تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الثاني


 

الفصل الثاني

في الأسباب

وهي البول والغائط والريح والنوم الغالب على الحاستين وبعض أقسام الإستحاضة:

وتحقيق الكلام فيها يقتضي بسطه في أبحاث:

(الاول) - لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في سبية الثلاثة الأول مع الخروج من الموضع الطبيعي وان لم يحصل الاعتياد، بل الخروج اول مرة يكون موجبا للوضوء وان تخلف اثره لفقد شرط كالصغر، وكذا لو اتفق المخرج من غير الموضع المعتاد خلقة كما ادعى عليه في المنتهى الاجماع، وكذا لو انسد الطبيعي وانفتح غيره كما ذكره في المنتهى مدعيا عليه الاجماع ايضا، وظاهرهم ان في الجميع لا يشترط الاعتياد. اما لو لم ينسد الطبيعي وانفتح غيره فاقوال: احدها - المشهور وهو عدم النقض إلا مع الاعتياد. وثانيها - ما نقل عن الشيخ في المبسوط والخلاف من النقض بما يخرج من تحت المعدة دون ما فوقها.


[ 87 ]

وثالثها - النقض بخروج هذه الاشياء مطلقا من فوق المعدة أو تحتها مع الاعتياد وعدمه، واليه ذهب ابن ادريس. ورابعها - عدم النقض مطلقا، والى هذا القول صار بعض فضلاء متأخري المتأخرين (1) ويدل على أصل المسألة الاخبار المستفيضة، كصحيحة زرارة (2) قال: (قلت لابي جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام): ما ينقض الوضوء ؟ فقالا: ما يخرج من طرفيك الاسفلين من الدبر والذكر: غائط أو بول أو مني أو ريح والنوم حتى بذهب العقل) وصحيحة سالم ابى الفضل عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: (ليس ينقض الوضوء الا ما خرج من طرفيك الاسفلين الذين انعم الله عليك بهما. وصحيحة زرارة عن احدهما (عليهما السلام) (4) قال: (لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك أو النوم). وصحيحته ايضا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: (لا يوجب الوضوء إلا غائط أو بول أو ضرطة تسمع صوتها افسوة تجد ريحها). ورواية زكريا بن آدم (6) قال: (سألت الرضا (عليه السلام) عن الناسور أينقض الوضوء ؟ فقال: إنما ينقض الوضوء ثلاث: البول والغائط والريح) إلى غير ذلك من الاخبار والظاهر ان الحصر في هذه الاخبار اضافي بالنظر إلى ما يخرج من الاسفلين غير هذه الاشياء كالمذي واشباهه، والى ما لا يخرج منهما كالرعاف والقئ ونحوهما مما ذهب العامة إلى النقض به (7) ولعل ذلك في مقام الرد عليهم، والى ذلك تشير رواية زكريا


(1) هو الفاضل ملا محمد باقر الخراساني صاحب الذخيرة والكفاية (منه قدس سره) (2) و (3) و (6) المروية في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب نواقض الوضوء (4) المروية في الوسائل في الباب - 2 و 3 - من ابواب نواقض الوضوء (5) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من نواقض الوضوء. (7) سيأتي الكلام فيما ذهب العامة إلى انتقاض الوضوء به مما ليس بناقض عند الخاصة عند تعرض المصنف (قده) لذلك.


[ 88 ]

ابن آدم المتقدمة وموثقة ابى بصير المرادي في كتاب الخصال (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: (سألته عن الحجامة والقئ وكل دم سائل. فقال: ليس فيه وضوء إنما الوضوء مما خرج من طرفيك الذين انعم الله بهما عليك) واما حمل الحصر على معنى ان الاصل في النقض ينحصر في الخارج من السبيلين - واما غيره من النوم ومزيل العقل فانما هو لكونه مظنة لخروج شئ من تلك النواقض - فظني بعده، إذ الظاهر - كما سيأتي ان شاء الله - حدثية النوم بنفسه لا لكونه كذلك. حجة القول الاول - على ما ذكره الشهيد في الذكرى - انه مع العادة يشمله عموم الآية، وقول الصادق عليه السلام (2): (ليس ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك الذين انعم الله بهما عليك) لتحقق النعمة بها. واما مع الندور، فللاصل والخبر، إذ ليس من الطرفين. والظاهر ان مراده بالآية قوله تعالى: (أو جاء أحدكم منكم من الغائط...) (3) ومورد الآية وان كان التيمم إلا ان ظاهرها يدل على وجوب التطهير بالماء مع وجوده وان الانتقال إلى التيمم إنما هو لعدمه. واورد عليه بالمنع من شمول الآية لهذا الفرد ظاهرا، بل هي إما ظاهرة في المتعارف المعتاد لاكثر الناس وهو التغوط من الموضع المعتاد، أو مجملة بالنسبة إليه والى الاعم منه ومن المعتاد لبعض، وعلى التقديرين لا يثبت المدعى. واما شمول الرواية فغير ظاهر


(1) في الصحيفة 17 وفي الوسائل في الباب - 2 - من ابواب نواقض الوضوء. ورواها ايضا بطريق آخر عن التهذيب في الباب - 2 و 7 - من ابواب نواقض الوضوء ولكن بابدال القئ بالرعاف. (2) في صحيحة سالم ابى الفضل المتقدمة في الصحيفة 87 وقد وصف الطرفان فيها بالاسفلين (3) سورة النساء والمائدة الآية 43 و 60


[ 89 ]

لان الاصل في الاضافة العهد وكذا الموصول، وحينئذ فالظاهر ان يكونا اشارة إلى الطرفين المتعارفين المعهودين. وايضا الظاهر ان الانعام إنما يتحقق في الطرفين الطبيعيين واما غيرهما فليس من باب النعمة بل النقمة. وحجة الثاني - على ما نقل عن الشيخ في المبسوط - عموم قوله: (أو جاء أحد منكم من الغائط...) (1) وما يروى من الاخبار - ان الغائط ينقض الوضوء - يتناول ذلك، ولا يلزم ما فوق المعدة، لان ذلك لا يسمى غائطا. وجوابه يعلم مما سبق. واما قوله: (ان ما فوق المعدة لا يسمى غائطا) فاورد عليه المحقق في المعتبر انه ضعيف قال: (لان الغائط اسم للمطمئن من الارض نقل إلى الفضلة المخصوصة، فعند هضم المعدة الطعام وانتزاع الاجزاء الغذائية منه يبقى الثقل، فكيف خرج يتناوله الاسم ولا اعتبار بالمخرج في تسميته) واجاب عنه شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين بان غرض الشيخ (رحمه الله) انه إنما يسمى غائطا بعد انحداره من المعدة إلى الامعاء وخلعه الصورة النوعية الكيلوسية التي كان عليها في المعدة، اما قبل الانحدار عن المعدة فليس بغائط إنما هو من قبيل القئ، وليس مراده وقوع المخرج فيما سفل عن المعدة أو فيما علاها، إذ لا عبرة بتحتية نفس المخرج وفوقيته، بل بخروج الخارج بعد انحداره عن المعدة وصيرورته تحتها أو قبل ذلك، غايته انه - رحمه الله - عبر عما يخرج قبل الانحدار عنها بما يخرج من فوقها وعما يخرج بعده بما يخرج من تحتها، والامر فيه سهل. ولا يخفى بعده من كلام الشيخ. وانت خبير بانه على هذا التوجيه الذي ذكره (قدس سره) يرتفع الخلاف بين الشيخ وبين ابن ادريس ويصير القولان قولا واحدا. وحجة القول الثالث - على ما نقل عن قائله - عموم الآية والاخبار، ولعله اشار بالاخبار إلى ما ورد منها مطلقا بنقض الثلاثة من غير تقييد بالمخرج الطبيعي،


(1) سورة النساء والمائدة. الآية 43 و 60


[ 90 ]

كصحيحة زرارة الاخيرة ورواية زكريا بن آدم (1). وفي الآية ما تقدم. واما الاخبار فمن الظاهر البين ان الحكم فيها ليس معلقا على ذات الخارج حتى يكون الحكم دائرا مدارها، بل على صفة متعلقة بها وهي الخروج فينصرف إلى المعهود الغالب، كما يقال بظهور (حرمت عليكم الميتة...) (2) في تحريم الاكل. وحجة القول الرابع يعلم من القدح في ادلة الاقوال المتقدمة. قال شيخنا صاحب رياض المسائل (رحمه الله تعالى) (3) - بعد نقل الاقوال الثلاثة المتقدمة ونفي الوقوف على دليل يشهد للشيخ - ما لفظه: (اما قول ابن ادريس فغير بعيد عن الصواب عن صدق هذه الاسماء على الخارج عرفا، لموافقة ظاهر الكتاب (أو جاء أحد منكم من الغائط...) (4) ولا قائل بالفرق، وما ورد في بعض الاخبار - من التقييد بالطرفين الاسفلين ونحو ذلك - غير صالح لتقييد اطلاق الكتاب، لكونه خرج مخرج الغالب) انتهى. اقول: وتحقيق المقام - بتوفيق الملك العلام وبركة أهل الذكر عليهم الصلاة والسلام - ان الاستدلال بالآية هنا - بعد تسليم صحة الاستدلال بظواهر القرآن بغير ورود نص في تفسيرها - لا يخلو من خفاء، إذ ما ذكر في توجيه الاستدلال بها نوع تخريج وتخمين لا يمكن الاعتماد عليه في تأسيس حكم شرعي، واما الروايات فهي دائرة بين مطلق ناقضية الثلاثة في الجملة وبين حاصر للنقض فيما خرج من الاسفلين، فيحتمل حينئذ حمل مطلقها على مقيدها، فلا دلالة فيها حينئذ على ما ذهبوا إليه من النقض. إلا انه يقدح فيه قوة احتمال حمل الحصر على الاضافي - كما قدمنا - ردا على العامة ويحتمل - وهو الاظهر - حملها على ما تقدم من التعبير بالفرد الغالب، فانه لا يخفى - على


(1) في الصحيفة 87. (2) سورة المائدة، الآية 4. (3) وهو الشيخ احمد ابن الشيخ محمد الخطى البحراني. (4) سورة المائدة والنساء. الآية 43 و 6.


