تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الثاني


[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

الباب الثاني

في الوضوء

والبحث في أسبابه وغايته وكيفيته وأحكامه يقع في مطالب أربعة:

المطلب الأول

في الأسباب

وحيث جرت عادة الفقهاء (رضوان الله عليهم) بالبحث عن أحكام الخلوة أمام الوضوء، كان الأنسب تقديمها هنا لترتب غالب الأسباب عليها، وليكون تقديمها ذكرا على نحو تقدمها خارجا وحينئذ فالكلام في هذا المطلب يقع في فصلين:

الفصل الأول

في آداب الخلوة

ومنها - الواجب والمحرم والمستحب والمكروه:

والبحث فيها يقع موارد أربعة:

المورد الأول في الآداب الواجبة: ومنها - ستر العورة على المتخلي حال جلوسه عن ناظر محترم اجماعا فتوى ورواية. ووجوب ستر العورة وان كان لا اختصاص له بالمتخلي لكن لما كان انكشاف العورة من لوازم الخلاء ذكروا هذا الحكم فيه بخصوصه.


[ 3 ]

ومما يدل على وجوب سترها ما رواه في الفقيه (1) مرسلا عن الصادق (عليه السلام) انه (سئل عن قوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك ازكى لهم...) (2) فقال: كل ما كان في كتاب الله من ذكر حفظ الفرج فهو من الزنا إلا في هذا الموضع فانه للحفظ من ان ينظر إليه) وما رواه فيه في باب ذكر جمل من مناهي النبي (صلى الله عليه وآله) (3) قال: (إذا اغتسل أحدكم في فضاء من الارض فليحاذر على عورته). والاخبار في ذلك كثيرة مذكورة في باب دخول الحمام) ولا ينافي ذلك صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: (سألته عن (عورة المؤمن على المؤمن حرام) فقال: نعم قلت: يعني سفليه ؟ فقال: ليس حيث تذهب إنما هو اذاعة سره). ورواية حذيفة بن منصور (5) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): شئ يقوله الناس: عورة المؤمن على المؤمن حرام ? فقال: ليس حيث يذهبون، إنما عنى عورة المؤمن ان يزل زلة أو يتكلم بشئ يعاب عليه فيحفظ عليه ليعيره به يوما ما) ومثلهما رواية زيد الشحام (6). (اما اولا) - فلوجود ما يدل على التحريم مما ذكرناه، وغاية ما يلزم من ذلك اطلاق العورة على معنيين، قد ذكر في تلك الاخبار حكم أحدهما وفي هذه الاخبار حكم الثاني. واطلاق العورة على هذا المعنى في الاخبار غير عزيز. و (اما ثانيا) فبان يقال ان كلامهم (عليهم السلام) له باطن وظاهر


(1) في الصحيفة 63، وفى الوسائل في الباب - 1 - من ابواب احكام الخلوة. (2) سورة النور، الآية 31. (3) في اول الجزء الرابع، وفى الوسائل في الباب - 1 - من ابواب احكام الخلوة. (4) و (5) و (6) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب آداب الحمام.


[ 4 ]

كما ورد في الاخبار، وقولهم: (عورة المؤمن على المؤمن حرام) جائز الحمل على كل من المعنيين، وتخصيصه في هذه الاخبار بهذا المعنى - بقوله (عليه السلام): (ليس حيث تذهب إنما هو... الخ) مما يدل بظاهره على الانحصار في هذا المعنى - محمول على نفي الاختصاص بذلك المعنى المشهور، وتأكد التحريم في هذا المعنى والمبالغة فيه حيث انه في الواقع أضر على المؤمن، فتحريمه حينئذ أشد، فكأنه هو المراد من اللفظ خاصة. ومثله في باب المبالغة غير عزيز في كلامهم (عليهم السلام) كقولهم: (المسلم من سلم الناس من يده ولسانه) (1). ويدل على ذلك موثقة حنان (2) قال: (دخلت انا وابي وجدي وعمي حماما بالمدينة، فإذا رجل في بيت المسلخ، فقال لنا: ممن القوم ؟ فقلنا: من أهل العراق. فقال: واي العراق ؟ قلنا: كوفيون. فقال: مرحبا بكم يا أهل الكوفة انتم الشعار دون الدثار. ثم قال: ما يمنعكم من الازر ؟ فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: عورة المؤمن على المؤمن حرام. إلى ان قال: فسألنا عن الرجل، فإذا هو علي بن الحسين (عليهما السلام). وبذلك يظهر لك ما في كلام بعض فضلاء متأخري المتأخرين، حيث دخل عليه الاشكال بورود هذه الاخبار في هذا المجال، فقال: (ولو لم يكن مخافة خلاف


(1) رواه صاحب الوسائل في الباب - 152 - من ابواب احكام العشرة في حديث عن الكليني بسنده عن ابى جعفر (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) هكذا: "... والمسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه... " ورواه بهذا النص السيوطي في الجامع الصغير ج 2 ص 185 إلا انه بتقديم اللسان على اليد، وكذا مسلم في صحيحه ج 1 ص 36 والبخاري في صحيحه ج 1 ص 7. نعم رواه النسائي في سننه ج 2 ص 267 هكذا: " المسلم من سلم الناس من لسانه ويده ". (2) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب آداب الحمام.


[ 5 ]

الاجماع لامكن القول بكراهة النظر دون التحريم، كما يشير إليه ما رواه في الفقيه (1) عن الصادق (عليه السلام) انه قال: (إنما كره النظر إلى عورة المسلم، فاما النظر إلى عورة من ليس بمسلم مثل النظر إلى عورة الحمار) فيسهل الجمع بين الروايات حينئذ كما لا يخفى وجه) انتهى. وفيه - زيادة على ما عرفت - ان استعمال الكراهة فيما ذهب إليه عرف طارئ من الاصوليين لا يتحتم حمل أخبارهم (عليهم السلام) عليه، واكثر اطلاق الكراهة في كلامهم إنما هو على التحريم كما لا يخفى على المتتبع. ومن هذه الرواية المنقولة عن الفقيه يظهر اختصاص تحريم النظر بعورة المسلم. ومثلها حسنة ابن ابي عمير عن غير واحد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (النظر إلى عورة من ليس بمسلم مثل النظر إلى عورة الحمار). وبذلك جزم المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في كتاب البداية. وشيخنا الشهيد في الذكرى صرح بالتحريم فيها كعورة المسلم، ثم قال: (وفيه خبر بالجواز عن الصادق (عليه السلام)) ولعل الجواز في الخبرين المذكورين مقيد بعدم اللذة والفتنة كما يشير إليه التمثيل بعورة الحمار. والمراد بالعورة هي القبل والدبر والبيضتان، لمرسلة ابي يحيى الواسطي عن ابي الحسن الماضي (عليه السلام) (3) انه قال: (العورة عورتان: القبل والدبر. والدبر مستور بالاليتين، فإذا سترت القضيب والبيضتين فقد سترت العورة).


(1) في الصحيفة 63، وفى الوسائل في الباب - 6 - من ابواب آداب الحمام. (2) المروية في الوسائل في الباب - 6 - من ابواب آداب الحمام. (3) المروية في الوسائل في الباب - 4 - من ابواب آداب الحمام.


[ 6 ]

ونقل عن ابن البراج انها من السرة إلى الركبة. وعن ابي الصلاح انها من السرة إلى نصف الساق. ولم اقف لهما على دليل، بل ظاهر الاخبار يدفعهما، كالرواية المذكورة، ورواية الميثمي عن محمد بن حكيم (1) قال: (لا اعلمه إلا قال: رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) أو من رآه متجردا وعلى عورته ثوب، فقال: ان الفخذ ليست من العورة) إلى غير ذلك من الاخبار. نعم ربما يدل على ما ذكره ابن البراج رواية بشير النبال (2) قال: (سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الحمام. فقال: تريد الحمام ؟ قلت: نعم. فامر باسخان الحمام، ثم دخل فاتزر بازار وغطى ركبتيه وسرته، ثم أمر صاحب الحمام فطلى ما كان خارجا من الازار، ثم قال اخرج عني، ثم طلى وهو ما تحته بيده ثم قال: هكذا فافعل). وقضية الجمع بين الاخبار تقتضي حمل هذا الخبر على الاستحباب. إلا انه قد روى في الفقيه (3) مثل هذه الحكاية عنه (عليه السلام) وانه كان يطلي عانته وما يليها، ثم يلف ازاره على طرف احليله ويدعو قيم الحمام فيطلي سائر بدنه. والمراد بالناظر المحترم من يحرم نظره، فلا يجب الستر عن الزوجة والطفل والجاريه التي يباح وطؤها


(1) المروية في الوسائل في الباب - 4 - من ابواب آداب الحمام. والمذكور في كتب الحديث هكذا: قال الميثمى: لا اعلمه... الحديث. والضمير في " اعمله " و " قال " راجع إلى محمد بن حكيم. (2) المروية في الوسائل بنحو التقطيع في الباب - 5 و 27 و 31 - من ابواب آداب الحمام. (3) في الصحيفة 65.


[ 7 ]

و (منها) - الاستنجاء من البول بالماء خاصة اجماعا فتوى ورواية، فلا يجزي المسح بحائط أو تراب أو يد أو غير ذلك ولو حال الاضطرار، بل غايته منع التعدي للملاقي كما دلت عليه موثقة ابن بكير عن الصادق (عليه السلام) (1) (في الرجل يبول ولا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحائط ؟ فقال: كل شئ يابس ذكي). ويدل على أصل الحكم قول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (2): (ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة احجار، بذلك جرت السنة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) اما البول فانه لابد من غسله). وقوله (عليه السلام) ايضا في رواية بريد بن معاوية (3): (ولا يجزى من البول إلا الماء) ويدل عليه ايضا الاخبار الدالة على وجوب غسل الذكر على من صلى قبل غسل ذكره من غير استفصال. ومنها - صحيحة عمرو بن ابي نصر (4) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ابول واتوضأ وانسى استنجائي ثم اذكر بعد ما صليت ؟ قال: اغسل ذكرك واعد صلاتك ولا تعد وضوءك). وصحيحة ابن اذينة (5) قال: (ذكر أبو مريم الانصاري: ان الحكم ابن عتيبة (6) بال يوما ولم يغسل ذكره متعمدا، فذكرت ذلك لابي عبد الله (عليه السلام)


(1) المروية في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب احكام الخلوة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب احكام الخلوة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 9 و 30 - من ابواب احكام الخلوة. (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 18 - من ابواب نواقض الوضوء. (6) قال في الوافى ج 4 ص 25: " بيان ابن عتيبة بالمثناة من فوق بعد المهملة ثم المثناة من تحت ثم الموحدة. الخ " وفى بعض حواشى التهذيب ص 14 هكذا: " في نسخة التهذيب والاستبصار عيينة باليائين أو لا قبل النون. وفى كتب الرجال بالتاء قبل الياء والباء بعدها.


[ 8 ]

فقال: بأس ما صنع، عليه أن يغسل ذكره ويعيد صلاته، ولا يعيد وضوءه) وبمضمونها أخبار اخر سيأتي ذكرها ان شاء الله تعالى. واما رواية سماعة (1) قال: (قلت لابي الحسن موسى (عليه السلام): أني أبول ثم اتمسح بالاحجار فيجئ مني البلل ما يفسد سراويلي ؟ قال: ليس به بأس). وموثقة حنان (2) قال: (سمعت رجلا سأل أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: اني ربما بلت فلا أقدر على الماء ويشتد ذلك علي ؟ فقال: إذا بلت وتمسحت فامسح ذكرك بريقك، فان وجدت شيأ فقل هذا من ذاك). فانهما بحسب ظاهر هما منافيان لما قدمنا من الاخبار، لدلالة ظاهر الاولى على الاكتفاء بالتمسح بالاحجار، بقرينة نفي البأس عما يفسد سراويله من البلل بعد التمسح، والثانية على الاكتفاء بالتمسح بقرينة مسح الذكر. والجواب عنهما - بعد الاغماض عن المناقشة في السند بعدم المقاومة لما تقدم من الاخبار الصحاح - بالطعن في الدلالة. (اما الاولى) فبما أجاب الشيخ (قدس سره) في الاستبصار (3) من انه ليس في الخبر انه قال: يجوز له استباحة الصلاة بذلك ولن لم يغسله، وإنما قال: ليس به بأس، يعني بذلك البلل الذي يخرج منه بعد الاستبراء، وذلك صحيح، لانه المذى، وهو طاهر. واجاب بعض محققي مشايخنا من متأخري المتأخرين - وتبعه والدي (قدس سره) في بعض فوائده لكن نسبه إلى البعد - بان وجد ان ما يفسد سراويله من البلل لكثرته - مع عدم القطع بخروجه من مخرج البول الباقي على النجاسة - لا بأس به، لاصالة الطهارة واحتمال كونه من غير المخرج وغير متصل به.


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 13 - من ابواب نواقض الوضوء. (3) في الصحيفة 56.


[ 9 ]

اقول: ويحتمل ان يكون مورد الخبر بالنسبة إلى من كان فاقد الماء وتيمم بعد الاستبراء والتجفيف بالاحجار، فانه لا بأس بالخارج بعد ذلك بمعنى انه لا يكون ناقضا للتيمم وان كان نجسا باعتبار ملاقاة المحل النجس إلا انه غير واجد للماء، وربما يستأنس لذلك بالتمسح بالاحجار. وظني ان هذا الجواب أقرب مما ذكره شيخنا المتقدم. و (اما الثانية) فالظاهر منها ان السائل شكى إليه انه ربما بال وليس معه ماء، ويشتد ذلك عليه بسبب عرق ذكره بعد ذلك أو بلل يخرج منه، فيلاقي مخرج البول فينجس به ثوبه وبدنه، فعلمه (عليه السلام) حيلة شرعية يتخلص بها من ذلك، وهو ان يمسح غير المخرج من الذكر اعني المواضع الطاهرة منه من بلل ريقه بعد ما ينشف المخرج بشئ، حتى لو وجد بللا بعد ذلك لقدر في نفسه انه يجوز ان يكون من بلل ريقه الذي وضعه وليس من العرق ولا من المخرج. فلا يتيقن النجاسة من ذلك البلل حينئذ. وبالجملة الحكمة في الامر بمسح الذكر بالريق فعل امر يجوز العقل استناد ما يجده من البلل إليه، ليحصل عنده الاشتباه وعدم القطع بحصوله من المخرج أو ملاقاته، ومع الاشتباه يبنى على اصالة الطهارة. فكل شئ طاهر حتى يعلم انه قذر (1). والناس في سعة ما لم يعلموا (2). وما ابالي أبول اصابني أو ماء إذا


(1) هذا مضمون موثقة عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) ونصها - كما في التهذيب ج 1 ص 81 والوسائل في الباب - 37 - من ابواب النجاسات - هكذا: " كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر، فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك " وسيتعرض لها في التنبيه الثاني من تنبيهات المسألة الثانية من البحث الاول من احكام النجاسات. (2) لم نقف على الحديث بهذا النص بعد الفحص عنه في مظانه، والذى وجدناه بهذا المضمون خبر السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) المروى في الكافي في الباب - 48 - من كتاب الاطعمة، وفى الوسائل في الباب - 50 - من ابواب النجاسات. وفى الباب - 38 - من ابواب الذبائح وفى الباب - 23 - من كتاب اللقطة.


[ 10 ]

لم أعلم (1) وهذه حكمة ربانية لدفع الوساوس الشيطانية، ومثلها في الاخبار غير عزيز. واجاب في المدارك عن هذه الرواية بعد الطعن في السند - بالحمل على التقية، أو على ان المراد نفي كون البلل الذي يظهر على المحل ناقضا. وفيه ان الظاهر بعد الحمل على التقية، لان المسح بالتراب مطهر عند العامة (2) واما الجواب الثاني فسيظهر ما فيه.

تنبيهات:

(الاول) - تفرد المحدث الكاشاني (قدس سره) بمسألة ذهب إليها واستند إلى هذين الخبرين في الدلالة عليها، وهي ان المتنجس بعد ازالة عين النجاسة عنه بالتمسح لا تتعدى نجاسته إلى ما يلاقيه برطوبة. وقد اشبعنا الكلام معه في جملة


(1) هذا حديث حفص بن غياث عن جعفر عن ابيه عن على (عليهما السلام) كما في الوسائل في الباب - 37 - من ابواب النجاسات. (2) عند الحنفية كصاحب بدائع الصنائع ج 1 ص 18 والبحر الرائق ج 1 ص 241 ومجمع الانهر ج 1 يص 65 " يسن الاستنجاء عما يخرج من السبيلين من البول والغائط والدم والمنى والوذى والودى بالحجر والتراب والمدر والطين اليابس، ولا يسن فيه عدد " وفى البحر الرائق " غسله بالماء أحب، ويجب بالماء ان جاوز النجس المخرج، ولا يسن للريح الخارج " وقال الشافعي في الام ج 1 ص 18: " من تخلى أو بال لم يجز إلا ان يتمسح بثلاثة احجار ثلاث مرات أو آجرات أو ما كان طاهرا نظيفا مما ينقى نقاء الحجارة إذا كان مثل التراب والحشيش والخزف وغيرها " وقال الشيرازي في المهذب ج 1 ص 26: " يجب الاستنجاء من البول والغائط بثلاثة احجار، والماء افضل والافضل الجمع بينهما " وعند الحنابلة كابن قدامة في المغنى ج 1 ص 150 " يجب الاستنجاء عما يخرج من السبيلين معتادا كالبول والغائط أو نادرا كالحصى والدود والشعر، ويخير بين الماء والاحجار، والماء ابلغ في التنظيف، ويجزي الاقتصار على الحجر بغير خلاف بين أهل العلم ".


[ 11 ]

من فوائدنا، ولاسيما في رسالتنا قاطعة القال والقيل في نجاسة الماء القليل، فانا قد احطنا فيها باطراف الكلام بابرام النقض ونقض الابرام، ولنشر هنا إلى نبذة من ذلك كافلة بتحقيق ما هنالك. فنقول: قال الفاضل المذكور في كتاب الوافي - بعد نقل موثقة حنان المذكورة (1) وذكر المعنى الذي حملنا عليه الخبر اولا - ما صورته: (ويحتمل الحديث معنى آخر، وهو ان تكون شكايته من انتقاض وضوئه بالبلل الذي يجده بعد التمسح لاحتمال كونه بولا كما يستفاد من اخبار الاستبراء. وذكر العجز عن الماء على هذا التقدير يكون لتعذر ازالة البلل عن ثوبه وسائر بدنه حينئذ، فانه قد تعدى من المخرج اليهما وهذا كما ذكر العجز في حديث محمد السابق في الاستبراء (2). وعلى هذا لا يحتاج إلى تكلف تخصيص التمسح بالريق بالمواضع الطاهرة، ولا إلى تكلف تعدي النجاسة من المتنجس، بل يصير الحديث دليلا على عدم التعدي منه، فان التمسح بالريق مما يزيدها تعديا. وهذا المعنى أوفق بالاخبار الاخر. وهذان الامران - اعني عدم الحكم بالنجاسة إلا بعد التيقن وعدم تعدي النجاسة من المتنجس - بابان من رحمة الله الواسعة فتحهما لعباده رأفة بهم ونعمة لهم ولكن اكثرهم لا يشكرون. ثم نقل خبر سماعة المتقدم (3)، وقال بعده: لا يخفى على من فك رقبته من ربقة التقليد ان هذه الاخبار وما يجري مجراها صريحة في عدم تعدي النجاسة من المتنجس إلى شئ قبل تطهيره وان كان رطبا إذا ازيل عنه عين النجاسة بالتمسح ونحوه، وانما المنجس للشئ عنه النجاسة لا غير. على انا لا نحتاج إلى دليل في ذلك. فان عدم الدليل على وجوب


(1) و (3) في الصحيفة 8. (2) وهو حسن محمد بن مسلم الآتى في الاستبراء والمروى في الوسائل في الباب - 11 - من ابواب احكام الخلوة.


[ 12 ]

الغسل دليل على عدم الوجوب، إذ لا تكليف إلا بعد البيان) ونحوه ذكر في كتاب المفاتيح. اقول: ما ذكره (قدس سره) في هذا المقام غير تام، لتوجه البحث إليه من وجوه: (أحدها) - انه لا دلالة في خبر حنان (1) على هذا الوصف الذي بنى عليه هذه المباني المتعسفة، وارتكب فيه هذه الاحتمالات المتكلفة. و (ثانيها) - انه لو كانت شكاية السائل إنما هي من حيث خوف انتقاض وضوئه بالبلل الخارج من جهة احتمال كونه بولا، لكان جوابه بالامر بالاستبراء بعد البول، فان حكمة الاستبراء هو البناء على طهارة ما يخرج بعده وعدم نقضه. و (ثالثها) - انه لو كان وجه الحكمة في الامر بوضع الريق على مخرج البول هو عدم انتقاض الطهارة - بمعنى ان ينسب ذلك البلل الذي يجده إلى الريق ليكون غير ناقض، ولا ينسبه إلى الخروج من الذكر فيكون ناقضا - فاي فرق في ذلك بين الحكم بتعدي النجاسة من المخرج بعد مسحها وعدم تعديها ؟ فان وجه الحكمة يحصل على كلا التقديرين، فانا لو قلنا بالتعدي ومسح المخرج بريقه لقصد هذه الحكمة وكون الخارج غير ناقض امكن وان كان نجسا. وبالجملة فانه لا منافاة بين حصول هذه الحكمة وبين القول بتعدي النجاسة (ورابعها) - ان ما ادعاه - من اوفقية هذا المعنى بالاخبار - غير ظاهر، فان من جملة تلك الاخبار رواية حكم بن حكيم الصيرفي (2) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ابول فلا اصيب الماء، وقد أصاب يدي شئ من البول فامسحه بالحائط


(1) المتقدم في الصحيفة 8. (2) المروية في الوسائل في الباب - 6 - من ابواب النجاسات


[ 13 ]

أو التراب، ثم تعرق يدي فامسح وجهي أو بعض جسدي أو يصيب ثوبي قال: لا بأس به) وعجز صحيحة العيص بن القاسم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) حيث قال فيها: (وسألته عمن مسح ذكره بيده ثم عرقت يده فاصاب ثوبه يغسل ثوبه ؟ قال: لا) ولا دلالة فيهما على كون اصابة الثوب ومسح الوجه أو بعض الجسد بذلك الموضع النجس، ولا على كون النجاسة شاملة لليد كملا، حتى تستلزم الاصابة ببعض منها ذلك، بل هما أعم من ذلك. ونفي البأس فيهما إنما وقع لذلك، لانه ما لم يعلم وصول النجاسة إلى شئ ومباشرتها له برطوبة فلا يحكم بالنجاسة. وهذا بحمد الله ظاهر لا سترة عليه. والحمل على ما ذكرنا نظيره في الاخبار غير عزيز. فان كثيرا من الاخبار ما يوهم بظاهره ما اوهمه هذان الخبران مما هو مخالف لما عليه الفرقة الناجية (أنار الله برهانها) ويحتاج في تطبيقه إلى نوع تأويل. مثل صحيحة زرارة (2) قال: (سألته عن الرجل يجنب في ثوبه، أيتجفف فيه من غسله ؟ فقال: نعم لا بأس به إلا ان تكون النطفة فيه رطبة، فان كانت جافة فلا بأس). قال الشيخ (قدس سره): (ان التجفيف المذكور في هذا الخبر محمول على عدم اصابة محل المني) انتهى. وربما اشكل ذلك بانه لا وجه حينئذ لاستثنائه النطفة الرطبة دون الجافة، لاشتراكهما في حصول البأس مع الاصابة لهما وانتفائه مع عدم اصابتهما. ويمكن ان يقال ان الرطوبة مظنة التعدي في الجملة.


