تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الثالث


المقصد الرابع

في الآداب

ومنها ما هو مقدم ومنها ما هو مقارن، وهي أمور:

(الاول) - البول مع امكانه على المشهور بين المتأخرين، وبه صرح المرتضى وابن ادريس والعلامة ومن تأخر عنه، وقيل بالوجوب، ونقله في الذكرى عن جمع من متقدمي الاصحاب: منهم - الشيخ في المبسوط وابن حمزة وابن زهرة والكيدري وابن البراج في الكامل وابو الصلاح وظاهر صاحب الجامع، وفى من لا يحضره الفقيه: " من ترك البول على اثر الجنابة أو شك تردد بقية الماء في بدنه فيورثه الداء الذي لا دواء له " قال في الذكرى: " وهو مروي في الجعفريات عن النبي (صلى الله


[ 104 ]

عليه وآله) " (1) وفى عبائر جملة منهم كالشيخ المفيد والجعفي وابنى بابويه وابن البراج في غير الكتاب المتقدم وابن الجنيد (رحمه الله) الامر بذلك. ونقل في المختلف عن الشيخ انه احتج بالاحاديث الدالة على وجوب الغسل مع وجود البلل (2) ثم اجاب بانها غير دالة على محل النزاع فانا نسلم انه يجب عليه مع وجود البلل اعادة الغسل. واحتج في المختلف للاستحباب بالاصل، وبقوله عزوجل: " وان كنتم جنبا فاطهروا... " (3) ولم يوجب الاستبراء. وقال في الذكرى: " ولا بأس بالوجوب محافظة على الغسل من طريان مزبله، ومصيرا الى قول معظم الاصحاب، واخذا بالاحتياط " انتهى وفى البيان حكم بان الاصح الاستحباب. اقول: اما ما ذكره الشيخ (رحمه الله) - من الاستدلال بالاخبار المشار إليها كما صرح به في الاستبصار - ففيه ما ذكره في المختلف، فان وجوب الاعادة بدون الاستبراء لا دلالة له على اصل وجوب الاستبراء بوجه. واما ما ذكره في الذكرى من قوله: " ولا بأس بالوجوب... الخ " فان كان المراد منه اختيار القول بالوجوب كما هو ظاهر كلامه فهذه الوجوه التي ذكرها لا تصلح دليلا له كما لا يخفى، وان اراد ان الاحتياط في ذلك فلا ريب فيه. والاظهر الاستدلال على ذلك بما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح أو الحسن عن احمد بن محمد بن ابي نصر البزنطي (4) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن غسل الجنابة. قال تغسل يدك اليمنى من المرفقين الى اصابعك، وتبول ان قدرت على البول، ثم تدخل يدك في الاناء ثم اغسل ما اصابك منه... الحديث ". ومضمرة احمد بن هلال المتقدمة في المقصد الثاني (5) قال: " سألته عن رجل


(1) ص 21 (2) و (5) المروية في الوسائل في الباب 36 من ابواب الجنابة (3) سورة المائدة. الآية 6 (4) رواه في الوسائل في الباب 26 من ابواب الجنابة


[ 105 ]

اغتسل قبل ان يبول فكتب: ان الغسل بعد البول الا ان يكون ناسيا فلا يعيد منه الغسل " وفى الفقه الرضوي (1) " فإذا اردت الغسل من الجنابة فاجتهد ان تبول حتى تخرج فضلة المني التي في احليلك، وان جهدت ولم تقدر على البول فلا شئ عليك وتنظف موضع الاذى منك... الخ " وبصدر هذه العبارة عبرابنا بابويه على ما نقل عنهما والظاهر انه على هذه الاخبار اعتمد المتقدمون فيما صرحوا به من الوجوب أو ذكر الامر بذلك في كلامهم، ولا سيما الشيخ علي بن بابويه في رسالته، فانها إلا الشاذ النادر منقولة من الفقه الرضوي كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في المباحث الآتية من هذا الكتاب، والصدوق في الفقيه كثيرا ما يعبر ايضا بعبارات الكتاب من غير استناد ولا نسبة الى الرواية، وعبارة الكتاب المذكور هنا ظاهرة في الوجوب للامر بذلك الذي هو حقيقة في الوجوب كما اوضحناه في مقدمات الكتاب، ونحوها صحيحة البزنطي وان كان الامر فيها بالجملة الفعلية، لما حققنا ثم ايضا من انه لا اختصاص للوجوب بمفاد صيغة الامر بل كل ما دل على الطلب، كما هو مقتضى الآيات القرآنية والاحاديث المعصومية حسبما تقدم تحقيقه في الموضع المشار إليه. وبذلك يندفع ما اورده بعضهم على الاستدلال بالرواية لذلك. وما ربما يورد عليها ايضا - من ان ورود الامر بذلك في قرن هذه المستحبات يؤذن بالاستحباب - فهو مردود بان الامر حقيقة في الوجوب، وقيام الدليل على خلافه في بعض الاوامر لا يستلزم انسحابه الى ما لا معارض له ولا دليل على خلافه كما صرحوا به، وهل هو الا من قبيل العام المخصوص فانه يصير حجة في الباقي، وبما ذكرناه يظهر قوة ما ذهب إليه المتقدمون (رضوان الله عنهم) ويظهر ضعف ما ذكره في المختلف من الاستناد في الاستحباب الى الاصل، فانه يجب الخروج عنه بالدليل، والآية مطلقة يجب تقييدها ايضا به كما وقع لهم في غير مقام.

 


(1) ص 3.


[ 106 ]

بقى الكلام هنا في موضعين:

(الموضع الاول) - انه هل ينسحب الحكم الى المرأة فيجب أو يستحب لها البول ايضا ام لا ؟ قولان: ظاهر المقنعة والنهاية الاول، حيث قال في المقنعة: " ينبغي للمرأة ان تستبرئ نفسها قبل الغسل بالبول، فان لم يتيسر لها ذلك لم يكن عليها شئ " وقال في النهاية بعد ذكر الرجل وانه يستبرئ نفسه بالبول: " وكذلك تفعل المرأة " وظاهر العلامة ومن تأخر عنه الثاني، قال في المختلف - بعد ان نقل عن الشيخ في الجمل تخصيص الحكم بالرجل - ما صورته: " وهو الحق لان المراد منه استخراج المختلف من بقايا المني في الذكر، وهذا المعنى غير متحقق في طرف المرأة، لان مخرج البول ليس هو مخرج المني فلا معنى لاستبرائها " انتهى. والاجود الاستناد في ذلك الى عدم الدليل الذي هو دليل على العدم، والالحاق بالرجل قياس مع الفارق، ولان الغرض من الاستبراء - كما يفهم من الاخبار - انما هو لعدم اعادة الغسل ومورد الاخبار المذكورة انما هو الرجل، ويعضده ان يقين الطهارة لا يرتفع بالشك، والرجل قد خرج بالنصوص الصحيحة الصريحة فتبقى المرأة لعدم الدليل وحينئذ فما تجده المرأة من البلل المشتبه لا يترتب عليه حكم. واورد على ما ذكره العلامة من عدم ترتب الفائدة عليه لتغاير المخرجين بانه يمكن ان يعصر البول بعد خروجه مخرج المني فيخرجه، مع ان الحال في الرجل ايضا كذلك لان مخرج منيه غير مخرج بوله الا انهما اشد تقاربا من مخرجي المرأة، ومن اجل ذلك انا ضربنا صفحا عن الاعتماد عليه وان امكن الجواب عنه بالفرق بين مخرجي الرجل والمرأة، لاشتراك مخرجي الرجل في نفس الذكر ومخرج الجميع من مخرج واحد، بخلاف مخرجي المرأة فانهما مفترقان الى وقت الخروج، فالحكم هنا - بعصر البول عند خروجه لمخرج المني كما ادعاه القائل المذكور - غير معلوم. واما ما ذكره صاحب رياض المسائل - من التوقف في هذه المسألة لاطلاق قوله (عليه السلام) في مضمرة احمد بن هلال (1): " ان الغسل بعد البول " وان خصوص


(1) ص 104.


[ 107 ]

السؤال عن الرجل لا يخصص. ومن حيث خصوص اكثر الروايات المشتملة على حكمة الامر به وهو اعادة الغسل لو وقع قبله عند خروج بلل مشتبه بعده بالرجل، مع التصريح في البعض بالفرق بينهما بالاعادة فيه دونها معللا بان ما يخرج من المرأة إنما هو من ماء الرجل - فلا يخفى ما فيه: (اما اولا) - فلان الاستناد الى هذا الاطلاق الذي ذكره وان خصوص السؤال عن الرجل لا يخصص انما يتم لو كان الجواب مقصورا على هذه العبارة التي ذكرها، ولكن الضمائر الواقعة في الجواب بعدها لا مرجع لها الا الرجل المذكور في السؤال، وحينئذ فما ادعاه من الاطلاق غير تام بل الجواب ظاهر في خصوص الرجل المسؤول عنه، واحتمال عود الضمير الى المغتسل المفهوم من قوله: " ان الغسل " خلاف الظاهر. و (اما ثانيا) - فلما في متن هذه الرواية من العلة زيادة على ضعف سندها بالراوي المذكور، حيث ان ظاهرها يشعر بانه لو تعمد الغسل قبل البول فانه يعيد الغسل فان تقدير الكلام باعتبار اضمار المستثنى منه في قوة أن يقال: الغسل بعد البول فلا يصح قبله الا ان يكون ناسيا فانه يصح ولا يعيد الغسل منه. وهو باطل اجماعا نصا وفتوى. و (اما ثالثا) - فلان الاصل العدم، ويعضده ما ذكره في الوجه الثاني من خصوص الروايات المشتملة على حكمة الامر به المعتضدة بالتصريح بالفرق بين ما يخرج من الرجل وما يخرج من المرأة، والرواية التي ذكرها لا تبلغ قوة المعارضة لشئ من ذلك متنا وسندا بل هي ساقطة مرجوعة الى قائلها، وبذلك يظهر قوة القول المشهور. هذا كله فيما إذا لم يعلم ان الخارج مني، والا فلو علم فالذي دل عليه موثق سليمان بن خالد المتقدم (1) ان الذي يخرج منها انما هو مني الرجل، وقطع ابن ادريس


(1) المروي في الوسائل في الباب 13 من ابواب الجنابة


[ 108 ]

بوجوب الغسل عليها في الصورة المذكورة ولم يعمل بالرواية لعموم " الماء من الماء " (1) ولا يخفى ضعفه. فان حديثه عام أو مطلق وهذا خاص أو مقيد ومقتضى القاعدة تقديم العمل به.

(الموضع الثاني) - لو اجنب ولم ينزل فهل يستحب ايضا له الاستبراء بالبول ام لا ؟ ظاهر جملة من الاصحاب (رضي الله عنهم) الثاني، قال في المنتهى: " لو جامع ولم ينزل لم يجب عليه الاستبراء، ولو رأى بللا يعلم انه مني وجب عليه الاعادة، اما المشتبه فلا لانا انما حكمنا هناك بكون البلل منيا بناء على الغالب من استخلاف الاجزاء بعد الانزال، وهذا المعنى غير موجود مع الجماع الخلي من الانزال " وبذلك صرح الشهيدان والمحقق الشيخ علي (رحمهم الله) قال في الذكرى: " انما يجب الاستبراء أو يستحب ويتعلق به الاحكام للمنزل، اما المولج بغير انزال فلا لعدم سببه. هذا مع تيقن عدم الانزال، ولو جوزه امكن استحباب الاستبراء اخذا بالاحتياط، اما وجوب الغسل بالبلل فلا. لان اليقين لا يرفع بالشك " انتهى. واعترضهم في الذخيرة فقال: " ويرد عليهم عموم الروايات كما ستطلع عليه من غير تفصيل، وانتفاء الفائدة ممنوع إذ عسى ان ينزل ولم يطلع عليه واحتبس شئ في المجاري لكون الجماع مظنة نزول الماء " انتهى. اقول: لا ريب في ان الروايات في هذه المسألة وان كانت مطلقة كما ذكره الا ان اطلاقها انما وقع من حيث معلومية الحكم وظهوره، فانه لا يخفى على ذي مسكة ان المستفاد من الاخبار المذكورة ان العلة في الامر بالبول هو تنقية المخرج لئلا يخرج بعد ذلك شئ يوجب اعادة الغسل، ولا يعقل لاستحباب البول بمجرد الايلاج سيما مع تيقن عدم الانزال وجه وان شمله اطلاق الاخبار المذكورة. واما قوله: " وعسى ان ينزل... "


(1) هذا مضمون الروايات الدالة على ان الغسل من الماء الاكبر المروية في الوسائل في الباب 7 و 9 من ابواب الجنابة، وقد ورد هذا اللفظ في صحيحة زرارة المتقدمة ص 6 حكاية عن الانصار.


[ 109 ]

ففيه ان الانزال مقرون بعلامات موجبة للعلم به مثل الشهوة وفتور الجسد والدفق ونحوها، وفرض ما ذكره - مع كونه من النادر الذي لا تبنى عليه الاحكام الشرعية - لا يوجب قصر الحكم عليه، فلا يكون ما ذكره من الحكم كليا وهو خلاف ظاهر كلامه. وبالجملة فان خروج الاخبار في هذا المقام مطلقة انما هو من حيث معلومية ذلك.

(الثاني) - غسل اليدين ان لم يصبهما قذر قبل ادخالهما الاناء إذا كان الغسل منه، كما هو المعروف في الازمنة السابقة وبه وردت الاخبار، وان استحباب ذلك ثابت اجماعا فتوى ورواية. ويجزئ غسل الكفين من الزندين كما اشتمل عليه اكثر الاخبار وهو المشهور، ونقل في الذكرى عن الجعفي انه يغسلهما الى المرفقين أو الى نصفهما لما فيه من المبالغة في التنظيف والاخذ بالاحتياط: ففي صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " سألته عن غسل الجنابة. فقال: تبدأ بكفيك فتغسلهما ثم تغسل فرجك... الحديث ". وفى موثقة ابي بصير (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجنابة. فقال: تصب على يديك الماء فتغسل كفيك ثم تدخل يدك فتغسل فرجك... الحديث ". وفى صحيحة زرارة (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجنابة فقال: تبدأ فتغسل كفيك... ". ويجزئ غسل الكف الايمن كما تضمنته صحيحة حكم بن حكيم (4) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجنابة. فقال: افض على كفك اليمنى من الماء فاغسلها... الحديث ". والافضل دون المرفق كما تضمنته موثقة سماعة (5) عن الصادق (عليه السلام) قال: " إذا اصاب الرجل جنابة فاراد الغسل فيلفرغ على كفيه فليغسلهما دون المرفق... ".


