء: من الغنائم والغوص ومن الكنوز ومن المعادن والملاحة، يؤخذ من كل هذه الصنوف الخمس فيجعل لمن جعله الله تعالى له، ويقسم الاربعة الاخماس بين من قاتل عليه وولى ذلك، ويقسم بينهم الخمس على ستة أسهم: سهم لله وسهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسهم لذى القربى وسهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لابناء السبيل، فسهم الله وسهم رسول الله صلى الله عليه وآله لاولى الامر من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وراثة فله ثلاثة أسهم سهمان وراثة وسهم مقسوم له من الله فله نصف الخمس كملا، ونصف الخمس الباقي بين أهل بيته فسهم ليتاماهم وسهم لمساكينهم وسهم لابناء سبيلهم يقسم بينهم على الكفاف والسعة ما يستغنون به في سنتهم فان فضل عنهم شئ فهو للوالى وان عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالى أن ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به، وإنما صار عليه أن يمونهم لان له ما فضل عنهم.. الحديث ". وقريب من ذلك ايضا ما رواه الكليني في الصحيح عن احمد بن محمد بن ابى نصر عن الرضا عليه السلام (2) قال: " سئل عن قول الله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى (3) فقيل له فما كان لله فلمن هو ؟ فقال لرسول الله صلى الله عليه وآله وما كان لرسول الله فهو للامام.. الحديث ". وروى السيد المرتضى (رضى الله عنه) في رسالة المحكم والمتشابه من تفسير النعماني باسناده عن على عليه السلام (4) قال: " الخمس يخرج من أربعة وجوه: من
(1) الوسائل الباب 1 و 3 من قسمة الخمس (2) و (4) الوسائل الباب 1 من قسمة الخمس (3) سورة الانفال الآية 43
[ 372 ]
الغنائم التى يصيبها المسلمون من المشركين ومن المعادن ومن الكنوز ومن الغوص، ويجزأ هذا الخمس على ستة اجزاء فيأخذ الامام منها سهم الله وسهم الرسول صلى الله عليه وآله وسهم ذى القربى ثم يقسم الثلاثة السهام الباقية بين يتامى آل محمد صلى الله عليه وآله و مساكينهم وابناء سبيلهم ". وروى الصدوق في المجالس والعيون بسنده عن الريان بن الصلت عن الرضا عليه السلام (1) في حديث طويل قال عليه السلام " واما الثامنة فقول الله عن وجل: واعلموا أنما غنمتم من شئ فان لله خمسه و للرسول ولذي القربى (2) فقرن سهم ذى القربى مع سهمه وسهم رسول الله صلى الله عليه وآله.. إلى أن قال عليه السلام فبدأ بنفسه ثم برسوله ثم بذى القربى فكل ما كان من الفئ والغنيمة وغير ذلك من ما رضيه لنفسه فرضيه لهم.. إلى أن قال واما قوله: " واليتامى والمساكين " فان اليتيم إذا انقطع يتمه خرج من الغنائم ولم يكن له فيها نصيب، وكذلك المسكين إذا انقطعت مسكنته لم يكن له نصيب من الغنم ولا يحل له اخذه، وسهم ذى القربى قائم إلى يوم القيامة فيهم للغنى والفقير لانه لا أحد أغنى من الله ولا من رسول الله صلى الله عليه وآله فجعل لنفسه منها سهما ولرسوله سهما فما رضيه لنفسه ولرسوله صلى الله عليه وآله رضيه لهم.. الحديث ". حجة القول بانه يقسم خمسة أقسام الآية الشريفة بالحمل على ان ذكر الله تعالى مع الرسول صلى الله عليه وآله إنما هو لاظهار تعظيمه وان جميع ما ينسب إليه ويأمر به وينهى عنه فهو راجع إلى الله تعالى كما تضمنته جملة من الآيات القرآنية ومنها قوله عزوجل: " والله ورسوله أحق ان يرضوه " (3) " إنما وليكم الله ورسوله " (4) " واطيعوا الله ورسوله " (5) إلى غير ذلك من الآيات التى قرن فيها نفسه برسوله
(1) الوسائل الباب 1 من قسمة الخمس (2) سورة الانفال الآية 43 (3) سورة التوبة الآية 64 (4) سورة المائدة الآية 61 (5) سورة الانفال الآية 2
[ 373 ]
للحث على اتباع رسوله صلى الله عليه وآله. ويدل على هذا القول ما رواه الشيخ في الصحيح عن ربعى بن عبد الله عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أتاه المغنم أخذ صفوه وكان ذلك له ثم يقسم ما بقى خمسة أخماس ويأخذ خمسه، ثم يقسم اربعة اخماس بين الناس الذين قاتلوا عليه، ثم قسم الخمس الذى أخذه خمسة أخماس يأخذ خمس الله عزوجل لنفسه، ثم يقسم الاربعة الاخماس بين ذوى القربى واليتامى والمساكين وابناء السبيل يعطى كل واحد منهم جميعا، وكذلك الامام يأخذ كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله ". أقول: اما ما ذكروه في معنى الآية وان احتمل إلا انه خلاف ظاهر الآية أولا. وثانيا - ان الاخبار التى تقدمت دالة على تفسير الآية تابى هذا المعنى. واما الخبر المذكور فقد أجاب عنه الشيخ ومن تأخر عنه بكونه حكاية فعل ولا عموم فيه، ولعله صلى الله عليه وآله فعل ذلك ليتوفر على المستحقين. وفيه ان قوله: " وكذلك الامام يأخذ كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله " ينافى ذلك، والاظهر عندي حمله على التقية فان التقسيم إلى خمسة أقسام مذهب جمهور العامة كما عرفت (2) ولهم في معنى الآية تأويلات (3) منها ما قدمناه في حجة هذا القول، ومنها ما ذكره بعضهم من ان الافتتاح بذكر اسم الله تعالى على جهة التيمن والتبرك لان الاشياء كلها لله عزوجل، ومنها ما ذكره بعض آخر وهو ان حق الخمس أن يكون متقربا به إلى الله عزوجل لا غير وان قوله عزوجل: " وللرسول ولذي القربى.. إلى آخره " من قبيل التخصيص بعد التعميم تفضيلا لهذه الوجوه على غيرها كقوله
(1) الوسائل الباب 1 من قسمة الخمس (2) التعليقة 1 ص 370 (3) البدائع ج 7 ص 124 والاموال ص 326 و 328 والبداية ج 1 ص 377 والمغنى ج 6 ص 406
[ 374 ]
تعالى: " وملائكته ورسله وجبريل وميكال " (1) والى هذا المعنى ذهب القائلون منهم بان خمس الغنيمة مفوض إلى اجتهاد الامام ليصرفه في من شاء من هذه الاصناف وغيرهم، وهو مذهب مالك (1). وظاهر صاحب المدارك التوقف في هذا المقام حيث نقل الخلاف في المسألة وادلة القولين ولم يرجح شيئا في البين، والظاهر ان السبب في ذلك ضعف الاخبار المتقدمة باصطلاحه مع اتفاق الاصحاب ظاهرا على العمل بها، والرواية التى هي دليل القول الثاني وان كانت صحيحة لكنها لما كانت من ما اعرضوا عنها وتأولوها لم يجسر على المخالفة في القول بها فاغمض النظر عن الترجيح في المسألة.
المقام الثاني - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) هو قسمة السهام الستة على المصارف الستة التى أحدها سهم ذى القربى ويختص به الامام عليه السلام وان له سهمين بالوراثة، وهما سهم الله تعالى وسهم رسوله صلى الله عليه وآله وسهم بالاصالة وهو سهم ذى القربى، ونقل السيد المرتضى (رضى الله عنه) عن بعض علمائنا ان سهم ذى القربى لا يختص بالامام عليه السلام بل هو لجميع قرابة الرسول صلى الله عليه وآله من بنى هاشم، ولعله (قدس سره) أشار بذلك البعض إلى ابن الجنيد فانه قال على ما نقل عنه في المختلف: وهو مقسوم على ستة اسهم: سهم الله يلى امره امام المسلمين وسهم رسول الله صلى الله عليه وآله لاولى الناس به رحما وأقربهم إليه نسبا وسهم ذى القربى لاقارب رسول الله صلى الله عليه وآله من بنى هاشم وبنى المطلب بن عبد مناف ان كانوا من بلدان أهل العدل. ويدل على الاول مرسلة ابن بكير ومرسلة احمد بن محمد ومرسلة حماد بن عيسى التى قدمناها في أول الاخبار المتقدمة (3) وكذلك ما نقلناه عن رسالة المحكم
(1) سورة البقرة الآية 93 (2) البداية ج 1 ص 377 و 378 والمحلى ج 7 ص 329 و 330 والمغنى ج 6 ص 406 (3) ص 370 و 371
[ 375 ]
والمتشابه، ونحوه ايضا ما نقلناه عن كتاب المجالس والعيون. واما ما استدل به في المعتبر على ذلك - من ظاهر الآية باعتبار ان قوله: " ذى القربى " لفظ مفرد فلا يتناول اكثر من الواحد فينصرف إلى الامام عليه السلام لان القول بان المراد واحد مع انه غير الامام منفى بالاجماع. ثم قال: (لا يقال) أراد الجنس كما قال: " وابن السبيل " (لانا نقول) تنزيل اللفظ الموضوع للواحد على الجنس مجاز وحقيقته ارادة الواحد فلا يعدل عن الحقيقة، وليس كذلك قوله " وابن السبيل " لان ارادة الواحد هنا اخلال بمعنى اللفظ إذ ليس هناك واحد متعين يمكن حمل اللفظ عليه - فقد أورد عليه ان لفظ " ذى القربى " صالح للجنس وغيره بل المتبادر منه في هذا المقام الجنس كما في قوله تعالى: " وآت ذا القربى حقه " (1) و " ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذى القربى " (2) وغير ذلك من الايات الكثيرة فيجب الحمل عليه إلى ان يثبت المقتضى للعدول عنه. اقول: والاظهر هو الرجوع في الاستدلال إلى الروايات وكذا في الاستدلال بالآية إلى ما ورد من تفسيرها في الاخبار، فان الروايات قد فسرت " ذى القربى " هنا بالامام عليه السلام كما تقدم فالحمل على الجنس حينئذ - كما ذكره المجيب من انه يجب الحمل عليه إلى ان يثبت المقتضى للعدول عنه - خروج عن ظاهر تلك الاخبار ورد لها بمجرد الاعتبار. واستدلوا على الثاني بظاهر الآية بناء على ما تقدم في الجواب عن استدلال صاحب المعتبر بالآية. وفيه ما عرفت. واستدل ايضا على ذلك بصحيحة ربعى المتقدمة (3) لقوله فيها: " ثم يقسم الاربعة الاخماس بين ذوى القربى واليتامى والمساكين وابناء السبيل ".
