تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الثاني


 

الفصل الثاني

في كيفية الوضوء الواجبة

وهي تعتمد أركانا خمسة:

الركن الأول

النية

ولا ريب ان النية - في جملة أفعال العقلاء العارية عن السهو والنسيان - مما يجزم بتصورها بديهة الوجدان، لارتكازها في الاذهان، فهي في التحقيق غنية عن البيان، فعدم التعرض لها احرى بالدخول في حيز القبول، ومن ثم خلا عن التعرض لها كلام متقدمي علمائنا الفحول، وطوي البحث عنها في اخبار آل الرسول، إلا انه لما انتشر الكلام فيها بين جملة من متأخري الاصحاب، وكان بعضه لا يخلو من اشكال واضطراب، احببنا الولوج معهم في هذا الباب، وتنقيح ما هو الحق عندنا والصواب جريا على وتيرتهم (رضوان الله عليهم) فيما قعدوا فيه وقاموا، واسامة لسرح اللحظ حيث اساموا. وقد احببنا ان نأتي على جملة ما يتعلق بالنية من الاحكام بل كل ما له ارتباط بها في المقام ونحو ذلك مما يدخل في سلك هذا النظام على وجه لم يسبق إليه سابق من علمائنا الاعلام وفضلائنا العظام، فنقول:

البحث فيها يقع في مقامات:

(المقام الاول) - لا ريب في وجوب النية في الوضوء بل في جملة العبادات، والوجه فيه انه لما كان الفعل من حيث هو ممكن الوقوع على انحاء شتى - ولا يعقل انصرافه إلى شئ منها إلا بالقصد إلى ذلك الشئ بخصوصه، ولا يترتب عليه اثره


[ 171 ]

إلا بذلك، مثلا - الدخول تحت الماء من حيث هو صالح لان يقصد به التبرد أو التسخن تارة، وازالة الوسخ اخرى والغسل مثلا، واخراج شئ من الماء ونحو ذلك، فلا ينصرف إلى واحد من هذه الاشياء أو أزيد إلا بنيته وقصده. ومثل ذلك لطمة اليتيم تأديبا وظلما وهكذا جميع افعال العقلاء من عبادات وغيرها لا يمكن تجردها وخلوها من الينة والقصد بالكلية، والى ذلك يشير ما صرح به بعض فضلائنا واستحسنه آخرون، من انه لو كلفنا الله العمل بلا نية لكان تكليفا بما لا يطلق - فالعبادة لا تكون عبادة يترتب عليها اثرها ويمتاز بعض اصنافها عن بعض إلا بالقصود والنيات ففي العبادة الواجبة تكون النية واجبة شرطا أو شرطا، لعدم تعينها - كما عرفت - وتشخصها إلا بها، وفي المندوبة تكون من شروط صحتها جزء كانت أو خارجة، كغيرها من الافعال التي لا تصح إلا بها. وعدم الاتصاف بالوجوب فيها - ولا في غيرها مما هو واجب في الفريضة وشرط في صحتها - انما هو من حيث انه لا يعقل وجوب الشرط أو الجزء مع ندبية المشروط أو الكل، وربما عبروا عن مثل ذلك بالوجوب الشرطي. ويدل على أصل ما قلناه ما رواه في التهذيب (1) مرسلا عنه (صلى الله عليه وآله) من قوله: (إنما الاعمال بالنيات) وقوله (صلى الله عليه وآله): (انما لكل امرئ ما نوى) وقول علي بن الحسين (عليهما السلام) في حسنة الثمالي: (لا عمل إلا بنية) (2) فان الظاهر ان المراد بالنية هنا المعنى اللغوي. لاصالة عدم النقل، بمعنى


(1) ج 1 ص 13، وفى الوسائل في الباب - 5 - من ابواب مقدمة العبادات (2) ومن الاخبار في ذلك صحيحة على بن جعفر المروية في الفقيه والتهذيب عن اخيه موسى (عليه السلام) قال: " سألته عن الاضحية يخطئ الذى يذبحبها فيسمى غير صاحبها اتجزئ عن صاحب الاضحية ؟ فقال: نعم، انما له ما نوى " والظاهر ان المراد منه انما للذابح ما نواه اولا دون سماه حال الذبح غلطا. ويحتمل انما لصاحب الذبيحة ما نواه الذابح =


[ 172 ]

إنما الاعمال حاصلة بالقصود والنيات، وانما لكل امرئ ما قصده، وانه لا عمل حاصل إلا متلبسا بقصد ونية. فالاول والثالث صريحا الدلالة في عدم حصول العمل بالاختيار من النفس إلا بقصدها إلى اصداره، والثاني صريح في ان المرء لا يستحق من جزاء عمله الا جزاء ما قصده كما يدل عليه السبب فيه، وينادي به تتمتة من قوله (صلى الله عليه وآله): (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه) (1) ومن هنا يعلم ان مدار الاعمال - وجودا وعدما واتحادا وتعددا وجزاءها ثوابا وعقابا - على القصود والنيات. وبما ذكرنا ثبت ما ادعيناه من ضرورية النية في جميع الاعمال، وعدم احتياجها إلى تكلف واحتمل، ووجوبها في جميع العبادات المترتب صحتها عليها، فان الاعمال كالاشباح والقصود لها كالارواح. هذه جملة من اصحابنا (رضوان الله عليهم) لما حكموا بوجوب النية في جميع العبادات وفسروها بالمعنى الشرعي، اشكل عليهم الاستدلال على الوجوب: فاستدل بعض - منهم: السيد السند في المدارك - على ذلك بما قدمنا من الاخبار، واعترضه آخرون بمنع ذلك، قالوا: لان الظاهر من الحصر في حديثي (إنما الاعمال بالنيات) و (لا عمل إلا بنية) (2) انتفاء حقيقة العمل عند انتفاء النية، وهو باطل، فلما تعذر الحمل على الحقيقة فلابد من المصير إلى اقرب المجازات. والتجوز بالحمل على نفي الصحة - كما يدعيه المستدل - ليس اولى من الحمل على نفي الثواب. ولو قيل:


= سمى أو لم يسم. وصحيحة اخرى له ايضا عن اخيه (عليه السلام) " عن الرجل يحلف وينسى ما قال ؟: هو على ما نوى " (منه رحمه الله). (1) رواه في الوافى ج 3 ص 71 وفى المستدرك ج 1 ص 8 (2) المرويين في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب مقدمة العبادات.


[ 173 ]

ان الاول اقرب إلى الحقيقة، عورض بان حملهما عليه يستلزم التخصيص في الاعمال، فانها أعم من العبادات التي هي محل الاستدلال، فيخرج كثير من الاعمال حينئذ من الحكم. واما الحديث الثالث (1) فلا انطباق له على مدعاهم بالكلية، لما اوضحناه سابقا مؤيدا بتتمته وعلته (2). نعم ربما يستدل لهم بما رواه الشيخ (رحمه الله) في كتاب الامالي (3) بسنده فيه عن ابي الصلت عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (لا قول إلا بعمل، ولا قول وعمل الا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا باصابة السنة) وما رواه في كتاب بصائر الدرجات (4) بسنده فيه عن علي (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا قول الا بعمل، ولا عمل إلا بنية، ولا عمل ونية الا باصابة السنة). فان الظاهر من سياق الخبرين ان المراد بالعمل فيهما العبادة، وحينئذ فالنية عبارة عن المعنى الشرعي المشترط في صحة العبادة.

(المقام الثاني) - قد عرف جملة من اصحابنا النية شرعا بانها القصد المقارن للفعل، قالوا: فلو تقدمت ولم تقارن سمى ذلك عزما لا نية. وأصل هذا التعريف للمتكلمين، فانهم - على ما نقل عنهم - عرفوها بانها الارادة من الفاعل للفعل بالمقارنة له وللاصحاب (رضوان الله عليهم) في بيان المقارنة في نية الصلاة اختلاف فاحش: قال العلامة (رحمه الله) في التذكرة: (الواجب اقتران النية بالتكبير، بان


(1) وهو قوله (ع): " انما لكل امرئ ما نوى " المتقدم في الصحيفة 171 (2) المتقدمة في الصحيفة 172 (3) في الصحيفة 215، وفى الوسائل عن غير الامالى في الباب - 5 - من ابواب مقدمة العادات. (4) في الصحيفة 3، وفى الوسائل في الباب - 5 - من ابواب المقدمة العبادات.


[ 174 ]

يأتي بكمال النية ثم يبتدئ بالتكبير بلا فصل، وهذا تصح صلاته اجماعا) قال: (ولو ابتدأ بالنية بالقلب حال ابتداء التكبير باللسان ثم فرغ منهما دفعة واحدة، فالوجه الصحة). ونقل الشهيد (رحمه الله) عن بعض الاصحاب انه اوجب ايقاع النية باسرها بين الالف والراء، قال: (وهو - مع العسر - مقتض لحصول اول التكبير بلا نية) ونقل السيد السند في المدارك عن العلامة والشهيد انهما اوجبا استحضار النية إلى انتهاء التكبير، لان الدخول في الصلاة إنما يتحقق بتمام التكبير. ورده بلزوم العسر، وان الاصل براءة الذمة عن هذا التكليف، وان الدخول في الصلاة يتحقق بالشروع في التكبير، لانه جزء من الصلاة باجماعنا، فإذا قارنت النية اوله فقد قارنت اول الصلاة، لان جزء الجزء جزء، ولا ينافي ذلك توقف التحريم على انتهائه. انتهى. وفي البال اني وقفت منذ مدة على كلام للعلامة (رضي الله عنه) الظاهر انه في اجوبة مسائل السيد مهنا بن سنان المدنى في المقارنة، قال (رحمه الله) حكاية عن نفسه: (انى اتصور الصلاة من فاتحتها إلى خاتمتها ثم اقصد إليها، فاقارن بها النية) والكتاب لا يحضرني الآن لاحكي صورة عبارته ولكن في البال ان حاصله ذلك. اقول: لا يخفى عليك - بعد تأمل معنى النية ومعرفة حقيقتها - ان جملة هذه الاقوال بعيدة عن جادة الاعتدال، فانها مبنية على ان النية عبارة عن هذا الحديث النفسي والتصوير الفكري، وهو ما يترجمه قول المصلي - مثلا -: (اصلى فرض الظهر اداء لوجوبه قربة إلى الله) والمقارنة بها بان يحضر المكلف عند ارادة الدخول في الصلاة ذلك بباله وينظر إليه بفكره وخياله، ثم يأتي - بعد الفراغ من تصويره بلا فصل - بالتكبير كما هو المجمع على صحته عندهم، أو يبسط ذلك على التلفظ بالتكبير ويمده بامتداده كما هو القول الآخر، أو يجعله بين الالف والراء كما هو القول الثالث. وكل


[ 175 ]

ذلك محض تكلف وشطط، وغفلة عن معنى الينة أوقع في الغلط، فانه لا يخفى على المتأمل انه ليست الينة بالنسبة إلى الصلاة إلا كغيرها من سائر افعال المكلف من قيامه وقعوده واكله وشربه وضربه ومغداه ومجيئه ونحو ذلك. ولا ريب ان كل عاقل غير غافل ولا ذاهل لا يصدر عنه فعل من هذه الافعال إلا مع قصد ونية سابقة عليه ناشئة من تصور ما يترتب عليه من الاغراض الباعثة والاسباب الحاملة له على ذلك الفعل، بل هو امر طبيعي وخلق جبلي لو اراد الانفكاك عنه لم يتيسر له الا بتحويل النفس عن تلك الدواعي الموجبة والاسباب الحاملة، ولهذا قال بعض من عقل هذا المعنى من الافاضل - كما قدمنا نقله عنه -: (ولو كلفنا العمل بغير نية لكان تكليفا بما لا يطلق) ومع هذا لا نرى المكلف في حال ارادة فعل من هذه الافعال يحصل له عسر في النية ولا اشكال ولا وسوسة ولا فكر ولا ملاحظة مقارنة ولا غير ذلك مما اعتبروه في ذلك المجال، مع ان فعله واقع بنية وقصد مقارن البتة، فإذا شرع في شئ من العبادات اضطرب في امرها وحار في فكرها، وربما اعتراه في تلك الحال الجنون مع كونه في سائر افعاله على غاية من الرزانة والسكون، وهل فرق بين العبادة وغيرها إلا بقصد القربة والاخلاص فيها لذى الجلال ؟ وهو غير محل البحث عندهم في ذلك المجال، مع انه ايضا لا يوجب تشويشا في البال ولا اضطرابا في الخيال. وان اردت مزيد ايضاح لما قلناه فانظر إلى نفسك، إذا كنت جالسا في مجلسك ودخل عليك رجل عزيز حقيق بالقيام له والتواضع، ففي حال دخوله قمت له اجلالا واعظاما كما هو الجاري في رسم العادة، فهل يجب عليك أن تتصور في بالك (اقوم تواضعا لفلان لاستحقاقه ذلك قربة إلى الله) ؟ وإلا لكان قيامك له من غير هذا التصور خاليا من النية، فلا يسمى تواضعا ولا يترتب عليه ثواب ولا مدح، ام يكفي مجرد قيامك خاليا من هذا التصور، وانه واقع بنية وقصد على جهة الاجلال والاعظام


[ 176 ]

الموجب للمدح والثواب، ومن المقطوع به انك لو تكلفت تخيل ذلك بجنانك وذكرته على لسانك لكنت سخرية لكل سامع ومضحكة في المجامع، وهذا شأن النية في الصلاة ايضا، فان المكلف إذا دخل عليه وقت الظهر مثلا وهو عالم بوجوب ذلك الفرض سابقا وعالم بكيفيته وكميته. وكان الغرض الحامل له على الاتيان به الامتثال لامر الله سبحانه مثلا، ثم قام عن مكانه وسارع إلى الوضوء، ثم توجه إلى مسجده ووقف في مصلاه مستقبلا، وأذن وأقام ثم كبر واستمر في صلاته. فان صلاته صحيحة شرعية مشتملة على النية والقربة. وان اردت مزيد ايضاح لمعنى النية فاعلم ان النية المعتبرة مطلقا إنما هي عبارة عن انبعاث النفس وميلها وتوجهها إلى ما فيه غرضها ومطلبها عاجلا أو آجلا، وهذا الانبعاث والميل إذا لم يكن حاصلا لها قبل فلا يمكنها اختراعه واكتسابه بمجرد النطق باللسان أو تصوير تلك المعاني بالجنان هيهات هيهات، بل ذلك من جملة الهذيان، مثلا - إذا غلب على قلب المدرس أو المصلي حب الشهرة وحسن الصيت واستمالة القلوب إليه لكونه صاحب فضيلة أو كونه ملازم العبادة وكان ذلك هو الحامل له على تدريسه أو عبادته، فانه لا يتمكن من التدريس أو الصلاة بنية القربة اصلا وان قال بلسانه أو تصور بجنانه (اصلي أو ادرس قربة إلى الله) وما دام لم يتحول عن تلك الاسباب الاولة وينتقل عن تلك الدواعي السابقة إلى غيرها مما يقتضى الاخلاص له تعالى، فلا يتمكن من نية القربة بالكلية، وحينئذ فإذا كانت النية إنما هي عبارة عن هذا القصد البسيط الذي لا تركيب فيه بوجه، ولا يمكن مفارقته لصاحبه بعد تصور تلك الاسباب الحاملة على الفعل إلا بعد الدخول في الفعل، فكيف يتم ما ذكروه من معاني المقارنة المقتضية للتركيب وحصول الابتداء فيه والانتهاء، بامتداده بامتداد التكبير وانحصاره بين حاصرين من الهمزة والراء ؟ إلى غير ذلك من التخريجات العرية عن الدليل، والتمحلات الخارجة عن نهج السبيل، الموقعة للناس في تيه الحيرة والالتباس والوقوع في شباك الوسواس الخناس.


[ 177 ]

(المقام الثالث) - لما كانت النية - كما اشرنا آنفا - هي المعينة والمشخصة لخصوصية الفعل - كما دلت عليه تلك الاخبار، وان مدار الاعمال - وجودا وعدما واتحادا وتعددا ومدار جزائها ثوابا وعقابا - على القصود كما بيناه آنفا، وانها للاعمال كالارواح للاشباح لا قوام لها بدونها إلا قواما صوريا، وان المرء لا يستحق من جزاء عمله الاجزاء ما قصد، فلا يستحق جزاء ما لم يتعلق به قصد ولا جزاء عمل قصد سواه - وجب تصحيح القصود في الاعمال على وجه يترتب عليه الثواب والنجاة من العقاب، وهو لا يحصل في العبادات إلا بقصد الفعل خالصا له سبحانه، لقوله عز شأنه: (وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين.) (1) وقوله: (واعبدوا الله مخلصين له الدين) (2) وقوله: (قل الله اعبد مخلصا له دينى) (3) إلى غير ذلك من الآيات، ويتلوها نحوها في ذلك من الروايات. وهو يتحقق باحد امور: (منها) - قصد طاعة الله تعالى والتقرب إليه. و (منها) - قصد رضاه تعالى. و (منها) - قصد تحصيل الثواب ودفع العقاب أو أحدهما. ولا خلاف - فيما أعلم - في صحة العبادة بهذه القصود إلا في الاخير، فان ظاهر المشهور بين الاصحاب - بل ادعى عليه الاجماع - بطلان العبادة به. والذي اختاره جماعة من متأخري المتأخرين هو الصحة، وهو المؤيد بالآيات والروايات: كقوله سبحانه: (... يدعون ربهم خوفا وطمعا...) (4) وقوله تعالى: (... ويدعوننا رغبا ورهبا...) (5).


(1) سورة البينة الآية 5 (2) لم نعثر عليه بعد التتبع في المرشد (3) سورة الزمر الآية 14 (4) سورة السجدة الآية 17 (5) سورة الانبياء الآية 91


[ 178 ]

وما روى في الحسن عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: (العباد ثلاثة: قوم عبدوا الله عزوجل خوفا، فتلك عبادة العبيد. وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب، فتلك عبادة الاجراء وقوم عبدوا الله عزوجل حبا له، فتلك عبادة الاحرار وهي أفضل العبادة) فان قضية أفعل التفضيل ان العبادة على الوجهين الاولين لا تخلو من فضل ايضا وان نقصت مرتبته. وما روى عنهم (عليهم السلام) بطرق عديدة (2): (من بلغه شئ من الثواب على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب أو تيه وان لم يكن الحديث كما بلغه) فانه يعطى ان ذلك العمل الحامل على فعله قصد تحصيل الثواب صحيح مثاب عليه. وما ورد عنهم (عليهم السلام) من العبادات والاعمال المأمور بها للحاجة أو تحصيل الولد أو المال أو النكاح أو الشفاء أو الاستخارة أو نحو ذلك من المقاصد الدنيوية. إلى غير ذلك من الوجوه التي يطول بنشرها الكلام. واما ما ذكروه من ان قصد الثواب والخلاص من العقاب ينافى الاخلاص له سبحانه، لان قاصد ذلك إنما قصد جلب النفع إلى نفسه ودفع الضرر. ففيه (اولا) ان الاخلاص بذلك المعنى الخاص لا يحصل إلا من خواص الخواص، وهو درجة من قال: (ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك، ولكن وجدتك اهلا للعبادة فعبدتك) (3) وطلب هذه المرتبة من غيرهم (عليهم السلام) قريب من التكليف بالمحال بل هو محال بلا اشكال. قال بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين: (ومدعى هذه المرتبة إنما يصدق


(1) المروى في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب مقدمة العبادات (2) المروى في الوسائل في الباب - 18 - من ابواب مقدمة العبادات. (3) رواه صاحب الوافى عن امير المؤمنين (عليه السلام) في الجزء الثالث في باب نية العبادة ص 70.


[ 179 ]

في دعواه إذا علم من نفسه انه لو ايقن ان الله يدخله بطاعته النار وبمعصيته الجنة يختار الطاعة ويترك المعصية تقربا إليه تعالى، واين عامة الخلق من هذه الدرجة القصوى والمنزلة العليا ؟) انتهى. و (ثانيا) - ان العبادة الواقعة على ذلك النحو بامره تعالى، لما عرفت من الآيات والروايات، وطالبها طالب لرضاه وهارب من سخطه، فهو المقصود بها عند التحقيق. و (ثالثا) - انه سبحانه قد ندب في غير موضع إلى التجارة عليه ووعد بالجزيل من ثوابه لمن قصد بذلك إليه. فقال جل شأنه. (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له اضعافا كثيرة) (1) (وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا واعظم اجرا) (2). (.. لئن شكرتم لازيدنكم، ولئن كفرتم ان عذابي لشديد) (3). وفي جملة من الاخبار (4) ان الله تعالى قال: (ان من عبادي من يتصدق بشق تمرة فاربيها له كما يربى أحدكم فلوه وفصيله، فيأتى يوم القيامة وهو مثل جبل احد واعظم من أحد). إلى غير ذلك من الآيات والروايات الدالة على وعده سبحانه بالثواب في مقابلة تلك الاعمال ترغيبا لهم. ومن سرح يريد النظر في الكتاب والسنة وجدهما مملوءين من الترغيب في مقام الطاعات بالجنان المزخرفة بالحور الحسان والولدان، والترهيب في مقام المخالفة والعصيان باهوال الحساب وشدائد يوم المآب وعذاب النيران، وسر ذلك انما هو كونهما باعثين على الفعل وجوبا أو عدما، ومتى كان كذلك كان قصدهما صحيحا


(1) سورة البقرة الآية 246 (2) سورة المزمل الآية 20 (3) سورة ابراهيم الآية 8 (4) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من ابواب الصدقة


[ 180 ]

البتة، وفي بعض الاخبار (1) (ان العمل الخالص هو الذي لا تريد ان يحمدك عليه احد سوى الله عزوجل) وهو مؤيد لما قلناه وموضح لما ادعيناه.

(المقام الرابع) - لاريب ولا اشكال في الابطال بقصد الرياء والسمعة في نية العبادة، والوجه فيه انه لا ريب في ان قصد ذلك لما كان منافيا للاخلاص الذي هو مدار الصحة والبطلان في العبادة كما عرفت، وجب الحكم ببطلانها باشتمالها عليه. وقد استفاضت الروايات بالنهي عن ذلك، كقول الصادق (عليه السلام) لعباد البصري (2): (ويلك يا عباد اياك والرياء، فانه من عمل لغير الله وكله الله إلى من عمل له). وقول الرضا (عليه السلام) لمحمد بن عرفة (3): (ويحك يا ابن عرفة اعملوا لغير رياء ولا سمعة، فانه من عمل لغير الله وكله الله إلى ما عمل..). بل دلت الآيات على ان ذلك شركا، كقوله سبحانه: (.. ولا يشرك بعبادة ربه احدا) (4). وفي بعض الاخبار في تفسير هذه الآية (ومن صلى مراءاة الناس فهو مشرك) (5) وفى آخر ايضا (6) (الرجل يعمل شيئا من الثواب لا يطلب به وجه الله إنما يطلب تزكية الناس يشتهى ان يسمع به الناس، فهذا الذي اشرك بعبادة ربه..). ونقل جملة من اصحابنا (رضوان الله عليهم) عن المرتضى (رضى الله عنه) في الانتصار انه لو نوى الرياء بصلاته لم تجب اعادتها وان سقط الثواب عليها. ولا يخفى ان هذا الكلام يجري في جميع العبادات بل في غيرها بطريق اولى.


(1) المروى في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب مقدمة العبادات. (2) و (3) و (5) المروي في الوسائل في الباب - 11 - من ابواب العبادات. (4) سورة الكهف الآية 110 (6) رواه صاحب الوسائل في الباب - 12 - من ابواب مقدمة العبادات.


[ 181 ]

ولعل مستنده في ذلك ان غاية ما يستفاد من الآية والاخبار الواردة في المقام عدم القبول الموجب لعدم استحقاق الثواب، وهو غير مناف للصحة بمعنى عدم وجوب الاعادة. وربما ايد ذلك بكثير من ظواهر الكتاب والسنة كقوله تعالى: (.. إنما يتقبل الله من المتقين) (1) (.. ولا تطلبوا صدقاتكم بالمن والاذى..) (2). وكما ورد في الاخبار الصحيحة (3): (ان صلاة شارب الخمر إذا سكر لا تقبل اربعين صباحا أو اربعين يوما أو ليلة) مع عدم القول بفساد شئ من ذلك ووجوب اعادته من تلك الجهة. وانت خبير بان الكلام هنا يرجع إلى بيان معنى الصحة في العبادات، هل هي عبارة عن موافقة الامر وحصول ما يستلزم الثواب، أو انها عبارة عما يوجب سقوط العقاب وان لم يستلزم الثواب، وإنما يستلزمه القبول وهو امر زائد على الاجزاء والصحة ومرجع ذلك إلى كونها عبارة عما يسقط القضاء خاصة ؟ المشهور الاول والمرتضى على الثاني والظاهر هو المشهور من ان الصحة انما هي عبارة عن موافقة الامر وامتثاله، وان ذلك موجب للقبول وترتب الثواب: (اما اولا) - فلانه لا خلاف بين كافة العقلاء في ان السيد إذا أمر عبده أمرا ايجابيا بفعل ووعده الاجر عليه، فاتى العبد بالفعل حسبما امر به السيد، ثم ان السيد رده عليه ولم يقبله منه ومنعه الاجر الذي وعده، مع انه لم يخالف شيئا مما امره به فان العقلاء لا يختلفون في لوم السيد ونسبته إلى خلاف العدل، سيما إذا كان السيد ممن يصف نفسه بالعدل ويمتدح بالفضل والكرم. و (اما ثانيا) - فلان تفسير الصحة بانها عبارة عما اسقط القضاء مستلزم للقول


(1) سورة المائدة الآية 27 (2) سورة البقرة الآية 264 (3) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الاشربة المحرمة.


[ 182 ]

بترتب القضاء على الاداء، وهو خلاف ما عليه محققوا الاصحاب، وخلاف ما يستفاد من الادلة من ان القضاء موقوف على امر جديد ولا ترتب له على الاداء. ولو قيل: ان الاخبار قد صرحت بان الصلاة لا يقبل منها إلا ما اقبل عليه وربما قبل نصفها وربما قبل ثلثها وهكذا، مع انها صحيحة اجماعا، فالصحة حينئذ غير القبول. قلنا: فيه - بعد ما عرفت - ان الامر بالاقبال في العبادة انما هو امر استحبابي وهو ما يوجب امتثاله مزيد الفضل والاجر، لا امر ايجابي ليكون تركه موجبا لترك الاجر بالكلية وعدم القبول بالمرة، وحينئذ فتحمل هذه الاخبار على القبول الكامل كما لا يخفى. على ان ثبوت الصحة فيما نحن فيه من عبادة الرياء على القول الآخر ممنوع: (اما اولا) - فلان سقوط ما وجب في الذمة بيقين فرع وجود المسقط يقينا والمسقط هنا غير معلوم حينئذ، إذ لا تسقط العبادة بغير جنسها وان تحلى بجنس صورتها ولا تتادى الطاعة بجعلها لباسا وقالبا لضرتها. ويرشد إلى ذلك ما رواه أبو بصير عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: (سألته عن حد العبادة التي إذا فعلها فاعلها كان مؤديا. قال: حسن النية بالطاعة). ومع هذا فكيف يمكن ان يقال ان العبادة الواقعة على وجه الرياء صحيحة بمعنى مسقطة للقضاء ؟ و (اما ثانيا) - فلانك قد عرفت - مما تقدم من الآيات والاخبار الدالة على جعل مناط الصحة هو الاخلاص وان الرياء شرك - ما هو صريح في البطلان ولزوم العقاب بالمخالفة، فكيف يتم القول بالصحة الموجبة لسقوط العقاب ؟ واما ما ذكر من الظواهر فالظاهر ان المراد بعدم القبول فيها يعنى القبول الكامل، بمعنى عدم ترتب الثواب المضاعف الموعود به. على انه قد ورد في تفسير الآية الاولى عن أهل


(1) رواه صاحب الوسائل في الباب - 6 - من ابواب مقدمة العبادات


[ 183 ]

العصمة (عليهم السلام) ان المراد بالمتقين الشيعة.

(المقام الخامس) - صرح جملة من اصحابنا بوجوب اشتمال النية - سيما في الطهارة والصلاة - على جملة من القيود، واختلفوا فيها كمية وكيفية، واستدلوا على ذلك بوجوه عقيلة واعتبارات غير مرضية لا تصلح لتأسيس الاحكام الشرعية، قد نقلها جماعة من متأخري المتأخرين في كتبهم الاستدلالية واجابوا عنا، ولا حاجة بنا إلى الاطالة بنقلها ونقل اجوبتها، فانا قد التزمنا في هذا الكتاب ان لا نطول البحث غالبا إلا فيما اغفلوا تحقيقه ولم يلجوا مضيقة. وقصارى ما يستفاد من الادلة الشرعية مما يتعلق بامر النية هو قصد القربة كما تقدم تحقيقه، ولولاه لكان الاولى الاعراض عن البحث في ذلك من باب (اسكتوا عما سكت الله عنه) (وابهموا ما ابهم الله) (1). نعم لو كان الفعل المقصود غير متعين في الواقع فلا بد في تعلق قصد المكلف به إلى اصداره من قيد يشخصه لينصرف القصد إليه، لما عرفت سابقا من انه لا تميز بين افراد الماهية عند القصد إلى ايجاد بعضها إلا بقصده، كما لو اشتغلت ذمة المكلف بفائت الظهر مثلا، فبعد دخول وقت الظهر - بناء على القول بالمواسعة المحضة في القضاء - لا يتعين ما يأتي به منها إلا بالقصد إليه بخصوصه، فلا بد في هذه الصورة من تعيين الاداء ان قصده والقضاء كذلك. وما عدا ذلك فلا يجب فيه التعيين، لتعينه واقعا وان لم يتعين في نظر المكلف ايضا، كما لو قصدا يقاع غسل الجمعة مع تعارض الاخبار عنده في الوجوب والاستحباب وعدم طريق إلى العلم بذلك، فانه لا يتعين عليه قصد احدهما، للزوم التكليف بما لا يطاق، بل ولو امكنه العلم بذلك ايضا لعدم الدليل عليه واصالة عدمه، بل متى علم


(1) تقدم في التعليقة 2 من الصحيفة 60، وفى الصحيفة 156 من الجزء الاول ما يتعلق بذلك.


[ 184 ]

رجحان الفعل شرعا وقصد إلى ايقاعه لوجه الله سبحانه، كفى من غير تعرض فيه لقصد وجوب أو استحباب.

(المقام السادس) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) جواز تقديم النية في الوضوء والغسل عند غسل اليدين المستحب، بل حكم العلامة في المنتهى بالاستحباب، وجوزه ابن ادريس في الغسل دون الوضوء، فخص الجواز فيه بالمضمضة والاستنشاق، ومنع صاحب البشرى من ذلك مطلقا، واوجب التأخير إلى اول الافعال الواجبة، نظرا إلى عدم دخول ما تقدم في مسمى الوضوء أو الغسل حقيقة، وايده بعضهم بانه كيف ينوي الوجوب ويقارن به ما ليس بواجب ويجعله داخلا فيه ؟ ولهذا لم يجوزوا تقديمها ومقارنتها لسائر المندوبات مثل السواك والتسمية اجماعا. اقول: ويؤيده ايضا انه لو ساغ ذلك لجاز مثله في الصلاة ايضا، فيقدم النية في اول الاقامة رخصة مع انهم لا يجوزونه، والفرق بين الموضعين غير ظاهر. وبالجملة فحيث كانت المسألة خالية من النص فالواجب الوقوف فيها على ساحل الاحتياط. وخبر - (انما الاعمال بالنيات) و (لا عمل إلا بنية) (1) مع تسليم حمل النية فيه على المعنى الشرعي، باعتبار احتمال الباء فيه للمصلحة فيمتنع التقديم، أو الملابسة المطلقة فيجوز، أو السببية التي هي اعم من الناقصة والتامة فيحتملها - فيه - كما ترى - من الاجمال والاحتمال ما يخرج به عن حيز الاستدلال. وانت خبير بان الظاهر ان الامر في هذه المسألة بناء على ما حققناه من معنى والنية هين، فان القصد إلى ايقاع الفعل لما كان مما لا يمكن الانفكاك عنه ولا الاصدار بدونه، وان المقارنة التي ادعوها لا دليل عليها، فمن المعلوم ان المكلف متى جلس للوضوء عالما بكيفيتة شرعا والغرض منه، فلا يكون البتة الا عن قصد إلى ايقاع هذه الكيفية متقربا بها، وحينئذ فلا معنى لتقديم النية وتأخيرها، أو افراد كل من مستحباته


(1) المروي في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب مقدمة العبادات.


[ 185 ]

وواجباته بنية على حياله. نعم ذلك إنما يتمشى على مذاق القوم من جعل النية عبارة عن ذلك الحديث النفسي، ووجوب المقارنة به لاول الافعال كما ذكروا. وقد عرفت ما فيه.

(المقام السابع) - قد صرح غير واحد من اصحابنا (رضوان الله عليهم) بان من جملة واجبات النية استدامتها حكما إلى الفراغ، ووجهه انه اما كانت النية عبارة عن القصد إلى ايقاع الفعل بعد تصوره وتصور غايته الباعث على الاتيان به، وانه بعد التلبس بالفعل على الوجه المذكور كثيرا ما تحصل الغفلة ويحصل السهو والنسيان الذي هو كالطبيعة الثانية للانسان عن ذلك القصد والتصور المذكورين مع الاستمرار على الفعل لكن يكون بحيث لو رجع إلى نفسه لاستشعر ما قصده وتصوره اولا، اقتضت الحكمة الربانية والشرعية السمحة المحمدية الجري على مقتضى النية السابقة ما لم يعرض هناك قصد اخر ناشئ عن غاية اخرى باعثة عليه مرتبا للفعل عليها، فان الفعل حينئذ يخرج بذلك عما هو عليه أو لا، لما عرفت من دوران المغايرة بين الافعال مدار القصود والنيات. ولك ان تقول - كما حققه بعض المحققين من متأخري المتأخرين - انه لما كانت النية عبارة عن قصد إلى الفعل بعد تصور الداعي له الحامل عليه، والضرورة قاضية - كما نجده في سائر افعالنا - بانه قد يعرض لنا مع الاشتغال بالفعل الغفلة عن ذلك القصد والداعي في اثناء الفعل، بحيث انا لو رجعنا إلى وجداننا لرأينا النفس باقية على ذلك القصد الاول، ومع ذلك لا يحكم على انفسنا ولا يحكم علينا غيرنا بان ما فعلناه وقت الذهول والغفلة بغير قصد ونية، بل من المعلوم انه اثر ذلك القصد والداعي السابقين، الحكم في العبادة كذلك، إذ ليست العبادة إلا كغيرها من الافعال الاختيارية للمكلف، والنية ليست إلا عبارة عما ذكرنا. ثم قال (قدس سره): (انه كما يجوز صدور الفعل بالارادة لغرض مع الذهول في اثنائه عن تصور الفعل والغرض مفصلا، فكذلك يمكن صدوره بالارادة لغرض مع الذهول عنها مفصلا في ابتداء الفعل ايضا، إذا تصور الفعل والغرض في زمان سابق


[ 186 ]

عليه، وكان ذلك باعثا على صدور الفعل في هذا الزمان، والضرورة حاكمة ايضا بوقوع هذا الفرض عند ملاحظة حال الافعال، فحينئذ يجوز ان يصدر الوضوء لغرض الامتثال والقربة باعتبار تصوره وتصور ذلك الغرض في الزمان السابق، فيلزم أن يكون ذلك الوضوء صحيحا ايضا، لما عرفت من عدم لزوم شئ على الملكف زائدا على هذا المعنى، فبطل القول بمقارنة النية لاول الافعال " انتهى. وهو جيد رشيق، وفيه تأكيد اكيد لما قدمناه في المقام الثاني من التحقيق. وبالجملة فتجدد الذهول بعد قصد الفعل اولا وتصور داعيه الباعث عليه - لا يخرج تلك الافعال الواقعة حال الذهول عن كونها بذلك القصد السابق. نعم لو كان أصل الدخول في الفعل بغير قصد بالكلية سهوا وغفلة فهذا هو الذي لا يعتد به اتفاقا، لما عرفت غير مرة من ان الفعل من حيث هو لا ينصرف إلى مادة ولا يحمل على فرد إلا بالقصد إليه هذا، وانت إذا حققت النظر في المقام وسرحت بريد الفكر فيما ذكره الاقوام وجدت ان البحث في هذه المسألة ليس مما له مزيد فائدة سيما في الوضوء، وذلك لان مجرد النية الثانية لا يترتب عليها أثر في الابطال عندهم. وحينئذ فلا يخلو اما ان يأتي بشئ من تلك الافعال بالنية الثانية اولا، وعلى الثاني فاما ان يرجع إلى مقتضى النية السابقة قبل فوات الموالاة اولا. فعلى الاول يكون بطلان الفعل بما فعله بالنية الثانية، ويدخل في مسألة من ابطل عمله باحد المبطلات، ولا خصوصة له بهذه المسألة. وعلى الثالث يبطل الوضوء لفوات بعض واجباته التي هي الموالاة، ويرجع ذلك إلى مسألة الموالاة. وعلى الثاني فانه لا اشكال في الصحة عندهم، لعدم ثبوت كون مثل ذلك قادحا فيها، مع انها الاصل.


[ 187 ]

نعم لو اتفق ذلك في نية الصلاة بان نوى الخروج أو فعل المنافي ولم يفعل، فهل يبطل ذلك الصلاة ام لا ؟ قولان: المشهور الثاني استنادا إلى اصالة الصحة، فالابطال يتوقف على الدليل، وليس فليس. وقيل بالاول استنادا إلى ان الاستمرار على حكم النية السابقة واجب اجماعا، ومع نية الخروج أو التردد أو نية فعل المنافي يرتفع الاستمرار. واورد عليه ان وجوب الاستدامة امر خارج عن حقيقة الصلاة، فلا يكون فواته مقتضيا لبطلانها، إذ المعتبر وقوع الصلاة باسرها مع النية كيف حصلت، وقد اعترف الاصحاب بعدم بطلان ما مضى من الوضوء بنية القطع إذا جدد النية قبل فوات الموالاة. والحكم في المسألتين واحد. والفرق بينهما - بان الصلاة عبادة واحدة لا يصح تفريق النية على اجزائها بخلاف الوضوء - ضعيف، فانه دعوى مجردة عن الدليل. والمتجه تساويهما في الصحة مع تجديد النية لما بقى من الافعال، لكن يعتبر في الصلاة عدم الاتيان بشئ من افعالها الواجبة قبل تجديد النية، لعدم الاعتداد به، واستلزام اعادته الزيادة في الصلاة. هكذا حققه السيد السند (قدس سره) في المدارك. وانت خبير بان المصلي متى كبر للاحرام ودخل في الصلاة فلا يخرج منها إلا بالتسليم أو التشهد، فجميع حالاته - من قيامه وقعوده وركوعه وسجوده وتشهده وما بينها حال الانتقال من أحدها إلى الآخر - كله من اجزاء الصلاة، فمع نية القطع والخروج أو نية فعل المنافي يلزم - البتة - وقوع جزء من اجزاء الصلاة بغير نية، ويلزم الخروج عن مقتضى النية السابقة. وتجديد النية الاولى - بعد مضي شطر من اجزاء الصلاة خاليا منها بل على نية تنافيها - لا يوجب نفعا في المقام ولا دفعا لذلك الالزام. ومن ذلك ظهر الفرق بين الصلاة والوضوء، وبه يظهر رجحان القول الاول. الا ان لقائل ان يقول: ان المفهوم من الاخبار جواز ايقاع بعض الافعال


[ 188 ]

الخارجة عن حقيقة الصلاة فيها وان اسلتزمت التقدم أو التأخر بما لا يسلتزم الاستدبار كغسل دم الرعاف، وقتل الحية، وارضاع الصبي، ونحوها، مع القطع بكونها ليست من افعال الصلاة، مع انها لا تبطل الصلاة بها، فبالاولى ان يكون مجرد ترك النية - وان استلزم ان يكون الحال الذي نوى فيه القطع خاليا عن النية السابقة - غير موجب للبطلان وحينئذ يتوجه المنع إلى ان جميع حالاته من بعد التكبير إلى حين التسليم من اجزاء الصلاة. الا ان الحكم بعد لا يخلو من شوب الاشكال. وحيث كانت المسألة خالية من النص فالواجب الوقوف فيها على ساحل الاحتياط.