(1) المروى في الوسائل في الباب - 6 - من ابواب النجاسات. (2) المروية في الوسائل في الباب - 27 - من ابواب النجاسات


[ 14 ]

وصحيحة ابي اسامة (1) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): تصيبني السماء وعلى ثوب فتبله وأنا جنب، فيصيب بعض ما اصاب جسدي من المني، أفاصلي فيه ؟ قال: نعم). ويمكن تأويله بان البلل جاز ان لا يعم الثوب باسره وتكون اصابة الثوب ببعض منه ليس فيه بلل، ويجوز ان يكون البلل قليلا بحيث لا تتعدى معه النجاسة وان كان شاملا للثوب باسره، كذا افاده والدي (قدس سره) في بعض فوائده. ومثل ذلك في الاخبار كثير يقف عليه المتتبع. والغرض التنبيه على قبول ما استدل به للتأويل كما في نظائره الواردة من هذا القبيل، فلا يحتج به إذا على خلاف النهج الواضح السبيل الذي عليه عامة العلماء جيلا بعد جيل. و (خامسها) - ان صدر صحيحة العيص (2) المتقدم نقل عجزها - حيث قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر وقد عرق ذكره وفخذاه. قال: يغسل ذكره وفخذيه... الحديث) - واضح الدلالة في ابطال هذه المقالة، فان ظاهر جملة (وقد عرق ذكره.. الخ) انها معطوفة على ما تقدمها، وحينئذ فتدل الرواية على ان العرق إنما وقع بعد البول ومسح الذكر، وقد أمر (عليه السلام) بغسل الذكر والفخذين لذلك العرق المتعدي من مخرج البول بعد مسحه، وهو دليل على تعدي النجاسة بعد المسح. واما ما توهمه بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين - من ان الرواية المذكورة بطرفيها مما يمكن ان يستدل به على ما ذهب إليه المحدث الكاشاني، بان يقال: الفرق بين الذكر والفخذ عنه عرقهما قبل التطهير الشرعي وبين الثوب عند


(1) المروية في الوسائل في الباب - 27 - من ابواب النجاسات (2) المروى في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب احكام الخلوة، وفى الباب - 26 - من ابواب النجاسات


[ 15 ]

اصابته بعرق اليد الماسحة للذكر قبله - بالامر بغسلهما دونه - لا وجه له ظاهرا سوى الفرق بين ما يلاقي المتنجس وما يلاقي عين النجاسة، فان غسلهما إنما هو لملاقاتهما بالرطوبة للمحل النجس قبل زوال عين النجاسة بالمسح بالحجر، كما ترشد إليه واو الحال وذلك يقتضي تعديها من المحل إلى ما يجاوره ويلاصقه من بقية اجزاء الذكر والفخذ، بخلاف الثوب، فان ملاقاته إنما وقعت بالمتنجس وهي اليد الماسحة بعد زوال عين النجاسة من الماسح والممسوح - فهو ظاهر السقوط، فان مفاد عطف مسح الذكر على البول بالفاء التي مقتضاها الترتيب بغير مهلة هو كون المسح وقع عقيب البول بلا فصل، ولا يعقل على هذه الحال حصول العرق للذكر والفخذ على وجه يتعدى من الذكر إليه قبل المسح، حتى يتم ما ذكره من ان غسلهما إنما هو لملاقاتهما بالرطوبة للمحل النجس قبل زوال عين النجاسة بالمسح بالحجر... الخ، وكذا لا يعقل انه تركه بغير مسح حتى يتردد في المغدى والمجئ على وجه يعرق ذكره وفخذاه وعين البول باقية ضمن تلك المدة، حتى انه بسبب العرق تتعدى نجاسة البول إلى فخذيه مثلا، بل من المعلوم انه بمجرد المغدى والمجئ تتعدى النجاسة مع وجود عينها من غير حصول عرق إلى سائر بدنه وثيابه، بل الوجه الظاهر البين الظهور - ان تنزلنا عن دعوى القطع الذي ليس بمستبعد ولا منكور - ان المراد من الخبر إنما هو السؤال عن انه متى بال ولم يكن معه ماء فمسح ما بقي على طرف ذكره من البول لئلا يتعدى إلى ثوبه أو بدنه فينجسه، ثم انه بعد ذلك حصل عرق في ذكره وفخذيه بحيث علم تعدي العرق من المحل المتنجس إلى الفخذ وملاقات أحدهما للاخر برطوبة، فأجاب (عليه السلام) بوجوب غسل ذكره وفخذيه لتعدى النجاسة على ما ذكرنا، وحينئذ فجملة (وقد عرق) معطوفة كما ذكرنا لا حالية كما ذكره (قدس سره) واما قوله: (بخلاف الثوب فان ملاقاته إنما وقع بالمتنجس) ففيه ما عرفت آنفا.


[ 16 ]

و (سادسها) - ان ما ذكره - من ان عدم الدليل دليل على العدم - مسلم لو لم يكن ثمة دليل. والادلة على ما ندعيه - بحمد الله - واضحة واعلامها لائحة. فمن ذلك - صحيح العيص المذكور (1) على ما اوضحناه من الوجه النير الظهور ومن ذلك - استفاضة الاخبار بغسل الاواني والفرش والبسط ونحوها متى تنجس شئ منها، فان من المعلوم ان الامر بغسلها ليس إلا لمنع تعدي نجاستها إلى ما يلاقيها برطوبة مما يشترط فيه الطهارة. ولو كان مجرد زوال العين كافيا في جواز استعمال تلك الاشياء لما كان للامر بالغسل فائدة، بل ربما كان محض عبث، لان تلك الاشياء بنفسها لا تستعمل فيما يشترط فيه الطهارة كالصلاة فيها ونحوه حتى يقال ان الامر بغسلها لذلك، فلا يظهر وجه حسن هذا التكلف. هذا مع بناء الشريعة على السهولة والتخفيف. ومن ذلك - أخبار نجاسة الدهن والدبس المائعين ونحوهما بموت الفأرة ونحوها (2) وربما خص بعضهم موضع خلافة في هذه المسألة بالاجسام الصلبة بعد ازالة عين النجاسة عنها بالتمسح ونحوه، كما هو مورد الموثقة التي استند إليها وعول في المقام عليها (3). وربما ايد ايضا بقوله فيما قدمنا نقله عنه: (إذا ازيل عنه عين النجاسة بالتمسح ونحوه. وفيه ان قوله في تتمة العبارة المذكورة -: (وانما المنجس للشئ عين النجاسة لا غير) - صريح في العموم. ويدل ايضا عليه باوضح دلالة ما صرح به في كتاب المفاتيح في مفاتيح النجاسات حيث قال بعد ذكر النجاسات العشر في مفاتيح متعددة - ما صورته: (مفتاح -


(1) في الصحيفة 14 (2) المروية في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب الماء المضاف. (3) وهى موثقة حنان المتقدمة في الصحيفة 8.


[ 17 ]

كل شئ غير ما ذكر فهو طاهر ما لم يلاق شيئا من النجاسات برطوبة، للاصل السالم من المعارض، وللموثق: (كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر...) (1)) فان تخصيصه الاستثناء بما يلاقي شيئا من النجاسات خاصة يدل على ان ما لاقى المتنجس صلبا كان أو مائعا بعد ازالة عين النجاسة فهو داخل في كلية الطهارة بلا اشكال. وانما اطلنا الكلام وان كان خارجا عن المقام لسربان الشبهة في اذهان جملة من الاعلام.

(الثاني) - اختلف الاصحاب في أقل ما يجزئ من الماء في الاستنجاء من البول، فنقل عن الشيخين - في المبسوط والنهاية والمقنعة - ان أقل ما يجزئ مثلا ما على رأس الحشفة، ونقله في المختلف عن الصدوقين ايضا، واليه ذهب المحقق في المعتبر والشرائع، والعلامة في القواعد والتذكرة، بل صرح بعض مشايخنا بانه قول الاكثر. ونقل عن ابي الصلاح ان أقل ما يجزئ ما ازال العين عن رأس الفرج. وقال ابن ادريس في السرائر أقل ما يجزئ من الماء لغسله ما يكون جاريا ويسمى غسلا. والظاهر اتحاد كلامي ابي الصلاح وابن ادريس، كما فهمه العلامة في المختلف ومال إليه فيه ايضا وفى المنتهى، ونقله عن ظاهر ابن البراج ايضا. ويدل على القول الاول رواية نشيط بن صالح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (سألته كم يجزئ من الماء في الاستنجاء من البول ؟ فقال: مثلا ما على الحشفة من البلل). والرواية مع ضعف السند معارضة بما رواه ايضا في هذا الباب عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) (قال يجزئ من البول ان يغسله بمثله). وما رواه في الكافي (4) مرسلا مضمرا انه (يجزئ ان يغسل بمثله من الماء


(1) وهو موثق عمار المروى في الوسائل في الباب - 37 - من ابواب النجاسات. (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 26 - من ابواب احكام الخلوة. (4) ج 1 ص 7 وفى الوسائل في الباب - 26 - من ابواب احكام الخلوة. وفى الباب - 1 - من ابواب النجاسات.


[ 18 ]

إذا كان على رأس الحشفة وغيره). وما رواه ابن المغيرة في الحسن عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) قال: (قلت له: للاستنجاء حد ؟ قال: لا حتى ينقي ما ثمة). وباطلاق الامر بغسله في جملة من الاخبار الحاصل امتثاله بما يحصل به النقاء ولو بالمثل، والاصل عدم التقييد. والمقيد مع ضعف سنده معارض بما عرفت، بل يمكن الطعن في دلالته بان الاجزاء في المثلين لا يقتضي سلب الاجزاء عما دونه والمراد اجزاء الفرد الاكمل. وبذلك يظهر قوة القول الثاني. إلا انه يمكن ان يقال: ان اطلاق الاخبار - بالغسل في بعض والصعب في آخر والتحديد بالنقاء في ثالث - لا ينافي عند التأمل خبر المثلين، فان الظاهر ان الغسل لا يصدق إلا بما يقهر النجاسة ويغلب عليها، ولا يحصل ذلك باقل من المثلين، ومثله الصب بطريق اولى، واظهر من ذلك النقاء المستلزم للغلبة البتة. نعم يبقى خبرا المثل مناقضين لذلك، وهما لا يبلغان قوة المعارضة، سيما مع تأيد هذه الاخبار بموافقة الاحتياط. واما ما أجاب به الشيخ (رحمه الله) في كتابيه عن خبر المثل - حيث اعتمد على خبر المثلين، واقتفاه المحدث الحر العاملي (قدس سره) في كتاب الوسائل، من احتمال رجوع ضمير (مثله) إلى البول الخارج كلا - ففيه ان ضميري (يغسله) و (بمثله) لا مرجع لهما إلا لفظ البول المتقدم، وتعلق الغسل بالبول الخارج كلا لا معنى له، بل المغسول إنما هو المتخلف على المخرج، وحينئذ فالوجه حمل البول في الرواية على المتخلف، والمعنى انه يجزئ من ازالة البول أو من غسل البول ان يغسله بمثله. ولو قيل: انه يمكن تصحيح ما ذهب إليه الشيخ بنوع من الاستخدام، بجعل


(1) رواه صاحب الوسائل في الباب - 13 و 35 - من ابواب احكام الخلوة. وفى الباب - 25 - من ابواب النجاسات.


[ 19 ]

ضمير (يغسله) للبول المتخلف، وضمير (مثله) لمجموع الخارج. ففيه (اولا) - انه لا قرينة تدل عليه، ولا ضرورة توجب المصير إليه. و (ثانيا) - ان القول بوجوب المثلين دون الاقل منه إنما نشأ من لفظ الاجزاء في الرواية المستدل بها على ذلك الذي هو عبارة عن الاكتفاء باقل المراتب، وحينئذ يلزم - بناء على ما ذكره من التأويل في الرواية الثانية - انه لا يكفي أقل من مثل البول الخارج كملا، وهو بعيد جدا. والاعتذار بحمل الزائد على المثلين على الاستحباب - مع منافاة لفظ الاجزاء له وكون الزيادة إلى ذلك المقدار ربما تبلغ حد الاسراف - ابعد. على ان ذلك لا يكون حينئذ ضابطا ولا حكما منضبطا، لزيادة البول الخارج تارة ونقصانه اخرى. فالظاهر حينئذ هو ما ذكرناه.

(الثالث) - هل المراد بالمثلين في الخبر مجرد الكناية عن الغسلة الواحدة، لاشتراط الغلبة في المطهر وهي لا تحصل بالمثل كما قدمنا ذكره، أو المراد به بيان التعدد ووجوب غسل مخرج البول مرتين، والتعبير بالمثلين هنا لبيان اقل ما يجزئ فيه ؟ قولان: اظهرهما الاول، ويعضده (اولا) - ان الرواية لا ظهور لهما في كون المثلين دفعة أو دفعتين. و (ثانيا) - ما قدمنا (1) من حسنة ابن المغيرة، واطلاق الاخبار بالغسل والصب المقتضى وذلك للغلبة والزيادة في الغسلة. و (ثالثا) - ان جعل المثل غسلة - مع اعتبار اغلبية ماء الغسلة على النجاسة واستيلائه عليها كما عرفت - مما لا يرتكبه محصل. نعم يبقى هنا شئ وهو انه قد استفاضت الاخبار بوجوب المرتين في ازالة نجاسة


(1) في الصحيفة 18.


[ 20 ]

البول عن الثوب والبدن مع ان ما نحن فيه داخل تحت المسألة، والاخبار هنا قد دلت على الاكتفاء بالمرة كما حققناه، وحينئذ فاما ان يخصص عموم تلك الاخبار باخبار الاستنجاء، فيقال بوجوب المرتين في ما عدا الاستنجاء، أو يقيد اطلاق هذه الاخبار بتلك فتجب المرتان هنا، ولعل الترجيح للاول. ونمنع شمول أخبار المرتين. لموضع النزاع بل ظهورها فيما عداه، ولان تقييد المطلق مجاز والاصل عدمه.

(الرابع) - هل الواجب على تقدير التعدد الانفصال الحقيقي ليحصل التعدد عرفا. أو يكفي الانفصال التقديري ؟ قولان: اختار أولهما شيخنا الشهيد في الذكرى، مع انه اكتفى في تحقق المرتين في غير الاستنجاء بالانفصال التقديري، واعتذر عنه المحقق الشيخ علي (رحمه الله) في شرح القواعد فقال: (وما اعتبره في الذكرى - من اشتراط تخلل الفصل بين المثلين ليتحقق تعدد الغسل - حق، لا لان التعدد لا يتحقق إلا بذلك، بل لان التعدد المطلوب بالمثلين لا يوجد بدون ذلك، لان ورود المثلين دفعة واحدة غسلة واحدة) انتهى. وتوضيحه ان التعدد التقديري لابد في العلم بتحققه من زيادة على الغسلتين، وهي غير متحققة في المثلين إذا وقعا دفعة، بل إنما يعدان كذلك غسلا واحدا. وعلى كل حال فالاحوط اعتبار الغسل مرتين بل ثلاث مرات، لما في صحيح زرارة المقطوع (1) (كان يستنجي من البول ثلاث مرات) والاحوط مع ذلك ايضا الفصل الحقيقي بين الغسلات

(الخامس) - صرح جمع - منهم: المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى والشهيد في الذكرى - انه لو لم يجد الماء لغسل البول أو تعذر استعمال لجرح ونحوه وجب التمسح بالحجر ونحوه، لان الواجب ازالة العين والاثر، فلما تعذرت ازالتهما معا لم تسقط ازالة العين.


(1) المروى في الوسائل في الباب - 26 و 35 - ومن ابواب احكام الخلوة.


[ 21 ]

ونقل عن بعض المتأخرين انه فهم من هذا الكلام انهم يرون وجوب تجفيف مطلق النجاسة عند تعذر ازالتها، وان ذلك بدل اضطراري للطهارة من النجاسات كبدلية التيمم للطهارة من الاحداث، وصرح بالموافقة لهم عليه. وفيه (اولا) - ان ما ذكروه من وجوب المسح بالحجر ونحوه هذا المقام لا دليل عليه. وما استندوا إليه في الدلالة مجرد اعتبار لا دلالة عليه في الاخبار، إذ غاية ما يستفاد منها وجوب التطهير بالغسل وصب الماء، فعند تعذر الماء يسقط التكليف رأسا. وكون الغسل مثلا مشتملا على الامرين المذكورين لا يستلزم التكليف باحدهما عند فقده. ولا ريب ان ما ذكروه طريق احتياط لمنع تعدي النجاسة إلى الثوب والبدن. (وثانيا) - ان هذا القائل ان اراد - بما فهمه من كلامهم من البدلية - ثبوت التطهير بالحجر في حال الضرورة، كما يفهم من ظاهر كلامه وتمثيله ببدلية التيمم، فهو مخالف لما عرفت آنفا من الاجماع - نصا وفتوى - على عدم التطهير في الاستنجاء من البول إلا بالماء اعم من ان يكون حال ضرورة أو سعة، وعبائر هؤلاء الجماعة الذين قلدهم فيما فهم من كلامهم ناطقة بذلك، وان أراد مجرد تجفيف النجاسة حذرا من التعدي، فقد عرفت انه لا دليل عليه وان كان الاولى فعله.

(السادس) - الظاهر انه لا يجب الدلك، لما روي (انه ليس بوسخ فيحتاج ان يدلك)) (1) ولما في الاخبار من الامر بالصب خاصة. وفى بعضها (2) بعد الامر بالصب (فانما هو ماء) هذا إذا كان رطبا. فلو كان جافا متراكما فلا يبعد الوجوب. لعدم تيقن


(1) كما في مرسل الكافي ج 1 ص 7 وفى الوسائل في الباب - 26 - من ابواب احكام الخلوة وفى الباب - 1 - من ابواب النجاسات. (2) وهو خبر البزنطى المروى في الوسائل عن السرائر في الباب - 26 - من ابواب احكام الخلوة، وفى الباب - 1 - من ابواب النجاسات.


[ 22 ]

الازالة إلا به، مع احتمال العدم وقوفا على ظاهر اطلاق الاخبار، منضما إلى اصالة البراءة والاحتياط يقتضي الاول البتة.

(السابع) - هل يجب على الاغلف في الاستنجاء من البول كشف البشرة وتطهير محل النجاسة، أو يكتفي بغسل ما ظهر ؟ قولان مبنيان على ان ما تحت الغلفة هل هو من الظواهر أو البواطن ؟ وبالاول جزم المحقق الشيخ علي (قدس سره) في شرح القواعد، ونقل الثاني فيه عن المنتهى والذكرى، معللين له بالحاقه بالبواطن فيغسل ما ظهر، ثم قال: (وللنظر فيه مجال). اقول: والذي وقفت عليه في الكتابين المذكورين لا يطابق ما نقل (قدس سره) عنهما، فانه صرح في الذكرى بانه يجب كشف البشرة على الاغلف ان امكن، ولو كان مرتتقا سقط. ومثله في المنتهى فيما إذا كشفهما وقت البول، اما لو لم يكشفها حال البول فهل يجب كشفها لغسل المخرج ؟ فانه استقرب الوجوب هنا ايضا. ومثله في المعتبر ايضا، فانه تردد في هذه الصورة في الوجوب، ثم اختاره وجعله الاشبه، معللا له بانه يجري مجرى الظاهر. وجزم في التذكرة والتحرير بالحكم في هذه الصورة من غير تردد. وباجملة فانى لم اقف فيما حضرني من كتب الفقهاء علي خلاف في وجوب غسل البشرة في الصورة المذكورة الا على ما نقله المحقق الشيخ على. وقد عرفت. ما فيه. نعم ظاهر المنتهى والمعتبر التردد في ذلك الا انهما اختارا الوجوب كما عرفت. ومن ذلك يعلم انه لا ينبغي الركون إلى مجرد النقل والاعتماد عليه بل ينبغي مراجعة المنقول عنه حيث كان وعلى اي نحو كان.

