تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الثالث


[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

الباب الثالث

في الغسل

ومنه الواجب والمندوب، فالكلام فيه يقع في مطلبين:

المطلب الأول

في الواجب

وفيه فصول:

الفصل الأول

في غسل الجنابة

ولما كان له سبب وغاية وكيفية واجبة وآداب وأحكام متفرعة عليه، فالبحث فيه يقع في مقاصد خمسة:

المقصد الأول

في السبب

وهو الجنابة الحاصلة بأحد أمرين: الجماع والإنزال، فلابد من الكلام عليهما حينئذ في مقامين:

(المقام الأول) - في الجماع وفيه مسائل:

(الأولى) - وجوب الغسل على الرجل والمرأة - بالجماع في القبل حتى تغيب الحشفة وان لم ينزل - مما انعقد عليه الإجماع نصا وفتوى:


[ 3 ]

فمن الاخبار الواردة بذلك صحيحة محمد بن اسماعيل (1) قال: " سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلا ينزلان متى يجب الغسل ؟ فقال: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل. فقلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة ؟ قال: نعم ". وصحيحة داود بن سرحان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا اولجه فقد وجب الغسل.. ". وصحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (3) قال: " إذا ادخله فقد وجب الغسل... " الى غير ذلك من الاخبار. ثم ان جمعا من الاصحاب (نور الله مراقدهم) صرحوا بان التقاء الختانين المرتب عليه وجوب الغسل في الاخبار عبارة عن تحاذيهما، قالوا: لان الملاقاة حقيقة غير متصورة فان مدخل الذكر اسفل الفرج وهو مخرج الولد والحيض وموضع الختان اعلاه وبينهما ثقبة البول، وحينئذ فالمراد من الالتقاء في الاخبار التقابل كما يقال: " تلاقى الفارسان والتقيا " إذا تقابلا، لكن في صحيحة علي بن يقطين (4) " إذا وقع الختان على الختان فقد وجب الغسل " وهو ظاهر الدلالة على ان المراد الملاصقة، واظهر منها صحيحة الحلبي (5) " إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل " ولعل توسط ثقبة البول بين الموضعين المذكورين لا يكون مانعا من المماسة والملاصقة لانضغاطها بدخول الذكر فتحمل الاخبار كملا على ظاهرها. ثم لا يخفى عليك ان جملة من الاخبار قد تضمنت تعليق وجوب الغسل بالجماع على التقاء الختانين، وصحيحة ابن بزيع المتقدمة قد تضمنت تفسير التقاء الختانين بغيبوبة الحشفة من قبيل حمل السبب على المسبب، والمراد انه يحصل بغيبوبة الحشفة،


(1) و (3) و (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب 6 من أبواب الجنابة. (2) المروية في الوسائل في الباب 54 من أبواب المهور.


[ 4 ]

وحينئذ فما ورد من الاخبار بلفظ الادخال والايلاج مطلقا يجب تقييده بمقدار الحشفة لتنتظم الاخبار. نعم روى ابن ادريس في مستطرفات السرائر عن كتاب النوادر لمحمد بن علي ابن محبوب في الصحيح عن محمد بن عذافر (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) متى يجب على الرجل والمرأة الغسل ؟ فقال: يجب عليهما الغسل حين يدخله، وإذا التقى الختانان فيغسلان فرجهما " وظاهره ان التقاء الختانين لا يوجب الغسل بل انما يوجب غسل كل منهما فرجه. واحتمل فيه بعض مشايخنا (عطر الله تعالى مراقدهم) عطف قوله: " وإذا التقى " على قوله: " حين يدخله " اي يجب عليهما الغسل إذا التقى الختانان، وقوله: " فيغسلان " حكم آخر. وظني بعده، ولكن بمقتضى ما قدمنا نقله عن الاصحاب - من ان التقاء الختانين انما هو عبارة عن تحاذيهما وان موضع دخول الذكر اسفل من ذلك - يمكن حينئذ حمل التقاء الختانين في هذا الخبر على حقيقته بان يضع ذكره على موضع الختان ولا يدخله فيما هو اسفل منه بقرينه انه جعله مقابلا لدخول الفرج.

(المسألة الثانية) - اختلف الاصحاب (نور الله تعالى مضاجعهم) في حكم الوطء في دبر المرأة وكذا دبر الغلام:

(اما الاول) - فالمشهور وجوب الغسل بغيبوبة الحشفة فيه على الفاعل والمفعول بل نقل جمع من الاصحاب (رضوان الله عليهم) عن المرتضى (رضي الله عنه) انه قال: لا اعلم خلافا بين المسلمين في ان الوطء في الموضع المكروه من ذكر أو انثى يجري مجرى الوطء في القبل مع الايقاب وغيبوبة الحشفة في وجوب الغسل على الفاعل والمفعول به وان لم يكن انزل، ولا وجدت في الكتب المصنفة لاصحابنا الامامية الا ذلك، ولا سمعت ممن عاصرني منهم من شيوخهم نحوا من ستين سنة يفتي الا بذلك، فهذا اجماع من الكل، واتصل لي في هذه الايام عن بعض الشيعة الامامية ان الوطء في الدبر


(1) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب الجنابة.


[ 5 ]

لا يوجب الغسل تعويلا على ان الاصل عدم الوجوب أو على خبر يذكر انه في منتخبات سعد أو غيره، وهذا مما لا يلتفت إليه " انتهى. ونقل عن الشيخ في الاستبصار والنهاية وسلار عدم الوجوب، وهو ظاهر الصدوق (رحمه الله) في الفقيه حيث روى فيه (1) ما يدل على عدم الوجوب وهو صحيحة الحلبي الآتية (2) ولم ينقل شيئا من اخبار الغسل، وهو ظاهر ثقة الاسلام في الكافي ايضا حيث روى فيه (3) مرفوعة البرقي الآتية (4) ولم يورد ما ينافيها. واستدل على القول الاول بوجوه: (احدها) قوله سبحانه: " أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا..... " (5) وجه الاستدلال انه جعل الملامسة سببا للتيمم مع فقد الماء، والتيمم اما عن الوضوء أو عن الغسل، لا سبيل الى الاول إذ الاجماع منا منعقد على عدم ايجاب فرد من الافراد الملامسة الوضوء فتعين الثاني، خرج منه الملامسة في غير القبل والدبر بالاجماع وبالنقل عن اهل الذكر (عليهم السلام) كما رواه أبو مريم الانصاري في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (6) حيث سأله فقال: " ما تقول في الرجل يتوضأ ثم يدعو جاريته فتأخذ بيده حتى ينتهى الى المسجد فان من عندنا يزعمون انها الملامسة ؟ فقال: لا والله ما بذلك بأس وربما فعلته، وما يعنى بهذا: " أو لامسم النساء " الا المواقعة في الفرج " والفرج شامل للقبل والدبر لغة وشرعا (اما الاول) فلتصريح اهل اللغة بذلك.

و (اما الثاني) فلقوله سبحانه: " والذين هم لفروجهم حافظون " (7) مراد به الذكر من الرجل.


(1) ج 1 ص 47 (2) ص 8 (3) ج 1 ص 15 (4) ص 9. (5) سورة النساء الآية 43. وسورة المائدة. الآية 6. (6) رواه في الوسائل في ابواب 9 من ابواب نواقض الوضوء. (7) سورة المؤمنون الآية 6 وسورة المعارج الآية 29.


[ 6 ]

وانت خبير بان مرجع هذا الاستدلال الى صدق الفرج على الدبر في هذا المقام وفيه انه وان صح اطلاقه عليه الا ان المتبادر منه فيما نحن فيه بقرينة المقام هو القبل خاصة لانه المتعارف المتكرر والمندوب إليه وغيره منهي عنه فينصرف الاطلاق لذلك إليه، ويؤيده ما صرح به الفيومي في كتاب المصباح المنير، حيث قال: " والفرج من الانسان القبل والدبر، واكثر استعماله في العرف في القبل " انتهى. ويؤيد ذلك ايضا التعبير في جملة من الاخبار بالتقاء الختانين المختص بالقبل، وسيجى ما فيه مزيد تحقيق لذلك ان شاء الله تعالى. وكيف كان فلا اقل من حصول الاحتمال بما ذكرنا احتمالا مساويا لما ذكروه ان منع الرجحان، وهو كاف في بطلان الاستدلال. و (ثانيها) صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " سألته متى يجب الغسل على الرجل والمرأة ؟ فقال: إذا ادخله فقد وجب الغسل والمهر والرجم " والادخال صادق فيهما. وفيه ما تقدم في الوجه الاول، وزيادة ما عرفت آنفا من تقييد هذه الرواية وامثالها بالتقاء الختانين المفسر بغيبوبة الحشفة في صحيح ابن بزيع المؤذن بالاختصاص بالقبل. و (ثالثها) صحيحة زرارة (2) الواردة في قضية المهاجرين والانصار واختلافهم في من يخالط اهله ولا ينزل، حيث قالت الانصار: الماء من الماء. وقالت المهاجرون: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل. وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) فيها: " أتوجبون عليه الحد والرجم ولا توجبون عليه صاعا من ماء ؟ إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل " الدال بالاستفهام الانكاري على ان اثبات الحد والرجم مع عدم ايجاب الصاع من الماء الذي هو كناية عن الغسل كالجمع بين النقيضين، إذ هما معلولا علة واحدة واثبات احدهما مع نفي الآخر يؤدي الى اثبات العلة ورفعها في وقت واحد وهو محال، أو على ان ايجاب الصاع من الماء اولى بالاثبات من ايجاب الحد لكون الحد مبنيا


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 6 من ابواب الجنابة.


[ 7 ]

على التخفيف بخلاف ايجاب الصاع، وحينئذ يقال: كلما ثبت الحد والرجم ثبت الغسل أو كان اولى بالثبوت، والمقدم ثابت بالاجماع والروايات فيثبت التالي. كذا قرره بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين. ويرد عليه ان هذا الاستدلال وان وجهه بما قال الا انه لا يخرج بذلك عن القياس ولا يبرز عن ظلمة الالتباس وان كان على الثاني يكون من قبيل قياس الاولوية، فانا لا نسلم ان العلة في وجوب كل من الغسل والحد هو الايلاج، بل العلة هي امر الشارع بذلك عند وقوع الايلاج، ولئن اطلق على ذلك علة فهو كما في سائر علل الشرع لما صرحوا به انها من قبيل الاسباب والمعرفات، لا انها علل حقيقة يدور المعلول معها وجودا وعدما كالعلل العقلية حتى يلزم المحال باثبات العلة ورفعها في وقت واحد، وحينئذ فحمل الغسل على الحد والرجم لاشتراكهما في جامع الايلاج قبلا قياس محض، إذ ليس القياس إلا عبارة عن تعدية الحكم من جزئي الى آخر لاشتراكهما في جامع، وهو هنا كذلك فانه قد عدى الحكم وهو الوجوب من الحد والرجم الى الغسل لاشتراكهما في العلة الجامعة وهو النكاح في القبل، فاثبت وجوب الغسل في كل موضع ثبت فيه الحد والرجم، والاخبار الدالة على بطلان القياس في الشريعة اظهر من ان يتعرض لنقلها في المقام. واما قياس الاولوية فهو وان سلم ثبوته هنا وذهب بعض الاصحاب الى القول به الا ان جملة من الاخبار تدفعه كما تقدم ذلك في المقدمة الثالثة من مقدمات الكتاب (1) وحينئذ فالاظهر في معنى الخبر المذكور ان يقال: ان كلامه (عليه السلام) انما هو على طريق الالزام لاولئك المخالفين حيث انهم قائلون بالقياس، أو انه (عليه السلام) انكر عليهم ذلك مع مخالفته لاعتقادهم، بمعنى انه كيف تقولون بهذا القول مع انه مخالف لمعتقدكم ؟ ثم بين (عليه السلام) الحكم بقوله: " إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل " قال المحدث الكاشاني في الوافي بعد نقل الخبر المذكور: " قد جادلهم (عليه


(1) ج 1 ص 60.