(المقام الثامن) - اختلف الاصحاب في حكم نية الضمائم اللازمة في النية. فقيل بالصحة مطلقا، والظاهر انه المشهور. وقيل بالبطلان مطلقا، هو ظاهر جماعة: منهم - اول الشهيدين في بيانه، وثانيهما في روضته، والمولى الاردبيلي في شرح الارشاد، وغيرهم. وقيل بالتفصيل بين ما إذا كانت راجحة فتصح وإلا فتبطل، واختاره جماعة: منهم - السيد السند في المدارك، وادعى انه مع الرجحان لا خلاف في الصحة، وتبعه على هذه الدعوى بعض ممن تأخر عنه. وفيه ان جملة من عبارات من قدمنا نقل القول بالابطال عنهم ظاهرة في الحكم بذلك من غير تفصيل بالرجحان وعدمه، ولا سيما كلام المولى الاردبيلي (رحمه الله)، حيث قصر الحكم بالصحة على مجرد كون الفعل لله، وحكم بان كل ما يضم إليه من لازم وغيره فهو مناف لذلك. وقيل بتخصيص الصحة بما إذا كان الضميمة راجحة ولاحظ المكلف رجحانها، وهو الذي اختاره شيخنا أبو الحسن (قدس سره) في رسالة الصلاة، وجزم به والدي (قدس سره). وقيل بالتفصيل بانه ان كان الباعث الاصلي هو القربة ثم طرأ قصد التبرد مثلا


[ 189 ]

عند الابتداء في الفعل لم يضر، وان كان العكس أو كان الباعث مجموع الامرين، لم يجزئ، وهذا القول ذكره في الذكرى احتمالا، واليه ذهب بعض متأخري المتأخرين. والظاهر ان مراد مشترط رجحان الضميمة هو ملاحظة رجحانها ايضا وقصده، نظر إلى ان العتليق على الوصف مشعر بالعلية، فان مجرد رجحانها في الواقع من غير ملاحظة المكلف له لا يخرج الضميمة عن كونها مرجوحة أو متساوية الطرفين، فان العبادة إنما تصير عبادة يترتب عليها اثرها بنيتها وقصدها، وحينئذ فيرجع القول الثالث والرابع إلى واحد. احتج من ذهب إلى الاول بعدم منافاة الضميمة لنية القربة، وانه كنية الغازي للقربة والغنيمة، وانها لكونها لازمة فنيتها لا تزيد على اصل حصولها. وفيه ان ما ادعوه من عدم المنافاة فهو أول البحث. والتمثيل بالغازي لا ينهض حجة، لمنع ذلك فيه ايضا. وقوله -: " ان نيتها لا تزيد على اصل حصولها " - ممنوع، إذ لا يلزم من حصولها ضرورة جواز نية حصولها، وهل الكلام إلا فيه ؟ مع انه منتقض بالرياء وان رؤية الناس ايضا لازم، فيجب ان يكون قصده غير مضر بالعبادة، والخصم لا يقول به. واحتج من ذهب إلى الثاني بمنافاة الضميمة للاخلاص له سبحانه. وفيه انه مع عدم رجحان الضميمة مسلم ومع الرجحان ممنوع، كما سيأتي بيانه. احتج من ذهب إلى الثالث بما ورد في الاخبار من قصد الامام باظهار تكبيرة الاحرام الاعلام، وضم الصائم إلى نية الصوم قصد الحمية، ومخرج الزكاة علانية - بل سائر افعال الخير - اقتداء الناس به، ونحو ذلك. ومن هذه الادلة يعلم ان قصد المكلف هذه الضمائم إلى ما ضمت إليه إنما تعلق بها لرجحانها، والا فلربما تطرق إليها احتمال الابطال في بعضها من حيث دخوله في الرياء، كالاعلان بالزكاة ونحوه.


[ 190 ]

وهذا القول هو الاقوى عندي، لعدم الدليل على ما سواه كما عرفت، واعتضاده بما عرفت من الادلة (1) الا ان الظاهر انه لا اختصاص له بالضميمة اللازمة بل يجري في الخارجة ايضا، فان ما ذكر - من مثال مخرج الزكاة علانية لاقتداء الغير به - إنما هو من قبيل الضميمة الخارجة دون اللازمة، إذ لا ملازمة بين اخراج الزكاة واقتداء الغير. ومثل ذلك ايضا ما ورد من استحباب اطالة الامام ذكر الركوع لانتظار الداخل، واطالته القيام في صلاة الخوف لانتظار اتمام الفرقة الاولى ودخول الثانية، وجهر المصلي بصلاة الليل في منزله ليوقظ جاره للصلاة ان كان ممن يعتادها، ونحو ذلك.

(المقام التاسع) - قد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لو نوى ببعض واجبات العبادة الندب عمدا أو جهلا بطلت، ولو نوى ببعض مندوباتها الوجوب، فان اتصف بالكثرة بطلت ايضا وإلا فلا، وهو مبني على امور:

(احدها) - وجوب قصد الوجه من وجوب أو ندب في اصل العبادة، وفيما يأتي به من الافعال الواجبة أو المندوبة.

و (ثانيها) - عدم تداخل الواجب والندب، فلا يجزئ احدهما عن الثاني، لتغاير الجهتين فيهما، وحينئذ فلو خالف بان نوى بالواجب الندب عمدا أو جهلا بطلت الصلاة، للاخلال بالواجب على ذلك الوجه اللازم منه عدم الاتيان بالمأمور به على وجهه، فلم يطابق فعله ما في ذمته، لاختلاف الوجه، ويمتنع اعادته، للزوم زيادة افعال الصلاة عمدا، فلم يبق الا البطلان. ولو نوى بالمندوب الوجوب فان كان ذكرا بطلت ايضا، للنهي المقتضى للفساد، ولانه كلام في الصلاة ليس منها ولا مما استثنى منها، وان


(1) اقول: ومن ذلك ايضا حديث حماد بن عيسى الدال على ان الصادق (عليه السلام) صلى تلك الركعتين اللتين صلاهما تعليما لرعيته، ومثله الحديث الدال على العلة على استحباب التكبيرات الافتتاحية وان النبي (صلى الله عليه وآله) كبرها لاجل ان يتابعه الحسين (عليه السلام) فيها حين ابطأ عن الكلام. وامثال ذلك كثير يقف عليه المتتبع لموارد الاخبار (منه رحمه الله)


[ 191 ]

كان فعلا كالطمأنينة مثلا، اعتبر في الحكم بابطاله الكثرة التي تعتبر في الفعل الخارج عن الصلاة. واستقرب الشهيد في البيان الصحة في هذا القسم مطلقا، لان نية الوجوب إنما افادت تأكيد الندب.

و (ثالثها) - وجوب العلم بواجبات الصلاة ومندوباتها ليقصد الوجه في كل منهما، وعدم معذورية الجاهل في ذلك، بل الواجب عليه العلم بذلك اجتهادا أو تقليدا وبدونه يبطل ما يأتي به من العبادة، وانه لا معذورية للجاهل إلا في الموضعين المشهورين هكذا قرروا (رضوان الله عليهم). وهو منظور فيه من وجوه: (احدها) - ما اشرنا إليه آنفا - وبه صرح جملة من متأخري اصحابنا (رضوان الله عليهم) - من انه لم يقم لنا دليل يوجب المصير إلى ما ذكروه من وجوب قصد الوجه في العبادة واستحبابه، والاحكام الشرعية توقيفية لا يجوز الحكم فيها إلا بما قام الدليل الشرعي عليه، والا كان من باب " اسكتوا عما سكت الله عنه " و " ابهموا ما ابهمه ألله " كما ورد عنهم (عليهم السلام) (1) وما ذكروه في مقام الاستدلال على ذلك مجرد اعتبارات عقيلة ووجوه تخريجية لا تصلح للاعتماد عليها في الاحكام الشرعية. وبذلك يظهر ان ما ذكروه من البطلان بنية الواجب ندبا ممنوع. قوله: للاخلال بالواجب - مردود بعدم قيام الدليل على وجوب ما اوجبه، وكذلك قوله: لعدم مطابقة فعله ما في ذمته، لعدم قيام الدليل على المطابقة المزبورة على الوجه الذي ذكره. و (ثانيها) ان ما ذكر - من كون احدهما لا يجزئ عن الآخر - مردود بوقوع ذلك في جملة من الوارد:


(1) تقدم في التعليقة (2) من الصحيفة (60) وفى الصحيفة 156 من الجزء الاول ما يتعلق بذلك.


[ 192 ]

منها - صلاة الاحتياط المقصودة بنية الوجوب، فانها بعد ظهور الاستغناء عنها تكون نافلة اتفاقا نصا وفتوى. ومنها - ما لو صام يوما قضاء عن شهر رمضان ثم تبين انه اتى به سابقا، فان الظاهر ترتب الثواب على ما اتى به. ومنها - ما لو شرع في نافلة ثم سهى في اثنائها فاتى ببعض الافعال بقصد الوجوب ظنا منه انه في فريضة. هذا في اجزاء الواجب عن الندب. واما بالعكس: فمنه - ما لو صام يوم الشك بنية الندب فظهر انه من شهر رمضان. ومنه - ما لو دخل في الفريضة فسهى في اثنائها واتى ببعض افعالها على انها نافلة ومنه - ما لو توضأ للتجديد فظهر كونه محدثا. ومنه - ما لو جلس للاستراحة فلما قام ظهر انه نسى سجدة، فانه يسجد ويقوم إلى غير ذلك من المواضع التي يقف عليها المتتبع. فان قيل: ان هذا كله خارج عن صورة العمد. قلنا: المدعى عندهم اعم وبه يلزم المطلوب. و (ثالثها) - ان ما ذكره من انه يمتنع اعادته للزوم زيادة افعال الصلاة - مردود بان ما اتى به إنما قصد به الندب، والعبادة - كما عرفت - تابعة للقصد، حينئذ فليس ما اتى به من افعال الصلاة على هذا التقدير، فيكون الواجب باقيا في ذمته، فانه لو قرأ الفاتحة - مثلا - بقصد الندب وانها قرآن، وهو مستثنى عندهم في الصلاة اتفاقا، أو اتى باحد الاذكار الواجبة ايضا بقصد الندب، مع استثناء ذلك ايضا عندهم في الصلاة اتفاقا، ثم اتى بالواجب في الموضعين بقصد الوجوب، فاي موجب للبطلان هنا ؟ و (رابعها) - ان ما ذكره - من بطلان الصلاة بنية المندوب واجبا إذا كان


[ 193 ]

ذكرا ممنوع، لان النهي على تقدير تسليمه لم يتعلق بعين الصلاة ولا بجزئها، فلا يلزم البطلان. قوله: " ولانه كلام في الصلاة.. الخ " فيه ان المعلوم كونه مبطلا من الكلام هو ما لم يكن ذكرا ولا دعاء، وما نحن فيه ليس كذلك. ثم حكمه ايضا - بالابطال في الفعل مع الكثرة - فيه انه متى كان الفعل ذكرا ممنوع، إذ الظاهر من الدليل هو ما عداه. و (خامسها) - ان ما ذكره من جوب العلم بواجبات الصلاة ومندوباتها عن اجتهاد أو تقليد، وانه لا يعذر الجاهل بذلك - فيه انه ليس على اطلاقه. والتحقيق - كما هو اختيار جمع من المحققين من متأخري المتأخرين - ان نقول: انه لا اشكال في وجوب التعلم على الجاهل، وانه بالاخلال به ياثم، لكن لو اوقع العبادة والحال كذلك، واتفق مطابقتها للواقع حسبما أمر به الشارع وان لم يكن له معرفة بواجباتها ولا مندوباتها، فلا نسلم بطلانها ووجوب قضائها كما ذهبوا إليه، إذ لم يثبت من الشارع في التكليف بامثال ذلك امر وراء الاتيان بما امر به، من الكيفية المخصوصة وقصد التقرب به إليه، والفرض ان المكلف قد اوقعه كذلك، ولا ينافي ذلك ما تردد من افعالها بين الوجوب والاستحباب باعتبار الخلاف فيه، لان قصد القربة به لرجحانه شرعا آت عليه. نعم لو كان الفعل مما تردد بين الوجوب والتحريم مثلا، فان قصد القربة لا يأتي عليه، فلابد من العلم حينئذ باحد الامرين اجتهادا أو تقليدا، وإلا فيجب الوقوف حينئذ على صراط الاحتياط، والمفهوم من الاخبار - كما اوضحناه في درة الجاهل بالاحكام الشرعية من كتاب الدرر النجفية - ان الاحتياط في مثل ذلك بالترك. واما عدم معذورية الجاهل بالاحكام الشرعية مطلقا كما ذكروه. فقد عرفت


[ 194 ]

ما فيه في المقدمة الخامسة (1).

(المقام العاشر) - لو نوى بوضوئه صلاة نافلة، فالظاهر انه لا خلاف في الدخول به في الفريضة، واما إذا قصد به غير الصلاة، فان كان مما لا يستباح إلا به، كمس خط المصحف على المشهور، والطواف المندوب على القول به، فالمشهور انه كذلك ونقل عن الشيخ في المبسوط المنع، وهو ظاهر ابن ادريس ايضا، وان كان مما يستباح بدونها، كسائر ما يستحب له الوضوء مما لا يجامعه حدث اكبر، فهل يصح الوضوء مطلقا ويرتفع به الحدث ويجوز به في الفريضة، أو لا يرتفع به الحدث مطلقا، أو يكون كالاول إلا فيما إذا نوى وضوء مطلقا، أو التفصيل بين نية ما يستحب له الطهارة لاجل الحدث كقراءة القرآن ونية ما يستحب له لا لاجل الحدث كالتجديد، فيرتفع الحدث به ويجوز الدخول به في الفريضة على الاول دون الثاني، أو التفصيل بين ما يستحب له الطهارة لاجل الحديث ويقصد به الكمال فيصح، أو لا يستحب له الطهارة أو يستحب ولكن لا مع قصد الكمال فيبطل، أو الصحة ان قصد ما الطهارة مكملة له على الوجه الاكمل، وكذا ان قصد به الكون على طهارة، وعدم الصحة في غير هاتين الصورتين ؟ اقوال: اظهرها - كما استظهره جماعة من متأخرى اصحابنا - الاول. ولنا عليه وجوه:

(الاول) - ان الاخبار الواردة مستندا لتلك الوضوءات المعدودة كلها - إلا ما شد - بلفظ الطهر أو الطهور أو الطهارة، ومن الظاهر البين اعتبار معنى الزوال والا زالة في لازم هذه المادة ومتعديها لغة وشرعا، فلا معنى لكون الوضوء مطهرا أو طهورا أو نحوهما إلا كونه مزيلا للحدث الموجود قبله، وإلا فلا معنى لهذه التسمية بالكلية. ومن ثم صرحوا بان الطهارة لغة: النظافة، وشرعا حقيقة في رافع


(1) في الصحيفة 82 من الجزء الاول.


[ 195 ]

الحدث. واما الوضوء المجامع للحدث الاكبر فقرينة التجوز فيه ظاهرة، كاطلاق الصلاة على صلاة الجنازة.

(الثاني) - ان المفهوم من الاخبار الواردة في بيان علة الوضوء ان أصل مشروعيته انما هو للصلاة خاصة، وقضية ذلك انه حيثما امر به الشارع لا يكون إلا رافعا - إلا ما خرج بدليل - تحقيقا للجري على اصل المشروعية، ويحقق ذلك ويوضحه ان الغاية الكلية للوضوء من حيث هو إنما هي الرفع، وهذه الغايات إنما تترتب عليه، إذ لا يخفى ان المتوضئ لاحد هذه الغايات لو لم يرتفع حدثه، للزم اجتماع الطهارة والحدث في حالة واحدة، مع انهما متقابلان، على انه لو قصد في الوضوء لدخول المسجد مثلا عدم رفع الحدث، لم نسلم صحته، ولا ترتب اثره الذي قصد عليه. وما قيل - من انه يجوز أن يكون الغرض من الوضوء وقوع تلك الغاية المترتبة عليه عقيبه وان لم يقع رافعا كما في الاغسال المندوبة عند الاكثر (1) - فيه (اولا) - ما قد عرفت في الوجه الاول والثاني. و (ثانيا) - ان الايراد بالاغسال إنما يتم لو اقتضى الدليل كونها كذلك، ومجرد ذهاب الاكثر إليه - مع كونه خاليا من الدليل بل الدليل قائم على خلافه - لا يثمر نقضا كما لا يخفى.

(الثالث) - انا لا نعرف من الوضوء شرعا إلا هذه الافعال المعهودة، فمتى اتى بها المكلف متقربا صح وضوؤه، ومتى صح وضوؤه جاز له الدخول به في الصلاة، إذ الشرط فيها طهارة صحيحة وقد حصلت، ومدعى الزيادة عليه اثباتها. وهذا كله - بحمد الله سبحانه - ظاهر لمن شرب من كأس الاخبار وجاس خلال تلك الديار. واما ما استجوده السيد السند في المدارك - من الاستدلال لعموم ما دل على ان


(1) فيه اشارة إلى الرد بذلك على صاحب المدارك حيث انه القائل بذلك (منه قدس سره).


[ 196 ]

الوضوء لا ينقض إلا بالحدث - فقد اورد عليه بان عدم الانتقاض لا يقتضي ترتب جميع ما يترتب عل كل وضوء، بل يقتضى استصحاب ما ثبت ترتبه على ذلك الوضوء وهو متجه.

(المقام الحادي عشر) - اختلف الاصحاب (قدس الله ارواحهم) في تداخل الاغسال في النية على اقوال سيأتي تفصيله ان شاء الله تعالى، الا انا قبل الشروع في ذلك نقدم من مجمل التحقيق ما يكون طريقا إلى الخروج من ذلك المضيق فنقول: الظاهر ان الحدث - الذي هو عبارة عن الحالة المسببة عن أحد الموجبات الممتنع الدخول معها في الصلاة - امر كلي ان تعددت اسبابه من البول والغائط ونحوهما والجنابة والحيض ونحوهما، ولا يتعدد بتعددها، والمقصود من الطهارة بانواعها رفع هذه الحالة. وملاحظة خصوصية السبب كلا أو بعضا لا مدخل له في ذلك بصحة ولا ابطال فذكره كتركه، وان الطهارة - وضوء كانت أو غسلا لغاية من الغايات متى كانت خالية من المبطل، صح ترتب ما عدا تلك الغاية من سائر الغايات المشاركة لها على تلك الطهارة وان لم تكن مقصودة حال الفعل، وهذا في الوضوء واضح كما اسلفنا بيانه في سابق هذا المقام، واما في الغسل فمبني على اصح القولين - وان لم يكن باشهرهما - من رفع ما عدا غسل الجنابة من الاغسال واجبا كان أو مستحبا وعدم احتياجه إلى الوضوء كما ذهب إليه علم الهدى من المقدمين، ونهج على منواله طائفة من متأخري المتأخرين، وعليه دلت أخبار أهل الذكر (سلام الله عليهم) واما على المشهور فيشكل الحكم، لعدم الرفع، ولهذا يوجب المانعون نية الاسباب في تداخل الاغسال المستحبة، لعدم اشتراكها في موجب الرفع، فلا تداخل بدونه، واشكل على بعضهم اندراج غسل الجنابة تحت ما عداه من الاغسال الواجبة، لعدم رفعه إلا مع الوضوء، لو نو ما عدا الجنابة خاصة، واشكل على جملة منهم الحكم بالتداخل في الواجب والمستحب للتضاد بين وجهى الوجوب والاستحباب


[ 197 ]

والمفهوم من اخبار التداخل - كما ستمر بك ان شاء الله تعالى - هو التداخل مطلقا، واجباتها بعضها في بعض، ومستحباتها كذلك، وواجباتها ومستحباتها كل في الآخر، اعم من ان يقصد شيئا من الاسباب الحاملة والغايات الباعثة ام لا، بل الظاهر منها انه بملاحظة بعض تلك الاسباب والغايات يستباح به ما عداه مما لم تلحفظ غايته، وانه لا فرق في هذا المقام بين الوضوء والغسل. وتفصيل هذه الجملة على وجه يحيط بما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) في المقام، والتنبيه على ما زلت به اقدام اقلام بعض الاعلام - هو ان يقال: الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في عدم الافتقار إلى نية الحديث المتطهر منه الوضوء، اعم من ان يكون متحدا أو متعددا، اما على تقدير الاكتفاء بمجرد القربة فظاهر، واما على تقدير وجوب نية الرفع فالواجب هو قصد رفعه من حيث هو، لكن لو قصد رفع حديث بعينه مع تعدد الاسباب، فقد قطع اكثر الاصحاب بارتفاع الجميع ايضا لان الحدث امر كلي، وان تعددت اسبابه، فمن اجل ذلك ثبت لها التداخل باشتراكها في ذلك الامر الكلي، فبارتفاع احدها يرتفع الجميع، فمتى نوى احدها وجب حصوله، وحصوله يسلتزم حصول الجميع لما عرفت وبذلك يظهر الجواب عما يقال: ان الاحداث لا تتجزأ وليس ثمة الا أمر واحد كلي، فمع عدم نيته لا يرتفع، ونية خصوصية فرد منه لا تستلزم نيته. ويمكن ايضا الجواب بالصحة وان وقع الخطأ في النية، لصدق الامتثال بذلك ووقوع القيد لغوا. واعتراض آخر ايضا بمنع تداخل الاحداث عند تعدد اسبابها، فقال: لم لا يجوز ان يحصل من كان منها حدث على حدة لابد لنفيه من دليل ؟ اقول: وكأنه لهذا احتمل العلامة في النهاية رفع ما نواه خاصة، بناء


[ 198 ]

على انها اسباب متعددة، قال: " فان توضأ ثانيا لرفع آخر صح، وهكذا إلى آخر الاحداث " انتهى. وفيه - مع ما تقدم - ان المفهوم من الاخبار الواردة في تداخل الاغسال هو الاكتفاء بغسل واحد مع تعدد اسبابه كما سيأتي ان شاء الله تعالى. وهو دليل على عدم تعدد الاحداث وان تعددت الاسباب، وإلا وجب لكل منها غسل، والدليل على خلافه. والفرق بين حدثي الوضوء والغسل في ذلك غير معقول، مع انه لا قائل به. وكيف كان فالخطب عندنا عدم ثبوت نية الرفع سهل. هذا في الوضوء.

واما الغسل فقد اختلف فيه على اقوال:

(احدها) - التداخل مطلقا و (ثانيها) - عدمه مطلقا. و (ثالثها) - التداخل مع انضمام الواجب لا بدونه و (رابعها) - التداخل لا مع انضمامه، هكذا نقل عنهم بعض متأخري المتأخرين من مشايخنا المحققين، إلا ان الظاهر من تتبع كلامهم في هذا المجال هو التفصيل في هذه الاقوال كما سنوضحه - إن شاء الله تعالى - على وجه يرفع الاشكال. فنقول: انه مع اجتماع الاسباب المذكورة فلا يخلو اما ان يكون كلها واجبة أو كلها مستحبة أو مجتمعة منهما، فههنا صور ثلاث:

(الاولى) - ان تكون كلها واجبة، والاظهر الاشهر الاكتفاء بغسل واحد، مطلقا، داخلها الجنابة ام لا، عين الاسباب كلا أو بعضا ام لا، اقتصر على نية القربة كما هو الاظهر غير الاشهر أو زاد عليها الرفع والاستباحة وذهب العلامة في جملة من كتبه إلى انه مع انضمام الجنابة إلى غيرها، فان نوى الجنابة اجزأ عنها وعن غيرها، وان نوى غيرها فظاهر كلامه في النهاية صحة الغسل ورفعه للحدث الذي نواه خاصة دون حدث الجنابة، معللا بان رفع الادون الا يسلتزم رفع الاعلى، هذا مع عدم اقترانه بالوضوء، ومعه احتمل الرفع وعدمه. وظاهر كلامه في التذكرة الاستشكال في صحة الغسل من اصله، من جهة عدم ارتفاع ما عدا الجنابة مع بقائها لعدم نيتها وعدم اندراجها تحت ما عداها، ومن انها طهارة قرنت بها


[ 199 ]

الاستباحة فان صحت قرن بها الوضوء، وحينئذ فالاقرب رفع حدث الجنابة بها. ولا يخفى عليك ما في هذه التعليلات العليلة سيما في مقابلة النصوص الصحيحة الصريحة.

(الصورة الثانية) - ان يكون بعضها واجبا وبعضها مستحبا، والاظهر ايضا - كما استظهره جملة من اصحابنا (قدس الله ارواحهم) - هو الاكتفاء فيها بغسل واحد مطلقا حسبما قدمنا من التفصيل في الاطلاق. وذهب الشيخ في خلافه ومبسوطه - والظاهر انه هو المشهور بينهم كما صرح به بعض المتأخرين - إلى انه ان نوى الجميع أو الجنابة اجزأ غسل واحد، ان نوى غسل الجمعة مثلا لم يجزه، لا عن غسل الجنابة، لعدم نيته، ولا عن الجمعة، لان المراد به التنظيف وهو لا يحصل مع بقاء الحدث. واعترضه المحقق في الثاني بانه يشكل باشتراط نية السبب في الغسل المستحب، وفى الثالث بانه يجزئ عن الجمعة خاصة، إذ ليس المراد من المندوب رفع الحدث، فيصح ان يجامعه الحدث كما يصح غسل الاحرام من الحائض. وذهب العلامة في التذكرة إلى انه مع نيتهما معا يبطل الغسل، ومع نية الجنابة خاصة يصح بالنسبة إليها خاصة، وان نوى الجمعة صح عنها خاصة مع بقاء حدث الجنابة، ولو اغتسل ولم ينو شيئا بطل. وههنا اشكال سيأتي التنبيه عليه ان شاء الله تعالى.

(الصورة الثالثة) - ان تكون كلها مستحبة، والاظهر ايضا الصحة حسبما قدمنا وذهب المحقق في المعتبر إلى الصحة ان نوى الجميع، واما إذا نوى بعضها اختص بما نواه، قال: " لانا قد بينا ان نية السبب في المندوب مطلوبة، إذ لا يراد به رفع الحدث، بخلاف الاغسال الواجبة، لان المراد بها الطهارة فتكفي نيتها وان لم ينو السبب " انتهى. وهو صريح العلامة في التذكرة وظاهر الشهيد في الذكرى. وفي المنتهى قرب الاكتفاء بغسل واحد ولم يفصل، وفي التحرير والقواعد والارشاد حكم بعدم التداخل ولم يفصل، وهو ظاهر الدروس، حيث نسب القول


[ 200 ]

بالتداخل إلى قول مروي. ونقل عن المحقق الشيخ علي في شرح القواعد انه رجح عدم التداخل في هذه الصورة ولو مع نية الاسباب، متمسكا بعدم الدليل على التداخل. هذا. والذي يدل على ما اخترناه ويؤيد ما رجحناه روايات مستفيضة: (منها) - حسنة زرارة (1) قال: " إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر اجزأك غسلك ذلك للجنابة والجمعة وعرفة والنحر والحلق والذبح والزيارة، وإذا اجتمعت لله عليك حقوق اجزأك عنها غسل واحد، ثم قال: وكذلك المرأة يجزيها غسل واحد لجنابتها واحرامها وجمعتها وغسلها من حيضها وعيدها ". وهذه الرواية وان كانت مضمرة في الكافي الا ان الاضمار الواقع في اخبارنا، سيما إذا كان المضمر من اجلاء الرواة واعيانهم - كما حققناه في موضع آخر، وصرح به جملة من اصحابنا المتأخرين - غير مضر، مع ان هذه الرواية مسنده في التهذيب عن احدهما (عليهما السلام) وان كان في طريقها علي بن السندي وهو مجهول، وقد رواها ابن ادريس (رحمه الله) في مستطرفات السرائر، ونقل انه مما انتزعه من كتاب حريز، فرواها عنه عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) وكتاب حريز اصل معتمد وكيف كان فالرواية صحيحة، وهي صريحة في المطلوب. و (منها) - مرسلة جميل عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " إذا اغتسل الجنب بعد طلوع الفجر اجزأه ذلك الغسل من كان غسل يلزمه في ذلك اليوم ". وفي جملة من الاخبار ما يدل على التداخل في خصوص بعض الاغسال: كصحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3): قال:


(1) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 43 - من ابواب الجنابة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 43 - من ابواب الجنابة. والرواية - كما في الكافي ج 1 ص 14 وسائر كتب الحديث عن احدهما (عليهما السلام) الحدائق 25


[ 201 ]

(سألته عن المرأة تحيض وهي جنب هل عليها غسل الجنابة ؟ قال: غسل الجنابة والحيض واحد.) وفي رواية الخشاب (1) في مثل هذه الصورة (تجعله غسلا واحدا عند طهرها) ومثلها رواية ابي بصير (2) وغيرها. وفى صحيحة زرارة (3) فيمن مات وهو جنب " يغسل غسلا واحدا يجزئ ذلك للجنابة ولغسل الميت، لانهما حرمتان اجتمعتا في حرمة واحدة " إلى غير ذلك من الاخبار التي يطول بنقلها المقام. وانت خبير بان ظواهرها تعطى ان حكم الغسل كالوضوء في رفع الاحداث المتعددة واستباحة العبادات المتعددة، وهي باطلاقها دالة على الصحة مع نية الاسباب كلا أو بعضا أو عدم نية شئ منها مع قصد القربة. وكما تدل على تداخل الواجبات الصرفة والمجتمعة مع المندوبة صريحا كذلك تدل على تداخل المستحبات الصرفة، إذ من الظاهر البين أن تعداده (عليه السلام) لجملة تلك الاغسال في حسنة زرارة (4) إنما هو من قبيل التمثيل وبيان للاجتزاء بغسل واحد لاسباب متعددة، وحينئذ فذكر الجنابة معها ليس إلا كذكر غيره من سائرها، ويؤيد ذلك ويحققه قوله (عليه السلام): " وإذا اجتمعت لله عليك حقوق اجزأك عنها غسل واحد " فان المراد بالحقوق هي الثابتة في الشريعة ولو على وجه الاستحباب وانه بملاحظة بعض الغايات الحاصلة يجزئ عن جملة من الغايات الاخر السابقة على الفعل وان لم تلحظ حال الفعل. بل ربما يقال وعن الغايات المتجددة بعد الفعل، كما رجحه بعض مشايخنا المحدثين من متأخري المتأخرين حسبما قررنا في الوضوء.


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 43 - من ابواب الجنابة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب غسل الميت. (4) ص 200


[ 202 ]

كما هو ظاهر مرسلة جميل المتقدمة (1) ومثلها رواية عثمان بن يزيد - واستظهر بعض مشايخنا المتأخرين انه تصحيف عمر بن يزيد بقرينة رواية ابن عذافر عنه، فتكون الرواية صحيحة - عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " من اغتسل بعد طلوع الفجر كفاه غسله إلى الليل في كل موضع يجب فيه الغسل، ومن اغتسل ليلا كفاه غسله إلى طلوع الفجر ". فان ظاهرهما الدلالة على الاجتزاء بالغسل الواقع اول النهار عن كل غسل نهاري، وهو اعم من ان تكون غايته حاصلة قبل الفعل أو متجددة بعده. والظاهر ان المراد بالوجوب واللزوم فيهما مجرد الثبوت، إذا يبعد الجزم بارادة المعنى المصطلح عليه بين المتفقهة من كلامهم (عليهم السلام) سيما مع وجود القرينة الدالة على ما قلنا من عده (عليه السلام) في حسنة زرارة في جملة ما يجزئ الغسل عنه بعد الفجر جملة من الاغسال المستحبة، بل هي الاكثر، إذ لم يعد في صدر الرواية من الواجبات سوى غسل الجنابة مع انك قد عرفت ان الظاهر ان ذلك انما خرج مخرج التمثيل، على ان احتمال الواجبة بناء على ما قلنا - غير ممكن، لان الاغسال الواجبة كغسل الجنابة ونحوه مسببة عن احداث خاصة، ولا يعقل تقدم المسبب على سببه وحينئذ فتكون الروايتان المذكورتان مخصوصتين بالاغسال المستحبة إذ تجددت غاياتها بعد الفعل، ولفظ " يجب " و " يلزم " في الروايتين ظاهر في التجدد. واما ما ظنه بعض مشايخنا المتأخرين - من قوله (عليه السلام) " إذا اجتمعت لله عليك حقوق... الحديث " حيث انه دال بمفهوم شرطه على عدم اجزاء الغسل الواحد قبل اجتماع الحقوق عنها، فيكون منافيا لظاهر الخبرين الاولين - ففيه (اولا) - ان دلالة الخبرين الاولين على ما ذكرناه - بناء على ما حققناه -


(1) في الصحيفة 200 (2) رواها صاحب الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الاحرام من كتاب الحج.


[ 203 ]

بالمنطوق نظرا إلى العموم المستفاد منهما، ودلالة الخبر المشار إليه بالمفهوم، ولا شك في رجحان الاول على الثاني. و (ثانيا) - انه لا ينحصر المعنى المراد من ترتب الاجزاء على اجتماع الحقوق في انتفائه بانتفائها، بل يجوز أن يكون المراد - كما هو الظاهر - هو اجزاء غسل واحد مع اجتماع الحقوق لا تعدد الغسل لكل واحد واحد من الحقوق، ردا على من زعم التعدد. ومفهوم الشرط إنما يكون حجة ما لم يظهر للترتب معنى آخر غير انتفاء الجزاء بانتفاء الشرط كما هو مسلم في الاصول. وبما ذكرنا يظهر دلالة الخبرين - كما هو الظاهر من غيرهما من أخبار المسألة ايضا - على عدم وجوب تعيين الوجه والسبب في الغسل، بل يكفي ايقاع غسل له صلاحية الانصباب على الاغسال الواقعة في ذلك اليوم وان لم يلحظ تقدم سببها أو تأخره كالغسل الواقع بعد الفجر، فانه لوقوعه بعده يصلح للانصباب على جميع الاغسال المتعلقة بذلك اليوم، وكذلك الواقع بعد الغروب بالنسبة إلى الاغسال الليلية. ومما يدل على عدم وجوب تعيين الوجه والسبب في الغسل كما قلنا - بل يكفي غسل له صلاحية ما ذكرنا - ما رواه الصدوق في الفقيه (1) مرسلا وتلقاه الاصحاب بالقبول: " ان من جامع في شهر رمضان ونسي الغسل حتى خرج شهر رمضان ان عليه ان يغتسل ويقضي صلاته وصومه الا أن يكون قد اغتسل للجمعة، فانه يقضي صلاته وصومه إلى ذلك اليوم ". وبما ذكرنا يظهر ان تداخل هذه الاغسال كما دلت عليه الاخبار فرع اجتماعها في أمر كلي مشترك بينها وهو الرفع، ومنه يظهر قوة القول بكون الغسل وان كان مندوبا فانه يكون رافعا، ومن اخبار تلك المسألة يظهر قوة ما ذكرنا ايضا، إذ لو لم تكن مشتركة فيما ذكرنا - مع وجوب كون الافعال تابعة للقصود والغايات المترتبة عليها كما


(1) في باب ما يجب على من افطر أو جامع في شهر رمضان متعمدا أو ناسيا.


[ 204 ]

حققناه سابقا، بل انه لا تحقق لها إلا بها حسبما دلت عليه تلك الاخبار التي قدمناها في المقام الاول - لم يظهر للتداخل وجه بالكلية، فانه كما لا تداخل بين الوضوء والغسل لتغاير الغريضين المترتبين على كل منهما، فلا تداخل بين الغسلين المختلفي الغايتين بل يجب كل منهما غسل على حدة، ولهذا ذهب البعض - كما تقدم نقله - إلى عدم التداخل مطلقا، نظرا إلى اختلاف الاسباب فيجب اختلاف المسببات. وان كان جملة من اصحابنا من المتأخرين المانعين من رفع الغسل المستحب، لما وردت عليهم الاخبار الدالة على التداخل في الاغسال المستحبة ورأوا انه لا مندوحة عن العمل بها، تكلفوا للتفصي عن ذلك بوجوب تعيين الاسباب فيها، وصرحوا بانه لو نوى البعض خاصة اختص صحة الغسل بما نواه. إلا ان الاخبار - كما عرفت - لا دلالة لها على ذلك بل هي دالة على عدمه. ولهذا ان بعضهم - بعد ان اعترف بدلالة الاخبار على ما ذكرناه - استشكل فيما لو قصد معينا، فكيف يجزئ عما لم يعينه ؟ ثم اجاب انه ليس بعيدا من كرم الله تعالى ايصال الثواب بهذا الفعل الخاص في هذا الوقت المشتمل على شرعية هذه الاغسال مع فعله متقربا، كما قيل في حصول ثواب الجماعة للامام مع عدم شعوره بان احدا يصلي وراءه وغير ذلك. انتهى. وايضا فانه لما وردت عليهم اخبار تداخل الاغسال الواجبة والمستحبة، اشكل عليهم المخرج منها باعتبار تضاد وجهي الوجوب والاستحباب، واعتبار نية السبب، بل لزوم اتصاف شئ واحد بمتضادين، وهو كون غسل واحد واجبا وندبا، وهو بديهي البطلان واجابوا تارة بعدم وجوب نية الوجه اما مطلقا أو فيما نحن فيه للاخبار، وتارة باختيار نية الوجوب ودخول المندوب فيه وسقوط اعتبار السبب هنا بمعنى تأدي احدى الوظيفتين بفعل الاخرى، كما تتأدى صلاة التحية بقضاء الفريضة، وصيام ايام البيض بصيام الواجب فيها. وبالجلمة فالواقع هو الغسل الواجب خاصة لكن الوظيفة المسنونة تتأدى به


[ 205 ]

وانت خبير بان ما ذكروه من الجواب وان اندفع به الاشكال بالنسبة إلى النية لكن الاشكال باعتبار لزوم كون شئ واحد في نفس الامر واجبا وندبا باق على حاله والاشكال المذكور على هذا لا اختصاص له بنية الجميع كما ذكروا بل نية احدهما ايضا بان يقال لو كان الغسل الواحد مجزئا عن الجميع لكان واجبا ومندوبا، وهو محال لتضادهما وما ذكروه من تأدي الوظيفة المستحبة بفعل الواجبة لا يحسم مادة الاشكال، لان تأدي وظيفة المستحب - بمعنى استحقاق ما يترتب عليه من الثواب بفعل الواجب - تقتضي كون ذلك الغسل مستحبا، لان ما يكون امتثالا للامر المذكور يلزم أن يكون ندبا قطعا. وبالجملة فلما كان الوجوب والندب صفتين متضادتين فكما لا يتأدى الواجب بالاتيان بالمندوب فكذا العكس. واما ما ذكر - من مثال صلاة التحية وصيام ايام البيض - فيمكن الجواب بان مقصود الشارع ثمة هو ايقاع العبادة في هذا المكان والزمان المخصوصين من حيث هي اعم من ان يكون بوجه الوجوب أو الندب، لا خصوصية المندوب، بخلاف ما نحن فيه بناء على ما يدعونه من عدم رفع المندوب، فان خصوصية كل واحد ملحوظة على حدة، لعدم الاشتراك في امر كلي يجمعهما حتى يجعل ذلك الامر الكلي موجبا لاجزاء أحد الفردين عن الآخر واندراجه تحته. واجاب بعض فضلاء متأخري المتأخرين عن الاشكال المذكور - بعد الاعتراف بلزوم ما ذكرنا - بالتزام ذلك ومنع استحالته لاختلاف الجهة، قال: " فان هذا الغسل الواحد من حيث انه فرد لغسل الجمعة وامتثال للامر به مستحب، ومن حيث انه فرد لغسل الجنابة وامتثال للامر به واجب ". ولا يخفى ما فيه ايضا، فان الطبيعة انما تكون متعلقة للتكاليف باعتبار اتحادها


[ 206 ]

مع افرادها في الخارج، فمتى تعلق التكليف الاستحبابي كان معناه في الحقيقة يرجع إلى ان ما تصدق عليه هذه الطبيعة يستحب فعله ويجوز تركه، فلو كان بعض افرادها ما لا يجوز تركه لم يكن القدر المشترك بين تلك الافراد جائز الترك، فلا يتعلق به التكليف الاستحبابي، هذا خلف، فإذا لا يجوز ان يكون الامر الذي لا يجوز تركه فردا للطبيعة المستحبة وفردا للطبيعة الواجبة فردا يجوز تركه بان يأتي بفرد آخر لا مطلقا، وهو خارج عن محل البحث وانت خبير بانه إذا رجعت إلى ما قررناه آنفا - من ان الاخبار إنما وردت بالتداخل في جميع اقسام الغسل كما اخترناه، من حيث اشتراكها في ذلك الامر الكلي - اندفع الاشكال من المقام بحذافيره، كما انه لا مجال لهذا الاشكال عندهم في تداخل الاغسال الواجبة بعضها في بعض، لاشتراكها في الرفع. والعجب من جملة من اصحابنا المرجحين لما اخترناه في مسألتي التداخل ورفع الغسل المندوب، ضاق عليهم الخناق في التفصى عن هذا الاشكال، واكثروا من الترديد في دفعة والاحتمال. وسيأتي - ان شاء الله تعالى في بيان المسألة الثانية - ما يزيد هذا المقام ايضاحا ويتسع له الصدر انشراحا. هذا ما اقتضاه النظر القاصر باعتبار ما هو مقتضى الدليل، واستفادة الفكر الفاتر من كلام تراجمة الوحي والتنزيل. والاحتياط مما لا ينبغي تركه في جميع الابواب ولا سيما هنا، بقصد الغايات المتعددة والاسباب.

(المقام الثاني عشر) - قد صرح جملة من الاصحاب (نور الله تعالى مراقدهم) نقل النية في مواضع:

(الاول) - ما إذا اشتغل بلاحقة ثم ذكر سابقة، سواء كانتا مؤداتين


[ 207 ]

أو مقتضيتين، أو المعدول عنها حاضرة والمعدول إليها فائتة أو بالعكس بشرط ضيق الوقت عن الحاضرة.

(الثاني) - العدول من القصر إلى الاتمام وبالعكس.

(الثالث) - من الائتمام إلى الانفراد وبالعكس.

(الرابع) - من الائتمام إلى الامامة، ومن الائتمام بامام إلى الائتمام بآخر. (الخامس) - من فرض إلى النفل.

(السادس) - من النفل إلى النفل. إذا عرفت هذا فنقول:

(اما الموضع الاول) فقد اشتمل على اربع صور، والمعلوم صحة ما عدا الرابعة، لاعتضاده بالاخبار بل وعدم الخلاف كما سيأتي تحقيقه في موضعه ان شاء الله تعالى واما الرابعة فمحل اشكال، لعدم الوقوف فيها على نص، وجزم الشهيد في البيان بالعدول من القضاء إلى الاداء، وكذا من السابقة إلى اللاحقة مع تضيق الوقت، وبالاولى منهما صرح في المفاتيح ايضا.

