
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء الثاني
المطلب الثاني
في الغاية
وهي قد تكون واجبة تارة فيجب الوضوء لها، وقد تكون مندوبة اخرى فيكون الوضوء لها مندوبا، فالكلام يقع في هذا المطلب في مقصدين: المقصد الاول في الغاية الواجبة، وفيه مسائل:
(المسألة الاولى) - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب الوضوء للصلاة الواجبة، بل ربما كان من ضروريات الدين. واستدل عليه ايضا بقوله تعالى: (... إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم... الآية) (1) فان صيغة الامر للوجوب، وسياق الكلام دال على انه للصلاة، لانه إذا قيل: (إذا لقيت العدو فخذ سلاحك) و (إذا أردت الامير فالبس ثيابك) يفهم منه عرفا لن أخذ السلاح ولبس الثياب لاجل لقاء العدو والامير، فقد دل على المدعى بتمامه ويرد عليه ان المروي في تفسير الآية ان المراد بالقيام فيها القيام من حدث النوم، كما رواه الشيخ عن ابن بكير في الموثق (2) قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام)
(1) سورة المائدة. الآية 6. (2) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب نواقض الوضوء. الحدائق 15
[ 121 ]
قوله تعالى: إذا قمتم إلى الصلاة، ما يعنى بذلك: إذا قمتم إلى الصلاة ؟ قال: إذا قمتم من النوم... الحديث) ونقل العلامة في المنتهى وقبله الشيخ في التبيان اجماع المفسرين على ذلك، وحينئذ فلا يتم الاستدلال بها مطلقا، إلا ان يضم إلى ذلك عدم القول بالفرق بين الاحداث، فيتم الاستدلال. وفيه ما فيه ويدل عليه ايضا من الاخبار ما هو متفرق في جملة من موارد الاحكام: ومنها - الاخبار الواردة في المستحاضة (1) (إذا جاز دمها الكرسف فعليها الغسل لكل صلاتين والفجر، والوضوء لكل صلاة). ومنها - الاخبار الواردة في المتيمم (2) (إذا وجد الماء بعد ما صلى في آخر الوقت فاليتوضأ لما يستقبل). ومنها - الاخبار الدالة على اعادة الصلاة والوضوء بنسيان شئ من اجزاء الوضوء (3) إلى غير ذلك من الاخبار التي لا حاجة إلى التطويل بنقلها بعد ثبوت الاتفاق بل الضرورة. ولا يرد النقض بصلاة الجنازة، إذ اسم الصلاة حقيقة إنما يقع على ذات الركوع والسجود، ويدل عليه صريحا ما رواه الصدوق في كتاب العلل (4) عن الفضل بن شاذان
(1) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الاستحاضة ولا يخفى انه لم يرد في شئ من اخبار الاستحاضة الجمع بين الاغسال الثلاثة للظهرين والعشاءين والفجر وبين الوضوء لكل صلاة في مورد واحد كما هو مفاد عبارته (قده) بل ظاهرها اغناء الاغسال في مورد وجوبها عن الوضوء وان وجوب الوضوء لكل صلاة في غير مورد وجوب الاغسال كما سيأتي اختيار ذلك منه (قده) في محله. (2) المروية في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب التيمم. (3) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الوضوء. (4) في الصحيفة 96 و 99 وفى الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الوضوء، وفى الباب - 21 - من ابواب صلاة الجنازة.
[ 122 ]
عن الرضا (عليه السلام) انه قال: (إنما جوزنا الصلاة على الميت بغير وضوء لانه ليس فيها ركوع ولا سجود، وإنما يجب الوضوء في الصلاة التي فيها ركوع وسجود... الحديث).
(المسألة الثانية) - الظاهر انه لا خلاف - كما ادعاه جمع من الاصحاب - في وجوب الوضوء للطواف الواجب، وعليه تدل صحيحة محمد بن مسلم (1) قال: (سألت حدهما (عليهما السلام) عن رجل طاف طواف الفريضة وهو على غير طهور. قال: يتوضأ ويعيد طوافه...).
(المسألة الثالثة) لو وجوب مس خط المصحف على المكلف - اما بسبب من قبله كالنذر وشبهه أو لا من قبله كاصلاح فيه ونحوه على القول بوجوب ذلك، فهل يجب الوضوء ذلك أم لا ؟ قولان مبنيان على تحريم المس على المحدث وعدمه. والمشهور الاول، ونقل القول بالكراهة عن الشيخ في المبسوط وابن البراج وابن ادريس، واليه مال جملة من متأخري المتأخرين. والظاهر الاول، ويدل عليه قوله تعالى: (انه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون) (2) المفسر في رواية ابراهيم بن عبد الحميد عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: (المصحف لا تمسه على غير طهر ولا جنبا، ولا تمس خطه ولا تعلقه ان الله تعالى يقول: لا يمسه إلا المطهرون) وفي بعض نسخ الحديث (خيطه) مكان (خطه) وروى مثله مرسلا في كتاب مجمع البيان (4) عن الباقر (عليه السلام) حيث قال - بعد ذكر احتمال تفسير المطهرين بالملائكة أو المراد المطهرين من الشرك - ما لفظه: (وقيل المطهرون من الاحداث والجنابات، وقالوا: لا يجوز للجنب والحائض والمحدث مس المصحف
(1) المروية في الوسائل في الباب - 38 - من ابواب الطواف. (2) سورة الواقعة. الآية 76 و 77 و 78 (3) المروية في الوسائل في الباب - 12 - من ابواب الوضوء. (4) ج 9 ص 226، وفى الوسائل في الباب - 12 - من ابواب الوضوء
[ 123 ]
عن محمد بن علي الباقر (عليه السلام)) انتهى. وعلى هذا فيكون ضمير (يمسه) راجعا إلى القرآن وان بعد في السياق دون (الكتاب) وان قرب، بل ظاهره في المجمع كون ذلك مجمعا عليه، حيث قال: (وعندنا ان الضمير يعود إلى القرآن فلا يجوز لغير الطاهر مس كتابة القرآن) ومثله نقل عن الشيخ في التبيان. وحينئذ فلا يلتفت إلى تفسير صاحب الكشاف ولا غيره ممن حرم فيوض الالطاف، المعتمدين في تفاسيرهم على مجرد الآراء، بل المعولين في جميع احكامهم على الاهواء، ولا إلى ما اطال به بعض متأخري الاعلام من الاحتمالات في المقام، أظهارا لفضيلة ملكة النقض والابرام، فان اصحاب البيت أدرى بما فيه، واعرف بباطنه وخافيه، والتميز بين كدره وصافيه، والكتاب عليهم انزل، واليهم يرجع فيما فصل منه واجمل، فمن مشكاة علومهم تقتبس انواره. ومن خزائن فيوضاتهم تدرك اسراره. ومما يدل ايضا على الحكم المذكور موثقة ابي بصير (1) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عمن قرأ القرآن وهو غير وضوء. قال: لا بأس، ولا يمس الكتاب) ومرسلة حريز عمن اخبره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (كان اسماعيل بن ابي عبد الله عنده، فقال يا بني اقرأ المصحف، فقال: اني لست على وضوء فقال: لا تمس الكتابة ومس الورق واقرأة). ويؤيد ايضا رواية علي بن جعفر بل صحيحته على الظاهر عن اخيه موسى (عليه السلام) (3) انه (سأله عن الرجل أيحل له ان يكتب القرآن في الالواح والصحيفة وهو على غير وضوء ؟ قال: لا). وانما جعلنا هذا الخبر مؤيدا دون ان يكون دليلا لاحتماله بحسب الظاهر لتحريم الكتابة على المحدث، ولم اقف على قائل بمضمونه سوى المحدث الكاشاني، ومعارضته
(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 12 - من ابواب الوضوء.