[ 91 ]

المتتبع لموارد الاخبار والمتصفح لمضامين الآثار - ان الاحكام المودعة فيها إنما هي مقصورة على ما هو الشائع المتعارف لا على الفروض النادرة، ومع عدم اظهرية هذا الاحتمال فلا أقل من الاجمال الموجب لعدم جواز الاعتماد عليها في الاستدلال وبقاء المسألة في قالب الشك والاشكال، وحينئذ فالواجب التمسك بيقين الطهارة، لقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1): (حتى يجئ من ذلك امر بين، وإلا فانه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين ابدا بالشك، ولكن ينقضه بيقين آخر). وما أجاب به بعض فضلاء متأخري المتأخرين - من عدم دلالة الحديث المذكور على مثل هذه الصورة، قال: (الذي افهم من الخبر المذكور عدم حصول الانتقاض بالشك في وجوب ما ثبت كونه حدثا، ولا يدخل فيه الشك في حديثة ما يتيقن وجوده) وقال في موضع آخر: (ان المقطوع به من الخبر هو ما ثبت كونه ناقضا لو شك في وجوده وعدمه، فانه لا يرفع يقين الطهارة قبله. واما الشك في فردية بعض الاشياء لما هو ناقض فلا دلالة في الخبر عليه) - فيه ما تقدم في المقدمة الحادية عشرة (2). وبما ذكرنا يظهر لك توجه المناقشة في الفردين الاخرين المدعى عليهما الاجماع اعني ما لو اتفق المخرج من غير الموضع المعتاد خلقة أو بعد انسداد المعتاد، فانه مع الغاء الاجماع - كما هو الحق الحقيق بالاتباع - والرجوع إلى الاخبار مع كون المراد منها ما ذكرنا من الحمل على الفرد الغالب المتعارف - يبقى حكم الفردين المذكورين مغفلا. قال السيد السند (قدس سره) في المدارك - بعد قول المصنف: (ولو اتفق المخرج في غير الموضع المعتاد نقض) - ما هذا لفظه: (هذا الحكم موضع وفاق، وفى الاخبار باطلاقها ما يدل عليه، وفى حكمه ما لو انسد المعتاد وانفتح غيره) انتهى. وفيه انه قبل هذا الكلام - بعد ان نقل كلامي الشيخ وابن ادريس واستدلالهما


(1) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب نواقض الوضوء. (2) في الصحيفة 145


[ 92 ]

بالآية - قال: وهما ضعيفان، لان الاطلاق إنما ينصرف إلى المعتاد، ولما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة، وساق الرواية الاولى مما اسلفناه من رواياته (1) ثم أردفها برواية سالم ابي الفضل (2) وحينئذ فإذا كان اطلاق الآية إنما ينصرف إلى المعتاد فاطلاق الروايات كذلك ان لم يكن اولى، لما ذكره من الروايات المصرحة بالفرد المعتاد. نعم صرح المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) انه يمكن اثبات ذلك من باب تنقيح المناط، قال: (فان احد فرديه مقبول عندنا وهو ما يفيد اليقين، فان مقتضاه هنا ان الفضلة المعينة إذا اندفعت نقضت سواء دفعتها الطبيعة من الموضع الطبيعي أو من غيره) وحينئذ فيتجه على هذا التقدير قولا الشيخ وابن ادريس، إلا ان ما ادعاه (قدس سره) من الاستدلال بهذا الدليل وافادته اليقين لا يخلو من اشكال. والاحتياط بالعمل بما ذهب إليه ابن ادريس مما لا ينبغي تركه.

تنبيهات:

(الاول) - ما ذكر من البحث هنا هل يأتي في الدماء الثلاثة والمني ؟ اما الاول فلم نقف فيه على كلام لاحد من الاصحاب. واما الثاني فقد صرحوا فيه بما يأتي ذكره في موضعه ان شاء الله تعالى.

(الثاني) - هل يتمشى الخلاف في خبثية هدا الخارج كما في حدثيته ام لا ؟ لم اقف لاحد من أصحابنا (رضوان الله عليهم) على كلام في المقام سوى شيخنا المحقق صاحب رياض المسائل (عطر الله مرقده) فانه قرب فيه الحكم بالخبثية وان لم نقل بالحدثية، قال: (لعدم وجود ما يعارض عمومات الاخبار الكثيرة الدالة على وجوب ازالة ما يسمى بولا وغائطا بالمطهرات من غير تقييد بالخروج من الطرفين) انتهى.

(الثالث) - وقع في جملة من الاخبار الواردة بنقض الريح التقييد بسماع صوتها


(1) و (2) المتقدمة في الصحيفة 87


[ 93 ]

أو وجدان ريحها (1) وعلل في بعضها (2) بان ابليس يجلس بين اليتي الرجل فيشككه. ومقتضاها عدم النقض بدون إحد الوصفين. والظاهر حملها على موضع الشك دون ما إذا تيقن الخروج، فانه ينتقض طهره وان لم يجد شيئا من ذلك. ويدل عليه ما رواه علي بن جعفر عن اخيه في كتاب المسائل (3) قال: (سألته عن رجل يكون في صلاته فيعلم ان ريحا قد خرجت ولا يجد ريحها ولا يسمع صوتها. قال: يعيد الوضوء والصلاة، ولا يعتد بشئ مما صلى إذا علم ذلك يقينا) وما رواه في كتاب فقه الرضا (4) قال (عليه السلام): (فان شككت في ريح انها خرجت منك أو لم تخرج فلا تنقض من اجلها الوضوء الا ان تسمع صوتها أو تجد ريحها، وان استيقنت انها خرجت منك فاعد الوضوء سمعت وقعها أو لم تسمع وشممت ريحها أو لم تشم).

(الرابع) - الاعتياد الذي يتحقق به النقض على القول المشهور هل عبارة عن التكرر مرتين فينقض في الثالثة. أو عن التكرر ثلاث مرات فينقض في الرابعة. أو يرجع فيه إلى العرف ؟ اقوال اختار ثالثها المحقق الثاني في شرح القواعد، وبه جزم في المدارك. وبالاول صرح الشهيد الثاني في الروض. وبالثانى صرح بعض افاضل المتأخرين. ونقل المحدث الامين الاسترابادي عن الفاضل الشيخ ابراهيم القطيفي في حاشية الارشاد انه قال: (وهل ينضبط صدق اسم العادة عرفا في عدد ؟ وجهان اقربهما ذلك


(1) رواها صاحب الوسائل في الباب - 1 - من ابواب نواقض الوضوء (2) وهو خبر عبد الرحمن بن ابى عبد الله عن الصادق (عليه السلام) المروي في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب نواقض الوضوء. (3) رواه في قرب الاسناد ص 92 وفى الوسائل في الباب - 1 - من ابواب قواطع الصلاة. (4) في الصحيفة 1


[ 94 ]

وما هو الاقرب النقض بالرابعة مع عدم تطاول الفصل زمانا في الخروج، وفي النقض بالثالثة احتمال قوي، لصدق العود بالثانية) ثم قال بعد نقله: (قلت: الظاهر ان تحقق العادة ملزم للنقض فلا يتوقف النقض على زيادة) انتهى.

(الخامس) - المفهوم من كلام جملة من الاصحاب - منهم: العلامة في التحرير - جريان ما تقدم من البحث في الريح من الموافقة للحدثين الآخرين في المواضع المجمع عليها وشرط الاعتياد في محل الخلاف، ومن كلام آخرين - منهم: العلامة في التذكرة والمختلف - تخصيص البحث بالحدثين الآخرين، حيث ذكروا الفروض المذكورة فيهما ولم يتعرضوا للريح بالكلية، وجملة من الاصحاب قد صرحوا بنقضها بالخروج من قبل الرجل والمرأة من غير تقييد بالاعتياد مع التقييد به في الحدثين الآخرين، وبعض خصه بقبل المرأة، وعلله بان له منفذا إلى الجوف فيمكن الخروج من المعدة إليه، ومن عمم في القبلين كأنه لحظ اطلاق الاخبار بالانتقاض من الخروج من الطرفين الاسفلين. وبعض منع من النقض بها من غير الدبر. والمنقول من خلاف الشيخ في المبسوط وابن ادريس في السرائر إنما هو في الحدثين الآخرين، بل نقل بعض افاضل متأخري المتأخرين عن ظاهر ابن ادريس في السرائر عدم النقض بالريح الخارج من غير الدبر. وانت خبير - بعد الاحاطة بما قدمناه - بالحكم في ذلك.

(البحث الثاني) - المشهور بين الاصحاب وجوب الوضوء بالنوم الغالب على حاستي السمع والبصر على اي حال كان: مضطجعا أو قاعدا، منفرجا أو متلاصقا وربما ظهر من كلام علي بابويه في الرسالة وابنه في المقنع عدم النقض به مطلقا، لحصرهما ما يجب اعادة الوضوء به وما ينقضه في البول والمني والغائط والريح. وهو بعيد من المذهب الا ان يحمل كلامهما على الناقض مما يخرج من الانسان، كما يشعر به قوله في المقنع بعد حصر النقض في الاربعة المذكورة: (وما سوى ذلك - من القئ والقلس والقبلة والحجامة والرعاف والمذي والودي - فليس فيه اعادة وضوء).