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب 26 من أبواب الجنابة


[ 110 ]

أو الى نصف الذراع كما تشعر به رواية يونس عنهم (عليهم السلام) (1) المتضمنة لغسل الميت وانه يغسل يده ثلاث مرات كما يغتسل الانسان من الجنابة الى نصف الذراع. والا كمل من المرفق لما تضمنته صحيحة يعقوب بن يقطين عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) " يبدأ فغسل يديه الى المرفقين قبل ان يغمسهما في الماء... " وصحيحة احمد ابن محمد بن ابي نصر (3) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن غسل الجنابة فقال: تغسل يديك المينى من المرفقين الى اصابعك وتبول... الحديث " وقد تقدم قريبا، ورواية قرب الاسناد عن احمد بن محمد بن عيسى عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن الرضا (عليه السلام) (4) انه قال في غسل الجنابة: " تغسل يدك اليمنى من المرفق الى اصابعك... " والظاهر ان تثنية المرفق وافراد اليد في الرواية الثانية من سهو قلم الشيخ (رحمه الله) ورواية الحميري تؤيد الاول، قال في الوافي بعد نقل الخبر المذكور: " وفى بعض النسخ تغسل يديك الى المرفقين وهو الصواب ". وتكفي المرة والافضل الثلاث لصحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " سأل كم يفرغ الرجل على يده قبل ان يدخلها في الاناء ؟ قال: واحدة من حدث البول وثنتين من الغائط وثلاثا من الجنابة " وروى في الفقيه مرسلا قال قال الصادق (عليه السلام) (6): " اغسل يديك من البول مرة ومن الغائط مرتين ومن الجنابة ثلاثا " ورواية حريز عن الباقر (عليه السلام) (7) قال: " يغسل الرجل يده من النوم مرة ومن الغائط والبول مرتين ومن الجنابة ثلاثا " وفى الفقه الرضوي (8) " وتغسل يديك الى المفصل ثلاثا قبل ان تدخلهما الاناء وتسمى بذكر الله تعالى قبل ادخال يدك


(1) المروية في الوسائل في الباب 2 من ابواب غسل الميت. (2) المروية في الوسائل في الباب 34 من ابواب الجنابة. (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب 26 من ابواب الجنابة. (5) و (6) و (7) المروية في الوسائل في الباب 27 من ابواب الوضوء (8) ص 3.


[ 111 ]

الاناء " ومن المحتمل قريبا تعين الثلاث. فانه لا دليل للمرة الا اطلاق الاخبار المتقدمة ويمكن تقييده بهذه الروايات. وهل الحكم مختص بالغسل من الاناء الواسع الرأس القليل الماء، أو ينسحب الى الارتماس والغسل تحت المطر أو من اناء يصب عليه ونحو ذلك ؟ ظاهر الاخبار الاول، وصرح العلامة بالثاني محتجا بانه من سنن الغسل، قال في الذخيرة بعد نقل ذلك عنه: " وهو حسن لعموم صحيحة زرارة وصحيحة محمد بن مسلم وصحيحة حكم ابن حكيم ورواية ابي بكر الحضرمي " (1) وفيه ان سياق اكثر روايات الغسل بل روايات الوضوء ايضا ظاهر في كون الطهارة انما هي من الاواني الواسعة الرأس القليلة الماء كالطشوت ونحوها، وما اطلق واجمل منها وهو القليل يحمل على المفيد والمبين، والقول بعموم الاستحباب - كما ذكره - يحتاج الى دليل واضح وليس فليس. والله العالم.

(الثالث) - المضمضة والاستنشاق ومحلهما بعد ازالة النجاسة كما يفهم من الاخبار ففي صحيحة زرارة عن الصادق (عليه السلام) (2) " تبدأ فتغسل كفيك ثم تفرغ بيمينك على شمالك فتغسل فرجك ومرافقك ثم تمضمض واستنشق.. " وفى رواية ابي بصير عنه (عليه السلام) (3) " تصب على يديك الماء فتغسل كفيك ثم تدخل يدك فتغسل فرجك ثم تتمضمض وتستنشق... ". وحملتا على الاستحباب جمعا بينهما وبين ما تقدم في المسألة الثامنة من المقصد المتقدم (4) من الاخبار الدالة على نفيهما في الغسل بحملها على نفي الوجوب كما تقدمت الاشارة إليه. والمشهور استحباب التثليث مقدما لثلاث الاولى على الثانية، وجملة منهم ذكروا الحكم المذكور هنا وفى الوضوء ولم يوردوا له دليلا، وبعضهم اعترف بعدم الوقوف على


(1) المروية في الوسائل في الباب 34 من ابواب الجنابة. (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 26 من ابواب الجنابة. (4) ص 91.


[ 112 ]

الدليل في الموضعين، والذي وقفت عليه من الدليل هنا ما ذكره في الفقه الرضوي (1) حيث قال (عليه السلام): " وقد نروي ان يتمضمض، يستنشق ثلاثا ويروى مرة مرة تجزيه وقال الافضل الثلاث وان لم يفعل فغسله تام " واما الوضوء فقد تقدم دليله (2).

(الرابع) - التسمية على ما ذكره جملة من الاصحاب، واسندها في الذكرى الى الجعفي، قال: " وقال الشيخ المفيد (رحمه الله): يسمى الله عزوجل عند اغتساله ويمجده ويسبحه. ونحوه قال ابن البراج في المهذب، والاكثر لم يذكروها في الغسل، والظاهر انهم اكتفوا بذكرها في الوضوء تنبيها بالادنى على الاعلى " انتهى. اقول: لا يخفى ما في هذا العذر من البعد، بل الظاهر ان عدم ذكرهم لها انما هو لعدم وقوفهم على دليل لذلك، ومن ذكرها فلعله وقف على الدليل. واستدل في الذكرى على ذلك باطلاق صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: " هذا وضعت يدك في الماء فقل بسم الله وبالله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. فإذا فرغت فقل الحمد لله رب العالمين " وهذا الخبر انما اورده الاصحاب في الوضوء ولهذا ان صاحب رياض المسائل انما استند في استحبابها الى الخبر العام، والظاهر انه اشار به الى قوله (عليه السلام): " كل امر لم يبدأ فيه باسم الله فهو ابتر " ثم قال: " ويتخير في جعلها عند غسل اليدين وعند المضمضة والاستنشاق وعند ابتداء غسل الرأس لصدق البدأة في الكل " اقول: ما ذكره من التخيير جيد بالنسبة


(1) ص 3 (2) ج 2 ص 162 (3) المروية في الوسائل في الباب 26 من ابواب الوضوء (4) في سفينة البحار ج 1 ص 663 عن تفسير الامام العسكري عن امير المؤمنين (عليهما السلام) عن رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث " كل امر ذي بال لم يذكر فيه بسم الله فهو ابتر " وفى عمدة القارئ ج 1 ص 25 والجامع الصغير ج 1 ص 91 عن ابى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله " كل امر ذى بال لم يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو اقطع ".


[ 113 ]

الى ما خرجه من الدليل، والمستفاد من كلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي - كما قدمنا ذكره قريبا - هو استحباب التسمية وان محلها قبل ادخال اليد في الاناء، وهذا مما اختص ببيان دليله الكتاب المذكور. والله العالم.

(الخامس) - الدلك باليد، ذكره الاصحاب (رض) وعللوه بما فيه من الاستظهار والمبالغة في ايصال ماء الغسل، وقال في المعتبر انه اختيار علماء اهل البيت (عليهم السلام) وفى المنتهى انه مذهب اهل البيت، وظاهر كلاميهما دعوى الاجماع عليه، وظاهر كلام الجميع عدم الوقوف فيه على نص، والحكم المذكور قد صرح به في الققه الرضوي (1) فقال بعد ان ذكر صفة الغسل وانه يصب على رأسه ثلاث اكف وعلى جانبه الايمن مثل ذلك وعلى جانبه الايسر مثل ذلك الى ان قال: " ثم تمسح سائر بدنك بيديك وتذكر الله تعالى فانه من ذكر الله تعالى على غسله وعند وضوئه طهر بدنه كله... الحديث ". اقول: لا ريب انه متى كان غسل الاعضاء الثلاثة انما هو بالاكف الثلاثة ونحوها كما تضمنه هذا الخبر وغيره، فانه لا يبعد وجوب الدلك ليحصل يقين ايصال الماء الى جميع البدن. وبالجملة فالحكم المذكور مما لا اشكال فيه ويشير إليه ايضا قوله في صحيحة زرارة عن الصادق (عليه السلام) (2): "... ولو ان جنبا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة اجزأه ذلك وان لم يدلك جسده ".

(السادس) - تخليل ما يصل إليه الماء بدون التخليل استظهارا كالشعر الخفيف ومعاطف الاذنين والابطين والسرة وعكن البطن في السمين وما تحت ثدي المرأة ونحو ذلك، اما ما لا يصل إليه الماء بدون التخليل فانه يجب تخليله كما تقدم، ويشير الى الحكم المذكور ما تقدم في المسألة السادسة من سابق هذا المقصد (3) من


(1) ص 3 (2) المروية في الوسائل في الباب 26 من ابواب الجنابة (3) ص 89


[ 114 ]

قوله (عليه السلام) في حسنة جميل: " ثم قال يبالغن في الغسل " وفى صحيحة محمد بن مسلم: " يبالغن في الماء " وفى الفقه الرضوي: " والاستظهار فيه إذا امكن " ولا ينافي ذلك ما تقدم في المسألة السابعة من سابق هذا المقصد (1) في صحيحة ابراهيم بن ابي محمود ورواية اسماعيل بن ابي زياد، فان غاية ما تدلان عليه صحة الغسل مع عدم التخليل وهو لا ينافي استحبابه، على انك قد عرفت ثمة ارتكاب التأويل فيهما. ونقل في الذكرى عن العلامة انه حكم باستحباب تخليل المعاطف والغضون ومنابت الشعر والخاتم والسير قبل افاضة الماء للغسل ليكون ابعد عن الاسراف واقرب الى ظن وصول الماء قال: وقد نبه عليه قدماء الاصحاب. انتهى. وفيه ما لا يخفى.

(السابع) - الدعاء لما رواه الشيخ (رحمه الله) عن عمار الساباطي (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا اغتسلت من جنابة فقل اللهم طهر قلبي وتقبل سعيي واجعل ما عندك خيرا لي اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، وإذا اغتسلت للجمعة فقل اللهم طهر قلبي من كل آفة تمحق ديني وتبطل عملي اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين " وما رواه عن محمد بن مروان عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " تقول في غسل الجمعة اللهم طهر قلبي من كل آفة تمحق ديني وتبطل عملي، وتقول في غسل الجنابة اللهم طهر قلبي وزك عملي واجعل ما عندك خيرا لي " وفى كتاب المصباح (4) تقول عند الغسل: " اللهم طهرني وطهر قلبي واشرح لي صدري واجر على لساني مدحتك والثناء عليك اللهم اجعله لي طهورا وشفاء ونورا انك على كل شئ قدير " وقال المفيد (رحمه الله) في المقنعة: " ويسمى الله تعالى عند اغتساله ويمجده ويسبحه، فإذا فرغ من غسله فليقل اللهم طهر قلبي وزك عملي واجعل ما عندك خيرا لي اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين " والظاهر حصول الامتثال بالدعاء حال الاغتسال


(1) ص 91 (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 37 من ابواب الجنابة. (4) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 26 من ابواب الجنابة


[ 115 ]

وبعده والاخبار المذكورة لا تأباه، وبذلك صرح شيخنا الشهيد في الذكرى فقال: " ولعل استحباب الدعاء للغسل شامل حال الاغتسال وبعده ".

(الثامن) - الاستبراء بالاجتهاد على المشهور سيما بين المتأخرين، وبه صرح المرتضى (رضي الله عنه) وابن ادريس ومن تأخر عنه، ونقل عن الشيخ في المبسوط والجمل وجوبه وعبارته تدل على وجوب الاستبراء بالبول أو الاجتهاد على الرجل، وظاهر هذا الكلام هو ان الواجب الاستبراء بالبول ان امكن والا فبالاجتهاد، وهو الظاهر من كلام الشيخ المفيد (رحمه الله) في المقنعة حيث قال: " وإذا عزم الجنب على التطهير بالغسل فليستبرئ بالبول ليخرج ما بقى من المني في مجاريه، فان لم يتيسر له ذلك فليجتهد في الاستبراء بمسح ما تحت الانثيين الى اصل القضيب وعصره الى رأس الحشفة ليخرج ما لعله باق فيه من نجاسة " ونقل مثله ايضا عن ابن البراج. وعن ظاهر الجعفي وجوب البول والاجتهاد معا. وجملة من عبائر القائلين بالوجوب مجملة حيث صرحوا بوجوب الاستبراء ولم يفسروه بالبول أو الاجتهاد أو هما معا. وكيف كان فالظاهر هو القول المشهور وضعف القول المذكور، لعدم الدليل عليه، والدليل الذي اورده الشيخ على وجوب الاستبراء بالبول - وهو الروايات الدالة على وجوب اعادة الغسل بدونه (1) - لا يمكن الاستدلال به هنا سيما في صورة ما إذا بال. وبالجملة فانا لم نقف في شئ من اخبار الغسل على الامر للمنزل بالاستبراء بالاجتهاد وانما ورد ذلك بعد البول. وهل يستحب الاستبراء للمرأة ايضا ؟ قولان. واما كيفية الاستبراء بالاجتهاد فقد تقدم تحقيق القول فيه في بحث الوضوء (2).

