تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الثالث


المقصد الثالث

في الكيفية

وهي - على ما وردت به نصوص اهل الخصوص (سلام الله عليهم) - على وجهين:

(احدهما) - الترتيب، وهو غسل الرأس اولا، ومنه الرقبة من غير خلاف يعرف بين الاصحاب ولا اشكال يوصف في هذا الباب، الى ان انتهت النوبة الى جملة من متأخرى المتأخرين: منهم - الفاضل الخراساني في الذخيرة وشيخنا المحقق صاحب رياض المسائل في الكتاب المذكور، فاستشكلوا في الحكم لفقد صريح النص في الدخول وعدمه كما ذكره شيخنا المشار إليه، ووقع مثل ذلك لشيخنا المعاصر المحدث الشيخ عبد الله بن صالح البحراني (طيب الله تعالى مرقده) فاستشكل في المسألة وجعلها من المتشابهات، وطول زمام الكلام في ان الرقبة غير داخلة في غسل الرأس، وقال: ان المعروف من كتب اللغة والشرع ان الرقبة ليست من الرأس، وانه لم يعرف في كلام اهل العصمة (سلام الله عليهم) نص يتضمن دخول الرقبة في الرأس وان هذه المسألة من المسائل الاجتهادية التى افتى بها المجتهدون من غير دليل، وعين فيها الاحتياط بالجمع


[ 66 ]

بين غسلها مع الرأس حينئذ كما قاله الاصحاب وغسلها مع البدن كما استظهره. وقد اجاب الوالد (نور الله ضريحه وطيب ريحه) عن ذلك بما يطول به زمام الكلام، الا انه مع طوله لجودة محصوله مما يستحق ان يسطر في المقام، قال (قدس سره) بعد نقل كلام المحدث المشار إليه: " اقول: المفهوم من كلام علمائنا (قدس الله ارواحهم) - تصريحا في مواضع وتلويحا في اخرى بحيث لم يعلم خلاف منهم بل هو كالاجماع فيما بينهم - ان الواجب هو غسل الرقبة مع الرأس من غير فرق بين كون الرقبة جزء من الرأس أو خارجة، وكون اطلاق الرأس على ما يشمل الرقبة حقيقة على سبيل الاشتراك اللفظي أو مجازا على سبيل التبع، بل المراد انهما من حيث تعلق حكم الغسل بهما امر واحد وعضو واحد بحيث يغسلان معا بلا ترتيب بينهما ويجوز مقارنة النية لكل منهما، ولذا ترى الاصحاب (رضوان الله عليهم) تارة يقولون يجب غسل الرأس مطلقا، وتارة يقولون غسل الرأس والرقبة، وتارة غسل الرأس ومنه الرقبة، وتارة يصرحون بان الرأس والرقبة في الغسل عضو واحد، الى غير ذلك من العبارات التي غرضهم منها وقصدهم مجرد كون الرقبة تغسل مع الرأس سواء كانت جزء من الرأس أو خارجة عند، فلا فائدة حينئذ في هذا الخلاف بعد تصريح الاصحاب بل اتفاقهم على غسلها مع الرأس. ولنعم ما قال شيخنا في بعض مؤلفاته: " ولا ثمرة في هذا الخلاف بعد الاتفاق على عدم الترتيب بينهما " انتهى وهو - كما ترى - صريح في الاجماع على غسلها مع الرأس، ويؤيد ذلك ما صرح به بعض المحققين من علمائنا المتأخرين، حيث قال: " ان الرأس عند الفقهاء (رضوان الله عليهم) يقال على معان:

(الاول) - كرة الرأس التي هي منبت الشعر وهو رأس المحرم.

(الثاني) - انه عبارة عن ذلك مع الاذنين وهو رأس الصائم.

(الثالث) - انه ذلك مع الوجه وهو رأس الجناية في الشجاج.

(الرابع) - انه ذلك كله مع الرقبة وهو رأس المغتسل " انتهى كلامه زيد اكرامه، وهو صريح في ان الرأس في الغسل عند الفقهاء عبارة عما يشمل الرقبة، وكأنه حقيقة عرفية عندهم في ذلك. وظاهره الاجماع على ذلك


[ 67 ]

كما يفهم من الجمع المحلى. وانت خبير بان جميع تلك المعاني المذكورة للرأس مفهومة من الاخبار المروية عن العترة الاطهار، كما لا يخفى على من جاس خلال تلك الديار ونظر بعين التأمل والاعتبار، لا انه مجرد اجتهاد بحت وقول على الله بلا دليل، كما زعمه ذلك الفاضل الجليل نسجا منه على منوال طائفة من المتأخرين قد سموا انفسهم بالاخباريين. وادعوا انهم وفقوا لتحصيل الحق واليقين واطلعوا على اسرار الدين التي قد خفيت على المجتهدين، كما يتبجح به مقدمهم في ذلك صاحب الفوائد محمد امين ومما يمكن ان يستدل به من الاخبار على دخول الرقبة في حكم غسل الرأس حسنة زرارة المذكورة آنفا (1) حيث قال (عليه السلام): "... ثم صب على رأسه ثلاث اكف ثم صب على منكبه الايمن مرتين وعلى منكبه الايسر مرتين... " فان الخبر - كما ترى - ظاهر الدلالة بل صريح في دخول الرقبة في غسل الرأس، إذ لا تدخل في المنكبين قطعا، ولا تبقى متروكة بلا غسل قطعا، ولا تغسل عضوا واحدا بانفرادها قطعا، فتحتم دخولها في غسل الرأس وهو المطلوب، سواء كان اسم الرأس شاملا لها حقيقة ام مجازا، فلا يلتفت اذن الى ما ذكره المعاصر (سلمه الله) واستظهره من خروج الرقبة عن الرأس كما عرفته، واستناده - فيما استظهره الى انه المعروف في كتب اللغة والشرع - وهم ظاهر، لان غاية ما قاله اهل اللغة ان رأس الانسان معروف، وهو لا يفهم منه شئ، واما في كتب الشرع فان اراد بها كتب الفقهاء فقد عرفت دلالتها على دخول الرقبة في حكم غسل الرأس تصريحا في مواضع وتلويحا في اخرى، وان اراد بها كتب الاخبار فلا يخفى انه ليس في شئ دلالة ظاهرة فضلا عن الصريحة على خروجها عن حكم غسل الرأس، بل فيها ما هو صريح في دخولها كحسنة زرارة المذكورة آنفا، اما ما في صحيحة يعقوب بن يقطين (2) من عطف الوجه على الرأس لقوله (عليه السلام): "... ثم يصب الماء على


(1) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة. (2) المروية في الوسائل في الباب 34 من ابواب الجنابة.


[ 68 ]

رأسه وعلى وجهه وعلى جسده كله... " فالظاهر ان المراد به التنصيص على غسل الوجه من قبيل عطف الجزء على الكل، لا لكونه خارجا عن اسم الرأس وان غسل الرأس لا يشمله لو لم يذكر حتى تكون الرقبة خارجة عن غسل الرأس بالطريق الاولى، إذ لو تم ذلك لزم الاخلال بذكر غسل الوجه في الاخبار الخالية عن التصريح بالوجه مع ورودها في معرض البيان وجواب السؤال عن كيفية الغسل، فلا مندوحة عن التزام دخوله في الرأس البتة كالتزام دخول الرقبة فيه في حسنة زرارة بل في سائر الاخبار. هذا. والعجب منه (سلمه الله) انه جعل المسألة من المتشابهات، والظاهر انه عنى بها - كما فسره جماعة من الاخباريين - ما حصل فيه الاشتباه في نفس الحكم الشرعي بحيث لم يعلم وجهه ولذا عين فيها الاحتياط، والحال انه استظهر خروج الرقبة عن حكم غسل الرأس كما هو صريح عبارته، فان كان هذا الاستظهار علم مأخذه من الاخبار وظهر لديه صحته من الآثار، فالواجب عليه العمل بمقتضاه وعدم الالتفات الى ما سواه، فمن اين يجب إذ ذاك الاحتياط ؟ ومن اين تكون المسألة من المتشابهات التي حصل فيها الاشتباه ؟ إذ مع الاستظهار للخروج لا اشتباه في الحكم الشرعي عنده، نعم الاحتياط امر راجح للخروج عن عهدة التكليف على اليقين لكنه ليس بواجب على التعيين الا مع عدم ظهور الحكم الشرعي واشتباهه، وان كان منشأ هذا الاستظهار مجرد التخمين والاعتبار من غير دليل واضح من الاخبار، فهو خلاف ما يتفوه به (سلمه الله) من عدم تعدي الآثار والوقوف على مقتضى ما ورد عن الائمة الاطهار، وبالجملة فالمسالة ليست من الشبهات كما اعاه (سلمه الله) اما عندنا فلحكمنا يل جزمنا بدخول الرقبة في حكم غسل الرأس كما حققناه فيما سلف، واما عنده فلتصريحه باستظهار خروجها عن غسل الرأس والشبهة لا تجامع ظهور احد الطرفين كما هو ظاهر " انتهى كلام الوالد عطر الله مرقده. اقول: حيث كان شيخنا المحدث الصالح (قدس سره) شديد التصلب في مذهب الاخباريين اجترأ قلمه على المجتهدين، وكان الوالد (نور الله تربته) شديد


[ 69 ]

التعصب للمجتهدين جرى قلمه بالتعريض بالاخباريين، وقد عرفت في المقدمة الثانية عشرة من مقدمات الكتاب ما هو الاليق بالعلماء الاتجاب، من سد هذا الباب حذرا من طغيان الاقلام بمثل هذا الخطاب، وانجراره للقدح في العلماء الاطياب، وارتكاب مخالفة السنة في ذلك والكتاب، وقد اخبرني بعض الثقات انه بعد وقوف المحدث الصالح على كلام الوالد (قدس سرهما) رجع عما هو عليه الى موافقة الاصحاب، وحينئذ فالظاهر ان ما ذهب إليه ناشئ عن عدم التأمل في المسألة وملاحظة ادلتها. واما الفاضلان الآخران فظاهر كلاميها يؤذن بالوقوف على الحسنة المتقدمة لكنهما يدعيان عدم صراحتها في الحكم المذكور. وفيه ما عرفت من كلام الولد (قدس سره) اقول: ومما يستأنس به لدخول الرقبة في غسل الرأس ظاهر موثقة سماعة (1) حيث قال فيها: "... ثم ليصب على رأسه ثلاث مرات مل ء كفيه ثم يضرب بكف من ماء على صدره وكف بين كتفيه ثم يفيض الماء على جسده كله... الحديث ". ثم ان وجوب الترتيب بين غسل الرأس والبدن مما انعقد عليه اجماعنا واستفاضت به اخبارنا، وربما نقل عن الصدوقين وابن الجنيد العدم، الا ان كلام الفقيه في صدر الباب فيما نقله عن ابيه في رسالته إليه وان اشعر بذلك، حيث انه في بيان الكيفية عطف البدن على الرأس بالواو، الا انه في آخر الباب قال فيما نقله عن الرسالة ايضا: " فان بدأت بغسل جسدك قبل الرأس فاعد الغسل على جسدك بعد غسل رأسك " وهذا الكلام وما قبله مما اسنده الى رسالة ابيه عين عبارة كتاب الفقه الرضوي، وبذلك يظهر لك ما في كلام صاحب المدارك من توهم عدم اعتبار الصدوقين الترتيب هنا لعدم تعرضهما له في بيان الكيفية مع اشمال ما ذكراه على الواجب والمستحب، ولهذا ان جملة من متأخرى المتأخرين انما نقلوا خلاف الصدوقين وابن الجنيد في نفس البدن. ومما يدل على وجوب الترتيب هنا من الاخبار حسنة زرارة (2) قال: " قلت كيف


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 26 من ابواب الجنابة.