[ 95 ]

ويدل على الحكم المذكور الاخبار المستفضة، كقول الصادقين (عليهم السلام) في صحيحة زرارة (1) حيث سألهما عما ينقض الوضوء فقالا: (ما يخرج من طرفيك الاسفلين: من الدبر والذكر: غائط أو بول أو مني أو ريح، والنوم حتى يذهب العقل). وقوله (عليه السلام) في صحيحة عبد الحميد بن عواض (2): (من نام وهو راكع أو ساجد أو ماش على اي الحالات فعليه الوضوء). وقول الرضا (عليه السلام) في صحيحة ابن المغيرة (3) حين سئل عن الرجل ينام على دابته فقال: (إذا ذهب النوم بالعقل فليعد الوضوء). وقول الصادق (عليه السلام) في حسنة اسحاق بن عبد الله الاشعري (4): (لا ينقض الوضوء إلا حدث، والنوم حدث). وقوله (عليه السلام) في رواية الكناني (5) حين سأل عن الرجل يخفق وهو في الصلاة فقال: (ان كان لا يحفظ حدثا منه - ان كان - فعليه الوضوء واعادة الصلاة وان كان يستيقن انه لم يحدث فليس عليه وضوء ولا اعادة). وقول احدهما (عليه السلام) في صحيحة زرارة المضمرة (6) حين قال له: (الرجل ينام وهو على وضوء، أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء ؟ فقال: يا زرارة قد تنام العين ولا ينام القلب والاذن. فإذا نامت العين والاذن والقلب وجب الوضوء قلت: فان حرك إلى جنبه شئ ولم يعلم به ؟ قال: لا حتى يستيقن انه قد نام، حتى يجئ من ذلك امر بين، والا فانه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين ابدا بالشك، ولكن ينقضه بيقين آخر) إلى غير ذلك من الاخبار.


(1) المروية في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب نواقض الوضوء. (2) و (3) و (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب نواقض الوضوء (6) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب نواقض الوضوء. وقد اسندها إلى الباقر (عليه السلام) في الصحيفة 143 من الجزء الاول.


[ 96 ]

واما ما يدل بظاهره على خلاف ذلك - كموثقة سماعة المضمرة في الفقيه (1) حيث (سأله عن الرجل يخفق رأسه وهو في الصلاة قائما أو راكعا قال: ليس عليه وضوء) وما رواه فيه ايضا (2) مرسلا قال: (سئل موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل يرقد وهو قاعد، هل عليه وضوء ؟ فقال: لا وضوء عليه ما دام قاعدا ما لم ينفرج). ورواية عمران بن حمران (3) انه سمع عبدا صالحا (عليه السلام) يقول: (من نام وهو جالس لم يتعمد النوم فلا وضوء عليه). ورواية بكر بن ابي بكر الحضرمي (4) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) هل ينام الرجل وهو جالس ؟ فقال: كان أبي (عليه السلام) يقول: إذا نام الرجل وهو جالس مجتمع فليس عليه وضوء، وإذا نام مضطجعا فعليه الوضوء) - فالجواب عنه (اولا) - بان الاخبار السابقة اصح سندا، واكثر عددا واصرح دلالة، واشهر عملا، واظهر لمذهب الجمهور مخالفة (5) وللقرآن العزيز موافقة،


(1) و (2) ج 1 ص 38 وفى الوسائل في الباب - 3 - من ابواب نواقض الوضوء (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب نواقض الوضوء. (5) قال ابن قدامة الحنبلى في المغنى ج 1 ص 173: " والنوم على ثلاثة اقسام: (الاول) - نوم المضطجع، ناقض قليله وكثيره (الثاني) - نوم القاعد، ان كان كثيرا نقض رواية واحدة، وان كان يسيرا لا ينقض، وبه قال حماد والحكم ومالك والثوري واصحاب الرأى، وقال الشافعي لا ينقض وان كان كثيرا (الثالث) - نوم القائم والراكع والساجد فعن احمد روايتان: احداهما ينقض، وبه قال الشافعي وثانيتهما لا ينقض الا إذا اكثر. وذهب أبو حنيفة إلى ان النوم لا ينقض مطلقا. واختلفت الرواية عن احمد في القاعد المستند والمحتبى، وان الاتكاء الشديد ينقض، ولا حد للكثرة فانها على ما جرت به العادة " وقال في بدائع الصنائع ج 1 ص 31: " لا خلاف بين الفقهاء ان النوم مضطجعا في الصلاة وغيرها يكون ناقضا، فانه إذا نام مضطجعا استرخت مفاصله، وكذا إذا =


[ 97 ]

لما رواه ابن بكير في الموثق (1) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة...) ما يعني بذلك إذا قمتم إلى الصلاة ؟ قال: إذا قمتم من النوم قلت: ينقض النوم الوضوء ؟ فقال: نعم إذا كان يغلب على السمع ولا يسمع الصوت) بل نقل العلامة في المنتهى والشيخ في التبيان اجماع المفسرين على ذلك، وحينئذ فيحمل ما ظهر في المخالفة على التقية، ولعل في نسبته (عليه السلام) في الخبر الاخير ذلك إلى ابيه نوع اشعار بذلك، أو على ما إذا ام يبلغ إلى ما يوجب ذهاب العقل كما حمله الشيخ


= نام على أحد وركيه، لان مقعده يكون متجافيا عن الارض فكان معنى النوم مضطجعا لوجود سبب الحدث بواسطة استرخاء المفاصل وزوال مسكة اليقظه، وفى غير هاتين الحالتين لا يكون النوم حدثا سواء غلبه النوم أو تعمده كان في الصلاة أو غيرها، وقد روي عنه (صلى الله عليه وآله) " إذا نامت العينان استطلق الوكاء " اشار إلى كون للنوم حدثا، حيث جعله علة لاستطلاق الوكاء " ثم فرع على هذا المسألة النوم في الصلاة قائما أو راكعا أو ساجدا فانه لا يكون فيه استطلاق الوكاء. وكذا إذا كان خارج الصلاة فنام قائما أو راكعا أو جالسا على الارض غير مستند إلى شئ أو كان مستندا إلى جدار أو سارية أو رجل أو متكئا على يديه إذا كانت اليته مستوثقة من الارض فانه لا وضوء عليه. انتهى. وقال ابن حزم في المحلى ج 1 ص 222: " النوم في ذاته حدث ينقض الوضوء، سواء قر أو كثر، قاعدا أو قائما في صلاة أو غيرها أو راكعا أو ساجدا أو متكئا أو مضطجعا. ايقن من حواليه انه لم يحدث أو لم يوقنوا. وذهب الاوزاعي إلى ان النوم لا ينقض الوضوء كيف كان. وقال مالك واحمد ابن حنبل: من نام نوما يسيرا وهو قاعد أو راكب لم ينتقض وضوؤه، وما عدا هذه الاحوال فالقليل والكثير من النوم ينقض الوضوء. وقال الشافعي: جميع النوم ينقض الوضوء قليله وكثيره الا من نام جالسا غير زائل عن مستوى الجلوس فلا ينتقض وضوؤه. وقال أبو حنيفة: النوم لا ينقض الوضوء إلا ان يضطجع أو يتكئ على احدى اليتيه أو احدى وركيه فقط، ولا ينقضه ساجدا أو قائما أو قاعدا أو راكعا. طال ذلك أو قصر ". (1) رواه صاحب الوسائل في الباب - 3 - من ابواب نواقض الوضوء.


[ 98 ]

عليه في التهذيبين، وذلك هو ظاهر الرواية الاولى. فان مجرد خفق الرأس سيما في حال الاشتغال بالصلاة لا يعبر به عن النوم المزيل للعقل بل من السنة المتقدمة له، كما تشعر به صحيحة زرارة المتقدمة (1) ويدل عليه ما في الصحاح، حيث قال: (خفق: حرك رأسه وهو ناعس). واما نقل عن الصدوق في الفقيه - من عدم النقض بالنوم الا حالة الانفراج، بناء على ما رواه فيه من خبري سماعة وما أرسله عن الكاظم (عليه السلام) (2) - ففيه انه (قدس سره) قد صدر الباب بصحيحة زرارة المذكورة هنا (3) في صدر الروايات الدالة على النقض بالنوم من حيث كونه مذهبا للعقل، لتعليق الحكم على الوصف المشعر بالعلية، واحتمال عمله بالروايات الاخيرة مخصصة بصحيحة زرارة - كما فهمه عنه من نقل عنه القول بذلك في الكتاب المذكور - ليس اولى من عمله بالصحيحة المذكورة، حيث صدر بها الباب. وحمل ما عداها من رواية سماعة على ما هو الظاهر منها من النعاس دون النوم كما ذكرنا، ومن المرسلة الثانية على التقية، ولا ينافيه ما ذكره في اول كتابه من كونه إنما قصد ايراد ما يفتى به ويحكم بصحته، إذ من المحتمل قريبا ان مراده بما يفتى به يعني يجزم بصحته ووروده عن المعصوم وان كان له نوع تخريج وتأويل، فيصير عطف الجملة الثانية في كلامه للتفسير. وحمل مجرد روايته لبعض الاخبار الظاهرة المخالفة للمذهب كهذه الرواية ورواية الوضوء بماء الورد (4) ونحوهما على كون ذلك مذهبا له - سيما مع ايراد المعارض كما هنا - بعيد جدا. وكيف كان فالقول بذلك مردود وقائله أعلم به. ومما يدل على النقض في خصوص هذا الموضع - زيادة على ما تقدم - صحيحة


(1) و (3) في الصحيفة 95 (2) المتقدمين في الصحيفة 96 (4) وهى رواية محمد بن عيسى المتقدمة في الصحيفة 394 من الجزء الاول.