(الموضع الثاني) - والقول فيه انه لا يخفى ان جواز العدول من احد هذين الفرضين إلى الآخر انما يكون في موضع يباح فيه كل منهما، كالمسافر المريد لنية الاقامة ومن حصل في أحد المواطن الاربعة، فانه لو صلى بقصد أحد الفرضين مع كون الآخر مباحا له، فانه يجوز له العدول إلى الثاني وتفصيل القول في ذلك اما بالنسبة إلى العدول من القصر إلى الاتمام، فقد ورد في صحيحة علي بن يقطين عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن رجل خرج في سفر ثم تبدو له الاقامة وهو في صلاته. قال: يتم إذا بدت له الاقامة " ومثلها رواية محمد بن سهل عن ابيه عن أبي الحسن (عليه السلام) (2) والحكم هنا مما لا خلاف فيه.


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 20 - من ابواب صلاة المسافر.


[ 208 ]

والظاهر ان الحكم مثله في المصلى في احد الاماكن الاربعة لو عدل في اثناء صلاة القصر إلى التمام وبالعكس ايضا، عملا بعموم الدليل الدال على التخيير بالنسبة إليه في هذه الاماكن. وانه بمجرد دخوله في احد الفرضين لا يزول حكم التخيير عنه. وبالتخيير هنا صرح المحقق في المعتبر واستحسنه جماعة ممن تأخر عنه: منهم - السيد السند في المدارك وشيخنا المجلسي في البحار وغيرهما في غيرهما. وينبغي تقييده بما إذا لم يتجاوز محل العدول فيما إذا عدل من التمام إلى القصر، وما لم يسلم على الركعتين في العكس، والا لا شكل ذلك فيما لو دخل بنية الاتمام ثم سلم على الركعتين ساهيا، أو دخل بنية القصر ثم صلى الركعتين الاخيرتين ساهيا، فان الحكم بالصحة - بناء على انه مخير في الاتيان بايهما وقد اتى باحدهما مشكل، لان الظاهر ان المكلف وان كان مخيرا بين الفردين لكن باختياره احدهما وقصده الامتثال به من غير عدول عنه يتعين في حقه ويترتب عليه احكامه من الابطال بزيادة ما زيادته مبطلة ونقصان ما نقصانه مبطل، والا للزم الحكم بالصحة بناء على استحباب التسليم فيما لو صلى بنية التمام ثلاث ركعات ثم سلم على الثالثة ساهيا، فانه قد اوجد الصلاة المقصورة في ضمن هذه الثلاث ركعات وان كانت غير مقصودة، فتكون مجزئة، بل ولو سلم عامدا أو احدث والحال هذه في اثناء الركعتين الاخيرتين أو فعل ما يبطلها، فانه تكون صلاته صحيحة باعتبار اشتمالها على الصلاة المقصورة في الجملة. والحكم بالصحة في امثال ذلك خارج عن مقتضى الاصول المقررة والقواعد المعتبرة. وبذلك يظهر لك ما في كلام الاردبيلي (قدس سره) في شرح الارشاد، حيث قال: " الظاهر انه لو نوى القصر ثم تممها نسيانا أو عمدا مع النقل تصح الصلاة وبالعكس " انتهى. واما بالنسبة إلى العدول من الاتمام إلى القصر فقد عرفت الكلام فيه بالنسبة


[ 209 ]

إلى المواضع الاربعة. واما في قاصد الاقامة فهو إنما يتم بالنسبة إلى اول فريضة يريد ايقاعها بنية التمام، إذ بعدها لا مجال للعدول. لوجوب الاتمام حينئذ حتى يقصد المسافة. وقد اختلف كلام الاصحاب في هذا المقام، فالمنقول عن الشيخ في المبسوط وابن الجنيد وابي الصلاح وجوب المضي على التمام في تلك الفريضة حتى يخرج مسافرا. وتردد المحقق في المعتبر والشرائع، نظرا إلى افتتاح الصلاة على التمام وهي على ما افتتحت عليه، والى عدم الاتيان بالشرط وهو الصلاة على التمام. وفصل في التذكرة والمختلف والقواعد بتجاوز محل القصر فلا يرجع، وبعدم تجاوزه فيرجع، لانه مع التجاوز يلزم من جواز الرجوع ابطال العمل المنهى عنه، ومع عدم تجاوزه يصدق انه لم يصل فريضة على التمام. واليه ذهب في البيان والدروس. واطلق في المنتهى العود إلى التقصير، لعدم حصول الشرط، واختاره السيد السند في المدارك وشيخنا المجلسي في كتاب البحار. والمسألة غير منصوصة على الخصوص، الا انه لما كان فرض المسافر التقصير وانتقال فرضه إلى آخر يحتاج إلى دليل - وغاية ما يستفاد من صحيحة ابي ولاد (1) التي هي مستند هذا الحكم هو صلاة فريضة على التمام بنية الاقامة. وبالعدول في اثنائها وان تجاوز محل القصر لا يصدق حصول فريضة على التمام، فينتفي الشرط وبانتفائه ينتفي المشروط - كان الاظهر هو القول الاخير. وحينئذ فمتى كان العدول بعد تحقق الزيادة المبطلة يتعين الاعادة، لفوات شرط التمام، وبطلان المقصورة بما اشتملت عليه من الزيادة، وإلا صحت صلاته قصرا.

(الموضع الثالث) - وهو العدول من الائتمام إلى الانفراد وبالعكس، ويشتمل على صورتين:

(احداهما) - العدول من الائتمام إلى الانفراد، واستدلوا عليه بصحيحة (1) المروية في الوسائل في الباب - 18 - من ابواب صلاة المسافر.


[ 210 ]

علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل يكون خلف امام فيطول في التشهد، فيأخذه البول أو يخاف على شئ أن يفوت أو يعرض له وجع، كيف يصنع ؟ قال: يلم وينصرف ويدع الامام ". وعندي في الاستدلال بهذه الرواية اشكال، وذلك لانها وان دلت على جواز الانصراف مع العذر لكنها قد دلت على كون محله التشهد، وانه بسبب تطويل الامام في التشهد، والظاهر ان المراد بتطويله عبارة عن الاتيان بما اشتمل عليه من الاذكار المستحبة في التشهد وهو التشهد المستحب، وحينئذ فمن المحتمل قريبا ان الامر بالانصراف انما هو في ضمن تلك الاذكار المستحبة بعد الاتيان بالصيغة الواجبة، وعلى هذا فلا دلالة في هذا الخبر على المدعى، لانهم قد صرحوا بجواز تسليم المأموم قبل الامام وان كان لا لعذر، وجعلوها مسألة مستقلة غير ما نحن فيه، واستدلوا عليها بصحيحة ابي المغرا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " في الرجل يصلي خلف الامام فيسلم قبل الامام ؟ قال: ليس عليه بذلك بأس " واستدلوا ايضا بالرواية السابقة في تلك المسألة، وكأنه لفهمهم منها الاولوية لهذه الصورة. والظاهر عندي - لما عرفت - هو الاختصاص بهذه الصورة، على ان الرواية المذكورة - بناء على ما ذكروا - معارضة بصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن رجل يكون خلف الامام فيطيل الامام التشهد. قال: يسلم ويمضي لحاجته ان احب " فانها دالة على جواز الانفراد لا لعذر مع تعين محل المفارقة فيها كتلك الرواية. وعلى ما ذكرنا من تخصيص ذلك بما بعد التشهد يزول الاشكال عن الجميع مع ان العذر المذكور في صحيحة علي بن جعفر انما وقع في كلام السائل. هذا مع العذر. واما مع عدمه فالمشهور ايضا جواز العدول مع نية الانفراد، وذهب الشيخ في المبسوط إلى العدم. وادلة كل من الطرفين لا تخلو من دخل، إلا ان يقين البراءة من التكليف


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 64 - من ابواب الجاعة.


[ 211 ]

الثابت يقينا يعضد ما ذهب إليه في المبسوط. ويؤيده ايضا صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) انه " سأله عن امام احدث فانصرف ولم يقدم احدا، ما حال القوم ؟ قال: لا صلاة لهم إلا بامام.. ". ومن مواضع العدول في الصورة المذكورة ما لو تبين للمأموم في اثناء الصلاة بطلان صلاة الامام، فانه يعدل إلى الانفراد، لصحيحة زرارة عن احدهما (عليهما السلام) (2) قال: سألته عن رجل صلى بقوم ركعتين ثم اخبرهم انه ليس على وضوء. قال: يتم القوم صلاتهم، فانه ليس على الامام ضمان ".

(الصورة الثانية) - العدول من الانفراد إلى الائتمام وهو قول الشيخ في الخلاف مدعيا عليه الاجماع، ونفى عنه البأس العلامة في التذكرة، واختاره السيد العلامة المحدث نعمة الله الجزائري (قدس سره) في رسالة التحفة، ونقل من حجة المنع من ذلك التعويل على ما روى (3): " ان الشارع في فريضة ينقلها إلى النفل ويجعلها ركعتين إذا احرم امام الجماعة " فلو ساغ العدول لم يكن ذلك. ثم اجاب بان القطع والنقل انما شرعا تحصيلا لصلاة الجماعة من اول الصلاة. انتهى. والاظهر - كما استظهره جمع من متأخري المتأخرين - العدم، لعدم ثبوت التعبد بمثله، مؤيدا بما ذكره السيد المشار إليه. وما اجاب به (قدس سره) عن ذلك منظور فيه، بانه لو كان العلة ما ذكره لكان الانسب بذلك هو العدول دون النقل، اد لا يخفى انه متى كان الغرض ادراك الصلاة من أولها مع الامام والمسارعة إلى ذلك، فان العدول اقرب إلى تحصيله، إذ ربما كان في النقل إلى النفل ما يفوت به الغرض المذكور


(1) المروية في الوسائل في الباب - 72 - من ابواب الجماعة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 36 - من ابواب الجماعة. (3) رواه صاحب الوسائل في الباب - 56 - من ابواب الجماعة.


[ 212 ]

سيما إذا كان المصلي المنفرد لم يأت بشئ من صلاته سوى تكبيرة الاحرام، وبناء صلاة الجماعة على التخفيف فربما يفوته بالنقل الادراك للركعة الاولى كما لا يخفى، ولا سيما إذا جعلنا الموضع الذي يكلف المنفرد بالنقل فيه ما إذا اشتغل الامام بشئ من واجبات الصلاة دون ما يقدم من المندوبات، كما هو أحد القولين في المسألة. وبالجملة فما ذكره (رحمه الله) في الجواب ليس بذلك المستحباب في هذا الباب.

(الموضع الرابع) - وهو العدول من الائتمام إلى الامامة، ومن الائتمام بامام إلى الائتمام باخر، وهو منصوص في مواضع ثلاثة:

(احدها) - ما إذا احدث الامام في اثناء الصلاة، فانه يستخلف بعض المأمومين يتم بهم الصلاة ويدل عليه روايات عديدة: منها - صحيحة معاوية بن عمار (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يأتي المسجد وهم في الصلاة وقد سبقه الامام بركعة أو اكثر. فيعتل الامام فيأخذ بيده ويكون ادنى القوم إليه فيقدمه. فقال: يتم صلاة القوم ثم يجلس... الحديث ". وما رواه في الفقيه (2) مرسلا عن امير المؤمنين عليه السلام وفيه: "... ثم لينصرف وليأخذ بيد رجل فليصل مكانه... الحديث ".

و (ثانيها) - ما إذا حدث بالامام حدث من موت أو اغماء، فان المأمومين يستخلفون بعضهم ليتم بهم، وعليه تدل صحيحة الحلبي (3) " في رجل أم قوما فصلى بهم ركعة ثم مات ؟ قال: يقدمون رجلا آخر ويعتدون بالركعة... الحديث ".

و (ثالثها) ما لو ائتم المتمم بالمقصر، فانه بعد تمام صلاة الامام يتم بهم بعضهم


(1) المروية في الوسائل في الباب - 40 - من ابواب الجماعة. (2) ج 1 ص 261 وفى الوسائل في الباب - 72 - من ابواب الجماعة. (3) المروية في الوسائل في الباب - 43 - من ابواب الجماعة.


[ 213 ]

وعليه تدل صحيحة الفضل بن عبد الملك عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا يؤم الحضري المسافر ولا المسافر الحضري. فإذا ابتلى بشئ من ذلك فام قوما حاضرين، فإذا اتم الركعتين سلم ثم أخد بيد بعضهم فقدمه فامهم... الحديث " ولا اعلم خلافا في هذه المواضع الثلاثة.

بقى هنا صور ينبغي التنبيه عليها:

(احداها) - هل يجوز العدول من الائتمام بامام في اثناء الصلاة إلى الائتمام باخر لو حضرت جماعة اخرى في ذلك المكان ؟ قولان، اختار اولهما العلامة في التذكرة وتبعه المحدث الكاشاني في المفاتيح ورد بعدم ثبوت التعبد به. وهو كذلك.

و (ثانيها) - لو صلى الانسان مأموما وكان مسبوقا، فبعد فراغ الامام وانفراده بما بقى عليه هل يجوز الاقتداء به من المأمومين المشاركين له في المسبوقية وغيرهم اولا ؟ الظاهر العدم، لان العبادة توقيفية، والنص انما ورد في تلك المواضع الثلاثة، ومجرد الالحاق بها قياس. واستشكل العلامة في التحرير، حيث قال: " ولو سبق الامام اثنين ففي ائتمام احدهما بصاحبه بعد تسليم الامام اشكال " انتهى. وكأن وجه الاشكال، من جهة المساواة للموضع الثالث من المواضع المتقدمة فيصح الائتمام، ومن حيث عدم النص القاطع على ذلك، العبادة توقيفية. والالحاق لمجرد المساواة قياس.

و (ثالثها) - لو صلى مأموما ثم عدل في اثناء الصلاة إلى نية الامامة ببعض المأمومين أو غيرهم بعد نقل نيته إلى الانفراد أو عدمه.

و (رابعها) - ان ينقل الامام نيته في اثناء الصلاة إلى الائتمام ببعض المأمومين والمأموم نيته إلى الامامة. * (1) المروية في الوسائل في الباب - 18 - من ابواب صلاة الجماعة


[ 214 ]

ولم اقف لاحد من الاصحاب على تصريح في هاتين الصورتين. ومقتضى ما قلنا سابقا عدم الجواز، لما عرفت.

(الموضع الخامس) - العدول من الفرض إلى النفل وقد ورد النص به في مواضع:

(احدها) - لو دخل الانسان في الصلاة منفردا فاقيمت الجماعة، فانه يعدل بنيته من الفرض إلى النفل ويتم صلاته ركعتين ثم يلحق بالامام. ويدل عليه روايات: منه - صحيحة سليمان بن خالد (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل دخل المسجد فافتتح الصلاة، فبينما هو قائم يصلي إذا اذن المؤذن واقام الصلاة. قال: فليصل ركعتين ثم ليستأنف الصلاة مع الامام، ولتكن الركعتان تطوعا ". وظاهر الرواية ان تعلق الحكم بالمصلي - من نقل صلاته إلى النافلة - متى اقيمت الصلاة، وهو أحد القولين في المسألة. وقيل انه لا يتعلق به إلا بعد اشتغال الامام بشئ من واجبات الصلاة.

و (ثانيها) - لو نسى قراءة الجمعة والمنافقين في ظهر الجمعة وقرأ غيرهما حتى تجاوز النصف، فانه ينقل الفريضة إلى النافلة ويتمها ركعتين ثم يستأنف الظهر، كذا نقل عن الصدوق (رحمه الله). والخبر الذي وقفت عليه في هذه المسألة إنما تضمن صلاة الجمعة، وهو صحيحة صباح بن صبيح (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل اراد ان يصلي الجمعة فقرأ بقل هو الله أحد ؟ قال: يتمها ركعتين ثم يستأنف " ولم اقف بعد التتبع على خبر سواه في المسألة.


(1) المروية في الوسائل في الباب - 56 - من ابواب الجماعة (2) المروية في الوسائل في الباب - 72 - من ابواب القراءة في الصلاة.


[ 215 ]

وخص الحكم في البيان بصلاة الجمعة. ونقل عن ابن ادريس انه انكر النقل إلى النفل هنا. وعد في المفاتيح في هذا الموضع ايضا ناسى الاذان والاقامة، مستندا إلى جواز القطع له والعدول اولى. وهو عجيب منه (قدس سره) ثم انه بعد ذلك استظهر جواز العدول لمطلق طلب الفضيلة، قال: " لاشتراك العلة الواردة في النصوص عليه " وهو منه اعجب، فان ما استند إليه من الاشتراك في العلة غير خال من العلة، إذا الفضيلة التي ظنها مجوزة للعدول بزعمه اما ان يريد بها في المعدول إليه أو في الفعل المستأنف في الموضع الذي يكون كذلك، كما في هذا الموضع. وعلى الاول فبطلانه اوضح من ان يبين، حيث ان اخبار الموضع الاول إنما تضمنت العدول إلى السابقة لتقدم اشتغال الذمة بها مع وجوب مراعاة الترتيب. واما اخبار الموضع الثاني فانما هو لاباحة كل من الامرين له، واما اخبار الموضع الثالث فانما هو للرخصة بل المعدول إليها مفضولة، وأما اخبار الموضع الرابع فانما هو في فريضة واحدة لا تمامها، واما اخبار هذا الموضع فانما المعدول إليه نافلة وهي مفضولة. واما على الثاني فيما ذكرنا انما يتمشى له في اخبار هذا الموضع، ولم نقف في شئ منها على علة منصوصة فيها حتى يتم له البناء عليها وان امكن استفادة ذلك منها بحسب المقام، الا انه غير مجوز لان يبنى عليه شئ من الاحكام، بل هو محض القياس المنهي عنه في اخبار أهل الذكر (عليهم السلام).

(الموضع السادس) - النقل من النفل إلى النفل، وقد نقل السيد السند (قدس سره) في المدارك عن الاصحاب التصريح بالجواز إذا شرع في نافلة لاحقة ثم ذكر السابقة. ولم اقف في ذلك على نص يوجب المصير إليه.

(المقام الثالث عشر) - لو شك في نية الصلاة وقد كبر فالظاهر انه لا خلاف في الصحة والمضي في صلاته، للاخبار المستفيضة الدالة على انها بالدخول في غير المشكوك


[ 216 ]

فيه يمضي في صلاته (1). ولو سهى عن النية حتى كبر، فمقتضى كلام الاصحاب - القائلين بوجوب المقارنة في النية. وانها عبارة عن ذلك الحديث النفسي والتصوير الفكري - البطلان. ومقتضى ما قدمنا من التحقيق في معنى النية انه ان كان السهو انما عرض له حال التكبير مع استصحابه لها حال القيام للصلاة والشروع في مستحبابه المتقدمة، فلا وجه للبطلان. ولو نوى الفريضة ودخل فيها ثم نوى النافلة سهوا واتى ببعض الركعات أو بالعكس، فان كان قد علم حال نفسه عند القيام للصلاة بانه في الصورة الاولى إنما قام للفريضة وفي الثانية انما قام للنافلة، بنى على ما قام له وجدد النية لما بقى وصح ما مضى من صلاته، وان لم يعلم حاله ثمة بطلت صلاته. وهكذا لو ذكر القيام للفريضة وانها ظهر مثلا، ثم سهى في الاثناء واتى ببعض افعالها على انها العصر ثم ذكر، فانه يجدد النية لما بقى ويمضي. ويدل على ذلك روايات: منها - ما رواه في الكافي (2) والتهذيب في الحسن عن عبد الله بن المغيرة قال: " في كتاب حريز انه قال: اني نسيت انى في صلاة فريصة حتى ركعت وانا انويها تطوعا ؟ قال: فقال: هي التي قمت فيها: ان كنت قمت وانت تنوي فريضة ثم دخلت الشك فانت في الفريضة، ان كنت دخلت في نافلة فنويتها فريضة فانت في النافلة... ". ورواية عبد الله بن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن رجل قام في صلاة فريضة فصلى ركعة وهو ينوي انها نافلة ؟ قال: هي التي قمت


(1) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الخلل الواقع في الصلاة (2) ج 1 ص 101 وفى التهذيب ج 1 ص 233 وفى الوسائل في الباب - 2 - من ابواب النية من كتاب الصلاة (3) المروية في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب النية من كتاب الصلاة


[ 217 ]

فيها ولها، وقال: إذا قمت وانت تنوى الفريضة فدخلك الشك بعد، فانت في الفريضة على الذي قمت له، ان كنت دخلت فيها وانت تنوي نافلة ثم انك تنويها بعد فريضة فانت في النافلة، وانما يحسب للعبد من صلاته التي ابتدأ في اول صلاته ". ورواية معاوية بن عمار (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل قام في الصلاة المكتوبة فسهى فظن انها نافلة، أو قام في النافلة فظن انها مكتوبة. قال: هي على ما افتتح الصلاة عليه ". والظاهر ايضا ثبوت الحكم المذكور ان لم يذكر الا بعد الفراغ، كما هو ظاهر اطلاق الرواية الاخيرة. وهل المراد بالوقت الذي عليه المدار في البناء، هو حال النهوض والقيام للصلاة من التوجه لها بالاذان والاقامة ونحوها من الافعال المتقدمة. أو حال النية وتكبيرة الاحرام ؟ الظاهر من ظاهر الاخبار الاول، ويؤيده ما صرح به جماعة من الاصحاب من انه لو لم يعلم ما نواه فان الصلاة تبطل، الا إذا علم ما قام له فانه يبني عليه، عملا بالظاهر من انه نوى ما في نفسه أن يفعله. واستدل عليه بعضهم بهذه الاخبار المنقولة هنا. ورد بانها لا دلالة لها على ذلك، إذ مدلولها انما هو ما لو نوى شيئا ثم قصد خلافه سهوا. فانه يبنى على ما نوى اولا ولا يضره ما فعله بقصد غيره. وفيه أن الظاهر من قوله (عليه السلام): " هي التي قمت فيها ولها " انه يبنى على ما قصده حين قيامه وتوجهه للصلاة. اعم من أن يكون نسى ما نواه أو لا ولم يعلمه على اليقين، أو شك فيه، أو ذكره ولكن عرض له السهو بان نوى غيره، إذ خصوص السؤال عن ذلك الفرد لا يخصص كما قرر في محله. مع أن هذا المورد صرح بانه لو علم ما تعين عليه وقام له ثم عرضه الشك في نيته، لا يبعد البناء عليه.


(1) المروية في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب النية من كتاب الصلاة.


[ 218 ]

(المقام الرابع عشر) - نقل عن بعض متأخرى المتأخرين ان من لم يكن من نيته فعل الصلاة بعد الوضوء لا يجوز له الوضوء ولو فعله كان باطلا، بل لو كان من نيته فعل الصلاة ولم يفعلها تبين بطلانه. ونقل عن فخر المحققين (رحمه الله تعالى) ان من كان بالعراق ونوى بوضوئه استباحة الطواف صح وضوؤه، ومثله نقل عن الشهيد في البيان. واستشكله المحقق الشيخ علي (قدس سره) بانه نوى امرا ممتنعا فكيف يحصل له ؟ واجيب بان المنوي ليس وقوع الطواف بالفعل بل استباحته، فالمنوى غير ممتنع والممتنع غير منوى. وتوضيحه - على ما حققه شيخنا البهائي (قدس سره) في بعض فوائده - انه لا ريب ان كون المكلف على حالة يتمكن معها من الدخول في عبادة مشروطة بالطهارة - كالصلاة والطواف مثلا - امر راجح في نظر الشارع، فلو توضأ المكلف بقصد صيرورة الصلاة مباحة له - اعني حصول تلك الحالة - فينبغي ان تحصل له، وكونه يأتي بعد ذلك بالصلاة أو لا يأتي امر خارج عن القصد المذكور، فان حصول تلك الحالة امر مغاير لفعل الصلاة بغير مرية. نعم لو نوى بالوضوء فعل الصلاة مجردا عن استباحتها ولم يكن من قصده فعلها، لكان متلاعبا بنيته. فلا بعد في القول بفساد طهارته حينئذ. اقول: لا يخفي ما في كلام البعض المذكور من الضعف والقصور: (اما اولا) - فلعدم الدليل على ما ذكره، بل الدليل على خلافه واضح السبيل و (اما ثانيا) - فلما فيه من الاجمال بل الاختلال، فانه ان اراد بذلك ما لو كان في الوقت، فانه لا يخفى ان الواجب عليه هو الوضوء والصلاة، والاتيان باحد الواجبين وان لم يأت بالآخر بعده غير مضر بصحته. فمن اين له انه لا يجوز له الوضوء وهو مخاطب به وواجب عليه ؟ غايته انه تجب عليه الصلاة معه ولكن وجوب الصلاة موسع عليه، وحينئذ فلو توضأ في اول الوقت لاجل ان يصلي في آخره فلا مانع


[ 219 ]

من صحته، ومدعى الابطال عليه الدليل، وليس فليس. وان اراد في غير الوقت، فانه لا يخفى ان للوضوء غايات متعددة، وان قصد ايها كان موجب لصحة الوضوء وان لم يقصد الصلاة، ومع ذلك فانه يجوز له الدخول به في الصلاة. والحق وما ذكره شيخنا المذكور (قدس سره) لما تقدم تحقيقه في المقام العاشر مما حاصله ان من نوى بوضوئه احدى الغايات المتقدمة، فلا ريب في صحة وضوئه وجواز دخوله به في الصلاة وغيرها مما هو مشروط بالطهارة، وان التحقيق ان الغاية الحقيقية للوضوء إنما هو قصد الرفع وان تلك الغايات إنما تترتب عليه. الا ان قول شيخنا المشار إليه في آخر كلامه: " نعم لو نوى بالوضوء فعل الصلاة.. الخ " لا يخلو من مناقشة، فانه لا يخفى انه متى كان المكلف عالما بانه لا يجوز له الدخول في الصلاة بغير وضوء وقد قصد بوضوئه هذا الاتيان بالصلاة بعده، فهذا هو معنى الاستباحة شرعا وان لم يتصور هذا العنوان بخصوصه ولم يخطر بباله، إذ لا معنى لاستباحة الصلاة الا اعتقاد كونها مباحة له بعد الوضوء وانها لا تباح له قبله، فقصد الدخول فيها والاتيان بها بهذا الوضوء هو عين قصد الاستباحة. ولعل مبنى كلامه (قدس سره) على ما هو المشهور من تصور هذا العنوان بخصوصه واخطاره بباله، حيث ان النية عندهم عبارة عن هذا الحديث النفسي والتصوير الفكري، والا فان مرجع هذه النية التي فرضها وزعم بطلان الطهارة بها إلى ما ذكره اولا. والله العالم.

(المقام الخامس عشر) - قال السيد السند (قدس سره) في المدارك - بعد ان استدل على وجوب النية في الوضوء بآية " وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين... " (1) وبالاخبار المتقدمة في المقام الاول (2) ما صورته: " واعلم ان الفرق بين ما تجب فيه النية من الطهارة ونحوها، وما لا تجب من إزالة النجاسة وما شابهها - ملتبس جدا، لخلو الاخبار من هذا البيان. وما قيل - من ان النية انما تجب في الافعال


(1) سورة البينة الآية 5 (2) في الصحيفة 171


[ 220 ]

دون التروك - منقوض بالصوم والاحرام. والجواب بان الترك فيهما كالفعل تحكم. ولعل ذلك من اقوى الادلة على سهولة الخطب في النية وان المعتبر فيها يتخيل المنوي بادنى توجه. وهذا القدر أمر لا ينفك عنه أحد من العقلاء كما يشهد به الوجدان، ومن هنا قال بعض الفضلاء: لو كلفنا الله الصلاة وغيرها من العبادات بغير نية كان تكليف ما لا يطاق. وهو كلام متين لمن تدبره ". انتهى.

اقول: الظاهر ان وجه الاشكال الذي اشار إليه (قدس سره) في ذلك هو ان كلا من الطهارة ونحوها من العبادات وازالة النجاسة وما شابهها مما قد وقع التكليف به من الشارع، مع انهم قد اوجبوا النية في القسم الاول دون الثاني، ووجه الفرق غير واضح. وانت خبير بانه اما ان يراد بالنية هنا المعنى اللغوي الذي هو عبارة عن مجرد القصد إلى الفعل، كما يشعر به آخر كلامه من قوله: " وان المعتبر فيها تخيل المنوي... الخ " أو المعنى الشرعي الذي هو القصد المخصوص المقرون بالقربة، كما يشعر به صدر كلامه من الاستدلال بالآية والاخبار المشار إليها. وعلى الاول يكون الاشكال في ازالة النجاسة من جهة انه لا يجب في ازالتها القصد إلى ذلك، بل لو زالت بوقوع الثوب في الماء أو اصابة المطر له اتفاق أو نحو ذلك كفى في الحكم بالطهارة. وعلى الثاني ايضا انه متى كان الامر كذلك فبالطريق الاولى ان لا يشترط في الازالة القربة ولا نية الندب ولا غيرهما من قيود النية الشرعية. وجملة من الاصحاب قد اجابوا عن الاشكال المذكور بالفرق بين المقامين، وان النية إنما تجب في الافعال من حيث وقوعها على انحاء متعددة، كما تقدم منا بيانه في المقام الاول (1) فلا بد من النية في تميز بعضها عن بعض، واما التروك فباعتبار كونها مرادة للشارع لكن لا على وجه مخصوص بل باي وجه تحققت، فليس هناك وجوه متعددة


(1) في الصحيفة 170


[ 221 ]

لمتعلق التكليف يتوقف الامتثال على تعيين فرد منها بالنية، بل يكفي في حصول المطلوب شرعا مجرد الترك وان كان لا عن قصد، وفي حكمها الافعال المطلوب بها ترك شئ آخر كمحل البحث، فان ازالة النجاسة لما كان المطلوب بها ترك النجاسة كانت ملحقة بالتروك واورد عليهم الانتفاض بالصوم والاحرام، فان كلا منهما مفسر بترك الاشياء المعينة. اجابوا بان الترك هنا كالفعل في وجوب النية، قالوا: ان متعلق التكليف اما فعل محض أو ترك كالفعل، وكل منهما مما تجب فيه النية، أو ترك محض أو فعل كالترك، وهما مما لا تجب فيه النية. ولا يخفى ما في الجواب المذكور من القصور، كما اشار إليه السيد السند (قدس سره) والتحقيق في هذا المقام ما افاده المحدث الامين الاسترابادي في تعليقاته على المدارك، حيث قال - بعد نقل عبارة الكتاب - " قلت: تحقيق المقام ان المطلوب من العبد قد يكون ايجاد اثر في الخارج، كالقراءة والركوع والسجود، وقد يكون ايجاد أثر في الذهن، كعزمه ان لا يتعمد شيئا من المفطرات من طلوع الفجر إلى المغرب بشرط ان لا يقع منه ما ينافيه. وحقيقة الصوم هو هذا العزم المقيد بالشرط المذكور، ولذا لو نوى واخذه النوم إلى المغرب صح صومه، ولو لم ينو واجتنب المفطرات لم يصح صومه كما تقرر. فان كانت حقيقة الاحرام عزمه على ان لا يتعمد شيئا من الامور المعينة من حين التلبية إلى وقت الحلق والتقصير بشرط الاتيان بالتلبية، فهو من الباب الثاني وان كانت حقيقته الحالة المترتبة على نية الحج والعمرة والاتيان باول جزء منه وهو التلبية - كما هو الظاهر عندي من الروايات - فليس من الباب الثاني، بل هو من الاحكام المترتبة على مجموع النية والاتيان بجزء من المنوي، نظير حرمة منافيات الصلاة على المصلي بسبب نية الصلاة وتكبيرة الاحرام. وقد يكون وجود حالة كطهارة ثوبه حال صلاته،


[ 222 ]

ففى الصورة الاولى تتميز العبادة عن غيرها كاللعب بالنية. وفي الصورة الثانية العبادة المطلوبة نفس العزم المقيد بقيد، فلا حاجة لها إلى عزم وارادة اخرى، وهو واضح. واما الصورة الثالثة فليس المطلوب فيها ايجاد اثر، ولذا لو كانت طهارة الثوب حالة اصلية مستصحبة أو حاصلة بفعل الغير أو بغير فعل احد كأن يقع في النهر أو يصيبه السيل، لكفت. وفى الصورة الاولى لما كان المطلوب ايجاد اثر لم يجز ان يغسله غيره أو يوضئه، ومع الاضطرار لا يصح ذلك ايضا إلا بارادته كما قرر في موضعه " انتهى كلامه. وهو جيد متين.

الركن الثاني غسل الوجه وفيه مسائل:

(الاولى) - هل الواجب في الغسل ما يجري فيه جزء من الماء على جزءين من البشرة بنفسه أو معاون، أو يرجع فيه إلى العرف، أو يكفي الدهن ؟ وعلى الثالث فهل يخص بالضرورة، أو مطلقا ؟ اقوال: المشهور الاول، وبالثاني قال جماعة من متأخرى المتأخرين، والتخصيص بالضرورة في الثالث نقله في الذكرى عن الشيخين. ويدل على اعتبار الجريان في الغسل - باي من المعنيين الاولين - انه المتبادر من معنى الغسل لغة وعرفا. ومن الاخبار قوله (عليه السلام) في حسنة زرارة (1): " الجنب ما جرى عليه الماء من جسده قليله وكثيره فقد اجزأه " ولا قائل بالفرق بين الغسل والوضوء. وقوله (عليه السلام) في صحيحه زرارة (2): " كل ما احاط به الشعر فليس للعباد ان يغسلوه ولا يبحثوا عنه، ولكن يجري عليه الماء ".


(1) المروية في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الجنابة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 46 - من ابواب الوضوء.


[ 223 ]

وقوله (عليه السلام) في رواية محمد بن مروان (1): " يأتي على الرجل ستون سنة أو سبعون سنة ما قبل الله منه صلاة. قلت: وكيف ذلك ؟ قال: لانه يغسل ما امر الله بمسحه ". و وقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (2): " لو انك توضأت فجعلت مسح الرجلين غسلا ثم اضمرت ان ذلك هو المفترض، لم يكن ذلك بوضوء... ". والتقريب في هذين الخبرين الاخيرين انه لولا اعتبار الجريان في مسمى الغسل لما حصل الفرق بينه وبين المسح المقابل له بظاهر الآية. ويؤيده ايضا ما اشتملت عليه اخبار الوضوء البياني من الصب والافاضة والاسدال والغرفة لكل عضو. ويدل على الثالث مطلقا اخبار عديدة: منها - قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (3): " انما الوضوء حد من حدود الله ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه، وان المؤمن لا ينجسه شئ. انما يكفيه مثل الدهن ". وقوله (عليه السلام) في رواية محمد بن مسلم (4): " يأخذ أحدكم الراحة من الدهن فيملأ بها جسده، والماء اوسع من ذلك. " وقوله في صحيحة زرارة (5): "... إذا مس جلدك الماء فحسبك... ". وقوله في الغسل (6): " وكل شئ امسسته الماء فقد انقيته ". وقوله في الغسل والوضوء (7): " يجزي منه ما اجزأ من الدهن الذي يبل الجسد. "


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 25 - من ابواب الوضوء (3) و (5) و (7) المروية في الوسائل في الباب - 52 - من ابواب الوضوء (4) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء (6) المروى في الوسائل في الباب - 26 - من ابواب الجنابة


[ 224 ]

وقوله (عليه السلام) (1): " يجزئك في الغسل والاستنجاء ما بلت يدك. " والدهن كما يحتمل انه من الادهان اي الاطلاء من الدهن كما هو صريح بعضها، يحتمل ايضا انه من دهن المطر الارض إذا بلها بلا يسيرا، وعلى التقديرين فلا جريان فيه قطعا وعلى الاول وظاهرا على الثاني. وربما تحمل الاخبار كملا على المعنى الاول ويقيد مطلقها بمقيدها. والاكثر حملوا هذه الاخبار على المبالغة في أقل الجريان، وظواهرها - كما ترى - لا تقبله. وانت خبير بان ما اشتمل من الاخبار المتقدمة على الجريان صريحا أو مفهوما لا دلالة فيه على الانحصار في هذا الفرد وعدم اجزاء ما عداه، ولا في شئ من الاخبار الاخيرة على الانحصار فيه وعدم جواز ما زاد عليه، حتى تثبت المنافاة بين اخبار الطرفين ويرتكب الحمل في احد الجانبين، بل ربما دل لفظ الاجزاء في بعض الاخبار الاخيرة على انه أقل المجزى المستلزم لثبوت مرتبة فوقه. فلم يبق حينئذ إلا دعوى اعتبار الجريان في مسمى الغسل. وفيه ان المفهوم من كلام شيخنا الشهيد الثاني في بعض تحقيقاته ان ذلك غير مفهوم من كلام أهل اللغة، قال: " لعدم تصريحهم باشتراط جريان الماء في تحققه، وان العرف دال على ما هو اعم منه، الا انه المعروف من الفقهاء سيما المتأخرين، والمصرح به في عباراتهم " انتهى. ويؤيده ما صرح به السيد السند في المدارك، حيث قال - بعد ان نقل القول باشتراط الجريان في مسمى الغسل - ما لفظه: " وفى دلالة العرف على ذلك نظر " ثم قال - بعد ان نقل عن الشارح حمل اخبار الدهن على المبالغة - ما صورته: " وقد


(1) المروية في الوسائل في الباب - 13 - من احكام الخلوة، وفى الباب - 31 - من ابواب الجنابة


[ 225 ]

يقال: لا مانع من كونه على سبيل الحقيقة لوروده في الاخبار المعتمدة " ثم ساق جملة من الاخبار المتقدمة. وحينئذ فمجرد شهرة ذلك بينهم - من غير دلالة نص عليه من آية أو رواية، بل وجود الروايات المستفيضة - كما تري - بخلافه - لا يوجب المصير إليه. وبالجملة فالمسألة لذلك محل اشكال. وصار بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين - بعد ان صرح بان المسألة محل تأمل، ينشأ من تعارض الظاهرين، وقبول التأويل من الطرفين - إلى تخصيص ذلك بالضرورة وتقديمه على التراب، كعوز الماء وانجماده على وجه لا يمكن اذابته، كما هو المنقول آنفا عن الشيخين (رحمهما الله) استنادا إلى بعض الاخبار المصرحة بجواز ذلك ضروة، كقول الكاظم (عليه السلام) في صحيحة اخيه علي (1) حيث " سأله عن الرجل يصيب الماء في ساقية أو مستنقع، أيغتسل منه للجنابة أو يتوضأ منه للصلاة إذا كان لا يجد غيره، والماء لا يبلغ صاعا للجنابة ولا مدا للوضوء وهو متفرق ؟ فكيف يصنع ؟ فقال: إذا كانت يده نظيفة، إلى ان قال: فان خشى ان لا يكفيه غسل رأسه ثلاث مرات ثم مسجد جلده بيده، وان كان الوضوء غسل وجهه ومسح يده على ذراعيه ورأسه ورجليه.. ". وقوله (عليه السلام) في صحيحة اخيه الثانية (2) حين " سأله عن الرجل الجنب أو على غير وضوء لا يكون معه ماء وهو يصيب ثلجا وصعيدا، أيهما افضل: أيتيمم ام يتمسح بالثلج ؟ قال: الثلج إذا بل رأسه وجسده أفضل، فان لم يقدر على ان يغتسل به فليتيمم " ونحوها رواية معاوية بن شريح (3).


(1) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب الماء المضاف والمستعمل (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب التيمم.


[ 226 ]

وما رواه في الكافي (1) مرسلا مضمرا: " في رجل كان معه من الماء مقدار كف وحضرت الصلاة ؟ قال: فقال: يقسمه اثلاثا: ثلث للوجه وثلث لليد اليمنى وثلث لليسرى، ويمسح بالبلة رأسه ورجليه ". وعد من ذلك ايضا قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة الحلبي (2): " اسبغ الوضوء ان وجدت ماء، وإلا فانه يكفيك اليسير " وظني انها ليست منه، لان مقابلة اليسير بما يحصل به الاسباغ قرينة على وجود ما يحصل به الجريان ولو في الجملة. وحينئذ فالاظهر حمل روايات الدهن على هذه الاخبار دون الحمل على المبالغة. إلا انه بعد لا يخلو من شوب نظر.

(المسألة الثانية) - الظاهر انه لا خلاف في أن الوجه الواجب غسله في الوضوء هو ما كان من قصاص الشعر - مثلث القاف والضم أعلى، كما ذكره الجوهري، وهو حيث ينتهي نبت الشعر من مقدم الرأس ومؤخره، والمراد هنا المقدم - إلى طرف الذقن بالتحريك، وهو مجمع اللحيين الذين تنبت عليهما الاسنان السفلى، طولا، وما دارت عليه الابهام والوسطى من مستوي الخلقة عرضا، لما في صحيح زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) حيث قال: " اخبرني عن حد الوجه الذي ينبغي ان يوضأ، الذي قال الله تعالى. فقال: الوجه الذي امر الله بغسله - الذي لا ينبغي لاحد ان ان يزيد عليه ولا ينقص منه، ان زاد عليه لم يؤجر ان نقص منه اثم - ما دارت عليه الوسطى والابهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن وما جرت عليه الاصبعان من الوجه مستديرا فهو من الوجه، وما سوى ذلك فليس من الوجه. قلت: الصدغ من الوجه ؟ قال: لا ".


(1) ج 1 ص 9 وفى الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 52 - من ابواب الوضوء. (3) المروية في الوسائل في الباب - 17 - من ابواب الوضوء.