(التاسع) - الموالاة ذكرها جملة من متأخرى الاصحاب، وعللوه بما فيه من المبادرة الى الواجب والتحفظ من طريان المفسد للغسل، ولان المعلوم من صاحب الشرع وذريته المعصومين (صلوات الله عليهم) فعل ذلك، وظهر كلامهم الاتفاق


(1) المروية في الوسائل في الباب 36 من ابواب الجنابة. (2) ج 2 ص 56.


[ 116 ]

على عدم وجوبها هنا بكل من المعنيين المذكورين في الوضوء، وقد تقدم الكلام في ذلك في المسألة الثالثة من المسائل الملحقة بالمقصد المتقدم (1).

(العاشر) - الغسل بصاع، وعليه اجماع علمائنا واكثر العامة، ونسب الى ابى حنيفة القول بوجوب الصاع (2). ويدل على الاستحباب - مضافا الى اجماع - الروايات الدالة على الاكتفاء بمجرد الجريان ولو كالدهن، ومنها - صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (3) قال: " سألته عن غسل الجنابة، فقال تبدأ بكفيك فتغسلهما، الى ان قال: ثم تصب على سائر جسدك مرتين فما جرى عليه الماء فقد طهر " وفى صحيحة زرارة أو حسنته (4) قال: " قلت كيف يغتسل الجنب ؟ فقال: ان لم يكن اصاب كفه شئ، الى ان قال: فما جرى عليه الماء فقد اجزأه " وفى صحيحته الاخرى (5) "... وكل شئ امسسته الماء فقد انقيته... " وفى موثقته ايضا (6) " افض على رأسك ثلاث اكف وعن يمينك وعن يسارك انما يكفيك مثل الدهن " وفى حسنة هارون بن حمزة الغنوى (7) قال: " يجزيك من الغسل والاستنجاء ما بلت يدك " الى غير ذلك من الاخبار. ومما يدل على استحباب الصاع هنا ما رواه في التهذيب في الصحيح عن معاوية بن عمار (8) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: كان رسول الله (صلى الله


(1) ص 83 (2) في المغنى لابن قدامة الحنبلى ج 1 ص 224 " حكى عن ابى حنيفة انه لا يجزئ دون الصاع في الغسل والمد في الوضوء " وفى بدائع الصنائع للكاسانى الحنفي ج 1 ص 35 " ذكر في ظاهر الرواية ادنى ما يكفى في الغسل من الماء صاع وفى الوضوء مد، وهذا التقدير غير لازم بحيث لا يجوز النقصان عنه والزيادة عليه بل هو لبيان ادنى الكفاية عادة حتى ان من اسبغ الوضوء والغسل بدون ذلك اجزأه ". (3) و (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب 26 من ابواب الجنابة (6) و (7) المروية في الوسائل في الباب 31 من ابواب الجنابة (8) رواه في الوسائل في الباب 32 من ابواب الجنابة


[ 117 ]

عليه وآله) يغتسل بصاع وإذا كان معه بعض نسائه يغتسل بصاع ومد " وعن زرارة في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ بمد ويغتسل بصاع، والمد رطل ونصف والصاع ستة ارطال " قال الشيخ (رحمه الله): " اراد به ارطال المدينة فيكون تسعة ارطال بالعراقي " وعن زرارة ومحمد بن مسلم وابي بصير في الصحيح عن الباقر والصادق (عليهما السلام) (2) انهما قالا: " توضأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمد واغتسل بصاع، ثم قال: اغتسل هو وزوجته بخمسة امداد من اناء واحد. قال زرارة فقلت كيف صنع هو ؟ فقال بدأ هو فضرب يده في الماء قبلها وانقى فرجه ثم ضربت هي فانقت فرجها ثم افاض هو وافاضت هي على نفسها حتى فرغا، فكان الذي اغتسل به رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاثة امداد والذي اغتسلت به مدين، وانما اجزأ عنهما لانهما اشتركا جميعا ومن انفرد بالغسل وحده فلا بد له من صاع ". اقول: قوله (عليه السلام): " ومن انفرد بالغسل وحده فلا بد له من صاع " لا ينافي ما قدمنا من الاخبار، لانه محمول على سنة الاسباغ جمعا بينه وبين الاخبار المتقدمة، وبذلك صرح جملة من الاصحاب (رضى الله عنهم) قال شيخنا المفيد (رحمه الله): " والغسل بصاع من الماء وقدره تسعة ارطال بالبغدادي، وذلك اسباغ ودون ذلك مجزئ في الطهارة " وقال الشيخ في المبسوط: " والاسباغ بتسعة ارطال " وفى النهاية " والاسباغ يكون بتسعة ارطال من ماء " وفى الخلاف " الفرض في الغسل ايصال الماء الى جميع البدن وفى الوضوء الى اعضاء الطهارة، وليس له قدر لا يجوز اقل منه الا ان المستحب ان يكون الغسل بتسعة ارطال والوضوء بمد ". وهذه العبارات كلها ولاسيما عبارة الخلاف مطابقة للاخبار المتقدمة متوافقة في ان المجزئ هو ما صدق عليه الغسل وان نهاية ما يستحب من الزيادة لسنة الاسباغ هو


(1) رواه في الوسائل في الباب 50 من ابواب الوضوء (2) رواه في الوسائل في الباب 32 من ابواب الجنابة


[ 118 ]

الصاع، وبذلك يظهر لك ما في كلام العلامة في المنتهى وقبله المحقق في المعتبر من ان المستحب هو الصاع فما زاد، قال في المعتبر في تعداد سنن الغسل: " والغسل بصاع فما زاد لا خلاف بين فقهائنا في استحبابه " وقال في المنتهى: " الغسل بصاع فما زاد مستحب عند علمائنا اجمع " وقال الشهيد في الذكرى: " والشيخ وجماعة ذكروا استحباب الغسل بصاع فما زاد، والظاهر انه مقيد بعدم ادائه الى السرف المنهى عنه " انتهى. اقول: لا يبعد ان ما نسبه الشهيد الى الشيخ وجماعة انما نشأ من نظره الى عبارتي المعتبر والمنتهى، حيث ادعوا ان الحكم بذلك اجماعي، والا فعبارات الشيخ (رحمه الله) التي قدمناها خالية عما نقله عنه، واحتمال كون ذلك في موضع آخر من كتبه الظاهر بعده، فان هذه الكتب الثلاثة هي المعول عليها في نقل مذاهبه غالبا، وايضا لو كان كذلك لم ينقل ذلك على الاطلاق. ومما يدفع ما ادعاه الفاضلان المذكوران من الاجماع (اولا) - تصريح الاصحاب المتقدم ذكرهم بعدم الزيادة بل ظاهر كلامهم ان هذا نهاية الاستحباب. و (ثانيا) - ما تقدم في بحث الوضوء من مرسلة الفقيه (1) عنه (صلى الله عليه وآله) قال: " الوضوء مد والغسل صاع وسيأتي اقوام من بعدي يستقلون ذلك فاولئك على خلاف سنتي والثابت على سنتي معي في حظيرة القدس " وربما استفيد من اخبار كيفية الغسل دخول ماء الاستنجاء والغسل المستحب والمضمضة والاستنشاق في الصاع المذكور، وصحيحة الفضلاء المتقدمة ظاهرة في دخول ماء الاستنجاء. واما تحقيق الصاع وقدره فسيأتي ان شاء الله تعالى في كتاب الزكاة. المقصد الخامس في الاحكام وفيه مسائل: (الاولى) - المشهور بين الاصحاب وجوب الوضوء مع كل غسل إلا غسل الجنابة فانه لا يجب. معه اجماعا، وهل يستحب معه ام لا ؟ قولان


(1) المروية في الوسائل في الباب 50 من ابواب الوضوء.


[ 119 ]

المشهور العدم. فالكلام هنا يقع في مقامين: (الاول) - في وجوب الوضوء مع كل غسل، وعليه جل الاصحاب، وذهب المرتضى (رضي الله عنه) الى انه لا يجب الوضوء مع الغسل سواء كان فرضا أو نفلا، ونقله في المختلف عن ابن الجنيد ايضا، واليه مال جملة من افاضل متأخرى المتأخرين. احتج الاولون بقوله عزوجل: " يا ايها الذين امنوا إذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم... الآية " (1) فانه شامل لمن اغتسل وغيره، خرج منه الجنب بالنص والاجماع وبقى ما عداه. وما رواه في الكافي (2) في الصحيح عن ابن ابي عمير عن رجل عن الصادق (عليه السلام) قال: " كل غسل قبله وضوء الا غسل الجنابة " قال في الكافي (3): " وروي انه ليس شئ من الغسل فيه وضوء الا غسل يوم الجمعة فان قبله وضوء " قال: " وروي اي وضوء اطهر من الغسل ؟ ". وما رواه في التهذيب (4) في الصحيح عن ابن ابي عمير عن حماد بن عثمان أو غيره عن الصادق (عليه السلام) قال: " في كل غسل وضوء الا الجنابة " وهذه الرواية رواها في المختلف في الحسن عن حماد بن عثمان عن الصادق (عليه السلام). وفيه ان سندها في كتب الاخبار عن حماد بن عثمان أو غيره فهى لا تخرج عن الارسال، ولهذا ردها المتأخرون بالارسال كسابقتها بل جعلها في المدارك رواية واحدة وردها بضعف السند وشنع على من جعلهما روايتين، واما نقل العلامة لها عن حماد عنه (عليه السلام) فالظاهر انه من سهو القلم حيث ان الموجود في كتب الاخبار انما هو ما ذكرناه. وعن علي بن يقطين في الصحيح عن ابي الحسن الاول (عليه السلام) (5)


(1) سورة المائدة الآية 9 (2) " 3 " و " 4 " رواه في الوسائل في الباب 35 من ابواب الجنابة. (5) رواه في الوسائل في الباب 33 من ابواب الجنابة


[ 120 ]

قال: " إذا اردت ان تغتسل للجمعة فتوضأ واغتسل " اقول: ويدل عليه ما ذكره (عليه السلام) في الفقه الرضوي (1) حيث قال (عليه السلام): " والوضوء في كل غسل ما خلا غسل الجنابة، لان غسل الجنابة فريضة تجزئه عن الفرض الثاني ولا يجزئه سائر الغسل عن الوضوء لان الغسل سنة والوضوء فريضة ولا تجزئ سنة عن فرض، وغسل الجنابة والوضوء فريضتان فإذا اجتمعا فاكبرهما يجزئ عن اصغرهما، وإذا اغتسلت لغير جنابة فابدأ بالوضوء ثم اغتسل ولا يجزيك الغسل عن الوضوء. فان اغتسلت ونسيت الوضوء فتوضأ واعد الصلاة " انتهى. ولا يخفى ما فيه من الصراحة والمبالغة في وجوب الوضوء، وبهذه العبارة بعينها عبر الصدوق في الفقيه من غير اسناد الى الرواية، وهو قرينة ظاهرة في الاعتماد على الكتاب المذكور والافتاء بعبارته كما جرى عليه ابوه قبله في رسالته إليه، وسيظهر لك ذلك ان شاء الله تعالى في الابواب الآتية ظهورا لا يعتريه الشك والريب. واما ما يدل على القول الثاني وهو المختار فجملة من الاخبار: منها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: " الغسل يجزئ عن الوضوء واي وضوء اطهر من الغسل ؟ " وفى الصحيح عن حكم بن حكيم (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجنابة. فقال: افض على كفك اليمنى، الى ان قال: قلت ان الناس يقولون يتوضأ وضوء الصلاة قبل الغسل، فضحك (عليه السلام) وقال: واي وضوء انقى من الغسل وابلغ ؟ " وعن عبد الله بن سليمان (4) قال: " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: الوضوء بعد الغسل بدعة " وعن سليمان بن خالد في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) (5) قال: " الوضوء بعد الغسل بدعة " وعن الحسن بن علي ابن ابراهيم بن محمد عن جده ابراهيم بن محمد ان محمد بن عبد الرحمان الهمداني (6)


(1) ص 3 (2) و (4) و (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 33 من ابواب الجنابة (3) رواه في الوسائل في الباب 34 من ابواب الجنابة


[ 121 ]

" كتب الى ابي الحسن الثالث (عليه السلام) يسأله عن الوضوء للصلاة في غسل الجمعة. فكتب: لا وضوء للصلاة في غسل الجمعة ولا غيره " وعن حماد بن عثمان عن رجل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1): " في الرجل يغتسل للجمعة أو غير ذلك أيجزيه من الوضوء ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): واي وضوء اطهر من الغسل ؟ " وعن عمار الساباطي في الموثق (2) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل إذا اغتسل من جنابة أو يوم جمعة أو يوم عيد، هل عليه الوضوء قبل ذلك أو بعده ؟ فقال: لا ليس عليه قبل ولا بعد قد اجزأه الغسل، والمرأة مثل ذلك إذا اغتسلت من حيض أو غير ذلك فليس عليها الوضوء لا قبل ولا بعد قد اجزأها الغسل " وعن محمد بن احمد بن يحيى مرسلا (3) " ان الوضوء بعد الغسل بدعة " وبهذا الاسناد قال: " الوضوء قبل الغسل وبعده بدعة ". ومما يعضد هذه الاخبار ويعلى هذا المنار الاخبار الواردة في احكام الحائض والمستحاضة والنفساء، فانها قد اشتملت على الغسل خاصة ولا سيما في مقام التقسيم الى الغسل في بعض والوضوء في بعض، والمقام مقام البيان فلو كان الوضوء مع الغسل واجبا لذكروه (عليهم السلام) ففي صحيحة زرارة (4) "... وان جاز الدم الكرسف تعصبت واغتسلت ثم صلت الغداة بغسل والظهر والعصر بغسل... " وفي صحيحة ابن سنان (5) " المستحاضة تغتسل عند صلاة الظهر وتصلى الظهر والعصر ثم تغتسل عند المغرب وتصلي المغرب والعشاء ثم تغتسل عند الصبح وتصلي الفجر... " وفى صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج (6) " ان كانت صفرة فلتغتسل ولتصل، الى ان قال: وان كان دما ليس بصفرة فلتمسك عن الصلاة ايام قرئها ثم لتغتسل ولتصل " وفي صحيحة الحسين بن نعيم الصحاف (7)


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 33 من ابواب الجنابة (4) و (5) و (7) المروية في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاستحاضة (6) المروية في الوسائل في الباب 5 من ابواب النفاس.