[ 99 ]

معمر بن خلاد (1) قال: (سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل به علة لا يقدر على الاضطجاع والوضوء يشتد عليه وهو قاعد مستند بالوسائد، فربما اغفى وهو قاعد على تلك الحال. قال: يتوضأ. قلت له: ان الوضوء يشتد عليه لحال علته ؟ فقال: إذا خفي عليه الصوت فقد وجب الوضوء عليه...). وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (2) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الخفقة والخفقتين. فقال: ما ادري ما الخفقة والخفقتان ؟ ان الله تعالى يقول: (بل الانسان على نفسه بصيرة) (3) ان عليا (عليه السلام) كان يقول: من وجد طعم النوم قائما أو قاعدا فقد وجب عليه الوضوء).

فوائد:

(الاولى) - ظاهر الاخبار المتقدمة ان سببية النوم للوضوء إنما هي من حيث كونه حدثا موجبا لذلك، وبه جزم بعض افاضل متأخري، ونقل ان الظاهر انه هو المشهور بين الاصحاب، لا باعتبار احتمال الحدث حالته كما ربما يفهمه بعض عبائر الاصحاب، وهذا هو المعنى المراد من حسنة اسحاق بن عبد الله الاشعري المتقدمة (4) إذ الظاهر ان غرضه (عليه السلام) بيان ان ناقضية النوم من حيث انه حدث لا من جهة انه مظنة للحدث كما زعمته العامة (5) فيكون الغرض من الخبر الرد عليهم في ذلك. وظني ان ما توهمه جملة من متأخري اصحابنا ومتأخريهم (رضوان الله عليهم) في المعنى الخبر - من الاحتمال ولزوم الاشكال في ترتيب الاشكال التي


(1) المروية في الوسائل في الباب - 4 - من ابواب نواقض الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب نواقض الوضوء. (3) سورة القيامة. الآية 15. (4) في الصحيفة 95 (5) تقدم فيما نقلناه عن بدائع الصنائع في التعليقة د ص 96 ما يؤيد ذلك وان كان قول ابن حزم في المحلى فيما نقلناه عنه في التعليقة المذكورة: " النوم في ذاته حدث " ينافى ذلك.


[ 100 ]

يبتني عليها الاستدلال حتى اوسعوا في المخرج عن ذلك دائرة الاحتمال - ليس بذلك المراد في المقام ولا المقصود لهم (عليهم السلام) إذ لا يخفى على المتتبع لجملة اخبارهم والمتطلع في احكامهم وآثارهم ان غرضهم من القاء الكلام إنما هو افادة الاحكام الشرعية وبيان المعارف الدينية دون التنبيه على الدقائق اللغوية وما لا نفع له في الدين والدنيا بالكلية وان اباه من توفرت رغبته في العلوم العقلية، وحينئذ فما ربما يشعر به ظاهر رواية الكناني المتقدمة (1) - من ترتب الوضوء على عدم حفظ الحدث منه الموهم بان نقض النوم إنما هو لاحتمال الحدث حالته - مما يجب ارتكاب التأويل فيه جمعا، بان يجعل عدم حفظ الحدث منه - ان كان - دليلا على غلبة النوم على العقل كعدم سماع الصوت مثلا. لكن روى الصدوق (قدس سره) في العلل والعيون (2) بسند معتبر عن الفضل بن شاذان في العلل التي رواها عن الرضا (عليه السلام) قال: (فان قال قائل: فلم وجب الوضوء مما خرج من الطرفين خاصة ومن النوم دون سائر الاشياء ؟ قيل: لان الطرفين هما طريق النجاسة، إلى ان قال: واما النوم فان النائم إذا غلب عليه النوم يفتح كل شئ منه واسترخى، فكان اغلب الاشياء فيما يخرج منه الريح، فوجب عليه الوضوء لهذه العلة... الحديث). وهو - كما ترى - صريح في الدلالة على ان نقض النوم انما هو لاحتمال خروج الحدث، وهو مشكل، لان قصارى ما يفيده احتمال خروج الناقض بالنوم، وهو لا ينقض يقين الطهارة، لما ثبت بالاخبار المستفيضة من عدم نقض اليقين بالشك، ولا سيما موثقة ابن بكير (3) الدالة على المنع من الوضوء حتى يستيقن الحدث. ولا ريب ان الترجيح لهذه الاخبار لصحتها سندا، وصراحتها دلالة،


(1) في الصحيفة 95 (2) رواه في العلل في الصحيفة 96، وفى العيون في الصحيفة 290، وفى الوسائل في الباب - 3 - من ابواب نواقض الوضوء. (3) الآتية في الصحيفة 101


[ 101 ]

واعتضادها بعمل الفرقة الناجية بها سلفا وخلفا في مواضع عديدة. والظاهر في الخبر المذكور ان ذكر احتمال خروج الحدث ليس على جهة العلية في النقض بل لبيان الحكمة في نقض النوم، كما في سائر العلل نقلها، فان اكثر العلل الواردة في الاخبار اما لتقريب الافهام القاصرة بالنكت البينة الظاهرة، أو لبيان الداعي إلى الفعل، أو لبيان وجه المصلحة، أو نحو ذلك، وحينئذ فلا يلزم استناد النقض إلى احتمال الحدث ليترتب عليه الاشكال المذكور.

(الثانية) - قال في التذكرة: (لو شك في النوم لم تنتقض طهارته، وكذا لو تخايل له شئ ولم يعلم انه منام أو حديث النفس، ولو تحقق انه رؤيا نقض) انتهى. وقال في المدارك بعد نقله: (وهو كذلك) انتهى. اقول: فينبغي ان يراد بالشك الذي لا يعارض به اليقين ما هو أعم منه ومن الظن، لانه المستفاد من الاخبار: ومنها - صحيحة زرارة المتقدمة (1) آخر الروايات الاولى. وموثقة عبد الله بن بكير (2) قال: (إذا استيقنت انك احدثت فتوضأ، واياك ان تحدث وضوء ابدا حتى تستيقن انك قد احدثت). وصحيحة زرارة الطويلة (3) وفيها (قلت: فان ظننت انه أصابه ولم اتيقن ذلك فنظرت فلم أر شيئا ثم صليت فرأيت فيه ؟ قال: تغسله ولا تعيد الصلاة. قلت: لم ذلك


(1) في الصحيفة 95. (2) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب نواقض الوضوء، وفى الباب - 44 - من ابواب الوضوء. والرواية - كما في كتب الحديث - يرويها عبد الله بن بكير عن ابيه عن الصادق (عليه السلام). (3) المروية في الوسائل بنحو التقطيع في الباب - 7 - و 37 و 41 و 42 و 44 - من ابواب النجاسات.


[ 102 ]

قال: لانك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت، فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا... الحديث). وحينئذ فما يظهر من كلام بعض من إلحاق الظن باليقين ليس بجيد. ثم ان في قوله: (ولو تحقق انه رؤيا نقض) نظرا نبه عليه بعض محققي متأخري المتأخرين، قال: (إذ يمكن ان تتحقق الرؤيا مع عدم ابطال السمع والعقل إذا قوي الخيال كما تشهد به التجربة، وحينئذ فالحكم بالنقض مشكل) انتهى. وهو جيد.

(الثالثة) - روى الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) (في الرجل هل ينقض وضوؤه إذا نام وهو جالس ؟ قال: ان كان يوم الجمعة وهو في المسجد فلا وضوء عليه، وذلك انه في حال ضرورة). وظاهر الخبر - كما ترى - لا يخلو من الاشكال، وحمله الشيخ (رحمه الله) على عدم التمكن من الوضوء وان عليه التيمم، قال: (لان ما ينقض الوضوء لا يختص بيوم الجمعة، والوجه فيه انه يتيمم ويصلي فإذا انفض الجمع توضأ واعاد الصلاة، لانه ربما لا يقدر على الخروج من الزحمة). واعترضه المحقق الشيخ حسن صاحب المنتقى في الكتاب المذكور بان فيما ذكره (رحمه الله) بعدا قال: (ولعل الوجه في ذلك مراعاة التقية بترك الخروج للوضوء في تلك الحال، أو عدم تحقق القدر الناقض من النوم مع رجحان احتماله بحيث لو كان في غير الموضع المفروض لحسن الاحتياط بالاعادة، وحيث انه في حال ضرورة فالاحتياط ليس بمطلوب منه) انتهى. واعترضه اخوه لامه الفاضل السيد نور الدين في شرحه على المختصر، فقال بعد نقل هذا الكلام: (ولا يخفى ان ما استبعده من حمل الشيخ ليس بابعد من هذا الحمل على كلا توجيهيه (اما الاول) فلان تحقق التقية في مثله في غاية الندور، لانه


(1) رواه في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب نواقض الوضوء.


[ 103 ]

موقف على انحصار سبب الوضوء في ذلك عند من يتقى منه، ومتى يحصل هذا الحصر مع تجويز خلافه من الحدث الذي قد لا يدركه غير صاحبه ؟ ولا شك ان الدخول في الصلاة بغير طهارة كيف كان لم يعهد جوازه في الشرع ولو مع الضرورة، كما يدل عليه ما رواه الصدوق (رحمه الله) عن مسعدة بن صدقة (1) ان قائلا قال لجعفر بن محمد (عليهما السلام): (جعلت فداك اني امر بقوم ناصبية وقد اقيمت لهم الصلاة وانا على غير وضوء، فان لم أدخل معهم في الصلاة قالوا ما شاءوا ان يقولوا، أفاصلي معهم ثم اتوضأ واصلي إذا انصرفت ؟ فقال جعفر (عليه السلام): سبحان الله اما يخاف من يصلي على غير وضوء ان تأخذه الارض خسفا ؟) على انه لو تم ذلك فلا يلائم عدم وجوب الاعادة مطلقا، للاتفاق على بطلان الصلاة مع فقد الطهارة، وربما كانت تلك الصلاة واجبة كما هو الظاهر. و (اما الثاني) - فلان حمله على عدم تيقن النقض لا يوافق تقييده بالضرورة، لانه على هذا التقدير لا شبهة في عدم وجوب الوضوء مطلقا، بل لا يسوغ الاحتياط بفعله، للنهي عن نقض اليقين بالشك وانه لا ينقض إلا بيقين آخر، كما دلت عليه زواية زرارة المتقدمة (2) وموثقة بكير بن اعين (3) صريحة في ذلك، حيث قال في آخرها: اياك ان تحدث وضوء ابدا حتى تستيقن انك قد احدثت) انتهى كلامه زيد مقامه. وفيه (اولا) - ان ما ذكره - في التوجيه الاول من معنى التقية - الظاهر انه ليس بمراد ذلك القائل، بل الظاهر ان مراده إنما هو الخوف الناشئ من التهمة بترك الصلاة لخروجه من المسجد في اثناء الصلاة، سيما مع استلزامه التخطي بين الصفوف


(1) ج 1 ص 251، وفى الوسائل في الباب - 2 - من ابواب الوضوء (2) وقد تقدمت في الصحيفة 95 (3) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب نواقض الوضوء، وفى الباب - 44 - من ابواب الوضوء، وقد تقدمت في الصحيفة 101.