(1) سورة بنى اسرائيل الآية 29 (2) سورة النحل الآية 93 (3) ص 373
[ 376 ]
والجواب عن ذلك ما عرفت من حمل الصحيحة المذكورة على التقية، ولا ريب ان العامة لا يثبتون للامام حصة بخصوصه وإنما يفسرون " ذى القربى " بجميع قرابته صلى الله عليه وآله (1) وبه يظهر ضعف ما جنح إليه في المدارك من التعلق في الاستدلال على هذا القول بالدليلين المذكورين. واستدل على ذلك ايضا برواية زكريا بن مالك الجعفي (2) " انه سأل ابا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: واعلموا أنما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل (3) فقال: اما خمس الله عزوجل فللرسول صلى الله عليه وآله يضعه في سبيل الله واما خمس الرسول فلاقاربه وخمس ذوى القربى فهم اقرباؤه صلى الله عليه وآله واليتامى يتامى أهل بيته فجعل هذه الاربعة الاسهم فيهم، واما المساكين وأبناء السبيل فقد عرفت أنا لا نأكل الصدقة ولا تحل لنا فهى للمساكين وأبناء السبيل ". اقول: أنت خبير بما عليه هذه الرواية بعد ضعف السند من ضعف الدلالة، فان جل ما اشتملت عليه من الاحكام خلاف ما قدمناه من الاخبار واتفقت عليه كلمة علمائنا الاعلام: فمنها - جعل سهم الله عزوجل للرسول صلى الله عليه وآله بان يصرفه في سبيل الله الذى هو الجهاد أو ما هو أعم من أبواب البر، وهو خلاف ما عليه الاصحاب ودلت عليه جملة الاخبار من انه له صلى الله عليه وآله يفعل به ما يشاء. ومنها - الحكم بان خمس الرسول لاقاربه فان ان اريد حال الحياة فلا قائل به ولا دليل عليه بل الاجماع والاخبار على خلافه، وان اريد بعد موته فلا قائل به ايضا منا مع دلالة الاخبار ايضا على خلافه لدلالتها على كونه للامام عليه السلام. وابن الجنيد وان خالف في سهم ذى القربى الا انه لم يخالف في سهم الرسول (صلى الله
(1) البداية ج 1 ص 377 والمحلى ج 7 ص 327 والمغنى ج 6 ص 410 إلى 412 (2) الوسائل الباب 1 من قسمة الخمس (3) سورة الانفال الآية 43
[ 377 ]
عليه وآله) والظاهر من قوله في عبارته المتقدمة " وسهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) لاولى الناس به رحما وأقربهم إليه نسبا " انه أراد بذلك الامام عليه السلام كما يشير إليه المقابلة بسهم ذى القربى وانه لاقاربه (صلى الله عليه وآله) من بنى هاشم ومنها - جعل سهم ذى القربى لجميع أقربائه (صلى الله عليه وآله) فانه وان قال به ابن الجنيد ودل عليه هذا الخبر إلا انه خلاف ما اتفقت عليه كلمة أصحابنا ووردت به جملة اخبارنا وانما هو قول مخالفينا (1). وبذلك يظهر ان الرواية المذكورة لا تصلح للاستدلال وحملها على التقية ظاهر فان جميع ما تضمنته من المخالفات لمذهبنا إنما ينطبق على مذهب العامة (2). واما قوله في تتمة الخبر " واما المساكين وابناء السبيل فقد عرفت انا لا نأكل الصدقة.. إلى آخره " فيحتمل أن يكون المعنى فيه الاستدراك لما ورد في آية الزكاة من دخول المساكين وابناء السبيل فيها فربما يتوهم عمومها للهاشميين ايضا فاراد (عليه السلام) دفع هذا الوهم بانهم وان دخلوا في عموم اللفظين المذكورين لكن قد عرفت ان الزكاة محرمة علينا أهل البيت فلا تدخل مساكيننا وابناء سبيلنا فيها فلابد لهم من حصة من الخمس عوض الزكاة التى حرمت عليهم ومن أجل ذلك فرض لهم في هذه الآية حصة من الخمس، عوض الزكاة التى حرمت عليهم ومن أجل ذلك فرض لهم في هذه الآية حصة من الخمس، وحينئذ فقوله: " فهى للمساكين وابناء السبيل " إما راجع إلى الصدقة، وحينئذ فالمراد بالمساكين وابناء السبيل من ذكر في آية الزكاة وحاصل المعنى ما قدمناه، واما راجع إلى الحصة التى من الخمس بقرينة المقام وان لم تكن مذكورة في اللفظ، وحينئذ فالمراد بالمساكين وابناء السبيل من الهاشميين، ومرجع الاحتمالين إلى ما قدمناه. وبما قررناه في المسألتين المذكورتين يظهر ان القول المشهور في كل منها هو
(1) ارجع إلى التعليقة 1 ص 376 (2) ارجع إلى الاستدراكات في آخر الكتاب
[ 378 ]
المؤيد المنصور وان توقف صاحب المدارك - بل ميله إلى خلاف ذلك كما يعطيه تقويته لدليل القول المخالف من ما لا وجه له. وقال في المدارك: واعلم ان الآية الشريفة (1) إنما تضمنت ذكر مصرف الغنائم خاصة إلا ان الاصحاب قاطعون بتساوي الانواع في المصرف، واستدل عليه في المعتبر بان ذلك غنيمة فيدخل تحت عموم الآية. ويتوجه عليه ما سبق. وربما لاح من بعض الروايات اختصاص خمس الارباح بالامام (عليه السلام) ومقتضى رواية احمد بن محمد المتقدمة (2) ان الخمس من الانواع الخمسة يقسم على الستة الاسهم لكنها ضعيفة بالارسال والمسألة قوية الاشكال. والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. انتهى. أقول: لا اشكال بحمد الملك المتعال عند من وفقه الله تعالى إلى العمل باخبار الآل (عليهم صلوات ذى الجلال) وذلك (أولا) فان ما ذكره في المعتبر من حمل الغنيمة في الآية على المعنى الاعم حق لا ريب فيه كما دلت عليه الاخبار وقد تقدمت. و (ثانيا) فان رواية احمد بن محمد التى ذكرها ومثلها مرسلة حماد ايضا قد تضمنت ان الخمس من هذه الانواع الخمسة يقسم على الاصناف التى في الآية ومثلها ما قدمنا نقله عن رسالة المحكم والمتشابه. واما طعنه في هذه الاخبار بضعف الاسناد ففيه انه في غير موضع من ما تقدم قد عمل بالاخبار الضعيفة التى اتفق الاصحاب على القول بها وجعل اتفاق الاصحاب جابرا لضعفها كما بيناه في شرحنا على الكتاب في غير موضع، ولكنه (قدس سره) ليس له رابطة يقف عليها. وايضا فان مرسلة حماد قد اشتملت على أحكام عديدة استند إليها الاصحاب وعملوا بها ولا راد لها. وبالجملة فان اشكاله (قدس سره) ضعيف وتوقفه سخيف كما لا يخفى على من نظر بعين الانصاف.
(1) وهى قوله تعالى " واعلموا انما غنمتم.. " سورة الانفال الآية 43 (2) ص 370
[ 379 ]
مسائل:
الاولى - المعروف من مذهب الاصحاب انه لا يجب استيعاب كل طائفة من الطوائف الثلاث بل لو اقتصر من كل طائفة على واحد جاز. قالوا: والوجه فيه ان المراد من اليتامى والمساكين في الآية الشريفة الجنس كابن السبيل كما في آية الزكاة لا العموم، اما لتعذر الاستيعاب أو لان الخطاب للجميع بمعنى ان الجميع يجب عليهم الدفع إلى جميع المساكين بان يعطى كل بعض بعضا. ويدل عليه ايضا ما رواه ثقة الاسلام في الكافي في الصحيح عن احمد بن محمد بن ابى نصر عن ابى الحسن الرضا عليه السلام (1) قال: " سئل عن قول الله عزوجل: واعلموا أنما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى (2) فقيل له فما كان لله فلمن هو ؟ فقال لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وما كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فهو للامام عليه السلام. فقيل له افرأيت ان كان صنف من الاصناف اكثر وصنف أقل ما يصنع به ؟ قال ذاك إلى الامام أرأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) كيف يصنع أليس إنما كان يعطى على ما يرى ؟ كذلك الامام ". وقال شيخنا الشهيد في الدروس بعد أن تنظر في اعتبار تعميم الاصناف: اما الاشخاص فيعم الحاضر ولا يجوز النقل إلى بلد آخر إلا مع عدم المستحق. ومقتضى هذا الكلام وجوب التعميم في الحاضرين، ورده من تأخر عنه بالبعد وسيأتى في المسألة الثانية ما فيه مزيد بيان لهذه المسألة.
الثانية - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) جواز تخصيص النصف الذى للطوائف الثلاث بواحدة منها، وظاهر الشيخ في المبسوط المنع حيث قال: والخمس إذا أخذه الامام ينبغى أن يقسمه ستة اقسام: سهم لله وسهم لرسوله (صلى الله عليه وآله) وسهم لذى القربى، فهذه الثلاثة أقسام للامام القائم مقام النبي
(1) الوسائل الباب 2 من قسمة الخمس (2) سورة الانفال الآية 43
[ 380 ]
(صلى الله عليه وآله) يصرفه في ما شاء من نفقته ونفقة عياله وما يلزمه من تحمل الاثقال ومؤن غيره، وسهم ليتامى آل محمد (صلى الله عليه وآله) وسهم لمساكينهم وسهم لابناء سبيلهم وليس لغيرهم من سائر الاصناف شئ على حال، وعلى الامام ان يقسم هذه السهام بينهم على قدر كفايتهم ومؤنتهم في السنة على الاقتصاد، ولا يخص فريقا منهم بذلك دون فريق بل يعطى جميعهم على ما ذكرناه من قدر كفايتهم ويسوى بين الذكر والانثى، فان فضل شئ كان له خاصة وان نقص كان عليه أن يتم من حصته خاصة. انتهى. ونقل عن ابى الصلاح انه قال: يلزم من وجب عليه الخمس اخراج شطره للامام عليه السلام والشطر الآخر للمساكين واليتامى وابناء السبيل لكل صنف ثلث الشطر. وظاهره مثل كلام الشيخ في وجوب التشريك وعدم جواز تخصيص طائفة بذلك. ولستدل للقول المشهور بصحيحة احمد بن محد بن ابى نصر المتقدمة (1) حيث قال فيها: " ذاك إلى الامام أرأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) كيف يصنع أليس إنما كان يعطى على ما يرى ؟ كذلك الامام عليه السلام ". وأجاب في المدارك بانه يمكن المناقشة في الرواية بالطعن في السند باشتماله على ابني فضال وهما فطحيان مع انها غير صريحة في جواز التخصيص. وفيه ان المناقشة بالطعن في السند انما تتجه بناء على نقله الرواية من التهذيب (2) فانه كما ذكره، واما على رواية الكليني لها في الكافي (3) فانها صحيحة لانه رواها فيه عن العدة عن احمد بن محمد عن احمد بن محمد بن ابى نصر، واما الدلالة فسيأتي الكلام فيها في المقام ان شاء الله تعالى. واستدل للشيخ بظاهر الآية فان اللام للملك أو الاختصاص والعطف بالواو يقتضى التشريك في الحكم. واجيب عن ذلك بانها مسوقة لبيان المصرف كما في آية
(1) ص 379 (2) ج 1 ص 385 (3) الاصول ج 1 ص 544
[ 381 ]
الزكاة فلا تدل على وجوب البسط. أقول: والتحقيق في هذا المقام أن يقال لا ريب ان عبارة الشيخ في المبسوط راجعة في المعنى إلى روايتي احمد بن محمد وحماد بن عيسى المتقدمتين (1) بل هي نقل لهما بزيادة موضحة لاجمالهما، ونحوهما في ذلك ايضا الرواية التى نقلناها عن رسالة المحكم والمتشابه للسيد المرتضى (رضى الله عنه) وحينئذ يقع التعارض بين الروايات المذكورة وبين صحيحة احمد بن محمد بن ابى نصر المذكورة، إلا ان صحيحة ابن ابى نصر ليس فيها من الصراحة ما في روايتي احمد بن محمد وحماد بن عيسى، والظاهر من معناها هو أنه لما كان ظاهر الآية البسط على الطوائف الثلاث أثلاثا سأله السائل انه لو كانت طائفة من هذه الطوائف الثلاث كثيرة متعددة والطائفة الاخرى واحدا أو اثنين فهل الواجب ان يدفع إلى إحداهما كما يدفع إلى الاخرى ويساوى بينهما كما هو الظاهر من الآية ؟ أجاب عليه السلام بان ذلك إلى الامام وما يراه كما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقسم بما يراه من المساواة ان رأى المصلحة فيها أو العدم والزيادة والنقيصة بما يراه من الوجوه المرجحة. وحملها على ما هو أعم - من أنه يجوز ان يخص بذلك السهم الذى للطوائف الثلاث واحدا من طائفة كما هو المدعى في المسألة الاولى أو طائفة من الطوائف الثلاث كما هو المدعى في المسألة الثانية - بعيد غاية البعد عن ظاهرها بالتقريب الذى ذكرناه، فالاستناد إليها في ذلك مشكل غاية الاشكال والخروج عن ظاهر الاخبار التى أشرنا إليها مع صراحة بعضها وظاهرية بعضها مشكل. واما ما ذكروه في الجواب عن احتجاج الشيخ بالآية من انها مسوقة لبيان المصرف كما في آية الزكاة - ففيه ان ما ذكره الشيخ في بيان الاستدلال بالآية هو الظاهر الذى لا ينكر، والحمل على ما ذكروه خلاف الظاهر فلا يصار إليه الا بدليل، والقياس على آية الزكاة ممنوع بانه قد قام الدليل ثمة من خارج على عدم
(1) ص 370 و 371
[ 382 ]
البسط وبه خصت الآية ولولاه لكان القول بالبسط جيدا، والدليل هنا غير موجود بل ظاهر الروايات التى ذكرناها موافق لظاهر الآية. وايضا لو تم ما ذكروه من أن الآية إنما سبقت لبيان المصرف كما في آية الزكاة للزم جواز صرف الخمس كله إلى أحد الاصناف الستة ولا قائل به بالكلية لانهم لا يختلفون في ان النصف للامام عليه السلام وبذلك يظهر لك ضعف القول المشهور في كلتا المسألتين وقوة ما قابله مضافا إلى موافقته للاحتياط كما لا يخفى.
الثالثة - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان بنى المطلب لا يعطون من الخمس شيئا، وقال الشيخ المفيد في الرسالة الغرية انهم يعطون واختاره ابن الجنيد على ما نقله في المختلف، وما ذكره الشيخ المفيد هنا مبنى على ما تقدم في كتاب الزكاة من تحريم الزكاة على المطلبى استنادا إلى موثقة زرارة عن ابى عبد الله عليه السلام (1) انه قال: " لو كان العدل ما احتاج هاشمى ولا مطلبي إلى صدقة ان الله جعل لهم في كتابه ما فيه سعتهم " ولا ريب انها دالة على تحريم الزكاة واستحقاق الخمس. الا انه قد تقدم الجواب عنها وان المراد بالمطلبى إنما هو المنسوب إلى عبد المطلب بالنسبة إلى الجزء الاخير من المركب كما هو القاعدة عندهم. ثم انه من ما يدل هنا على الاختصاص بالهاشمي قوله عليه السلام في صحيحة حماد ابن عيسى عن بعض أصحابه عن العبد الصالح عليه السلام (2) قال: " ومن كانت امه من بنى هاشم وأبوه من سائر قريش فان الصدقة تحل له وليس له من الخمس شئ " وقال فيها ايضا " وهؤلاء الذين جعل الله لهم الخمس هم قرابة النبي (صلى الله عليه وآله) وهم بنو عبد المطلب انفسهم الذكر والانثى منهم ليس فيهم من أهل بيوتات قريش ولا من العرب احد.. الحديث ".
الرابعة - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان الامام عليه السلام يقسم النصف الذى يخص الطوائف الثلاث عليهم على قدر الكفاية مقتصدا فان فضل
(1) الوسائل الباب 33 من المستحقين للزكاة (2) الوسائل الباب 1 من قسمة الخمس
[ 383 ]
كان له وان اعوز كان عليه ان يتمه من نصيبه، وخالف في هذا الحكم ابن ادريس فقال لا يجوز له أن يأخذ فاضل نصيبهم ولا يجب عليه اكمال ما نقص لهم. ويدل على القول المشهور ما قدمناه من مرسلتي أحمد بن محمد وحماد بن عيسى احتج ابن ادريس بوجوه ثلاثة:
الاول - ان مستحق الاصناف يختص بهم ولا يجوز التسلط على مستحقهم من غير اذنهم لقوله عليه السلام (1) " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه ".
الثاني - ان الله سبحانه جعل للامام قسطا وللباقين قسطا فلو أخذ الفاضل وأتم الناقص لم يبق للتقدير فائدة.