[ 124 ]
بحسنة داود بن فرقد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: (سألته عن التعويذ يعلق على الحائض. قال: نعم لا بأس. قال وقال: تقرأه وتكتبه ولا تصيبه يدها) ومن الظاهر ان التعويذ لا ينفك عن الآيات القرآنية بقرينة النهي عن اصابة اليد، فان الظاهر انه إنما وقع لذلك، وحينئذ فيجب الجمع بينهما، اما بحمل رواية علي بن جعفر على الكتابة على وجه يستلزم المس والثانية على ما ليس كذلك، أو بحملها على الكراهة كما هو ظاهر الاكثر. هذا. ولم اقف للقائلين بالجواز على دليل سوى التمسك بالاصل، والطعن في الآية بعدم الدلالة، تشبثا بذيل الاحتمالات وردا بضعف السند لما ورد في تفسيرها من الروايات، وكذلك جملة ما قدمناه من الاخبار لكونه ضعيفا بهذا الاصطلاح الذي عليه المدار، مع ان من جملة القواعد المقررة والضوابط المتكررة جبر الضعيف بالشهرة. وقد تقدم الكلام في المقدمة الثالثة (2) في ضعف الاعتماد على هذا الاصل فليراجع.
فروع:
(الاول) - الظاهر انه لا خلاف هنا في جواز مس الهامش والورق الخالي من الكتابة، لمرسلة حريز المتقدمة (3) وكذا حمله وتعليقه - كما نقله العلامة في المنتهى - على كراهية، لما تقدم من النهي في رواية ابراهيم بن عبد الحميد (4).
(الثاني) - الظاهر اختصاص حرمة المس بالملاقاة بجزء من الجسد، فلا يتعدى إلى الملاقاة بطرف الثوب ونحوه، وعلى تقدير الاول فهل يختص بالكف بناء على انه الذي يلمس به غالبا، أو يشمل سائر الجسد ؟ قولان، اظهرهما الثاني، للصدق لغة
(1) المروية في الوسائل في الباب - 37 - من ابواب الحيض. (2) في الصحيفة 44 من الجزء الاول (3) في الصحيفة 123 (4) في الصحيفة 122
[ 125 ]
وعرفا، وهل يختص بما تحله الحياة من البدن ام يشمل ما لا تحله كالشعر والظفر والسن ؟ وجهان بل قولان، والظاهر ان منشأ الخلاف من صدق المس عرفا على المس بالظفر ونحوه وعدمه. وربما جعل منشأ ذلك من جهة حلول الحياة وعدمه. وحيث انه كما لا تتعدى إليه نجاسة موت صاحبه كذلك لا يتعدى إليه حدثه. وفيه انه ان صدق المس بمس الظفر والشعر ونحوهما دخل في اطلاق الرواية لكونها أجزاء من الجسد البتة، والا فلا
(الثالث) - لو وضأ بعض اعضائه فقبل الاكمال هل يجوز المس بذلك العضو الذي وضأ أم لا ؟ الظاهر الثاني، وبه صرح في التحرير، لان الحدث المشروط زواله بالطهارة ليس مقسما على الاعضاء، وانما هو أمر معنوي قائم بالشخص من حيث هو لا يرتفع إلا باكمال الطهارة.
(الرابع) - هل يختص الحكم بالقرآن من حيث الهيئة الاجتماعية المتعلق بها هذا الاسم، أم يتعدى إلى الآيات المكتوبة في الكتب وعلى الدراهم ونحو ذلك ؟ وجهان ارجحهما الثاني، لما يفهم من حسنة داود بن فرقد (1) وتشعر به صحيحة علي ابن جعفر (2) ولان الظاهر ان الهيئة الاجتماعية لا مدخل لها في التحريم، ضرورة ان المس إنما يقع على البعض ولا يقع على الكل دفعة، وانضمام غيرها إليها لا يخرجها عن كونها قرآنا.
(الخامس) - الظاهر شمول التحريم لما نسخ حكمه دون تلاوته، لبقاء الحرمة من جهة التلاوة، وصدق المصحف والقرآن والكتاب عليه، بخلاف ما نسخت تلاوته وان بقي حكمه، فانه لا يحرم مسه، لعدم الصدق. ولا اعرف خلافا في ذلك.
(السادس) - الظاهر عدم ثبوت التحريم بالنسبة إلى الصبي ونحوه. لعدم التكليف الموجب لتعلق الخطاب به، وهل يجب على الولي منعه ؟ الظاهر العدم، لعدم الدليل، ونقل عن المعتبر وجوبه على الولي، وهو ظاهر التحرير، ولا يخلو من قوة،
(1) المتقدمة في الصحيفة 124 (2) المتقدمة في الصحيفة 123
[ 126 ]
نظرا إلى عموم الادلة الدالة على التحريم. وعدم توجه الخطاب فيها إلى الطفل لما ذكرناه لا ينافيه التوجيه إلى وليه.
(السابع) - هل يدخل في الكتابة التشديد والمد والهمزة والاعراب ؟ احتمالات: ثالثها دخول ما عدا الاخير، ومنشأ ذلك الشك في صدق مس الكتاب بمسها وعدمه ورجح بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين العدم مطلقا، قال: (لاطلاق اسم الكتاب عليه قبل ضبطه بالثلاثة المتقدمة، كقوله تعالى: (... كتاب انزلناه مبارك..) (1) (الحمد لله الذي انزل على عبده الكتاب...) (2) (حم والكتاب المبين) (3) ونحوها، وحمله على المجاز باعتبار ما يؤول إليه خلاف الاصل، ولان التحريم المس خلاف الاصل، فيقتصر منه على موضع اليقين) وهو جيد.
