تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الثالث


الفصل الثاني

في غسل الحيض

والكلام فيه يتوقف على بيان الحيض وانه عبارة عماذا، وما يترتب عليه من الاحكام، واحكام الحائض وما يجوز لها وما لا يجوز، وحينئذ فالبحث هنا يقع في مقاصد ثلاثة:

(الاول) - في بيان الحيض، وهو الدم المتصف بالصفات الآتية، الذي لا ينقص عن ثلاثة ولا يزيد على عشرة، الخارج من الجانب الايسر أو الايمن على الخلاف الآتي المستنقع مع اشتباهه بالعذرة، الذي تراه المرأة بعد بلوغ تسع سنين الى ان تبلغ سن اليأس وفى مجامعته الحمل قولان، وتفصيل هذه الجملة يقع في مسائل:


[ 151 ]

(الاولى) - دم الحيض في الاغلب هو الاسود الحار الخارج بحرقة ولذع، وانما قيد بالاغلب لما سيجئ ان شاء الله تعالى من ان ما تراه المرأة في ايام العادة وان كان حمرة أو صفرة فهو حيض. ويدل على ذلك من الاخبار روايات عديدة: منها - ما في الكافي في الصحيح أو الحسن بابراهيم بن هاشم عن حفص بن البختري (1) قال: " دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) امرأة فسألته عن المرأة يستمر بها الدم فلا تدري حيض هو أو غيره ؟ قال فقال لها: ان دم الحيض حار عبيط اسود له دفع وحرارة، ودم الاستحاضة اصفر بارد، فإذا كان للدم حرارة ودفع وسواد فلتدع الصلاة. قال: فخرجت وهي تقول: والله لو كان امرأة ما زاد على هذا ". وعن معاوية بن عمار في الصحيح (2) قال قال أبو عبد الله (عليه السلام): " ان دم الاستحاضة والحيض ليسا يخرجان من مكان واحد، ان دم الاستحاضة بارد وان دم الحيض حار ". وعن اسحاق بن جرير في الموثق (3) قال: " سألتي امرأة منا ان ادخلها على ابي عبد الله (عليه السلام) فاستأذنت لها فاذن لها فدخلت ومعها مولاة لها، فقالت له يا ابا عبد الله ما تقول في المرأة تحيض فتجوز ايام حيضها ؟ فقال ان كان ايام حيضها دون عشرة ايام استظهرت بيوم واحد ثم هي مستحاضة. قالت فان الدم استمر بها الشهر والشهرين والثلاثة كيف تصنع بالصلاة ؟ قال تجلس ايام حيضها ثم تغتسل لكل صلاتين قالت ان ايام حيضها تختلف عليها وكان يتقدم الحيض اليوم واليومين والثلاثة ويتأخر مثل ذلك فما علمها به ؟ قال دم الحيض به خفاء هو دم حار تجد له حرقة، ودم الاستحاضة دم فاسد بارد، قال فالتفتت الى مولاتها فقالت أتراه كان امرأة مرة ؟ ".


(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب الحيض.


[ 152 ]

والمستفاد من هذه الاخبار انه حيثما وجدت هذه الاوصاف يجب الحكم بالحيض وحيث انتفت انتفى إلا ما خرج بدليل.

(الثانية) - لو اشتبه دم الحيض بدم العذرة - بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة: البكارة بفتح الباء الموحدة - اعتبر بخروج القطنة بعد وضعها في الفرج على الوجه الآتي، فان خرجت مطوقة حكم به للعذرة، وان خرجت مستنقعة حكم به للحيض، صرح به الشيخ ومن تأخر عنه من الاصحاب والمستند فيه ما رواه في الكافي عن خلف بن حماد الكوفي في الصحيح (1) قال: " تزوج بعض اصحابنا جارية معصرا لم تطمث، فلما افتضها سال الدم فمكث سائلا لا ينقطع نحوا من عشرة ايام، قال: فاروها القوابل ومن ظنوا بانه يبصر ذلك من النساء فاختلفن: فقال بعض هذا من دم الحيض وقال بعض هو من دم العذرة، فسألوا عن ذلك فقهاءهم كابى حنيفة وغيره من فقائهم فقالوا: هذا شئ قد اشكل والصلاة فريضة واجبة، فلتتوضأ ولتصل وليمسك عنها زوجها حتى ترى البياض، فان كان دم الحيض لم تضرها الصلاة وان كان دم العذرة كانت قد ادت الفريضة، ففعلت الجارية ذلك، وحججت في تلك السنة فلما صرنا بمنى بعثت الى ابى الحسن موسى (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك ان لنا مسألة قد ضقنا بها ذرعا فان رأيت ان تأذن لي فأتيك واسألك عنها ؟ فبعث الي إذا هدأت الرجل وانقطع الطريق فاقبل ان شاء الله تعالى قال خلف فرعيت الليل حتى إذا رأيت الناس قد قل اختلافهم بمنى توجهت الى مضربه، فلما كنت قريبا إذا انا باسود قاعد على الطريق فقال من الرجل ؟ فقلت رجل من الحاج فقال ما اسمك ؟ قلت خلف بن حماد. فقال ادخل بغير اذن فقد امرني ان اقعد ههنا فإذا اتيت اذنت لك، فدخلت فسلمت فرد السلام وهو جالس على فراشه وحده ما في الفسطاط غيره، فلما صرت بين يديه سألني وسألته عن حاله فقلت له: ان رجلا


(1) روى قطعة منه في الوسائل في الباب 2 من ابواب الحيض.


[ 153 ]

من مواليك تزوج جارية معصرا لم تطمث فلما افتضها سال الدم فمكث سائلا لا ينقطع نحوا من عشرة ايام، وان القوابل اختلفن في ذلك فقال بعضهن دم الحيض وقال بعضهن دم العذرة فما ينبغي لها ان تصنع ؟ قال: فلتتق الله تعالى فان كان من دم الحيض فلتمسك عن الصلاة حتى ترى الطهر وليمسك عنها بعلها، وان كان من العذرة فلتتق الله تعالى ولتتوضأ ولتصل ويأتيها بعلها ان احب ذلك. فقلت: وكيف لهم ان يعلموا مما هو حتى يفعلوا ما ينبغي ؟ قال فالتفت يمينا وشمالا في الفسطاط مخافة ان يسمع كلامه احد قال ثم نهد الي فقال: يا خلف سر الله سر الله فلا تذيعوه ولا تعلموا هذا الخلق اصول دين الله بل ارضوا لهم ما رضي الله تعالى لهم من ضلال، قال ثم عقد بيده اليسرى تسعين ثم قال تستدخل القطنة ثم تدعها مليا ثم تخرجها اخراجا رفيقا فان كان الدم مطوقا في القطنة فهو من العذرة وان كان مستنقعا في الفطنة فهو من الحيض. قال خلف فاستخفني الفرح فبكيت فلما سكن بكائي قال ما ابكاك ؟ قلت: جعلت فداك من يحسن هذا غيرك ؟ قال فرفع يده الى السماء وقال: انى والله ما اخبرك إلا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن جبرئيل عن الله عزوجل ". وما رواه في التهذيب عن خلف بن حماد (1) قال: " قلت لابي الحسن الماضي: جعلت فداك ان رجلا من مواليك سألني ان اسألك عن مسألة فتأذن لي فيها ؟ فقال لي هات فقلت جعلت فداك رجل تزوج جارية أو اشترى جارية طمثت أو لم تطمث أو في اول ما طمثت فلما افترعها غلب الدم فمكث اياما وليالي، فاريت القوابل فبعض قال من الحيضة وبعض قال من العذرة ؟ قال فتبسم وقال: ان كان من الحيض فليمسك عنها بعلها ولتمسك عن الصلاة وان كان من العذرة فلتوضأ ولتصل ويأتيها بعلها ان احب. قلت جعلت فداك وكيف لها ان تعلم من الحيض هو أو من العذرة ؟ فقال: يا خلف سر الله فلا تذيعوه تستدخل قطنة ثم


(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب الحيض.


[ 154 ]

تخرجها فان خرجت القطنة مطوقة بالدم فهو من العذرة وان اخرجت مستنقعة بالدم فهو من الطمث ". وما رواه في الكافي والشيخ ايضا في التهذيب في الصحيح عن زياد بن سوقة (1) قال: " سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن رجل افتض امرأته أو امته فرأت دما كثيرا لا ينقطع عنها يومها كيف تصنع بالصلاة ؟ قال تمسك الكرسف فان خرجت القطنة مطوقة بالدم فانه من العذرة تغتسل وتمسك معها قطنة وتصلي، فان خرج الكرسف منغمسا بالدم فهو من الطمث تقعد عن الصلاة ايام الحيض ". وفى الفقه الرضوي (2) " وان افتضها زوجها ولم يرق دمها ولا تدري دم الحيض هو ام دم العذرة فعليها ان تدخل قطنة فان خرجت القطنة مطوقة بالدم فهو من العذرة وان خرجت منغمسة فهو من الحيض، واعلم ان دم العذرة لا يجوز الشفرين ودم الحيض حار يخرج بحرارة شديدة ودم الاستحاضة بارد يسيل وهي لا تعلم " انتهى. وهذه العبارة بلفظها نقلها في الفقيه عن ابيه في رسالته إليه. وهذه الاخبار كلها متطابقة الدلالة على الحكم المذكور. وظاهر كلام المحقق في الشرائع والنافع وصريحه في المعتبر التوقف في الحكم بكونه حيضا مع الاستنقاع، قال في المعتبر: " لا ريب انها إذا خرجت مطوقة كان من العذرة فان خرجت مستنقعة فهو محتمل، فاذن يقتضي انه من العذرة مع التطوق قطعا فلهذا اقتصر في الكتاب على الطرف المتيقن " واعترضه في المدارك بان فيه نظرا من وجهين: (احدهما) - ان المسألة في كلامه في المعتبر مفروضة فيما إذا جاء الدم بصفة دم الحيض ومعه لا وجه للتوقف في كونه مع الاستنقاع حيضا، لاعتبار سند الخبرين وصراحتهما في الدلالة على الحكمين ومطابقتهما للروايات الدالة على اعتبار الاوصاف. و (ثانيهما) - انه (رحمه الله) صرح بعد ذلك بان ما تراه المرأة من الثلاثة الى العشرة يحكم بكونه حيضا وبانه لا عبرة.


(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب الحيض. (2) ص 22


[ 155 ]

بلونه ما لم يعلم انه لقرح أو لعذرة ونقل عليه الاجماع، وهو مناف لما ذكره هنا من التوقف في هذه المسألة، إذا المفروض فيها انتفاء العلم بكون الدم للعذرة بل انتفاء الظن بذلك باعتبار استنقاعه كما هو واضح. انتهى. وهو جيد وان كان ما ذكره المحقق لا يخلو من وجه بالنظر الى الاعتبار، إلا انه لا وجه له في مقابلة الاخبار ولا سيما مع تصريحه بما نقله عنه في الموضعين. ثم انه لا يخفى ان ما ذكره المحقق هنا من تقييد الدم الذي هو محل البحث بان يكون بصفة دم الحيض تقييد للنص بغير دليل، واي مانع من الحكم بكونه حيضا مطلقا مع عدم التطوع ؟ سيما على القاعدة المقررة المعتمدة عندهم من ان ما امكن ان يكون حيضا فهو حيض، واليه يشير كلامه في الوجه الثاني الذي نقله عنه في المدارك. بقى هنا شئ وهو انه قد نقل في المدارك عن الشهيد (رحمه الله) في الشرح ان طريق معرفة التطوق وعدمه ان تضع قطنة بعد ان تستلقي على ظهرها وترفع رجليها ثم تصبر هنيئة ثم تخرج القطنة اخراجا رفيقا، ونقل عن جده ايضا في الروض ان مستند هذا الحكم روايات عن اهل البيت (عليهم السلام) لكن في بعضها الامر باستدخال القطنة من غير تقييد بالاستلقاء وفى بعضها ادخال الاصبع مع الاستلقاء، وطريق الجمع حمل المطلق على المقيد والتخيير بين الاصبع والكرسف الا ان الكرسف اظهر في الدلالة، ثم اعترضه بان ما ذكره (رحمه الله) لم اقف عليه في شئ من الاصول ولا نقله ناقل في كتب الاستدلال. انتهى. وما ذكره (رحمه الله) جيد وجيه، فانا لم نقف في المسألة إلا على ما قدمنا من الاخبار وليس في شئ منها ما يدل على الاستلقاء ولا وضع الاصبع، ولا يبعد عندي ان منشأ توهم شيخنا المشار إليه هو رواية القرحة الآتية للامر فيها بالاستلقاء ووضع الاصبع، فربما جرى على خاطره وقت الكتابة ان مورد الرواية هو افتضاض البكر وزوال العذرة فعدها في جملة روايات المسألة وجمع بينهما بما ذكره من غير ان يراجعها، وجريان الاقلام على الاستعجال بامثال هذا المقال غير عزيز في كلامهم.


[ 156 ]

(المسألة الثالثة) - لو اشتبه دم الحيض بدم القرحة فقد اختلف الاصحاب في ذلك، فقيل ان كان خرج الدم من الجانب الايسر فهو من الحيض وان كان من الجانب الايمن فهو من القرحة، وبه صرح الصدوق في كتابه والشيخ في النهاية واتباعه قال في الفقيه: " وان اشتبه عليها دم الحيض ودم القرحة فربما كان في فرجها قرحة، فعليها ان تستلقي على قفاها وتدخل اصبعها فان خرج الدم من الجانب الايمن فهو من القرحة وان خرج الدم من الجانب الايسر فهو من الحيض " وظاهر هذا الكلام ان مخرج دم الحيض دائما انما هو من الجانب الايسر، وعن ابن الجنيد انه عكس ذلك فقال: " دم الحيض اسود عبيط تعلوه حمرة يخرج من الجانب الايمن وتحس المرأة بخروجه، ودم الاستحاضة بارد رقيق يخرج من الجانب الايسر " واضطرب كلام الشهيد فافتى في البيان بالاول وفى الدروس والذكرى بالثاني، قيل: ومنشأ الاختلاف هنا اختلاف متن الرواية حيث انه قد روى في الكافي عن محمد بن يحيى رفعه عن ابان (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) فتاة منابها قرحة في جوفها والدم سائل لا تدري من دم الحيض ام من دم القرحة ؟ فقال: مرها فلتستلق على ظهرها ثم ترفع رجليها ثم تستدخل اصبعها الوسطى، فان خرج الدم من الجانب الايمن فهو من الحيض وان خرج من الجانب الايسر فهو من القرحة " والشيخ قد نقل الرواية المذكورة بعينها في التهذيب وساق الحديث الى ان قال: " فان خرج الدم من الجانب الايسر فهو من الحيض وان خرج من الجانب الايمن فهو من القرحة " وربما قيل بترجيح رواية التهذيب لان الشيخ اعرف بوجوه الحديث واضبط خصوصا مع فتواه بمضمونها في النهاية والمبسوط. وفيه انه لا يخفى على من راجع التهذيب وتدبر اخباره ما وقع للشيخ (رحمه الله) من التحريف والتصحيف في الاخبار سندا ومتنا وقلما يخلو حديث من احاديثه من علة في سند أو متن، واما فتواه (رحمه الله) فالكلام فيها اظهر من ان يخفى على


(1) رواه في الوسائل في الباب 16 من ابواب الحيض.


[ 157 ]

من مارس الفن، والترجيح بهذه القاعدة في جانب رواية الكافي اظهر، ويعضده ان في الذكرى نقل انه وجد الرواية في كثير من نسخ التهذيب كما في الكافي، وفى المدارك عن ظاهر كلام ابن طاووس ان نسخ التهذيب القديمة كلها موافقة له ايضا وبه يظهر ترجيحها. نعم عبارة الفقه الرضوي صريحة في القول الاول حيث قال (عليه السلام) (1): " وان اشتبه عليها الحيض بدم القرحة فربما كان في فرجها قرحة فعليها ان تستلقي على قفاها وتدخل اصبعها فان خرج الدم من الجانب الايمن فهو من القرحة وان خرج من الجانب الايسر فهو من الحيض " وعبارة الصدوق المتقدمة عين هذه العبارة، ومنه يعلم انه اخذها من الكتاب المذكور وافتى بها وان مستنده في هذا الحكم انما هو الكتاب المذكور، والصدوق في كتابه قد ذكر بعد هذه العبارة بلا فصل عبارة كتاب الفقه المتقدمة (2) في اشتباه دم الحيض بدم العذرة وقال بعدها ذكره ابي في رسالته الي، ومنه يعلم - كما عرفت وستعرف ان شاء الله تعالى في مطاوي ابحاث هذا الكتاب - اعتماد الصدوقين على الكتاب المذكور واخذ عبائره والافتاء بها، والظاهر ان مستند من قال بالقول الاول انما هو ما في رسالة علي بن الحسين بن بابويه من العبارة المأخوذة من كتاب الفقه لا من رواية التهذيب كما قيل، لما عرفت من نقل الشيخين المتقدمين ان نسخ التهذيب القديمة موافقة للكافي، وحينئذ فالتعارض انما هو بين رواية الكافي، وكتاب الفقه، والمسألة لذلك لا تخلو من اشكال، ويؤكده ان احتمال القرحة لا يختص بجانب دون جانب فلا يتم الحكم كليا بكونها في جانب اليمين كما في كتاب الفقه أو الايسر كما في رواية الكليني. والله العالم.

(المسألة الرابعة) - لا خلاف بين الاصحاب (رضي الله عنهم) في ان اقل الحيض ثلاثة ايام واكثره عشرة، وهي اقل الطهر، واما اكثره فلا حد له على الاشهر الاظهر.


(1) ص 22 (2) ص 154.