الثالث - ان الذين يجب الانفاق عليهم محصورون وليس هؤلاء من الجملة فلو أوجبنا عليه إتمام ما يحتاجون إليه لزدنا في من يجب عليهم الانفاق فريقا لم يقم عليه دلالة. وأجاب المحقق في المعتبر عن هذه الوجوه باجوبة اعترضه فيها صاحب المدارك ومن تبعه من أراد الوقوف عليها فليرجع إليها ثمة. والتحقيق في الجواب الذى لا يداخله الشك ولا الارتياب أن يقال ان ما ذكره ابن ادريس جيد بناء على أصله الغير الاصيل وقواعده المخالفة لما عليه الاخبار والعلماء جيلا بعد جيل، واما من تمسك بالاخبار المعتضدة بعمل الاصحاب في جملة الاعصار والادوار فلا يخفى عليه ان المفهوم منها هو انه حال وجود الامام عليه السلام ينبغى إيصال مجموع الخمس إليه وجوبا أو استحبابا، واما ان الواجب عليه فيه ماذا فنحن غير مكلفين بالبحث عنه بل ربما اشعر الكلام في ذلك بنوع من سوء الادب في حقه عليه السلام فانه المرجع في جميع الاحكام والاعرف في كل حلال وحرام إلا ان المفهوم من أخبارهم (عليهم السلام) انه ربما عمل فيه بعد وصوله إليه بما
(1) الوسائل الباب 3 من الانفال رقم 6 والباب 1 من الغصب عن صاحب الزمان " ع " " لا يحل لاحد ان يتصرف في مال غيره بغير اذنه " وفي مستدرك الوسائل الباب 1 من الغصب " لا يحمل مال المسلم إلا عن طيب نفس منه " وفي نيل الاوطار ج 5 ص 268 " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه ".
[ 384 ]
دلت عليه روايتا حماد بن عيسى واحمد بن محمد من القسمة وأخذ الزائد واتمام الناقص كما صرح به الاصحاب، وربما أباح صاحب الخمس به كملا كما ستأتيك الاخبار به ان شاء الله تعالى مكشوفة القناع، ولا بعد في جواز التصرف له حسبما أراد وما رآه من المصلحة في العباد فان الارض وما فيها كله له عليه السلام كما ستأتيك ان شاء الله تعالى الاخبار به في المقام (1) وقد تقدمت (2) رواية ابى خالد الكابلي الدالة على ان للامام عليه السلام أن يعطى ما في بيت المال لرجل واحد وانه لا يفعل إلا بامر الله عزوجل. وبالجملة فانه متى ثبت عنه بالاخبار المتفق عليها بين الاصحاب فعل من الافعال وجب قبوله وحمله على انه الحق الوارد من الملك المتعال، وما يترآى من مخالفة ذلك لظاهر القرآن كما هو أقوى مستند للخصم في هذا المكان ففيه انهم قد اتفقوا على تخصيص أحكام القرآن في غير مقام بالاخبار الثابتة عنهم (عليهم السلام) وبذلك يظهر لك ان القول المشهور ليس على اطلاقه كما يدعونه من ان مصرف الخمس دائما على هذه الكيفية بل ربما وقع كذلك وربما لم يقع. قال المحقق في المعتبر هنا - ونعم ما قال في الجواب عن الطعن في الروايتين المشار اليهما بضعف الاسناد - ما صورته: والذى ينبغى العمل به اتباع ما نقله الاصحاب وافتى به الفضلاء ولم يعلم من باقى العلماء رد لما ذكر من كون الامام (عليه السلام) يأخذ ما فضل ويتم ما اعوز، وإذا سلم النقل من المعارض ومن المنكر لم يقدح ارسال الرواية الموافقة لفتواهم، فانا نعلم مذهب ابى حنيفة والشافعي وان كان الناقل عنه واحد، وربما لم يعلم الناقل عنه بلا فصل وان علمنا نقل المتأخرين له، وليس كل ما اسند عن مجهول لا يعلم نسبته إلى صاحب المقالة، ولو قال انسان لا أعلم مذهب ابى هاشم في الكلام ولا مذهب الشافعي في الفقه لانه لم ينقل مسندا
(1) اصول الكافي ج 1 ص 407 (2) ص 357 و 358
[ 385 ]
كان متجاهلا، وكذا مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ينسب إليهم بحكاية بعض شيعتهم سواء ارسل أو اسند إذا لم ينقل عنهم ما يعارضه ولا رده الفضلاء منهم. انتهى. ومرجعه إلى جبر الاخبار الضعيفة السند باتفاق الاصحاب على العمل بها، وهو عند التأمل الصادق حق لا ريب فيه ولكن الاعتماد حينئذ إنما هو على اتفاق الاصحاب على الحكم المذكور، ولا شك ان مذهب كل امام وصاحب مقالة انما يعلم بنقل اتباعه ومقلديه وشيعته المشهورين بمتابعته والاخذ عنه والاعتماد عليه كما أشار إليه في المعتبر من أصحاب المذاهب الاربعة ونحوهم، إلا ان جعل هذه المسألة من قبيل ذلك لا يخلو من اشكال. وبالجملة فالمرجع إلى ما حققناه أو لا فانه هو المفهوم من الاخبار التى عليها الاعتماد في الايراد والاصدار.
الخامسة - الظاهر انه لا خلاف في ان ابن السبيل هنا كما تقدم في كتاب الزكاة لا يشترط فيه الفقر بل المعتبر حاجته في بلد التسليم وان كان غنيا في بلده، إنما الخلاف في اليتيم وهو الذى لا أب له فقيل باعتبار الفقر فيه والظاهر انه هو المشهور، واحتجوا عليه بان الخمس جبر ومساعدة فيختص به أهل الحاجة كالزكاة. ولان الطفل لو كان له أب ذو مال لم يستحق شيئا فإذا كان له مال كان أولى بالحرمان إذ وجود المال له انفع من وجود الاب. وقيل بعدم اعتبار الفقر وهو قول الشيخ في المبسوط وابن ادريس تمسكا بعموم الآية، وبانه لو اعتبر الفقر فيه لم يكن قسما برأسه. أقول: والظاهر هو القول المشهور لا لما ذكر من التعليل فانه وان كان من حيث الاعتبار لا يخلو من قوة إلا انه لا يصلح لتأسيس حكم شرعى بل لظاهر صحيحة حماد بن عيسى عن بعض أصحابه المتقدمة حيث قال في آخرها (1) " وليس في مال الخمس زكاة لان فقراء الناس جعل ارزاقهم في أموال الناس على ثمانية أسهم فلم يبق منهم أحد، وجعل لفقراء قرابة الرسول (صلى الله عليه وآله) نصف
(1) الوسائل الباب 1 من قسمة الخمس
[ 386 ]
الخمس فاغناهم به عن صدقات الناس (1) فلم يبق فقير من فقراء الناس ولم يبق فقير من فقراء قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا وقد استغنى فلا فقير، ولذلك لم يكن على مال النبي (صلى الله عليه وآله) والوالى زكاة لانه لم يبق فقير محتاج.. الحديث ". وما ذكروه من ما قدمنا نقله عنهم يصلح توجيها للنص بل هو عين معنى النص المذكور إلا انه من حيث عدم الاسناد إلى الامام لا يصلح أن يكون مستندا في الاحكام. واما ما ذكر في حجة القول الثاني - من أنه لو اعتبر الفقر فيه لم يكن قسما برأسه - ففيه انه يمكن أن يكون جعله قسما برأسه مع اندراجه في المساكين لمزيد التأكيد مثل الامر بالمحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى (2) مع اندراجها في الصلوات المذكورة قبلها.
السادسة - الظاهر انه لا خلاف في أنه لا يجوز نقل الخمس مع وجود المستحق، والكلام هنا جار على ما تقدم في نقل الزكاة بلا إشكال لان الجميع من باب واحد فلا حاجة إلى التطويل بالتفصيل، وقد تقدم تحقيق الكلام في المقام في كتاب الزكاة. السابعة - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه يعتبر في الطوائف الثلاث اعني اليتامى والمساكين وابن السبيل الانتساب إلى عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وآله. وعليه تدل الاخبار المتكاثرة، ومنها - ما تقدم في أول الفصل من المراسيل الثلاث المتقدمة وكذا الرواية المنقولة من رسالة المحكم والمتشابه (3). ومثل ذلك ايضا ما رواه في التهذيب (4) بسنده عن سليم بن قيس الهلالي
(1) " وصدقات النبي صلى الله عليه وآله وولى الامر " (2) في قوله تعالى " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى " سورة البقرة الآية 240 (3) ص 370 و 271 (4) ج 1 ص 385 وفي الوسائل الباب 1 من قسمة الخمس رقم 4
[ 387 ]
عن امير المؤمنين عليه السلام قال: " سمعته يقول كلاما كثيرا ثم قال: واعطهم من ذلك كله سهم ذى القربى الذين قال الله تعالى: " ان كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان " (1) نحن والله عنى بذى القربى وهم الذين قرنهم الله بنفسه وبنبيه فقال (2) " فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل " منا خاصة ولم يجعل لنا في سهم الصدقة نصيبا أكرم الله نبيه واكرمنا ان يطعمنا أوساخ أيدى الناس ". وما رواه الكليني عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر عليه السلام (3) " في قول الله عز وجل: واعلموا انما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى (4) قال هم قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله والخمس لله وللرسول صلى الله عليه وآله ولنا ". ومنها - ما قدمنا نقله في سابق هذه المسألة من عجز صحيحة حماد بن عيسى عن بعض أصحابه زيادة على ما في صدرها الذى قدمناه ثمة (5). فان هذه الاخبار قد إشتركت في الدلالة صريحا على ان الخمس لا يخرج منه شئ إلى غير الامام عليه السلام والطوائف الثلاث المنتسبين إليهم (عليهم السلام). ونقل عن ابن الجنيد انه قال: واما سهام اليتامى والمساكين وابن السبيل وهى نصف الخمس فلاهل هذه الصفات من ذوى القربى وغيرهم من المسلمين إذا استغنى عنها ذوو القربى ولا يخرج من ذوى القربى ما وجد فيهم محتاج إليها إلى غيرهم ومواليهم عتاقة احرى بها من غيرهم. انتهى. قال في المدارك بعد نقل ذلك إلى قوله: " إذا استغنى عنها ذوو القربى " ما صورته: والظاهر ان هذا القيد على سبيل الا فضلية عنده لا التعيين. ثم قال: ويدل على ما ذكره اطلاق الآية الشريفة وصحيحة ربعى المتقدمة (6) وغيرها من الاخبار والعلامة في المختلف نقل عن ابن الجنيد انه احتج بالعموم ثم قال: والجواب
(1) و (2) و (4) سورة الانفال الآية 43 (3) الوسائل الباب 1 من قسمة الخمس (5) 371 و 385 (6) تقدمت ص 373
[ 388 ]
ان العام هنا مخصوص بالاجماع بالايمان فيكون مخصوصا بالقرابة لما تقدم. قال في المدارك بعد نقل ذلك: وهو جيد لو كان النص المتضمن لذلك صالحا للتقييد وكيف كان فلا خروج عن ما عليه الاصحاب. أقول: العجب منه (قدس سره) في ميله إلى هذه الاقوال الشاذة النادرة المخالفة للاخبار المتكاثرة واتفاق الاصحاب قديما وحديثا من ما ذكر هنا وما تقدم بمجرد هذه الخيالات الضعيفة والتوهمات السخيفة، ولا ريب ان ما ذكره ابن الجنيد هنا هو مذهب العامة (1) كما نقله في المعتبر حيث قال بعد نقل قول ابن الجنيد وانه قال انه يدخل معهم بنو المطلب ويشركهم غيرهم من أيتام المسلمين ومساكينهم وأبناء سبيلهم لكن لا يصرف إلى غير القرابة الا بعد كفايتهم: ولم أعرف له موافقا من الامامية، واما شركة بنى المطلب فالخلاف فيهم كما مر في باب الزكاة، واطبق الجمهور على عمومه في أيتام المسلمين ومساكينهم وابناء سبيلهم متمسكين باطلاق اللفظ وعمومه. انتهى. واما ما ادعاه من عموم الآية فهو مخصوص بالاخبار التى ذكرناها، وهل يجسر ذو دين وديانة على رد هذه الاخبار المستفيضة في الاصول المتكررة في غير كتاب وطرحها بمجرد ضعف اسنادها بهذا الاصطلاح الذى هو إلى الفساد كما عرفت هنا أقرب من الصلاح حتى انها لا تصلح بذلك إلى تخصيص الآية كما زعمه وتوهمه ؟ ما هذه الاخرافات باردة وتمحلات شاردة. وما إدعاه من دلالة صحيحة ربعى المتقدمة وغيرها من الاخبار فهو من أعجب العجاب عند ذوى البصائر والابصار، وأى دلالة في صحيحة ربعى أو غيرها على اعطاء الخمس لغير بنى هاشم ؟ وغاية ما تدل عليه صحيحة ربعى المذكورة هو اطلاق اليتامى والمساكين وابن السبيل حيث قال فيها: " ثم يقسم الاربعة الاخماس بين ذوى القربى واليتامى والمساكين وابناء السبيل " ولا ريب ان هذا الاطلاق
(1) المحلى ج 7 ص 327 والمغنى ج 6 ص 413 ومنار السبيل ص 294
[ 389 ]
يجب تقييده بالاخبار المتقدمة، ولكنه (قدس سره) لتصلبه في هذا الاصطلاح جمد على اطلاق هذه الرواية والغى تلك الاخبار المتكاثرة لعدم صحة سند شئ منها ثم العجب منه مع ذلك في قوله اخيرا: إلا انه لا خروج عن ما عليه الاصحاب وهل هو إلا مجرد تقليد لهم في هذا الباب ؟ ولا يخفى ما في هذا الكلام من الاضطراب الناشئ عن التصلب في هذا الاصطلاح وإلا فجميع الاصحاب من أصحاب هذا الاصطلاح وغيرهم لم يخالف في هذه المسألة سوى ابن الجنيد الذى طعن عليه الاصحاب بموافقته العامة في جملة من فتاواه ومنها هذا الموضع. وبالجملة فالمسألة أظهر من أن تحتاج إلى تطويل زيادة على ما ذكرناه.