[ 122 ]

"... فان انقطع الدم عنها قبل ذلك فلتغتسل ولتصل... " وفي صحيحة معاوية بن عمار (1) "... فإذا جازت ايامها ورأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر والعصر، الى قوله: وان كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت ودخلت المسجد وصلت كل صلاة بوضوء... " الى غير ذلك من الاخبار. اقول: هذا ما وقفت عليه من اخبار المسألة، والظاهر عندي هو القول الثاني لدلالة جملة هذه الاخبار عليه، وجمهور اصحابنا (رضي الله عنهم) لم يوردوا في مقام الاستدلال للقول الثاني إلا اليسير منها، وقد اختلف كلامهم في الجواب عنها: فاما الشيخ (رحمه الله) في التهذيب فانه بعد ان ذكر موثقة عمار ورواية حماد ابن عثمان ومحمد بن عبد الرحمان الهمداني حملها على ما إذا اجتمعت هذه الاغسال مع غسل الجنابة، ولا يخفى بعده إذ لا قرينة ولا اشارة في شئ من الاخبار المذكورة تدل على ذلك واما الشهيد في الذكرى فانه لم يورد الا مكاتبة الهمداني ومرسلة حماد بن عثمان ثم قال: " وهي دليل المرتضى (رضي الله عنه) وابن الجنيد على اجزاء الغسل فرضه ونفله عن الوضوء، الى ان قال بعد كلام في البين: والحق ان الترجيح بالشهرة بين الاصحاب وكاد يكون اجماعا. والروايات معارضة بمثلها وبما هو اصح اسنادا منها " ولا يخفى ما فيه فان الترجيح بالشهرة في الفتوى لم يدل عليه دليل وانما الشهرة الموجبة للترجيح بين الاخبار هي الشهره في الرواية كما اشتملت عليه مقبولة عمر بن حنظلة (2) وغيرها، وهو ثابت في جانب روايات القول الثاني. وما ذكره من ان الروايات متعارضة فهو كذلك لكن الترجيح في جانب روايات القول الثاني لكثرتها واستفاضتها وضعف ما يقابلها سندا ودلالة كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى، وليس الدليل منحصرا في هاتين الروايتين المذكورتين في كلامه كما يوهمه ظاهر كلامه.


(1) المروية في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاستحاضة. (2) المروية في الوسائل في الباب 9 من ابواب صفات القاضى.


[ 123 ]

واما المحقق في المعتبر فانه بعد نقل القولين قال: " لنا ان كل واحد من الحدثين لو انفرد لاوجب حكمه ولا منافاة فيجب حكماهما لكن ترك العمل بذلك في غسل الجنابة فيبقى معمولا به هنا، ويؤكد ذلك رواية ابن ابي عمير، ثم اورد روايتيه المتقدمتين، ثم قال: فان احتج المرتضى (رضي الله عنه) بما رواه محمد بن مسلم، ثم اورد الرواية الاولى، ثم قال عاطفا عليها: وما روى من عدة طرق عن الصادق (عليه السلام) انه قال: " الوضوء بعد الغسل بدعة " (1) فجوابه ان خبرنا يتضمن والعمل بالمفصل اولى " انتهى. اقول: اما ما اورده اولا - من الدليل العقلي الذي هو بزعمهم اقوى من الدليل النقلي حتى انه انما جعل الدليل النقلي مؤيدا - ففيه (اولا) - ان الاحكام الشرعية توقيفية ليس للعقول فيها مسرح كما حققناه في مقدمات الكتاب، بل المرجع فيها الى الكتاب العزيز والسنة المطهرة. و (ثانيا) - انه من الجائز الممكن انه وان كان كل من الحدثين لو انفرد لاوجب حكمه الا انه بالاجتماع يندرج الاصغر تحت الاكبر كما في الجنابة، وكما خرجت الجنابة بالدليل - كما اعترف به - كذلك غيرها بالادلة التي قدمناها غاية الامر ان الجنابة قد اجمعوا عليها وهذه محل خلاف بينهم، ولكن بالنظر الى الادلة الشرعية والاخبار المعصومية التي هي المعتمد وعليها المدار فالاندارج حاصل والاكتفاء بالغسل ثابت. واما ما اجاب به عن احتجاج المرتضى (رضي الله عنه) ففيه (اولا) - ان دليل المرتضى غير منحصر فيما نقله، فلو تم له ما ذكره في هذين الخبرين فانه لا يتم في غيرهما من الاخبار المتقدمة المشتملة على بعض من الاغسال المعينة، مثل مكاتبة الهمداني ومرسلة حماد بن عثمان وموثقة عمار وروايات الحائض والمستحاضة. و (ثانيا) - ان الظاهر - كما حققه جملة من متأخرى المتأخرين - ان المراد من المفرد


(1) رواه في الوسائل في الباب 33 من ابواب الجنابة


[ 124 ]

المعرف باللام في امثال هذه المواضع العموم، إذ لا يجوز ان يكون للعهد لعدم تقدم معهود ولا للعهد الذهني إذ لا فائدة فيه فتعين أن يكون للاستغراق، ويؤيده التعليل المستفاد من قوله: " واي وضوء اطهر من الغسل ؟ " فانه ظاهر في العموم، إذ لا خصوصية لغسل الجنابة بذلك، ولوروده في غسل الجمعة في مرسلة حماد بن عثمان المتقدمة، وكذا في صحيحة حكم بن حكيم وان كان اصل السؤال فيها عن غسل الجنابة الا انه قد تقرر ان خصوص السؤال لا يخصص عموم الجواب. وما ربما يقال - ان غسل الجنابة هو الشائع المتكرر فيكون في قوة المعهود فينصرف الاطلاق إليه - ممنوع فان غسل الحيض والاستحاضة لا يقصران في التكرار والشيوع عنه فالحمل عليه بعد ما عرفت تحكم محض، على ان الحق في ذلك ان يقال ان ما اوردناه من الروايات في الاستدلال للقول المذكور ما بين مفصل ومجمل فيحمل مجملها على مفصلها. واما العلامة في المنتهى فانه ذكر اكثر الروايات المتقدمة ثم اجاب عن صحيحة محمد بن مسلم بان اللام لا تدل على الاستغراق فلا احتجاج فيه فيصدق بصدق احد اجزائه وقد ثبت هذا الحكم لبعض الاغسال فيبقى الباقي على الاصل، وايضا تحمل الالف واللام على العهد جمعا بين الادلة، ثم اجاب عن الروايات الباقية بضعف السند، ثم احتمل ما اجاب به الشيخ (رحمه الله) مما قدمناه ذكره، ثم قال: " ويمكن ان يقال في الجواب عن الاحاديث كلها انها تدل على كمالية الاغسال والاكتفاء بها فيما شرعت له ونحن نقول به، والوضوء لا نوجبه في غسل الحيض والجمعة مثلا ليكمل الغسل عنهما وانما نوجب الوضوء للصلاة، فعند غسل الحيض يرتفع حدث الحيض وتبقى المرأة كغيرها من المكلفين إذا ارادت الصلاة يجب عليها الوضوء، وكذا باقي الاغسال " انتهى. اقول: اما ما اجاب به عن صحيحة محمد بن مسلم فقد تقدم الكلام فيه. واما طعنه في الاخبار الباقية بضعف السند فهو ضعيف عندنا غير معمول عليه ولا معتمد، على انه متى الجأته الحاجة الى الاستدلال بامثالها من الاخبار الضعيفة باصطلاحه استدل


[ 125 ]

بها واغمض عن هذا الطعن كما لا يخفى على من راجع كتبه وكتب غيره من ارباب هذا الاصطلاح، ولو انهم يقفون على هذا الاصطلاح حق الوقوف ولا يخرجون عنه لما استطاعوا تصنيف هذه الكتب ولا تفريع هذه الفروع، إذ الصحيح من الاخبار باصطلاحهم لا يفي لهم بعشر معشار الاحكام التي ذكروها كما لا يخفى على من تأمل بعين الانصاف. واما ما ذكره من جواب الشيخ فقد تقدم ما فيه. واما ما ذكره اخيرا في الجواب عن الاخبار كلها - من ان مشروعية الوضوء هنا ليس لتكميل الاغسال وانما هو لرفع موجبه وهو الحدث الاصغر فإذا اراد الصلاة وجب عليه الوضوء لذلك - ففيه ان مكاتبة الهمداني التي هي احدى الروايات التي نقلها قد تضمنت انه لا وضوء للصلاة في غسل الجمعة ولا غيره. واما ما اجاب به في المختلف من التقييد بما إذا لم يكن وقت صلاة فمع ظهور انه تعسف محض يرده قوله في موثقة عمار: " ليس عليه قبل الغسل ولا بعد قد اجزأه الغسل " وكذا الاخبار الدالة على انه بعد الغسل بدعة، وبذلك اعترف في الذكرى ايضا. وبالجملة فان الروايات المذكورة ظاهرة الدلالة على القول المذكور غاية الظهور لا يعتريها فتور ولا قصور. نعم يبقى الكلام في الجواب عن ادلة القول المشهور، اما الآية فالجواب عنها ان اطلاقها مقيد بالاخبار المذكورة، كما هو معلوم في جملة من الاحكام من تقييد اطلاقات الكتاب العزيز وتخصيص عموماته بالسنة المطهرة، على انه قد ورد تفسير الآية في موثق ابن بكير (1) بالقيام من حدث النوم، وادعى عليه العلامة في المنتهى وقبله الشيخ في التبيان الاجماع كما تقدم في بحث الوضوء، وحينئذ فيجب تخصيص المأمور بالوضوء بالمحدث حدثا اصغر ان ضم إليها الاجماع المركب أو المحدث بالنوم، ولا تدل على ان من كان محدثا حدثا اكبر بل غير النوم مأمور بالوضوء لا منفردا ولا مع ضميمة


(1) المروي في الوسائل في الباب 3 من ابواب نواقض الوضوء.


[ 126 ]

الغسل، وبالجملة فالتحقيق ان سياق الآية الشريفة ظاهر في ان الجنب مأمور بالغسل وغيره مأمور بالوضوء، وامتثال كل منهما ما امر به يقتضي الاجزاء، الا انه لما ورد عنهم (عليهم السلام) تفسير القيام الى الصلاة بالقيام من حدث النوم وتأكد ذلك بدعوى الاجماع وجب تخصيص المأمور بالوضوء بالمحدث حدثا اصغر أو النوم كما قدمنا. واما روايتا ابن ابى عمير وصحيحة علي بن يقطين فقد اجاب عنها جملة من متأخرى المتأخرين بالحمل على الاستحباب جمعا بين الاخبار، وايدوا ذلك بما ذكره المحقق (رحمه الله) في مسألة وضوء الميت، حيث قال بعد ايراد روايتي ابن ابي عمير: " لا يلزم من كون الوضوء في الغسل ان يكون واجبا بل من الجائز ان يكون غسل الجنابة لا يجوز فعل الوضوء فيه وغيره يجوز، ولا يلزم من الجواز الوجوب " وتبعه في هذه المقالة جمع ممن تأخر عنه كالعلامة في المختلف والشهيد الثاني في الروض. وهو مما يقضى منه العجب فانهم مع اعترافهم بذلك في مسألة وضوء الميت يستدلون بالخبرين المذكورين هنا على وجوب الوضوء في غير غسل الجنابة. والاظهر عندي حمل الاخبار المذكورة وكذا كلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي على التقية التي هي في اختلاف الاحكام الشرعية اصل كل بلية، وعليه تجتمع اخبار المسألة، وذلك فان العامة بالنسبة الى الوضوء مع غسل الجنابة على قولين، فالمشهور بينهم استحباب الوضوء معه بان يكون قبله كما نقله في المنتهى حيث قال: لا يستحب الوضوء عندنا خلافا للشيخ في التهذيب، واطبق الجمهور على استحبابه قبله (1). ونقل في صدر المسألة عن الشافعي في احد قوليه وهو رواية عن احمد ومثل ذلك عن داود وابي ثور الوجوب لو جامعه حدث اصغر واما سائر الاغسال


(1) كما في المغنى لابن قدامة ج 1 ص 217 وص 219 وجامع الترمذي على شرحه لابن العربي ج 1 ص 155 ونيل الاوطار للشوكاني ج 1 ص 213 وشرح المنهاج لابن حجر ج 1 ص 118. (2) كما في فتح الباري لابن حجر ج 1 ص 250 وعمدة القارئ للعينى ج 2 ص 3.


[ 127 ]

واجبة أو مستحبة فالظاهر انه لا خلاف بينهم في الوجوب (1) كما عليه جمهور اصحابنا (رضي الله عنهم) وحينئذ فمعنى خبري ابن ابي عمير ان كل غسل معه وضوء واجب إلا غسل الجنابة فانه لا يجب الوضوء معه وانما يستحب. ثم انه على القول بوجوب الوضوء مع الغسل كما هو المشهور فهل يجب تقديمه على الغسل ام يتخير وان كان التقديم افضل ؟ المشهور الثاني، وعن الشيخ في بعض كتبه الاول، وبه صرح أبو الصلاح وهو ظاهر كلام المفيد وابنى بابويه على ما نقله في المختلف ويدل عليه مرسلة ابن ابي عمير المتقدمة، واجاب عنها في المختلف بالحمل على الاستحباب وربما ايد هذا القول ايضا بقولهم (عليهم السلام) (2) فيما قدمناه: " الوضوء بعد الغسل بدعة " وظاهر ابن ادريس دعوى الاجماع على عدم وجوب التقديم حيث قال: " وقد يوجد في بعض كتب اصحابنا في كيفية غسل الحائض مثل كيفية غسل الجنابة ويزيد بوجوب تقديم الوضوء على الغسل، وهذا غير واضح من قائله بل الزيادة على غسل الجنابة ان لا تستبيح الحائض إذا طهرت بغسل حيضها وبمجرده الصلاة كما يستبيح الجنب سواء قدمت الوضوء أو اخرت، وان اراد انه يجب تقديم الوضوء على الغسل فغير صحيح بلا خلاف " انتهى. وكلامه وان كان في غسل الحائض الا انه خرج مخرج التمثيل، إذ لا فرق في هذا المعنى بين غسل الحائض والاغسال المندوبة التي اوجبوا فيها الوضوء. وكيف كان فالبحث في ذلك عندنا مفروغ عنه وان كان على تقدير القول المذكور فالاقرب وجوب


(1) في شرح الزرقاني المالكى على مختصر ابى الضياء في فقه مالك ج 1 ص 105 " ويجزئ الغسل من جنابة أو حيض أو نفاس عن الوضوء وان تبين عدم جنابته أو حيضها أو نفاسها وان كان خلاف الاولى " وفى حاشية ابن قاسم العبادي على شرح المنهاج ج 1 ص 118 قال: " في شرح العباب ان الوضوء انما يكون سنة في الغسل الواجب وانه صرح أبو زرعة وغيره تبعا للمحاملى، ولو قيل بندبه كغيره من سائر السنن التى ذكروها في الغسل المسنون لم يبعد ". (2) المروي في الوسائل في الباب 33 من ابواب الجنابة.