[ 158 ]

فاما الاول فالاخبار به مستفيضة: (منها) - ما رواه في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " اقل ما يكون الحيض ثلاثه ايام واكثره ما يكون عشرة ايام ". وعن صفوان بن يحيى (2) قال: " سألت ابا الحسن الرضا (عليه السلام) عن ادنى ما يكون من الحيض ؟ فقال ادناه ثلاثة وابعده عشرة " وما رواه الشيخ في الصحيح عن يعقوب بن يقطين عن ابي الحسن (عليه السلام) (3): " ادنى الحيض ثلاثة واقصاه عشرة " الى غير ذلك من الاخبار الكثيرة. واما ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (4) من " ان اكثر ما يكون الحيض ثمان وادنى ما يكون منه ثلاثة " فقد اجاب الشيخ عنه بانه خبر شاذ اجمعت العصابة على ترك العمل به، قال: " ولو صح لكان معناه ان المرأة إذا كان من عادتها ان لا تحيض اكثر من ثمانية ايام ثم استحاضت واستمر بها الدم وهي لا يتميز لها دم الحيض من دم الاستحاضة، فان اكثر ما تحتسب به ايام الحيض ثمانية ايام حسبما جرت عادتها قبل استمرار الدم " انتهى. ولا يخفى بعده. وحمله في المنتقى على ارادة الاكثر بحسب العادة والغالب في الشرع. وهو جيد فان بلوغ العشرة في العادة نادر. واما الثاني فيدل عليه بعد الاجماع الاخبار الكثيرة، ومنها - مرسلة يونس الآتية (5) ومنها ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (6) قال: " لا يكون القرء في اقل من عشرة ايام فما زاد، اقل ما يكون عشرة من حين تطهر الى ان ترى الدم " وهي متضمنة لحكم الاقل وانه عشرة ولحكم الاكثر وهو عشرة فما زاد من غير الانتهاء الى حد، وعن أبي الصلاح انه حد الاكثر بثلاثة اشهر، ولم نقف له على مستند، وحمله العلامة على ان مراده باعتبار الغالب وفى صحيحة محمد بن مسلم


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 10 من ابواب الحيض. (6) رواه في الوسائل في الباب 11 من ابواب الحيض


[ 159 ]

الآتية (1) ونحوها موثقته (2) " إذا رأت الدم بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة " وكيف كان فكل من هذه الاحكام لا خلاف فيه، انما الخلاف في اشتراط التوالي في الثلاثة التي تكون اقل الحيض فهل يشترط تواليها ام يكفي كونها في جملة العشرة ؟ المشهور الاول وبه قال الشيخ (رحمه الله) في الجمل والمرتضى وابنا بابويه، قال في الفقيه نقلا عن ابيه في رسالته إليه: " فان رأت الدم يوما أو يومين فليس ذلك من الحيض ما لم تر الدم ثلاثة ايام متواليات، وعليها ان تقضي الصلاة التي تركتها في اليوم أو اليومين ". اقول: وهذه العبارة عين عبارة الفقه الرضوي كما سيأتي نقله في هذا المقام ان شاء الله تعالى، وهكذا ما بعدها وقال الشيخ في النهاية: " ان رأت يوما أو يومين ثم رأت قبل انقضاء العشرة ما يتم به الثلاثة فهو حيض، وان لم تر حتى تمضي عشرة فليس من الحيض " والى هذا القول ذهب ابن البراج، واليه مال جملة من متأخرى المتأخرين: منهم - المولى الاردبيلي (رحمه الله) في شرح الارشاد والشيخ الحر في رسالته والشيخ عبد الله بن صالح البحراني، ونقله عن الشيخ احمد بن الشيخ محمد بن يوسف البحراني صاحب رياض المسائل، وهو الاظهر عندي. ويدل عليه روايات: (منها) - ما رواه الشيخ عن يونس عن بعض رجاله عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " ادنى الطهر عشرة ايام، وذلك ان المرأة اول ما تحيض ربما كانت كثيرة الدم فيكون حيضها عشرة ايام، فلا تزال كلما كبرت نقصت حتى ترجع الى ثلاثة ايام فإذا رجعت الى ثلاثة ايام ارتفع حيضها ولا يكون اقل من ثلاثة ايام، فإذا رأت المرأة الدم في ايام حيضها تركت الصلاة، فان استمر بها الدم ثلاثة ايام فهي حائض


(1) و (3) المروية في الوسائل في الباب 12 من ابواب الحيض. (2) المروية في الوسائل في الباب 10 من ابواب الحيض.


[ 160 ]

وان انقطع الدم بعد ما رأته يوما أو يومين اغتسلت وصلت وانتظرت من يوم رأت الدم الى عشرة ايام، فان رأت في تلك العشرة ايام من يوم رأت الدم يوما أو يومين حتى يتم لها ثلاثة فذلك الذي رأته في اول الامر مع هذا الذي رأته بعد ذلك في العشرة فهو من الحيض، وان مر بها من يوم رأت الدم عشرة ايام ولم تر الدم فذلك اليوم واليومان الذي رأته لم يكن من الحيض انما كان من علة اما قرحة في جوفها واما من الجوف، فعليها ان تعيد الصلاة تلك اليومين التي تركتها لانها لم تكن حائضا فيجب ان تقضى ما تركت من الصلاة في اليوم واليومين، وان تم لها ثلاثة ايام فهو من الحيض وهو ادنى الحيض ولم يجب عليها القضاء ولا يكون الطهر اقل من عشرة ايام، وإذا حاضت المرأة وكان حيضها خمسة ايام ثم انقطع الدم اغتسلت وصلت، فان رأت بعد ذلك الدم ولم يتم لها من يوم طهرت عشرة ايام فذلك من الحيض تدع الصلاة، وان رأت الدم من اول ما رأت الثاني الذي رأته تمام العشرة ايام ودام عليها عدت من اول ما رأت الدم الاول والثانى عشرة ايام ثم هي مستحاضة تعمل ما تعمله المستحاضة، وقال كل ما رأت المرأة في ايام حيضها من صفرة أو حمرة فهو من الحيض وكل ما رأته بعد ايام حيضها فليس من الحيض ". اقول: لا يخفى ما في الخبر المذكور من الصراحة والظهور في الدلالة على القول المذكور، وظاهره ايضا ان النقاء الذي بين ايام الدم المتفرقة طهر حيث خص الحيض بايام الدم المتقدمة والمتأخرة (لا يقال): انه قد استفاضت الاخبار بان اقل الطهر عشرة ايام (لانا نقول): نعم وهذا الخبر من جملتها ايضا حيث قال فيه: " ولا يكون الطهر اقل من عشرة ايام " ولكن وجه الجمع - بين ما دل عليه الخبر المذكور ونحوه من الحكم بكون النقاء المتخلل بين الثلاثة الايام المذكورة هنا طهرا وبين تلك الاخبار - بحمل الطهر في تلك الاخبار على ما كان بين حيضتين مستقلتين كما في العدد ونحوها فلا ينافيه ما كان في اثناء الحيضة الواحدة، ويشير الى ذلك ما تقدم في صحيحة محمد بن مسلم


[ 161 ]

المتقدمة التي هي مستندهم في هذا الحكم (1) من قوله (عليه السلام): " اقل ما يكون عشرة من حين تطهر الى ان ترى الدم " بعد قوله: " لا يكون القرء في اقل من عشرة " وقوله (عليه السلام) -: " فان رأت بعد ذلك الدم ولم يتم لها من يوم طهرت عشرة أيام فذلك من الحيض " - معناه انه إذا كان حيضها خمسة ايام - مثلا - ثم انقطع الدم فانها تغتسل وتصلي، فان عاد الدم بعد مضي عشرة ايام من انقطاعه فلا اشكال في كونه حيضة ثانية لتوسط اقل الطهر بين الدمين، وان كان قبل تمام العشرة فانه يكون من الحيضة الاولى وما بينهما طهر حسبما تقدم في الثلاثة المتفرقة. نعم انما يحكم بكون الدمين حيضا ما لم يتجاوز الجميع عشرة أيام التي هي اكثر الحيض وإلا فلو تجاوز كان ما زاد على العشرة استحاضة. والى هذا اشار (عليه السلام) بقوله في تتمة الخبر: " وان رأت الدم من اول ما رأت الثاني.. الخ " بمعنى انه ان رأت هذا الدم الثاني من اول ما رأته متمما للعشرة التي مبدأها اول اليوم ثم دام وتجاوز العشرة عدت ايام الدم الاول وايام الدم الثاني وجعلت حيضها منه عشرة ايام وعملت في الباقي ما تعمله المستحاضة، وفي قوله: " عدت من اول ما رأت الدم الاول والثاني عشرة ايام " اشارة الى ان ما بين الدمين طهر لانها انما تعد ايام الدم خاصة. و (منها) - ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن بابراهيم بن هاشم عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: " إذا رأت المرأة الدم قبل عشرة ايام فهو من الحيضة الاولى وان كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة ". وما رواه الشيخ في الموثق عن محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " اقل ما يكون الحيض ثلاثة ايام، وإذا رأت الدم قبل عشرة ايام فهو من الحيضة الاولى، وإذا رأته بعد عشرة ايام فهو من حيضة اخرى مستقبلة ".


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 11 من ابواب الحيض. (3) رواه في الوسائل في الباب 10 من ابواب الحيض.


[ 162 ]

والتقريب فيهما انهما ظاهرتان في انه إذا رأت المرأة الدم بعد ما رأته اولا سواء كان الاول يوما أو ازيد، فان كان بعد توسط عشرة ايام خالية من الدم كان الدم الثاني حيضة مستقلة، وان كان قبل ذلك كان من الحيضة الاولى. واما ما ذكره في المدارك - بعد ان نقل عن الشيخ الاستدلال على هذا القول برواية يونس وصحيحة محمد بن مسلم حيث قال: " والجواب ان الرواية الاولى ضعيفة مرسلة والثانية غير دالة على المطلوب صريحا، إذ مقتضاها ان ما تراه في العشرة فهو من الحيضة الاولى ولا نزاع فيه لكن لابد من تحقق الحيض اولا، قال في المعتبر بعد ان ذكر نحو ذلك: ونحن لا نسمي حيضا إلا ما كان ثلاثة فصاعدا، فمن رأت ثلاثة ثم انقطع ثم جاء في العشرة ولم يتجاوز فهو من الحيضة الاولى لا انه حيض مستأنف، لانه لا يكون بين الحيضتين اقل من عشرة. وهو حسن " انتهى - ففيه (اولا) - ان ما طعن به على رواية يونس من الضعف لا يقوم حجة على الشيخ ونحوه من المتقدمين الذين لا اثر لهذا الاصطلاح عندهم، بل اعترف جملة من محققي اصحاب هذا الاصطلاح كالمحقق الشيخ حسن في المنتقى والبهائي في مشرق الشمسين بصحة الاخبار كملا عند المتقدمين لوضوح الطرق الدالة على صحتها لديهم، وان هؤلاء المتأخرين انما جددوا هذا الاصطلاح لخفاء تلك القرائن التي اوجبت صحة الاخبار عند المتقدمين عليهم. و (ثانيا) - ما قدمناه في مقدمات هذا الكتاب من بطلان هذا الاصطلاح. و (ثالثا) - ان ما ذكره في صحيحة محمد بن مسلم من عدم دلالتها على المطلوب صريحا مؤذن بانها دالة عليه ظاهرا وهو كاف في الاستدلال، فانها وان لم تكن في الصراحة كرواية يونس المذكورة إلا انها ظاهرة في ذلك، وما ارتكبوه في تأويلها خلاف الظاهر بل تعسف محض كما لا يخفى على الخبير الماهر، وذلك فان ظاهر الخبر المذكور ومثله الموثقة التي بعده ان العشرة التي وقع التفصيل فيها في الخبر بكون رؤية الدم قبل تمامها فيكون من الحيضة الاولى أو بعده فيكون حيضة مستقلة انما هي عشرة


[ 163 ]

واحدة وهي ما بعد رؤية الدم الاول سواء كان يوما أو يومين أو ثلاثة، ومبدأها انقطاع الدم الاول، واللام في العشرة الثانية عهدية كما في قوله تعالى: "... ارسلنا الى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول... " (1) وعلى هذا بنى الاستدلال بالرواية المذكورة، وعلى ما ذكروه يلزم ان يكون مبدأ العشرة من اول الدم، وهو وان تم لهم بالنسبة الى اول الترديدين إلا انه لا يتم لهم بالنسبة الى الترديد الثاني وهو قوله: " وان كان بعد العشرة " فانها عبارة عن عشرة ايام الطهر البتة، وبالجملة فان مبنى كلامهم على ان المراد بالعشرة الاولى مبدأ الدم الاول والعشرة الثانية من انقطاعه. ولا يخفى ما فيه من التمحل بل البطلان، إذ المتبادر من الترديد المذكور هو اتحاد العشرة لا تعددها. ومما يؤيد ما ذكرناه من ان العشرة التي وقع الترديد فيها هي عشرة الطهر ما رواه الشيخ في التهذيب عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة إذا طلقها زوجها متى تكون املك بنفسها ؟ فقال إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فهي املك بنفسها. قلت فان عجل الدم عليها قبل ايام قرءها ؟ فقال: إذا كان الدم قبل العشرة ايام فهو املك بها وهو من الحيضة التي طهرت منها، وان كان الدم بعد العشرة فهو من الحيضة الثالثة فهي املك بنفسها ". والتقريب فيها كما مر في صحيحة محمد بن مسلم الا ان هذه اظهر في كون الطهر يكون اقل من عشرة ايام، وان ما ذكروه من حمل العشرة الاولى في تلك الرواية على مبدأ الدم الاول لا يجري في هذه الرواية، بل المراد بالعشرة فيها في الموضعين هي عشرة الطهر الخالي من الدم، وذلك فان معناها انها إذا حاضت الحيضة الثانية وطهرت ثم اتاها الدم، فان كان قبل تمام العشرة ايام الطهر فله الرجوع فيها لانها باقية في العدة، وان


(1) سورة المزمل. الآية 15 و 16 (2) رواه في الوسائل في الباب 17 من ابواب العدد.


[ 164 ]

كان بعد تمام العشرة فقد خرجت عن عدته لحصول الاقراء الثلاثة التي هي عبارة عن الاطهار وتقريب الاستدلال بهذه الروايات الثلاثة بناء على ما ذكرناه زيادة على ما عرفت ان الحكم بكون ما تراه قبل تمام العشرة من الحيضة الاولى انما يتم على اطلاقه بناء على الحكم بكون ايام النقاء المتخللة طهرا، والا فلو فرضنا ان حيضها الاول خمسة ايام أو ستة ايام ثم بعد الطهر والغسل رأت الدم في اليوم السابع أو الثامن من طهرها قبل تمام العشرة فانه (عليه السلام) في هذه الاخبار حكم بكون الدم من الحيضة الاولى، فلو حكم بكون النقاء ايضا حيضا كما يدعونه للزم زيادة الحيض على عشرة ايام، وهو باطل اجماعا نصا وفتوى، وفي معنى هذه الرواية ما صرح به في الفقه الرضوي (1) حيث قال: " وربما تعجل الدم من الحيضة الثانية، والحد بين الحيضتين القرء وهو عشرة ايام بيض، فان رأت الدم بعد اغتسالها من الحيض قبل استكمال عشرة ايام بيض فهو ما بقى من الحيضة الاولى، وان رأت الدم بعد العشرة البيض فهو ما تعجل من الحيضة الثانية " انتهى. وهو ظاهر في ان ما تخلل من النقاء بين الدمين - متى كان في العشرة - طهر لما فرضناه من المثال المتقدم ونحوه، وفي هذا الكلام ما يشير الى ما قدمناه من حمل روايات " اقل الطهر عشرة " على ما كان بين حيضتين لا مطلقا. ومما حققناه في هذا المقام يظهر ان ما يأتي ان شاء الله تعالى في كلامهم - من انه متى رأت الدم ثلاثة - مثلا - وانقطع ثم رأته قبل العاشر ولم يتجاوز العشرة فان جميع العشرة حيضة - لا وجه له، فان ظاهر هذه الاخبار ان الحيض ايام الدم خاصة كما عرفت واما قول صاحب المعتبر فيما نقله عنه في المدارك: " ونحن لا نسمي حيضا الا ما كان ثلاثة فصاعدا.. الخ " ففيه انه اول المسألة لان مراده بالثلاثة يعنى المتوالية، واطلاق الحيض في الرواية على الدم المتقدم وان كان اقل من ثلاثة كما ندعيه انما وقع من حيث رجوع الدم في العشرة الموجب لكون المتقدم بانضمام المتأخر إليه حيضا واحدا وبهذا يصح اطلاق الحيض على الدم الاول وان كان اقل من ثلاثة، لظهور كونه حيضا


(1) ص 21.


[ 165 ]

بانضمام الدم الاخير إليه. وبالجملة فالرواية مطلقة بالنسبة الى الدم المتقدم، واطلاق الحيض على ما كان اقل من ثلاثة ايام صحيح بما ذكرناه. فالعمل بها على اطلاقها لا يعتريه وصمة الاشكال.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما استدلوا به على ما ذكروه من القول المشهور امور:

(الاول) - ان الصلاة ثابتة في الذمة بيقين فلا يسقط التكليف بها إلا مع تيقن السبب ولا تيقن بثبوته مع انتفاء التوالي.

(الثاني) - ان المتبادر من قولهم: " ادنى الحيض ثلاثة واقله ثلاثة " (1) كونها متوالية، ذكر ذلك في المدارك والاول منهما العلامة في المختلف ايضا.

(الثالث) - ان تقدير الحيض امر شرعي غير معقول فيقف على مورد الشرع. ولم يثبت في المتفرق التقدير الشرعي، احتج به العلامة في المختلف.

(الرابع) - ان اللازم من القول بخلاف القول المشهور كون الطهر اقل من عشرة وهو خلاف الاجماع نصا وفتوى.