[ 8 ]

السلام) بالتي هي احسن. لانهم كانوا اصحاب قياس وكان مثل هذا التمثيل والمقايسة اوقع في نفوسهم واقرب لقبولهم، وحاشاه (عليه السلام) ان يقيس في الدين أو يكون طريق (عليه السلام) معرفته بالاحكام القياس " انتهى. و (رابعها) رواية حفص بن سوقة عمن اخبره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) حيث " سأله عن الرجل يأتي المرأة من خلفها. قال: هو احد المأتيين فيه الغسل " وهو صريح الدلالة الا انه مع ضعف السند - معارض بما يأتي. و (خامسها) الاجماع المنقول في كلام السيد (رضي الله عنه). وفيه ان الاجماع المذكور وان كثر نقله في كلامهم وتداولوه على رؤوس اقلامهم الا انه لم تثبت حجيتة عندنا، كما تقدم القول فيه مفصلا في المقدمة الثالثة (2). واستدل على القول الثاني ايضا بوجوه (احدها) - صحيحة الحلبي (3) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصيب المرأة فيما دون الفرج أعليها غسل ان هو انزل ولم تنزل هي ؟ قال: ليس عليها غسل، وان لم ينزل هو فليس عليه غسل ". واجيب بان الفرج هنا لا خصوصية له بالقبل بل هو شامل المدبر ايضا. لصدق الفرج عليه كما تقدم. وفيه (اولا) - ان المتبادر من الفرج كما قدمنا ذكره - هو القبل وعليه بناء الاستدلال، فان الظاهر المتبادر من لفظ الاصابة هنا هو الكناية عن الوطء والنكاح، كما غبر به وبامثاله في غير موضع من الاخبار الامامية والآيات القرآنية، وذلك لا يكون في غير الفرجين. و (ثانيا) ان الصدوق في الفقيه (4) روى الخبر المذكور بقوله: " فيما دون


(1) المروية في الوسائل في الباب 12 من ابواب الجنابة. (2) ج 1 ص 35. (3) المروية في الوسائل في الباب 11 من أبواب الجنابة. (4) ج 1 ص 47.


[ 9 ]

ذلك " عوض قوله: " فيما دون الفرج " ومن الظاهر - سيما بانضمام افراد اسم الاشارة دون تثنيته - ظهوره في القبل، إذ هو المعهود والمتكرر فيختص بالاشارة، وبالجملة فتطرق احتمال الدبر على بعد - كما يدعيه الخصم - وان سلم الا انه لا يقاوم الظاهر المتبادر من اللفظ وما يتناقل في عباراتهم ويدور في محاوراتهم - من انه إذا قام الاحتمال بطل الاستدلال - فكلام شعري وخطاب جدلي، إذ لو تم لانسد باب الاستدلال، إذ لا لفظ الا وهو قابل للاحتمال ولا دليل الا وللمنازع فيه بذلك مجال. وبه ينسد باب اثبات الامامة والنبوة والتوحيد، كما لا يخفى على الماهر الوحيد ومن القى السمع وهو شهيد. و (ثانيها) - ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن البرقي رفعه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا اتى الرجل المرأة في دبرها فلم ينزل فلا غسل عليهما، وان انزل فعليه الغسل ولا غسل عليها ". واجيب بضعف الرواية بالارسال، مع المعارضة برواية حفص المتقدمة، وباحتمال الحمل على عدم غيبوبة الحشفة. و (ثالثها ورابعها) - ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن محبوب عن بعض الكوفيين رفعه الى ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " في الرجل يأتي المرأة في دبرها وهي صائمة ؟ قال: لا ينقض صومها وليس عليها غسل " وما رواه ايضا في الصحيح عن علي بن الحكم عن رجل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " إذا اتى الرجل المرأة في دبرها وهي صائمة لم ينقض صومها وليس عليها غسل ". وانت خبير بان هذه الروايات الثلاث وان ضعف سندها بهذا الاصطلاح المحدث الا انها لما كانت صريحة الدلالة على المطلوب - معتضدة بظاهر صحيحة الحلبي المتقدمة مع انها لا معارض لها في صراحتها بل مطلقا على ما حققناه آنفا الا مرسلة حفص وهي لذلك تضعف عن المعارضة - كان اظهر القولين هو الثاني. الا ان الحكم بعد لا يخلو


(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 12 من ابواب الجنابة.


[ 10 ]

من شوب الاشكال، لما ذكره السيد (قدس سره) من شيوع الفتوى في عصره بما ذكره وعدم المخالف سابقا في ذلك، فهو مما يثمر الظن الغالب بكون اصحاب الطبقة المتصلة باصحاب العصمة (سلام الله عليهم) كانوا على ذلك القول. لكن فيه ما ذكرنا من اقتصار ثقة الاسلام والصدوق (قدس سرهما) في كتابيهما الكافي والفقيه على الاخبار الدالة على عدم الغسل مع ما علم من حالهما في ديباجتي كتابيهما سيما الصدوق. وكيف كان فالاحتياط - بان يغتسل ثم يحدث ثم يتوضا - سبيل النجاة، عجل الله تعالى الفرج لمن بزبل عنا امثال هذه الرتج. ثم العجب من شيخ الطائفة (نور الله مرقده) حيث عمل في هذا المقام على هذه الروايات واستند إليها في الحكم المذكور، وطعن في رواية حفص المعارضة لها ثم حملها على التقية (1) وفى كتاب الصوم من التهذيب طعن في مرسلة علي بن الحكم بانه خبر غير معمول عليه وهو مقطوع الاسناد ولا يعول عليه. هذا. وصريح كلام السيد المتقدم هو وجوب الغسل بالوطء في الدبر على كل من الفاعل والمفعول، وهو ظاهر كل من قال بالوجوب، الا ان المفهوم من كلام العلامة في المنتهى انه تردد في الوجوب على المرأة، حيث قال: " وهل يجب على المرأة الموطوأة في الدبر الغسل مع عدم الانزال ؟ فيه تردد " ونقل عن ظاهر كلام ابن ادريس الوجوب، واستدل له بقوله (عليه السلام) (2): " أتوجبون عليه الحد والرجم... الى آخر


(1) في بدائع الصنائع ج 1 ص 36 والبحر الرائق ج 1 ص 58 " توارى الحشفة في القبل والدبر يوجب الغسل وان لم ينزل على الفاعل والمفعول به " وكذا في الام للشافعي ج 1 ص 32 والمهذب للشيرازي ج 1 ص 28 والمغنى لابن قدامة ج 1 ص 199. وفى الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 95 " عند المالكية يجب الغسل بادخال الحشفة في القبل أو الدبر مع الحائل ام لا ". (2) في صحيحة زرارة المتقدمة في الصحيفة 6.


[ 11 ]

كلامه " ويظهر ايضا من المحدث الكاشاني في المفاتيح والوافي حيث قال في الثاني: " واكثر اصحابنا على وجوب الغسل عليهما في ذلك، ولم نجد على وجوبه حديثا لا قول امير المؤمنين (عليه السلام): " أتوجبون عليه الحد... الخ ان افاد ذلك " انتهى. اقول: يمكن الاستدلال على ذلك بظاهر قوله (عليه السلام) في رواية حفص التي هي اصرح ادلة الوجوب: " هو احد المأتيين " فانه يظهر منه وجوب الغسل على كل منهما في هذا المأتي كما انه في الآخر كذلك. ولا يخلو من شوب الاشكال. هذا بالنسبة الى دبر المرأة. واما دبر الغلام فالاكثر ايضا على وجوب الغسل على الفاعل والمفعول استنادا الى الاجماع المركب الذي ادعاه المرتضى (رضي الله عنه) فانه ادعى ان كل من اوجب الغسل بالغيبوبة في دبر المرأة اوجبه في دبر الذكر وكل من نفاه هناك نفاه هنا، ولما كان الاول ثابتا بالادلة علمنا ان الامام (عليه السلام) قائل به، فيكون قائلا بالوجوب في الثاني، هكذا ذكره جملة من الاصحاب. وفيه (اولا) - ان صريح كلام السيد - كما قدمناه ذكره - دعوى الاجماع على الوجوب في الموضعين فلا حاجة الى دعوى الاجماع المركب هنا. و (ثانيا) - ان هذه الدعوى ممنوعة بما عرفته سابقا. الا ان بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين - حيث انه ممن ذهب الى القول بالوجوب في المسألة الاولى واستدل بما نقلناه آنفا واجبنا عنه - استدل هنا على الوجوب بصحيحة زرارة المتقدمة في قضية المهاجرين والانصار، بناء على ما قرره ثمة من دلالتها على الوجوب في دبر المرأة بما ذكره من الكلية القائلة: كلما ثبت الحد والرجم ثبت الغسل أو كان اولى بالثبوت، والمقدم ثابت بالاجماع والروايات فيثبت التالي، وقد ثبت الحد في وطء الغلام فيثبت الغسل. وقد عرفت ما فيه مما كشف عن باطنه وخافيه الا ان الاحوط - كما قدمنا - هو الغسل ثم الحدث بعده ثم الوضوء.


[ 12 ]

ويمكن ان يستدل لوجوب الغسل بظاهر حسنة الحضرمي المروية في الكافي (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من جامع غلاما جاء جنبا يوم القيامة لا ينقيه ماء الدنيا. الحديث " فانه ظاهر في ثبوت الجنابة له مطلقا، واطلاقه شامل للجماع مع الانزال وعدمه. واما كونه لا ينقيه ماء الدنيا يعني ان غسله في الدنيا لا ينقيه من الجنابة، فهو محمول على تغليظ الحكم في المنع والردع عن ذلك، وبذلك يظهر قوة القول بالوجوب. هذا. وقد صرح جملة من الاصحاب بانه لا فرق في الموضعين بين كون المفعول حيا أو ميتا. لعموم حرمة المؤمن ميتا كحرمته حيا " (2) وفيه نظر، فان اقصى ما يستفاد منه حصول الاثم بهتك حرمته بذلك، واما ترتب الغسل على ذلك فظني ان الخبر لا يفي به، إذ وجوب الغسل على الفاعل لا تعلق له بحرمة الميت. وربما استدل على ذلك بالظواهر المتضمنة لوجوب الغسل على من اولج في الفرج وفيه ان امثال ذلك انما يحمل على المتكرر المعهود - كما اشرنا إليه في غير موضع - دون الافراد النادرة الوقوع، واما وجوب الغسل على الميت لو فعل به ذلك فالظاهر عدمه، لعدم الدليل عليه وعدم توجه التكليف إليه. وكذا لا دليل على الوجوب على الولي ولا على غيره من سائر المسلمين.

(المسألة الثالثة) - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في الايلاج في فرج البهيمة. فنقل عن الشيخ في الخلاف والمبسوط العدم لعدم النص، واستحسنه المحقق وجمع من المتأخرين ومتأخريهم، والظاهر انه المشهور، وخالف فيه العلامة في المختلف، ونقل عن السيد المرتضى (رضي الله عنه) في تتمة كلامه المتقدم ما يدل


(1) ج 2 ص 70. (2) ورد هذا المضمون في حديث العلاء بن سيابة المروى في الوسائل في الباب 51 من ابواب الدفن، واورد بعض الاخبار المشتملة عليه في الباب 25 من ديات الاعضاء.


[ 13 ]

على دعوى الاجماع عليه ايضا، واستدل عليه في المختلف بانكار علي (عليه السلام) على الانصار في صحيحة زرارة المتقدمة. وفيه ما عرفت سابقا، مع ان المنقول عن العلامة التعزير بوطء البهيمة دون الحد. وقال في الذكرى: " اما فرج البهيمة فلا نص فيه، والحمل على ختان المرأة قوى، ولفحوى قضية الانصار " انتهى. وضعفه ظاهر.