(الثامن) - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) فيمن صلى ناسيا للاستنجاء، فالمشهور وجوب الاعادة وقتا وخارجا. وعن ابن الجنيد تخصيص وجوب


[ 23 ]

الاعادة بالوقت واختيار الاستحباب خارجه. وعن الصدوق في الفقيه وجوب الاعادة في البول دون الغائط فلا يعيد، وزاد في البول اعادة الوضوء ايضا. وعن ابن ابي عقيل ان الاولى اعادة الوضوء ولم يقيد ببول ولا غائط. وروايات المسألة مختلفة جدا. فمما يدل على المشهور صحيحة زرارة (1) قال: (توضأت يوما ولم اغسل ذكري ثم صليت، فسألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك، فقال اغسل ذكرك واعد صلاتك) وإنما حملنا الرواية على ترك الغسل نسيانا لعبد التعمد من مثل زرارة في الصلاة بغير استنجاء. وصحيحة عمرو بن ابي نصر المتقدمة في أول المسألة (2). وموثقة ابن بكير عن وموثقة ابن بكير عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) (في الرجل يبول وينسى ان يغسل ذكره حتى يتوضأ ويصلي ؟ قال: يغسل ذكره ويعيد الصلاة ولا يعيد الوضوء) ومورد الجميع نسيان الاستنجاء من البول. وموثقة سماعة (4) قال: (قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا دخلت الغائط فقضيت الحاجة فلم تهرق الماء، ثم توضأت ونسيت ان تستنجي، فذكرت بعد ما صليت، فعليك الاعادة، وان كنت اهرقت الماء فنسيت ان تغسل ذكرك حتى صليت فعليك اعادة الوضوء والصلاة وغسل ذكرك، لان البول مثل البراز). واطلاق هذه الاخبار يدل على الاعادة وقتا وخارجا. وبازائها ما يدل على عدم الاعادة، كرواية هشام بن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) (في الرجل يتوضأ وينسى ان يغسل ذكره وقد بال ؟ فقال: يغسل ذكره ولا يعيد الصلاة). ورواية عمرو بن ابي نصر (6) قال: (قلت لابي عبد الله: اني صليت


(1) و (3) و (6) المروية في الوسائل في الباب - 18 - من ابواب نواقض الوضوء. (2) في الصحيفة 7. (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب احكام الخلوة.


[ 24 ]

فذكرت اني لم اغسل ذكري بعد ما صليت، أفاعيد ؟ قال: لا) ومورد الروايتين نسيان البول. وموثقة عمار بن موسى (1) قال: (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لو ان رجلا نسي ان يستنجى من الغائط حتى يصلي لم يعد الصلاة). وصحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: (سألته عن رجل ذكر وهو في صلاته انه لم يستنج من الخلاء. قال: ينصرف ويستنجي من الخلاء ويعيد الصلاة، وان ذكر وقد فرغ من صلاته اجزأه ذلك ولا اعادة عليه) ومن هذه الاخبار تعلم أدلة القولين الآخرين: وجمع الشيخ بين هذه الاخبار بما لا يخلو من البعد. وظاهر الاصحاب (رضوان الله عليهم) جعل هذه المسألة خارجة عن مسألة من صلى في النجاسة ناسيا، حيث لم ينقل الخلاف هنا في وجوب الاعادة وقتا وخارجا، إلا عن ظاهر ابن الجنيد حيث خصص الوجوب بالوقت، وعن الصدوق حيث نفى الاعادة في الغائط. واما هناك فاكثر المتقدمين على الاعادة مطلقا وعن الشيخ في بعض أقواله العدم مطلقا، وفي كتاب الاستبصار - وتبعه عليه جل المتأخرين - الاعادة في الوقت دون خارجه. وصريح عبارة السيد السند في المدارك ان هذه المسألة من جزئيات تلك. فان اراد انها كذلك عند الاصحاب، ففيه ما عرفت. وان أراد ان مقتضى الدليل كونها كدلك، فهو كذلك، إلا ان اخبار تلك المسألة ايضا على غاية من الاختلاف. وسيأتي بسط الكلام عليها في محلها ان شاء الله تعالى. نعم يبقى الكلام هنا في الجمع بين اخبار هذه المسألة، ولعل الترجيح لاخبار


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب احكام الخلوة.


[ 25 ]

العدم، لتأيدها بالاصل، ويحمل ما يقابلها على الاستحباب جمعا. واحتمل بعض المتأخرين حمل اخبار الاعادة على انتقاض الوضوء السابق بخروج بلل مع عدم الاستبراء. وفيه انه لا قرينة في شئ من تلك الاخبار تؤنس به. الا انه ربما يجوز ابتناء ذلك على قرينة حالية وان خفيت علينا الآن، وله نظائر في الاخبار. ولو تم ما استندوا إليه - في الجمع بين اخبار الصلاة في النجاسة نسيانا بالاعادة وقتا لا خارجا - لأمكن الحمل عليه هنا ايضا. الا انه - كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى - غير تام. والمسألة لا تخلو عن الاشكال، لتصادم اخبارها مع صحة الجميع وصراحته. والجمع بما ذكرناه من الوجوه لا يخلو عن بعد. فالاحتياط فيها لازم. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الصدوق (رحمه الله تعالى) ذهب إلى وجوب اعادة الوضوء في نسيان الاستنجاء من البول خاصة كما قدمنا ذكره. وعليه تدل موثقة سماعة المتقدمة (1) وصحيحة سليمان بن خالد عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) (في الرجل يتوضأ فينسى غسل ذكره ؟ قال: يغسل ذكره ثم يعيد الوضوء) ومثلها موثقة ابي بصير (3). وبازائها من الاخبار في ذلك صحيحة علي بن يقطين عن ابي الحسن موسى (عليه السلام) (4) قال: (سألته عن الرجل يبول فلا يغسل ذكره حتى يتوضأ وضوء الصلاة. فقال يغسل ذكره ولا يعيد وضوءه). وصحيحة عمرو بن ابي نصر المتقدمة (5) وصحيحة اخرى له ايضا (6) قال:


(1) في الصحيفة 23 (2) و (3) و (4) و (6) المروية في الوسائل في الباب - 18 - من ابواب نواقض الوضوء. (5) في الصحيفة 7


[ 26 ]

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يبول فينسى ان يغسل ذكره ويتوضأ قال يغسل ذكره ولا يعيد وضوءه). وموثقة ابن بكير المتقدمة (1) وحسنة ابن اذينة المتقدمة في صدر المسألة (2) وجمع الشيخ (رضى الله عنه) بينها بحمل اعادة الوضوء على ما إذا لم يتوضأ سابقا وفيه ان لفظ الاعادة في بعضها ينافيه، مع ذكر الوضوء سابقا في بعض آخر. وجمع آخرون بحمل الاعادة على الاستحباب. ولا بأس به. إلا ان الاقرب حمل ذلك على التقية، إذ هي الاصل التام في اختلاف الاخبار كما تقدم بيانه (3). وكيف كان فالاحوط اعادة الوضوء في الاستنجاء من البول كما هو مورد تلك الاخبار. و (منها) - الاستنجاء من الغائط. وتحقيق الكلام فيه يقع في مواضع: (الاول) - الظاهر انه لا خلاف في انه مع التعدي يتعين فيه الماء ومع عدمه يتخير بينه وبين الاحجار وشبهها. لكن بيان معنى التعدي هنا لا يخلو من اجمال واشكال، حيث ان ما صرح به الاصحاب - من انه عبارة عن تجاوز الغائط المخرج وهو حواشي الدبر وان لم يبلغ الاليتين - لا دليل عليه في اخبار الاستنجاء بالاحجار الواردة من طرقنا بل هي مطلقة نعم روي من طرق العامة عنه صلى الله عليه وآله (يكفي أحدكم ثلاثة أحجار إذا لم يتجاوز محل العادة) (4).


(1) في الصحيفة 23. (2) في الصحيفة 7، وقد وصفها هناك بالصحة (3) في المقدمة الاولى في الصحيفة 4 من الجزء الاول (4) المروى من طرق العامة هو قوله (صلى الله عليه وآله): " يكفى احدكم ثلاثة احجار " ولم نقف على تذييله بالجملة الشرطية المذكورة بعد التتبع في مظانه. والذى يؤيد عدم ورود هذا الذيل من طرقهم هو ما ذكره ابن قدامة الحنبلي في المغنى ج 1 ص 159 =


[ 27 ]

والظاهر ان مستند اصحابنا في ذلك إنما هو الاجماع كما صرح به جماعة منهم، ومن ثم توقف فيه جملة من متأخري متأخريهم. بل جزم البعض - كالسيد السند في المدارك - بانه ينبغي أن يراد بالتعدي وصول النجاسة إلى محل لا يعتاد وصولها إليه، ولا يصدق على ازالتها اسم الاستنجاء. والظاهر انه الاقرب (اما أولا) - فلعموم الادلة وعدم المحصص. و (اما ثانيا) - فلبناء الاحكام الشرعية على ما هو المتعارف المعتاد المتكرر دون النادر القليل الوقوع، كما لا يخفى على من تتبع مظانها. ولا يخفى ان المتكرر هو التجاوز مع عدم التفاحش. و (اما ثالثا) - فلما صرحوا به في ماء الاستنجاء من الحكم بطهارته ما لم يتفاحش الخارج على وجه يصدق على ازالته اسم الاستنجاء، وحينئذ فكما بنوا الحكم هناك في طهارة الماء على ما يزال به المعتاد المتكرر الذي يصدق على ازالته اسم الاستنجاء، فلو تفاحش وخرج عن ذلك المصداق لم يحكم بطهارة غسالته، فكذا يجب البناء عليه هنا. و (اما رابعا) - فلانه المناسب لبناء شرعية الاحجار من رفع الحرج والضيق في الشريعة. هذا. والاحتياط لا يخفى.


= = حيث قال: " ما عدا المخرج لا يجزئ فيه إلا الماء، وبه قال الشافعي واسحاق وابن المنذر، لان الاستجمار في المحل المعتاد رخصة لاجل المشقة في غسله، لتكرر النجاسة فيه، فما لا تتكرر فيه النجاسة لا يجزئ فيه إلا الغسل كساقه وفخذه. وقوله (صلى الله عليه وسلم): " يكفى أحدكم ثلاثة احجار " أراد به ما لم يتجاوز محل العادة " فان ذكره بنحو التفسير لكلامه (صلى الله عليه وآله) يدل على عدم وروده وإلا لاستدل به على مدعاه ولم يكن لتنزيل اطلاق الحديث عليه وجه بعد ورود المقيد المتصل، فالجملة الشرطية المذكورة ليست جزء من الحديث وإنما هي من تفسير الفقهاء.


[ 28 ]

(الثاني) - انه مع التعدي هل يجب غسل الجميع بالماء فلا يطهر بغيره، أو الواجب غسل ما زاد على القدر والذي يجزئ فيه الاحجار، فلو غسله كفى استعمال الاحجار في الباقي ؟ لم أقف على صريح كلام لهم في ذلك إلا ان ظاهر عباراتهم الاول. (الثالث) - الواجب في الغسل غسل ظاهر المخرج دون باطنه بلا خلاف. وعليه تدل صحيحة ابراهيم بن ابي محمود عن الرضا (عليه السلام) (1) (قال في الاستنجاء: يغسل ما ظهر منه على الشرج ولا يدخل فيه الانملة). وموثقة عمار (2) (إنما عليه ان يغسل ما ظهر منها - يعني المقعدة - وليس عليه ان يغسل باطنها). (الرابع) - قد صرح جمع من الاصحاب بانه يجب في الغسل هنا ازالة العين والاثر. وغاية ما يستفاد من الاخبار الانتقاء كما في حسنة ابن المغيرة المتقدمة (3) وهو عبارة عن ازالة العين ازالة تامة وان بقيت الريح، لقوله في تتمة الرواية المذكورة: (قلت: فانه ينقى ما ثمة وتبقى الريح ؟ قال: الريح لا ينظر إليها) واذهاب الغائط كما في موثقة يونس بن يعقوب (4) (يغسل ذكره ويذهب الغائط...) والغسل كما في ثالث. نعم يستحب المبالغة، فانها مطهرة للحواشي ومذهبة للبواسير، كما في صحيحة مسعدة بن زياد أو موثقته (5). واما ما ذكروا بعد العين من الاثر فلم نقف له في الاخبار على عين ولا أثر، مع اضطراب كلامهم في تفسيره.


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 29 - من ابواب احكام الخلوة، وفى الباب - 24 - من ابواب النجاسات (3) في الصحيفة 18. (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب احكام الخلوة.


[ 29 ]

فقيل بانه ما يتخلف على المحل بعد مسح النجاسة وتنشيفها، وانه غير الرطوبة لانها من العين. واعترض عليه بان هذا المعنى غير متحقق ولا واضح، وعلى تقدير تحققه فوجوب إزالته إنما يتم مع عدم صدق النقاء والاذهاب والغسل، وإلا فلو صدق شئ من ذلك قبله لزم الاكتفاء به حسبما دلت عليه تلك الاخبار. واجاب بعض محدثي متأخري المتأخرين عن أصل الاعتراض بان المحل يكتسب ملوسة من مجاورة الخارج، وهذه الملوسة تدرك بالملامسة عند صب الماء، فلعل مراده هذه، فانها غير الرطوبة المذكورة. وفيه من التمحل ما لا يخفى. وقيل انه اللون، لانه عرض لا يقوم بنفسه، فلا بد له من محل جوهري يقوم به، والانتقال على الاعراض محال، فوجوده حينئذ دليل على وجود العين. وفيه (اولا) - النقض بالرائحة، فانها تحصل بالمجاورة. ومما يؤيد عدم الاستلزام ايضا حدوث الحرارة في الماء بالنار والشمس. و (ثانيا) - تصريح الاصحاب والاخبار بالعفو عن اللون. و (ثالثا) - منع وجوب الازالة بعد حصول الانقاء والاذهاب والغسل كما عرفت، إذ هو غاية ما يستفاد وجوبه من الاخبار. (الخامس) - المشهور - بل ادعي عليه الاجماع - انه يكفي في الاستنجاء مع عدم التعدي كل جسم طاهر جاف قالع للنجاسة. ونقل عن سلار انه لا يجزئ في الاستجمار إلا ما كان أصله الارض. وعن ابن الجنيد انه قال: (ان لم تحضر الاحجار تمسح بالكرسف أو ما قام مقامه. ثم قال: ولا اختار الاستطابة بالآجر والخزف إلا ما ألبسه طين أو تراب يابس) وعن المرتضى انه قال: (يجوز الاستنجاء بالاحجار أو ما قام مقامها من المدر والخزف).


[ 30 ]

اقول: والموجود في النصوص من ذلك - الاحجار كما في جملة من الاخبار: (منها) - صحيحة زرارة (1) (ويجزئك من الاستنجاء ثلاثة احجار...). والكرسف وهو القطن، كما في صحيحة زرارة (2) قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كان الحسين (عليه السلام) يتمسح من الغائط بالكرسف ولا يغسل). والمدر والخرق والخزف كما في صحيحة زرارة المضمرة (3) قال: (كان يستنجى من الغائط بالمدر والخرق والخزف) وربما وجد في بعض نسخ التهذيب بعد المدر (الخزف) بالزاي والفاء خاصة. ويدل على التعميم - كما هو القول المشهور - حسنة ابن المغيرة (4) حيث سأله هل للاستنجاء حد ؟ فأجاب (عليه السلام): (لا حتى ينقى ما ثمة) وجه الدلالة انه (عليه السلام) نفى الحد وناط ذلك بالنقاء واشتراط الازلة بشئ خاص نوع من التحديد زائد على الانقاء المطلق المتحقق باي مزيل كان إلا ما قام الدليل على استثنائه. وموثقة يونس بن يعقوب المتقدمة (5) المتضمنة لاذهاب الغائط، فان ظاهرها الاكتفاء بزوال العين باي مزيل إلا ما استثنى. ويعضد ذلك الاجماع المدعى في المقام. وللمناقشة في الجميع مجال. وظاهر شيخنا صاحب كتاب رياض المسائل وحياض الدلائل التوقف في الحكم


(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب احكام الخلوة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 35 - من ابواب احكام الخلوة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 26 و 35 - من ابواب احكام الخلوة. (4) المروية في الوسائل في الباب - 13 و 35 - من ابواب احكام الخلوة، وفى الباب - 25 - من ابواب النجاسات. (5) في الصحيفة 28.


[ 31 ]

المذكور، لعدم الدليل الواضح على العموم. وهو في محله، لان الطهارة حكم شرعي يتوقف على ما جعله الشارع مطهرا. واطلاق الروايتين المذكورتين يمكن تقييده بخصوص الافراد التي وردت بها النصوص. والاجماع لا يخفى ما فيه. وكيف كان فيه. وكيف كان فطريق الاحتياط الاقتصار على ما وردت به الاخبار. (السادس) - قد اشترطوا - بناء على القول بالتعميم - في آلة الاستنجاء شروطا: منها - الطهارة، وهو المشهور بل ادعى في المنتهى عليه الاجماع، واستدل عليه بقوله (عليه السلام) في مرسلة احمد بن محمد بن عيسى (1): (جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة احجار ابكار ويتبع بالماء) وبانه ازالة نجاسة فلا يحصل بالنجاسة كالغسل. ولا شتماله على نقض الغرض الحاصل من زيادة النجاسة بتعدد نوعها أو شخصها المنافي للحكمة. وانت خبير بان جميع ما ذكروه من التعليلات في المقام إنما ينطبق على ما إذا تعدت نجاسة الحجر مثلا إلى المحل، والمدعى أعم من ذلك. واما الخبر فهو على اطلاقه غير معمول عليه عندهم، لجواز الاستنجاء بالاحجار المستعملة بعد تطهيرها، كما لا خلاف فيه بينهم، فليحمل على الاستحباب في ذلك. كما هو محمول عليه بالنسبة إلى الاتباع بالماء، ويبقى جواز الاستنجاء بالحجر النجس إذا لم تتعد نجاسته إلى المحل داخلا تحت اطلاق الاخبار وسالما من المانع، وهم لا يقولون به. ثم انه بناء على ما ذهبوا إليه من المنع. لو استعمله فهل تبقى الرخصة، أو يتحتم الماء أو يفرق بين ما نجاسته كنجاسة المحل وغيرها ؟ اوجه بل وقوال، ولعل الاوسط أوسط كما انه أحوط. ومنها - الجفاف، صرح به الاكثر، فلا يجزئ الرطب عندهم، اما انه


المروية في الوسائل في الباب - 30 - من ابواب احكام الخلوة.


[ 32 ]

لا ينشف المحل كما ذكره العلامة في التذكره، أو ان البلل الذي عليه ينجس باصابة النجاسة وتعود نجاستها على الحجر فتحصل عليه نجاسة اجنبية فيكون قد استعمل الحجر النجس، أو ان الرطب لا يزيل النجاسة بل يزيد التلويث والانتشار كما ذكره (قدس سره) في النهاية. وفي الجميع نظر (اما الاول) فلان تنشيف المحل من النجاسة سيما في المسحة الثالثة لا ينافي رطوبته بالحجر حال الاستعمال، لجريان ذلك في الماء ايضا، فانه يكون مطهرا وقالعا للنجاسة مع رطوبة المحل به. و (اما الثاني) فلان نجاسة البلة التي تعود على الحجر انما هي بنجاسة المحل، وهي غير ضارة، وإلا لادى إلى عدم التطهير بالماء ايضا، إلا ان يكون مما لا ينفعل بالملاقاة، أو يقال بعدم انفعال قليله بها. وبالجملة فالاخبار بالنسبة إلى هذين الشرطين مطلقة، والادلة التي ذكروها لا تنهض - كما عرفت - بالدلالة وان كان الاحتياط يقتضي المصير إلى ما ذكروه. ومنها - كونه قالعا للنجاسة، بمعنى ان لا يكون صقيلا يزلق عن النجاسة كازجاج ونحوه، ولا لزجا ولا رخوا كالفحم، لعدم قلع النجاسة. ولا ريب في ذلك مع عدم قلع النجاسة، اما لو فرض قلعه النجاسة فالظاهر - كما صرح به البعض - حصول التطهير به، لصدق الامتثال بناء على ثبوت الكلية التي ادعوها خلافا لجمع: منهم - العلامة في النهاية. (السابع) - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في اجزاء الاحجار ونحوها مع عدم التعدي، والاخبار به متظافرة، بل ربما يدعى ضروريته من الدين. ففي صحيح زرارة (1) (ويجزئك من الاستنجاء ثلاثة احجار، بذلك جرت السنة من رسول الله (صلى الله عليه وآله)...).


(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب احكام الخلوة.


[ 33 ]

وفى صحيحة المضمر (1) (كان يستنجي من البول ثلاث مرات، ومن الغائط بالمدر والخرق والخزف). وفي صحيحة الثالثة (2) (كان الحسين بن علي (عليهما السلام) يتمسح من الغائط بالكرسف ولا يغسل). وفي صحيحة رابعة له ايضا (3) (جرت السنة في أثر الغائط بثلاثة احجار ان يمسح العجان ولا يغسله...) إلى غير ذلك من الاخبار. وحينئذ فما ورد مما يدل بظاهره على خلاف ذلك يجب ارتكاب التأويل فيه. كموثقة عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) (في الرجل ينسى ان يغسل دبره بالماء حتى إلا انه قد تمسح بثلاثة أحجار ؟ قال: ان كان في وقت تلك الصلاة فليعد الوضوء وليعد الصلاة، وان كان قد مضى وقت تلك الصلاة التي صلى فقد جازت صلاته، وليتوضأ لما يستقبل من الصلاة). وحملها الشيخ على الاستحباب، ويمكن الحمل ايضا على حالة التعدي، ولعله (عليه السلام) علم ذلك فأجاب بالاعادة، ومثله في الاخبار غير عزيز. وكيف كان فهي قاصرة عما قدمنا من الاخبار، مع ما في روايات عمار من التهافت، وفي تتمة هذه الرواية ما يؤيد ما قلنا من نقض الوضوء بمس باطن الدبر وباطن الاحليل. والعجب من الصدوق (قدس سره) حيث افتى بمضمون صدر هذه الرواية في المقنع، كما افتى بعجزها في الفقيه، كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى، مع مخالفتها في الموضعين للاخبار المستفيضة.


(1) المروى في الوسائل في الباب - 26 و 35 - من ابواب احكام الخلوة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 35 - من ابواب احكام الخلوة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 30 - من ابواب احكام الخلوة. (4) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب احكام الخلوة.