(الخامس) - ما ذكره (عليه السلام) في الفقه الرضوي (2) حيث قال: " وان رأت يوما أو يومين فليس ذلك من الحيض ما لم تر ثلاثة ايام متواليات، وعليها ان تقضى الصلاة التي تركتها في اليوم واليومين " وهذه العبارة عين العبارة المتقدم نقلها عن الصدوق في رسالة ابيه إليه وكذا ما بعدها ايضا، ومنه يعلم ان مستنده في هذا الحكم انما هو الكتاب المذكور كما عرفت وستعرف ان شاء الله تعالى. والجواب (اما عن الاول) فان ما ذكروه من ثبوت الصلاة في الذمة بيقين مسلم الا انه قد دلت الاخبار المتفق عليها على انها تسقط بالحيض الذي اقله ثلاثة، وهي مطلقة شاملة باطلاقها لما لو كانت متوالية أو متفرقة في ضمن العشرة، ومدعى التقييد بالتوالي عليه الدليل وليس فليس، بل الادلة بصريحها وظاهرها عاضدة لهذا الاطلاق كما عرفت.


(1) المروى في الوسائل في الباب 10 من ابواب الحيض (2) ص 21


[ 166 ]

و (اما عن الثاني) فبالمنع من هذه الدعوى (اما اولا) - فلانه لو نذر المكلف صيام ثلاثة ايام على الاطلاق فاللازم بمقتضى ما ذكره وجوب التوالي فيها وهو لا يلتزمه و (اما ثانيا) - فلانه لو تم ذلك في الثلاثة للزم مثله في العشرة لاشتراكهما في الاطلاق في اخبار هذه المسألة كما تقدم وهم لا يقولون به. و (اما ثالثا) - فلانه لو سلم ذلك فانه يجب الخروج عنه بقيام الدليل على خلافه وهو الاخبار المتقدمة. و (اما عن الثالث) فبما عرفت من ان غاية ما دلت عليه الاخبار ان اقله ثلاثة وهي اعم من ان تكون متوالية أو متفرقة، ومدعى التقييد بالتوالي يحتاج الى الدليل، وتخرج الاخبار التي ذكرناها شاهدة على ذلك. و (اما عن الرابع) فيما تقدم آنفا من ان وجه الجمع بين الاخبار يقتضى حمل اخبار " اقل الطهر عشرة ايام " على الطهر الواقع بين حيضتين بمعنى انه لا يحكم بتعدد الحيض إلا مع توسط العشرة لا الواقع في حيضة. ومما يعضد ما ذكرناه من وقوع الطهر في اقل من عشرة ايام ما رواه الشيخ في الموثق عن يونس بن يعقوب (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): المرأة ترى الدم ثلاثة ايام أو اربعة ؟ قال تدع الصلاة. قلت: فانها ترى الطهر ثلاثة ايام أو اربعة ؟ قال: تصلي. قلت فانها ترى الدم ثلاثة ايام أو اربعة ؟ قال تدع الصلاة. قلت فانها ترى الطهر ثلاثة ايام أو اربعة ؟ قال تصلي. قلت فانها ترى الدم ثلاثة ايام أو اربعة ؟ قال تدع الصلاة تصنع ما بينها وبين شهر فان انقطع الدم عنها والا فهي بمنزلة المستحاضة " ونحوها رواية ابي بصير ايضا (2). و (اما عن الخامس) فالظاهر ان كلامه (عليه السلام) هنا خرج مخرج البناء على الغالب لا انه حكم كلي، لانه قد صرح قبيل هذا الكلام بما قدمنا نقله عنه قريبا مما هو ظاهر المنافاة لو حمل هذا الكلام على ظاهره، فان ظاهر الكلام هو انه قد يكون


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب الحيض.


[ 167 ]

الطهر اقل من عشرة إذا كان في حيضة واحدة، فلابد من حمل هذا الكلام على ما ذكرناه جمعا.

وينبغي التنبيه على امور:

(الاول) - قال في الروض: " وعلى هذا القول - يعني عدم اعتبار التوالي - لو رأت الاول والخامس والعاشر فالثلاثة حيض لا غير " واعترضه سبطه بان مقتضاه ان ايام النقاء المتخللة بين ايام رؤية الدم تكون طهرا، وهو مشكل لان الطهر لا يكون اقل من عشرة ايام اجماعا، وايضا قد صرح المصنف في المعتبر والعلامة في المنتهى وغيرهما من الاصحاب بانها لو رأت ثلاثة ثم رأت العاشر كانت الايام الاربعة وما بينهما من النقاء حيضا، والحكم في المسألتين واحد انتهى. وفيه نظر من وجهين: (احدهما) - ان قوله: " ان الطهر لا يكون اقل من عشرة اجماعا " على اطلاقه ممنوع، فان ذلك انما هو فيما إذا كان بين حيضتين يعني لا يحكم بتعدد الحيض الا مع توسط العشرة، كما يشير إليه كلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي حسبما نبهنا عليه آنفا، وقد عرفت دلالة الاخبار على انه لا مانع منه في الحيضة الواحدة، وهذا معظم الشبهة عندهم في اطراح هذا القول، وفيه ما عرفت. و (ثانيهما) - ان ما نقله عن المعتبر والمنتهى وغيرهما انما استندوا فيه الى صحيحة محمد بن مسلم وموثقته المتقدمتين بناء على ما توهموه من المعنى الذي زعموه، وقد اوضحنا بعده ومخالفته لظاهر الخبرين المذكورين كما يفصح عنه خبر عبد الرحمان بن ابي عبد الله وكلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه. فانهما صريحان في المدعى كما اوضحناه آنفا، وحينئذ فما ذكروه خال من الدليل بل الدليل على خلافه واضح السبيل. وبالجملة فان الروايات المذكورة كملا قد اشتركت في الدلالة على ان ما تراه في عشرة الطهر قبل تمامها فهو من الحيضة الاولى وان ما بين الدمين طهر، وإلا لزم المحذور الذي قدمنا ذكره من زيادة الحيض على العشرة وهو باطل، الا انها مختلفة في الظهور شدة وضعفا، وهم انما حكموا بكون النقاء المتوسط حيضا بشبهة ان الطهر لا يكون اقل من عشرة، وقد اوضحنا فساده فلا اشكال بحمد الله المتعال.


[ 168 ]

(الثاني) - اعلم ان ظاهر الاصحاب (رضي الله عنهم) ان محل الخلاف في هذه المسألة الثلاثة مطلقا اعم من ان تكون في ايام العادة ام لا، وصريح رواية يونس هو كونها في ايام العادة، وظاهر روايتي محمد بن مسلم وان كان الاطلاق بناء على ما ذكرناه من معناهما الا انه يمكن حمله على رواية يونس حمل المطلق على المقيد، وبذلك يجمع بين هذه الاخبار وكلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه بحمله على غير ايام العادة، ولا بأس به اقتصارا في الخلاف على القدر المتيقن، الا انه صلح من غير تراضي الخصمين.

(الثالث) - قد صرح جملة من الاصحاب: منهم - الشهيد الثاني في الروض بان المراد بالايام الثلاثة ما يدخل فيها الليالى اما تغليبا واما لدخول الليل في مسمى اليوم عرفا، قال: " وقد صرح بدخولها في بعض الاخبار وفي عبارة بعض الاصحاب " اقول: هو ابن الجنيد على ما نقله عنه بعض اصحابنا. والظاهر ان المراد بالثلاثة مقدارها من الزمان ولو بالتلفيق لا خصوص الثلاثة، فلو رأته من اول الظهر - مثلا - اعتبر الامتداد الى ظهر اليوم الرابع.

(الرابع) - اختلف الاصحاب في المعنى المراد من التوالي على تقدير القول المشهور فقيل بانه عبارة عن استمراره في الثلاثة بلياليها بحيث متى وضعت الكرسف تلوث، وهو اختيار الشيخ علي في شرح القواعد بعد ان ذكر انه لا يعرف الآن في كلام احد من المعتبرين تعيينا له، ثم قال: " وقد يوجد في بعض الحواشي الاكتفاء بحصوله فيها في الجملة وهو رجوع الى ما ليس له مرجع " ونقل هذا القول عن الشيخ جمال الدين ابن فهد في التحرير. وقيل بالاكتفاء بوجوده في كل يوم من الثلاثة وقتا ما، ونقله في المدارك عن ظاهر الاكثر عملا بالعموم، وهو اختيار الروض قال: " ظاهر النص الاكتفاء بوجوده في كل يوم من الثلاثة وان لم يستوعبه لصدق رؤيته ثلاثة ايام لانها ظرف له، ولا تجب المطابقة بين الظرف والمظروف، وهذا هو الظاهر من كلام المصنف " انتهى وقيل انه يعتبر ان يكون في اول الاول وآخر الآخر وفى أي جزء من الوسط، فإذا


[ 169 ]

رأته في اول جزء من اول ليلة من الشهر فلابد ان تراه في آخر جزء من اليوم الثالث بحيث يكون عند غروبه موجودا وفى اليوم الوسط يكفي اي جزء كان، ونسب هذا القول الى الفاضل السيد حسن ابن السيد جعفر معاصر شيخنا الشهيد الثاني، واستبعده في المدارك ونفى عنه البعد في الحبل المتين، قال بعد نقله: " وهذا التفسير لبعض مشايخنا المتأخرين وهو غير بعيد، وانما اعتبر وجود الدم في اول الاول وآخر الآخر عملا بما ثبت بالنص والاجماع من انه لا يكون اقل من ثلاثة ايام. إذ لو لم يعتبر وجوده في الطرفين المذكورين لم يكن الاقل مما جعله الشارع اقل فلا تغفل " انتهى. اقول: والمسألة عندي لا تخلو من شوب الاشكال، لعدم النص الموضح لهذا الاجمال والتعليلات متدافعة، وان كان القول بما عليه ظاهر الاكثر لا يخلو عن قرب. والله العالم.

(المسألة الخامسة) - لا خلاف بين الاصحاب في ان ما تراه المرأة من الدم قبل اكمال التسع فليس بحيض وما تراه بعد بلوغ سن اليأس فليس بحيض، فالكلام هنا يقع في مقامين:

(الاول) - في ما تراه قبل التسع، وهو - كما عرفت - اجماعي حتى من العامة (1) ويدل عليه من الاخبار صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام): ثلاث يتزوجن على كل حال، وعد منها التي لم تحض ومثلها لا تحيض - قال قلت وما حدها ؟ قال: إذا اتى لها اقل من تسع سنين - والتي لم يدخل بها والتي قد يئست من المحيض ومثلها لا تحيض. قال قلت وما حدها ؟ قال: إذا كان لها خمسون سنة ".


(1) كما في بدائع الصنائع ج 1 ص 41 وفى المغنى ج 1 ص 307 وفى الفروع لابن مفلح ج 1 ص 177 وفى المهذب ج 1 ص 37 وفى المدونة لمالك ج 1 ص 54 وفى شرح الزرقاني على مختصر ابى الضياء في فقه مالك ج 1 ص 133 وفى الميزان للشعراني ج 1 ص 117 (2) المروية في الوسائل في الباب 2 من ابواب العدد.


[ 170 ]

وعن عبد الرحمان بن الحجاج ايضا في الموثق (1) قال: " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ثلاث يتزوجن على كل حال: التى يئست من المحيض ومثلها لا تحيض - قلت ومتى تكون كذلك ؟ قال إذا بلغت ستين سنة فقد يئست من المحيض ومثلها لا تحيض - والتي لم تحض ومثلها لا تحيض - قلت ومتى تكون كذلك ؟ قال ما لم تبلغ تسع سنين فانها لا تحيض ومثلها لا تحيض - والتي لم يدخل بها ". وههنا اشكال مشهور وهو ان الاصحاب ذكروا من علامات بلوغ المرأة الحيض وحكموا ههنا بان ما تراه المرأة قبل التسع فليس بحيض، وهو بحسب الظاهر مدافع للاول، فما الذي يعلم به البلوغ ؟ واجيب عن ذلك بحمل ما هنا على من علم بلوغها التسع، فانه لا يحكم على الدم الذي تراه قبل التسع بكونه حيضا، وحمل ما ذكروه من ان الحيض علامة البلوغ على من جهل سنها مع خروج الدم الجامع لصفات الحيض، فانه يحكم بكونه حيضا ويعلم به البلوغ كما ذكره الاصحاب ونقلوا عليه الاجماع. اقول: ويؤيده رواية عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنة وكتبت عليه السيئة وعوقب، وإذا بلغت الجارية تسع سنين فكذلك، وذلك انها تحيض لتسع سنين " ويستفاد من هذه الرواية ان الحيض لازم للتسع، وحينئذ فمتى كان سنها مجهولا وحصل لها الحيض فانه دليل على بلوغ التسع. واما ما اجيب به عن الاشكال المذكور - من ان البلوغ مما اختلف فيه فقيل انه بالتسع وقيل بالعشر فلو رأت دما بعد التسع وقبل بلوغ العشر حكم بالبلوغ - فاورد عليه بان هذا انما يتم على قول من قال بالعشر واما من قال بان بلوغها بالتسع فانه لا يكون


(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب العدد. (2) المروية في الوسائل في الباب 44 من ابواب الوصايا.


[ 171 ]

الدم هنا دليلا على البلوغ عنده، بل الحق هو الاول.

(الثاني) - في ما تراه بعد بلوغ سن اليأس، وقد عرفت انه لا خلاف بينهم في انه ليس بحيض، وعليه تدل الاخبار التي في المسألة. انما الخلاف في ما به يتحقق اليأس، فقيل بانه يتحقق ببلوغ خمسين سنة مطلقا، ذهب إليه الشيخ في النهاية والجمل واختاره المحقق في كتاب الطلاق من الشرائع. وقيل ببلوغ الستين مطلقا، واختاره العلامة في بعض كتبه والمحقق في الشرائع في باب الحيض، وقيل بالتفصيل بين القرشية وغيرها واعتبار الستين فيها والخمسين في غيرها، واختاره الشيخ في اكثر كتبه، وهو ظاهر الصدوق في الفقيه ايضا حيث قال (1): " وقال الصادق (عليه السلام): المرأة إذا بلغت خمسين سنة لم تر حمرة إلا ان تكون امرأة من قريش، وهو حد المرأة التي تيأس من الحيض " انتهى. وهذا الكلام بعينه عين مرسلة ابن ابي عمير الآتية، ورجحه المحقق في المعتبر، والظاهر انه المشهور. وربما الحق بعض اصحاب هذا القول بالقرشية النبطية كالشهيد في كتبه الثلاثة. والذي وقفت عليه من الاخبار في هذه المسألة روايتا عبد الرحمان المتقدمتان وصحيحة اخرى له ايضا عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " حد التي يئست من المحيض خمسون سنة " ورواية احمد بن محمد بن ابي نصر عن بعض اصحابنا (3) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام): المرأة التي قد يئست من المحيض حدها خمسون سنة " رواها الكليني والشيخ في الضعيف والمحقق في المعتبر عن كتاب احمد بن محمد بن ابي نصر وعلى هذا فلا يضر ضعف السند بناء على الاصطلاح الغير المعتمد، ومرسلة ابن ابي عمير عن بعض اصحابنا عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " إذا بلغت المرأة خمسين سنة لم تر حمرة الا ان تكون امرأة من قريش ".


(1) و (2) و (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب 31 من ابواب الحيض.


[ 172 ]

حجة القول الاول رواية عبد الرحمان بن الحجاج المتقدمة في المقام الاول وصحيحته المنقولة هنا ورواية ابن ابي نصر. وحجة القول الثاني موثقة عبد الرحمان الثانية من روايتيه المتقدمتين في المقام الاول، ورواية مرسلة ذكرها في الكافي (1) بعد نقل رواية احمد بن محمد بن ابي نصر قال: " وروى ستون سنة ايضا ". حجة القول الثالث الجمع بين الاخبار، ومستند هذا الجمع مرسلة ابن ابي عمير التي هي في عداد المسانيد عندهم، حيث دلت على الخمسين الا ان تكون امرأة من قريش واورد على ذلك عدم صراحة الرواية في كون الحمرة التي تراها القرشية بعد الخمسين حيضا، إذ لا منافاة بين رؤيتها الحمرة وعدم اعتبار الشارع تلك الحمرة حيضا، مع انه ليس في الخبر ذكر الستين. اقول: يمكن الجواب عن الاول بان الظاهر ان لفظ الحمرة هنا كناية عن الحيض والا فانه يصير معنى الكلام مغسولا متهافتا يجل عنه كلام الامام الذي هو امام الكلام وعن الثاني (اولا) - بانه لما كانت الروايات عنهم (عليهم السلام) قد صرحت بالخمسين مطلقا تارة وبالستين كذلك اخرى وقد نفى الخمسين عن القرشية فانه يعلم منه ان مراده الستون، إذ لم يخرج عنهم سوى هذين العددين وبنفى احدهما يتعين الآخر. و (ثانيا) - انه نقل عن المبسوط انه قال (2): " تيأس المرأة إذا بلغت خمسين سنة إلا ان تكون امرأة من قريش فانه روى انها ترى دم الحيض الى ستين سنة " وقال المفيد في المقنعة (3) " روى ان القرشية من النساء والنبطية تريان الدم الى ستين سنة " وكلام الشيخين المذكورين مؤذن بوصول رواية لهما دالة على الستين في القرشية بل النبطية، ومراسيل هذين الشيخين لا تقصر عن مراسيل ابن ابي عمير ونحوه، وحينئذ فيجب تقييد اطلاق المرسلة المذكورة بهذه الرواية المرسلة في كلام الشيخين، وبه يظهر قوة القول بالتفصيل، وبذلك يظهر


(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 31 من ابواب الحيض.