[ 104 ]

المحظور عندهم، ولعل في قوله: (في تلك الحال) اشارة إلى هذا المعنى الذي ذكرناه لا التقية بالنقض بالنوم من حيث انه ليس بناقض عندهم كما توهمه. نعم ينقدح عليه ما ذكره من لزوم الدخول في الصلاة بغير وضوء مع ورود الخبر المذكور بالمنع منه وان كان تقية. إلا ان الخبر المشار إليه لا يخلو ايضا من الاشكال الموجب لضعف الاستدلال و (ثانيا) - ان ما طعن به على التوجيه الثاني غير موجه. وذلك فان الظاهر ان مراد ذلك القائل ان التقييد بالضرورة إنما هو للاحتياط بالوضوء وعدمه كما هو صريح آخر كلامه، فقول المعترض: - (لانه على هذا التقدير... الخ) - ليس في محله. قوله: (بل لا يسوغ الاحتياط بفعله... الخ) - مردود (اولا) - بعموم اخبار الاحتياط الشاملة لما نحن فيه. و (ثانيا) - بان ما استند إليه من الاخبار محمول على الوضوء بقصد الوجوب، فانه المستلزم لنقض اليقين لا مطلقا. والا لا نتقض بالوضوء المجدد مع ثبوته اجماعا نصا وفتوى.

(الرابعة) - المشهور - بل ادعى عليه غير واحد من متأخري اصحابنا الاجماع - على عد مزيل العقل من اغماء وسكر وجنون ونحوها من جملة الاسباب الموجبة للوضوء، والمذكور في كلام الشيخين في المقنعة والتهذيب - وهو الذي ادعى عليه في التهذيب الاجماع - المرض المانع من الذكر، كالمرة التي ينغمر بها العقل والاغماء، والمراد بالمانع من الذكر - كما استظهره بعض الفضلاء من كلامه - ان لا يكون الانسان معه ضابطا لما يكون منه من حدث. واما ذكر الجنون والسكر - والاستدلال عليهما بصحيحة معمر بن خلاد (1) التي استدل بها في التهذيب على ما ذكره - فهو من زيادات العلامة والشهيد (رحمهما الله تعالى) قال في التهذيب بعد نقل الرواية المذكورة: قوله (عليه السلام): (إذا خفي عنه


(1) المتقدمة في الصحيفة 99


[ 105 ]

الصوت فقد وجب الوضوء عليه) يدل على ما ذكره من اعادة الوضوء من الاغماء والمرة وكل ما يمنع من الذكر. انتهى. واورد عليه ان الاغماء لغة بمعنى النوم. فقوله (عليه السلام): (إذا خفي عنه الصوت فقد وجب الوضوء عليه) في قوة قوله: (إذا خفى عنه الصوت في حال اغفائه فقد وجب عليه الوضوء). واجيب بان كلامه (عليه السلام) مطلق فلا يتقيد بالمقدمة الخاصة. ورد بان المحدث عنه هو ذلك الرجل الذي غفي وهو قاعد. فلا يكون مطلقا بل مقيدا بالنوم. وحينئذ فلا دلالة للخبر على المدعى. وتمحل بعض متأخري المتأخرين في لفظ الاغفاء، فاستظهر حمله في الرواية على الاغماء مستندا إلى دلالة (ربما) على التكثير، قال: (بل هو الغالب فيها كما صرح به في مغنى الليب، بل ذكر الشيخ الرضي (رحمه الله) ان التكثير صار لها كالمعنى الحقيقي والتقليل كالمعنى المجازي المحتاج إلى القرينة، والذي يكثر في حال المرض هو الاغماء دون النوم) انتهى. ولا يخفى ما فيه. وكيف كان فالخبر المذكور اخص من المدعى، لاختصاصه بما خفي فيه الصوت، فلا يتناول مثل الجنون والسكر ونحوهما مع عدم خفاء الصوت. وربما استدل ايضا بتعليق نقض النوم بذهاب العقل فيما تقدم من الاخبار، كقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة عن الصادقين (عليهما السلام) (1): (والنوم حتى يذهب العقل..) وفى صحيحة ابن المغبرة (2): (إذا ذهب النوم بالعقل...). ورد بان غاية ما تدل عليه تلك الاخبار هو نقض النوم عند ذهاب العقل وعدم نقضه قبله، وبمجرد هذا الدوران لا تثبت العلية، لجواز أن لا يكون له دخل في العلية


(1) المروية في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب نواقض الوضوء. (2) المروية الوسائل في الباب - 3 - من ابواب نواقض الوضوء.


[ 106 ]

أصلا، أو تكون خصوصية النوم شرطا في النقض ايضا، فلا تثبت العلية له مجردا. وصار بعض إلى الاستلال على ذلك بما دل على حكم النوم من باب التنبيه والاولوية، قال: (فانه إذا وجب الوضوء بالنوم الذي يجوز معه الحدث كما تدل عليه اناطته بازالة العقل وجب بالاغماء والسكر بطريق أولى) انتهى. وفيه انك قد عرفت مما سبق ان ظاهر الاخبار كون النوم من حيث هو ناقضا لا من حيث احتمال طرو الحدث حالته، وان ما دل على خلاف ذلك فانه - عدم الصراحة - معارض بما هو اقوى منه. والاولوية التي ادعاها انما تثبت لو ثبت ان العلة في نقض النوم ما ادعاه. وظاهر المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) الاستدلال على ذلك بصحيحة معمر بن خلاد (1) وتعدية الحكم إلى ما خفى فيه الصوت من سكر ونحوه - لا في الجنون ولا في كل افراد السكر - بطريق تنقيح المناط كما قدمنا الاشارة إليه. وفيه ما عرفت من جواز مدخلية خصوص النوم في العلية، والغاؤها - ليثبت الحكم كليا كما هو معنى تنقيح المناط - يحتاج إلى دليل. والعجب منه (رحمه الله) في ادعائه فيما تقدم من كلامه قطعية أحد فردي تنقيح المناط وعده ما هنا وهناك من قبيل ذلك من غير ايراد برهان واضح على ما ادعاه من القطعية، بل ولا الاشارة إلى ذلك بالكلية، مع كونه لا يعتمد على الظن وان كان مستفادا من الدليل، بل يمنع من سلوك تلك السبيل وينسب من سلكه إلى الضلال والتضليل، كما اطال به في الفوائد المدنية التشنيع والتسجيل. والتحقيق في المقام ان يقال: انك إذا رجعت إلى الروايات المتقدمة في المسألة وضممت بعضها إلى بعض وجدتها متفقة على النقض بالنوم، لكن ربما حصل الاشكال


(1) المتقدمة في الصحيفة 99


[ 107 ]

فيما به يتحقق ذلك، ومن ثم كثر السؤال عنه في الاخبار، كما يدل عليه اخبار الخفقة والخفقتين ونحوها، فجعلوا (عليهم السلام) له مناطا يعلم به وحده يرجع إليه، وهو غلبته على العقل تارة وعدم السماع اخرى، وربما جمعوا بينهما، وحينئذ فهذه الاشياء لا تصلح لعلية النقض مطلقا، لان الشارع إنما جعلها مناطا لاستعلام الناقض، فتعدية النقض إليها - والغاء خصوصية النوم من البين - أمر لا أثر له في الاخبار ولا عين. وبعض فضلاء متأخري المتأخرين - حيث ضاق عليه المجال في المقام بما وقع فيه من النقض والابرام - تشبث بذيل الاجماع. وانت خبير بما فيه من المناقشة والنزاع نعم روى في كتاب دعائم الاسلام (1) عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام): (ان الوضوء لا يجب الا من حدث، وان المرء إذا توضأ صلى بوضوئه ذلك ما شاء من الصلوات ما لم يحدث أو ينم أو يجامع أو يغم عليه أو يكون منه ما يجب منه اعادة الوضوء) إلا ان الكتاب المذكور قد عرفت ما في الاعتماد عليه فيما سبق (2). هذا ما يقتضيه النظر في أدلة المسألة، والاحتياط مما لا تهمل المحافظة عليه. واما ما بعض أقسام المستحاضة الذي هو أحد أسباب الوضوء فسيأتي تحقيقه في محله.