[ 227 ]

وانت خبير بان تطبيق الرواية المذكورة على مدعى الاصحاب لا يخلو من عسر وما وجهه بعضهم - من ان قوله (عليه السلام): " ما دارت عليه الوسطى والابهام " بيان لعرض الوجه، وقوله: " من قصاص شعر الرأس إلى الذقن " لطوله، وقوله: " ما جرت عليه الاصبعان " كأنه تأكيد لبيان العرض - فلا يخفى ما فيه من التكلف وعدم الارتباط. واورد شيخنا البهائي (عطر الله مرقده) على الاصحاب - في استنباط ما ذهبوا إليه من الخبر المذكور - انه متى جعل الحد الطولى من القصاص الذي هو عبارة عن منابت الشعر من المقدم - والحال ان منتهى منابت الشعر يأخذ من كل جانب من الناصية ويرتفع عن النزعة ثم ينحدر إلى مواضع التحذيف ويمر فوق الصدغ حتى يتصل بالعذار - لزم دخول النزعتين والصدغين في التحديد المذكور مع انهم لا يقولون به، وخروج العذارين مع ان بعضهم ادخله، ويكف يصدر مثل هذا التحديد الظاهر القصور الموجب لهذا الاختلاف عنهم (عليهم السلام) ؟ ثم وجه للرواية معن آخر، وهو ان كلا من طول الوجه وعرضه هو ما اشتمل عليه الابهام والوسطى، بمعنى ان الخط الواصل من القصاص إلى طرف الذقن وهو مقدار ما بين الاصبعين غالبا، إذا فرض إثبات وسطه وادير على نفسه ليحصل شبه دائرة، فذلك القدر هو الوجه الذي يجب غسله، وذلك لان الجار والمجرور في قوله (عليه السلام): " من قصاص شعر الرأس " اما متعلق بقوله: " دارت " أو صفة مصدر محذوف، والمعنى ان الدوران يبتدئ من القصاص منتهيا إلى الذقن، واما حال من الموصول الواقع خبرا عن الوجه وهو لفظ " ما " ان جوزنا حال عن الخبر، والمعنى ان الوجه هو القدر الذي دارت عليه الاصبعان حال كونه من القصاص إلى الذقن، إلى ان قال: " وبهذا يظهر ان كلا من طول الوجه وعرضه قطر من قطار تلك الدائرة من غير تفاوت، ويتضح خروج النزعتين والصدغين عن الوجه وعدم دخولهما في التحديد


[ 228 ]

فان اغلب الناس إذا طبق انفراج الاصبعين على ما بين قصاص الناصية إلى طرف ذقنه وادارهما على ما قلناه ليحصل شبه دائرة وقعت النزعتان والصدغان خارجة عنهما، وكذلك يقد العذاران ومواضع التحذيف، كما يشهد به الاستقراء والتتبع. واما العارضان فيقع بعضهما داخلا والبعض خارجا، فيغسل ما دخل ويترك ما خرج على ما يستفاد من الرواية " انتهى كلامه زيد مقامه. وهو بمحل من القبول، وقد تلقاه بالتسليم جملة ممن تأخر عنه من الفحول. الا انه يمكن الجواب عما اورده على القول المشهور ونسبه إليه من القصور: اما عن دخول النزعتين فبانهما وان دخلا في التحديد بالقصاص على ما هو معناه لغة، الا انهما كانتا محاذيتين للناصية التي هي من الرأس قطعا دون الوجه، وخارجتين عن التسطيح الذي ينفصل به الوجه عن الرأس، وداخلتين في التدوير المختص، وجب حمل القصاص في الخبر على منتهى الناصية وما يحاذيه من جانبيه كما عليه الاصحاب.، وما هو إلا من قبيل العام المخصوص أو المطلق المقيد، وكم مثله في الاخبار. واما عن الصدغين فانهما وان فسرا في كلام أهل اللغة بما بين العين والاذن تارة، وبالشعر المتدلي على هذا الموضع اخرى، كما في عبارة القاموس ونقل ايضا عن الصحاح والنهاية، الا ان العلامة في المنتهى فسره بالشعر الذي بعد انتهاء العذار المحاذي لرأس الاذن وينزل عن رأسها قليلا، وفى الذكرى ما حاذى العذار فوقه، وحينئذ فيمكن حمل الصدغ في الخبر على هذا المعنى الثاني، وهو أحد معنييه لغة ايضا كما عرفت، ولا يشمل شيئا منها الاصبعان، على انه متى حمل على المعنى الاول فلا ريب انه يدخل بعضه في الادارة التي اعتبرها (قدس سره) وما ذكره (قدس سره) من خروجه كملا مما تمنعه المشاهدة. واما العذاران فالمشهور عندهم خروجه، فلا يرد الاشكال به الا عند من ادخله إذا عرفت هذا فاعلم ان ههنا مواضع قد وقع الخلاف فيها في البين:


[ 229 ]

(احدها) - الصدغ، وقد تقدم معناه. فادخله الراوندي في الوجه، والمشهور خروجه كما تدل عليه الرواية (1) ويمكن حمل كلام الراوندي على البعض الذي لا شعر فيه كما عرفت من كلام أهل اللغة، وحمل الرواية على ما ذكرناه آنفا، فترتفع المنافاة.

و (ثانيها) - العذار، وهو الشعر النابت على العظم الذي على سمت الصماخ، يتصل اعلاه بالصدغ واسفله بالعارض، والمشهور بين الاصحاب خروجه، لعدم شمول الاصبعين له غالبا، ولاتصاله بالصدغين. ونقل عن ظاهر كلام الشيخ في المبسوط والخلاف وابن الجنيد دخوله، وبه صرح ثانى المحققين وثاني الشهيدين. وجمع بعض المحققين بين القولين بما يكون به النزاع لفظيا في البين، فقال: " انه لا نزاع في الحقيقة بل القائلون بالدخول إنما يريدون به دخول بعضه مما يشلمه الاصبعان، والقائلون بالخروج يريدون خروج البعض الآخر كما يشعر به تتبع كلماتهم " انتهى.

و (ثالثها) - مواضع التحذيف بالذال المعجمة، وهي ما بين الصدغ والنزعة، وفسرها بعضهم بما بين منتهى العذار والنزعة. وانت خبير بما فيه، فان العذار اعلاه يتصل بالصدغ كما تقدم، فالصدغ فوقه. وقد قطع العلامة في المنتهى والتذكرة بخروجها وجملة من الاصحاب حكموا بدخولها احتياطا.

و (رابعها) - العارض، وهو الشعر المنحط عن محاذاة الاذان. يتصل اسفله بما يقرب من الذقن واعلاه بالعذار. وقد قطع العلامة في المنتهى بخروجه والشهيدان بدخوله، بل ادعى ثانيهما الاجماع على ذلك. وفصل في النهاية بين ما خرج عن حد الاصبعين فيخرج، ودخل فيهما فيدخل. وهو الاقرب لما دلت عليه الرواية (2). وما اورده السيد السند في المدارك - من ان الاستدلال على الوجوب ببلوغ الابهام والوسطى ضعيف، فان ذلك إنما يعتبر في وسط التدوير من الوجه خاصة، والا لوجب غسل ما نالته الابهام والوسطى وان تجاوز العارض، وهو باطل اجماعا -


(1) و (2) وهى صحيحة زرارة المتقدمة في الصحيفة 226


[ 230 ]

مردود (اولا) - بان التخصيص بما ذكره لا دليل عليه. و (ثانيا) - بان خروج بعض الافراد بدليل خاص لا يقدح في الدلالة على ما لا معارض له، فان ما تجاوز العارض خارج عن الوجه بالاجماع.

(المسألة الثالثة) - اختلف الاصحاب (نور الله مراقدهم) في وجوب الابتداء بالاعلى في غسل الوجه، فالمشهور الوجوب، وذهب المرتضى وابن ادريس إلى جواز النكس، واختاره جمع من المتأخرين ومتأخريهم. ويدل على المشهور صحيحة زرارة (1) قال: " حكى لنا أبو جعفر (عليه السلام) وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدعى بقدح من ماء فادخل يده اليمنى فاخذ كفا من ماء فاسد له على وجهه من اعلى الوجه... الحديث " وفعله إذا كان بيانا للمجمل وجب اتباعه فيه. واجيب بانه من الجائز ان يكون ابتداؤه (عليه السلام) بالاعلى لكونه أحد جزئيات مطلق الغسل المأمور به لا لوجوبه بخصوصه، فان امتثال الامر الكلي إنما يتحقق بفعل جزئي من جزئياته. وقوله -: " ان فعله إذا وقع بيانا للمجمل وجب اتباعه فيه " - مسلم، الا انه لا اجمال في غسل الوجه حتى يحتاج إلى البيان، مع ان اكثر الاخبار الواردة في وصف وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) خالية من ذلك، هكذا ذكره السيد السند في مداركه، وتبعه فيه جمع ممن تأخر عنه. وفيه نظر من وجوه:

(الاول) - ان الاوامر والاحكام القرآنية كلها إلا ما شذ لا تخلو من اطلاق أو عموم أو اجمال أو نسخ أو نحو ذلك، وقد استفاضت الاخبار عن اهل الذكر (صلوات الله عليهم) بالرجوع إليهم في ذلك والنهي عن القول فيه بغير توقيف منهم، وقد نقلنا شطرا وافرا من تلك الاخبار في كتاب الدرر النجفية، واظهرنا ما في المسألة من الكنوز الخفية، وقد تقدمت الاشارة إلى شطر


(1) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء.


[ 231 ]

منها في المقدمة الثالثة (1) وحينئذ فإذا بينوا لنا شيئا من ذلك فالواجب قبوله والعمل عليه. ومما يؤيد ذلك صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (2) قالا: " قلنا لابي جعفر (عليه السلام): ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي وكم هي ؟ فقال: ان الله عزوجل يقول: وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلاة (3). فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر. قالا: قلنا له: انما قال الله عزوجل: فليس عليكم جناح، ولم يقل: افعلوا، فكيف اوجب ذلك ؟ فقال (عليه السلام): أو ليس قد قال الله عزوجل في الصفا والمروة: فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما (4). ألا ترون ان الطواف بهما واجب مفروض لان الله عز وجل ذكره في كتابه وصنعه نبيه (صلى الله عليه وآله) ؟ وكذلك التقصير في السفر شئ صنعه النبي (صلى الله عليه وآله) وذكره الله في كتابه... الحديث ". فانه - كما ترى - صريح الدلالة في ان فعله (صلى الله عليه وآله) لما ذكره الله تعالى في كتابه وان كان غير صريح في الوجوب كنفي الجناح في الآيتين، صار موجبا لذلك، وما نحن فيه كذلك. وبالجملة فانا لو خلينا وظاهر الآية ولم يرد لنا عنه (صلى الله عليه وآله) كيفية بيان لذلك، لكان الامر كما ذهبوا إليه، واما بعد ورود كيفية البيان فيجب الوقوف عليها والاخذ بها. واعترض شيخنا البهائي (قدس سره) في حبله واربعينه بانه لو اقتضى البيان وجوب الابتداء بالاعلى للزم مثله في امرار اليد، لوروده كذلك في مقام البيان. وفيه ان صحيحة علي بن جعفر - (5) الدالة على الوضوء بالمطر بمجرد تساقطه


(1) ج 1 ص 27 (2) المروية في الوسائل في الباب - 22 - من ابواب صلاة المسافر. (3) سورة النساء. الآية 102. (4) سورة البقرة. الآية 158. (5) المروية في الوسائل في الباب - 36 - من ابواب الوضوء.


[ 232 ]

وغسله الاعضاء - دليل على عدم وجوب امرار اليد. ولو قيل بان ما ذكرتموه يضعف باشتمال الوضوء البياني على جملة من المستحبات ايضا قلنا: خروج ما قام الدليل على استحبابه لا يوجب خروج ما لا دليل عليه.

(الثاني) - ان منعه الاجمال في غسل الوجه ممنوع بما ذكره المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) في حاشيته على المدارك، من ان الاجمال قد ينشأ من نفس المعنى، وذلك لان بعض الماهيات الكلية تحته افراد تصلح عرفا لتعلق غرض الشارع ببعضها دون بعض، كحج البيت وغسل الوجه في الوضوء، ويقبح عند العقلاء اقدام مريد الامتثال على فرد مشكوك فيه من افرادها من غير دلالة على ان المقصود بالذات هو الماهية الكلية من حيث هي. انتهى كلامه (زيد مقامه) ومما يدل على وقوع الاجمال في الغسل هنا وقوع السؤال عن كيفية غسل اليدين في رواية صفوان (1) ورواية الهيثم (2) الآتيتين في بيان وجوب الابتداء بالمرفق.

(الثالث) - ان خلو اكثر الاخبار الواردة في وصف وضوئه (صلى الله عليه وآله) عن الابتداء بالاعلى لا يستلزم حمل هذه على الاستحباب، بل الطريقة الشائعة في مثله حمل المطلق على المقيد والعام على الخاص: وعلى ان بعض الاخبار ظاهر الدلالة في مطابقة هذه الصحيحة: كصحيحة زرارة الاخرى عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) في حكاية الوضوء ايضا قال: " ثم غرف فملأها ماء فوضعها على جبينه، ثم قال: بسم الله، وسدله على اطراف لحيته، ثم امر يده على وجهه... الحديث ".


(1) المروية في مستدرك الوسائل في الباب - 18 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 19 - من ابواب الوضوء. (3) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء


[ 233 ]

وروى الحميري في كتاب قرب الاسناد (1) عن احمد بن محمد عن ابن محبوب عن ابي جرير الرقاشي قال: " قلت لابي الحسن موسى (عليه السلام): كيف: أتوضأ للصلاة ؟ إلى ان قال: ولا تلطم وجهك بالماء لطما ولكن اغسله من اعلى وجهك إلى اسفله بالماء مسحا... الحديث " والكتاب المذكور من الاصول المعتبرة المشهورة فلا يضر ضعف الراوي، وهو صريح في المطلوب، للامر فيه بالغسل من الاعلى، وهو حقيقة في الوجوب عندهم. وروى العياشي في تفسيره عن زرارة وبكير ابني اعين (2) قالا: " سألنا أبا جعفر (عليه السلام) عن وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدعا بطشت أو تور فيه ماء فغمس كفه اليمنى فغرف بها غرفة فصبها على جبهته فغسل وجهه بها... الحديث ".

(الرابع) - ان الوضوء على غير هذا الوجه لا اقل ان يكون مشكوكا في صحته لوقوعه على خلاف ما بينه صاحب الشرع، والشك في صحته يقتضي الشك في رفعه، ويقين الحدث لا يرتفع إلا بيقين الطهارة، للحديث الصحيح المتفق على العمل بمضمونه: (3) " ليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا ". وما افاده بعض المحققين من متأخرى المتأخرين - من ان القدر المعلوم من هذا الخبر إنما هو عدم النقض بالشك في وجود الناقض، دون الشك في فردية بعض الافراد للناقض، بمعنى ان تيقن الحدث فيما نحن فيه لا يزول بالشك في وجود الرافع، واما كونه لا يزول بوجود بعض الافراد المشكوك في فرديتها للرافع فلا دلالة للحديث عليه - ففيه ما قدمنا ذكره في المقدمة الحادية عشرة (4) وحينئذ فالواجب تحصيل يقين البراءة


(1) في الصحيفة 129 وفى الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء. (2) رواها في مستدرك الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء. (3) وهو صحيح زرارة المروي في الوسائل في الباب - 37 و 41 و 44 - من ابواب النجاسات. (4) في الصحيفة 145 من الجزء الاول


[ 234 ]

من التكليف الثابت بيقين، وهو لا يتم الا بالغسل من الاعلى. وما ذكره البعض - من ان تحصيل يقين البراءة إنما هو من الاحتياط المستحب وليس بواجب - فليس على اطلاقه، وذلك فان تحصيل يقين البراءة اما ان يكون بعد ثبوت الحكم شرعا بارادة المطابقة لما هو الحكم واقعا والخروج من جميع الاحتمالات المنافية للمطابقة، وهذا هو المستحب، كالتنزه عن جوائز الظالم ونحوه، ونكاح من علم ارتضاعها معه لكن لم يعلم حصول القدر المحرم ولا عدمه، ونحو ذلك، واما ان يكون مع عدم ثبوت الحكم شرعا، فيكون الغرض من الاحتياط تحصيله، وهذا هو الواجب، ولا يخفى ان ما نحن فيه من قبيل الثاني دون الاول، فان عدم ثبوت الحكم ومعلوميته اعم من ان يكون لعدم الدليل بالكلية، أو لتعارض الادلة، أو لاشتباه الحكم منها، أو نحو ذلك، وما نحن فيه من قبيل الثاني، لتعارض ظاهر الآية والاخبار. والجمع الذي ذكروه بينهما لا يتعين المصير إليه، لاحتمال غيره بل رجحانه عليه، فيبقى الحكم في قالب الاشتباه. وتوهم استحباب الاحتياط في مثل ذلك مردود بالاخبار المستفيضة الدالة على الامر بالوقوف على جادة الاحتياط مع الشك والاشتباه، كما تقدم لك بيانه في المقدمة الرابعة. ومن ذلك ما ورد عن الصادق (عليه السلام) في جملة من الاخبار في كلامه مع بعض الزنادقة المنكرين للصانع (1) حيث قال (عليه السلام): " ان يكن الامر كما نقول - وهو كما نقول - فقد نجونا وهلكتم، وان يكن الامر كما تقولون - وليس كما تقولون - فنحن وانتم سواء، ولن يضرنا ما صلينا وصمنا... الحديث ". وفيه دلالة على وجوب سلوك ما فيه النجاة ودفع الضرر عند الاشتباه، وهو بعينه ما ذكروه من الدليل العقلي على وجوب معرفة الصانع، من انها لدفع الضرر، وهو واجب. وكما يجب دفع الضرر المحقق فكذا دفع الضرر المشتبه، فان من عرض


(1) المروية في الكافي في باب (حدوث العالم واثبات المحدث) من كتاب التوحيد.


[ 235 ]

عليه طعام محتمل لان يكون غذاء نافعا ولا يكون سما قاتلا، فان المخاطر بنفسه في اكله خارج عن ربقة العقلاء، فان كان هذا في الامور الدنيوية ففى الدينية بطريق اولى، لشدة خطرها وزيادة ضررها، فالاحتياط فيها اوجب، وحينئذ فالحديث المذكور دليل نقلي عقلي. وهذا الدليل وما قبله مما تلجئ إليه الحاجة في جملة من الاحكام، فاحتفظ بهما فانهما اقوى دليل في مقام الخصام.

(الخامس) - ما افاده المحدث الامين (قدس سره) في حاشية المدارك ايضا، من ان الامر بالوضوء وبالطهور ورد في اخبار كثيرة، واللفظان من المجملات، فلا تبرأ الذمة إلا برعاية الاحتياط، وهو الاتيان بفرد لم يشك في اجزائه. لا يقال: الآية الشريفة بيان لهما. لانا نقول: الآية الشريفة إنما تدل على وجوب كذا وكذا ولا تدل على كفاية ذلك القدر في الصلاة. لا يقال: لو وجب قيد زائد لذكره سبحانه وتعالى. لانا نقول: هذا منقوض بصور كثيرة. وايضا إنما تتجه تلك المقدمة لو لم يكن البيان مرجوعا إليه والى أهل بيته (صلى الله عليه وسلم).

(السادس) - ما افاده ايضا (قدس سره) من انا إذا لاحظنا ما روى عن الصادق (عليه السلام): " الوضوء غسلتان ومسحتان " (1) وسائر الروايات المتضمنة لمضمونها، مع صحيحة حماد بن عثمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " لا بأس بمسح الوضوء مقبلا ومدبرا " تبادر إلى ذهننا بمعونة قرينة المقام وجود البأس في غسل الوضوء مدبرا. ثم اعلم ان شيخنا البهائي (قدس سره) في حبله واربعينه - بعد ان طعن في دليل المشهور بما قدمنا نقله عن المدارك - قال: " وظني انه لو استدل على هذا المطلب بان المطلق ينصرف إلى الفرد الشائع المتعارف، والشائع المتعارف في غسل الوجه غسله


(1) لم نقف على حديث بهذا النص عن الصادق (عليه السلام) ولعل نظره إلى ما يفيد هذا المضمون (2) المروية في الوسائل في الباب - 20 - من ابواب الوضوء.


[ 236 ]

من فوق إلى اسفل، فينصرف في قوله تعالى: "... فاغسلوا وجوهكم... " (1) إليه لم يكن بعيدا " انتهى. وفيه (اولا) - انه لو تم لزم عدم اجزاء غمس الوجه واليد في الماء، وهو لا يقول به، وكذا عدم وجوب غسل الاصبع الزائدة، مع انهم اتفقوا على الوجوب. و (ثانيا) - ما حققه بعض المحققين (طيب الله مرقده) من ان المتبادر بحسب التصور والتخيل غير ملزوم للمتبادر بحسب التصديق بانه مراد، كما في اطلاق اللفظ المشترك من غير قرينة. وتحقق الثاني هنا على وجه بين واضح محل التردد، والتسمك به مشكل. انتهى. واما الاستدلال بما رواه في الفقيه (2) مرسلا - من قوله: " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " - ففيه من الاجمال - مضافا إلى ما هو عليه من الارسال، وبسط جملة من متأخري اصحابنا في رده لسان المقال - ما يوجب الاعراض عنه في هذا المجال، مع ان الادلة - بحمد الله تعالى - على ما اخترناه واضحة المنار ساطعة الانوار، كما تلوناه عليك واوضحناه لديك. فائدة قال السيد السند في المدارك: " واعلم ان اقصى ما يستفاد من الاخبار وكلام الاصحاب وجوب البدأة بالاعلى، بمعنى صب الماء على اعلى الوجه ثم اتباعه بغسل الباقي واما ما تخيله بعض القاصرين - من عدم جواز غسل شئ من الاسفل قبل غسل الاعلى وان لم يكن في سمته - فهو من الخرافات الباردة والاوهام الفاسدة " انتهى. ونسج على منواله في هذه المقالة جملة ممن تأخر عنه.


(1) سورة المائدة. الآية 6 (2) ج 1 ص 25، وفى الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء


[ 237 ]

ونسبة السيد السند (قدس سره) ذلك إلى خيال بعض القاصرين - مع ان جده من جملة القائلين - غفلة منه، فانه صرح في شرح الرسالة بان المعتبر في غسل الوجه الاعلى فالاعلى، لكن لا حقيقة لتعسره أو تعذره بل عرفا، فلا تعتبر المخالفة اليسيرة التي لا يخرج بها في العرف عن كونه غسل الاعلى فالاعلى. ثم قال: " وفى الاكتفاء - بكون كل جزء من العضو لا يغسل قبل ما فوقه على خطه وان غسل ذلك الجزء قبل الاعلى من غير جهته - وجه وجيه " انتهى. بل هو ظاهر العلامة في مسألة ما لو اغفل لمعة من غسل اعضاء وضوئه، حيث قال - بعد ان نقل عن ابن الجنيد التفصيل بانها ان كانت دون سعة الدرهم بلها وصلى - ما صورته: " ولا اوجب غسل جميع ذلك العضو، بل من الموضع المتروك إلى آخره ان اوجبنا الابتداء من موضع بعينه، والموضع خاصة ان سوغنا النكس " انتهى. وانت خبير بان هذا هو الظاهر من الاخبار المشتملة على الوضوء البياني وغيرها ففي صحيحة زرارة (1) " ثم غرف فملأها ماء فوضعها على جنبيه، ثم قال بسم الله وسدله على اطراف لحيته، ثم امر يده على وجهه وظاهر جبينه مرة واحدة، ثم غمس يده اليسرى فغرف بها ملأها، ثم وضعه على مرفقه اليمنى وامر كفه على ساعده حتى جرى الماء على اطراف اصابعه، ثم ذكر في غسل اليسرى مثله ". وفى حسنة زرارة وبكير (2) " فغرف بها غرفة فافرغ على ذراعه اليمنى، فغسل بها ذراعه من المرفق، ثم ذكر مثله في غسل اليسرى ". ومثله ايضا في رواية اخرى لهما ايضا (3) صرح بانه غسل اليدين من المرفق إلى الكف لا يردها إلى المرفق. وفي صحيحة صفوان المروية في تفسير العياشي (4) " ثم يفضه على المرفق ثم يمسح إلى الكف... " وامثال ذلك.


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء (4) المروية في مستدرك الوسائل في الباب - 19 - من ابواب الوضوء.


[ 238 ]

وظاهر ذلك - كما ترى - انه - بعد الابتداء في الوجه بالاعلى وفى اليدين بالمرفقين - يستمر في اجراء الماء المغسول به إلى آخر العضو، وهو صريح في ترتيب في نفس العضو على الوجه المذكور في كلام شيخنا الشهيد الثاني. ولزوم الحرج في ذلك - كما اورده شيخنا الشهيد الاول في الذكرى على العلامة بعد نقله عنه ما نقلناه هنا - غير واضح. وليس في شئ من الاخبار ما يدل على ما ذكروه من وقوع غسل بعض الاجزاء السافلة قبل العالية سواء كانت في سمتها ام لا، بل غاية بعضها ان يكون مطلقا والبعض الآخر كما عرفت من الظهور في الترتيب، والقاعدة تقتضي حمل المطلق على المقيد. وبذلك يظهر ضعف ما ذهب إليه السيد السند (قدس سره) ومن تبعه.

(المسألة الرابعة) - قد اشتهر في كلام جملة من الاصحاب - منهم: العلامة في بعض كتبه، بل ربما كان هو اولهم، وتبعه على جمع ممن تأخر عنه - اثبات الخلاف في وجوب تخليل اللحية الخفيفة وعدمه، فنقلوا عن الشيخ في المبسوط والمحقق في المعتبر وجماعة ممن تبعهما عدم الوجوب، وعن المرتضى وابن الجنيد وجوب ذلك. واختار العلامة في المنتهى والارشاد الاول وفى المختلف والتذكرة الثاني. والتحقيق عند التأمل في كلام هؤلاء المنقول عنهم انه لا خلاف في البين ولا نزاع بين الفريقين، فان كلام ابن الجنيد ينادي بصريحه على عدم وجوب غسل ما ستره الشعر من البشرة ووجوب غسل ما لم تستره، حيث قال: " إذا خرجت اللحية فلم تكثر فتوارى بنباتها البشرة من الوجه، فعلى المتوضئ غسل الوجه كما كان قبل ان ينبت الشعر حتى يستيقن وصول الماء إلى بشرته التي يقع عليها حسن البصر اما بالتخليل أو غيره، لان الشعر إذا ستر البشرة قال مقامها، وإذا لم يسترها كان على المتوضئ ايصال الماء إليها " ولا اراك في شك مما ذكرنا بعد ما تلونا عليك من عبارته، ونحوها عبارة السيد المرتضى في المسائل الناصرية، وكذا في المسائل الناصرية، وكذا في مسائل الخلاف. وقال الشيخ في المبسوط: " لا يجب تخليل شعر اللحية سواء كانت خفيفة أو كثيفة، أو بعضها


[ 239 ]

كثيفة وبعضه خفيفة " وقال المحقق في المعتبر: لا يلزم تخليل شعر اللحية كثيفا كان الشعر أو خفيفا، بل لا يستحب، واطبق الجمهور على الاستحباب (1) ثم نقل خبرا من طريق الجمهور، وقال بعده: ولان الوجه اسم لما ظهر فلا يتبع المغابن، ثم استدل بصحيحة زرارة (2) الدالة على نفي وجوب طلب ما احاط به الشعر. انتهى. وانت خبير بان عبارة الشيخ وان اوهمت ما ادعوه الا ان عبارة المحقق - بمعونة التعليلين المذكورين - ظاهرة في وجوب غسل ما ظهر وعدم وجوب غسل ما ستره الشعر، لتخصيص الوجه بما ظهر ودخول ما ستر الشعر في المغابن، ولنفي وجوب طلب ما احاط به الشعر. وبالجملة فمن لاحظ معنى التخليل - وانه عبارة عن ايصال الماء إلى البشرة المستورة، إذ الظاهر ان ايصاله إلى الظاهرة لا يسمى تخليلا، فمعنى عدم وجوب التخليل هو بعينه ما صرحت به صحيحة زرارة (3) من نفي وجوب الطلب والبحث عما احاط به الشعر، وصحيحة محمد بن مسلم (4) من نفى وجوب التبطين - لا يرتاب في اشتراك القولين في الدلالة على عدم وجوب ايصال الماء إلى البشرة المستورة بالشعر من كل اللحية كانت أو من بعضها. وبه يظهر ان ما ذكره البعض - من ان مطرح النزاع وجوب غسل ما ستره الشعر من اللحية الخفيفة وعدمه - ليس في محله، كذلك لا يرتاب ايضا في اشتراكهما في وجوب ايصاله إلى البشرة الظاهرة التي يقع عليها حسن البصر في مجلس التخاطب. وبه يظهر ايضا ضعف قول من عكس فجعل محل النزاع وجوب غسل البشرة الظاهرة دون المستورة، مدعيا الاتفاق على عدم غسل المستورة.


(1) كما في المهذب للشيرازي ج 1 ص 18 والوجيز للغزالي ج 1 ص 8 والمغنى لابن قدامة ج 1 ص 105 ورد المحتار لابن عابدين ج 1 ص 86. (2) و (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 46 - من ابواب الوضوء


[ 240 ]

الركن الثالث

غسل اليدين

والكلام فيه يقع في مواضع:

(الاول) - اختلف الاصحاب (نور الله تعالى مراقدهم) في وجوب الابتداء بالمرفق كمنبر ومجلس: المفصل، وهو عبارة عن رأس عظمي الذراع والعضد كما هو المشهور، أو مجمع عظمي الذراع والعضد، فعلى هذا شئ منه داخل في العضد وشئ منه في الذراع: فالمشهور وجوبه، وذهب المرتضى وابن ادريس إلى الاستحباب وجواز النكس على كراهية، تمسكا باطلاق الآية (1) والى هذا القول مال اولئك الفضلاء المشار إليهم في المسألة الثالثة من الركن المتقدم. والاظهر هو المشهور، لما عرفت من الادلة السابقة وانهم (صلوات الله عليهم) قد غسلوا كذلك، فيقين البراءة لا يحصل إلا بمتابعتهم والعمل بما عملوه، وخلاف ذلك ان لم يكن مرجوح الصحة فلا اقل من ان يكون مشكوكا فيها وموجبا لاحتمال البقاء تحت العهدة. والاخبار هنا قد اشتملت - الا النادر منها - على الابتداء بالمرفق: و (منها) - صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) (2) في حكاية الوضوء البياني، قال فيها: " ثم غمس يده اليسرى فغرف بها ملأها ثم وضعه على مرفقه اليمنى، وامر كفه على ساعده حتى جرى الماء على اطراف اصابعه، ثم غرف بيمنيه ملأها فوضعه على مرفقه اليسرى وامر كفه على ساعده حتى جرى الماء على اطراف اصابعه... " و (منها) ما رواه العياشي في تفسيره عن صفوان (3) قال: " سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن قول الله: فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق


(1) سورة المائدة. الآية 6 (2) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء. (3) المروية في مستدرك الوسائل في الباب - 19 - من ابواب الوضوء


[ 241 ]

وامسحوا برؤوسك وارجلكم إلى الكعبين (1) فقال: قد سأل رجل ابا الحسن عن ذلك فقال: ستكفيك - أو كفتك - سورة المائدة، إلى ان قال: قلت: فانه قال اغسلوا ايديكم إلى المرافق، فكيف الغسل ؟ قال: هكذا ان يأخذ الماء بيده اليمنى فيصبه في اليسرى ثم يفضه على المرفق ثم يمسح إلى الكف. قلت له: مرة واحدة ؟ فقال: كان يفعل ذلك مرتين. قلت له: يرد الشعر ؟ قال: إذا كان عنده آخر فعل وإلا فلا " وحسنة زرارة وبكير (2) وروايتهما ايضا (3). ورواية الهيثم بن عروة التميمي عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق (5) فقلت: هكذا، ومسحت من ظفر كفي إلى المرفق ؟ فقال: ليس هكذا تنزيلها. انما هي فاغسلوا وجوهكم وايديكم من المرافق، ثم امر يده من مرفقه إلى اصابعه ". وانت خبير بان ظاهر هذه الرواية كون التحديد للغسل دون المغسول، لان السائل لما توهم كون " إلى " في الآية لانتهاء الغسل فمسح من ظفر كفه إلى المرفق، لم يرد عليه الامام (عليه السلام) إلا بانه ليس هكذا تنزيلها، وظاهره تقريره على ما ذهب إليه من معنى الآية، بانه لو كان تنزيلها كما ذكرت لكان كذلك لكن تنزيلها إنما هو من المرافق بمن الابتدائية المقتضية لابتداء الغسل من المرفق، ثم امر يده (عليه السلام) تعليما له وتأكيدا لما قرره بقوله. هذا هو ظاهر الرواية المشار إليها وان حصل المخالفة فيها من جهة اخرى. وكيف كان فهو ظاهر في الوجوب البتة. وكذلك سؤال صفوان في رواية العياشي عن كيفية الغسل، وبيانه (عليه السلام) على ذلك الوجه، وقول في آخر


(1) و (5) سورة المائدة. الآية 6 (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء (4) المروية في الوسائل في الباب - 19 - من ابواب الوضوء.


[ 242 ]

الرواية: " قلت: يرد... الخ " فان الظاهر ان رد الشعر عبارة عن الغسل منكوسا، وقوله: " إذا كان عنده آخر " الظاهر ان المراد ممن يتقيه، فظاهر الخبر انه لا يغسل منكوسا الا في مقام التقية. وكذلك حكاية غسله (عليه السلام) في حسنة زرارة وبكير (1) وروايتهما الاخرى (2) - من كونه ابتدأ في غسله من المرفق لا يردها إليه - صريح في الوجوب. وما يتناقل في امثال هذه المقامات - امكن انه إذا قام الاحتمال بطل الاستدلال - فكلام شعري جدلي لا يعتمد عليه عند التحقيق، فان مدار الاستدلال في جميع الموارد مع عدم النص على الظواهر. نعم ربما يخرج عنه إلى التأويل لضرورة الجمع بين الادلة متى تعارضت على وجه لا يمكن تطبيقها إلا بارتكاب جادة التأويل واما اطلاق الآية هنا فهو مخصوص بهذه الاخبار، كما هو القضية الجارية في جميع اطلاقات الكتاب وعموماته ومجملاته، على انه لو ورد ما يخالف هذه الاخبار لوجب حمله على التقية، لان عمل المخالفين على الابتداء من الاصابع (3). (الثاني) - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (نور الله تعالى مضاجعهم) في وجوب غسل المرفق هنا، انما الخلاف في كونه اصالة أو من باب المقدمة، وتظهر الفائدة في وجوب غسل جزء من العضد لو قطعت اليد من المرفق، كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى. وانت خبير بان الظاهر انه لا دلالة في الآية هنا على شئ من الدخول وعدمه، لوقوع الخلاف في الغاية دخولا وخروجا وتفصيلا.


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء (3) في تفسير مفاتيح الغيب للرازي ج 3 ص 270 جعل من السنة الابتداء من الاصابع ونسبه إلى جمهور الفقهاء، وكذا في (الفقه على المذاهب الاربعة) ج 1 ص 67 وفى بدائع الصنائع ج 1 ص 22.


[ 243 ]

والتحقيق - كما حققه بعض الفضلاء - ان كلا من الغاية الابتدائية والانتهائية قد تكون داخلة تارة، كما في قول سبحانه "... من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى... " (1) وقولك: " حفظت القرآن من اوله إلى آخره " وقد تكون خارجة، كقوله سبحانه: "... ثم اتموا الصيام إلى الليل... " (2) وقوله: "... فنظرة إلى ميسرة... " (3). وما ذكره الشيخ (رحمه الله) - من ان " إلى " في الآية بمعنى مع، مدعيا في الخلاف ثبوت ذلك عن الائمة (عليهم السلام) - ففيه ان المفهوم من حسنة زرارة وبكير (4) المشار إليها آنفا، حيث قال (عليه السلام) فيها: " وامر بغسل اليدين إلى المرفقين، فليس له ان يدع شيئا من يديه إلى المرفقين إلا غسله، لان الله تعالى يقول: فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق (5)... الحديث " فان قوله (عليه السلام): " فليس له ان يدع " صريح في ان " إلى " في الآية غاية للمغسول، فان التحديد له، لان " إلى " في كلامه (عليه السلام) غاية لليد بلا اشكال ايراده الآية مستدلا بها على ذلك يقتضي كون " إلى " فيها مثلها في كلامه. ويؤيده ايضا ان اليد لما كانت تطلق باطلاقات متعددة - فانها لغة وعرفا من الكتف إلى اطراف الاصابع، وفي التيمم إلى الزند، وفى قطع السرقة إلى اصول الاصابع، وفى الوضوء إلى المرفق - كان الاهم في المقام والاولى لدفع الايهام الحمل على التحديد وبيان الغاية. وممن نص على عدم دلالة الآية على الدخول الشيخ الطبرسي (قدس سره) في جامع الجوامع، حيث قال: " لا دليل في الآية على دخول المرافق في الوضوء، إلا أن اكثر الفقهاء ذهبوا إلى وجوب غسلها، وهو مذهب أهل البيت (عليهم السلام) انتهى


(1) سورة بنى اسرائيل. الآية 2. (2) سورة البقرة. الآية 187. (3) سورة البقرة. الآية 280 (4) المروية في الوسائل الباب - 15 - من ابواب الوضوء (5) سورة المائدة. الآية 6.


[ 244 ]

وبما حققناه يظهر ان من استدل من اصحابنا - على وجوب غسل المرفق بظاهر الاخبار التي قدمناها في الوضوء البياني واستند إلى ذلك اصالة - يرد عليه ما اورده على وجوب الابتداء بالاعلى في غسل الوجه فلا يتم له ذلك. (الثالث) - مقطوع اليد اما ان يكون من تحت المرفق أو من فوقه أو منه. فعلى الاول الظاهر انه لا خلاف في وجوب غسل الباقي، ولعله الحجة وإلا فالاخبار المستدل بها في المقام لا تخلو من اجمال وابها. فمما استدل به على ذلك صحيحة رفاعة برواية الشيخ عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الاقطع اليد والرجل كيف يتوضأ ؟ قال: يغسل ذلك المكان الذي قطع منه. " وحسنته برواية الكليني (2) قال " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الاقطع قال: يغسل ما قطع منه ". واحتمل بعض المحققين من متأخرى المتأخرين انهما واحد وان التغير نشأ من النقل بالمعنى. وصريح الاولى - كما ترى - غسل محل خاصة، مع عدم تعيين ذلك المحل فيها بانه من المرفق أو من تحته أو فوقه، والموصول في الثانية يحتمل وقوعه على المكان فتصير كالاولى، وحينئذ ف‍ (قطع) خال عن الضمير ونائب الفاعل هو الجار والمجرور ويحتمل وقوعه على العضو، فيكون المعنى يغسل العضو الذي وقع القطع منه. وكيف كان فمحل القطع ايضا غير معلوم. ولعل الاستدلال بهما بناء على ان الامر بالغسل ملزوم لكون القطع من تحت المرفق، لعدم وجوب غسل ما فوقه. لكن يبقى فيه احتمال كونه من المرفق، فانه - كما سيأتي - يجب غسل الباقي.


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 49 - من ابواب الوضوء.


[ 245 ]

ومما استدل به ايضا ان غسل الجميع واجب فقطع بعضه لا يسقط وجوبه غسل الباقي. وفيه ان هذا راجع إلى استصحاب الحكم السابق على القطع، وهو ممنوع فيما نحن فيه، فانه انما يكون حجة عند القائل به فيما إذا لم تتجد هناك حالة اخرى مغايرة لحالة تعلق الحكم، كما صرحوا به في محله. ولا يخفى ان الاوامر الواردة بغسل اليد انما تعلقت بالمجموع من حيث هو مجموع لا باعتبار كل جزء جزء منها، فبزوال الامر المجموعي بالقطع يحتاج في غسل الجزء الباقي إلى دليل على حدة. وعلى الثاني فالظاهر هو سقوط غسل الباقي وجوبا واستحبابا، خلافا لجمع من الاصحاب: منهم - العلامة في المنتهى والشهيد في الذكرى، حيث صرحوا باستحباب غسله. وما استندوا إليه في الاستحباب - من صحيحة علي بن جعفر الآتية - فليس في محله كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى. نعم ربما يمكن الاستدلال لهم بصحيحة رفاعة وحسنته السابقتين (1) لشمول اطلاقهما لهذه الصورة. ونقل عن الشيخ في المبسوط والعلامة في التذكرة استحباب مسح الباقي. ولم اقف لهما على مستند ان اريد بالمسح معناه حقيقة، وان اريد به الغسل مجازا فيمكن الاستدلال عليه بما عرفت من روايتي رفاعة. وعلى الثالث فالظاهر وجوب غسل الباقي من المرفق، لصحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن رجل قطعت يده من المرفق. قال يغسل ما بقى من عضده " بجعل الموصول للعهد اي الباقي من موضع الفرض، و " من عضده " اما ظرف مستقر على انه حال مؤكدة، أو لغو متعلق ب‍ " يغسل " ومن ابتدائية أو تبعيضية. وبما ذكرنا يظهر كون وجوب غسل المرفق اصالة لا من باب المقدمة. ويظهر


(1) ص 244 (2) المروية في الوسائل في الباب - 49 - من ابواب الوضوء.