[ 34 ]

ورواية عيسى بن عبد الله عن ابيه عن جده عن علي (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا استنجى أحدكم فليوتر بها وترا إذا لم يكن الماء) وضمير بها يعود إلى اداة الاستنجاء المدلول عليها بقوله: (إذا استنجى) ومفهومه عدم اجزاء الاستنجاء بالاحجار ونحوها مع وجود الماء. والاظهر حملها على الاستحباب وافضلية الماء، وعلى ذلك ايضا تحمل مرسلة احمد المرفوعة إلى ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة أحجار ابكار ويتبع بالماء). واحتمل بعض الحمل على التعدي في الخبرين المذكورين. (الثامن) - الظاهر انه لا خلاف في وجوب الزيادة على الثلاثة مع عدم النقاء بها كما نقله غير واحد، وانما اختلفوا في وجوب التثليث مع حصول النقاء بالاقل، فظاهر المشهور ذلك وقيل بالعدم، وهو المنقول عن المفيد (رحمه الله) واختاره في المختلف. ويدل على المشهور ما قدمنا (3) من صحاح زرارة: الاولى والثانية والرابعة: اما الاولى والرابعة فلتضمنهما للتثليث صريحا، واما الثانية فباعتبار صيغة الجمع في المدر وما بعده الذي اقله ثلاثة. وقوله (عليه السلام) في رواية العجلي (4): (يجزئ من الغائط المسح بالاحجار...) وفي مرسلة احمد المتقدمة (5) (جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار...) واصالة بقاء المحل على النجاسة حتى يعلم المزيل. ويدل على الثاني ما تقدم من حسنة ابن المغيرة (6) المتضمنة للانقاء. وموثقة


(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب احكام الخلوة. (2) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 30 - من ابواب احكام الخلوة (3) في الصحيفة 32 و 33 (4) المروية في الوسائل في الباب - 9 و 30 - من ابواب احكام الخلوة (6) المتقدمة في الصحيفة 18.


[ 35 ]

يونس بن يعقوب (1) المتضمنة لاذهاب الغائط. وبهما تزول اصالة البقاء المذكورة. وعدم دلالة اجزاء عدد خاص أو ما يدل عليه على عدم اجزاء ما دونه. وحكاية الفعل في صحيحة زرارة المضمرة (2) لا يقتضي الوجوب. والسنة في صحيحة زرارة الاولى ومرسلة احمد (3) اعم من الوجوب. والمسألة محل توقف وان كان القول المشهور لا يخلو من رجحان، لان الطهارة - كما عرفت - حكم شرعي يتوقف على ثبوت سببه، والمتكرر في الاخبار التثليث واطلاق روايتي ابن المغيرة (4) ويونس (5) يمكن تقييده بتلك الاخبار، مع ان مورد رواية يونس الاستنجاء بالماء والاخرى لا تأبى الحمل عليه ايضا. وإلاحتياط لا يخفى.

(التاسع) - اختلف الاصحاب - بناء على وجوب التثليث - في ذي الجهات الثلاث، هل يجزئ عن الثلاثة أم لا ؟ قولان. اختار أولهما العلامة في جملة من كتبه، ونقله في المختلف عن ابن البراج، وهو منقول ايضا عن الشيخ المفيد، واختاره الشهيد المحقق الشيخ علي. والى الثاني ذهب المحقق وجماعة من المتأخرين: منهم - الشهيد الثاني. وكلام الشيخ في هذا المقام لا يخلو من اجمال وابهام. احتج العلامة في المختلف على الاجزاء، قال: (لنا ان المراد ثلاث مسحات بحجر كما لو قيل اضربه عشرة اسواط، فان المراد عشر ضربات بسوط. ولان المقصود ازالة النجاسة وقد حصل. ولانها لو انفصلت لاجزأت فكذا مع الاتصال، واي عاقل يفرق بين الحجر متصلا بغيره ومنفصلا ؟ ولان الثلاثة لو استجمروا بهذا الحجر لاجزأ كل واحد عن حجر واحد) انتهى.


(1) و (5) المتقدمة في الصحيفة 28 (2) المتقدمة في الصحيفة 33 (3) المتقدمين في الصحيفة 32 و 34 (4) المتقدمة في الصحيفة 18


[ 36 ]

وزاد آخرون الاستدلال بقوله (صلى الله عليه وآله): (إذا جلس أحدكم لحاجته فليمسح ثلاث مسحات) (1). واجيب عن الاول بان ارادة المسحات من قولنا: (امسحه بثلاثة أحجار) مجاز البتة، وهو موقوف على القرينة، والتشبيه بما ذكره مردود بالفرق بين قولنا: (اضربه عشرة اسواط) و (اضربه بعشرة اسواط) فان قرينة التجوز في الاول بارادة عشر ضربات ظاهرة بخلافها في الثاني، فالتشبيه غير موافق. وعن الثاني بانه مصادرة محضة، فان المقصود إزالة النجاسة على الوجه المعتبر شرعا، لان كلا من النجاسة والطهارة حكم شرعي يجب الوقوف فيه على ما رسمه الشارع وعينه مطهرا ومنجسا. وعن الثالث بانه قياس مع وجود الفارق وهو النص، فانه دل على الجواز حال الانفصال دونه حال الاتصال، والغالب - كما قيل - في ابواب العبادات رعاية جانب التعبد. وعن الرابع بان الفرق - بين استجمار كل واحد بواحد وبين استجمار الواحد بكل واحد - واضح، لحصول الامتثال في الاول دون الثاني. على ان في الاستجمار بالحجر الواحد لواحد أو اكثر لزوم محذور ما تقدم من اشتراط الطهارة في احجار الاستجمار. وعن الخامس بان الخبر عامي ضعيف لا يقوم حجة. على انه مطلق والخبر


(1) سيأتي منه (قده) ان هذا الخبر عامى، ولم نقف على هذا النص من طرق العامة بعد الفحص في مظانه، والذى وقفنا عليه من طرقهم بهذا المضمون ما في مجمع الزوائد للهيثمي ج 1 ص 211 وهو قوله صلى الله عليه وآله: " إذا تغوط أحدكم فليمسح ثلاث مرات " وقوله صلى الله عليه وآله: " إذا تغوط أحدكم فليمسح بثلاثة احجار، فان ذلك كافية " وقوله صلى الله عليه وآله: " إذا دخل احدكم الخلاء فليمسح بثلاثة احجار " وروى الاول والثالث في كنز العمال ج 5 ص 84 و 85.


[ 37 ]

والمتضمن للاحجار مقيد، والمقيد يحكم على المطلق. واستند بعض فضلاء متأخري المتأخرين في الاستدلال لهذا القول ايضا بحسنة ابن المغيرة وموثقة يونس (1). ولا يخفى ما فيه، فان الكلام في هذه المسألة مبني على وجوب التثليث كما أشرنا إليه آنفا. والخبران المذكوران ظاهران في عدمه كما عرفت سابقا، فالقائل به لابد له من ارتكاب التأويل في ذينك الخبرين على وجه يؤولان به إلى اخبار التثليث كما وجهناه سابقا، فلا يتم الاستدلال بهما هنا. هذا. والقول بعدم الاجزاء هنا فرع ثبوت التثليث من تلك الاخبار، وقد عرفت ما فيه. إلا ان المشهور ثمة كان لا يخلو من رجحان فهنا كذلك، والى ذلك مال جملة من متأخري المتأخرين. ثم انه هل ينسحب الحكم إلى غير الحجر ؟ ظاهر المحقق في المعتبر ذلك واستظهر في المدارك القطع بعدمه تمسكا بالعموم. ولعله الاقرب قصرا للاشتراط - ان تم - على مورده.

(العاشر) - هل يجب امرار كل حجر على موضع النجاسة، ام يجزئ التوزيع، بمعنى ان يمسح ببعض ادوات الاستنجاء بعض محل النجاسة وببعض آخر بعضا آخر وهكذا مع حصول النقاء بذلك ؟ قولان: اختار أولهما المحقق في الشرائع، وثانيهما في المعتبر، واليه مال السيد في المدارك، قائلا: (إذ لا دليل على وجوب استيعاب المحل كله بجميع المسحات) انتهى. وهذا مبني على قاعدة اصولية اشتهر البناء عليها في امثال ذلك، وهو انه إذا تعلق الطلب بماهية كلية. كفى في الامتثال الاتيان باي فرد منها، كما ذكروه في مواضع من ابواب الفقه، منها - غسل الوجه واليدين في الوضوء وغيره. وهو - كما حققه


(1) المتقدمتين في الصحيفة 18 و 28.


[ 38 ]

بعض محدثي متأخري المتأخرين - محل نظر، قال: (فان بعض الماهيات الكلية تحته افراد تصلح عنه العقلاء لان يتعلق غرض الشارع ببعضها دون بعض، كحج البيت وغسل الوجه في الوضوء ومسح المخرج بثلاثة أحجار، ويستهجن عندهم الاقدام على فرد مشكوك فيه من افرادها من غير سؤال وينسبون فاعله إلى السفه، وهذا نوع من الاجمال منشأه نفس المعنى لا اللفظ) انتهى كلامه زيد مقامه. وهو وجيه.

المورد الثاني في المحرمات و (منها) - استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط على المشهور، ولكن هل يحرم مطلقا أو في الصحراء خاصة واما في الدور فالافضل الاجتناب ؟ قولان: المشهور الاول، ونقل الثاني عن ظاهر سلار. واما مذهب الشيخ المفيد في هذه المسألة فقد اختلف كلام الاصحاب في نقله، فحكى عنه في المعتبر التحريم في الصحارى والكراهة في البنيان، وحكى عنه - في المنتهى والتذكرة والدروس - التحريم في الصحارى ولم يذكروا الكراهة. وقال في المختلف بعد نقل عبارة المقنعة: (وهذا الكلام يعطي الكراهة في الصحارى والاباحة في البنيان) انتهى. ولعل هذا الاختلاف نشأ من اختلاف الافهام في فهم عبارة المقنعة حيث قال: (ثم ليجلس ولا يستقبل القبلة بوجهه ولا يستدبرها، ولكن يجلس على استقبال المشرق ان شاء أو المغرب، إلى ان قال بعد كلام خارج في البين: فان دخل الانسان دارا قد بني فيها مقعد للغائط على استقبال القبلة أو استدبارها لم يضره الجلوس، وإنما يكره ذلك في الصحارى والمواضع التي يتمكن فيها من الانحراف عن القبلة) انتهى. وحيث كان صدر عبارته محتملا للحمل على التحريم والكراهة - ولفظ الكراهة ايضا في عجز عبارته محتمل لهما، فانه كثيرا ما يعبر بالكراهية في مقام


[ 39 ]

التحريم كما هو شائع في الاخبار - وقع هذا الاختلاف في نقل مذهبه، مع ان في انطباق النقول المذكورة مع ذلك نوع اشكال. ونقل عن ابن الجنيد استحباب ترك الاستقبال في الصحراء ولم يذكر الاستدبار ولا الحكم في البنيان. وذهب جملة من متأخري المتأخرين: منهم - السيد في المدارك إلى الكراهة مطلقا. والذي وقفت عليه من الاخبار في المسألة رواية عيسى بن عبد الله الهاشمي عن ابيه عن جده عن علي (عليه السلام) (1) قال: (قال لي النبي (صلى الله عليه وآله): إذا دخلت المخرج فلا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، ولكن شرقوا أو غربوا). ومرفوعة محمد في الكافي (2) قال: (سئل أبو الحسن (عليه السلام) ما حد الغائط ؟ قال: لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ولا تستقبل الريح ولا تستدبرها). ومرفوعة عبد الحميد بن ابي العلاء أو غيره رفعه (3) قال: (سئل الحسن ابن علي (عليهما السلام) ما حد الغائط ؟ قال: لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ولا تستقبل الريح ولا تستدبرها). وروى في الفقيه (4) مرسلا قال: (نهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن استقبال القبلة ببول أو غائط). وروى في الكافي (5) عن علي مرفوعا قال: (خرج أبو حنيفة من عند ابي عبد الله (عليه السلام) وابو الحسن (عليه السلام) قائم وهو غلام، فقال له أبو حنيفة:


(1) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب احكام الخلوة. (2) ج 1 ص 6 وفى الوسائل في الباب - 2 - من ابواب احكام الخلوة (4) ج 1 ص 180 وفى الوسائل في الباب - 2 - من ابواب احكام الخلوة (5) ج 1 ص 6 وفى الوسائل في الباب - 2 و 15 - من ابواب احكام الخلوة.


[ 40 ]

يا غلام أين يضع الغريب ببلدكم ؟ فقال اجتنب افنية المساجد، وشطوط الانهار، ومساقط الثمار، ومنازل النزال، وتستقبل القبلة بغائط ولا بول، وارفع ثوبك وضع حيث شئت...). وروى محمد بن اسماعيل قال: (دخلت على الرضا (عليه السلام) وفي منزله كنيف مستقبل القبلة...) (1). وانت خبير بان ما عدا الرواية الاخيرة ظاهرة الدلالة على التحريم كما هو القول الاول الذي عليه المعول. وطعن جملة من متأخري المتأخرين في هذه الاخبار - بعد التمسك باصالة الجواز - بضعف السند، فحملوها على الاستحباب ذلك، وزاد بعض منهم الطعن ايضا بضعف الدلالة، لاقتران ما ورد من النهي عن الاستقبال والاستدبار بجملة من النواهي المراد بها الكراهة، وزاد آخر ايضا - بعد الاستدلال على عدم التحريم برواية محمد ابن اسماعيل المذكورة - انه مع قطع النظر عن ذلك فدلالة الاوامر الواردة في اخبارنا على الوجوب والنواهي على التحريم ممنوع وان قلنا ان الامر والنهي حقيقة في الوجوب والتحريم، لشبوع استعمال الاول في الاستحباب والثاني في الكراهة على وجه لا يمكن دفعه. ويرد على الاول انه لا دليل على التمسك بهذا الاصل من كتاب ولا سنة، كما بسطنا لك الكلام عليه في المطلب الاول من المقام الثالث من المقدمة الثالثة (2). ويرد على الثاني ان ضعف السند ليس من القرائن الموجبة لصرف اللفظ عن ظاهره.


(1) رواه صاحب الوسائل في الباب - 2 - من ابواب احكام الخلوة (2) في الصحيفة 41 من الجزء الاول


[ 41 ]

وعلى الثالث ان الاقتران بما هو محمول على الكراهة لو سلم كونه قرينة فانما يتم فيما لو انحصر الدليل فيما هو كذلك، وهنا قد ورد النهي عن ذلك من غير اقتران بشئ في رواية الهاشمي (1) وكذا رواية الفقيه (2) ولا يخفى على المتتبع كثرة ورود الاحكام الواجبة من هذا القبيل. وعلى الرابع ان وجود الكنيف في المنزل كذلك لا يستلزم ان يكون فمه (عليه السلام) لجواز كون البيت ليس له سابقا، ولا يستلزم ايضا جلوسه عليه، ومع تجويز جلوسه فيمكن الانحراف. وعلى الخامس انه بمكان من الضعف الشديد، والمخافة لآيات الكتاب المجيد كما أوضحناه في المقدمة السابعة (3) باتم بيان، وشددنا منه الجوانب والاركان.

فوائد:

(الاولى) - الظاهر - كما استظهره جملة من الاصحاب - تعلق حكم الاستقبال والاستدبار بالبدن كملا كما هو المتعارف، دون مجرد العورة حتى لو حرفها زال المنع خلافا للبعض.

(الثانية) - الظاهر - إلحاق حال الاستنجاء بذلك، لرواية عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: (قلت له: الرجل يريد ان يستنجي كيف يقعد ؟ قال: كما يقعد للغائط...).

(الثالثة) - انه على تقدير القول بالتحريم فهل الامر بالتشريق والتغريب في رواية عيسى بن عبد الله الهاشمي (5) على الوجوب أو الاستحباب ؟ وجهان يلتفتان


(1) و (2) و (5) المتقدمة في الصحيفة 39 (3) في الصحيفة 115 من الجزء الاول. (4) المروية في الوسائل في الباب - 37 - من ابواب احكام الخلوة.


[ 42 ]

إلى ان المراد بالقبلة هنا هي ما يجب التوجه عند العلم ولو في اثناء الصلاة إليها، أو ما لا ثجب اعادتها بعد التوجه إليها بناء على ظن كونها قبلة. وبالثاني صرح بعض المحققين، ويخدشه ان الحديث الذي اعتمده دليلا على ذلك - وهو قوله (عليه السلام) (2): (ما بين المشرق والمغرب قبلة) - محمول على الناسي، كما يفصح عنه صحيح معاوية بن عمار، وما ورد ايضا (2) ان (من بال حذاء القبلة ثم ذكر فانحرف عنها اجلالا للقبلة... الحديث) فان ظاهره يشعر بالاكتفاء بانحراف ما يخرج به عن محاذاتها، وحينئذ فيمكن ان يقال: المراد بالتشريق والتغريب الميل عن القبلة ذات اليمين أو ذات اليسار لا التوجه إلى جهة المشرق والمغرب الاعتداليين.

(الرابعة) - انه على تقدير القول بالتحريم، لو اشتبهت القبلة قيل: وجب الاجتهاد في تحصيلها من باب المقدمة، فان حصل شيئا من الامارات بنى عليه وإلا انتفى التحريم أو الكراهة. واستقرب السيد في المدارك احتمال انتفائها مطلقا، للشك في المقتضى والظاهر ان وجه قربه ان مقتضى صحيحة ابن سنان (3) - الدالة على ان (كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه) ونظائرها - ذلك. و (منها) - الاستنجاء بالروث والعظم والمطعوم المحترم، ومنه - التربة الحسينية على مشرفها افضل التحية، والقرآن، وما كتب فيه شئ من علوم الدين، كالحديث والفقه، وههنا مقامان:


(1) في صحيحي زرارة ومعاوية بن عمار المرويين في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب القبلة، وفى الاول اضافة " كله ". (2) في رواية محمد بن اسماعيل المروية في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب احكام الخلوة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 4 - من ابواب ما يكتسب به من كتاب التجارة وفى باب " حكم السمن والجبن وغيرهما إذا علم انه خلطه حرام " من ابواب الاطعمة المحرمة.


[ 43 ]

(احدهما) - تحريم الاستنجاء بهذه الاشياء، اما الثلاثة الاول منها فظاهر العلامة في المنتهى دعوى الاجماع على حرمة الاستنجاء بها، لكنه في التذكرة احتمل للكراهة في الاولين منها، وبذلك صرح المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في كتاب الوسائل، حيث قال: (باب كراهة الاستنجاء بالعظم والروث) (1) وفي المعتبر صرح بالاجماع على التحريم فيهما. ويدل على التحريم فيهما رواية ليث المرادي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (سألته عن استنجاء الرجل بالعظم أو البعر أو العود. فقال: اما العظم والروث فطعام الجن، وذلك مما اشترطوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: لا يصلح بشئ من ذلك). وقال في الفقيه (3): (لا يجوز الاستنجاء بالروث والعظم، لان وفد الجان جاؤوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: يا رسول الله متعنا، فاعطاهم الروث والعظم، فلذلك لا ينبغى ان يستنجى بهما) واما الثالث فالذي ورد منه في الاخبار الخبز، كما روي في عدة من كتب الاخبار: منها - الكافي، وروي فيه (4) عن عمرو بن شمر قال: (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في حديث: ان قوما افرعت عليهم النعمة وهم أهل الثرثار (5) فعمدوا إلى مخ الحطنة فجعلوه خبزا هجأ، وجعلوا ينجون به صبيانهم


(1) وهو الباب - 35 - من ابواب احكام الخلوة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 35 - من ابواب احكام الخلوة (3) ج 1 ص 20 وفى الوسائل في الباب - 35 - من ابواب احكام الخلوة. (4) ج 2 ص 165 وفى الوسائل في الباب - 40 - من ابواب احكام الخلوة، وفى الباب - 78 - من ابواب آداب المائدة. (5) قال في بيان الوافى: " الثرثار اسم نهر، وهجأ من هجأ كمنع إذا سكن جوعه وذهب، وينجون أي يستنجون، والاسف السخط، قال الله تعالى: " فلما آسفونا انتقمنا منهم " =


[ 44 ]

حتى اجتمع من ذلك جبل عظيم، قال: فمر بهم رجل صالح وإذا إمرأة وهي تفعل ذلك بصبي لها، فقال: ويحكم اتقوا الله ولا تغيروا ما بكم من نعمة، فقالت له كأنك تخوفنا بالجوع، اما ما دام ثرثارنا يجري فانا لا نخاف الجوع. قال فاسف الله واضعف لهم الثرثار وحبس عنهم قطر السماء ونبت الارض، فاحتاجوا إلى ذلك الجبل، وانه كان ليقسم بينهم بالميزان) ويدل على ذلك الاخبار المستفيضة باكرام الخبز والنهي عن اهانته. واما ما عداه من المطعوم فاستدل عليه بان طعام الجن منهي عنه، فطعام أهل الصلاح بطريق اولى. ولا يخفى ما فيه. وظاهر بعض محدثي متأخري المتأخرين تخصيص التحريم هنا بالخبز خاصة. نعم يدل على ذلك ما رواه في كتاب دعائم الاسلام (1) قال: (نهوا (عليهم السلام) عن الاستنجاء بالعظام والبعر وكل طعام...) إلا ان الكتاب المذكور لم يثبت الاعتماد على مصنفه وان كان قد ذكره شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار ونقل عنه ما تضمنه من الاخبار، إلا انه قال - بعد ذكر مصنفه وبيان بعض احواله - ما صورته: (واخباره تصلح للتأييد والتأكيد) انتهى. واما المحترم كالتربة المشرفة فلا ريب في وجوب اكرامها وتحريم اهانتها من حيث كونها تربته (عليه السلام) بل لا يبعد - كما ذكره بعض اصحابنا - الحكم بكفر المستعمل لها من تلك الحيثية.