[ 128 ]

التقديم، لدلالة مرسلة ابن ابي عمير المشار إليها على ذلك، ومثلها الخبر المرسل من الكافي وان كان مورده غسل الجمعة، واصرح من ذلك عبارة الفقه الرضوي (1) حيث قال: " فابدأ بالوضوء ثم اغتسل " ورواية ابي بكر الحضرمي الآتية، وما في صحيح حكم ابن حكيم (2) من قوله: "... ان الناس يقولون يتوضأ وضوء الصلاة قبل الغسل... " وهذه الروايات لا معارض لها الا اطلاق بعض الاخبار فيحمل عليها. وكيف كان فالاحتياط - بالوضوء مع هذه الاغسال وتقديمه عليها - مما لا ينبغي تركه. (المقام الثاني) - هل يستحب الوضوء مع غسل الجنابة ام لا ؟ المشهور الثاني، وذهب الشيخ في التهذيب الى الاول استنادا الى ما رواه عن ابي بكر الحضرمي عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: " سألته كيف اصنع إذا اجنبت ؟ قال: اغسل كفك وفرجك وتوضأ وضوء الصلاة ثم اغتسل " بحملها على الاستحباب جمعا بينها وبين ما دل من الاخبار على عدم الوضوء مع غسل الجنابة كصحيحة حكم بن حكيم ونحوها، ويدل عليه ايضا ما رواه الكليني (4) في الصحيح أو الحسن بن ابراهيم بن هاشم عن عبد الله بن مسكان وهو ممن اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه عن محمد بن ميسر وهو غير موثق في كتب الرجال قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل الجنب ينتهي الى الماء القليل في الطريق ويريد ان يغتسل وليس معه اناء يغرف به ويداه قذرتان ؟ قال: يضع يده ويتوضأ ويغتسل، هذا مما قال الله عزوجل: وما جعل عليكم في الدين من حرج " (5) والجواب عن الخبر الاول ان الاظهر في مدلوله هو الحمل على التقية، لما قدمناه من ان العامة في ذلك على قولين في الوضوء مع غسل الجنابة، فالمشهور الاستحباب والقول الآخر الوجوب ويشير الى ذلك قوله (عليه السلام) في صحيحة حكم بن حكيم (6)


(1) ص 4 (2) و (3) و (6) المروية في الوسائل في الباب 34 من ابواب الجنابة. (4) المروية في الوسائل في الباب 8 من أبواب الماء المطلق. (5) سورة الحج. الآية 78.


[ 129 ]

" ان الناس يقولون يتوضأ وضوء الصلاة قبل الغسل " فان المراد بالناس هم المخالفون واظهر من ذلك ما رواه في التهذيب عن محمد بن مسلم (1) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) ان اهل الكوفة يروون عن علي (عليه السلام) انه كان يأمر بالوضوء قبل الغسل من الجنابة ؟ قال كذبوا على علي ما وجدوا ذلك في كتاب علي، قال الله تعالى: " وان كنتم جنبا فاطهروا " (2) ويعضده ايضا ما تقدم من مرسلة محمد بن احمد بن يحيى (3) وقوله: " الوضوء قبل الغسل وبعده بدعة " وكذا غيرها مما دل على كونه مع الغسل بدعة. ورد الشيخ (رحمه الله) الخبر الاول بالارسال واحتمل في الخبرين الآخرين التخصيص بما عدا غسل الجنابة، قال: " لان المسنون في هذه الاغسال ان يكون الوضوء فيها قبلها " ولا يخفي ما فيه بعد ما عرفت من التحقيق. واما الخبر الثاني فالظاهر ان الوضوء فيه ليس بالمعنى المعروف وانما هو بمعنى الغسل كما يدل عليه سياق الكلام، وكيف كان فانه مع هذا الاحتمال لا يصلح الاستدلال. وبالجملة فالاستحباب كالوجوب ونحوه احكام شرعية لا تثبت إلا بالدليل الواضح. (المسألة الثانية) - اختلف الاصحاب (رضي الله عنهم) فيما إذا اغتسل مرتبا واحدث في اثناء الغسل على اقوال: فقيل بوجوب الاعادة من رأس، وهو مذهب الشيخ (رحمه الله) في النهاية والمبسوط وابن بابويه، واختاره العلامة في جملة من كتبه والشهيد في الدروس والذكرى. وقال ابن البراج يتم الغسل ولا شئ عليه، وهو اختيار ابن ادريس واختاره من افاضل متأخرى المتأخرين مير محمد باقر الداماد والخراساني في الذخيرة وشيخنا الشيخ سليمان البحراني. وقال المرتضى (رضي الله عنه) انه يتم الغسل ويتوضأ إذا اراد الدخول في الصلاة، واختاره المحقق والفاضل الاردبيلي وتلميذه السيد في المدارك وجده الشهيد الثاني وتلميذه الشيخ عز الدين الحسين بن عبد الصمد


(1) و (3) رواه في الوسائل في الباب 34 من ابواب الجنابة. (2) سورة المائدة. الآية 9.


[ 130 ]

الحارثي وابنه الشيخ بهاء الملة والدين. احتج في الذكرى للقول الاول حيث اختاره فقال بعد نقل الاقوال الثلاثة: " والاقرب الاول لامتناع الوضوء في غسل الجنابة عملا بالاخبار المطلقة، وامتناع خلو الحدث عن اثره مع تأثيره بعد الكمال " واحتج في المختلف لهذا القول ايضا - حيث اختاره - بان الحدث الاصغر ناقض للطهارة بكمالها فلابعاضها اولى، وإذا انتقض ما فعله وجب عليه اعادة الغسل، لانه جنب لم يرتفع حكم جنابته بغسل بعض اعضائه، ولا اثر للحدث الاصغر مع الاكبر. ومرجع الكلامين الى دليل واحد، وينحل الى امرين: (احدهما) - الاستدلال بالاخبار الدالة على انه لا وضوء مع غسل الجنابة، وهذا جنب في هذه الحال. و (ثانيهما) - ان الحدث الاصغر مؤثر في نقض الطهارة بعد كمال الغسل بلا خلاف فلان يؤثر في نقض بعضها اولى، وحينئذ فإذا كان الوضوء لا يجامع الجنابة ولا يؤثر في الصورة المذكورة - وفيه رد على القول بايجاب الوضوء، - والحدث الاصغر مؤثر في نقض ما اتى به من الطهارة - وفيه رد على من ذهب الى الاكتفاء باتمام الغسل - وجب اعادة الغسل من رأس. واورد على هذا الدليل منع الاولوية المذكورة بل نقول القدر المسلم ان الحدث الاصغر إذا لم يجامع الاكبر فهو سبب لوجوب الوضوء وإذا جامع الاكبر فلا تأثير له اصلا، فلا بد لما ذكروه من دليل، ألا ترى انه بعد الغسل يقتضي الوضوء وفى الاثناء لا يقتضيه عندكم، فلم لا يجوز ان لا يؤثر في الاثناء اصلا أو يؤثر تأثيرا يرتفع ببعض الغسل ؟ وقريب مما ذكرناه ما اورده في المدارك ايضا، حيث قال: " والقول بالاعادة للشيخ (رحمه الله) في النهاية والمبسوط وابن بابويه وجماعة، ولا وجه له من حيث الاعتبار، وما استدل به عليه - من ان الحدث الاصغر ناقض للطهارة بتمامها فلا بعاضها اولى، وان الحدث المتخلل قد ابطل تأثير ذلك البعض في الرفع والباقي من الغسل غير صالح


[ 131 ]

للتأثير - ففساده ظاهر، لمنع كونه ناقضا ومبطلا وانما المتحقق وجوب الوضوء به خاصة ثم قال (رحمه الله) ولعل مستندهم ما رواه الصدوق (رحمه الله) في كتاب عرض المجالس عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " لا بأس بتبعيض الغسل: تغسل يدك وفرجك ورأسك وتؤخر غسل جسدك الى وقت الصلاة ثم تغسل جسدك إذا اردت ذلك. فان احدثت حدثا من بول أو غائط أو ريح أو مني بعد ما غسلت رأسك من قبل ان تغسل جسدك فاعد الغسل من اوله " ولو صحت هذه الرواية لما كان لنا عنها عدول لصراحتها في المطلوب الا اني لم اقف عليها مسندة، والواجب المصير الى الاول الى ان يتضح السند " انتهى. اقول: اما ما ذكره - من منع كون الحدث الاصغر ناقضا ومبطلا وانما المتحقق وجوب الوضوء خاصة - فلا يخلو من اشكال، فانه ان اراد بخصوص هذا الموضع من حيث انه لا تأثير له مع الجنابة واندراجه تحتها فجيد لكن ينافيه قوله: " وانما المتحقق وجوب الوضوء خاصة " وان اراد مطلقا فهو خلاف الاجماع بين الاصحاب (رضي الله عنهم) من عد هذه الاحداث نواقض ومبطلات للطهارة المتقدمة، وبه سميت نواقض واسبابا وموجبات باعتبار ايجابها الوضوء. واما ما ذكره من الخبر - وقبله جده - فقد اعترضه جملة من الاصحاب (رضي الله عنهم) بانهم لم يقفوا عليه في الكتاب المذكور، إذا الظاهر ان مراده بالكتاب المذكور هو كتاب الامالي المشهور ايضا بمجالس الصدوق وقد صرح في الذكرى بذلك ايضا فقال بعد نقل القول المذكور: " وقد قيل انه مروي عن الصادق (عليه السلام) في كتاب عرض المجالس للصدوق " ولعل السيد وجده اعتمدا على هذا النقل من غير مراجعة الكتاب المشار إليها. نعم هذه الرواية مذكورة في الفقه الرضوي (2) حيث قال (عليه السلام): " ولا بأس بتبعيض الغسل: تغسل يديك وفرجك ورأسك وتؤخر غسل جسدك الى وقت الصلاة ثم تغسل ان اردت ذلك


(1) رواه في الوسائل في الباب 29 من ابواب الجنابة (2) ص 4.


[ 132 ]

فان احدثت حدثا من بول أو غائط أو ريح بعد ما غسلت رأسك من قبل ان تغسل جسدك فاعد الغسل من اوله، وإذا بدأت بغسل جسدك قبل الرأس فاعد الغسل على جسدك بعد غسل الرأس " انتهى. وهذه العبارة بعينها نقلها الصدوق في الفقيه عن ابيه في رسالته إليه فقال: وقال ابي (رحمه الله) في رسالته الي: ولا بأس بتبعيض الغسل ثم ساق الكلام الى آخر ما نقلناه، وفيه دلالة على ما قدمناه من اعتماده على الكتاب المذكور. واما القول الثاني فاستدل عليه الشيخ سليمان البحراني المتقدم ذكره في بعض فوائده - واليه يرجع في التحقيق ما ذكره في الذخيرة - بانه ينبغي ان يعلم ان الوضوء هو الرافع للحدث الاصغر لكن في غير صورة مجامعته للجنابة، لانه لا يكون للاصغر مع الجنابة اثر اصلا لانقهاره معها فلا يتمكن من التأثير، فيسقط حكم الوضوء ما دامت الجنابة باقية بالفعل البتة. فلا يكون للاصغر اثر في ايجاب الوضوء اصلا بالتقريب المتقدم ومن الظاهر البين انه لا تأثير له في ايجاب الغسل بوجه من الوجوه، وعلى هذا فمتى اكمل الغسل تم السبب التام لرفع الجنابة. وبالجملة فانه بالنظر الى ما دامت الجنابة باقية فانه مقهور بها ومندرج تحتها، ومن المعلوم انه ما لم يتم الغسل فالجنابة باقية، فلا وجه للقول بما ذهب إليه المرتضى (رضي الله عنه) ومن تبعه، ويؤيده عموم الاخبار الدالة على نفي الوضوء والمنع منه مع غسل الجنابة وتحريمه وعدم مشروعيته (1). اقول: وبهذا التقرير يظهر ضعف ما ذكره في المعتبر في رد هذا القول - كما سيأتي نقله من انه يلزم ان لو بقى من الغسل مقدار درهم من الجانب الايسر ثم تغوط ان يكتفي عن الوضوء بغسل موضع الدرهم، وهو باطل، فانه - مع كونه مجرد استبعاد لا يجدي في دفع الاحكام الشرعية - مردود بانه إذا كان حدث الجنابة باقيا مع بقاء هذا المقدار وكذا ما يترتب على الجنابة من الاحكام ولا يرتفع ذلك الحدث ولا يستبيح ما يحرم على الجنب إلا بغسل هذا المقدار فاي استبعاد في ارتفاع الحدث الاصغر به


(1) المروية في الوسائل في الباب 33 و 34 من ابواب الجنابة.