[ 70 ]

يغتسل الجنب ؟ فقال: ان لم يكن اصاب كفه شئ غمسها في الماء ثم بدأ بفرجه فانقاه بثلاث غرف ثم صب على رأسه ثلاث اكف ثم صب على منكبه الايمن مرتين وعلى منكبه الايسر مرتين، فما جرى عليه الماء فقد اجزأه " وقد رواه في المعتبر عن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) وحينئذ فيخرج عن وصمة الاضمار الذي ربما طعن به في الاخبار ولعله (قدس سره) نقله عن بعض الاصول القديمة التي كانت عنده. وصحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " سألته عن غسل الجنابة. فقال: تبدأ بكفيك فتغسلهما ثم تغسل فرجك، ثم تصب على رأسك ثلاثا ثم تصب على سائر جسدك مرتين، فما جرى عليه الماء فقد طهر ". وموثقة سماعة المتقدمة آنفا (2) وحسنة زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " من اغتسل من جنابة فلم يغسل رأسه ثم بدا له ان يغسل رأسه لم يجد بدا من اعادة الغسل ". ومقطوعة حريز (4) قال فيها: " وابدأ بالرأس ثم أفض على سائر جسدك... الحديث " واما ما ورد بازاء هذه الاخبار مما يدل بظاهره على عدم وجوب الترتيب مطلقا - كصحيحة زرارة (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجنابة فقال: تبدأ فتغسل كفيك ثم تفرغ بيمينك على شمالك فتغسل فرجك ومرافقك ثم تمضمض واستنشق، ثم تغسل جسدك من لدن قرنك الى قدميك، ليس بعده ولا قبله وضوء، وكل شئ امسسته الماء فقد انقيته... الحديث ". وصحيحة احمد بن محمد (6) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن غسل الجنابة. فقال: تغسل يدك اليمنى، الى ان قال: ثم أفض على رأسك وجسدك، ولا وضوء فيه ".


(1) و (5) و (6) المروية في الوسائل في الباب 26 من ابواب الجنابة. (2) ص 69 (3) المروية في الوسائل في الباب 28 من أبواب الجنابة. (4) المروية في الوسائل في الباب 33 من ابواب الوضوء.


[ 71 ]

وصحيحة يعقوب بن يقطين عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) وفيها " ثم يصب الماء على رأسه وعلى وجهه وعلى جسده كله ثم قد قضى الغسل ولا وضوء عليه " فان ظاهرها من حيث اطلاقها واجمالها وورودها في مقام البيان وجواب السؤال عن الكيفية عدم وجوب الترتيب بين الرأس والجسد - فمقتضى الجمع بينه وبين ما تقدم تقييد اطلاق هذه الاخبار بالاخبار المتقدمة كما هو مقتضى القاعدة المسلمة. واما ما ورد في صحيحة هشام بن سالم (2) - قال: " كان أبو عبد الله (عليه السلام) فيما بين مكة والمدينة ومعه ام اسماعيل فاصاب من جارية له فأمرها فغسلت جسدها وتركت رأسها... الحديث " ففيه ان هشام المذكور قد روى القصة المشار إليها في الصحيح عن محمد بن مسلم (3) قال: " دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) فسطاطه وهو يكلم امرأة فابطأت عليه، فقال: ادن هذه ام اسماعيل جاءت وانا ازعم ان هذا المكان الذي احبط الله فيه حجها عام اول، كنت اردت الاحرام فقلت ضعوا لي الماء في الخباء، فذهبت الجارية بالماء فوضعته فاستخففتها فاصبت منها، فقلت اغسلي رأسك وامسحيه مسحا شديدا لا تعلم به مولاتك فإذا اردت الاحرام فاغسلي جسدك ولا تغسلي رأسك فتستريب مولاتك، فدخلت فسطاط مولاتها فذهبت تتناول شيئا فمست مولاتها رأسها فإذا لزوجة الماء فحلقت رأسها وضربتها، فقلت لها هذا المكان الذي احبط الله فيه حجك " ومن ثم حمل الشيخ (رحمه الله) ومن تأخر عنه الخبر الاول على وهم الراوي في النقل وغلطه. واحتمل شيخنا صاحب رياض المسائل ان يكون الغسل المأمور فيه بغسل الجسد اولا وترك الرأس ليس غسل الجنابة بل غسل الاحرام، كما اشعرت به الرواية الثانية


(1) المروية في الوسائل في الباب 34 من أبواب الجنابة. (2) رواه في الوسائل في الباب 28 من ابواب الجنابة. (3) رواها في الوسائل في الباب 29 من ابواب الجنابة.


[ 72 ]

حيث قال فيها: " فإذا اردت الاحرام فاغسلي جسدك ولا تغلسي رأسك " قال: " وهو لا يشترط فيه الترتيب عندنا لعدم الدليل عليه ". اقول: ولعله - وان كان بعيدا - اقرب من الحمل على السهو والغلط، لايجابه القدح في الراوي المذكور بعدم التثبت في النقل الذي ربما قدح في العدالة، مع ان الرجل المذكور من اجلاء الرواة ومعتمديهم. ويمكن ايضا ان يقال - ولعله الاقرب - ان المأمور به منه (عليه السلام) غير مذكور، ولعل فعلها من غسل الجسد وترك الرأس كان خطأ منها وخلاف ما امرت به ثم انه (عليه السلام) امرها بغسل رأسها وقت الركوب وتاخير غسل البدن الى وقت آخر وان لم ينقله الراوي في تتمة الكلام، إذ لعل همه انما تعلق بنقل ما وقع من ام اسماعيل وما انكر به (عليه السلام) عليها. واما الترتيب في الجسد بين يمينه ويساره بتقديم الاول على الثاني فهو المشهور بين اصحابنا بل ادعى عليه الاجماع الا ان كلام الصدوق وكذا ابن الجنيد على ما نقل عنه خال منه، والمنقول ايضا عن ابن ابي عقيل عطف الايسر على الايمن بالواو كما في الاخبار وقد اعترض ذلك المحقق في المعتبر، حيث قال: " واعلم ان الروايات قد دلت على وجوب تقديم الرأس على الجسد، واما اليمين على الشمال فغير صريحة بذلك، ورواية زرارة دلت على تقديم الرأس على اليمين، ولا تدل على تقديم اليمين على الشمال، لان الواو لا تقتضي ترتيبا، فانك لو قلت: " قام زيد ثم عمرو وخالد " دل ذلك على تقديم قيام زيد على عمرو، واما تقديم عمرو على خالد فلا، ولكن فقهائنا اليوم باجمعهم يفتون بتقديم اليمين على الشمال ويجعلونه شرطا في صحة الغسل، وقد افتى بذلك الثلاثة واتباعهم " انتهى. وهو جيد وعلى حذوه جرى جملة من متأخرى المتأخرين. احتج شيخنا الشهيد الثاني في الروض على وجوب الترتيب هنا بان هذه الروايات وان دلت صريحا على تقديم الرأس على غيره لعطف اليمين عليه ب‍ " ثم " الدالة على التعقيب


[ 73 ]

لكن تقديم الايمن على الايسر استفيد من خارج ان لم نقل بافادة الواو الترتيب كما ذهب إليه الفراء، بل على الجمع المطلق اعم من الترتيب وعدمه كما هو رأى الجمهور، إذ لا قائل بوجوب الترتيب في الرأس دون البدن والفرق احداث قول ثالث، ولان الترتيب قد ثبت في الطهارة الصغرى على هذا الوجه وكل من قال بالترتيب فيها قال بالترتيب في غسل الجنابة، فالفرق مخالف للاجماع المركب فيهما، وما ورد من الاخبار اعم من ذلك يحمل مطلقها على مقيدها. انتهى. ولا ريب في ضعف هذا الكلام لدخوله في باب المجازفة في احكام الملك العلام. واستدل ايضا بوجوه اخر لا فائدة في التطويل بذكرها. ولا بأس ببسط جملة من الاخبار الواردة في هذا المضمار زيادة على ما قدمناه ليظهر للناظر حقيقة الحال وجلية المقال: فمن ذلك صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " سألته عن غسل الجنابة. فقال: تبدأ بكفيك فتغسلهما ثم تغسل فرجك ثم تصب على رأسك ثلاثا ثم تصب على سائر جسدك مرتين، فما جرى عليه الماء فقد طهر ". وموثقة ابي بصير أو صحيحته (2) على الخلاف فيه وان كان الارجح الثاني قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجنابة. فقال: تصب على يديك الماء فتغسل كفيك ثم تدخل يدك فتغسل فرجك ثم تتمضمض وتستنشق وتصب الماء على رأسك ثلاث مرات وتغسل وجهك، وتفيض على جسدك الماء ". وصحيحة حكم بن حكيم (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجنابة. فقال: أفض على كفك اليمنى من الماء فاغسلها، ثم اغسل ما اصاب جسدك من اذى ثم اغسل فرجك، وافض على رأسك وجسدك فاغتسل، فان كنت في مكان


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 26 من ابواب الجنابة.


[ 74 ]

نظيف فلا يضرك ان لا تغسل رجليك، وان كنت في مكان ليس بنظيف فاغسل رجليك... الحديث ". الى غير ذلك من الاخبار الواردة على هذا المنوال، وكلها - كما ترى - جارية على خلاف ما ذكروه. الا ان للوالد (نور الله تعالى تربته واعلى رتبته) هنا تحقيقا حسنا لم اعثر عليه لاحد قبله في المقام، به يندفع الايراد عما هو المشهور بين علمائنا الاعلام. قال - (طيب الله مرقده) بعد نقل جملة من الاخبار وشطر من كلام علمائنا الابرار - ما صورته: " هذا وقد يستدل على وجوب الترتيب - كما هو المشهور - بالاخبار الواردة في غسل الميت الصريحة في الترتيب مضافا الى الاخبار الواردة بان غسل الميت كغسل الجنابة، وحينئذ فيستفاد من مجموع الاخبار ان غسل الجنابة مرتب، اما الروايات بالترتيب في غسل الميت فكثيرة، كرواية يونس ورواية عبد الله الكاهلي ورواية عمار بن موسى وغيرها (1) واما الروايات المتضمنة ان غسل الميت كغسل الجنابة فكثيرة ايضا، كرواية محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " غسل الميت كغسل الجنابة... " ورواية محمد بن سليمان الديلمي عن ابيه عن ابي عبد الله (3) قال في حديث: " ان رجلا سأل ابا جعفر (عليه السلام) عن الميت لم يغسل غسل الجنابة ؟ قال: إذا خرجت الروح من البدن خرجت النطفة التي خلق منها بعينها منه كائنا ما كان صغيرا كان أو كبيرا ذكرا أو انثى، فلذلك يغسل غسل الجنابة... " وفى حديث عن الكاظم (عليه السلام) (4) وقد سئل عن الميت لم يغسل غسل الجنابة ؟ فذكر حديثا يقول فيه: " إذا مات الميت سالت منه تلك النطفة بعينها - يعني التي خلق منها - فمن صار يغسل غسل الجنابة " وروي الصدوق (5) قال: " سئل الصادق (عليه السلام) لاي علة يغسل الميت ؟ قال:


(1) المروية في الوسائل في الباب 2 من ابواب غسل الميت. (2) و (3) و (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب 3 من ابواب غسل الميت.