(البحث الثالث) - الاشهر الاظهر انه لا يوجب الوضوء غير ما قدمنا ذكره وههنا اشياء قد اختلفت فيها الاخبار، وبذلك وقع الاختلاف فيها بين علمائنا الابرار. (فمنها) - المذي، والمشهور عدم ايجابه الوضوء، وذهب ابن الجنيد إلى انه متى كان من شهوة أوجب الوضوء، وربما أشعر كلام الشيخ في التهذيب بموافقته له فيما إذا كان كثيرا خارجا عن المعتاد، لكن الظاهر انه لا يثبت بمجرد ذلك كونه مذهبا له، فانه ذكره في مقام الاحتمال للجمع بين الاخبار، ومثله لو عد مذهبا له لم تنحصر مذاهبه. والاخبار الدالة على القول المشهور متكاثرة:


(1) ج 1 ص 123 (2) ص 44


[ 108 ]

و (منها) - الاخبار الدالة على الحصر في الاسباب المتقدمة حسبما قدمنا (1). (منها) - حسنة زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (ان سال من ذكرك شئ من مذي أو ودي وانت في الصلاة، فلا تغسله ولا تقطع له الصلاة ولا تنقض له الوضوء وان بلغ عقبيك، فانما ذلك بمنزلة النخامة... الحديث). وعلى هذا المنوال صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع (3) وحسنة بريد بن معاوية (4) وحسنة محمد بن مسلم (5) وصحيحة زيد الشحام وزرارة ومحمد بن مسلم (6) وصحيحة ابن ابي عمير عن غير واحد من اصحابنا (7) وفيها تصريح بكون المذي من الشهوة، وموثقة اسحاق بن عمار (8) ورواية عمر بن حنظلة (9) ورواية عنبسة بن مصعب (10) ومرسلة ابن رباط (11) وظاهرها تخصيص المذي بما يخرج من الشهوة. ويدل على ما ذكره ابن الجنيد روايات: (منها) صحيحة محمد بن اسماعيل ابن بزيع (12) قال: (سألت الرضا (عليه السلام) عن المذي فأمرني بالوضوء منه، ثم اعدت عليه في سنة اخرى فأمرني بالوضوء منه. وقال: ان علي ابن ابى طالب (عليه السلام) امر المقداد بن الاسود ان يسأل النبي (صلى الله عليه وآله) واستحيى ان يسأله، فقال: فيه الوضوء). ويرد على الاستدلال بهذه الرواية (اولا) - ان موثقة اسحاق بن عمار المشار إليها آنفا عن الصادق (عليه السلام) (تضمنت ان عليا (عليه السلام) كان رجلا مذاء


(1) في الصحيفة 87 (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (8) و (9) و (11) و (12) المروية في الوسائل في الباب - 12 - من ابواب نواقض الوضوء. (7) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب نواقض الوضوء. (10) المروية في الوسائل في الباب - 12 - من ابواب نواقض الوضوء، وفى الباب - 4 و 7 - من ابواب الجنابة.


[ 109 ]

واستحيى ان يسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمكان فاطمة، فامر المقداد ان يسأله وهو جالس، فسأله فقال: ليس بشئ) والترجيح لهذه الرواية لاعتضادها بالاخبار المستفيضة المتقدمة. و (ثانيا) - ان الراوي المشار إليه بعينه روى في الصحيح عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال: (سألته عن المذي فأمرني بالوضوء منه، ثم اعدت عليه سنة اخرى، فأمرني بالوضوء منه، وقال: ان عليا (عليه السلام) أمر المقداد ان يسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) واستحيى ان يسأله، فقال: فيه الوضوء. قلت: فان لم اتوضأ ؟ قال لا بأس) ومن القواعد المقررة عندهم انه إذا روي الخبر تارة مع زيادة واخرى بدونها عمل على تلك الزيادة ما لم تكن مغيرة، هذا الخبر مما يدل على ان الامر بالوضوء فيما تضمنه من تلك الاخبار على الاستحباب. ثم ان الظاهر ان هذه الرواية لا تصلح مستندا لما ذهب إليه ابن الجنيد لتخصيصه الناقض من المذي بما يخرج بشهوة، وهذه الرواية مطلقة، وحملها على الخارج بشهوة ليس أولى من الحمل على الاستحباب لما علمت.. ومما يدل ايضا على ما ذهب إليه صحيحة علي بن يقطين (2) قال: (سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المذي أينقض الوضوء ؟ قال: ان كان من شهوة نقض). ورواية ابي بصير (3) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): المذي يخرج من الرجل ؟ قال: أحد لك فيه حدا ؟ قال: قلت: نعم جعلت فداك. قال: ان خرج منك على شهوة فتوضأ، وان خرج منك على غير ذلك فليس عليك فيه وضوء) ونحوهما رواية الكاهلي (4). والاستدلال بهذه الروايات ايضا لا يخلو من الاشكال:


(1) و (2) و (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 12 - من ابواب نواقض الوضوء.


[ 110 ]

(اما اولا) - فلان ظاهر مرسلة ابن رباط المتقدمة (1) - حيث قال فيها: (واما المذي فانه يخرج من الشهوة) - اختصاص المذي بالخارج عن شهوة، ويؤيده ما ذكره في الفقيه (2) حيث قال: (والمذي ما يخرج قبل المني) وكلام أهل اللغة ايضا، حيث خصوه بذلك ايضا، ولذلك عرفه شيخنا الشهيد الثاني بانه ماء رقيق لزج يخرج عقيب الشهوة، ونظم ذلك بعض متأخري علمائنا فقال: المذي ماء رقيق اصفر لزج * خروجه بعد تفخيذ وتقبيل وحينئذ فما اشتملت عليه هذه الاخبار - من وجود فرد له ليس عن شهوة - مشكل و (ثانيا) - انه قد روى يعقوب بن يقطين في الصحيح (3) قال: (سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يمذي وهو في الصلاة من شهوة أو من غير شهوة. قال: المذي منه الوضوء) فانها دالة على ثبوت الوضوء منه وان لم يكن عن شهوة. وحمل الشيخ (رحمه الله) - الخبر المذكور على التعجب والاستفهام الانكاري - لا يخلو من بعد. وظاهر جماعة من متأخري متأخرينا (رضوان الله عليهم) حمل هذه الاخبار كلا على الاستحباب جمعا، وايدوه بصحيحة ابن بزيع الثانية (4) وهو وان احتمل إلا ان الظاهر ان الاقرب الحمل على التقية: (اما اولا) - فلانها - كما ذكرنا سابقا - هي الاصل في اختلاف الاخبار، والعامة كلهم إلا الشاذ منهم على النقض به (5).


(1) تقدمت الاشارة إليها في الصحيفة 108. (2) ج 1 ص 39 (3) رواه صاحب الوسائل في الباب - 12 - من ابواب نواقض الوضوء. (4) المتقدمة في الصحيفة 109 (5) كما في بدائع الصنائع للكاسانى الحنفي ج 1 ص 25، والمغنى لابن قدامة الحنبلى ج 1 ص 170، والام للشافعي ج 1 ص 14. وفى شرح النووي على صحيح مسلم على هامش ارشاد الساري ج 2 ص 344 حكى عن ابى حنيفة والشافعي واحمد والجماهير انه يوجب الوضوء. وفى كتاب رحمة الامة في اختلاف الائمة على هامش الميزان للشعراني ج 1 ص 12 =


[ 111 ]

(لا يقال): انهم لا يخصون النقض بالخارج عن الشهوة كما هو ظاهر الاخبار. (لانا نقول): قد عرفت مما حققناه سابقا انه لا يشترط في الحمل على التقية وجود القائل بذلك، مع ان بعض هذه الاخبار المخالفة قد تضمنت النقض بكلا الفردين كما عرفت، وبعضا به مطلقا. و (اما ثانيا) - فلانها أحد طرق الترجيح عند تعارض الاخبار دون الحمل على الاستحباب والكراهة وان اشتهر بين اصحابنا الجمع بين الاخبار بذلك والغاء تلك واما الرواية اعني صحيحة محمد بن اسماعيل فيمكن حملها على ان نفي البأس عن عدم الوضوء بسببه مع عدم التقية، وهو لا ينافي الامر به تقية، فتحمل اوامره (عليه السلام) بالوضوء اولا مع النقل المذكور على التقية، ونفي البأس عن عدم الوضوء منه على عدمها. ولعل قرائن الحال في وقت السؤال كانت دالة على ذلك وان خفي علينا الآن العلم بذلك ومثله في الاخبار غير عزيز. وربما احتمل بعض فضلاء متأخري المتأخرين (رضوان الله عليهم) حمل مطلق الاخبار الواردة في المسألة على مقيدها، فيجب الوضوء مما خرج بشهوة. وفيه ان تقييد المطلق ارتكاب لما هو خلاف الظاهر فيه البتة، فلو أمكن التأويل في المقيد ولم يكن في ارتكابه خلاف الظاهر أو كان أقل مرتبة من الخلاف الذي في جانب المطلق، تعين التأويل في جانب المقيد ولم يرتكب حمل المطلق عليه. وما نحن فيه


= " والمذى ينقض الوضوء الا عند مالك " وفى عمدة القارئ للعينى شرح البخاري ج 2 ص 36 " لا خلاف في وجوب الوضوء منه ولا خلاف عى عدم وجوب الغسل " ثم نقل عن القاضى عياض المالكى " ان المذى المتعارف وهو الخارج عند ملاعبة الرجل اهله لما يجري من اللذة أو لطول العزوبة لا خلاف بين المسلمين في ايجاب الوضوء منه وايجاب غسله لنجاسته " وفى بداية المجتهد لابن رشد المالكى ج 1 ص 30 دعوى الاتفاق على نافضيته إذا كان خروجه على وجه الصحة لا المرض. ويظهر الاتفاق على ذلك من (الفقه على المذاهب الاربعة) ج 1 ص 77 حيث ذكرت ناقضيته ولم يذكر خلاف المذاهب فيها.