(المسألة الرابعة) - لو اولج الرجل في دبر الخنثى وجب الغسل عليهما بناء على ما تقدم من الوجوب في الدبر. ولو اولج في قبله أو اولج الخنثى في فرج المرأة لم يجب الغسل، لاحتمال الزيادة في احد هذين الفرجين وان يكون رجلا على الاول وانثى على الثاني، فلا يتعلق به حكم. وقال في التذكرة بالنسبة الى الاول بعد ان نقل عن بعض علمائنا عدم الوجوب لما ذكرنا: " ولو قيل بالوجوب كان وجها، لقوله (عليه السلام): " إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل " (1)، ولوجوب الحد به " انتهى. وقال بالنسبة الى الثاني بعد ان افتى بالعدم لما قدمنا: " ويحتمل الوجوب للعموم " وضعف ما ذكر من دليل الوجوب في الموضعين ظاهر. ولو اولج الرجل في قبل الخنثى والخنثى في قبل المرأة كان الخنثى جنبا والرجل والمرأة كواجدي المني في الثوب المشترك، ويأتي على ما ذكره العلامة من الاحتمال الحكم بجنابة الجميع. هذا كله بالنسبة الى الخنثى المشكل وإلا فالواضح يتبع في حكمه ما يلحق به.

(المسألة الخامسة) - قد صرح الاصحاب (نور الله تعالى مراقدهم) بان مقطوع الحشفة يجب الغسل عليه بغيبوبة قدرها من الذكر، واستدل عليه في المنتهى وتبعه جمع منهم بصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في المسألة الاولى الدالة على وجوب الغسل بمجرد الادخال. وانت خبير بان هذه الرواية وامثالها مما دل على وجوب الغسل بمجرد الادخال ان عمل بها على ظاهرهانا في ما اتفقوا عليه ووردت به جملة من الاخبار من التخصيص بادخال الحشفة، فلا بد حينئذ من تقييدها بذلك كما قدمنا ذكره، وبه تنتفي دلالة الرواية


(1) في صحيحة محمد بن اسماعيل المروية في الوسائل في الباب 6 من ابواب الجنابة.


[ 14 ]

المذكورة وامثالها على المدعى، فيبقى الحكم عاريا عن الدليل والاصل البراءة، الا ان الاحتياط يقتضي الوقوف على ما عليه الاصحاب (رضوان الله عليهم) سيما مع عدم المخالف ظاهرا.

(المقام الثاني) - في الانزال وفيه ايضا مسائل:

(الاولى) - لا ريب انه كما يجب على الرجل والمرأة الغسل بالجماع على الوجه المتقدم كذا يجب عليهما بانزال الماء الاكبر يقظة ونوما على المعروف من مذهب الاصحاب بل لم ينقل فيه خلاف، الا انه يظهر من كلام الصدوق (قدس سره) في المقنع الخلاف في المرأة إذا انزلت بالاحتلام حيث قال: " وان احتلمت المرأة فانزلت فليس عليها غسل، وروى ان عليها الغسل إذا انزلت " وهو في الرجل مجمع عليه رواية، واما في المرأة فعلى اشهرها: فمن الاخبار الدالة عليه في الرجل حسنة الحلبي (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المفخذ عليه غسل ؟ قال: نعم إذا انزل ". وحسنة الحسين بن ابي العلاء عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " كان علي (عليه السلام) يقول: انما الغسل من الماء الاكبر ". ورواية عنبسة بن مصعب عنه (عليه السلام) (3) قال: " كان علي (عليه السلام) لا يرى في شئ الغسل الا في الماء الاكبر ". والحصر في هذه الاخبار وامثالها اضافي بالنسبة الى ما يخرج من الذكر من المذي ونحوه، فلا ينافي ما دل على الوجوب بمجرد التقاء الختانين كما تفصح عنه رواية عنبسة عنه (عليه السلام) (4) قال: " كان علي (عليه السلام) لا يري في المذي وضوء ولا غسلا ما اصاب الثوب منه الا في الماء الاكبر " الى غير ذلك من الاخبار.


(1) و (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب 7 من ابواب الجنابة. (2) المروية في الوسائل في الباب 9 من ابواب الجنابة.


[ 15 ]

واما المرأة فمما يدل على وجوب الغسل عليها بذلك ايضا صحيحة محمد بن اسماعيل عن الرضا (عليه السلام) (1) " في الرجل يجامع المرأة فيما دون الفرج وتنزل المرأة هل عليها غسل ؟ قال: نعم ". وصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل. قال: ان انزلت فعليها الغسل وان لم تنزل فليس عليها الغسل ". ورواية معاوية بن حكيم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " إذا امنت المرأة والامة من شهوة - جامعها الرجل أو لم يجامعها، في نوم كان ذلك أو في يقظة - فان عليها الغسل وحسنة اديم بن الحر (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل عليها غسل ؟ قال: نعم ولا تحدثوهن فيتخذنه علة ". اقول: ولعل المراد باتخاذ ذلك علة يعني للزناء أو الخروج الى الحمامات. الى غير ذلك من الاخبار كصحيحة عبد الله بن سنان (5) وصحيحة اسماعيل ابن سعد الاشعري (6) وصحيحة محمد بن اسماعيل الاخرى (7) واخبار اخر ايضا. وبازاء هذه الاخبار ما يدل على عدم الوجوب كصحيحة عمر بن يزيد (8) قال: " اغتسلت يوم الجمعة بالمدينة ولبست ثيابي وتطيبت، فمرت بي وصيفة ففخذت لها فامذيت انا وامنت هي فدخلني من ذلك ضيق، فسألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك. فقال: ليس عليك وضوء ولا عليها غسل ". ورواية عبيد بن زرارة (9) قال: " قلت له: هل على المرأة غسل من جنابتها إذا لم يأتها الرجل ؟ قال: لا، وايكم يرضى ان يرى أو يصبر على ذلك ان يرى


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (9) المروية في الوسائل في الباب 7 من أبواب الجنابة. (8) المروية في الوسائل في الباب 12 من نواقض الوضوء و 7 من ابواب الجنابة.


[ 16 ]

ابنته أو اخته أو امه أو زوجته أو احدا من قرابته قائمة تغتسل فيقول مالك ؟ فتقول احتلمت وليس لها بعل. ثم قال: لا ليس عليهن ذلك، وقد وضع الله ذلك عليكم، قال: وان كنتم جنبا فاطهروا " (1) ولم يقل ذلك لهن ". وصحيحة محمد بن مسلم (2) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام): كيف جعل على المرأة إذا رأت في النوم ان الرجل يجامعها في فرجها الغسل ولم يجعل عليها الغسل إذا جامعها دون الفرج في اليقظة فامنت ؟ قال: لانها لما رأت في منامها ان الرجل يجامعها في فرجها فوجب عليها الغسل، والآخر انما جامعها دون الفرج فلم يجب عليها الغسل لانه لم يدخله، ولو كان ادخله في اليقظة وجب عليها الغسل امنت أو لم تمن " ومثلها صحيحة عمر بن يزيد الاخرى (3) وصحيحة ابن اذينة (4). وقد تأول الشيخ (رضوان الله عليه) ومن تأخر عنه هذه الاخبار بتأويلات في غاية البعد، وصحتها وصراحتها في عدم الوجوب مما لا سبيل الى انكاره، فالاولى ردها الى العالم من آل محمد (صلوات الله عليهم اجمعين) والعمل على تلك الاخبار الاولة، لاعتضادها بعمل الطائفة المحقة قديما وحديثا، وموافقتها للاحتياط في الدين الذين هما من جملة المرجحات المنصوصة. ويقرب عندي خروج هذه الاخبار مخرج التقية (5) (اما اولا) - فلجواز وجود القائل به في تلك الاعصار وان لم ينقل عن احد الاربعة المشهورة الآن بينهم، فان شهرة هذه الاربعة وحصر مذهبهم فيها انما تجدد في الاعصار المتأخرة بقرب


(1) سورة المائدة الاية 9. (2) و (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب 7 من ابواب الجنابة. (5) في نيل الاوطار للشوكاني ج 2 ص 195 بعد ان ذكر حديث خولة بنت حكيم " سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل. قال ليس عليها غسل حتى تنزل " قال: " يدل الحديث على وجوب الغسل على الرجل والمرأة إذا وقع الانزال، وهو اجماع الا ما يحكى عن النخعي ".


[ 17 ]

سنة الستمائة. والا فمذاهبهم في اعصار الائمة (عليهم السلام) لا تكاد تحصى كثرة وانتشارا، كما نبه عليه جملة من علمائنا وعلمائهم، واوضحناه في مواضع من رسائلنا. و (اما ثانيا) - فلان المستفاد من الاخبار وان كان خلاف ما اشتهر بين اصحابنا (رضوان الله عليهم) الا ان فتواهم (عليهم السلام) بالتقية احيانا لا يختص بوجود القائل بذلك من العامة، بل كثيرا ما يقصدون (عليهم السلام) الى مجرد ايقاع الاختلاف في الحكم تقية كما مر بك تحقيقه في المقدمة الاولى من مقدمات الكتاب واما ما يفهم من كلام المقنع - من العمل بما ورد من هذه الروايات في الاحتلام دون ما ورد في اليقظة - فلا اعرف له وجها وجيها. ولقد اشكل الامر في هذه الاخبار على اصحاب هذا الاصطلاح المتأخر من تقسيم هذه الاخبار الى الاقسام الاربعة، لصحتها وصراحتها فلم يستطيعوا ردها بضعف الاسناد كما هو المقرر بينهم والمعتاد. حتى قال صاحب المنتقى الذي هو من جملة من شيد اركان هذا الاصطلاح بل زاد بزعمه في الاصلاح بعد نقله هذه الاخبار: " والعجب من اضطراب هذه الاخبار مع ما لاسانيدها من الاعتبار ". فرع ينبغي ان يعلم انه لو كان الخارج من المرأة انما هو من مني الرجل يقينا أو مشكوكا في مصاحبته منيها، فانه لا يوجب الغسل يقينا على الاول وفى الثاني على الظاهر تمسكا بالاصل سيما بعد الغسل، كما تدل عليه صحيحة سليمان بن خالد (1) المتضمة للسؤال عن المرأة يخرج منها شئ من بعد الغسل فقال: " لا تعيد " وعلله بان ما يخرج من المرأة إنما هو من ماء الرجل، ومثلها صحيحة منصور (2) ويدل على الاول ايضا رواية عبد الرحمان البصري قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تغتسل


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 13 من ابواب الجنابة.


[ 18 ]

من الجنابة ثم ترى نطفة الرجل بعد ذلك هل عليها غسل ؟ فقال: لا " اما لو حصل الاشتباه في غير مورد الصحيحة المتقدمة فالظاهر الرجوع الى الاوصاف المعتبرة عند الاشتباه كما سيأتي ان شاء الله تعالى، إذ هذه الاوصاف انما توجد عند خروج منيها لا مطلق المني كما هو الظاهر.

(المسألة الثانية) - لو انزل من غير الموضع المعتاد فهل يكون موجبا للغسل مطلقا مع تيقن كونه منيا. أو يحلق بالحدث الاصغر الخارج من غير الموضع المعتاد على القول به هناك فيشترط في حدثيته الاعتياد أو انسداد الخلقي ؟ قولان، وبالاول صرح العلامة في التذكرة والمنتهى، وبالثاني الشهيد في الذكرى. ويدل على الاول اطلاق جملة من الاخبار الدالة على وجوب الغسل بخروج المني كقولهم (عليهم السلام) في جملة منها (1): " انما الغسل من الماء الاكبر " وقولهم في بعض منها (2): " إذا جاءت الشهوة وانزلت الماء وجب عليها الغسل " ولعل مستند القول الثاني ما تقدم في الحدث الاصغر. وتردد بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين في المسألة، نظرا الى اصالة البراءة من الوجوب، ووجوب استصحاب حكم الطهارة حتى يعلم المزيل، والى اطلاق الاخبار. وانت خبير بان الظاهر ان اطلاق الاخبار موجب للخروج عن الاصالة المذكورة والاستصحاب المذكور، الا ان يمنع الاعتماد على الاطلاق في الدلالة والظاهر انه لا قائل به. نعم لو كان الشك في العمل بالاطلاق من حيث احتمال تقييده بالحمل على ما هو المعهود المتعارف من الخروج من الموضع الخلقي فيحمل اطلاق الاخبار عليه لكان وجها، الا انه يحتمل ان ذكر الخروج من الفرجين في بعض الاخبار باعتبار كونه المتعارف لا يدل.