[ 75 ]

تخرج منه النطفة التي خلق منها، تخرج من عينيه أو من فيه... الحديث " وفى كتاب العلل (1) قال: " سألت ابا جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) عن غسل الميت لاي علة يغسل ولاي علة يغتسل الغاسل ؟ قال: يغسل الميت لانه جنب... الحديث " الى غير ذلك من الاخبار الصريحة في ان الكيفية والترتيب الثابتين في غسل الاموات هما بعينهما الثابتان في غسل الجنابة، معللا ذلك بان الميت جنب لخروج النطفة التي خلق منها منه فاوجب ذلك تغسيله غسل الجنابة، وذلك صريح في الدلالة على ان غسل الجنابة مرتب كما لا يخفى على ذي الذوق السليم والذهن المستقيم، ويمكن ان يجعل ذلك من قبيل الاستدلال بالشكل الثالث، هكذا: غسل الميت غسل الجنابة، وغسل الميت مرتب، ينتج غسل الجنابة مرتب وهو المطلوب. (فان قلت): ان المعلوم الثابت من الحديث - خصوصا الاول - ان غسل الاموات كغسل الجنابة، والمشابهة لا تقتضي المساواة من كل وجه بل تحقق المشاركة في الجملة كاف (قلت): ان ذا الذوق السليم إذا تأمل مضمون هذه الاخبار وما اشتملت عليه من التعليل لا يشك في ان الكيفية الترتيبية الثابتة في غسل الاموات مطابقة للكيفية الثابتة في غسل الجنابة، كما هو قضية الحكم بكونه غسل جنابة وقضية التعليل بخروج النطفة منه وقت خروج روحه، ولذا ورد في الخبر المذكور في العلل ان الميت جنب، ومع تمام هذا الاستدلال يؤيد بالاجماع المنقول عن الشيخ (رحمه الله) فلا يبعد تقييد اطلاق تلك الاخبار بذلك، فتأمل المقام فانه حرى بالتأمل التام " انتهى كلامه رفعت في اوج العلا اعلامه. اقول: ومن الاخبار الدالة على ما ذكره الوالد زيادة على ما نقله (قدس سره) ما رواه في كتاب العلل وعيون الاخبار عن الرضا (عليه السلام) (2) في العلل التي رواها عنه محمد بن سنان في حديث قال فيه: " وعلة اخرى انه يخرج منه الاذى الذي


(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب غسل الميت. (2) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب غسل الميت.


[ 76 ]

منه خلق فيجنب فيكون غسله له... الحديث ". وما رواه ايضا في كتاب العلل بسنده عن عباد بن صهيب عن جعفر بن محمد عن ابيه (عليهما السلام) (1) انه " سئل ما بال الميت يغسل ؟ قال النطفة التي خلق منها يرمى بها ". وما رواه فيه ايضا بسنده الى عبد الرحمان بن حماد (2) قال: " سألت ابا ابراهيم (عليه السلام) عن الميت لم يغسل غسل الجنابة ؟ قال: ان الله تبارك وتعالى، وساق الحديث الى ان قال: فإذا مات سالت منه تلك النطفة بعينها لا غيرها فمن ثم صار الميت يغسل غسل الجنابة ". وانت خبير بان مقتضى هذه الاخبار المستفيضة - من حيث التعليل بكون الميت جنبا في بعض وبخروج النطفة في بعض - ان غسل الميت في الحقيقة غسل جنابة، ولا ينافيه التشبيه الرافع في صحيحة محمد بن مسلم لاشعاره بالمغايرة، إذ الظاهر ان المراد منه الايماء الى ما ذكر من العلة والا لم يكن لتخصيص التشبيه به نكتة، ولكن حيث كان اندراج غسل الميت في غسل الجنابة خفيا لخفاء علته، صح التشبيه للمغايرة بين طرفي التشبيه، إذ المعنى ان غسل الميت كغسل الجنابة المتعارف يومئذ لكونهما فردين من افراد غسل الجنابة الواقعي، والمغايرة بين افراد الماهية واضحة، وحينئذ فالظاهر ان خروج بعض الاخبار - الواردة في بيان الكيفية بالواو في عطف الايسر على الايمن، أو مشتملة على ذكر الجسد بعد الرأس من غير تعرض للجانبين - اعتماد على معلومية الحكم في زمانهم (صلوات الله عليهم) كما تقدم في الترتيب بين الرأس والجسد، فليحمل مطلقها على مقيدها في الموضعين، والى القول بالترتيب كما هو المشهور يميل كلام المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (قدس سره) في كتاب الوسائل.

و (ثانيهما) - الارتماس، وهو عند الاصحاب (رضوان الله عليهم) عبارة عن الدخول تحت الماء دفعة واحدة عرفية. قالوا: ولا ينافي الدفعة الاحتياج الى التخليل


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب غسل الميت، ولا يخفى ان حديث عبد الرحمان هو عين ما ذكره والده (قدهما) عن الكاظم (ع).


[ 77 ]

لو كان كثيف الشعر أو كان لجلده مكاسر أو نحو ذلك، لعدم امكان التخلص عن مثل هذه الاشياء عادة، ولا خلاف بينهم في قيامه مقام الترتيب المتقدم ذكره. والاصل في ذلك الاخبار الواردة عن اهل الذكر (سلام الله عليهم): ومنها - صحيحة زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال في حديثه المتقدم: "... ولو ان رجلا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة اجزأه ذلك وان لم يدلك جسده " وحسنة الحلبي (2) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة اجزأه ذلك من غسله ". ورواية السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " قلت له: الرجل يجنب فيرتمس في الماء ارتماسة واحدة ويخرج يجزئه ذلك عن غسله ؟ قال: نعم ". وصحيحة الحلبي (4) قال: " حدثني من سمعه - يعني ابا عبد الله (عليه السلام) - يقول: إذا اغتمس الجنب في الماء اغتماسة واحدة اجزأه ذلك من غسله ". وظاهر هذه الاخبار ان الارتماس رخصة وتخفيف والاصل هو الترتيب، كما يؤمى إليه لفظ الاجزاء من غسله اي بدل غسله المعهود، ف‍ " من " فيه مثلها في قوله سبحانه "..... أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة... " (5) اي بدلا من الاخرة، ولهذا جعل بعض محدثي متأخرى المتأخرين الترتيب افضل. وظاهر اشتراط الدفعة الواحدة العرفية - كما عرفت من كلام الاصحاب - انه لو حصل نوع تأن ينافي ذلك بطل الغسل، ولعلهم استندوا في اعتبار الدفعة المذكورة الى قولهم (عليهم السلام) في الاخبار المذكورة: " ارتماسة واحدة " والذي يظهر عند التأمل في الاخبار المشار إليها ان الظاهر ان المراد بالارتماسة الواحدة انما هو المقابلة بالارتماسات المتعددة، وبيان ذلك انه حيث كان الغسل الاصلي الذي استفاضت به


(1) و (2) و (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب 26 من ابواب الجنابة. (5) سورة المائدة الآية 38.


[ 78 ]

الاخبار وفعله النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام) من بعده انما هو الترتيبي الذي هو عبارة عن التعدد في الغسل مرتين أو ثلاثا، والغسل الارتماسي انما وقع رخصة كما عرفت، نبه (عليه السلام) على انه لا يحتاج في الغسل الارتماسي الى رمس كل عضو على حدة أو الى ارتماسات متعددة لاجل كل عضو، بل تكفي ارتماسة واحدة، فالوحدة هنا احتراز عن التعدد المعتبر في الغسل الاصلي لا بمعنى الدفعة، وحينئذ فلو حصل فيها تأن ينافي الدفعة العرفية لم يضر بصحة الغسل، الا ان ما ذكروه (رضوان الله عليهم) احوط. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الظاهر انه لا ترتيب حكميا في الغسل الارتماسي كما هو اختيار الشيخ في المبسوط، ونقل فيه عن بعض الاصحاب انه يترتب حال الارتماس حكما، قال شيخنا الشهيد في الذكرى بعد نقله ذلك عنه: " وما نقله الشيخ يحتمل امرين: (احدهما) - وهو الذي عقله عنه الفاضل انه يعتقد الترتيب حال الارتماس، ويظهر ذلك من المعتبر حيث قال: وقال بعض الاصحاب يرتب حكما. فذكره بصيغة الفعل المتعدي وفيه ضمير يعود الى المغتسل، ثم احتج بان اطلاق الامر لا يستلزم الترتيب والاصل عدم وجوبه، فيثبت في موضع الدلالة، فالحجة تناسب ما ذكره الفاضل. (الامر الثاني) - ان الغسل بالارتماس في حكم الغسل المرتب بغير الارتماس، وتظهر الفائدة لو وجد لمعة مغفلة فانه يأتي بها وبما بعدها، ولو قيل بسقوط الترتيب بالمرة اعاد الغسل من رأس لعدم الوحدة المذكورة في الحديث، وفيما لو نذر الاغتسال مرتبا فانه يبرأ بالارتماس. لا على معنى الاعتقاد المذكور لانه ذكره بصورة اللازم المسند الى الغسل اي يترتب الغسل في نفسه حكما وان لم يكن فعلا، وقد صرح في الاستبصار بذلك لما اورد وجوب الترتيب في الغسل واورد اجزاء الارتماس، فقال: لا ينافي ما قدمناه من وجوب الترتيب لان المرتمس يترتب حكما وان لم يترتب فعلا، لانه إذا خرج من الماء حكم له اولا بطهارة رأسه ثم جانبه الايمن ثم جانبه الايسر، فيكون على هذا التقدير مرتبا،


[ 79 ]

قال: ويجوز ان يكون عند الارتماس يسقط مراعاة الترتيب كما يسقط عند غسل الجنابة فرض الوضوء. قلت: هذا محافظة على وجوب الترتيب المنصوص عليه بحيث إذا ورد ما يخالفه ظاهرا اول بما لا يخرج عن الترتيب، ولو قال الشيخ إذا ارتمس حكم له اولا بطهارة رأسه ثم الايمن ثم الايسر ويكون مرتبا، كان اظهر في المراد، لانه إذا خرج من الماء لا يسمى مغتسلا، وكأنه نظر الى انه ما دام في الماء ليس الحكم بتقدم بعض على الآخر اولى من عكسه، لكن هذا يرد في الجانبين عند خروجه إذ لا يخرج جانب قبل آخر " انتهى كلام الذكرى. اقول: والظاهر ان اصل القول المذكور وما وجه به من الاحتمالين وفرع عليه من الفائدتين تكلف محض في البين: (اما اولا) - فلان صريح الاخبار الواردة في المسألة الدلالة على اجزاء الارتماس دفعة واحدة وفراغ الذمة به من الغسل الواجب، وهو بيان لاحد نوعي الغسل، فانه كما يقع ترتيبا - كما تقدم - يقع ارتماسا، فلا حاجة الى الجمع بين الاخبار الطرفين كما ذكره الشيخ (قدس سره) ووجهه في الذكرى بانه محافظة على وجوب الترتيب المنصوص، إذ لا دلالة في اخبار الترتيب على الاختصاص والحصر فيه ليحتاج الى حمل هذه الاخبار على الترتيب الحكمي كما ذكروه. و (اما ثانيا) - فلانه لا معنى لهذا الترتيب الحكمي بكلا معنييه، اما ما ذكره الشيخ في الاستبصار فيما اورده عليه في الذكرى، واما ما ذكره الفاضلان فلان قصد الترتيب واعتقاده فيما لا ترتيب فيه خارجا غير معقول، ومن ذلك يعلم حال التفريع على القولين. إذا عرفت ذلك فاعلم ان مورد اخبار الارتماس غسل الجنابة خاصة، وظاهر الاصحاب (رضوان الله عليهم) تعدية الحكم الى ما عداه من الاغسال، والظاهر انه من باب العمل بتنقيح المناط القطعي لعدم معلومية الخصوصية للجنابة في المقام، قال شيخنا الشهيد (قدس سره) في الذكرى - بعد ايراد روايتي زرارة والحلبي المتقدمتين - ما لفظه: " والخبران وان وردا في غسل الجنابة ولكن لم يفرق احد بينه وبين غيره.