[ 173 ]

ايضا لك ما في كلام جملة من متأخرى المتأخرين: منهم - صاحب المدارك من الطعن على المفيد ومن تبعهم بانهم ذكروا النبطية معترفين بعدم النص عليها، وعبارة المفيد - كما سمعت - ظاهرة في وصول النص إليه بذلك. وانت خبير بان من يرى العمل بهذا الاصطلاح المحدث يترجح عنده العمل بروايات الخمسين لصحة سند بعضها وتأيده بالباقي وضعف ما يعارضها ولذلك مال في المدارك الى هذا القول، واما من يرى العمل بالاخبار مطلقا فيمكن القول بالتفصيل لما ذكرناه الا انه غير خال من شوب الاشكال. وبالجملة فالمعلوم من الاخبار المذكورة عدم اليأس قبل الخمسين وتحققه بعد الستين مطلقا وانما يبقى الشك فيما بين ذلك. واما ما قيل - من انه لا تعارض بين روايات عبد الرحمان في المنطوق إذ التحديد بالخمسين يستدعى كون ذات الستين آيسة البتة، نعم مفهوم موثقة الستين يعطى عدم اليأس بدون بلوغ الستين فيشمل الخمسين فيكون ذلك المفهوم بعمومه منافيا لتحديد الخمسين، والمفهوم مع خصوصه لا يصلح لمعارضة المنطوق بل يجب الغاؤه معه فكيف مع عمومه وخصوص المنطوق ؟ بل يجب تخصيصه به كما هي القاعدة حتى في غيره فلا تعارض. انتهى - فظني بعده بل عدم استقامته، وذلك لان ثبوت التعارض بين الروايتين اظهر من ان ينكر وانما هذه شبهة عرضت لهذا القائل، وبيان ذلك انه قد علم من الشارع تكليف النساء باحكام مخصوصة من الحيض وما يترتب عليه من الصوم والصلاة والعدد وما يترتب عليها ونحو ذلك، وجعل لهذه الاحكام غاية وحدا تنقطع وترتفع ببلوغه وهو سن اليأس، وهاتان الروايتان قد تصادمتا وتخاصمتا في بيان هذا الحد الذى تسقط عنده هذه الاحكام، فمقتضى رواية الخمسين سقوطها ببلوغ هذا الحد ومقتضى رواية الستين انها تستمر بعد الخمسين ولا تسقط إلا ببلوغ هذا الحد وبذلك حصل التعارض، فيجب بناء على الرواية الاولى العمل بتلك الاحكام واستصحابها الى حد الخمسين خاصة ويجب على الثانية الى حد الستين، والروايتان لم تتعارضا في اصل ثبوت


[ 174 ]

التكاليف وعدمه حتى يقال ان رواية الستين تدل على عدمه بالمنطوق والمفهوم يضعف عن معارضة المنطوق، فان تلك الاحكام ثابتة معلومة من الشارع واجب استصحابها والعمل بها الى وجود المانع والتعارض هنا وقع في بيان هذا الحد، فان ثبت كونه الخمسين وجب استصحاب الاحكام إليها خاصة وان ثبت كونه الستين فكذلك، وهذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا خفاء عليه ولا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه، ونظير ذلك اخبار البلوغ المختلفة ببلوغ الاربعة عشرة والخمسة عشرة والثلاثة عشرة والعشر، الا ان اخبار البلوغ اختلفت في الحد الموجب للاحكام وهذه اختلفت في الحد الذي به تسقط تلك الاحكام. على ان ما ذكره من ضعف المفهوم وعدم معارضة المنطوق ممنوع وان كان قد ذكره غيره من الاصوليين، فان المفهوم هنا مفهوم شرط وقد قدمنا لك في مقدمات الكتاب الآيات والاخبار الدالة على حجيته شرعا فهو لا يقصر في الحجية عن المنطوق، وكلام الاصوليين مبني على ما استدلوا به على الحجية من الادلة الاقناعية والوجوه التخريجية التي قد طال فيها التشاجر ابراما ونقصا، واما ما دلت عليه الآيات والروايات - كما اوضحناه في المقدمات - فليس كذلك، فانه متى كان الدليل من الطرفين انما هو الاخبار والآيات فالطعن بالضعف غير متجه وانما الواجب الترجيح بالمرجحات الخارجة كما هو القاعدة المعروفة وبالجملة فالاحتياط في المسألة لما عرفت مما لا ينبغي تركه، وهو من بعد كمال الخمسين الى كمال الستين بان تعمل ما تعمله الطاهر في وقت الدم وتقضي الصوم بعد ذلك، هذا بالنسبة الى العبادة، واما بالنسبة الى العدة فتعتد بالاشهر ان طابقت الاطهار المحتملة بان تقع الاطهار الثلاثة في ثلاثة اشهر وإلا فاكثر الامرين بمعنى انه إذا لم تحصل المطابقة المذكورة بان تقع الاطهار الثلاثة في اربعة اشهر أو شهرين ففي الاول تعتد بالاطهار وفى الثاني بالاشهر الثلاثة لكونهما اكثر الامرين، ولا ينبغي لزوجها ان يراجعها في هذه العدة وان يجري عليها النفقة فيها ونحو ذلك. والله العالم.


[ 175 ]

فوائد:

(الاولى) - اعلم ان المراد بالقرشية هي المنتسبة الى قريش وهو النضر بن كنانة جدهم، وظاهر جملة من الاصحاب ان المراد الانتساب إليه ولو بالام وبعضهم جعله احتمالا من حيث ان للام مدخلا في ذلك بسبب تقارب الامزجة، ومن ثم اعتبر نحو ذلك في المبتدأة كما سيأتي ان شاء الله تعالى من الرجوع الى الخالات وبناتها، إلا انه لا يخفى انه لا يعلم في مثل هذه الازمان من هؤلاء سوى الهاشميين فالاصل يقتضي عدم القرشية واستصحاب التكليف في غير الهاشمية بناء على القول المشهور.

(الثانية) - قد اختلف في معنى النبط، قال في المصباح المنير: " النبط جيل من الناس كانوا ينزلون سواد العراق ثم استعمل في اخلاط الناس وعوامهم، والجمع انباط مثل سبب واسباب، الواحد نباطي بزيادة الالف والنون تضم وتفتح، قال الليث ورجل نبطي ومنعه ابن الاعرابي " انتهى. وقيل انهم عرب استعجموا أو عجم استعربوا. وقيل انهم قوم من العرب دخلوا في العجم والروم واختلطت انسابهم وفسدت السنتهم، وذلك لمعرفتهم بانباط الماء اي استخراجه لكثرة فلاحتهم، ونقل في الصحاح عن بعضهم ان اهل عمان عرب استنبطوا واهل البحرين نبط استعربوا. وفى النهاية الاثيرية " انهم جيل معروف كانوا ينزلون بالبطائح بين العراقين. قال وفي حديث ابن عباس نحن معاشر قريش من النبط من اهل كوثى، قيل لان ابراهيم الخليل (عليه السلام) ولد بها وكان النبط سكانها، ومنه حديث عمرو بن معدي كرب سأله عمر عن سعد ابن ابي وقاص فقال اعرابي في حبوته نبطى في جبوته، اراد انه في جباية الخراج وعمارة الارضين كالنبط حذقا بها ومهارة فيها لانهم كانوا سكان العراق واربابها، وفى حديث الشعبي ان رجلا قال لآخر يا نبطي فقال لا حد عليه كلنا نبط يريد الجوار والدار دون الولادة " انتهى. ومنه يستفاد سيما من هذه الاخبار التي نقلها ان النبط جيل من العرب يسكنون العراق، وكيف كان فهم


[ 176 ]

لا وجود لهم في امثال هذه الايام وانما الغرض بيان الخلاف وتحقيق المقام.

(الثالثة) - قال المحقق الشيخ علي بعد اعترافه بان الحكم في النبطية خال عن مستند قوي سوى الشهرة: " ويمكن ان يستأنس له بان الاصل عدم اليأس فيقتصر فيه على موضع الوفاق، وفي بعض الاخبار الصحيحة عن الصادق (عليه السلام) (1) " حد التي يئست من الحيض خمسون سنة " وفى بعضها استثناء القرشية، والاخذ بالاحتياط - في بقاء الحكم بالعدة وتوابع الزوجية استصحابا لما كان لعدم القطع بالمنافي - اولى " وتنظر فيه في الذخيرة قال: " لان التمسك بان الاصل العدم والاستصحاب ضعيف عندي لا يصلح لتأسيس الحكم الشرعي عليه وان اشتهر الاستناد إليه بين كثير من المتأخرين، وتمام تحقيقه في الاصول، والاحتياط الذي ذكره معارض بمثله " انتهى. اقول: لا يخفى ان التمسك باصالة العدم والاستصحاب هنا انما هو تمسك بعموم الدليل، وهذا احد معاني الاصل والاستصحاب كما تقدم في مقدمات الكتاب، وذلك فان الاخبار دلت على ان الدم الذي تراه المرأة بعد بلوغ التسع بالشروط المقررة ثمة حيض ودلت على احكام تتعلق بكونه حيضا وعلى هذا اتفقت كلمة الاصحاب، واختلفت الاخبار وكذا كلمة الاصحاب في الحد الذي يرتفع به الحيض وترتفع به تلك الاحكام، فالمحقق المذكور ادعى العمل بعموم تلك الادلة والاقتصار على موضع الوفاق في النبطية الى بلوغ الستين إذ لا خلاف بعد بلوغ الستين في حصول اليأس وانقطاع تلك الاحكام، هذا حاصل كلامه، وليس الاستصحاب في كلامه عبارة عن الاستصحاب المختلف في حجيته كما يوهمه ظاهر كلامه، بل هذا من قبيل استصحاب عموم الدليل أو اطلاقه الى ان يثبت الرافع، وكذا الاستصحاب في قوله: " والاخذ بالاحتياط في بقاء الحكم بالعدة وتوابع الزوجية استصحابا لما كان " فانه ايضا من قبيل الاول، فان الادلة مطلقة أو عامة في وجوب العدة على المطلقة واحكام الزوجية من النفقة والكسوة والسكنى في العدة ونحو ذلك فيجب استصحابها الى ان


(1) المروى في الوسائل في الباب 31 من ابواب الحيض.


[ 177 ]

يثبت الرافع، ومن هذا الباب في الاحكام الفقهية ما لا يحصى، كما إذا وقع الخلاف في صحة الطلاق مثلا أو البيع أو نحو ذلك، فان للقائل ان يقول الاصل صحة النكاح الى ان يثبت المزيل والاصل بقاء الملك الى ان يثبت الناقل ونحو ذلك، وبالجملة فالظاهر ان مناقشته غير واضحة. نعم يمكن المناقشة فيه بان هذا الاصل قد انتفى بما ورد من النصوص في هذه المسألة الدال بعضها على التفصيل القاطع للشركة وبعضها على الاطلاق فلا يمكن العمل عليه ولا استصحابه، بل الواجب الرجوع الى الاخبار المذكورة والجمع بينها واستنباط الحكم منها، والاحتياط المذكور معارض بمثله فان الحكم بصحة الرجعة ولحوق احكام الزوجية مع وجود الدليل الدال على نفيها يوجب التهجم على الفروج والاموال بما لا يصلح سندا، والاستصحاب المدعى قد انقطع بالدليل المذكور. والله العالم.

(المسألة السادسة) - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في الحبلى هل تحيض أم لا ؟ قيل بالاول وعليه الاكثر، ومنهم الصدوق والمرتضى، وقال الشيخ في النهاية وكتابي الاخبار " ما تجده المرأة الحامل في ايام عادتها يحكم بكونه حيضا وما تراه بعد عادتها بعشرين يوما فليس بحيض " وقال في الخلاف انه حيض قبل ان يستبين الحمل لا بعده ونقل فيه الاجماع، وقال المفيد وابن الجنيد لا يجتمع حيض مع حمل، وهو اختيار ابن ادريس، وكلام الخلاف يرجع الى هذا القول. والذي وقفت عليه من الاخبار في هذه المسألة ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) (1) " انه سئل عن الحبلى ترى الدم أتترك الصلاة ؟ فقال: نعم ان الحبلى ربما قذفت بالدم ". وفى الصحيح عن صفوان (2) قال: " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الحبلى ترى الدم ثلاثة ايام أو اربعة ايام تصلي ؟ قال: تمسك عن الصلاة ". وفى الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (3) قال: " سألته عن الحبلى


(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 30 من ابواب الحيض.


[ 178 ]

ترى الدم كما كانت ترى ايام حيضها مستقيما في كل شهر ؟ قال: تمسك عن الصلاة كما كانت تصنع في حيضها فإذا طهرت صلت ". وعن حريز عمن اخبره عن الباقر والصادق (عليهما السلام) (1) " في الحبلى ترى الدم ؟ قالا: تدع الصلاة فانه ربما بقي في الرحم الدم ولم يخرج وتلك الهراقة ". وعن ابي بصير في الموثق عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الحبلى ترى الدم ؟ قال: نعم انه ربما قذفت المرأة الدم وهي حبلى ". وعن سماعة (3) قال: " سألته عن امرأة رأت الدم في الحبل ؟ قال: تقعد ايامها التي كانت تحيض فإذا زاد الدم على الايام التي كانت تقعد استظهرت بثلاثة ايام ثم هي مستحاضة ". وما رواه الكليني في الحسن عن سليمان بن خالد (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) جعلت فداك الحبلى ربما طمثت ؟ فقال: نعم وذلك ان الولد في بطن امه غذاؤه الدم فربما كثر ففضل عنه فإذا فضل دفقته فإذا دفقته حرمت عليها الصلاة " قال وفى رواية اخرى " إذا كان كذلك تأخر الولادة ". وعن عبد الرحمان بن الحجاج في الصحيح (5) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الحبلى ترى الدم وهي حامل كما كانت ترى قبل ذلك في كل شهر هل تترك الصلاة ؟ قال تترك الصلاة إذا دام ". وهذه الاخبار هي مستند القول المشهور وهي ظاهرة فيه تمام الظهور. ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحسين بن نعيم الصحاف (6) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ان ام ولدي ترى الدم وهي حامل كيف تصنع بالصلاة ؟ قال فقال لي: إذا رأت الحامل الدم بعد ما يمضي عشرون يوما من الوقت الذي كانت ترى فيه الدم من الشهر الذي كانت تقعد فيه فان ذلك ليس من الرحم ولا من الطمث فلتتوضأ


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 30 من ابواب الحيض.


[ 179 ]

ولتحتش بكرسف وتصل، وإذا رأت الحامل الدم قبل الوقت الذي كانت ترى فيه الدم بقليل أو في الوقت من ذلك الشهر فانه من الحيضة فلتمسك عن الصلاة عدد ايامها التي كانت تقعد في حيضها فان انقطع الدم عنها قبل ذلك فلتغتسل ولتصل.. الحديث " وبهذه الرواية احتج الشيخ (رحمه الله) في كتابي الاخبار على ما قدمنا نقله عنه في النهاية وفى كتابي الاخبار. ومنها - ما رواه الشيخ عن السكوني عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (1) قال: " قال النبي (صلى الله عليه وآله): ما كان الله تعالى ليجعل حيضا مع حبل يعني إذا رأت المرأة الدم وهي حامل لا تدع الصلاة الا ان ترى على رأس الولد إذا ضربها الطلق ورأت الدم تركت الصلاة ". وعن حميد بن المثنى في الصحيح (2) قال: " سألت ابا الحسن الاول (عليه السلام) عن الحبلى ترى الدفقة والدفقتين من الدم في الايام وفى الشهر والشهرين ؟ فقال تلك الهراقة ليس تمسك هذه عن الصلاة ". وبهاتين الروايتين استدل في المختلف لابن الجنيد ومن تبعه ثم زاد في الاحتجاج قال: " ولانه زمن لا يصادفها الحيض فيه غالبا فلا يكون ما رأته فيه حيضا كاليائسة، ولانه يصح طلاقها مع رؤية الدم اجماعا ولا يصح طلاق الحائض اجماعا فلا يكون الدم حيضا ". اقول وبالله التوفيق: اما ما نقل دليلا لقول المفيد وابن الجنيد وابن ادريس من رواية السكوني فقد حملها اصحابنا على محامل اقربها عندي الحمل على التقية، فان هذا القول قد نقله في المنتهى عن اكثر العامة وهو المشهور بينهم (3) واما رواية حميد بن


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 30 من ابواب الحيض. (3) في شرح الزرقاني على موطأ مالك ج 1 ص 118 " ذهب ابن المسيب وابن شهاب ومالك في المشهور عنه والشافعي في الجديد وغيرهم الى ان الحامل تحيض، الى ان قال: =


[ 180 ]

المثنى فلا دلالة فيها وان ما ذكر فيها لم يستجمع شرائط الحيض. واما ما ذكره العلامة في المختلف من التعليلات فمع قطع النظر عن انها لا تصلح لتأسيس الاحكام الشرعية، فانه قد اجاب عن الاول بالفرق بان اليائسة لا يصح منها الحيض لارتفاعه منها بالكلية بخلاف الحامل التي يكون لحرارة مزاجها وفور دم الحيض بحيث يفضل عن غذاء الصبي ما تقذفه المرأة من الرحم، واما عن الثاني - وبه استدل ابن ادريس حيث قال: " اجمعنا على بطلان طلاق الحائض مع الدخول والحضور على صحة طلاق الحامل مطلقا ولو كانت تحيض لحصل التناقض " - فأجاب بالمنع عن كون الحائض لا يصح طلاقها ولهذا جوزنا طلاق الغائب مع الحيض. انتهى. وبالجملة فهذا القول بمكان من الضعف لا يخفى لعدم الدليل الواضح. بقى الكلام فيما ذهب إليه الشيخ في النهاية وكتابي الاخبار فان صحيحة الصحاف المذكورة ظاهرة فيه، واما ما اجاب به عنها في المنتهى - من ان الغالب ان المرأة إذا تجاوزت عادتها وقتها لا يكون الدم حيضا - فالظاهر بعده والذي يقرب عندي هو حمل الاخبار المتقدمة على هذه الصحيحة بان يقال ان ما تجده الحبلى في ايام العادة كما كانت تراه قبل فانه يجب الحكم بكونه حيضا وما لم يكن كذلك فلا، وفى بعض الاخبار المشار إليها اشارة الى ذلك مثل صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج وصحيحة محمد ابن مسلم، وبالجملة فاخبار المسألة ما بين مطلق في ذلك ومقيد وان كان التقييد في بعضها اظهر من بعض، والواجب بمقتضى القاعدة المقررة حمل مطلقها على مقيدها، وبه يظهر ان ما اشتهر بينهم من القول بحيضها مطلقا ليس كذلك، قال في المدارك - بعد نقل جملة


= وذهب أبو حنيفة واصحابه واحمد الثوري الى انها لا تحيض، وفى الميزان للشعراني ج 1 ص 118 " اتفق أبو حنيفة واحمد على ان الحامل لا تحيض ومالك والشافعي في ارجح قوليهما انها تحيض " وفى بدائع الصنائع في فقه الحنفية ج 1 ص 42 " دم الحامل ليس بحيض وان كان ممتدا عندنا، وقال الشافعي هو حيض في حق ترك الصوم والصلاة وحرمة القربان لا في حق اقراء العدة، وفى المغنى لابن قدامة الحنبلى ج 1 ص 306 نفى الحيض عن الحامل.