(1) المروى في الوسائل في الباب 9 من ابواب الجنابة. (2) المروى في الوسائل في الباب 7 من ابواب الجنابة.


[ 19 ]

على الانحصار بوجه فلا يصلح لتقييد ما اطلق منها، والى هذا يميل كلام المحدث الامين الاسترابادي (قدس سره) في مسألة خروج الحدث الاصغر من غير الموضع المعتاد، والمسألة لا تخلو من تردد. ومن هنا يعلم الحكم في الخنثى لو خرج من احد مخرجيها لا مع الاعتباد من احدهما كما هو احد القولين بل الظاهر انه اشهرهما، والقول الآخر اعتباره منهما الا مع الاعتياد من احدهما، واليه ذهب ثاني المحققين وثاني الشهيدين.

(المسألة الثالثة) - الطاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) - كما نقله جملة منهم - في وجوب الغسل مع تيقن كون الخارج منيا وان لم يكن على الصفات الآتية، وان الرجوع إليها كلا أو بعضا انما هو مع الاشتباه، ويدل عليه الاخبار الكثيرة المتضمنة لترتب الغسل على مطلق الانزال وخروج الماء (1) وحينئذ فما ورد في بعض الاخبار - من تقييد وجوب الغسل بالقيود الثلاثة من الشهوة والدفع وفتور الجسد وانه مع عدم ذلك فلا بأس، كصحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل يلعب مع المرأة ويقبلها فيخرج منه المني فما عليه ؟ قال: إذا جاءت الشهوة ودفع وفتر فعليه الغسل، وان كان انما هو شئ لم يجد له فترة ولا شهوة فلا بأس " أو الشهوة فقط كصحيحة اسماعيل بن سعد الاشعري (2) قال: " سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يلمس فرج جاريته حتى تنزل الماء من غير ان يباشر، يعبث بها بيده حتى تنزل. قال: إذا انزلت من شهوة فعليها الغسل " ومثلها رواية محمد بن الفضيل (4) قال: " إذا جاءت الشهوة وانزلت الماء وجب عليها الغسل " - فمحمول على حال الاشتباه قال الشيخ (قدس سره) في التهذيب بعد نقل صحيحة علي بن جعفر المذكورة: " ان قوله (عليه السلام) -: " وان كان انما هو شئ لم يجد له


(1) و (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب 7 من ابواب الجنابة. (2) المروية في الوسائل في الباب 8 من ابواب الجنابة.


[ 20 ]

فترة ولا شهوة فلا بأس " - معناه إذا لم يكن الخارج الماء الاكبر. لان من المستبعد من العادة والطبائع ان يخرج المني من الانسان ولا يجد له شهوة ولا لذة. وانما أراد انه إذا اشتبه على الانسان فاعتقدانه مني وان لم يكن في الحقيقة منيا يعتبره بوجود الشهوة من نفسه، فإذا وجد وجب عليه الغسل وإذا لم يجد علم ان الخارج منه ليس بمني " انتهى. وهو جيد مطابق لما يحكم به الوجدان ويحققه العيان، على انه لو اريد به ظاهره لوجب حمله على التقية لموافقته لاشهر مذاهب العامة، فانه منقول عن ابي حنيفة ومالك واحمد (1) مع ان فيه ايضا انه دلالة بمفهوم الشرط، وهو انما يكون حجة إذا لم يظهر للشرط فائدة سوى التعليق والتقييد، ومن المحتمل خروج ذلك مخرج الغالب ان لم يدع اللزوم الكلي مع عدم العارض من مرض ونحوه، وبه تنتفي حجية المفهوم في نفسه فضلا ان يصلح لتقييد ظواهر الاخبار المستفيضة. ثم انه مع اشتباه الخارج فقد ذكر جمع من الاصحاب انه يعتبر في الصحيح باللذة والدفق وفتور البدن، وفى المريض باللذة والفتور ولا يعتبر الدفق لان قوة المريض ربما عجزت عن دفعه، وزاد الشهيد في الذكرى والدروس علامة اخرى للاشتباه ايضا وهو قرب رائحته من رائحة الطلع والعجين إذا كان رطبا وبياض البيض جافا. واحتجوا على اعتبار الاوصاف الثلاثة في الصحيح بانها صفات لازمة في الاغلب فمع الاشتباه يرجع إليها. وبصحيحة علي بن جعفر المتقدمة، وفى المريض بما تقدم من العجز، وبصحيحة عبد الله بن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " قلت له: الرجل يرى في المنام ويجد الشهوة فيستيقظ وينظر فلا يجد شيئا ثم يمكث بعد


(1) في المغنى ج 1 ص 199 " الموجب للغسل خروج المنى وهو الماء الغليظ الدافق الذي يخرج عند اشتداد الشهوة، فان خرج شبيه المنى لمرض أو برد لا عن شهوة فلا غسل فيه وهو قول احمد ومالك وابى حنيفة، وقال الشافعي يجب به الغسل لقوله صلى الله عليه وآله: " الماء من الماء " ولانه منى خارج فاوجب الغسل كما لو خرج حال الاغماء ". (2) المروية في الوسائل في الباب 8 من أبواب الجنابة.


[ 21 ]

فيخرج ؟ قال: ان كان مريضا فليغتسل وان لم يكن مريضا فلا شئ عليه. قال فقلت: فما فرق بينهما ؟ فقال: لان الرجل إذا كان صحيحا جاء الماء بدفقة وقوة وإذا كان مريضا لم يحبئ الا بعد ". اقول: ومن الاخبار الواردة ايضا في المريض صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن رجل احتلم فلما انتبه وجد بللا قليلا فقال: ليس بشئ الا ان يكون مريضا فانه يضعف فعليه الغسل ". وصحيحة زرارة (2) قال: " إذا كنت مريضا فاصابتك شهوة فانه ربما كان هو الدافق لكنه يحبئ ضعيفا ليست له قوة لمكان مرضك ساعة بعد ساعة قليلا قليلا فاغتسل منه ". ورواية محمد بن مسلم (3) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام): رجل رأى في منامه فوجد اللذة والشهوة ثم قام فلم ير في ثوبه شيئا ؟ فقال: ان كان مريضا فعليه الغسل وان كان صحيحا فلا شئ عليه ". إلا ان هذه الرواية لا تخلو من اشكال لتضمنها وجوب الغسل على المريض بمجرد وجود اللذة والشهوة مع عدم رؤية شئ بعد انتباهه. ولم يذهب إليه ذاهب من الاصحاب ولم يرد به خبر آخر في الباب، بل ربما دلت الاخبار على خلافه، ومنها - حسنة الحسين ابن ابي العلاء (4) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يرى في المنام حتى يجد الشهوة فهو يرى انه قد احتلم فإذا استيقظ لم ير في توبه الماء ولا في جسده. قال: ليس عليه الغسل " وحينئذ فالواجب حمل تلك الرواية على وجود شئ وإلا فطرحها رأسا. ثم لا يخفى ان غاية ما يستفاد من هذه الاخبار هو البناء على الظن بواسطة احد


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 8 من ابواب الجنابة. (4) المروية في الوسائل في الباب 9 من ابواب الجنابة.


[ 22 ]

هذه الاشياء في المريض بل الصحيح ايضا حال الشك، ومن المقطوع به نصا وفتوى انه لا يعارض يقين الطهارة، لكن الظاهر من الاصحاب (رضوان الله عليهم) الاتفاق على العمل بما دلت عليه هذه الاخبار وعدم الراد لها، ولعله على الاستثناء من قاعدة عدم نقض اليقين بالشك وتخصيصها بهذه الاخبار، إذ المراد بالشك هنا ما يشمل الظن كما تقدم تحقيقه في المقدمة الحادية عشرة.

(المسألة الرابعة) - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ان من نام ولم ير في منامه انه احتلم ثم وجد بعد الانتباه في ثوبه أو على بدنه منيا فانه يجب عليه الغسل للعلم بتحقق الجنابة بذلك، وكثير من الاصحاب عبروا في هذا المقام بان واجد المني على جسده أو ثوبه المختص به يغتسل، ومن الظاهر بعده عن مورد الاخبار المتعلقة بهذه المسألة: ومنها - موثقة سماعة (1) قال: " سألته عن الرجل يرى في ثوبه المني بعد ما يصبح ولم يكن رأى في منامه انه قد احتلم. قال: فليغتسل وليغسل ثوبه ويعيد صلاته " وموثقته الاخرى (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينام ولم ير في نومه انه احتلم فيجد في ثوبه أو على فخذه الماء هل عليه غسل ؟ قال: نعم " واما ما رواه أبو بصير (3) قال " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصيب في ثوبه منيا ولم يعلم ان احتلم. قال ليغسل ما وجد بثوبه وليتوضأ " فحمله الشيخ (رحمه الله) على ما إذا شاركه في الثوب غيره جمعا بين الاخبار. ولعل الاقرب في وجه الجمع حمل موثقتي سماعة على من وجد المني بعد النوم بغير فصل مدة بحيث يحصل له العلم أو الظن الغالب باستناد المني إليه لا الى غيره كما يظهر من سياقهما، ورواية ابي بصير على وجدانه في الثوب في الجملة من غير تعقبه للنوم على الوجه المتقدم. وكيف كان فالظاهر ان مفاد الموثقتين المذكورتين لا يخرج عن مجرد الظن


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 10 من ابواب الجنابة.


[ 23 ]

بخروج المني منه، إذ دعوى حصول اليقين بمجرد وجوده كذلك بعيدة، وحينئذ فلابد من تخصيص قاعدة عدم نقض اليقين بالشك بذلك ايضا الا ان يقيد بذلك والمفهوم من كلام المحدث الكاشاني في الوافي اعتبار حصول اليقين بحصول حدث الجنابة بتلك العلامة، نظرا الى ان يقين الطهارة لا يرتفع الا بيقين الحدث. وبالجملة فالجمع بين الاخبار المذكورة لا ينحصر فيما ذكروه، حتى انهم بسبب ذلك جعلوها مسألة برأسها في البين وفرعوا عليها فروعا لا اثر لها في النصوص ولا عين إذ من الممكن حمل الموثقتين المذكورتين على ما ذكرنا من انه وجد المني بعد الانتباه على وجه يحصل له العلم باستناده إليه كما يظهر من سياقهما، وحمل رواية ابي بصير على وجدانه في الثوب في الجملة، فانه يستصحب البقاء على يقين الطهارة لعدم حصول العلم في الصورة المذكورة باستناده إليه. وغاية ما يمكن دعواه الظن وان كان غالبا وهو لا يعارض اليقين السابق، والى هذا يميل كلام المحدث الكاشاني في الجمع بين الاخبار المذكورة ولا ريب انه اقرب مما ذكروه، إذ لا قرينة في خبر تؤنس بالمشاركة في ذلك الثوب بل المتبادر من اضافته الى الضمير الاختصاص بصاحبه، والاصحاب (رضي الله عنهم) - بناء على ما صوروه من هذه المسألة التي طرحوها وجعلوها مقرا للبحث - عبروا بان واجد المني على جسده أو ثوبه المختص به يغتسل، ومن الظاهر بعده عن ظاهر الموثقتين المذكورتين. إذ الظاهر منهما - كما عرفت - هو رؤية المني على وجه يوجب اليقين باستناده إليه لا مجرد وجوده، فانه لا يوجب ذلك، ومن الممكن احتماله لدفع سورة الاستبعاد انه يجوز ان يكون احتلم في الثوب واغتسل ولم يعلم بالمني ثم رآه بعد يومين أو ثلاثة مثلا، فمجرد وجوده لا يوجب الحكم عليه بالجنابة مع ان يقين الطهارة لا يخرج عنه الا بيقين النجاسة، وهذا بحمد الله ظاهر لا سترة عليه ولا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه.