[ 112 ]

من قيل الثاني، لان المذي ان لم نقل بانه مخصوص بما يخرج عقيب الشهوة كما اسلفنا، وحينئذ فلا يكون من قبيل تعارض المطلق والمقيد، فلا أقل من ان يكون الغالب منه هو ما يكون عقيب الشهوة. وحينئذ فحمل تلك الاخبار المستفيضة المتكاثرة على ما هو الفرد النادر الغير المتعارف أشد خلافا للظاهر البتة من حمل تلك الروايات المخالفة على التقية كما اخترناه، أو الاستحباب كما نقلناه. و (اما ثالثا) - فلان صحيحة ابن ابي عمير (1) دلت على نفي الوضوء في المذي من الشهوة. وارسالها غير ضائر، لما تقرر عندهم من عد مراسيله في جملة المسانيد، فلا ينافي ارسالها الصحة سيما مع كونه رواها عن غير واحد من اصحابنا مما يؤذن باستفاضة الحكم بذلك. هذا ما اقتضاه النظر. والاحتياط في كل مقام من اعظم المهام. و (منها) - التقبيل، ومس الفرجين ظاهرا أو باطنا من محلل أو محرم، والقهقهة ولو في الصلاة، والحقنة والدم الخارج من السبيلين المشكوك في مصاحبة الناقض له خلافا لابن الجنيد في الاول مقيدا بكونه عن شهوة وكونه لمحرم، وفي الثاني مقيدا له بالباطن في فرجيه وبالباطن في فرج الغير بشرط الشهوة من المحلل والمحرم، وللصدوق ايضا في الثاني بالنسبه إلى الانسان نفسه في باطن دبره واحليله، ولابن الجنيد في الثالث مقيدا له بكونه في الصلاة متعمدا لنظر أو سماع ما اضحكه، وفي الرابع والخامس، مع انه سلم ان الدم الخارج من السبيلين إذا علم خلوه من النجاسة لا يعد ناقضا. واحتج على الاول برواية ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (إذا قبل الرجل المرأة من شهوة أو مس فرجها أعاد الوضوء). وعلى الثاني بالرواية المذكورة، وبموثقة عمار (3) قال: (سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتوضأ ثم يمس باطن دبره. قال: نقض وضوءه. وان مس باطن


(1) تقدمت الاشارة إليها في الصحيفة 108 (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب نواقض الوضوء


[ 113 ]

احليله فعليه ان يعيد الوضوء، وان كان في الصلاة قطع الصلاة ويتوضأ ويعيد الصلاة، وان فتح احليله اعاد الوضوء واعاد الصلاة) وبمضمون هذه الرواية عبر في الفقيه (1) فقال: (وإذا مس الرجل باطن دبره أو باطن احليله فعليه ان يعيد الوضوء، وان كان في الصلاة قطع الصلاة وتوضأ وأعاد الصلاة، وان فتح احليله اعاد الوضوء والصلاة) انتهى. وعلى الثالث برواية سماعة (2) قال: (سألته عما ينقض الوضوء. قال: الحدث تسمع صوته أو تجد ريحه، والقرقرة في البطن إلا شئ تصبر عليه، والضحك في الصلاة، والقئ). واما الرابع فلم نقف له على دليل، والعلامة في المختلف مع تكلفه نقل الادلة لما ينقله فيه من الاقوال نقله ولم يذكر له دليلا، ويمكن استناده فيه إلى اطلاق بعض الاخبار الدالة على نقض ما يخرج من السبيلين. واما الخامس فنقل في المختلف عنه الاستدلال بانه بعد خروج الدم المشكوك في ممازجته للنجاسة شاك في الطهارة. فلا يجوز له الدخول في الصلاة، لان المأمور به الدخول بطهارة يقينية. والجواب عن ذلك (اولا) - بالمعارضة بالاخبار (3) الدالة على حصر الاسباب الموجبة فيما قدمناه مما اسلفنا ذكره واوسعنا نشره. و (ثانيا) - اما عن الاول فبالمعارضة بصحيحة الحلبي (4) قال: (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن القبلة تنقض الوضوء ؟ قال: لا بأس).


(1) ج 1 ص 39 (2) المروية في الوسائل في الباب - 6 - من ابواب نواقض الوضوء. (3) المتقدمة في الصحيفة 87 (4) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب نواقض الوضوء.


[ 114 ]

وصحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: (ليس في القبلة ولا في المباشرة ولا مس الفرج وضوء). ومثلها صحيحة زرارة الاخرى (2) ورواية عبد الرحمان ابن ابي عبد الله (3). واما عن الثاني فبالمعارضة بصحيحة زرارة المذكورة وموثقة سماعة (4) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يمس ذكره أو فرجه أو اسفل من ذلك وهو قائم يصلي، أيعيد وضوءه ؟ فقال: لا بأس بذلك، إنما هو من جسده). وصحيحة معاوية بن عمار (5) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يعبث بذكره في الصلاة المكتوبة. قال: لا بأس). ومثلها رواية عبد الرحمان ابن ابي عبد الله وصحيحة زرارة. واما عن الرابع فبعدم الدليل، وضعف الاستناد إلى ما احتملناه له ظاهرا. واما عن الخامس فيما ذكره العلامة في المختلف، وحاصله ان ذلك يرجع إلى الشك في الحدث مع تيقن الطهارة. والتحقيق حمل ما تمسكوا به من الاخبار على التقية، حيث ان كثيرا من العامة بل الاكثر - كما يفهم من التذكرة - قائلون بمضمون ذلك (6) واما الحمل على الاستحباب


(1) و (2) و (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب نواقض الوضوء. (5) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب نواقض الوضوء والباب - 26 - من قواطع الصلاة. (6) اما التقبيل ففى المغنى لابن القدامة الحنبلى ج 1 ص 192 " المشهور من مذهب احمد ان لمس النساء بشهوة ينقض الوضوء ولا ينقضه لغير شهوة، وهذا قول علقمة وابى عبيدة والنخعي والحكم وحماد ومالك والثوري واسحاق والشعبى، فانهم قالوا: يجب الوضوء على من قبل لشهوة ولا يجب على من قبل لرحمة. وممن أوجب الوضوء في القبلة ابن مسعود وابن عمر والزهري وزيد بن اسلم ومكحول ويحيى الانصاري وربيعة والاوزاعي وسعيد بن عبد العزيز والشافعي " وفى المدونة لمالك ج 1 ص 13 ما يوافق ذلك. =


[ 115 ]

فظني بعده وان صرح به جملة من الاصحاب واعتمدوه جمعا بين الاخبار في جملة الابواب بل صرح بعضهم بترجيح الجمع به بين الاخبار وان اطبق العامة على القول المخالف، وهو اجتهاد بحت في مقابلة النصوص، وتخريج صرف، بل خروج عن الطريق المنصوص


= واما مس الفرجين ففى المحلى لابن حزم ج 1 ص 235 ذكر في مقام بيان نواقض الوضوء: مس الرجل ذكر نفسه عمدا باي شئ كان سوى مسه بالفخذ والساق والرجل من نفسه، ومس المرأة فرجها عمدا كذلك، ومس الرجل ذكر غيره صغيرا كان أو كبيرا حيا أو ميتا، باى عضو مسه عمدا من جميع جسده، من ذى رحم محرمة أو من غيره، ومس المرأة فرج غيرها عمدا كذلك، وانه لا دخل للذة في شئ من ذلك، وفى ص 227 منه نسب الحكم بناقضية مس الفرج إلى سعد ابن ابى وقاص وابن عمر وعطاء وعروة وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد وابان بن عثمان وابن جريح والاوزاعي والليث والشافعي وداود واحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه وغيرهم، وذكر ان الشافعي والاوزاعي خصا الوضوء من المس بباطن الكف دون ظاهرها. وان عطاء ابن ابى رباح لا يرى انتقاض الوضوء بمس الفرج بالفخذ والساق ويحكم بانتفاضة بالمس بالذراع. واما القهقة ففى البدائع للكاسانى الحنفي ج 1 ص 32 انها ناقضة للوضوء إذا كانت في الصلاة التى لها ركوع وسجود، فلا تكون حدثأ خارج الصلاة ولا في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة، وان التبسم ليس بحدث. وفى المغنى ج 1 ص 177 نسب إلى اصحاب الرأى انه يجب الوضوء من القهقة داخل الصلاة دون خارجها، وقال: " وروى ذلك عن الحسن والنخعي والثوري ". واما الحقنة ففى كتاب الام للشافعي ج 1 ص 14 " ان جميع ما خرج من ذكر أو دبر أو حقنة ذكر أو دبر فخرج على وجهه أو يخلطه شيئ غيره ففيه كله الوضوء، لانه خارج من سبيل الحدث " وفى المغنى ج 1 ص 170 " ان كان المحتقن قد أدخل رأس الزراقة ثم أخرجه نقض الوضوء، وكذلك لو ادخل فيه ميلا أو غيره ثم خرج نقض الوضوء، لانه خارج من السبيل فنقض كسائر الخارج. ولو احتقن في دبره فرجعت اجزاء خرجت من الفرج نقض الوضوء ". واما الدم الخارج من السبيلين ففى المغنى ج 1 ص 169 نسبة الحكم بانتفاض الوضوء به إلى الثوري والشافعي واسحاق واصحاب الرأى. ويقتضى ذلك عموم عبارة الام =


[ 116 ]

و (منها) - القئ ولو عمدا، والرعاف، والحجامة، والشئ الخارج من غير السبيلين أو منهما غير مختلط بناقض، وانشاد الشعر وان كان باطلا أو فوق الاربعة ابيات، وغيبة المسلم، والاخذ من الشعر أو الظفر ولو بحديد، ومصافحة الكافر، ومس الكلب، وشرب ألبان الابل والبقر وأكل لحومهما، والودي الخارج بعد البول، وما ورد في بعضها محمول على التقية، لقول العامة بالنقض بذلك (1).