[ 80 ]

من الاغسال " انتهى. وايده بعضهم برواية الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " غسل الجنابة والحيض واحد " اقول: ويؤيده ايضا الاخبار المتظافرة بان غسل الميت كغسل الجنابة كما تقدم بيانه.

وتنقيح البحث في هذا المقصد يتم برسم مسائل:

(الاولى) - اجرى الشيخ في المبسوط الوقوف تحت المجرى والمطر الغزير مجرى الارتماس في سقوط الترتيب، ونقل ذلك عن العلامة في جملة من كتبه، وطرد الحكم في التذكرة في الميزاب وشبهه، ونقل عن بعض الاصحاب انه اجرى الصب من الاناء الشامل للبدن مجرى ذلك ايضا، قال في الذكرى: " وهو لازم للشيخ ايضا " ومنع ابن ادريس من ذلك وخص الحكم بالارتماس بالدخول تحت الماء دون هذه المذكورات، واليه يشير كلام المحقق في المعتبر كما سيأتي والاصل في هذه المسألة صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل يجنب هل يجزيه من غسل الجنابة ان يقوم في المطر حتى يغسل رأسه وجسده وهو يقدر على ما سوى ذلك ؟ فقال: ان كان يغسله اغتساله بالماء اجزأه ذلك ". ومرسلة محمد بن ابي حمزة عن رجل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3): " في رجل اصابته جنابة فقام في المطر حتى سال على جسده أيجزيه ذلك من الغسل قال نعم " قال في المعتبر بعد نقل صحيحة علي: " وهذا الخبر مطلق وينبغي ان يقيد بالترتيب في الغسل " وجعله في الذكرى احوط، وقربه بعض فضلاء متأخرى المتأخرين بناء على اعتبار ما دل على وجوب الترتيب في غسل الجنابة، لعموم دلالته الا ما خرج بالاخبار المختصة بالارتماس من كونه بالدخول تحت الماء فيكون غيره داخلا تحت العموم. اقول: وقد تلخص من ذلك ان هنا شيئين: (احدهما) - ان الغسل بالمطر هل يقع ترتيبا وارتماسا أو يخص بالترتيب ؟ فالشيخ ومن تبعه على الاول وابن ادريس


(1) المروية في الوسائل في الباب 23 من ابواب الحيض (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 26 من ابواب الجنابة.


[ 81 ]

ومن تبعه على الثاني، وانت خبير بان ظاهر الخبرين المذكورين لا يأبى الانطباق على كلام الشيخ (رحمه الله) فان قوله في الخبر الاول -: " ان كان يغسله اغتساله بالماء اجزأه ؟ وتقييده الاجزاء في الثاني بالسيلان على جسده - لا يأبي ان يكون الاغتسال به ارتماسا مع كثرته وحصول الدفعة العرفية سيما على ما فسرنا به الدفعة آنفا، وترتيبا ان لم يكن كذلك، فيجوز للمغتسل قصد الارتماس به على الاول والترتيب على الثاني، ولعل في ذكر الشيخ الغزارة في عبارة المبسوط اشارة الى ذلك. والى ما ذكرنا يشير كلام شيخنا البهائي وشيخنا المحقق في كتاب الحبل المتين ورياض المسائل. وما يوهمه كلام ذلك الفاضل - من عموم ادلة الترتيب الا ما خرج بالدليل - فيه ان الادلة المشار إليها لا عموم فيها بل بالخصوص انسب، لدلالة اكثرها على ان الغسل بالاعتراف من الاواني القليلة المياه، وما يوهمه اطلاق بعضها في ذلك يمكن حمله على المقيد منها، فلا دلالة حينئذ على حكم الاغتسال بغير ذلك الفرد. و (ثانيهما) - انه هل يحلق بالمطر على تقدير جواز الارتماس به ما ذكر من تلك الاشياء ام لا ؟ اشكال ينشأ من فقد النص عليه بخصوصه، لاختصاص الخبرين المذكورين بالمطر مع ما عرفت من المناقشة في الدلالة ايضا، ومن العلة المشار إليها بالتعليق على الشرط في قوله في صحيحة على: " ان كان يغسله اغتساله بالماء اجزأه " واطلاق قوله في صحيحة زرارة (1): " الجنب ما جرى عليه الماء من جسده قليله وكثيره فقد اجزأه " وما يقرب منه ويؤدي مؤداه، فانه علق الاجزاء على جريان الماء على الجسد مطلقا، فإذا جرى دفعة باي وجه وجب الحكم بالاجزاء وعدم الافتقار الى الترتيب. ولعله الاقرب.

(الثانية) - هل يجب في الغسل ارتماسا في الماء الكثير الخروج من الماء بالكلية ثم القاء نفسه فيه دفعة، ام يجوز وان كان بعضه في الماء بحيث ينوي ويدفع نفسه الى موضع آخر تحت الماء على وجه تختلف عليه سطوح الماء ؟ ظاهر كلام جملة من متأخرى


(1) المروية في الوسائل في الباب 31 من أبواب الجنابة.


[ 82 ]

المتأخرين: منهم - الفاضل الخراساني في الكفاية وشيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله ابن صالح البحراني (عطر الله مرقديهما) الاول، والمفهوم من كلام الاصحاب - كما تقدم في مسألة الماء المستعمل في الحدث الاكبر من نقل شطر من عبائرهم الدالة على النية بعد الارتماس في الماء - هو الثاني، وهو الذي سمعته من والدي (عطر الله مرقده) غير مرة، وهو الظاهر عندي: (اما اولا) - فلاطلاق الاخبار الواردة بالارتماس (1) فانها اعم من ان يكون المرتمس خارج الماء بكله أو بعضه. و (اما ثانيا) - فلان الغسل المأمور به شرعا ليس الا عبارة عن غسل البشرة المقارن للنية، والغسل ليس الا عبارة عن جرى جزء من الماء على جزءين من البشرة بنفسه أو بمعاون كما صرح به الاصحاب (رضوان الله عليهم) ولا يخفى حصول جميع ذلك في موضع البحث، فان المغتسل متى كان بعضه في الماء بل كله وقصد الغسل ثم دفع نفسه الى موضع آخر بحيث اختلفت عليه سطوح الماء الذي به يتحقق الجريان، فقد حصل الغسل المطلوب شرعا. ولم اقف لاحد من الاصحاب (رضوان الله عليهم) على كلام في هذا المقام سوى الفاضل الشيخ علي سبط شيخنا الشهيد الثاني، فانه قال في كتاب الدر المنظوم والمنثور بعد نقل كلام في المقام: " وما احدث في هذا الزمان - من كون الانسان ينبغي ان يلقي نفسه في الماء بعد ان يكون جميع جسده خارجا عنه - ناشئ عن الوسواس المأمور بالتحرز منه، ومن توهم كون الارتماس في الماء يدل على ذلك. وهذا ليس بسديد، لان الارتماس في الماء يصدق على من كان في الماء بحيث يبقى من بدنه جزء خارج وعلى من كان كله خارجا، بل ربما يقال انه صادق على من كان جميع بدنه في الماء ونوى الغسل بذلك مع حركة ما بل بغير حركة، ومثله ما لو كان الانسان تحت المجرى أو المطر الغزير فانه لا يحتاج الى ان يخرج أو يحصل له مكانا خاليا من نزول المطر أو الميزاب ثم يخرج إليه، وينبغي على هذا ان لا يجوز غسل الترتيب في حال نزول المطر عليه ونحو ذلك.


(1) المروية في الوسائل في الباب 26 من ابواب الجنابة.


[ 83 ]

نعم لو قال (عليه السلام): " وقع في الماء دفعة واحدة " دل على ذلك، على انه لم ينقل عن احد من علمائنا المتقدمين والمتأخرين فعل ذلك، وهو مما يتكرر فتتوفر الدواعى على نقله لغرابته فلو فعل لنقل، مع منافاته للشريعة السهلة السمحة خصوصا في امر الطهارة، والقاء النفس الى ما يحتمل معه تعطل بعض الاعضاء لا ظهور له من الحديث، وكأن الشيطان (لعنة الله) يريد ان يسر بكسر احد اعضاء بعض المؤمنين فيوسوس لهم ذلك ويحسنه ". انتهى. وهو جيد. وبما ذكرنا يظهر انه لا مانع من الغسل ترتيبا في الماء على الوجه المذكور، ويؤيده صحيحة علي بن جعفر ومرسله محمد بن ابي حمزة السالفتان وصحيحة علي بن جعفر الواردة في الوضوء بالمطر حال تقاطره (1) وقد اشبعنا في هذه المسألة الكلام زيادة على ما في هذا المقام في اجوبة مسائل بعض الاعلام.

(الثالثة) - الظاهر انه لا خلاف في عدم وجوب الموالاة في الغسل بشئ من التفسيرين المتقدمين في الوضوء. ويدل عليه ما تقدم في صحيحة محمد بن مسلم الواردة في قضية ام اسماعيل (2). وحسنة ابراهيم بن عمر اليماني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " ان عليا (عليه السلام) لم ير بأسا ان يغسل الرجل رأسه غدوة ويغسل سائر جسده عند الصلاة ". وفى صحيحة حريز المتقدمة في مسألة الموالاة في الوضوء (4) "... وابدأ بالرأس ثم أفض على سائر جسدك. قلت: وان كان بعض يوم ؟ قال: نعم ". وما ورد في كتاب الفقه الرضوي (5) حيث قال (عليه السلام): " ولا بأس بتبعيض الغسل: تغسل يديك وفرجك ورأسك وتؤخر غسل جسدك الى وقت الصلاة


(1) ج 2 ص 358 (2) ص 71. (3) المروية في الوسائل في الباب 29 من ابواب الجنابة. (4) المروية في الوسائل في الباب 33 من ابواب الوضوء. (5) ص 4.


[ 84 ]

ثم تغسل ان اردت ذلك ". إلا ان الاصحاب صرحوا باستحبابها هنا، ولم يفسروها بشئ من المعنيين المتقدمين، ولم يوردوا على ذلك ايضا دليلا في المقام، وربما استدل على ذلك بمواظبة السلف والخلف من العلماء والفقهاء على مرور الاعصار بل الائمة الاطهار (صلوات الله عليهم) الا انه لا يخلو من شوب الاشكال، إذ ربما يقال ان ذلك لما كان من الافعال العادية التي هي اسهل واقل كلفة في غالب الاحوال حصل المواظبة عليها لذلك. نعم ربما يمكن ان يستدل على ذلك بعموم آيات المسارعة الى المغفرة والاستباق الى الخير (1) والتحفظ من طريان المفسد. والمتابعة لفتوى جمع من الاصحاب بالاستحباب. ولا يخفى ما فيه ايضا. وهل تجب متى خاف فجأة الحدث الاصغر كما في السلس والمبطون ؟ احتمال مبني على وجوب الاعادة بتخلل الحدث الاصغر كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى. اما إذا خاف فجأة الحدث الاكبر فهل تجب محافظة على سلامة العمل من الابطال، ام لا لعدم استناد الابطال إليه مع وجوب الاستئناف ؟ احتمالان اظهرهما الثاني لما ذكر، اما لو كان الحدث الاكبر مستمرا فالاقرب الاحوط اشتراطها في صحة الغسل، لعدم العفو عما سوى القدر الضروري كما تقدم مثله في الوضوء.