فوائد:

(الاولى) - لو كان الثوب الذي رأى فيه المني مشتركا بينه وبين


[ 24 ]

غيره - اما بان يكونا معا مجتمعين فيه دفعة كالكساء الذي يفترش أو يلتحف به، أو كان بينهما على سبيل النوبة - فاكثر الاصحاب على انه لا يجب الغسل عملا باستصحاب يقين الطهارة وعدم الخروج عنها الا بيقين النجاسة. وفى حكمه المختص ايضا إذا احتمل كون المني الموجود عليه من غيره كما حملنا عليه رواية ابي بصير، وظاهر جمع: منهم - ثاني المحققين وثاني الشهيدين تخصيص الاشتراك الموجب لسقوط الغسل بما كان على سبيل المعية، اما المتناوب بينهما فاوجبوا الغسل فيه على صاحب النوبة وان احتمل جواز التقدم كما صرح به في الروض واليه يميل كلام الدروس ايضا، ولهذا فسر شيخنا الشهيد الثاني (نور الله مرقده) في الروض الثوب المختص الذي يوجب رؤية الجنابة فيه الغسل بما اختص بلبسه أو النوم عليه حين الوجدان وان كان يلبسه أو ينام عليه هو وغيره تناوبا. وفيه ان المسألة لما كان خالية من النص فالواجب فيها الوقوف على مقتضى القواعد المقررة التي من جملتها عدم جواز نقض اليقين بالشك كما هو المتفق عليه نصا وفتوى، فالحكم بالوجوب على صاحب النوبة مطلقا وان احتمل جواز التقدم مدفوع بعدم جواز الخروج عن يقين الطهارة الا بالعلم يكون المني من واجده، نعم لو علم ذو النوبة انه منه بوجه من الوجوه وجب الغسل عليه الا انه لا من حيث كونه صاحب النوبة، وكذا لو علم السبق سقط عنه قطعا ولم يجب على الاول الا مع التحقق ايضا وبالجملة فالمعتبر في الخروج عن يقين الطهارة اليقين بكون المني من واجده والا لم يجب عليه شئ.

(الثانية) - الاشهر الاظهر انه لا يحكم على هذا الواجد المحكوم عليه بوجوب الغسل باعادة شئ من الصلوات الا ما جزم بتأخره عن الجنابة، وهي المتعقبة لآخر نومة وجد عقيبها المني المذكور، عملا باصالة عدم التقدم، واستصحابا للطهارة المتيقنة الى ان يتيقن الحدث، وحينئذ يحكم عليه بكونه محدثا ويجب عليه قضاء ما يتوقف على الطهارة من ذلك الوقت الى ان تحصل منه طهارة رافعة. خلافا للشيخ (رحمه الله) في المبسوط


[ 25 ]

حيث حكم - كما نقل عنه - بوجوب قضاء كل صلاة صلاها بعد آخر غسل رافع، ولعله اخذ بالاحتياط كما حمله عليه جملة من الاصحاب. الا ان فيه (اولا) - ان الاحتياط هنا ليس بدليل للوجوب. و (ثانيا) - انه لا احتياط في اعادة ما وقع من الصلوات بعد آخر الاغسال الرافعة وقبل النوم. و (ثالثا) - ان مقتضى الاحتياط ان يعيد ما صلاه قبل آخر الاغسال ايضا متى احتمل ان يكون خروج المني سابقا عليه، وحينئذ فمتى اريد سلوك جادة الاحتياط فالطريق إليها ان يعيد كل صلاة لا يعلم سبقها على المنى ولم يفصل بينها وبينه على تقدير سبقه غسل رافع. هذا بالنسبة الى الحدث. واما بالنسبة الى الخبث فتبنى الاعادة منه على ما سيأتي ان شاء الله في محله من الخلاف في وجوب اعادة المصلي في النجاسة جاهلا، فعلى القول بالوجوب يمكن ان يستند وجوب الاعادة هنا على تقديره الى كل من الحدث والخبث، والى الحدث خاصة كما لو حصل ازالة النجاسة ولو اتفاقا، والى الخبث خاصة كما لو اتفق الغسل الرافع في البين. ونقل عن الشيخ في المبسوط هنا انه يستحب ان يعيد كل صلاة صلاها من اول نومة نامها في ذلك الثوب. ويجب ان يعيد ما صلاه من آخر نومة نامها فيه. ثم قوى عدم وجوب اعادة شئ من الصلوات الا ما لم يخرج وقتها. والظاهر ان تقويته عدم اعادة ما خرج وقته بناء على عدم وجوب الاعادة على جاهل النجاسة بعد خروج الوقت كما هو المنقول عنه في المبسوط في المسألة المشار إليها، وبذلك يظهر ما في كلام السيد السند في المدارك في هذا الموضع من الغفلة ان ثبت ما نقل عن المبسوط في الموضعين المتقدمين فان الكتاب لا يحضرني الآن لا حقق ذلك منه، حيث قال السيد (قدس سره) في الكتاب المذكور حاكيا خلاف الشيخ في المبسوط ما لفظه: " وذهب الشيخ في المبسوط اولا الى اعادة كل صلاة لا يعلم سبقها على الحدث ثم قوى ما اخترناه وقوته ظاهرة " انتهى. واشار بما اختاره الى ما ذكره اولا من انه انما يحكم على واجد المني بالجنابة من آخر اوقات امكانها.


[ 26 ]

(الثالثة) - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في حكم المشتركين في الثوب الموجود عليه المني مع عدم تيقن اختصاصه باحدهما بعد الاتفاق على سقوط احكام الجنب عن كل منهما في حد ذاته من وجوب الغسل وتحريم قراءة العزائم ونحوهما من الاحكام الآتية، فيجوز لهما معا دخول المسجد دفعة وقراءة العزائم كذلك، وانما تظهر فائدة الخلاف هنا في انعقاد الجمعة بهما وائتمام احدهما بصاحبه، فقيل بالقطع بوجود جنب فلا يصح انعقاد الجمعة بهما لان احدهما جنب البتة، ولا تصح صلاة المأموم منهما لانه نفسه أو امامه جنب، واليه ذهب المحقق في المعتبر والشهيد في الدروس وثاني المحققين وثاني الشهيدين، ورجحه بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين وقيل بسقوط هذه الجنابة عن الجميع في نظر الشارع، ومال إليه العلامة في جملة من كتبه، واختاره السيد السند في المدارك وغيرهما. حجة الاول القطع بجنابة احدهما البتة، وسقوط بعض احكام الجنب انما كان لتعذر العلم بالجنب المستلزم للمحذور وهو منتف في موضع النزاع. واجيب بانه ان اريد القطع بخروج المني من احدهما فمسلم لكن خروج المني من واحد لا بعينه لا يوجب حكما، وان اريد القطع بكون احدهما لا بعينه جنبا لا تصح منه الافعال التي لا تصح من الجنب ويتعلق به احكامه فظاهر الفساد، لان عدم صحة افعال واحد منهما لا بعينه وتعلق احكام الجنب به مع ان كل واحد بعينه افعاله صحيحة فلا يتعلق به حكم الجنب مما لا معنى له، وبالجملة القدر المسلم في اشتراط انعقاد الجمعة ان تكون صلاة كل من العدد صحيحة في الواقع وههنا كذلك، واما ما وراء ذلك فلا، وكذا يلزم في صحة صلاة المأموم عدم علمه بفساد صلاة الامام وقد تحقق هنا، ومن يدعي زيادة على ذلك فعليه البيان. حجة القول الآخر - زيادة على ما علم من الجواب المذكور - التمسك بيقين الطهارة ولم يعارضه الا الشك في الحدث وكل منهما متيقن الطهارة شاك في الحدث.


[ 27 ]

اقول: والمسألة لخلوها من نصوص اهل الخصوص لا تخلو من الاشكال وان كان القول الثاني اوفق بالقواعد الشرعية وادخل في تلك الضوابط المرعية. (اما اولا) - فلما ذكر من التمسك باصالة يقين الطهارة التي هي اقوى متمسك و (اما ثانيا) - فلان المفهوم من النصوص ان الشارع لم يجعل الواقع مناطا لشئ من الاحكام وانما بناها على ما يظهر للمكلف، ويعضده ان الذي دلت عليه نصوص هذا الباب هو ان الشارع قد ناط حكم الجنابة بالنسبة الى خروج المني، اما بالعلم بخروجه كما تضمنته النصوص المستفيضة، أو بوجوده على بدن الجنب أو ثوبه المختص به كما تقدم في موثقتي سماعة، وما عدا ذلك فلم يدل عليه دليل، ولا يخفى على من تتبع مظان الاحكام انه كثيرا ما يغلب على الظن بالقرائن الحالية احد الاحكام الشرعية من نجاسة وحرمة ونحوهما، والشارع بمجرد معارضة احتمال ينافي ذلك وان بعد لا يلتفت الى ما غلب على الظن وترجح عنده كما في موثقة عمار الواردة في الفأرة المتفسخة (1) ونحوها. و (اما ثالثا) - فلان القول بثبوت الجنابة على واحد لا بعينه - مع اتفاقهم على صحة افعال كل واحد منهما وسقوط احكام الجنب عنه وان مظهر الخلاف انما هو في الصورتين المذكورتين - لا يخلو من تدافع. الا ان الحكم بعد لا يخلو عندي من شوب الاشكال، نظرا الى ان المفهوم من النصوص في غير موضع من الاحكام - كما تقدم بسط الكلام عليه في مسألة الاناءين - ان الشارع قد اعطى المشتبه بالنجس حكم النجس والمشتبه بالحرام حكم الحرام في الافراد المحصورة، ولم يلتفت الى اصالة الحلية والطهارة في تلك المواضع، كما في مسألة الاناءين واللحم المختلط ذكيه بميته، والصلاة في كل من الثوبين المتيقن نجاسة احدهما لا بعينه، ووجوب تطهير الثوب الذي اصاب بعض اجزائه النجاسة مع اشتباه موضع الاصابة بباقي


(1) المروية في الوسائل في الباب 4 من ابواب الماء المطلق.


[ 28 ]

الثوب، الى غير ذلك من المواضع التي يقف عليها المتتبع، فان النصوص في جميع هذه المواضع قد اعطت المتيقن الطهارة والحلية حكم المشتبه به، وربما ظهر من ذلك تخصيص اخبار التمسك بيقين الطهارة والحلية بغير مورد هذه الاخبار وهو الاشياء المعلومة بشخصها ويكون ذلك هو وجه الجمع بين اخبار الطرفين. وكيف كان فالوقوف على ساحل الاحتياط - بالغسل لكل منهما واجتناب ما يجتنبه الجنب قبله - سبيل السلامة والنجاة، عجل الله تعالى الفرج والظهور لمن به تحل مشكلات الامور. وجملة من اصحابنا بناء على اتفاقهم على سقوط وجوب الغسل في المسألة صرحوا باستحبابه، والظاهر ان منشأه الاحتياط لعدم دليل له على الخصوص.

(المسألة الخامسة) - لو خرج منه بلل بعد الغسل فلا يخلو اما ان يعلم انه مني أو بول أو يعلم انه غيرهما أو لا يعلم شيئا من ذلك، ولا خلاف ولا اشكال انه في الصورة الاولى يكون موجبا للغسل وفى الثانية للوضوء وفى الثالثة لا يوجب شيئا، واما الصورة الرابعة فلا يخلو اما أن يكون قد بال قبل الغسل واجتهد أو لم يأت بشئ منهما أو اتى باحدهما اما البول أو الاجتهاد، ثم انه مع الاتيان بالاجتهاد خاصة فاما ان يكون مع امكان البول أو مع عدم امكانه، فههنا صور خمس:

(الاولى) - ان يغتسل ثم يجد بللا مشتبها وقد بال واجتهد، والظاهر انه لا خلاف في عدم وجوب شئ عليه من غسل أو وضوء، ومما يدل على ذلك عمومات الاخبار الدالة على عدم نقض اليقين بالشك (1) وخصوصا، اما بالنسبة الى سقوط الغسل فالاخبار لدالة على انه بالبول قبل الغسل يسقط عنه الغسل، كقول الصادق (عليه السلام) في حسنة الحلبي (2): " ان كان بال قبل ان يغتسل فلا يعيد الغسل " وقوله (عليه السلام) في صحيحة محمد (3) وهو ابن مسلم: "... الا ان يكون بال قبل أن يغتسل فانه


(1) تقدم بعضها في الجزء الاول ص 142. (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 36 من ابواب الجنابة.