= والاضعاف هو جعل الشئ ضعيفا أو مضاعفا، ولعل الاول اظهر الال الثاني انسب بكلام المرأة وقوله (عليه السلام): " لهم " دون " عليهم " وذلك لانهم لما اعتمدوا على النهر ضاعف الله لهم النهر، وحبس عنهم القطر والزرع ليعلموا ان النهر لا يغنيهم عن الله تعالى وان الاعتماد على الله " انتهى (منه رحمه الله). (1) ج 1 ص 128


[ 45 ]

ومما يؤيد هذا المقام - ويدخل في سلك هذا النظام وان طال به زمام الكلام، إلا ان فيه - زيادة على ما ذكرنا - نشر فضيلة من فضائله (عليه السلام) - ما رواه جملة من مشايخنا عطر الله مراقدهم عن الشيخ (قدس سره) في كتاب الامالي (1) بسنده فيه عن ابي موسى بن عبد العزيز، قال: (لقيني يوحنا بن سراقيون النصراني المتطبب في شارع ابي احمد، فاستوقفني وقال لي: (بحق نبيك ودينك من هذا الذي يزور قبره قوم منكم بناحية قصر ابن هبيرة ؟ من هو من اصحاب نبيكم ؟ قلت: ليس هو من اصحابه، هو ابن بنته، فما دعاك إلى المسألة عنه ؟ فقال: له عندي حديث طريف. فقلت: حدثني به. فقال: وجه إلي سابور الكبير الخادم الرشيدي في الليل فصرت إليه، فقال لي: تعال معي، فمضى وانا معه حتى دخلنا على موسى بن عيسى الهاشمي، فوجدناه زائل العقل منكبا على وسادة، وإذا بين يديه طشت فيه حشو جوفه، وكان الرشيد استحضره من الكوفة، فاقبل سابور على خادم كان من خاصة موسى، فقال له: ويحك ما خبره ؟ فقال: اخبرك انه كان من ساعة جالسا وحوله ندماؤه وهو من أصح الناس جسما واطيبهم نفسا، إذ جرى ذكر الحسين ابن علي (عليهما السلام) قال يوحنا: هذا الذي سألتك عنه. فقال موسى: ان الرافضة لتغلوا فيه حتى انهم - فيما عرفت - يجعلون تربته دواء يتداوون به. فقال له رجل من بني هاشم كان حاضرا: قد كانت بي علة غليظة فتعالجت لها بكل علاج فما نفعني حتى وصف لي ان آخذ من هذه التربة، فاخذتها فنفعني الله بها وزال عني ما كنت أجده. قال: فبقي عندك منها شئ ؟ قال: نعم. فوجه فجاء بقطعة منها فناولها موسى بن عيسى، فاخذها موسى فاستدخلها دبره استهزاء بمن يتداوى بها، واحتقارا وتصغيرا لهذا الرجل الذي هذه تربته، يعني الحسين (عليه السلام) فما هو إلا ان استدخلها دبره حتى صاح: النار النار، الطشت الطشت، فجئناه بالطشت فاخرج فيه


(1) في الصحيفة 202


[ 46 ]

ما ترى، فانصرف الندماء وصار المجلس مأتما، فاقبل علي سابور فقال: انظر هل لك فيه حيلة ؟ فدعوت بشمعة فنظرت فإذا كبده وطحاله ورئته وفؤاده خرج منه في الطشت، فنظرت إلى امر عظيم، فقلت: لا أجد إلى هذا صنعا إلا أن يكون عيسى الذي كان يحيى الموتى. فقال لي سابور: صدقت ولكن كن ههنا في الدار إلى ان يتبين ما يكون من امره، فبت عندهم وهو بتلك الحال ما رفع رأسه، فمات في وقت السحر. قال محمد بن موسى: قال لي موسى بن سريع: كان يوحنا يزور قبر الحسين (عليه السلام) وهو على دينه، ثم أسلم بعد هذا وحسن اسلامه). واما القرآن العزيز وما كتب عليه شئ من اسمائه تعالى، فلما مر من وجوب صونهما عمن ليس بطاهر، فعن ملاقاة النجاسة بطريق اولى. ولظاهر قوله تعالى: (في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة) (1) وقوله: (يتلو صحفا مطهرة..) (2). وما كتب عليه شئ من علوم الدين فلدخوله في الشعائر المأمور بتعظيمها في قوله تعالى: (ومن يعظم شعائر الله...) (3) وان لا تحل، لقوله: (لا تحلوا شعائر الله...) (4) وتردد فيه بعض محققي متأخري المتأخرين وجعل التحريم احتمالا قويا. و (ثانيهما) - انه مع الاستنجاء بما ثبت تحريم الاستنجاء به هل يطهر المحل وان اثم بالاستعمال، أو لا يطهر ؟ قولان، وإلى الاول ذهب العلامة في المنتهى والمختلف والتذكرة والقواعد، والى الثاني ذهب الشيخ وابن ادريس والمحقق. وظاهر شيخنا الشهيد الثاني في الروض التفصيل في ذلك بين ما يوجب استعماله الحكم بكفر فاعله، كاستعمال التربة الحسينية والمكتوب عليه شئ من اسماء الله تعالى، أو العلم كالحديث والفقه عالما وعامدا، فلا يتصور الطهارة به حينئذ، وبين ما لا يوجب إلا مجرد الاثم كالمطعوم والعظم والروث، أو لا يوجب شيئا كاستعمال التربة وما عليه


(1) سورة عبس الآية 14 و 15. (2) سورة البينة الآية 3. (3) سورة الحج الآية 32. (4) سورة المائدة الآية 2.


[ 47 ]

شئ من اسماء الله تعالى جهلا، فيطهر وان اثم في الاول. احتج الشيخ (رحمه الله) بان النهي يدل على الفساد. وزاد المحقق التمسك باستصحاب المنع حتى يثبت رفعه بدليل شرعي. ورد الاول بانه - على تقدير تسليمه - مخصوص بالعبادات. والثاني بان الاستصحاب مرتفع بعموم ما دل على الاكتفاء بالانقاء. والمسألة محل توقف، ينشأ من ان الطهارة حكم شرعي يتوقف على استعمال ما جعله الشارع مطهرا، وهذه الاشياء مما قد نهى الشارع عن الطهارة بها، وظاهر ذلك عدم وقوع التطهير بها. وحديث الانقاء (1) لا عموم فيه على وجه يشمل محل النزاع، لاحتمال بل ظهور ان يكون معنى قول السائل: (هل للاستنجاء حد) انه هل يتقدر بعدد مخصوص أو كيفية مخصوص فقال (عليه السلام): (لا بل حده النقاء) بمعنى انه لا يتقدر بشئ من ذلك، وانما الحد نقاء المحل من النجاسة باي عدد اتفق وعلى اي كيفية، واما بيان المطهر فلا تعرض له فيه بوجه، فيرجع إلى ما ثبت كونه مطهرا. ولقوله (عليه السلام) في رواية ليث المتقدمة (2): (لا يصلح بشئ من ذلك) ومن احتمال بل ظهور كون النهي عن استعمال هذه الاشياء إنما هو من حيث الاحترام لا من حيث عدم الصلاحية للتطهير. وحينئذ فلا ينافي حصول التطهير بها وان اثم بالاستعمال. وتحقيقه ان النهي في غير العبادات ان توجه لشئ من حيث عدم صلاحية المنهى عنه لترتب الحكم عليه، كالنهي عن بيع الخمر - مثلا - ونجس العين، والنهي عن نكاح المحارم ونحو ذلك، كان موجبا للفساد والبطلان، وان توجه من حيث امر خارج عن ترتب الحكم على المنهي عنه مفارق من زمان مخوص أو حال مخصوصة


(1) وهو حسن ابن المغيرة المتقدم في الصحيفة 18 (2) في الصحيفة 43


[ 48 ]

أو نحو ذلك، كالنهي عن البيع وقت النداء، فلا وجه للابطال بل غاية النهي التأثيم خاصة. ومن الظاهران توجه النهي هنا إنما هو من جهة الاحترام الذي هو امر خارج وصفة مفارقة للاستنجاء بتلك الاشياء، كما يأتي مثله في الاستنجاء بل ازالة النجاسة مطلقا بالماء المغصوب، فانه لا ريب في طهارة المحل به وان اثم من حيث التصرف، وما ذاك إلا من حيث كون صفة الغصب أمرا خارجا، بخلاف الاستنجاء بالنجس وإزالة النجاسة بالماء النجس، فانه من حيث عدم صلاحية تلك الاشياء من حيث هي للازالة فلا يطهر المحل بها. وهذا الوجه لا يخلو من قوة لو كان الوارد في النص مجرد النهي. لكن قوله في رواية ليث (1): (لا يصلح بشئ من ذلك) ظاهر في عدم الاجزاء. والرواية وان كانت ضعيفة السند الا انها مجبورة بعمل الاصحاب، والامران اصطلاحيان، ولا ترجيح لاحدهما على الآخر. واما عندنا فالامر اهون من ذلك. (فرع) لا ريب ان تحريم الاستنجاء بتلك الاشياء إنما هو من حيث اهانتها بالايقاع في النجاسة، وحينئذ فيحرم تنجيسها مطلقا، ومثل ذلك القول في الخبز لحديث أهل الثرثار، فيحرم تنجيسه ايضا بغير الاستنجاء. ولا يبعد انسحاب ذلك في باقي المطعومات، لاستلزام ذلك كفر النعمة وعدم شكرها، ولفحوى احاديث استحباب اكل المتساقط من الخوان، واخبار استحباب لعق الاصابع بعد الاكل. لكن يبقى الكلام في مثل العظم والروث على القول بتحريم الاستنجاء بهما، هل يحرم تنجيسهما ام لا ؟ لم تقف في ذلك لاحد من اصحابنا في الكتب الاستدلالية على كلام إلا لشيخنا البهائي (قدس سره) في اجوبة مسائل الشيخ صالح الجزائري، حيث قال - بعد قول السائل: مسألة - الفقهاء (رضوان الله عليهم) قالوا: لا تستجمر بالعظم والروث، فهل يحرم اصابتهما بغير استجمار ام لا ؟ - ما صورته: (الجواب -


(1) المتقدمة في الصحيفة 43


[ 49 ]

والثقة بالله وحده - النهي عن الاستجمار بهما معلل بكونهما طعام الجن (1) وفي خبر آخر عن النبي (صلى الله عليه آله) التعليل بانهما لا يطهران (2) وقد يترآى من التعليل الاول تحريم تنجيسهما ولو بغير الاستنجاء، لكن احتمال كون تحريم الاستنجاء بهما لتحقيرهما التام - بامرارهما على المخرج مع التنجس لا لاحدهما فقط - يعطي جواز التنجيس بغير الاستنجاء، سيما مع انضمام اصالة براءة الذمة من المؤاخذة عليه. وايضا فلعل النهي عن استعمالهما إنما هو لمجرد كون طعام الجن غير مطهر لا للاحترام كما يظن، والى هذا يشير التعليل الثاني، وهو يعطي جوار التنجيس بغير الاستنجاء وان النهي عن استعمالهما لعدم افادتهما التطهير، إلى ان قال: وقد يستفاد عدم كونهما مطهرين من رواية ليث المرادي عن الصادق (عليه السلام) (3) الناطقة بعدم صلاحيتهما للاستنجاء وكيف كان فالاظهر عدم التوقف في جواز تنجيسهما بغير الاستنجاء كما ان الاظهر ان الاستنجاء بهما لا يفيد طهارة المحل كما هو مذهب السيد والشيخ والمحقق وان قال مشايخنا المتأخرون بطهارة المحل بهما. ولتحقيق الكلام محل آخر) انتهى كلامه (قدس سره). واقول: ما نقاه (قدس سره) من الخبر عنه (صلى الله عليه وآله) بانهما لا يطهران لم اقف عليه بعد التتبع للاخبار. نعم نقله العلامة في التذكرة، ولا يبعد ان يكون من طرق المخالفين (4) كما نبه عليه بعض متأخري المتأخرين.


(1) في رواية ليث المرادى ومرسلة الفقيه المتقدمين في الصحيفة 43. (2) و (4) رواه الدار قطني عن ابى هريرة عنه (صلى الله عليه وآله) كما في منتقى الاخبار لابن تيمية على هامش نيل الاوطار ج 1 ص 85، ولم يرد هذا التعليل من طرقنا. (3) المتقدمة في الصحيفة 43.


[ 50 ]

المورد الثالث في المستحبات و (منها) - ستر البدن كملا في الغائط بان يبعد المذهب أو يدخل بيتا أو يلج حفيرة، تأسيا بالنبي (صلى الله عليه وآله) فانه لم ير على غائط قط، وقال (عليه السلام): (من اتى الغائط فليستتر) روى ذلك شيخنا الشهيد الثاني في شرح النفلية (1) وروى البرقي في المحاسن (2) عن حماد بن عثمان أو ابن عيسى عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال لقمان لابنه: إذا سافرت مع قوم، إلى ان قال: وإذا اردت قضاء حاجتك فابعد المذهب في الارض). و (منها) - ارتياد موضع مناسب للبول لمزيد الاحتياط في التوقي عنه بالجلوس في مكان مرتفع أو ذي تراب كثير، فانه من فقه الرجل، ففي رواية عبد الله ابن مسكان عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أشد الناس توقيا للبول، حتى انه كان إذا أراد البول عمد إلى مكان مرتفع من الارض أو مكان يكون فيه التراب الكثير كراهية ان ينتضح عليه) وفي رواية السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من فقه الرجل ان يرتاد موضعا لبوله) ومثل ذلك في رواية الجعفري عن الرضا (عليه السلام) (5). و (منها) - التسمية والدعاء عند دخول المخرج والخروج منه بالمأثور، والدعاء حال النظر إلى ما يخرج منه، وحال الغسل.


(1) ص 17 وفى الوسائل في الباب - 4 - من ابواب احكام الخلوة. وقوله: " ذلك " اشارة إلى الفعل والقول (2) في الصحيفة 375 وفى الوسائل في الباب - 4 - من ابواب احكام الخلوة. (3) و (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 22 - من ابواب احكام الخلوة


[ 51 ]

ويدل على ذلك رواية معاوية بن عمار (1) قال: (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا دخلت المخرج فقل: بسم الله وبالله، اللهم اني اعوذ بك من الخبيث المخبث الرجس النجس الشيطان الرجيم. فإذا خرجت فقل: بسم الله والحمد لله الذي عافاني من الخبيث واماط عني الاذى. وإذا توضأت فقل: اشهد ان لا إله إلا الله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، والحمد لله رب العالمين). ورواية ابي بصير عن احدهما (عليهما السلام) (2) قال: (إذا دخلت الغائط فقل: اعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم. وإذا فرغت فقل: الحمد لله الذي عافاني من البلاء واماط عني الاذى). وصحيحة القداح عن ابي عبد الله (عليه السلام) عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (انه كان إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي رزقني لذته وابقى قوته في جسدي واخرج عني اذاه، يا لها نعمة: ثلاثا). وما رواه في الفقيه مرسلا (4) قال: (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا اراد دخول المتوضأ قال: اللهم اني اعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم، اللهم امط عني الاذى واعذني من الشيطان الرجيم. وإذا استوى جالسا للوضوء قال: اللهم أذهب عني القذى والاذى واجعلني من المتطهرين. وإذا تزحر قال: اللهم كما اطعمتنيه طيبا في عافية فاخرجه مني خبيثا في عافية. وكان علي (عليه السلام) يقول: ما من عبد إلا وبه ملك موكل يلوي عنقه حتى ينظر


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب احكام الخلوة. (4) ج 1 ص 16 وفى الوسائل في الباب - 5 - من ابواب احكام الخلوة، ما عدا قوله: وكان على (عليه السلام) يقول، إلى قوله: وجنبني الحرام، فانه رواه في الباب - 18 - من تلك الابواب.


[ 52 ]

إلى حدثه، ثم يقول له الملك: يا ابن آدم هذا رزقك فانظر من اين اخذته والى ما صار فينبغي للعبد عند ذلك ان يقول: اللهم ارزقني الحلال وجنبني الحرام، إلى ان قال: وكان (عليه السلام) إذا دخل الخلاء يقول: الحمد لله الحافظ المؤدي. فإذا خرج مسح بطنه وقال: الحمد لله الذي اخرج عني اذاه وابقى في قوته، فيالها من نعمة لا يقدر القادرون قدرها). وفى رواية عبد الرحمان بن كثير في حكاية وضوء امير المؤمنين (عليه السلام) (1) قال: (ثم استنجى فقال: اللهم حصن فرجي واعفه واستر عورتي وحرمني على النار). و (منها) - التقنع، لما في مرسلة البرقي عن ابن اسباط أو رجل عنه عمن رواه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) (انه كان إذا دخل الكنيف يقنع رأسه ويقول سرا في نفسه: بسم الله وبالله... الحديث) إلى آخر ما تقدم في رواية معاوية بن عمار. وروى في الفقية مرسلا (3) قال: (وكان الصادق (عليه السلام) إذا دخل الخلاء يقنع رأسه ويقول في نفسه: بسم الله وبالله ولا إله إلا الله، رب اخرج عنى الاذى سرحا بغير حساب، واجعلني لك من الشاكرين فيما تصرفه عنى من الاذى والغم الذي لو حبسته عنى هلكت، لك الحمد، اعصمني من شر ما في هذه البقعة واخرجني منها سالما، وحل بينى وبين طاعة الشيطان الرجيم). وفى كتاب مجالس الشيخ (4) وفى كتاب المكارم (5) في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لابي ذر (رضي الله عنه) قال: (يا أبا ذر استحي من الله، فاني - والذي


(1) المروية في الوسائل في الباب - 16 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب احكام الخلوة. (3) ج 1 ص 17 وفي الوسائل في الباب - 5 - من ابواب احكام الخلوة. (4) في الصحيفة 338 وفى الوسائل في الباب - 3 - من ابواب احكام الخلوة (5) في الصحيفة 260.


[ 53 ]

نفسي بيده - لا ظل حين اذهب إلى الغائط متقنعا بثوبي استحياء من الملكين الذين معي). و (منها) - تغطية الرأس، ولم أقف فيه على خصوص خبر سوي اخبار التقنع، ومن الظاهر مغايرته له. نعم قال الشيخ المفيد: (وليغط رأسه ان كان مكشوفا ليأمن بذلك من عبث الشيطان ومن وصول الرائحة الخبيثة إلى دماغه، وهو سنة من سنن النبي (صلى الله عليه وآله) وفيه اظهار الحياء من الله لكثرة نعمه على العبد وقلة الشكر منه) وفيه دلالة على ورود النص به، وليس ببعيد ان المراد به التقنع، لمناسبة التعليل الاخير له، دون مجرد التغطية. وقال الصدوق في الفقية (1): (ينبغي للرجل إذا دخل الخلاء ان يغطى رأسه اقرارا بانه غير مبرئ نفسه من العيوب) انتهى وفيه ايضا ما احتملناه في سابقه. و (منها) - تقديم الرجل اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج عكس المسجد. ولم اقف فيه على نص لكن الصدوق ذكره في الفقيه، والظاهر ان مثله من ارباب النصوص لا يذكر ذلك إلا عن نص بلغه فيه. وربما ظهر من بعض الاصحاب اختصاص الحكم بالبنيان، نظرا إلى ان مسمى الدخول والخروج لا يصدق في غيره لكن صرح العلامة بان الاقرب عدم الاختصاص، فيقدم اليسرى إذا بلغ موضع جلوسه في الصحراء وإذا فرغ قدم اليمنى. ووافقه الشهيد الثاني، فقال: (ان الاصح عدم الاختصاص بالبنيان) قال في المعالم بعد نقل ذلك عنهما: (والتحقيق ان الترجيح هنا موقوف على اعتبار المأخذ، فان كان هو التوجيه الذي حكيناه فلا بأس بعدم الاختصاص) انتهى. وهو كذلك. و (منها) - مسح البطن بعد الخروج، كما تقدمت الدلالة عليه في كلام


(1) ج 1 ص 17.


[ 54 ]

الفقيه نقلا عن الامير (صلوات الله عليه) (1). و (منها) - التسمية عند التكشف للبول، لما رواه في الفقيه (2) مرسلا عن الباقر (عليه السلام) وفى ثوب الاعمال (3) مسندا عن الصادق عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال: (إذا انكشف احدكم لبول أو لغير ذلك فليقل: بسم الله، فان الشيطان يغض بصره عنه حتى يفرغ ". و (منها) - ان لا يقطع في الاستجمار بالاحجار وشبهها وان نقى المحل إلا على وتر، لقوله (صلى الله عليه وآله) في رواية عيسى بن عبد الله الهاشمي المتقدمة: (إذا استنجى أحدكم فليوتر بها وترا إذا لم يكن الماء) (4). قال في المعتبر: (والرواية من المشاهير) انتهى. و (منها) - الاستبراء على المشهور، خلافا لظاهر الشيخ في الاستبصار، مستندا إلى صحيحة حفص بن البختري عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) (في الرجل يبول ؟ قال ينتره ثلاثا، ثم ان سال حتى يبلغ الساق فلا يبالى) وحسنة محمد بن مسلم (6) (قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام): رجل بال ولم يكن معه ماء ؟ قال: يعصر أصل ذكره إلى طرفه ثلاث عصرات وينتر طرفه، فان خرج بعد ذلك شئ فليس من البول ولكنه من الحبائل). واجيب بمنع الدلالة على الوجوب، لعدم ظهور الجملة الخبرية فيه.


(1) في الصحيفة 52. (2) ج 1 ص 18 وفى الوسائل في الباب - 5 - من ابواب احكام الخلوة (3) في الصحيفة 9 (4) رواه صاحب الوسائل في الباب - 9 - من ابواب احكام الخلوة (5) المروية في الوسائل في الباب - 13 - من ابواب نواقض الوضوء (6) المروية في الوسائل في الباب - 11 - من ابواب احكام الخلوة


[ 55 ]

وفيه نظر، فان المستفاد من الآيات والاخبار التي قدمناها في المقدمة السابعة (1) انه لا خصوصية في ذلك بصيغة (افعل) بل كل ما دل على الطلب واراده الفعل - سواء كان بالصيغة المشار إليها أم لا - فانه للوجوب إلا مع قيام القرينة على خلافه. وقال شيخنا البهائي (رحمه الله) في كتاب الحبل المتين بعد نقل صحيحة حفص: (وقوله (عليه السلام) في الحديث التاسع: ينتره ثلاثا. مما استدل به الشيخ في الاستبصار على وجوب الاستبراء. والذي يظهر من آخر الحديث ان غرضه (عليه السلام) عدم انتقاض الوضوء بما يخرج من البلل بعد الاستبراء لا بيان كون الاستبراء واجبا) انتهى. لكنه (رحمه الله) كتب - في حاشية الكتاب على قوله: مما استدل به الشيخ - ما صورته: (وهو يتوقف على كون المضارع المطلوب به الفعل كالامر في الوجوب، والظاهر انه كذلك) انتهى. وظاهر المحقق الشيخ حسن في كتاب المعالم المناقشة في اسناد الوجوب إلى الشيخ مستندا إلى استعمال الشيخ لفظ الوجوب - في غير موضع - فيما هو أعم من الواجب والمندوب، ثم قال: (وكيف كان فالوجوب لا وجه له). واورد عليه ان هذا الاستعمال غير متعارف، ولعله كان في تلك المواضع مع القرينة، ولا قرينة هنا. ومما يدل بظاهره على عدم الوجوب صحيحة جميل عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: (إذا انقطعت درة فصب الماء). قيل: واقله اباحة تعقيب الصب للانقطاع بغير مهلة. وفيه ان افادة التعقيب بغير مهلة إنما هو للفاء العاطفة، واما الفاء الجزائية فالاكثر على عدم افادتها ذلك، لصحة قولنا: ان يسلم زيد فهو يدخل الجنة.


