تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الثاني


 

المطلب الرابع

في الأحكام

وتفصيل القول فيها يقع في مسائل:

(الأولى) - المشهور بين الاصحاب استحباب التثنية في الغسل، وتحقيق البحث في هذه المسألة يقع في مواضع:

(الأول) - اعلم انه قد اختلف الاصحاب (نور الله تعالى مضاجعهم) - بعد الاتفاق على عدم تقدير الوجوب بعدد معين، بمعنى انه لو لم يكف الكف الاول للغسل الواجب وجب الثاني والثالث وهكذا حتى يتأدى الواجب كما نقله في المختلف - في الغسلة الثانية: فالمشهور بين الاصحاب الاستحباب، بل نقل عن ابن ادريس دعوى الاجماع عليه، وكأنه لعدم الاعتداد بخلاف معلوم النسب كما صرح به، حيث قال بعد دعوى الاجماع: " ولا يعتد بخلاف من خالف من الاصحاب بانه لا يجوز الثانية، لمعروفية نسبه " وظاهره وجود القائل بالتحريم ايضا، وهو صريح الشيخ في الخلاف، حيث قال: " مسألة - الفرض في غسل الاعضاء مرة واحدة والثانية سنة والثالثة بدعة، وفي اصحابنا من قال: الثانية بدعة. وليس بمعول عليه، ومنهم من قال: ان الثانية تكلف ولم يقل بانه بدعة. والصحيح الاول " انتهى. ومنه يفهم ايضا قول ثالث


[ 320 ]

في المسألة وهو الجواز، ولكنه غير ظاهر الجواز. ونقل جمع من الاصحاب (رضي الله عنهم) عن الصدوق في الفقيه، حيث قال (1): " الوضوء مرة مرة ومن توضأ مرتين لم يؤجر ومن توضأ ثلاثا فقد ابدع " وعن البزنطي حيث نقل عنه في مستطرفات السرائر انه قال (2): " واعلم ان الفضل في واحدة واحدة ومن زاد على اثنتين لم يؤجر " - عدم استحباب الثانية. الا ان الذي يقرب عندي من هذا الكلام هو التحريم: (اما اولا) - فانه متى انتفى الاجر عليها لزم زيادتها وعدم كونها من الوضوء فتكون محرمة لعدم تصور المباح في العبادة، وبذلك صرح شيخنا الشهيد الثاني في الروض. و (اما الثانية) - فلان هذا هو الذي يدور عليه كلام الصدوق في غير هذا الموضع من الفقيه، حيث قال في موضع آخر - بعد ان روى (3) عن الصادق (عليه السلام): " والله ما كان وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) الا مرة مرة " - ما هذا لفظه: فاما الاخبار التي رويت في ان الوضوء مرتين مرتين فاحدها باسناد منقطع يرويه أبو جعفر الاحول ذكره عمن رواه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " فرض الله الوضوء واحدة واحدة، ووضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) للناس اثنتين اثنتين " وهذا على وجه الانكار لا على جهة الاخبار، كأنه (عليه السلام) يقول: حد الله حدا فتجاوزه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتعداه ؟ وقد قال الله عزوجل: " ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه " (5) وقد روي " ان الوضوء حد من حدود الله ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه وان المؤمن لا ينجسه شئ وانما يكفيه مثل الدهن " (6) وقال الصادق (عليه السلام)


(1) ج 1 ص 29. (2) رواه في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء. (3) ج 1 ص 25 وفى الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء (4) و (6) رواه صاحب الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء (5) سورة الطلاق الاية 2


[ 321 ]

" من تعدى في وضوئه كان كناقضه " (1) ثم ذكر حديث ابن ابي المقدام الآتي (2) وتأوله بحمل " اثنتين اثنتين " فيه على التجديد، ثم حمل ايضا حديث " من زاد على مرتين لم يؤجر " (3) وكذلك ما روى (4) في المرتين " انه اسباغ " على التجديد ايضا، إلى أن قال: وقد فوض الله (عزوجل) إلى نبيه (عليه السلام) أ مر دينه، ولم يفوض إليه تعدي حدوده، وقول الصادق (عليه السلام): " من توضأ مرتين لم يؤجر " (5) يعني به انه اتى بغير الذي امر به ووعد الاجر عليه فلا يستحق الاجر، وكذلك كل اجير إذا فعل غير الذي استؤجر عليه لم تكن له اجره. انتهى. وهذا الكلام - كما ترى - صريح في انكاره الثانية وقوله ببدعتها، حيث انه جعل الحد المفروض من الله تعالى في الوضوء واحدة واحدة، وان ما زاد تعد للحد، وان من يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، وفسر عدم الاجر في قوله (عليه السلام): " من توضأ مرتين لم يؤجر " (6) بانه اتى بغير الذي امر به ووعد الاجر عليه فلا يستحق الاجر، وملخصه ان التثنية تعد للحد وانه لا يستحق المثنى - على الاصل وضوئه لكونه مخالفا متعديا للحد فضلا عن التثنية - اجرا كما لا يستحق الاجير - إذا فعل غير ما استؤجر عليه - اجرا. ونقل ايضا القول بعدم الاستحباب عن ثقة الاسلام في الكافي، والذي يظهر لي من عبارته ايضا هو القول بالتحريم، حيث قال (7) بعد نقل حديث عبد الكريم الاتي (8) الدال على انه ما كان وضوء علي (عليه السلام) إلا مرة مرة - ما لفظه " هذا دليل على ان الوضوء انما هو مرة مرة لانه (عليه السلام) كان إذ ورد عليه امران كلاهما لله طاعة اخذ باحوطهما واشدهما على بدنه، وان الذي جاء عنهم (عليهم السلام) انه قال: " الوضوء مرتان " إنما هو لمن لم تقنعه مرة فاستزاده فقال مرتان


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (8) المروى في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء. (7) ج 1 ص 9.


[ 322 ]

ثم قال: " ومن زاد على مرتين لم يؤجر " وهو أقصى غاية الحد في الوضوء الذي من تجاوزه اثم ولم يكن له وضوء، وكان كمن صلى الظهر خمس ركعات، ولو لم يطلق (عليه السلام) في المرتين لكان سبيلهما سبيل الثلاث " انتهى.

والمفهوم من هذا الكلام ان مراده الجمع بين اخبار المرة والمرتين والثلاث، بحمل اخبار المرة على انه الوضوء الشرعي المأمور به، واخبار المرتين على من اراد سنة الاسباغ ولم تقنعه المرة لذلك، والا فاجزاء المرة - للقدر الواجب الذي كالدهن حقيقة أو مجازا - مما لا ريب فيه، فيغسل حينئذ بالمرتين، وهو أقصى الحد في الوضوء ومنتهى الرخصة في الزيادة فيه، واخبار الثلاث الدالة على عدم الاجر بعد تجاوز الثنتين على من تجاوز هذا الحد إلى الغسل بثالثة، فانه يأثم وليس له وضوء، ويمكن توجيهه بان الثالثة - بعد غسل العضو غسلا مسبغا بالثنتين - لا مدخل لها في اداء الواجب بل هي زائدة من تلك الجهة، كزيادة الركعة الخامسة بعد الاتيان بالواجب التي هي الاربع، ولا دليل هنا على استحباب التكرار بعد اداء الواجب المتصف بكمال سنة الاسباغ، والضمير في قوله: " وهو اقصى غاية الحد " راجع إلى ما تقدم من الوضوء مرتين، ومحصل الكلام ان الوضوء الشرعي انما هو مرة مرة، واخبار المرتين انما هي لمن لم تقنعه المرة في اداء الواجب كاملا، وهذا غاية الحد في الوضوء، فمن زاد على ذلك اثم وبطل وضوؤه، وهو المراد من عدم الاجر كما اشرنا إليه آنفا، ولعل منشأ ما ذكروه توهم عود الضمير المذكور إلى قوله: " ومن زاد على مرتين " بمعنى ان الزيادة على المرتين اقصى غاية الحد، وهو توهم ظاهر البطلان، لان جعل الزيادة على المرتين الذي هو عبارة عن التثنية اقصى غاية الوضوء يدل على دخول تلك الزيادة في الوضوء الشرعي وانها جزء منه، فتكون الثانية بعد تمام الغسل بالمرتين من جملة الوضوء واجزائه، وان الاثم وعدم الوضوء انما ينصرف حينئذ إلى من تجاوزها، ويصير حديث التمثيل بمن صلى الظهر خمس ركعات انما هو لمن زاد عليها، فكيف يصح حينئذ نفي الاجر عنها بقوله:


[ 323 ]

" ومن زاد على مرتين لم يؤجر " والغرض من المرتين - كما عرفت - انما هي عبارة عن غسلة واحدة، ما هذا إلا تناقض ظاهر لا يصدر عن مثل هذا العالم الماهر. ويؤكد ما قلناه قوله اخيرا: " ولو لم يطلق... الخ " فان معناه انه لو لم يرخص لمن استزاده في المرتين لكان سبيلهما في الاثم وبطلان الوضوء سبيل الثلاث في الاثم وبطلان الوضوء بها كما ذكره، وهو دليل على ما قلناه من أن غاية الحد المرخص فيه هي المرتان المشتركتان في اداء الواجب، وان الزيادة المنفي عنها الاجر في كلامه هي المشار إليها هنا بالثلاث، وهي التي تكون موجبة للاثم ومبطلة للوضوء عنده. وانت إذا تأملت فيما تلوناه ظهر لك ان هذا عين ما ذكره الصدوق (قدس سره) من تعدي الحد بالتثنية، وعدم استحقاق الاجر على اصل الوضوء المشعر ببطلانه فضلا عن التثنية كما عرفته مما تقدم، والعجب من اولئك الفضلاء المحققين في عدم امعان النظر في كلام الشيخين المذكورين، حيث نقلوا عنهما في الكتابين المذكورين القول بعدم استحباب الثانية، بل صرح البعض منهم بصراحة كلام الكافي في عدم الحرمة والبدعية وقال انه ظاهر الصدوق، ونحن انما اطلنا البحث بنقل العبارتين وبيان ما هو المفهوم منهما ليظهر لك جلية الحال مما ذكره اولئك الابدال، وبذلك يظهر ان الظاهر ان نقل القول بالتحريم في كلام الشيخ وابن ادريس اشارة إلى ما حررناه من كلام هذين الشيخين.

(الثاني) - اعلم ان الاخبار الواردة عن العترة الاطهار (صلوات الله عليهم) اكثرها دال على الواحدة: فمنها - اخبار الوضوء البياني (1) فانها على تعددها إنما تضمنت الغسل بكف كف لكل من الاعضاء المغسولة. ومنها - قول الباقر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (2): " ان الله وتر يحب


(1) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء (2) المروية في الوسائل في الباب - 15 و 31 - من ابواب الوضوء.


[ 324 ]

الوتر فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه واثنتان للذراعين... " وقوله (عليه السلام) في حديث ميسرة (1): (الوضوء واحدة واحدة...). وقول الصادق (عليه السلام) في جواب يونس بن عمار (2) حيث سأله عن الوضوء للصلاة فقال: " مرة مرة ". وقول الباقر (عليه السلام) للاخوين في صحيحتهما عنه (3) بعد ان حكى لهما وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبعد أن قالا له: اصلحك الله فالغرفة الواحدة تجزئ للوجه وغرفة للذراع ؟ فقال: " نعم إذا بالغت فيها، والثنتان تأتيان على ذلك كله ". وقول الصادق (عليه السلام) في موثقة عبد الكريم (4): " ما كان وضوء علي (عليه السلام) الا مرة مرة ". وقوله (عليه السلام) فيما رواه في الفقيه (5) مرسلا مضمرا " من توضأ مرتين لم يؤجر ". وقول الصادق (عليه السلام) فيما ارسله عنه في الفقيه (6): " والله ما كان وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) الا مرة مرة، وتوضأ النبي (صلى الله عليه واله) مرة مرة فقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة الا به " وقوله: " وتوضأ النبي (صلى الله عليه وآله) إلى آخره " يحتمل أن يكون من مقول قول الصادق (عليه السلام) وان يكون من كلام صاحب الفقيه. فيكون خبرا مقطوعا، وهو الظاهر الذي فهمه جملة من الاصحاب. واما ما يعارضها ظاهرا من الاخبار فمنه - قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة


(1) و (2) و (4) المروى في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء. (3) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء. (5) ج 1 ص 26 وفى الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء. والحديث في الفقيه والوسائل مروى عن الصادق (ع) كما تقدم منه ص 321. (6) ج 1 ص 25 وفى الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء.


[ 325 ]

معاوية بن وهب (1): " الوضوء مثنى مثنى " وقوله (عليه السلام) في صحيحة صفوان (2): " الوضوء مثنى مثنى " وقوله في رواية زرارة (3): " الوضوء مثنى مثنى من زاد لم يؤجر عليه " وقوله في موثقة يونس (4): " يغسل ذكره ويذهب الغائط ثم يتوضأ مرتين مرتين ". وقول الرضا (عليه السلام) فيما رواه في مستطرفات السرائر عن جامع البزنطي (5): " ان الفضل في واحدة ومن زاد على اثنين لم يؤجر ". وقول الصادق (عليه السلام) في مرسلة مؤمن الطاق (6): " فرض الله الوضوء واحدة واحدة ووضع رسول الله للناس اثنتين اثنتين ". وقوله (عليه السلام) في مرسلة عمرو بن ابي المقدام (7): " أني لاعجب ممن يرغب ان يتوضأ اثنتين أثنتين وقد توضأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) اثنتين اثنتين ". وما رواه في الفقيه مضمرا مرسلا (8) " روى في المرتين انه اسباغ ". وقول الصادق (عليه السلام) في مرسلة ابن ابي عمير (9): " الوضوء واحدة فرض واثنتان لا يؤجر والثالثة بدعة ". وقوله (عليه السلام) في رواية بكير (10): " من لم يستيقن ان الواحدة من الوضوء تجزيه لم يؤجر على الثنتين ". وقوله (عليه السلام) في حسنة داود بن زربي (11): " توضأ ثلاثا ثلاثا، قال


(1) و (2) و (3) و (6) و (7) و (9) و (10) المروية في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء. (4) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب احكام الخلوة. (5) هذا الحديث - في السرائر والوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء - مروي عن نوادر البزنطى عن الصادق (ع). (8) ج 1 ص 26 وفى الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء (11) المروية في الوسائل في الباب - 32 - من ابواب الوضوء.


[ 326 ]

ثم قال لي: أليس تشهد بغداد وعساكرهم ؟ قلت بلى... ". وروى الصفار في كتاب بصائر الدرجات بسنده فيه عن عثمان بن زياد (1) " انه دخل على ابي عبد الله (عليه السلام) فقال له رجل: أني سألت اباك عن الوضوء فقال مرة مرة فما تقول انت ؟ فقال: انك لم تسألني عن هذه المسألة إلا وانت ترى اني اخالف ابي، توضأ ثلاثا ثلاثا وخلل اصابعك ". وروى في كتاب عيون اخبار الرضا (2) بسنده فيه إلى الفضل بن شاذان مما كتبه الرضا (عليه السلام) للمأمون من محض الاسلام قال فيه: " ثم الوضوء كما أمر الله في كتابه: غسل الوجه واليدين إلى المرفقين ومسح الرأس والرجلين مرة واحدة ". ورواه في موضع آخر (3) مثله إلا انه قال: " ان الوضوء فريضة واثنتان اسباغ ". وروى محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي في كتاب الرجال (4) بسنده فيه عن داود الرقي قال: " دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) فقلت له: جعلت فداك كم عدة الطهارة ؟ فقال: اما ما اوجبه الله فواحدة، واضاف إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) واحدة لضعف الناس، ومن توضأ ثلاثا ثلاثا فلا صلاة له. انا معه في ذا حتى جاء داود بن زربي فسأله عن عدة الطهارة فقال له: ثلاثا ثلاثا من نقص عنه فلا صلاة له. قال: فارتعدت فرائصي وكاد ان يدخلني الشيطان فابصر أبو عبد الله (عليه السلام) إلي وقد تغير لوني فقال: اسكن يا داود هذا هو الكفر أو ضرب الاعناق. قال: فخرجنا من عنده وكان ابن زربي إلى جوار بستان ابي جعفر المنصور وكان قد القي إلى ابي جعفر امر داود الزربي وانه رافضي يختلف إلى جعفر بن محمد، فقال أبو جعفر المنصور اني مطلع إلى طهارته فان هو توضأ وضوء جعفر بن محمد - فاني لاعرف طهارته - حققت عليه القول وقتلته، فاطلع وداود يتهيأ


(1) رواه صاحب الوسائل في الباب - 32 - من ابواب الوضوء (2) ص 266 وفى الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء (3) ص 269 وفى الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء (4) ص 200 وفى الوسائل في الباب - 32 - من ابواب الوضوء


[ 327 ]

للصلاة من حيث لا يراه فاسبغ داود بن زربي الوضوء ثلاثا ثلاثا كما امره أبو عبد الله (عليه السلام) فما تم وضوؤه حتى بعث إليه أبو جعفر المنصور فدعاه، قال: فقال داود: فلما ان دخلت عليه رحب بي وقال: يا داود قد قيل فيك شئ باطل وما انت كذلك، قد اطلعت على طهارتك وليس طهارتك طهارة الرافضي فاجعلني في حل، وامر له بمائة الف درهم، فقال داود الرقي: التقيت انا وداود الزربي عند ابي عبد الله (عليه السلام) فقال له داود بن زربي: جعلت فداك حقنت دماءنا في دار الدنيا ونرجو ان ندخل بيمنك وبركتك الجنة. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فعل الله بك وباخوانك من جميع المؤمنين. فقال أبو عبد الله (عليه السلام) لداود بن زربي: حدث داود الرقي بما مر عليك حتى تسكن روعته، قال فحدثه بالامر كله، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): لذا افتيته لانه كان اشرف على القتل من يد هذا العدو، ثم قال يا داود بن زربي: توضأ مثنى مثنى ولا تزدن عليه وانك ان زدت عليه فلا صلاة لك ". وروى الشيخ المفيد في الارشاد (1) بسنده إلى علي بن يقطين: " انه كتب إلى ابي الحسن (عليه السلام) يسأله عن الوضوء، فكتب إليه أبو الحسن (عليه السلام) فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء، والذي آمرك به في ذلك ان تتمضمض ثلاثا وتستنشق ثلاثا وتغسل وجهك ثلاثا وتخلل شعر لحيتك وتغسل يديك من اصابعك إلى المرفقين ثلاثا وتمسح رأسك كله وتمسح ظاهر اذنيك وباطنهما وتغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثا، ولا تخالف ذلك إلى غيره، فلما وصل الكتاب إلى علي بن يقطين تعجب مما رسم فيه مما جميع العصابة على خلافه، ثم قال: مولاي أعلم بما قال وانا امتثل امره، فكان يعمل في وضوئه على هذا الحد ويخالف ما عليه جميع الشيعة امتثالا لامر ابي الحسن (عليه السلام) وسعي بعلي بن يقطين إلى الرشيد وقيل له انه رافضي، فامتحنه الرشيد من حيث لا يشعر فلما نظر إلى وضوئه ناداه كذب يا علي بن يقطين من زعم انك من الرافضة


(1) ص 315 وفى الوسائل في الباب - 32 - من ابواب الوضوء


[ 328 ]

وصلحت حاله عنده، وورد عليه كتاب ابي الحسن: ابتداء من الآن يا علي بن يقطين توضأ كما امر الله: اغسل وجهك مرة فريضة واخرى اسباغا، واغسل يديك من المرفقين كذلك، وامسح بمقدم رأسك وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك، فقد زال ما كنا نخاف منه عليك، والسلام ". هذه جملة ما وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالمسألة، واصحابنا (رضوان الله عليهم) في مطولاتهم الاستدلالية لم يذكروا منها الا اليسير، وقد اختلفت كلمتهم (طيب الله تعالى مراقدهم) في الجمع بينها على اقوال: (احدها) - ما هو المشهور من حمل اخبار التثنية والمرتين على التثنية في الغسل وحمل الثانية على الاستحباب بعد الغسل كاملا بالاولى، وحمل نفي الامر في الثانية على ما إذا اعتقد وجوبها. وفيه ان الاخبار الكثيرة المستفيضة بالوضوء البياني خالية منه بل كلها مشتملة على الوحدة في الغسل، ويبعد غاية البعد الاستحباب على الوجه المذكور مع عدم اشتمال شئ منها عليه. وربما اجيب عن ذلك بان تلك الاحاديث انما وردت في مقام بيان الواجب من الوضوء خاصة. ويرد عليه (اولا) - انها دعوى خالية من الدليل، بل المتبادر منه ما كان يفعله (صلى الله عليه وآله) في وضوئه غالبا، وهو مشتمل على الواجب والمستحب لا المفترض خاصة، وإلا لكان الانسب في السؤال أو الحكاية ابتداء ان يسأل عن المفترض أو يقال: الا احكى لكم ما افترضه الله من الوضوء. و (ثانيا) - ان جملة من الاخبار حكاية وضوئهم (عليهم السلام) كخبر عبد الرحمان بن كثير الهاشمي (1) الوارد في صفة وضوء مولانا امير المؤمنين (عليه السلام)


(1) المروي في الوسائل في الباب - 16 - من ابواب الوضوء


[ 329 ]

مع اشتماله على جملة من المستحبات، فانه ليس فيه تصريح بشئ من ذلك، بل هو ظاهر الدلالة على العدم، وصحيحتي ابي عبيدة الحذاء (1) وحماد بن عثمان (2) في وصف وضوء الباقر والصادق (عليهما السلام) سيما مع ارداف بعض اخبار الوحدة بالقسم كما تقدم. (وثالثا) - انه قد روى زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال قال: " الوضوء مثنى مثنى من زاد لم يؤجر عليه، وحكى لنا وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله): فغسل وجهه مرة واحدة وذراعيه مرة واحدة ومسح رأسه بفضل وضوئه ورجليه " وأنت خبير بانه مع حمل التثنية في الخبر على ما هو المشهور من استحباب غرفة ثانية والغسل مرة ثانية ينافي ما حكاه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من المرة الواحدة، فيحصل التدافع بين صدر الخبر وعجزه. (الثاني) - ما ذهب إليه الصدوق (طاب ثراه) في الفقيه من حمل المرتين في تلك الاخبار على التجديد تارة وعلى الغسلتين اخرى كما قدمنا من كلامه، ففي مثل حديث مؤمن الطاق (4) حمل " اثنتين اثنتين " فيه على غسلتين غسلتين ولكن تأوله بالحمل على الانكار دون الاخبار، مستندا إلى ما عرفته ثمة من أن " الوضوء حد من حدود الله وانه لا يجوز ان يحد الله حدا ويتجاوزه رسوله، وأنه تعالى فوض إلى نبيه امر دينه ولم يفوض إليه تعدي حدوده " وكذا فيما رواه من قول الصادق (عليه السلام) (5) " من توضأ مرتين لم يؤجر " حمله على الغسلتين واوضح نفي الاجر فيه بما تقدم في كلامه، وحمل حديث أبن أبي المقدام على التجديد، وعلى ذلك أيضا حمل ما رواه مرسلا (7) من " ان المرتين اسباغ " قال: " والخبر الذي روى " أن من زاد على مرتين لم يؤجر،


(1) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء (2) و (3) و (4) المروى في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء. (5) و (7) ج 1 ص 26 وفى الوسائل في الباب - 31 - من أبواب الوضوء. (6) المتقدم في الصحيفة 325.


[ 330 ]

يؤكد ما ذكرته، ومعناه أن تجديده بعد التجديد لا اجر له كالاذان، من صلى الظهر والعصر باذان واقامتين اجزأه، ومن أذن للعصر كان أفضل، والاذان الثالث بدعة لا أجر له " انتهى. ولا يخفى عليك ما فيه من التكلف الظاهر والنظر الغير الخفي على الماهر: (أما أولا) - فلان ما تأول به رواية مؤمن الطاق من الحمل على الانكار دون الاخبار مدخول بان صدر رواية الكشى المتقدمة (1) قد تضمن أن الثانية اضافة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) على وجه لا يقبل التأويل. و (أما الثانيا) - فلان ما استند إليه من أن " الوضوء حد من حدود الله... الخ " مهدوم بما رواه هو وغيره من الاخبار الدالة على أن الذي فرضه الله تعالى من الصلاة إنما هو ركعتان فاضاف رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الثلاثية منها ركعة والى الرباعية اثنتين (2) وفي بعض الاخبار " وفوض الله إلى محمد فزاد وهي سنة ". و (أما ثالثا) - فلان التجديد لا ينحصر في دفعتين خاصة حتى يمكن حمل حديث (مثنى مثنى) و " مرتين مرتين " أو نحوهما عليه، كما توهمه (قدس سره) وتبعه جمع من الفضلاء عليه، إذ الظاهر من الادلة وكلام الاصحاب في هذا الباب هو استحباب التجديد وان ترامى مع الفصل ولو بنافلة، وعموم الادلة - مثل قولهم (عليهم السلام): " الوضوء على الوضوء نور على نور " (3) وقولهم: " من جدد وضوءه من غير حدث جدد الله توبته من غير استغفار " (4) وقولهم: " الطهر على الطهر عشر حسنات (5) " وغير ذلك - شاهد على ما ذكرنا من الزيادة على الدفعتين والثلاث والازيد. وأما ما تكلفه (ره) - في معنى " من زاد على المرتين لم يؤجر " من قوله: " ومعناه


(1) في الصحيفة 326. (2) روى صاحب الوسائل هذه الاخبار في الباب - 13 - من اعداد الفرائض من كتاب الصلاة (3) و (4) و (5) المروي في الوسائل في الباب - 8 - من أبواب الوضوء.


[ 331 ]

أن تجديده بعد التجديد لا اجر له.. الخ " - ففيه انه إن أراد التجديد من غير تخلل زمان أو صلاة أو نحوهما فالتجديد الاول أيضا لا أجر له، بل هو ليس بتجديد لان الوضوء جديد، وإن أراد به التجديد مع التخلل كما في مثال الاذان الذي اورده فقوله: " لا أجر له " ممنوع، كيف وهو نفسه وروى في هذا المقام عن النبي (صلى الله عليه وآله ": " انه كان يجدد الوضوء لكل فريضة ولكل صلاة (1) ". و (أما رابعا) - فلان حمل الاسباغ على التجديد فيما رواه (2) من " أن المرتين اسباغ " مما لا يكاد يشم له رائحة من الاخبار ولا من كلام أحد من الاصحاب، إذ الظاهر المتبادر من الاسباغ هو الاكثار من ماء الوضوء لا تكراره، والعجب من جمع من محققي متأخري المتأخرين حيث تبعوه في هذا التأويل وجعلوا عليه المدار والتعويل من غير إعطاء التأمل حقه في ذلك ولا إمعان النظر فيما هنالك.

(الثالث) - ما ذهب إليه الشيخ حسن في المنتقى قال (قدس سره) - بعد نقل الخبر الدال على قوله: " مثنى مثنى " -: " والمتجه حمله على التقية، لان العامة تنكر الوحدة وتروى في أخبارهم التثنية " (3) انتهى.


(1) رواه صاحب الوسائل في الباب - 8 - من أبواب الوضوء. (2) ج 1 ص 26 وفى الوسائل في الباب - 31 - من أبواب الوضوء. (3) في البحر الرائق لابن نجيم ج 1 ص 23 " الاولى فرض والثنتان سنة. وذكروا لدليل السنة ان رسول الله (صلى الله عليه وآله). توضأ مرة وتوضأ مرتين وتوضأ ثلاثا " وهذه الروايات التى أشار إليها رواها البخاري في صحيحه أول باب الوضوء وفى بداية المجتهد لابن رشد المالكى ج 1 ص 11 " انفق لعلماء على أن الواجب من طهارة الاعضاء المغسولة المرة إذا اسبغ وان الاثنتين والثلاث مندوب اليهما، وفى المهذب لابي اسحاق الشيرازي الشافعي ج 1 ص 17 " يستحب أن يتوضأ ثلاثا وإن اقتصر على مرة واسبغ اجزأه وان خالف بين الاعضاء فغسل بعضها مرة وبعضها مرتين وبعضها ثلاثا جاز " وفى المغنى لابن قدامة ج 1 ص 139 " الوضوء مرة مرة والثلاث أفضل في قول اكثر اهل العلم. ولم يوقت -


[ 332 ]

أقول: وقد نقل القول بذلك في المعتبر عن الشافعي وأبي حنيفة وأحمد، ونقل من رواياتهم في ذلك ما رووه عن ابن عمر (1) انه قال: " توضأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرة مرة وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، ثم توضأ مرتين وقال: من ضاعف وضوءه ضاعف الله له الاجر، ثم توضأ ثالثة وقال: هذا وضوئي ووضوء الانبياء من قبلي ". ثم لا يخفى عليك أن ما ذكره من الحمل وإن كان لا بأس به بحسب الظاهر، إلا أنه مما لا تجتمع عليه روايات المسألة كملا، لما عرفت في قصتي داود بن زربي وعلى بن يقطين ورواية بصائر الدرجات (2) من أن التقية انما كانت في الغسلات الثلاث وأنهم (عليهم السلام) أمروا داود وعلي بن يقطين بعد زوال المحذور بالتثنية، وقد تضمن صدر رواية داود تعليل الامر باضافة الرسول (صلى الله عليه وآله) الثانية بانها لضعف


- مالك المرة أو الثلاث، وعند الاوزاعي الوضوء ثلاثا إلا غسل الرجلين فانه ينقيهما ويجوز غسل بعضها مرة وبعضها اكثر " وفي فتح الباري لابن حجر ج 1 ص 166 " من الغريب ما عن بعض العلماء من عدم جواز النقص عن الثلاث لمخالفته الاجماع، وقول مالك في المدونة -: لا احب الواحدة - ليس فيه ايجاب الزيادة عليها " وفى شرح النووي على صحيح مسلم بهامش إرشاد السارى ج 2 ص 213 " اجمع المسلمون على أن الواجب في غسل الاعضاء مرة وعلى أن الثلاث سنة، وجاءت الاحاديث الصحيحة بالغسل مرة وثلاثا وبعضها مرة وبعضها مرتين وبعضها ثلاثا، واختلافها دليل الجواز وان الثلاث كمال والواحدة تجزؤ، وعلى هذا يحمل اختلاف الاحاديث " (1) في سنن البيهقى ج 1 ص 80 عن معاوية بن قرة عن ابن عمر قال: " دعا النبي (صلى الله عليه وآله) بماء فتوضأ واحدة فقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة الا به، ثم دعا بماء فتوضأ مرتين وقال: هذا وضوء من يؤتى اجره مرتين، ثم دعا بماء فتوضأ ثلاثا ثلاثا وقال: هذا وضوئي ووضوء الانبياء قبلي ". (2) في الصحيفة 326 و 327.