[ 181 ]

من روايات القول المشهور ثم الاستدلال للشيخ بصحيحة الصحاف - ما صورته: " وهي مع صحتها صريحة الدلالة في المدعى فيتجه العمل بها وان كان الاول لا يخلو من قوة " انتهى وفيه من الاجمال والاشكال ما لا يخفى، فانه لا يخفى ان اتجاه العمل بهذه الرواية لا يتم إلا بتقييد تلك الاخبار بها، وإلا للزم الترجيح من غير مرجح لصحة الاخبار التي قدمها بل الترجيح لتلك الاخبار لكثرتها، وكون الاول لا يخلو من قوة انما يتم مع طرح هذه الصحيحة الصريحة باعترافه والا كان الواجب عليه بيان معنى لها تحمل عليه بقى هنا شئ يجب التنبيه عليه وهو ان الاصحاب قد نقلوا عن الصدوق القول بما هو المشهور من كون الحامل كالحائل في التحيض، وعبارة الفقيه لا تساعد على هذا الاطلاق حيث قال: " والحبلى إذا رأت الدم تركت الصلاة فان الحبلى ربما قذفت الدم وذلك إذا رأت الدم كثيرا احمر فان كان قليلا اصفر فلتصل وليس عليها الا الوضوء " وظاهر هذه العبارة التحيض بخصوص ما كان بصفة دم الحيض والرجوع الى التمييز، ويدل على ذلك ايضا ظواهر جملة من الاخبار: منها - رواية محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " سألته عن المرأة الحبلى قد استبان حبلها ترى ما ترى الحائض من الدم ؟ قال تلك الهراقة من الدم ان كان دما احمر كثيرا فلا تصل وان كان قليلا اصفر فليس عليها الا الوضوء " والظاهر ان عبارة الصدوق مأخوذة من هذه الرواية، ومنها - صحيحة ابى المغراء (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الحبلى قد استبان ذلك منها ترى كما ترى الحائض من الدم ؟ قال تلك الهراقة ان كان دما كثيرا فلا تصلين وان كان قليلا فلتغتسل عند كل صلاتين " وموثقة اسحاق بن عمار (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم واليومين ؟ قال ان كان دما عبيطا فلا تصل ذينك اليومين وان كانت صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين " والظاهر ان المراد بالكثرة والقلة في صحيحة ابي المغرا ما هو عبارة عن


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 30 من ابواب الحيض.


[ 182 ]

الثخانة والغلظة وقوة الدفع التي هي من صفات دم الحيض وما قابلها الذي هو من صفات دم الاستحاضة. وفي الفقه الرضوي (1) قال (عليه السلام): " والحامل إذا رأت الدم في الحمل كما كانت تراه تركت الصلاة ايام الدم فان رأت صفرة لم تدع الصلاة " وهذه الاخبار كلها ظاهرة في اعتبار التمييز في دمها بانه ان كان بصفة الحيض تحيضت والا عملت عمل المستحاضة، ولم اقف على من تنبه لهذا التفصيل من كلام الصدوق ولا من هذه الاخبار مع ظهور الجميع في ذلك. وبالجملة فان ظاهر الاصحاب القائلين بتحيضها هو التحيض بما تراه لا سيما في ايام العادة مطلقا وعليه تدل ظواهر الاخبار المتقدمة، وهذه الاخبار صريحة في التفصيل كما ترى، ووجه الجمع بينها وبين الاخبار المتقدمة ممكن اما بحمل الاخبار الاولة على الدم في ايام العادة وهذه على ما لم يكن كذلك، واما بابقاء الادلة على اطلاقها وتقييدها بهذه الاخبار وحينئذ فيعتبر التمييز فيها. والله العالم.

(المقصد الثاني) - في ما يترتب عليه بعد معلومية كونه حيضا، وذلك اما ان تكون مبتدأة أو ذات عادة أو مضطربة، ويدل على هذا التقسيم مع بعض احكام كل من الاقسام الثلاثة رواية يونس الطويلة، وانا اذكرها بطولها لعموم نفعها وجودة محصولها، وهي ما رواه ثقة الاسلام في الكافي والشيخ في التهذيب (2) عن يونس عن غير واحد " سألوا ابا عبد الله (عليه السلام) عن الحيض والسنة في وقته فقال (عليه السلام): ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) سن في الحيض ثلاث سنن بين فيها كل مشكل لمن سمعها وفهمها حتى لم يدع لاحد مقالا فيه بالرأي، اما احدى السنن فالحائض التي لها ايام معلومة قد احصتها بلا اختلاط عليها ثم استحاضت واستمر بها الدم وهي في ذلك تعرف ايامها ومبلغ عددها، فان امرأة يقال لها فاطمة بنت ابي حبيش استحاضت فاتت ام سلمة فسألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ذلك فقال تدع الصلاة قدر اقرائها أو قدر حيضها وقال انما هو عزف وامرها ان تغتسل وتستثفر بثوب وتصلي، قال أبو عبد الله


(1) ص 21 (2) رواها في الوسائل في الباب 3 و 5 و 7 و 8 من ابواب الحيض.


[ 183 ]

(عليه السلام): هذه سنة النبي (صلى الله عليه وآله) في التي تعرف ايام اقرائها لم تختلط عليها، ألا ترى انه لم يسألها كم يوم هي ؟ ولم يقل إذا زادت على كذا يوما فانت مستحاضة وانما سن لها اياما معلومة ما كانت من قليل أو كثير بعد ان تعرفها، وكذلك افتى ابى (عليه السلام) وسئل عن المستحاضة فقال: انما ذلك عزف عامر أو ركضة من الشيطان فلتدع الصلاة ايام اقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة. قيل وان سال ؟ قال: وان سال مثل المثعب، قال أبو عبد الله (عليه السلام): هذا تفسير حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو موافق له، فهذه سنة التي تعرف ايام اقرائها لا وقت لها الا ايامها قلت أو كثرت. واما سنة التي قد كانت لها ايام متقدمة ثم اختلط عليها من طول الدم فزادت ونقصت حتى اغفلت عددها وموضعها من الشهر فان سنتها غير ذلك، وذلك ان فاطمة بنت ابى حبيش اتت النبي (صلى الله عليه وآله) فقالت انى استحاض فلا اطهر ؟ فقال النبي: ليس ذلك بحيض انما هو عزف فإذا اقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا ادبرت فاغسلي عنك الدم وصلي. وكانت تغتسل في كل صلاة وكانت تجلس في مركن لاختها وكانت صفرة الدم تعلو الماء، قال أبو عبد الله (عليه السلام): أما تسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) امر هذه بغير ما امر به تلك، ألا تراه لم يقل لها دعي الصلاة ايام اقرائك ولكن قال لها إذا اقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا ادبرت فاغتسلي وصلي، فهذا يبين ان هذه امرأة قد اختلط عليها ايامها لم تعرف عددها ولا وقتها، ألا تسمعها تقول انى استحاض فلا اطهر. وكان ابي (عليه السلام) يقول انها استحيضت بسبع سنين، ففى اقل من هذا تكون الريبة والاختلاط فلهذا احتاجت الى ان تعرف اقبال الدم من ادباره وتغير لونه من السواد الى غيره وذلك ان دم الحيض اسود يعرف، ولو كانت تعرف ايامها ما احتاجت الى معرفة لون الدم لان السنة في الحيض ان تكون الصفرة والكدرة فما فوقها في ايام الحيض إذا عرفت حيضا كله ان كان الدم اسود أو غير ذلك، فهذا يبين لك ان قليل الدم وكثيرة ايام الحيض حيض كله إذا كانت


[ 184 ]

الايام معلومة، فإذا جهلت الايام وعددها احتاجت الى النظر حينئذ الى اقبال الدم وادباره وتغير لونه ثم تدع الصلاة على قدر ذلك، ولا ارى النبي (صلى الله عليه وآله) قال اجلسي كذا وكذا يوما فما زادت فانت مستحاضة كما لم يأمر الاولى بذلك وكذلك ابي (عليه السلام) افتى في مثل هذا، وذلك ان امرأة من اهلنا استحاضت فسألت ابي عن ذلك فقال: إذا رأيت الدم البحراني فدعي الصلاة وإذا رأيت الطهر ولو ساعة من نهار فاغتسلي وصلي. قال أبو عبد الله وارى جواب ابي ههنا غير جوابه في المستحاضة الاولى، ألا ترى انه قال تدع الصلاة ايام اقرائها لانه نظر الى عدد الايام وقال ههنا إذا رأت الدم البحراني فلتدع الصلاة وامرها ههنا ان تنظر الى الدم إذا اقبل وادبر وتغير، وقوله البحراني شبه معنى قول النبي (صلى الله عليه وآله) ان دم الحيض اسود يعرف، وانما سماه ابي بحرانيا لكثرته ولونه، فهذه سنة النبي (صلى الله عليه وآله) في التي اختلط عليها ايامها حتى لا تعرفها وانما تعرفها بالدم ما كان من قليل الايام وكثيرها. قال: واما السنة الثالثة ففي التي ليس لها ايام متقدمة ولم تر الدم قط ورأت اول ما ادركت واستمر بها فان سنة هذه غير سنة الاولى والثانية، وذلك ان امرأة يقال لها حمنة بنت جحش اتت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالت اني استحضت حيضة شديدة فقال احتش كرسفا فقالت انه اشد من ذلك اني اثجه ثجا ؟ فقال تلجمي وتحيضي في كل شهر في علم الله تعالى ستة ايام أو سبعة ثم اغتسلي غسلا وصومي ثلاثة وعشرين يوما أو اربعة وعشرين، واغتسلي للفجر غسلا واخرى الظهر وعجلي العصر واغتسلي غسلا واخرى المغرب وعجلي العشاء واغتسلي غسلا. قال أبو عبد الله (عليه السلام) فاراه قد سن في هذه غير ما سن في الاولى والثانية وذلك لان امرها مخالف لامر تينك، ألا ترى ان ايامها لو كانت اقل من سبع وكانت خمسا أو اقل من ذلك ما قال لها تحيضي سبعا فيكون قد امرها بترك الصلاة اياما وهي مستحاضة غير حائض، وكذلك لو كان حيضها اكثر من سبع وكانت ايامها عشرة أو اكثر لم يأمرها بالصلاة وهي حائض، ثم مما يزيد هذا بيانا قوله (صلى الله عليه وآله لها: " تحيضي " وليس يكون التحيض


[ 185 ]

الا للمرأة التي تريد ان تكلف ما تعمل الحائض، ألا تراه لم يقل لها اياما معلومة تحيضي ايام حيضك. ومما يبين هذا قوله لها: " في علم الله تعالى " لانه قد كان لها وان كانت الاشياء كلها في علم الله وهذا بين واضح ان هذه لم يكن لها ايام قبل ذلك قط، وهذه سنة التي استمر بها الدم اول ما تراه اقصى وقتها سبع واقصى طهرها ثلاث وعشرون حتى تصير لها ايام معلومة فتنتقل إليها. فجميع حالات المستحاضة تدور على هذه السنن الثلاث لا تكاد ابدا تخلو من واحدة منهن، ان كانت لها ايام معلومة من قليل أو كثير فهي على ايامها وخلقها الذي جرت عليه ليس فيه عدد معلوم موقت غير ايامها، وان اختلطت الايام عليها وتقدمت وتأخرت وتغير عليها الدم الوانا فسنتها اقبال الدم وادباره وتغير حالاته وان لم يكن لها ايام قبل ذلك استحاضت اول ما رأت فوقتها سبع وطهرها ثلاث وعشرون فان استمر بها الدم اشهرا فعلت في كل شهر كما قال لها، فان انقطع الدم في اقل من سبع أو اكثر من سبع فانها تغتسل ساعة ترى الطهر وتصلي فلا تزال كذلك حتى تنظر ما يكون في الشهر الثاني، فان انقطع الدم لوقته من الشهر الاول سواء حتى توالى عليها حيضتان أو ثلاث فقد علم الآن ان ذلك قد صار لها وقتا وخلقا معروفا تعمل عليه وتدع ما سواه وتكون سنتها فيما يستقبل ان استحاضت قد صارت سنة الى ان تجلس اقراءها وانما جعل الوقت ان توالى عليها حيضتان أو ثلاث لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) للتي تعرف ايامها: " دعى الصلاة ايام اقرائك " فعلمنا انه لم يجعل القرء الواحد سنة لها فيقول دعي الصلاة ايام قرءك ولكن سن لها الاقراء وادناه حيضتان فصاعدا، وان اختلط عليها ايامها وزادت ونقصت حتى لا تقف منها على حد ولا من الدم على لون عملت باقبال الدم وادباره وليس لها سنة غير هذا لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إذا اقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا ادبرت فاغتسلي " ولقوله: " ان دم الحيض اسود يعرف " كقول ابي " إذا رأيت الدم البحراني " فان لم يكن الامر كذلك ولكن الدم اطبق عليها فلم تزل الاستحاضة دارة وكان الدم على لون واحد


[ 186 ]

وحالة واحدة فسنتها السبع والثلاث والعشرون لان قصتها كقصة حمنة حين قالت: اني اثجه ثجا ". اقول: ويستفاد من هذه الرواية احكام عديدة يطول الكلام بنقلها الا ان (منها) - ان سنة المضطربة التحيض بما كان بصفة دم الحيض مطلقا وانه لا تقييد بما قيدوه به من الشروط الآتية، وهذا ايضا هو المفهوم من اطلاق موثقة اسحاق بن جرير وكذا اطلاق حسنة حفص بن البختري المتقدمتين في المسألة الاولى من القصد الاول (1) فان موردهما وكذا مورد هذا الخبر هو الدم المستمر، وقد امر (عليه السلام) في كل من الاخبار الثلاثة بالتحيض بما كان بصفة دم الحيض قليلا كان أو كثيرا فيمكن ان يخص هذا الحكم بهذا الموضع، ويؤيد ذلك موثقة يونس بن يعقوب وموثقة ابي بصير المتقدمتان في المسألة الرابعة (2) وتحمل الاخبار الدالة على ان اقل الحيض ثلاثة واكثره عشرة على غير هذا الموضع، ويشير الى ذلك ايضا انه في آخر هذه الرواية جعل العدول الى التحيض بالسبعة للمضطربة تفريعا على كون الدم على لون واحد وحالة واحدة يعني لم يحصل فيه اختلاف بالكلية، ومفهومه انه مع الاختلاف كيف كان تتحيض به، والاصحاب قد حكموا عليها بالرجوع الى الروايات وان اختلف الدم إذا فقدت الشرائط المعتبرة عندهم وهو خلاف ظاهر الخبر كما ترى. و (منها) - ان ظاهر الخبر انه مع عدم التمييز بان يكون دمها لونا واحدا فانه يجب عليها التخصيص بسبعة ايام لا غير، والاصحاب قد اوجبوا عليها الرجوع الى الروايات التي هي موثقة سماعة وموثقتا ابن بكير الآتيات (3) باي عدد كان من ايها، ومورد الروايات المذكورة انما هو المبتدأة كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى وليس في شئ من الاخبار ما يدل على رجوع المضطربة الى الايام بعد فقد التمييز الا هذه الرواية الدالة على السبع كما عرفت. و (منها) - ان حكم المبتدأة الرجوع من اول الامر الى الايام كما في موثقتي ابن بكير الآتيتين (4) ان شاء الله تعالى، الا ان موثقة


(1) ص 151 (2) ص 166 (3) و (4) ص 188 و 189.


[ 187 ]

سماعة دلت على رجوعها اولا الى نسائها ثم مع تعذر ذلك الى الايام وحينئذ يقيد بها اطلاق ما عداها، والاصحاب قد ذكروا اولا رجوعها الى التمييز ثم مع فقده الى الروايات والروايات الدالة على التمييز كما تحتمل تقييد روايات المبتدأة بها كذلك تحتمل العكس وقصر التمييز على المضطربة كما هو ظاهر هذا الخبر ورواية اسحاق بن جرير المشار إليها آنفا إذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام في هذا المقصد يستدعى بسطه في مطالب ثلاثة: (الاول) - في المبتدأة بكسر الدال أو فتحها اسم فاعل أو اسم مفعول وهي التي ابتدأت الحيض أو ابتدأها الحيض، وفسرها المحقق في المعتبر بانها التي رأت الدم اول مرة، وربما قيل بانها من لم تستقر لها عادة والظاهر ضعفه، والذي دلت عليه الاخبار انما هو الاول كما عرفت من رواية يونس المذكورة، ومثلها ما سيأتي ان شاء الله تعالى في المقام من موثقتي سماعة وابن بكير.