[ 29 ]

لا يعيد غسله " ومثلهما اخبار كثيرة طوينا نشرها للاتفاق على الحكم المذكور فتوى ورواية، واما بالنسبة الى سقوط الوضوء فللاخبار الدالة على انه بالاجتهاد لا ينتقض بما يخرج كذلك، كقول الصادق (عليه السلام) في صحيحة حفص بن البختري (1): " ينتره ثلاثا ثم ان سال حتى يبلغ السابق فلا يبالي " وغيرها من الاخبار التي تقدمت في مسألة الاستبراء من البول. واما ما رواه ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " ثلاث يخرجن من الاحليل وهن المني فمنه الغسل، والودي فمنه الوضوء لانه يخرج من دريرة البول... " فمحمول على ما قبل الاستبراء جمعا لصحيحة زيد الشحام وزرارة ومحمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " ان سال من ذكرك شئ من مذي أو ودي فلا تغسله ولا تقطع له الصلاة ولا تنقض له الوضوء، انما ذلك بمنزلة النخامة... الحديث " واما صحيح محمد بن عيسى (4) قال: " كتب إليه رجل هل يجب الوضوء مما خرج من الذكر بعد الاستبراء ؟ قال: نعم " فحمله في التهذيبين على الاستحباب، وزاد في الاستبصار حمله على التقية لموافقته لمذهب اكثر العامة (5). اقول: وهو الاقرب، ويحتمل ايضا حمل ذلك على ما إذا كان الخارج بولا، لتطرق الوهم الى ان ما خرج بعد الاستبراء لا ينقض وان كان بولا، ولعله (عليه السلام) علم ذلك، فانهم (صلوات الله عليهم) كثيرا ما يجيبون على علمهم من حال السائل وان لم يفصح عنه السؤال.

(الثانية) - خروج البلل مع عدم البول والاستبراء، والمشهور بين الاصحاب - بل ادعى ابن ادريس عليه الاجماع - وجوب الغسل، وظاهر الفقيه والمقنع الاكتفاء بالوضوء في هذه الصورة.


(1) و (4) المروية في الوسائل في الباب 13 من ابواب نواقض الوضوء. (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 12 من ابواب نواقض الوضوء. (5) راجع التعليقة (5) ج 2 ص 61.


[ 30 ]

ويدل على المشهور روايات: منها - موثقة سماعة (1) قال: " سألته عن الرجل يجنب ثم يغتسل قبل ان يبول فيجد بللا بعد ما يغتسل. قال يعيد الغسل... ". وصحيحة سليمان بن خالد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن رجل اجنب فاغتسل قبل ان يبول فخرج منه شئ. قال: يعيد الغسل " وفى الصحيح عن منصور بن حازم (3) مثله. وصحيحة محمد بن مسلم (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يخرج من احليله بعد ما يغتسل شئ. قال: يغتسل ويعيد الصلاة الا ان يكون بال قبل ان يغتسل فانه لا يعيد غسله. قال محمد: وقال أبو جعفر (عليه السلام): من اغتسل وهو جنب قبل ان يبول ثم وجد بللا فقد انتقض غسله، وان كان بال ثم اغتسل ثم وجد بللا فليس ينتقض غسله ولكن عليه الوضوء، لان البول لم يدع شيئا ". وقول الصادق (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن ميسرة (5): "... وان لم يبل حتى اغتسل ثم وجد البلل فليعد الغسل ". ويدل عليه ايضا مفهوم الشرط في جملة من الاخبار: منها - حسنة الحلي المتقدمة لقوله: " ان كان بال قبل ان يغتسل فلا يعيد الغسل ". (لا يقال): ان هذه الاخبار انما تدل على خروج البلل مع عدم البول بعد الغسل ولا تعرض فيها للاستبراء كما هو المدعى. (لانا نقول): تعليق الحكم فيها على عدم البول - الذي هو اعم من ان يكون مع عدم الاستبراء كما هو موضوع هذه الصورة، أو معه مع امكان البول أو عدمه كما هو موضوع الصورة الآتية - كاف في الاستدلال، وحينئذ فالاستدلال بها من حيث الاطلاق. الا انه قد ورد بازاء هذه الاخبار ما يدل على عدم الوجوب في الصورة المذكورة


(1) و (2) و (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب 36 من ابواب الجنابة. (3) المروية في الوسائل في الباب 13 من ابواب الجنابة


[ 31 ]

ومنه - رواية جميل (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل تصيبه الجنابة فينسى ان يبول حتى يغتسل ثم يرى بعد الغسل شيئا أيغتسل ايضا ؟ قال: لا قد تعصرت ونزل من الحبائل ". ورواية احمد بن هلال (2) قال: " سألته عن رجل اغتسل قبل ان يبول. فكتب: ان الغسل بعد البول الا ان يكون ناسيا فلا يعيد منه الغسل ". ورواية عبد الله بن هلال (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يجامع اهله ثم يغتسل قبل أن يبول ثم يخرج منه شئ بعد الغسل. فقال: لا شئ عليه ان ذلك مما وضعه الله عنه ". ورواية زيد الشحام عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن رجل اجنب ثم اغتسل قبل ان يبول ثم رأى شيئا. قال لا يعيد الغسل، ليس ذلك الذي رأى شيئا ". ومما يعارضها ايضا الاخبار الدالة على عدم نقض اليقين بالشك والشيخ جمع في بعضها بالحمل على ترك البول ناسيا وفى بعض بالحمل على من اجتهد قبل الغسل ولم يتأت له البول، واورد على الحمل الاول دليلا مضمرة احمد بن هلال المذكورة ولم يورد للحمل الآخر مستندا. ولا يخفى ما فيه من البعد، اما الحمل على النسيان فلان النسيان وان وقع في رواية جميل الا انه (اولا) - في كلام الراوي فلا يصلح للتقييد، مع ضعف سند الرواية باشتماله على علي بن السندي وهو مهمل في كتب الرجال، بل ظاهر التعليل في الرواية بقوله: " تعصرت ونزل من الحبائل " الدلالة على عدم الفرق بين حالتي النسيان والعمد. و (ثانيا) - ان الخارج مع عدم البول متى حكم بكونه منيا فكيف يعذر الناسي فيه، إذ الاسباب لا يفرق فيها بين الناسي والعامد. واما الحمل على من اجتهد ولم يتمكن من


(1) و (2) و (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب 36 من ابواب الجنابة.


[ 32 ]

البول ففيه - مع عدم الدليل عليه في الاخبار - ان عدم القدرة على البول لا يخرج الخارج عن كونه منيا ليسقط وجوب الغسل، فان مقتضى العلة المستنبطة من جملة من الاخبار بل المنصوصة في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة عن الباقر (عليه السلام) حيث قال في آخرها: " لان البول لم يدع شيئا " ان مع عدم البول وان تعذر لا يقطع بزوال المني ونظافة المخرج منه. واما الجمع بين الاخبار - بالحمل على الاستحباب كما صار إليه جملة من متأخرى المتأخرين - ففيه (اولا) - انه وان اشتهر بينهم البناء على هذه القاعدة في الجمع بين الاخبار بحمل ما يدل على الوجوب على الاستحباب وما يدل على التحريم على الكراهة الا انه لم يرد بها اثر من الآثار، والقواعد المقررة عن اهل العصمة (صلوات الله عليهم) في اختلاف الاخبار خالية عنها. و (ثانيا) - انه لا ريب ان الحمل على ذلك مجاز لا يصار إليه الا مع القرينة، ووجود المعارض ليس قرينة، لجواز خروجه مخرج التقية (1) أو احتماله لمعنى آخر. وبالجملة فالتحقيق ان الاخبار المذكورة صريحة المنافاة في الحكم المذكور، وطريق الجمع بينها وبين ما تقدمها بعيد، فالواجب النظر في الطرق المرجحة للحمل على احد الطرفين ورمى الطرف الآخر من البين، ولا ريب انها مع اخبار الاعادة لصحتها سندا وكثرتها وصراحتها دلالة وتعددها منطوقا ومفهوما، واعتضادها بعمل الطائفة قديما وحديثا، وموافقتها للاحتياط في الدين، وضعف ما يعارضها، فاما رواية جميل فيما


(1) في المغنى ج 1 ص 301 " إذا احتم أو جامع فامنى ثم اغتسل ثم خرج منه منى فالمشهور عن احمد لا غسل عليه بال أو لم يبل، وفى رواية ثانيه عنه ان خرج بعد البول فلا غسل عليه وان خرج قبله اغتسل وبه قال أبو حنيفة، وفى رواية ثالثة عليه الغسل بكل حال وهو مذهب الشافعي ".


[ 33 ]

عرفت من اشتمال سندها على علي بن السندي، واما رواية احمد بن هلال فبضعف الراوي المذكور حتى ورد فيه انه كان غاليا متهما في دينه، وورد فيه ذموم عن سيدنا ابي محمد العسكري (عليه السلام) مضافا الى اضماره، مع انه لا دلالة فيه على موضع البحث بوجه، لعدم اشتماله على خروج شئ بعد الغسل، واما رواية عبد الله بن هلال فبعدم ذكره في كتب الرجال بمدح أو قدح، واما رواية الشحام فباشتمالها على ابي جميلة المفضل بن صالح، وقد رمي بالكذب ووضع الحديث كما ذكره العلامة في الخلاصة. هذا. والاقرب عندي خروج الاخبار المشار إليها مخرج التقية، إذ هي السبب التام في اختلاف اخبارهم (عليهم السلام) وان لم يعرف بذلك قائل من العامة كما تقدم تحقيقه في المقدمة الاولى. واما المعارضة باخبار عدم نقض اليقين بالشك فلا ورود لها، إذ هو عام مخصوص كما تقدم تخصيصه غير مرة. وبذلك يظهر لك ما في كلام شيخنا المحقق صاحب الكتاب رياض المسائل وحياض الدلائل في الكتاب المذكور من التوقف في الحكم لتعارض الاخبار في المسألة وجبر ضعف الاخبار الاخيرة بالاعتضاد بالاصل وباخبار عدم نقض اليقين بالشك. وفيه - زيادة على ما عرفت - ان الترجيح بالاصل لا يعرف له اصل والا لذكر في جملة المرجحات المنصوصة عن اهل الذكر (سلام الله عليهم). واما ما ذهب إليه الصدوق قدس سره - من الاكتفاء هنا بالوضوء، حيث قال في الفقيه (1) - بعد نقل صحيحة الحلبي الآتية المتقدم عجزها في ادلة وجوب الاعادة - ما لفظه: " وروي في حديث آخر " ان كان قد رأى بللا ولم يكن بال فليتوضأ ولا يغتسل انما ذلك من الحبائل " قال مصنف هذا الكتاب رحمة الله عليه: اعادة الغسل اصل والخبر الثاني رخصة " ونحوه في المقنع، واليه يميل ظاهر المحدث الكاشاني (طاب ثراه) في الوافي، حيث قال بعد نقل كلام الفقيه: " اقول وبه يجمع بين الاخبار المتقدمة والآتية " -.