(الرابعة) - قد عرفت ان الاظهر الاشهر وجوب الترتيب في الغسل الترتيبي بين الاعضاء الثلاثة، وحينئذ فلو اغفل المغتسل ترتيبا لمعة من بدنه فقد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه ان كان في الجانب الايسر غسلها وان كان في الايمن فكذلك مع اعادة غسل الايسر تحصيلا للترتيب. والذي وقفت عليه من الاخبار مما يتعلق بذلك صحيحة ابي بصير عن ابي عبد الله


(1) سورة آل عمران الآية 133 وسورة البقرة. الآية 148 وسورة المائدة، الآية 48.


[ 85 ]

(عليه السلام) (1) قال: " اغتسل ابي من الجنابة فقيل له قد بقيت لمعة من ظهرك لم يصبها الماء فقال له: ما كان عليك لو سكت ؟ ثم مسح تلك اللمعة بيده ". وقد يستشكل في هذه الرواية من حيث اباء العصمة ذلك. واجيب بانه لعل الترك لقصد التعليم. ولا يخفى بعده. والاقرب عندي حمل الخبر على عدم فراغه (عليه السلام) من الغسل وانصرافه عنه، فمعنى قوله (عليه السلام): " اغتسل ابي " اي اشتغل بالغسل فقيل له في حال الغسل، والتجوز في مثل ذلك شائع في الكلام، فلا منافاة فيه للعصمة. وما ربما يترآى من دلالة قول المخبر: " قد بقيت لمعة " على ذلك، فان مرمى هذه العبارة انما يكون بالنسبة الى من فرغ من الغسل، فانه يمكن ان يقال انه (عليه السلام) في حال الاشتغال بالغسل وتعديه الى اسافل البدن مع بقاء تلك اللمعة في اعاليه استعجل الرائى لها باخباره بها، والا فهو كان يرجع إليها بامرار يده عليها مرة اخرى. نعم قوله (عليه السلام): " ما كان عليك لو سكت " فيه تعليم للمخبر بعدم وجوب الاخبار بمثل ذلك. وروى مثل ذلك القطب الراوندي في نوادره بسنده فيه عن موسى بن اسماعيل عن ابيه عن جده موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: " قال علي (عليه السلام) اغتسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) من جنابة فإذا لمعة من جسده لم يصبها ماء فاخذ من بلل شعره فمسح ذلك الموضع ثم صلى بالناس ". وصحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) في حديث قال فيه: قال حماد وقال خريز قال زرارة: " قلت له: رجل ترك بعض ذراعه أو بعض جسده في غسل الجنابة فقال: إذا شك ثم كانت به بلة وهو في صلاته مسح بها عليه، وان كان استيقن رجع واعاد الماء عليه ما لم يصب بلة، فان دخله الشك وقد دخل في حال اخرى فليمض في


(1) و (3) المروية في الوسائل في الباب 41 من ابواب الجنابة (2) رواه في البحار ج 18 ص 156.


[ 86 ]

صلاته ولا شئ عليه، وان استيقن رجع واعاد عليه الماء، وان رآه وبه بلة مسح عليه واعاد الصلاة باستيقان، وان كان شاكا فليس عليه في شكه شئ فليمض في صلاته ". وانت خبير بان غاية ما يفهم من هذه الاخبار هو غسل موضع الخلل خاصة اعم من ان يكون في طرف اليمين أو اليسار، الا ان يقيد اطلاقها بما علم من الترتيب المتقدم وهو قريب في الخبرين الاولين باحتمال كون المغفل من الظهر في الاول والجسد في الثاني داخلا في الجانب الايسر الا انه في الثالث بعيد، أو يقال باستثناء موضع البحث ويؤيده ان اثبات وجوب الترتيب من الاخبار المتقدمة بحيث يشمل مثل هذه الصورة لا يخلو من الاشكال، وظاهر الاخبار المذكورة ايضا الاكتفاء بمجرد مسحه بالبلة الباقية الا ان يحمل المسح على ما يحصل به الجريان ولو قليلا والظاهر بعده، أو يقال بالاكتفاء بالمسح في مثل ذلك خاصة. وكيف كان فلا ريب ان الاحوط هو ما ذكروه (نور الله مراقدهم واعلى مقاعدهم). ولو كان اغفال اللمعة في الغسل الارتماسي فهل يعيد مطلقا، أو يكتفي بغسل اللمعة مطلقا، أو يغسلها وما بعدها كالمرتب، أو يفصل بطول الزمان فالاعادة وعدمه فالاجتزاء بغسل اللمعة ؟ احتمالات، وبالاول صرح الشهيد في الدروس والبيان، وقواه العلامة في المنتهى بعد ان نقله عن والده، معللا له بان المأخوذ عليه الارتماس دفعة واحدة بحيث يصل الماء الى سائر الجسد في تلك الدفعة، لقول ابي عبد الله (عليه السلام) (1): " إذا ارتمس ارتماسة واحدة اجزأه " ومن المعلوم عدم الاجزاء مع عدم الوصول. وبالثاني صرح العلامة في القواعد، واحتج عليه في المنتهى بعد ذكره احتمالا بان الترتيب سقط في حقه وقد غسل اكثر بدنه فاجزأه، لقول ابي عبد الله (عليه السلام) (2): " فما جرى عليه الماء فقد اجزأه " واما الثالث فذكره في القواعد احتمالا مقويا له على الاول، وكأن وجهه البناء على ان الارتماس يترتب حكما أو نية وإلا فلا وجه له، واما الرابع فاختاره المحقق


(1) و (2) المروي في الوسائل في الباب 26 من ابواب الجنابة.


[ 87 ]

الشيخ علي في شرح القواعد ولم يذكر الوجه فيه، والظاهر ان وجهه انه مع عدم الفصل الكثير تصدق الوحدة العرفية فيكون غسل اللمعة فقط مجزئا، ومع الفصل كذلك لا تصدق الوحدة المذكورة فتجب الاعادة. وانت خبير بان الحكم المذكور لخلوه من النص لا يخلو من الاشكال، لتدافع ما ذكروه من الوجوه في هذا المجال، بل ورود النقض فيها والاختلال:

(اما الاول) فلاحتمال صدق الارتماسة الواحدة عرفا وان لم يصل الماء الى بعض يسير من جسده ولا سيما إذا كان ذلك لمانع، إذ الفرض ان جميع البدن تحت الماء، واما الحيثية المذكورة فغير مفهومة من الارتماسة الواحدة.

و (اما الثاني) فلان سقوط الترتيب في حقه لا مدخل له في عدم وجوب الاعادة، وغسل اكثر البدن لا مدخل له في العلية بل هو محض مصادرة، والخبر الذي ذكره مورده الترتيب.

و (اما الثالث) فقد عرفت انه لا وجه له الا البناء على الترتيب الحكمي وقد تقدم ما فيه.

و (اما الرابع) فانه انما يتم لو لم يخرج المغتسل من الماء، واما إذا خرج فانه لا يخلو اما ان يقول بدلالة الخبر الذي هو مستند الغسل الارتماسي على غسل جميع الاعضاء في الارتماسة الواحدة ام لا، فعلى الاول لا يخفى انه بعد الخروج وان لم يقع فصل كثير لا يصدق على غسل اللمعة خارجا انه وقع في الارتماسة الواحدة، وعلى الثاني لا وجه للفرق بالاجزاء وعدمه بين طول الزمان وعدمه كما لا يخفى، وحينئذ فالواجب الوقوف على ساحل الاحتياط بالاعادة من رأس.

(الخامسة) - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب اجراء الماء في الغسل تحقيقا لمسمى الغسل الوارد في الآية والرواية، ولورود جملة من الاخبار بذلك، كقوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم (1): "... فما جرى عليه الماء فقد طهر " وقوله في صحيحة زرارة (2): " الجنب ما جرى عليه الماء من جسده قليله وكثيره


(1) المروية في الوسائل في الباب 26 من ابواب الجنابة (2) المروية في الوسائل في الباب 31 من ابواب الجنابة


[ 88 ]

فقد اجزأه " وغيرهما، وحينئذ فما يدل بظاهره على خلاف ذلك - كرواية اسحاق بن عمار عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (1) " ان عليا (عليه السلام) قال: الغسل من الجنابة والوضوء يجزئ منه ما اجزأ من الدهن الذي يبل الجسد " ونحوها - محمول على اقل ما يحصل معه الجريان أو عوز الماء، ويؤيد الثاني ما في كتاب الفقه الرضوي حيث قال (2) " ويجزئ من الغسل عند عوز الماء الكثير ما يجزئ من الدهن " وقد تقدم في بحث الوضوء من التحقيق في المقام ما له مزيد نفع في ايضاح المرام.

(السادسة) - المفهوم من كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) تصريحا في مواضع وتلويحا في اخرى انه لا يجب غسل شعر الجسد كائنا ما كان خفيفا كان أو كثيفا، نعم يجب تخليله لايصال الماء الى ما تحته، وظاهر المعتبر والذكرى الاجماع على الحكم المذكور، وربما ظهر من عبارة المقنعة الخلاف في ذلك، حيث قال: " وإذا كان الشعر مشدودا حلته " الا ان الشيخ (رحمه الله) في التهذيب حملها على ما إذا لم يصل الماء الى اصول الشعر الا بعد حله، واما مع الوصول فلا يجب ذلك. واستدل بعض الاصحاب على ذلك باصالة العدم مما لم يرد الامر بالتكليف به، إذ قصارى ما تدل عليه الاخبار الامر بغسل الجسد: والشعر لا يسمى جسدا، وصحيحة الحلبي عن رجل عن ابي عبد الله عن ابيه عن علي (عليه السلام) (3) قال: " لا تنقض المرأة شعرها إذا اغتسلت من الجنابة ". وللنظر في ذلك مجال: (اما اولا) - فلمنع خروجه من الجسد ولو مجازا، كيف وهم قد حكموا بوجوب غسله في يدي الوضوء كما تقدم، معللين ذلك تارة بدخوله في محل الفرض واخرى بانه من توابع اليد، وحينئذ فإذا كان داخلا في اليد باحد الوجهين المذكورين واليد داخلة في الجسد كان داخلا في الجسد البتة، ولو سلم خروجه عن الجسد


(1) المروية في الوسائل في الباب 52 من ابواب الوضوء (2) ص 3 (3) المروية في الوسائل في الباب 38 من ابواب الجنابة.