(1) في الصحيفة 112 من الجزء الاول (2) المروية في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب احكام الخلوة


[ 56 ]

وحينئذ فلا دلالة في الرواية على التعقيب بغير مهلة. ورواية داود الصرمي (1) قال: (رأيت أبا الحسن الثالث (عليه السلام) يبول غير مرة ويتناول كوزا صغيرا ويصب عليه الماء من ساعته). ويمكن ان يقال: انه لا دلالة فيه على الفورية على وجه ينافي الاستبراء، إذ لا مدة له ينافيها، بل الظاهر ان مراد الراوي هو الاخبار عنه (عليه السلام) بانه كان يبادر إلى الاستنجاء من البول من ساعته، ولا يتركه إلى وقت آخر كسائر الناس في تلك الاوقات، فانهم كانوا ينشفون المخرج بتراب ونحوه إلى وقت الصلاة، كما يستفاد من الاسئلة المتكاثرة في الاخبار عن نسيان الاستنجاء، كما تقدم شطر منها. نعم يظهر ذلك من رواية بن عبد الرحيم (2) قال: (بال أبو عبد الله (عليه السلام) وانا قائم على رأسه ومعي اداوة أو قال كوز، فلما انقطع شخب البول قال بيده هكذا الي فناولته الماء فتوضأ مكانه). ثم انه قد اختلفت عبارات القوم في بيان كيفيته، فقال الشيخ المفيد في المقنعة (انه يمسح باصبعه الوسطى تحت انثييه إلى اصل القضيب مرتين أو ثلاثا، ثم يضع مسبحته تحت القضيب وابهامه فوقه ويمرها عليه باعتماد قوي من أصله إلى رأس الحشفة مرتين أو ثلاثا، ليخرج ما فيه من بقية البول). وقال الشيخ في النهاية: (انه يمسح باصبعه من عند مخرج النجو إلى أصل القضيب ثلاث مرات، ثم يمر اصبعه على القضيب وينتره ثلاث مرات). وقال في المبسوط - على ما نقله عنه في المعتبر -: (انه يمسح من عند المقعدة إلى تحت الانثيين ثلاثا، ويمسح القضيب وينتره ثلاثا).


(1) المروية في الوسائل في الباب - 26 - من ابواب احكام الخلوة (2) المروية في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب احكام الخلوة


[ 57 ]

وعن السيد المرتضى (انه ينتر الذكر من اصله إلى طرفه ثلاث مرات) وهو المنقول عن ابن الجنيد. وقال الصدوق في الفقيه (1): (ومن أراد الاستنجاء فليمسح باصبعه من عند المقعدة إلى الانثيين ثلاث مرات، ثم ينتر ذكره ثلاث مرات) وهو المنقول عن ابيه في الرسالة. واقتصر المحقق في المعتبر على نقل قولي الشيخين والسيد، وقال: (ان كلام الشيخ ابلغ في الاستظهار) وقال في الشرائع: (وكيفيته ان يمسح من المقعدة إلى اصل القضيب ثلاثا، ومنه إلى رأس الحشفة ثلاثا، وينتره ثلاثا) ونسب السيد في المدارك هذه الكيفية إلى كلام الشيخ في المبسوط. وفي فهمها منه تأمل. وقال العلامة في المنتهى: (انه يمسح بيده من عند المقعدة إلى أصل القضيب ثلاثا ثم يمسح القضيب ثلاثا، ثم ينتره ثلاثا) ومثله في التذكرة إلا انه زاد فيه التنحنح. وقال الشهيد في الدروس (يمسح من المقعدة إلى أصل القضيب ثم إلى رأسه ثم عصر الحشفة ثلاثا والتنحنح ثلاثا). والذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بذلك - زيادة على ما قدمنا نقله - رواية عبد الملك بن عمرو عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) (في الرجل يبول ثم يستنجي ثم يجد بعد ذلك بللا ؟ قال: إذا بال فخرط ما بين المقعدة والانثيين ثلاث مرات وغمز ما بينهما ثم استنجى، فان سال حتى يبلغ السوق فلا يبالى). وانت خبير بان صحيحة حفص (3) إنما تنطبق على مذهب السيد وابن الجنيد


(1) ج 1 ص 21 (2) المروية في الوسائل في الباب - 13 - من ابواب نواقض الوضوء. (3) المتقدمة في الصحيفة 54


[ 58 ]

خاصة، واما حسنة محمد بن مسلم (1) فليس في شئ من الاقوال ما ينطبق عليها، لانها قد تضمنت العصر من أصل الذكر إلى طرفه ثلاثا ثم النتر ولو مرة، وليس في هذه الاقوال ما يطابق ذلك. وكذلك هذه الرواية الثالثة. ولعل من قال بالمسحات الست مع نتر طرف الذكر استند إلى العمل بضمون الاخبار الثلاثة جميعا، لكن تثليث النتر - كما ذكروا - ليس في شئ منها. واما التنحنح الذي ذكره العلامة والشهيد فلم نقف ايضا فيه على خبر، بل ولا في كلام القدماء على اثر. والعجب من اضطراب عبائرهم في ذلك مع خلو المأخذ مما هنالك. قيل: وكيف كان فالزيادات التي ذكروها لا حرج فيها، لما فيها من مزيد الاستظهار في اخراج ما ربما يبقى في المخرج وفيه اشكال، إذ استعمال ذلك باعتقاد انه سنة شرعية لا يخلو من تشريع. والاستناد إلى التساهل في ادلة السنن تساهل خارج عن السنن.

تنبيهات:

(الاول) - الظاهر من كلام اكثر الاصحاب اختصاص الاستبراء بالرجل بل صرح بذلك جملة منهم، وقيل بثبوته للانثى وانها تستبرئ عرضا، واختاره العلامة في المنتهى، وقال: (الرجل والمرأة سواء) ومورد الاخبار المتقدمة - كما عرفت - إنما هو الرجل، فالقول بالتعدية مع عدم الدليل مشكل. ونقل عن ابن الجنيد في مختصره انه قال: (إذا بالت المرأة تنحنحت بعد بولها) انتهى.

(الثاني) - قد صرح غير واحد من المتأخرين ومتأخريهم بانه لا يعرف خلافا بين علمائنا في ان البلل المتجدد بعد الاستبراء لا حكم له. وان الخارج مع عدم


(1) المتقدمة في الصحيفة 54.


[ 59 ]

الاستبراء بحكم البول في وجوب غسله ونقضه للطهارة، ونقل عن ابن ادريس دعوى الاجماع على كل من الحكمين. ويدل على ما ذكروه من الحكم الاول الاخبار الثلاثة المتقدمة (1). واما الحكم الثاني فاستدلوا عليه بمفهومات الاخبار المتقدمة، فان تقييد عدم المبالاة ونفي كونه من البول بل انه من الحبائل بالاستبراء يدل على حصول المبالاة وكونه من البول مع عدمه. وقد يعارض باطلاق ما دل من الاخبار على عدم النقض بالخارج بعد البول مطلقا: كصحيحة عبد الله بن ابى يعفور (2) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل بال ثم توضأ وقام إلى الصلاة فوجد بللا. قال: لا يتوضأ، إنما ذلك من الحبائل). وصحيحة حريز (3) قال: (حدثني زيد الشحام وزرارة ومحمد بن مسلم عن ابى عبد الله (عليه السلام) انه قال: ان سال من ذكرك شئ من مذي أو ودي فلا تغسله ولا تقطع له الصلاة ولا تنقض له الوضوء، إنما ذلك بمنزلة النخامة، وكل شئ خرج منك بعد الوضوء فانه من الحبائل). والظاهر تقييد اطلاق هذين الخبرين بتلك الاخبار جمعا، ولتصريحهما بكون الخارج من الوضوء مطلقا من الحبائل مع تقييد حسنة محمد بن مسلم (4) الحكم بكونه من الحبائل بكونه بعد الاستبراء، والمقيد يحكم على المطلق. ولدلالة جملة من الاخبار


(1) وهى صحيحة حفص وحسنة محمد بن مسلم ورواية عبد الملك المتقدمات في الصحيفة 54 و 57 (2) المروية في الوسائل في الباب - 13 - من ابواب نواقض الوضوء (3) المروية في الوسائل في الباب - 12 - من ابواب نواقض الوضوء (4) المتقدمة في الصحيفة 54.


[ 60 ]

الواردة في الجنب بالانزال إذا بال ولم يستبرئ على الامر بالوضوء: كقوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم (1): (وان كان بال ثم اغتسل ثم وجد بللا فليس ينقض غسله ولكن عليه الوضوء...) وقوله (عليه السلام) في موثقة سماعة (2): (وان كان بال قبل ان يغتسل فلا يعيد غسله ولكن يتوضأ ويستنجي) ومثلهما رواية معاوية بن ميسرة (3) ومقتضى الجمع حملها على عدم الاستبراء. ويدل عليه ايضا قوله (عليه السلام) - في صحيحة ابن سنان (4) الآتية ان شاء الله في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا المطلب -: (والودي فمنه الوضوء، لانه يخرج من دريرة البول) بحمله على الخروج قبل الاستبراء، كما هو ظاهر الخبر، وللاجماع - نصا وفتوى - على عدم سببية الودي للوضوء كما يأتي بيانه ان شاء الله تعالى. ويظهر من بعض فضلاء متأخري المتأخرين الميل - لولا الاجماع المدعى في المقام - إلى العمل باطلاق الخبرين المذكورين (5)، وحمل ما عارضهما من مفهوم روايات الاستبراء على الاستحباب، استضعافا لدلالة المفهوم وعدم ظهورها في الوجوب، وهكذا صحيحة ابن سنان ايضا حملها على الاستحباب. ولا يخفى وهنه. والتحقيق انه قد تعارض اطلاق صحيحتي عبد الله بن ابي يعفور وحريز (6) بعدم الوضوء بذلك البلل أعم من أن يكون مع الاستبراء وعدمه، واطلاق صحيحة ابن مسلم وروايتي سماعة ومعاوية بوجوب الوضوء بذلك البلل مطلقا ايضا. (1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 13 - من ابواب نواقض الوضوء. وفى الباب - 36 - من ابواب الجنابة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 36 - من ابواب الجنابة. (4) المروية في الوسائل في الباب - 12 - من ابواب نواقض الوضوء (5) و (6) في الصحيفة 59


[ 61 ]

ووجه الجمع تقييد الاطلاق الاول بحالة الاستبراء، كما هو مدلول منطوق اخبار الاستبراء، وتقييد الاطلاق الثاني بحالة عدم الاستبراء، كما هو مفهوم تلك الاخبار، وعلى ذلك تجتمع الاخبار. واما ابقاء الاطلاق الاول بحاله - وحمل الوضوء في الاطلاق الثاني على الاستحباب وكذلك في المفهوم استضعافا لدلالته - ففيه (اولا) - ان قوله في صحيحة محمد بن مسلم (1): (عليه الوضوء) ظاهر في الوجوب، وكذا قوله في خبر معاوية بن ميسرة (2): (فليتوضأ). و (ثانيا) - ان المفهوم هنا مفهوم شرط، وهو - مع ذهاب الاكثر إلى حجيته - معضود بدلالة الاخبار عليه ايضا، كما تقدم في المقدمة الثالثة (3) فلا ضعف في دلالة. و (ثالثا) - ان ضعف الدليل ليس من قرائن الاستحباب كما تقدمت الاشارة إليه. واما ما ورد في رواية يونس (4) - قال: (كتب إليه رجل: هل يجب الوضوء مما خرج من الذكر بعد الاستبراء ؟ فكتب: نعم) - فيتعين حمله على التقية، لموافقته لمذهب اكثر العامة (5) كما ذكره الشيخ في الاستبصار، ومخالفته لما عليه كافة علماء الفرقة الناجية ولاخبارهم.


(1) و (2) المتقدمة في الصحيفة 60 (3) في الصحيفة 57 من الجزء الاول (4) المروية في الوسائل في الباب - 13 - من ابواب نواقض الوضوء والرواية في كتب الحديث تنتهى إلى (محمد بن عيسى) ولم يذكر في سندها (يونس) (5) لم نعثر على من حرر من العامة هذه المسألة اعني حكم الخارج بعد الاستبراء. الا انهم عدوا الودى والمذي مما يستنجى منه. فلعل الشيخ اراد ذلك من الموافقة لمذهب العامة، قال في بدائع الصنائع ج 1 ص 19: " الاستنجاء مسنون من كل نجس يخرج =


[ 62 ]

هذا. واعلم ان الظاهر - كما عرفت من كلامهم - انه كما لا خلاف في نقض هذا البلل المشتبه للوضوء، كذلك لا خلاف في وجوب غسله، وهو يشعر بحكمهم بنجاسته. ويشكل عليهم بمقتضى ما قرروه في المسألة الاناءين - كما تقدم ذكره (1) - بان اقصى ما يستفاد من الادلة المذكورة النقض خاصة، مع اندراج هذا البلل في كلية: (كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر (2) وما ابالى ابول اصابني ام ماء إذا لم اعلم) (3) مع عدم المخصص. وحصول النقض به لا يستلزم النجاسة. إلا ان المفهوم من الاخبار - كما عرفت في مسألة الاناءين (4) - ان الشارع قد اعطى المشتبه بالنجس إذا كان محصورا والمشتبه بالحرام كذلك حكمهما في وجوب الاجتناب وتحريم الاستعمال فيما يشترط فيه الطهارة وتعدى حكمه إلى ما يلاقيه، كما تقدم تحقيق ذلك في مسألة الاناءين، فالحكم هنا موافق لما حققناه ثمة، لكنه مناف لما ذكروه (رضوان الله عليهم) في تلك المسألة، فان المسألتين من باب واحد.

(الثالث) - ذكر العلامة في التذكرة والشهيد في الذكرى انه يستحب الصبر هنيئة قبل الاستبراء، ومستنده غير واضح. قيل: وربما كان ظاهر الاخبار


= من السبيلين له عين مرئية، كالغائط والبول والمنى والودي والمذى والدم " وقال في الوجيز ج 1 ص 9: " وفى النجاسات النادرة قول انه يتعين الماء، وقيل: المذى نادر " وقال ابن قدامة الحنبلى في المغنى ج 1 ص 171: " المذى ما يخرج بشهوة فروي انه يوجب الوضوء وغسل الذكر والانثيين، وروى انه لا يجب اكثر من الاستنجاء والوضوء، والامر بالنضح وغسل الذكر والانثيين محمول على الاستحباب، والودي ما يخرج بعد البول ليس فيه إلا الوضوء " وفيه ايضا " قال حنبل سألت احمد، قلت: اتوضأ واستبرئ واجد في نفسي انى قد احدثت بعده ؟ قال: إذا توضأت فاستبرئ ثم خذ كفا من ماء فرشه على فرجك ولا تلتفت إليه، فانه يذهب ان شاء الله ". (1) و (4) في الصحيفة 502 من الجزء الاول. (2) تقدم الكلام في هذا الحديث في التعليقة 1 ص 42 ج 1 وفى التعليقة 4 ص 149 ج 1 (3) المروية في الوسائل في الباب - 37 - من ابواب النجاسات


[ 63 ]

خلافه، كما في صحيحة جميل ورواية داود الصرمي المتقدمتين (1) وفي الدلالة ما عرفت آنفا، واظهر منهما رواية روح المتقدمة (2).

(الرابع) - روى شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب البحار (3) مضمون حسنة محمد بن مسلم (4) عن كتاب السرائر نقلا من كتاب حريز قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل بال... الحديث) بادنى تفاوت لا يخل بالمقصود، ثم قال (قدس سره) في الكتاب المذكور: (والخبر يحتمل وجوها: (الاول) - ان يكون المراد بالطرف في الموضعين الذكر، وفي الحديث (نقي الطرفين) (5) وفسر بالذكر واللسان، وقال الجوهري: (قال ابن الاعرابي قولهم: (لا يدري اي طرفيه اطول، طرفاه: لسانه وذكره) (6) فيكون اشارة إلى عصرين: العصر من المقعدة إلى الذكر ونتر اصل الذكر، لكن لا يدل على تثليث الاخير، ولا يبعد ان يكون التثليث على الفضل والاستحباب (الثاني) - ان يكون المراد بالطرف في الموضعين الجانب ويكون الضميران راجعين إلى الذكر، اي يعصر من المقعدة إلى رأس الذكر، فيكون العصران داخلين فيه، والمراد بالاخير عصر رأس الذكر، فيدل على العصرات الثلاث التي ذكرها الاصحاب (الثالث) -


(1) في الصحيفة 55 و 56. (2) في الصحيفة 56 (3) ج 18 ص 49 من كتاب الطهارة. (4) المتقدمة في في الصحيفة 54 (5) رواه صاحب الوسائل في الباب - 6 - من ابواب جهاد النفس من كتاب الجهاد في حديث عن الكليني بسنده عن جابر بن عبد الله قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله " ألا اخبركم بخير رجالكم ؟ قلنا: بلى يا رسول الله قال: ان خير رجالكم التقى النقى السمح الكفين النقى الطرفين... الحديث " (6) وفى مقاييس اللغة لابن فارس ج 3 يص 447 " لا يدرى أي الطرفين اطول، يراد به نسب الام والاب. وقولهم: كريم الطرفين، يراد به هذا ".


[ 64 ]

ان يكون المراد بالاول عصر الذكر وبالثانى عصر رأس الذكر. ويضعف الاخيرين ان النتر هو الجذب بقوة لا مطلق العصر، وهو لا يناسب عصر رأس الذكر، مع انه لا يظهر من سائر الاخبار هذا العصر، قال في النهاية: (فيه إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث نتراث (1). النتر جذب فيه قوة وجفوة) انتهى (2). ثم اعلم ان الشيخ روى هذا الخبر نقلا من الكافي، وفيه (يعصر أصل ذكره إلى ذكره) ويروى عن بعض مشايخنا (رحمهم الله) انه قرأ (ذكره) بضم الذال وسكون الكاف وفسره بطرف الذكر، لينطبق على الوجه الثاني من الوجوه المذكورة. ويخدشه ان اللغويين قالوا (ذكرة السيف: حدته وصرامته) والظاهر منه ان المراد به المعنى المصدري لا الناتى من طرفيه. وبقي هنا اشكال آخر وهو انه ما الفائدة في التقييد بعدم وجدان الماء ؟ والجواب انه مجرب انه مع عدم الاستنجاء بالماء يتوهم خروج البلل ساعة بعد ساعة، بل يكون خروج دريرة البول اكثر، كما ذكر العلامة في المنتهى ان الاستنجاء بالماء يقطع دريرة البول، ففائدة الاستبراء هنا انه ان خرج بعده شئ أو توهم خروجه لا يضره ذلك اما من حيث النجاسة فلانه غير واجد للماء، واما من حيث الحدث فلانه لا يحتاج إلى تجديد التيمم ولا قطع الصلاة) انتهى كلامه علا في الفردوس مقامه. و (منها) - تعجيل الاستنجاء ولو في المبرز خصوصا من البول، لصحيحة جميل ورواية الصرمي ورواية روح، وقد تقدم جميع ذلك (3).


(1) رواه في كنز العمال ج 5 ص 83 وقال ابن قدامة في المغنى ج 1 ص 155: (وقد روى يزداد اليماني قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله): إذا بال احدكم فلينتر ذكره ثلاث نترات). (2) كلام صاحب النهاية. (3) في الصحيفة 55 و 56


[ 65 ]

و (منها) - ان يكفئ على يده قبل ادخالها الاناء ان كان الاستنجاء متوقفا على ادخالها، ويتبع ذلك بالتسمية والدعاء، لخبر عبد الرحمن بن كثير في حكاية وضوء امير المؤمنين (صلوات الله عليه) (1) حيث قال فيه: (يا محمد ائتني باناء من ماء اتوضأ للصلاة، فاتاه محمد بالماء فاكفأ بيده اليسرى على يده اليمنى، ثم قال: بسم الله والحمد لله الذي جعل الماء طهورا ولم يجعله نجسا. قال ثم استنجى فقال... الحديث) وان يكون ذلك مرة من حدث البول ومرتين من الغائط، لحسنة الحلبي برواية الكافي وصحيحته برواية التهذيب عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: (سئل كم يفرغ الرجل على يده قبل ان يدخلها في الاناء ؟ قال: واحدة من حدث البول وثنتين من الغائط...) وستأتي تتمة الكلام فذلك ان شاء الله تعالى. و (منها) - البدأة في الاستنجاء بالمقعدة قبل الاحليل، لموثقة عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: (سألته عن الرجل إذا اراد ان يستنجى بايما يبدأ: بالمقعدة أو بالاحليل ؟ فقال: بالمقعدة ثم بالاحليل) وعلله بعضهم (4) بانه لئلا تنجس اليد بالغائط عند الاستبراء. و (منها) - اختيار الماء حيث تجزئ الاحجار، ويدل عليه صحيحة جميل ابن دراج أو حسنته عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5): (قال في قول الله عزوجل: ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (6). قال: كان الناس يستنجون بالكرسف


(1) المروي في الوسائل في الباب - 16 - من ابواب الوضوء (2) المروية في الوسائل في الباب - 27 - من ابواب الوضوء (3) المروية في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب احكام الخلوة. (4) هو العلامة (قدس سره) في المنتهى كما نقله الشيخ البهائي (عطر الله مرقده) في مفتاح الفلاح (منه رحمه الله) (5) المروية في الوسائل في الباب - 34 - من ابواب احكام الخلوة (6) سورة البقرة الآية 223.