الثامنة - قد صرح جمع من الاصحاب (رضوان الله عليهم) باشتراط الايمان في المستحق فلا يعطى غير المؤمن، وتردد المحقق في الشرائع نظرا إلى اطلاق الآية والى ان الخمس عوض عن الزكاة والزكاة مشروطة بالايمان اتفاقا نصا وفتوى. وفى المعتبر جزم بالاشتراط واستدل عليه بان غير المؤمن محاد لله بكفره فلا يفعل معه ما يؤذن بالموادة. قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: وهذا الدليل مخالف لما هو المعهود من مذهبه. انتهى. وهو كذلك فان مذهبه الحكم باسلام المخالفين ووجوب اجراء أحكام الاسلام عليهم بل له غلو ومبالغة في ذلك فكيف حكم هنا بكفرهم ؟ قال المحقق الشيخ على (قدس سره) ومن العجائب هاشمى مخالف يرى رأى بنى امية فيشترط الايمان لا محالة. وظاهر صاحب الذخيرة التردد في ذلك تبعا للمحقق، وهو الظاهر من صاحب المدارك وان لم يصرح به حيث انه اقتصر على نقل القولين وبيان وجه التردد ولم يحكم بشئ في البين. والاصح الاشتراط وان قلنا باسلام المخالف كما ذهبوا إليه لقوله عليه السلام في رواية حماد بن عيسى (1) " وإنما جعل الله هذا الخمس خاصة لهم دون مساكين الناس وابناء سبيلهم عوضا لهم من صدقات الناس تنزيها من الله لهم لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وكرامة
(1) الوسائل الباب 1 من قسمة الخمس
[ 390 ]
من الله لهم عن أوساخ الناس فجعل لهم خاصة من عنده ما يغنيهم به عن أن يصيرهم في موضع الذل والمسكنة.. الحديث " دل على ان الخمس من الله عزوجل كرامة لذريته صلى الله عليه وآله وتنزيه ولا ريب ان المخالف ليس أهلا لذلك بالاتفاق فلا يجوز اعطاؤه. هذا مع ان الحق عندنا في المسألة هو كفره وشركه وانه شر من اليهودي والنصراني كما حققناه في موضعه اللائق به.
المطلب الثاني - في بيان حكم من انتسب إلى هاشم بالام دون الاب، المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه يعتبر في الطوائف الثلاث انتسابهم إلى هاشم بالابوة فلو انتسبوا بالام لم يعطوا من الخمس شيئا وإنما يعطون من الزكاة، وذهب السيد المرتضى (رضى الله عنه) إلى انه يكفى في الاستحقاق الانتساب بالام ويكون الحكم فيه حكم المنتسب بالاب من غير فرق، ومنشأ هذا الخلاف ان أولاد البنت أولاد حقيقة أو مجازا فالمرتضى ومن تبعه على الاول والمشهور الثاني والاصحاب لم ينقلوا الخلاف هنا إلا عن السيد (رضى الله عنه) وابن حمزة مع ان شيخنا الشهيد الثاني في شرح المسالك في بحث ميراث أولاد الاولاد نقله عن المرتضى وابن ادريس ومعين الدين المصرى، ونقله في بحث الوقف على الاولاد عن الشيخ المفيد والقاضى وابن ادريس، ونقل بعض افاضل العجم في رسالة له صنفها في هذه المسألة واختار فيها مذهب السيد هذا القول ايضا عن القطب الراوندي والفضل بن شاذان، ونقله المقداد في كتاب الميراث من كتابه كنز العرفان عن الراوندي والشيخ المحقق الشيخ أحمد بن المتوج البحراني الذى كثيرا ما يعبر عنه بالمعاصر، ونقله في الرسالة المشار إليها ايضا عن ابن ابى عقيل وابى الصلاح والشيخ الطوسى في الخلاف وابن الجنيد وابن زهرة في الغنية، ونقل عن المحقق المولى احمد الاردبيلى الميل إليه ايضا، وهو مختار المحقق المدقق المولى العماد مير محمد باقر الداماد وله في المسألة رسالة جيدة قد وقفت عليها، واختاره ايضا المحقق المولى محمد صالح المازندرانى في شرح الاصول والسيد المحدث السيد
[ 391 ]
نعمة الله الجزائري وشيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني، وسيأتى نقل كلامهم في المقام. وأنت خبير بان جملة من هؤلاء المذكورين وان لم يصرحوا في مسألة الخمس بما نقلناه عن السيد المرتضى (رضى الله عنه) إلا انهم في مسائل الميراث والوقف ونحوها لما صرحوا بان ولد البنت ولد حقيقة اقتضى ذلك اجراء حكم الولد الحقيقي عليه في جميع الاحكام التى من جملتها جواز أخذ الخمس وتحريم أخذ الزكاة ومسائل الميراث والوقوف ونحوها، لان مبنى ذلك كله على كون المنتسب بالام ابنا حقيقيا فكل من حكم بكونه ابنا حقيقيا يلزمه أن يجرى عليه هذه الاحكام، بل الخلاف المنقول هنا عن السيد إنما بنوا فيه على ما ذكره في مسائل الميراث والوقوف ونحوها من حكمه بان ابن البنت ابن حقيقة كما سيأتيك ذكره. ولا بأس بنق بعض عباراتهم المشار إليها في المقام، قال شيخنا الشهيد الثاني (أعلى الله رتبته) في كتاب الميراث من المسالك في مسألة أولاد الاولاد هل يقومون مقام آبائهم في الميراث فلكل نصيب من يتقرب به أو يقتسمون اقتسام أولاد الصلب والابن له ؟ بعد نسبة القول الاول للاكثر: وقال المرتضى وتبعه جماعة: منهم - معين الدين المصرى وابن ادريس ان أولاد الاولاد يقتسمون تقاسم الاولاد من غير اعتبار من تقربوا به، ومستندهم انهم اولاد حقيقة فيدخلون في عموم " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين " (1) ويدل على كونهم أولادا وإن انتسبوا إلى الانثى تحريم حلائلهم بقوله تعالى " وحلائل أبنائكم " (2) وتحريم بنات الابن والبنت بقوله تعالى " وبناتكم " (3) وحل رؤية زينتهن لابناء أولادهن مطلقا بقوله " أو أبنائهن " وحلها لاولاد أولاد بعولتهن مطلقا
(1) سورة النساء الآية 13 (2) و (3) سورة النساء الآية 28 (4) سورة النور الآية 32
[ 392 ]
بقوله: " أو أبناء بعولتهن " (1) والاجماع على ان أولاد الابن وأولاد البنت بحجبون الابوين عن ما زاد عن السدسين والزوج إلى الربع والزوجة إلى الثمن، وكل ذلك في الآية متعلق بالولد، فمن سماه الله ولدا في حجب الابوين والزوجين هو الذى سماه ولدا في قوله " يوصيكم الله في أولادكم " (2) إلى أن قال (قدس سره): وهذه توجيهات حسنة إلا ان الدليل قد قام ايضا على ان أولاد البنات ليسوا أولادا حقيقة لثبوت ذلك في اللغة والعرف وصحة السلب الذى هو علامة المجاز.. إلى آخره وقال العلامة في المختلف نقلا عن ابن ادريس في هذه المسألة: وقال ابن ادريس بعض أصحابنا يذهب إلى ان ابن البنت يعطى نصيب البنت وبنت الابن تعطى نصيب الابن، وذهب آخرون من أصحابنا إلى خلاف ذلك وقالوا ابن البنت ولد ذكر حقيقة فنعطيه نصيب الولد الذكر دون نصيب أمه وبنت الابن بنت حقيقة نعطيها نصيب البنت دون نصيب الابن الذى هو أبوها. قال: واختاره السيد المرتضى واستدل على صحته بما لا يمكن للمصنف دفعه من الادلة القاهرة اللائحة والبراهين الواضحة، قال (رضى الله عنه) إعلم.. ثم ساق كلام المرتضى وهو كلام طويل يتضمن البحث والاستدلال مع المخالفين له في هذه المسألة والزامهم بوجوه ذكرها. ومن جملة كلامه (قدس سره) في هذا المقام (فان قيل) فما دليلكم على صحة ما ذهبتم إليه من توريث أولاد الاولاد والقسمة للذكر مثل حظ الانثيين ؟ (قلنا) دليلنا قوله تعالى: " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين " (3) ولا خلاف بين أصحابنا في أن ولد البنين وولد البنات وان سفلوا تقع عليهم هذه التسمية وتتناولهم على سبيل الحقيقة، ولهذا حجبوا الابوين إلى السدسين بولد الولد وان هبط والزوج من النصف إلى الربع والزوجة إلى الثمن، فمن سماه الله تعالى ولدا في حجب الابوين وحجب الزوجين يجب أن يكون هو الذى سماه في قوله تعالى:
(1) سورة النور الآية 32 (2) و (3) سورة النساء الآية 13
[ 393 ]
" يوصيكم الله في أولادكم " (1) فكيف يحالف بين حكم الاولاد، ويعطى بعضمم للذكر مثل حظ الانثيين والبعض الآخر نصيب آبائهم الذى يختلف ويزيد وينقص ويقتضى تارة تفضيل الانثى على الذكر والقليل على الكثير وتارة المساواة بين الذكر والانثى ؟ وعلى أي شئ يعول في الرجوع عن ظاهر كتابه تعالى ؟ فاما مخالفونا فانهم لا يوافقونا في تسمية ولد البنت بانه ولد على الحقيقة وفيهم من وافق على ذلك، ووافق جميعهم على ان ولد الولد، وان هبط يسمى ولدا على الحقيقة (2).. إلى أن قال: ومن ما يدل على ان ولد البنين والبنات يقع عليهم اسم الولد قوله تعالى: " حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم " (3) وبالاجماع ان بظاهر هذه الاية حرمت بنات أولادنا، ولهذا لما قال الله تعالى: " واخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الاخ وبنات الاخت " (4) ذكرهن في المحرمات لانهن لم يدخلن تحت اسم الاخوات، ولما دخل بنات البنات تحت اسم البنات لم يحتج أن يقول: وبنات بناتكم. وهذه حجة قوية في ما قصدناه. وقوله تعالى: " وحلائل ابنائكم " (5) وقوله تعالى: " ولا يبدين زينتهن.. إلى قوله: أو ابنائهن أو أبناء بعولتهن " (6) لا خلاف في عموم الحكم لجيمع أولاد الاولاد من ذكور واناث. ولان الاجماع على تسمية الحسن والحسين (عليهما السلام) بانهما ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وانهما يفضلان بذلك ويمدحان، ولا فضيلة ولا مدح في وصف مجاز مستعار. ولم تزل العرب في الجاهلية تنسب الولد إلى جده إما في موضع مدح أو ذم ولا يتناكرون ذلك ولا يحتشمون منه، وقد كان يقال للصادق عليه السلام ابدا: أنت ابن الصديق لان امه بنت القاسم بن محمد بن ابى بكر. ولا خلاف في أن عيسى عليه السلام من بنى آدم وولده وانما ينسب إليه بالامومة دون
(1) سورة النساء الآية 13 (2) المغنى ج 5 ص 60 و 561 (3) و (4) و (5) سورة النساء الآية 28 (6) سورة النور الآية 32
[ 394 ]
الابوة (فان قيل) اسم الولد يجرى على ولد البنات مجازا وليس كل شئ استعمل في غيره يكون حقيقة (قلنا) الظاهر من الاستعمال الحقيقة وعلى مدعى المجاز الدلالة.. إلى ان قال العلامة في آخر كلام ابن ادريس: هذا كلام السيد المرتضى (رضى الله عنه) وهو الذى يقوى في نفسي وافتى به واعمل عليه لان العدول إلى ما سواه عدول إلى غير دليل من كتاب ولا سنة مقطوع بها ولا اجماع منعقد، بل ما ذهبنا إليه هو ظاهر الكتاب الحكيم، والاجماع حاصل على ان ولد الوالد ولد حقيقة. ولا يعدل عن هذه الادلة القاطعة للاعذار إلا بادلة مثلها توجب العلم، ولا يلتفت إلى أخبار الآحاد في هذا الباب التى لا توجب علما ولا عملا ولا إلى كثرة القائلين به والمودعية كتبهم وتصانيفهم لان الكثرة لا دليل معها. والى ما اختاره السيد المرتضى واخترناه ذهب الحسن بن ابى عقيل في كتاب التمسك وهذا الرجل من أجلة أصحابنا وفقهائنا وكان شيخنا المفيد يكثر الثناء عليه. انتهى وقال في المختلف في كتاب الخمس بعد ذكر القول المشهور أولا: وذهب السيد المرتضى إلى ان ابن البنت ابن حقيقة، ومن أوصى بمال لولد فاطمة (عليها السلام) دخل فيه أولاد بنيها وأولاد بناتها حقيقة، وكذا لو وقف على ولده دخل فيه ولد البنت لدخول ولد البنت تحت الولد. والاقرب الاول، لنا - انه إنما يصدق الانتساب حقيقة إذا كان من جهة الاب عرفا فلا يقال تميمي إلا لمن انتسب إلى تميم بالاب ولا حارثى إلا لمن انتسب إلى حارث بالاب، ويؤيده قول الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن ابناء الرجال الاباعد وما رواه حماد بن عيسى قال رواه لى بعض أصحابنا عن العبد الصالح ابى الحسن الاول عليه السلام (1) " ومن كانت امه من بنى هاشم وابوه من سائر قريش فان الصدقة تحل له وليس له من الخمس شئ لان الله يقول: ادعوهم لآبائهم " (2)
(1) الوسائل الباب 1 من قسمة الخمس (2) سورة الاحزاب الآية 6
[ 395 ]
ولانه أحوط. احتج السيد المرتضى بان الاصل في الاطلاق الحقيقة وقد ثبت اطلاق الاسم في قوله عليه السلام (1) في الحسن والحسين (عليهما السلام) " هذان ابناى امامان قاما أو قعدا ". والجواب المنع من اقتضاء الاطلاق الحقيقة مطلقا بل إذا لم يعارض معارض. انتهى. وقال الشيخ في الخلاف في باب الوقف: مسألة - إذا وقف على أولاده واولاد أولاده دخل أولاد البنات فيه ويشتركون فيه مع اولاد البنين الذكر والانثى فيه سواء كلهم وبه قال الشافعي، وقال أصحاب أبى حنيفة لا يدخل أولاد البنات فيه (2).. إلى أن قال: دليلنا اجماع المسلمين على ان عيسى بن مريم عليه السلام من ولد آدم وهو ولد ابنته لانه ولد من غير أب. وايضا دعا رسول الله صلى الله عليه وآله الحسن عليه السلام ابنا وهو ابن بنته وقال: " لا تزرموا ابني " أي لا تقطعوا عليه بوله وكان قد بال في حجره فهموا بأخذه فقال لهم ذلك (3) فاما استشهادهم بقول الشاعر: " بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الاباعد " فانه مخالف لقول النبي صلى الله عليه وآله واجماع الامة والمعقول فوجب رده. وقال في كتاب الميراث مثله واستدل بما استدل به هنا. انتهى. ولهذا انه لم ينقل عنه موافقة القول المشهور إلا في النهاية والمبسوط وإلا فهو في الخلاف قد وافق قول السيد كما عرفت. وقال الشيخ المفيد في كتاب الوقف من المقنعة: وإذا وقف على العلوية