[ 333 ]

الناس، وتضمنت رواية علي بن يقطين تعليلها بالاسباغ، وعاضدها في ذلك أيضا ما عرفت من بعض الاخبار. وقال بعض فضلاء متأخرى المتأخرين بعد نقل كلام المنتقى ما صورته: " هو بعيد، لان معظم العامة ورواياتهم المعتمدة على التثليث (1) فلا تتأدى التقية بالمرتين " انتهى. وشيخنا البهائي (طاب ثراه) في كتاب الحبل المتين بعد أن نقل حسنة داود ابن زربى (2) احتمل فيها أن المراد بالتثليث فيها تثليث الاعضاء المغسولة بمعنى زيادة إدخال الرجلين في الغسل، ثم قال: " ويكون الامر بالتقية في غسل الرجلين كما ورد مثله من أمر الكاظم (عليه السلام) علي بن يقطين بغسل الرجلين تقية للرشيد، والقصة مشهورة أوردها المفيد في الارشاد وغيره، ويؤيد هذا الحمل ان هذا هو الفعل الذي اشتهر بين العامة انه الفصل المميز بينهم وبين الخاصة، وأما قولنا بوحدة الغسلات أو تثنيتها وكون الزائد على ذلك بدعة عندنا، فالظاهر انه لم يشتهر بينهم ولم يصل إلى حد يكون دليلا على مذهب فاعله حتى يحتاج إلى التقية فيه، على أن الغسلة الثالثة ليست عندهم واجبة وربما تركوها " انتهى كلامه زيد مقامه. وهو قوي بالنظر إلى إجمال تلك الرواية التي نقلها، أما بالنظر إلى ما اشتملت عليه روايتا الكشى والمفيد (3) من قصتي داود وعلي بن يقطين فغير تام، فانهما صريحان في كون التثليث إنما هو في الغسلات كما لا يخفى، وما ذكره (طاب ثراه) - من أن غسل الرجلين هو الذي اشتهر كونه فصلا مميزا بين الخاصة والعامة دون التثليث - جيد إلا أن المفهوم من تتبع الاخبار ومطالعة السير ان مذاهب العامة خذلهم الله ليس لها حد


(1) تقدم في التعليقة 3 في الصحيفة 231 ماله دخل في المقام. (2) المتقدمة في الصحيفة 326 (3) المتقدمتان في الصحيفة 326 و 327


[ 334 ]

ولا انضباط في الصدر الاول، فربما اشتهر القول بينهم في عصر من الاعصار على وجه لا يتمكن أحد من العمل بخلافه وندر في عصر آخر، لان المدار في شيوع تلك المذاهب على ما اعتنت به سلاطين الجور وأئمة الضلال من نصب قضاة من جهتهم وحمل الناس على العمل بما يفتون به، ولا ريب ان عمل كل من قضاتهم وفقهائهم إنما هو على ما تستحسنه عقولهم وتقتضيه قياساتهم، فلا قاعدة لهم مربوطة ولا سنة لهم مضبوطة، واشتهار هذه المذاهب الاربعة إنما وقع أخيرا كما صرح به جملة من علمائنا وعلمائهم، وحينئذ فمن الجائز إشتهار التثليث في الغسل في ذلك الوقت وإن ندر في وقت آخر، ومن ذلك يعلم أيضا قرب احتمال التقية في أخبار التثنية كما احتمله في المنتقى، على أن الذي رأيته فيما حضرني من كتبهم الفروعية ذكر التثليث في مستحبات الوضوء مصرحين بان الاولى فرض والثانية سنة والثالثة كمال السنة، ولعل إشتهار التثليث عندهم - وملازمتهم عليه على وجه يتهمون من تركه بكونه رافضيا، كما سمعته من قصتي داود وعلي بن يقطين - أن الشيعة لما انكرته تمام الانكار بل أبطلوا به الوضوء كما دلت عليه نصوصهم ردا على العامة، شدد العامة الامر فيه أيضا ردا على الشيعة ولازموا عليه تمام الملازمة عنادا لهم، ويؤيده انهم قد تركوا كثيرا من السنن مع إعترافهم بكونها كذلك عنادا للشيعة لملازمتهم عليها، كما أوضحنا جملة من ذلك في بعض رسائلنا، فجعلوا كل من لم يعمل بالتثليث رافضيا، والعجب من شيخنا البهائي (طاب ثراه) حيث استند إلى قصة علي بن يقطين في دلالتها على الامر بغسل الرجلين تقية وحمل التثليث على ضم غسل الرجلين إلى غسل العضوين الآخرين، وغفل عما دلت عليه صريحا من الامر بغسل كل من تلك الاعضاء ثلاثا ثلاثا، ولعله (قدس سره) لم يلاحظ الرواية وقت التصنيف.

(الرابع) - ما ذهب إليه شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين من حمل التثنية على الغسل والمسح، قال في الكتاب المذكور: " ولا يخفى إحتمال تلك الاخبار لمعنى آخر طالما يختلج بالبال، وهو أن يكون (عليه السلام) اراد بقوله: " الوضوء مثنى


[ 335 ]

مثنى " ان الوضوء الذي فرضه الله إنما هو غسلتان ومسحتان لا كما يزعمه المخالفون من أنه ثلاث غسلات ومسحة واحدة، وقد اشتهر عن ابن عباس انه كان يقول: " الوضوء غسلتان ومسحتان (1) نقله الشيخ في التهذيب وغيره، ومما يؤيد هذا الحمل ما تضمنه الحديث العاشر أعني حديث يونس بن يعقوب (2) من قول الصادق (عليه السلام) في جواب السؤل عن الوضوء الذي افترضه الله على العباد: " يتوضأ مرتين مرتين " فان المراد بالمرتين فيه الغسلتان والمسحتان لا تثنية الغسلات، فانها ليست مما افترضه الله على العباد " انتهى. وما ذكره (رحمه الله) وإن أمكن احتماله بالنسبة إلى صحيحتي معاوية بن وهب وصفوان (3) الدالتين على أن " الوضوء مثنى مثنى " لاجمالهما وكذا حديث يونس بن يعقوب إلا أنه لا يجري في غيرهما مما يدل على التثنية من الاخبار المتقدمة، فلا يحسم مادة الاشكال.

(الخامس) - ما ذهب إليه بعض من الاصحاب من حمل تلك الاخبار على بيان نهاية الجواز، والى هذا يميل كلام السيد السند في المدارك، حيث قال - بعد نقل كلام المشايخ الثلاثة المتقدم - ما لفظه: " ومقتضى كلام المشايخ الثلاثة (رضوان الله عليهم) أفضلية المرة الواحدة، وهو الظاهر من النصوص، وعلى هذا فيمكن حمل الاخبار المتضمنة للمرتين على أن المراد بها بيان نهاية الجواز، ثم استشهد بقوله (عليه السلام)


(1) رواه صاحب الوسائل في الباب - 25 - من أبواب الوضوء، وفى التهذيب ص 18 ورواه عن ابن عباس الطبري في تفسيره ج 10 ص 58 الطبعة الثانية وابن كثير في تفسيره ج 2 ص 25 وابن العربي في أحكام القرآن ج 1 ص 239 والعيني في عمدة القارى ج 1 ص 657. (2) المروى في الوسائل في الباب - 9 - من أبواب أحكام الخلوة. (3) المتقدمتين في الصحيفة 325.


[ 336 ]

في صحيحة الاخوين المتقدمة (1): " والثنتان تأتيان على ذلك كله " ثم قال: وأعلم المستفاد من كلام الاصحاب أن المستحب هو الغسل الثاني الواقع بعد إكمال الغسل الواجب، وانه لو وقع الغسل الواحد بغرفات متعددة لم يوصف باستحباب ولا تحريم، والاخبار إنما تدل - بعد التسليم - على أن الاستحباب كون الغسل الواجب بغرفتين، والفرق بين الامرين ظاهر " انتهى. والظاهر أنه جنح هنا إلى القول الثالث الذي قدمنا نقله عن الشيخ في الخلاف وحمل عليه كلام المشايخ الثلاثة، متمسكا ينفي الاجر على الثانية. وفيه ما قد عرفته سابقا في ذيل كلام ذينك الشيخين الاعظمين، وهو (قدس سره) لم ينقل من كلام الصدوق إلا ما قدمنا نقله عنه أولا (2) من قوله: " الوضوء مرة مرة، ومن توضأ مرتين مرتين لم يؤجر، ومن توضأ ثلاثا فقد ابدع " دون الكلام الاخير الذي هو ظاهر الدلالة بل صريحها فيما أدعيناه، ثم ان قوله (طاب ثراه): " واعلم أن المستفاد... الخ " ظاهر الدلالة في الرجوع عما ذكره أولا، إذ ظاهر الكلام الاول ان الثانية التي هي نهاية الجواز إنما هي بعد تمام الغسل الواجب، وكلامه الاخير ظاهر المخالفة لذلك، ولعل في قوله أولا: " وعلى هذا فيمكن... الخ " اشارة إلى ذلك، ثم انه مع الاغماض عما ذكرنا فهذا الحمل لا تنطبق عليه أخبار المسألة كملا على وجه يحسم مادة النزاع، لعدم جريانه في الاخبار الدالة على أن الثانية اسباغ كما هو ظاهر.

(السادس) - ما ذكره المحدث الكاشاني (قدس سره) في الوافي من حمل احاديث الوحدة على الغسلة وأحاديث التثنية على الغرفة، قال: " وبهذا تكاد تتوافق جميع الاخبار وينكشف عنها الغبار، كما يظهر بعد التأمل في كل كل، وإن كان أيضا لا يخلو من تكلف إلا أنه أقل تكلفا مما ذكروه، فيصير معنى حديث مؤمن الطاق (3)


(1) في الصحيفة 324. (2) في الصحيفة 320 (3) المتقدم في الصحيفة 325


[ 337 ]

" ان الفرض في الوضوء إنما هو غسلة واحدة، ووضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) للناس غرفتين لتلك الغسلة " فهو تحديد منه لما لم يرد له من الله تحديد ليس بتعد من حد، وأما الثنتان في قوله: " واثنتان لا يؤجر " (1) فالمراد بهما الغسلتان، والمراد بالواحدة والثنتين في قوله: " من لم يستيقن أن الواحدة من الوضوء تجزيه لم يؤجر على الثنتين " الغرفة والغرفتان، والدليل على هذا التأويل ما مضى من حيث زرارة وبكير: " فقلنا اصلحك الله فالغرفة الواحدة تجزئ للوجه وغرفة للذراع ؟ فقال: نعم ان بالغت فيها والثنتان تأتيان على ذلك كله " انتهى. وظني أن هذا الاحتمال اقرب من تلك الاحتمالات إلى الروايات، لكن لا على ما يفهم من كلامه (رحمه الله) من حمل لفظ الواحدة والمرة على الغسلة كائنا ما كان، بل على ما تقتضيه القرائن الحالية وتساعده المقامات المقالية، ومن أن الغسلة المفروضة يستحب ان تكون بغرفتين دائما، كما ذكره في توجيه رواية مؤمن الطاق (4) من حمل الوحدة على الغسلة والتثنية على الغرفة، وان ذلك تحديد منه (صلى الله عليه وآله) لما فرضه الله تعالى، فانه خلاف ما استفاض عنه (صلى الله عليه وآله) في حكاية وضوئه وعن أبنائه (عليهم السلام) في الحكاية عنهم من أن الوضوء غرفة غرفة، إذ لو كان قد وقع الغرفتين حدا لتلك الغسلة بمعنى أنه سن ان تكون الغسلة بغرفتين، لكان هو (صلى الله عليه وآله) أولى من لازم عليه كما ندب إليه، وأبناؤه (عليهم السلام) اولى من أحيى سنته ونهج طريقه، بل الظاهر أن المراد منها أن الفرض الذي أوجبه الله تعالى في الوضوء الغسل ولو كالدهن، وهو يحصل بالغرفة المتعارفة الغير المبالغ فيها،


(1) في مرسل ابن ابى عمير المتقدم في الصحيفة 325. (2) في رواية ابن بكير المتقدمة في الصحيفة 325 (3) المروى في الوسائل في الباب - 15 - من أبواب الوضوء. (4) المتقدمة في الصحيفة 325


[ 338 ]

وزاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) غرفة اخرى ليحصل بالجميع سنة الاسباغ، وعلى هذ ينطبق كل من هذه الرواية ورواية الكشى.

(السابع) - ما خطر بالبال العليل والفكر الكليل، وبيانه أن الواجب من الغسل هو ما يحصل به مسمى الجريان اتفاقا، وهو يحصل بالغرفة اليسيرة إن حملنا أخبار الدهن على المبالغة، وإلا فقد عرفت ما سبق أن العمل بها على ظاهرها لا يخلو من قوة ورجحان، وحينئذ نقول هنا: ان بعضا من تلك الاخبار المتقدمة تضمنت أن التثنية من الاسباغ المستحب في الوضوء كما استفاض في جملة من الاخبار، ومعنى الاسباغ هو الغسل الواجب بماء كثير يتيقن استيعابه للعضو، ولا يستلزم تعدد الغرفات بل قد يكون بغرفة واحدة مملوءة، فالاسباغ حينئذ يحصل إما بمل ء الكف من الماء مرة واحدة، كما حكاه حماد بن عثمان في صحيحته عن الصادق (عليه السلام) في حكاية وضوئه (عليه السلام) حيث قال: " فدعا بماء فملأ به كفه فعم به وجهه، ثم ملأ كفه فعم به يده اليمنى، ثم ملأ كفه فعم به يده اليسرى... الحديث " وكما حكاه زرارة في صحيحته عن أبي جعفر (عليه السلام) في حكايته وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فان ذلك مبني على سنة الاسباغ، إذ الغسل الواجب يحصل بما هو كالدهن، وهو يحصل بالغرفة اليسيرة كما لا يخفى، أو بالمرتين الغير المملوءتين، كما هو الظاهر من أحاديث التثنية بقرينة ما دل منها على ان الثانية اسباغ حملا لمطلقها على مقيدها، وقد أستفيد كلا الفردين من صحيحة الاخوين حيث قالا له: " فالغرفة الواحدة تجزئ للوجه وغرفة للذراع ؟ فقال: نعم إذا بالغت فيها والثنتان تأتيان على ذلك كله " فان ذلك كله مبني على سنة الاسباغ البتة، وبعين ذلك يقال


(1) المتقدمة في الصحيفة 326 (2) المروية في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من أبواب الوضوء.


[ 339 ]

في رواية مؤمن الطاق وما في معناها مما دل على ان الفريضة واحدة وزاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) الثانية لسنة الاسباغ فيغسل بمجموعهما العضو لاجل الاسباغ، والظاهر ان معنى قوله في رواية داود الرقي المنقولة عن الكشى: " واضاف إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) الثانية لضعف الناس " اي ضعف عقولهم بسبب عدم مقاومة الوساوس الشيطانية بالشك في وصول الماء إلى جميع العضو عند الاكتفاء بغرفة، فسن (صلى الله عليه وآله) الثانية ليحصل الجزم والاطمئنان باستيعاب العضو بالغسل. (لا يقال): ان زيادة رسول الله (صلى الله عليه وآله) الغرفة الثانية لسنة الاسباغ ينافيه الحصر في المرة في قوله (عليه السلام) في موثقة عبد الكريم (3): " ما كان وضوء علي (عليه السلام) الا مرة مرة " والقسم في قوله (عليه السلام) في مرسلة الصدوق: " والله ما كان وضوء رسول الله (صلى اله عليه وآله) إلا مرة مرة ". (لانا نقول): قد عرفت ان الاسباغ يحصل باحد فردين: اما بالغرفة المبالغ فيها كما عرفت من ذينك الحديثين المتقدمين (5) أو الثنتين الغير المبالغ فيهما، وهذان الخبران محمولان على الاول. وبالجملة فان بعض الاخبار تضمن ان الغرفة الثانية لسنة الاسباغ، وبعض الاخبار تضمن الغرفة المملؤة والمبالغ فيها، ومن الظاهر البين أن المبالغة فيها وملا الكف بها انما هو لتحصيل سنة الاسباغ كما عرفت، وبعض الاخبار جمعهما معا، وبعض تضمن الغرفة أو المرة من غير ذكر المبالغة والملأ مع كونه مما يجب حمله على الوجه الاكمل، وبعضها تضمن الثنتين من غير ذكر الاسباغ، فالواجب حمل ما تضمن منن الاخبار المرة أو الغرفة عاريا عن القيد على مقيدها ليكون واقعا على الوجه الاكمل، وما تضمن التثنية


(1) المتقدمة في الصحيفة 325 (2) المتقدمة في الصحيفة 326 (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 31 - من أبواب الوضوء. (5) وهما صحيحا حماد وزرارة المتقدمان في الصحيفة 338


[ 340 ]

عاريا عن ذلك القيد ايضا على مقيدها بذلك القيد، وعليه تجتمع الاخبار. على أنه يمكن ايضا أن يقال: انه يجوز أن تكون التثنية مخصوصة بغيرهم (صلوات الله عليهم) ممن يضعف عقله عن الاكتفاء بالواحدة، كما يستفاد من ظاهر حديث الكشي المتقدم ويؤيده ما تقدم من كلام ثقة الاسلام: " ان الذي جاء عنهم (عليهم السلام) انه قال: " الوضوء مرتان " إنما هو لمن لم تقنعه المرة استزاده " ثم إنه حيث كانت سنة الاسباغ - كما عرفت تحصل بالغرفة الثانية متى اضيفت إلى الاولى وغسل العضو مجموعهما، فالغرفة الثالثة حينئذ تكون بعد تمام الغسل فتوصف بالبدعة وعدم الاجر، وهذا معنى ما رواه في مستطرفات السرائر عن الرضا (عليه السلام) من " ان الفضل في واحدة واحدة ومن زاد على اثنتين لا يؤجر " اي الفضل في واحدة واحدة مملوءة لان فيه سنة الاسباغ الذي فيه الفضل أو اثنتين غير مملوءتين كما هو المتفساد مما قدمناه، وهو مطوي هنا في الكلام ومثله كثير، ومن زاد على اثنتين لم يؤجر، وهذا هو الذي صرح به ثقة الاسلام والصدوق (قدس سرهما) فيما قدمنا في تحقيق كلامهما. وأما قوله في مرسلة أبن ابي المقدام: " إني لاعجب ممن يرغب أن يتوضأ اثنتين اثنتين وقد توضأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) اثنتين اثنتين " مع استفاضة الاخبار البيانية بان وضوءه (صلى الله عليه وآله) ما كان الا بغرفة غرفة، فلعل المعنى فيه - سبحانه وقائلة أعلم - انه كما واظب على الغرفة المملوءة في الاكثر كذلك توضأ في بعض الاوقات بغرفتين خفيفتين، كما أمر به فيما نقله عنه ابناؤه (سلام الله عليهم) من انه زاد الثانية لسنة الاسباغ، والامام (عليه السلام) هنا تعجب ممن رغب عن هذه السنة التي سنها رسول الله (صلى الله عليه وآله) والحال انه قد اتى بها في بعض وضوءاته


(1) ص 326 (2) رواه صاحب الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء. وقد تقدم في التعليقة 5 ص 325 ان الحديث عن الصادق (عليه السلام) (3) المروية في الوسائل في الباب - 31 - من أبواب الوضوء.


[ 341 ]

وأما ما تضمنته رواية ابن بكير من ان " من لم يستيقن ان الواحدة تجزيه لم يؤجر على الثنتين " فلعل معناه انه لما كانت الواحدة هي الفرض من الله سبحانه وان الواجب المفروض يتأدى بمثل الدهن كما استفاضت به الاخبار، فمن لم يعتقد اجزاءها بل اعتقد فرض الثنتين كان مبدعا مشرعا في وضوئه، لاعتقاده وجوب ما ليس بواجب وهو الثانية فلا يؤجر على وضوئه، وهو عين ما ذكره الصدوق مما قدمنا نقله عنه. واما ما تضمنته مرسلة ابن ابي عمير (2) - وهي مضمون عبارة الصدوق المتقدمة أولا من أن " الوضوء واحدة فرض واثنتان لا يؤجر والثالثة بدعة " - فيحتمل بمعونة ما ذكرناه في رواية ابن بكير أن الواحدة والاثنتين بمعنى الغرفة وان عدم الاجر على الثنتين مع عدم اعتقاد اجزاء الواحدة التي هي الفرض، وأما الثالثة فهي بدعة لانها زيادة على ما جاءت به السنة، بخلاف الثانية، فانها سنة للاسباغ بها كما عرفت، ولعل في التعبير بعدم الاجر إشارة إلى ذلك. ويحتمل حمل الواحدة والاثنتين على الغسلة والغسلتين، ومعناه حينئذ أن الغسلة الواحدة فرض والغسلتان لا يؤجر. وقد عرفت ان معنى هذا اللفظ الكناية عن البدعية والتحريم، وحينئذ فيكون المراد بلفظ البدعة في الثالثة بمعنى المبتدع المخترع لا ما قابل السنة، وإلا فقد عرفت ان الثانية بدعة بذلك المعنى، فمرجع عدم الاجر في الثانية والبدعية في الثالثة إلى امر واحد. وأما ما ذكره جملة من محققي متأخري متأخرينا - من عدم تحريم الغسلة الثانية بل عدم الكراهة، مستندين إلى عدم الدليل على ذلك وان لفظ " لا يؤجر " في الاخبار غاية ما يفهم منه عدم الاولوية - ففيه ما عرفت في تحقيق كلام الشيخين المتقدمين، ويزيده هنا انها مع زيادتها وعدم كونها جزء من العبادة - كما يعترفون به - فاما ان يعتقد الملكف في حال استعماله لها شرعيتها واستحبابها، وهذا مما لا يستراب في تحريمه


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء.


[ 342 ]

وتشريعه بناء على ما اعترفوا به كما قدمنا الاشارة إليه، واما ان لا يعتقد ذلك بل يكون عابثا لاعبا، وهذا لا اختصاص له بهذا المقام ليخص بالذكر في أخبارهم (عليهم السلام) بل يجري مثله في الثالثة، مع انهم لا يخالفون في بدعيتها وتحريمها، وان هذا اللفظ قد ورد في رواية زرارة المتقدمة (1) في تعداد الروايات المعارضة بعد قوله: " مثنى مثنى " ومن الظاهر بل المعلوم ان المراد به التحريم اتفاقا اعم من ان تجعل التثنية في الغسل كما هو المشهور أو في الغرفة كما ذكرنا، لان الزيادة هنا بمعنى التثليث، وهو مما لا اشكال عندهم في تحريمه، ومما يدل أيضا على ان اللفظ إنما خرج كناية عن التحريم قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة داود بن فرقد المروية في الكافي (2): " إن أبي كان يقول ان للوضوء حدا من تعداه لم يؤجر... " مع قول الباقر (عليه السلام) في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم: " إنما الوضوء حد من حدود الله ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه... " فان نفي الاجر في الاول عبارة عن كونه معصية كما في الثاني كما لا يخفى.

(الثالث) - قال في كتاب رياض المسائل وحياض الدلائل - بعد البحث في المسألة، والجمع بين الاخبار بحمل بعضها على التجديد وبعضها على التقية وبعض على الغسلتين والمسحتين - ما لفظه: " بقي هنا شئ، وهو أنه لا خلاف في أنه إذا لم تكف الغرفة الاولى في غسل العضو وجبت الثانية وهكذا، لعدم الخروج عن العهدة، كما صرح به العلامة في المختلف وغيره، كما انه لا خلاف في وقوع الخلاف في الثانية إذا كمل غسل العضو بالاولى. وأما لو لم يكمل غسل العضو بالاولى مع إمكان شمولها إياه واختار غسل العضو بغرفتين موزعتين عليه، فهل يجري في الثانية الخلاف السابق أم لا ؟ لم اقف للاصحاب فيه على صريح كلام، وكلامهم فيه قابل للامرين، إلى أن


(1) في الصحيفة - 325 (2) ج 1 ص 7 وفى الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء (3) المروية في الوسائل في الباب - 52 - من ابواب الوضوء.


[ 343 ]

قال: والظاهر من الاخبار بعد التأمل فيها ومراجعة ما حررناه أن استئناف الغرفة الثانية غير مأجور عليه، وان الاقتصار على الغرفة مع إمكان شمولها العضو ولو بالمبالغة فيها كما أو كيفا هو الاولى، وانها ليست بمحرمة بل هي غاية الحد في الوضوء الذي لا يجوز تعديه، من زاد عليه فقد أبدع " انتهى كلامه زيد مقامه. وعندي فيه تأمل من وجوه: (احدها) - ان الظاهر - من الاخبار الدالة على إجزاء ما يحصل به مسمى الغسل ولو بالدهن، وبه قال الاصحاب ايضا - الاكتفاء في غسل العضو بالغرفة اليسيرة جدا، وحينئذ فالظاهر من قول العلامة في المختلف - انه مع عدم كفاية الكف الاول في غسل العضو يجب الثاني ولو لم يكفيا وجب الثالث وهكذا - انما هو من قبيل الفرض في المسألة لا أنه كذلك حقيقة، حتى يصح جعل ما لو اختار غسل العضو بغرفتين موزعتين مع إمكان شمول الاولى له مطرحا لخلاف آخر في المسألة ايضا. (ثانيها) - انك قد عرفت ان جملة من الاخبار دلت على كون الثانية اسباغا، وأنه (صلى الله عليه وآله) قد سنها لذلك. ولا مجال لحملها على الغسلة، لما فيه من المنافاة لاخبار الوحدة، كما عرفت وحققه هو أيضا (قدس سره) في اول كلامه، فتحمل على الغرفة، ومن الظاهر حينئذ انها أعم من أن تكون الاولى تأتي على العضو كلا ولم يغسل بها أم لا، وبذلك يظهر ما في دعواه (قدس سره) في آخر كلامه: أن الظاهر من الاخبار بعد التأمل فيها ان استئناف الغرفة الثانية غير مأجور عليه، فانه غفلة زائدة عن ملاحظة هذه الاخبار ولا سيما روايتي الكشى وعلي بن يقطين (1) إلا أن عذره فيهما ظاهر، حيث لم يتعرض لنقلهما في الكتاب المذكور، ولعله (طاب ثراه) لم يطلع عليهما أو لم يخطرا بباله حال التصنيف.