(1) ج 1 ص 47 وفى الوسائل في الباب 36 من ابواب الجنابة


[ 34 ]

ففيه ان الخبر المذكور مع صحته وثبوته لا يعارض الاخبار المتقدمة لما ذكرنا آنفا وان كان فتواه به لا يخلو من تأيبد له، الا ان الخبر المذكور لا يخلو من اشكال، لان الحكم فيه بالوضوء مع قوله في آخره: " انما ذلك من الحبائل " لا يخلو من تدافع، إذ ما يخرج من الحبائل لا يوجب وضوء، ولم أر من تنبه لذلك من اصحابنا (رضوان الله عليهم) ولو حمل الوضوء في الخبر المذكور على مجرد الغسل لذلك البلل لما ذكرنا لكان وجها، وبه يخرج عن صلاحية الاستدلال. وبالجملة فقوة القول المشهور مما ينبغي ان يرتاب فيها بوجه، لكن شيخنا الشهيد في الذكرى نقل عجز صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في صدر هذه الصورة هكذا: " قال محمد قال أبو جعفر (عليه السلام): من اغتسل وهو جنب قبل ان يبول ثم وجد بللا فليس ينقض غسله ولكن عليه الوضوء " ونزل رواية الفقيه التي استند إليها في الرخصة على هذه حيث قال: " ورواه الصدوق بعد رواية اعادة الغسل مع ترك البول " انتهى. وانت خبير بان ما نقله لم نقف عليه في شئ من كتب الاخبار بل ولا كتب الاستدلال، بل الموجود في التهذيب والاستبصار وكذا في المنتهى هو ما قدمناه. والذي يخطر بالبال هو وقوع السهو في النقل أو الغلط في المنقول عنه بترك ما بين " بللا " الاول الى " بللا " الثاني. والله اعلم.

(الثالثه) - خروج البلل بعد البول بدون الاجتهاد، والمعروف من مذهب اكثر الاصحاب وجوب الوضوء خاصة، ويدل عليه مفهوم الاخبار الدالة على انه " بعد الاستبراء ان سال حتى يبلغ السابق فلا يبالي " كما في صحيحة حفص، و " ان خرج بعد ذلك شئ فليس من البول ولكنه من الحبائل " كما في حسنة محمد بن مسلم، وقد تقدمتا في مسألة الاستبراء من البول (1) وخصوص منطوق صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في صدر الصورة الثانية. وموثقة سماعة (2) قال: " سألته عن الرجل يجنب ثم يغتسل قبل


(1) ج 2 ص 54 (2) المروية في الوسائل في الباب 36 من أبواب الجنابة.


[ 35 ]

ان يبول فيجد بللا بعد ما يغتسل. قال: يعيد الغسل، وان كان بال قبل ان يغتسل فلا يعيد غسله ولكن يتوضأ ويستنجي " ورواية ابن ميسرة (1) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول في رجل رأى بعد الغسل شيئا قال: ان كان بال بعد جماعه قبل الغسل فليتوضأ وان لم يبل حتى اغتسل ثم وجد البلل فليعد الغسل ". واطلاق هذه الروايات وان شمل وجوب الوضوء مع الاستبراء بعد البول حيث رتب الوضوء فيها على البول خاصة اعم من ان يكون معه استبراء ام لا. الا ان تصريح صحيحة حفص وحسنة محمد بن مسلم المشار اليهما آنفا - بنفي كون الخارج بعد الاستبراء من البول بولا وان بلغ الساق، مضافا الى عدم القائل بالوضوء مع الاجتهاد - يوجب تقييد اطلاق الاخبار المذكورة، وبالجملة فالصورة المفروضة ترجع الى ما قدمنا في مسألة الاستبراء من البول، إذ هي فرد من افرادها وعدد من اعدادها، والظاهر انه لا مدخل لخصوصية الجنابة في المقام، ولا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في الوضوء في الحال المذكورة استنادا الى المفهوم المتقدم ذكره. واما ما عارضه من صحيحتي ابن ابي يعفور وحريز فقد تقدم الجواب عنه ثمة (2). الا انه ربما ظهر من كلام الشيخين (قدس سرهما) في المقنعة والتهذيب والاستبصار عدم وجوب الوضوء في الصورة المذكورة، قال في المقنعة: " وإذا وجد المغتسل من الجنابة بللا على رأس احليله أو احس بخروج شئ منه بعد اغتساله، فانه ان كان قد استبرأ بما ذكرناه قبل هذا من البول أو الاجتهاد فليس عليه وضوء ولا اعادة غسل، لان ذلك ربما كان وذيا أو مذيا وليس ينتقض من هذين، وان لم يكن استبرأ بما ذكرناه اعاد الغسل " واشار بقوله: " بما ذكرناه " الى ما قدمه قبيل هذا الكلام حيث قال: " وإذا عزم الجنب على التطهير بالغسل فليستبرئ بالبول ليخرج ما بقي من المني في مجاريه، فان لم يتيسر له ذلك فليجتهد في الاستبراء: بمسح تحت الانثيين


(1) المروية في الوسائل في الباب 36 من أبواب الجنابة (2) ج 2 ص 59


[ 36 ]

الى اصل القضيب الى آخره " والمفهوم من هذا الكلام انه بعد خروج البلل المشتبه بعد الغسل ان كان قد استبرأ اما بالبول مع امكانه أو بالاجتهاد خاصة مع عدم امكانه فلا وضوء عليه ولا غسل، وهو ظاهر في نفي الوضوء مع البول الخالي من الاجتهاد. واما الشيخ في التهذيب فانه بعد ان اورد صحيحة محمد بن مسلم ورواية معاوية ابن ميسرة قال: " فما تضمن هذان الحديثان من ذكر اعادة الوضوء فانما هو على طريقة الاستحباب، لانه إذا صح بما قدمنا ذكره ان الغسل من الجنابة مجزئ عن الوضوء ولم يحدث هنا ما ينقض الوضوء فينبغي ان لا تجب عليه الطهارة ولا تعلق على ذمته الطهارة الا بدليل قاطع، وليس ههنا دليل يقطع العذر، ويحتمل ايضا ان يكون ما خرج منه بعد الغسل كان بولا فيجب عليه حينئذ الوضوء وان لم يجب الغسل حسبما تضمنه الخبر " ونحوه قال في الاستبصار (1) وظاهر هذا الكلام بل صريحه ان البلل المشتبه بعد البول بدون الاستبراء لا يوجب اعادة الوضوء مطلقا. ولا يخفى ما فيه (اما اولا) - فلما قدمنا في مسألة الاستبراء من البول من دلالة مفهوم تلك الاخبار على ذلك، مع انه نقل الروايات المذكورة في باب وجوب الاستبراء من البول في احكام الوضوء من الاستبصار ثم ذكر بعدها في المنافي رواية محمد بن عيسى الدالة على اعادة الوضوء بعد الاستبراء وحملها على الاستحباب، وكيف يتم الحمل على الاستحباب بعد الاستبراء مع عدم الوجوب قبله، مع انه افتى في المبسوط بما يوافق الجماعة من انتقاض الوضوء بالبلل المشتبه إذا لم يستبرئ. وما استند إليه من اجزاء غسل


(1) فانه قال بعد نقل خبر سماعة ومحمد بن مسلم ما لفظه: " وما يتضمن من خبر سماعة ومحمد ابن مسلم من ذكر اعادة الوضوء محمول على الاستحباب، ويجوز ان يكون المراد بما خرج بعد البول والغسل ما ينقض الوضوء فحينئذ يجب عليه الوضوء، ولاجل ذلك قال (عليه السلام) " عليه الوضوء والاستنجاء، في حديث سماعة. وذلك لا يكون الا فيما ينقض الوضوء " انتهى. منه (قدس سره)


[ 37 ]

الجنابة عن الوضوء مسلم بالنسبة الى ما قبل الغسل، فان كل ما يتجدد من الاحداث يندرج تحت الجناية، اما بعد الغسل فلا. ومنعه من ايجاب البلل المشتبه الوضوء ممنوع، لدلالة مفاهيم تلك الاخبار مع مناطيق هذه على ذلك معتضدا بالبلل المشتبه الخارج بعد الغسل مع عدم البول الموجب للغسل. و (اما ثانيا) - فلبعد ما ذكره من التأويل بمعنييه، اما الحمل على الاستحباب فمردود بما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى من استفاضة الاخبار بعدم مشروعية الوضوء مع غسل الجنابة، واما الحمل على كون الخارج بولا ففيه انه لو كان كذلك فكيف يتجه التفصيل في تلك الاخبار بانه ان كان قبل البول فيجب اعادة الغسل به أو بعده فلا يجب اعادة الغسل بل الوضوء، إذا البول لا يوجب الغسل سواء بال قبل الغسل أو لم يبل. وبذلك يظهر لك ما في كلام شيخنا المحقق صاحب كتاب رياض المسائل وحياض الدلائل في الكتاب المذكور، حيث جمد على كلام الشيخين بعد نقله، واثبت الخلاف في المسألة بظاهر كلاميهما، وقوى القول بعدم الوضوء بخروج البلل المشتبه في شئ من الاحوال، واوجب حمل ما دل على الاعادة مطلقا أو في بعض الاحوال منطوقا أو مفهوما على الاستحباب أو التقية أو على تخصيص الخارج بالناقض.

(الرابعة) - خروج البلل المذكور بعد الاجتهاد خاصة بدون البول مع امكانه والظاهر من كلام الاكثر وجوب الغسل، وربما ظهر من عبارتي الشرائع والنافع هنا العدم وهو ضعيف، وعموم الاخبار - الدالة على ايجاب الغسل مع عدم البول كما تقدم في الصورة الثانية - يدفعه. (الخامسة) - الصورة المذكورة مع عدم امكان البول، وظاهر الاكثر - ومنهم الشيخان فيما تقدم من كلاميهما في الصورة الثالثة - عدم وجوب شئ هنا من غسل أو وضوء، وتوقف في النهاية والمنتهى. احتجوا على ذلك بالاخبار المتقدمة في الصورة الثانية الدالة على عدم الغسل مع


[ 38 ]

عدم البول بحملها على عدم امكانه. وقد عرفت ما في هذا الحمل آنفا. واحتج المحقق الثاني في شرح القواعد ايضا على ذلك باصالة البراءة لعدم العلم بكون الخارج منيا، قال: " وايجاب الاعادة فيما تقدم الدليل لا يقتضي الوجوب هنا ". ولا يخفى عليك ما فيه من الوهن، فان اصالة البراءة يجب الخروج عنها بعموم الاخبار المتقدمة الموجبة للاعادة مع عدم البول مطلقا، وبه يظهر ما في باقي كلامه. واستند الشهيدان (قدس سرهما) في الذكرى والروض الى قوله (عليه السلام) في رواية جميل المتقدمة في الصورة الثانية: " قد تعصرت ونزل من الحبائل ". وفيه (اولا) - ان ذلك فرع الحمل على التعذر كما هو المدعى، وليس في الخبر المذكور ولا في غيره من الاخبار قرينة تؤنس به فضلا عن الدلالة عليه. و (ثانيا) - ان مورد الخبر حال النسيان والمدعى اعم من ذلك فلا يقوم حجة. و (ثالثا) - ان التعليل المذكور لا يخلو من الاشكال، إذ حملهم له على ان المراد انه مع ترك البول نسيانا اجتهد واستبرأ لا يساعده لفظ الرواية وغيره غير ظاهر في البين. وبالجملة فالاظهر والاحوط هو القول بوجوب الاعادة عملا بعموم تلك الاخبار، واليه مال جملة من فضلاء متأخرى المتأخرين. فرع المعروف من مذهب الاكثر عدم وجوب اعادة الصلاة الواقعة بعد الغسل وقبل خروج ذلك البلل الموجب له أو للوضوء، لانه حدث جديد والصلاة الواقعة قبله مستكملة لشرائط الصحة. وتخيل فساد الغسل ببقاء المني في مخرجه واحتباسه في الطريق باطل، لان موجب الجنابة خروجه من الفرج لا بروزه من مقره الاصلى وان احتبس في المجرى. ونقل عن بعض الاصحاب الميل الى بطلان الصلاة المذكورة، وهو باطل بما


[ 39 ]

ذكرنا. وربما استدل له بصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في صدر الصورة الثانية، والظاهر حملها على من صلى بعد وجدان البلل وعدم الغسل منه، ورجح بعض حملها على الاستحباب وهو بعيد الا انه احوط. وربما احتج على ذلك ايضا بمرسلة احمد بن هلال المتقدمة لدلالتها على ان الغسل قبل البول لا اعتداد به. وفيه مع ضعفها التقييد بحال العمد. تذنيب المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) بل كاد يكون اجماعا انه يجب الغسل على الكافر لان الكفار مكلفون بالفروع، ولم ينقلوا في المسألة خلافا عن احد من الخاصة بل من العامة الا عن ابى حنيفة، قالوا: لكن لا يصح منه حال كفره لاشتراط الصحة بالاسلام ولا يجبه الاسلام وان جب الصلاة لخروجها بدليل خاص. وما ذكروه (نور الله مراقدهم واعلى في الفردوس مقاعدهم) منظور فيه عندي من وجوه: (الاول) - عدم الدليل على التكليف المذكور وهو دليل العدم كما هو مسلم بينهم، وما استدلوا به مما سيأتي ذكره مدخول بما سنذكره. (الثاني) - الاخبار الدالة على توقف التكليف على الاقرار والتصديق بالشهادتين. ومنها - ما رواة ثقة الاسلام في الكافي (1) في الصحيح عن زرارة قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) اخبرني عن معرفة الامام منكم واجبة على جميع الخلق ؟ فقال: ان الله بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) الى الناس اجمعين رسولا وحجة لله على خلقه في ارضه، فمن آمن بالله وبمحمد رسول الله واتبعه وصدقه فان معرفة الامام منا واجبة عليه، ومن لم يؤمن بالله وبرسوله ولم يتبعه ولم يصدقه ويعرف حقهما فكيف يجب عليه معرفة الامام وهولا يؤمن بالله ورسوله ويعرف حقهما... الحديث " وهو - كما ترى -


(1) الاصول ج 1 ص 180.