(المسألة الرابعة) - تقييد وجوب الوضوء بالغايات المذكورة - بمعنى انه لا يكون واجبا لنفسه - هو المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) بل كاد ان يكون اجماعا، بل ادعى الاجماع عليه جمع منهم. ونقل السيد السند في المدارك عن الشهيد في الذكرى القول بالوجوب النفسي في جميع الطهارات وجوبا موسعا لا يتضيق إلا بظن الوفاة، أو تضيق وقت العبادة المشروطة بها، واختاره (قدس سره) واستدل عليه: قال: (واعلم ان المعروف من مذهب الاصحاب ان الوضوء إنما يجب بالاصل عند اشتغال الذمة بمشروط به، فقبله لا يكون إلا مندوبا، تمسكا بمفهوم قوله تعالى: (... إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا... الآية) (4) وليس المراد نفس القيام، وإلا لزم تأخير الوضوء عن الصلاة. وهو باطل بالاجماع، بل المراد - والله اعلم - إذا ارتم القيام إلى الصلاة
(1) سورة ص. الآية 28 (2) سورة الكهف. الآية 1 (3) سورة الزخرف والدخان. الآية 2. (4) سورة المائدة. الآية 6
[ 127 ]
اطلاقا لاسم المسبب على السبب، فانه مجاز مستفيض، وقول ابي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1): (إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة..) والمشروط عدم عند الشرط ويتوجه على الاول ان اقصى ما تدل عليه الآية الشريفة ترتب الامر بالغسل والمسح على ارادة القيام إلى الصلاة، والارادة تتحقق قبل دخول الوقت وبعده، إذ لا يعتبر فيها المقارنة للقيام، وإلا لما كان الوضوء في اول الوقت واجبا بالنسبة إلى من أراد الصلاة في آخره. وعلى الثاني ان المشروط وجوب الطهور والصلاة معا، وانتفاء المجموع يتحقق بانتفاء أحد جزءيه، فلا يتعين انتفاؤهما معا. وحكى الشهيد في الذكرى قولا بوجوب الطهارات اجمع بحصول اسبابها وجوبا موسعا لا يتضيق الا بظن الوفاة، أو تضيق وقت العبادة المشروطة بها، ويشهد له اطلاق الآية وكثير من الاخبار كصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) (ان عليا (عليه السلام) كان يقول: من وجد طعم النوم قائما أو قاعدا فقد وجب عليه الوضوء) وصحيحة زرارة (3) حيث قال فيها: (... فإذا نامت العين والاذن والقلب فقد وجب الوضوء..) وموثقة بكير بن اعين عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) انه قال: (إذا استيقنت انك احدثت فتوضأ..) وصحيحة عبد الرحمان بن ابي عبد الله (5) انه (سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يواقع أهله أينام على ذلك ؟ فقال (عليه السلام):
(1) المروى في الوسائل في الباب - 4 - من ابواب الوضوء. وفى الباب - 14 - من ابواب الجنابة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب نواقض الوضوء (3) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب نواقض الوضوء (4) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب نواقض الوضوء، والباب - 44 - من ابواب الوضوء (5) المروية في الوسائل في الباب - 25 - من ابواب الجنابة
[ 128 ]
إذا فرغ فليغتسل) وصحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) انه قال: (إذا أرادت الحائض ان تغتسل فلتستدخل قطنة، فان خرج فيها شئ من الدم فلا تغتسل، وان لم تر شيئا فلتغتسل) ويؤيده خلو الاخبار باسرها من هذا التفصيل مع عموم البلوى به وشدة الحاجة إليه، ولو قلنا بعدم اشتراط نية الوجه - كما هو الوجه - زال الاشكال من اصله. وعندي ان هذا هو السر في خلو الاخبار من ذلك، فتأمل) انتهى كلامه رفع مقامه. ونسج على منواله - كما هو الغالب عليه في كثير من اقواله - الفاضل المتأخر ملا محمد باقر الخراساني في الذخيرة، بل شيد ما اسسه وذب عنه وحرسه.
وفيه نظر من وجوه:
(الاول) - ان عبارة الذكرى وان اوهمت ما نقله لكن كلام شيخنا الشهيد في قواعده كالصريح في كون القول المذكور للعامة، حيث قال: (قاعدة - لا ريب ان الطهارة والاستقبال والنية والستر معدودة من الواجبات في الصلاة مع الاتفاق على جواز فعلها قبل الوقت، والاتفاق في الاصول على ان غير الواجب لا يجزئ عن الواجب، فاتجه هنا سؤال وهو ان يقال: احد الامرين لازم، وهو اما ان يقال بوجوب هذه الامور على الاطلاق، ولم يقل به أحد، أو يقال باجزاء غير الواجب عن الواجب، وهو باطل، لان الفعل إنما يجزئ عن غير مع تساويهما في المصلحة المطلقة، ومحال تساوي الواجب وغير الواجب في المصلحة. وجوابه انافد بينا، ثم أطال في الجواب إلى ان قال: وهذا الاشكال اليسير هو الذي الجأ بعض العلماء إلى اعتقاد وجوب الوضوء وغيره من الطهارات لنفسه، غير انه يجب وجوبا موسعا قبل الوفت وفى الوفت وجوبا مضيقا عتد آخر الوقت، ذهب إليه القاضي أبو بكر العنبري، وحكاه الرازي في التفسير عن جماعة. وصار بعض الاصحاب إلى وجوب الغسل بهذه المثابة) انتهى وظهوره - في ان الخلاف في المسألة المذكورة انما هو لبعض
(1) المروية في الوسائل في الباب - 17 - من ابواب الحيض
[ 129 ]
المخالفين، وخلاف بعض اصحابنا إنما هو في الغسل خاصة - مما لا يخفى على ذي مسكة وايضا من تأمل في عبارة الذكرى لا يذهب عليه ان المخالف من العامة، وفي التعليل ايناس بذلك. وبالجملة فالظاهر من عبارات الاصحاب (قدس سرهم) - قديما وحديثا، تصريحا في مواضع وتلويحا في اخرى - انه لا قائل بالوجوب النفسي على الاطلاق، وهذان الفاصلان قد اغترا بظاهر عبارة الذكرى، فنقلا القول به في المسألة وشيداه بما ذكرناه.
(الثاني) - إن الآية المذكورة غير مدافعة في الدلالة على الجوب الغيري، وذلك من وجهين: (أحدهما) - ان المفهوم من الآية عرفا ان الوضوء لاجل الصلاة. كما يقال: (إذا لقيت العدو فخذ سلاحك) أي لاجل العدو. واجاب الفاضل الخراساني بانه لا منافاه بين الوجوب لاجل الصلاة وبين وجوبه في نفسه. فيجوز ان يجتمع الوجوبان. ويرد عليه (اولا) - ان المدار في الاستدلال على المعاني المتبادرة إلى الذهن في بادئ النظر، والمنساقة إليه بمجرد الالتفات إلى ظاهر اللفظ، ومن ثم تراهم يصرحون - سيما في الاصول في غير موضع - بان التبادر امارة الحقيقة، ولا شك ان المتبادر من ظاهر الآية ومن المثال المذكور ان الوضوء واخذ السلاح لاجل الصلاة والحرب، ومقتضى تعليق الوجوب على غاية مخصوصة انتفاؤه بانتفائها فتثبت المنافاة بين الوجوب والغيري والوجوب النفسي البتة. و (ثانيا) - انه متى ثبت الوجوب الذاتي لشئ ثبت له مع كل امر مجامع له بوجوب واحد، والتغاير فيه اعتبار محض لا يترتب عليه أثر بالكلية، إذ لا يعقل لهذا الوجوب الغيري بعد ثبوت الوجوب النفسي معنى بالكلية كما لا يخفى على المتأمل، وحينئذ فليس هنا وجوبان كما زعمه (قدس سره).