(1) قال المجلسي في البحار ج 10 ص 78 في مقام الاستدلال على امامتها " ع ". ويستدل باخبر المشهور انه " ص " قال: " ابناي هذان امامان قاما أو قعدا " وفيه ج 9 ص 140 في حديث " وانهما امامان قاما أو قعدا " وايضا ج 9 ص 150 في حديث " وابناه الحسن والحسين (ع) سبطاي من هذه الامة امامان قاما أو قعدا ". (2) في المغنى ج 5 ص 560 و 561 نسب القول بالعدم إلى مالك ومحمد بن الحسن والقول بالدخول إلى الشافعي وابى يوسف. (3) الوسائل الباب 8 من النجاسات
[ 396 ]
كان لولد أمير المؤمنين على بن ابى طالب عليه السلام وولد ولده من الذكور والاناث، فان وقف على الطالبين كان على ولد ابى طالب (رحمة الله عليه) وولد ولده من الذكور والاناث. وهو كما ترى مطابق لما نقل عنه آنفا حيث انه أدخل المتقربين بالام في النسبة إلى على وابى طالب (عليهما السلام) والمخالفون من أصحابنا في المسألة ينكرون دخول المتقرب بالام في النسبة كما سمعته من كلام العلامة. وقال الفضل بن شاذان - على ما نقله عنه في الكافي (1) في باب الميراث بعد أن نقل عن العامة القول ببنوة ابن البنت في جميع الاحكام إلا في الميراث - ما حاصله: انهم إنما انكروا ذلك في باب الميراث اقتداء باسلافهم الذين أرادوا ابطال بنوة الحسن والحسين (عليهما السلام) بسبب امهما والله المستعان. هذا مع ما قد نص الله عليه في كتابه بقوله عزوجل: " كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وايوب.. إلى قوله: وعيسى والياس كل من الصالحين " (2) فجعل عيسى من ذرية نوح ومن ذرية آدم وهو ابن بنته لانه لا أب لعيسى، فكيف لا يكون ولد الابنة ولد الرجل بلى لو أرادوا الانصاف والحق. وبالله التوفيق. انتهى أقول: وقد ظهر لك من ما ذكرنا حجج القولين وما أوردوه في البين. والظاهر عندي هو مذهب السيد (قدس سره) لوجوه:
الاول: الآيات القرآنية التى هو أقوى حجة وأظهر محجة الواردة في باب النكاح وباب الميراث، فانها متفقة في صدق الولد شرعا على ولد البنت والابن وصدق الاب على الجد منهما، ولذلك ترتبت عليه الاحكام الشرعية في البابين المذكورين، والاحكام الشرعية لا تترتب إلا على المعنى الحقيقي للفظ دون المجازى المستعار الذى قد يعتبر وقد لا يعتبر. وها أنا أتلو عليك شطرا من تلك الآيات الواردة في هذا المجال لتحيط
(1) الفروع ج 2 ص 260 (2) سورة الانعام الآية 85 و 86
[ 397 ]
خبرا بان ما ذهبنا إليه لا يعتريه غشاوة الاشكال وان كان قد تقدم في كلام السيد ما يشير إلى بعض ذلك: فمن ذلك قوله عزوجل: " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء " (1) فانه لا خلاف في انه بهذه الآية يحرم على ابن البنت زوجة جده من الام لكونه أبا له بمقتضى الآية، فهى تدل على ان أب الام أب حقيقة إذ لو لا ذلك لما اقتضت تحريم زوجة جده عليه، فيكون ولدا البنت ولدا حقيقة للتضايف. ومن ذلك قوله عزوجل في تعداد المحرمات " وحلائل ابنائكم " (2) فانه لا خلاف في انه بهذه الآية يحرم نكاح الرجل لزوجة ابن ابنته لصدق الابنية عليه المذكورة. ومنه قوله تعالى في تعداد المحرمات ايضا " وبناتكم " (3) فانه بهذه الآية حرمت بنت البنت على جدها. ومنه ايضا في تعداد من يحل نظره إلى الزينة قوله سبحانه: " أو أبنائهن " (4) فانه بهذه الآية يحل لابن البنت النظر إلى زينة جدته لامه بل زوجة جده بقوله " أو أبناء بعولتهن " (5). ومنه في الميراث في حجب الزوجين عن السهم الاعلى وحجب الابوين عن ما زاد على السدس قوله عزوجل: " فان كان لهن ولد فلكم الربع.. فان كان لكم ولد فلهن الثمن " (6) " ولابويه لكل واحد منهما السدس مما ترك ان كان له ولد، فان لم يكن له ولد وورثه ابواه فلامه الثلث " (7) فان الولد في جميع هذه المواضع شامل باطلاقه لولد البنت، والاحكام المذكورة مرتبة عليه بلا خلاف كما ترتبت على ولد الصلب بلا واسطة.
(1) سورة النساء الآية 27 (2) و (3) سورة النساء الآية 28 (4) و (5) سورة النور الآية 32 (6) سورة النساء الآية 14 و 15 (7) سورة النساء الآية 13
[ 398 ]
ومن الظاهر البين انه لولا صدق الاطلاق حقيقة لما جاز ترتب الاحكام الشرعية المذكورة في جملة هذه الآيات ونحوها عليه. واما ما أجاب به في المسالك في كتاب الوقف وفى كتاب الميراث من ان دخول أولاد الاولاد بدليل من خارج لا من حيث الاطلاق فهو مردود بان الروايات قد فسرت الآيات المذكورة بذلك وانه قد اريد بها هذا المعنى، ومنها الروايات الآتية في المقام حيث استدل الائمة (عليهم السلام) بالآيات على هذا المعنى وفسروها به لا ان هذا المعنى إنما استفيد من أخبار خارجة أو من الاجماع كما ادعاه. وايضا فان الاصحاب قد استدلوا على الاحكام المذكورة باطلاق هذه الآيات كما لا يخفى على من راجع كتبهم فلو لا ان أولاد الاولاد مطلقا داخلون في الاطلاق ومستفادون منه لما صح هذا الاستدلال الذى أوردوه (عليهم السلام) ولا الذى ذكره الاصحاب. وبذلك يظهر ان جوابه (قدس سره) شعرى لا يعتمد عليه وقشرى لا يلتفت إليه.
الثاني - الاخبار الظاهرة المنار الساطعة الانوار: ومنها ما رواه ثقة الاسلام الكليني (عطر الله مرقده) في كتاب روضة الكافي (1) والثقة الجليل على بن ابراهيم في تفسيره (2) بسنديهما إلى ابى الجارود قال: " قال لى أبو جعفر عليه السلام يا أبا الجارود ما يقولون لكم في الحسن والحسين (عليهما السلام) ؟ قلت ينكرون علينا انهما ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله. قال فاى شئ احتججتم عليهم ؟ قلت احتججنا عليهم بقول الله عزوجل في عيسى بن مريم عليه السلام: ومن ذريته داود وسليمان وايوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزى المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى (3) فجعل عيسى بن مريم من ذرية نوح عليه السلام. قال عليه السلام: فاى شئ قالوا لكم ؟ قلت قالوا قد يكون ولد الابنة من الولد ولا يكون من الصلب. قال: فاى شئ احتججتم
(1) ص 317 (2) ص 196 (3) سورة الانعام الآية 85 و 86
[ 399 ]
عليهم ؟ قلت احتججنا عليهم بقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله: فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم " (1) قال فأى شئ قالوا ؟ قلت قالوا قد يكون في كلام العرب ابناء رجل وآخر يقول: أبناؤنا. قال فقال أبو جعفر عليه السلام يا أبا الجارود لاعطينكها من كتاب الله عزوجل انهما من صلب رسول الله صلى الله عليه وآله لا يردها إلا كافر. قلت: وأين ذلك جعلت فداك ؟ قال من حيث قال الله عزوجل " حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم وأخواتكم.. الآية إلى أن انتهى إلى قوله تعالى: وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم " (2) فسلهم يا أبا الجارود هل كان يحل لرسول الله صلى الله عليه وآله نكاح حليلتيهما ؟ فان قالوا نعم كذبوا وفجروا وان قالوا لا فهما ابناه لصلبه " وزاد في رواية على بن ابراهيم " وما حرمتا عليه إلا للصلب.. الحديث ". ولا يخفى ما فيه من الصراحة في المطلوب والظهور والتشنيع الفضيع على من قال بالقول المشهور ومشاركته للعامة في رد كتاب الله المؤذن بالخروج عن الاسلام نعوذ بالله من زيغ الافهام وطغيان الاقلام، ولكن العذر لهم تجاوز الله عنا وعنهم واضح بعدم تتبع الادلة والوقوف عليها من مظانها لتفرقها وعدم اجتماعها في باب معلوم. وفى الخبر كما ترى دلالة واضحة على ان اطلاق الولد في الآيات المتقدمة على ابن البنت على جهة الحقيقة وانه ولد للصلب حقيقة وان كان بواسطة لا فرق بينه وبين الولد للصلب الذى هو متفق عليه بينهم. ومنها - ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (3) " انه قال لو لم تحرم على الناس أزواج النبي صلى الله عليه وآله لقول الله عزوجل: وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا ان تنكحوا أزواجه من بعده أبدا (4)
(1) سورة آل عمران الآية 55 (2) سورة النساء الآية 28 (3) الوسائل الباب 2 من ما يحرم بالمصاهرة (4) سورة الاحزاب الآية 54
[ 400 ]
حرمن على الحسن والحسين (عليهما السلام) لقوله تعالى: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء (1) ولا يصلح للرجل أن ينكح امرأة جده، والتقريب فيها ما تقدم عند ذكر الآية المشار إليها. ومنها - ما رواه الصدوق في عيون الاخبار (2) والطبرسي (قدس سره) في كتاب الاحتجاج (3) في حديث طويل عن الكاظم عليه السلام يتضمن ذكر ما جرى بينه وبين الخليفة هارون الرشيد لما ادخل عليه، وموضع الحاجة منه انه قال له الرشيد: " لم جوزتم للعامة والخاصة أن ينسبوكم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ويقولون لكم يا بنى رسول الله صلى الله عليه وآله وأنتم بنو على وانما ينسب المرء إلى أبيه وفاطمة إنما هي وعاء والنبى صلى الله عليه وآله جدكم من قبل امكم ؟ فقال يا أمير المؤمنين لو ان النبي صلى الله عليه وآله نشر فخطب اليك كريمتك هل كنت تجيبه ؟ فقال سبحان الله ولم لا أجيبه بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك. فقال لكنه لا يخطب إلى ولا أزوجه. فقال ولم ؟ فقلت لانه ولدنى ولم يلدك. فقال أحسنت يا موسى ثم قال كيف قلتم انا ذرية النبي صلى الله عليه وآله والنبى لم يعقب وإنما العقب للذكر لا للانثى وأنتم ولد لابنته ولا يكون لها عقب ؟.. ثم ساق الخبر إلى أن قال: فقلت اعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم " ومن ذريته داود وسليمان وايوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزى المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى " (4) من أبو عيسى يا أمير المؤمنين ؟ فقال ليس لعيسى أب. فقلت إنما ألحقناه بذرارى الانبياء من طريق مريم وكذلك ألحقنا بذرارى النبي صلى الله عليه وآله من قبل امنا فاطمة. ازيدك يا امير المؤمنين ؟ قال هات فقال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " فمن حاجك فيه.. الآية " (5) ولم يدع أحد انه أدخل النبي صلى الله عليه وآله تحت الكساء عند المباهلة للنصاري إلا على بن ابى طالب وفاطمة والحسن والحسين
(1) سورة النساء الآية 27 (2) ج 1 ص 83 الطبع الحديث (3) ص 199 (4) سورة الانعام الآية 85 و 86 (5) سورة آل عمران الآية 55
[ 401 ]
(عليهم السلام) فالابناء هم الحسن والحسين والنساء هي فاطمة و " انفسنا " إشارة إلى على بن ابى طالب عليه السلام (1).. الحديث ". ومنها - ما رواه الشيخ المفيد (قدس سره) في كتاب الاختصاص (2) في حديث طويل عن الكاظم عليه السلام مع الرشيد أيضا قال فيه: " وانى أريد أن اسألك عن مسألة فان اجبتني أعلم انك قد صدقتني وخليت عنك ووصلتك ولم اصدق ما قيل فيك. فقلت ما كان علمه عندي اجبتك فيه. فقال لم لا تنهون شيعتكم عن قولهم لكم يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وأنتم ولد على وفاطمة إنما هي وعاء والولد ينسب إلى الاب لا إلى الام ؟ فقلت ان رأى أمير المؤمنين أن يعفينى عن هذه المسألة فعل فقال لست أفعل أو تجيب، فقلت فانا في أمانك أن لا يصيبني من آفة السلطان شى فقال لك الامان. فقلت اعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم " ووهبنا له اسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزى المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى " (3) فمن أبو عيسى ؟ فقال ليس له أب إنما خلق من كلام الله (عزوجل) وروح القدس. فقلت إنما الحق عيسى بذرارى الانبياء من قبل مريم، وألحقنا بذرارى الانبياء من قبل فاطمة لا من قبل على. فقال أحسنت يا موسى زدنى من مثله. فقلت اجتمعت الامة برها وفاجرها ان حديث النجرانى حين دعاه النبي صلى الله عليه وآله إلى المباهلة لم يكن في الكساء إلا النبي صلى الله عليه وآله وعلى وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) فقال الله تبارك وتعالى: فمن حاجك فيه من بعدما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وأنفسكم (4) فكان تأويل " أبناءنا " الحسن والحسين و " نساءنا " فاطمة و " أنفسنا " على بن ابى طالب (عليه السلام). فقال أحسنت.. الحديث ".