[ 133 ]

ايضا ؟ بقى الكلام في انه بناء على هذا التقدير وان كان هذا الدليل بحسب الظاهر لا يخلو من متانة وقرب، إلا ان لقائل ان يقول ان ما ذكروه من انقهار الحدث الاصغر تحت الجنابة وانه لا تأثير له معها انما استنبطوه من الاخبار الدالة على تحريم الوضوء مع غسل الجنابة وانه معه بدعة، إذ ليس ثمة دليل غير ذلك، ومن المحتمل قريبا حمل الاخبار المذكورة على ما هو الشائع المتكرر المتكثر من وقوع الحدث قبل الغسل دون هذا الفرد النادر الذي لا يتبادر إليه الذهن عند الاطلاق، لما قرروه في غير مقام من ان الاحكام المودعة في الاخبار انما تحمل على ما هو المعهود المتكرر الشائع الذي ينساق إليه الذهن عند الاطلاق دون الفروض النادرة القليلة الدوران، وبهذا يضعف القول المذكور. واما القول الثالث فاحتج عليه المحقق في المعتبر بان الحدث الاصغر يوجب الوضوء وليس موجبا للغسل ولا لبعضه، فيسقط وجوب الاعادة ولا يسقط حكم الحدث بما بقى من الغسل، ثم الزم القائلين بسقوط الوضوء انه يلزم لو بقى من الغسل قدر الدرهم من جانبه الايسر ثم تغوط ان يكتفي عن وضوئه بغسل موضع الدرهم، وهو باطل اقول: فيه (اولا) - منع ما ذكره من ان الحدث الاصغر يوجب الوضوء، فانه على اطلاقه ممنوع بل القدر المعلوم هو ايجابه ما لم يجامع الجنابة واما مع مجامعتها فانه يندرج تحتها كما تقدم ذكره. و (ثانيا) - منع قوله: ولا يسقط حكم الحدث بما بقى من الغسل للالزام الذي ذكره، بل هو ساقط بما بقى لانقهار الحدث الاصغر تحت الاكبر ما دام باقيا. واما الالزام الذي ذكره فقد عرفت ما فيه. واستدل في المدارك لهذا القول حيث اختاره فقال: " اما وجوب الاتمام فلان الحدث الاصغر ليس موجبا للغسل ولا لبعضه قطعا فيسقط وجوب الاعادة، واما وجوب الوضوء فلان الحدث المتخلل لابد له من رافع وهو اما الغسل بتمامه أو الوضوء والاول منتف لتقدم بعضه فتعين الثاني " وفيه ما عرفت من تقرير دليل القول الثاني من ان الحدث الاصغر لا اثر له مع الجنابة. وبالجملة فان هذا القول بالنظر الى تقرير الدليل


[ 134 ]

المشار إليه - كما قدمناه - يظهر ضعفه، وبالنظر الى ما اوردناه من الاشكال على الدليل المذكور يظهر قوته. وكيف كان فالمسألة لما عرفت لا تخلو من شوب الاشكال وان كان القول الاول - بالنظر الى رواية الفقه الرضوي المعتضدة برواية المجالس وفتوى الشيخ علي ابن الحسين بن بابويه بها، وهم ممن يعدون فتاويه في عداد النصول إذا اعوزتهم، مع اوفقيته للاحتياط - لا يخلو من قوة وان كان الاحتياط في الاتمام ثم الوضوء ثم الاعادة والله العالم. وينبغي التنبيه على فوائد: (الاولى) - قال في الذكرى: " لو كان الحدث من المرتمس فان قلنا بسقوط الترتيب حكما فان وقع بعد ملاقاة الماء جميع البدن يوجب الوضوء لا غير والا فليس له اثر، وان قلنا بوجوب الترتيب الحكمي القصدي فهو كالمرتب، وان قلنا بحصوله في نفسه وفسرناه بتفسير الاستبصار امكن انسحاب البحث فيه " انتهى. وظاهره انه مع عدم القول بالترتيب الحكمي في الغسل الارتماسي فانه لا يتفق فيه تخلل الحدث في اثناء الغسل فيختص البحث بالغسل الترتيبي. وقال في المدارك: " الظاهر عدم الفرق في غسل الجنابة بين كونه غسل ترتيب أو ارتماس، ويتصور ذلك في غسل الارتماس بوقوع الحدث بعد النية وقبل اتمام الغسل، ثم نقل صدر كلام الذكرى وقال: وهو مشكل لامكان وقوعه في الاثناء " وجرى على منواله في الذخيرة. اقول: الظاهر ان مبنى كلام السيد (رحمه الله) على ان الدفعة المشترطة في الارتماس انما هي الدفعة العرفية، وحينئذ فيمكن حصول الحدث بعد النية وقبل استيلاء الماء على جميع البدن. الا ان فيه ان الظاهر ان مبنى كلام الشهيد (رحمه الله) انما هو على ان الارتماس لا يحصل الا بعد الدخول تحت الماء واستيلاء الماء على جميع اجزاء البدن، واما الدخول شيئا فشيئا فانما هو من مقدماته، وعلى هذا فلا يمكن تخلل الحدث للغسل


[ 135 ]

لان وصول الماء الى الجميع بعد الولوج دفعي، وعلى هذا المعنى الذي ذكرناه يدل ظاهر كلام اهل اللغة ايضا قال في المصباح المنير: " رمست الميت رمسا من باب قتل: دفنته الى ان قال: ورمست الخبر: كتمته، وارتمس في الماء: انغمس " وفي القاموس " الارتماس الانغماس " وفى مجمع البحرين " واصل الرمس الستر، ورمست الميت رمسا من باب قتل: دفنته، وارتمس في الماء مثل انغمس " انتهى. وهذه العبارات كلها ظاهرة - كما ترى - في عدم صدق الارتماس إلا بعد الدخول تحت الماء، وحينئذ فلا يظهر فرض هذا الحكم فيه. واما ما ذكره في الذكرى - من بناء ذلك على الترتيب الحكمي ففيه ما تقدم بيانه من انه لم يقم دليل على الترتيب الحكمي بشئ من معنييه المذكورين فلا ضرورة الى تكلف التفريع عليه في البين. (الثانية) - قال في الذكرى ايضا: " لو تخلل الحدث الغسل المكمل بالوضوء امكن المساواة في طرد الخلاف واولوية الاجتزاء بالوضوء هنا لان له مدخلا في اكمال الرفع والاستباحة، وبه قطع الفاضل في النهاية مع حكمه بالاعادة في غسل الجنابة " انتهى. اقول: لا ريب ان الظاهر انه متى قلنا بعدم وجوب الوضوء في سائر الاغسال - كما هو الحق في المسألة - فانه يطرد الخلاف فيها كما في غسل الجنابة، وانما يبقى الكلام بناء على القول المشهور من وجوب الوضوء معها، فظاهر كلامه في الذكرى احتمال طرد الخلاف ايضا وان كان الاولى هنا الاجتزاء بالوضوء، والظاهر بعد ما احتمله من طرد الخلاف مع ايجاب الوضوء، بل الظاهر وجوب الاتمام والوضوء كما اختاره في المدارك. ولعل الوجه في ايجاب العلامة الوضوء هنا مع ايجابه الاعادة في غسل الجنابة هو سقوط الوضوء مع غسل الجنابة لعدم تأثير الحدث الاصغر ثمة بخلاف ما نحن فيه فانه ثابت بثبوت موجبه. وربما احتمل اعادة الغسل هنا بناء على ان كل واحد من الوضوء والغسل مؤثر ناقص في رفع الحدث المطلق، فحصول تأثيرهما موقوف على حصولهما تامين، فإذا حصل الحدث في الاثناء لم يكف الاتمام والوضوء ويحتاج الى اعادة الغسل. والتحقيق


[ 136 ]

انا متى وقفنا على مورد الاخبار فانه لا اشكال لا في غسل الجنابة ولا غيره إذ الواجب العمل بما دلت عليه، واما مع عدم ذلك فالمسألة لا تخلو من الاشكال في الموضعين، فان مجال التخريجات العقلية والاعتبارات الفكرية في هذه المسألة وغيرها واسع لا ينتهي الى ساحل، ولذا ترى المتقدم يعلل بتعليل حسبما وصل إليه فهمه ويجعلها ادلة ويأتي من بعده وينقضها ويأتي بادلة اخرى حسبما ادى إليه فكره وهكذا، فالحق هو الوقوف على الاخبار ان وجدت في هذه المسألة وغيرها والا فالوقوف على جادة الاحتياط كما امرت به اخبارهم (عليهم السلام). (الثالثة) - نقل في المدارك عن بعض المتأخرين القائلين بوجوب الاتمام والوضوء الاكتفاء باستئناف الغسل إذا نوى قطعه، لبطلانه بذلك فيصير الحدث متقدما على الغسل، ثم تنظر فيه بان نية القطع انما تقتضي بطلان ما يقع بعدها من الافعال لا ما سبق كما صرح به المصنف وغيره. اقول: ما ذكره (رحمه الله) على اطلاقه لا يخلو من اشكال، لانه لا يخلو اما ان تكون نية القطع بمجردها موجبة للبطلان أو ان البطلان انما يحصل مع الاتيان بشئ من افعال العبادة بعد هذه النية، ونظره انما يتمشى على الثاني، ولعل مراد هذا القائل انما هو الاول. وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في بعض مقامات النية في الوضوء. (المسألة الثالثة) - هل يجب ماء الغسل عينا أو ثمنا على الزوج ام لا ؟ قال في المنتهى: " فيه تفصيل: قال بعضهم لا يجب مع غنائها ومع الفقر يجب على الزوج تخليتها لتنتقل الى الماء أو ينقل الماء إليها، وقال آخرون يجب عليه كما يجب عليه ماء الشرب والجامع ان كل واحد منهما مما لابد منه. والاول عندي اقرب " انتهى. والمفهوم من كلام الذكرى الثاني وهو الوجوب على الزوج مطلقا، قال (رحمه الله): " ماء الغسل على الزوج في الاقرب لانه من جملة النفقة فعليه نقله إليها ولو بالثمن أو تمكينها من الانتقال إليه، ولو احتاج


[ 137 ]

الى عوض كالحمام فالاقرب وجوبه عليه ايضا مع تعذر غيره دفعا للضرر، ووجه العدم ان ذلك مؤنة التمكين الواجب عليها. وربما فرق بين غسل الجنابة وغيره إذا كان سبب الجنابة من الزوج. واما الامة فالاقرب انها كالزوجة لانه مؤنة محضة، وانتقالها الى التيمم مع وجود الماء بعيد. وحمله على دم التمتع قياس من غير جامع، ويعارض بوجوب فطرتها فكذا ماء طهارتها " انتهى. والمسألة عندي محل توقف، لعدم النص الذي هو المعتمد في الاحكام وتدافع التعليلات المذكورة، مع عدم صلاحيتها لو سلمت من ذلك لتأسيس الاحكام الشرعية. (المسألة الرابعة) يكره للجنب امور: (الاول) - الاكل والشرب ما لم يتمضمض ويستنشق على المشهور بل قال في التذكرة انه مذهب علمائنا مؤذنا بدعوى الاجماع عليه، ونقل عن ابن زهرة دعوى الاجماع على ذلك، وفى المعتبر انه مذهب الخمسة واتباعهم، وقال الصدوق في الفقيه: " والجنب إذا اراد ان يأكل أو يشرب قبل الغسل لم يجز له الا ان يغسل يديه ويتمضمض ويستنشق، فانه ان اكل أو شرب قبل ان يفعل ذلك خيف عليه من البرص " وظاهره التحريم ثم قال: " وروى ان الاكل على الجنابة يورث الفقر " (1). والذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله (2) قال: " قلت للصادق (عليه السلام) أيأكل الجنب قبل ان يتوضا ؟ قال: انا لنكسل ولكن ليغسل يده والوضوء افضل " قال في الوافي بعد ذكر هذا الخبر: " هكذا يوجد في النسخ ويشبه ان يكون مما صحف وكان " انا لنغتسل " لانهم (عليه السلام) اجل من ان يكسلوا في شئ من عبادات ربهم عزوجل " انتهى. اقول: لا يخفى ان الخبر المذكور على ما رواه المحدثون ونقله الاصحاب في كتب الفروع انما هو بلفظ " نكسل " والظاهر ان المراد به انما هو مطلق


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 20 من ابواب الجنابة.


[ 138 ]

الناس بمعنى ان الناس ليكسلون وان عبر عن ذلك بصيغة تشمله (عليه السلام) وغيره ونظيره ما روى عن امير المؤمنين (عليه السلام) (1) من قوله: " اني اكره السلام على المرأة الشابة مخافة ان يعجبني صوتها " فان الظاهر ان مراده انما هو منع الناس عن ذلك خوفا مما ذكره، لان عصمته تمنع من حمل هذا اللفظ على ظاهره فكذا ما نحن فيه. واما ما احتمله بعض المحققين من متأخري المتأخرين من ان قوله: " لنكسل " يعني عن الاكل ولم نتسارع إليه قبل الغسل فالظاهر بعده سيما بالنظر الى الاستدراك ب‍ " لكن " بعد هذا الكلام. وما رواه الشيخ في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: " الجنب إذا اراد ان يأكل ويشرب غسل يده وتمضمض وغسل وجهه واكل وشرب " وما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن عبيد الله بن علي الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " إذا كان الرجل جنبا لم يأكل ولم يشرب حتى يتوضأ ". وباسناده عن الحسين بن زيد عن الصادق عن ابيه عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) (4) في حديث المناهي المذكور في آخر كتاب الفقيه قال: " نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الاكل على الجنابة وقال انه يورث الفقر ". وما رواه في الكافي عن السكوني عن الصادق (عليه السلام) في حديث (5) قال: " لا يذوق الجنب شيئا حتى يغسل يديه ويتمضمض فانه يخاف منه الوضح " اقول: الوضح البرص. وفى الفقه الرضوي (6) قال (عليه السلام): " وإذا اردت ان تأكل على جنابتك فاغسل يديك وتمضمض واستنشق ثم كل واشرب الى ان تغتسل، فان اكلت أو شربت قبل ذلك اخاف عليك البرص ولا تعود الى ذلك " انتهى.