والبحث في هذا المطلب يقع في مقامين:

(الاول) - هل تتحيض المبتدأة بمجرد رؤية الدم أو بعد مضي ثلاثة ايام تستظهر فيها بالعبادة ؟ قولان: اولهما للشيخ والعلامة في المنتهى والمختلف وغيرهما، وثانيهما للمرتضى وابن الجنيد وابي الصلاح وابن ادريس والمحقق والعلامة في بعض كتبه، وفى المدارك ان موضع الخلاف ما إذا كان الدم المرئي بصفة الحيض كما صرح به في المختلف وغيره. وفيه ان ما نقله عن العلامة وغيره ليس كذلك بل ظاهر كلام الجميع هو عموم محل الخلاف لا تخصيصه بما ذكر، قال في المختلف " قال الشيخ: المبتدأة تترك الصلاة والصوم إذا رأت الدم يوما أو يومين كذات العادة وقال المرتضى: لا تترك الصلاة والصوم حتى يمضي لها ثلاثة ايام وهو اختيار ابي الصلاح وابن ادريس، والوجه عندي الاول وهو الذي اخترناه في كتاب منتهى المطلب، واخترنا في التحرير الثاني " انتهى. وهو ظاهر - كما ترى - في العموم، ويؤكده ما يشير إليه كلام الشيخ حيث شبه المبتدأة هنا بذات العادة التى لا خلاف في تحيضها بمجرد رؤية الدم اعم من ان يكون بصفة دم الحيض ام لا، نعم ان العلامة قد استدل


[ 188 ]

على ما اختاره من التحيض برؤية الدم ببعض اخبار التمييز، ومجرد هذا الاستدلال لا يوجب تخصيص محل الخلاف ولهذا اعترضه في الذكرى بان الدليل اخص من المدعى. وقال في الروض: " واعلم انه مع رؤية المعتادة الدم قبل العادة كما هو المفروض هنا هل تترك العبادة بمجرد رؤيته ام يجب الصبر الى مضى ثلاثة أو الى وصول العادة ؟ يبنى على ايجاب الاحتياط بالثلاثة على المبتدأة والمضطربة وعدمه، فان لم نوجبه عليهما كما هو اختيار المصنف في المختلف لم يجب عليها بطريق اولى، وان اوجبناه كما اختاره المرتضى وابن الجنيد والمحقق في المعتبر احتمل الحاقها بهما... الى آخره " ولا اراك في شك من ظهور العبارة المذكورة في العموم غاية الظهور، ونحو ذلك كلام المعتبر والذكرى الا ان المحقق رجح مذهب السيد والشهيد رجح مذهب الشيخ، واما في الدروس والبيان فرجح مذهب المرتضى على تفصيل في الثاني منهما، فقال فيه: " وفى المبتدأة قولان اقواهما قول المرتضى بمضي ثلاثة ايام بالنسبة الى الافعال واما التروك فالاحوط تعلقها برؤية الدم المحتمل " انتهى. والظاهر انه اشار بالمحتمل الى ما كان بصفة الحيض وحينئذ يصير هذا قولا ثالثا في المسألة، وإذا اضيف الى ذلك ما اختاره في المدارك من التحيض بما إذا كان بصفة دم الحيض صار قولا رابعا ايضا. اقول: والظاهر عندي من هذه الاقوال هو مذهب الشيخ، وعليه تدل من الاخبار موثقة سماعة (1) قال: " سألته عن الجارية البكر اول ما تحيض تقعد في الشهر يومين وفى الشهر ثلاثة ايام يختلف عليها لا يكون طمثها في الشهر عدة ايام سواء ؟ قال فلها ان تجلس وتدع الصلاة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة فإذا اتفق شهران عدة ايام سواء فتلك ايامها " ولا يخفى ظهور دلالتها في المراد على وجه لا يتطرق إليه الايراد. وموثقة ابن بكير عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " المرأة إذا رأت الدم


(1) المروية في الوسائل في الباب 14 من ابواب الحيض. (2) المروية في الوسائل في الباب 8 من ابواب الحيض.


[ 189 ]

في اول حيضها فاستمر الدم تركت الصلاة عشرة ايام... الحديث ". وموثقته الاخرى (1) قال: " في الجارية اول ما تحيض يدفع عليها الدم فتكون مستحاضة انها تنتظر بالصلاة فلا تصلي حتى يمضي اكثر ما يكون من الحيض، فإذا مضى ذلك وهو عشرة ايام فعلت ما تفعل المستحاضة... ". والمناقشة في ذلك - بانه لا يصدق اول حيضها كما في الاولى واول ما تحيض كما في الثانية إلا بعد ثلاثة ايام، إذ بذلك يعلم كونه حيضا كما ذكره في الذخيرة - مردودة بان باب المجاز واسع واطلاق الحيض على اول الدم انما هو باعتبار ما يؤول إليه، والرواية الثانية ظاهرة فيما ذكرناه تمام الظهور، فان قوله فيها: " انها تنتظر بالصلاة فلا تصلي حتى يمضي اكثر ما يكون من الحيض فإذا مضى ذلك وهو عشرة ايام فعلت ما تفعل المستحاضة " ظاهر في كون مبدأ العشرة التي تركت الصلاة فيها هو اول الدم كما لا يخفى. ويؤيد هذه الاخبار ايضا اطلاق جملة من الروايات كصحيحة منصور بن حازم عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " اي ساعة رأت الدم فهى تفطر الصائمة... ". وموثقة محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (3) وقد سأله عن المرأة التي ترى الدم غدوة أو ارتفاع النهار أو عند الزوال قال: " تفطر... ". وموثقة ثانية له ايضا عن الباقر (عليه السلام) (4) " في المرأة تطهر في اول النهار في رمضان، الى ان قال وفي المرأة ترى الدم من اول النهار في شهر رمضان أتفطر ام تصوم ؟ قال تفطر انما فطرها من الدم ". ورواية ابي الورد (5) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن المرأة التى تكون في صلاة الظهر وقد صلت ركعتين ثم ترى الدم ؟ قال تقوم من مسجدها ولا


(1) المروية في الوسائل في الباب 8 من ابواب الحيض. (2) و (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب 50 من ابواب الحيض. (5) المروية في الوسائل في الباب 48 من ابواب الحيض.


[ 190 ]

تقضي الركعتين... الحديث " ونحو ذلك موثقة عمار (1) وموثقة الفضل بن يونس (2) وفى المعتبر قد نقل بعض هذه الاخبار حجة للشيخ ثم اجاب عنها بان الحكم بالافطار عند رؤية الدم غير مراد فينصرف الى المعهود وهو دم الحيض ولا يحكم بكونه حيضا الا إذا كان في العادة فيحمل على ذلك. وفيه ان دعوى المعهودية ممنوعة والاخبار بعمومها أو اطلاقها شاملة لموضع النزاع، ولو فرض خروج بعض الافراد فانها تبقى حجة في الباقي، على انه يمكن ان يقال ان كون الدم حيضا اما ان يكتفى فيه بصلاحيته لان يكون حيضا أو يعتبر فيه وجود ما يعلم به كونه حيضا، وعلى الثاني يلزم ان ما تراه ذات العادة من اول الدم لا يتحقق كونه حيضا لجواز ان ينقطع قبل الثلاثة، مع انه قائل بوجوب تحيضها به وليس الا للصلاحية المذكورة وهي مشتركة بين ذات العادة وما نحن فيه. هذا. وما ذكره الاصحاب من الاحتياط بالثلاثة في اول الحيض لم اقف له على دليل من الاخبار في شئ من اقسام الحائض بالكلية معتادة كانت ام مبتدأة ام مضطربة وانما الموجود الاستظهار في آخر الدم كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى، وغاية ما استدل به في المعتبر على هذا القول الذي اختاره ان مقتضى الدليل لزوم العبادة حتى يتيقن المسقط ولا يتيقن قبل استمراره ثلاثة. وفيه ان المسقط الاخبار التى قدمناها لدلالتها على التحيض بمجرد رؤية الدم خصوصا وعموما، ثم مع قطع النظر عن الاخبار المذكورة فدعوى التيقن ممنوعة بل يكفي الظهور والظن والا لم يتم الحكم بوجوب التحيض بمجرد الرؤية لذات العادة لجواز انقطاعه قبل بلوغ الثلاثة كما ذكرنا، بل لا يتم الحكم بكون الثلاثة بعد كما لها حيضا يقينا لجواز ان يكون الحيض انما هو ما بعدها، ثم قال موردا على نفسه ومجيبا: " ولو قيل لو لزم ما ذكرته قبل الثلاثة لزم بعدها لجواز ان ترى ما هو اسود


(1) المروية في الوسائل في الباب 50 من ابواب الحيض. (2) المروية في الوسائل في الباب 48 و 49 من ابواب الحيض.


[ 191 ]

ويتجاوز فيكون هو حيضها لا الثلاثة. قلنا الفرق ان اليوم واليومين ليس حيضا حتى يستكمل ثلاثة والاصل عدم التتمة حتى يتحقق، واما إذا استمر ثلاثة فقد كمل ما يصلح ان يكون حيضا ولا يبطل هذا الا مع التجاوز والاصل عدمه ما لم يتحقق " انتهى. واعترضه في المدارك بان اصالة العدم لا تكفي في حصول اليقين الذي قد اعتبره سابقا. اقول: وتوضيح جوابه في بيان الفرق المذكور ان الدم في اليوم واليومين وان صلح لان يكون حيضا الا ان الاصل عدم بلوغ الثلاثة لجواز انقطاعه قبلها فلا يكون حيضا حتى تتم الثلاثة ويتحقق الحيض، واما إذا كملت الثلاثة فقد كمل ما يصلح ان يكون حيضا ولا يبطل هذا الحكم الا مع تجاوزه عنه الى الدم الذي بعد الثلاثة والاصل عدمه. ووجه ما اورده عليه في المدارك انه قد حكم سابقا بوجوب العبادة حتى يتيقن المسقط وما التجأ إليه هنا من ان الاصل عدم سقوط هذا الحكم عن الثلاثة لا يوجب التيقن بوجود المسقط، لان اصالة العدم لا تفيد يقين العدم فيبقى وجوب التكليف بالعبادة في الثلاثة ثابتا حتى يتحقق المسقط، إذ غاية ما يفيده الاصل المذكور رجحان العدم وظنه لا يقينه، وبالجملة فباب المناقشات في التعليلات العقلية واسع ومن ثم ذكرنا في غير موضع انها لا تصلح لتأسيس الاحكام الشرعية.

(المقام الثاني) - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في ان المبتدأة إذا انقطع دمها لدون العشرة وكذا المعتادة إذا انقطع دمها على العادة فعليها الاستبراء بالقطنة فان خرجت نقية اغتسلت وان خرجت ملطخة صبرت حتى تنقى أو تمضي لها عشرة ايام. اما الحكم الاول وهو وجوب الاستبراء فيدل عليه جملة من الاخبار: منها - صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " إذا ارادت الحائض ان تغتسل فلتستدخل قطنة فان خرج فيها شئ من الدم فلا تغتسل وان لم تر شيئا فلتغتسل وان رأت بعد ذلك صفرة فلتتوضأ ولتصل ".


(1) المروية في الوسائل في الباب 17 من ابواب الحيض.


[ 192 ]

ورواية يونس عمن حدثه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سئل عن امرأة انقطع عنها الدم فلا تدري أطهرت ام لا ؟ قال تقوم قائما وتلزق بطنها بحائط وتستدخل قطنة بيضاء وترفع رجلها اليمنى فان خرج على القطنة مثل رأس الذباب دم عبيط لم تطهر وان لم يخرج فقد طهرت تغتسل وتصلي ". وموثقة سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " قلت له المرأة ترى الطهر وترى الصفرة أو الشئ فلا تدري طهرت ام لا ؟ قال: فإذا كان كذلك فلتقم فلتلصق بطنها الى حائط وترفع رجلها على حائط كما رأيت الكلب يصنع إذا اراد ان يبول ثم تستدخل الكرسف فإذا كان ثمة من الدم مثل رأس الذباب خرج، فان خرج دم فلم تطهر وان لم يخرج فقد طهرت ". ورواية شرحبيل الكندي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " قلت له كيف تعرف الطامث طهرها ؟ قال تعمد برجلها اليسرى على الحائط وتستدخل الكرسف بيدها اليمنى فان كان ثم مثل رأس الذباب خرج على الكرسف ". وفى الفقه الرضوي (4) " وإذا رأت الصفرة أو شيئا من الدم فعليها ان تلصق بطنها بالحائط وترفع رجلها اليسرى كما ترى الكلب إذا بال وتدخل قطنة فان خرج فيها دم فهي حائض وان لم يخرج فليست بحائض " وهذه العبارة مع ما بعدها نقلها الصدوق في الفقيه من رسالة ابيه إليه. وهل يكفي وضع القطنة كيف اتفق عملا باطلاق صحيحة محمد بن مسلم وحملا للروايات المذكورة بعدها على الاستحباب، أو يجب الرفع على الكيفية التي تضمنتها هذه الاخبار ويحمل اطلاق صحيحة محمد بن مسلم عليها ؟ وجهان اختار اولهما في المدارك والذخيرة، والظاهر الثاني كما يدل عليه لفظة " عليها " في عبارة الفقه الرضوي، والظاهر فتوى الصدوقين بذلك، ويؤيده انه الاحوط. بقى ان رواية يونس دلت على الامر


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 17 من ابواب الحيض (4) ص 22.


[ 193 ]

برفع الرجل اليمنى ورواية شرحبيل وكذا عبارة صاحب الفقه على الرجل اليسري والظاهر حصوله بايهما اتفق. واما ما يدل على الثاني وهو الصبر حتى تنقى أو تمضي عشرة ايام زيادة على الاجماع المدعى في المقام فقوله (عليه السلام) في موثقة سماعة المتقدمة (1): " فلها ان تجلس وتدع الصلاة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة... " ونحوها في الدلالة على الانتهاء الى العشرة موثقتا ابن بكير (2). ولو استمر دمها بعد العشرة فقد امتزج حيضها بطهرها، والمذكور في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) انها ترجع الى التمييز واعتبار الدم فما شابه الحيض تجعله حيضا وما شابه دم الاستحاضة تجعله طهرا بشرط ان يكون دم الحيض لا ينقص عن ثلاثة ايام ولا يزيد على عشرة، فان لم يحصل لها شرائط التمييز رجعت الى عادة نسائها ان اتفقن. وقيل أو عادة ذوي اسنانها من بلدها، فان اختلفن رجعت الى الروايات الآتية.

وتفصيل هذه الجملة يقع في مواضع:

(الاول) - في حكمهم (رضوان الله عليهم) مع الاستمرار بانها ترجع الى التمييز بالشروط المتقدمة. وهذا مجمع عليه بينهم كما يظهر من المعتبر والمنتهى حيث اسنداه الى علمائنا مؤذنين بدعوى الاجماع عليه، واستدلوا عليه بالروايات المشتملة على اوصاف الحيض وقد تقدمت في المسألة الاولى من المقصد الاول (3) واشترطوا في العمل بالتمييز امورا: (احدها) - ان لا يقصر ما شابه دم الحيض عن اقله ولا يتجاوز اكثره. و (ثانيها) - توالي الثلاثة بناء على المشهور من اشتراط التوالي فيها كما تقدم. و (ثالثها) - بلوغ الضعيف مع ايام النقاء اقل الطهر، وقيل هنا بالعدم للعموم، قال في المدارك: " وضعفه ظاهر " ثم ان المشابهة تحصل باللون فالاسود قوى الاحمر وهو قوى الاشقر وهو قوى الاصفر، والقوام فالثخين قوى الرقيق، والرائحة فالنتن قوي بالنسبة الى غيره، ومتى اجتمع في دم خصلة وفى آخر اثنتان فهو


(1) ص 188 (2) 188 و 189 (3) ص 151.


[ 194 ]

اقوى، ولو استوى العدد كما لو كان في احدهما الثخانة وفى الاخر الرائحة فلا تمييز، هذا ملخص كلامهم هنا. وعندي فيه اشكال من وجوه: (الاول) - ان الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالمبتدأة وبيان ما يجب عليها مع استمرار الدم لم يشتمل شئ منه على ما يدل على الاخذ بصفات الدم والتمييز فيه بالكلية فضلا عن اعتبار الشروط المتفرعة عليه، وانما دلت على الاخذ بالايام، ومنها رواية يونس المتقدمة (1) فانها قد دلت على ذلك على ابلغ وجه حيث صرح فيها بذلك مع ما في صدرها من " انه سن في الحيض ثلاث سنن بين فيها كل مشكل لمن سمعها وفهمها حتى لم يدع لاحد مقالا فيه بالرأي " وجعل التمييز سنة المضطربة خاصة وسنة المبتدأة انما هو الرجوع الى الايام وكرر ذلك في الرواية، ومثلها - وان لم يكن بهذا التأكيد - موثقة ابن بكير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) " المرأة إذا رأت الدم في اول حيضها فاستمر تركت الصلاة عشرة ايام ثم تصلي عشرين يوما فان استمر بها الدم بعد ذلك تركت الصلاة ثلاثة ايام وصلت سبعة وعشرين يوما " قال الحسن: وقال ابن بكير: وهذا مما لا يجدون منه بدا. وما رواه الشيخ في الموثق عن ابن بكير ايضا (3) قال: " في الجارية اول ما تحيض يدفع عليها الدم فتكون مستحاضة انها تنتظر بالصلاة فلا تصلي حتى يمضي اكثر ما يكون من الحيض، فإذا مضى ذلك وهو عشرة ايام فعلت ما تفعله المستحاضة ثم صلت فمكثت تصلي بقية شهرها، ثم تترك الصلاة في المرة الثانية اقل ما تترك امرأة الصلاة وتجلس اقل ما يكون من الطمث وهو ثلاثة ايام، فان دام عليها الحيض صلت في وقت الصلاة التي صلت وجعلت وقت طهرها اكثر ما يكون من الطهر وتركها الصلاة اقل ما يكون من الحيض " وموثقة سماعة (4) قال: " سألته عن جارية حاضت اول حيضها فدام دمها ثلاثة اشهر وهي لا تعرف ايام اقرائها ؟ قال اقراؤها مثل اقراء نسائها فان كانت نساؤها مختلفات فاكثر جلوسها عشرة ايام واقله ثلاثة ايام " وهي - كما ترى - ظاهرة فيما قلناه، فلو كان الرجوع


(1) ص 182 (2) و (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب 8 من ابواب الحيض.