(1) المتقدمين في الصحيفة 326 و 327


[ 344 ]

(ثالثها) - ان صحيحة الاخوين (1) - كما عرفت - دلت على أن الثنتين تأتيان على ذلك كله بعد حكمه فيها بان الغرفة المبالغ فيها مجزئة لذلك ايضا، وقد عرفت شرح القول في معناها، وهو أعم من اتيان الاولى على مجموع أو لعضو وعدمه. وأما ما احتمله (طاب ثراه) في ضمن كلامه أولا في الرواية المذكورة - من كون لام الثنتين عهدية إشارة إلى الغرفتين المذكورتين اولا للوجه واليدين، بمعنى ان الغرفة الواحدة للوجه والغرفة الواحدة للذراع مع المبالغة فيهما تأتيان على الوجه والذراع بحيث لا يحتاج إلى تثنية الغسلات - ففيه من التكلف بل البعد عن ساحة الامكان ما لا يحتاج إلى الايضاح والبيان. (رابعها) - ان الظاهر أنه لا معنى لوصف الغرفة بالوجوب أو الاستحباب أو البدعية الا باعتبار الغسل بها، فالوصف انما يرجع إلى الغسل بها لا إليها نفسها، فلا يتحقق كل من الاوصاف الثلاثة الا بعد الغسل، فإذا غسل بالاولى - وإن كانت تأتي على مجموع العضو - بعضه خاصة، فانه لا خلاف ولا إشكال في وجوب غسل بقية العضو ولو بغرفة يمكن اتيانها عليها كملا، وحينئذ فكيف يصح اجراء الخلاف فيها بعد الغسل بها ؟ وكيف يصح مع هذا ان استئناف الغرفة الثانية غير مأجور عليه ؟ نعم ربما احتمل اجراء كلامه في الثالثة، حيث ان الثنتين المخففتين وان كان كل منهما يقوم بالغسل الواجب الذي هو ولو كالدهن، إلا أنه لتحصيل سنة الاسباغ يستحب الغسل بهما معا، فمع تفريقه لهما على شطر العضو وعدم غسله بهما معا مع اتيانهما عليه وأخذه ثالثة، ربما تطرق إليها احتمال الدخول تحت اخبار بدعية الثالثة بحملها على ما هو اعم من أن يغسل بها بعد كمال الغسل بالثنتين أو قبله مع حصول الاسباغ بالثنتين وتقصيره في الغسل بهما، الا أنه بعد لا يخلو من شوب الاشكال. (خامسها) - قوله أخيرا في الغرفة الثانية: انها لسيت بمحرمة، وهو


(1) المتقدمة في الصحيفة 337


[ 345 ]

بناء منه (قدس سره) على ما فهمه من أخبار عدم الاجر على الثانية بحمل الثانية على الغرفة وعدم الاجر على الجواز وعدم الاستحباب، كما قدمنا نقله عن جملة من الاصحاب، وقد حققنا لك ما فيه وكشفنا عن باطنه وخافيه. (الرابع) - المشهور بين الاصحاب تحريم الغسلة الثالثة، وقد صرح جملة من الاصحاب: منهم - الصدوق والشيخ في الخلاف فيما تقدم من عباريتهما ببدعيتها، ونقل عن المبسوط والنهاية ايضا. ونقل عن ابن الجنيد وابن ابي عقيل القول بعدم التحريم، لكن الذي في المختلف عن ابن أبي عقيل التعبير عن ذلك بنفي الاجر، كما هو مضمون رواية زرارة المتقدمة (1) وقد عرفت ما في هذا اللفظ. والشيخ المفيد (رحمه الله) في المقنعة اثبت التحريم فيما زاد على الثلاث وجعل الثالثة كلفة. والاظهر المشهور، ويدل عليه التصريح بالبدعية في مرسلة ابن ابى عمير المتقدمة (2) ونفي الاجر الذي هو ظاهر في التحريم ايضا كما اشرنا إليه آنفا. ولانها عبادة والاتيان بها بدون الاذن تشريع محرم. وما يقال - من انه مع اعتقاد المشروعية فلا ريب في ذلك ولكن مجرد الاتيان بها لا يستلزمه، وهب انه يستلزمه وانه اعتقد الاستحباب فغاية ما يلزم منه تحريم اعتقاد ندبيتها لافعلها دون ذلك الاعتقاد بل مع ذلك الاعتقاد ايضا، والكلام انما هو في حرمة الفعل لا الاعتقاد كما هو الظاهر، ثم ان حرمة ذلك الاعتقاد ايضا ممنوعة، لان الاعتقاد لو كان ناشئا من الاجتهاد أو التقليد فلا وجه لحرمته، غاية الامر أن يكون خطأ ولا اثم على الخطأ كما تقرر عندهم، كذا قرره بعض محققي متأخري المتأخرين - ففيه نظر من وجوه: (احدها) - ان ظاهر ما دل على البدعية والتحريم من الاخبار وكلام الاصحاب كون ذلك ناشئا عن اعتقاد المشروعية، ردا على المخالفين القائلين باستحبابها والمؤكدين على المواظبة عليها، حتى خرجت الاخبار بالامر للشيعة بذلك تقية


(1) و (2) في الصحيفة 325


[ 346 ]

منهم كما عرفت سابقا، والمناقشة بجواز الاتيان بها لا بهذا الاعتقاد امر خارج عن محل البحث ولا خصوصية له بهذا المقام، بل هي مسألة على حيالها، فان ادخال الافعال الاجنبية في العبادة لا بقصد كونها منها بل لغرض آخر أو خالية من الغرض ان توجه له المنع من جهة اخرى غير جهة فعله امتنع من تلك الجهة والا فلا، الا ترى ان الصلاة التي هي عبادة متصلة قد جوز الشارع اشتمالها على بعض الافعال الاجنبية لاغراض خاصة وحرم بعضا آخر لمنافاته لها، فالوضوء الذي هو عبادة منفصل بعضها عن بعض اجدر بالجواز، الا انه ينقدح الاشكال فيما نحن فيه من وجه آخر، وهو وجوب المسح ببلة الوضوء على الاشهر الاظهر، والحال ان بلة الثالثة ليست منه اتفاقا من المحرمين والمجوزين، لا من مجرد الاتيان بها، والا فلو تمضمض اربعا أو زاد في غسل الوجه واليدين على الحدود المقررة شرعا لا بقصد العبادة في شئ من ذلك فانه لا ضرر فيه، لما عرفت آنفا من ان الافعال تابعة للقصود والنيات في تميز بعضها عن بعض وترتب اثارها عليها. (ثانيها) - ما ذكره من انه مع اعتقاد استحبابها فغاية ما يلزم منه تحريم الاعتقاد لا الفعل ظاهر البطلان، كيف والافعال - كما عرفت - تابعة للقصود والنيات صحة وبطلانا وثوابا وعقابا، ومما لا ريب فيه ان هذا الفعل منهي عنه عموما لدخوله في البدع المحرمة في الدين، وخصوصا في مرسلة ابن ابي عمير ورواية زرارة السالفتين (1) ولا معنى للمحرم الا ما نهى الشارع عنه نهيا توجب مخالفته الاثم، وهو هنا كذلك. (ثالثها) - انه لو تم ما رتبه من الغاية المذكورة لجرى فيما لو زاد ركعة في صلاته عامدا معتقدا وجوبها فضلا عن استحبابها، فان غاية الامر تحريم اعتقاد وجوبها ولا يلزم منه تحريمها، بل يلزم في كل مبدع في الدين ان يكون ما يأتي به من البدع جائزا غير محرم وان حرم قصده واعتقاده جواز ذلك فيأثم على مجرد هذا القصد والاعتقاد،


(1) في الصحيفة 325


[ 347 ]

ما هذه الا سفسطة وكلمات متنافرة. (رابعها) - ان ما ذكره من منع حرمة ذلك الاعتقاد لو كان ناشئا عن اجتهاد أو تقليد - على اطلاقه ممنوع بل الوجه فيه انه إذا كان هذا الاجتهاد مقتضى ما ادى إليه فهمه من ادلة الكتاب والسنة بعد الفحص والتتبع للادلة حسب الجهد والطاقة فهو كذلك، ومن المعلوم ان ما نحن فيه ليس منه، والا فهو مخطئ آثم في اعتقاده ومحتمل لاثم من قلده في ذلك، كما هو مقتضى الآيات القرآنية والسنة المحمدية، وان اباه جملة من الاصحاب تبعا لما قرره العامة في هذا الباب كما حققناه في محل آخر. (الخامس) - انه على تقدير تحريم الثالثة وبدعيتها فهل يبطل الوضوء بمجرد فعلها، أو لا يبطل، أو يبطل ان مسح بمائها مطلقا، أو بخصوص ما إذا كانت الغسلة في اليد اليسرى ؟ اقوال: اولها لابي الصلاح، وثانيها للمحقق في المعتبر، وثالثها ظاهر الدورس والذكرى، بل الظاهر انه المشهور بين المتأخرين، ورابعها للعلامة في النهاية. والاظهر عندي من هذه الاقوال الاول، وهو مقتضى كلام الشيخين الاقدمين (الصدوق وثقة الاسلام) كما قدمنا بيانه وشيدنا بنيانه. ويدل عليه من الاخبار رواية الكشي (1) حيث قال في اولها: " ومن توضأ ثلاثا ثلاثا فلا صلاة له " وفي آخرها: " توضأ مثنى مثنى ولا تزدن عليه، وانك ان زدت عليه فلا صلاة لك ". وما رواه في الفقيه (2) مرسلا وفي كتاب العلل مسندا عن الصادق (عليه السلام) قال: " من تعدى في وضوئه كان كناقضه ". ويؤيده ما رواه في الكافي (3) والتهذيب في الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم


(1) المتقدمة في الصحيفة 326 (2) ج 1 ص 25 وفى العلل ص 103 وفى الوسائل في الباب - 31 - من ابواب الوضوء (3) ج 1 ص 7 وفى التهذيب ج 1 ص 38 وفى الوسائل في الباب - 52 - من أبواب الوضوء


[ 348 ]

عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: " انما الوضوء حد من حدود الله ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه... " فانه صريح - كما ترى - في عصيان من زاد على الوضوء المحدود، ومن الظاهر ان العصيان انما نشأ هنا من مخالفة الامر في العبادة المستلزمة للابطال. ثم لا يخفى انه لو امكن المناقشة في بعض هذه الادلة أو في كل منها الا انه بالنظر إلى مجموعها - مع عدم المنافي لها في الاخبار، مع ان بعضها من مرويات الفقيه الذي ضمن مصنفه في صحة ما يرويه، كما اعتمدوا على ذلك في غير موضع من كلامهم، مضافا إلى قول الشيخين المعتمدين بذلك لا يبقى لتطرق الشك في الحكم المذكور وجه، وقد مر ايضا ما يؤكده ويزيده تأييدا.

(المسألة الثانية) - الظاهر انه لا خلاف بين اصحابنا (نور الله تعالى مراقدهم) في وجوب الموالاة كما ادعاه جماعة، انما الخلاف في معناها، فقيل انها مراعاة الجفاف بمعين انه لا يؤخر بعض الاعضاء عن بعض بمقدار ما يجف ما تقدمه، وقيل انها عبارة عن المتابعة اختيارا ومراعاة الجفاف اضطرارا. وهل الاخلال بالمتابعة المذكورة هنا موجب للاثم خاصة أو للبطلان ايضا ؟ قولان لاصحاب هذا القول، والمشهور عندهم الاول، وبه صرح العلامة في جملة من كتبه والمحقق في المعتبر، وظاهر المبسوط الثاني، وحنيئذ ففي المسألة اقوال ثلاثة. وظاهر المحقق الشيخ علي في شرح القواعد انكار القول الثالث، فانه بعد ان نقل القولين ونقل عن بعض حواشي الشهيد قولا ثالثا جامعا بين التفسيرين قال: " وعندي ان هذا هو القول الاول، لان القائل به لا يحكم بالبطلان بمجرد الاخلال بالمتابعة ما لم يجف البلل، فلم يبق لوجوب المتابعة معنى الا ترتب الاثم على فواتها، ولا يعقل تأثيم المكلف بفواتها الا إذا كان مختارا، لامتناع التكليف بغير المقدور " انتهى. ويظهر ذلك ايضا من المختلف حيث لم ينقل فيه الا القول بمراعاة الجفاف والقول بالمتابعة من غير تعرض لكلام المبسوط، وانت خبير بان عبارة الشيخ في المبسوط


[ 349 ]

- حيث قال: " الموالاة واجبة في الوضوء، وهو ان يتابع بين الاعضاء مع الاختيار وان خالف لم يجزه " - ظاهرة الدلالة على الابطال مع المخالفة اختيارا كما نسبه إليه جمع من المتأخرين. ونقل الصدوق في الفقيه (1) عن ابيه في رسالته إليه انه قال: " ان فرغت من بعض وضوئك وانقطع بك الماء من قبل ان تتمه فاتيت بالماء، فتمم وضوءك ان كان ما غلسته رطبا، وان كان قد جف فاعد وضوءك، فان جف بعض وضوئك قبل أن تتم الوضوء من غير ان ينقطع عنك الماء، فاغسل ما بقى جف وضوؤك أو لم يجف " انتهى. ويظهر منه ان اي الفردين من مراعة الجفاف والتتابع حصل فهو كاف في صحة الوضوء، فلو تابع بين اعضاء الوضوء واتفق الجفاف لضرورة كان ام لا صح وضوؤه، ولو لم يتابع بل فرق بين الاعضاء لعذر كان ام لا روعي الجفاف وعدمه، فان حصل بطل وضوؤه وإلا فلا. والى هذا القول مال جملة من افاضل متأخري المتأخرين: منهم - المحدث الشيخ محمد ابن الحسن الحر العاملي في كتاب البداية وكتاب الوسائل، حيث خص الابطال بجفاف السابق بصورة التراخي والتفريق (2) وبذلك يصير في المسالة قول رابع. ثم ان ظاهر القول بكون الموالاة احد واجبات الوضوء ترتب الاثم على تركها، وبذلك صرح اصحاب القولين المذكورين، وان القائلين بمراعاة الجفاف صرحوا بانه مع التفريق بين الاعضاء حتى يجف السابق ياثم ويبطل الوضوء، بل صرح الشهيد منهم في الدروس والبيان بانه يأثم مع التفريق إذا فرط في التأخير عن المعتاد وان لم يبطل الا مع الجفاف، والقائلون بالمتابعة صرحوا بالاثم مع الاخلال بها وعدم البطلان الا بالجفاف، وبعضهم - كما تقدم قال بالاثم والابطال مع الاخلال بها. وفي ثبوت الاثم المذكور من الادلة اشكال، لعدم ما يدل عليه ولو في الجملة، ومن ثم ذهب بعض من محققي متأخري المتأخرين إلى شرطية الموالاة في الوضوء بمعنى توقف صحته عليها، فغاية


(1) ج 1 ص 35 (2) في الباب - 33 - من ابواب الوضوء


[ 350 ]

ما يلزم من فواتها بطلانه دون الوجوب المستلزم لاستحقاق الذم بالمخالفة اللهم الا ان يثبت اجماع على الوجوب أو على حرمة ابطال العمل، وربما كان الظاهر من كلام علي بن بابويه ذلك، ومنه ربما ينتج بلوغ الخلاف في المسألة إلى اقوال خمسة. ويدل على القول بمراعاة الجفاف من الاخبار صحيحة معاوية بن عمار (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ربما توضأت فنفذ الماء فدعوت الجارية فابطأت علي بالماء فيجف وضوئي ؟ فقال: اعد ". وموثقة ابي بصير (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا توضأت بعض وضوئك فعرضت لك حاجة حتى تنشف وضوؤك فاعد وضوءك. فان الوضوء لا يبعض ". واستدل بعض الاصحاب على ذلك ايضا برواية مالك بن اعين ومرسلة الصدوق المتقدمتين في الامر السابع من البحث الثالث في مسح الرأس (3) لدلالتهما على اعادة الوضوء لمن نسي مسح رأسه وفقد البلة من اعضاء وضوئه. وعندي في الدلالة نظر، إذ من الجائز أن يكون استناد وجوب الاعادة المستلزم لبطلان الوضوء السابق انما هو للاخلال ببعض اجزاء الوضوء الذي هو المسح، لعدم جوازه الا ببلة الوضوء، مع تعذرها كما هو المفروض، دون الجفاف. وانت خبير بان غاية ما يفهم من الروايتين الاوليتين اللتين هما مستند القول المذكور الامر بالاعادة الدال على بطلان ما فعله سابقا ولا دلالة فيه على الذم والاثم بوجه، بل ربما كان في سكوته (عليه السلام) عن الذم والانكار بالتأخير حتى يجف الوضوء نوع ايماء إلى العدم، وبذلك يظهر قوة القول بالشرطية خاصة. وما ربما يتوهم - من قوله في موثقة ابي بصير: " فان الوضوء لا يبعض " بناء على ان الجملة الخبرية هنا في معنى الانشاء وان المعنى حينئذ انه لا يجوز تبعيضه - فمردود بانه يجوز ان يكون


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 33 - من ابواب الوضوء. (3) في الصحيفة 281


[ 351 ]

المراد ان الوضوء الشرعي ليس بقابل للتبعيض، بل تبعيضه يوجب الاتيان بوضوء غير مبعض، لعدم الخروج عن العهدة، فهو خبر اريد به خبر آخر هو لازمه وهو عدم صحة المبعض، ووجوب اعادته من قبيل الكناية، أو اريد به الانشاء وهو الامر بالاعادة، وشئ منهما لا يدل على الاثم، ويرشد إلى هذا انه وقع تعليلا للامر بالاعادة مع الجفاف في مادة عروض الحاجة إلى الماء. ثم ان مضمون الروايتين المشار اليهما ايضا حصول الابطال بالجفاف الناشئ عن التفريق، اما لو اتفق الجفاف لا مع التفريق للخبرين المذكورين على الابطال، وليس غيرهما في الباب. وبه يظهر قوة ما ذهب إليه الصدوقان ومن تبعهما من انه لو تابع بين اعضاء الوضوء صح وضوؤه وان اتفق الجفاف، لعذر كان من حرارة ونحوها ام لا، وضعف ما ذكره شيخنا الشهيد في الذكرى والدروس من انه لو والى وجف بطل وضوؤه الا مع افراط الحر وشبهه، وقال في الذكرى: " ظاهر ابني بابويه ان الجفاف لا يضر مع الولاء والاخبار الكثيرة بخلافه، مع امكان حمله على الضرورة " انتهى. وما ذكره من الاخبار الكثيرة الدالة على الابطال مع الجفاف في الصورة المذكورة لم نعثر منها في هذا الباب على غير ما قدمناه. ويدل ايضا على ما ذكرناه ما ذكره في كتاب فقه الرضا (1) حيث قال (عليه السلام): " اياك ان تبعض الوضوء، وتابع بينه كما قال الله تعالى: ابدأ بالوجه ثم باليدين ثم بالمسح على الرأس والقدمين، فان فرغت من بعض وضوئك وانقطع بك الماء من قبل ان تتمه ثم اوتيت بالماء، فاتمم وضوءك إذا كان ما غسلته رطبا، فان كان قد جف فاعد الوضوء، وان جف بعض وضوئك قبل ان تتمم الوضوء من غير ان ينقطع عنك الماء، فامض على ما بقى جف وضوؤك ام لم يجف " وقوله: وان فرغت


(1) في الصحيفة 1


[ 352 ]

إلى آخره هو عين ما نقله الصدوق عن والده (قدس سرهما) وهو مؤيد لما صرحنا به في تتمة المقدمة الثانية من مقدمات الكتاب من اعتماد الصدوقين على الاخذ من الكتاب المذكور ونقلهما عبائره بعينها، ويزيده تأييدا ان صدر عبارة الكتاب المذكور إلى قوله " فان فرغت " وان لم ينقله في الفقيه لكن نقله في الذكرى عن علي بن بابويه متصلا بما نقله في الفقيه، وبذلك يظهر لك ان ما ذكره في الذكرى بعد نقل كلام علي بن بابويه المتقدم - من انه لعله عول على ما رواه حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) كما اسنده ولده في كتاب مدينة العلم، وفي التهذيب وقفه على حريز، قال: " قلت: ان جف الاول من الوضوء قبل ان اغسل الذي يليه ؟ قال: جف أو لم يجف اغسل ما بقى... " - ليس على ما ظنه (قدس سره) بل انما عول على ما قدمنا ذكره، وهذه الرواية حملها في التهذيب على الجفاف بالريح الشديدة والحر العظيم أو التقية، والاخير اقرب كما ذكره في البحار، لان في تمام الخبر " قلت: وكذلك غسل الجنابة ؟ قال: هو بتلك المنزلة، وابدأ بالرأس ثم افض على سائر جسدك. قلت: وان كان بعض يوم ؟ قال: نعم " إذ ظاهره هنا المساواة بين الوضوء والغسل، فكما ان الغسل لا يعتبر فيه الريح الشديدة والحر كذلك الوضوء. واستدل القائلون بالقول الثاني بوجوه نذكر ما هو امتنها دلالة عندهم: (فمنها) - قوله (عليه السلام) في صحيح زرارة (2): " تابع بين الوضوء كما قال الله تعالى: ابدأ بالوجه ثم باليدين ثم امسح الرأس والرجلين... " وقوله في رواية حكم ابن حكيم (3): " ان الوضوء يتبع بعضه بعضا " وقوله (عليه السلام) في حسنة الحلبي (4): "... اتبع وضوئك بعضه بعضا ".


(1) رواه صاحب الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الوضوء، وفى الباب - 29 و 41 - من ابواب الجنابة. (2) المروى في الوسائل في الباب - 34 - من أبواب الوضوء. (3) المروية في الوسائل في الباب - 33 - من ابواب الوضوء. (4) المروية في الوسائل في الباب - 33 و 35 - من أبواب الوضوء.


[ 353 ]

والجواب ان ظاهر الاخبار المذكورة ان المراد بالمتابعة فيها هو الترتيب بين الاعضاء بتقديم محقه التقديم وتأخير ما حقه التأخير، فالمراد من المتابعة فيها من باب تبع فلان فلانا إذا مشى خلفه لا المتابعة بمعنى اللحوق والقرب والدنو كما هو المدعى، بقرينة قوله في الرواية الاولى: " كما قال الله تعالى: أبدأ بالوجه.. الخ " على وجه التفسير والابدال والتعليل، وقوله في الثالثة قبل هذا الكلام: " أذا نسي الرجل ان يغسل يمينه فغسل شماله ومسح رأسه ورجليه وذكر بعد ذلك، غسل يمينه وشماله ومسح رأسه ورجليه، وان كان انما نسي شماله فليغسل الشمال ولا يعتد على ما كان توضأ، وقال: اتبع... الخ " وقوله في الثانية بعد ان سأله الراوي عن رجل نسي من الوضوء الذراع والرأس قال: " يعيد الوضوء، ان الوضوء... إلخ " على انه لو تم ما ادعوه منها لوجب الحكم بالبطلان دون مجرد الاثم بالمخالفة، لعدم الاتيان بالفعل على الوجه المأمور به شرعا واكثرهم لا يقول به كما عرفت، وما ذكرناه في معاني الاخبار المذكورة ان لم يكن متعينا لما ذكرنا من قرائن سياقها فلا أقل ان يكون هو الاظهر، وبذلك يبطل الاستناد إليها فيما ذكروا، ومنه يعلم ضعف الاعتماد عليها في ثبوت الاثم لمن اخل بالمتابعة كما يدعونه، فضلا عن حصول الابطال معه كما ادعاه في المبسوط. و (منها) - اخبار الوضوء البياني (1) فانها مبينة للامر المجمل في الوضوء. والجواب انه وان كان كذلك كما حققناه آنفا، الا انه انما يحتج به مع عدم الدليل من خارج يقتضي تقييد مطلقه وتبيين مجمله، والاخبار الدالة على تخصيص الابطال بالجفاف في صورة التفريق مخصصة، على انه يمكن منع دلالة الوضوء البياني هنا على الوجوب بالحمل على ان ذلك مقتضى العادة في مثله، وجريان مثل ذلك في اعلى الوجه ومرفقي اليدين ممنوع، والغسل في كل منهما مجمل والوضوء البياني مبين له. و (منها) - موثقة بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " ان


(1) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء (2) المروية في الوسائل في الباب - 35 - من ابواب الوضوء.


[ 354 ]

نسيت فغسلت ذراعك قبل وجهك فاعد غسل وجهك ثم اغسل ذراعك بعد الوجه... " وجه الاستدلال بها انه امر باعادة غسل الوجه عل فعله اولا، وليس ذلك الا لبطلان الوضوء بفوات المتابعة بين اعضاء الطهارة، لا لفوات الترتيب. لانه يحصل باعادة غسل الذراع خاصة. والجواب انه لو كان الامر كذلك لحصل المنافاة بين صدر هذه الرواية وعجزها حيث قال بعد ما قدمنا ذكره منها: " فان بدأت بذراعك الايسر قبل الايمن فاعد غسل الايمن ثم اغسل اليسار، وان نسيت رأسك حتى تغسل رجليك فامسح رأسك ثم اغسل رجليك " فانه لو كان الامر باعادة غسل الوجه في صدرها انما هو لترك المتابعة، لكان ينبغي الامر باعادة غسل الوجه في الفرضين الاخيرين، مع انه اقتصر فيهما على اعادة ما اخر تقديمه نسيانا ثم اعادة ما قدمه عليه ليحصل الترتيب بين اجزاء الوضوء. نعم يرد الاشكال فيها من جهة اخرى وهو ان تحصيل الترتيب ممكن بدون اعادة غسل ما اخره نسيانا، بان يعيد غسل ما قدمه عليه خاصة ثم ما بعده، وهذه مسألة على حيالها قد تعارضت فيها الاخبار، وسيجئ تحقيقها ان شاء الله تعالى، على ان ظاهر الرواية - بناء على ما يدعيه المستدل - الابطال بترك الموالاة ولو نسيانا، وهم لا يقولون به، بل غاية ما يدعونه حصول الاثم مع العمد دون النسيان، والشيخ في المبسوط وان قال بالابطال الا ان الظاهر انه يخصه بصورة العمد ايضا، وحينئذ فلا انطباق للرواية على ما يدعونه منها. و (منها) - قوله في موثقة ابي بصير المتقدمة (1): " فان الوضوء لا يبعض " وهو صادق مع الجفاف وعدمه. والجواب انك قد عرفت آنفا من معنى هذا اللفظ ان المراد به حيث وقع تعليلا للاعادة مع الجفاف بطلان المبعض وعدم صحته، وحينئذ فلو اريد بالتبعيض فيه مجرد


(1) في الصحيفة 350


[ 355 ]

التفريق كما يدعيه المستدل، للزم القول ببطلان الوضوء بمجرد التفريق وان لم يحصل الجفاف، وهو لا يقول به، فالظاهر ان المراد بالتعليل ان الوضوء لا يبعض بان يصير بعضه رطبا وبعضه يابسا بالتفريق، بمعنى انه لا يفرق على وجه يلزم منه يبس السابق. و (منها) - رواية حكم بن حكيم المتقدمة (1) وجه الاستدلال بها ان المتابعة لو لم تكن واجبة لما حكم (عليه السلام) باعادة الوضوء، مؤيدا ذلك بالتعليل: " ان الوضوء يتبع بعضه بعضا " فانه يدل على ان المراد بالمتابعة عدم الفصل لا الترتيب، لان حصول الترتيب لا يتوقف على اعادة الوضوء، بل يكفي فيه الاتيان على العضو المنسي وما بعده. والجواب ان روايات نسيان بعض اجزاء الوضوء قد (2) اتفقت على ان الحكم في ذلك الاتيان بالجزء المنسي وما بعده ما لم يحصل الجفاف دون الابطال، وهي مستفيضة ولا سيما الروايات الدالة على المسح بالبلة الباقية في اعضاء الوضوء لمن نسي مسح رأسه أو رجليه (3) المتضمن جملة منها لعدم ذكران ذلك الا بعد الدخول في الصلاة، على انهم - كما عرفت آنفا - لا يقولون بالاعادة إلا في حال الجفاف، وانما غاية ما يدعونه حصول الاثم مع التخصيص بصورة العمد، والا لو ردت عليهم الاخبار المذكورة، وحينئذ فالواجب حمل هذه الرواية على اعادة الوضوء بالجفاف الموجب لفوات الموالاة ويحتمل ايضا حمل اعادة الوضوء على الاتيان بما نسي منه وما بعده وهو الانسب بالتعليل واما على تقدير المعنى الاول فالاظهر في معنى التعليل المذكور حمله على ما تقدم في معنى قوله: " فان الوضوء لا يبعض " والمعنى حينئذ انه يعيد الوضوء لبطلان السابق بالجفاف، فان الوضوء يتبع بعضه بعضا ولا يفرق على وجه يجف السابق، وعليه


(1) في الصحيفة 352 (2) المروية في الوسائل في الباب - 35 - من أبواب الوضوء. (3) المروية في الوسائل في الباب - 21 - من ابواب الوضوء


[ 356 ]

فتكون الرواية ثالثة لموثقة ابي بصير وصحيحة معاوية بن عمار المتقدمتين في الدلالة على البطلان مع لجفاف بالتفريق. وانت خبير بان ملخص ما ظهر - من مطاوي هذا البحث بعد استقصاء النظر في ادلته - ان الموالاة التي هي عبارة عن مراعاة الجفاف شرط في صحة الوضوء مع التفريق واما مع المتابعة فلا يضر جفاف ما سبق لعذر كان من حرارة هواء ونحوها ام لا كما لا يخفى، والاحتياط بالمتابعة مما لا ينبغي تركه. تنبيهات: (الاول) - هل المبطل على تقدير القول بمراعاة الجفاف هو جفاف جميع الاعضاء المتقدمة. أو جفاف عضو في الجملة، أو العضو السابق على ما هو فيه ؟ اقوال ثلاثة: اولها ظاهر المشهور، وثانيها صريح ابن الجنيد على ما نقل عنه من اشتراط بقاء البلل في جميع ما تقدم الا الضرورة، وثالثها ظاهر السيد المرتضى وابن ادريس. والظاهر هو القول المشهور، لاصالة صحة الوضوء فيقتصر في بطلانه على القدر المتيقن وهو جفاف الجميع، ولان الروايتين الدالتين على الابطال مع الجفاف ان لم تكونا ظاهرتين في ترتب الابطال على جفاف الجميع فلا ظهور لهما في جفاف البعض. ومما استدل به على ذلك ايضا الاخبار الدالة على الاخذ من بلة الوضوء لمن نسي مسح رأسه أو رجليه (1) ويضعف باحتمال اختصاص الحكم بالناسي كما هو مورد تلك الاخبار أو الضرورة كما يقوله ابن الجنيد. (الثاني) - وقع في عبائر كثير من الاصحاب التقييد في الجفاف بالهواء المعتدل، وظاهر ان تعجيل الجفاف في الهواء الشديد الحرارة وتأخيره في الهواء الشديد الرطوبة لا اعتبار به بل الاعتبار بحكم الهواء المتوسط بينهما فيحمل عليه كل من الطرفين، الا ان شيخنا الشهيد في الذكرى قال: " لو كان الهواء رطبا جدا بحيث لو اعتدل جف البلل لم يضر لوجود حسا، وتقييد الاصحاب بالهواء المعتدل


(1) المروية في الوسائل في الباب - 21 - من ابواب الوضوء.