[ 130 ]
و (ثانيهما) - ان الآية تدل - بمفهوم الشرط الذي هو حجة صريحة، أما عندهم فلما استدلو به عليه في الاصول، واما عندنا فلما دلت عليه الاخبار من حجيته - على عدم وجوب الوضوء عند عدم ارادة القيام، فلا يكون واجبا لنفسه. اجاب الفاضل المتقدم ذكره بان فيه ان المسلم حجية مفهوم الشرط إذا لم يكن للتعليق بالشرط فائدة اخرى سوى التخصيص، وههنا ليس كذلك، إذ يجوز ان تكون الفائدة ههنا بيان ان الوضوء واجب لاجل الصلاة وان كان واجبا في نفسه، فيكون الغرض متعلقا بالوجوب العارض له حين ارادة الصلاة باعتبار التوصل به إليها وكونه من مصالحها. ويرد عليه ما تقدم، فان مبنى كلامه على تجويز اجتماع الوجوبين، وقد عرفت ما فيه، ومن المعلوم ان الواجب ليفسه لا يحسن بل لا يجوز تعليقه على غيره، إذ قضية التعليق هو الوجوب الغيري، فانا لا نعني به إلا ترتب وجوب شئ على آخر، ولو كان واجبا في نفسه لم يحسن هذا الترتب البتة. وبالجملة انه قد سلم الوجوب الغيري، وهو يقتضي التعليق المذكور، وما يدعيه من الوجوب النفسي الثابت معه فنحن نمنعه، والمانع مستظهر.
(الثالث) - ان ما اورده (قدس سره) على الآية - بقوله: (ان اقصى ما تدل عليه الآية.. الخ) - فالجواب عنه من وجوه: (احدها) - انه يكفينا - في الاستدلال على ما ادعينا من الوجوب الغيري ونفي الوجوب النفسي - ما ذكرنا من التقرير المتقدم، ولزوم الوجوب بالارادة ولو قبل الوقت - مع كونه لا مدخل له في صحة ما اعتمدناه من الاستدلال - يكفينا في نفيه الاجماع على عدمه من الطرفين، فالتقريب في الآية يتم بضم الاجماع. و (ثانيها) - ما افاده بعض الاعلام من أن التعبير عن الارادة بالقيام يعطي المقارنة كما فهمه بعض المفسرين، واذ قام الدليل على عدم اعتبارها حمل على الاقرب
[ 131 ]
الممكن وهو ما في الوقت. انتهى. وهو جيد يساعده ما تكرر مثل ذلك في الآيات القرآنية والاخبار المعصومية، ومنه - قوله تعالى: (فإذا قرأت القرأن فاستعذ بالله...) (1) ولو لم يحمل على ذلك لزم الخلل في معنى ذلك الكلام المتعالى عنه كلام الملك العلام وأهل الذكر (عليهم السلام). و (ثالثها) - انه قد روى ابن بكير في الموثق (2) بل الصحيح على قول قوى لكونه ممن نقل فيه اجماع العصابة على تصحيح ما يصح عنه، قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): قوله تعالى: إذا قمتم إلى الصلاة ما يعني بذلك: إذا قمتم إلى الصلاة ؟ قال: إذا قمتم من النوم...) ويؤيده ايضا نقل العلامة في المنتهى والشيخ في التبيان اجماع المفسرين على ذلك، وحينئذ: فلا حاجة إلى ما ارتكب من تقدير الارادة في الآية، ومعنى الآية حينئذ: إذا قمتم من حدث النوم قاصدين إلى الصلاة فتوضؤوا. فقد وقع الامر بالوضوء معلقا على القصد للصلاة بالنسبة إلى من كان محدثا بحدث النوم، وهو نص في الوجوب الغيرى في هذا المورد، وهو كاف في صحة الاستدلال. وان ضم إلى ذلك عدم القول بالفصل بين حدث النوم وغيره من الاحداث تم الاستدلال بالآية بمعونة المقدمة المذكورة على الوجوب الغيرى في جميع الاحداث.
(الرابع) - ما ذكره من الايراد على الخبر بقوله: (وعلى الثاني ان المشروط وجوب الطهور والصلاة..): فان فيه (اولا) - انه متى كان المشروط بالدخول وجوب مجموع الامرين من الطهور والصلاة من حيث المجموع كما هو ظاهر كلامه، يلزم ان لا يثبت الوجوب بعد دخول الوقت لشئ من ماهية الطهور والصلاة من حيث الانفراد، وهو ظاهر البطلان و (ثانيا) - انه متى كان انتفاء هذا المجموع لاجل انتفاء الشرط يتحقق
(1) سورة النحل. الآية 98. (2) رواه في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب نواقض الوضوء
[ 132 ]
بانتفاء أحد جزءيه الذى هو الصلاة كما هو مراده ومطرح نظره، يلزم ان المعلق إنما هو أحد الجزءين خاصة وهو الذى انتفى بانتفاء الشرط، وحينئذ فلا معنى لتعليق الآخر، كما لا معنى لقولنا: (إذا دخل الوقت وجب الحج والصلاة). قال الفاضل المتقدم ذكره - بعد نقل ايراد السيد على الخبر كما ذكرنا - ما لفظه: (ولعل غرضه ان المشروط وجوب المجموع على سبيل الاستغراق الافرادي، فكأنه قيل: (إذا دخل الوقت وجب كل واحد من الامرين) واللازم من ذلك - على تقدير حجية مفهوم الشرط - رفع الايجاب الكلي عند انتفاء الشرط، لا ان المشروط مجموع الامرين من حيث هو مجموع، إذ ذلك بعيد جدا) انتهى. وانت خبير بان اعتذاره هذا قصاراه الاتيان على الوجه الاول مما ذكر دون الثاني.
(الخامس) - ان ما اسنتد إليه من الاخبار التي نقلها فالجواب عنها من وجوه: (احدها) - ما اجاب به شيخنا الشهيد في الذكرى من ان صحة اطلاق الوجوب أو الامر في الصورة المذكورة إنما نشأت من معلومية الاشتراط، حتى انه غلب في الاستعمال فصار حقيقة عرفية. و (ثانيها) - النقض الاجمالي بورود الاخبار بغسل الثوب والبدن من النجاسات وهي اكثر من ان يأتي المقام عليها، مع مساعدة الخصم فيها على الوجوب الغيري. وثالثها - انه لا نزاع في كون هذه الاسباب التي تضمنتها الاخبار موجبات للوضوء كما عبر به عنها في محله، بمعنى ان الوضوء بسببها يكون واجبا، لكن النزاع في ان هذا الوجوب الناشئ عنها هل هو نفسي ثابت للوضوء في نفسه أو غيري ؟ فههنا شيئان: ما به الوجوب وهي الاسباب من بول ونحوه، وما له الوجوب من صلاة ونحوها من الغايات المترتبة على الوضوء، والاخبار التي اوردها المستدل إنما تدل على ما به والوجوب، بمعنى ان هذه الاشياء يحصل بسببها وجوب الوضوء، وهذا ليس من محل النزاع في شئ، واما كون هذا الوجوب ثابتا للوضوء في نفسه أو لغيره فلا.