[ 246 ]

انه لا حجة إلى ما تكلفه شيخنا الشهيد الثاني في الروض - بعد حمله الرواية على القطع من نفس المرفق وحكمه بوجوب غسل الباقي - من التجوز باطلاق العضد على رأس العضد وانه لا ضرورة ايضا إلى الحمل على الندب واستحباب غسل العضد كملا، بحمل الرواية على القطع من اعلى المرفق، كما هو صريح الذكرى، حتى انه لذلك ذهب إلى ان في الرواية اشارة إلى استحباب غسل العضد مع اليد، ثم قال: " وبه استدلوا على مسح المقطوع باقي العضد " كما ذهب إليه جمع: منهم - السيد السند في المدارك والعلامة في المنتهى، بحمل الموصول في كلا الفرضين على الاستغراق و " من " على البيانية، فانه لا ضرورة تلجئ إليه، مع كون ما ذكرناه معنى صحيحا لا غبار عليه. وهذا. وعبارات الاصحاب في هذا المقام مختلفة النظام بعيدة الالتئام، فعن الشيخ في المبسوط انه يغسل ما بقى، والمحقق في المعتبر " سقط عنه غسلهما ويستحب مسح موضع القطع بالماء " وفى الشرائع ذكر سقوط فرض الغسل ولم يذكر استحباب المسح، وابن الجنيد " غسل ما بقى من عضده " والعلامة في المنتهى " سقط غسلها لفوات محل الغسل " وفى التذكرة " فقد بقى من محل الفرض بقية وهو طرف عظم العضد، لانه من جملة المرفق، فان المرفق مجمع عظم العضد وعظم الذراع " وهذه العبارات المنقولة كلها جمل جزائية لشرط القطع من المرفق. والعلامة في المنتهى بعد ان ذكر ما نقلناه عنه نقل عن اصح وجهي الشافعي الوجوب، لان غسل العظمين المتلاقيين من العضد المرفق واجب، فإذا زال احدهما غسل الآخر. ثم رده بانا انما توجب غسل طرف العضد توصلا إلى غسل المرفق، ومع سقوط الاصل انتفى الوجوب. وهذا الكلام يشعر بان وجوب غسل المرفق عنده انما هو من باب المقدمة، وهو خلاف ما عرفت من كلامه في التذكرة، فانه صريح في كون غسل المرفق عند اصالة. ثم اعترض على نفسه في المنتهى بصحيحة علي بن جعفر المذكورة (1) وردها بانها مخالفة للاجماع، فان


(1) في الصحيفة 245


[ 247 ]

احدا لم يوجب غسل العضد، فتحمل على الاستحباب. وتبعه على ذلك السيد السند. ومنشأ الوهم حمل الموصول على الاستغراق و " من " على انها بيانية كما تقدم. ولا يخفى ان عبارة ابن الجنيد مطابقة لعبارة الرواية، فتحمل على ما حملنا عليه الرواية، فلا يكون من مخالفة الاجماع المشار إليه في المنتهى في شئ. (الرابع) - الظاهر انه لا خلاف في وجوب غسل لما تحت المرفق مما زاد على اصل الخلقة من يد ولحم زائد وجلد متدل واصبع زائدة، نظرا إلى كونها اجزاء من اليد المأمور بغسلها كما علله البعض، أو كالاجزاء كما في كلام آخر، أو داخلة في محل الفرض فتكون تابعة له كما في كلام ثالث. وكذا ما فوق من يد غير متميزة عن الاصلية، لدخولها في مفهوم اليد وصدق إلى عليهما بالسوية، فتخصيص احداهما بالغسل ترجيح من غير مرجح، فوجب غسل الكل اصالة في احداهما ومن باب المقدمة في الاخرى تحصيلا للامتثال. وللمناقشة في الاول منهما مجال، لمنع كون ما زاد على أصل الخلقة اجزاء حقيقية تنصرف إليها الاحكام الشرعية، واولى بالمنع تعليلها بكونها كالاجزاء، إذا ترتب الاحكام الشرعية لا يكفي فيه مجرد المشابهة لما ثبت تعلق الحكم به، اشد اولوية بالمنع التعليل الثالث. وبالجملة فظاهر الآية كون الاضافة في قوله سبحانه: " وايديكم " عهدية فيتعلق الحكم باليد المعهودة وما اشتملت عليه من الاجزاء المعهودة. وحنيئذ فالمعتمد في الاستدلال هو الوقوف على جادة الاحتياط وتحصيل اليقين في مقام الشك، مؤيدا ذلك بالاتفاق المنقول. اما اليد المتميرة فوق المرفق فقيل بوجوب غسلها، لصدق اليد عليها، وقيل بالعدم للاصل وعدم دليل مخرج عنه، ويؤيده ما اشرنا إليه سابقا من ان الظاهر ان اضافة " وايديكم " عهدية، فيتعلق الحكم بالمعهودة. ولو حملت الاضافة على العموم اندفع ما اوردناه سابقا ووجب غسل اليد المذكورة.


[ 248 ]

قال بعض المحققين: " ولو لم يكن لليد الزائدة مرفق لم يجب غسلها قطعا " وهو جيد. إلا ان ظاهر عبارته بان ذلك محل وفاق وان محل الخلاف ما لو كان لها مرفق، والظاهر من فرض الاصحاب اليد الزائدة فيما فوق المرفق المعشر باتحاد المرفق ان تميزها مع عدم وجود المرفق لها، إذا لو كان لها مرفق لكانت دونه ووجب غسلها البتة، اما لدخولها في حكم اليد فيما دون المرفق، أو عدم امتيازها حينئذ عن الاصلية. وبالجملة فالتحقيق في ذلك ان يقال: ان هذه اليد المفروضة اما ان تكون ذات مرفق ام لا. وعلى الاول فاما ان تكون كالاصلية على وجه لا امتياز لها عنها ام لا. والظاهر انه لا ريب في وجوب الغسل في الصورة الاولى، لكونها يدا ذات مرفق مشتبهة باليد الاصلية. وفي الصورة الثانية توقف، لان مجرد كون لها مرفق - مع تميزها عن الاصلية، لضعف البطش بها مثلا، أو نقص اصابعها، ونحو ذلك - لا يوجب غسلها، سيما مع اعتبار العهدية في الاضافة. وفي الصورة الثالثة الظاهر عدم وجوب الغسل، حيث ان الشارع امر بغسل اليد إلى المرفق، وهذه لا مرفق لها. الا انه بموجب ذلك يلزم انه لو لم يكن له إلا يد واحدة لا مرفق لها فلا يجب غسلها حينئذ، الا ان يتمسك بالاجماع هنا على وجوب الغسل. (الخامس) - الظاهر انه لا خلاف في انه يجب تحريك ما يمنع وصول الماء إلى المغسول من دملج وسوار وخاتم ونحوها، أو نزعه. ويدل عليه صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) حيث " سأله عن المرأة يكون عليها السوار والدملج في بعض ذراعها، لا تدري يجري الماء تحته ام لا، كيف تصنع إذا توضأت أو اغتسلت ؟ قال تحركه حتى يدخل الماء تحته أو تنزعه... " وحسنة ابن ابي العلاء عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الخاتم


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 41 - من ابواب الوضوء.


[ 249 ]

إذا اغتسلت. قال: وحوله من مكانه، وقال في الوضوء تديره... ". وصرح جملة من الاصحاب بانه يجب تخليل الشعر النابت في اليد وان كثف لغسل ما تحته، نظرا إلى أن المأمور به غسل اليد التي هي عبارة عن العضو المخصوص، بخلاف النابت في الوجه، لدخوله في مسماه، فان الوجه اسم لما يواجه به، والمواجهة تحصل بالشعر، فيكفي غسله عما تحته. وربما يناقش في الحكم المذكور بقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: " كل ما أحاط به الشعر فليس للعباد ان يطلبوه ولا يبحثوا عنه، ولكن يجري عليه الماء " فانه بعمومه شامل لما نحن فيه. وربما يجاب بحمل الف ولام " الشعر " على العهد اشارة إلى شعر الوجه، لتقدمه في صدر الرواية، كما رواه في الفقيه (2). وفيه ان الظاهر انها رواية مستقلة مصدرة بقوله: " أرأيت ما أحاط به الشعر... الخ " كما ذكره الشيخ في التهذيب (3) وذكر صاحب الفقيه لها - على أثر صحيحة زرارة الواردة في تحديد الوجه، كما هي عادته في سبك الاخبار، بل جعله كلامه تارة بينها حتى يظن انه من جملة الخبر - لا يدل على انها من جملتها، ولهذا انه في الوافي (4) نقلها عن الفقيه منفصلة. وتخصيصها بالاجماع والاخبار على وجوب غسل البشرة في الغسل يوجب الاقتصار على ما خرج بالدليل وكيف كان فالعمل على ما عليه ظاهر الاصحاب (رضوان الله عليهم). ثم ان ظاهر المشهور وجوب غسل الشعر هنا، لدخوله في محل الفرض كما علله البعض، أو انه من توابع اليد كما علله آخر. وقد عرفت ما فيه، ومن ثم استظهر بعض


(1) المروية في الوسائل في الباب - 46 - من ابواب الوضوء. (2) ج 1 ص 28 (3) ج 1 ص في الوسائل في الباب - 46 - من ابواب الوضوء 104 (4) ج 4 ص 45.


[ 250 ]

محققي متأخرى المتأخرين العدم هنا للاصل ان لم يكن اجماع. الا ان الحكم هنا ربما كان اقرب، لدعم انفكاك اليد غالبا عن الشعر، فيدخل في خطاب الحكم المتعلق بها، بخلاف ذلك لندوره، فلا ينصرف إليه الاطلاق. نعم لو قيل بعدم وجوب ايصال الماء إلى ما تحته انتقل حكم الوجوب إليه. (السادس) - الظاهر انه لا خلاف في وجوب غسل الاظفار ما لم تخرج عن حد اليد. واما معه فقيل بالوجوب ايضا، لجزئيتها من اليد عرفا، وبالعدم كمسترسل اللحية، للاصل وعدم دليل صالح للخروج عنه. وكيف كان فالمشهور وجب نزع ما تحتها من الوسخ متى كان مانعا من وصول الماء، لكونه في حد الظاهر. واحتمل في المنتهى عدم الوجوب، لكونه ساترا عادة وايده المحدث الثقة الامين الاسترابادي (نور الله رمسه) بالروايات المتضمنة استحباب اطالة المرأة اظفار يديها، قال: " فان فيها دلالة على عدم اخلال وسخها بالوضوء والغسل وجه الدلالة ان الاطالة مظنه اجتماع الوسخ وكان ما تحتها من البواطن. وايضا اجتماع الوسخ عادي ومع ذلك لم يرد بازالته قول أو فعل، وهذا قرينة على عدم وجوب ازالته. والله أعلم " انتهى. وما ذكره (قدس سره) لا يخلو من قرب الا ان الاحتياط في الازالة. وايده بعض ايضا بصدق غسل اليد بدونه، وعدم ثبوت امر النبي (صلى الله عليه وآله) اعراب البادية وامثالهم بذلك، مع ان الظاهر عدم انفكاكهم عن ذلك. وقيده بعض آخر بالوسخ المانع من وصول الماء إلى البشرة الظاهرة، قال: " اما المانع من بشرة مستورة تحت الظفر بحيث لا تظهر للحس لو لا الوسخ، فالظاهر عدم الوجوب ". هذا. والمفهوم من عبائر الاصحاب (رحمهم الله) في المقام - حيث صرحوا بوجوب إزالة الوسخ المذكور متى كان مانعا من وصول الماء، فلو لم يمنع استحب ازالته


[ 251 ]

- ان مجرد وصول الماء إلى ما تحت الوسخ كاف في صحة الغسل، وهو مناف لما فسروا به الغسل من اشتراط الجريان في تحققه، لان ما تحت الوسخ من جملة ما يجب غسله الذي لا يتحقق إلا باجراء الماء عليه. نعم يظهر من شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في بعض تحقيقاته الاكتفاء بذلك في تطهير ما تحت الوسخ من النجاسة الخبيثة، بل ظاهره نقل الاتفاق على ذلك، حيث اسنده إلى ظاهر النصوص والفتاوى، قال (قدس سره) - بعد تقرير المسألة بان دخول الماء في الوسخ الكائن تحت الظفر هل يكفي في طهارته إذا كان نجسا ؟ من حيث انه لم يدخل فيه بقوة وجريان بل على وجه الترشح والسريان - ما لفظه: " الظاهر من النصوص والفتاوى طهارة ما أصابه الماء من ذلك وامثاله وان لم يصل إليه بقوة، بل يكفي مطلق وصوله إليه ونفوذ الماء في الاجزاء النجسة، وعموم الاوامر بالغسل واطلاقها يشمله، الاجماع واقع على طهارة الثوب والجلد والحشايا التي تدخل النجاسة إلى اجزائها الداخلة بوصول الماء إليها، مع عصره ما يمكن عصره كالثوب، ودق الحشايا وتغميزها لاخراج الغسالة الداخلة في اعماقها. ولا شبهة في ان دخول الماء إلى هذه الاشياء انما هو على وجه الترشح والنفوذ اللطيف " ثم اطال في الاستدلال على ذلك بذكر النظائر لما ذكره، ثم اعترض على الاصحاب فيما اطلقوه مما قدمنا نقله عن ظاهر كلامهم، وقال بعد نقل شطر من عبائرهم في ذلك: " وظاهر هذه العبارات - كما ترى - الاكتفاء بمطلق وصول الماء إلى البشرة، لكن لما عهد من الشارع في غسل الوضوء والغسل اعتبار الجريان، فليكن هناك كذلك، إلى ان قال: ولو فرض انهم يكتفون بمطلق وصول الماء فالاظهر عندنا انه لا يكفي ذلك، لعدم الدليل على سقوط ما وجب فيه. ثم قال: وعلى هذا يحصل الفرق بين طهارة ما تحت الوسخ من الخبث ومن الحدث، إذ المعتبر في طهارة الخبث مجرد وصول الماء إلى ما ذكر مع انفصال ما يمكن انفصاله عنه، وفى الحدث الجريان على نفس البشرة " انتهى كلامه زيد اكرامه.


[ 252 ]

وما ذكره (قدس سره) - من الاكتفاء في طهارة الوسخ المذكور بمجرد وصول الماء إلى اجزاء الوسخ ولو على جهة الترشح والسريان - لا يخلو من قوة، لما ذكره من الادلة. إلا ان ما ذكره اخيرا - من الفرق في طهارة ما تحته من الخبث والحدث بالاكتفاء بمجرد وصول الماء في الاول، واعتبار الجريان في الثاني - ليس بموجه، فان الغسل متى اعتبر بالنسبة إلى البدن ونحوه من الاجسام الصلبة، كان عبارة عندهم عما يدخل الجريان في مسماه ولا يتحقق بدونه، سواء كان لازالة خبث أو حدث، ومتى اعتبر بالنسبة إلى الثوب والحشايا ونحوها من الاجسام المنطبعة، كان عبارة عن استيعاب المحل النجس مع انفصاله عنه، ولهذا قابلوه في الاول بالمسح الذي لا يشترط فيه الجريان عندهم، وفي الثاني بالرش والصب الذي لا يشترط فيه الكثرة ولا الانفصال، وحينئذ فالغسل متى اعتبر في البدن لازالة حدث أو خبث، فلابد في تحققه وصدق اسمه عليه من الجريان عندهم، إذ الواجب الغسل، وهو شرعا بالنسبة إلى البدن ونحوه عبارة عن جري جزء من الماء على جزئين من البشرة بنفسه أو بمعاون، واعتبار الاكتفاء بمجرد الوصول إلى اجزاء المتنجس - ولو على جهة الترشح والنفوذ - انما قام بالنسبة إلى غير البدن من الاجسام المنطبعة، كما عرفت مما حققه هو وغيره في ملحه، وحينئذ فحق الكلام بالنسبة إلى تطهير الوسخ تحت الظفر - بمقتضى قواعدهم وتحقيقاتهم - هو طهارة الوسخ بمجرد نفوذ الماء فيه، وتوقف تطهير ما تحته على الجريان المعتبر في حقيقة الغسل عندهم متى تعلق بالبدن ونحوه. وانما اطلنا الكلام في هذا المقام لقلة دوران المسألة في كلام علمائنا الاعلام.

الركن الرابع - مسح الرأس، وتحقيق الحكم فيه يتوقف على أمور:

(الاول) - اختصاص المسح بمقدم الرأس - بشرة أو شعرا مختصا به - مما


[ 253 ]

انعقد عليه الاجماع فتوى، وهو الاشهر رواية: فمن الاخبار في ذلك قوله (عليه السلام) فصحيحة محمد بن مسلم (1): " مسح الرأس على مقدمه ". وقوله في حسنته بل صحيحته ايضا (2): " امسح على مقدم رأسك... ". وقوله في صحيح زرارة (3): "... وتمسح ببلة يمناك ناصيتك... " إلى غير طلك من الاخبار. وظاهر الآية واكثر الاخبار وان تضمن مسح الرأس بقول مطلق الا ان الواجب تقييده بالمقدم، لما ذكرنا من الاجماع والاخبار، حملا للمطلق على المقيد. وما دل على خلاف ذلك من الاخبار - كحسنتي الحسين بن ابي العلاء (4) ورواية ابي بصير (5) حيث تضمنت مسح المقدم والمؤخر - فخارج مخرج التقية (6). وما ذكره بعض من الاحتياط بمسح المؤخر ضعيف.


(1) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 22 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 25 - من ابواب الوضوء. (3) المروى في الوسائل في الباب - 15 و 31 - من ابواب الوضوء. (5) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الوضوء (6) في شرح صحيح الترمذي لابن العربي المالكى ج 1 ص 51 " ان المشهور من اقوال مالك وجوب مسح جميع الرأس: يبدأ بيديه بالمقدم إلى القفا " وفى بداية المجتهد لابن رشد ج 1 ص 10 " ذهب مالك إلى الواجب مسح الرأس كله، والشافعي وابو حنيفة وبعض اصحاب مالك إلى ان الفرض مسح بعضه، وحده أبو حنيفة بالربع وبعض اصحاب مالك بالثلث وبعضهم بالثلثين، والشافعي لم يحد الماسح ولا الممسوح " وفى المغنى لابن قدامة ج 1 ص 125 " روى عن احمد وجوب مسح جميعه في كل احد، وروى عنه اجزاء مسح بعضه، الا ان الظاهر عنه وجوب الاستيعاب في حق الرجل ويجزئ المرأة مسح مقدم رأسها، لان عائشة كانت تمسحه " وفى الهداية لشيخ الاسلام الحنفي ج 1 ص 4 " المفروض في مسح الرأس مقدار الناصية وهو ربع الرأس ".


[ 254 ]

ثم انه قد ذكر جملة من الاصحاب انه يشترط في شعر المقدم الذي يمسح عليه ان لا يخرج بمده عن حد المقدم. فلو خرج عن الحد المذكور لم يجز المسح على الزائد، لخروجه عن محل الفرض، بل يمسح على اصوله وما زاد ما لم يخرج عن الحد المذكور. بقى هنا شئ اغفل الاصحاب (رضوان الله عليهم) تحقيقه ولم يلجوا مضيقه، وهو ان المقدم الوارد في هذه الاخبار هل هو عبارة عما هو المتبادر من ظاهر اللفظ، وهو ما كان من قبة الرأس إلى القصاص مما يلى الجبهة، الذي هو كذلك إلى القصاص من خلف، فبأي جزء من هذه المسافة مسح تأدى به الواجب، أو هو عبارة عن الناصية وهي ما بين النزعتين كما فسرها به جماعة من الاصحاب: منهم - العلامة في التذكرة وغيره في غيره، وحينئذ فيكون المقدم عبارة عما ارتفع من القصاص إلى ان يساوي اعلى النزعتين ؟ لم اقف بعد التتبع على من كشف عن ذلك نقاب الابهام بكلام صريح في المقام الا ان عباراتهم عند التأمل في مضامينها ترجع إلى الاول. وقد وقفت على رسالة لشيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني (نور الله تعالى ضريحه بانوار جوده السبحاني) نقل فيها المعنى الاول عن بعض معاصريه من الفضلاء العظام. والظاهر انه الوالد (قدس الله نفسه ونور رمسه) ونقل عنه دعوى اجماع الطائفة عليه وعدم الخلاف، ثم نسبه في دعوى ذلك إلى الوهم، وقال: انه لم يصرح بهذه الدعوى الغريبة غير شيخنا الشهيد الثاني في الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، وهو ظاهر كلامه في غيرها، وربما يستفاد من اطلاق فحاوي كلام غيرهما ايضا، لكن اكثر عبارات الاصحاب والاخبار واهل اللغة ظاهرة بل صريحة في ان المقدم هو قصاص الشعر والناصية، والمستفاد منها ان ذلك هو محل الفرض، ويكفي مسماه، وافضله مقدار ثلاث اصابع مضمومة من قصاص الشعر إلى ما بلغت لا ازيد، وانه لو مسح ما فوق ذلك


[ 255 ]

بدون مسح الناصية لم يكفه وكان الوضوء باطلا، لعدم الدليل الثابت على جواز التعبد به. ثم اورد (قدس سره) مقامات ثلاثة تتضمن الاستدلال على ما ذهب إليه: ذكر في أولها الاخبار الواردة في المسألة. وفى ثانيها كلام أهل اللغة في ذلك. وفى ثالثها عبارات الاصحاب الدالة على ما ذكره. وحيث ان المسألة غير مكشوف عنها نقاب الابهام في كلام علمائنا الاعلام مع كونها من المهام العظام، فلابد من ارخاء عنان القلم في تنقيحها وتمييز باطلها من صحيحها وبيان ما هو المستفاد من كلام الاصحاب في المقام واخبار أهل الذكر (عليهم السلام): فنقول: الظاهر ان ما ذكره شيخنا المشار إليه - وادعى انه المفهوم من كلام اكثر علمائنا الابرار، وأخبار الائمة الاطهار، وكلام اهل اللغة الذي عليه المدار - ليس بذلك المقدار، ومنشأ الشبهة عند هي حسنة زرارة (1) الدالة على المسح على الناصية خاصة وها نحن نتكلم على المقامات الثلاثة بما يقشع غمام الابهام ونشير إلى ما اورده (قدس سره) على الخصوص في كل مقام، ليتبين للناظر ما هو الاوفق باخبار أهل الذكر (عليهم السلام) والاربط بكلام علمائنا الاعلام: فنقول: اما الاخبار الواردة في هذه المسألة فقد تضمن شطر منها - وهو اكثرها - المسح على الرأس، وجلها في الوضوء البياني، وشطر منها تضمن المسح على مقدم الرأس وشطر تضمن المسح على الناصية، وهو صحيحة زرارة المتقدمة خاصة (2). والكلام في المعنى المراد من الاخبار انما يتضح بعد الوقوف على كلام الاصحاب وما ذكره اهل اللغة في هذا الباب: فاما كلام الاصحاب فمنه - ما ذكره شيخنا الشهيد الثاني في شرح الالفية بعد قول المصنف: " الرابع - مسح مقدم شعر الرأس " حيث قال في ضبطه: " المقدم بضم الميم وتشديد الدال المفتوحة نقيض المؤخر بالتشديد " انتهى. وصراحة العبارة (1) الآنية في الصحيفة 256 (2) ص 253


[ 256 ]

في المراد اظهر من ان يعتريها الايراد. وقال في الروض بعد قول المصنف " ويجب مسح مقدم بشرة الرأس " ما لفظه: " دون وسطه أو خلفه أو احد جانبيه ". وقريب منها عبارة الفاضل الخراساني في الذخيرة، حيث قال بعد عبارة المصنف: " دون سائر جوانبه ". وقال المحقق الخوانساري في شرح الدروس بعد تقسيم ذكره سابقا: " وثانيها اختصاصه بالمقدم، فلو مسح المؤخر أو الوسط أو احد جانبيه لم يجز ". وانت خبير بان مقابلة الاختصاص بالمقدم في هذه العبائر ونحوها بهذه المواضع الثلاثة - من مؤخر الرأس ووسطه وجانبيه - تعطى انحصار المقدم فيما بين القصاص إلى الوسط، وإلا لبقى فرد آخر مغفل في الكلام، فلا يدل التفريع على الانحصار، إذ لا يخفى ان الغرض من المقابلة - في امثال هذه المقامات بعد اثبات الحكم لبعض الافراد بنفيه عن الافراد الاخر - إنما هو الحصر في ذلك الفرد، كما لا يخفى على الفطن اللبيب العارف بالاساليب. وقال المولى المحقق الاردبيلي (رحمه الله): " ان ظاهر الآية وبعض الاخبار يدل على اجزاء مسخ اي جزء كان من الرأس. ولعل الاجماع - مؤيد بالوضوء البياني، وبصحيحة محمد بن مسلم (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام): امسح الرأس على مقدمه " وبحسنة زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) " وتمسح ببلة يمناك ناصيتك " دال على ان المراد جزء من مقدم الرأس لا اي جزء كان، ولعل المراد بالناصية في الخبر هو مقدم الرأس، لانه اقرب إلى الناصية المشهورة أو اسم له حقيقة " انتهى. وحاصل كلامه ان ظاهر الآية وبعض الاخبار دل على اجزاء مسح اي جزء


(1) المروية في الوسائل في الباب - 22 - من ابواب الوضوء (2) المروية في الوسائل في الباب - 15 و 31 - من ابواب الوضوء


[ 257 ]

من الرأس، ولما عارضه الاجماع والاخبار الدالة على خصوص مسح المقدم دل على تخصيص الرأس بالمقدم، لكن لما كان من تلك الاخبار المخصصة حسنة زرارة الدالة على الناصية التي هي اخص من المقدم، اراد الجمع بينها وبين اخبار المقدم بحمل الناصية على المقدم، مجازا لقرينة المجاورة، أو حقيقة شرعية. ثم ان اكثر عبائر الاصحاب في هذا المقام قد اشتملت على التعبير بالمقدم مفردا أو مضافا إلى الرأس، ومن الظاهر البين ان كل أحد لا يفهم من لفظ المقدم المضاف إلى الرأس أو غيره متى اطلق إلا ما قابل المؤخر، وسيأتي لك ايضا ما يعضده من كلام أهل اللغة. وبذلك يعلم ايضا انه لا يطلق مجردا عن القرينة الا على ذلك المعنى. وبذلك ايضا اعترف شيخنا المذكور في آخر رسالته حيث قال: " لا يقال: ان اطلاق الدليل من الآية يقتضي جواز المسح على الرأس، وحيث قد جاءت السنة مخصصة له بالمقدم وهو يطلق على ضد المؤخر، كانت مقيدة لاطلاق الكتاب، فيبقى ما صدق عليه المقدم سالما من التقييد، فيكون كله صالحا للمسح. لانا نقول: الامر كما ذكرتم لكن نحن لا نسلم اطلاق المقدم هنا على ما ادعيتموه بعد تفسير أهل اللغة له بالناصية وورود الحديث الصحيح بكون الباء للتبعيض، فهو وان سلمنا ما هو اعم منها فلا اقل ان يكون من باب حمل المطلق على المقيد " انتهى. وسيظهر لك الجواب عما اورده هنا. وبذلك يظهر لك ما في استدلاله بعبارات جملة من الاصحاب، فان جلها من هذا الباب: فمما نقله (قدس سره) كلم الصدوق (رحمه الله) في الفقيه حيث قال: " وحد مسح الرأس ان تمسح بثلاث اصابع مضمومة من مقدم الرأس " ومثله عبارته في الهداية إلا انه قال: " اربع اصابع ". وانت لا يخفى عليك بعد الاحاطة بما حررناه انه لا دلالة فيها على شئ مما ادعاه لانه حكم بوجوب مسح هذا المقدار المعين من المقدم، وقد عرفت المعنى المتبادر من المقدم


[ 258 ]

وسيأتي ايضا ما يؤكده، فيكون معناه وجوب مسح هذا المقدار من اي جزء من اجزاء هذه المسافة، واي دليل له في ذلك ؟ بل هو بالدلالة على خلاف مدعاه - بتقريب ما حققناه - اشبه. ثم نقل عن الشيخ المفيد في المقنعة انه قال: " يمسح من مقدم رأسه مقدار ثلاث اصابع مضمومة من ناصيته إلى قصاص شعره مرة واحدة " وعبارة الشيخ في النهاية " ثم يمسح بباقي نداوة يده من قصاص شعر رأسه مقدار ثلاث اصابع مضمومة " وهاتان العبارتان وان دلتا على كون المسح في هذا المكان الذي يدعيه. لكن لا دلالة لهما على الانحصار فيه وعدم اجزاء ما سواه كما هو المدعى. وصدر عبارة الشيخ المفيد ظاهر الدلالة على ان مقدم الرأس عبارة عما ادعيناه. ثم نقل كلام السيد المرتضى في المسائل الناصرية، فقال: " قال الناصر في المسائل الناصرية: فرض المسح متيقن بمقدم الرأس والعامة إلى الناصية. فكتب السيد المرتضى (رضي الله عنه) في جوابه: هذا صحيح وهو مذهبنا، وبعض الفقهاء يخالفون في ذلك ويجوزون المسح على اي بعض كان من الرأس. والدليل على صحة مذهبنا الاجماع المتقدم ذكره. وايضا فلا خلاف بين الفقهاء في ان من مسح على مقدم الرأس فقد ادى الفرض. وليس كذلك من مسح مؤخر الرأس، فما عليه الاجماع اولى " انتهى والعجب منه (قدس سره) في ايراد هذه العبارة واستناده إليها وهي - كما ترى - صريحة الدلالة في خلاف مدعاه، اما في كلام الناصر فظاهر، واما في كلام السيد (رحمه الله) فلجوابه بانه مذهبنا مؤذنا بدعوى الاجماع عليه، وكأنه (قدس سره) اوردها بطريق الاستعجال أو مع تشويش في البال. ثم اورد عبارة المرتضى (رضي الله عنه) في الانتصار، وهو قوله: " ومما انفردت به الامامية القول بان الفرض مسح مقدم الرأس دون سائر ابعاضه، والفقهاء


[ 259 ]

كلهم مخالفون في هذه الكيفية ولا يوجبونها، ولا شبهة في ان الفرص عند الامامية متعلق بمقدم الرأس دون سائر ابعاضه " انتهى. ثم نقل شطرا من عبائر المتأخرين المشتملة على التعبير بمقدم الرأس. وانت خبير بعد الاحاطة بما اسلفناه انه لا اشعار فيما بما ذكره ولا ايناس، بل هي في الدلالة على خلاف ما يدعيه عارية عن الابهام والالتباس، وحينئذ فما ذكره (رحمه الله) بعد ذلك - من قوله: " فان كان مراد هؤلاء المتأخرين بالمقدم الناصية، وبالناصية قصاص الشعر وما فوقه بيسير وهو ما بين النزعتين فلا كلام، وان كان المراد ما هو أعم فالبحث ايضا جار معهم، لانه خلاف فتوى المتقدمين من الاصحاب والنصوص واللغة " انتهى - فهو تطويل بغير طائل. واعادة الكلام عليه بعد تحقيق ما اسفلناه تحصيل الحاصل. واما كلام اهل اللغة فمما استند إليه واورده كلام القاموس، حيث قال: ".. ومقدمة الجيش - وعن ثعلب فتح داله - متقدموه، وكذا قادمته وقداماه، ومن الابل اول ما ينتج ويلقح، ومن كل شئ اوله، والناصية، والجبهة " ثم قال (قدس سره) بعده " وهو صريح في كون المقدم هو الناصية " انتهى. وانت خبير بان الظاهر من هذه العبارة بالنسبة إلى ما نحن فيه اطلاق المقدم على ثلاثة معان: (احدها) - اول الشئ، فإذا اضيف المقدم إلى الرأس يكون بمعنى اوله. و (الثاني) - الناصية. و (الثالث) - الجبهة. والاول منها هو الذي اتفقت عليه كلمة أهل العرف، وعليه ايضا اتفقت كلمة اهل اللغة: فمنها - ما ذكره هنا، فان المراد من الاول في عبارته ما قابل الآخر، كما ذكره في مادة (اخر) حيث قال: " والآخر خلاف الاول " ومن المعلوم ان الاول بالنسبة إلى الرأس هو المقدم كما ان الآخر هو المؤخر.


[ 260 ]

ومن ذلك - ما صرح به في كتاب مجمع البحرين حيث قال: " والمقدم بفتح الدال والتشديد نقيض المؤخر، ومنه مسح مقدم رأسه " انتهى. وفيه دلالة واضحة على انه المراد شرعا. وقال في الصحاح: " ومؤخر الشئ نقيض مقدمه ". وقال في المصباح: " ومؤخر كل شئ بالتثقيل والفتح خلاف مقدمه ". واما المعنى الثاني وهو اطلاقه على الناصية فلا دليل فيه على ما ادعاه (طاب ثراه) فان الناصية عند أهل اللغة إنما هي عبارة عن القصاص الذي هو لغة وشرعا آخر منابت شعر الرأس، قال في القاموس: " الناصية قصاص الشعر " ومثله في المصباح. وفى مجمع البحرين: " الناصية قصاص الشعر فوق الجبهة " والناصية عند الفقهاء - كما تقدم في كلام العلامة في التذكرة، وهو الذي يدعيه شيخنا المزبور ويخص موضع المسح به - هو ما ارتفع عن القصاص حتى يسامت اعلى النزعتين، وحينئذ فاطلاق المقدم على الناصية في عبارة القاموس - مع ما عرفت من معناها لغة - لا دليل فيه على ما ادعاه. ومع تسليم ان المراد بها ما ادعاه، ففيه انه قد اطلق فيه ايضا على ما ادعيناه، وهو المعنى الاول فالتخصيص بما ادعاه ترجيح من غير مرجح، بل المرجح في جانب المعنى الذى ادعيناه حيث انه مما اتفقت عليه كلمة العرف واللغة كما عرفت، فحمل الاخبار عليه اظهر البتة. على ان هذا المعنى الذي ذكره لم نجده في شئ من كتب اللغة بعد الفحص سوى القاموس. وكيف كان فلا ريب في رجحان مقابله. ومما نقله ايضا في رسالته عبارة المصباح المنير، حيث قال فيه: " الناصية قصاص الشعر وجمعها النواصي. ونصوت فلانا نصوا من باب قتل: قبضت على ناصيته. وقول أهل اللغة -: النزعتان هما البياضان اللذان يكتنفان الناصية، والقفا مؤخر الرأس والجانبان ما بين النزعتين والقفا، والوسط ما احاط به ذلك. وتسميتهم كل موضع باسم يخصه كالصريح في ان الناصية مقدم الرأس فكيف يستقيم على هذا تقدير الناصية بربع


[ 261 ]

الرأس ؟ وكيف يصح اثباته بالاستدلال ؟ والامور النقلية انما نثبت بالسماع لا بالاستدلال ومن كلامهم " جز ناصيته " و " واخذ بناصيته " ومعلوم انه لا يتقدر، لانهم قالوا: الطرة هي الناصية. واما الحديث " ومسح بناصيته " فهو دال على هيئة. ولا يلزم نفي ما سواها. وان قلنا: الباء للتبعيض ارتفع النزاع " انتهى. ثم قال (رحمه الله) بعدها، " وهو نص على ما امليناه وشاهد صدق على ما ادعيناه " انتهى. اقول: والذي يلوح للفكر القاصر ان مراد صاحب المصباح من سوق هذا الكلام - حيث انه شافعي المذهب - الرد على ابي حنيفة فيما ذهب إليه من وجوب المسح على ربع الرأس مدعيا انه الناصية، مستندا إلى رواية المغيرة بن شعبة عن النبي (صلى الله عليه وآله) بانه مسح على ناصيته، قال: " والناصية تقرب من ربع الرأس " (1) فقال صاحب الكتاب بعد تفسير الناصية بما فسيرها به غيره من اهل اللغة بقصاص الشعر: ان تخصيص اهل اللغة كلا من هذه المواضع من اجزاء الرأس باسم على حدة - ولم يعينوا اسما للمسافة التي من القصاص مما يلي الوجه إلى قمة الرأس - يعطى ان الناصية في كلامهم اسم لمقدم الرأس الذي هو عبارة عن هذه المسافة، وحينئذ فاما ان تكون الناصية عبارة عن القصاص كما هو المشهور في كلامهم، أو عن مجموع المقدم كما هو المستفاد من هذا التقسيم، فالقول بكونها عبارة عن ربع الرأس لا مجال له. ثم اعترض عليه بانه كيف يثبت بالاستدلال، اشارة إلى الاستدلال بالرواية المذكورة، وساق الكلام في الرد على ابى حنيفة وتأويل الحديث الذي استند إليه. هذا ما يفهم من العبارة المذكورة. وقوله -: " كالصريح في ان الناصية مقدم الرأس " بحمل المقدم على الناصية دون العكس - يرشد إلى ما ادعيناه، وحينئذ فالعبارة في الدلالة على ما ندعيه اظهر.


(1) في الهداية لشيخ الاسلام الحنفي ج 1 ص 4 " المفروض في مسح الرأس مقدار الناصية وهو ربع الرأس، لما روى المغيرة بن شعبة: " ان النبي (صلى الله عليه وآله) توضأ ومسح بناصيته وخفيه، والكتاب مجمل فالتحق بيانا به " وفى التعليقة 6 في الصحيفة 253 ما يتعلق بالمقام.


[ 262 ]

إذا عرفت ذلك فاعلم ان جل الاخبار قد اشتمل على وجوب المسح على الرأس وجملة منها قد اشتمل على وجوب مسح مقدمه، فيجب حمل مطلقها على مقيدها كما هو القاعدة المطردة. بقى في المقام صحيحة زرارة المشتملة على مسح الناصية (1) ويمكن الجمع بينها وبين اخبار المقدم بوجوه:

(احدها) - بما تقدم في كلام المحقق المولى الاردبيلي (رحمه الله) من حمل الناصية على المقدم، مجازا لقرينة القرب والمجاورة، أو حقيقة شرعية. ويؤيده ما صرح به الشيخ الطبرسي (رحمه الله) في كتاب مجمع البيان في تفسير قوله سبحانه: "... فيؤخذ بالنواصي والاقدام " (2) حيث قال: " والناصية شعر مقدم الرأس ".

و (ثانيها) - كون الامر بالمسح بالناصية لكونها احد اجزاء الموضع الممسوح ولا دلالة فيه على الاختصاص ونفى ما سوى هذا الموضع وانه لا يجزئ المسح عليه، كما ورد في جملة من الاخبار المسح باصبع، فانه لا دلالة فيه على تعيين هذا القدر لا في الماسح ولا في الممسوح، ويؤيد ذلك ما ورد في الاخبار - كما سيأتي ان شاء الله تعالى - من ان المرأة لا تمسح بالرأس كما تمسح الرجال، انما المرأة إذا اصبحت مسحت رأسها وتضع الخمار عنها، إذا كان الظهر والعصر والمغرب والعشاء تمسح بناصيتها، فان ظاهره - كما ترى - ان مسح رأسها في الصبح بعد وضع الخمار عنها في غير موضع الناصية أو زيادة عليها، بخلاف باقى الصلوات مع بقاء الخمار عليها فانها تدخل يدها تحته وتمسح على الناصية خاصة.

و (ثالثها) - حمل المسح ببلة اليمنى على الدخول في حيز الاجزاء، بعطف قوله: " وتمسح " باضمار " ان " على قوله: " ثلاث غرفات " كما سيأتي تحقيقه،


(1) المتقدمة في الصحيفة 253 (2) سورة الرحمان. الآية 41


[ 263 ]

فيصير مسح الناصية داخلا تحت الاجزاء الذي هو اقل مراتب الواجب، فيسقط الاستدلال بها رأسا. وذيل الكلام في المقام واسع الاطراف الا انا اقتصرنا على ما فيه كفاية للمتأمل بعين الانصاف. وبما حققناه في المقام وكشفنا عنه نقاب الابهام، ظهر لك ان ما نقله شيخنا المشار إليه في رسالته عن الواحد الماجد (نور الله تعالى تربتهما) من الاجماع صحيح لا غبار عليه، ولا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه وليته كان حيا فاهدى هذا التحقيق إليه. ويتبين ايضا ان هذا القول ليس مخصوصا بشيخنا الشهيد الثاني في الروضة أو غيرها من كتبه، وان الوالد قلده في ذلك فاغرب بدعوى الاجماع على ما هنا لك، كما بسط به ذلك الفاضل لسان التشنيع وسجل به من القول الفظيع.

(الثاني) اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في قدر واجب المسح من الرأس: فالمشهور - كما نقله جمع: منهم - السيد السند في المدارك - الاكتفاء بالمسمى، ولو بجزء من اصبع ممرا له على الممسوح، ولا يجزئ مجرد الوضع، لعدم صدق المسح بذلك. ونقل الشهيد في الذكرى عن القطب الراوندي في احكام القرآن انه لا يجزئ اقل من اصبع. وظاهر المفيد في المقنعة ذلك. قال: " ويجزئ الانسان في مسح رأسه ان يمسح من مقدمه مقدار اصبع يضعها عليه عرضا من الشعر إلى قصاصه، وان مسح منه مقدار ثلاث اصابع مضمومة بالعرض كان قد اسبغ " انتهى. فان المتبادر من لفظ الاجزاء ان يراد به اقل الواجب.