[ 357 ]

ليخرج طرف الافراط في الحرارة " انتهى. وهو جيد، لان الاعادة انما علقت في الخبرين المتقدمين على الجفاف، وهو غير صادق هنا لا لغة ولا عرفا، والجفاف التقديري لا دليل عليه، لكن يبقى الاشكال ايضا في طرف الافراط بالجفاف بالحرارة الشديدة من حيث ان الحكم معلق في الاخبار على الجفاف وقد تحقق كما هو المفروض والتقدير ايضا لا وجه له، وتقييد النص بحال الاعتدال من غير دليل محل اشكال الا ان يتمسك بالضرورة. وفيه انه يندفع بالتيمم أو الاستئناف. (الثالث) - صرح جمع من الاصحاب بانه لو تعذرت الموالاة فلم تبق بلة على اليد للمسح جاز الاستئناف للمسح، للضرورة، وصدق الامتثال، واختصاص المسح بالبلة بحال الامكان. ويحتمل الانتقال إلى التيمم. ولم اقف على نص في ذلك، والاحتياط يقتضي التعجيل في الوضوء، فان لم تبق بلة جميع بين الاستئناف والتيمم.

(المسألة الثالثة) - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب الترتيب بين اعضاء الوضوء فيما عدا الرجلين احداهما على الاخرى، ووجوب الاعادة على ما يحصل معه مع مخالفته عمدا أو نسيانا قبل الجفاف، وشرح الكلام في هذه المسألة ينتظم في فوائد:

(الاولى) - القول بوجوب الترتيب - بأن يبدأ بالوجه ثم باليد اليمنى ثم باليسرى ثم بالرأس ثم بالرجلين - مما انعقد عليه اجماعنا فتوى ورواية: فمن الاخبار الواردة بذلك صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " تابع بين الوضوء كما قال الله عزوجل: ابدأ بالوجه ثم باليدين ثم امسح الرأس والرجلين. ولا تقدمن شيئتا بين يدي شئء تخالف ما امرت به، فان غسلت الذراع قبل الوجه فابدة بالوجه واعد على الذراع، وان مسحت الرجل قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرجل ثم اعد على الرجل، ابدأ بما بدأ الله عزوجل به " وهي صريحة


(1) المروية في الوسائل في الباب - 34 - من ابواب الوضوء


[ 358 ]

في تقديم الوجه على مجموع اليدين، وهما على مجموع الرأس والرجلين، وتقديم مسح الرأس على الرجلين. وصحيحة منصور بن حازم عن الصادق (عليه السلام) (1) في الرجل يتوضأ فيبدأ بالشمال قبل اليمين ؟ قال يغسل اليمين ويعيد اليسار " وهي دالة على الترتيب بين اليدين. وموثقة ابي بصير عنه (عليه السلام) (2) قال: " ان نسيت فغسلت ذراعك قبل وجهك فاعد غسل وجهك ثم اغسل ذراعك بعد الوجه، فان بدأت بذراعك الايسر قبل الايمن فاعد غسل الايمن ثم اغسل اليسار، وان نسيت مسح رأسك حتى تغسل رجليك فامسح رأسك ثم اغسل رجليك " وهذه الرواية قد استجمعت الترتيب بين الاعضاء ما عدا الرجلين، إلى غير ذلك من الاخبار. بقي الكلام فيما لو توضأ بالمطر المتقاطر عليه، كما رواه علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل لا يكون على وضوء فيصيبه المطر حتى يبتل رأسه ولحيته وجسده ويداه ورجلاه، وهل يجزيه ذلك من الوضوء. ؟ قال: ان غسله فان ذلك يجزيه " أو في الماء، فالظاهر ان المرجع في وجوب تقديم ما يجب تقديمه وتأخير ما يجب تأخيره إلى القصد، فلا عبرة بحصول الغسل في شئ من تلك الاعضاء من غير اقترانه بالقصد المذكور، وحينئذ فلو قدم في قصده عمدا أو سهوا بعض ما يجب تأخيره ابطل ووجبت الاعادة على ما يحصل به الترتيب. (الثانية) - اختلف الاصحاب في وجوب الترتيب بين الرجلين وعدمه على اقوال ثلاثة: (احداها) - الوجوب بتقديم اليمنى على اليسرى، نقله في المختلف عن الصدوقين وابن الجنيد وسلا، واختاره جملة من المتأخرين. و (ثانيها) - ما هو


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 35 - من ابواب الوضوء (3) رواه في الوسائل في الباب - 36 - من ابواب الوضوء


[ 359 ]

المشهور من سقوط الوجوب فيجوز مسحها دفعة واحدة بالكفين وتقديم اليمنى على اليسرى وبالعكس. و (ثالثها) - التخيير بين المقارنة وتقديم ليمنى دون العكس، نقله في الذكرى عن بعضهم، وهو ظاهر المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر في البداية والوسائل واختاره بعض فضلاء متأخرى المتأخرين. والظاهر منها هو الاول، ويدل عليه حسنة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " امسح على القدمين وابدأ بالشق الايمن ". واما رواه النجاشي في كتاب الرجال (2) باسناده عن عبد الله بن ابي رافع وكان كاتب امير المؤمنين عليه السلام انه كان يقول: " إذا توضأ احدكم للصلاة فليبدأ باليمين قبل الشمال من جسده " وما استند إليه اصحاب القول المشهور - من اطلاق الاوامر وصدق الامتثال الذي هو غاية ما اعتمدا عليه - ففيه انه يجب تقييد مطلق تلك الاوامر بما ذكرنا من الاخبار، وصدق الامتثال مع ما ذكرنا ممنوع. والجواب - بحمل الاخبار على الاستحباب وان كان الامر من حيث هو حقيقة في الوجوب كما برهن عليه في الاصول، معللا بكثرة الاوامر في الشريعة للندب، فلا وثوق في الاحتجاج بها على الوجوب الموجب لاشتغال الذمة، كما اعتمد عليه جملة من فضلاء متأخرى المتأخرين وردوا لاجله الاوامر في جملة من الاحكام - مردود بانه تخريص في الدين وجرأة على سيد المرسلين، فانه كما ان الاصل براءة الذمة كما تعلقوا به وردوا لاجله تلك الاوامر فلا يثبت اشتغالها الا بدليل، كذلك الاصل في الامر الوجوب كما هو المسلم فلا يخرج عنه الا بدليل، وكثرة ورود الاخبار للندب - معتضدا اكثرها بالقرائن الحالية والمقالية على ذلك - لا يقتضي حمل ما ليس عليه،


(1) المروية في الوسائل في الباب - 34 - من ابواب الوضوء (2) في ص 5 وفيه (أبو محمد) بدل (ابي عبد الله) وفى الوسائل في الباب - 34 - من ابواب الوضوء


[ 360 ]

والتحرز عن الوقوع في اشتغال الذمة ليس اولى من التحرز عن الوقوع في مخالفة الامر الموجبة للاثم، والتمسك بالصالة البراءة انما يتم قبل ورود الامر أو بعده مع ظهور الدلالة على عدم الوجوب، والتفصي عن المخالفة بالحمل على الاستحباب لا يسمن ولا يغني من جوع في هذا الباب، متى كان الحكم واجبا شرعا وقد أمر به حافظ الشريعة لذلك فحمل امره على الاستحباب المؤذن بجواز الترك تخرصا عين المخالفة لمقتضى امره والرد لنافذ حكمه. هذا. وقد تقدم الجواب عن ذلك مستوفى في المقدمة السابعة (1) ويدل على القول الثالث ما رواه الطبرسي (قدس سره) في كتاب الاحتجاج (2) من التوقيع الخارج من الناحية المحروسة في جملة اجوبة مسائل الحميري، حيث سأل عن المسح على الرجلين: يبدأ باليمين أو يمسح عليهما جميعا ؟ فخرج التوقيع " يمسح عليهما جميعا معا، فان بدأ باحداهما قبل الاخرى فلا يبدأ الا باليمين ". وانكر جملة من محققى متأخرى المتأخرين وجود دليل لهذا القول العدم الوقوف على الرواية المذكورة حتى تكلف بعضهم الاستدلال عليه بما لا يخلو من شئ. (الثالثة) - لو خالف مقتضى الترتيب المذكور عمدا أو نسيانا، فانه تجب عليه الاعادة على ما يحصل به الترتيب مع عدم الجفاف ومعه فتجب الاعادة من رأس، وظاهر العلامة في التحرير الاعادة مع العمد من رأس وان لم يجف، وفي التذكرة عكسه وهو الاعادة مع النسيان من رأس وان لم يجف، والتفصيل بالجفاف وعدمه مع العمد، وهو غريب. ثم انه هل يكتفي في الاعادة مع عدم الجفاف اعادة ما قدم مما حقه التأخير دون ما أخر مما حقه التقديم لصحته، إذ لا مانع من صحته الا تقديم ما حقه التأخير عليه، وهو غير صالح للمانعية لفساده، أو يجب اعادة الجميع، نظرا إلى انه كما بطل الاول لتقديمه في غير موضعه كذلك بطل الثاني لترتيبه عليه ووضعه ايضا في غير موضعه ؟


(1) ج 1 ص 115 (2) ص 255 وفى الوسائل في الباب - 34 - من ابواب الوضوء.


[ 361 ]

وجهان، صرح باولهما المحقق في المعتبر وجماعة ممن تأخر عنه. والاخبار في ذلك مختلفة، فمما يدل على الاول ما رواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب نوادر البزنطي عنه عن عبد الكريم بن عمرو عن ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا بدأت بيسارك قبل يمينك ومسحت رأسك ورجليك ثم استيقنت بعد انك بدأت بها غسلت يسارك ثم مسحت رأسك ورجليك ". وعلى الثاني موثقة ابي بصير المتقدمة وصحيحة منصور بن حازم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) في حديث تقديم السعي على الطواف، قال: " ألا ترى انك إذا غسلت شمالك قبل يمينك كان عليك ان تعيد على يمينك ". وقال الصدوق في الفقيه (4): " روي في من بدأ بغسل يساره قبل يمينه انه يعيد على يمينه ثم يعيد على يساره. وقد روي انه يعيد على يساره " انتهى. والرواية الاولى منهما مما ينتظم في ادلة القول الثاني والثانية في ادلة القول الاول. واما قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدمة (5): "... فان غسلت الذراع قبل الوجه فابدأ بالوجه واعد على الذراع، وان مسحت الرجل قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرجل ثم اعد على الرجل، ابدأ بما بدأ الله عزوجل به " فالظاهر منها بقرينة اختصاص لفظ الاعادة بالذراع والرجل وقوع التذكر قبل غسل الوجه في الاول وقبل مسح الرأس. فأمره بالبدأة بغسل الوجه ثم الاعادة على الذراع والبدأة بمسح الرأس ثم الاعادة على الرجل، ومثلها صحيحة منصور بن حازم المتقدمة في صدر المقالة وعلى ذلك فلا دلالة في شئ منهما على ما نحن فيه.


(1) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 35 - من ابواب الوضوء. (2) و (6) ص 358 (4) ج 1 ص 29 وفى الوسائل في الباب - 35 - من ابواب الوضوء (5) في الصحيفة 357


[ 362 ]

ويمكن الجمع بين الاخبار المذكورة بحمل موثقة ابي بصير وصحيحة منصور ونحوهما على ما دلت على صحيحة زرارة وصحيحة منصور الاخرى من التذكر قبل غسل العضو الاخير أو مسحه، وحينئذ فيحمل لفظ الاعادة فيها على اصل الغسل مشاكلة لمال بعده، ويحتمل ايضا - كما ذكره بعض - حمل الموثقة المذكورة وامثالها على ما إذا كان قد غسل العضو الاخير بقصد انه مأمور به على هذا الوجه. فانه تجب الاعادة عليه لكون ذلك تشريعا محرما، والروايات الاخر على ما إذا غسله لا من هذه الحيثية بل من حيث انه جزء من الوضوء وان كان بالقصد الحكمي المستمر كما في سائر الاجزاء، ولا يخفى ما فيه من البعد. والجمع بين الاخبار بالتخيير لا يخلو من قرب، وربما كان ذلك هو الظاهر من كلام الفقيه حيث نقل الخبرين المذكورين مع ظهورهما في التنافي ولم يجمع بينهما وقد ذكر بعض مشايخنا المتأخرين ان هذا دأبه فيما إذا لم يجمع بين الخبرين المتنافيين.

(المسألة الرابعة) - وجوب المباشرة مع الامكان - وعدم التولية في كل من الطهارات الثلاثة - هو المشهور بين الاصحاب، بل ادعى عليه في الانتصار الاجماع ونقل عن ابن الجنيد انه قال: " يستحب ان لا يشرك الانسان في وضوئه غيره بان يوضئه أو يعينه عليه " ولا ريب في ضعفه، لان المتبادر من الاوامر الدالة على الغسل والمسح كتابا وسنة مباشرة المتوضئ ذلك، لان اسناد الفعل إلى فاعله هو الحقيقة وغيره مجاز لا يحمل عليه الا مع الصارف عن الاول. ويدل على ذلك رواية الوشاء (1) قال: " دخلت على الرضا (عليه السلام) " وبين يديه ابريق يريد أن يتهيأ منه للصلاة، فدنوت لا صب عليه فابى ذلك وقال مه يا حسن، فقلت له: لم تنهاني ان اصب عليك، تكره ان اوجر ؟ قال: تؤجر انت واوزر انا. فقلت له وكيف ذلك ؟ فقال: أما سمعت الله يقول: " فمن كان يرجو لقاء


(1) المروية في الوسائل في الباب - 47 - من أبواب الوضوء


[ 363 ]

ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا " (1) وها انا ذا اتوضأ للصلاة وهي العبادة فاكره ان يشركني فيها احد " وجه الاستدلال بها وقوع النهي عن الصب الذي هو حقيقة في التحريم، مردفا له بما يزيده تأكيدا من ان قبول ذلك للوزر والاثم الذي لا يكون الاعلى ارتكاب محرم، معللا لذلك بدخوله تحت النهي عن الشرك بعبادة ربه وكونه جزئيا من جزئيات ما نهى عنه سبحانه في هذه الآية التي لا مجال لانكار كون النهي فيها للتحريم، فيستلزم تحريم قبول الصب عليه، ولما فيه من الجمع بينه وبين صحيحة ابي عبيدة الحذاء (2) قال: " وضأت أبا جعفر (عليه السلام) بجمع وقد بال فناولته ماء فاستنجئ ثم صببت عليه كفا فغسل به وجهه وكفا غسل به ذراعه الايمن وكفا غسل به ذراعه الايسر... الحديث " ورواه الشيخ ايضا في موضع آخر بلفظ: " ثم اخذ كفا فغسل به وجهه... الخ " بدل قوله: " ثم صببت " الا ان قول الراوي: " وضأت " انما يلائم الاول كما لا يخفى، وبذلك يظهر لك صحة الاستدلال بالرواية على تحريم التولية، بحمل الصب فيها على الصب على اعضاء الطهارة، دون الحمل على الاستعانة كما عليه الجمهور من اصحابنا، وجعلها دليلا على كراهتها، حملا للصب المنهي عنه على الصب في اليد وحمل الوزر على الكراهة بقرينة قوله في آخر الخبر: " فاكره " وتكلف الجمع بينها وبين صحيحة الحذاء المتقدمة بحمل الصحيحة المذكورة على الضرورة أو بيان الجواز. وفيه - زيادة على ما عرفت - ان استعمال الكراهة ذي المعنى المذكور اصطلاح اصولي طارئ والمفهوم من الاخبار استعمالها في التحريم كثيرا فلا يتقيد به النهي المتأصل في التحريم المؤكد المعلل بما اوضحنا بيانه وشيدنا اركانه. ومثل رواية الوشاء فيما ذكرناه ما رواه الصدوق (رحمه الله تعالى) في الفقيه (3)


(1) سورة الكهف الآية 110 (2) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من ابواب الوضوء. (3) رواه في الفقيه ج 1 ص 27 وفى العلل ص 103 وفى الوسائل في الباب - 47 - من ابواب الوضوء


[ 364 ]

مرسلا وفي كتاب العلل مسند عن الصادق (عليه السلام) " ان امير المؤمنين (عليه السلام) كان لا يدعهم يصبون الماء عليه ويقول لا احب ان اشرك في صلاتي احدا " والطعن بكون " لا احب " ظاهرا في الكراهة مردود بما في الاخبار من كثرة ورودها في مقام التحريم، كما لا يخفى على من خاض في تيار عبابها وذاق صافي لبابها. إذا عرفت ذلك فاعلم ان المراد بالتولية المحرمة هي ان يتولى الغير غسل اعضائه أو مشاركته فيها، واما مجرد صب الماء في اليد فليس منها بل هو من الاستعانة كما ذكره الاصحاب. واما طلب احضار الماء للطهارة فقد ذكر جمع من الاصحاب: منهم - السيد السند انه من الاستعانة المكروهة. وعندي في أصل الحكم بكراهة الاستعانة - وان كان مشهورا بين الاصحاب - اشكال، لعدم الدليل عليه بل قيام الدليل على العدم، وذلك فانهم انما استدلوا على الحكم المذكور برواية الوشاء ومرسلة الفقيه المتقدمتين، وقد عرفت الحال فيهما، فيبقى الحكم بناء على ما ذكرناه عاريا عن الدليل وصحيحة الحذاء - كما عرفت - قد دلت على الصب في يده (عليه السلام) ولا معارض لها بناء على ما اخترناه، فتأويلها - بالحمل على الضرورة أو بيان الجواز من غير معارض - مشكل، وطلب احضار الماء للطهارة قد وقع في عدة من اخبار الوضوء البياني وغيرها كحسنة زرارة (1) قال: " حكى لنا أبو جعفر (عليه السلام) وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدعا بقدح من ماء... " وفي اخرى " فدعا بقعب من ماء " وفي ثالثة " فدعا بطشت أو تور " وحديث وضوء علي (عليه السلام) (2) وقول علي (عليه السلام) لابنه محمد بن الحنيفة " ائتني باناء من ماء اتوضأ للصلاة " إلى غير ذلك. وارتكاب الحمل في الجميع من غير معارض سفسطة ظاهرة. وبالجملة فاني لم اقف على دليل على ذلك زائدا على مجرد الشهرة.


(1) المروية في الوسائل في الباب - 15 - من أبواب الوضوء. (2) المروي في الوسائل في الباب - 16 - من ابواب الوضوء


[ 365 ]

ثم ان ما ذكرناه من تحريم التولية مخصوص بحال الاختيار، فلو اضطر إلى ذلك لمرض أو تقية أو غيرهما جاز اتفاقا، ولنفي الحرج في الدين وسعة الحنيفة، وعلى ذلك ينبغي حمل ما رواه الصدوق في كتاب المجالس (1) بسنده فيه عن عبد الرزاق قال: " جعلت جارية لعلي بن الحسن (عليه السلام) تسكب الماء عليه وهو يتوضأ فسقط الابريق من يد الجارية على وجهه فشجه... الحديث " فانه ظاهر في التولية وغسل الاعضاء، فالواجب حمله على الضرورة لمرض ونحوه، ولو حمل على صب الماء في اليد - وان بعد عن ظاهره - فسبيله سبيل الاخبار المتقدمة الدالة على جواز الاستعانة من غير معارض، ولا ضرورة إلى حمله حينئذ على الضرورة، لعدم الدليل على الكراهة كما عرفت.

(المسألة الخامسة) لا يجوز الغسل مكان المسح ولا العكس، وهذا الحكم الثابت عندنا اجماعا فتوى ودليلا، آية ورواية، إذ مقتضى الآية الشريفة الواردة في الوضوء (2) غسل بعض ومسح بعض فالواجب الاتيان بكل منهما فيما عين فيه، والا لبقي تحت العهدة. لعدم الاتيان بالمأمور به، وبذلك استفاضت الاخبار: ففي صحيح زرارة المضمر (3) قال: " لو انك توضأت فجعلت مسح الرجلين غسلا ثم اضمرت ان ذلك هو المفترض لم يكن ذلك بوضوء ". وفي رواية محمد بن مروان (4): " يأتي على الرجل ستون أو سبعون سنة ما قبل الله منه صلاة. قال: قلت: وكيف ذلك ؟ قال: لانه يغسل ما امر الله بمسحه " وربما يبني القول بذلك على تباين حقيقتي الغسل والمسح باشتراط الجريان في الاول ومجرد امرار اليد في الثاني كما هو احد القولين، الا ان الظاهر - كما


(1) رواه في مستدرك الوسائل في الباب - 41 - من ابواب الوضوء (2) سورة المائدة الآية 8 (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 25 - من ابواب الوضوء


[ 366 ]

استظهره جملة من محققي اصحابنا (رضوان الله عليهم) - ان النسبة بينهما العموم من وجه فيجتمعان في المسح باليد مع الجريان: فعلى لو مسح في الوضوء بنداوة زائدة يحصل بها الجريان مع قصده المسح دون الغسل، فالظاهر الخروج من العهدة، وصدق الغسل عليه - باعتبار الجريان وان لم يكن مقصودا - غير مضر، لحصول الامتثال بما ذكرنا، ولان المتوضئ سيما المسبغ في وضوئه لا تخلو يده بعد الفراغ من بلة زائدة يحصل بها الجريان ولو اقله كما نشاهده في انفسنا، مع انه لم يرد عنهم (عليهم السلام) نفض ايديهم بعد الغسل لاجل المسح ولا الامر بذلك، فالتكليف بالنفض والتجفيف حينئذ يحتاج إلى دليل، وليس فليس. وربما يستأنس لذلك بصحيح زرارة المتقدم الدال بمفهومه على ان حصول الغسل مع عدم نيته وقصده لا يبطل الوضوء، وحينئذ الظاهر تخصيص الاخبار المانعة من الغسل والاجماع المدعى في المقام بالغسل المشتمل على الجريان من غير امرار اليد أو معه قصده كونه غسلا لا مسحا، فان الظاهر خروج تلك الاخبار في مقام التعريض بالعامة الموجبين للغسل باحد الفردين. وما يقال - من ان وقوع المقابلة بين الغسل والمسح في الآية يقتضي مخالفة حقيقة احدهما لحقيقة الآخر ولا فلا معنى للتقابل - ففيه انه ان اريد بالمخالفة التباين الكلي فالتقابل بهذا المعنى ممنوع، وان اريد ما هو اعم فمسلم، وهي متحققة في العموم من وجه، إذ يصدق الغسل بدون المسح على مجرد الصب ونحوه من غير امرار اليد، والعكس على الامرار بدون الجريان، وهذا كاف في صحة التقابل وان اجتمعا في امرار اليد مع الجريان ولك ان تقول بمعونة صحيحة زرارة المتقدمة ان الغسل حقيقة فيما يحصل معه الجريان لا مع امرار اليد أو معه بقصد كونه غسلا، ويقابله المسح بامرار اليد لا مع الجريان أو معه بقصد كونه مسحا، وحينئذ فالنسبة بينهما التباين، وعدم جواز كل منهما مكان الآخر ظاهر لما بينهما من التباين، وامرار اليد بما يستلزم الجريان في موضع المسح مع قصد كونه مسحا كما انه كذلك مع قصد كونه غسلا لا ينافي التباين حينئذ، فان كان


[ 367 ]

مراد المعترض وغيره ممن عبر بعدم جواز الغسل مكان المسح وما ذكرناه من الغسل المجرد عن امرار اليد أو معه مع قصد كونه غسلا فمرحبا بالوفاق، والا فهو محل نظر لما عرفت.

(المسألة السادسة) - الظاهر انه لا خلاف في ان من اخل بالترتيب بترك بعض الاعضاء نسيانا، اعاد متى ذكر على ما يحصل به الترتيب ان ذكر قبل جفاف السابق، الا فمن رأس، ولو كان في الصلاة قطعها واعادها بعد الوضوء مرتبا، والاخبار به مستفيضة: ففي حسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (1) " إذا ذكرت وانت في صلاتك انك قد تركت شيئا من وضوئك المفروض عليك، فانصرف واتم الذي نسيته من وضوئك واعد اصلاتك " والاتمام هنا اما محمول على عدم فوات الموالاة أو انه كناية عن اعادة الوضوء. وحسنته الاخرى عنه (عليه السلام) (2) قال: " إذا نسى الرجل ان يغسل يمينه فغسل شماله ومسح رأسه ورجلين وذكر بعد ذلك، غسل يمينه وشماله ومسح رأسه ورجليه، وان كان انما نسى شماله فليغسل الشمال ولا يعيد على ما كون توضأ " والمراد من قوله: " ولا يعيد على ما كان توضأ " اي غسل، والوضوء هنا بمعنى الغسل، يعني لا يعيد ما غسله سابقا، فلا ينافي وجوب مسح الرجل بعد غسل الشمال، وعلى ذلك ايضا تحمل صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن رجل توضأ ونسى غسل يساره. فقال: يغسل يساره وحدها ولا يعيد وضوء شئ غيرها " وحمله الشيخ (رحمه الله) على معنى لا يعيد وضوء شئ غيرها مما تقدم دون ما تأخر ولا ضرورة إليه، فان الوضوء هنا - كما عرفت - بمعنى الغسل، فينصرف إلى ما تقدم


(1) المروية في الوسائل في الباب - 3 و 42 - من ابواب الوضوء (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 35 - من ابواب الوضوء


[ 368 ]

من غير تكلف الحمل على ذلك. ورواية زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " في الرجل ينسى مسح رأسه حتى يدخل في الصلاة ؟ قال: ان كان في لحيته بلل بقدر ما يمسح رأسه ورجليه فليفعل ذلك وليصل. قال: وان نسى شيئا من الوضوء المفروض فعليه ان يبدأ بما نسي ويعيد ما بقي لتمام الوضوء ". ورواية ابي بصير عنه (عليه السلام) (2) " في رجل نسي أن يمسح على رأسه فذكر وهو في الصلاة ؟ فقال: ان كان استيقن ذلك انصرف فمسح على رأسه ورجليه واستقبل الصلاة. وما ما ورد في بعض الاخبار - في من نسى مسح رأسه مما ظاهره الاقتصار عليه، كرواية الكناني (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل توضأ فنسي ان يمسح على رأسه حتى قام في الصلاة. قال: فلينصرف فليمسح على رأسه وليعد الصلاة " ونحوها رواية المفضل بن صالح وزيد الشحام (4) - فمحمول على ما تقدم من الروايات الدالة على انه يأتي بالمنسي وما بعده تحقيقا للترتيب. ولا فرق في ظاهر الاصحاب بين كون المنسي عضوا كاملا أو بعضا منه ولو لمعة. فانه يجب غسله وترتيب ما تأخر عليه، الا انه نقل في المختلف عن ابن الجنيد انه إذا كان المنسي لمعة دون سعة الدرهم، فانه يكفي بلها من غير اعادة على ما بعد ذلك العضو، ولم نقف له دليل الا انه نقل فيه ايضا عن ابن الجنيد انه قال: " وقد روى توقيت الدرهم ابن سعيد عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) وابن منصور عن زيد ابن علي، ومنه حديث ابي امامة عن النبي (صلى الله عليه وآله) " انتهى. وهو اعرف


(1) المروية في الوسائل في الباب - 35 - من ابواب الوضوء (2) المروية في الوسائل في الباب - 42 - من ابواب الوضوء (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الوضوء


[ 369 ]

بما نقل. لكن روى الصدوق (رضي الله عنه) في الفقيه (1) مرسلا عن الكاظم (عليه السلام) وفي كتاب عيون الاخبار مسندا عن الرضا (عليه السلام) انه " سئل عن الرجل يبقى من وجهه إذا توضأ موضع لم يصبه الماء. فقال يجزئه ان يبله من جسده " وهو وان لم يكن واضح الدلالة على ما ذكره ابن الجنيد الا انه مناف بظاهره لما عليه الاصحاب، والحمل على الاتيان بما بعده وان كان بعيدا عن ظاهر اللفظ الا انه لا مندوحة عن المصير إليه. وربما ظهر من الصدوق العمل بظاره الرواية المذكورة، حيث نقلها ولم يتعرض لتأويلها ولا ردها، وهو ظاهر المحدث الشيخ محمد الحرفى كتاب البداية. وجرى عليه ايضا في كتاب الوسائل، حيث قال: " باب من نسي بعض العضو اجزأه ان يبله من بعض جسده " ثم نقل الرواية المذكورة بطريقي الفقيه والعيون. وانت خبير بان اثبات الحكم المذكور - مع مخالفته لظواهر الاخبار المتعددة والقواعد الممهدة بمجرد هذه الرواية مع ضعف سندها وقبولها للتأويل - مشكل. وربما حملت ايضا على ما إذا لم يتيقن عدم اصابة الماء بل وجده جافا. هذا. ومقتضى ما هو المعروف من كلام الاصحاب انه بعد غسل اللمعة المذكورة يرتب عليها ما تأخر عن ذلك العضو من الاعضاء، واما انه يرتب اولا ما تأخر عن تلك اللمعة من العضو الذي هي فيه عليها ايضا فالمفهوم من كلام العلامة في المختلف بعد نقل كلام ابن الجنيد المتقدم تفريع ذلك على وجوب الابتداء من موضع بعينه وعدمه حيث قال: " ولا اوجب غسل جميع العضو بل من الموضع المتروك إلى آخره ان اوجبنا الابتداء من موضع بعينه، والموضع خاصة ان سوغنا العكس " انتهى. وتحقيق الكلام في ذلك قد تقدم.