[ 66 ]

والاحجار، ثم احدث الوضوء وهو خلق كريم، فامر به رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصنعه، فانزل الله تعالى في كتابه: ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) وصحيحة هشام بن الحكم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا معشر الانصار ان الله قد احسن عليكم الثناء فماذا تصنعون ؟ قالوا نستنجي بالماء). وصحيحة مسعدة بن زياد عن جعفر عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) (2) (ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال لبعض نسائه: مري نساء المؤمنين ان يستنجين بالماء ويبالغن، فانه مطهرة للحواشي ومذهبة للبواسير). والجمع بين المطهرين اكمل، لمرفوعة احمد المتقدمة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: (جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة احجار ابكار ويتبع بالماء). واطلاق الرواية يدل على استحباب الجمع فيما يتعين فيه الماء كما في صورة التعدي وفيما تجزئ فيه الاحجار، وبذلك صرح في المعتبر، قال: (لانه جمع بين مطهرين بتقدير أن لا يتعدى، واكمال في الاستظهار بتقدير التعدي) وظاهر الشهيد في الذكرى التخصيص بالتعدي. وكيف كان فالظاهر تقديم الاحجار، للتصريح به في الرواية، ولما فيه من تنزيه اليد عن مباشرة النجاسة. واورد السيد في المدارك على اصل الحكم اشكالا، قال (قدس سره): (واورد على هذا الحكم ان الازالة واجبة اما بالماء أو بالاحجار وجوبا تخييريا، فكيف يكون احدهما أفضل من الآخر، بل قد صرحوا في مثل ذلك باستحباب


(1) المروية في الوسائل في الباب - 34 - من ابواب احكام الخلوة. (2) المروية الوسائل في الباب - 9 - من ابواب احكام الخلوة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 30 - من ابواب احكام الخلوة


[ 67 ]

ذلك الفرد الافضل، ومنافاة المستحب للمواجب واضحة. واجيب عنه بان الوجوب التخييري لا ينافي الاستحباب العيني، لان متعلق الوجوب في التخييري ليس امرا معينا بل الامر الكلي، فتعلق الاستحباب بواحد منهما لا محذور فيه. وفيه نظر، فانه ان اريد بالاستحباب هنا المعنى العرفي - وهو الراجح الذي يجوز تركه لا إلى بدل - لم يمكن تعلقه بشئ من افراد الواجب التخييري، وان اريد به كون أحد الفردين الواجبين اكثر ثوابا من الآخر فلا امتناع فيه كما هو ظاهر) انتهى كلامه زيد مقامه. اقول: ما ذكره (قدس سره) من النظر يمكن الجواب عنه بالتزام الشق الاول من الترديد، قوله: انه هو الراجح الذي يجوز تركه لا إلى بدل، وما هنا إنما يجوز تركه مع الاتيان بمبدله. قلنا: الاستحباب هنا إنما تعلق بالفرد الكامل من افراد ذلك الواجب المخير، وهو من حيث اتصافه بصفة الكمال يجوز تركه لا إلى بدل، إذ لا يقوم مقامه في الكمال غيره من تلك الافراد، واتصاف تلك الافراد الباقية بالبدلية عنه إنما هو من حيث أصل الوجوب، بمعنى ان كلا منها بدل عنه في الوجوب لا في الاستحباب والكمال، غاية الامر ان ذلك الفرد الكامل متصف بالوجوب والاستحباب باعتبارين، فانه باعتبار كونه أحد افراد الواجب المخير ولا يجوز تركه لا إلى بدل يكون متصفا بالوجوب، وباعتبار الخصوصية الكمالية التي لا توجد إلا فيه فيجوز تركه لا إلى بدل يكون مستحبا. ويمكن الجواب ايضا باختيار الشق الثاني وان كان فيه خروج عن المعنى المصطلح إلا انه لا محذور فيه، فقد صرح به جملة من اجلاء الاصحاب: منهم - جده (قدس سره) في روض الجنان. واجاب بعض فضلاء متأخري المتأخرين بان الوجوب هنا إنما هو صفة الطبيعة، وكون خصوص فرد منها مستحبا لا خفاء في صحته، قال: (وما عرض له من الشبهة - من انه لا يجوز تركه لا إلى بدل فكيف يكون مستحبا ؟ - فمندفع بان التحقيق ان


[ 68 ]

الواجب ما يكون تركه سببا لاستحقاق العقاب لا تركه لا إلى بدل، لان ما يكون له بدل ليس بواجب في الحقيقة بل الواجب احدهما، فزيادة هذا القيد في تعريف الواجب اما بناء على ما هو المترآى في اول الوهلة، أو غفلة عما هو الحق، أو يكون المراد منه ما هو المراد بقولهم بوجه ما في تعريف الواجب لتدخل الواجبات المشروطة. وعلى هذا لا يكون الفرد واجبا بل الواجب هو الطبيعة، لان ترك الفرد ليس سببا لاستحقاق العقاب، بل السبب إنما هو ترك الطبيعة، فيمكن استحبابه). ويشكل بان الفرد متحد بالطبيعة خارجا فيكون واجبا بوجوبها فكيف يكون مستحبا ؟ بل التحقيق في الجواب هو ما قدمنا. و (منها) - الاعتماد على اليسرى، ذكره جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) ولم اقف فيه على نص، واسنده في الذكرى إلى رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) (1). وقال العلامة في النهاية: (لانه (عليه السلام) علم اصحابه الاتكاء على اليسار) وهما اعلم بما قالا. و (منها) - اعداد الاحجار، ولم اقف فيه على نص سوى ما نقل في الذكرى انه روي عنه (صلى الله عليه وآله) (إذا ذهب احدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار، فانها تجزئ) (2) والظاهر ان الروايتين في هذا الموضع والذي قبله من طريق الجمهور، فاني بعد التتبع لكتب الاخبار - ولا سيما البحار الجامع لما شذ عن الكتب


(1) في مجمع الزوائد للهيثمي ج 1 ص 206 عن الطبراني في الكبير عن رجل من بنى مدلج عن ابيه قال: " جاء سرافة بن مالك بن جعشم من عند النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: علمنا رسول الله كذا وكذا. فقال رجل كالمستهزئ: اما علمكم كيف تخرؤون ؟ فقال: بلى والذى بعثه بالحق لقد امرنا ان نتوكأ على اليسرى وان ننصب اليمنى " (2) في سنن البيهقى ج 1 ص 103 عن عروة عن عائشة ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " إذا ذهب احدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة احجار ليستطيب بهن فانها تجزئ، عنه ".


[ 69 ]

الاربعة من الاخبار - لم اقف عليهما، وكان اصحابنا - لما اشتهر بينهم من التساهل في ادلة السنن - يعتمدون على امثال ذلك. وهو تساهل خارج عن السنن.

المورد الرابع في المكروهات و (منها) - التخلي في أحد هذه الاماكن: شطوط الانهار، ومساقط الثمار، والطرق النافذة، ومواضع اللعن، ومنازل النزال، وافنية المساجد. ففي صحيح عاصم بن حميد عن ابي عبد الله (عليه السلام) المروي في الكافي (1) قال: (قال رجل لعلي بن الحسين (عليهما السلام): اين يتوضأ الغرباء ؟ قال: تتقى شطوط الانهار، والطرق النافذة، وتحت الاشجار المثمرة، ومواضع اللعن. فقيل له: واين مواضع اللعن ؟ قال: ابواب الدور). وفى مرفوعة علي المتقدمة (3) - في مسألة الاستقبال والاستدبار بالتخلي - الامر باجتناب افنية المساجد وشطوط الانهار ومساقط الثمار ومنازل النزال. وفى رواية السكوني عن جعفر عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) (3): (قال نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان يتغوط على شفير بئر ماء يستعذب منها، أو نهر يستعذب، أو تحت شجرة فيها ثمرتها). وفي رواية الكرخي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاثة ملعون من فعلهن: المتغوط في ظل النزال،


(1) ج 1 ص 6 وفى الوسائل في الباب - 15 - من ابواب احكام الخلوة. (2) في الصحيفة 39 (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب احكام الخلوة.


[ 70 ]

والمانع الماء المنتاب (1) والساد الطريق المسلوك). وروى الصدوق في الخصال (2) بسند معتبر عن الصادق (عليه السلام) عن امير المؤمنين السلام) في جملة حديث: (لا تبل على المحجة ولا تتغوط عليها). وظاهر الاصحاب سيما المتأخرين الحكم بالكراهية في الجميع، إلا ان الشيخ المفيد في المقنعة عبر في هذه المواضع بعدم الجواز، وابن بابويه في الفقيه عبر بذلك في فئ النزال وتحت الاشجار المثمرة، قال شيخنا صاحب كتاب رياض المسائل - بعد نقل ذلك عنهما - ما لفظه: (والجزم بالجواز - مع ورود النهي والامر واللعن في البعض مع عدم المعارض سوى اصالة البراءة - مشكل) انتهى. وهو جيد الا انه كثيرا ما قد تكرر منهم (صلوات الله عليهم) في المحافظة على الوظائف المسنونة من ضروب التأكيدات في الاوامر والنواهي ما يكاد يلحقها بالواجبات والمحرمات، كما لا يخفى على من تتبع الاخبار وجاس خلال تلك الديار. على ان اللعن هو البعد من رحمة الله وهو كما يحصل بفعل المحرم يحصل بفعل المكروه ولو في الجملة. وتقييد الطرق بالنافذة احتراز عن المرفوعة، فانها ملك لا ربابها، فيحرم التخلي فيها قطعا. وربما كان في ذلك اشعار بالكراهة. وفي بعض عبائر الاصحاب - كالشهيد في الدروس - ذكر الافنية من غير تقييد بالمساجد، ولم نقف له على دليل وراء ما ذكرنا. واحتمل بعض المتأخرين في معنى مواضع اللعن انه هو كل موضع يلعن المتغوط بالجلوس فيه، وحمل تفسيره (عليه السلام) على التمثيل ببعض الافراد. وفسر جماعة من المتأخرين الاشجار المثمرة في هذا المقام بمامن شأنها ذلك وان لم تكن مثمرة بالفعل بل وان لم تثمر في وقت ما، استنادا إلى صدق الاسم بناء على انه


(1) يعنى بالمنتاب المباح الذي يعتوره المارة على النوبة. بيان الوافى (منه رحمه الله). (2) ص 170 وفى الوسائل في الباب - 15 - من ابواب احكام الخلوة.


[ 71 ]

لا يشترط في صدق المشتق بقاء مأخذ الاشتقاق. وفيه (اولا) - ان صدق هذا المشتق إنما يقتضي جواز اطلاق المثمرة على ما اثمرت في وقت ما وان لم تكن مثمرة في الحال، لا اطلاقها على ما من شأنها ذلك لانه لا خلاف في ان اطلاق المشتق على ما سيتصف بمبدأ الاشتقاق مجاز البتة. و (ثانيا) - ان المسألة المذكورة وان كان مما طال فيها الجدال وانتشرت فيها الاقوال حتى في تحريم محل النزاع، كما فصلنا ذلك في المقدمة التاسعة - إلا ان التحقيق انه ان جعل موضع النزاع ما هو اعم من المشتق أو ما جرى مجراه مع طرو الضد الوجودي وعدمه، فالحق هو القول بالاشتراط، كما هو قول جملة من علماء الاصول، واختاره المحدث الامين الاسترابادي في تعليقاته على شرح المدارك. حيث قال: الحق عندي انه لابد - في بقاء صدق المعنى الحقيقي اللغوي للمشتق على ذات - من بقاء الحالة التي هي مناط حدوث صدقه، سواء كانت الحالة المذكورة قيام مبدأ الاشتقاق أو ما يحذو حذوه، ودليلي على ذلك (اولا) - انه من الامور البينة اشتراط ذلك في كثير من الصور، كالبارد والحار والهابط والصاعد والمتحرك والابيض والاحمر والمملوك والموجود. ومن القواعد الظاهرة ان قاعدة الوضع اللغوي في كل صنف من اصناف المشتقات واحدة، ولولا البناء على القواعد الظاهرية لبطلت قواعد كثيرة من فنون العربية. و (ثانيا) - مقتضى النظر الدقيق ومذهب المحققين ان معنى المشتقات كالعالم أمر بسيط، ومقتضى ظاهر النظر ما اشتهر بين اللغويين من ان معناه شئ قام به العلم، والوجدان حاكم بانه ليس هنا بسيط يصلح سوى لا بشرط مأخذ الاشتقاق، فلابد في بقاء معناه من بقائه. ثم اعلم انه قد يصير بعض الالفاظ المشتقة حقيقة عرفية عامة أو خاصة أو مجازا مشهورا عند جماعة أو عاما فيما يعم معناه اللغوي وما في حكمه عرفا أو شرعا، ومنه: المؤمن والكافر واشباههما. ومن الامور العجيبة انه طال التشاجر بينهم في هذه المسألة من غير فصل


[ 72 ]

يقطع دابر المنازعة. ثم انه ذكر ان الذي يظهر لي من تتبع رواياتهم (صلوات الله عليهم) ان المتبادر من الحائض والنفساء في كلامهم ذات حدث الحيض وذات حدث النفاس لا ذات الدم، وهذا من باب ارادة ما يعم المعنى اللغوي وما في حكمه شرعا. ثم استدل بجملة من الاخبار على ذلك. وان جعل محل النزاع ما هو اخص - كما صرح به المحقق التفتازانى واقتفاه جماعة فيه - فما نحن فيه ليس من موضع النزاع في شئ، فان المراد بالمشتق في القاعدة المذكورة هو ما جرى على ما اشتق منه في ارادة الحدوث والتجدد لا ما خرج عنه بارادة معنى الدوام أو ذي كذا أو غير ذلك من المعاني، ألا ترى ان الصفة المشبهه بالفعل وافعل التفضيل واسم الزمان والمكان حيث لم تجر عليه في ذلك لم تصدق الا على من هو متصف به حالة الاطلاق، وإلا لزم اطلاق حسن الوجه على قبيحه وبالعكس - باعتبار ما كان - اطلاقا على جهة الحقيقة، وكذلك ما كان من صيغ اسم الفاعل مسلوكا به مسلك الصفة المشبهة ونحوها في عدم ارادة الحدوث، سواء اريد منه الدوام والاستمرار كالخالق والرازق من اسمائه، أو ذي كدا مجردا كالرضيع. والمؤمن والكافر والحائض أو مع الكثرة كاللابن والتامر. والظاهر ان لفظ (المثمرة) بمعنى ذات الثمرة، من اثمرت النخلة إذا صار فيها الثمر، كاتمرت إذا صار فيها التمر، واطعمت اي صار فيها ما يطعم. ويرشد إلى ما قلنا تعليق عدم الاشتراط على صفة الاشتقاق في قولهم: المشتق لا يشترط في صدقه بقاء مأخذ الاشتقاق. والتعليق على الوصف يشعر بالعلية والمعنى ان المشتق من حيث كونه مشتقا لا يشترط... الخ، وما نحن فيه لم يبق على حيثية الاشتقاق بل سلك به مسلك الجوامد ولم يجر مجرى ما اشتق منه. و (ثالثا) - استفاضة الاخبار عنهم (صلوات الله عليهم) بان مورد النهي في هذا المقام الشجرة المثمرة بالفعل.


[ 73 ]

ومن ذلك ما رواه في الفقيه (1) مرسلا وفى كتاب العلل (2) مسندا عن الباقر (عليه السلام) قال: (ان لله عزوجل ملائكة وكلهم بنبات الارض من الشجر والنخل، فليس من شجرة ولا نخلة إلا ومعها من الله عزوجل ملك يحفظها وما كان منها. ولولا ان معها من يمنعها لاكلتها السباع وهوام الارض إذا كان فيها ثمرتها، قال: وإنما نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان يضرب أحد من المسلمين خلاء تحت شجرة أو نخلة قد اثمرت لمكان الملائكة الموكلين بها. قال: ولذلك يكون الشجر والنخل انسا إذا كان فيه حمله، لان الملائكة تحضره). و (رابعا) - وهو الحق - عدم بناء الاحكام على مثل هذه القواعد المختلة النظام المنحلة الزمام، كما تقدمت الاشارة إليه في المقدمة التاسعة (3). و (منها) - استقبال جرم الشمس والقمر، لرواية الكاهلي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يبولن أحدكم وفرجه باد للقمر يستقبل به). ورواية السكوني عن جعفر عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) (5) قال: (نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان يستقبل الرجل الشمس والقمر بفرجه وهو يبول) وما رواه في الفقيه في باب ذكر جمل من مناهي النبي (صلى الله عليه وآله) (6) عن امير المؤمنين (عليه السلام) عنه (صلى الله عليه وآله) وفيه انه (نهى ان يبول الرجل وفرجه باد للشمس أو القمر).


(1) ج 1 ص 21، وفى الوسائل من قوله: إنما نهى... الخ في الباب - 15 - من ابواب احكام الخلوة. (2) في الصحيفة 102 (3) في الصحيفة 124 من الجزء الاول. (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 25 - من ابواب احكام الخلوة. (6) في اول الجزء الرابع، وفى الوسائل في الباب - 25 - من ابواب احكام الخلوة


[ 74 ]

وظاهر هذه الاخبار التحريم لظاهر النهي فيها إلا ان المشهور بين الاصحاب الحكم بالكراهة. وظاهر المفيد - حيث عبر في المقنعة بعدم الجواز - التحريم. ويمكن حمل النهي المذكور على الكراهة بقرينة خلو مرفوعه علي بن ابراهيم المتقدمة (1) في النهى عن استقبال القبلة واستدبارها عن ذلك، مع قوله في آخرها: (وضع حيث شئت) وكذلك مرفوعة عبد الحميد ومرفوعة محمد المتقدمتان ثمة (2) حيث تضمنتا السؤال عن حد الغائط ولم يذكرا استقبال الجرمين فيه، فظاهر هما الخروج من الحد المذكور واقله عدم التحريم ثم ان ظاهر الاخبار المذكورة اختصاص الحكم المذكور بالبول دون الغائط،. ظاهر الاكثر التعميم، وبه صرح الشهيد في الدروس والذكرى، والعلامة في القواعد والمفيد في المقنعة. واحتمل بعض محققي متأخري المتأخرين كون الاقتصار على البول في الاخبار لكونه أعم من الغائط وجودا، لعدم انفكاكه عنه غالبا ووجوده بدون الغائط كثيرا، أو للتنبيه بالاضعف على الاقوى. وفيهما ما لا يخفى. وكذا ظاهر الاخبار اختصاص ذلك بالاستقبال دون الاستدبار، ولذلك خصه بعض الفقهاء بذلك، بل نقل عن العلامة في النهاية انه صرح بعدم كراهية الاستدبار، واستظهره في المدارك. لكن روى الكليني (3) مرفوعا مضمرا: (لا تستقبل الشمس ولا القمر) وابن بابويه في الفقيه (4) كذلك: (لا تستقبل الهلال ولا تستدبره) فيمكن فهم حكم الغائط من الاولى، لان الظاهر انها متعلقة بحد الغائط، ويفهم من الثانية عدم اختصاص الحكم بالقمر، كما هو المصرح به في كلامهم، لعدم تناوله للهلال، إذ هو مخصوص بما قبل الاستدارة والقمر بما بعدها. واستند بعض


(1) و (2) في الصحيفة 39 (3) ج 1 ص 6 وفى الوسائل في الباب - 25 - من ابواب احكام الخلوة. (4) ج 1 ص 18 وفى الوسائل في الباب - 25 - من ابواب احكام الخلوة.


[ 75 ]

فضلاء متأخري المتأخرين إلى استفادة حكم الاستدبار من هذه الرواية، وعضدها بقوله سبحانه: (ومن يعظم شعائر الله...) (1) وفيه ما لا يخفى. و (منها) - استقبال الريح واستدبارها، لقوله (عليه السلام) في مرفوعة عبد الحميد المتقدمة (2) بعد السؤال عن حد الغائط: (ولا تستقبل الريح ولا تستدبرها) ومثلها مرفوعة محمد (3) ايضا. ومورد الخبرين وان كان هو الغائط إلا انه يمكن فهم حكم البول منه بناء على ان المراد منه المعنى اللغوي بالتقريب الذي ذكروه في دلالة قوله تعالى: (أو جاء احد منكم من الغائط...) (4) وحينئذ بالتعميم ظاهر، بل الظاهر ان المفسدة في استقبال الريح واستدبارها بالبول أشد، فيندرج من باب مفهوم الموافقة على القول به والعجب من جماعة حيث خصوا الكراهة بالبول معللين له بخوف الرد، والرواية - كما ترى - إنما وردت في الغائط خالية من التعليل. وخصوا الحكم بالاستقبال ايضا نظرا إلى التعليل، مع تصريح الرواية بالاستدبار. والتقريب في الكراهة ما تقدم في مرفوعة علي بن ابراهيم (5). و (منها) - السواك، لما رواه الشيخ في التهذيب (6) مضمرا وفي الفقيه (7) مرسلا عن الكاظم (عليه السلام) قال: (السواك في الخلاء يورث البخر). و (منها) - طول الجلوس على الخلاء، لرواية محمد بن مسلم (8) قال: (سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: (قال لقمان لابنه: طول الجلوس على الخلاء يورث الناسور، قال: فكتب هذا على باب الحش) والناسور بالنون والسين المهملة والراء اخيرا: علة في حوالي المقعدة. وفي بعض النسخ بالباء الموحدة وجمعه بواسير، وهو معروف


(1) سورة الحج. الآية 34 (2) و (3) و (5) في الصحيفة 39 (4) سورة النساء والمائدة، الآية 47 و 10. (6) ج 1 ص 10 (7) ج 1 ص 32، وفى الوسائل في الباب - 21 - من ابواب احكام الخلوة (8) المروية في الوسائل في الباب - 20 - من ابواب احكام الخلوة


[ 76 ]

و (منها) - استصحاب خاتم فيه اسم الله تعالى أو شئ من القرآن. ويدل عليه رواية ابي ايوب (1) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ادخل الخلاء وفي يدي خاتم فيه اسماء الله ؟ قال: لا ولا تجامع فيه). ورواية ابي القاسم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (قلت له: الرجل يريد الخلاء وعليه خاتم فيه اسم الله تعالى ؟ فقال: ما احب ذلك. قال: فيكون اسم محمد ؟ قال: لا بأس). وموثقة عمار الساباطي الآتية (3) حيث قال فيها: (ولا يستنجي وعليه خاتم فيه اسم الله، ولا يجامع وهو عليه، ولا يدخل المخرج وهو عليه). ورواية علي بن جعفر المروية في كتاب قرب الاسناد (4) عن اخيه موسى (عليه السلام) قال: (سألته عن الرجل يجامع ويدخل الكنيف وعليه الخاتم فيه ذكر الله أو شئ من القرآن، أيصلح ذلك ؟ قال: لا). وبعض الاصحاب عبر في هذا المقام بكراهة استصحاب ما عليه اسم الله، وهذه الروايات كلها مختصة بالخاتم، ولم نقف على غيرها في المسألة. وقال في الفقيه (5): (ولا يجوز للرجل ان يدخل الخلاء ومعه خاتم عليه اسم الله أو مصحف فيه القرآن، فان دخل وعليه خاتم عليه اسم الله فليحوله عن يده اليسرى إذا اراد الاستنجاء) وظاهر كلامه مؤذن بالتحريم كما ترى. و (منها) - استصحاب دراهم بيض غير مصرورة، لرواية غياث عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (6) انه (كره ان يدخل الخلاء ومعه درهم أبيض الا ان يكون مصرورا). وقيده بعض الاصحاب بما يكون عليه اسم الله تعالى. وهو حسن.