[ 89 ]

فلا يخرج عن الدخول في الرأس والجانب الايمن والايسر المعبر بها في جملة من الاخبار و (اما ثانيا) - فلانه لا يلزم من عدم النقض في صحيحة الحلبي عدم وجوب الغسل، لامكان الزيادة في الماء حتى يروى، كما في حسنة الكاهلي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) في المرأة التي في رأسها مشطة حيث قال (عليه السلام): "... فإذا اصابها الغسل بقذر مرها ان تروي رأسها من الماء وتعصره حتى يروى فإذا روى فلا بأس عليها... الحديث ". و (اما ثالثا) - فلما روي في صحيحة حجر بن زائدة عن الصادق (عليه السلام) (2) انه قال: " من ترك شعرة من الجنابة متعمدا فهو في النار " والتأويل بالحمل على ان المراد بالشعرة ما هو قدرها من الجسد لكونه مجازا شائعا كما ذكروا وان احتمل الا انه خلاف الاصل فلا يصار إليه الا بدليل، إذ وجوب غسل الجسد كملا في الغسل وعدم صحته الا بذلك مما تكفلت به الاخبار المستفيضة، ويزيد ذلك بيانا وتأكيدا ما روي عنه (صلى الله عليه وآله) مرسلا من قوله: " تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وانقوا البشرة " (3) وما ورد في حسنة جميل (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عما تصنع النساء في الشعر والقرون. فقال: لم تكن هذه المشطة انما كن يجمعنه ثم وصف اربعة امكنة ثم قال يبالغن في الغسل " وصحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال: " حدثتني سلمى خادمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) قالت: كان اشعار نساء النبي (صلى الله عليه وآله) قرون رؤوسهن مقدم رؤوسهن فكان يكفيهن من الماء شئ قليل، فاما النساء الآن فقد ينبغي لهن ان يبالغن في الماء ". ومن ثم قوى بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين وجوب غسله، قائلا


(1) و (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب 38 من ابواب الجنابة. (2) المروية في الوسائل في الباب 1 من ابواب الجنابة (3) كما في سنن ابن ماجة ج 1 ص 207 والمغنى ج 1 ص 238، وفى الاول " فاغسلوا الشعر "


[ 90 ]

بعد الطعن في ادلة المشهور: " انه ان ثبت اجماع فعليه المعتمد في الفتوى والا فوجوب غسل الشعر كما هو الموافق للاحتياط والتقوى هو الاقوى " والى ذلك ايضا يميل كلام شيخنا البهائي (عطر الله مرقده) في الحبل المتين. والعجب من شيخنا الشهيد الثاني (رحمه الله) في شرح الالفية، حيث قال - بعد ان صرح بعدم وجوب غسل الشعر الا ان يتوقف عليه غسل البشرة - ما لفظه: " والفرق بينه وبين شعر الوضوء النص " انتهى. فانا لم نقف على نص في هذا الباب ولا نقله ناقل من الاصحاب سوى ما ذكرنا هنا من الاخبار، وهي ان لم تدل على غسل الشعر فلا اقل ان لا تدل على عدمه، واما في الوضوء فغاية ما تمسكوا به بالنسبة الى شعر الوجه دخوله فيما يواجه به وبالنسبة الى اليد فبدعوى التبعية والتغليب لاسم اليد على جميع ما عليها كما عرفت. وبالجملة انه لا دليل لهم في الفرق الا الاجماع ان تم.

(السابعة) - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب تخليل ما يمنع وصول الماء الى الجسد من شعر وغيره، ويدل عليه عموم ما علق فيه الحكم على الجسد من الاخبار. وخصوص صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن المرأة عليها السوار والدملج في بعض ذراعها لا تدري يجزي الماء تحتهما أو لا، كيف تصنع إذا توضأت أو اغتسلت ؟ قال: تحركه حتى يدخل الماء تحته أو تنزعه... الحديث " وحينئذ فما اشعر بخلاف ذلك - كحسنة الحسين بن ابى العلاء (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الخاتم إذا اغتسلت قال: حوله من مكانه، وقال في الوضوء تديره، فان نسيت حتى تقوم في الصلاة فلا آمرك ان تعيد الصلاة " حيث دلت على اغتفاره مع النسيان وان ذكره بعده، وهو خلاف ما عليه الاصحاب، وبمضمون هذه الرواية صرح في الفقيه (3) فقال: " فإذا كان مع


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 41 من ابواب الوضوء. (3) ج 1 ص 31 وفى الوسائل في الباب 41 من ابواب الوضوء.


[ 91 ]

الرجل خاتم فليدره في الوضوء ويحوله عند الغسل. وقال الصادق (عليه السلام): ان نسيت حتى تقوم في الصلاة فلا آمرك ان تعيد " وصحيحة ابراهيم بن ابى محمود (1) قال: " قلت للرضا (عليه السلام): الرجل يجنب فيصيب جسده ورأسه الخلوق والطيب والشئ اللكد مثل علك الروم والطرار وما اشبهه، فيغتسل فإذا فرغ وجد شيئا قد بقي في جسده من اثر الخلوق والطيب وغيره ؟ قال: لا باس " - يجب ارتكاب جادة التأويل فيه بحمل الخبر الاول على الخاتم الذي لا يمنع وصول الماء ويكون الامر بالادارة والتحويل محمولا على الاستحباب، والخبر الثاني بالحمل على الاثر الذي لا يمنع الوصول. ويظهر من بعض فضلاء متأخرى المتأخرين الميل الى العمل بظاهر الخبرين المذكورين من عدم الاعتداد ببقاء شئ يسير لا يخل عرفا بغسل جميع البدن اما مطلقا أو مع النسيان لو لم يكن الاجماع على خلافه، ثم قال: " لكن الاولى ان لا يجترأ عليه " انتهى. والاقرب ارتكاب التأويل فيهما بما ذكرناه. واظهر منهما في قبول التأويل المذكور رواية اسماعيل بن ابي زياد عن جعفر عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: " كن نساء النبي (صلى الله عليه وآله) إذا اغتسلن من الجنابة يبقين صفرة الطيب على اجسادهن، وذلك ان النبي (صلى الله عليه وآله) امرهن ان يصببن الماء صبا على اجسادهن ".

(الثامنة) - محل الغسل هو الظواهر من الجسد بلا خلاف، قال في المنتهى: " ويجب عليه ايصال الماء الى جميع الظاهر من بدنه دون الباطن منه بلا خلاف ". اقول: ويدل على ذلك مرسلة ابي يحيي الواسطي عن بعض اصحابه (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الجنب يتمضمض ويستنشق ؟ قال: لا انما يجنب الظاهر ".


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 30 من أبواب الجنابة (3) المروية في الوسائل في الباب 24 من ابواب الجنابة


[ 92 ]

ورواية عبد الله بن سنان (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا يجنب الانف والفم لانهما سائلان ". وروى الصدوق في العلل عن ابي يحيي الواسطي عمن حدثه (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الجنب يتمضمض ؟ فقال: لا انما يجنب الظاهر ولا يجنب الباطن، والفم من الباطن " قال: وروى في حديث آخر ان الصادق (عليه السلام) قال في غسل الجنابة: " ان شئت ان تتمضمض أو تستنشق فافعل وليس بواجب، لان الغسل على ما ظهر لا على ما بطن ". اقول: وبهذه الاخبار يجمع بين ما دل على الامر بالمضمضة والاستنشاق وما دل على نفيهما كما سيأتي ذكره ان شاء الله بحمل ما دل على النفي على نفي الوجوب وما دل على الامر على الاستحباب، وفى خبر زرارة ايضا (3): "... انما عليك ان تغسل ما ظهر " ومن البواطن الثقب الذي يكون في الاذن للحلقة إذا كان بحيث لا يرى باطنه للناظر، وبه صرح في المدارك وجزم به شيخه المولى الاردبيلي، ونقل عن المحقق الشيخ علي (ره) في حاشية الشرائع انه حكم بايصال الماء الى باطنه مطلقا. ولا يخفى ما فيه. وينبغي ان يعلم ايضا ان الظاهر وجوب غسل باطن الاذنين وهو ما يرى للناظر من سطح باطنهما عند تعمد الرؤية لدخوله في الظاهر وان توقف على التخليل وجب، قال في التذكرة في تعداد واجبات الغسل: " ويغسل اذنيه وباطنهما ولا يدخل الماء فيما بطن من صماخه " وعلى ذلك يحمل ايضا ما ذكره في المقنعة حيث قال: " ويدخل اصبعيه السبابتين في اذنيه فيغسل باطنهما ويلحق ذلك بغسل ظاهرهما ".

(التاسعة) - قال شيخنا المفيد (عطر الله مرقده) في المقنعة: " ولا ينبغي له ان يرتمس في الماء الراكد، فانه ان كان قليلا افسده وان كان كثيرا خالف السنة بالاغتسال فيه ".


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 24 من ابواب الجنابة (3) المروى في الوسائل في الباب 29 من ابواب الوضوء


[ 93 ]

واستدل له الشيخ (رحمه الله) في التهذيب بالنسبة الى الحكم الاول بان الجنب حكمه حكم النجس الى ان يغتسل فمتى لاقى الماء الذي يصح فيه قبول النجاسة فسد، وبالنسبة الى الثاني بصحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع (1) قال: " كتبت الى من يسأله عن الغدير يجتمع فيه ماء السماء أو يستقى فيه من بئر فيستنجي فيه الانسان من بول أو يغتسل فيه الجنب. ما حده الذي لا يجوز ؟ فكتب: لا تتوضأ من مثل هذا الا من ضرورة إليه " ثم قال (قدس سره) قوله: " لا تتوضأ من مثل هذا إلا من ضرورة إليه " يدل على كراهة النزول فيه، لانه لو لم يكن مكروها لما قيد الوضوء والغسل منه بحال الضرورة. انتهى. ولا يخفى عليك ما في اول استدلالية، فانه مجرد دعوى لم يقم عليها دليل، ولم يقل بها احد قبله ولا بعده من الاصحاب جيلا بعد جيل، واطلاق اخبار الارتماس شامل لما لو كان الغسل بالماء القليل، وقد ادعى المحقق في المعتبر الاجماع على طهارة غسالة الجنب الخالي بدنه من النجاسة العينية، وعبارة المقنعة وان اشعرت بذلك ظاهرا الا انه يمكن حملها على تلوث بدن الجنب بالنجاسة كما هو الغالب الذي انصبت عليه اخبار كيفية الغسل حسبما تقدم بيانه، مع ان رواية محمد بن ميسر عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل الجنب ينتهي الى الماء القليل في الطريق ويريد ان يغتسل منه وليس معه اناء يغرف به ويداه قذرتان ؟ قال: يضع يده ويتوضأ ثم يغتسل، هذا مما قال الله تعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج... " (3) - تدل بظاهر اطلاقها على جواز الغسل وان كان ارتماسا مع امكانه استنادا الى نفي الحرج الدال على الامتنان المناسب للتعميم.