(1) ج 1 ص 36 وفى العيون ص 192 وفى الوسائل في الباب - 43 - من ابواب الوضوء.


[ 370 ]

    (المسألة السابعة) - الظاهر انه لا خلاف في تحريم الوضوء بالماء النجس، ويدل عليه ايضا ما رواه الشيخ محمد الحر في كتاب الوسائل (1) عن المرتضى (رضي الله عنه في رسالة المحكم والمتشابه نقلا من تفسير النعماني باسناده عن علي (عليه السلام) قال: " واما الرخصة التي هي الاطلاق بعد النهي، فان الله تعالى فرض الوضوء على عباده بالماء الطاهر، وكذلك الغسل من الجنابة... الحديث " ويدل عليه ايضا جملة من الاخبار الواردة بالنهي عن الوضوء بالماء النجس (2). وانما الخلاف في المعنى المراد من التحريم في هذا المقام، فقيل المراد به المعنى المتعارف وهو ما يترتب الاثم على فعله مع بطلانه، وقيل انه عبارة عن مجرد البطلان والاول اختيار جماعة: مهم - الحقق الثاني في شرح القواعد، والشهيد الثاني في الروض، وسبطه السيد السند في المدارك، وعللوه بان استعماله فيما يسمى طهارة في نظر الشارع يتضمن ادخال ما ليس من الشرع فيه فيكون حراما، إذ المراد التحريم على تقدير استعماله والاعتداد به في الصلاة. والقول الثاني اختاره العلامة في النهاية. والاول اقرب لان اعتقاد الطهارة بما نهى الشارع عن الطهارة به تشريع البتة، فيترتب عليه الاثم بلا اشكال. ثم ان الابطال - ووجوب الاعادة وقتا وخارجا إذا كان عن عمد - مما لا خلاف ولا اشكال فيه، والظاهر من كلامهم ان الطهارة به نسيانا في حكم العمد ايضا من حيث وجوب التحفظ عليه، واما الطهارة به جهلا بالنجاسة فظاهر المشهور بين المتأخرين انه كذلك ايضا، والمفهوم من كلام الشيخ في المبسوط وجوب الاعادة في الوقت دون الخارج، وبذلك صرح ابن البراج. وهو ظاهر كلام ابن الجنيد، وعبائر جل متقدمي علمائنا (رضوان الله عليهم) مطلقة في وجوب الاعادة من غير تفصيل بين الافراد المذكورة.


(1) في الباب - 51 - من ابواب الوضوء. (2) ذكر هذه الاخبار في الفصل الثالث من باب المياه في حكم القليل الراكد


[ 371 ]

وقال العلامة في المختلف بعد نقل جملة من عبارات الاصحاب الواردة في هذا الباب: " والوجه عندي اعادة الصلاة والوضوء والغسل ان وقعا بالماء النجس، سواء كان الوقت باقيا أو لا، سبقه العلم أو لا " وعلى منواله حذا جملة من المتأخرين، واستدل على ما ذهب إليه في المختلف بورود الاخبار بالنهي عن الوضوء بالماء النجس، مثل صحيحة حريز (1) الدالة على انه " إذا تغير الماء وتغير الطعم فلا تتوضأ منه " وصحيحة البقباق (2) الدالة على السؤال عن اشياء حتى انتهى إلى الكلب فقال (عليه السلام): " رجس نجس لا تتوضأ بفضله... " قال: " والنهي يدل على الفساد، فيبقى في عهدة التكليف. لعدم الاتيان بالمأمور به " ثم قال: " لا يقال: هذا لا يدل على المطلوب لاختصاصه بالعالم، فان النهي مختص به. لانا نقول: لا نسلم الاختصاص، فانه إذا كان نجسا لم يكن مطهرا لغيره " ثم استدل ايضا بما رواه معاوية في في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سمعته يقول لا يغسل الثوب ولا تعاد الصلاة مما وقع في البئر الا ان ينتن. فان انتن غسل الثوب واعاد الصلاة " قال: " وهذا مطلق سواء سبقه العلم أو لا ". وقال الشهيد في الذكرى: " يحرم استعمال الماء النجس والمشتبه في الطهارة مطلقا، لعدم التقرب بالنجاسة، فيعيدها مطلقا وما صلاه ولو خرج الوقت، لبقاء الحدث، وعموم " من فاتته صلاة فليقضها " (4) يقتضي وجوب القضاء " انتهى. وللنظر فيما ذكراه (قدس سرهما) مجال: اما ما ذكره العلامة (رحمه الله) من الاستدلال بالاخبار الدالة على النهي عن الوضوء بالماء النجس، من حيث ان النهى


(1) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الماء المطلق (2) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الاسآر و - 11 - من ابواب النجاسات. (3) رواه في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب الماء المطلق (4) الظاهر انه مضمون مستفاد من الاخبار الواردة في قضاء الصلوات


[ 372 ]

يدل على الفساد فيبقى في عهدة التكليف، فمسلم بالنسبة إلى العامد والناسي، واما بالنسبة إلى الجاهل فممنوع لعدم توجه النهي إليه كما ذكروا في غير موضع، معللين له بقبح تكليف الغافل، كما صرحوا به في مسألة الصلاة في الثوب المغصوب جاهلا والمكان المغصوب، فانه لا خلاف بينهم في الصحة، وحجتهم على ذلك ما اشرنا إليه من عدم توجه النهي إلى الجاهل لقبح تكليف الغافل، على ان الاظهر - كما هو المستفاد من الاخبار وعليه جماعة جملة من محققي علمائنا الابرار - هو معذورية جاهل الحكم فضلا عن جاهل الاصل الا ما خرج بدليل، كما تقدم تحقيقه في المقدمة الخامسة. وما ذكره اخيرا - من منع اختصاص النهي بالعالم معللا بانه إذا كان نجسا لم يكن مطهرا لغيره - ففيه انه ان كان المراد به ما كان نجسا في نظر المكلف فمسلم ولكنه ليس محل البحث، وان اراد به ما كان كذلك واقعا وان لم يكن معلوما للمكلف حال الاستعمال فهو اول المسألة وكذلك ما ذكره في الذكرى من تعليله عدم ارتفاع الحدث به بانه نجس ولا تحصل به الطهارة إلى آخر ما ذكره، وتوضيحه إلى التكاليف الواردة من الشارع انما جعلت منوطة بالظاهر في نظر المكلف دون الواقع، والشارع لم يلتفت في ذلك إلى نفس الامر ولم يكلف بالنظر إليه، للزوم تكليف ما لا يطاق، ولا نقول ان التكليف انما هو بالنظر إلى الواقع وان سقط الاثم بالمخالفة دفعا للحرج المذكور. فلا بد في الصحة من مطابقته كما هو ظاهر الجماعة، لقولهم (عليهم السلام): " كل ماء طاهر حتى تعلم انه قذر " (1) و " كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر فإذا علمت فقد قذر... " (2) فانه - كما ترى - ظاهر الدالة على الحكم على كل ماء وكل شئ بالطهارة والنظافة إلى وقت العلم بالقذارة، وبعد العلم بالقذارة يحكم بانه قذر، فصفة النجاسة لا تثبت له شرعا الا بعد


(1) المروى في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب الماء المطلق (2) المروى في الوسائل في الباب - 37 - من ابواب النجاسات


[ 373 ]

العلم ويؤيده قوله: " الناس في سعة ما لم يعلموا " (1) وقوله: " لا ابالي أبول اصابني ام ماء إذا لم اعلم " (2) إلى غير ذلك من الاخبار، وحينئذ فالمكلف إذا توضأ بهذا الماء الطاهر في اعتقاده وان لاقته نجاسة واقعا، فطهارته شرعية مجزئة، وصلاته بتلك الطهارة شرعية مجزئة اجماعا. فبعد ثبوت النجاسة في ماء وضوئه وانكشاف الامر لديه فوجوب قضاء تلك العبادة التي مضت على الصحة من وضوء وصلاة واعادتها يحتاج إلى دليل، وليس فليس. وصدق الفوات على مثل هذه العبادة - كما ادعاه في الذكرى - ممنوع، كيف وقد فعل المأمور به شرعا، وامتثال الامر يقتضي الاجزاء والصحة كما حقق في محله. والتحقيق في هذا المقام - وان استدعى مزيد بسط في الكلام، فان المسألة مما لم يحم حول حريم تحقيقها احد من الاقوام مع كونها كالاصل لابتناء جملة من الاحكام - ان يقال: الخلاف في هذه المسألة مبني على مسألتين اخريين: احداهما - معذورية الجاهل وعدمها، وثانيتهما - ان النجس شرعا هل هو عبارة عما لاقته النجاسة واقعا خاصة أو عما علم المكلف بملاقاة النجاسة له، والمشهور بين الاصحاب في المسألة الاولى هو عدم معذورية الجهل الا في مواضع مخصوصة، والمشهور من الاخبار - كما اسلفنا بيانه في المقدمة المشار إليها آنفا - هو المعذورية الا في مواضع خاصة، والمستفاد من كلامهم في المسألة الثانية ان النجس شرعا هو ما لاقته النجاسة وان لم يعلم به المكلف، غاية الامر انه مع عدم العلم ترتفع عنه المؤاخذة، فعلى هذا لو صلى في النجاسة أو توضأ بماء متنجس كان كل من صلاته ووضوءه باطلا في الواقع وان ارتفع الاثم عنه في ظاهر الامر، نقل ذلك عنهم شيخنا الشهيد الثاني في شرح الرسالة في الفصل الثالث في المنافيات


(1) تقدم في التعليقة 2 ص 43 ج 1 ان الاصل في هذا الحديث هو قوله (ع): " هم في سعة حتى يعلموا " في رواية السفرة المروية في الوسائل في الباب - 50 - من النجاسات و - 38 - من الذبائح و - 23 - من اللقطة. (2) المروى في الوسائل في الباب - 37 - من النجاسات.


[ 374 ]

للصلاة، حيث قال المصنف: " الاول - نواقض الطهارة مطلقا ومبطلاتها كالطهارة بالماء النجس " قال الشارح: " سواء علم بالنجاسة ام لا حتى لو استمر الجهل به حتى مات، فان الصلاة باطلة غايته عدم المؤاخذة عليها، لامتناع تكليف الغافل، وهذا هو الذي يقتضيه اطلاق العبارة وكلام الجماعة " انتهى. وحينئذ فيتجه القول بالبطلان. والمستفاد من الاخبار ان النجس ليس عبارة عما ذكروا بل هو عبارة عما علم الكلف بملاقاة النجاسة له، كما ان الطاهر ليس عبارة عما لم تلاقه النجاسة بل عما لم يعلم ملاقاتها له، وقد تقدم تحقيق المسألة في المقدمة الحادية عشرة (1) ويزيده هنا ما عرفت من الخبرين المتقدمين الدالين على ان " كل ماء طاهر، وكل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر فإذا علمت فقد قذر " فانهما كما دلا على ان الماء وغيره من الاشياء على اصل الطهارة من حيث عدم العلم بملاقاة النجاسة له وان حصل ذلك واقعا كذلك دلا على ان النجس الذي هو مقابل له بالمباينة هو ما علم ملاقاة النجاسة له تحقيقا للمباينة. وبذلك يظهر لك ما في كلامهم (رضوان الله عليهم) من الغفلة والمسامحة في الاصل المذكور وما يبتني عليه. هذا مقتضى ما ادى إليه الدليل بالنظر إلى هذا الفكر الكليل والذهن العليل والاحتياط يقتضي الوقوف على كلام الاصحاب (نور الله مراقدهم). ولم ار من تنبه لما ذكرناه واختاره ما حققناه سوى العلامة المحدث السيد نعمة الله الجزائري في رسالته التحفة، والشيخ جواد الكاظمي في شرح الرسالة الجعفرية، اما الاول منهما فانه صرح بان الطاهر والنجس ما حكم الشارع بطهارته ونجاسته، فالظاهر ليس هو الواقع في نفس الامر بل ما حكم الشارع بطهارته وكذا النجس، وليس له واقع سوى حكم الشارع بطهارة المسلمين فصاروا طاهرين، صرح بذلك (قدس سره) في جواب شبهة بعض معاصرين من علماء العراق ممن اعتقد وجوب عزل السؤر عن الناس بزعم انهم نجسون قطعا أو ظنا. واما الثاني فانه في الكتاب


(1) ج 1 ص 136.


[ 375 ]

المذكور - بعد ان نقل ما قدمنا من عبارة الذكرى - قال: " وفيه نظر، فانا لا نسلم بقاء حدثه، قولك: النجس لا تحصل به الطهارة قلنا النجس في نفس الامر أو النجس في علم المكلف، الاول ممنوع، والثاني مسلم، ويؤيده انا مكلفون مع عدم العلم بالنجاسة لا مع العلم بعدمها، لاستلزام ذلك الحرج المنفي بالآي والاخبار، وعلى هذا فكون صلاته فاسدة ممنوع، وصدق الفوات بالنسبة إليه غير ظاهر، كيف وهو قد فعل المأمور به شرعا وامتثال الامر يوجب الجزاء والصحة. اما الاول فلانه مأمور بالطهارة بماء محكوم بطهارته شرعا اي ما كان طاهرا في الظاهر لا في نفس الامر، لان الشارع لم يلتفت إلى نفس الامر لتعذره، واما الثاني فلما ثبت في الاصول " انتهى. وهذه المسألة من جملة ما اشبعنا الكلام في تحقيقها في كتاب المسائل الا انا بعد لم نقف على كلام هذين الفاضلين. وبعض المعاصرين استبعد ما ذهبنا إليه لمخالفته ما هو المشهور، حيث ان طبيعة الناس جبلت على متابعة المشهورات وان انكروا بظاهرهم تقليد الاموات، وقد وفق الله سبحانه للوقوف على كلام الفاضلين المذكورين فاثبتناه هنا لا للاستعانة على قوة ما ذهبنا إليه بل لكسر سورة نزاع ما ذكرناه من المعاصرين، لعدم قبولهم الا لكلام المتقدمين.

(المسألة الثامنة) - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في بطلان الطهارة بالماء المغصوب عالما عامدا، وهو لا اشكال فيه. اما مع الجهل فظاهرهم هنا الاتفاق على عدم التحريم والابطال، لعدم توجه النهي إليه. واما نسيان الغصب فهل يكون حكمه حكم العبد كما ذكروا في ناسي النجاسة. فيتوجه إليه النهي، لان النسيان انما عرض له بقلة التكرار الموجب للتذكار، أو حكم الجاهل لامتناع تكليف الغافل ؟ قولان: اختار اولهما العلامة في القواعد، وثانيهما اول الشهيدين في الرسالة، وثانيهما في شرحها، وثاني المحققين في شرح الرسالة المذكورة وفي رسالته الجعفرية، وشارحاها في شرحيهما، وهو الاظهر لما حققناه آنفا.


[ 376 ]

ثم ان الفرق بين جاهل الغصب والنجاسة كما ذكروا - معللين له بان مانع النجاسة ذاتي فلا يضره الجهل، بخلاف الغصب، فانه عرضي بسبب النهي عن التصرف في مال الغير، ومع الجهل والنسيان لا يتحقق النهي لعدم التكليف، فينتفى المانع - محل نظر يظهر ما حققناه آنفا. هذا في جاهل الغصب وناسيه. اما جاهل حكم الغصب وناسيه فهو عندهم في حكم العمد، لوجوب التعلم عليهما وضمهما الجهل إلى التقصير فلا يعد تقصيرهما عذرا. وانت خبير بما فيه من الوهن والضعف. لما اشرنا إليه آنفا من قيام دليلي العقل والنقل على معذورية الجاهل، اعم من ان يكون جاهلا بالاصل أو الحكم، وتقصيره في التعلم غاية ما يوجبه حصول الاثم لا خلاله على ما ذكرناه في كتاب الدرر النجفية، حيث حققنا هناك المقام بمزيد بسط في الكلام لا يحوم حوله نقض ولا ابرام. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الغصب - على ما عرفوه - عبارة عن اثبات اليد على حق الغير عدوانا وظلما، واحترزوا بقيد العدوان عن اثبات الوكيل يده على مال الموكل، ونحوه المرتهن والولي والمستأجر والمستعير، وظاهرهم عدم الاكتفاء بشاهد الحال اعني ظن رضا المالك في الخروج عن الغصب، وبذلك ينقدح الاشكال ويقع الداء العضال في مثل هذه المسألة، فانه متى سافر الانسان من بلد إلى اخرى مسيرة شهر أو ازيد أو انقض، يجب عليه حينئذ حمل ماء مملوك معه إلى ان يتمكن من تحصيل ماء مباح أو مأذون أو مشترى، ولا يجوز له الاخذ من المياه التي يمر بها في الطرق لدخولها في باب الغصب، وفيه من المشقة والحرج والعسر المنفي بالآية والرواية (1) ما لا يخفى، ولعله لذلك صرح جمع: منهم - الشهيدان بجواز الشرب والوضوء والغسل من نحو القناة المملوكة والدالية والدولاب مطلقا عملا بشاهد الحال الا ان يغلب على الظن الكراهة، ونفى عنه البعد في الكفاية، وهو جيد، وحينئذ لا فرق بين كون ذلك الماء مملوكا


(1) راجع الصحيفة 151 من الجزء الاول


[ 377 ]

أو مغصوبا، لان شاهد الحال حاصل على التقديرين على حد ما يأتي بيانه ان شاء الله تعالى في المكان.    

(المسألة التاسعة) - هل يشترط طهارة اعضاء الوضوء اولا من النجاسة لو كان ثمة نجاسة ثم اجراء ماء الوضوء عليها. أو يكفي ماء واحد لازالة الخبث والحدث ؟ قولان: المشهور الاول، وسيأتي تحقيق المقام في فصل غسل الجنابة ان شاء الله تعالى.

(المسألة العاشرة) - المشهور بين متأخرى اصحابنا (رضوان الله عليهم) اشتراط الاباحة في مكان الطهارة، فلو توضأ في مكان مغصوب عالما عامدا بطلت طهارته لنهي عن الكون الذي هو من ضروريات الفعل، وقطع المحقق في المعتبر بالعدم مع اختياره الاشتراط في الصلاة، واليه جنح السيد في المدارك، وتحقيق المسألة حسبما يقتضيه النظر سيأتي ان شاء الله تعالى في مبحث المكان من كتاب الصلاة.

(المسألة الحادية عشرة) - ظاهر كلام فقهائنا (رضوان الله عليهم) الاتفاق على ان من كان على اعضاء طهارته جبائر - وهي في الاصل تقال للعيدان والخرقة التي تشد على العظام المكسورة، والظاهر من كلام الفقهاء اطلاقها على ما يشد على القروح والجروح ايضا، لاشتراك الجميع في الحكم الوارد في الروايات التي هي المستند في هذا الباب - فانه يجب عليه مع الامكان نزع الجبائر اولا، أو تكرار الماء عليها على وجه يصل إلى البشرة ويحصل منه الغسل المعتبر شرعا، وظاهرهم التخيير في ذلك مع الامكان بعدم التضرر بالنزع وعدم التضرر بتطهير ما تحت الجبيرة لو كان نجسا، ولو تعذر النزع وامكن ايصال الماء إلى ما تحت الجبيرة وجب ايضا، والا فيجب المسح عليها، واحتمل العلامة في النهاية وجوب اقل ما يسمى غسلا، وهو بعيد. ولو كانت الجبيرة نجسة ولم يمكن تطهيرها ثم المسح عليها قالنا يضع عليها خرقة طاهرة ثم يمسح عليها، واحتمل في الذكرى الاكتفاء بغسل ما حولها. وصرح بعضهم بان القرح أو الجرح لو كان خاليا من الجبيرة مسح عليه ان امكن والا وضع عليه شيئا طاهرا ومسح عليه.


[ 378 ]

هذا إذا كانت الجبيرة في موضع الغسل، اما إذا كانت في موضع المسح، فان لم تستوعب محل المسح بحيث يبقى ما يتأدى به الفرض فلا اشكال، وان استوعبت فان امكن نزعها والمسح على البشرة مع طهارتها أو امكن تطهيرها وجب ذلك. والا مسح على الجبيرة مع طهارتها، ولا يكفي هنا تكرار الماء عليها بحيث يصل إلى البشرة، لان المسح انما يتحقق بايصال اليد إلى البشرة فيجب مع الامكان ولا يكفي امرار الماء، ومع نجاسة الجبيرة يضع عليها خرقة طاهرة ويمسح. هذا ما يستفاد من متفرقات كلماتهم في بحث الوضوء. ثم انهم في بحث التيمم جعلوا من جملة موجباته الخوف من استعمال الماء بسبب القروح والجروح من غير تقييد بتعذر وضع شئ عليها والمسح عليه، وكلامهم في هذا المقام لا يخلو من اجمال يحصل به الاشكال. وها نحن نسوق جملة ما وفقنا الله تعالى للوقوف عليه من الاخبار ونتكلم بعدها بما رزقنا سبحانه فهمه من تلك الآثار، معتصمين بحبل توفيقه من العثار: فمن ذلك صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج (1) قال: " سألت أبا ابراهيم (عليه السلام عن الكسير تكون عليه الجبائر أو تكون به الجراحة كيف يصنع بالوضوء أو عند غسل الجنابة وعند غسل الجمعة ؟ قال يغسل ما وصل إليه الغسل مما ظهر مما ليس عليه الجبائر، ويدع ما سوى ذلك مما لا يستطيع غسله، ولا ينزع الجبائر ولا يعبث بجراحته " ورواه الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد عن صفوان مثله الا انه اسقط قوله: " أو تكون به الجراحة (2) ". وروى العياشي في تفسيره عن علي بن ابي طالب (عليه السلام) (3) قال: " سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الجبائر تكون على الكسير كيف يتوضأ


(1) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 39 - أبواب الوضوء. (2) ولكن التعبير عنه (ع) ب‍ (ابى ابراهيم) انما هو في التهذيب وفى الكافي عبر ب‍ (ابى الحسن).


[ 379 ]

صاحبها، وكيف يغتسل إذا اجنب ؟ قال: يجزيه المسح عليها في الجنابة والوضوء. قلت: فان كان في برد يخاف على نفسه إذا افرغ الماء على جسده ؟ فقرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله): ولا تقتلوا انفسكم ان الله كان بكم رحيما (1) ". ورواية عبد الله بن سنان أو صحيحته عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الجرح كيف يصنع به صاحبه ؟ قال: يغسل ما حوله ". وقال في الفقيه (3): " وقد روي في الجبائر عن ابي عبد الله (عليه السلام) انه قال: يغسل ما حولها ". وحسنة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) انه " سأل عن الرجل تكون به القرحة في ذراعه أو نحو ذلك من موضع الوضوء فيعصبها بالخرقة ويتوضأ ويمسح عليها إذا توضأ. فقال: ان كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة، وان كان لا يؤذيه الماء فلينزع الخرقة ثم ليغسلها قال: وسألته عن الجرح كيف اصنع به في غسله ؟ قال: اغسل ما حوله ". ورواية عبد الاعلى (5) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): عثرت فانقطع ظفري فجعلت على اصبعي مرارة فكيف اصنع بالوضوء ؟ فقال: يعرف هذا واشباهه من كتاب الله تعالى: قال الله تعالى: " وما جعل عليكم في الدين من حرج " (6) امسح عليه ". ورواية كليب الاسدي (7) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل


(1) سورة النساء الآية 33 (2) و (4) و (5) و (7) المروية في الوسائل في الباب - 39 - من ابواب الوضوء. (3) ج 1 ص 29 وفى الوسائل في الباب - 39 - من أبواب الوضوء. (6) سورة الحج الآية 78


[ 380 ]

إذا كان كسيرا كيف، يصنع بالصلاة ؟ قال: ان كان يتخوف على نفسه فليمسح على جبائره وليصل ". وحسنة الوشاء (1) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الدواء إذا كان على يدي الرجل أيجزيه ان يمسح على طلي الدواء ؟ قال: نعم يجزيه ان يمسح عليه ". ورواية جعفر بن ابراهيم الجعفري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " ان النبي (صلى الله عليه وآله) ذكر له ان رجلا اصابته جنابة على جرح كان به فامر بالغسل فاغتسل فكز فمات. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قتلوه قتلهم الله... الحديث ". وصحيحة داود بن سرحان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) " في الرجل تصيبه الجنابة وبه قروح أو جروح أو يخاف على نفسه من البرد ؟ لا يغتسل ويتيمم " وحسنة محمد بن مسكين وغيره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: قيل له: ان فلانا اصابته جنابة وهو مجدور فغسلوه فمات ؟ فقال: قتلوه، ألا سألوا ألا يمموه، ان شفاء العى السؤال " وقال في الكافي (5) عقيب نقل هذه الرواية: " وروى ذلك ذلك في الكسير والمبطون يتيمم ولا يغتسل ". وحسنة ابن ابي عمير عن بعض اصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " سألته عن مجدور اصابته جنابة فغسلوه فمات. فقال: قتلوه، الا سألوا فان دواء العي السؤال " وصحيحة محمد بن مسلم (7) قال: سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يكون به القرح والجراحة يجنب. قال: لا بأس بان لا يغتسل، يتيمم " ورواه في الفقيه


(1) المروية في الوسائل في الباب - 39 - من ابواب الوضوء (2) و (3) و (4) و (6) و (7) المروية في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب التميم (5) ج 1 ص 20 وفى الوسائل في الباب - 5 - من ابواب التميم


[ 381 ]

بلفظ القروح والجراحات (1). وموثقة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (2) " في الرجل تكون به القروح في جسده فتصيبه الجنابة ؟ قال: يتيمم ". وصحيحة ابن ابي عمير عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " ييمم المجدور والكسير إذا اصابتهما الجنابة ". وموثقة عمار (4) قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينقطع ظفره هل يجوز ان يجعل عليه علكا ؟ قال: لا ولا يجعل عليه الا ما يقدر على اخذه عنه عند الوضوء، ولا يجعل عليه ما لا يصل إليه الماء ". وموثقته الاخرى (5) " في الرجل ينكسر ساعده أو موضع من مواضع الوضوء فلا يقدر ان يمسح عليه لحال الجبر إذا جبر، كيف يصنع ؟ قال: إذا اراد ان يتوضأ فليضع اناء فيه ماء ويضع موضع الجبر في الماء حتى يصل الماء إلى جلده. وقد اجزأه ذلك من غير ان يحله " ورواه الشيخ في موضع آخر عن اسحاق بن عمار مثله. هذا ما وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالمسألة، والكلام فيها يقع في مواضع: (الاول) - ان ما دلت عليه حسنة الحلبي - من المسح على الخرقة إذا كان يؤذيه الماء، ورواية عبد الاعلى من المسح على المرارة لاستلزام رفعها المشقة والحرج ورواية كليب من الامر بالمسح على الجبائر مقيدا بالخوف على نفسه - هو مستند الاصحاب فيما ذكروه من وجوب المسح على الجبيرة متى تعذر ايصال الماء إلى ما تحتها، واطلاق بعض الاخبار - الدالة على اجزاء المسح على الجبيرة من غير تعرض لتعذر ايصال الماء إلى ما تحتها كرواية العياشي وحسنة الوشاء - مقيد بهذه الاخبار.