[ 40 ]

صريح الدلالة على خلاف ما ذكروه، فانه متى لم تجب معرفة الامام قبل الايمان بالله ورسوله فبطريق الاولى معرفة سائر الفروع التي هي متلقاة من الامام (عليه السلام) والحديث صحيح السند باصطلاحهم صريح الدلالة، فلا وجه لرده وطرحه والعمل بخلافه الا مع الغفلة عن الوقوف عليه. والى العمل بالخبر المذكور ذهب المحدث الكاشاني (قدس سره) حيث قال في كتاب الوافي بعد نقله ما صورته: " وفى هذا الحديث دلالة على ان الكفار ليسوا مكلفين بشرائع الاسلام كما هو الحق خلافا لما اشتهر بين متأخرى اصحابنا " انتهى. ويظهر ذلك ايضا من المحدث الامين الاسترابادي (عطر الله مرقده) في كتاب الفوائد المدنية، حيث صرح فيه بان حكمة الله تعالى اقتضت ان يكون تعلق التكاليف بالناس على التدريج، بان يكلفوا اولا بالاقرار بالشهادتين ثم بعد صدور الاقرار عنهم يكلفون بسائر ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) قال: ومن الاحاديث الدالة على ذلك صحيحة زرارة المذكورة في الكافي، ثم ساق الرواية بتمامها، وقال ايضا - بعد نقل جملة من اخبار الميثاق المأخوذ على العباد في عالم الذر بالتوحيد والامامة ونقل جملة من الاخبار الدالة على فطرة الناس على التوحيد وان المعرفة من صنع الله - ما لفظه: " اقول: هنا فوائد. الى ان قال: الثالثة - انه يستفاد منها ان ما زعمه الا شاعرة - من ان مجرد تصور الخطاب - من غير سبق معرفة الهامية بخالق العالم وبان له رضى وسخطا وانه لا بد من معلم من جهته ليعلم الناس ما يصلحهم وما يفسدهم - كاف في تعلق التكليف بهم - ليس بصحيح " انتهى. ومنها - ما رواه الثقة الجليل احمد بن ابي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج (1) عن امير المؤمنين (عليه السلام) في حديث الزنديق الذي جاء إليه مستدلا بآي من القرآن قد اشتبهت عليه، حيث قال (عليه السلام): " فكان اول


(1) ص 128 طبعة سنة 1302


[ 41 ]

ما قيدهم به الاقرار بالوحدانية والربوبية والشهادة ان لا إله الا الله، فلما اقروا بذلك تلاه بالاقرار لنبيه (صلى الله عليه وآله) بالنبوة والشهادة بالرسالة، فلما انقادوا لذلك فرض عليهم الصلاة ثم الصوم ثم الحج... الحديث ". ومنها - ما رواه الثقة الجليل علي بن ابراهيم القمي (قدس سره) في تفسيره عن الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى "... وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون " (1) حيث قال (عليه السلام): " أترى ان الله عزوجل طلب من المشركين زكاة اموالهم وهم يشركون به حيث يقول: " وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون " وانما دعى الله العباد للايمان به. فإذا آمنوا بالله ورسوله افترض عليهم الفرائض ". قال المحدث الكاشاني في كتاب الصافي بعد نقل الحديث المذكور: " اقول: هذا الحديث يدل على ما هو التحقيق عندي من ان الكفار غير مكلفين بالاحكام الشرعية ما داموا باقين على الكفر " انتهى. ومما يدل على ذلك ايضا ما روي عن الباقر (عليه السلام) في تفسير قوله: "... اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولى الامر منكم... " (2) حيث قال: " كيف يأمر بطاعتهم ويرخص في منازعتهم ؟ انما قال ذلك للمأمورين الذين قيل لهم: اطيعوا الله واطيعوا الرسول ". (الثالث) - لزوم تكليف ما لا يطاق، إذ تكليف الجاهل بما هو جاهل به تصورا وتصديقا عين تكليف ما لا يطاق، وهو مما منعته الادلة العقلية والنقلية. لعين ما تقدم في المقدمة الخامسة في حكم معذورية الجاهل. والى ذلك يشير كلام الفاضل الخراساني (طاب ثراه) في الذخيرة في مسألة الصلاة مع النجاسة عامدا، حيث نقل عن بعضهم الاشكال في الحاق الجاهل بالعامد وقال


(1) سورة فصلت الآية 5 و 6. (2) سورة النساء الآية 62.


[ 42 ]

بعده: " والظاهر ان التكليف متعلق بمقدمات الفعل كالنظر والسعي والتعلم، وإلا لزم تكليف الغافل أو التكليف بما لا يطاق، والعقاب يترتب على ترك النظر، الى ان قال: ولا يخفى انه يلزم على هذا ان لا يكون الكفار مخاطبين بالاحكام وانما يكونون مخاطبين بمقدمات الاحكام، وهذا خلاف ما قرره الاصحاب، وتحقيق هذا المقام من المشكلات " انتهى. اقول: لا اشكال - بحمد الله - فيما ذكره بعد ورود الاخبار بمعذورية الجاهل حسبما مر بك مشروحا في المقدمة الخامسة، وورودها بخصوص الكافر كما نقلنا هنا، ولكنهم (قدس سرهم) يدورون مدار الشهرة في جميع الاحكام وان خلت عن الدليل في المقام، سيما مع عدم الوقوف على ما يضادها من اخبار اهل الذكر (عليهم السلام). (الرابع) - الاخبار الدالة على وجوب طلب العلم كقولهم (عليهم السلام): " طلب العلم فريضة على كل مسلم " (1) فان موردها المسلم دون مجرد البالغ العاقل. (الخامس) - انه كما لم يعلم منه (صلى الله عليه وآله) انه امر احدا ممن دخل في الاسلام بقضاء صلواته كذلك لم يعلم منه انه امر احدا منهم بالغسل من الجنابة بعد الاسلام مع انه قلما ينفك احد منهم من الجنابة في تلك الازمنة المتطاولة، ولو امر بذلك لنقل وصار معلوما كغيره، واما ما رواه في المنتهى عن قيس بن عاصم واسيد ابن حصين - مما يدل على امر النبي (صلى الله عليه وآله) بالغسل لمن اراد الدخول في الاسلام فخبر عامي (2) لا ينهض حجة. (السادس) - اختصاص الخطاب القرآني بالذين آمنوا، وورود " يا ايها


(1) المروي في الوسائل في الباب 4 من ابواب صفات القاضى. (2) في سنن البيهقى ج 1 ص 171 عن قيس بن عاصم انه " اتى النبي (ص) فاسلم فأمره ان يغتسل بماء وسدر " ورواه أبو داود في سننه ج 1 ص 98 والبغوي في مصابيح السنة ج 1 ص 37 وفى تيسير الوصول ج 3 ص 101 " اخرجه اصحاب السنن ".


[ 43 ]

الناس " في بعض وهو الاقل يحمل على المؤمنين حمل المطلق على المقيد والعام على الخاص كما هو القاعدة المسلمة بينهم. احتج العلامة (قدس سره) في المنتهي على ان الكفار مخاطبون بفروع العبادات بوجوه: (منها) - قوله سبحانه: "... ولله على الناس حج البيت... " (1) و " يا ايها الناس اعبدوا ربكم... " (2). و (منها) - ان الكفر لا يصلح للمانعية حيث ان الكافر متمكن من الاتيان بالايمان اولا حتى يصير متمكنا من الفروع. و (منها) - قوله تعالى: " لم نك من المصلين " (3) وقوله تعالى: " فلا صدق ولا صلى " (4) وقوله تعالى: "... وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة..... " (5). والجواب عن الاول بما عرفته من الاخبار الدالة على عدم التكليف الا بعد معرفة المكلف والمبلغ، وبما ذكر في الوجه الثالث والسادس. وعن الثاني انه مصادرة محضة. وعن الثالث بعد تسليم جواز الاستدلال بظواهر الآيات القرآنية، اما الآية الاولى فبالحمل على المخالفين المقرين بالاسلام، إذ لا تصريح فيها بالكفار، ويدل عليه ما ورد في تفسير الثقة الجليل علي بن ابراهيم القمي (رضي الله عنه) من تفسيرها باتباع الائمة (عليهم السلام) اي لم نك من اتباع الائمة (عليهم السلام) وهو مروي عن الصادق (عليه السلام) وفسر (عليه السلام) المصلى في الآية بمعنى الذي يلي السابق في الحلبة، قال فذلك الذي عنى حيث قال: " لم نك من المصلين " اي لم نك من اتباع


(1) سورة آل عمران الآية 97. (2) سورة البقرة الآية 21. (3) سورة المدثر الآية 44 (4) سورة القيامة الآية 31 (5) سورة فصلت الاية 5 و 6


[ 44 ]

السابقين، وعن الكاظم (عليه السلام) يعني انا لم نتول وصي محمد (صلى الله عليه وآله) والاوصياء من بعده ولم نصل عليهم. وفى هذه الاخبار واشباهها ما يؤيد ما حققناه في المقدمة الثالثة من عدم جواز المسارعة الى الاستدلال بالظواهر بدون مراجعة التفسير عنهم (عليهم السلام) واما الآية الثانية فبجواز حمل الصلاة فيها على ما دلت عليه الاخبار في الآية الاولى، فان اللفظة من الالفاظ المجملة المتشابهة المحتاج في تعيين المراد منها الى التوقيف، فالاستدلال بها والحال كذلك مردود بتصادم الاحتمالات فيها والدخول تحت قوله: " يتبعون ما تشابه منه... الآية " على ان ما ذكرنا من المعنى هو الموجود في تفسير الثقة الجليل علي بن ابراهيم كما لا يخفى على مراجعه. واما الآية الثالثة فيما عرفت في الوجه الاول من الخبر الوارد بتفسيرها. وقد جري بيني وبين بعض مشايخي المعاصرين من علماء بلادنا البحرين كلام في هذه المسألة، فاظهرت له صحيح زرارة المتقدم والخبر الوارد في تفسير قوله سبحانه: "... وويل للمشركين... " ولم يحضر ببالي في ذلك الوقت سواهما، فلم يجب عنهما بمقنع، وهو لم يرجع عن القول المشهور متمسكا بالاجماع عليه وعدم المخالف، وعلى هذا كانت طريقتهم (رضي الله عنهم) من الجمود على المشهورات سيما مع زخرفتها بالاجماعات.


الجزء التالي الصفحة الرئيسية  
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>