(1) رواه في الوسائل في الباب 48 من ابواب العشرة. (2) و (3) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 30 من ابواب الجنابة (6) ص 4.


[ 139 ]

ومما يدل على ان المراد بهذه الاخبار الكراهة ما رواه في الكافي في الموثق عن ابن بكير (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الجنب يأكل ويشرب ويقرأ القرآن ؟ قال: نعم يأكل ويشرب ويقرأ ويذكر الله عزوجل ما شاء ". والمفهوم من هذه الاخبار بضم بعضها الى بعض هو ما ذكره الاصحاب (رضي الله عنهم) من كراهية الاكل والشرب وانها تزول بما ذكر فيها، وقال في المدارك - بعد ان نقل صحيحة عبد الرحمان بن ابي عبد الله اولا ثم صحيحة زرارة - ما لفظه: " ومقتضى الرواية الاولى استحباب الوضوء لمريد الاكل والشرب أو غسل اليد خاصة، ومقتضى الرواية الثانية الامر بغسل اليد والوجه والمضمضة، وليس فيهما دلالة على كراهة الاكل والشرب بدون ذلك، ولا على توقف زوال الكراهة على المضمضة والاستنشاق أو خفتها بذلك " وجرى على منواله في الذخيرة كما هي قاعدته غالبا. اقول: لما كان نظر السيد المذكور مقصورا على صحاح الاخبار اقتصر على هاتين الصحيحتين وهما وان اوهما ما ذكره الا ان جملة ما عداهما مما قدمناه ولاسيما عبارة كتاب الفقه الرضوي ظاهر فيما ذكره الاصحاب. فيجب تقييد هاتين الصحيحتين بها، والعجب منه انه خفى عليه الوقوف على صحيحة الحلبي المروية في الفقيه وهي صحيحة صريحة في كراهة الاكل والشرب بدون ذلك. بقى الكلام في ان صحيحة زرارة قد دلت على غسل اليد والمضمضة وغسل الوجه وصحيحة عبد الرحمان بن ابي عبد الله دلت على الوضوء أو غسل اليد وان الاول افضل وصحيحة الحلبي دلت على الوضوء خاصة، ورواية السكوني دلت على غسل اليد والمضمضة وكتاب الفقه على غسل اليد والمضمضة، والاستنشاق غير موجود إلا في عبارة هذا الكتاب، والظاهر ان الصدوق في عبارته المتقدمة انما اخذه منه وتبعه الاصحاب في عبائرهم، والظاهر ترتب هذه الامور في الفضل وزوال الكراهة بها بان يكون اكمل.


(1) رواه في الوسائل في الباب 19 من ابواب الجنابة.


[ 140 ]

الجميع الوضوء ثم غسل اليد والمضمضة والاستنشاق وغسل الوجه ثم الثلاثة الاول ثم الاولين خاصة وهو ادنى المراتب، والمفهوم من كلام الاصحاب (رضي الله عنهم) انه بهذه الامور ترتفع الكراهة ويزول المحذور المذكور في النصوص، وظاهر عبارة الشرائع بقاء الكراهة وان كانت تخف بهذه الاشياء، ويمكن ان يستدل له بما تقدم من الروايتين على ان الاكل على الجنابة يورث الفقر، فانه بالوضوء ونحوه من تلك الامور لا يخرج عن كونه جنبا، الا انه يمكن تقييد اطلاقهما بالاخبار الاخر بمعنى انه يورث الفقر ما لم يأت بالوضوء ونحوه من تلك الاشياء المذكورة في الاخبار. وهل يكفي الاتيان بالامور المذكورة مرة واحدة، أو لابد ان يكون عند كل اكل مع الفصل بالمعتاد بين الاكلين، أو مع تخلل الحدث، أو مع التعدد عرفا ؟ احتمالات واطلاق الاخبار يؤيد الاول وان كان الاخير احوط. والله العالم. (الثاني) - النوم حتى يغتسل أو يتوضأ، فاما ما يدل على جواز النوم وهو جنب بدون الوضوء والغسل فهو ما رواه الشيخ (رحمه الله) في الصحيح عن سعيد الاعرج (1) قال: " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ينام الرجل وهو جنب وتنام المرأة وهي جنب " واما ما يدل على الكراهة فصحيحة عبد الرحمان بن ابي عبد الله (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يواقع اهله أينام على ذلك ؟ قال ان الله تعالى يتوفى الانفس عند منامها ولا يدري ما يطرقه من البلية، إذا فرغ فليغتسل... " واما ما يدل على انتفاء الكراهة مع الوضوء فهو ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبيدالله الحلبي (3) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل أينبغي له ان ينام وهو جنب ؟ قال: يكره ذلك حتى يتوضأ " قال وفى حديث آخر " انا انام على ذلك حتى اصبح وذلك اني اريد ان اعود " ومما يدل على الثلاثة ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة (4) قال: " سألته عن الجنب يجنب ثم يريد النوم. قال: ان احب ان يتوضأ فليفعل


(1) و (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 25 من ابواب الجنابة.


[ 141 ]

والغسل افضل من ذلك، فان هو نام ولم يتوضأ ولم يغتسل فليس عليه شئ ان شاء الله تعالى " وروى الصدوق في العلل (1) بسنده عن ابي بصير عن الصادق عن ابيه عن آبائه عن امير المؤمنين (عليهم السلام) قال: " لا ينام المسلم وهو جنب ولا ينام إلا على طهور فان لم يجد الماء فليتيمم بالصعيد... الحديث " واما ما ذكره المحقق الخوانساري في شرح الدروس - من ان صحيحة عبد الرحمن المذكورة لا دلالة لها على الكراهة وانما تدل على استحباب الغسل قبل النوم وفضله على الوضوء واما كراهة النوم بدونه فلا - ففيه ان غايتها ان تكون مطلقة في ذلك فيجب تقييد اطلاقها بالروايات الاخر حسبما تقدم في مسألة الاكل والشرب، فان موثقة سماعة دلت ايضا على استحباب الوضوء له والغسل مع انه (عليه السلام) غيابها الكراهة في صحيحة الحلبي، ورواية العلل دلت على الكراهة الا مع الطهور بغسل كان أو وضوء أو تيمم، وبذلك يظهر ان الامر بالغسل في تلك الصحيحة انما هو لازالة الكراهة التي دلت عليها هذه الاخبار. إذا عرفت ذلك فاعلم ان ظاهر كلام جملة من افاضل متأخرى المتأخرين: منهم - المحقق المشار إليه والشيخ الحر في الوسائل ان المرد من قوله (عليه السلام) في الحديث المرسل الذي رواه الصدوق وهو قوله: " انا انام على ذلك حتى اصبح لاني اريد ان اعود " انما هو العود في الجماع. ولا يخفى ما فيه، بل الظاهر ان المراد انما هو العود في الانتباه وانه لا يموت في تلك الليلة، وذلك فان المفهوم من صحيحة عبد الرحمان ان كراهة النوم على الجنابة انما هو من حيث خوف الموت في تلك اللية للآية المذكورة، فانه ربما امسك الروح وقضى عليه الموت، وحيث كان (عليه السلام) عالما بوقت موته كما دلت عليه الاخبار وانه لا يموت في تلك الليلة بل يعود سقطت الكراهة في حقه، وحينئذ فلا ينافي ما دل على الكراهة بالنسبة الى غيرهم (عليهم السلام). (الثالث) - قراءة ما زاد على سبع آيات على المشهور، وعن ابن البراج


(1) ص 107 وفى الوسائل في الباب 25 من ابواب الجنابة.


[ 142 ]

انه لم يجوز الزيادة على ذلك، وعن سلار تحريم القراءة مطلقا، نقل ذلك عنهما في الدروس والذكرى، ونقل في المنتهى والسرائر عن بعض الاصحاب تحريم ما زاد على سبعين، وقال في المختلف: " المشهور كراهة ما زاد على سبع آيات أو سبعين من غير العزائم، اما العزائم وابعاضها فانها محرمة حتى البسملة إذا نوى انها منها " وقال الصدوق: " لا بأس ان تقرأ القرآن كله ما خلا العزائم " وقال الشيخ في النهاية: " ويقرأ من القرآن من اي موضع شاء ما بينه وبين سبع آيات إلا اربع سور " وفي المبسوط " يجوز له ان يقرأ من القرآن ما شاء الا العزائم، والاحتياط ان لا يزيد على سبع آيات أو سبعين آية " وقال ابن ادريس " له ان يقرأ جميع القرآن سوى العزائم الاربع من غير استثناء لسواهن على الصحيح من الاقوال، وبعض اصحابنا لا يجوز إلا ما بينه وبين سبع آيات أو سبعين آية والزائد على ذلك محرم مثل السور الاربع، والاظهر الاول، والحق عندي كراهة ما زاد على السبعين لا تحريمه، والظاهر من كلام الشيخ (رحمه الله) في كتابي الاخبار التحريم " انتهى المقصود من كلامه (رحمه الله) وما نقله عن ظاهر كلام الشيخ في كتابي الاخبار غير ظاهر حيث ان الشيخ قصد الجمع بين الاخبار كصحيحة الحلبي الآتية الدالة على قراءة ما شاء ومقطوعتي سماعة الآتيتين ان شاء الله تعالى الدالتين احداهما على السبع والاخرى على السبعين، بحمل المثبتة المطلقة في القراءة على هذا العدد، ثم انه احتمل ايضا الجمع بينها بحمل الاقتصار على العدد المذكور على الاستحباب والباقي على الجواز، ومن هنا يعلم انه غير جازم بالتحريم حتى ينسب قولا إليه، ولو عدت احتمالاته في الجمع بين الاخبار اقوالا ومذاهب له لم تنحصر اقواله، وليس في تأويله الثاني ايضا تصريح بالكراهة بل غايته انه ترك الافضل. وكيف كان فالواجب الرجوع الى الاخبار ونقلها وبيان ما يفهم منها: و (منها) - ما رواه الشيخ في الصحيح عن الفضيل بن يسار عن الباقر


[ 143 ]

(عليه السلام) (1) قال: " لا بأس ان تتلوا الحائض والجنب القرآن " وفى الصحيح عن عبيد الله بن علي الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته أتقرأ النفساء والحائض والجنب والرجل يتغوط القرآن ؟ قال: يقرأون ما شاءوا " وفى الموثق عن ابن بكير (3) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجنب يأكل ويشرب ويقرأ القرآن ؟ قال: نعم يأكل ويشرب ويقرأ القرآن ويذكر الله عزوجل ما شاء " وعن محمد بن مسلم في الصحيح قال قال أبو جعفر (عليه السلام) (4): " الجنب والحائض يفتحان المصحف من وراء الثوب ويقرءان من القرآن ما شاءا إلا السجدة... الحديث " وما رواه ثقة الاسلام في الصحيح أو الحسن بابراهيم بن هاشم عن زيد الشحام عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " تقرأ الحائض القرآن والنفساء والجنب ايضا " وما رواه الصدوق في العلل (6) في الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) قالا: " قلنا له الحائض والجنب هل يقرءان من القرآن شيئا ؟ قال: نعم ما شاءا إلا السجدة ويذكر ان الله تعالى على كل حال " ورواه الشيخ (رحمه الله) في الموثق مثله، وما رواه في الفقيه (7) عن ابي سعيد الخدري في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) " لعلي (عليه السلام) انه قال: " يا علي من كان جنبا في الفراش مع امرأته فلا يقرأ القرآن فاني اخشى ان تنزل عليهما نار من السماء فتحرقهما " قال الصدوق (رحمه الله): " يعنى به قراءة العزائم دون غيرها " وما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة (8) قال: " سألته عن الجنب هل يقرأ القرآن ؟ قال ما بينه وبين سبع آيات " ثم قال الشيخ (رحمه الله) وفى رواية زرعة عن سماعة (9) قال " سبعين آية " وفي الفقه الرضوي (10) " ولا بأس بذكر الله تعالى وقراءة القرآن وانت جنب الا العزائم التي تسجد فيها وهي ألم تنزيل وحم السجدة والنجم وسورة اقرأ باسم ربك " وبهذه العبارة


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) و (9) رواه في الوسائل في الباب 19 من ابواب الجنابة (10) ص 4.