(1) ج 1 ص 58 وفى الوسائل في الباب - 5 - من ابواب التميم. (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب التميم (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب - 39 - من ابواب الوضوء


[ 382 ]

وناقش جملة من المتأخرين: منهم - السيد في المدارك في وجوب المسح على الجبيرة قائلا بانه لولا الاجماع على وجوب مسح الجبيرة لامكن القول بالاستحباب والاكتفاء بغسل ما حولها، واحتج على ذلك بصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج. وانت خبير بان المراد من قوله (عليه السلام) في الصحيحة المشار إليها: " ويدع ما سوى ذلك مما لا يستطيع غسله " يعني يدع غسل ما لا يستطيع غسله من الجبائر، كما يدل عليه ايضا قوله اخيرا: " ولا ينزع الجبائر ولا يعبث بجراحته " وليس فيها نفي أو نهي عن المسح بل هي مطلقة بالنسبة إليه، ولا ضرر فيه، لاستفادة الحكم من تلك الاخبار المذكورة مؤيدا بدعو الاجماع في المسألة، فيكون اطلاق هذه الرواية مقيدا بتلك الروايات فلا منافاة، واما ما عدا هذه الرواية مما دل على غسل ما حول الجرح فالظاهر منه ان الجرح خال من الجبيرة، كما هو ظاهر الشهيد في الدروس، فانه بعد ان ذكر التفصيل في الجبائر وما في حكمها قال: " والمجروح يغسل ما حوله " وصريحه في الذكرى. وبالجملة فالرواية التي استند إليها فيما ذكره لا تنهض حجة في ذلك. نعم ربما كان اظاهر من كلام الصدوق في الفقيه هنا التخيير بين المسح على الجبيرة والاكتفاء بغسل ما حولها، حيث قال (1): " ومن كان به في المواضع التي يجب عليها الوضوء قرحة أو جراحة أو دماميل ولم يؤذن حلها فليحلها وليغسلها، وان اضربه حلها فليمسح يده على الجبائر والقروح ولا يحلها ولا يعبث بجراحته، وقد روى في الجبائر عن ابي عبد الله (عليه السلام) انه قال: يغسل ما حولها " انتهى، وهذا بعينه ما ذكره في كتاب فقه الرضا حيث قال (عليه السلام) (2): " ان كان بك في المواضع التي يجب عليها الوضوء قرحة أو دماميل ولم تؤذك حلها واغسلها، وان اضرك حلها فامسح يدك على الجبائر والقروح ولا تحلها ولا تعبث بجراحك، وقد نروي في الجبائر عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: يغسل ما حولها ".


(1) ج ص 29. (2) ص 2


[ 383 ]

(الثاني) - المستفاد من ظاهر ورواية عبد الله بن سنان وحسنة الحلبي ان القروح والجروح الخالية من الجبيرة إذا تضررت بالغسل يكتفى بغسل ما حولها، واما ما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) - من عنده مع تعذر الغسل يمسح عليها ومع تعذر المسح يضع عليها ما يمسح عليه فوقها - فلم اقف له على دليل في الاخبار، وقد اعترف ايضا بذلك بعض متأخري علمائنا الابرار، وما علل به - من ان فيه تحصيلا لشبه الغسل عند تعذر حقيقته إذا كان الجرح في محل الغسل، أو انه وسيلة إلى المسح الواجب في موضع المسح - فلا محصل له، مع عدم الدليل الشرعي على ذلك، وكذلك ما ذكروه من موضع خرقه على الجبيرة لو كانت نجسة وتعذر غسلها، فانه لا اشعار به في تلك الروايات بوجه، والجبيرة انما رخص في المسح عليها عند تعذر ايصال الماء إلى ما تحتها، لصيرورتها بسبب ضرورة التداوي بها ولصوقها بالجسد كأنها منه، وهذا بخلاف وضع الخرقة على هذا الوجه الذي ذكروه، ولا بأس بالعمل بما ذهبوا إليه، إذا لعلهم اطلعوا على ما لم نطلع عليه.

(الثالث) - ما دلت عليه رواية عبد الا على من المسح على المرارة التي على ظفره دليل ما ذكره الاصحاب من المسح على الجبيرة وان كانت في موضع المسح ايضا، وعليه يدل ايضا اطلاق رواية كليب الاسدي وظاهر حسنة الحلبي. وهل يجب التخليل مع امكانه وعدم امكان النزع للتوصل إلى ايصال الماء للبشرة هنا، كما لو كانت الجبيرة في موضع الغسل، أو الواجب المسح على الجبيرة خاصة ؟ ظاهر الاصحاب الثاني لما قدمنا نقله، والمفهوم من كلام شيخنا صاحب رياض المسائل فيه الاول حيث قال: " ويجب التخليل مع امكانه ولو في موضع المسح وان حصل الجريان عليه على الظاهر، اما على تقدير عدم صدق الغسل المنهى عنه عرفا عليه فظاهر، واما بتقدير الصدق فلانه ليس باعتقاد انه المفروض دون المسح بل باعتقاد انه مقدمة ما استطيع الاتيان به من المسح المأمور به وهو ايصال الماء إلى البشرة مع تعذره الا مع الجريان وعدم المماسة


[ 384 ]

ولتصريح جمع من الاصحاب - كما هو الاقوى - بتعين الغسل على الرجلين لو تادت التقية به وبالمسح على الخفين، لكونه اقرب للامتثال، وتعلقه باعضاء الطهارة لا بامر خارج عنها بل عن المتطهر، كما يدل عليه فحوى ما رواه ابن بابويه في الفقيه (1) عن عائشة انه (صلى الله عليه وآله) قال: " اشد الناس حسرة يوم القيامة من رأى وضوءه على جلد غيره " ولظاهر اطلاق رواية اسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) في الرجل ينكسر ساعدة... الحديث كما تقدم (2). انتهى كلامه (قدس سره) وهو قوي وان امكن المناقشة في بعض ما ذكره.

(الرابع) - ان ما دلت عليه موثقة عمار الاولى في من انقطع ظفره - من انه لا يجعل عليه الا ما يمكن اخذه عنه عند الوضوء، ولا يجعل عليه ما لا يصل إليه الماء - مما ينافي بظاهره الادلة العقلية والنقلية. من وجوب دفع الضرر، ورفع الحرج وسعة الحنيفية، وخصوص جملة مما تلوناه من اخبار الجبيرة الدالة على جواز استعمالها وانه يمسح عليها مع تعذر ايصال الماء، ولا سيما رواية عبد الاعلى الدالة على خصوص الظفر. ويمكن حملها على عدم انحصار العلاج بذلك حتى ان بعض محققي متأخرى المتأخرين جعل من مستحبات الوضوء ان لا يضع على اعضاء طهارته عند الحاجة إلى العلاج ما لا يقدر على اخذه عند الوضوء أو ما لا يصل إليه الماء الا مع انحصار العلاج فيه، ثم قال: " وفي حرمته تأمل، ينشأ من عموم الرخصة، ومن خصوص الموثقة المذكورة ". وفيه ما لا يخفى، فان العمل بظاهر الرواية المذكورة ممنوع بما ذكرنا لك من الادلة، فطرحها رأسا كما ذكرنا ليس بذلك البعيد، لا سيما والراوي عمار المتفرد برواية الغرائب، كما طعن به عليه المحدث الكاشاني في مواضع من كتاب الوافي. وحملها الشيخ في التهذيب على انه لا يجوز ذلك مع الاختيار، فاما مع الضرورة


(1) ج 1 ص 30 وفى الوسائل في الباب - 38 - من ابواب الوضوء (2) تقدم في الصحيفة 381


[ 385 ]

فلا بأس به، قيل: " وهو مجمل محتمل لان يراد بالاختيار المقابل بالضرورة ارتفاع الضرورة والحاجة مطلقا، وارتفاع الضرورة الخاصة الداعية إلى العلاج الخاص مما لا يمكن نزعه عند الوضوء وما لا يصل إليه الماء، وربما كان المتبادر من كلامه الاول " انتهى وبالجملة فان امكن حملها على وجه تنتظم به مع تلك الاخبار والا فطرحها متعين، فما وقع فيه بعض متأخري متأخرينا بسببها من الاشكال ليس بذلك القريب الاحتمال.

(الخامس) - ان ما دلت عليه موثقة عمار المروية في موضع آخر عن اسحاق ابن عمار (1) - في من انكسر ساعده أو موضع من مواضع الوضوء فلا يقدر ان يمسح عى موضع الكسر لمحل الجبر، من انه يضع اناء فيه ماء ويضع موضع الجبيرة فيه على وجه يصل إلى البشرة - لعله مستند الاصحاب (رضوان الله عليهم) فيما قدمنا نقله عنهم من انه لو تعذر النزع وامكن ايصال الماء إلى ما تحت الجبيرة وجب مقد ما على المسح على الجبيرة. والشيخ (رضوان الله عليه) حمل الرواية المذكورة على الاستحباب. قائلا انه مع الامكان وعدم التضرر يستحب له ذلك. وفيه انه انما صير إلى المسح لتعذر الغسل فمع امكانه على الوجه المذكور يكون واجبا لا مستحبا، وحينئذ فالخبر محمول على امكان ايصال الماء وان كان مطلقا في ذلك، للاجماع ظاهرا، ولزوم الحرج والمشقة المنفيين عقلا ونقلا، والروايات المتقدمة.

(السادس) - ظاهر الروايات الدالة على المسح على الجبيرة استيعاب الجبيرة بالمسح، وهو ظاهر المشهور وجعله الشيخ في المبسوط احوط، وحسنه في الذكرى مستشكلا في وجوب الاستيعاب بصدق المسح عليها بالمسح على جزء منها كصدق المسح على الرجلين والخفين عند الضرورة. ولقائل ان يقول ان تبعيض المسح في الرجلين انما هو لمكان الباء في المعطوف عليه وفي الخفين لتبعيته حينئذ لهما. واستدل ايضا في المعتبر على وجوب الاستيعاب بان المسح بدل من الغسل فكما يجب الاستيعاب في الغسل يجب في بدله. وصريح الاخبار


(1) المروية في الوسائل في الباب - 39 - من ابواب الوضوء


[ 386 ]

المذكورة عدم وجوب اجراء الماء على الجبيرة وان امكن فلا يجب حينئذ لعدم ورود الامر به. واحتمل العلامة في النهاية وجوب اقل ما يسمى غسلا. وهو بعيد.

(السابع) - ان ما دل عليه جملة من تلك الاخبار من الامر بالتيمم الذي القروح والجروح مناف لما دل عليه الجملة الاخرى من المسح على الجبيرة وغسل ما حول الخالي عنها، وقد اختلف كلام الاصحاب في وجه الجمع بينها على وجوه لا يخلو اكثرها من الايراد والبعد عن المراد، والذي يقوى في البال حمل روايات التيمم في التخصيص بالبدلية من الغسل، سيما فيما إذا كانت القروح والجروح كثيرة متعددة في البدن، وقوفا على ظواهر الفاظها، فانها انما وردت بالنسبة إلى الغسل خاصة، ووقوع السؤال فيها عن القروح والجروح بلفظ الجمع، ومن الغالب لزوم الحميات لذلك، وبكشف البدن لاجل الغسل ربما اضر به ملاقاة الهواء لذلك، كما تدل عليه رواية جعفر بن ابراهيم الجعفري، فانها تضمنت انه بعد الغسل كز فمات. والكزاز كغراب داء يتولد من شدة البرد. وهو قرينة ما قلناه من لزوم الحميات للقروح والجروح وتضرر البدن لذلك بكشفه في الهواء، ومثلها ظاهر روايتي محمد بن مسكين وابن ابي عمير وظاهر رواية العياشي، فانها صرحت اولا بانه يجزيه المسح على الجبائر في الوضوء والغسل حيث لا يخاف على نفسه، ومع الخوف على نفسه بافراغ الماء على جسده فانه ينتقل إلى التيمم، لان قراءته (صلى الله عليه وآله) الآية المذكورة يريد المنع من الغسل والانتقال إلى بدله من التيمم. وبالجملة فروايات التيمم مشعرة بكون السبب في العدول إليه هو التضرر بكشف البدن للغسل من اجل ما فيه من القروح والجروح، بخلاف روايات المسح على الجبيرة والغسل لما حول الجرح، فانها اما صريحة في الوضوء بخصوصه كحسنة الحلبي ورواية عبد الاعلى وحسنة الوشاء واما فيه وفي الغسل لكن لا على الوجه الذي اشرنا إليه كصحيحة عبد الرحمان وصدر رواية العياشي واما عامة لهما كرواية عبد الله بن سنان


[ 387 ]

ورواية كليب الاسدي، وحينئذ فالتيمم في هذه المسألة مخصوص بالبدلية عن الغسل على ذلك الوجه، والمسح على الجبيرة والغسل لما حول الجرح والقرح مخصوص بالوضوء والغسل على غير ذلك الوجه وعلى ذلك تنتظم الاخبار على وجه واضح المنار، والاحتياط لا يخفى.

(المسألة الثانية عشرة) - قد صرح اكثر الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان صاحب السلس - وهو الذي لا يمسك بوله - يتوضأ لكن صلاة ويغتفر حدثه بعده، نظرا إلى انه بتجدد البول يصير محدثا فتجب عليه الطهارة ويمنع من المشروط بها الا ان ذلك لما امتنع اعتباره مطلقا لتعذره وجب عليه الوضوء لكل صلاة مراعاة لمقتضى الحدث حسب الامكان. ونقل عن الشيخ في المبسوط جواز الجمع بين صلوات كثيرة بوضوء واحد، محتجا بانه لا دليل على تجديد الوضوء وحمله على الاستحاضة قياس لا نقول به. وهذا الكلام محتمل لوجهين:

(احدهما) - عدم جعل البول بالنسبة إليه حدثا وحصر احداثه فيما عداه.

و (ثانيهما) - عدم جعل ما يخرج بالتقاطر حدثا واما الذي يخرج بالطريق المعهود فيكون حدثا. وذهب العلامة في المنتهى إلى جواز الجمع بين كل من الظهرين والعشائين بوضوء واحد واختصاص الصبح بوضوء واحد واما ما عداها فيجب الوضوء لكل صلاة، واحتج على ذلك بصحيحة حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: " إذا كان الرجل يقطر منه البول والدم، إذا كان حين الصلاة اتخذ كيسا وجعل فيه قطنا، ثم علقه عليه وادخل ذكره فيه، ثم صلى: يجمع بين الصلاتين الظهر والعصر يؤخر الظهر ويعجل العصر باذان واقامتين، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء باذان واقامتين، ويفعل ذلك في الصبح " واما وجوب الوضوء لكل صلاة فيما عدا ما ذكره فوجهه ما تقدم من


(1) المروية في الوسائل في الباب - 19 - من نواقض الوضوء


[ 388 ]

دليل القول الاول كما صرح به في المنتهى. والذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالمسألة صحيحة حريز المتقدمة. وحسنة منصور بن حازم قال (1): " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يعتريه البول ولا يقدر على حبسه ؟ قال: فقال لي: إذا لم يقدر على حسبه فالله اولى بالعذر يجعل خريطه. ورواية الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سئل عن تقطير البول. قال يجعل خريطة إذا صلى ". وموثقة سماعة (3) قال: " سألته عن رجل اخذه تقطير من فرجه اما دم واما غيره قال فيصنع خريطة وليتوضأ وليصل، فان ذلك بلاء ابتلى به فلا يعيدن الا من الحدث الذي يتوضأ منه ". وانت خبير بان ما عدا صحيحة حريز من الروايات المذكورة لا تعرض فيها للوضوء بكونه لكل صلاة ولا لكل صلاتين بل هي مطلقة في ذلك، وقصارى ما تدل عليه جواز الدخول في الصلاة في تلك الحال مع وجوب التحفظ من النجاسة بحسب الامكان دفعا للحرج والمشقة المفهومين من اولوية الله سبحانه بالعذر وانه بلاء ابتلى به، وان الخريطة بالنسبة إليه كجزء من بدنه لا ينقض من النجاسة الا ما خرج منها دون ما بقى فيها، ومقتضى القاعدة حمل مطلق الاخبار على مقيدها، وبه يظهر قوة ما ذهب إليه في المنتهى ورجحه السيد في المدارك ايضا. واما ما عدا الفرائض اليومية فيشكل الوجه فيه لعدم الدليل الناس على حكمه. والاحتياط في المقام بوضع الخريطة المحشوة بالقطن والوضوء لكل صلاة في اليومية وغيرها. وقوله (عليه السلام) في آخر موثقة سماعة: " فلا يعيدن إلا من الحدث الذي يتوضأ منه " محتمل للمعنيين المتقدمين في كلام الشيخ


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 19 - من نواقض الوضوء. (3) المروية في الوسائل في الباب - 7 - من نواقض الوضوء


[ 389 ]

في المبسوط، وكيف كان فهي ظاهرة في كون التقطير ليس حدثا بالنسبة إليه. ثم انهم صرحوا بانه متى كان للسلس فترة ينقطع فيها التقطير تسع الطهارة والصلاة وجب انتظارها، لزوال الضرورة التي هي مناط التخفيف. ولا ريب في اولويته ورجحانه. وذكر البعض ايضا وجوب المبادرة إلى الصلاة بعد الوضوء. وهو كذلك. واما المبطون وهو من به داء البطن بخروج غائط أو ريح لا يتمكن من حبسه، فقد ذكر جمع من الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه يتوضأ لكل صلاة. والعلامة في المنتهى مع تصريحه بجمع ذي السلس بين الصلاتين صرح هنا بوجوب الوضوء لكل صلاة ومنع من الجمع، معللا بان الغائط حدث فلا يستباح معه الصلاة الا مع الضرورة وهي متحققة في الواحدة دون غيرها. ولا يخفى ان ما ذكره جار في السلس ايضا لكن كأنه قال بجواز الجمع هناك للصحيحة المتقدمة المختصة به. وصرح الاكثر بانه متى تطهر ودخل في الصلاة ثم فاجأه الحدث فيها تطهر وبنى وذهب العلامة في المختلف إلى وجوب استئناف الطهارة والصلاة مع امكان التحفظ بقدر زمانهما والا بنى بغير طهارة، لان الحدث المذكور لو نقض الطهارة لابطل الصلاة، لان من شروط الصلاة استمرار الطهارة ورد بان ما ذكره من التعليل مصادرة على المطلوب. واجيب بمنع المصادرة بل هو احتجاج على هذه المقدمة بالاجماع. وفيه ما لا يخفى لمنع الاتفاق على الشرطية بالمعنى المدعى في موضع النزاع. وذكر جمع من المتأخرين في ذلك تفصيلا وهو انه لا يخلو اما ان يكون له فترة تسع الطهارة والصلاة ام لا، وعلى الثاني فلا يخلو اما ان يستمر حدثه بحيث لا يتمكن من الدخول في الصلاة على طهارة ام لا، فعلى الاول يجب عليه انتظار حصول الفترة، وعلى الاول من الثاني يتوضأ لكل صلاة ويغتفر حدثه الواقع بعد الوضوء ولو في اثناء الصلاة دفعا للحرج، وعلى الثاني فالمشهور انه متى فاجأه في الصلاة فانه يتوضأ ويبنى، وقيل بالتفصيل الذي تقدم عن المختلف. ومحل الخلاف في المسألة غير منقح في كلامهم.


[ 390 ]

والذي وقفت عليه من الاخبار في المسألة موثقة محمد بن مسلم (1) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن المبطون فقال: يبنى على صلاته ". وموثقته الاخرى عنه (عليه السلام) (2) قال: صاحب البطن يتوضأ ثم يرجع في صلاته فيتم ما بقى ". وصحيحته المروية في الفقيه عنه (عليه السلام) قال (3): صاحب البطن الغالب يتوضأ ويبنى على صلاته ". وهذه الروايات - كما ترى - مطلقة لا دلالة فيها على خصوص فرد من تلك الافراد المفصلة، والمفهوم من كلام بعضهم حملها على ما إذا كان ثمة فترة تسع الصلاة أو بعضها فتوضأ ودخل في الصلاة ثم فأجاه الحدث، ومن كلام بعض آخر على ما إذا دخل في الصلاة متطهرا مطلقا اعم من ان تكون فترة تسع الصلاة كلا أو بعضا أو بمقدار الطهارة خاصة كما هو المفهوم من التفصيل المتقدم. والتحقيق في المقام ان الروايات المذكورة مطلقة الا انه ان كان الحدث المذكور متكررا بحيث يؤدي اعادة الوضوء بعد الدخول في الصلاة إلى العسر والحرج ويلزم منه الكثرة الموجبة لبطلان الصلاة، فالظاهر وجوب الاستمرار في الصلاة وعدم ايجابه الوضوء عملا باخبار سهولة الحنيفية وسعة الشريعة ورفع الحرج في الدين، والا فالظاهر دخوله تحت الاخبار ووجوب الوضوء والبناء. ويحتمل قريبا أن معنى الرواية الاولى والثالثة ان المبطون يبني على صلاته يعني لا يقطعها بالحدث الواقع في اثنائها، وقوله في الاخيرة يتوضأ يعني قبل الدخول في الصلاة. إذ ليس فيها دلالة بل ولا اشارة إلى دخوله في الصلاة خاليا من الحدث، بل ربما اشعر قوله في الاخيرة: " صاحب البطن الغالب... " باستمرار خروج الحدث، وحينئذ فتكون الروايتان دليلا لما ذكرناه


(1) المروية في الوسائل في الباب - 19 - من نواقض الوضوء (2) المروية في الوسائل في الباب - 19 - من نواقض الوضواء. وفى التهذيب والوافى والوسائل تقييد البطن فيه بالغالب (3) ج 1 ص 237.


[ 391 ]

في الشق الاول، واما الرواية الوسطى فهي صريحة في كون الوضوء في اثنا الصلاة للفظ الرجوع واتمام ما بقى فتجعل دليلا لما ذكرناه في الشق الثاني، قال في الذكرى: " والظاهر انه لو كان في السلس فترات والبطن تواتر، امكن نقل حكم كل منهما إلى الآخر " انتهى. ثم لا يخفى ان الروايات الواردة في السلس تضمنت انه بعد وضع الخريطة يصلي وان كان قد دخل في الصلاة بطهارة من الحدث والخبث، فاجأه الحدث في اثنائها ام لا وروايات المبطون تضمنت اعادة الوضوء والبناء، ولعل الوجه فيه ما اشرنا إليه آنفا من الخريطة المذكورة تكون كالجزء من بدنه، والاحتياط في المقام بل وفي كل مقام من اعظم المهام.

(المسألة الثالثة عشرة) - ذكر الاصحاب - (رضوان الله عليهم) انه لو شك في شئ من افعال الوضوء فان كان على حاله اتى به وبما بعده ما لم يجف السابق والا اعاد. وان انتقل إلى حال اخرى مضى ولم يلتفت. وتحقيق هذا القول يقع في موارد:

(الاول) - الظاهر انه لا خلاف ولا اشكال في وجوب الاتيان بالمشكوك فيه متى كان على حال الوضوء اي مشتغلا بافعاله وان كان في آخره وقد شك في شئ من اوله. لما رواه زرارة في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " إذا كنت قاعدا على وضوئك ولم تدر أغسلت ذراعيك ام لا ؟ فاعد عليهما وعلى جميع ما شككت فيه انك لم تغسله أو تمسحه مما سمى الله ما دمت في حال الوضوء. فإذا قمت من الوضوء وفرغت وقد صرت إلى حال اخرى في صلاة أو غير صلاة وشككت في بعض ما سمى الله مما اوجب الله عليك فيه وضوء فلا شئ عليك، وان شككت في مسح رأسك واصبت في لحيتك بلة فامسح بها عليه وعلى ظهر قدميك، وان لم تصب بلة فلا تنقض الوضوء بالشك وامض في صلاتك، وان تيقنت انك لم تتم


(1) رواه في الوسائل في الباب - 42 - من ابواب الوضوء


[ 392 ]

وضوءك فاعد على ما تركت يقينا حتى تأتي على الوضوء " وهو - كما ترى - ظاهر الدلالة على انه ما لم يفرغ من وضوئه فانه يتلافى ما شك فيه. وروى عبد الله بن ابي يعفور في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا شككت في شئ من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشئ انما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه " وضمير غيره كما يحتمل رجوعه إلى الوضوء فيكون الحديث المذكور دالا على ما دلت عليه الصحيحة المذكورة كذلك يحتمل رجوعه إلى شئ، والظاهر انه الاقرب بحسب السياق، وفيه حينئذ دلالة على عدم الرجوع إلى فعل مع الشك فيه بعد الدخول فيما يليه، ولا نعلم به قائلا من الاصحاب في هذا المقام، وعلى ذلك فيكون منافيا للصحيحة المتقدمة. واظهر منه في المنافاة بذلك قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (2): " إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ " وقوله (عليه السلام) في موثقة محمد بن مسلم (3): " كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو " وقوله في رواية ابي بصير (4): " كل شئ شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه " لصدق الشيئية على كل فعل من افعال الوضوء وصدق الغيرية على كل منها بالنسبة إلى ما سواه، وقصر معنى الشئ في جميع هذه الاخبار على الوضوء مما لا يرام تجشمه، وبذلك يظهر المنافاة بين جملة هذه الاخبار وبين الصحيحة المتقدمة. وربما يجاب بقصر الاخبار الثلاثة الاخيرة على موردها وهو الصلاة كما تضمنه صدر كل منهما من تعداد السؤال عن جملة من افعال الصلاة، أو عمومها وتخصيصها بالصحيحة المتقدمة، ولعله اظهر لاستنادهم إلى العمل بالكلية المنصوصة فيها في مواضع عديدة غير الصلاة، واما موثقة ابن ابى يعفور فيتعين حملها على المعنى الاول،


(1) رواه في الوسائل في الباب - 42 - من ابواب الوضوء. (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 23 - من ابواب الخلل في الصلاة (4) المروية في الوافى في باب (الشك في اجزاء الصلاة)


[ 393 ]

ولا مندوحة عن ارتكاب التأويل في الروايات المذكورة وحمل الموثقة على ما ذكرنا لاطباق الاصحاب على ان محل الرجوع مدة كون على وضوئه كما هو مقتضى الصحيحة المذكورة.

(الثاني) - هل الحال الذي يتلافى المشكون فيها عبارة عن حالة الاشتغال بالوضوء فلو فرغ منه وان بقى في محله لا يلتفت حينئذ وان التقييد بالقيام والصيرورة إلى حال اخرى - كما اشتملت عليه صحيحة زرارة المتقدمة - انما خرج مخرج الغالب من ان المتوضئ إذا فرغ من وضوئه فالغالب انه يقوم من محله أو يتشاغل بحالة اخرى، أو انه عبارة عن البقاء في موضع وضوئه إلى ان يقوم أو يتشاغل بامر آخر ما لم يطل القعود حملا لتلك الالفاظ المذكورة عى ظاهرها ؟ قولان: ظاهر الذكرى والدروس الثاني، وبالاول صرح جمع من المتأخرين: منهم - ثاني المحققين وثاني الشهيدين في شرح القواعد والروض وشرح الرسالة والسيد السند في المدارك، بل الظاهر انه المشهور في كلام المتأخرين، واستظهره في كتاب رياض المسائل وحمل الصحيحة المتقدمة وما اشبهها من عبائر متقدمي الاصحاب على الخروج مخرج الغالب. وظاهر المولى الاردبيلي (قدس سره) في شرح الارشاد التوقف في ذلك بعد نسبة ذلك إلى ظاهر الاصحاب، حيث قال بعد كلام في المسألة: " ولكن هنا خفاء في ان المراد بعدم الالتفات بعد الانصراف ما هو ؟ ظاهر الاصحاب ان مجلد الفراغ يوجب ذلك، وفي بعض الاخبار قيد بقوله: إذا فرغ وانتقل ودخل في شئ آخر مثل الصلاة وغيره، فهو محل تأمل وان كان ظاهر بعض الادلة ما ذكره الاصحاب " انتهى. ولعله اشار بظاهر بعض الادلة الدال على ما ذكره الاصحاب إلى حسنة بكير قال (1): " قلت له: الرجل يشك بعد ما يتوضأ ؟ قال هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك " فانها صريحة في عدم الالتفات إلى الشك بعد اكمال الوضوء وان لم يحصل الانتقال إلى حالة اخرى، وموثقة ابن ابي يعفور المتقدمة حيث قال


(1) المروية في الوسائل في الباب - 42 - من ابواب الوضوء


[ 394 ]

في آخرها: " انما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه " يعني انما الشك الموجب للعمل بمقتضاه من الاتيان بالمشكوك فيه إذا كنت في شئ لم تخرج عنه ولم تجزه، وحينئذ فالمراد بقوله في صدرها: " وقد دخلت في غيره " كناية عن مجرد الفراغ، والترجيح في المقام لا يخلو عن اشكال وان كان القول المشهور لا يخلو من قوة. لكن يبقى في المقام اشكال اشار إليه السيد السند في المدارك فيما إذا تعلق الشك بالعضو الاخير، لعدم تحقق الاكمال الموجب لالغاء الشك. وربما يدفع بان الظاهر تحقق الاكمال والفراغ بمجرد ان يجد نفسه غير مشغل بالفعال الوضوء بعد تيقن التلبس به فحينئذ لو طرأ الشك لم يعتد به. وكيف كان فالاحوط بناء على هذا القول التدارك ما لم يحصل القيام أو ما في حكمه، وبعض الاصحاب صار إلى القول الاول احتياطا، ولا ريب انه احوط.