(1) المروية في الوسائل في الباب 9 من ابواب الماء المطلق. (2) المروية في الوسائل في الباب 8 من ابواب الماء المطلق. (3) سورة الحج الآية 78


[ 94 ]

واما ما اجاب به (قدس سره) عن هذا الخبر - حيث قال بعد ذكر ما قدمنا نقله عنه من الاستدلال الاول: " وليس ينقض هذا الحديث الذي رواه محمد بن يعقوب ثم ساق الخبر وقال: لان معنى هذا الخبر ان يأخذ الماء من المستنقع بيده ولا ينزله بنفسه ويغتسل بصبه على بدنه، فاما إذا نزله فسد حسبما بيناه " انتهى - ففيه ان التخصيص بما ذكره يحتاج الى دليل، وما ذكره من التعليل الاول قد عرفت ما فيه فلا يصلح للتخصيص نعم ربما يقال ان مبنى كلام الشيخين (نور الله مرقديهما) هنا على ما ذهبا إليه من المنع من استعمال الماء المستعمل في الحدث الاكبر، كما تقدم بيانه في محله ويشير إليه تعبيرهما بالافساد، وحاصل مرادهما انه بعد الارتماس فيه يفسد بمعنى يمتنع استعماله في طهارة اخرى، حيث ان حكم الجنب في اغتساله من القليل وافساده له حكم النجس في ملاقاته للقليل وتنجيسه له كما علله في التهذيب، لا ان المراد بافساد الماء تنجيسه كما ذكرنا اولا، وهو الذي عقله عنهما جمع من فضلاء المتأخرين، ليرد عليه ما ذكرنا آنفا، بل المراد بافساده سلب طهوريته كما هو مذهبهما (رضي الله عنهما) لكن لا بالنسبة الى المغتسل بمعنى انه بالارتماس يصير الماء باول ملاقاة الجنب له بقصد الاغتسال مستعملا مسلوب الطهورية، ليرد عليه ما ذكره شيخنا المحقق صاحب رياض المسائل، من انهم ان ارادوا بصيرورته مستعملا بالملاقاة المذكورة انه لا يجوز استعماله بالنسبة الى المغتسل والى غيره فهو واضح الفساد، والا لزم عدم طهارة المغتسل ولو مرتبا لانه لا ينفك عن جريان الماء من جزء بدنه الى جزء آخر، وان ارادوا بها انه لا يجوز استعماله بالنسبة الى غيره فلا ينفعهم. انتهى ملخصا، فان فيه انه لم يصرح في المقنعة بما ينافي ذلك أو ينافره، وانما غرضه التنبيه على حكم في البين وهو ان الارتماس في الماء القليل يوجب افساده وعدم رفع الحدث به فلا ينبغي للجنب ذلك، وهذا معنى صحيح لا غبار عليه ولا يتوجه القدح إليه، وفي التعبير ب‍ " لا ينبغي " اشعار بذلك. واما ثانى استدلالية فقد مر ما يتضح الحال به صحة وابطالا في الفائدة الحادية


[ 95 ]

عشرة من مسألة الماء المستعمل في الطهارة الكبرى (1).

(العاشرة) - لا يخفى انه حيث لا مفصل محسوس بين الجانب الايمن والايسر في اعالي البدن فالواجب في الغسل الترتيبي - بناء على المشهور من وجوب الترتيب بينهما - غسل الحد المشترك مع كل من الجانبين من باب المقدمة، واستظهر جمع من الاصحاب الاكتفاء بغسل العورة مع احد الجانبين، وحكم بعض بغسلها مع كل من الجانبين، ويمكن توجيه الاول بان العورة لما كانت عضوا مستقلا وليست داخلة في الحد المشترك بين الجانبين ليجب غسلها مرتين فالواجب غسلها مرة واحدة مع اي الطرفين كان، والتكليف بالتعدد يحتاج الى دليل. ويمكن خدشه بان مقتضى ما دلت عليه الاخبار المشتملة على ذكر الجانبين غسل كل منهما، وحينئذ فلو كانت العورة عضوا زائدا لكانت متروكة الذكر في تلك الاخبار، وبذلك يظهر رجحان القول الثاني مضافا الى اوفقيته للاحتياط.

(الحادية عشرة) - الظاهر انه لا خلاف في وجوب المباشرة الا ما ينقل عن ظاهر ابن الجنيد من جواز تولي الغير، وظاهر الآية والاخبار يرده لظهورها في فعل المكلف نفسه، حتى انه لو اضطر الى التولية فلا بد من حصول القصد منه، قال عزوجل: "... حتى تغتسلوا... " (2) وقال: " وان كنتم جنبا فاطهروا... " (3) وهو ظاهر في توجه الخطاب للمكلف نفسه فلا يجزيه فعل غيره به ذلك. ونحوها الاخبار. وقول ابن الجنيد هنا جار على ما تقدم نقله عنه في الوضوء، وقد تقدم الكلام في المسألة مستوفى، والمنقول عنه هنا على ما ذكره في الذكرى انه قال: " وان كان غيره يصب عليه الماء من اناء متصل الصب أو كان تحت انبوب قطع ذلك ثلاث مرات يفصل بينهن بتخليل الشعر بكلتا يديه " وهو ظاهر في التولية، وفيه ما عرفت.


(1) ج 1 ص 457 (2) سورة النساء. الآية 43 (3) سورة المائدة. الآية 6


[ 96 ]

ويمكن الاستدلال على ذلك ايضا بقوله عزوجل: " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا " (1) بالتقريب الذي ذكره مولانا الرضا (عليه السلام) في رواية الوشاء (2) حيث استدل على تحريم التولية بالآية المذكورة والرواية وان كان موردها الوضوء وصب الحسن الوشاء عليه الماء انما هو للوضوء الا ان قوله (عليه السلام) في الخبر المذكور بعد الاستدلال بالآية: " وها انا ذا اتوضأ للصلاة وهي العبادة فاكره ان يشركني فيها احد " يشعر بان التولية في طهارة العبادة التي لا تستباح الا بها مطلقا نوع من انواع الشرك، وقد تقدم بيان معنى الخبر المذكور ودلالته على التحريم وان مورده التولية دون الاستعانة كما توهمه جملة من اصحابنا (رضي الله عنهم).

(الثانية عشرة) - قد صرح الاصحاب من غير خلاف يعرف بازالة النجاسة عن البدن اولا ثم الغسل ثانيا، الا انهم اختلفوا في ان ذلك هل هو على جهة لوجوب أو الاستحباب ؟ قولان: ظاهر القواعد الاول، ونقله بعض مشايخنا عن جملة من الاصحاب ايضا، وصريح العلامة في النهاية الثاني، وبه جزم ثانى المحققين في شرح القواعد، وقبله ايضا اول الشهيدين على ما نقله شيخنا المتقدم ذكره، بمعنى ان الواجب انما هو تطهير المحل النجس اولا قبل اجراء ماء الغسل عليه بحيث كلما طهر شيئا غسله تدريجا، واما تقديم ذلك على اصل الغسل فهو الافضل. وربما ايد الاول ظواهر الاخبار الواردة في كيفية الغسل (3) حيث اشتلمت على عطف الغسل على الامر بالازالة ب‍ " ثم " المرتبة ولعل " ثم " في هذا المقام منسلخة عن الترتيب، إذ لا يعقل لوجوب التقديم على اصل الغسل وجه، لان الغرض


(1) سورة الكهف الآية 110 (2) المروية في الوسائل في الباب 47 من ابواب الوضوء (3) المروية في الوسائل في الباب 26 من ابواب الجنابة.


[ 97 ]

انما هو اجراء الغسل على محل طاهر وهو يحصل بالتدريج. ويمكن ان يكون مخرج الاخبار - كما هو ظاهرها - انما هو بالنسبة الى العورة التي هي محل النجاسة المعهودة أو نحوها من الاماكن اليسيرة كالاصبع ونحوها، وفرض المسألة في نجاسة منتشرة أو متعددة بحيث يندرج فيها كما هو محل البحث بعيد عن سياق الاخبار المشار إليها كما لا يخفى على من راجعها. وكيف كان فمرجع القولين الى وجوب ازالة النجاسة قبل اجراء ماء الغسل، وانه لا يجزئ اجراء ماء الغسل المقصود به رفع الحدث لازالة النجاسة الخبثية. وهو المشهور في كلام المتأخرين خلافا للشيخ في المبسوط كما سيأتي نقل كلامه، معللين ذلك (اولا) - بانهما سببان متغايران فيجب تغاير مسببيهما، والاصل عدم التداخل. و (ثانيا) - بان الماء القليل ينجس بالملاقاة فإذا ورد على المحل النجس تنجس به فلا يقوى على رفع الحدث فلا بد من طهارة المحل اولا. قال الشيخ علي في شرح القواعد بعد قول المصنف (رحمه الله): " لا يجزئ غسل النجس من البدن عن غسله من الجنابة بل يجب ازالة النجاسة اولا ثم الاغتسال ثانيا " ما صورته: " انما وجب ذلك لانهما سببان فوجب تعدد حكمهما، لان التداخل خلاف الاصل، ولان ماء الغسل لابد ان يقع على محل طاهر والا لاجزاء الغسل مع بقاء عين النجاسة، ولانفعال القليل وماء الطهارة يشترط ان يكون طاهرا اجماعا " انتهى، وعلى هذا المنوال جرى كلام غيره في هذا المجال. وفيه ان ما ذكروه - من ان تعدد السبب يقتضي تعدد المسبب وان الاصل عدم التداخل - لم نقف له على دليل يعتد به بل ظواهر النصوص ترده كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في مسألة تداخل الاغسال، على انه قد اورد عليه ايضا انا لا نسلم ان اختلاف السبب يقتضي تعدد المسبب، لان مقتضى التكليف وجود المسبب عند حصول السبب، اما كونه مغايرا للامر المسبب عن سبب آخر فتكليف آخر يحتاج الى دليل


[ 98 ]

والاصل عدمه، فما ذكره من ان التداخل خلاف الاصل ضعيف. انتهى. وهو جيد واما ما ذكروه من ان ماء الغسل لابد ان يقع على محل طاهر فهو على اطلاقه ممنوع، وما استندوا إليه من انه لو لم يكن كذلك للزم اجزاء ماء الغسل مع بقاء عين النجاسة، ان اريد به مع بقائها بحيث تمنع من وصول الماء الى البدن فبطلان الثاني مسلم لكن الملازمة ممنوعة، لجواز وقوع الغسل على المحل النجس بشرط عدم المنع، وان اريد مع عدم بقائها أو بقائها مع عدم المنع فبطلان الثاني ممنوع لعدم الدليل عليه. واما ما ذكروه من انفعال القليل واشتراط طهارة الماء اجماعا، ان اريد به الاجماع على طهارته قبل الوصول فمسلم لكن لا ينفعهم، وان اريد به الاجماع على الطهارة بعد الوصول فهو ممنوع إذ هو مصادرة على المطلوب حيث انه محل النزاع، ونطيره غسل النجاسات، فانه لا يكون الا بماء طاهر قبل الورود. ونجاسته بعد الورود - بنجاسة المحل المغسول على تقدير القول بنجاسة القليل - لا تسلبه الطهورية، على ان مذهب العلامة انه حال الورود ايضا طاهر لانه لا ينجس عنده الا بعد الانفصال. ومما يؤيد ما ذكرنا في هذا المقام ان ازالة النجاسة في التحقيق ترجع الى التروك وتصير من قبيلها حيث ان المطلوب ترك النجاسة دون الافعال، فلا تقتضي فعلا يختص بها، بل يكتفى فيها بتحققها باي وجه اتفق مع صدق مسمى الغسل المعتبر على ذلك التقدير، الا ترى انه لو وقع الثوب النجس في الماء اتفاقا أو اصابه المطر طهر البتة واصابة ماء الغسل من هذا القبيل. نعم ربما يستدل لهم بظواهر الاخبار الواردة في بيان كيفية غسل الجنابة (1) المشتملة على تقديم الازالة وعطف الغسل عليها ب‍ " ثم " المرتبة. ويضعف باشتمالها على جملة من المستحبات وعد ذلك في قرنها كغسل اليدين والمضمضة والاستنشاق ونحوها. الا ان يجيبوا عن ذلك بانه قد قام الدليل على الاستحباب في تلك الاشياء، فحمل الامر


(1) المروية في الوسائل في الباب 26 من ابواب الجنابة


[ 99 ]

في الاخبار المذكورة عليه لا اشكال فيه، واما ما لم يقم فيه دليل فيجب ابقاء الامر فيه على حقيقته من الوجوب. الا انك قد عرفت ان جملة من القائلين بوجوب تقديم الازالة لا يقولون به قبل الغسل وانما يوجبونه تدريجا، وعلى تقديره لا يمكن حمل الاوامر المذكورة في الاخبار على الوجوب، مع انه من المحتمل قريبا ان الامر بتقديم الازالة في الاخبار المشار إليها وعدم الاكتفاء بماء الغسل انما هو من حيث خصوص نجاسة المني الذي هو مورد تلك الاخبار ولا سيما بعد يبسه، فانه يحتاج الى مزيد كلفة وذلك لثخانته ولزوجته، فلذا وقع الامر بالازالة اولا، واحتمال غيره من النجاسات بعيد عن سياق الاخبار المشار إليها. وربما يستدل لهم ايضا بصحيحة حكم بن حكيم (1) حيث قال (عليه السلام) في آخرها بعد ذكر الغسل: " فان كنت في مكان نظيف فلا يضرك ان لا تغسل رجليك، وان كنت في مكان ليس بنظيف فاغسل رجليك " فانه ظاهر في عدم الاكتفاء بماء الغسل لازالة النجاسة الخبثية بل لابد من ماء آخر لازالتها. ويمكن تطرق القدح الى ذلك بانه لا ظهور له في تقديم ازالة النجاسة بل غايته الدلالة على وجوب غسل آخر، ومن المحتمل ان يكون ذلك بعد تمام الغسل، لعدم زوال النجاسة بماء الغسل وان ارتفع به الحديث كما هو المفهوم من كلام الشيخ (رحمه الله) الآتي ذكره، وإذا تطرق الاحتمال لم يتم الاستدلال بها. وقال في المبسوط: " وان كان على بدنه نجاسة ازالها ثم اغتسل، وان خالف واغتسل اولا ارتفع حدث الجنابة وعليه ان يزيل النجاسة ان كانت لم تزل، وان زالت بالاغتسال فقد اجزأ عن غسلها " انتهى.