[ 264 ]

وهو الظاهر ايضا من كلام الشيخ في التهذيب حيث قال بعد نقل العبارة المذكورة: " يدل على ذلك قوله تعالى: "... وامسحوا برؤوسكم وارجلكم.. " (1) ومن مسح رأسه ورجليه باصبع واحدة فقد دخل تحت الاسم ويسمى ماسحا، ولا يلزم على ذلك ما دون الاصبع، لانا لو خلينا والظاهر لقلنا بجواز ذلك لكن السنة منعت منه " انتهى. ويظهر من العلامة في المختلف اختيار ذلك ايضا، بل نسبه فيه إلى المشهور ولم ينقل القول بالمسمى فيه اصلا، حيث قال: " المشهور بين علمائنا الاكتفاء في مسح الرأس والرجلين باصبع واحدة " ثم نقله عن الشيخ في اكثر كتبه وابن ابي عقيل وابن الجنيد وسلار وابى الصلاح وابن البراج وابن ادريس، ثم نقل جملة من عبائر الاصحاب المشتملة على المسح بثلاث اصابع. وبذلك ايضا صرح الشهيد في الدروس حيث قال: " ثم مسح مقدم الرأس بمسماه ولا يحصل باقل من اصبع " وقال بعد ذلك: " والزائد عن اصبع من الثلاث مستحب " وهو ظاهره في البيان، حيث قال: " والواجب مسماه ولو باصبع " ثم نقل الثلاث عن النهاية وحمله على الاستحباب. بل هو ظاهره في الذكرى حيث قال: " الثانية - الواجب في المقدم مسمى المسح، لاطلاق الامر بالمسح الكلى، فلا يتقيد بجزئي بعينه. ثم قال: الثالثة - لا يجزئ اقل من اصبع، قاله الراوندي في احكام القرآن " ثم عن المختلف ان المشهور الاكتفاء به، ثم نقل العبارات المتعلقة بالثلاث. فان ظاهر هذا الكلام بمعونة صريح الدروس وظاهر البيان هو القول بالمسمى وحمله على الاصبع، ولا ينافي ذلك نقله له عن الراوندي. وهو ظاهره ايضا في الرسالة، حيث قال: " الرابع - مسح مقدم الرأس


(1) سورة المائدة. الآية 6


[ 265 ]

حقيقة أو حكما ببقية البلل ولو باصبع " نظرا إلى جعله الاصبع المرتبة الدنيا للاجزاء مبالغة. وشيخنا الشهيد الثاني في شرحها تمحل في صرفها عن ظاهرها، فقال بعد ذكر العبارة " يعنى الاكتفاء بكون الاصبع آلة للمسح بحيث يحصل بها مسماه لا كونه بقدر الاصبع عرضا " انتهى. بل تمحل ذلك في شرح الارشاد باجراء هذا التأول في جملة العبارات المشتملة على التحديد بالاصبع. وانت خبير بعدم انطباق هذا التأويل على عبارة الدروس، فانها صريحة في ان المراد وجوب مقدار الاصبع. واصرح منها كلام الشيخ في التهذيب. وتكلفه فيما عداهما على غاية من البعد. وقال الصدوق في الفقيه: " وحد مسح الرأس أن تمسح بثلاث اصابع مضمومة من مقدم الرأس ". وبه صريح الشيخ في النهاية لكن خصه بحال الاختيار، فقال: " لا يجوز اقل من ثلاث اصابع مضمومة مع الاختيار، فان خاف البرد من كشف الرأس اجزأه مقدار اصبع واحدة ". ونسب ذلك ايضا إلى المرتضى في مسائل الخلاف، والى هذا القول يميل كلام المحدث الامين الاسترابادي، وهو ظاهر المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر في كتاب الوسائل، حيث قال: " باب اقل ما يجزئ من المسح " (1) ثم اورد روايات الاصبع وروايات الثلاث اصابع. ويدل على الاول ظاهر الآية (2) لاطلاق الامر فيها بالمسح فلا يتقيد يجزئي بعينه، والباء فيها للتبعيض بدلالة النص الصحيح (3).


(1) وهو الباب - 24 - من ابواب الوضوء. (2) سورة المائدة. الآية 6 (3) وهو صحيح زرارة المروى في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الوضوء.


[ 266 ]

وقوله (عليه السلام) في صحيحة الاخوين (1): "... وإذا مسحت بشئ من رأسك أو بشئ من قدميك... ". وفى صحيحة اخرى لهما ايضا (2) "... فإذا مسح بشئ من رأسه أو بشئ من رجليه... ". ويدل على الثاني صحيحة حماد عن بعض اصحابه عن احدهما (عليهما السلام) (3) " في الرجل يتوضأ وعليه العمامة ؟ قال: يرفع العمامة بقدر ما يدخل اصبعه. فيمسح على مقدم رأسه ". ورواية الحسين بن عبد الله (4) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يمسح رأسه من خلفه - وعليه عمامة - باصبعه، أيجزيه ذلك ؟ فقال: نعم ". ويدل على القول الثالث صحيحة زرارة (5) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) المرأة يجزيها من مسح الرأس ان تمسح مقدمه قدر ثلاث اصابع ولا تلقى عنها خمارها " فان لفظ الاجزاء إنما يستعمل في اقل الواجب. وما رواه الكشي في رجاله عن محمد بن نصير عن محمد بن عيسى عن يونس (6) قال: " قلت لحريز يوما: يا ابا عبد الله كم يجزيك ان تمسح من شعر رأسك في وضوئك للصلاة ؟ قال: بقدر ثلاث اصابع، واومأ بالسبابة والوسطى والثالثة، وكان يونس يذكر عنه فقها كثيرا " وظاهره ان حريز كان يرى المسح بقدر ثلاث. ورواية معمر بن عمر عن ابي جعفر (عليه السلام) (7) قال: " يجزئ من المسح


(1) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الوضوء. (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 22 - من ابواب الوضوء. (5) و (7) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الوضوء. (6) في الصحيفة 244 وفى مستدرك الوسائل في الباب - 22 - من ابواب الوضوء.


[ 267 ]

على الرأس موضع ثلاث اصابع، وكذلك الرجل ". ونقل في الذكرى عن ابن الجنيد تخصيص اعتبار الثلاث بالمرأة دون الرجل، وتخصيص الرجل بالاصبع الواحدة، حيث قال: " يجزئ الرجل في المقدم اصبع والمرأة ثلاث اصابع " ولعله استند إلى صحيحة زرارة المتقدمة، ولعل من استند إليها مطلقا بنى على عدم وجود القائل بالفرق ولم يعتبر بخلاف ابن الجنيد، مؤيدا ذلك برواية معمر بن عمر. ثم انه لا يخفى عليك ان اقصى ما يستفاد من ادلة القول الاول وجوب مسح بعض من الرأس بمقتضى الآية وشئ منه بمقتضى الاخبار، ومن الظاهر المتفق عليه انه ليس المراد بعضا ما من الابعاض ولا شيئا ما من الاشياء، بل بعضا معينا من ابعاض الرأس وشيئا معينا من اجزائه. فلابد من الرجوع إلى دليل معين لذلك البعض المراد، وليس إلا هذه الاخبار الدالة على الاصبع أو الثلاث، فكما انه بالنسبة إلى تعيين محل المسح من اطلاق الآية والاخبار المطلقة، اوجبوا الرجوع إلى أخبار المقدم فخصوا اطلاقها به، ولم يجوزوا المسح على غير المقدم من اجزاء الرأس، فكذلك يجب ان يكون بالنسبة إلى مقدار المسح، فيجب الرجوع إلى ما دل عليه من الاخبار، وتخصيص الآية وجملة من الاخبار الموافقة لها في الاطلاق به. وبالجملة فالروايات في هذه المسألة ما بين مطلق ومقيد أو مجمل ومفصل، والمقيد يحكم على المطلق والمفصل على المجمل، فالعمل بالمفصل والمقيد متعين ما لم يظهر خلافه. ورجح السيد السند في المدارك حمل الاخبار المقيدة على الاستحباب كما هو المشهور، بعد ان احتمل ما ذكرناه من تقييد مطلق اخبار المسألة بمقيدها. وانت خبير بما فيه بعد ما ذكرناه، فانها عند التحقيق غير دالة على ما ذكروه من المسمى كما عرفت.


[ 268 ]

نعم يبقى الكلام في التوفيق بين روايات الاصبع والثلاث، ويمكن ذلك باحد وجوه: (منها) - حمل روايات الاصبع - حيث انها قد اتفقت على المسح بها تحت العمامة - على الضرورة، لما في رواية حماد عن الحسين (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل توضأ وهو معتم فثقل عليه نزع العمامة لمكان البرد ؟ فقال ليدخل اصبعه " وهذا هو ظاهر الشيخ في النهاية كما سلف في عبارته. و (منها) - حمل الاصبع على اقل الواجب والثلاث على الاستحباب، كما هو ظاهر المقنعة، وصريح الدروس، وظاهر غيره ايضا كما مر. و (منها) - حمل روايات الثلاث على مسح هذا المقدار في عرض الرأس والاصبع الواحدة على كونه في الطول، فان ظاهر روايات الثلاث اعتبار مسح هذا المقدار لا وجوب كونه بثلاث اصابع، وان كان ظاهر عبارة الصدوق تعين كونه بثلاث اصابع، الا انه خلاف ظاهر الاخبار، فيجب تأوليه ورده إليها. واكثر الاصحاب حملوا روايات الاصبع والثلاث على هذا الوجه، لكن القائلين منهم بالاكتفاء بالمسمى ولو بجزء من اصبع يجعلون ذلك على جهة الاستحباب، قال شيخنا المحقق الثاني في شرح القواعد: " اعلم ان المراد بمقدار ثلاث اصابع في عرض الرأس، اما في طوله فمقداره ما يسمى ماسحا، ويتأدي الفضل بمسح المقدار المذكور ولو باصبع " انتهى. " واما ما احتمله بعض متأخرى المتأخرين من جواز ان يكون الامر بادخال الاصبع في تلك الاخبار لا يكون آلة للمسح - بناء على ما قدمناه من كلام شيخنا الشهيد الثاني - فبعيد جدا. وما ذكره بعض مشايخنا المحققين - من ان استناد الشيخ في وجوب مسح


(1) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الوضوء.


[ 269 ]

مقدار الثلاث إلى صحيحة زرارة ورواية معمر المتقدمتين (1) ضعيف، إذ لا يلزم من اجزاء قدر عدم اجزاء ما دونه الا بالمفهوم الضعيف، ولو سلم دلالته عرفا فلا يعارض ظاهر الكتاب ومنطوق الخبر الصحيح - ففيه ان الاستدلال بهما ليس باعتبار دلالة مفهوم اللقب الضعيف، وانما هو باعتبار الدلالة العرفية المسلمة بينهم في غير موضع كما ذكره هو وغيره، واما ما ذكره من معارضة الكتاب والنص الصحيح فليس بشئ بعد ما عرفت، لعدم المعارضة بين المطلق والمقيد المجمل والمبين، إذ يجب بمقتضى القاعدة المسلمة فيما بينهم في غير موضع حمل الاول منهما على الثاني. ثم اعلم ان الروايات بمسح قدر الثلاث والمسح باصبع ليس في شئ منها تقييد بكونه في جهة العرض أو الطول. لكن جملة من الاصحاب - كما عرفت - قيدوا روايات الثلاث بكون ذلك المقدار في جهة العرض كما تقدم في كلام ثاني المحققين، ومثله ايضا كلام ثاني الشهيدين في شرح الشرائع، حيث قال - بعد قول المصنف: " والمندوب مقدار ثلاث اصابع عرضا " - ما لفظه: " عرضا حال من الاصبع أو بنزع الخافض، والمراد مرور الماسح على الرأس بهذا المقدار وان كان باصبع لاكون آلة المسح ثلاث اصابع " انتهى. والمفهوم من عبارة الشيخ المفيد المتقدمة ان اقل الواجب مقدار اصبع يضعها عليه عرضا. فان كان مستنده (رحمه الله) حمل روايات الاصبع على مقدارها عرضا وإلا فهو خال من المستند مع كون حمل تلك الروايات على ذلك في غاية البعد من حاق لفظها فانها ظاهرة الصراحة في كون المسح بالاصبع، فهو في التحقيق خال عن المستند. اللهم الا ان تحمل اخبار قدر الثلاث على كونه طولا، وهي تقرب من الواحدة عرضا، والى هذا الحمل مال المحقق المحدث الاسترابادي (قدس سره) حيث قال - بعد نقل كلام ثاني


(1) في الصحيفة 266


[ 270 ]

المحققين وثاني الشهيدين المتقدم الدال على حمل روايات قدر الثلاث على كونه في جهة العرض - ما هذا لفظه: " الظاهر من الروايات ان يكون الممسوح من عرض الرأس بقدر طول اصبع ومن طوله بقدر ثلاث اصابع مضمومة. ومن الروايات المشار إليها صحيحة زرارة (1) المشتملة على قوله (عليه السلام): " وتمسح ببلة يمناك ناصيتك " لان المتبادر منها مسح كلها، وصحيحته الاخرى (2) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام): المرأة يجزيها من مسح الرأس ان تمسح مقدمه قدر ثلاث اصابع ولا تلقى عنها خمارها " ورواية معمر عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: يجزئ من المسح على الرأس موضع ثلاث اصابع، وكذلك الرجل " والناصية في غالب الناس عرضها قدر طول اصبع وطولها قدر ثلاث اصابع مضمومة " انتهى. وقال صاحب رياض المسائل وحياض الدلائل بعد كلام في المقام: " والحاصل انا لم نظفر بما تضمن المسح بالثلاث، بل المسح بالاصبع، أو مسح موضع الثلاث ومقدارها، من غير تقييد المسح بكونه في طول الرأس أو عرضه، ولا لموضع الثلاث بكونه مأخوذا من احدهما أو كليهما حالة وضع الثلاث على الرأس، منطبقا كل من خطيها الطولي والعرضي على مثله من خطيه أو على مقابله، فالاعراض عنه - من باب " اسكتوا عما سكت الله عنه (4) " اولى " انتهى. وفيه ان الظاهر من الاخبار - بعد ضم بعضها إلى بعض - هو ما ذكره المحدث الامين (قدس سره).

(الثالث) - المفهوم من كلام القائلين بالمسمى أو الاصبع ان غاية ما يستحب الزيادة على بلوغ قدر ثلاث اصابع مضمومة، واما ما زاد على ذلك المقدار، فهل يكون


(1) المروية في الوسائل في الباب - 15 و 31 - من ابواب الوضوء (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الوضوء. (4) تقدم الكلام فيه في الصحيفة 156 من الجزء الاول


[ 271 ]

محرما أو جائزا، أو يفرق فيه بين استيعاب الرأس وعدمه ؟ اقوال: قال شيخنا الشهيد الثاني في شرح الرسالة: " وغاية المؤكد ثلاث اصابع، ويجوز الزيادة عليها ما لم يستوعب جميع الرأس، فيكره على الاصح، الا ان يعتقد شرعيته فيأثم خاصة. وقيل يبطل المصح. وقد اغرب الشارح المحقق (رحمة الله) حيث جعل الزائد على الثلاث اصابع غير مشروع " انتهى. وممن صرح بكراهة الاستيعاب الشهيد في الذكرى والدروس، معللا له في الذكرى بانه تكلف ما لا يحتاج إليه. وفيه ضعف. ونقل عن ابن حمزة تحريمه. لانه مخالف للمشروع. وظاهره عدم الفرق بين اعتقاد المشروعية وعدمه. وفي الخلاف ادعى الاجماع على بدعيته فيجب نفيه. وابن الجنيد حرمه مع اعتقاد المشروعية، وابطل به الوضوء. ورده جملة من المحققين باشتمال مسح الرأس على الواجب فلا يؤثر الاعتقاد في الزائد. نعم ياثم بذلك. وابو الصلاح ابطل الوضوء لو تدين بالزيادة في الغسل أو المسح. ورد بما رد به سابقه. اقول: والذي يقرب عندي انه متى مسح أو غسل ما زاد على القدر الموظف شرعا، فان كان مع عدم اعتقاد المشروعية فالظاهر انه لا تحريم ولا كراهة، لعدم الدليل على ذلك، وان كان مع اعتقاد المشروعية فالظاهر بطلان الوضوء لوجوه: (اما اولا) - فلان العبادات تابعة لقصود والنيات صحة وابطالا، بل وجودا وعدما كما تقدم تحقيقه، ومجرد حصول المأمور به شرعا - مع عدم كونه مقصودا بخصوصه كما امر به الشارع - لا يعتد به لانه في الحقيقة واقع بغير نية، والا لصحت صلاة من اتم عالما عامدا في السفر بناء على استحباب التسليم، فانها قد اشتملت على الواجب قطعا، مع ان الاجماع نصا وفتوى على خلافه. واولى منه صحة صلاة التمام


[ 272 ]

في مواضع التخيير ثم احدث عمدا أو قطع الصلاة باحد القواطع في اثناء الركعتين الاخيرتين، بناء على استحباب التسليم، وعدم قصد العدول إلى المقصورة، فانه لا يجب عليه الاعادة، لاشتمال صلاته هذه على الصلاة المقصورة التي هي احد الفردين في هذا المقام و (اما ثانيا) - فلانه تشريع وادخال في العبادة ما ليس منها فيكون مبطلا. و (اما ثالثا) - فلان جملة من المحققين صرحوا في مسألة الفرق بين الغسل والمسح بان النسبة بينهما العموم من وجه وجوزوا المسح بما اشتمل على الجريان بشرط قصد المسح به، وهو دال - كما هو الواقع - على ان القصد مما له مدخل في الصحة والابطل، والا فلو اجرى المكلف الماء بيده على رجله كلها ورأسه كملا مع اعتقاده الغسل به، لزم صحة وضوئه، لاشتماله على المسح شرعا بناء على ذلك القول وان كان غير مقصود له، وعدم الضرر باعتقاده كون ذلك غسلا، وزيادته على ما هو الواجب واقعا. والآية والنصوص ترده. و (اما رابعا) - فلانهم صرحوا - الا الشاذ منهم - بتحريم الغسلة الثالثة في الوضوء. واما الابطال بها فهو مذهب ابي الصلاح وظاهر الكليني والصدوق، وهو احد الاقوال في المسألة، وهو اظهرها دليلا: لقول الصادق (عليه السلام) في حديث داود الرقي المروي في كتاب رجال الكشي (1) "... ومن توضأ ثلاثا ثلاثا فلا صلاة له ". وقوله (عليه السلام) في الحديث المذكور (2) لداود بن زربي: " توضأ مثنى مثنى ولا تزدن عليه، فانك ان زدت عليه، فلا صلاة لك ". وما رواه في الفقيه (3) مرسلا في باب صفة وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " قال (عليه السلام): من تعدى في وضوئه كان كناقضه " وسيأتي تحقيق ذلك في محله.


(1) و (2) في الصحيفة 200 والوسائل في الباب - 32 - من ابواب الوضوء. (3) ج 1 ص 25. وفى الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء


[ 273 ]

    (الرابع) - المفهوم من ظاهر كلام الصدوق في الفقيه، والشيخين في المقنعة والمبسوط والنهاية، انه يجب على المرأة وضع القناع في الصبح والمغرب لاجل المسح. وصرح في المقنعة بانها تمسح هنا بثلاث اصابع من رأسها حتى تكون مسبغة، وانه يرخص لها في باقى الصلوات المسح تحت الخمار، بان تكتفي بادخال اصبع تحت خمارها، قال في المقنعة: " وتدخل اصبعها تحت قناعها فتمسح على شعرها ولو كان ذلك مقدار انملة ". وصرح المحقق والعلامة وجملة من المحققين باستحباب وضع الخمار مطلقا، وتأكده في صلاة الغداة والمغرب. وبعضهم اقتصر على الغداة خاصة، لعدم وقوفه على نص يتضمن اضافة المغرب إليها في ذلك. والذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة رواية الحسين بن زيد بن علي ابن الحسين (عليهما السلام) عن ابيه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا تمسح المرأة بالرأس كما يمسح الرجال، انما المرأة إذا اصبحت مسحت رأسها وتضع الخمار عنها، فإذا كان الظهر والعصر والمغرب والعشاء تمسح بناصيتها ". وما رواه الصدوق في الخصال (2) بسنده فيه عن جابر الجعفي عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: " المرأة لا تمسح كما يمسح الرجال، بل عليها ان تلقي الخمار عن موضع مسح رأسها في صلاة الغداة والمغرب وتمسح عليه، وفى سائر الصلوات تدخل اصبعها فتمسح على رأسها من غير ان تلقي عنها خمارها ". وطعن بعض متأخرى المتأخرين بعد ذكر الرواية الاولى فيها بضعف السند والدلالة. وفيه ان ضعف سندها باصطلاح متأخري اصحابنا لا يقوم حجة على من لم يقل


(1) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الوضوء. (2) ج 2 ص 142 وفى مستدرك الوسائل في الباب - 22 - من ابواب الوضوء.


[ 274 ]

بذلك الاصطلاح سيما المتقدمين. والاولى من الروايتين دالة على وجوب وضع الخمار بالجملة الخبرية الظاهرة في الوجوب كالامر، وان كان جملة من متأخري متأخرينا يمنعونه في الامر فضلا عنها. والرواية الثانية دالة على ذلك بقوله: " عليها ان تلقي " الدال بظاهره على وجوب الالقاء وتحتمه. والرواية الثانية قد تضمنت اضافة المغرب إلى الصبح في وضع الخمار. فما اعترض به جملة من متأخرى المتأخرين على المشايخ المتقدمين في اضافة المغرب في عبائرهم ناشئ عن قصور التتبع. وكم وقع لهم مثله في غير موضع. ثم ان ظاهر هذه الرخصة للمرأة في المسح تحت القناع - بادخال الاصبع ومسح ما نالته من رأسها ولو بقدر الانملة. كما في كلام الشيخ المفيد، وانها ليست كالرجال في ذلك - اختصاص هذا الحكم بها في ذلك الوقت المخصوص، وعدم اجزائه لها في غيره وعدم اجزائه للرجال ايضا، وهو مما يبطل القول بالمسمى كما هو المشهور، ويؤيد ما ذهب إليه المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مضاجعهم) من وجوب المقدار الذي تقدم تحقيقه في هذا البحث. لكن قد تقدم في صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) انه قال: " المرأة يجزيها من مسح الرأس ان تمسح مقدمه قدر ثلاث اصابع ولا تلقى عنها خمارها " وهو مناف لما دلت عليه هاتان الروايتان، من تخصيص المسح بقدر ثلاث اصابع ببعض الصلوات والاوقات، ومن وجوب القاء الخمار أو استحبابه في موضع المسح لان ظاهر قوله: " ولا تلقى عنها خمارها " اما نهى على بعض اللغات، أو خبر في معنى النهي. ويمكن الجواب عن الاول بان اطلاقها مخصوص بذينك الخبرين. وعن الثاني بان قوله: " ولا تلقى " بالنصب عطف على " تمسح " وحاصل المعنى حينئذ انه يجزيها المسح بمقدار ثلاث اصابع، وعدم القاء الخمار في ذلك الوقت الذي يجب أو يستحب فيه الالقاء، وهو رخصة لها، إذا الظاهر ان حكمة القاء الخمار في موضع الامر في تلك


(1) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الوضوء.


[ 275 ]

الاخبار إنما هو لاجل الاستظهار في المسح بذلك المقدار، فهي مكلفة في ذلك الوقت بشيئين: المسح بقدر الثلاث، والالقاء، وهذه الرواية دلت على اجزاء احدهما، وهو الاهم والمقصود بالذات الذي هو المسح بالثلاث دون الالقاء. ويمكن أن يستنبط منه بمعونة ما ذكرنا ان ما يستحب أو يجب مسحه من موضع المسح ثلاث اصابع ليس في عرض الرأس عرض الاصابع، لعدم توقف ذلك على القاء الخمار.

(الخامس) - لا ريب انه إذا اقتصر المكلف على الفرد الا نقص من المسح فقد تأدى الواجب به، ولو اتى بالفرد الاكمل فقد صرحوا بان ما زاد منه على القدر المجزئ مستحب عينا اتفاقا، لكن هل يوصف مع ذلك بالوجوب ام لا ؟ قولان: اختار اولهما المحقق الشيخ علي في شرح القواعد، قال: " ولا يضر ترك الزائد، لان الواجب هو الكلي، افراده مختلفة بالشدة والضعف، فاي فرد اتى به تحقق الامتثال به، لان الواجب يتحقق به " انتهى. واختار ثانيهما العلامة، نظرا إلى انه يجوز تركه لا إلى بدل ولا شئ من الواجب كذلك، فلا شئ من الزائد واجب. وبان الكلي قد وجد فخرج به المكلف عن العهدة ولم يبق شئ مطلوب منه حتى يوصف بالوجوب. وفيه ان جواز تركه هنا انما هو إلى بدل، وهو الفرد الناقص الذي اتى به في ضمن هذا المسح، وحينئذ ليكون من قبيل افراد الواجبات الكلية كافراد الواجب المخير، بمعنى ان مقولية الواجب هنا على هذا الفرد الزائد والناقص كمقولية الكلي على افراده المختلفة قوة وضعفا، وحصول البراءة بالفرد الناقص لا من حيث هو جزء الزائد، بل من حيث انه احد افراد الكلي وان كان ناقصا. هذا كله مع وقوع المسح دفعة واحدة، اما إذا وقع تدريجا فقد صرح الشهيدان في الذكرى والروض بان الزائد مستحب قطعا، قال في الروض بعد نقل كلام


[ 276 ]

الذكرى المتضمن للتفصيل بين الدفعة والتدريج: " وهذا التفصيل حسن، لانه مع التدريج يتأدى الواجب بمسح جزء فيحتاج ايجاب الباقي إلى دليل، والاصل يقتضى عدم الوجوب، بخلاف ما لو مسحه دفعة، إذ لم يتحقق فعل الفرد الواجب الا بالجميع " انتهى والسيد السند في المدارك جعل مطرح خلاف في المسألة هو المسح تدريجا. ولا يخفى - على المتأمل بعين التحقيق والناظر بالفكر الصائب الدقيق - ان كلام الاصحاب (رضان الله عليهم) في هذه المسألة ونظائرها على غاية من الاجمال. وتحقيق المقام - بتوفيق الملك العلام وبركة أهل الذكر (عليهم السلام) - ان يقال: لا ريب ان منشأ التخيير في هذا المقام هو اطلاق الامر بالمسح الصادق بجزء من اصبع - مثلا - إلى بلوغ قدر ثلاث اصابع مضمومة التى هي اعلى المرابت، فالواجب الكلي هو المسح المطلق وافراده هي كل مسحة قصدها المكلف واوقعها، قليلة كانت أو كثيرة، فكل فرد منها اتى به تأدى به الواجب، وكل فرد ناقص منها فهو مفضول بالنسبة إلى ما هو ازيد منه، وكل واحد من الافراد المشتملة على الزيادة يوصف في حد ذاته بالوجوب لكونه احد افراد الواجب الكلي، وبالاستحباب لكونه أكمل مما دونه، وهذا معنى قولهم في الفرد الاكمل من افراد الواجب التخييري: انه مستحب ذاتي واجب تخييري، وحينئذ فمتى مسح المكلف القدر الاكمل دفعة أو تدريجا، بمعنى انه قطع على جزء في اثناء مسحه ثم تجاوزه، فان كان قصده ونيته الامتثال بذلك القدر الاكمل، فمن الظاهر ان الزائد على القدر المجزئ - وهو المسمى، أو القدر الذي قطع عليه اولا - واجب. إذ الواجب هو مجموع ما قصده، وما اتى به من القدر المجزئ ضمن هذا المسح أو قطع عليه لا يخرج به عن العهدة، لعدم قصد الامتثال به خاصة بل به وما زاد، إلا ان يعدل إلى قصده، ولو اجزأ من غير قصد يتعلق به للزوم اجزاء عبادة من غير نية، وقد عرفت غير مرة ان الافعال عبادة وغيرها لا تميز لها وجودا وعدما - ولا اثر يترتب عليها صحة وبطلانا وثوابا وعقابا - إلا بالمقصود والنيات،


[ 277 ]

فكما ان الركعتين في صورة التخيير غير مجزئة ما دام القصد متعلقا بالاتمام فيجب ضم الاخيرتين، كذلك هنا لا يجزئ ذلك القدر الاقل لما لم يقصد الامتثال به. وان كان قصده الامتثال بالقدر الذي قطع عليه في صورة التدريج أو اقل ما يحصل به المسمى، فالظاهر ان الزائد عليه لا يتصف بوجوب ولا باستحباب، اما عدم الوجوب فلان الواجب الكلي قد حصل في زمن هذا الفرد الذي تعلق به القصد، واما عدم الاستحباب فلعدم الدليل عليه، ولان الاستحباب الملحوظ في هذا المقام انما هو باعتبار افضلية احد افراد الواجب التخييري على غيره من سائر الافراد، وهو غير حاصل هنا. وايضا فهو ملازم لوصف الوجوب كما عرفت، فبانتفاء الوجوب عنه ينتفى الاستحباب، ولا دليل على الاستحباب بغير هذا المعنى، بل الظاهر دخوله حينئذ في التكرار المنهي عنه في المسح نعم لو اريد بالزائد في كلامهم يعنى فردا اكمل من هذا الفرد الذي تعلق به قصد المكلف لا بمعنى الباقي الذي هو ظاهر مطرح الكلام، فانه يتصف بالوجوب والاستحباب في حد ذاته كما قدمنا بيانه، فان اختيار المكلف فردا ناقصا من افراد الواجب التخييري لا ينفي وصف الوجوب والاستحباب عن الفرد الاكمل منها في حد ذاته. واما ان الباقي من المسافة الممسوحة بعد قصد الامتثال بجزء منها خاصة يتصف مسحه بالاستحباب ويترتب ثواب المستحب عليه كما هو أحد القولين، أو الوجوب كما هو القول الآخر كما هو ظاهر كلامهم، فلا اعرف له وجها. فانه كما ان المكلف لو قصد الصلاة المقصورة في موضع التخيير ثم صلى والحال كذلك اربعا. فان الركعتين الاخيرتين ان لم تكن مبطلة للصلاة لا اقل ان تكون باطلة، ولا يصح وصفها بالاستحباب فضلا عن الوجوب وقاصد التسبيح باربع تسبيحات في الركعتين الاخيرتين ثم تجاوزها إلى بعض الصور الزائدة من غير عدول إليها. فانه لا يتصف بالاستحباب من حيث التوظيف في هذا المقام وان احتمل الاستحباب من حيث كونه ذكرا. فكذلك فيما نحن فيه، على انه يلزم هنا خلو ذلك الزائد من النية والقصد، فكيف يتصف بوجوب أو استحباب مع كونه خاليا


[ 278 ]

من النية والقصد بالكلية ؟ فان المكلف إنما قصد اداء الواجب بذلك الجزء الذي ذكرناه وبالجملة فالاستحباب الذاتي اللازم للوجوب التخييري في هذا المقام انما يتعلق بمجموع الصورة الكاملة لا بهذا الجزء الزائد، وكلام الاصحاب في جميع صور هذه المسألة في غاية الاجمال كما ذكرنا، وذلك فانهم في جميع صور هذه المسألة يجعلون محل الخلاف ما زاد على الفرد الناقص بعد تأدى الواجب بذلك الفرد الناقص، وانه هل يتصف بالوجوب أو الاستحباب ؟ وهو ظاهر في كون المراد به ما بين الفرد الذي قصده وتأدى به الواجب إلى نهاية ما اقتصر عليه من الفرد الكامل، ثم انهم في مقام الاستدلال على وجوبه ودفع القول بالاستحباب يقولون انه احد افراد الواجب الكلي وانها قابلة للشدة والضعف، فهذا الزائد مستحب لكونه اكمل الافراد، وهو واجب لكونه احد افراد الواجب الكلى. وجواز تركه انما جاز إلى بدل وهو الفرد الا نقص وانت خبير بان هذه التعليلات انما تنطبق على نفس الفرد الاكمل لا على ذلك البعض الذي عرفته. وايضا فانهم - على تقدير القول بالوجوب في ذلك الزائد الذي جعلوه مطرح النزاع - اوردوا اشكالا في انه يلزم اتصاف شئ واحد بالوجوب والاستحباب. ثم اجابوا عنه بان اطلاق الاستحباب على الفرد الزائد محمول على استحبابه عينا، بمعنى انه افضل الفردين الواجبين، وذلك لا ينافي وجوبه تخييرا من جهة تأدى الواجب به وحصول الامتثال، كذا قرره في الروض في مسألة التسبيح في الاخيرتين. وهذا الجواب - كما ترى - لا ينطبق الا على نفس الفرد الاكمل، كما هو صريح العبارة حيث اطلق عليه الفرد الزائد، لا على نفس الزيادة خاصة كما هو مورد الاشكال. وربما كان مبنى كلام القوم على اعتبار الامر الكلي من حيث هو من غير ملاحظة شئ من الخصوصيتين فيكون من قبيل الماهية لا بشرط شئ، فانه يتجه حينئذ صدق اداء الواجب بالمسمى ويصح وصف الزائد - من حيث كونه جزء من هذا المجموع - بكل من وصفي الوجوب والاستحباب، لاتصاف المجموع بهما حسبما قررنا آنفا، لكن يبقى الاشكال في صورة


[ 279 ]

القطع، لصدق اداء الواجب بما قطع عليه وانتفاء المجموعية الموجبة للوصف بالوجوب والاستحباب للزائد. والاستحباب بغير المعنى المذكور آنفا لا مجال له في هذا المقام. والله العالم.

    (السادس) - الظاهر - كما هو المشهور - جواز النكس هنا، لاطلاق الآية وخصوص صحيحة حماد بن عثمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " لا بأس بمسح الوضوء مقبلا ومدبرا ". خلافا للمرتضى والشيخ في النهاية والخلاف وظاهر ابن بابويه، محتجا عليه في الخلاف - ومثله في الانتصار - بان مسح الرأس من غير استقبال رافع للحدث اجماعا بخلاف مسح الرأس مستقبلا، فيجب فعل المتيقن. ونقل ايضا عن الشيخ في كتابي الاخبار ذلك، نظرا إلى تخصيص الصحيحة المشار إليها بفحوى قول ابي الحسن (عليه السلام) في رواية يونس: " (2) الامر في مسح الرجلين موسع... " ولا يخفى ما في هذه الادلة من الوهن. والعجب من السيد (رحمه الله) في تجويزه لانكس في الوجه واليدين لاطلاق الآية، ومنعه هنا، مع جريان دليله فيه، واعتضاده بالرواية. وذكر جماعة من الاصحاب كراهية النكس هنا، وعلله في المعتبر بالتفصى من الخلاف. ورد بان المقتضى للكراهة ينبغي أن يكون دليل المخالف لا نفس الخلاف وهو كذلك.

(السابع) - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (نور الله تعالى مضاجعهم) في وجوب المسح بنداوة الوضوء ما وجد بللها في اليد، والمشهور انه مع جفاف اليد يأخذ من شعر لحيته أو حاجبيه، ومع جفاف الجميع، فان كان لضرورة افراط الحر


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 20 - من ابواب الوضوء.


[ 280 ]

أو قلة الماء جاز الاستئناف وإلا اعاد الوضوء. وظاهر الشيخ في خلاف - حيث نسب وجوب المسح بنداوة الوضوء إلى الاكثر - وجود المخالف في المسألة، ولعله ابن الجنيد على ما نقله عنه العلامة في المختلف، فانه قال: " إذا كان بيد المتطهر نداوة يستبقيها من غسل يديه، مسح بيمينه رأسه ورجله اليمنى وبنداوة اليسرى رجله اليسرى، وان لم يستبق ذلك اخذ ماء جديدا لرأسه ورجليه " وهو باطلاقه شامل لما لو كان عدم الاستبقاء لعدم امكانه أو لتفريط من المكلف، ولما لو فقد النداوة من الوجه وعدمه (1) وبذلك يظهر لك ما في كلام بعض الاصحاب، حيث خص خلافه بجفاف جميع الاعضاء وقال: ان لفظ اليد في كلامه انما هو على سبيل التمثيل، فيكون موافقا للمشهور ويرتفع الخلاف. فانه عى غاية من البعد عن سوق العبارة المذكورة. ومما يدل على المشهور روايات الوضوء البياني، فانها قد اشتملت جميعا على المسح بالبلة. وما ذكره جملة من متأخرى المتأخرين - من المناقشة فيها مما تقدم ذكره في وجوب الابتداء باعلى الوجه والابتداء بالمرفقين - فقد مر ما فيه مما يكشف عن ضعف باطنه وخافيه، سيما حسنة الاخوين (2) المتضمنة انه " مسح رأسه وقدميه ببلل كفه لم يحدث لهما ماء جديدا " وصحيحة زرارة (3) "... ثم مسح بما يقى في يديه رأسه ورجليه ولم يعدهما في الاناء). ويدل عليه ايضا الاخبار المستفيضة بانه من ذكر انه لم يمسح حتى انصرفت


(1) الذي يظهر من كلام جملة من اصحابنا ان خلاف ابن الجنيد في هذه المسألة شامل لما لو كان في يد المتوضئ بلة من ماء الوضوء، فانه يجوز الاستئناف ايضا. وعبارة ابن الجنيد المنقولة - كما ترى - بخلافه، فانه جوز الاستئناف مع فقد البلة وان كان بتفريط (منه قدس سره) (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء.


[ 281 ]

من وضوئه يأخذ من بلل وجهه، وفي بعضها انه مع تعذر البلل في وجهه يعيد وضوءه. فمن ذلك رواية مالك بن اعين عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " من نسى مسح رأسه ثم ذكر انه لم يمسح رأسه، فان كان في لحيته بلل فليأخذ منه وليمسح رأسه، وان لم يكن في لحيته بلل فلينصرف وليعد الوضوء ". ورواية خلف بن حماد عمن اخبره عنه (عليه السلام) (2) قال: " قلت له الرجل ينسى مسح رأسه وهو في الصلاة ؟ قال: ان كان في لحيته بلل فليمسح به. قلت: فان لم يكن له لحية ؟ قال: يمسح من حاجبيه أو من اشفار عينيه ". وما رواه ابن بابويه في الفقيه (3) عن ابي بصير عنه (عليه السلام) " في رجل نسى مسح رأسه ؟ قال: فليمسح. قال: لم يذكره حتى دخل في الصلاة ؟ قال فليمسح رأسه من بلل لحيته ". وروى فيه (4) ايضا مرسلا عنه (عليه السلام) قال: " ان نسيت مسح رأسك فامسح عليه وعلى رجليك من بلة وضوئك، فان لم يكن بقى في يدك من نداوة وضوئك شئ فخذ ما بقى منه في لحيتك وامسح به رأسك ورجليك، وان لم يكن لك لحية فخذ من حاجبيك واشفار عينيك وامسحبه رأسك ورجليك، وان لم يبق من بلة وضوئك شئ اعدت الوضوء " ومثلها رواية زرارة (5). وهذه الروايات وان اشتركت في ضعف السند بناء على هذا الاصطلاح المحدث بين متأخري أصحابنا، إلا أنها معتضدة بالشهرة بينهم، وهي من المرجحات عندهم، مع ان فيها ما هو من مرويات الفقيه المضمون صحة ما تضمنه من مصنفه، كما اعتمدوا عليها لذلك في غير موضع من كلامهم، بل ورد مثل ذلك في حسنة الحلبي عن ابي عبد الله


(1) و (2) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 21 - من ابواب الوضوء. (3) و (4) ج 1 ص 36. وفى الوسائل في الباب - 21 - من ابواب الوضوء


[ 282 ]

(عليه السلام) (1) قال: " إذا ذكرت وأنت في صلاتك انك قد تركت شيئا من وضوئك المفروض عليك، فانصرف واتم الذي نسيته من وضوئك واعد صلاتك، ويكفيك من مسح رأسك ان تأخذ من لحيتك بللها إذا نسيت أن تمسح رأسك فتمسح به مقدم رأسك ". ومورد الاسئلة في هذه الاخبار وان كان النسيان، إلا انه لا قائل بالفرق، مع ان خصوص السؤال لا يخصص الجواب كما هو مقرر عندهم. وكيف كان فلا يخفى على المتأمل المنصف انه إذا كان جملة الاخبار البيانية الواردة في مقام التعليم على تعددها انما اشتملت على المسح بالبلة، واخبار النسيان كذلك وزيادة انه مع فقدها يعيد الوضوء فكيف، يبقى مع هذا قوة للتمسك باطلاق الآية ؟ على انه لو ورد خبر بلفظ الامر بالمسح بالبلة أو بلفظ النهي عن التجديد، لسارعوا إلى حمله على الاستحباب والكراهة، محتجين بعدم الجزم بدلالة الامر على الوجوب والنهي على التحريم، لشيوعهما في خلاف ذلك، وهو اجتهاد محض وتخريج صرف. والعجب من جملة من مشايخنا المحققين وعلمائنا المدققين من متأخرى المتأخرين، حيث انهم جعلوا مذهب ابن الجنيد بمجرد دلالة اطلاق الآية عليه في غاية القوة والجزالة واخذوا في المناقشات فيما ذكرنا من الروايات، وارتكاب جادة التأويلات البعيدة والتمحلات الغير السديدة، مما لا يصح النظر إليه ولا العروج عليه، فبعض منهم إنما اعتمد على انعقاد الاجماع بعد ابن الجنيد، وبعض منهم بعد الاستشكال انما التجأ إلى الاحتياط. على انه لو تم ابطال الاستدلال بمجرد الاحتمال في المقام. لا نسد هذا الباب في جملة الاحكام، إذ لا دليل إلا وهو قابل للاحتمال، ولا قول إلا وللقائل فيه مجال. هذا. ومما استدل به على المشهور ايضا قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (2):


(1) المروية في الوسائل في الباب - 21 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 15 و 31 - من ابواب الوضوء.