[ 195 ]

الى التمييز فيها واجبا كما ذكروه لذكر ولو في بعضها لان المقام فيها مقام البيان، وبالجملة فاني لا اعرف لهم مستندا في الحكم المذكور سوى ما يدعونه من الاجماع، وكأنهم خصصوا هذه الاخبار بروايات التمييز لانها اظهر في الحكم بالتحيض متى حصلت شرائط التمييز، الا ان فيه (اولا) - ما قدمنا ذكره ذيل رواية يونس من انه يمكن العكس وهو تخصيص روايات التمييز بهذه الاخبار. و (ثانيا) - ان هذا التخصيص في رواية يونس بعيد، حيث جعل التمييز فيها سنة المضطربة خاصة وانها بعد اختلال شرائط التمييز ترجع الى الايام، فلو كانت المبتدأة كذلك لشركها معها في الحكم المذكور.

(الثاني) - ان ما اشترطوه هنا من انه لا يقصر ما شابه دم الحيض عن اقله وهو الثلاثة ولا يتجاوز اكثره لا تساعده الروايات الواردة في هذه المسألة، فانها مطلقة في التخصيص بما شابه دم الحيض قليلا كان أو كثيرا كما اشرنا إليه آنفا ذيل رواية يونس.

(الثالث) - ان ما اشترطوه من بلوغ الضعيف مع ايام النقاء اقل الطهر لا دليل عليه هنا بل ظاهر الاخبار يرده، ومنها - موثقة ابى بصير (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة ترى الدم خمسة ايام والطهر خمسة ايام وترى الدم اربعة ايام وترى الطهر ستة ايام ؟ فقال: ان رأت الدم لم تصل وان رأت الطهر صلت ما بينها وبين ثلاثين يوما، فإذا تمت ثلاثون يوما فرأت دما صبيبا اغتسلت واستثفرت واحتشت بالكرسف في وقت كل صلاة فإذا رأت صفرة توضأت " وموثقة يونس بن يعقوب (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) المرأة ترى الدم ثلاثة ايام أو اربعة ؟ قال تدع الصلاة. قلت فانها ترى الطهر ثلاثة ايام أو اربعة ؟ قال تصلي. قلت: فانها ترى الدم ثلاثة ايام أو اربعة ؟ قال تدع الصلاة. قلت فانها ترى الطهر ثلاثة ايام أو اربعة ؟ قال تصلي قلت فانها ترى الدم ثلاثة ايام أو اربعة ؟ قال تدع الصلاة تصنع ما بينها وبين شهر فان انقطع عنها الدم والا فهي بمنزلة المستحاضة " وحملها في الاستبصار على مضطربة اختلط حيضها


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 6 من ابواب الحيض.


[ 196 ]

أو مستحاضة استمر بها الدم واشتبهت عادتها قال: " ففرضها ان تجعل ما يشبه دم الحيض حيضا والآخر طهرا صفرة كانت أو نقاء ليتبين حالها " وفيه - كما ترى - دلالة ظاهرة على انه لا يشترط في مقام استمرار الدم كون الدم الضعيف اقل الطهر وهو العشرة، ونحوه ما ذكره في المبسوط حيث صرح بانه ان اختلط عليها ايامها فلا تستقر على وجه واحد تركت العبادة كلما رأت الدم وصلت كلما رأت الطهر الى ان تستقر عادتها، وهو جار على ظاهر الخبرين المذكورين، وبنحو ذلك صرح في الفقية ايضا فقال: " وإذا رأت الدم خمسة ايام والطهر خمسة ايام أو رأت الدم اربعة ايام والطهر ستة ايام فإذا رأت الدم لم تصل وإذا رأت الطهر صلت، تفعل ذلك ما بينها وبين ثلاثين يوما... الى آخره " وكذا الشيخ في النهاية، وبالجملة فظاهر اكثر من تعرض لهذه المسألة هو القول بمضمون الخبرين وان اختلفوا في تنزيلهما على المبتدأة أو ذات العادة التي اضطربت عادتها، وقال المحقق بعد نقل تأويل كلام الشيخ: " وهذا تأويل لا بأس به، ولا يقال: الطهر لا يكون اقل من عشرة، لانا نقول: هذا حق لكن ليس هذا طهرا على اليقين ولا حيضا بل دم مشتبه تعمل فيه بالاحتياط " وفيه ما قدمنا ذكره في مسألة اشتراط توالي الايام الثلاثة التي هي اقل الحيض وعدمه من ان اشتراط كون اقل الطهر عشرة على اطلاقه ممنوع، ومما ذكرنا يعلم ان اشتراط هذا الشرط هنا لا وجه له وان الاظهر هو القول الآخر للعموم كما عرفت. وظاهر الذكرى يميل الى ذلك حيث قال بعد نقل خبر يونس المذكور وتأويل الشيخ له بما ذكرناه: " وهو تصريح بعدم اشتراط كون الضعيف اقل الطهر " واما في البيان والدروس فلم يذكر هذا الشرط في شروط التمييز بالكلية وهو مؤذن بعدم اشتراطه، والى ما ذكرنا ايضا يميل كلام الذخيرة، وهو الاظهر كما عرفت.

(الرابع) - انهم ذكروا تفريعا على الخلاف في اشتراط هذا الشرط انها لو رأت خمسة اسود ثم اربعة اصفر ثم عاد الاسود عشرة فعلى الاول لا تمييز لها وعلى الثاني حيضها خمسة، كذا صرح في المدارك ومثله الشهيد في الذكرى تفريعا على الخلاف


[ 197 ]

المذكور، حيث قال: " فلو رأت خمسة اسود ثم تسعة اصفر وعاد الاسود ثلاثة فصاعدا فعلى الاول لا تمييز لها وهو ظاهر المعتبر وعلى الثاني حيضها خمسة " ثم نقل عن ظاهر المبسوط تخصيص الحيض بالدم العائد بعد الدم الاصفر ان لم يتجاوز العشرة قال: " لان الصفرة لما خرجت عن الحيض خرج ما قبلها " انتهى. اقول: وعبارة المبسوط على ما في الذخيرة هكذا: " فان رأت ثلاثة ايام مثلا دم الحيض ثم رأت ثلاثة ايام دم الاستحاضة ثم رأت الى تمام العشرة دم الحيض، الى ان قال: وان جاوز العشرة الايام ما هو بصفة الحيض فبلغ ستة عشر يوما كانت العشرة الايام كلها حيضا وقضت الصوم والصلاة في الستة الاولى " انتهى. اقول: ان كلامهم في هذا المقام لا يخلو عندي من الاشكال، فان تخصيص الحيض بالدم المتقدم كما هو ظاهر عبارتي المدارك والذكرى أو المتأخر كما هو ظاهر عبارة المبسوط لا اعرف له وجها، إذ لا يخفى ان قضية الرجوع الى التمييز مع الغاء هذا الشرط كما هو المفروض هو التحيض بالدم المتقدم والمتأخر في الامثلة المذكورة في كلامهم، لانهم قرروا في التمييز مع اختلاط الدم هو انه متى رأت المرأة الدم بصفة الحيض ولم ينقص عن ثلاثة ايام ولم يزد على العشرة فانها تتحيض به والدم الاخر المخالف له تتعبد فيه وان كان اقل من عشرة بناء على الغاء هذا الشرط، ومما يعضد ذلك موثقتا ابى بصير ويونس بن يعقوب المتقدمتان، وبذلك اعترف ايضا في الذكرى حيث قال بعد نقل خبر يونس وعبارة المبسوط على اثره: " وهو مطابق لظاهر الخبر " ومراده المطابقة له في عدم اعتبار مضي الاقل بين الدمين اللذين هما بصفة دم الحيض، وكل هذا ظاهر في التحيض بما كان بصفة دم الحيض متقدما ومتأخرا كما ذكرناه والتعبد فيما خالف ذلك الدم في صفاته.

(الموضع الثاني) - في الحكم بالرجوع الى نسائها ثم ذوي اقرانها، والمراد بنسائها على ما صرحوا به هم الاقارب من الابوين أو احدهما، قيل ولا تعتبر العصبة هنا لان المعتبر الطبيعة وهي جارية من الطرفين، صرح بذلك جملة من الاصحاب،


[ 198 ]

واعترضهم بعض مشايخنا المحدثين من متأخرى المتأخرين قال: " اقول: في اخراج العصبة نظر لصدق اطلاق نسائها عليها عرفا " اقول: الظاهر ان مرادهم من هذه العبارة انما هو نفي تخصيص العصبة كما صرح به في الذكرى فقال: " ولا اختصاص للعصبة هنا لان المعتبر الطبيعة وهي جارية من الطرفين " لا اخراج العصبة بالكلية كما توهمه، وقد صرحوا بان المراد الاقارب من الابوين أو احدهما. والحكم بالرجوع الى نسائها بعد فقد التمييز مما لا خلاف فيه عندهم، وعزاه في المعتبر الى الخمسة واتباعهم، واحتج عليه بان الحيض يعمل فيه بالعادة وبالامارة كما يرجع الى صفات الدم ومع اتفاقهن يغلب انها كاحداهن إذ من النادر ان تشذ واحدة عن جميع الاهل، قال: ويؤكد ذلك ما رواه محمد بن يعقوب عن احمد بن محمد رفعه عن زرعة عن سماعة (1) قال: " سألته عن جارية حاضت اول حيضها فدام دمها ثلاثة اشهر وهي لا تعرف ايام اقرائها ؟ قال اقراؤها مثل اقراء نسائها، فان كان نساؤها مختلفات فاكثر جلوسها عشرة ايام واقله ثلاثة " وعن زرارة ومحمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: " يجب للمستحاضة ان تنظر بعض نسائها فتقتدي باقرائها ثم تستظهر على ذلك بيوم " ثم قال: " واعلم ان الروايتين ضعيفتان، اما الاولى فمقطوعة السند والمسؤول فيها مجهول، والثانية في طريقها علي بن فضال وهو فطحي ومع ذلك تتضمن الرجوع الى بعض نسائها وهو خلاف الفتوى، ولان الافتراح في الرجوع الى واحدة من النساء مع امكان مخالفة الباقيات معارض للرواية الاولى، لكن الوجه في ذلك اتفاق الاعيان من فضلائنا على الفتوى بذلك، وقوة الظن بانها كاحداهن مع اتفاقهن كلهن على تردد عندي " وتبعه في المدارك على الطعن بضعف السند في الخبرين المذكورين فقال: " ان في الروايتين قصورا من حيث السند، اما الاولى فبالاسال والاضمار واشتمال سندها على عدة من الواقفية، واما الثانية فلان في طريقها علي بن الحسن بن فضال وهو.


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 8 من ابواب الحيض.


[ 199 ]

فطحي، وايضا فانها تتضمن الرجوع الى بعض نسائها وهو خلاف الفتوى، لكن الشيخ في الخلاف نقل على صحة الرواية اجماع الفرقة فان تم فهو الحجة والا امكن التوقف في هذا الحكم لضعف مستنده " انتهى. اقول: اما ما ذكره في المعتبر من التعليل العقلي فهو تعليل عليل لا يهدي الى سبيل فلا اعتماد عليه ولا تعويل، والحجة في الحقيقة هي الروايتان المذكورتان، واما طعنه في سند الخبرين المذكورين فهو مناف لما صرح به في صدر كتابه حيث قال: " افرط الحشوية في العمل بخبر الواحد حتى انقادوا الى كل خبر وما فطنوا الى ما تحته من التناقض، فان من جملة الاخبار قول النبي (صلى الله عليه وآله): " ستكثر بعدي القالة علي " وقول الصادق (عليه السلام): " ان لكل رجل منا رجلا يكذب عليه " واقتصر بعض عن هذا الافراط فقال كل سليم السند يعمل به. وما علم ان الكاذب قد يصدق، وما تنبه ان ذلك طعن في علماء الشيعة وقدح في المذهب، إذ لا مصنف الا وهو يعمل بخبر المجروح كما يعمل بخبر العدل، وافرط آخرون في طرف رد الخبر حتى احال استعماله عقلا ونقلا، واقتصر آخرون فلم يروا العقل مانعا لكن الشرع لم يأذن به، وكل هذه الاقوال منحرفة عن السنن والتوسط اصوب، فما قبله الاصحاب أو دلت القرائن على صحته عمل به، وما اعرض الاصحاب عنه أو شذ وجب اطراحه " ثم استدل على ذلك بادلة تركنا التعرض لها اختصارا، والمناقضة بين الكلامين ظاهرة. واما ما ذكره في المدارك فهو من المناقشات الواهية (اما اولا) - فلما ذكرنا في غير موضع ان الطعن بضعف سند الاخبار لا يصلح حجة على المتقدمين الذين لا اثر لهذا الاصطلاح عندهم بل الاخبار عندهم كلها صحيحة، والصحة والبطلان انما هو باعتبار متون الاخبار وما اشتملت عليه لا باعتبار الاسانيد، وقد اعترف بذلك جملة من ارباب هذا الاصطلاح: منهم - صاحب المنتقى فيه والبهائى في مشرق الشمسين وغيرهما، حيث ذكروا ان الاخبار كلها صحيحة عند المتقدمين لوفور القرائن الدالة على صحتها وقرب العهد، وان المتأخرين


[ 200 ]

انما عدلوا عنه الى هذا الاصطلاح المحدث لما بعدت المدة وخفيت القرائن كما تقدم ذكره منقحا في مقدمات الكتاب. و (اما ثانيا) - فلتصريحه في غير موضع في شرحه بان الاضمار في الاخبار غير مضمر، فكيف يطعن هنا في موثقة سماعة بذلك وهو قد قبلها ونحوها في غير موضع من الاحكام ؟ و (اما ثالثا) - فلان الحكم متفق عليه كما ذكره هو نفسه في صدر البحث. فقال: " وهذا اعني رجوع المبتدأة مع فقد التمييز الى عادة نسائها هو المعروف من مذهب الاصحاب " وهو قد وافق الاصحاب في امثال ذلك مع ضعف دليلهم بزعمه في غير موضع من شرحه، وقد اوضحنا جملة من ذلك في شرحنا على الكتاب. نعم يبقي الاشكال في الجمع بين الخبرين المذكورين حيث ان ظاهر موثقة سماعة اشتراط اتفاق نسائها في الرجوع اليهن فلو اختلفن فلا رجوع، وبه صرح العلامة في النهاية فقال: " حتى لو كن عشرا فاتفق فيهن تسع رجعت الى الاقران " وظاهر موثقة زرارة ومحمد بن مسلم الاكتفاء بالبعض الا انه لا قائل به من الاصحاب. ويمكن حملها على تعذر الرجوع الى جميع نسائها لتفرقهن في البلد فيكتفي بالرجوع الى البعض الا اني لم اعلم قائلا به، وكيف كان فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال. قال في المدارك: " ورجح الشهيد اعتبار الاغلب مع الاختلاف وهو ضعيف جدا، لانه ان استند في الحكم الى مقطوعة سماعة وجب القطع بالانتقال عن نسائها لمجرد الاختلاف كما هو منطوق الرواية، وان استند الى رواية زرارة ومحمد بن مسلم وجب القول برجوعها الى بعض نسائها مطلقا ولا قائل به " انتهى. ثم ان ظاهر موثقة زرارة ومحمد بن مسلم (1) الاستظهار بيوم بعد الاقتداء باقرائها، وبذلك صرح في الذكرى واوجب على المبتدأة الاستظهار بيوم بعد الرجوع الى نسائها


(1) ص 198.


[ 201 ]

للرواية المذكورة، وانت خبير بان بحث الاصحاب عن هذه الرواية في حكم المبتدأة - في جميع ما ذكرناه ونقلناه عنهم مع انها لم تشتمل على ذكر المبتدأة وانما المذكور فيها المستحاضة بقول مطلق - لا يخلو من اشكال، وكلهم فهموا ذلك من الامر بالرجوع الى بعض نسائها حيث انه لم يقع الامر بالرجوع الى النساء الا في المبتدأة. بقى الكلام فيما ذكروه من الرجوع الى الاقران فاني لم اقف فيه على خبر يدل عليه، وهذا الحكم ذكره الشيخ وتبعه عليه جملة من الاصحاب، ورده في المعتبر فقال بعد نقله عنه: " ونحن نطالب بدليله فانه لم يثبت. ولو قيل كما يغلب في الظن انها كنسائها مع اتفاقهن يغلب في الاقران، منعنا ذلك فان ذوات القرابة بينها مشابهة في الطباع والجنسية والاصل فقوى الظن مع اتفاقهن بمساواتها لهن، ولا كذا الاقران إذ لا مناسبة تقتضيه لانا قد نرى النسب يعطي شبها ولا نرى المقارنة لها أثر فيه " انتهى. واجاب عنه في الذكرى فقال بعد نقل ذلك عنه: " ولك ان تقول لفظ " نسائها " دال عليه فان الاضافة تصدق بادنى ملابسة وما لا بستها في السن والبلد صدق عليهن النساء، واما المشاكلة فمع السن واتحاد البلد تحصل غالبا، وحينئذ ليس في كلام الاصحاب منع منه وان لم يكن تصريح به، نعم الظاهر اعتبار اتحاد البلد في الجميع لان للبلد اثرا ظاهرا في تخالف الامزجة " واورد عليه ان الملابسة المذكورة لو كانت كافية في صحة المراجعة لم يستقم اشتراط اتحاد البلد والسن بل يلزم صحة الاكتفاء باحدهما لصدق الملابسة معه، بل لا تنحصر الملابسة في احدهما لتكثر وجوه الملابسات وذلك يؤدي الى ما هو منفي بالاجماع، وتوقف تمامية المشاكلة ومقارنة الطبيعة على اجتماع الامرين لا يصلح مخصصا لعموم النص. اقول: والتحقيق هو ما اشرنا إليه في غير موضع من ان بناء الاحكام الشرعية على هذه التخريجات العقلية والتقريبات الظنية لا يخلو من مجازفة في الاحكام الشرعية، والنص المذكور ظاهر في الاقارب خاصة إذ هو المتبادر من حاق هذا اللفظ، والتعدي عنه يحتاج الى دليل واضح والا لدخل في القول على الله عزوجل بغير علم كما لا يخفى على المنصف


[ 202 ]

وحينئذ فالظاهر اطراح هذا القول من البين. والله العالم.