(الثالث) - قد عرفت مما اشرنا إليه آنفا اشتراط الاصحاب في الاكتفاء بالاتيان بالمشكون وما بعده عدم جفاف ما تقدم، والا فالواجب عندهم الاعادة تحصيلا للموالاة الواجبة. وانت خبير بان الظاهر من الرواية المتقدمة (2) التي هي مستند هذا الحكم الاعادة عى العضو المشكوك مطلقا بدون تقييد بعدم الجفاف. وما تقدم من الروايات الدالة على تفسير الموالاة بمراعاة الجفاف لا عموم فيه على وجه يشمل ما نحن فيه حتى يخصص به هذا الاطلاق، إذ ليس صحيحة معاوية بن عمار وموثقة ابي بصير كما حققناه سابقا (2) وموردهما خاص بنفاد الماء وعروض الحاجة، ولعله إلى هذا يشير كلام الحدث الحر (قدس سره) في كتاب الوسائل حيث قال: " باب ان من شك في شئ من افعال الوضوء قبل الانصراف وجب ان يأتي بما شك فيه وبما بعده، ومن شك بعد الانصراف لم يجب عليه شئ.. " فانه ظاهر في مراعاة الترتيب بالاتيان بما شك فيه وما بعده اعم من ان يجف ما قبله ام لا، مع تخصيصه في كتاب البداية فيما تقدم


(1) وهي صحيحة زرارة المتقدمة في الصحيفة 391 (2) ص 250


[ 395 ]

الابطال بالجفاف بالتراخي والتفريق كما اوضحناه هناك، والحق ان الكلام معهم (رضوان الله عليهم) يرجع إلى اصل المسألة. فانهم حيث ذهبوا في تفسير الموالاة التي هي احد واجبات الوضوء عندهم ألى مراعاة الجفاف مطلقا أو في صورة خاصة، بناء على الخلاف المتقدم، اتجه لهم تمشية ذلك في جملة فروع المسألة، واما على ما حققناه آنفا من التخصيص فلا، فالكلام هنا يتفرع على ذلك. وكيف كان فالاحوط هو الوقوف على ما قرروه شكر الله تعالى اجتهادهم واجزل اسعادهم.

(الرابع) - صرح جمع: منهم - الشهيد في الذكرى بانه لو كثر شكه فالاقرب الحاقه بحكم كثير الشك في الصلاة دفعا للعسر والحرج، وايده السيد السند في المدارك بقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة وابي بصير (1) الواردة في من كثر شكه في الصلاة بعد ان امر بالمضي في الشك: " لا تعودوا الخبيث من انفسكم نقض الصلاة فتطيعوه، فان الشيطان خبيث معتاد لما عود " قال: " فان ذلك بمنزلة التعليل لوجوب المضي في الصلاة فيتعدى إلى غير المسؤول عنه " انتهى. اقول: ويؤيده ايضا ظاهر صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " قلت له رجل مبتلى بالوضوء والصلاة وقلت هو رجل عاقل ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): واي عقل له وهو يطيع الشيطان ؟ فقلت له وكيف يطيع الشيطان ؟ فقال: سله هذا الذي يأتيه من اي شئ هو، فانه يقول لك من عمل الشيطان " فان الظاهر ان ابتلاءه بذلك باعتبار كثرة الشك في افعالهما. واما حمله على ما يشمل الوسواس في النية - كما ذكره الشارح المازندراني في شرح اصول الكافي - فظني انه بعيد غاية البعد، لان النية في الصدر السابق ليست على ما يتراءى الآن من صعوبة الاتيان بها ولهذا لم يجر لها ذكر في كلام السلف ولا في الاخبار كما اوضحناه سابقا على وجه واضح


(1) المروية في الوسائل في الباب - 16 - من أبواب الخلل في الصلاة. (2) المروية في الوسائل في الباب - 10 - من ابواب مقدمة العبادات


[ 396 ]

المنار ساطع الانوار، والوسواس فيها انما حدث بما احدثه متأخرو اصحابنا (رضوان الله عليهم) من البحث فيها وفي قيودها والمقارنة بها ونحو ذلك.

(الخامس) - الظاهر - كما صرح به بعض محققي المتأخرين - ان عدم الالتفات إلى ما شك فيه وتركه رخصة لا انه يحرم فعله، وكذا في صورة تيقن الطهارة والشك في الحدث، لعموم الاحتياط الموجب المشي على الصراط الذي هو عبارة عن الاتيان بما يتيقن به الخروج عن العهدة عى جميع الاحتمالات. ويحتمل الثاني لعموم قوله (عليه السلام) في موثقة بكير (1): " إذا استيقت انك احدثت فتوضأ، واياك ان تحدث وضوء ابدا حتى تستيقن انك قد احدثت " والظاهر حمل الخبر المذكور على المنع عن احداث الوضوء على سبيل الوجوب والحتم، لعدم العمل به على ظاهره اجماعا نصا وفتوى.

(المسألة الرابعة عشرة) - لو شك في الطهارة مع تيقن الحدث أو تيقنها مع الشك فيه، بنى على يقينه في الموضعين اجماعا نصا وفتوى. ومن الاخبار الواردة في ذلك موثقة بكير المتقدمة، وصحيحة زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) في حديث قال فيه: " قلت: فان حرك إلى جنبيه شئ ولم يعلم به ؟ قال: لا حتى يستيقن انه قد نام حتى يجئ من ذلك امر بين، والا فانه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين ابدا بالشك ولكن ينقضه بيقين آخر ".

إذا عرفت ذلك ففي المقام فوائد ثلاث:

(الاولى) - المفهوم من كلام اصحابنا (رضوان الله عليهم) استثناء صورة واحدة من هذه القاعدة، وهو ما إذا بال ولم يستبرئ ثم خرج بلل مشتبه، فانهم صرحوا بوجوب الوضوء في الصورة المذكورة بلا خلاف، بل عن ابن ادريس دعوى الاجماع عليه، ويدل عليه مفهوم قول الصادق (عليه السلام)


(1) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب نواقض الوضوء، و 44 من ابواب الوضوء (2) المروية في الوسائل في الباب - 1 - من ابواب نواقض الوضوء


[ 397 ]

في صحيحة ابن البختري (1): " ينتره ثلاثا ثم ان سال حتى يبلغ الساق فلا يبال " وقول الباقر (عليه السلام) في حسنة محمد بن مسلم (2): " يعصر اصل ذكره إلى طرفه ثلاث عصرات ينتر طرفه، فان خرج بعد ذلك شئ فليس من البول ولكنه من الحبائل " وصريح صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (3) الواردة في غسل الجنابة حيث قال فيها: " وان كان بال ثم اغتسل ثم وجد بللا فليس ينقض غسله ولكن عليه الوضوء " ومضمرة سماعة (4): " وان كان بال قبل ان يغتسل فلا يعيد غسله ولكن يتوضأ ويستنجى " وهاتان الروايتان وان اطلقتا الوضوء بخروج البلل وان كان مع الاستبراء الا انهما مقيدتان بالاخبار المتقدمة مضافة إلى الاجماع على عدم الوضوء مع الاستبراء، وبذلك يظهر لك ما في كلام شيخنا الاوحد في كتاب رياض المسائل، حيث قال بعد نقل الاحتجاج على الحكم المذكور بمفهوم الروايتين المتقدمتين: " وهو ان لم يكن اجماعا محل تأمل " انتهى.

(الثانية) - قد اورد في المقام اشكال، وهو ان الشك المتعلق باحد النقيضين متى كان عبارة عن تساوي اعتقادي الوجود والعدم نافى اليقين المتعلق بالنقيض الآخر البتة، لاقتضاء اليقين بوجود احد النقيضين نفي النقيض الآخر، فكيف يمكن اجتماع الشك في الحدث مع تيقن الطهارة وبالعكس ؟ واجاب شيخنا الشهيد في الذكرى بان قولنا: اليقين لا يرفعه الشك لا نعني به اجتماع اليقين والشك في الزمان الواحد لا متناع ذلك، ضرورة ان الشك في احد النقيضين يرفع يقين الآخر، بل المعنى به ان اليقين الذي كان في الزمن الاول لا يخرج عن حكمه


(1) المروية في الوسائل في الباب - 13 - من أبواب نواقض الوضوء (2) المروية في الوسائل في الباب - 11 - من احكام الخلوة (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 13 - من ابواب نواقض الوضوء و 36 من ابواب الجنابة.


[ 398 ]

بالشك في الزمن الثاني لاصالة بقاء ما كان، فيؤول إلى اجتماع الظن والشك في الزمن الواحد فيرجح الظن عليه كما هو مطرد في العبارات. انتهى، وحاصل كلامه (قدس سره) تغابر زماني الشك واليقين، كأن يتيقن في الماضي كونه متطهرا ثم يشك في المستقبل في كونه محدثا، فهذا الشك لا يرفع حكم اليقين السابق بل يستصحب ذلك الحكم السابق ويظن بقاءه إلى ان يتحقق الناقل. وهو جيد الا ان قوله: فيؤول إلى اجتماع الظن والشك... الخ " محل بحث، إذ عند ملاحظة ذلك الاستصحاب ينقلب احد طرفي الشك ظنا والطرف الآخر وهما، فلم يجتمع الظن والشك في الزمان الواحد، كيف والشك في احد النقيضين يرفع ظن الآخر كما يرفع يقينه، كذا اورده بعض محققي المتأخرين عليه. واجيب بان المراد بالشك في هذا المقام ما قابل اليقين، كما تفهمه جملة الاستدراك في قوله في صحيحة زرارة المتقدمة: " ولكن ينقضه بيقين آخر " بل هذا المعنى هو الموافق لنص اهل اللغة، واما اطلاقه على تساوي الاعتقادين فهو اصطلاح بعض اهل المعقول وحينئذ فالشك بالمعنى المذكور - وهو مطلق التجويز لكل من طرفي النسبة - لا انقلاب فيه عند ملاحظة ذلك الاستصحاب ولا رفع يقينه، ألا ترى انه قال: " فيؤول إلى اجتماع الظن والشك " اي إلى اجتماع ظن طرفي النسبة وتجويز مخالفه، ولم يعبر بلفظ الانقلاب المؤدي إلى الانقلاب كما وقع في كلام المعترض. وهو جيد متين الا ان فيه مناقشة من جهة اخرى سيأتي بيانها ان شاء الله تعالى. واجاب السيد السند في المدارك بحمل الحدث هنا على ما تترتب عليه الطارة اعني نفس السبب لا الاثر الحاصل من ذلك، قال: " وتيقن حصوله بهذا المعنى لا ينافي الشك في وقوع الطهارة بعده وان اتحد وقتهما " انتهى. وانت خبير بان مجرد الحمل على نفس السبب لا يحسم مادة الاشكال ما لم يعتبر تعدد زماني الشك واليقين أو تعدد زمان متعلقيهما.


[ 399 ]

والاظهر في وجه الجواب ان يقال بجواز التزام اجتماع الشك واليقين في زمان واحد مع تعدد زمان متعلقيهما، كأن يتيقن الآن حصول الحدث في زمان ماض اعم من ان يراد بالحدث نفس السبب أو الاثر المترتب عليه ثم يشك ايضا في ذلك الآن في وقوع طهارة سابقة متأخرة عن ذلك الحدث، سواء اريد بالطهارة نفس الوضوء أو اثره المترتب عليه، ولا شك ان اجتماع اليقين والشك هنا في زمن واحد مما لا شك فيه ولا خلل يعتريه، لعدم تناقض متعلقيهما لاختلاف زمانيهما كمن تيقن عند الظهر وقوع التطهر صبحا وهو شاك في انقطاعه، وحينئذ لا يحتاج إلى تكلف التخصيص بالسبب مما عرفت فيه، ولا حمل اليقين على الظن.

(الثالثة) - هل الظن المقابل لليقين حكمه حكم الشك في وجوب اطراحه بمعارضة اليقين ام لا ؟ المشهور ذلك، وظاهر شييخنا البهائي في كتاب الحبل المتين المخالفة في ذلك، حيث قال بعد ان صرح اولا بان ما ذكروه من ان اليقين لا يرتفع بالشك يرجع إلى استصحاب الحال إلى ان يعلم الزوال، فان العاقل إذا التفت إلى ما حصل بيقين ولم يعلم ولم يظن طرو ما يزيله حصل له الظن ببقائه - ما صورته: " ثم لا يخفى ان الظن الحاصل بالاستصحاب في من تيقن الطهارة وشك في الحدث لا يبقى على نهج واحد، بل يضعف بطول المدة شيئا فشيئا بل قد يزول الرجحان ويتساوى الطرفان بل ربما يصير الطرف الراجح مرجوحا، كما إذا توضأ عند الصبح - مثلا - وذهل عن التحفظ ثم شك عند الغروب في صدور الحدث منه ولم يكن من عادته البقاء على الطهارة إلى ذلك الوقت، والحاصل ان المدار على الظن، فما دام باقيا فالعمل عليه وان ضعف " ثم نقل عن العلامة في المنتهى ان من ظن الحدث وتيقن الطهارة لا يلتفت، لان الظن انما يعتبر مع اعتبار الشارع له، ولان في ذلك رجوعا عن المتيقن إلى المظنون، وقال بعده: " انتهى وفيه نظر لا يخفى على المتأمل فيما تلوناه " هذا كلامه (قدس سره). وبعض محققي متأخرى المتأخرين بعد ان جزم بموافقة المشهور في صورة الشك


[ 400 ]

في الحدث مع يقين الطهارة لدلالة ما قدمنا من الاخبار على ذلك استشكل في صورة العكس لعدم الدليل، قائلا في توجيه الاشكال: " لان صحيحة زرارة المتقدمة كما يمكن ان يستدل بها على عدم اعتبار الظن نظرا إلى مفهوم " ولكن ينقضه بيقين آخر " كذلك يمكن ان يستدل بها على اعتباره بمفهوم " لا ينقض اليقين بالشك " مع ان الاصل براءة الذمة " انتهى. اقول: وفيه ان ظاهر قضية الاستدارك يوجب عدم اعتبار الظن بل مساوقته للشك ثم، وهو المفهوم من جملة الاخبار الواردة في عدم معارضة الشك باليقين ومنها صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " قلت اصاب ثوبي دم رعاف أو غيره إلى قوله: فان ظننت انه اصابه ولم اتيقن ذلك فنظرت فلم أر شيئا ثم صليت فيه فرأيت ؟ قال: تغسله ولا تعيد الصلاة. قلت ولم ذلك ؟ قال لانك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا " ومن المعلوم ان المراد بالشك هنا ما يشمل الظن، ومثله في الاخبار غير عزيز يقف عليه المتتبع. ثم اقول: انت خبير بان الاصحاب (نور الله تعالى مضاجعهم) لما بنوا الاحكام الشرعية على ما في الواقع ونفس الامر وحملوا العلم واليقين في الاخبار المتعلقة بتلك الاحكام على ما هو المطابق للواقع، اشكل عليهم المخرج في موارد كثيرة تقف عليها في اثناء مباحث هذا الكتاب ان شاء الله تعالى، وانت إذا تأملت بعين التحقيق والانصاف علمت ان الله سبحانه لم يجعل شيئا من الاحكام الشرعية منوطا بالواقع ونفس الامر دفعا للحرج ولزوم تكليف ما لا يطاق، فان يقين الطهارة من النجاسة الذي اوجب الشارع البناء عليه ودفع الشك في لباس المصلي وبدنه وماء طهارته ونحوها


(1) المروية في الوسائل في الباب - 7 و 37 و 41 و 42 و 44 - من ابواب النجاسات بنحو التقطيع.


[ 401 ]

ليس الا عبارة عن عدم العلم بملاقاة النجاسة لا العلم بالعدم، فكذلك ايضا يقين الطهارة للصلاة من وضوء وغسل وتيمم ليس الا عبارة عن فعلها مع عدم العلم بناقض لها لا مع العلم بالعدم، وحينئذ فالمراد بهذا اليقين المذكور في الاخبار ما هو اعم من اليقين الواقعي اعني العلم بالعدم والظن باصطلاحهم، وليس له فرد يقابله الا الشك خاصة الذي هو عبارة عن تجويز المخالفة واحتمالها، والحمل على الشك الذي هو عبارة عن المعنى المشهور بينهم اصطلاح متأخر مخالف لكلام اهل اللغة، حيث نص في القاموس والصحاح على ان الشك خلاف اليقين، مع انهم قد قرروا في غير موضع وجوب حمل الالفاظ الواردة في كلام حافظ الشريعة مع عدم الحقيقة الشرعية أو العرفية الخاصة على المعنى اللغوي، وحينئذ فالشك في الحدث مع تيقن الطهارة - مثلا - ليس الا عبارة عن تيقن فعل الطهارة مع عدم العلم بالناقض لها ثم يحصل له بسبب عروض بعض الاشياء شك في انتقاض طهارته يعني احتمال وتجويز انتقاضها، اعم من ان يكون ذلك الاحتمال والتجويز قويا كما ربما عبر عنه في الاخبار بالظن أو ضعيفا يعبر عنه بالوهم أو الشك، واما لو توضأ صبحا ثم انه شك في آخر النهار بسبب طول المدة في انه هل احدث ام لا وان كان من عادته في سائر الايام الحدث في اثناء النهار وعدم الوضوء فهذا لا يخرج عما ذكرنا ايضا، فالعمل على هذا الشك خيال نفساني بل وسواس شيطاني وان قوى حتى يبلغ مرتبة الظن، بل هذا مقتضى ما ذكرنا من الاخبار متطهر يقينا يعمل على يقين طهارته وبذلك يظهر لك ما في كلام هؤلاء الفضلاء (نور الله تعالى تربتهم واعلى رتبتهم) ولا سيما كلام شيخنا البهائي، هذا هو التحقيق في المقام والله سبحانه الهادي إلى سواء الطريق في جملة الاحكام.

(المسألة الخامسة عشرة) - لو تيقن الطهارة والحدث معا وشك في المتأخر فقد اطلق الاكثر سيما المتقدمين وجوب الوضوء، لعموم الاوامر الدالة على وجوب الوضوء عند ارادة الصلاة من الكتاب والسنة، خرج منه متيقن الطهارة، ويدل عليه


[ 402 ]

خصوص ما ذكره في كتاب فقه الرضا (1) قال (عليه السلام): " وان كنت على يقين من الوضوء والحدث ولا تدري ايهما سبق فتوضأ " وبهذه العبارة صبح في الفقيه من غير اسناد إلى امام كما هي عادته غالبا من كون ما ينقله فيه عاريا عن النسبة مأخوذا من هذا الكتاب كما اشرنا إليه آنفا، ولانه من المعلوم المقطوع ايجاب الشارع لدخول في الصلاة بطهارة يقينية والمنع من الدخول بالحدث، وهذان اليقينان هنا قد تصادما، ولم يعلم من الشارع ترجيح لاحدهما، فالعمل على احدهما ترجيح من غير مرجح، فيجب الغاؤهما معا والرجوع إلى حكم الاصل من البقاء على الحدث الذي لا ينفك الانسان عنه في سائر احواله، ومع المناقشة فيما ذكرنا لا اقل ان يكون ذلك من قبيل الشبهات المأمور فيها بالاحتياط كما استفاض عن اهل العصمة (سلام الله عليهم) ولا ريب ان الاحتياط في الطهارة (لا يقال): ان الاحتياط ليس بدليل شرعي كما يتداوله جملة من المتأخرين ومتأخريهم (لانا نقول): قد قدمنا لك في المقدمة الرابعة ما يدل على كونه في مثل هذا المقام دليلا شرعيا. وفي المسألة قولان آخران: (احدهما) - لثاني المحققين صريحا واولهما ظاهرا، وهو انه ينظر إلى حاله قبل الطهارة والحدث المفروضين فان جهلها تطهر وان علمها اخذ بضد ما علمه، واحتج عليه في المعتبر بانه ان كان سابقا محدثا فقد تيقن رفع ذلك الحدث بالطهارة المتيقنة مع الحدث الآخر، لانها ان كانت بعد الحدثين أو بينهما فقد ارتفعت الاحداث السابقة بها، وانتقاضها بالحدث الآخر غير معلوم للشك في تأخره، فيكون متيقنا للطهارة شاكا في الحدث، وان كان متطهرا فقد تيقن انه نقض تلك الطهارة بالحدث المتيقن مع الطهارة، ورفعه بالطهارة الاخرى غير معلوم لجواز تقدمها عليه تجديدا للطهارة السابقة أو مع الذهول عنها، فيكون متيقنا للحدث شاكا في الطهارة، وضعفه ظاهر، لان الاحداث السابقة في الصورة الاولى وان ارتفعت بالطهارة المجامعة


(1) في الصحيفة 2


[ 403 ]

للحدث الاخير، وكذلك الطهارة السابقة في الصورة الثانية وان ارتفعت بالحدث المجامع لتلك الطهارة الاخيرة، لكن يبقى الشك في رفع ذلك الحدث الاخير بالطهارة المجامعة له ونقضها له من حيث الشك في تقدم ايهما على الاخر، وغاية ما يفيده كلامه رفع الحالة السابقة من طهارة أو حدث واما محل الاشكال فهو باق على الاشتباه والاحتمال. و (ثانيهما) - ما نقل عن المختلف، حيث قال - بعد ان نقل عن الاصحاب اطلاق القول باعادة الطهارة في المسألة - ما صورته: " ونحن فصلنا ذلك في اكثر كتبنا وقلنا ان كان في الزمن السابق على زمان تصادم الاحتمالين محدثا وجب عليه الطهارة، وان كان متطهرا لم يجب، ومثاله انه إذا تيقن عند الزوال انه نقض طهارة وتوضأ عن حدث وشك في السابق فانه يستصحب الحال السابق على الزوال، فان كان في تلك الحال متطهرا فهو على طهارته، لانه تيقن انه نقض تلك الطهارة وتوضأ ولا يمكن ان يتوضأ عن حدث مع بقاء تلك الطهارة، ونقض الطهارة الثانية مشكوك فيه فلا يزول عن اليقين بالشك، وان كان قبل الزوال محدثا فهو الآن محدث، لانه تيقن انه انتقل عنه إلى طهارة ثم نقضها والطهارة بعد نقضها مشكوك فيها " انتهى. وفيه ان ما ذكره يشعر بان طهارته لا تقع الا رافعة وحدثه لا يكون الا ناقضا، والظاهر ان هذا بعينه ما ذكره في القواعد من قوله: " ولو تيقنهما متحدين متعاقبين وشك في المتأخر فان لم يعلم حاله قبل زمانهما تطهر والا استصحب " ومراده بالاتحاد تساوي اعداد الطهارات والاحداث وبالتعاقب وقوع الطهارة بعد الحدث وبالعكس، ومثله في التذكرة أيضا، وبذلك تخرج المسألة عن باب الشك الا ان يحمل على انه باعتبار اول الامر، وفي عبارته في المختلف مناقشات رأينا الاغماض عن التطويل بالتعرض لها اولى.

(المسألة السادسة عشرة) - من تيقن بعد الصلاة بطهارتين ترك عضو من احداهما أو وقوع حدث بعد احداهما ففيه صور: (الاولى) - من توضأ ثم احدث وضوء آخر ثم صلى ثم ذكر الاخلال بعضو


[ 404 ]

من احدى الطهارتين، فهذان الوضوءان اما ان يكونا معا واجبين أو مندوبين أو الاول واجبا والثاني مندوبا أو بالعكس، وعلى التقادير الاربعة اما ان تعتبر القربة خاصة أو يضم إليها الوجه فقط أو يضم إلى ذلك احد الامرين من الرفع والاستباحة، وحيث انه لا دليل عندنا على زيادة شئ وراء القربة فالصلاة المذكورة صحيحة، لان الاخلال ان كان من الاولى فالثانية صحيحة عندنا، وان كان من الثانية فالاولى صحيحة اتفاقا، فلا حاجة إلى اعادتها ولا اعادة الطهارة، واما على تقدير ضم شئ آخر إلى القربة ففيه تفاصيل يلزم في بعضها اعادة كل من الوضوء والصلاة، ولا ثمرة مهمة عندنا في تطويل الكلام بالبحث عن تلك الشقوق، مع ضرورة صرف الوقت فيما هو اهم من ذلك، ومن احب الوقوف عليها فليرجع إلى مطولات اصحابنا (شكر الله تعالى سعيهم) وايضا فانا قررنا في هذا الكتاب ان لا نطول البحث الا في موضع اغفلوا تحقيقه، الا ان الشهيد في البيان نقل عن السيد جمال الدين ابن طاوس (قدس سره) عدم الالتفات إلى هذا الشك مطلقا لاندراجه تحت الشك في الوضوء بعد الفراغ، واستوجهه ايضا، وقواه العلامة في المنتهى، قال في المدارك بعد نقل ذلك تبعا لما لخصه في الذكرى: " ويمكن الفرق بين الصورتين بان اليقين هنا حاصل بالترك وانما حصل الشك في موضعه بخلاف الشك بعد الفراغ، فانه لا يقين فيه بوجه، والمتبادر من الاخبار المتضمنة لعدم الالتفات إلى الشك في الوضوء بعد الفراغ من الوضوء المتحد الذي حصل الشك فيه بعد الفراغ منه " انتهى. وفيه ان يقين حصول الترك انما حصل بالنظر إلى الوضوءين معا اما بالنظر إلى كل واحد على حدة فانه غير متيقن الترك بل مشكوكه، لاصالة الصحة واحتمال كون الترك من الآخر، نظير ما قرره (قدس سره) في مسألة الاناءين المتيقن وقوع النجاسة في احدهما من ان كل واحد متيقن الطهارة مشكوك النجاسة، (الصورة الثانية) - وهي الاولى بعينها ولكنه صلى بالوضوء الاول فرضا وبالثاني فرضا آخر من غير تخلل حدث، وقد صرح الشيخ في المبسوط بوجوب اعادة


[ 405 ]

الصلاة المتوسطة بين الطهارتين لاحتمال ان يكون الخلل واقعا من الطهارة الاولى، واما الفريضة الاخيرة فصحيحة، وهذا واضح مع الحكم بصحة الوضوء الثاني كما اخترناه، فان الاخيرة حينئذ واقعة بوضوء صحيح اما الاول أو الثاني، واما على تقدير العدم فيعيدهما معا، وبه صرح ابن ادريس بناء على ان الوضوء الثاني عندهم لم يحصل به رفع ولا استباحة، واختاره في المختلف لاشتراطه ذلك في النية ايضا. ويأتي على ما ذهب إليه جمال الدين والعلامة في المنتهى واختاره بعض محققي متأخري المتأخرين ايضا عدم اعادة شئ من الصلاتين، ثم انه يأتي على القول الاول والثالث عدم اعادة الوضوء لحصول طهارة صحيحة عنده على الاول وصحتهما لعدم تأثير الشك في شئ منهما على الثالث، وعلى الثاني تجب الاعادة لعدم صحة شئ منهما، اما الاولى باعتبار احتمال ترك العضو منها، والثانية غير رافعة ولا مبيحة. واستشكل بعض مشايخنا المحققين في وجوب اعادة الصلاة المتخللة كما هو قول المبسوط أو كلتا الصلاتين كما هو القول الآخر، قائلا بانه انما تجب اعادة الصلاة بعد الفراغ منها على تقدير تعين فسادها، وهو انما يحصل على تقدير حصول كل احتمال ممكن الوقوع، وما نحن فيه ليس كذلك، فان احد الاحتمالين الممكنين هنا كون الاخلال من الثانية فتصح الصلاتان على القولين، فوجوب اعادتهما يسلتزم نقض اليقين بالشك المنهي عنه عموما، والخروج عن القاعدة المجمع عليها المندرج ما نحن فيه تحتها عموما من ان الشك بعد الفراغ لا يلتفت إليه، وليس عدم تعين الصحة كافيا في الوجوب، وادعاء ان الشك في الصحة كالشك في اصل الايقاع - والاصل بقاء شغل الذمة بها حتى يعلم المزيل - دعوى عارية عن الدليل، وان تمت فانما تتم مع بقاء الوقت، لان الشك في الايقاع بعد الفوت لا يوجب القضاء، لعدم كون وجوب الاداء كافيا في سببية وجوبه إذ هو بامر جديد، والامر الجديد ب‍ " من فاتته صلاة فليقضها كما فاتته " (1)


(1) هذا المضمون مستفاد من الاخبار الدالة على وجوب قضاء الصلوات الفائتة =


[ 406 ]

لا يتناوله، لعدم حصول ما علق عليه، ولقول الصادق (عليه السلام) في حسنة زرارة والفضيل (1): " ومتى استيقنت أو شككت في وقت فريضة انك لم تصلها أو في وقت فوتها انك لم تصلها صليتها، وان شككت بعد ما خرج وقت الفوت فقد دخل حائل فلا اعادة عليك من شك حتى تستيقن... " وليس فساد احدى الطهارتين بمقتض ليقين فساد احدى الصلاتين، لجواز كون الفاسدة واقعا هي الثانية وفسادها لا يقتضي فساد احداهما بل يقتضي صحتهما، فظهر ان وجوب اعادة الطهارة - لما يستقبل من الصلاة على تقدير القول به كما هو مقتضى كلام الفاضلين - لا يقتضي وجوب اعادة شئ من الصلاتين، لان وجه وجوب اعادتهما عند يقين حدث سابق على الطهارتين الاندراج في حكم الشك في الطهارتين مع يقين الحدث، باعتبار ان الشك في حصول الطهارة المبيحة أو الرافعة شك في اصلها مع يقين الحدث، وذلك لا يوجب اعادة الصلاة، لان الشك في الطهارة مع يقين الحدث انما يبطل من الصلوات ما وقع بعده بلا طهارة لا ما سبقه لمضيه على الصحة. ولم اقف لاحد من اصحابنا في هذا المقام على ايماء لما اشرنا إليه الا ان الادلة تدل عليه، انتهى كلامه زيد في الخلد مقامه. وتقد تلخص مما ذكرنا في هذه الصورة اقوال اربعة: (احدها) - وجوب اعادة الصلاة المتوسطة وعدم اعادة الوضوء كما هو مقتضى كلام المبسوط، (وثانيها) - وجوب اعادة الوضوء والصلاتين معا كما هو قول ابن ادريس والمختلف. و (ثالثها) - عدم اعادة بشئ من الوضوء والصلاة كما هو مقتضى كلام السيد جمال الدين (قدس سره) و (رابعها) - صحة الصلاتين واعادة الوضوء كما يشعر به آخر هذا الكلام الاخير، الا ان يحمل آخر كلامه على التنزل والمجاراة دون الاختيار لذلك، والا فيرد عليه ان


= المروية في الوسائل في الباب - 1 - من قضاء الصلوات، ومنها صحيحة زرارة المروية في الباب - 6 - منه. (1) المروية في الوسائل في الباب - 60 - من مواقيت الصلاة


[ 407 ]

جل ما ذكره من التعليلات في عدم اعادة الصلاة يجري في الوضوء ايضا كما لا يخفى.