[ 283 ]

"... فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه واثنتان للذراعين، وتمسح ببلة يمناك ناصيتك، وما بقى من بلة يمناك تمسح به ظهر قدمك اليمنى، وتمسح ببلة يسراك ظهر قدمك اليسرى " فان الجملة الخبرية بمعنى الامر الذي هو حقيقة في الوجوب. ورد بانه يجوز ان يكون قوله (عليه السلام): و " تمسح " معطوفا على قوله: " ثلاث غرفات " بتقدير " ان " فيكون داخلا في حيز الاجزاء لا جملة مستقلة مرادا بها الامر. وقد يناقش في ذلك بان المرتضى قد نقل في كتاب (الغرر والدرر) عن ابن الانباري انه يشترط في اضمار " ان " كذلك كون المعطوف عليه مصدرا لا اسما جامدا والجواب ان المعطوف عليه في الحقيقة مصدر للمرات، مع امكان المناقشة فيما ذكره ابن الانباري، لعدم الدليل عليه. واستدل في المختلف لابن الجنيد بموثقة ابي بصير (1) قال، " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن مسح الرأس، قلت: امسح بما في يدي من الندى رأسي ؟ قال: لا بل تضع يدك في الماء ثم تمسح ". وصحيحة معمر بن خلاد قال (2): " سألت أبا الحسن (عليه السلام) أيجزئ الرجل ان يمسح قدميه بفضل رأسه ؟ فقال برأسه ؟: لا. فقلت أبماء جديد ؟ فقال برأسه: نعم ". اقول: ومثلهما ايضا رواية ابي عمارة الحارثي (3) قال: " سألت جعفر بن محمد (عليهما السلام) امسح رأسي ببلل يدي ؟ قال: خذ لرأسك ماء جديدا ". وانت خبير بان مدلول هذه الروايات هو وجوب الاستئناف مع وجود البلة، وهذا لا ينطبق على مذهب ابن الجنيد، لتخصيصه ذلك بفقد البلة من اليد كما عرفت من عبارته.


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 21 - من ابواب الوضوء


[ 284 ]

وكيف كان فهذه الاخبار محمولة على التقية (1) كما صرح به جملة من اصحابنا. واستشكل السيد في المدارك هذا الحمل في صحيحة معمر بانها لا تنطبق عليه، لانها متضمنة لمسح الرجلين وهم لا يقولون به. ثم اجاب بانهم يعترفون بصحة اطلاق اسم المسح على الغسل بزعمهم الفاسد، وهو كاف في تأدى التقية. واعترض هذا الجواب شيخنا البهائي (قدس سره) في الحبل المتين بان ما تضمنه الحديث من المسح بفضل الرأس يأبى عنه هذا التنزيل، ثم قال (قدس سره): " فلو نزل على مسح الخفين كان اولى " ثم رجح (قدس سره) ان ايماءه (عليه السلام) برأسه نهى لمعمر عن السؤال لئلا يسمعه المخالفون، فظن معمر انه (عليه السلام) انما نهاه عن المسح ببقية البلل، فقال: " أبماء جديد ؟ " فسمعه الحاضرون، فقال (عليه السلام): " نعم ". اقول: ويمكن الجواب - عما اعترض به من اباء المسح بفضل الرأس هذا


(1) في المغنى لابن قدامة ج 1 ص 130 " ويمسح رأسه بماء جديد غير ما فصل عن ذراعيه، وهو قول ابى حنيفة والشافعي، والعمل عليه عند اكثر اهل العلم، قاله الترمذي، وجوزه الحسن وعروة والاوزاعي، ثم قال: ولنا ما روى عبد الله بن زيد قال: " مسح النبي (صلى الله عليه وآله) رأسه بماء غير فضل يديه " ولان البلل الباقي في يده مستعمل فلا يجزئ المسح به كما لو فصله في اناء ثم استعمله " وفى بداية المجتهد لابن رشد ج 1 ص 11 " اكثر العلماء اوجب تجديد الماء لمسح الرأس قياسا على سائر الاعضاء " وفى جامع الترمذي ج 1 ص 53 من شرحه لابن العربي بعد ان ذكر رواية عبد الله بن زيد وغيره ان النبي (صلى الله عليه وآله) اخذ لرأسه ماء جديدا قال: " والعمل على هذا عند اكثر اهل العلم رأوا ان يأخذ لرأسه ماء جديدا " وفى احكام القرآن للشافعي ج 1 ص 50 " اخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لكل عضو ماء جديدا " وقال في الام ج 1 ص 22: " والاختيار له ان يأخذ الماء بيديه فيمسح بهما رأسه معا: يبدأ بمقدم رأسه إلى قفاه ويردهما إلى المكان الذي بدا منه ".


[ 285 ]

التنزيل - بانه من المحتمل انه بعد ان سأله عن المسح بفضل رأسه فقال: " لا " سأله ثانيا أيمسح بماء جديد ؟ كناية عن الغسل وانه يقدر الغسل دون المسح، بمعنى " أيغسل بماء جديد ؟ فاجازه (عليه السلام) تقية. هذا. والظاهر انه لا ورود لاصل الاشكال فلا يحتاج إلى ما تمحله كل من هذين العلمين من الاحتمال، وذلك فان المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى نقلا القول بجواز المسح عن الحسن البصري وان جرير الطبري وابي علي الجبائي، وتعين المسح فقط عن الشعبي وابي العالية وعكرمة وانس بن مالك ونقله الشيخ في الاستبصار عن بعض الفقهاء من غير تعيين. ونقل والدي (قدس سره) في بعض حواشيه الجواز ايضا عن احمد والاوزاعي الثوري، وان الانسان عندهم مخير بين الغسل والمسح، وحينئذ فيتم الحمل على التقية من غير اشكال، وعلى تقديره فالمراد مسح الرجل كلها بطنا وظهرا كما هو المنقول عنهم. ومما يمكن ان يستدل به لابن الجنيد حسنة منصور (1) قال، " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عمن نسى ان يمسح رأسه حتى قال في الصلاة قال: ينصرف ويمسح رأسه ورجليه " ورواية الكناني (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل توضأ فنسى ان يمسح على رأسه حتى قام في الصلاة ؟ قال: فلينصرف فليمسح على رأسه وليعد الصلاة ". ورواية ابى بصير عنه (عليه السلام) (3) " في رجل نسى ان يمسح رأسه فذكر وهو في الصلاة ؟ فقال: ان كان استيقن ذلك انصرف فمسح على رأسه وعلى رجليه واستقبل الصلاة، وان شك فلم يدر مسح أو لم يمسح فليتناول من لحيته ان كانت مبتلة وليمسح على رأسه، وان كان امامه ماء فليتناول منه فليمسح به رأسه ".


(1) المروية في الوسائل في الباب - 35 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الوضوء. (3) المروية في الوسائل في الباب - 42 - من ابواب الوضوء.


[ 286 ]

وهذه الاخبار قد اشتركت بحسب ظاهرها في الدلالة على الامر بالاستئناف متى ذكر نسيان المسح في صلاته والجواب عنها (اولا) - انها اخص من المدعى فلا تنهض حجة. و (ثانيا) - انه يحتمل حمل الامر بالمسح بعد الانصراف - بمعنى قطع الصلاة - على المسح من بلة شعره بناء على ان ثمة بلة حسبما تضمنته الروايات المتقدمة، وهذا الاحتمال في رواية ابي بصير اقرب منه في غيرها. واما الامر بالمسح فيها من بلل لحيته مع الشك فمحمول على الاستحباب استظهارا. واما الامر بتناول الماء ان كان امامه في صورة الشك فلعله مخصوص بهذه الصورة. و (ثالثا) - بحمل قوله (عليه السلام): " يمسح رأسه ورجليه " على انه كناية عن اعادة الوضوء بسبب فوات الموالاة، فان التعبير بمثله مجاز شائع في الاخبار، ومنه ما تقدم في حسنة الحلبي (1) حيث قال: " إذا ذكرت وانت في صلاتك انك قد تركت شيئا من وضوئك المفروض، فانصرف واتم الذي نسيته... " فانه لا يستقيم على اطلاقه إلا بحمل الاتمام على اعادة الوضوء، إذ لو جف السابق على العضو المنسي المقتضى لفوات الموالاة، لم يكف الاتمام البتة بل تجب الاعادة. و (رابعا) بان بازائها من الاخبار المتقدمة ما هو صريح في ان الحكم في هذه الصورة هو الاخذ من بلة ما في الوجه والا فاعادة الوضوء، ويدل ايضا على الاعادة - زيادة على ما تقدم - موثقة سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " من نسى مسح رأسه أو قدميه أو شيئا من الوضوء الذي ذكره الله في القرآن، كان عليه اعادة الوضوء والصلاة " وحينئذ فلابد من النظر في الترجيح ولا ريب انه في الروايات المتقدمة لموافقتها للمجمع عليه كما هو احد المرجحات المنصوصة، ولمخالفة ما عليه العامة الذي هو


(1) المروية في الوسائل في الباب - 3 و 42 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 3 و 35 - من ابواب الوضوء.


[ 287 ]

كذلك، والاحتياط الذي هو معدود منها ايضا، واعتضادها باخبار الوضوء البياني، فيتعين حمل هذه الاخبار على احد المحامل المذكورة آنفا، أو الحمل على التقية (1). فائدة اعلم ان جملة من محققي متأخرى المتأخرين صرحوا بان الاخذ من بلة الوجه لا يتقيد بفقد البلة من اليد، بل يجوز وان كان فيها بلة تجزئ للمسح، قالوا: والتعليق في عبارات الاصحاب انما خرج مخرج الغالب، وانه لا يختص الاخذ من هذه المواضع بل يجوز من جميع محال الوضوء، وتخصيص الشعر لكونه مظنة البلل. ولا يخفى ان الحكم الاول لا يخلو من شوب الاشكال، لعدم الدليل على ذلك إذ المستفاد من اخبار الاخذ من بلة الوجه تقييد ذلك بحال النسيان والدخول في الصلاة التي هي مظنة جفاف اليد كما لا يخفى، واخبار الوضوء البياني - على تعددها وكثرتها - انما اشتملت على المسح بنداوة اليد ولم يتضمن شئ منها الاخذ من بلة الوجه، فمن المحتمل قريبا ان يكون الاخذ من بلة الوجه انما هو لضرورة جفاف اليد حينئذ وبدونه فلا يجوز، والاحتياط تركه إلا مع الجفاف.

(الثامن) - قد ذكر جملة من اصحابنا انه لا يجوز المسح بغير اليد اتفاقا، وان الظاهر تعينه بالباطن لانه المتيقن، الا ان يتعذر فيجوز بالظاهر، وان الاولى كونه في الناصية باليد اليمنى، وانه يمسح الرجل اليمنى باليد اليمنى والرجل اليسرى باليسرى. ولا يخفى عليك ان المسح باليمنى في الموضعين الاولين واليسرى في الاخير وان كان مما ظاهرهم الاتفاق على استحبابه. الا انه لا يخلو من شوب الاشكال، لما عرفت في مسألة الابتداء بالاعلى، الا ان يحمل " وتمسح " على الدخول في حيز الاجزاء بعطف " وتمسح " على " ثلاث غرفات " كما عرفت، فيضعف الاشكال على ما ذكرنا


(1) راجع التعليقة 1 في الصحيفة 284.


[ 288 ]

وكذلك الاستحباب على ما ذكروا. وذكروا ايضا ان الواجب كونه بالاصابع. ولو تعذر المسح بالكف فقد صرح في الذكرى بالمسح بالذراع. وفيه اشكال. وهل يشترط تأثير المسح في الممسوح ؟ قولان، اظهرهما واحوطهما الاول وفاقا للعلامة في التذكرة والسيد السند في المدارك.

الركن الخامس - مسح الرجلين والكلام فيه يقع في موارد:

(الاول) - وجوب مسح الرجلين دون غسلهما مما انعقد عليه اجماع الامامية (انار الله برهانهم) فتوى ودليلا كتابا وسنة، ووافقنا عليه بعض متقدمي العامة، وآخرون خيروا بينه وبين الغسل، وبعض جمعوا بينهما، واستقر فتوى الفقهاء الاربعة على وجوب الغسل خاصة (1).


(1) في عمدة القارئ ج 1 ص 657 " المذاهب في وظيفة الرجلين اربعة: (الاول) - مذهب الائمة الاربعة من اهل السنة ان وظيفتها الغسل. (الثاني) - مذهب الامامية من الشيعة الفرض مسحهما. (الثالث) - مذهب الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري وابى على الجبائى التخيير بين الغسل والمسح. (الرابع) - مذهب اهل الظاهر وهو رواية عن الحسن الجمع بين الغسل والمسح، ثم ذكر الاخبار المصرحة بغسل النبي (صلى الله عليه وآله) رجليه وبعدها ذكر الاحاديث المصرحة بمسح النبي (صلى الله عليه وآله) رجليه كحديث جابر الانصاري وعمر واوس ابن اوس وابن عباس وعثمان ورجل من قيس. ثم ذكر حديث رفاعة بن رافع قال: " غسل النبي (صلى الله عليه وآله) وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح برأسه ورجليه إلى الكعبين " قال: " وحديث رفاعة حسنه أبو على الطوسى والترمذي وابو بكر البزاز وصححه الحافظ ابن حبان وابن حزم " وفى اختلاف الحديث على هامش الام ج 7 ص 60 واحكام القرآن ج 1 ص 50 كلاهما للشافعي " غسل الرجلين كمال والمسح رخصة وكمال وايهما شاء فعل " وفى تفسير للطبري ج 10 ص 59 من الطبعة تحقيق محمود محمد شاكر واحمد محمد شاكر " عن جابر =


[ 289 ]

والكلام في دلالة الآية (1) على وجوب المسح ونفى الغسل مما تكفل به مطولات اصحابنا (جزاهم الله تعالى عنا خير الجزاء). لكن روى الشيخ (رحمه الله) في التهذيب (2) عن غالب بن الهذيل قال: " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: وامسحوا برؤوسكم وارجلكم إلى الكعبين (3) على الخفض هي ام على النصب ؟ قال: بل هي على الخفض " ولا يخفى انه على تقدير النصب يدل على المسح ايضا بالعطف على محل الرؤوس، كما تقول: مررت بزيد وعمرا. الا انه ربما يفهم من هذه الرواية ان قراءة اهل البيت (عليهم السلام) انما هي على الخفض وان كان النصب مما يقرأون به في ذلك الوقت، كما هو احد القراءات السبع للمشهورة الآن، فانا قد حققنا في كتاب المسائل - وسيأتي ان شاء الله تعالى في هذا الكتاب التنبيه عليه في محله - ان هذه القراءات السبع فضلا عن العشر ان ادعى بعض علمائنا (رضوان الله عليهم) تواترها عن النبي (صلى الله عليه وآله) إلا ان الثابت في اخبارنا - وعليه جملة من أصحابنا - خلافه وان صرحت اخبارنا بالرخصة لنا في القراءة بها حتى يظهر صاحب الامر (عجل الله تعالى فرجه). وليس بالبعيد ان هذه القراءة كغيرها من المحدثات في القرآن العزيز، لثبوت


= عن ابى جعفر قال: امسح على رأسك وقدميك. وعن الشعبى نزل جبريل بالمسح، ألا ترى التيمم يمسح ما كان غسلا ويلغى ما كان مسحا. وعن عامر نزل جبريل بالمسح، ثم قال ابن جرير: الصواب عندنا ان الله تعالى امر بعموم مسح الرجلين بالماء في الوضوء كما امر بعموم مسح الوجه بالتراب في التيمم، وإذا فعل ذلك المتوضئ فهو ماسح غاسل لان غسلهما امرار الماء عليهما أو اصابتهما بالماء ومسحهما امرار اليد ما قام مقامها عليهما " وبذلك كله يظهر لك ان قول ابن كثير في تفسيره ج 2 ص 26: " ومن اوجب من الشيعة مسحهما فقد ضل واضل " جرأة لا تغفر وعثرة لا تقال. (1) و (3) سورة المائدة. الآية 2. (2) ج 1 ص 20، وفى الوسائل في الباب - 25 - من ابواب الوضوء


[ 290 ]

التغيير والتبديل فيه عندنا زيادة ونقصانا. وان كان بعض اصحابنا ادعى الاجماع على نفي الاول، إلا ان في اخبارنا ما يرده، كما انهم تصرفوا في قوله تعالى في آية الغار لدفع العار عن شيخ الفجار، حيث ان الوارد في اخبارنا انها نزلت: "... فانزل الله سكينته على رسوله وايده بجنود لم تروها... " (1) فحذفوا لفظ " رسوله " وجعلوا محله الضمير. ويقرب بالبال - كما ذكره ايضا بعض علمائنا الابدال - ان توسيط آية "... إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت... الآية " (2) في خطاب الازواج من ذلك القبيل. هذا، وما يدل على وجوب المسح ونفى الغسل من اخبارنا فمستفيض، بل الظاهر انه من ضروريات مذهبنا. واما ما في موثقة عمار - عن ابي عبد الله (عليه السلام) " (3) في الرجل يتوضأ الوضوء كله الا رجليه ثم يخوض بهما الماء خوضا ؟ قال: اجزأه ذلك " - فمحمول على التقية وصحيحة ايوب بن نوح - (4) قال: " كتبت إلى ابي الحسن (عليه السلام) اسأله عن المسح على القدمين. فقال: الوضوء بالمسح ولا يجب فيه إلا ذلك، ومن غسل فلا بأس " - فيحتمل الحمل على التقية ايضا، فان منهم من قال بالتخيير كما تقدم (5) والحمل على التنظيف كما احتمله الشيخ في التهذيب مستدلا عليه بصحيحة ابي همام عن ابي الحسن (عليه السلام) (6) " في وضوء الفريضة في كتاب الله المسح، والغسل في الوضوء للتنظيف " وروى زرارة مضمرا في الصحيح (7) قال قال لي: " لو انك توضأت فجعلت مسح الرجلين غسلا ثم اضمرت ان ذلك هو المفترض لم يكن ذلك بوضوء، ثم قال: ابدأ بالمسح على الرجلين، فان بذلك غسل فغسلت فامسح بعده ليكون آخر ذلك المفترض ".


(1) سورة التوبة. الآية 40. (2) سورة الاحزاب. الآية 33 (3) و (4) و (6) و (7) المروية في الوسائل في الباب - 25 - من ابواب الوضوء (5) راجع التعليقة 1 في الصحيفة 288.


[ 291 ]

قال المحدث الكاشاني في الوافي (1) بعد ذكر هذه الرواية: " لعل المراد بالحديث انه ان كنت في موضع تقية فابدأ اولا بالمسح ليتم وضوؤك ثم اغسل رجليك، فان بدا لك اولا في الغسل فغسلت ولم يتيسر لك المسح، فامسح بعد الغسل حتى تكون قد اتيت بالفرض في آخر امرك " انتهى. وقال شيخنا الشهيد في الذكرى: " ولو اراد التنظيف قدم غسل الرجلين على الوضوء، ولو غسلهما بعد الوضوء لنجاسة مسح بعد ذلك، وكذا لو غسلهما للتنظيف، وفي خبر زرارة قال: ان بدا لك فغسلت فامسح بعده ليكون آخر ذلك المفترض " انتهى. (الثاني) - المشهور - بل ادعى عليه في الانتصار الاجماع، وهو ظاهر العلامة في المنتهى حيث نسبه إلى علمائنا اجمع، وفي التذكرة حيث قال: انه اجماع فقهاء أهل البيت (عليهم السلام) - وجوب الاستيعاب في مسح الرجلين طولا ولو بمسماه عرضا، استنادا إلى ظاهر الكتاب بجعل " إلى " غاية للمسح، وجملة من الاخبار البيانية المشتملة على كون مسحهم (عليهم السلام) إلى الكعبين. ويدل عليه ايضا صحيحة البزنطي عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن المسح على القدمين كيف هو ؟ فوضع كفه على الاصابع فمسحها إلى الكعبين إلى الظاهر القدم... الحديث ". وتردد المحقق في المعتبر ثم رجح وجوب الاستيعاب لظاهر الآية. واحتمل في الذكرى عدم الوجوب، وبه جزم المحدث الكاشاني في المفاتيح، ونفى عنه البعد صاحب رياض المسائل وحياض الدلائل. ولا يخفى انه لو ثبت جعل " إلى " هنا غاية للمسح كما ذكروه، لقوى الاعتماد على المشهور، لكن ثبوت جواز النكس - كما سيأتي ان شاء الله تعالى - مما يمنع ذلك


(1) ج 4 ص 46. (2) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الوضوء


[ 292 ]

فالاظهر جعلها غاية للممسوح، ويؤيد ذلك ايضا قرينة السياق، فانها في المرفقين غاية للمغسول اتفاقا. واما الاستناد إلى بعض اخبار الوضوء البياني في الوجوب فمحل اشكال، لعدم الصراحة في ذلك، لاشتمال بعضها على مسح الرجلين وبعض على ظهر القدمين الصادق عرفا بمسح البعض، كاشتماله على مسح الرأس في بعض والمقدم في آخر مع الاتفاق على عدم الاستيعاب فيه، فكذا فيهما. ومما يدل على هذا القول ايضا الاخبار الدالة على عدم استبطان الشراكين حال المسح كما في حسنة الاخوين عن الباقر (عليه السلام) (1) حيث قال (عليه السلام): "... ولا يدخل اصابعه تحت الشراك... ". وحسنة زرارة عنه (عليه السلام) (2): " ان عليا (عليه السلام) مسح على النعلين ولم يستبطن الشراكين ". وضعيفته ايضا (3): " ان عليا (عليه السلام) توضأ ثم مسح على نعليه ولم يدخل يده تحت الشراك ". ورواية جعفر بن سليمان (4) قال: " سألت ابا الحسن موسى (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك يكون خف الرجل مخرقا فيدخل يده فيمسح ظهر قدمه، أيجزيه ذلك ؟ قال: نعم ". ويؤيده ايضا قوله (عليه السلام) في صحيحة الاخوين (5): " قال الله تعالى:


(1) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب - 24 و 38 - من ابواب الوضوء. (3) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الوضوء (4) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الوضوء. وسند الرواية في الكافي ج 1 ص 10 والوافى ج 4 ص 44 عنه هكذا: عن جعفر بن سليمان عن عمه قال... الخ، وفى التهذيب عن الكافي ج 1 ص 18 والوسائل وجامع الرواة ج 1 ص 152 عنه ايضا هكذا: عن جعفر بن سليمان عمه قال... الخ


[ 293 ]

وامسحوا برؤوسكم وارجلكم... (1) فإذا مسح بشئ من رأسه أو بشئ من رجليه قدميه ما بين الكعبين إلى آخر اطراف الاصابع فقد اجزأه... ". وقال في حسنتهما (2) ايضا: " ثم قال: وامسحوا برؤسكم وارجلكم إلى الكعبين. فإذا مسح بشئ من رأسه أو بشئ من قدميه ما بين الكعبين إلى اطراف الاصابع فقد اجزأه... ". وفي صحيحتهما الاخرى (3) " انه قال في المسح: تمسح على النعلين ولا تدخل يدك تحت الشراك، وإذا مسحت بشئ من رأسك أو بشئ من قدميك ما بين كعبيك إلى اطراف الاصابع فقد اجزأك ". وهي ظاهرة - كما ترى - في كون التحديد في الآية للممسوح لا للمسح، حيث ان " إلى " في كلامه (عليه السلام) قرنت بالاصابع دون الكعبين عقيب الاستدلال بالآية في الروايتين الاولتين، فهو كالتفريع عليها والتفسير لها، قال شيخنا صاحب رياض المسائل (رحمه الله): و " ما " في " ما بين الكعبين " كما تحتمل الموصولية المفيدة للعموم والابدال من " شئ " فيفيد بمفهوم الشرط توقف الاجزاء على مسح مجموع المسافة الكائنة بينهما وهو يستلزم الوجوب، فكذا تحتمل الموصوفية مع الابدال منه، وكلاهما مع كون " ما " واقعة على المكان منتصبة انتصاف الظرف، والعامل فيه ما عمل في الجار والمجرور الواقع صفة ل‍ " شئ " من الكون، أو بدلا من قدميه أو من رجليه المبدل منه قدميه بدلا بعد بدل أو بدلا من البدل، فيفيد بالمنطوق دون المفهوم الاجتزاء بمسح جزء من المسافة المذكورة. والاحتمالات الاخيرة - مع تعددها وانحصار مخالفها في فرد


(1) سورة المائدة. الآية 6. (2) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء. ولا يخفى ان الفرق بين الصحيحة والحسنة انما هو في الطريق، فان الاولى هي رواية الشيخ والثانية رواية الكليني وقد رواها في الوسائل عن الكليني ثم قال: ورواه الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد... الخ (3) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الوضوء.


[ 294 ]

واظهريتها أقل تخصيصا واوفق بالاصل، فوجب المصير إلى ما اشتركت في الدلالة عليه إلا أن يثبت الاجماع على خلافه. انتهى. وهو جيد وجيه وبالجملة فانه لا ظهور في شئ من الآية والروايات المتعلة بالمسألة في الدلالة على القول المشهور سوى صحيحة البزنطي المتقدمة (1) مع معارضتها بما ذكر من الاخبار المذكورة، الا ان الاحتياط في الوقوف على المشهور، وحينئذ فتحمل صحيحة البزنطي المتقدمة على الاستحباب. هذا بالنسبة إلى الاستيعاب الطولى. واما العرضي فقد نقلوا الاجماع على عدمه ومنهم العلامة في التذكرة والمنتهى، الا انه في التذكرة - بعد ان ذكر ما قدمنا نقله عنه آنفا باسطر يسيرة - قال: " ويستحب أن يكون بثلاث اصابع مضمومة، وقال بعض علمائنا يجب " انتهى. وفي المختلف نسبه إلى المشهور مؤذنا بالخلاف فيه. ويدل على المشهور ما تقدم (2) من صحيحتي الاخوين وحسنتهما وروايات عدم استبطان الشراكين في المسح مع اعتضادها بالاصل. وعلى الثاني ظاهر الآية وصحيحة البزنطي المتقدمة (3) حيث قال الراوي بعد نقل ما تقدم منها: " قلت: جعلت فداك لو ان رجلا قال باصبعين من اصابعه هكذا ؟ فقال: لا إلا بكفه كلها " ولا يخفى ما فيها من المبالغة في الاستيعاب، حيث انه مفهوم اولا من قوله: " فمسحها " ثم من النهى الصريح. ويؤيده قوية عبد الاعلى (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): عثرت فانقطع ظفري فجعلت على اصبعي مرارة فكيف اصنع بالوضوء ؟ فقال: يعرف هذا واشباهه من كتاب الله تعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج. امسح عليه ".


(1) و (3) في الصحيفة 291 (2) في الصحيفة 292 و 293. (4) المروية في الوسائل في الباب - 39 - من ابواب الوضوء.


[ 295 ]

ورواية معمر بن عمر عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " يجزئ من المسح على الرأس ثلاث اصابع، وكذلك الرجل ". والمسألة لا تخلو من اشكال، ولو لا اخبار المسح وعدم استبطان الشراكين، لكان القول بمضمون هذه الروايات في غاية القوة، فان ما عداها قابل للتأويل والتقييد بهذه الاخبار. وحمل هذه الاخبار على الاستحباب - كما هو المشهور - ليس اولى مما قلناه، فان صراحة صحيحة البزنطي فيما دلت عليه - كما قدمنا الاشارة إليه، مع الاعتضاد بظاهر الآية والروايتين المذكورتين. واجمال الشئ في روايات الاخوين - مما يرشد إليه ويحمل عليه. واعتضاد تلك بدعوى الاجماع - كما قيل - ممنوع بعد وجود الخلاف كما عرفت، مع ما في الاجماع المدعى في امثال هذه المقامات من المناقشة الظاهرة، ولهذا قال السيد السند في المدارك - بعد نقل الاجماع على الاكتفاء بالمسمى ولو باصبع واحدة عن المعتبر والتذكرة، والاستدلال بصحيحة زرارة (2) - ما لفظه: " ولولا ذلك لامكن القول بوجوب المسح بالكف كلها. لصحيحة احمد بن محمد بن ابي نصر (3) " ثم ساق الرواية وقال: " فان المقيد يحكم على المطلق. ومع ذلك فالاحتياط هنا مما لا ينبغي تركه، لصحة الخبر وصراحته واجمال ما ينافيه " انتهى وهو جيد ثم انه على تقدير وجوب الاستيعاب طولا فهل يجب ادخال الكعبين في المسح ام لا ؟ وجهان بل قولان مبنيان على ما سبق في المرفقين. الا ان ظاهر صحيحتي الاخوين واخبار عدم استبطان الشراكين (4) العدم هنا. والاحتياط في امثال هذه المقامات مما ينبغي المحافظة عليه.

(الثالث) هل الكعبان هما قبتا القدمين ما بين المفصل والمشط، كما هو


(1) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الوضوء. (2) المتقدمة في الصحيفة 292. (3) المتقدمة في الصحيفة 294. (4) المتقدمة في الصحيفة 292 و 293.


[ 296 ]

المشهور بين الاصحاب بل ادعى عليه جمع منهم الاجماع. أو ملتقى الساق والقدم المعبر عنه بالمفصل بين الساق والقدم، كما عليه العلامة وجمع ممن تأخر عنه، كالشهيد الاول في الرسالة وان بالغ في التشنيع عليه في الذكرى، وصاحب الكنز، وشيخنا البهائي، والمحدث الكاشاني، والمحدث الحر العاملي، وجمع من متأخرى المتأخرين ؟ اشكال ينشأ من تعارض كلام اهل اللغة في هذا المقام، وتدافع اخبار اهل الذكر (عليهم السلام) مع دخول التأويل في اخبار كل من الطرفين وقبول الانطباق على كل من الجانبين وتفصيل هذه الجملة على وجه الاختصار انه قد نقل اول الشهيدين في الذكرى وثاني المحققين في شرح القواعد، ان لغوية العامة مختلفون في ذلك. واما لغوية الخاصة فهم متفقون على انه بمعنى المشهور. ونقل شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين ان الكعب يطلق على معان اربعة: (الاول) - العظم المرتفع في ظهر القدم الواقع بين المفصل والمشط. (الثاني) - المفصل بين الساق والقدم (الثالث) - عظم مائل إلى الاستدارة واقع في ملتقى الساق والقدم له زائدتان في اعلاه يدخلان في حفرتي قصبة الساق وزائدتان في اسفله يدخلان في حفرتي العقب، وهو نات في وسط ظهر القدم اعني وسطه العرضي ولكن نتوه غير ظاهر لحسن البصر لارتكاز اعلاه في حفرتي الساق، وقد يعبر عنه بالمفصل، لمجاورته له أو من قبيل تسمية الحال باسم المحل. (الرابع) - احد الناتيين عن يمين القدم وشماله. واقول: المعنى الاول هو الذي عليه جمهور الاصحاب، والثالث هو الذي نسبه (قدس سره) للعلامة وان عبر عنه بالمفصل مجازا كما ذكره، وعلى هذا فالثاني يرجع إلى الثالث، والرابع هو الذي عليه العامة. ثم نقل (قدس سره) جملة من كلام العامة كالفخر الرازي في تفسيره الكبير، فانه قال: " قالت الامامية وكل من ذهب إلى وجوب المسح: ان الكعب عبارة عن عظم مستدير مثل كعب الغنم والبقر موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل


[ 297 ]

الساق والقدم، وهو قول محمد بن الحسن، وكان الاصمعي يختار هذا القول، ثم قال: حجة الامامية ان اسم الكعب يطلق على العظم المخصوص الموجود في ارجل جميع الحيوانات، فوجب ان يكون في حق الانسان كذلك " ومثله كلام صاحب الكشف وكلام النيشابوري، ثم نقل جملة من كلام علماء التشريح. وعورض بان ابن الاثير قال - بعد ذكر الكعب بالمعنى الذي عليه العامة - ما لفظه: " وذهب قوم إلى انهما العظمان اللذان في ظهر القدم، وهو مذهب الشيعة، ومنه قول يحى بن الحرث: رأيت القتلى يوم زيد بن علي فرأيت الكعاب في وسط القدم " ومثل ذلك نقل عن صاحب لباب التأويل، ونقل الشهيد في الذكرى عن العلامة اللغوى عميد الرؤساء انه صنف كتابا في تحقيق معنى الكعب واكثر فيه من الشواهد على ان الكعب هو الناشز في ظهر القدم امام الساق حيث يقع معقد الشراك من النعل، ويظهر من الصحاح ان ذلك قول اكثر الناس، حيث قال: " وانكر الاصمعي قول الناس انه في ظهر القدم " وقال في الذكرى ايضا: " ومن أحسن ما ورد في ذلك ما ذكره أبو عمرو الزاهد في كتاب فائت الجهرة، قال: اختلف الناس في الكعب، فاخبرني أبو نصر عن الاصمعي انه الناتي في اسفل الساق عن يمين وشمال، واخبرني سلمة عن الفراء قال هو في مشط الرجل وقال هكذا برجله، قال أبو العباس فهذا الذي يسميه الاصمعي الكعب هو عند العرب المنجم، قال: واخبرني سلمة عن الفراء عن الكسائي قال قعد محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) في ملجس كان له وقال: ههنا الكعبان قال فقالوا هكذا فقال: ليس هو هكذا ولكنه هكذا واشار إلى مشط رجله، فقالوا له: ان الناس يقولون هكذا فقال: لا، هذا قول الخاصة وذاك قول العامة " انتهى. وانت خبير بان المعنى الثالث - من المعاني التي ذكرها شيخنا البهائي وهو الذي ادعى انه مراد العلامة لم يذكر في كلام أحد من اهل اللغة وان ذكره جملة من علماء العامة ونسبوه إلى الشيعة كما نقله، وذكره علماء التشريح ايضا. وما توهمه من عبارة


[ 298 ]

القاموس - حيث قال - بعد تفسيره بالمفصل والعظم الناشز فوق القدم والناشزين من جانبي القدم - ما لفظ: " والذي يلعب به كالكعبة " - فغير صريح في المعنى الذي اراده، لاحتمال حمله على كعب النرد كما ذكره في النهاية، حيث قال: " الكعاب فصوص الترد واحدها كعب وكعبة، واللعب بها حرام " انتهى، بل هذا المعنى اظهر. هذا ما يتعلق بذلك من كلام أهل اللغة. واما كلام علمائنا (رضوان الله عليهم) في هذا المقام فاكثر عباراتهم - تصريحا في بعض وتلويحا في آخر - انما ينصب على القول المشهور سيما عبارة الشيخ المفيد، فانها في ذلك على غاية من الظهور حيث قال: " الكعبان هما قبتا القدمين امام الساقين ما بين المفصل والمشط " وظاهر الشيخ في التهذيب - بعد نقل العبارة المذكورة - القول بذلك بل دعوى الاجماع على ان الكعب هو ذلك، حيث قال: " ويدل عليه اجماع الامة، فانهم بين قائل بوجوب المسح دون غيره ويقطع على ان المراد بالكعبين ما ذكرناه، وقائل بوجوب الغسل عينا أو تخييرا بينه وبين المسح ويقول الكعبان هما العظمان الناتيان خلف الساق، ولا قول ثالث، فإذا ثبت هذا بالدليل الذي قدمنا ذكره وجوب مسح الرجلين وانه لا يجوز غيره ثبت ما قلناه من ماهية الكعبين " انتهى. ولا يخفى عليك ما فيه من الصراحة في المعنى المشهور. وجملة من عبارات الاصحاب كأبن ابي عقيل والسيد المرتضى وابي الصلاح والشيخ في اكثر كتبه وابن ادريس والمحقق قد اشتركت في وصف الكعبين باوصاف متلازمة، من وصفه بالنتو في ظهر القدم عند معقد الشراك في بعض. وكونه في ظهر القدم في اخرى، وكونه معقد الشراك في ثالثة، والنتو في وسط القدم في رابعة، وكونهما في ظهر القدم عند معقد الشراك في خامسة، وانهما معقدا الشراك في سادسة، وكونهما قبتي القدم في سابعة.


[ 299 ]

والعلامة (رحمه الله) قد ادعى انصباب هذه العبارات على ما ذهب إليه وادعى اشتباهها على غير المحصل، وشيخنا البهائي (طاب ثراه) اوضح هذه الدعوى بان هذه العبارات لا تأبى الانطباق على ما ذهب إليه العلامة من المعنى الثالث من معاني الكعب المتقدمة، لان غاية ما يتوهم منه المنافاة وصفه بالنتو في وسط القدم، والعلامة قد فسره في التذكرة والمنتهى بذلك لكنه يقول ليس هو العظم الواقع امام الساق بين المفصل والمشط بل هو العظم الواقع في ملتقى الساق والقدم، وهو الذي ذكره المشرحون، وهو - كما تقدم - نات في وسط ظهر القدم اعني وسطه العرضي ولكن نتوه غير ظاهر لحس البصر لارتكاز اعلاه في حفرتي الساق، وربما عبر عنه في بعض كتبه بحد المفصل وفي بعضها بمجمع الساق والقدم وفي بعضها بالناتي في وسط القدم وفي بعضها بالمفصل، أنتهى اقول: وانت إذا اعطيت التأمل حقه من الانصاف وجدت ان تنزيل عبائر الاصحاب على ما ذكره (رحمه الله) في غاية الاعتساف، فان المتبادر من الوسط هو ما كان في الطول والعرض ومن الارتفاع والنتو هو ما كان محسوسا مشاهدا، ولو كان المراد بالكعب هذا المعنى الذي لا يفهمه إلا علماء التشريح دون سائر العلماء فضلا عن المتعلمين لا وضحوه بعبارات جلية وبينوه بكلمات واضحة غير خفية، ولما اقتصروا في وصفه على مجرد النتو والارتفاع الغير المحسوس الذي هو من قبيل تعريف المجهول بما هو اخفى نعم في عبارة ابن الجنيد ما يوهم ذلك، حيث قال: " الكعب في ظهر القدم دون عظم الساق، وهو المفصل الذي هو قدام العرقوب " ويحتمل رجوع ضمير " هو " إلى عظم الساق ويكون المراد انه عند عظم الساق، بقرينة سابق كلامه من قوله: " الكعب في ظهر القدم " هذا خلاصة ما يتعلق بكلام الاصحاب. واما الاخبار الواردة في هذا المضمار (فمنها) صحيحة الاخوين (1) حيث قال فيها: " فقلنا اين الكعبان ؟ قال: ههنا يعني المفصل دون عظم الساق، فقلنا: هذا


(1) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء.