(1) ارجع إلى الاستدراكات في آخر الكتاب (2) ص 55 و 56 (3) سورة الانعام الآية 85 و 86 (4) سورة آل عمران الآية 55
[ 402 ]
أقول: لا يخفى عليك ما في هذا الخبر والذى قبله من الدلالة الظاهرة على خلاف ما دلت عليه مرسلة حماد المتقدمة دليلا للقول المشهور، فانه عليه السلام حكم في تلك المرسلة بان المرء إنما ينسب إلى ابيه واستدل بقوله عزوجل: " ادعوهم لآبائهم (1) وفي هاتين الروايتين لما أورد عليه الرشيد ذلك الموجب لعدم جواز نسبتهم بالنبوة إلى النبي صلى الله عليه وآله احتج عليه السلام في الرواية الاولى بعدم جواز نكاح رسول الله صلى الله عليه وآله كريمته الموجب لكونه ابنه حقيقة كما تضمنته الآية المتقدمة، وفى كلتا الروايتين بآية عيسى وآية المباهلة، ولو كانت البنوة في هذه المواضع إنما هي على جهة المجاز فكيف تصلح هذه الايات للاستدلال ؟ وكيف يسلم الخصم تلك الدعوى ؟ بل كيف يعترض الرشيد وغيره عليهم بتسمية الناس لهم ابناء رسول الله صلى الله عليه وآله مجازا وباب المجاز واسع، فلو لا ان المخالفين عالمون بدعواهم (عليهم السلام) البنوة الحقيقة وان الناس إنما أرادوا بذلك كونهم أبناء حقيقة لما كان لهذا الاعتراض وجه بالكلية، لما عرفت من أن المجاز لا مشاحة فيه ولا يوجب فخرا ولا يخلد ذكرا، وهذا بحمد الله سبحانه ظاهر تمام الظهور لمن سلمت عين بصيرته من الخلل والفتور، ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور. ومنها - ما رواه العياشي في تفسيره (2) عن ابى عمرو الزبيري عن ابى عبد الله عليه السلام قال: " قلت له ما الحجة في كتاب الله ان آل محمد صلى الله عليه وآله هم أهل بيته ؟ قال قول الله تبارك وتعالى: ان الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران - وآل محمد - هكذا نزلت (3) على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم (4)
(1) سورة الاحزاب الآية 6 (2) ج 1 ص 169 و 170 (3) الادلة العقلية والنقلية متوفرة على عدم وقوع أي تحريف بالمعنى المعروف في القرآن، وما ورد من الاخبار من هذا القبيل ليس المراد منه النزول على وجه القرآنية راجع البيان ج 1 لسماحة الاستاذ آية الله الخوئى دام ظله ص 136 إلى 181 وقد برهن فيه على انه ليس من مذهب الشيعة القول بتحريف القرآن. (4) سورة آل عمران الآية 32 و 33
[ 403 ]
ولا يكون الذرية من القوم إلا نسلهم من أصلابهم. وقال: اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور (1) وآل عمران وآل محمد ". ومنها - ما رواه الصدوق في العيون (2) والمجالس عن الرضا عليه السلام في باب مجلس الرضا مع المأمون في الفرق بين العترة والامة، والحديث طويل قال عليه السلام في جملته " وأما العاشرة فقول الله عزوجل في آية التحريم " حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم وأخواتكم.. الآية " (3) فاخبروني هل تصلح ابنتى أو ابنة ابني أو ما تناسل من صلبى لرسول الله صلى الله عليه وآله أن يتزوجها لو كان حيا ؟ قالوا لا. قال فاخبروني هل كانت ابنة أحدكم تصلح له أن يتزوجها لو كان حيا ؟ قالوا نعم. قال ففى هذا بيان لانى من آله ولستم من آله ولو كنتم من آله لحرم عليه بناتكم كما حرم عليه بناتى لانى من آله وأنتم من امته، فهذا فرق ما بين الآل والامة لان الآل منه والامة إذا لم تكن من الآل ليست منه، فهذه العاشرة واما الحادية عشرة فقوله عزوجل في سورة المؤمن.. وساق الكلام إلى أن قال عليه السلام: وكذلك خصصنا نحن إذ كنا من آل رسول الله صلى الله عليه وآله بولادتنا منه.. الحديث ". ومنها - قوله في الخبر المذكور (4) حين ادعى الحاضرون ان الآل هم الامة: " اخبروني هل تحرم الصدقة على الآل ؟ قالوا نعم. قال فتحرم على الامة ؟ قالوا لا. قال هذا فرق بين الآل والامة.. الحديث ". والتقريب فيه ان كل من انتسب إليه صلى الله عليه وآله بامه فانه داخل في آله لما ورد من تفسير الآل بالذرية في خبر وبمن حرم على رسول الله صلى الله عليه وآله نكاحه في خبر آخر (5) ومتى دخل في الآل حرمت عليه الصدقة بنص الخبر المذكور مع
(1) سورة سبأ الآية 13 والكلام في التتمة كما تقدم في التعليقة 3 ص 402 (2) ج 1 ص 239 الطبع الحديث وفى المجالس ص 318 (3) سورة النساء الآية 28 (4) العيون ص 229 والمجالس 313 (5) راجع التعليقة 1 و 2 ص 405
[ 404 ]
ان خبر حماد بن عيسى دل على حل الصدقة لمن انتسب إلى هاشم بالام الموجب لاخراجه من الآل والذرية. ومنها - ما رواه ثقة الاسلام في الكافي في ابواب الزيارات (1) بسنده عن بعض أصحابنا قال: " حضرت أبا الحسن الاول عليه السلام وهارون الخليفة وعيسى بن جعفر وجعفر بن يحيى بالمدينة وقد جاءوا إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال هارون لابي الحسن عليه السلام تقدم فابى فتقدم هارون فسلم وقام ناحية فقال عيسى بن جعفر لابي الحسن عليه السلام تقدم فابى فتقدم عيسى فسلم ووقف مع هارون فقال جعفر لابي الحسن عليه السلام تقدم فابى فتقدم جعفر فسلم ووقف مع هارون فتقدم أبو الحسن عليه السلام وقال السلام عليك يا ابه اسأل الله الذى اصطفاك واجتباك وهداك وهدى بك أن يصلى عليك. فقال هارون لعيسى سمعت ما قال ؟ قال: نعم. فقال هارون أشهد أنه أبوه حقا " فانظر أيدك الله إلى شهادة هارون بابوته (صلى الله عليه وآله) له عليه السلام حقا وأى مجال للحمل على المجاز في ذلك ؟ ومنها - ما رواه ثقة الاسلام في الكافي والصدوق في الفقيه والشيخ في كتابيه بطرق عديدة ومتون متقاربة عند عائذ الاحمسي (2) قال: " دخلت على ابى عبد الله عليه السلام وانا أريد أن أسأله عن صلاة الليل فقلت السلام عليك يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: وعليك السلام أي والله انا لولده وما نحن بذوى قرابته.. الحديث ". اقول: انظر إلى صراحة كلامه عليه السلام في المطلوب والمراد وقسمه على ذلك برب العباد وانه ليس انتسابهم إليه (صلى الله عليه وآله) بمجرد القرابة كما يدعيه ذوو العناد والفساد ومن تبعهم من أصحابنا ممن حاد في المسألة عن طريق السداد حيث حملوا لفظ الابنية في حقهم (عليه السلام) على المجاز وهى ظاهرة بل صريحة كما ترى في
(1) الفروع ج 1 ص 316 وفي الوسائل الباب 6 من المزار (2) الفروع ج 1 ص 137 وفى الوسائل الباب 17 من اعداد الفرائض ونوافلها
[ 405 ]
إرادة البنوة الحقيقية لا مسرح للعدول عنها والجواز. ومجمل القول في هذه الاخبار ونحوها انها قد دلت على دعواهم (عليهم السلام) البنوة له (صلى الله عليه وآله) وافتخارهم بذلك وان المخالفين انكروها عليهم، وهم (عليهم السلام) قد استدلوا على اثباتها بالآيات القرآنية كما مرت، ولولا ان المراد بالنبوة الحقيقية لما كان لما ذكر من هذه الامور وجه، لان المجاز لا يوجب الافتخار ولا يصلح أن يكون محلا للمخاصمة والجدال وطلب الادلة وإيراد الآيات دليلا عليه بل هذه الاشياء إنما تترتب على المعنى الحقيقي كما أشرنا إليه آنفا، ولكن أصحابنا (رضوان الله عليهم) لم يعطوا المسألة حقها من التتبع لاخبارها والتطلع في آثارها فوقعوا في ما وقعوا فيه.
الثالث - ان جملة الاخبار التى وقفت عليها بالنسبة إلى مستحقي الخمس عدا مرسلة حماد المتقدمة إنما تضمنت التعبير عنهم بكونهم آل محمد (صلى الله عليه وآله) أو ذريته أو عترته أو ذوى قرابته أو أهل بيته أو نحو ذلك من الالفاظ التى لا تناكر في دخول المنتسب بالام إليه صلى الله عليه وآله فيها، فان معنى الآل على ما رواه الصدوق في معاني الاخبار (1) عن الصادق عليه السلام من حرم على محمد صلى الله عليه وآله نكاحه، وفى رواية اخرى (2) فسره بالذرية، ولا ريب أيضا في صدق الذرية على من انتسب بالام للآية الدالة على كون عيسى من ذرية نوح عليه السلام (3). وحينئذ فإذا كان التعبير عن مستحق الخمس في الاخبار إنما وقع بهذه الالفاظ التى لا إشكال في دخول المنتسب بالام إليه صلى الله عليه وآله فيها فانه لا مجال لنزاع القوم في هذه المسألة باعتبار عدم صدق النبوة عى ما انتسب إلى هاشم بالام، لان علة النسبة إلى هاشم لم نقف عليها إلا في المرسلة المتقدمة حيث قال فيها (4): " وهؤلاء الذين
(1) ص 93 و 94 الطبع الحديث (2) ص 94 الطبع الحديث (3) وهى قوله تعالى " ومن ذريته داود.. إلى قوله تعالى وعيسى " سورة الانعام الآية 85 و 86. (4) الوسائل الباب 1 من قسمة الخمس
[ 406 ]
جعل الله لهم الخمس هم قرابة النبي صلى الله عليه وآله الذين ذكرهم الله تعالى فقال: " وانذر عشيرتك الاقربين " (1) وهم بنو عبد المطلب انفسهم الذكر منهم والانثى.. إلى أن قال: ومن كانت امه من بنى هاشم.. إلى آخر ما تقدم " وكذا ما في رواية زرارة عن ابى عبد الله عليه السلام (2) قال: " لو كان العدل ما احتاج هاشمى ولا مطلبي إلى صدقة ان الله جعل لهم في كتابه ما كان فيه سعتهم " والثانى لا صراحة فيه بل ولا ظاهرية في المنع من ما ندعيه، لان النسبة إلى هاشم تصدق بكونه من الذرية وهى حاصلة بالانتساب بالام كما عرفت، فلم يبق إلا المرسلة المتقدمة وموضع المنافاة فيها وهو الصريح في المنافاة إنما هو قوله " ومن كانت امه من بنى هاشم وابوه من سائر قريش فان الصدقات تحل له.. " وإلا فتفسيرهم بالقرابة وانهم بنو عبد المطلب لا صراحة فيه ولا ظهور بعد ما حققناه آنفا، فانا قد أثبتنا بالآيات القرآنية والروايات المتقدمة حصول البنوة بالام. وتعلق الخصم بعدم صدق الابنية الحقيقية - وانه لا يقال تميمي ولا حارثى إلا إذا انتسب إلى تميم والى حارث بالاب والاستاد إلى ذلك الشعر المنقول في مقابلة ما ذكرناه من المنقول - غير معقول عند ذوى الالباب والعقول بل هو أوهن من بيت العنكبوت وانه لاوهن البيوت لما شرحناه وأو ضحناه في ذيل تلك الآيات والروايات. ويزيده ايضاحا وبيانا دلالة جملة من الاخبار على صحة نسبتهم (عليهم السلام) بل جميع الذرية إليه (صلى الله عليه وآله) بان يقال محمدى كما يقال علوى. ومن ذلك ما رواه في الكافي (3) في باب ما نص الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) على الائمة واحدا فواحدا بسند صحيح عن عبد الرحيم بن روح القصير عن
(1) سورة الشعراء الآية 215 (2) الوسائل الباب 33 من المستحقين للزكاة (3) الاصول ج 1 ص 288
[ 407 ]
ابى جعفر عليه السلام في قول الله عزوجل: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم (1) ثم ساق الحديث الدال على اختصاص الامامة بهم (عليهم السلام).. إلى أن قال: " فقلت له: هل لولد الحسن عليه السلام فيها نصيب ؟ فقال لا والله يا عبد الرحيم ما لمحمدي فيها نصيب غيرنا ". وما رواه الصدوق في كتاب معاني الاخبار (2) عن حمزة ومحمد ابن حمران عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث قال فيه بد ذكر حمران لعقيدته في الامامة ما صورته: " يا حمران مد المطمر بينك وبين العالم - قلت يا سيدى وما المطمر ؟ قال أنتم تسمونه خيط البناء - فمن خالفك على هذا الامر فهو زنديق. فقلت وان كان علويا فاطميا ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام وان كان محمديا علويا فاطميا " وهما صريحان كما ترى في صحة النسبة إليه (صلى الله عليه وآله) بان كل من كان من ذريته وأبناء ابنته فهو محمدى. وبه يظهر ان ما ذكروه من أنه لا تصح النسبة إليه إلا إذا انتسب بالاب كلام شعرى لا تعويل عليه. ومن ما يؤكد ذلك ما رواه في الكافي (3) في حديث طويل في باب ما يفص به بين دعوى المحق والمبطل في الامامة عن ابى جعفر عليه السلام وهو طويل قال في آخره: " الله بيننا وبين من هتك سترنا وجحدنا حقنا وأفشى سرنا ونسبنا إلى غير جدنا وقال فينا ما لم نقله في أنفسنا ". ومن ما يدل على صحة الانتساب بالام زيادة على ما قدمنا ما رواه العياشي في تفسيره (4) والبرقي في المحاسن (5) عن بشير الدهان عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: والله لقد نسب الله عيسى بن مريم في القرآن إلى ابراهيم من قبل النساء. ثم تلا: ومن ذريته داود وسليمان.. إلى آخر الآيتين (6) وذكر عيسى (عليه السلام).