(الصورة الثالثة) - هي الثانية بعينها ولكن مع تخلل الحدث بعد الصلاة المتوسطة، والظاهر انه لا ريب في اعادة الوضوء حينئذ، لانه - بالحدث السابق على الطهارة الاولى والحدث المتوسط مع احتمال كون العضو المتروك من كل من الطهارتين - يكون متيقنا للحدث شاكا في الطهارة، ولا ريب ايضا في بطلان احدى الصلاتين لبطلان احدى الطهارتين، لكن هل يجب حينئذ اعادة الفرضين معا لتوقف الخروج عن العهدة يقينا عليه، أم يخص ذلك بما إذا اختلفا عددا وإلا فيكفي الاتيان بفريضة واحدة مرددة في نيتها ؟ الاكثر على الثاني، والى الاول ذهب الشيخ في المبسوط بل اوجب ايضا بناء على ذلك قضاء الخمس لو صلاها بخمس طهارات ثم ذكر الاخلال المذكور في احدى الطهارات مع تخلل الحدث بين كل طهارة وصلاة منها، وتبعه أبو الصلاح وابن زهرة، وربما لزم على تقدير ما ذهب إليه السيد جمال الدين عدم وجوب اعادة شئ من الوضوء والصلاتين، لصدق انه شك بعد الفراغ، والظاهر انه لا يلتزمه. ويدل على قول الاكثر ورود النص في من فاتته صلاة من الخمس مشتبهة انه يكتفي باثنتين وثلاث واربع مرددة (1) اما لكون العلة في الجميع واحدة، أو لكون المتنازع فيه داخلا في موضوع الخبر، بان يقال ان بطلان الصلاة ببطلان شرطها المتوقف صحتها عليه فوت يدخل في عموم " من فاتته... الخبر " ويؤيد ذلك ايضا قول ابي جعفر (عليه السلام) في حسنة زرارة (2): "... وان نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها وانت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الاولى ثم صل العصر، فانما هي اربع مكان اربع... " لكن يشكل من حيث اختلاف هيئتي الجهرية والاخفاتية جهرا واخفاتا


(1) وهو مرسل على بن اسباط ومرفوع الحسين بن سعيد المرويان في الوسائل في الباب - 11 - من قضاء الصلوات. (2) المروية في الوسائل في الباب - 63 - من مواقيت الصلاة.


[ 408 ]

وان ذكروا انه مخير بين الجهر والاخفات في صورة اجتماعهما في الفرض المردد واورد عليه أيضا وجوب الجزم في النية مع الامكان فلا تجزئ النية المرددة، وهذا لازم على المورد في صورة مورد الخبر المتقدم.

(الصورة الرابعة) - ان يتوضأ وضوءين ويصلي بكل منهما فرضا ثم يذكر الحدث عقيب واحد منهما غير معين، فان قلنا بالاكتفاء بالقربة فالطهارتان صحيحتان وانما يقع الشك في فريضة واحدة باعتبار احتمال كون الحدث عقيب الطهارة الاولى فتبطل الصلاة الاولى خاصة واحتمال كونه عقيب الثانية فتبطل الصلاة الثانية خاصة، فيرجع الكلام حينئذ إلى ما تقدم من وجوب اعادتهما معا ان اختلفتا عددا تحصيلا ليقين البراءة، والا فذلك العدد مرددا في النية، ومقتضى ما نقل عن الشيخ آنفا اعادة الجميع مطلقا، لكن لم ار من تصدى لنقل مذهبه هنا، وان لم نقل بالاكتفاء بالقربة - حسبما تقدم في الصورة الاولى من التفصيل - وجب اعادة الجميع، لاحتمال كون الحدث عقيب الاولى فتبطل الصلاة الواقعة بعدها، والوضوء الثاني انما وقع بنية التجديد، وهو غير مبيح ولا رافع فتبطل الصلاة الواقعة بعده، وعلى كل تقدير فيجب اعادة الطهارة هنا لاحتمال وقوع الحدث بعد الطهارة الثانية فيلزم بطلانها مع سابقتها بخلاف صورة الاخلال فانه انما تبطل الطهارة التي وقع فيها خاصة فتسلم له الاخرى.

(المسألة السابعة عشرة) - يكره الوضوء بجملة من المياه: منها - الماء المشمس في الانية على المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) بل نقل الشيخ في الخلاف الاجماع عليه لكنه اشترط في الحكم القصد إلى ذلك، وصرح في المبسوط بالتعميم واطلق في النهاية، وهو الذي عليه جمهور الاصحاب. والاصل في هذه المسألة رواية السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الماء الذي تسخنه الشمس لا تتوضأوا به


(1) المروية في الوسائل في الباب - 6 - من ابواب الماء المضاف


[ 409 ]

ولا تغتسلوا به ولا تعجنوا به، فانه يورث البرص ". وما رواه الصدوق (رضي الله عنه) في كتاب العلل (1) بسنده إلى ابن عباس قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): خمس تورث البرص، وعد منها التوضؤ والاغتسال بالماء الذي تسخنه الشمس ". وموثقة ابراهيم بن عبد الحميد عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) قال: " دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عائشة وقد وضعت قمقمتها في الشمس، فقال يا حميراء ما هذا ؟ قالت: اغسل رأسي وجسدي. قال: لا تعودي فانه يورث البرص ". وحمل النهي على الكراهة لمرسلة محمد بن سنان عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " لا باس ان يتوضأ بالماء الذي يوضع في الشمس ". وربما علل الحمل على الكراهة بضعف سند الروايات المذكورة كما هو طريقة جملة من المتأخرين ومتأخيرهم. وفيه ما تقدم في مقدمات الكتاب من ان ضعف السند ليس من جملة قرائن المجاز الصارفة عن الحمل على الحقيقة، ولو علل بذكر وجه الحكمة في الخبر لكان أقرب.

تنبيهات:

(الاول) - ظاهر الخبر الاول والثاني ثبوت الكراهة، سواء كان في آنية أو غيرها من حوض وساقية، وسواء كانت الآنية منطبعة ام لا، وسواء قصد إلى تسخينه أو تسخن من قبل نفسه، وسواء كانت البلاد حارة أو معتدلة، وبهذا الاطلاق حكم جملة من الاصحاب، الا ان ظاهرهم نفي الكراهة في غير الآنية، بل نقل عن العلامة في النهاية والتذكرة الاجماع عليه، وظاهر العلامة في النهاية اشتراط كونه في الاواني المنطبعة غير الذهب والفضة، قال: " لان الشمس إذا اثرت فيها استخرجت


(1) رواه في الخصال ج 1 ص 128 (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب - 6 - من ابواب الماء المضاف


[ 410 ]

منها زهومة تعلو الماء ومنها يتولد المحذور " وفيه ان العلة المذكورة لبيان وجه الحكمة فلا يجب اطرادها، وعلل الشرع - كما صرحوا به - معرفات لا علل حقيقية يدور المعلول مدارها وجودا وعدما.

(الثاني) - الحق جماعة من الاصحاب بالطهارة سائر وجوه الاستعمالات، واقتصر جماعة: منهم الشهيد في الذكرى على العجين وفاقا للصدوق ووقوفا على ظاهر النص.

(الثالث) - هل يشترط القلة في الماء ؟ قولان.

(الرابع) - الظاهر ترتب الاثر المذكور على المداومة دون مجرد المرة أو المرتين ولعل في قوله (صلى الله عليه وآله) في موثقة ابراهيم بن عبد الحميد -: " لا تعودي " من الاعتياد أو تعودي من العود - ايماء إلى ذلك.

(الخامس) - هل تبقى الكراهة وان زال التشميس ام لا ؟ قولان، قطع باولهما الشهيد في الذكرى وتبعه جمع من المتأخرين، تمسكا بالاستصحاب، وبقاء التعليل وصدق الاسم بناء على ان المشتق لا يشترط في صدقه بقاء مأخذ الاشتقاق، ويرد على الاول عدم ثبوت حجية الاستصحاب في مثل هذا المقام، إذ الاستصحاب الذي يستفاد من الاخبار جواز الاعتماد عليه هو ما إذا دل على حكم من غير تقييد بزمان ولا كيفية ولا حالة مخصوصة، فانه يستصحب الحكم المذكور في جميع الازمان والحالات عملا بعموم الدليل كما تقدم تحقيقه في المقدمة الثالثة (1) الا انه ربما يقال هنا ان مقتضى الدليل الدال على كراهة الوضوء بالمتسخن بالشمس عموم ذلك لما بعد زوال السخونة، وقد مر نظيره في المسألة الرابعة من الفصل الثاني من الباب الاول (2) وتكملنا في ذلك بما اقتضاه المقام. وعلى الثاني ما تقدم هنا. وعلى الثالث (اولا) عدم الدليل على صحة الاعتماد على هذه القاعدة كما تقدم تحقيقه في المقدمة التاسعة. و (ثانيا) - منع صدق الاسم، فان صدق المشتق مع عدم بقاء مأخذ الاشتقاق لو سلم فهو مخصوص بما إذا لم يطرأ على المحل


(1) في الصحيفة 51 (2) ج 1 ص 246


[ 411 ]

وصف وجودي يضاده، وهنا ليس كذلك لطرو وصف البرودة المضاد لوصف السخونة وما اجاب به في المعالم وتبعه بعض افاضل متأخري المتأخرين - من ان الاشتقاق هنا من التسخين لا من السخونة، وحينئذ ولو طرأ الوصف الوجودي لكنه لا يضاد الاول لاشتراط وحدة الفاعل في التضاد - ففيه ان الحكم منوط بالتسخن كما هو المشهور لا بالتسخين وان ذهب إليه الشيخ كما تقدم ذكره، وحينئذ فالتضاد حاصل كما حققنا ذلك في كتاب الدرر النجفية.

(السادس) - صرح جملة من الاصحاب بان الحكم بالكراهة مخصوص بما إذا وجد ماء غيره للطهارة، إذ مع عدم وجدان غيره يتعين استعماله عينا وهو مناف لتعلق النهي به، واعترض عليه بانه لا منافاة بين الوجوب عينا والكراهة في الصلاة ونحوها على بعض وجوه، واللازم من ذلك عدم الكراهة بفقد غيره، لبقاء العلة وعدم منافاة وجوب الاستعمال لها. اقول: والتحقيق انه ان فسرت الكراهة بالمعنى المصطلح الاصولي وهو ما يترجح تركه على فعله فالمنافاة حاصلة سواء وجد ماء غيره أو لم يوجد، فانه كما لا ريب في منافاة تعلق الامر الايجابي العيني بشئ من النهي التنزيهي، كذلك يأتي مثله في الامر الايجابي التخييري مع النهي التنزيهي، إذ كما يكون الامر بالشئ امرا ايجابيا عينيا مانعا من تعلق النهي به المقتضي لمرجوحيته، كذلك الامر به امرا تخييريا المقتضى لرجحانه يمنع من تعلق النهي المقتضي لمرجوحيته، وسيأتي تحقيق المسألة ان شاء الله تعالى. و (منها) - الماء الآجن، لحسنة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " في الماء الآجن ؟ يتوضأ منه الا ان يجد غيره فيتنزه عنه ". و (منها) - الماء الذي مات فيه عقرب، لموثقة سماعة عن ابي عبد الله (عليه


(1) المروية في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب الماء المطلق.


[ 412 ]

السلام) (1) وفيها " وان كان عقربا فارق الماء وتوضأ من ماء غيره " ومثلها موثقة ابي بصير عن ابي جعفر (عليه السلام) (2). و (منها) - سؤر الحائض، لموثقة الحسين (3) - والظاهر انه ابن ابي العلاء الخفاف - قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الحائض يشرب من سؤرها قال: نعم، ولا يتوضأ منه " وقيدها جملة من المتأخرين بالمتهمة، ويدل على التقييد المذكور موثقة علي بن يقطين (4) وربما ظهر من التهذيب والاستبصار التحريم لظاهر النهي، وتحقيق المسألة قد تقدم في بحث الاسآر.

(المسألة الثامنة عشرة) - قد صرح جملة من الاصحاب بكراهة الوضوء في المسجد من حدث البول والغائط، لصحيحة رفاعة (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الوضوء في المسجد فكرهه من البول والغائط " وقال الشيخ في النهاية وتبعه ابن ادريس: " لا يجوز التوضؤ من الغائط والبول في المساجد ولا باس بالوضوء فيها من غير ذلك " وسوى ابن ادريس بين المنع من الوضوء من الغائط والمنع من ازالة النجاسة فيها، وفي المبسوط " لا يجوز ازالة النجاسة من المساجد ولا الاستنجاء من البول والغائط فيها، وغسل الاعضاء في الوضوء ولا بأس به فيها " ويحتمل قريبا - بل لعله الاقرب - حمل كلام الشيخ في النهاية على الاستنجاء وحمل الرواية المتقدمة ايضا على ذلك، فان استعمال الوضوء بمعنى الاستنجاء - بل بمعنى مطلق الغسل، والكراهة بمعنى التحريم - شائع في الاخبار وكلام المتقدمين. وروى بكيير في الحسن عن احدهما (عليهما السلام) (6) قال: " إذا كان الحدث في المسجد فلا بأس بالوضوء في المسجد " ولعل المراد بالحدث في المسجد مثل النوم


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب - 9 - من ابواب الاسآر (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب الاسآر (5) و (6) المروية في الوسائل في الباب - 57 - من ابواب الوضوء


[ 413 ]

والريح مثلا، ومفهوم الرواية على ما ذكرنا انه لو كان النوم في غير المسجد كره الوضوء له في المسجد، ولا ينافي ذلك مفهوم الوراية الاولى بناء على حمل الوضوء فيها على الرافع للحدث، لان ذلك مفهوم لقب. ثم انه لو اتفق حصول البول أو الغائط في المسجد اختيارا أو اضطرارا فهل يتصف الوضوء له في المسجد بالكراهة ام لا ؟ ظاهر الرواية الاولى - بناء على كون الوضوء فيها بمعنى الرافع - ذلك، ولكن ينافيه ظاهر الرواية الثانية، الا ان تخص بما ذكرنا أو تحمل على ان وقوع حدث البول والغائط في المسجد لما كان نادرا اطلق الحكم بعدم البأس في المسجد من الحدث الواقع فيه. ويحتمل عدم الكراهة عملا باطلاق الرواية الثانية وعمومها، وحمل الاولى على ان البول والغائط لما كان حدوثهما في المسجد نادرا فلذا اطلق عليهما كراهة الوضوء لهما في المسجد، ويعضده اصالة البراءة من الكراهة، والله العالم.

(المسألة التاسعة عشرة) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) كراهة التمندل بعد الوضوء، وقيل بعدم الكراهة، ونقله في المدارك عن ظاهر المرتضى في شرح الرسالة وأحد قولي الشيخ. ويدل على الكراهة ما روي بعدة طرق في الكافي وثواب الاعمال والمحاسن (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: " ومن توضأ وتمندل كتبت له حسنة، ومن توضأ ولم يتمندل حتى يجف وضوؤه كتبت له ثلاثين حسنة ". ويدل على الجواز روايات كثيرة: منها - صحيحة محمد بن مسلم (2): " قال سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن التمسح بالمنديل قبل ان يجف، قال لا بأس به ". ورواية الحضرمي عنه (عليه السلام) (3) قال: " لا بأس بمسح الرجل وجهه بالثوب أو توضأ إذا كان الثوب نظيفا ". وموثقة اسماعيل بن الفضل (4) قال: " رأيت ابا عبد الله (عليه السلام) توضأ


(1) و (2) و (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب - 45 - من ابواب الوضوء


[ 414 ]

للصلاة ثم مسح وجهه باسفل قميصه، ثم قال: يا اسماعيل افعل هكذا فاني هكذا افعل. وصحيحة منصور بن حازم (1) قال: " رأيت ابا عبد الله (عليه السلام) وقد توضأ وهو محرم ثم اخذ منديلا فمسح به وجهه ". وصحيحته المروية في المحاسن (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يمسح وجهه بالمنديل. قال: لا بأس به ". ومرسلة عبد الله بن سنان المروية فيه ايضا (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن التمندل بعد الوضوء ؟ فقال " كان لعلي (عليه السلام) خرقة في المسجد ليس الا للوجه يتمندل بها " وروى مثله مسندا في الصحيح عن عبد الله بن سنان (4). وبذلك الاسناد ايضا (5) قال: " كانت لعلي (عليه السلام) خرقة يعلقها في مسجد بيته لوجهه إذا توضأ تمندل بها ". وروى فيه ايضا عن محمد بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " كانت لامير المؤمنين (عليه السلام) خرقة يمسح بها وجهه إذا توضأ للصلاة ثم يعلقها على وتد ولا يمسها غيره ". وانت خبير بانا لو خلينا وظاهر هذه الاخبار لكان المستفاد منها استحباب ذلك لظاهر حديث اسماعيل بن الفضل الدال بظاهره على مداومته (عليه السلام) على ذلك وكذلك اخبار المحاسن عن علي (عليه السلام) كما لا يخفى على المتأمل فيها، فانها ظاهرة في مداومته (عليه السلام) على ذلك، ومن البعيد مداومته على ذلك الامر المكروه، والحديث الاول يضعف عن معارضتها لوحدته وتعددها، والجمع بين الاخبار بما ذكره المحدث الكاشاني في الوافي - بحمل الخبر الاول على الافضل والاولى حمل خبر الحضرمي وصحيحة محمد بن مسلم على الرخصة والجواز وحمل خبر اسماعيل بن الفضل على الضرورة من برد وخوف شين وشقاق - وان احتمل بالنسبة إلى الاخبار التي ذكرها الا ان اخبار فعل علي (عليه السلام) الدالة بظاهرها على المداومة على ذلك لا تقبل الحمل على


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) المروية في الوسائل في الباب - 45 - من ابواب الوضوء


[ 415 ]

الضرورة ولا على مجرد الجواز كما لا يخفى ولعل الاقرب الحمل على التقية (1) الا ان


(1) اختلف فقهاء المذاهب في التمندل بعد الوضوء، ففى المدونة لمالك ج 1 ص 17 " لا بأس بالمسح بالمنديل بعد الوضوء، وتبعه الزرقاني في شرح مختصر ابى الضياء ج 1 ص 47 قال: " لا يندب ترك مسح الاعضاء بخرقة بل يجوز " وفى المغنى لابن قدامة الحنبلى ج 1 ص 141 " لا بأس بتنشيف اعضائه بالمنديل من بلل الوضوء والغسل " قال: " وممن روى عنه اخذ المنديل بعد الوضوء عثمان والحسن بن على وانس وكثير من اهل العلم، ونهى عنه جابر بن عبد الله، وكرهه عبد الرحمان بن مهدي وجماعة من اهل العلم " وفى المنهاج للنووي الشافعي ص 4 " من سنن الوضوء ترك التنشيف في الاصح " وفي الوجيز للغزالي " لا ينشف الاعضاء فهى سنة على اظهر الوجهين " وفى شرح المنهاج لابن حجر ج 1 ص 101 " ان النووي في شرح مسلم اختار اباحة التنشيف مطلقا " وفى شرح الدار المختار للحصكفى الحنفي ج 1 ص 25 " من آداب الوضوء التمسح بمنديل ". ولا يفوت القارئ الكريم الوقوف على شئ طالما طعن اهل السنة به على الشيعة الامامية وهو العمل بالتقية التى جوزها الكتاب المجيد حيث يقول في آل عمران 28: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ الا ان تتقوا منهم تقاة " ويقول في النحل 106: " الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان " ولم يتباعد عن العمل بالتقية علماء اهل السنة، ففى تفسير الالوسى ج 3 ص 121 في الآية الاولى " ان فيها دلالة على مشروعية التقية، وعرفوها بمحافظة النفس أو العرض أو المال من شر الاعداء سواء كان العداء لاجل اختلاف الدين أو للاغراض الدنيوية " ثم قال: " وعد قوم من باب التقية مداراة الكفار والظلمة والفسقة بالتبسم في وجوههم والانبساط معهم " وقال ابن العربي في (احكام القرآن) ج 2 ص 223 في الحجرات 2 " ولا ترفعوا اصواتكم فوق صوت النبي ": جوز الشافعي ونظراؤه الائتمام في الجماعة خلف الفاسق ومن لا يؤتمن على حبة من مال، واصله ان الولاة الذين يصلون بالناس جماعة لما فسدت اديانهم ولم يمكن ترك الصلاة معهم ولا يستطاع ازالتهم صلى معهم وراءهم، ومن الناس من إذا صلى معهم تقية اعادها ومنهم من يكتفى بها، وانا اقول بوجوب اعادتها سرا ولكن لا ينبغى ترك الصلاة معهم " وقال الالوسى المفسر في رسالته (الاجوبة العراقية) ص 225: والمسألة 22 - كنت اصلى الظهر في البيت بعد صلاة الجمعة وانكر في قلبى على من يصليها =


[ 416 ]

فيه ايضا ما لا يخفى، قال شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب البحار بعد نقل جمله من هذه الاخبار: " والذى يظهر لي انه لما اشتهر بين بعض العامه كابي حنيفة وجماعة منهم نجاسة غسالة الوضوء وكانوا يعدون لذلك منديلا يجففون به اعضاء الوضوء ويغسلون المنديل، فلذا نهوا عن ذلك وكانوا يتمسحون باثوابهم ردا عليهم، كما روى عن مروان بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: توضأ... ثم نقل حديث اسماعيل بن الفضل إلى ان قال: فيمكن حمل تلك الاخبار على التقية أو انه لم يكن بقصد الاجتناب عن الغسالة أو انه كان لبيان الجواز " انتهى. ولا يخفى ما فيه. والحكم لا يخلو من شوب الاشكال. ثم انه هل يختص الحكم بالمسح بالمنديل فلا يلحق به غيره، أو يشمل الذيل


= في الجامع جماعة وانه ليضيق صدري ولا ينطلق لساني " وفى الفروع لابن مفلح الحنبلي ج 1 ص 482 " لا تصح امامة الفاسق مطلقا وإذا لم تصح صلى معه دفعا للاذى ويعيد، وقرأ المروزى على احمد بن حنبل ان انس بن مالك كان يصلى المكتوبة في منزله ويصلى الجمعة خلف الحجاج فلم ينكر ذلك احمد " وفى مناقب ابى حنيفة للخوارزمي ج 1 ص 171 حيدر اباد " ان ابا حنيفة كان يقول امام ابن هبيرة: " عمر افضل من على تقية " وفيه ص 171 وفى مناقبه للبزار في ذيل مناقبه للخوارزمي ص 172 " كان المشايخ في زمان بنى امية لا يذكرون عليا (ع) باسمه خوفا منهم والعلامة بينهم إذا رووا عن على ان يقولوا قال الشيخ كذا، وكان الحسن البصري يتقى في الرواية عن على بن ابى طالب فيقول روى (أبو زينب) كناية عنه خوفا من بنى مروان " وروى ابن قدامة في المغنى ج 2 ص 186 عن ابى الحارث " انه لا يصلى خلف مرجئ ولا رافضي ولا فاسق الا ان يخافهم فيصلى ويعيد " ولم يتعقب هذه الرواية. وفى تاريخ بغداد للخطيب ج 13 ص 380 " كان أبو حنيفة يعمل بالتقية خوفا " وفى تفسير المنار ج 3 ص 281 و (اقتضاء الصراط المستقيم) لابن تيمية ص 176 و (التبصير في الدين الاسلامي) للاسفرائيني ص 164 و (الروض الباسم) للوزير اليماني ج 2 ص 41 والنجوم الزاهرة لابن تغربردى الحنفي ج 2 ص 219 ما يؤيد ذلك.


[ 417 ]

والكم ونحوهما، أو المنديل والذيل خاصة، أو يلحق به التجفيف بالنار والشمس ايضا ؟ اقوال، ولعل الاظهر منها الاقتصار على المنديل وقوفا فيما خالف الاصل على موضع الوفاق، ولاشتمال اكثر الاخبار المتقدمة عليه خاصة. فائدة لا يخفى ان المكروه في اصطلاح الاصوليين والفقهاء عبارة عما يكون عدمه راجحا على وجوده، وهذا المعنى لما لم يتم اجراؤه في العبادات في المواضع التي ورد النهي عنها لرحجان الاتيان بها على عدمه، فسروا الكراهة فيها بمعنى آخر وهو باعتبار اقلية الثواب فيها بالنسبة إلى عبادة اخرى. واورد عليه ان ذلك منتقض بكثير من المستحبات والواجبات التي بعض افرادها اقل ثوابا من الآخر مع ان الاقل ثوابا منها بالنسبة إلى الاكثر لا يطلق عليه الكراهة. وربما اجيب بان المراد اقل ثوابا من مثله اي فرد اخر من نوعه. وفيه ايضا ما تقدم، فان الصلاة في احد المساجد اقل ثوابا بالنسبة إلى الصلاة في المسجد الحرام بل بعض المساجد بالنسبة إلى آخر مع انه لا يوسم الاقل منها بالنسبة إلى الاكثر بالكراهة، وايضا فان صوم عرفة لمن يضعفه عن الدعاء ليس اقل ثوابا من صوم آخر مع انه مكروه. قيل: " والحق ان يقال المراد ان ضده افضل منه، مثلا - الدعاء يوم عرفة افضل من الصوم المضعف عنه فمكروه العبادة انما يكون في صورة تكون فيها عبادتان متضادتان " انتهى اقول انت خبير بان مكروه العبادة - على ما عرفت هو ما تعلق به النهي التنزيهي اعم من ان يكون معه عبادة اخرى مضادة ام لا، فان الصلاة في الحمام ونحوه - من الاماكن المنهي عنها في الاخبار والوضوء في المسجد وبالماء المشمس ونحوها - ليس لها عبادة اخرى مضادة لها.


[ 418 ]

والتحقيق في الجواب ان المراد بمكروه العبادة ما كان اقل ثوابا منها نفسها لو لم تكن كذلك بل كانت متصفة باصل الاباحة، ويدل على ذلك ما تقدم من حديث " من توضأ وتمندل كتبت له حسنة، ومن توضأ ولم يتمندل كتبت له ثلاثون حسنة " وتوضيح ذلك ان يقال: ان العبادة قد تكون بحيث لا يتعلق بها امر ولا نهي غير الامر الذي تعلق باصل فعلها، وبهذا المعنى تتصف بالاباحة كالصلاة في البيت البعيد عن المسجد أو حال المطر، وقد يتعلق بها امر زائد على الاول باعتبار اتصافها أو اشتمالها على امر راجح به كالصلاة في المسجد مثلا الا مع عذر مسقط، وربما انتهى إلى حد الوجوب كما إذا نذر ايقاعها فيه، وقد يتعلق بها نهي بالاعتبار المذكور مع المرجوحية كالصلاة في الحمام، وربما انتهى إلى حد التحريم كصلاة الحائض والصلاة في الدار عن المسجد أو حال المطر، وقد يتعلق بها امر زائد على الاول باعتبار اتصافها أو اشتمالها على امر راجح به كالصلاة في المسجد مثلا الا مع عذر مسقط، وربما انتهى إلى حد الوجوب كما إذا نذر ايقاعها فيه، وقد يتعلق بها نهي بالاعتبار المذكور مع المرجوحية كالصلاة في الحمام، وربما انتهى إلى حد التحريم كصلاة الحائض والصلاة في الدار المغصوبة على اشهر القولين، وحينئذ فمكروه العبادة هو ما كان أقل ثوابا بالاعتبار المذكور آنفا منها نفسها لو لم تكن كذلك بل كانت متصفة بصفة الاباحة المذكورة، فالصلاة في الحمام مكروهة بمعنى انها اقل ثوابا منها في البيت مثلا لا في المسجد، فلا يرد حينئذ ما اورد سابق من أن الكراهة بمعنى اقلية الثواب توجب كون الصلاة في جميع المساجد مكروهة لكونها اقل ثوابا من الصلاة في المسجد الحرام، فان المعتبر - كما عرفت - في المفضل عليه بالاقلية هو المتصف باصل الاباحة، وهكذا بالنسبة إلى ما لم يوجد فيه الامر زائد على الاول. والله العالم. تم الجزء الثاني من من كتاب الحدائق الناضرة في احكام العترة الطاهرة ويتلوه الجزء الثالث في الغسل. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وعترته الطيبين الطاهرين ولعنة الله على اعدائهم اجمعين.


  الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>