[ 133 ]
و (رابعها) - الجواب عنها تفصيلا: اما عن صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج (1) فالمتبادر منها من لفظ (وجب) معنى لزم وثبت، وهو اعم من الوجوب بالمعنى المصطلح، وكذلك صحيحة زرارة (2) وإلا لزم فيها تعلق التكليف بالنائم، لان المتعارف في كلامهم (عليهم السلام) اطلاق الفريضة على الواجب بالمعنى المصطلح، واطلاق الواجب على المعنى العرفي اي اللازم الثابت، ولا شك في ثبوت الوضوء - مثلا - في الذمة بمجرد الاتيان بالسبب، بمعنى جواز فعله بل استحبابه مع عدم وجود مانع من حين حصول السبب، وجواز الدخول به في المشروط به. واما موثقة بكير بن اعين (3) ففيها اجمال لاحتمال ورودها على ما هو الغالب من ارادة الوضوء عند ارادة ما هو مشروط به. واما صحيحة عبد الرحمان ابن ابي عبد الله (4) فليس المراد بها الوجوب، والالزم وجوب الفورية. واما صحيحة محمد دلالة فيها على الوجوب بالمعنى المصطلح. ومما يرشد إلى ما ذكرناه ورود هذه الاخبار اما في مقام بيان الناقض، أو بيان آداب الاغتسال، أو كراهة النوم على الجنابة، أو نحو ذلك، لا بيان وقت تعلق التكليف و (خامسها) - المعارضة بالاخبار الكثيرة ايضا: ومنها - صحيحة زرارة المذكورة في كلامه (قدس سره) (6) وما اورده عليها فقد عرفت ما فيه. وانت خبير بانها اوضح دلالة واخص مدلولا مما اورده من الاخبار فيتعين تقييدها بها جمعا. ومنها - ما رواه في الفقه (7) من العلل التي كتبها الرضا (عليه السلام) إلى محمد بن سنان: (ان علة الوضوء التي من اجلها صار على العبد غسل الوجه والذراعين
(1) و (2) و (3) و (4) و (6) المتقدمة في الصحيفة 127 (5) المتقدمة في الصحيفة 128 (7) ج 1 ص 35، وفى الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء.
[ 134 ]
ومسح الرأس والقدمين، فلقيامه بين يدي الله... الحديث) وروايات الفقيه وان ضعف سندها لارسال أو غيره فهي متلقاة عندهم بالقبول كما صرح به جملة من الفحول. ومنها - ما رواه في كتاب العيون (1) والعلل من علل الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) قال: (إنما امر بالوضوء وبدئ به لان يكون العبد طاهرا إذا قام بين يدي الجبار... الحديث) ولا يخفى ما فيهما من ظهور الدلالة على الوجوب الغيري ومنها - ما رواه في الكافي (2) في باب ان الارض للامام (عليه السلام) عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: (ان الامام - يا أبا محمد - لا يبيت ليلة ولله في عنقه حق يسأله عنه) مع ما رواه الصدوق في الفقيه (3) عن الصادق (عليه السلام): (أنا انام على ذلك - يعني حدث الجنابة - حتى اصبح، وذلك اني اريد ان اعود). ومنها - صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) في الصائم يتوضأ فيدخل الماء حلقه ؟ قال: إن كان وضوؤه لصلاة فريضة فليس عليه قضاء، وان كان وضوؤه لصلاة نافلة فعليه القضاء). ومنها ما رواه الكليني (5) عن ابي عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل قال: (ان الله فرض على اليدين ان لا يبطش بهما إلى ما حرم الله وان يبطش بهما إلى ما امر الله عزوجل، وفرض عليهما من الصدقة، وصلة الرحم، والجهاد في سبيل الله والطهور للصلوات... الحديث).
(1) ص 252، وفى العلل ص 96. وفى الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الوضوء (2) في الصحيفة 408 من الجزء الاول من الاصول. (3) ج 1 ص 47 رفى الوسائل في الباب - 25 - من ابواب الجنابة. (4) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم (5) في الصحيفة 33 من الجزء الثاني من الاصول، وفى الوسائل في الباب - 14 - من ابواب الجنابة وفى الباب - 2 - من ابواب جهاد النفس.
[ 135 ]
ومنها - الاخبار الواردة في من عليها غسل الجنابة وفجاءها الحيض قبل ان تغتسل من قوله (عليه السلام) في بعضها (1): (قد جاءها ما يفسد الصلاة فلا تغتسل) وفى آخر (2) (قد أتاها ما هو أعظم من ذلك) وفى جملة منها (3) (تجعله غسلا واحدا بعد طهرها) وفي بعض (4) (ان شاءت ان تغتسل فعلت، وان لم تفعل فليس عليها شئ). ولا يخفى أن جميع ذلك إنما يتمشى وينطبق على الوجوب الغيري دون الوجوب النفسي إلا بتكلفات بعيدة وتمحلات غير سديدة. هذا. وقد عرفت سابقا (5) دلالة الآية على ذلك ايضا، فتكون منطبقة على هذه الاخبار، مرجحة لها لو ثبتت المعارضة في هذا المضمار.
المقصد الثاني
في الغاية المستحبة
(فمنها) - الصلاة المستحبة، وربما سبق إلى بعض الاوهام - كما نقله بعض الاعلام هنا - وجوب الوضوء لصلاة النافلة، بناء على ترتب الاثم على فعل النافلة بدون وضوء. وهو خطأ محض، فان الاثم إنما يتوجه إلى الفعل المذكور لان فعل النافلة من غير وضوء تشريع محرم، فالاثم إنما ترتب على ذلك لا على الترك، واحدهما غير الآخر.
(1) وهى حسنة الكاهلى المروية في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب الجنابة، وفى الباب - 22 - من ابواب الحيض. (2) وهى رواية سعيد بن يسار المروية في الوسائل في الباب - 22 - من ابواب الحيض (3) وهى موثقات حجاج الخشاب وزرارة وابى بصير وعبد الله بن سنان المروية في الوسائل في الباب - 43 - من ابواب الجنابة، وفى الباب - 22 - من ابواب الحيض. (5) في الصحيفة 129
[ 136 ]
وربما اطلق على هذا النوع من الندب اسم الواجب تجوزا، لمشابهة الواجب في الشرطية وعموم صحة الفعل إلا به وان كان في حد ذاته مندوبا، ويعبر عنه بالوجوب الشرطي اشارة إلى علاقة التجوز، ولعله من ذلك سرى الوهم. والاخبار الدالة على الوضوء لصلاة النافلة متفرقة في جملة من الصلوات لكن ليس فيها تصريح بالاستحباب، ولعل المتمسك في ذلك البناء على ان شرط المستحب مستحب كما ان شرط الواجب واجب، والاجماع كما نقله جملة من الاصحاب. ويدل على الاشتراط في الجميع عموم قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1): (لا صلاة إلا بطهور...) وقوله (عليه السلام) في حسنة الحلبي (2): (الصلاة ثلاثة أثلاث: ثلث طهور وثلث ركوع وثلث سجود).
و (منها) - الطواف المستحب، وهل الوضوء هنا شرط لصحة كصلاة النافلة أو لوقوعه على الوجه الاكمل، فيصح بدونه ؟ خلاف سيأتي الكلام عليه ان شاء الله تعالى في موضعه.