(1) سورة الاحزاب الآية 7 (2) ص 212 الطبع الحديث (3) الاصول ج 1 ص 356 و 357 (4) ج 1 ص 367 (5) ج 1 ص 156 (6) سورة الانعام الآية 85 و 86
[ 408 ]
وأما ما ذكره شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في قرينة المجاز من صحة السلب في قول القائل: هذا ليس ابني بل ابن بنتى أو ابن ابني فمردود بانه غير مسلم على اطلاقه فانا لا نسلم سلب الولدية حقيقة، إذ حاصل المعنى بقرينة الاضراب ان مراد القائل المذكور انه ليس بولدى بلا واسطة بل ولدى بالواسطة، فالمنفى حينئذ إنما هو كونه ولده من غير واسطة والولد الحقيقي عندنا أعم منهما، ولو قال ذلك القائل ليس بولدى من غير الاتيان بالاضراب منعنا صحة السلب. وبالجملة فانه لم يبق هنا شئ ينافى ما حققناه إلا قوله في المرسلة المذكورة " ومن كانت امه من بنى هاشم.. " ولو انا نجرى على قواعدهم في هذا الاصطلاح لكان لنا أن نقول انه لا ريب ان هذه الرواية ضعيفة السند لا تقوم بمعارضة ما ذكرناه من الآيات والاخبار التى فيها الصحيح وغيره، والجمع بين الاخبار إنما يصار إليه مع التكافؤ سندا وقوة وإلا فتراهم يطرحون المرجوح من البين. واما على ما هو المختار عندنا من صحة جميع الاخبار فالجواب عن ذلك انه لا ريب ان مقتضى القواعد المقررة عن أصحاب العصمة (عليهم السلام) انه مع اختلاف الاخبار يجب عرضها على القرآن والاخذ بما وافقه ورمى ما خالفه (1) وكذا ورد ايضا العرض على مذهب العامة والاخذ بما خالفه وطرح ما وافقه (2). ولا ريب بمقتضى ما قدمناه من الآيات والروايات والتحقيق في المقام ان ما تضمنته هذه المرسلة مخالف للقران ومطابق للعامة، وحينئذ فبمقتضى هاتين القاعدتين يجب طرح ما خالف في هذه الرواية المذكورة. اما مخالتفها للقرآن فظاهر لما عرفت من دلالتها على عدم دخول ابن البنت في الابن الحقيقي واجراء أحكام الابن الحقيقي عليه لان الولد إنما ينسب إلى ابيه، مع دلالة الآيات القرآنية والاخبار المتقدمة على دخوله في الابن الحقيقي كما عرفت
(1) و (2) الوسائل الباب 9 من صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به
[ 409 ]
واما موافقتها للعامة فلما عرفت من كلام السيد المرتضى (رضى الله عنه) المتقدم وقوله فيه " واما مخالفونا فانهم لا يوافقونا في تسمية ولد البنت بانه ولد على الحقيقة وفيهم من وافق " ولما عرفت من رواية ابى الجارود وحديثي الكاظم (عليه السلام) مع الرشيد. على انه لو ثم العمل على هذه الرواية للزم خروجهم (عليهم السلام) عن أن يكونوا آله وذريته (صلى الله عليه وآله) كما تقوله العامة، وهو من ما لا يقول به أحد من الامامية لان ظاهر هذه الرواية ان المنتسب بالام خاصة حكمه حكم سائر الاجانب وان نسبته بالام في حكم العدم وإنما الاعتبار بالاب للآية التى ذكرها مع انك عرفت من تفسير الآل والذرية ما يوجب دخوله، ويزيده بيانا ما ذكره الرضا (عليه السلام) في الحديث الطويل المروى في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (1) في الفرق بين آل النبي وذريته وبين الامة فليرجع إليه من أحب الوقوف عليه. وبالجملة فانه قد تلخص بما ذكرناه ان وجه المخالفة في هذه الرواية الموجب لطرحها ناشئ من أمرين: احدهما - دلالتها على نفى الابنية عن ولد البنت وقد عرفت من الآيات والروايات المتقدمة ثبوتها. وثانيهما - ان المستفاد من ما قدمناه من الاخبار ان من إنتسب إليه صلى الله عليه وآله بامه فهو من آله وكل من كان من آله حرمت عليه الصدقة، ينتج من ذلك ان كل من انتسب إليه بامه تحرم عليه الصدقة، دليل الصغرى ما قدمناه من الخبر المنقول من معاني الاخبار في معنى الآل، ودليل الكبرى الخبر الذى قدمناه في الفرق بين العترة والامة، ومتى ثبت تحريم الصدقة عليه حل له الخمس إذ لا ثالث لهذين القسمين بالاتفاق نصا وفتوى، كما يدل عليه ايضا آخر حديث حماد بن عيسى (2) الذى احتج به الخصم فليلاحظ. ومن ما يؤكد موافقة ما تضمنه الخبر المذكور للعامة ايضا ما نقله الفقيه محمد
(1) ج 1 ص 228 الطبع الحديث (2) ص 385
[ 410 ]
ابن طلحة الشامي الشافعي في كتاب مطالب السؤول في مناقب آل الرسول صلى الله عليه وآله (1) قال: وقد نقل ان الشعبى كان يميل إلى آل الرسول (صلى الله عليه وآله) وكان لا يذكرهم إلا وهو يقول هم أبناء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذريته، فنقل عنه ذلك إلى الحجاج بن يوسف وتكرر ذلك منه، وكثر نقله عنه فاغضبه ذلك من الشعبى ونقم عليه، فاستدعاه الحجاج يوما وقد اجتمع لديه أعيان المصرين الكوفة والبصرة وعلماؤهما وقراؤهما، فلما دخل الشعبى عليه لم يهش له ولا وفاه حقه من الرد عليه، فلما جلس قال يا شعبى ما أمر يبلغني عنك فيشهد عليك بجهلك ؟ قال ما هو يا امير ؟ قال ألم تعلم ان ابناء الرجل هل ينسبون إلا إليه والانساب لا تكون إلا بالآباء ؟ فما بالك تقول عن ابناء على (عليه السلام) ابناء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذريته ؟ وهل لهم اتصال برسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا بامهم فاطمة (عليها السلام) والنسب لا يكون بالبنات وإنما يكون بالابناء ؟ فاطرق الشعبى ساعة حتى بالغ الحجاج في الانكار عليه وقرع انكاره مسامع الحاضرين والشعبى ساكت، فلما رأى الحجاج سكوته أطمعه ذلك في زيادة تعنيفه فرفع الشعبى رأسه فقال يا أمير ما أراك إلا متكلما بكلام من يجهل كلام الله تعالى وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) أو يعرض عنهما. فازداد الحجاج غضبا منه وقال المثلى تقول هذا يا ويلك ؟ قال الشعبى نعم هؤلاء قراء المصرين وحلمة الكتاب العزيز فكل منهم يعلم ما أقول، أليس قد قال الله تعالى حين خاطب عباده " يا بنى آدم " (2) وقال " يا بنى اسرائيل " (3) وقال عن ابراهيم: " ومن ذريته.. إلى أن قال وعيسى " (4) ؟ فترى يا حجاج اتصال عيسى بآدم واسرائيل نبى الله وابراهيم خليل الله باى آبائه
(1) ص 4 (2) سورة الاعراف الآية 26 و 27 و 30 و 34 (3) سورة البقرة الآية 39 و 45 و 117 (4) سورة الانعام الآية 85 و 86
[ 411 ]
كان أو باى أجداد أبيه ؟ هل كان إلا بامه مريم ؟ وقد صح النقل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله " انبى هذا سيد ". فلما سمع ذلك منه أطرق خجلا ثم عاد يتلطف بالشعبي واشتد حياؤه من الحاضرين. انتهى. أقول: ولعل إلى مثل الشعبى أشار سيدنا المرتضى في عبارته بقوله: " وفيهم من وافق ".
الرابع - ان الظاهر ان معظم الشبهة عند من منع في هذه المسألة من تسمية المنتسب بالام ولدا بالنسبة إلى جده من امه هو انه إنما خلق من ماء الاب والام إنما هي ظرف ووعاء كما سمعته من كلام الرشيد للكاظم (عليه السلام) في الحديثين المتقدمين واليه يشير كلام الحجاج، ولعل الذى استند إليه الاصحاب مبنى على ذلك. وهو في البطلان أظهر من أن يحتاج إلى بيان لدلالة الآيات الشريفة والاخبار المنيفة على انه مخلوق من مائهما معا كقوله عزوجل: " يخرج من بين الصلب والترائب " (1) أي صلب الرجل وترائب المرأة، وقوله عزوجل: " من نطفة امشاج " (2) أي مختلطة من ماء الرجل وماء المرأة، ودلالة جملة من الاخبار على ان مشابهة الولد لامه ومن يتقرب بها تارة ولابيه ومن يتقرب به اخرى باعتبار سبق نطفة كل منهما، فان سبقت نطفة الرجل اشبه الولد الاب أو من يتقرب به، وان سبقت نطفة الام أشبه الولد امه أو من يتقرب بها. هذا. وممن وافقنا على هذه المقالة فاختار ما اخترناه ورجح ما رجحناه المحقق المدقق المولى محمد صالح المازندرانى في شرح الاصول، حيث قال في شرح حديث ابى الجارود المتقدم عند قوله في الخبر " ينكرون علينا انهما ابنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما صورته: أي ابناه حقيقة من صلبه، وإذ لا نزاع في إطلاق الابن والبنت والولد والذرية على ولد البنت، وإنما النزاع في أن هذا الاطلاق
(1) سورة الطارق الآية 8 (2) سورة الدهر الآية 3
[ 412 ]
من باب الحقيقة أو المجاز، فذهب طائفة من أصحابنا ومنهم السيد المرتضى إلى الاول، وذهب طائفة منهم ومنهم الشهيد الثاني وجمهور العامة إلى الثاني، وتظهر الفائدة في كثير من المواضع كاطلاق السيد واجراء أحكام السيادة والنذر لاولاد الاولاد والوقف عليهم، والظاهر هو الاول للآيات والروايات واصالة الحقيقة وضعف هذه الرواية بابى الجارود الذى تنسب إليه الجارودية لا يضر لان المتمسك هو الآية، ودلالة الآيتين الاولتين على المطلوب ظاهرة والثالثة صريحة. واحتمال التجوز غير قادح لاجماع أهل الاسلام على ان ظاهر القرآن لا يترك إلا بدليل لا يجامعه بوجه، وما روى عن الكاظم عليه السلام (1) وهو مستند المشهور على تقدير صحة سنده حمله على التقية ممكن، واستناده باستعمال اللغة غير تام لان اللغة لا تدل على مطلوبه، قال في القاموس: وولدك من دمى عقبيك أي من نفست به فهو ابنك، فليتأمل، انتهى كلامه (علت في الخلد أقدامه). اقول: قد عرفت ان رواية حماد المشار إليها ضعيفة بالارسال، ولهذا ان شيخنا الشهيد الثاني لم يعتمد عليها في الاستدلال وإنما اعتمد على ما ادعوه من حمل ذلك الاطلاق على المجاز بدعوى ان اللغة والعرف مساعدان لما يدعونه، وقد عرفت من ما قدمناه ان ما استدللنا به غير مقصور على هذه الرواية وان كانت باصطلاحهم قاصرة بل الآيات والروايات به متظافرة متظاهرة. وممن اختار هذا القول ايضا المحدث الفاضل السيد نعمة الله الجزائري (طاب ثراه وجعل الجنة مثواه) في شرح قوله صلى الله عليه وآله " ان ابني هذا سيد " (2) من كتاب عوالي الليالى، حيث قال: وفي قوله " ابني هذا " نص على ان ولد البنت ابن على الحقيقة والاخبار به مستفيضة، وذكر الرضا (عليه السلام) في مقام المفاخرة مع المأمون ان ابنته عليه السلام تحرم على النبي (صلى الله عليه وآله) بآية " حرمت عليكم
(1) وهو مرسل حماد المتقدم ص 394 (2) راجع مفتاح كنوز السنة مادة " حسن " وقد تقدم في حديث الشعبى ص 411
[ 413 ]
امهاتكم وبناتكم " (1) واليه ذهب السيد المرتضى (طاب ثراه) وجماعة من أهل الحديث، وهو الارجح والظاهر من الاخبار، فيكون من امه علوية سيدا يجرى عليه ما يكون للعلويين. وان وجد ما يعارض الاخبار الدالة على ما ذكرناه فسبيله إما الحمل على التقيقة أو التأويل كما فصلنا الكلام فيه في شرحنا على التهذيب والاستبصار. انتهى. واشار (قدس سره) بحديث الرضا عليه السلام مع المأمون في المفاخرة إلى ما قدمنا نقله عن كتابي العيون والمجالس. (2) وممن صرح بهذه المقالة ايضا المحدث الصالح شيخنا الشيخ عبد الله بن صالح البحراني (عطر الله مرقده) حيث قال في جواب سؤال عن هذه المسألة فأجاب بما ملخصه - ومن خطه نقلت وهو طويل قد كتبه على طريق الاستعجال وتشويش من البال كما ذكره فانتخبنا ملخصه، قال: انه قد تحقق عندي وثبت لدى بادلة قطعية عليها المدار والمعتمد من كتاب الله تعالى وسنتة نبيه صلى الله عليه وآله وكفى بهما حجة مع اعتضادهما بالدليل العقلي ان أولاد البنات أولاد لابي البنت حقيقة لا مجازا خلافا للاكثر من علمائنا ووفاقا للسيد المرتضى واتباعه وهم جماعة من المتأخرين كما حققته في شرح كتاب من لا يحضره الفقيه مبسوطا منقحا بحيث لا يختلجني فيه الرين ولا يتطرق إلى فيه المين، ولكن حيث طلبت بيان الدليل فلنشر الآن إلى شئ قليل.. ثم ذكر آية عيسى عليه السلام وانه من ذرية نوح عليه السلام (3) وذكر آية " وحلائل أبنائكم " (4) إلى ان قال: ويدل عليه ما رواه الكليني في الكافي في صحيح محمد بن مسلم.. ثم ساق الرواية كما قدمناه (5) ثم قال: فقد وضح من هذا ان الجد من الام أب حقيقة لا مجازا.. ثم ذكر آيتى " يخرج من بين الصلب والترائب " (6) وقوله " من نطفة امشاج " (7) وعضدهما بالاخبار التى أشرنا إليها آنفا، ثم اضاف