[ 300 ]

ما هذا ؟ قال: هذا عظم الساق والكعب اسفل من ذلك " وقوله: " والكعب اسفل من ذلك " في رواية الكافي دون التهذيب. وهذا الحديث هو عمدة ادلة العلامة ومن تابعه، وهو ظاهر فيما ادعوه، إلا ان للمجيب ان يقول - بناء على ظهور غيره من الاخبار في المعنى المشهور وظهور عبارات الاصحاب في خلافه - كما عرفت غاية في الظهور -: (اولا) - بانه وان ظهر ذلك بالنسبة إلى رواية التهذيب إلا انه بالنظر إلى الزيادة التي في الكافي من قوله: " والكعب أسفل من ذلك " لا يخلو من اشكال، فانه اما أن يكون المشار إليه في قوله: " هذا من عظم الساق " على ما في الكافي أو " هذا عظم الساق " على ما في التهذيب المنجم أو منتهى عظم الساق، فان كان الاول فهو عند المفصل كما قال في النهاية: " الكعبان: العظمان الناتيان عند مفصل الساق والقدم من الجنبين " وحينئذ فحكمه (عليه السلام) بان الكعب أسفل من ذلك ظاهر في انه المعنى المعروف عند القوم، وان كان الثاني فالامر اوضح، فعلى هذا يجب حمل قوله: " ههنا يعني المفصل " على انه قريب إلى المفصل لئلا يلزم التناقض. فان قيل: انه يمكن حمل قوله: " أسفل من ذلك " على التحتية كما يدعيه شيخنا البهائي (قدس سره) فلا يلزم التناقض. قلنا: ان لم يكن ما ذكرنا من حمل الاسفلية على الكعب المشهور اظهر لظهور ذلك لكل ناظر وتبادره لكل سامع، فلا أقل من المساواة، وبه ينتفي ظهور الرواية في المدعي فضلا عن اظهريتها. و (ثانيا) بانها معارضة بما سيأتي من الاخبار فيجب ارتكاب التجوز فيها جمعا ومن تلك الاخبار صحيحة احمد بن محمد بن ابي نصر البزنطي عن الرضا (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن المسح على القدمين كيف هو ؟ فوضع كفه على الاصابع


(1) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الوضوء


[ 301 ]

فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم... ". وهذا مما استدل به العلامة ايضا على ما ذهب إليه، وجملة من الاصحاب نقلوا الخبر بلفظ " ظهر " بدل " ظاهر " وعلى ايهما كان فقوله " إلى ظاهر " أو " ظهر " بدل من قوله " إلى الكعبين " وهو محتمل للمعنى المشهور بناء على ان الظاهر يقال لغة لما ارتفع، قال في القاموس: " والظواهر اشراف الارض " وقال في مادة شرف: " الشرف محركة: العلو، والمكان العالي " انتهى. والظهر ايضا يقال لما ارتفع وغلظ من الارض كما في القاموس ايضا، وعلى كل من النسختين فانطباقه على المشهور ظاهر ويحتمل حمل الظهر والظاهر على ما قابل البطن والباطن كما استدل به للقول الآخر، ولكن لابد من تتميمه بحمل الظهر أو الظاهر على الاستيعاب طولا لعدم قرينة البعضية، فيكون المراد به نهايته المتصلة بالساق. ويمكن الجواب بالحمل على الاستيعاب بقرينة ان ما اشتملت عليه الرواية سوى أصل المسح - من الاستيعاب الطولي بناء على ما اسلفنا تحقيقه، والعرضي كما اوضحناه ايضا، والابتداء بالاصابع - كله مستحب. و (منها) - حسنة ميسر بن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " الوضوء واحد، ووصف الكعب في ظهر القدم " واورد في التهذيب هذه الرواية في موضع بهذه الكيفية وفي موضع آخر بهذا السند والمتن ولكن بلفظ " واحدة " بدل " واحد " ولفظ: " ميسرة " بدل " ميسر " كما هو في الكافي كذلك. وروايته الاخرى ايضا عنه (عليه السلام) (1) في حكاية الوضوء البياني، قال فيها: " ثم مسح رأسه وقدميه ثم وضع يده على ظهر القدم ثم قال: هذا هو الكعب، قال وأومأ بيده إلى اسفل العرقوب ثم قال: ان هذا هو الظنبوب ". وهاتان الروايتان مما استدل به القائلون بالقول المشهور من حيث تضمنهما ان


(1) المروية في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء (2) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء


[ 302 ]

الكعب في ظهر القدم، والمتبادر من ذلك - كما عرفت - هو ما ظهر في وسطه الطولي المعبر عنه فيما تقدم من كلامهم بالناتي في وسط القدم والناتي في ظهر القدم أي ما كان نتوه ظاهرا محسوسا. واما القائلون بالقول الآخر فتاولوا كونه في الظهر بمعنى كونه واقعا فيه وان كان في منتهاه وخفي على الحس. قال في الوافي - بعد نقل أول هذين الخبرين - ما لفظه: (ووصف الكعب في ظهر القدم لا ينافي كونه المفصل، لانه في ظهرها ومنتهاها. وانما قال ذلك ردا على المخالفين حيث جعلوهما في طرفي القدم وجانبيها " انتهى. وقال شيخنا البهائي: " على ان قول ميسر - في الحديث الثالث: ان الباقر وصف الكعب في ظهر القدم - يعطي ان الامام (عليه السلام) ذكر للكعب اوصافا ليعرفه الراوي بها، ولو كان الكعب هذا الارتفاع المحسوس المشاهد لم يحتج إلى الوصف بل كان ينبغي أن يقول: هو ذا، وقس عليه قوله (عليه السلام) في الحديث الاول: " ههنا " بالاشارة إلى مكانه دون الاشارة إليه " انتهى. اقول: قد قال في رواية ميسر الثانية " هو هذا " فان كان ذلك يكفي في الدلالة على المعنى المشهور فينبغي ان يوافق عليه شيخنا المذكور. وبالجملة لما كان الكعب يطلق على كل من المعنيين المذكورين فحمل الروايات جملة على احدهما دون الآخر يحتاج إلى دلالة بينة واضحة وقرينة مفصحة راجحة، وقد عرفت ان الاحتمالات قائمة من الطرفين ومتصادمة من الجانبين وان ادعى كل من القائلين رجحان ما ذهب إليه وقوة ما اعتمد عليه، إلا ان الحق ان ذلك مما يدخل تلك الاخبار في حيز المشتبهات ويوجب العمل بالاحتياط في المسألة. ويقوى عندي ما ذهب إليه بعض الفضلاء من متأخري المتأخرين في هذا المقام وان كان خلاف ما عليه جملة من متأخري علمائنا الاعلام، حيث قال بعد نقل جملة من كلام القوم


[ 303 ]

على العلامة وما اوقعوه به من الشناعة والملامة: " هذا ملخص ما شنعوا به عليه، وعند امعان النظر في كلام العلامة وملاحظة ما اورده في غير المختلف يعلم انه لم يخرج بقوله عن المشهور بل هو عينه الا انه بسبب قصده لتطبيق النص عليه خرج في بعض عباراته عن المعهود من كلامهم، وبيان ذلك انه (رحمه الله) قال في التذكرة: " ومحل المسح ظهر القدمين من رؤوس الاصابع إلى الكعبين، وهما العظمان الناتيان في وسط القدم، وهما معقد الشراك اعني مجمع الساق والقدم، ذهب إليه علماؤنا اجمع، وبه قال محمد بن الحسن الشيباني لانه مأخوذ من " كعب ثدي المرأة إذا ارتفع " ولقول الباقر (عليه السلام) وقد سئل فاين الكعبان ؟ قال: ههنا يعني المفصل دون عظم الساق " وقال في المنتهى: " ذهب علمائنا إلى ان الكعبين هما العظمان الناتيان في وسط القدم، وهما معقدا الشراك، وبه قال محمد بن الحسن من الجمهور، وخالف الباقين فيه وقالوا ان الكعبين هما الناتيان في جانبي الساق، وهما المسميان بالظنابيب " ثم أخذ في الاستدلال واورد صحيحة زرارة وبكير ابني اعين المذكورة (1) وروايتي ميسر المتقدمتين (2) إلى ان قال: فروع (الاول) - قد تشتبه عبارة علمائنا على بعض من لا مزيد تحصيل له في معنى الكعب. والضابط فيه ما رواه زرارة، واورد الرواية، وفي القواعد عرف الكعبين بانهما حد المفصل بين الساق والقدم، وفي الارشاد انهما مجمع القدم واصل الساق، والمفهوم من خلال هذه العبارات انه اطلق المفصل على العظمين الناتيين تارة واطلق عليهما الحد والمجمع تارة اخرى، وكلامه في التذكرة صريح في ذلك، حيث فسر العظمين الناتيين بانهما معقدا الشراك وفسر معقد الشراك بانه مجمع الساق والقدم، وفي المنتهى قريب منه ولما كان مدلول رواية زرارة واخيه يقتضي ان الكعبين هما المفصل حيث فسر الامام (عليه السلام) فيهما الكعبين بانهما المفصل دون عظم الساق ورأي علمائنا اطبقوا على انهما العظمان الناتيان، أراد الجمع بين الكلامين فحمل على ذلك باعتبار كون


(1) في الصحيفة 299 (2) في الصحيفة 301


[ 304 ]

طرفي ذينك العظمين مما يلي الساق حد المفصل والساق لان عظم الساق متصل بهما، فاطلق عليهما المفصل من جهة كونهما حدا له وبداية لحصوله، فيكون تعريفهما بالمفصل باعتبار نهايتهما، وغاية الامر ان ذلك على طريق التجوز لعلاقة المجاورة، وليس في كلامه ما ينفي ارادة المعنى المشهور بوجه من الوجوه، بل مقتضى نقله اتفاق علمائنا اجمع عليه انه لا يحتمل إرادة غيره، وبسبب انه مخالف لظاهر الرواية كما ذكرنا نبه عليه بانه اشتباه على غير المحصل وان المحصل يعرف ان المراد بالكعبين هو المفصل باعتبار كونه حدا ونهاية لهما وذلك اطلق عليهما، وربما كانت الحكمة في هذا الاطلاق من الامام (عليه السلام) ارادة ايصال المسح إلى نهاية الكعب، ولا يليق حمل كلام العلامة على ما فهموه منه، لانه يلزم من ذلك مناقضة اول كلامه لآخره والخروج عن نقل الاجماع عليه وعدم فهمه المعنى الظاهر من عبارات الاصحاب، وذلك لا ينسب لا دون الناس وابلدهم فضلا عن مثل جلالة قدر العلامة (رحمه الله) ومما يؤكد ذلك ان المحقق في المعتبر استدل على كون الكعبين هما العظمان الناتيان بهذه الرواية، فلولا ان المراد بالمفصل ما أشرنا إليه لم يتجه له الاستدلال بها على ذلك " انتهى كلامه زيد مقامه، وانما نقلناه بطوله ليظهر لك حسنه وجودة محصوله. واقول: ربما يتسارع الناظر - لالفة ذهنه بما زعمه القوم في هذه المسألة من التحقيق - إلى انكار ما ذكره هذا الفاضل من التلفيق، وعند التأمل الصادق يجده اقرب مما ذكره شيخنا البهائي (قدس سره) فانه (طاب ثراه) وان دقق النظر في المقام وايده بكلام اولئك الاقوام، كما هو مقتضى فهمه الثاقب ونظره الصائب في استجلاء ابكار الاحكام، الا ان حمل هذه العبارات من العلامة وغيره من الاصحاب على ما ذكره من هذا المعنى الخفى - كحمل النتو على النتو في بطن الظهر وان لم يظهر للحس، والتوسط على التوسط العرضي في آخر القدم، وحمل معقد الشراك على كونه في المفصل مع ان كل أحد يعلم انه قدام المفصل، مع عدم الاشارة إلى شئ من ذلك في تلك


[ 305 ]

العبارات سيما عبارة العلامة (عطر الله مرقده) الذي هو مخترع هذا القول على تعددها فان غاية ما يخرج به عن كلام القوم التعبير بالمفصل دون هذا العظم الخفي الذي ذكره - يكاد يقطع العقل ببعده. وعمدة ما يدور عليه كلامه (قدس سره) - في الاستدلال على هذا القول ويشجعه على انه مراد العلامة - شيئان: (احدهما) - نسبة الفخر الرازي ومن تبعه ذلك إلى الشيعة وفيه ان الفخر الرازي قد نقل ذلك ايضا عن الاصمعي كما قدمنا نقله عنه، مع انك قد عرفت مما نقله شيخنا الشهيد في الذكرى عن ابي عمرو الزاهد - ان مذهب الاصمعي في الكعب انما هو مذهب العامة، وبذلك ايضا صرح احمد بن محمد الفيومي في المصباح المنير، وحينئذ فإذا احتمل تطرق الاخلال إلى نقله عن علماء مذهبه فبالطريق الاولى إلى مذهب الشيعة، ويؤيده ما قدمنا نقله عن ابن الاثير من ان مذهب الشيعة انهما العظمان اللذان في ظهر القدم، وما صرح به في المصباح المنير ايضا، حيث قال: " وذهبت الشيعة إلى ان الكعب في ظهر القدم وانكره ائمة اللغة كالاصمعي وغيره ". و (ثانيهما) - صحيح زرارة واخيه المتقدم ذكره (1) وهو - بعد ما عرفت من ظهور هذا المعنى في كلام الاصحاب سيما كلام الشيخين في المقنعة والتهذيب وظهوره ايضا من تلك الاخبار المتقدمة - يجب ارجاعه إلى ما عليه الاصحاب سيما مع عدم الصراحة لما عرفت من تطرق الاحتمال إلى المعنى الذي اعتمدوه منه، وجملة من المتقدمين من الاصحاب لم يفهموا منه المخالفة لما قرروه في عبائرهم من معنى الكعب المشهور، ولهذا ان الشيخ في التهذيب - بعد ذكر ما قدمنا نقله عنه مما هو صريح في المعنى المشهور - نظم هذه الرواية في سلك الادلة على ذلك ولم يجعلها في قالب المخالف، والمحقق في المعتبر كذلك بعد ما عرف الكعب بانه قبة القدم، وما ذاك كله الا لفهمهم منها الانطباق على المعنى


(1) في الصحيفة 299


[ 306 ]

المشهور وان احتيج إلى ارتكاب نوع من المجاز. وبالجملة فتأويل كلام العلامة (رضوان الله عليه) بما يرجع إلى المشهور - وان اعتراه في بعض عبائره نوع من القصور - أهون واقرب مما تكلفه (قدس سره) وحينئذ فينحصر الخلاف في شيخنا البهائي (رحمه الله) ومن تبعه على تلك المقالة، والاحتياط بايصال المسح إلى المفصل بل إلى عظم الساق مما ينبغي المحافظة عليه. والله الهادي. (الرابع) - الظاهر جواز النكس هنا كالرأس. وفاقا للمشهور وخلافا لظاهري المرتضى وابن بابويه وابن ادريس فيما قطع به، بل نقل عنه في المختلف كراهية الاستقبال لما تقدم من الادلة. ويزيده تأكيدا هنا رواية يونس (1) قال: " اخبرني من رأى أبا الحسن (عليه السلام) بمنى يمسح ظهر قدميه من اعلى القدم إلى الكعب ومن الكعب إلى اعلى القدم ويقول: الامر في مسح الرجلين موسع: من شاء مسح مقبلا ومن شاء مسح مدبرا، فانه من الامر الموسع ان شاء الله ". وصحيحة حماد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " لا بأس بمسح القدمين مقبلا ومدبرا ". واستدل للقول الآخر بالآية بناء على أن " إلى " فيها لانتهاء المسح. وفيه انها محتملة لكل من غاية المسح والممسوح فالحمل على أحدهما دون الآخر ترجيح بغير مرجح بل ظاهر الاخبار المتقدمة في المورد الاول من هذا البحث كونها غاية للممسوح كما تقدمت الاشارة إليه ثمة. وبالوضوء البيانى: وفيه انه محمول على الاستحباب جمعا بين الاخبار. وبصحيحة البزنطي حيث قال فيها: "... فوضع كفه على الاصابع فمسحها


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 20 - من ابواب الوضوء (3) المروية في الوسائل في الباب - 24 - من ابواب الوضوء.


[ 307 ]

إلى الكعبين... " وفيه ايضا ما في سابقه. وبيقين البراءة. وفيه انه يرجع إلى الاحتياط، وهو هنا مستحب لا واجب كما تقدمت الاشارة إليه.

(الخامس) - قد تقدم في سابق هذا البحث الكلام في وجوب المسح بالبلة وعدم جواز استئناف ماء جديد للمسح، لكن بقي الكلام هنا في موضعين: (احدهما) - انه لو كانت البلة الباقية مشتملة على ما يتحقق به الجريان لو مسح فهل يمسح بها والحال كذلك، أو يجب التجفيف حذرا من وقوع الغسل المقابل للمسح المنهي عنه في الاخبار فلا يحصل الامتثال ؟ وجهان بل قولان يلتفتان إلى ان النسبة بين الغسل والمسح التباين أو العموم على وجه، فيجتمعان في امرار اليد مع الجريان وينفرد الاول بالثاني خاصة والثاني بالاول، والاول ظاهر المشهور، والى الثاني مال جملة من محققي متأخري المتأخرين، ولعله الاظهر، وسيأتي مزيد تحقيق للمسألة. و (ثانيهما) - انه مع وجود بلة على الممسوح خارجة عن ماء الوضوء، فهل يجوز المسح والحال كذلك، ام يجب التجفيف حذرا من لزوم المسح بماء جديد ؟ قولان وبالثاني صرح العلامة في المختلف ونقله فيه وفي المنتهى عن والده ايضا. وعلى الاول فهل يجوز مع وجود الرطوبة مطلقا، أو يشترط غلبة ماء الوضوء عليها ؟ قولان، وبالثاني صرح الشهيد في الدروس، وبالاول صرح المحقق وابن ادريس وابن الجنيد، قال ابن الجنيد: " من تطهر الا رجليه فدهمه امر يحتاج معه إلى ان يخوض بهما نهرا مسح عليهما يده وهو في النهر ان تطاول خوضه وخاف جفاف ما وضأ من اعضائه، وان لم يخف كان مسحه بعد خروجه احب الي واحوط " وقال ابن ادريس: " إذا كان قائما في الماء وتوضأ ثم اخرج رجليه من الماء ومسح عليهما من غير ان يدخل يده في الماء فلا حرج عليه، لانه ماسح اجماعا، والظاهر من الآيات والاخبار متناول له " وقال في المعتبر: " لو كان في ماء وغسل وجهه ويديه ومسح برأسه ورجليه جاز، لان


[ 308 ]

يديه لا تنفك من ماء الوضوء ولم يضره ما كان على القدمين من الماء " وظاهره جواز المسح في الماء كما في كلام ابن الجنيد، مع احتمال الحمل على خروج الرجل كما في كلام ابن ادريس. احتج العلامة في المختلف على ما ذهب إليه والده ورجحه هو فيه بان المسح يجب بنداوة الوضوء ويحرم التجديد. ومع رطوبة الرجلين يحصل المسح بماء جديد. والاظهر كما استظهره جملة من المحققين القول بالجواز مطلقا، لاصالة الجواز وصدق الامتثال، وتناول اطلاق الآية والاخبار لذلك، وعدم الدليل على المنع، ومنع صدق التجديد لو حصل الجريان باجتماع البلتين بل ولو ببله الممسوح منفردة عند عدم القصد إلى الغسل وان صدق اسم الغسل، ويؤيده صحيحة زرارة (1): " لو أنك توضأت فجعلت مسح الرجلين غسلا ثم أضمرت ان ذلك هو المفترض لم يكن ذلك بوضوء... " الدالة على جواز غسل الممسوح لا بذلك القصد، وبذلك يظهر اظهرية ما استظهرناه في المسألة السابقة. إلا انه يمكن ان يقال ان ظاهر عبارات المجوزين ان البلة الباقية في اليد من ماء الوضوء، وان قلت لا تزول بملاقاتها للماء الذي على الرجل الممسوحة وان كثر، فالمسح يحصل بها وان شاركها غيرها، والاستناد إلى ظواهر الادلة انما هو من هذه الجهة، بمعنى انه يصدق المسح المأمور به شرعا والحال كذلك، وهو عندي محل اشكال وخفاء ولا سيما في المسح داخل الماء كما ذكره ابن الجنيد، فانه لا ريب ان غلبة الماء الذي على الممسوح على البلة الباقية في اليد على وجه تضمحل به في جنبه توجب حصول التجديد في المسح، كما انه لو كان على هذه اليد الماسحة - مثلا - بول فانه بوضعها في الماء يجب الحكم بطهارتها، لزوال نجاسة البول منها بغلبة الماء، فبالطريق الاولى هنا، أو كان عليها ماء مضاف فانه يجب الحكم بزواله عنها في الصورة المذكورة، وهذا يجري بالنسبة إلى ما لو لم يكن


(1) المروية في الوسائل في الباب - 25 - من ابواب الوضوء


[ 309 ]

في الماء ولكن اخراجها من الماء - كما ذكره ابن ادريس - وعليها ماء كثير والبلة التي على اليد قليلة جدا، فانه تضمحل في جانب ذلك الماء ويحكم عرفا بل شرعا بزوالها بملاقاة ذلك الماء لاضمحلالها في جنبه، ومن الظاهر ان بناء قاعدة التطهير من نحو البول باستنجاء أو غيره على غلبة المطهر انما هو من حيث ان النجاسة تزول وتضمحل في جنبه، ولو كانت باقية لما حصل التطهير، فكذا ما نحن فيه، وحينئذ فمتى كانت الرطوبة التي على ظهر الرجل مما تغلب على البلة وتضمحل البلة في جنبها فانه يحصل السمح بالماء الجديد. وبالجملة فالمسألة عندي محل توقف لعدم النص، وما ادعوه من الدخول تحت العمومات ليس بمطرد في جميع ما ذكروه، فالواجب عندي هو الوقوف على جادة الاحتياط، وان يراعى عدم غلبة الماء الذي على ظاهر العضو الممسوح على البلة الباقية والاحتياط - بتخفيف الرجل ونفض اليدين من البلة المستلزمة للجريان - مما ينبغي المحافظة عليه.

(السادس) - لا يجوز المسح في كل من الرأس والرجلين على حائل اختيارا اجماعا منا فتوى ورواية، ومن الحائل الشعر في الرجل على المعروف من مذهب الاصحاب فمن الاخبار الواردة بذلك صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) " انه سئل عن المسح على الخفين وعلى العمامة. فقال: لا تمسح عليهما ". ومرفوعة محمد بن يحيى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " في الذي يخضب رأسه بالحناء ثم يبدو له في الوضوء ؟ قال: لا يجوز حتى يصيب بشرة رأسه بالماء ". وما رواه علي بن جعفر في كتابه عن اخيه (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن المرأة هل يصلح لها ان تمسح على الخمار ؟ قال: لا يصلح حتى تمسح على رأسها " إلى غير ذلك من الاخبار.


(1) المروية في الوسائل في الباب - 38 - من ابواب الوضوء (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 37 - من ابواب الوضوء


[ 310 ]

اما مع الضرورة كالتقية والبرد الشديد ونحوهما فظاهر كلمة الاصحاب الاتفاق على الجواز. ويدل عليه بالنسبة إلى الرجلين رواية ابي الورد (1) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام): ان ابا ظبيان حدثني انه رأى عليا (عليه السلام) اراق الماء ثم مسح على الخفين ؟ فقال: كذب أبو ظبيان، أما بلغكم قول علي (عليه السلام) فيكم: سبق الكتاب الخفين ؟ قلت: فهل فيهما رخصة ؟ فقال: لا، إلا من عدو تتقيه أو ثلج تخاف على رجليك ". والرواية وان كانت ضعيفة السند باصطلاح متأخري اصحابنا الا انها مجبورة بعمل الاصحاب واتفاقهم على الحكم المذكور، على ان ابا الورد وان كان غير مذكور في كتب الرجال بمدح ولا قدح الا انه قد روى في الكافي ما يشعر بمدحه، ولهذا عده شيخنا المجلسي في وجيزته في الممدوحين، وشيخنا أبو الحسن في بلغته قال روى مدحه مع ان الرواي عنه هنا بواسطة حماد بن عثمان، وهو ممن اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، والرواية بناء على ظاهر هذه العبارة صحيحة، وكيف كان فهي - باعتبار مجموع ما ذكرنا من المرجحات مضافا إلى الاتفاق على الحكم - مما يقوى الاعتماد عليها واما ما رواه في الكافي (2) عن ابن ابي عمير عن هشام عن سالم عن ابي عمر الاعجمي قال: " قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا ابا عمر ان تسعة اعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له، والتقية في كل شئ الا في النبيذ والمسح على الخفين " فالظاهر حمله عليهم (صلوات الله عليهم) دون غيرهم، كما يشير إليه ما رواه حريز عن زرارة في الصحيح (3) قال: " قلت له: هل في مسح الخفين تقية ؟ فقال: ثلاثة


(1) المروية في الوسائل في الباب - 38 - من ابواب الوضوء (2) الاصول ج 2 ص 217 وفى الوسائل بالتقطيع في الباب - 24 و 25 - من الامر بالمعروف (3) رواه صاحب الوسائل في الباب - 38 - من ابواب الوضوء، وفى الباب - 25 - من الامر بالمعروف وفى الباب - 22 - من الاشربة المحرمة.


[ 311 ]

لا اتقي فيهن أحدا: شرب المسكر ومسح الخفين ومتعة الحج. قال زرارة: ولم يقل الواجب عليكم ان لا تتقوا فيهن أحدا " وقد حمله الشيخ في التهذيبين على اختصاص نفي التقية بنفسه كما اوله زرارة. وبالجملة فان اخبار وجوب التقية عامة ومنها الخبر المذكور المتضمن لهذا الاطلاق في المنافاة، فالواجب حمله على ما ذكرناه جمعا بين الاخبار. ومثل خبر زرارة المذكور ايضا ما رواه في الكافي ايضا في الصحيح (1) عن زرارة عن غير واحد قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام): في المسح على الخفين تقية ؟ قال: لا يتقى في ثلاث. قلت: وما هن ؟ قال: شرب الخمر أو قال شرب المسكر والمسح على الخفين ومتعة الحج " والتقريب فيه ما تقدم. وراية عبد الاعلى مولى آل سام (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): عثرت فانقطع ظفري فجعلت على اصبعي مرارة فكيف اصنع بالوضوء ؟ قال: يعرف هذا واشباهه من كتاب الله تعالى: قال الله تعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج. امسح عليه ". ويدل على بالنسبة إلى الرأس صحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) " في الرجل يحلق رأسه ثم يطليه بالحناء ثم يتوضأ للصلاة ؟ فقال: لا بأس بان يمسح رأسه والحناء عليه " فان الظاهر حملها على ضرورة التداوي كما ذكره في المنتقى نعم ربما احتمل على بعد الحمل على عدم استيعاب الحناء لموضع المسح. واما حمله على المسح على لون الحناء فلا ينطبق عليه لفظ الطلاء كما لا يخفى. وصحيحة عمر بن يزيد عنه (عليه السلام) (4) " عن الرجل يخضب رأسه بالحناء ثم يبدو له في الوضوء ؟ قال: يمسح فوق الحناء " والتقريب ما تقدم. ويمكن حمل هذه


(1) الفروع ج 2 ص 95 (2) المروية في الوسائل في الباب - 39 - من ابواب الوضوء (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 37 - من ابواب الوضوء


[ 312 ]

الرواية على بعد على الخضاب بماء الحناء فيكون المسح على لونه، ويؤيد ذلك ايضا اطلاق جملة من اخبار الجبائر، لدلالتها على المسح على الجبيرة متى تضرر بنزعها اعم من ان يكون في موضع الغسل أو المسح، مثل حسنة كليب الاسدي (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل إذا كان كسيرا كيف يصنع بالصلاة ؟ قال: ان كان يتخوف على نفسه فليمسح على جبائره وليصل " وقوله (عليه السلام) في حسنة الحلبي (2) بعد ان سأله عن الرجل تكون به القرحة في ذراعه أو نحو ذلك من موضع الوضوء فيعصبها بخرقة ويتوضأ: " ان كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة... " ويؤيده ايضا ادلة نفي الحرج في الدين. وبذلك يظهر لك ما في مناقشة جمع من متأخري اصحابنا: منهم - السيد السند في المدارك في هذا الحكم حيث اقتصروا في الاستدلال عليه على رواية ابي الورد وردوها بضعف السند، واحتملوا الانتقال إلى التيمم لتعذر الوضوء بتعذر جزئه، وانت خبير بعد الاحاطة بجميع ما ذكرنا ان الظاهر انه لا مجال للتردد في الحكم المذكور، وأيضا فان التيمم معلوم الاشتراط بشرط غير معلوم التحقق هنا، والشك في وجود الشرط يستلزم الشك في وجود المشروط، فلا يتم الانتقال إلى التيمم. ثم ان ظاهر كلمة الاصحاب الاتفاق على ان من الحائل الذي لا يجوز المسح عليه اختيارا الشعر على الرجل، حيث صرحوا في الرأس بالمسح على البشرة أو الشعر المختص وفي الرجل بالبشرة. قال بعض المحققين من متأخري المتأخرين بعد نقل ذلك عنهم: " وهذا الحكم مما لم اقف فيه على تصريح في كلام القوم غير انهم اقحموا لفظ البشرة في هذا الموضع ويمكن أن يكون مرادهم الاحتراز عن الخف ونحوه لا الشعر كما هو الظاهر بحسب النظر لان المسح على الرجلين انما يصدق عرفا على المسح على شعرها " انتهى.


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 39 - من ابواب الوضوء


[ 313 ]

أقول: بل الظاهر ان الوجه في ذلك عندهم ما نبه عليه شيخنا الشهيد الثاني في شرح الرسالة، حيث قال - بعد نقل عبارة المصنف المتضمنة للمسح على بشرة الرجلين ما لفظه: " ويستفاد - من حصره المسح في بشرة الرجلين مع تخييره في الرأس بين مسح مقدم شعره وبشرته - انه لا يجزئ المسح على الشعر في الرجلين وان اختص بالظهر بل يتحتم البشرة. والامر فيه كذلك، والفارق النص الدال باطلاقه على وجوب مسح الرجلين، إذ الشعر لا يسمى رجلا ولا جزء منها، مع التصريح في بعض الاخبار بجواز المسح على شعر الرأس، وانما لم يصرح الاصحاب بالمنع من المسح على الشعر في الرجلين لندور الشعر الحائل فيهما القاطع لخط المسح، فاكتفوا باستفادته من لفظ البشرة، فانها كالصريح ان لم تكنه " انتهى. ويرد عليه (اولا) انه قد صرح هو (قدس سره) وجملة من الاصحاب بوجوب غسل الشعر النابت على اليد كما تقدم، معللين له تارة بانه في محل الفرض واخرى بانه من توابع اليد، والفرق بينه وبين ما هنا غير ظاهر، بل تلك التعليلات ان صحت فهي جارية هنا والا فلا في الموضعين. و (ثانيا) ان الظاهر من خلو الاخبار عن ذكره مع عدم انفكاك الرجل عنه غالبا جواز المسح عليه. (السابع) - اختلف الاصحاب في استمرار رفع الوضوء الضروري - بمسح على الخفين أو الجبائر أو غسل أو نحو ذلك - بعد زوال الضرورة وعدم النقض باحد الاسباب المعدودة، فظاهر المشهور بقاء الاباحة وجواز الدخول به في العبادة. ونقل عن الشيخ في المبسوط - وبه صرح المحقق في المعتبر - تقدير الاباحة بحال الضرورة، وقربه العلامة في التذكرة، وعللوه بانها طهارة مشروطة بالضرورة فتزول بزوالها وتتقدر بقدرها. واعترض عليه بانه ان اريد الطهارة بقدر الضرورة عدم جواز الطهارة كذلك بعد زوال الضرورة فحق ولكنه غير ما نحن فيه، وان اريد عدم اباحتها فهو محل النزاع.


[ 314 ]

وانت خبير بان المسألة خالية من النص الدال على ذلك نفيا واثباتا، إلا انه يمكن الاستدلال على القول المشهور بانه لا ريب ان الوضوء المذكور رافع للحدث، ومن حكم الوضوء الرافع أن لا يزول رفعه إلا باحد النواقض، وزوال الضرورة ليس من جملتها، فيجب استصحاب الحكم إلى ان يحصل احد النواقض المقررة. وفيه ان الاستصحاب المقطوع بحجيته - كما تقدم تحقيقه - هو ما إذا دل الدليل على ثبوت الحكم مطلقا، بمعنى عدم الاختصاص بوقت مخصوص أو حالة مخصوصة، فانه يجب البقاء على مقتضى ما دل عليه حتى يثبت الرافع، كالحكم باستمرار الطهارة والنجاسة فيما علما فيه وصحة البيوع والانكحة ونحو ذلك بعد وقوع العقد الصحيح حتى يثبت الرافع، اما إذا كانت مخصوصة بحالة معينة أو زمان مخصوص فاجراؤها في الحالة الثانية والزمان الآخر يتوقف على الدليل، وانت خبير بان ما نحن فيه انما هو من قبيل الثاني، فان الدليل الدال على صحة هذا الوضوء ورفعه انما دل باعتبار حال الضرورة وعدم التمكن من المسح الواجب أو الغسل مثلا كما هو المفروض، فعند زوال تلك الحال وتجدد حال اخرى مغايرة لها يحتاج في اجراء الحكم في الحالة الاخرى إلى دليل وليس فليس. ولعل في تشبيه الشيخ له بالتيمم - حيث نقل عنه انه علل ذلك بانها طهارة ضرورية فتتقدر بقدر الضرورة كالتيمم - اشارة إلى ذلك، فان وجه المشابهة ظاهر، فان الماسح على حائل من خف أو جبيرة والمتيمم شريكان في ترك العضو الممسوح وكون الترك فيهما لعذر شرعي، فتزول الرخصة فيهما بزواله، وحينئذ فكما ان المتيمم ينتقض تيممه ولو في الصلاة بزوال الحالة الموجبة له لعدم اقتضاء دليله الاستمرار في جميع الاحوال على الاصح، كذلك هذا المتوضئ ينتقض وضوؤه بزوال الحالة الموجبة له لعين ما ذكر. قال بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين: " ويتفرع على ذلك انه لو زال العذر في المسح على الحائل قبل كمال الوضوء أو بعده وقبل الجفاف والدخول في


[ 315 ]

الصلاة، فهل يجب عليه نزع الحائل والمسح بالبلة قبل الدخول فيها ام يباح له الدخول فيها به ؟ لم اقف لاحد من اصحابنا فيه على صريح كلام، ولعل الاول اقرب، لبقاء وقت الخطاب بالطهارة المأمور فيها بغسل المغسول ومسح الممسوح - وهو وقت ارادة القيام إلى الصلاة - إلى وقت زوال العذر وهو متمكن من ايقاعها فيه فيجب، والعدول عن المأمور به لوجود مانع لا يمنع العود إليه بعد زواله، بل يجب العود إليه لوجود السبب ومنشأ الخطأ عدم الفرق بين انتفاء الحكم لفقد السبب أو لوجود المانع " انتهى. وبذلك يظهر قوة القول بالنقض.

(الثامن) - صرح جملة من الاصحاب بانه لو تأدت التقية بالغسل عوضا عن المسح على الخفين تعين ولم يجز غيره، وكذا لو تأدت بغسل موضع المسح في الرجل لم يجب الاستيعاب، وانه لو مسح في موضع الغسل تقية بطل وضؤوه للنهي المقتضي للفساد في العبادة، وعلل الاول بان الغسل اقرب إلى المفروض بالاصل، للالصاق بالبشرة وكونه متشتملا على المسح مع زيادة، بخلاف المسح على الخفين، لعدم الالصاق، وهو لا يخلو من شوب النظر، وفي التذكرة جعله اولى ولم يجزم بتعينه، ولعله الاولى. واحتمل بعضهم في الثاني الصحة لان النهي لوصف خارج عن العبادة.

(التاسع) - هل يشترط في العمل بالتقية في هذا الموضع وغيره عدم المندوحة ام لا ؟ قولان، اختار ثانيهما ثاني الشهيدين في روض الجنان، وبه صرح اولهما أيضا في مسألة مسح الرجلين مع البيان وثاني المحققين من شرح القواعد، واختار الاول السيد في المدارك معللا له بانتفاء الضرر مع وجود المندوحة فيزول المقتضى. اقول: ويؤيده ايضا ان المكلف لا يخرج عن عهدة التكليف يقينا الا بالاتيان بما كلف به شرعا، خرج ما إذا استلزم فعله ضرر التقية ونحوها، فيجوز له الخروج عن الاول إلى ما يندفع به الضرر، والى هذا مال افاضل متأخري المتأخرين. الا ان المفهوم من الاخبار الواردة في استحباب الجماعة مع المخالفين - والحث


[ 316 ]

العظيم عليها، والثواب الموعود عليها، حتى ان من صلى معهم كان كمن صلى مع رسول الله (صلى الله عليه واله) مع استلزام ذلك ترك بعض الواجبات احيانا - مما يؤيد القول بالجواز مع المندوحة كما هو خيرة الشهيدين. وقد صرح المحقق الشيخ علي (رحمه الله) في بعض فوائده بالتفصيل بين ما إذا كان المأمور به في التقية بطريق الخصوص فيصح وان كان ثمة مندوحة، أو بطريق العموم فلا يجزي الا مع عدم المندوحة، وظاهر كلامه (قدس سره) يعطي ان وجه الفرق حيث ان الشارع في الاول بسبب نصه على ذلك الحكم بخصوصة اقامة مقام المأمور به حين التقية بخلاف الثاني.

(العاشر) - إذا فعل المكلف فعلا على وجه التقية من العبادات أو المعاملات فهو صحيح مجزي بلا خلاف، لكن الخلاف في انه لو تمكن في العبادة قبل خروج وقتها من الاتيان بها على وجهها هل تجب الاعادة ام لا ؟ صرح المحقق الشيخ علي (رحمه الله) بتفريع ذلك على ما قدمنا نقله عنه من التفصيل بانه ان كان متعلق التقية مأذونا فيه بخصوصه كغسل الرجلين في الوضوء والتكتف في الصلاة، فانه إذا فعل على الوجه المأذون فيه كان صحيحا مجزئا وان كان للمكلف مندوحة من فعله، التفاتا إلى ان الشارع اقام ذلك الفعل مقام المأمور به حين التقية كما تقدمت الاشارة إليه، فكان الاتيان به امتثالا فيقتضي الاجزاء، قال: " وعلى هذا فلا تجب الاعادة ولو تمكن منها على غير وجه التقية قبل خروج الوقت، ولا اعلم في ذلك خلافا من الاصحاب " وبملخص هذا الكلام صرح في شرح القواعد ثم قال: " واما إذا كان متعلقها لم يرد فيه نص على الخصوص كفعل الصلاة إلى غير القبلة، والوضوء بالنبيذ، ومع الاخلال بالموالاة فيجف اعضاء الوضوء كما يراه بعض العامة فان المكلف يجب عليه إذا اقتضت الضرورة موافقة اهل الخلاف فيه اظهار الموافقة لهم ثم ان امكن الاعادة في الوقت بعد الاتيان به لوفق التقية وجبت، ولو خرج الوقت نظر


[ 317 ]

في دليل يدل على وجوب القضاء، فان حصل الظفر به اوجبناه وإلا فلا، لان القضاء انما يجب بامر جديد. ونقل عن بعض اصحابنا القول بعدم الاعادة مطلقا، نظرا إلى كون المأتي به شرعيا فيكون مجزئا على كل تقدير. ورد بان الاذن في التقية من جهة الاطلاق لا يقتضي ازيد من اظهار الموافقة مع الحاجة " انتهى. وانت خبير بانه ان اشترط في جواز العمل بالتقية عدم المندوحة، يلزم على قوله انه مع المندوحة تجب الاعادة وقتا وخارجا. ثم لا يخفى عليك ان المسألة لخلوها عن النص الصريح لا تخلو عن الاشكال وما ذكره من التعليل في المقام عليل. إلا ان الذي يقرب إلى الفهم العليل والذهن الكليل - من اخبار حفظة التنزيل الدالة على الامر بمخالطة العامة ومعاشرتهم وعيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم، حتى ورد " ان استطعتم ان تكونوا الائمة والمؤذنين فافعلوا " (1) والتأكيد على الصلاة معهم ونحو ذلك، مع استلزام ذلك المخالفة في بعض الافعال البتة - هو صحة ما اوجبته التقية مطلقا، سواء كان مأمورا به بطريق الخصوص أو العموم، له مندوحة عن الاتيان به تقية ام لا، فان المفهوم من تلك الاخبار ان الغرض من ذلك هو تأليف القلوب واجتماعها لدفع الضرر والطعن على المذهب واهله كما يشعر به قول الصادق (عليه السلام) بعد الامر بما قدمنا ذكره: " فانكم إذا فعلتم ذلك قالوا هؤلاء الجعفرية رحم الله جعفرا ما كان احسن ما يؤدب اصحابه، وإذا تركتم ذلك قالوا فعل الله بجعفر ما كان اسوأ ما يؤدب اصحابه " لا ان الغرض اظهار الموافقة لهم في ذلك الجزئي الخاص لدفع الضرر المترتب عليه خاصة، على انه في صورة ما إذا كان مستند التقية الاخبار المطلقة. فمتى اقتضت ضرورة التقية الموافقة لهم وكان ذلك هو الواجب عليه شرعا فأتى به - وامتثال الامر يقتضي الاجزاء - فالاعادة وقتا وخارجا يحتاج إلى دليل من غير فرق بين المقامين، لان هذه المسألة في التحقيق فرد من افراد مسألة


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب - 75 - من ابواب الجماعة


[ 318 ]

ذوي الاعذار، الاظهر والاشهر فيها عدم الاعادة، وتعليل وجوب الاعادة في الوقت دون الخارج - بان اطلاق الاذن في التقية لا يقتضي ازيد من اظهار الموافقة مع الحاجة - فيه انه كان ما فعله اظهارا للموافقة هو فرضه في تلك الحال شرعا فقد مضى بعد فعله على الصحة فاعادته مع عدم الدليل لا وجه لها، والا فالواجب الاعادة في المقامين وقتا وخارجا وهو لا يقول به.

(الحادي عشر) - المشهور بين الاصحاب كراهة التكرار في المسح، وعن ظاهر الخلاف والمبسوط التحريم، وهو ظاهر المقنعة، وعن ابن حمزة انه عده من التروك المحرمة، وان ابن ادريس انه جعله بدعة، واحتمل في الذكرى ان يكون مرادهم التكرار مع اعتقاد شرعيته. ويدل على الوحدة في المسح اخبار الوضوء البياني (1) ومرفوعة ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " مسح الرأس واحدة... " وعدم الدليل على الزائد لانه حكم شرعي واثباته يحتاج إلى دليل، وربما ظهر من الانتصار دعوى الاجماع على ذلك. لكن نقل شيخنا الشهيد في الذكرى عن ابن الجنيد انه قال في بيان كيفية الوضوء: " وفي مسح الرجلين يبسط كفه اليمنى على قدمه الايمن ويجذبها من اصابع رجله إلى الكعب ومن الكعب إلى اطراف اصابعه، فمهما اصابه المسح من ذلك اجزأه وان لم يقع على جميعه، ثم يفعل ذلك بيده اليسرى على رجله اليسرى " انتهى. وما ربما يتوهم - من تناول ظواهر اخبار التثنية (3) كقولهم: " الوضوء مثنى مثنى " لذلك - مردود بما سيجئ تحقيقه ان شاء الله تعالى، ورواية يونس (4) قال:


(1) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء (2) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الوضوء (3) المروية في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء (4) المروية في الوسائل في الباب - 20 - من ابواب الوضوء


[ 319 ]

" اخبرني من رأى ابا الحسن (عليه السلام) بمنى يمسح ظهر قدميه من اعلى القدم إلى الكعب ومن الكعب إلى اعلى القدم " - مردود بما في تتمتها من قول الرواي: " ويقول: الامر في مسح الرجلين موسع: من شاء مسح مقبلا ومن شاء مسح مدبرا فانه من الامر الموسع ان شاء الله " لان الظاهر ان قوله (عليه السلام) ذلك تعليل لما فعله من الاقبال تارة والادبار اخرى. وربما كان مستند ابن الجنيد فيما قدمنا نقله عنه إلى صدر هذه الرواية اما بقطعها من عجزها أو بحمل العجز على عدم الارتباط بالصدر.


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>