و (منها) - دخول المساجد، لرواية مرازم بن حكيم المروية في كتاب مجالس الصدوق (3) عن الصادق (عليه السلام) انه قال: (عليكم باتيان المساجد فانها بيوت الله في الارض، ومن اتاها متطهرا طهره الله من ذنوبه، وكتب من زواره) وروى الصدوق في الفقيه (4) مرسلا: (ان في التوراة مكتوبا ان بيوتي في الارض
(1) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب احكام الخلوة، وفى الباب - 1 و 4 - من ابواب الوضوء، وفى الباب - 14 - من ابواب الجنابة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الركوع. وفى الباب - 28 - من ابواب السجود. (3) في الصحيفة 216 وفى الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الوضوء. (4) ج 1 ص 154 وفى الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الوضوء، وفى الباب - 39 - من احكام المساجد.
[ 137 ]
المساجد، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي. الحديث) ولاستحباب صلاة التحية بعد دخولها الموقوفة على الطهارة. ويتأكد مع ارادة الجلوس فيها، لمرسلة العلاء بن الفضيل عمن رواه عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: (إذا دخلت المسجد وانت تريد ان تجلس فلا تدخله إلا طاهرا...).
و (منها) - قراءة القرآن، لرواية محمد بن الفضيل المروية في كتاب قرب الاسناد (2) قال: (سألت أبا الحسن (عليه السلام): اقرأ المصحف ثم يأخذني البول فاقوم فابول واستنجي واغسل يدي، واعود إلى المصحف فاقرأ فيه ؟ قال: لا حتى تتوضأ للصلاة). وفي كتاب الخصال (3) في حديث الاربعمائة " قال امير المؤمنين (عليه السلام): لا يقرأ العبد القرآن إذا كان على غير طهور حتى يتطهر). وبعض المتأخرين لما لم يقف على المستند في الحكم المذكور علله بالشهرة والتعظيم.
و (منها) - مسه وحمله، لموثقة ابراهيم بن عبد الحميد المتقدمة في ادلة تحريم مس خط المصحف على المحدث (4).
و (منها) - النوم. لرواية محمد بن كردوس عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: (من تطهر ثم آوى إلى فراشه بات وفراشه كمسجده...). ورواه البرقي في كتاب المحاسن (6) عن حفص بن غياث عنه (عليه السلام)،
(1) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الوضوء، وفى الباب - 39 - من احكام المساجد. (2) في الصحيفة 175 وفى الوسائل في الباب - 13 - من ابواب قراءة القرآن. (3) ج 2 ص 165 وفى الوسائل في الباب - 13 - من ابواب قراءة القرآن. (4) في الصحيفة 122 (5) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الوضوء. (6) في الصحفية 47، وفى الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الوضوء
[ 138 ]
وزاد آخره (فان ذكر انه ليس على وضوء فتيمم من دثاره كائنا ما كان لم يزل في صلاة ما ذكر الله تعالى).
و (منها) - نوم الجنب، لصحيحة الحلبي (1) قال: (سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل أينبغي له ان ينام وهو جنب ؟ قال: يكره ذلك حتى يتوضأ).
و (منها) - صلاة الجنازة، لرواية عبد الحميد بن سعيد (2) قال: (قلت لابي الحسن (عليه السلام): الجنازة يخرج بها ولست على وضوء، فان دهب اتوضأ فاتتني الصلاة. أيجزيني ان اصلي عليها وانا على غير وضوء ؟ قال: تكون على طهر احب الي).
و (منها) - السعي في حاجة، لصحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: (سمعته يقول: من طلب حاجة وهو على غير وضوء فلم تقض فلا يلومن إلا نفسه). وطعن بعض فضلاء متأخري المتأخرين في الدلالة، معللا بان مفاده ان الحاجة بدون الوضوء لا تقضى، فينبغي ان يطلب الحاجة فيما إذا توضأ بالوضوء الذي رخص فيه من الشارع، لانه عبادة موقوفة على الاذن، وليس فيه دلالة على الاذن والرخصة للوضوء في وقت طلب الحاجة، كما تشهد به الفطرة السليمة. انتهى. وفيه نظر، فان الظاهر من العبارة كون ذلك كناية عن الحث على الوضوء لاجل ذلك، كما ورد نظيره في استحباب التحنك والحث عليه بعد التعمم وعند الخروج في السفر.
(1) المروية في الوسائل في الباب - 11 - من ابواب الوضوء، وفى الباب - 25 - من ابواب الجنابة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 21 - من ابواب صلاة الجنازة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 6 - من ابواب الوضوء.
[ 139 ]
كقوله (عليه السلام) (1): (من تعمم ولم يتحنك فأصابه داء لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه). وفى اخرى (2) (من اعتم ولم يدر العمامة تحت حنكه فأصابه ألم لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه). وفي موثقة عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) (من خرج في سفر ولم يدر العمامة تحت حنكه فأصابه ألم لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه). فان المتبادر من ذك هو استحباب التحنك لاجل الامرين المذكورين.
و (منها) - الجنب إذا اراد ان يغسل ميتا ولما يغتسل.
و (منها) - غاسل الميت اراد ان يأتي أهله قبل الغسل. ويدل عليهما حسنة شهاب بن عبد ربه (4) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجنب يغسل الميت، أو من غسل ميتا، أيأتي أهله ثم يغتسل ؟ فقال: هما سواء لا بأس بذلك، إذا كان جنبا غسل يديه وتوضأ وغسل الميت وهو جنب، وان غسل ميتا ثم أتى اهله توضأ ثم أتى اهله ويجزبه غسل واحد لهما).
و (منها) - المجامع إذا اراد الجماع مرة اخرى ولما يغتسل، وهذا الموضع غير مذكور في كتب الاصحاب. ويدل عليه رواية الوشاء، رواها الاربلي في كتاب كشف الغمة (5) من كتاب
(1) في حسنة ابن ابى عمير المروية في الوسائل في الباب - 26 - من ابواب لباس المصلى (2) وهي رواية فيسى بن حمزة المروية في الوسائل في الباب - 26 - من ابواب لباس المصلى. (3) المروية في الوسائل في الباب - 26 - من ابواب لباس المصلى. (4) المروية في الوسائل في الباب - 43 - من ابواب الجنابة، وفى الباب - 34 - من ابواب غسل الميت. (5) في الصحيفة 269، وفى الوسائل في الباب - 13 - من ابواب الوضوء.
[ 140 ]
دلائل الحميري عن الوشاء قال: (قال فلان بن محرز بلغنا ان أبا عبد الله (عليه السلام) كان إذا اراد ان يعاود أهله الجماع توضأ وضوء الصلاة، فاحب ان تسأل أبا الحسن الثاني (عليه السلام) عن ذلك. قال الوشاء: فدخلت عليه فابتدأني من غير ان اسأله فقال: كان أبو عبد الله (عليه السلام) إذا جامع واراد ان يعاود توضأ للصلاة وإذا اراد ايضا توضأ للصلاة).