= المتقدمة في الحقنة. وفى شرح المنهاج لابن حجر ج 1 ص 58 الحكم بناقضية كل خارج. وفى بدائع الصنائع ج 1 ص 25 علل ناقضية البول والغائط والمذي والودى والمنى ودم الحيض والنفاس ودم الاستحاضة بانها كلها انجاس وقد انتقلت من الباطن إلى الظاهر فوجد خروج النجس من الآدمى الحى فيكون حدثا. (1) اما القئ ففى بدائع الصنائع ج 1 ص 25 " القئ ان كان مل ء الفم يكون حدثا وان كان اقل من مل ء الفم لا يكون حدثا. وعند زفر يكون حدثا قل أو كثر " ثم ذكر انه لا فرق بين اقسام القئ، وان الصحيح في تفسير مل ء الفم ان يكون عاجزا عن امساكه ورده. وفى المغنى ج 1 ص 186 " والقلس كالدم ينقض الوضوء منه ما فحش، وحكى عن احمد الوضوء إذا ملا الفم " والقلس كما في مقاييس اللغة لابن فارس والقئ. وفى الصحاح ما يخرج من الحلف مل ء الفم أو دونه وليس بقئ وان عاد فهو قئ. وفى شرح الزرقاني في مختصر ابى الضياء في الفقه المالكى ج 1 ص 91 نسبة ناقضية القئ والقلس إلى ابى حنيفة. واما الرعاف فيقتضى ناقضيته التعليل المتقدم عن بدائع الصنائع في التعليقة 6 ص 114 في الدم الخارج من السبيلين، واطلاق كلام ابن قدامة في المغنى ج 1 ص 184، حيث ذكر ناقضية الخارج من البدن من غير السبيل إذا كان نجسا وان ذلك مروى عن ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب وعلقمة وعطاء وقتادة والثوري واسحاق واصحاب الرأى، ونسب إلى ابى حنيفة ناقضية الدم إذا سال. وفى ص 186 ذكر ان القيح والصديد كالدم. واما الحجامة فقد نسبت ناقضيتها في الحاجم والمحتجم إلى ابى حنيفة في شرح الزرقاني على مختصر ابى الضياء ج 1 ص 91 واما الشئ الخارج من غير السبيلين فيظهر الحال فيه بما ذكرناه في الرعاف =


[ 117 ]

تذنيب:

الخارج من الاحليل خمسة: البول، والمني كظبي وصبي، والمذي على المثالين المذكورين، وزيد فيه ايضا الكسر مع التخفيف، قيل: واشهرها الاولى ثم الثانية، وقد عرفت معناه، والوذي بالمعجمة على المثالين الاولين: مايخرج بعد انزال المني، كما صرح به جملة من الاصحاب، ومنهم - صاحب كتاب مجمع البحرين فيه. قال: (وذكر الوذي مفقود في كثير من كتب اللغة) والودي بالمهملة على المثالين المتقدمين ايضا، وقيل ان ثانيهما اصح وافصح: البلل اللزج الذي يخرج من الاحليل بعد البول.


= واما ما يخرج منهما غير مختلط بناقض فيظهر الحال فيه بمراجعة ما ذكرناه في الحقنة وفى الدم الخارج من السبيلين في التعليقة 6 ص 114 واما انشاد الشعر ففى شرح الرزقانى على مختصر ابى الضياء ج 1 ص 91 نسبة ناقضيته إلى قوم. واما الاخذ من الشعر والظفر فقد نسب في بدائع الصنائع ج 1 ص 33 الحكم بانتفاض الوضو بقلم الظفر وجز الشعر وقص الشارب إلى ابراهيم النخعي واما مصاحفة الكافر ففى الميزان للشعر انى ج 1 ص 102 نسبة ناقضية مس الكافر إلى بعض العلماء واما شرب البان الابل ففى المغنى ج 1 ص 190 " وفى شرب لبن الابل روايتان احداهما انه ينقض الوضوء والاخرى لا ينقضة " واما اكل لحوم الابل ففى المغنى ج 1 ص 187 " واكل لحم الابل ينقض الوضوء على كل حال نيا ومطبوخا عالما أو جاهلا، وبه قال جابر بن سمرة ومحمد بن اسحاق واسحاق وابو خيثمة ويحيى بن يحيى وابن المنذر وهو احد قولي الشافعي قال الخطابى: ذهب إلى هذا عامة اصحاب الحديث " وفى شرح الزرقاني ج 1 ص 91 نسبة ذلك إلى احمد. واما الودى فقد نص على ناقضيته في بدائع الصنائع ج 1 ص 25 وفى بداية المجتهد لابن رشد المالكى ج 1 ص 30 وفى الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 77 مع عدم ذكر خلاف المذاهب فيه، وفى الام للشافعي ج 1 ص 14 وفى شرح المنهاج لابن حجر ج 1 ص 58، الا انه في الاخيرين ذكر بنحو العموم.


[ 118 ]

فاما البول والمذي فقد عرفت حكمهما، واما المني فسيأتي ان شاء الله تعالى حكمه في بابه، واما الاثنان الباقيان فطهارتهما وعدم انتقاض الوضوء بهما متفق عليه فتوى، وهو الاشهر نصا. ومن الاخبار المشتملة على تفصيل ذلك مرسلة ابن رباط المشار إليها آنفا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: (يخرج من الاحليل المني والمذي والوذي والودي فاما المني فهو الذي تسترخي له العظام ويفتر منه الجسد، وفيه الغسل، واما المذي فانه يخرج من الشهوة ولا شئ فيه، واما الودي فهو الذي يخرج بعد البول، واما الوذي فهو الذي يخرج من الادواء، ولا شئ فيه) قوله (عليه السلام): (يخرج من الادواء) جمع داء وهو المرض، ولعل المعنى انه يخرج بسبب الامراض، ونقل بعض مشايخنا عن بعض نسخ الاستبصار: (الاوداج) بدل (الادواء) قال: (وكأنه اريد بها العروق مطلقا وان كان الودج في الاصل عرق العنق) انتهى. وقال الصدوق في الفقيه (2): (وهي اربعة اشياء: المني والمذي والوذي والودي إلى ان قال: والمذى ما يخرج قبل المني، والوذى ما يخرج بعد المني على اثره، والودى ما يخرج على اثر البول... الخ). وابهام حكم الودى في الخبر المذكور - وعدم التعرض لحكمه - غير ضائر بعد اجماع الفرقة المحقة على طهارته وعدم نقضه، كما هو صريح كلام شيخنا الصدوق هنا وغيره، ودلالة ما قدمنا (3) من الاخبار الحاصرة الدالة على عدم النقض بامثاله، لكن روى الشيخ في الصحيح عن ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: (ثلاث يخرجن من الاحليل، وهن: المني ومنه الغسل والودى ومنه الوضوء لانه يخرج من دريرة البول، قال: والمذى ليس فيه وضوء، إنما ه وبمنزلة ما يخرج من الانف)


(1) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 12 - من ابواب نواقض الوضوء (2) ج 1 ص 39 (3) في الصحيفة 87


[ 119 ]

وحمله الشيخ على ما إذا لم يكن قد استبرأ من البول، مستدلا بالتعليل بخروجه من دريرة البول أي محل سيلانه، وذلك لانه لا يخرج إلا ومعه شئ من البول. وهو جيد. فذلكة ما ذكرنا من الاحداث المتقدمة قد يعبر عنها بالاسباب تارة باعتبار استلزامها لذاتها الطهارة وجوبا أو ندبا. فلا يرد حدث الصبي والمجنون والحائض، فان حدثهم بحسب ذاته مستلزم للطهارة وإنما تختلف لعارض، وهو فقد الشرط في الاولين ووجود المانع في الثالث، وتخلف الحكم لفقد شرط أو وجود مانع لا يقدح في السببية، وقد يعبر عنها بالموجبات باعتبار ايجابها الطهارة عند المخاطبة بواجب مشروط بالطهارة فيما يجب لغيره على المشهور، وعند وجود السبب على القول بالوجوب النفسي، وقد يعبر عنها بالنواقض باعتبار نقضها لما تعقبه من الطهارة. والمشهور ان السبب اعم مطلقا، اما من الناقض فلاجتماعهما في حدث تعقب طهارة. وتخلف السبب فيما عدا ذلك. واما من الموجب فلاجتماعهما في حال اشتغال الذمة بمشروط بالطهارة، وانفراد السبب بحال براءة الذمة من ذلك. والنسبة بين الناقض والموجب العموم من وجه، لصدق الناقض بدون الموجب في حدث تعقب طهارة صحيحة مع خلو الذمة من مشروط بها، وصدق الموجب بدون الناقض في الحدث الحاصل عقيب التكليف بصلاة واجبة من غير سبق طهارة واعترض بعض المتأخرين على ذلك بان الجنابة ناقضة للوضوء وليست سببا له، وكذا وجود الماء بالنسبة إلى التيمم، فلا يكون بين الناقض والسبب عموم مطلق بل من وجه. واجيب بان الكلام إنما هو في اسباب الطهارات وموجباتها ونواقضها، كما هو المصرح به في بعض عباراتهم، فالنقض بالجنابة غير جيد، لانها سبب في الطهارة، ويمكن التزام ذلك في وجود الماء ايضا، لانه معرف لوجوبها. ثم انه يرد ايضا ان النقض بالامرين غير مستقيم، فان البحث ان كان في اسباب الوضوء ونواقضه وموجباته فلا يرد الثاني، وان كان في الاعم فلا يرد الاول. واستظهر السيد السند في المدارك ان النسبة بين الثلاثة الترادف، قال: (فان وجه التسمية لا يجب اطراده) انتهى. وهو مبني على ان الظاهر من الاسباب ما من شأنه ان يتسبب للوجوب، وكذلك الظاهر من الناقض ما من شأنه النقض، وكذلك الموجب، وظاهر ما تقدم من كلامهم اعتبار ذلك في السبب خاصة دون الآخرين. وهو تحكم.


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>