[ 144 ]

عبر الصدوق في الفقيه بتغيير يسير، وما رواه الصدوق في الخصال (1) بسنده عن السكوني عن الصادق عن ابيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال: " سبعة لا يقرأون القرآن: الراكع والساجد وفى الكنيف وفي الحمام والجنب والنفساء والحائض " وقال في المعتبر (2): " يجوز للجنب والحائض ان يقرءا ما شاءا من القرآن إلا سور العزائم الاربع وهي اقرأ باسم ربك والنجم وتنزيل السجدة وحم السجدة، روى ذلك البزنطي في جامعه عن المثنى عن الحسن الصيقل عن ابي عبد الله (عليه السلام) ". هذا ما وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالمسألة، واكثرها واصحها صريح في جواز قراءة ما شاء، نعم في بعضها تصريح باستثناء أو سورة السجدة خاصة، والاصحاب (رضي الله عنهم) قد حملوا هذه الاخبار على الكراهة جمعا بينها وبين روايتي سماعة المذكورتين وخصوا الجواز بلا كراهة بالسبع أو السبعين، والاظهر عندي حمل ما دل على المنع مطلقا أو ما دون سبع أو سبعين على التقية، فان العامة قد شددوا في المنع فما بين محرم ومكره، فعن الشافعي القول بتحريم قراءة الجنب والحائض شيئا منه، وقال أبو حنيفة يجوز قراءة ما دون الآية وتحريم الآية، وعن احمد تفصيل في بعض الآية، وعن مالك الجواز للحائض دون الجنب، ورووا كراهة قراءة القرآن للجنب عن علي (عليه السلام) وعمر والحسن البصري والنخعي والزهري وقتادة (3). اقول: ومن هنا


(1) ج 2 ص 10 (2) رواه في الوسائل في الباب 19 من ابواب الجنابة. (3) في بدائع الصنائع ج 1 ص 37 " لا يباح للجب قراءة القرآن عند عامة العلماء وقال مالك يباح له ذلك، ولا فرق بين القليل والكثير إذا قصد التلاوة واما إذا لم يقصد وقال " بسم الله " لافتتاح الاعمال تبركا فلا بأس به " وفى المغنى ج 1 ص 143 بعد الحكم بحرمة قراءة آية ذكر ان في قراءة بعض الآية إذا قصد به القرآن أو كان ما يقرأه يتميز به القرآن عن غيره روايتين: احداهما لا يجوز وهو المروي عن علي " ع " وذهب إليه الشافعي وثانيهما لا يمنع وهو قول ابى حنيفة. وفى نيل الاوطار ج 1 ص 197 " ذهب الى تحريم قراءة القرآن على الجنب القاسم والهادي والشافعي من غير فرق بين الآية وما دونها -


[ 145 ]

يظهر حمل روايتي الخدري والسكوني على التقية، وما تكلفه شيخنا الصدوق في الرواية الاولى فمع بعده لا ضرورة تلجئ إليه والحال كما عرفت. واما موثقتا سماعة فهما وان لم يرو القول بمضمونهما عن العامة إلا انه لا مانع من حملهما على التقية من حيث موافقتهما لهم في الجملة ومخالفتهما للاخبار الصحاح الصراح في الجواز مطلقا، على انه لا يشترط عندنا في الحمل على التقية وجود القول بذلك من العامة كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب، وقد ردهما جملة من الاصحاب ايضا: منهم - العلامة في المنتهى وغيره بضعف السند مع معارضتهما بعموم الاذن المستفاد من الروايات الصحيحة، وبذلك يظهر ان الاقوى هو القول بالجواز مطلقا. بقى الكلام هنا في شئ آخر وهو ان المشهور بين اصحابنا (رضي الله عنهم) هو تحريم سور العزائم باجمعها، واعترضهم جملة من متأخرى المتأخرين بان الروايات انما دلت على تحريم آية السجدة خاصة دون السورة، مثل صحيحتي محمد بن مسلم المتقدمتين الدالتين على ان الجنب والحائض يقرءان ما شاءا إلا السجدة، يعني إلا الآية المشتملة على السجود، ونحن قد اسلفنا القول في ذلك، ولكن الظاهر هنا من عبارة كتاب الفقه الرضوي وعبارة المعتبر المنسوبة الى رواية جامع البزنطي هو تحريم السورة، وعبارة كتاب الفقه وان امكن ارتكاب التأويل فيها إلا ان عبارة الجامع لا تقبل التأويل لانه استثنى فيها نفس السورة، ولعل هذين الخبرين هما مستند من قال بتحريم السورة كملا،


- وما فوقها، وذهب أبو حنيفة الى انه يجوز له قراءة دون الآية إذا لم يكن قرآنا " وفى بداية المجتهد ج 1 ص 44 " ذهب الجمهور الى منع الجنب من قراءة القرآن وقال قوم باباحته وقال قوم الحائض بمنزلة الجنب وفرق قوم بينهما فاجازوا للحائض قراءة القرآن القليلة استحسانا لطول مقامها حائضا وهو مذهب مالك " وفى المغنى ج 1 ص 143 " رويت كراهية قراءة القرآن للجنب والحائض والنفساء عن علي وعمر والحسن والنخعي والزهري وقتادة والشافعي الى ان قال: وحكى عن مالك جواز قراءة القرآن للحائض دون الجنب ".


[ 146 ]

وقبول صحيحتي محمد بن مسلم للتأويل بما دلا عليه غير بعيد بان المراد من السجدة سورة السجدة لا آية السجدة. وبالجملة فالاحتياط يقتضي القول بتحريم نفس السورة لما عرفت، وبه يظهر قوة القول المشهور. والله العالم. (الرابع) - مس المصحف والمراد ما عدا كتابة القرآن من الورق والجلد، وهو مذهب الشيخين واتباعهما. ونقل عن المرتضى (رضي الله عنه) القول بالمنع لرواية ابراهيم ابن عبد الحميد الآتية، وقال الصدوق في الفقيه: " ومن كان جنبا أو على غير وضوء فلا يمس القرآن وجاز له ان يمس الورق " وهو مؤذن بعدم الكراهة. والذي وقفت عليه في هذه المسألة من الاخبار رواية ابراهيم بن عبد الحميد المشار إليها عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال: " المصحف لا تمسه على غير طهر ولا جنبا ولا تمس خطه ولا تعلقه، ان الله تعالى يقول لا يمسه إلا المطهرون " (2) وقال (عليه السلام) في كتاب الفقه (3): " ولا تمس القرآن إذا كنت جنبا أو على غير وضوء ومس الاوراق " وعبارة الصدوق مأخوذة من هذه العبارة على القاعدة التي عرفت وستعرف ان شاء الله تعالى، وبالرواية الاولى تعلق المرتضى (رضي الله عنه) قال في المدارك بعد الاستدلال بها على ما ذهب إليه الشيخان واتباعهما من الكراهة: " وانما حمل النهي على الكراهة لضعف سند الرواية باشتماله على عدة من المجاهيل والضعفاء فلا تبلغ حجة في اثبات التحريم " اقول: الاظهر في الجواب عنها انما هو عدم صراحتها بل ولا ظهورها في المدعى، بل الظاهر من قوله (عليه السلام): " المصحف لا تمسه " انما هو نفس القرآن الذي تقدم القول في تحريم مسه، ويؤيده قوله (عليه السلام): " ولا تمس خطه " بان يكون عطفا تفسيريا لما قبله وان وجد في بعض النسخ " خيطه " والظاهر انه تصحيف، وعلى تقدير صحته فيبقى الكلام فيه وفى النهي عن التعليق،


(1) المروية في الوسائل في الباب 12 من ابواب الوضوء. (2) سورة الواقعة الآية 78. (3) ص 4.


[ 147 ]

وينبغي حمل ذلك على الكراهة لمناسبة التعظيم فلا تكون الرواية من محل البحث في شئ نعم فيها اشعار بكراهة مس الورق والجلد من حيث النهي عن مس الخيط - بناء على النسخة المشار إليها - والتعليق، وحينئذ فما ذكره في المدارك - من الاستدلال بها للشيخين على الكراهة وقوله انه لولا ضعف السند لكانت دليلا للمرتضى (رضي الله عنه) على القول بالتحريم في هذه المسألة - ليس في محله، فان الرواية لا تعلق لها بهذه المسألة بوجه، وهذه الرواية هي مستند الاصحاب في القول بتحريم مس خط المصحف على المحدث حدثا اصغر أو اكبر كما تقدم بيانه، والعجب من غفلة جملة من الاصحاب عن ذلك بايرادها في هذه المسألة والحال كما عرفت، وعبارة كتاب الفقه - كما عرفت - ظاهره في الجواز وهو فتوى الصدوق، وهو الظاهر وان كان القول بالكراهة - لما عرفت - من اشعار رواية ابراهيم بن عبد الحميد بذلك - لا بأس به، ويؤيده ما تقدم في صحيحة محمد بن مسلم (1) من قوله (عليه السلام): " الجنب والحائض يفتحان المصحف من وراء الثوب... " والله العالم. (الخامس) - الخضاب على المشهور، وهو مذهب المفيد والمرتضى والشيخ في جملة من كتبه، وقال الصدوق في الفقيه: " ولا بأس بان يختضب الجنب ويجنب وهو مختضب ويحتجم ويذكر الله تعالى ويتنور ويدبح ويلبس الخاتم وينام في المسجد ويمر فيه " وهو ظاهر في عدم الكراهة. والذي وقفت عليه من الاخبار في هذه المسألة ما رواه الشيخ عن ابي سعيد (2) قال: " قلت لابي ابراهيم (عليه السلام): أيختضب الرجل وهو جنب ؟ قال: لا. قلت: فيجنب وهو مختضب ؟ قال: لا. ثم سكت قليلا ثم قال: يا أبا سعيد ألا ادلك على شئ تفعله ؟ قلت: بلى. قال إذا اختضبت بالحناء واخذ الحناء مأخذه وبلغ فحينئذ فجامع " وعن كردين المسمعي (3) قال: " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا يختضب الرجل وهو


(1) المروية في الوسائل في الباب 19 من ابواب الجنابة. (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 22 من ابواب الجنابة.


[ 148 ]

جنب ولا يغتسل وهو مختضب " وعن جعفر بن محمد بن يونس (1) " ان اباه كتب الى ابي الحسن الاول (عليه السلام) يسأله عن الجنب يختضب أو يجنب وهو مختضب ؟ فكتب: لا احب ذلك " وعن عامر بن جذاعة عن الصادق (عليه السلام) (2) قال " سمعته يقول: لا تختضب الحائض ولا الجنب ولا تجنب وعليها خضاب ولا يجنب هو وعليه خضاب ولا يختضب وهو جنب " وروى الفضل بن الحسن الطبرسي في مكارم الاخلاق (3) من كتاب اللباس للعياشي عن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قال: " يكره ان يختضب الرجل وهو جنب، وقال من اختضب وهو جنب أو اجنب في خضابه لم يؤمن عليه ان يصيبه الشيطان بسوء " وعن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (4) قال: " لا تختضب وانت جنب ولا تجنب وانت مختضب، ولا الطامث فان الشيطان يحضرها عند ذلك، ولا بأس به للنفساء ". وهذه كلها - كما ترى - متطابقة الدلالة على النهي، وانما حمل الاصحاب النهي فيها على الكراهة دون التحريم جمعا بينها وبين ما دل على الجواز من الاخبار، ومنها - ما رواه في الكافي (5) عن ابي جميلة عن ابي الحسن الاول (عليه السلام) قال: " لا بأس بان يختضب الجنب ويجنب المختضب ويطلي بالنورة " قال في الكافي (6): " وروى ايضا ان المختضب لا يجنب حتى يأخذ الخضاب واما في اول الخضاب فلا " وعن السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (7) قال: " لا بأس بان يختضب الرجل ويجنب وهو مختضب... الحديث " وما رواه الشيخ عن علي - والظاهر انه ابن ابي حمزة - عن العبد الصالح (عليه السلام) (8) قال: " قلت: الرجل يختضب وهو جنب ؟ قال: لا بأس. وعن المرأة تختضب وهي حائض ؟ قال: ليس به بأس " وفي الموثق عن سماعة (9) قال: " سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن الجنب والحائض يختضبان


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) و (9) رواه في الوسائل في الباب 22 من ابواب الجنابة.


[ 149 ]

قال: لا بأس " وما رواه في الكافي (1) في الحسن عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) قال: " لا بأس ان يختضب الرجل وهو جنب " الا ان في بعض نسخ الكافي " يحتجم " بدل " يختضب " اقول: ويؤيد ما ذكروه من الجمع ظاهر روايتي مكارم الاخلاق وظاهر رواية جعفر بن محمد بن يونس. وعن المفيد في المقنعة انه علل الكراهة بان الخضاب يمنع وصول الماء الى ظاهر الجوارح التي عليها الخضاب. وانت خبير بان مقتضى هذا التعليل هو التحريم لا الكراهة، ومن اجل ذلك اعتذر عنه في المعتبر فقال: " وكأنه نظر الى ان اللون عرض وهو لا ينتقل فيلزم حصول اجزاء من الخضاب في محل اللون ليكون وجود اللون بوجودها، لكنها حقيقة لا تمنع الماء منعا تاما فكرهت لذلك " انتهى. ولا يخفى ما فيه من التكلف. بقي هنا شئ وان كان خارجا عن محل البحث وهو ان ظاهر عبارة الصدوق المتقدمة جواز نوم الجنب في المسجد، وهو باطل اجماعا للاخبار المستفيضة الصريحة في المنع عن اللبث في المسجد (2) وتخصيص الجواز بالمشي دون اللبث، الا انه قد روى الشيخ عن الحسين بن سعيد عن محمد بن القاسم (3) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الجنب ينام في المسجد: فقال: يتوضأ ولا بأس ان ينام في المسجد ويمر فيه " وحينئذ فان كان اعتماد الصدوق (رحمه الله) على هذه الرواية فهي - مع الاغماض عما فيها من مخالفة الاجماع والروايات المستفيضة - مقيدة بالوضوء اولا وعبارته (رحمه الله) مطلقة، وايضا فان العمل بها في مقابلة تلك الاخبار موجب لطرح تلك الاخبار المشار إليها وهو مشكل. وبعض المحشين على الكتاب تكلف لها من الاحتمالات ما هو في البعد اظهر من ان يخفى، قال (قدس سره): " يحتمل ان يكون المراد النوم في حال الاجتياز من غير لبث وان كان الفرض بعيد، ويحتمل ان يكون المراد انه


(1) رواه في الوسائل في الباب 23 من ابواب الجنابة. (2) و (3) رواها في الوسائل في الباب 15 من ابواب الجنابة.


[ 150 ]

يجوز النوم في المسجد وان عرض له الجنابة بعد النوم، فلا بأس بهذا النوم وان كان معرضا للجنابة، والمراد بالجنب حينئذ من تعرض له الجنابة. وفيه بعد بحسب العبارة. وربما يقرأ " في المسجد " بلفظ الاسم لا الحرف اي ينام في ظل المسجد ويحذف ويوصل المفعول. وهو بعيد " انتهى. وبالجملة فظاهر كلامه غير موجه، والرواية المذكورة محمولة على الضرورة أو التقية، ونقل بعض مشايخنا المتأخرين عن احمد احد الائمة الاربعة انه إذا توضأ جاز له اللبث (1) وايد بعض الحمل على التقية بان الرواية عن الرضا (عليه السلام) واكثر الاخبار المروية عنه (عليه السلام) ظاهرة في التقية، لانه (عليه السلام) كان في خراسان وفى اكثر الاوقات كان في مجلسه جماعة من رؤسائهم كما هو الشائع من الآثار. انتهى. (المسألة الخامسة) - إذا اجتمعت اغسال واجبة أو مستحبة اجزأ عنها غسل واحد عندنا للاخبار الدالة على التداخل، وقد مر تحقيق المسألة مستوفى في المقام الحادي عشر من مقامات الركن الاول في نية الوضوء (2) فليراجع. والله العالم.


(1) راجع التعليقة 3 ص 51. (2) ج 2 ص 196.


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>