و (منها) - التأهب لصلاة الفريضة، لما رواه الشهيد في الذكرى (1) من قولهم (عليهم السلام): (ما وقر الصلاة من أخر الطهارة حتى يدخل الوقت). ويدل عليه ايضا ما ورد في الاخبار (2) من الامر بصلاة الفريضة حين يدخل الوقت.
و (منها) - جماع الحامل، لما في وصيته (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) قال: (يا علي إذا حملت امرأتك فلا تجامعها إلا وأنت على وضوء، فانه ان قضى بينكما ولد يكون اعمى القلب بخيل اليد) رواه الصدوق في كتاب المجالس والعلل (3).
و (منها) ما لا يشترط فيه الطهارة من مناسك الحج، لما سيأتي في بابه ان شاء الله تعالى.
و (منها) - الدخول من سفر، لما رواه الصدوق في المقنع (4) قال: (وروى عن الصادق (عليه السلام) قال من قدم من سفر فدخل على اهله وهو على غير وضوء ورأى ما يكره فلا يلومن إلا نفسه).
(1) في التنبيه الثالث من الواقيت، وفى الوسائل في الباب - 4 - من ابواب الوضوء (2) المروية على الاختلاف في الباب - 3 و 5 و 6 و 18 و 28 - من ابواب المواقيت (3) رواه في المجالس ص 339 وفى العلل ص 175، وفى الوسائل في الباب - 13 - من ابواب الوضوء، وفى الباب - 154 - من مقدمات النكاح وآدابه (4) لم نعثر على هذه الرواية في المقنع بعد الفحص عنها في مظانها
[ 141 ]
و (منها) - لمن اراد ان يدخل الميت قبره، لرواية محمد بن مسلم والحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) في حديث قال: (توضأ إذا ادخلت الميت القبر).
و (منها) - الكون على الطهارة، لما رواه الديلمي في الارشاد 2) عنه (صلى الله عليه وآله) قال: (قال الله تعالى: من أحدث ولم يتوضأ فقد جفاني.. الحديث). وما رواه الراوندي في نوادره عن الكاظم عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (3) (قال: كان اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا بالوا توضؤوا أو تيمموا مخافة ان تدركهم الساعة).
و (منها) - التجديد، لرواية ابي بصير ومحمد بن مسلم المروية في الخصال (4) عن الصادق عن آبائه عن امير المؤمنين علي (عليهم السلام) قال: (الوضوء بعد الطهور عشر حسنات فتطهروا) ورواه في كتاب المحاسن (5) مثله. ومرسلة سعدان عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: (الطهر على الطهر عشر حسنات) والاخبار بذلك مستفيضة. ويتأكد لصلاة المغرب والغداة، لرواية سماعة عن ابى الحسن موسى (عليه السلام) (7) قال: (من توضأ للمغرب كان وضوؤه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في يومه إلا الكبائر، ومن توضأ للصبح كان وضوؤه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في ليلته إلا الكبائر).
(1) المروية في الوسائل في الباب - 31 - وفى الباب - 53 - من ابواب الدفن. (2) ص ى 58 طبع النجف 1374 وفى الوسائل في الباب - 11 - من ابواب الوضوء. (3) رواه صاحب المستدرك في الباب - 11 - من ابواب الوضوء. (4) ص 161 في الحديث الاربعمائة، وفى الوسائل في الباب - 1 - من ابواب نواقض الوضوء، وفى الباب - 8 - من ابواب الوضوء. (5) ص 47 (6) و (7) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الوضوء.
[ 142 ]
ولصلاة العشاء، لرواية قتادة عن الرضا (عليه السلام) (1) قال: (تجديد الوضوء لصلاة العشاء يمحو لا والله وبلى والله).
و (منها) - إرادة وطئ جارية بعد وطئ اخرى ولما يغتسل، لمرسل ابن ابى نجران عمن رواه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: (إذا اتى الرجل جاريته ثم اراد ان يأتي اخرى توضأ).
و (منها) - ذكر الحائض على المشهور، ونقل في المختلف عن علي بن بابويه القول بالوجوب، وهو ظاهر ابنه الصدوق في الفقيه، حيث نقل ذلك (3) عن ابيه في رسالته إليه بما لفظه: (وقال ابى في رسالته الي: اعلم إلى ان قال: يجب عليها عند حضور كل صلاة ان تتوضأ وضوء الصلاة وتجلس مستقبلة القبلة) فان نقله ذلك وجموده عليه يدل على اختياره. والذي وقفت عليه من الاخبار في ذلك صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) وفيها (وعليها ان تتوضأ وضوء الصلاة عند وقت كل صلاة ثم تقعد في موضع طاهر فتذكر الله... الحديث). وحسنة زيد الشحام عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) وفيها (ينبغي للحائض ان تتوضأ عند وقت كل صلاة... الحديث).
(1) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 154 - من مقدمات النكاح وآدابه. ولا يخفى ان هذه المرسلة - كما في المتن وفى التهذيب ج 2 ص 242 وفى الوافى ج 12 ص 107 هي مرسلة عبد الرحمان ابن ابى نجران التميمي، ولكن في الوسائل ذكر عثمان بن عيسى بدل ابن ابى نجران (3) ج 1 ص 50. (4) المروية في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب الوضوء. وفى الباب - 40 - من ابواب الحيض (5) المروية في الوسائل في الباب - 40 - من ابواب الحيض
[ 143 ]
ورواية معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: (تتوضأ المرأة الحائض إذا أرادت ان تأكل، وإذا كان وقت الصلاة توضأت واستقبلت القبلة... الحديث). وحسنة محمد بن مسلم (2) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحائض تطهر يوم الجمعة وتذكر الله ؟ قال: اما الطهر فلا، ولكنها تتوضأ في وقت الصلاة ثم تستقبل القبلة... الحديث). وصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: (وكن نساء النبي (صلى الله عليه وآله) لا يقضين الصلاة إذا حضن، ولكن يختشين حين يدخل وقت الصلاة ويتوضأن... الحديث). وفي كتاب الفقه الرضوي (4) قال (عليه السلام): (ويجب عليها عند حضور كل صلاة ان تتوضأ وضوء الصلاة وتجلس... الحديث). والظاهر ان عبارة الفقيه مأخوذة من الكتاب المذكور كما قدمنا الاشارة إليه آنفا، لاتفاق لفظي العبارة والحديث. وفي كتاب دعائم الاسلام (5) عن ابي جعفر (عليه السلام) انه قال: (انا نأمر نساءنا الحيض ان يتوضأن عند وقت كل صلاة، فيسبغن الوضوء ويحتشين بخرق، ثم يستقبلن القبلة من غير ان يفرضن صلاة، إلى ان قال: فقيل لابي جعفر (عليه السلام): فان المغيرة زعم انك قلت يقضين الصلاة فقال: كذب المغيرة، ما صلت امرأة من نساء رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا من نسائنا وهي حائض، وإنما يؤمرن بذكر الله - كما وصفنا - ترغيبا في الفضل واستحبابا له). هذا ما وقفت عليه من أخبار المسألة. وظاهر لفظ (عليها) في الرواية الاولى
(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 40 - من ابواب الحيض، (4) في الصحيفة 21 (5) ج 1 ص 155
[ 144 ]
الوجوب، قيل وظاهر لفظ (ينبغي) في الثانية الاستحباب. وفيه تأمل، فانه وان اشتهر كونه كذلك في عرف الناس وربما وجد في الاخبار بهذا المعنى ايضا - الا ان اكثر استعمال (ينبغي) و (لا ينبغي) في الاخبار بمعنى الوجوب والتحريم، وقد حضرني من الاخبار ما يشتمل على خمسة عشر موضعا يتضمن ما ذكرناه. واما الثالثة فقيل: ان الامر بالوضوء في صدرها قرينة على استحباب الوضوء للذكر المذكور بعده. وفيه نظر، لعدم الملازمة بينهما المقتضية لذلك، واشتمال الواية على الاوامر الوجوبية والندبية غير عزيز في الاخبار. واما الرابعة فلا ظهور لها في الاستحباب زيادة على الوجوب، وكذلك الخامسة. واما السادسة فهي ظاهرة في الوجوب. واما السابعة فظاهرة في الاستحباب. وانت خبير بانه لو لم يرجح الوجوب منها على الاستحباب فلا يرجح العكس، والمسألة محل توقف، والشهرة غير مرجحة إلا ان تكون في الصدر الاول. وهي غير معلومة سيما مع مخالفة هذين العمدتين. وتوقف شيخنا صاحب رياض المسائل وحياض الدلائل، ونفي بعد القول الثاني عن الصواب. وهو كذلك لما عرفت.