(1) و (4) سورة النساء الآية 28 (2) ص 403 (3) ص 401 (5) ص 399 (6) سورة الطارق الآية 8 (7) سورة الدهر الآية 3
[ 414 ]
إلى ذلك انه لو اختص الولد بنطفة الرجل لم يكن العقر من جانب المرأة وإنما يكون من جانب الرجل خاصة مع انه ليس كذلك. ثم قال: واما السنة فالاخبار فيها أكثر من أن تحصى، ومنها ما سبق، ومنها قول النبي صلى الله عليه وآله في ما تواتر عندنا للحسنين (عليهما السلام) (1) " ابناى هذان امامان قاما أو قعدا " وقوله للحسين عليه السلام (2) " ابني هذا امام ابن امام أخو امام " وبالجملة فتسميتهما (عليهما السلام) ابنين وكونهما وجميع أولادهما التسعة المعصومين (عليهم السلام) يسمونه صلى الله عليه وآله أبا وخطاب الامة اياهم بذلك من غير أن ينكر أمر متواتر، حتى انه قد روى الكليني في الكافي والصدوق في الفقيه باسناديهما الصحيح عن عائذ الاحمسي.. ثم ساق الرواية كما قدمنا (3) بزيادة " ثلاث مرات " بعد قوله " والله انا لولده وما نحن بذوى قرابته " قال: ولا وجه لتقرير السائل على ما فعله وقسمه عليه السلام بالاسم الكريم وتكرير ذلك ثلاثا للتأكيد لانه في مقام الانكار، ونفيه انتسابهم إليه صلى الله عليه وآله من جهة القرابة بل من جهة الولادة دليل واضح وبرهان لائح على انهم أولاد حقيقة وليس كونهم أولاده إلا من جهة امهم لا من ابيهم، فما ادعاه الاكثر من علمائنا - من أن تسميته صلى الله عليه وآله إياهم أولادا وتسميتهم (عليهم السلام) اياه صلى الله عليه وآله أبا مجاز - لا حقيقة له بعد ذلك. وقولهم - ان الاطلاق أعم من الحقيقة والمجاز - كلام شعرى لا يلتفت إليه ولا يعول عليه بعد ثبوت ذلك، ولو كان الامر كما ذكروه لما جاز لائمتنا (عليهم السلام) الرضا بذلك إذا خاطبهم من لا يعرف كون هذا الاطلاق حقيقة ولا مجازا لان فيه اغراء بما لا يجوز، مع انه لا يجوز لاحد أن ينتسب لغير نسبه أو يتبرأ من نسب وان دق فكيف بعد القسم
(1) ارجع إلى التعليقة 1 ص 395 (2) هذا المضمون ورد في البحار ج 9 ص 141 إلى ص 159 إلا انى لم اعثر عليه بلفظ " ابني " وانما الموجود بلفظ " انت " ونحوه (3) ص 404
[ 415 ]
والتأكيد ودفع ما عساه أن يتوهم. واما قول الشاعر: " بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الاباعد " فقول بدوى جاهل لا يثمر حجة ولا يوضح محجة، فلا يجوز الاستدلال به في معارضة القرآن والحديث والدليل العقلي. اما استدلال بعض فقهائنا بصحة السلب - في قول اب الام لولدها لمن سأله " هذا ابنك أم لا ؟ " فانه يصح أن يقول " هذا ليس بابنى بل ابن بنتى " فكلام ساقط عن درجة الاعتبار وخارج عن الادلة الواضحة المنار، لانه ان كان مراد السائل من كونه ابنه لصلبه بلا واسطة صح السلب ولا ضرر فيه، وإلا فهو عين المتنازع ونحن نقول لا يصح سلبه لما اثبتناه من الادلة، مع انه بعينه جار في ولد الولد الذى لا نزاع فيه والفرق بينهما لا يمكن انكاره، وعلى هذا فقد تبين لك الجواب وان من كانت امه علوية أو ام ابيه أو ام امه أو ام ام ابيه فقط أو ام ام امه فصاعدا وابوه من سائر الناس انه علوى حقيقة وفاطمي ان كان منسوبا إلى جده أو جدته أبا أو اما إلى فاطمة بغير شك، ويترتب عليه كل ما يترتب على السيادة من جواز الانتساب إليهم (عليه السلام) والافتخار بهم بل لا يجوز اخفاؤه والتبرى منه لما عرفت، وعلى هذا فيجوز النسبة في اللباس غير ذلك. نعم عندي توقف في استحقاق الخمس لحديث رواه الكليني في الكافي (1) وان كان خبرا واحدا ضعيف الاسناد محتملا للتقية وان الترجيح لعدم العمل به للادلة الصحيحة الصريحة المتواترة الموافقة للقرآن المخالفة للعامة، إلا ان التنزه عن أخذ الخمس أولى خصوصا عند عدم الضرورة والعلم عند الله. وكتب خادم المحدثين وتراب اقدام العلماء والمتعلمين العبد الجاني عبد الله بن صالح البحراني بضحوة يوم الاثنين من الثاني والعشرين من ربيع الثاني السنة الرابعة والثلاثين بعد المائة والالف بالمشهد الحسين على مشرفه السلام حامدا مصليا مسلما. انتهى.
(1) وهو مرسل حماد في الوسائل الباب 30 من المستحقين للزكاة والباب 1 من قسمة الخمس
[ 416 ]
أقول: ما ذكره (قدس سره) جيد إلا ان توقفه اخيرا في جواز أخذ الخمس للرواية المشار إليها وهى مرسلة حماد المتقدمة لا وجه له، وذلك لانه قد علل فيها عدم جواز أخذ الخمس بعدم صحة النسبة بالبنوة كم ينادى به استدلاله (عليه السلام) بالآية " ادعوهم لابائهم " (1) وهو (قدس سره) قد صرح في صدر كلامه بان ثبوت البنوة قد تحقق عنده وثبت لديه بالادلة القطعية من الكتاب والسنة والدليل العقلي واعترف اخيرا بانها مخالفة للقرآن وموافقة للعامة، وبذلك يتعين وجوب طرحها بغير اشكال ولا ريب. نعم لو كانت الرواية قد منعت من الخمس بقول مجمل من غير ذكر هذه العلة لربما أمكن احتمال ما ذكره، ولكن مع وجود العلة وظهور بطلانها بما ذكر من الادلة يبطل ما ترتب عليها. على ان هذا الكلام خلاف العهود من طريقته في غير مقام بل طريقة جملة العلماء الاعلام، فانه متى ترجح أحد الدليلين ولا سيما بمثل هاتين القاعدتين المنصوصتين فانهم يرمون بالدليل المرجوح ويطرحونه كما صرحت به النصوص من ان ما خالف القرآن يضرب به عرض الحائط وما وافق العامة يرمى به (2) وليت شعرى أي حكم من الاحكام سلم من اختلاف الاخبار ؟ مع انهم في مقام الترجيح لاحد الخبرين يفتون به ويرمون الآخر، ولا سيما ما نحن فيه لما عرفت من الادلة الظاهرة والبراهين الباهرة كتابا وسنة المعتضدة بمخالفة العامة. وبالجملة فكلامه (قدس سره) وتوقفه لا أعرف له وجها، وكأنه تبع في ذلك شيخه العلامة الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني (قدس سره) فانه كان يرجح مذهب السيد المرتضى في هذه المسألة ولكن يمنع المنتسب بالام من الخمس والزكاة احتياطا، والظاهر انه جرى على ما جرى عليه. وظاهر صاحب المدارك ايضا التوقف في أصل المسألة وكذا ظاهر المولى
(1) سورة الاحزاب الآية 6 (2) الوسائل الباب 9 من صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به
[ 417 ]
الفاضل الخراساني في الذخيرة، ولعمري ان من سرح بريد نظره في ما ذكرناه وأرسل رائد فكره في ما سطرناه لا يخفى عليه صحة ما اخترناه ولا رجحان ما رجحناه وان خلاف من خالف في هذه المسألة أو توقف من توقف إنما نشأ عن عدم اعطاء التأمل حقه في أدلة المسألة والتدبر فيها، ولم أقف على من احاط بما ذكرناه من الادلة والاخبار الواردة في هذا المضمار. وبالجملة فالحكم عندي فيها أوضح واضح والصبح فاضح. فان قيل: انه قد روى الصدوق في الفقيه عن ثعلبة بن ميمون عن عبد الله بن هلال عن ابى عبد الله عليه السلام (1) قال: " سألته عن رجل يتزوج ولد الزنى فقال لا بأس إنما يكره مخافة العار وإنما الولد للصلب وإنما المرأة وعاء.. الحديث " وهذا بظاهره مناف لما ذكرتموه سابقا من جواز انتساب الولد إلى جده لامه بالبنوة ومؤيد لما ذكره الخصم من انه لا ينسب إلا إلى ابيه الذى بلا فصل. وقد روى الصدوق ايضا في كتاب عيون الاخبار (2) في باب علل محمد بن سنان التى نقلها عن الرضا عليه السلام قال: وعلة تحليل مال الولد لوالده بغير اذنه وليس ذلك للولد لان الولد موهوب للوالد في قول الله عزوجل " يهب لمن يشاء اناثا ويهب لمن يشاء الذكور " (3) مع انه المأخوذ بمؤنته صغيرا وكبيرا والمنسوب إليه والمدعو له لقول الله عزوجل " ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله " (4) ولقول النبي صلى الله عليه وآله أنت ومالك لا بيك. انتهى. والتقريب ما تقدم. فالجواب: اما عن الاول فبانك قد عرفت بما قدمناه دلالة الآيات والاخبار على ان الولد مخلوق من نطفتي الرجل والمرأة، والقول بان المرأة وعاء محض يعنى
(1) الوسائل الباب 14 من ما يحرم بالمصاهرة (2) الوسائل الباب 78 من ما يكتسب به (3) سورة الشورى الآية 49 (4) سورة الاحزاب الآية 6
[ 418 ]
ليس لها مدخل ولا شراكة في خلق الولد مخالف لظاهر القرآن والسنة المتفق عليها وكل ما كان كذلك يحب طرحه بالاخبار المستفيضة عنهم (عليهم السلام) بان ما خالف الكتاب والسنة يضرب به عرض الحائط (1) ويؤكد ذلك موافقة الخبر للعامة القائلين بذلك كما عرفت (2) وحينئذ فما هذا سبيله لا يعترض به ولا يقوم حجة، وعلى هذا فيمكن حمل الخبر المذكور على التقية بالنسبة إلى هذه العبارة. ويمكن أن يقال أيضا ان الغرض من ذلك هو بيان ان جانب الاب أقوى من جهات عديدة: منها - ان الولد إنما ينسب إليه كما هو الشائع الذائع المعتضد بالآية فيقال فلان بن فلان ولا يقال ابن فلانة، ومنها - انه يلحق به في الاسلام كما قرر في محله وانه يلحق به في الفراش كما في الخبر (3) " الولد للفراش " ونحو ذلك من أحكام التربية وغيرهما، وبهذا التقريب بعدت الام منه فكأنها انما هي بمنزلة الوعاء لحمله، وحينئذ فلا يقال له باعتبار كون امه من الزنى انه ابن زنى وانما يقال ابن فلان لمزيد العلاقة كما عرفت ومزيد العلاقة هو الذى أوجب إلحاقه بالاب ونسبته إليه. وأما الجواب عن الثاني فانه لا يخفى أولا - انه لا قائل في ما أعلم من أصحابنا بظاهر هذا الكلام على إطلاقه من حل مال الولد للوالد مطلقا وان ذهب بعضهم في بعض الجزئيات إليه ودل عليه بعض الاخبار إلا ان الاظهر الاشهر ههنا هو التحريم. وثانيا - ان ما دل عليه من النسبة إلى الاب لا منافاة فيه لانه هو الشائع الذائع المستعمل في جميع الاعصار والادوار، ولا دلالة فيه على المنع من جواز النسبة إلى الجد لاب كان أو ام بالبنوة ايضا، ومورد الآية وسبب نزولها إنما كان
(1) الوسائل الباب 9 من صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به (2) ص 408 و 409 (3) الوسائل الباب 8 من ميراث ولد الملاعنة وما أشبهه
[ 419 ]
باعتبار الرد لما جرت عليه الجاهلية من انهم إذا تبنوا يتيما واتخذوه ولدا جعلوا حكمه حكم الولد الحقيقي، ولهذا عابوا على رسول الله صلى الله عليه وآله تزويجه بزينب زوجة زيد بن حارثة مع انه ابنه بزعمهم حيث انه صلى الله عليه وآله تبناه صغيرا فكان يدعى زيد بن محمد فنزلت الآية في الرد عليهم في ما زعموه من بنوة المتبنى حقيقة وامرهم بان يدعوه بابيه النسب وانه هو الاقسط عند الله. وبالجملة فانه عليه السلام علل جواز أخذ الاب من مال ابنه بغير اذنه بعلل: منها - انه موهوب له والانسان مخير في ما يوهب له ويملكه بالهبة، ومنها انه يدعى به فيقال فلان بن فلان وهو الشائع المتعارف، ومنها قوله صلى الله عليه وآله " أنت ومالك لابيك " ومن الظاهر انها علل تقريبية ومناسبات حكمية للتقريب إلى الاذهان كما في سائر العلل المذكورة في الكتاب المذكور.
<>