وهو - كما ترى - يدل على احكام ثلاثة:

(احدها) - ان طهارة المحل ليست شرطا في الغسل كما ادعاه المتأخرون.

و (ثانيها) - ان الغسل الواحد يجزئ لرفع الحدث والخبث معا، خلافا لما ذكروه ايضا


(1) المروية في الوسائل في الباب 27 من ابواب الجنابة


[ 100 ]

من وجوب تعدد المسبب بتعدد السبب.

و (ثالثها) - انه لو لم تزل النجاسة الخبثية ارتفع حدثه ووجب عليه ازالة النجاسة الخبثية بعد الغسل الا انه يجب تقييد هذا الحكم بما إذا لم يكن للنجاسة عين مانعة من وصول الماء الى البدن، والا فلا ريب في بطلان الغسل لوجوب ايصال الماء الى البشرة. وجملة من المتأخرين بعد نقل كلام الشيخ المذكور اعترضوه: منهم - العلامة في المختلف حيث قال بعد نقله: " والحق عندي ان الحدث لا يرتفع الا بعد ازالة النجاسة، لان النجاسة إذا كانت عينية ولم تزل عن البدن ولم يحصل ايصال الماء الى جميع البدن فلا يزول حدث الجنابة، وان كانت حكيمة زالت بنية غسل الجنابة " وقال في الذكرى بعد نقله ايضا: " ويشكل بان الماء ينجس فكيف يرفع الحدث، والاجتزاء بغسلها عن الامرين مشكل ايضا اقول: اما ما ذكره العلامة (رحمه الله) ففيه أن صحة الغسل مع بقاء النجاسة لا ينحصر في بقاء عينها على البدن على وجه يمنع وصول الماء الى البشرة حتى انه يمنع ارتفاع النجاسة، بل يمكن ذلك مع بقائها على وجه لا يمنع من وصول الماء وانتقالها من محل الى آخر، ومن الظاهر البين ان الشيخ لم يرد الا ما ذكرناه كما قدمنا الاشارة إليه، إذ لا يخفى على من هو دونه وجوب ايصال الماء الى البشرة، وحينئذ فيطهر عنده البدن من النجاسة الحدثية وان بقيت الخبثية. بقي الكلام في قوله (رحمه الله): " وان كانت حكمية زالت بنية غسل الجنابة " والظاهر انه اراد بالحكمية ما لا عين له من النجاسات بقرينة وقوع التقسيم في النجاة المفروضة في عبارة الشيخ ومحل البحث هو النجاسة الخبثية، فهو حينئذ قسيم لقوله: " فان كانت عينية " ومعطوف عليه، وحينئذ فمقتضاه موافقة الشيخ (رحمه الله) في الاكتفاء بماء الغسل في الطهارة عما لا عين له من النجاسات. واما ما ذكره شيخنا الشهيد (رحمه الله) فقد عرفت جوابه. وبالجملة فحاصل كلام الشيخ (رحمه الله) انه مأمور بتقديم ازالة النجاسة قبل


[ 101 ]

الاغتسال بالاخبار التي تقدمت الاشارة إليها، فان خالف واغتسل اولا، فان زالت النجاسة بماء الغسل ارتفعت النجاستان الحدثية والخبثية، والا فالحدثية خاصة واحتاج في ازالة الخبثية الى غسل آخر، وهذا لا ينافي ما يستفاد من الاخبار المشار إليها، فان غايته القول بوجوب ازالة النجاسة ثم الغسل بعد ذلك، ولا يلزم ان يكون منهيا عن تقديم الغسل أو المقارنة إلا على تقدير القول باقتضاء الامر بالشئ النهي عن ضده الخاص، وهو مما لم يقم عليه دليل، ومع تسليمه فلا يلزم من النهي هنا ايضا بطلان الغسل، لان النهي لم يتوجه الى العبادة ولا الى جزئها ولا شرطها بل الى خارجها اللازم، فلم يبق للبطلان وجه الا ما ادعوه مما عرفت بطلانه آنفا. والى هذا القول مال جملة من متأخرى المتأخرين: منهم - الفاضل الخوانسارى في شرح الدروس حيث قال بعد نقل عبارة المبسوط ما ملخصه: وهذا يدل على ان طهارة المحل ليست شرطا في الغسل، وعلى ان الغسل الواحد يجزئ عن رفع الحدث والخبث معا. وما ذكره هو الظاهر: (اما الاول) فلان الامر بالاغتسال مطلق والتقييد بطهارة المحل خلاف الظاهر. نعم لابد من وصول الماء الى البشرة فيجب ان لا يكون للنجاسة عين مانع عن الوصول، اما إذا لم يكن لها عين أو كان ولم يكن مانعا فلا دليل على بطلانه، وان لم يطهر بصب الماء للغسل كما إذا كان لها عين غير مانع ولم تزل أو لم يكن لها عين ولكن لابد في تطهيرها من الصب مرتين. و (اما الثاني) فلمثل ذلك ايضا، لان الامر بالاغتسال مطلق وكذا الامر بالتطهير، فإذا صب الماء على العضو فقد امتثل الامرين، فلو كانت النجاسة مما يكفيه صب واحد فقد ارتفع الحدث والخبث، وان لم يكفها صب واحد بل لابد فيها من مرتين كما إذا كانت بولا فيحسب هذا الصب بواحد ويجب صب آخر، واما النجاسة الحكمية فقد ارتفعت بالصب الاول. انتهى. اقول: والتحقيق عندي في هذا المقام ان يقال لا ريب ان ما ادعوه، من وجوب ازالة الخبثية ثم الغسل بعد ذلك وان ماء الغسل لا يجزئ لهما متى زال عين النجاسة الخبثية


[ 102 ]

- فلا دليل عليه، واضعف منه ما ادعوه من تعدد المسببات بتعدد الاسباب، فيبقى ما ذكره الشيخ (رحمه الله) سالما مما ذكروه. نعم يبقي الاشكال فيما ذكره (قدس سره) من وجه آخر، وهو انهم قد اجمعوا إلا من شذ على نجاسة الماء القليل بالملاقاة، والمشهور بينهم نجاسة الغسالة من الخبث، وقد اجمعوا ايضا من غير خلاف يعرف على ان ما كان نجسا قبل التطهير لا يكون مطهرا، فبناء على هذه المقدمات الثلاث متى اغتسل المكلف وعلى بدنه نجاسة لم تزل عنه بالغسل وان كانت لا تمنع من وصول الماء الى البشرة أو زالت عينها من ذلك الموضع الى موضع آخر أو زالت عينها بالكلية ولكن تعدت غسالتها الى موضع آخر من البدن، فالقول بصحة الغسل هنا بناء على هذه المقدمات الثلاث مشكل جدا، لان الماء بملاقاة النجاسة لا ريب في تنجسته بناء على المقدمة الاولى وحينئذ فان طهر ذلك الموضع الذي فيه النجاسة إذ لا منافاة عندنا بين نجاسته بالملاقاة وتطهيره كما تقدم تحقيقه في مسألة نجاسة الماء القليل بالملاقاة، الا انه بعد التعدي عن ذلك الموضع الى موضع آخر خال من النجاسة يكون منجسا له بمقتضى المقدمة الثانية، والماء النجس لا يرفع حدثا، ولو بنى الحكم على طهارة الغسالة أو عدم انفعال القليل بالملاقاة زال الاشكال، والشيخ (رحمه الله) وان لم يقل بعدم نجاسة القليل بالملاقاة الا انه قائل بطهارة الغسالة فيتجه كلامه هنا بناء على ذلك. واما ما ذكره الفاضل المتقدم ذكره في توجيه كلام الشيخ فهو جيد ان وافق على ما ذكرنا، والا فالنظر متوجه إليه حسبما شرحناه. وصرح العلامة في النهاية بالاكتفاء بغسلة واحدة لكن من ازالة النجاسة الحدثية والخبثية فيما إذا كان الغسل فيما لا ينفعل بالملاقاة كالكثير، وفى القليل بشرط ان تكون النجاسة في آخر العضو فان الغسلة تطهره. وهو جيد بناء على القول بنجاسة الغسالة كما هو مذهبه (رحمه الله). واعترضه الشيخ علي في شرح القواعد فقال بعد نقل ذلك عنه: " والتحقيق ان محل الطهارة ان لم يشترط طهارته اجزأ الغسل مع وجود عين النجاسة وبقائها في جميع


[ 103 ]

الصور، ولا حاجة الى التقييد بما ذكره، خصوصا على ما اختاره من ان القليل الوارد انما ينجس بعد الانفصال، وان اشترط طهارة المحل لم تجزئ غسلة واحدة لفقد الشرط، والشائع على السنة الفقهاء هو الاشتراط فالمصير إليه هو الوجه " انتهى. اقول: فيه ان ما ذكره على تقدير عدم الاشتراط من اجزاء الغسل مع وجود عين النجاسة على اطلاقه ممنوع بناء على ما ذكرنا من المقدمات المتقدمة، فانه متى حكم بنجاسة الماء القليل بالملاقاة ونجاسة الغسالة فكيف يجزئ الغسل مع تعدي الغسالة الى سائر اجزاء البدن ؟ والكلام ليس في خصوص موضع النجاسة كما يشير إليه قوله: " خصوصا على ما اختاره... الخ " ومن اجل ما ذكرناه التجأ في النهاية الى قصر التطهير وصحة الغسل بغسلة واحدة على الغسل في الماء الكثير الذي لا ينفعل بالملاقاة وفى القليل بالشرط الذي ذكره. نعم يأتي بناء على ما ادعوه من وجوب تعدد المسبب بتعدد السبب العدم، ولهذا ان شيخنا في الذكرى بناء على القاعدة المذكورة صرح بعدم الاكتفاء بالمرة في الكثير لازالة حدث الجنابة والنجاسة الخبثية، قال: لانهما سببان فيتعدد حكمهما. وفيه ما عرفت. والله العالم.


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>