و (منها) - وضوء الميت مضافا إلى غسله على المشهور، وسيجئ تحقيقه في محله ان شاء الله تعالى.
و (منها) - كتابة القرآن، لصحيحة علي بن جعفر المتقدمة (1) في مسألة حكم مس القرآن للمحدث بناء على أحد احتماليها. وزاد بعض الاصحاب استحباب الوضوء للجنب إذا اراد ان يأكل، لصحيحة الحلبي (2) المتضمنة (انه إذا كان الرجل جنبا لم يأكل ولم يشرب حتي يتوضأ). وصحيحة عبد الرحمان (3) قال: (قلت أيأكل كل الجنب قبل ان يتوضأ ؟ قال: انا لنكسل، ولكن يغسل يده، والوضوء افضل).
(1) في الصحيفة 123 (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 20 - من ابواب الجناية
[ 145 ]
واستظهر بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين حمل الوضوء هنا على غسل اليد، كما ورد في حسنة زرارة (1) (الجنب إذا اراد أن يأكل ويشرب غسل يده وتمضمض وغسل وجهه...) ومثلها رواية السكوني (2) وهو اقرب، لان اطلاق الوضوء في الاخبار على ذلك منتشر، والمفصل يحكم على المجمل، ويؤيده ان الغسل هو المنسوب إلى الاكل والشرب. والمشهور ايضا عد زيارة المقابر، ولم اقف بعد الفحص على مستنده. وعد جماع المحتلم ايضا، ولم اقف ايضا على دليله، وما استدلوا به عليه من قوله (صلى الله عليه وآله) (3): (يكره ان يغشى الرجل المرأة وقد احتلم حتى يغتسل من احتلامه... الخبر) فلا تعرض فيه للوضوء - كما ترى - بوجه. وزاد بعضهم ما روى فيه الوضوء من الاسباب الزائدة مما قدمنا ذكره، كالمذي والرعاف، والقئ، وقراءة الشعر الباطل زيادة على اربعة ابيات، ونحو ذلك. والاظهر - كما قدمنا ذكره - حمل تلك الاخبار على التقية (4). وزاد بعضهم ايضا استحباب الوضوء للحاكم إذا جلس للقضاء بين الناس. ولم اقف على دليله. وزاد بعض آخر استحباب الوضوء لمن غسل ميتا إذا اراد تكفينه قبل الغسل. فان اراد به الوضوء المجامع لغسل المس - كما صرح به شيخنا الشهيد الثاني في الروضة - فلا وجه لعده في هذا المقام، مع انه لا نص على استحبابه هنا ايضا، وان اراد ان منشأ الاستحباب هو تلك الغاية المذكورة، ففيه انه لا دليل عليه كما اعترف به غير واحد
(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 20 - من ابواب الجناية (3) المروى في الوسائل في الباب - 70 - من ابواب مقدمات النكاح وآدابه. (4) تقدم في التعليقة 5 ص 110 والتعليقة 6 ص 114 والتعليقة 1 ص 116 ما يتعلق بذلك
[ 146 ]
فائدتان: (الاولى) - قد عرفت في جملة ما تقدم (1) استحباب الوضوء للتجديد، ولا ريب - كما هو ظاهر المذهب في شرعيته وان ترامى مع الفصل بصلاة ولو نافلة، لا طلاق الآية (2) والرواية عموما وخصوصا. اما بدونه فهل يشرع مطلقا، أو لا مطلقا، أو مع الفصل بمجدد له في الجملة وبدونه فلا ؟ احتمالات: واطلاق الاخبار - كقولهم (عليهم السلام) (3): (الوضوء على الوضوء نور على نور) وقولهم (4) (من جدد وضوءه من غير حدث جدد الله توبته من غير استغفار) وقولهم (5): (الطهر على الطهر عشر حسنات) - يدل على الاول، وبه قطع في التذكرة، وتوقف في الذكرى في استحبابه لمن لم يصل بالاول، ورجح فيها عدم استحباب لصلاة واحدة اكثر من مرة، وهو ظاهر الصدوق في الفقيه في مسألة تثنية الغسل في الوضوء كما سيأتي، حيث حمل اخبار التثنية على التجديد. واحتمل بعض المتأخرين تفصيلا بانه يمكن ان يقال مع الفصل الكثير الذي يحتمل طرو الحدث بعده وعدم تذكره، يتحقق التجديد عرفا، مع ان فيه نوعا من الاحتياط ثم ان ظاهر الاصحاب اختصاص التجديد بطهارة الوضوء بمعنى الوضوء بعد والوضوء، واما الوضوء بعد الغسل، والغسل بعد الغسل ولو مع الفصل بصلاة، فلم يتعرضوا له، وربما ايد المنع ورود الاخبار ببدعية الوضوء مع غسل الجنابة. واستظهر شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار استحباب التجديد في الصورة الاولى إذا صلى بينهما، لرواية ابي بصير ومحمد بن مسلم المتقدمة (6) نقلا عن
(1) و (6) في الصحيفة 141 (2) وهى قوله تعالى: " يا ايها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا... الآية " (3) و (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الوضوء.
[ 147 ]
كتاب الخصال الدالة على ان (الوضوء بعد الطهور عشر حسنات) قال: و (المتبادر من اخبار كونه بدعة إذا وقع بلا فاصلة. ثم قال: ولعل الاحتياط في الترك) انتهى. ونفى بعض البعد عن استحباب تجديد الغسل لمرسلة سعدان المتقدمة (1). (الثانية) - قد انتشر الخلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في استباحة الصلاة بالوضوء لاحد الغايات المذكورة، وسيأتي ان شاء الله تعالى تفصيل الكلام في المسألة في مبحث النية.
<>