(1) و (2) و (3) و (6) المروية في الوسائل في الباب - 17 - من ابواب احكام الخلوة. (4) في الصحيفة 121 وفى الوسائل في الباب - 17 - من ابواب احكام الخلوة. (5) ج 1 ص 20.


[ 77 ]

و (منها) - الكلام - على المشهور - إلا ما استثنى مما سيأتي تفصيله. وقال في الفقيه (1): (لا يجوز الكلام على الخلاء، لنهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن ذلك) ويدل على النهى عن ذلك رواية صفوان عن الرضا (عليه السلام) (2) قال: (نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان يجيب الرجل آخر وهو على الغائط أو يكلمه حتى يفرغ). وروى الصدوق في الفقيه (3) مرسلا وفي العلل مسندا عن ابي بصير قال: (قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): لا تتكلم على الخلاء، فان من تكلم على الخلاء لم تقض له حاجة). واستثني من ذلك ذكر الله تعالى وتحميده وقراءة آية الكرسي وحكاية الاذان. ويدل على الاول صحيحة ابي حمزة عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: (مكتوب في التوراة التي لم تغير ان موسى (عليه السلام) سأل ربه فقال: الهي انه يأتي علي مجالس اعزك واجلك ان اذكرك فيها. فقال: يا موسى ان ذكري حسن على كل حال) وبمضمونها اخبار اخر ايضا. وعلى الثاني ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد (5) عن مسعدة بن صدقة عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) قال: إذا عطس أحدكم وهو على الخلاء فليحمد الله في نفسه).


(1) ج 1 ص 21 (2) المروية في الوسائل في الباب - 6 - من ابواب احكام الخلوة (3) ج 1 ص 21 وفى العلل ص 104 وفى الوسائل في الباب - 6 - من ابواب احكام الخلوة (4) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب احكام الخلوة وفى الباب - 1 - من ابواب الذكر (5) في الصحيفة 36 وفى الوسائل في الباب - 7 - من ابواب احكام الخلوة.


[ 78 ]

وعلى الثالث صحيحة عمر بن يزيد (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التسبيح في المخرج وقراءة القرآن. فقال: لم يرخص في الكنيف اكثر من آية الكرسي ويحمد الله أو آية الحمد لله رب العالمين) (2). والظاهر حمل عدم الرخصة فيما زاد على ذلك على تأكد الكراهة، لصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته أتقرأ النفساء - والحائض والجنب والرجل يتغوط - القرآن ؟ قال: يقرؤون ما شاءوا) ولاخبار الذكر المتقدمة. وعلى الرابع صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) انه قال: (يا ابن مسلم لا تدعن ذكر الله على كل حال، ولو سمعت المنادي ينادي بالاذان وانت على الخلاء فاذكر الله عزوجل وقل كما يقول المؤذن) رواه الصدوق في الفقيه والعلل (5) وروى في العلل (6) ايضا مثله عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام). وروى فيه (7) ايضا عن سليمان عن مقبل عن ابي الحسن موسى (عليه السلام) كذلك، وذكر فيه ان ذلك مستحب، وان العلة فيه انه يزيد في الرزق. وبذلك يظهر لك ما في كلام جملة من المتأخرين: منهم - شيخنا الشهيد الثاني (رحمه الله) حيث لم يقفوا على النصوص المذكورة، إذ كان نظرهم غالبا مقصورا على مراجعة التهذيب، وهو خال عن ذلك، فانكروا وجود النص في المسألة، ونسبه الشهيد الثاني في الروضة إلى المشهور ايذانا بذلك، واستشكل في الاستدلال عليه


(1) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب احكام الخلوة (2) سورة الفاتحة. الآية 1 (4) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب احكام الخلوة وفى الباب - 45 - من ابواب الاذان (5) رواه في الفقيه ج 1 ص 187 وفى العلل ص 104 (6) و (7) في الصحيفة 104 وفي الوسائل في الباب - 8 - من ابواب احكام الخلوة.


[ 79 ]

باحاديث الذكر، لعدم شمولها الحيعلات إلا ان تبدل بالحولقة، كما صرح به في الروض. وظاهر الرواية المتقدمة (1) - وكذا رواية ابي بصير المشار إليها آنفا (2) حيث قال فيها: (فقل مثل ما يقول المؤذن، ولا تدع ذكر الله عزوجل في تلك الحال، لان ذكر الله حسن على كل حال) - كون مجموع فصول الاذان داخلا في الذكر من الحيعلات وغيرها، ولعل دخولها تغليبا أو يحمل الذكر على ما يشملها. وما اعتذر به عنه بعض فضلاء متأخري المتأخرين - من ان مراده من عدم النص في عبارة الروض يعني بالنسبة إلى الحيعلات - فتكلف بعيد. وزاد الاصحاب الكلام لحاجة ضرورية استنادا إلى رفع الحرج، ورد السلام، والصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) والحمد بعد العطاس. ووجه الجميع ظاهر. وكأنهم لم يقفوا على خصوص ما ورد في الاخير مما قدمنا نقله فرجعوا فيه إلى الادلة المطلقة. و (منها) - الاستنجاء باليمين، لنهي النبي (صلى الله عليه وآله) والوارد في مرسلة يونس عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) وفي رواية السكوني (4) ايضا معللا فيها بكونه من الجفاء، وكذا رواه الصدوق (5) مرسلا، ثم قال: (وقد روى انه لا بأس إذا كانت اليسار معتلة). و (منها) - الاستنجاء باليسار وفيها خاتم عليه اسم الله، ويدل على ذلك موثقة عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال: (لا يمس الجنب درهما ولا دينارا عليه اسم الله، ولا يستنجي وعليه خاتم فيه اسم الله... الحديث).


(1) و (2) في الصحيفة 78 (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 12 - من ابواب احكام الخلوة (5) في الفقيه ج 1 ص 19 وفى الوسائل في الباب - 12 - من ابواب احكام الخلوة. (6) المروية في الوسائل في الباب - 17 - من ابواب احكام الخلوة.


[ 80 ]

ورواية الحسين بن خالد عن ابي الحسن الثاني (عليه السلام) (1) قال: (قلت له: انا روينا في الحديث ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يستنجي وخاتمه في اصبعه، وكذلك كان يفعل امير المؤمنين (عليه السلام) وكان نقش خاتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) (محمد رسول الله). قال: صدقوا. قلت: ينبغي لنا ان نفعل ذلك ؟ فقال: ان اولئك كانوا يتختمون في اليد اليمنى وانتم تتختمون في اليد اليسرى). ومثلها روايته الاخرى المروية في العيون والمجالس (2) وفي آخرها (فاتقوا الله وانظروا لانفسكم...). ورواية ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: (قال امير المؤمنين (عليه السلام): من نقش على خاتمه اسم الله فليحوله عن اليد التي يستنجى بها في المتوضأ). واما روراية وهب بن وهب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: (كان نقش خاتم ابى (العزة لله جميعا) وكان في يساره يستنجي بها، وكان نقش خاتم امير المؤمنين عليه السلام (الملك لله) وكان في يده اليسرى يستنجى بها) - فالظاهر ردها، لدلالة روايتي الحسين بن خالد (5) على نفي ذلك وان تختمهم (عليهم السلام) إنما هو في اليمين. مضافا إلى استفاضة الاخبار باستحباب التختم باليمين (6). وراوي الرواية المذكورة عامي خبيث بل من اكذب البرية على جعفر بن محمد (عليهما السلام) كما


(1) و (3) و (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 17 - من ابواب احكام الخلوة. (2) رواها في العيون في الصحيفة 217 وفى المجالس في الصحيفة 273 وفى الوسائل في الباب - 17 - من ابواب احكام الخلوة (6) رواها صاحب الوسائل في الباب - 49 - من ابواب احكام الملابس.


[ 81 ]

صرح به علماء الرجال (1). ومع التنزل عن ذلك فهي محمولة على التقية (2).


(1) في فهرست الشيخ الطوسى ص 173 ورجال النجاشي ص 303 ورجال الكشى ص 199 واخلاصة ص 129 وغيرها من كتب الرجال " ان رواياته عن ابى عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) كلها لا يوثق بها لانه كذاب وان احاديثه مع الرشيد كذب " وروى الكشى عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام) انه كذب على الله تعالى وملائكته ورسله. وعن الفضل بن شاذان انه من اكذب البرية. وفى فهرست ابن النديم ص 146 كان ضعيفا في الحديث. وفى مقاتل الطالبين لابي الفرج ص 164 طبعة ايران " تحالف هو مع مصعب بن عبد الله الزبيري ورجل من بنى مخزوم وآخر من بنى زهرة على السعاية عند الرشيد بيحى بن عبد الله بن الحسن المثنى. فجلبه الرشيد وحبسه عند مسرور في سرداب " وفى لسان العرب في مادة (لوط) " وفى حديث ابى البخترى ما ازعم ان عليا افضل من ابى بكر وعمر ولكن اجد له من اللوط ما لا اجد لاحد بعد النبي (صلى الله عليه وآله). يقال لاط حبه بقلبي أي لصق به " وفى ميزان الاعتدال للذهبي ج 3 ص 278 " وهب بن وهب بن كثير بن عبد الله بن زمعة بن الاسود بن المطلب بن اسد بن عبد العزى بن قصى، أبو البخترى روى عن هشام بن عروة وجعفر بن محمد وعنه المسيب بن واضح والربيع بن ثعلب وجماعة. سكن بغداد وولى قضاء عسكر المهدى ثم قضاء المدينة ثم ولى حريمها وصلانها، وكان متهما في الحديث، قال يحيى بن معين: كان عدو انه كذابا. وقال احمد: كان يضع الحديث. وقال البخاري سكتوا عنه " وفى تاريخ بغداد للخطيب ج 13 ص 452 " اراد الرشيد ان يصعد منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قباء اسود ومنطقة، وعظم عليه هذا، فحدثه أبو البخترى عن جعفر بن محمد ان جبرئيل هبط على النبي (صلى الله عليه وآله) بقباء اسود ومنطقة وخنجر، فكذبه ابن معين لما سمع بذلك. وكان الرشيد يطير الحمام فروى له أبو البختري عن عائشة ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يطير الحمام، فزبره وطرده، وكان النسائي يقول انه متروك الحديث. وقال احمد بن حنبل انه كذاب وهو واضع الحديث: لا سبق الا في خف أو حافر أو جناح " وذكر ابن حجر في لسان الميزان ج 6 ص 231 كلمات العلماء في كذبه وانه يروى المنكرات. اقول: روى في الفقيه ج 1 ص 163 حديث هبوط جبرئيل مرسلا مع زيادة. (2) في مقتل الحسين للعلامة المقرم ص 443 من الطبعة الثانية عن المدخل لابن الحاج =


[ 82 ]

واما المناقشة في عدم صراحة الخبر في كون الخاتم في اليسرى حالة الاستنجاء - كما ذكره في رياض المسائل - فظني انه بعيد. وابعد منه حمل الرواية على الجواز بعد ما عرفت. والعجب هنا من المولى الاردبيلي (قدس سره) حيث قال - بعد ان استدل على الجواز بهذه الرواية -: (ويمكن استفادة استحباب التختم باليسار، وعدم تحريم التنجيس ايضا، إلا ان يكون ذلك ثابتا بالاجماع ونحوه، أو يحمل على عدم وصول النجاسة إليه) انتهى. ولا اراك في ريبة من ضعف هذا الكلام بعد التأمل في المقام. والحق جملة من الاصحاب باسمه تعالى هنا اسماء الانبياء والائمة (عليهم السلام) والظاهر ان المستند في ذلك التعظيم. ولا بأس به. لكن رواية ابي القاسم المتقدمة (1) في حكم استصحاب الخاتم الذي عليه اسم الله في الخلاء صرحت بنفي البأس في استصحاب خاتم عليه اسم النبي (صلى الله عليه وآله) وحينئذ فما عداه بطريق اولى، فالقول بالالحاق هنا دون هناك - مع الاشتراك في العلة المذكورة - مما لا وجه له، مع ان الصدوق (رحمه الله) في المقنع صرح بنفي البأس عن عدم نزع الخاتم فيه اسم محمد (صلى الله عليه وآله) حال الاستنجاء بعد ان نهى عن الاستنجاء وعليه خاتم عليه اسم الله حتى يحوله. وقد ذكر الاصحاب ايضا ان الكراهة إنما هو عند عدم التلوث بالنجاسة،


= ج 1 ص 46 " ان السنة وردت كل مستقذر يتناول بالشمال، وكل طاهر يتناول باليمين، ولاجل هذا المعنى كان المستحب التختم بالشمال، فانه يأخذ الخاتم بيمينه ويجعله في شماله " وفى الفتاوى الفقهية لابن حجر الهيثمى ج 1 ص 264 " كان مالك يكره التختم باليمين، وبالغ الباجى بترجيح ما عليه مالك من التختم باليسار " وفى روح الببان للشيخ اسماعيل البروسوي ج 4 ص 142 نقلا عن عقد الدرر " ان السنة في الاصل التختم باليمين، ولما كان ذلك شعار أهل البدعة والظلمة صارت السنة ان يجعل الخاتم في خنصر اليد اليسرى في زماننا ". (1) في الصحيفة 76


[ 83 ]

وإلا فيحرم بل يكفر فاعله لو فعله بقصد الاهانة. وهو جيد. و (منها) - الاستنجاء باليسار وفيها خاتم فصه من حجر زمزم، ويدل عليه رواية علي بن الحسين (1) - وهو ابن عبد ربه على الظاهر وقد صرح به في الكافي - قال: (قلت له: ما تقول في الفص يتخذ من حجارة زمزم ؟ قال: لا بأس به، ولكن إذا اراد الاستنجاء نزعه) وربما وجد في بعض نسخ الكافي والتهذيب (زمرد) مكان (زمزم) بل نسبه المحدث الكاشاني في الوافي إلى كثير من النسخ، ثم قال: (وكأنه الصواب، إذ لا تعرف حجارة يؤتى بها من زمزم) انتهى. وقال الشهيد في الذكرى بعد نقل هذه النسخة: (وسمعناه مذاكرة) وقال شيخنا المحقق في كتاب رياض المسائل بعد نقل مضمون كلام الوافي: (والظاهر ان الصواب ما عليه اكثر نسخ الكتاب وان النسخة مما اخطأت به الكتاب، لا سيما وقد اورده كذلك في كتبهم اعاظم السلف واكابر الخلف. وعدم معروفية فصوص تؤخذ من حجر زمزم لا يوجب الخروج عما عليه المعظم) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه. و (منها) - التخلي على القبور وبينها، لصحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: (من تخلى على قبر أو بال قائما أو بال في ماء، إلى ان قال: فأصابه شئ من الشيطان لم يدعه إلا ان يشاء الله. واسرع ما يكون الشيطان إلى الانسان وهو على بعض هذه الحالات...). ورواية ابراهيم بن عبد الحميد عن ابى الحسن موسى (عليه السلام) (3) قال: (ثلاثة يتخوف منها الجنون، وعد منها التغوط بين القبور).


(1) المروية في الوسائل في الباب - 36 - من ابواب احكام الخلوة (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 16 - من ابواب احكام الخلوة.


[ 84 ]

ومثله رواه في الخصال (1) في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) و (منها) - مس الذكر باليمين وقت البول، رواه الصدوق (قدس سره) في الفقيه (2) مرسلا قال: (وقال أبو جعفر (عليه السلام): إذا بال الرجل فلا يمس ذكره بيمينه) و (منها) - البول قائما، لما تقدم في صحيحة محمد بن مسلم (3) وغيرها ايضا، وفى بعضها (4) انه من الجفاء. و (منها) البول مطمحا به، لرواية السكوني عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: (نهى النبي (صلى الله عليه وآله) ان يطمح الرجل ببوله من السطح أو من الشئ المرتفع في الهواء) ومثلها رواية مسمع عنه (عليه السلام) (6). ولا ينافي ذلك ما تقدم في استحباب ارتياد مكان للبول كان يكون على مكان مرتفع من الارض، إذ الارتفاع المعتبر هناك هو بقدر ما يؤمن معه من الترشح. و (منها) - البول في الماء جاريا وراكدا، وان كان الاول اخف كراهة. وظاهر المفيد في المقنعة التحريم. ونقل عن ظاهر علي بن بابويه نفيها في الاول. ومن الاخبار الواردة في ذلك صحيحه محمد بن مسلم المتقدمة (7) وصحيحة الفضيل (8) (لا بأس بان يبول الرجل في الماء الجاري، وكره ان يبول في الماء الراكد)


(1) في الصحيفة 60 في الوسائل في الباب - 16 - من ابواب احكام الخلوة. (2) ج 1 ص 19 وفى الوسائل في الباب - 12 - من ابواب احكام الخلوة. (3) و (7) في الصحيفة 83 (4) وهو مرسل الفقيه ج 1 ص 19 وفى الوسائل في الباب - 33 - من ابواب احكام الخلوة. (5) و (6) المروية في الوسائل في الباب - 33 - من ابواب احكام الخلوة (8) المروية في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب الماء المطلق.


[ 85 ]

وفي مرسلة الفقيه (1) (ان البول في الماء الراكد يورث النسيان) ومرسلة مسمع (2) انه (نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان يبول الرجل في الماء الجاري إلا من ضرورة، وقال: ان للماء اهلا) ورواية ابي بصير ومحمد بن مسلم المروية في كتاب الخصال (3) عن الصادق عن آبائه عن امير المؤمنين (عليهم السلام) قال: (لا يبولن الرجل من سطح في الهواء ولا يبولن في ماء جار، فان فعل ذلك فأصابه شئ فلا يلومن إلا نفسه، فان للماء اهلا وللهواء اهلا) وفى رواية عنبسة بن مصعب (4) قال: (لا بأس به إذا كان الماء جاريا) وكذا في موثقة ابن بكير (5) ولعل هاتين الروايتين مع صحيحة الفضيل المتقدمة مستند علي بن بابويه فيما نقل عنه، الا ان رواية مسمع ورواية ابي بصير ومحمد بن مسلم قد صرحتا بالنهي. والجمع بما ذكرنا من كونه اخف كراهة ومورد الروايات كلها البول خاصة والحق الاصحاب به الغائط بالطريق الاولى وفيه ما لا يخفى. و (منها) - الاكل لفحوى مرسلة ابن بابويه في الفقيه (6) عن الباقر (عليه السلام): (دخل أبو جعفر (عليه السلام) الخلاء فوجد لقمة خبز في القذر، فاخذها وغسلها ودفعها إلى مملوك معه، فقال: تكون معك لآكلها إذا خرجت، فلما خرج (عليه السلام) قال للمملوك: اين اللقمة ؟ فقال: اكلتها يا بن رسول الله فقال: انها ما استقرت في جوف احد إلا وجبت له الجنة، فانت حر، فاني اكره ان استخدم رجلا من أهل الجنة) وروى القصة المذكورة في كتاب عيون اخبار الرضا (7)


(1) ج 1 ص 16 وفى الوسائل في الباب - 24 - من ابواب احكام الخلوة (2) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب احكام الخلوة (3) في الصحيفة 157 وفى الوسائل في الباب - 33 - من ابواب احكام الخلوة (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب الماء المطلق (6) ج 1 ص 18. وفى الوسائل في الباب - 39 - من ابواب احكام الخلوة (7) في الصحيفة 208 وفي الوسائل في الباب - 39 - من ابواب احكام الخلوة


[ 86 ]

باسانيد ثلاثة عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن الحسين بن علي (عليهم السلام) ولا تنافي، لامكان اتفلق ذلك لكل منهما (عليهما السلام) والتقريب ان تأخيرهما (عليهما السلام) اكل اللقمة إلى بعد الخروج - مع علمهما بانها ما استقرت في جوف أحد إلا وجبت له الجنة وعتقهما المملوك لذلك - اشعار بمرجوحية الاكل في الموضع المذكور. والحق الاصحاب الشرب. ولم اقف له على دليل. و (منها) - مباشرة الحر ذلك من زوجها، لموثقة يونس بن يعقوب (1) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): المرأة تغسل فرج زوجها ؟ فقال: ولم من سقم ؟ قلت: لا. قال: ما احب للحرة ان تفعل، فاما الامة فلا يضره).


(1) المروية في الوسائل في الباب - 38 - من ابواب احكام الخلوة.


الجزء التالي الصفحة الرئيسية  
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>