(الموضع الثالث) - في الرجوع الى الروايات بعد تعذر الرجوع الى المراتب المتقدمة، وقد اختلف كلام الاصحاب في ذلك على اقوال عديدة: منها - انها تتخير بين التحيض في الشهر الاول ثلاثة ايام وفى الشهر الثاني عشرة وبين التحيض في كل شهر سبعة، وهذا قول الشيخ في الجمل وموضع من المبسوط. ومنها - انها تجعل عشرة ايام حيضا وعشرة ايام طهرا وعشرة ايام حيضا وهكذا، وهو قول الشيخ في موضع من المبسوط. ومنها - التخيير بين التحيض في كل شهر بسبعة ايام وبين التحيض في الشهر الاول عشرة وفى الشهر الثاني ثلاثة، وهو ظاهرة في النهاية، هكذا نقله عنه في الذخيرة، والذي في النهاية انها تترك الصلاة والصوم في كل شهر سبعة ايام وتصلي وتصوم ما بقى ثم لا تزال هذا دأبها الى ان تعلم حالها وتستقر على حال، وقد روى انها تترك الصلاة والصوم في الشهر الاول عشرة ايام وتصلي عشرين يوما وهي اكثر ايام الحيض، وفى الشهر الثاني ثلاثة ايام وتصلي سبعة وعشرين يوما وهي اقل الحيض، وهو ظاهر في ان مذهبه فيه انما هو التحيض بالسبعة دائما واما العشرة والثلاثة فانما نسبها الى الرواية، فما ذكره من نسبة التخيير بين الامرين المذكورين إليه ليس في محله كما لا يخفى ومنها - التخيير بين الثلاثة من الاول والعشرة من الثاني وبين الستة وبين السبعة، وهو قوله في الخلاف، كذا نقله عنه في الذخيرة ايضا، والذي نقله عنه في المختلف انما هو التحيض بالثلاثة من الاول والعشرة من الثاني، ثم قال: وقد روى انها تترك الصلاة في كل شهر ستة ايام أو سبعة، ونسبته الى الرواية بعد افتائه بالاول يؤذن بان مذهبه هو الاول وانما حكى هذا رواية، فنسبة القول له بالتخيير كما ذكره (قدس سره) ليس في محله، وحينئذ فمذهبه هنا يرجع الى ما نقل عن ابن البراج، ومنها - التخيير بين الثلاثة من شهر وعشرة من آخر وبين الستة وبين السبعة، وهو مختار العلامة وجمع من الاصحاب. ومنها - التحيض في الشهر الاول بثلاثة وفى الشهر الثاني بعشرة، وهو قول ابن البراج


[ 203 ]

ومنها - عكس ذلك، نقله ابن ادريس عن بعض الاصحاب. ومنها - التحيض في كل شهر بعشرة ايام، نقله في المعتبر عن بعض فقهائنا. ومنها - ان تجلس بين ثلاثة الى عشرة وهو قول المرتضى (رضي الله عنه) وهو ظاهر ابن بابويه حيث قال: " اكثر جلوسها عشرة ايام في كل شهر " ومنها - انها تترك الصلاة في كل شهر ثلاثة ايام وتصلي سبعة وعشرين يوما، وهو قول ابن الجنيد واختاره في المعتبر. واختلاف اكثر هذه الاقوال انما نشأ من اختلاف اخبار المسألة المتقدمة في الموضع الاول (1) ومنها - رواية يونس الطويلة (2) وفيها التخيير بين الستة والسبعة، وبهذه الرواية استدل الشيخ ومن تبعه على التحيض بالسبعة كما هو مذهبه في النهاية على ما اوضحناه وفيه ان ظاهر الرواية التخير بين الستة والسبعة فهي غير منطبقة على المدعى ومنها - موثقتا ابن بكير (3) وبهما استدلوا على التحيض بالعشرة من الاول وبالثلاثة من الثاني وهكذا، وظاهرهما انما هو التحيض بالعشرة في الدور الاول والثلاثة بعد ذلك دائما لا ان العشرة والثلاثة دائما في كل دور كما ذكروه، وايضا فان الشيخ في الجمل والمبسوط جعل الثلاثة في الدور الاول والعشرة في الثاني مع ان الموثقتين صريحتان في عكس ذلك. ومنها - موثقة سماعة (4) وظاهرها يدل على مذهب المرتضى وابن بابويه ومنه يعلم عدم انطباق الاخبار المذكورة على اكثر الاقوال المتقدمة، فان هذه اخبار المسألة الموجودة في كتب الاخبار وكلام الاصحاب. وطعن جملة من متأخرى المتأخرين في هذه الاخبار بضعف الاسانيد وتقدمهم في ذلك المحقق في المعتبر، فقال بعد نقل رواية يونس وموثقة (5) ابن بكير الاولى (6): " واعلم ان الروايتين ضعيفتان (اما الاولى) فلما ذكره ابن بابويه عن ابن الوليد انه لا يعمل بما تفرد به محمد بن عيسى عن يونس. و (اما الثانية) فرواية عبد الله بن بكير وهو فطحي لا اعمل بما ينفرد به لكن لما كان الغالب في عادة النساء الستة والسبعة قضينا بالغالب. والوجه عندي ان تتحيض


(1) ص 193 (2) و (5) ص 182 (3) و (4) و (6) ص 194.


[ 204 ]

كل واحدة منهما ثلاثة ايام لانه اليقين في الحيض وتصلي وتصوم بقية الشهر استظهارا وعملا بالاصل في لزوم العبادة " انتهى. قال في المدارك بعد نقل ذلك: " هذا كلامه ولا يخلو من قوة، وتؤيده الروايتان المتقدمتان والاجماع، فان الخلاف واقع في الزائد عن الثلاثة ". اقول: لا يخفى ما في هذا الكلام من الضعف والوهن الظاهر لمن اعطى التأمل حقه في المقام (اما اولا) - فان ما طعن به في سند الروايتين بما ذكره فيه ان هذا مناف لما صرح به في صدر كتابه كما قدمنا نقله عنه قريبا. و (اما ثانيا) - فانه قال في باب غسل النفاس بعد نقل موثقة عمار الساباطي ما لفظه: " وهذه وان كان سندها فطحية لكنهم ثقات في النقل " وقال بعد نقل رواية السكوني: " والسكونى عامي لكنه ثقة " وانت خبير بان ما ورد في حق عبد الله بن بكير من المدح حتى عد في جملة من اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه لا يكاد يوجد في احد من هؤلاء الذين قد حكم هنا بتوثيقهم. وقد اجاب في الذكرى عن ذلك فقال - ونعم ما قال - ان الشهرة في النقل والافتاء بمضمونه حتى عد اجماعا يدفعهما، قال: " ويؤيده ان حكمة الباري اجل من ان يدع امرا مبهما يعم به البلوى في كل زمان ومكان ولم يبينه على لسان صاحب الشرع مع لزوم العسر والحرج فيما قالوه، وهما منفيان بالآي والاخبار وغير مناسبين للشريعة السمحة ". و (اما ثالثا) - فلانه لا يخفى ان اثبات الاحكام الشرعية التوقيفية على الوقف من الشارع بهذه التخريجات لا يخلو من المجازفة سيما مع وجود الاخبار في المسألة (فان قيل): ان كلامه هذا مبني على الاحتياط الذي صرحتم في غير موضع بانه يجب الاخذ به مع عدم وجود النصوص، والفرض هنا كذلك حيث ان هذه النصوص عندهم غير ثابتة، فالوقوف على الاحتياط لا بأس به (قلنا): لا يخفى انه مع الاغماض عن المناقشة في طرح النصوص المذكورة فان هذا الاحتياط للعبادة فيما زاد على الايام الثلاثة المحتملة


[ 205 ]

لكونها حيضا معارض بمخالفة الاحتياط في تحليل ما حرم الله تعالى على الحائض من نكاحها وجلوسها في المساجد وامثال ذلك من المحرمات والمكروهات، وحينئذ فالاحتياط المدعى غير تام بجميع موارده. و (اما رابعا) - فلان الظاهر من اخبار " ان اقل الحيض ثلاثة " (1) انما هو بالنسبة الى من انقطع عنها الدم لدون ثلاثة، فانه لا يحكم بكونه حيضا وبها يستدل في هذا المقام، واما من دام دمها بعد الثلاثة واستمر وحكم بكونه حيضا قطعا ولكن وقع التردد في مقداره كمحل البحث فانه لا مجال للاستدلال بالاخبار المذكورة، لان الشارع قد جعل ما تراه من الدم الى تمام العشرة صالحا لان يكون حيضا وعادات النساء قد جرت على ذلك، فكل فرد فرد من افراد هذه الاعداد صالح لان يكون فردا وترجيح بعضها على بعض يحتاج الى مرجح شرعي، ويشير الى ذلك ما في موثقة سماعة (2) من التخيير بين الثلاثة الى تمام العشرة، حيث ان هذا المقدار هو الذي علم من الشارع جعله حيضا، وبذلك يظهر ان قوله: " لانه اليقين في الحيض " على اطلاقه ممنوع بل انما يتعين بالنسبة الى ما نقص عن هذا العدد، واما ما زاد عليه الى العشرة وهو حد الاكثر من الحيض فالحكم باليقينية ممنوع، نعم العشرة يقين بالنسبة الى ما زاد عليها كما لا يخفى. و (اما خامسا) - فلان قوله: " الاصل لزوم العبادة " مدفوع بانه يجب الخروج عن هذا الاصل بتحقق الحيض، والحيض هنا متحقق وانما وقع الشك في ايامه زيادة ونقيصة، وترجيح بعضها على بعض من غير مرجح ممتنع، والاستناد الى اخبار " اقل الحيض ثلاثة " (3) غير مجد هنا لما عرفت، على ان هذا الاصل معارض باصالة تحريم ما حرم الله تعالى على الحائض من المحرمات المشار إليها آنفا، وهذه حائض بالاتفاق وبالجملة فما ذكراه هنا وفى المضطربة كما سيأتي ان شاء الله تعالى - من التحيض بالثلاثة خاصة استضعافا للاخبار - ضعيف.


(1) و (3) ص 158 (2) ص 194.


[ 206 ]

و (اما سادسا) - فان المستفاد من الاخبار على وجه لا يعتريه الشك والانكار هو انه متى تعذر الوقوف على الدليل في الحكم الشرعي فالواجب الوقوف عن الفتوى والعمل بالاحتياط متى احتيج الى العمل، ومن ذلك صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج عن الكاظم (عليه السلام) الواردة في جزاء الصيد (1) قال فيها: " قلت ان بعض اصحابنا سألني عن ذلك فلم ادر ما عليه ؟ فقال (عليه السلام): إذا اصبتم بمثل ذلك فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا " وفى رواية زرارة عن الباقر (عليه السلام) (2) " ما حق الله تعالى على العباد ؟ فقال: ان يقولوا ما يعلمون ويقفوا عند ما لا يعلمون " ومثلها موثقة هشام بن سالم (3) الى غير ذلك من الاخبار. إذا عرفت ذلك فالظاهر عندي هو التخيير بين ما دلت عليه هذه الروايات، إذ لا اعرف طريقا الى الجمع بينها بعد صحتها وصراحتها فيما دلت عليه غير ذلك.

فوائد:

(الاولى) - هل المراد بقوله (عليه السلام) في رواية يونس (4): " ستة أو سبعة " التخيير أو العمل بما يؤدي إليه اجتهادها وظنها بانه الحيض ؟ قيل بالثاني، وعن العلامة في النهاية قال: " لانه لولا ذلك لزم التخيير بين فعل الواجب وتركه " ونقض بايام الاستظهار. ونقل عن المحقق (رحمه الله) الاول تمسكا بظاهر اللفظ قال: " وقد يقع التخيير في الواجب كما يتخير المسافر بين القصر والاتمام في بعض المواضع " وهو جيد.

(الثانية) - قد صرح الشهيد الثاني - بعد ان ذكر انها مخيرة في اخذ عشرة من شهر وثلاثة من آخر أو سبعة من كل شهر أو الستة - ان الافضل اختيار


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 12 من ابواب صفات القاضى. (3) المروية في الوسائل في الباب 12 من ابواب صفات القاضى، وفيما عثرنا عليه من النسخ المطبوعة والمخطوطة (هشام بن الحكم) والرواية لهشام بن سالم كما في الكافي والوافى والوسائل. (4) ص 182.


[ 207 ]

ما يوافق مزاجها، فتأخذ ذات المزاج الحار السبعة والبارد الستة والمتوسط الثلاثة والعشرة وفيه انه تقييد للنص من غير دليل واجتهاد في مقابلة النص فلا عمل عليه.

(الثالثة) - قال في الذكرى: معنى قوله (عليه السلام) (1): " في علم الله " اختصاص علمه بالله إذ لا حيض لها معلوم عندها، أو فيما علمك الله من عادات النساء فانه القدر الغالب عليهن، ثم حمل خبري الرجوع الى نسائها (2) على المعنى الثاني، قال: " فيكون قوله ستة أو سبعة للتنويع اي ان كن يحضن ستة فتتحيض ستة وان كن يحضن سبعة فتتحيض سبعة فان زدن عن السبع أو نقصن عن الست فالمعتبر عادتهن، لان الامر بالستة أو السبعة بناء على الغالب، ويمكن اخذ الستة ان نقصن والسبعة ان زدن عملا بالاقرب الى عادتهن في الموضعين " اقول: لا يخفى ما في حمل الخبر المذكور على المعنى الذي ذكره وفرع عليه ما بعده من البعد، بل الظاهر انما هو المعنى الاول كما يدل عليه سياق الخبر من قوله (عليه السلام) بعد ما ذكر من امر هذه مخالف للاوليين وانه ليس لها ايام سابقة: " ومما يبين هذا قوله لها: " في علم الله " لانه قد كان لها وان كانت الاشياء كلها في علم الله " قال في الوافي: " قوله: " لانه قد كان لها " لعل المراد به قد كان لها في علم الله ستة أو سبعة وذلك لانه ليس لها قبل ذلك ايام معلومة ".

(الرابعة) - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه متى اختارت عددا كان لها وضعه متى شاءت من الشهر وان كان الاول اولى، ويقتضى موثقتي ابن بكير (3) اخذ الثلاثة بعد العشرة ثم اخذها بعد السبعة والعشرين دائما، قال في المدارك: " ولا ريب انه الاولى ".

(المطلب الثاني) - في ذات العادة وفيه مسائل:

(الاولى) - لا يخفى ان العادة مشتقة من العود فما لم يعد مرة اخرى لم يصدق اسم العادة، وهو اتفاق بين


(1) في مرسلة يونس المتقدمة ص 182. (2) ص 198 (3) ص 194.


[ 208 ]

اصحابنا واكثر العامة، وقال بعض العامة تثبت بالمرة الواحدة (1) وهو باطل لما ذكرنا وتصير ذات عادة بان ترى الدم مستكملا لصفات الحيض دفعة ثم ينقطع اقل الطهر فصاعدا ثم تراه ثانيا مثل ذلك العدد الاول، ويدل على ثبوتها بالمرتين مضافا الى الاتفاق على ذلك قول ابي عبد الله (عليه السلام) في رواية يونس الطويلة المتقدمة في صدر المقصد (2): "... فان انقطع الدم لوقته في الشهر الاول سواء حتى توالت عليها حيضتان أو ثلاث فقد علم الآن ان ذلك قد صار لها وقتا وخلقا معروفا تعمل عليه وتدع ما سواه وتكون سنتها فيما تستقبل ان استحاضت قد صارت سنة الى ان تجلس اقراءها، وانما جعل الوقت ان توالى عليها حيضتان أو ثلاث لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) للتي تعرف ايامها: دعي الصلاة ايام اقرائك، فعلمنا انه لم يجعل القرء الواحد سنة لها فيقول دعى الصلاة ايام قرءك ولكن سن لها الاقراء وادناه حيضتان... " وقوله (عليه السلام) في موثقة سماعة (3): "... إذا اتفق شهران عدة ايام سواء فتلك عادتها ". ثم ان ذات العادة اما ان تكون متفقة عددا ووقتا أو عددا خاصة أو وقتا خاصة فههنا اقسام ثلاثة "

(الاول) - ان يتفق عددا ووقتا وهذه انفع العادات تتحيض بمجرد رؤية الدم وترجع إليه بعد التجاوز عند الاصحاب، كأن تراه سبعة في اول الشهر ثم تراه في اول الثاني ايضا سبعة.

(الثاني) - ان يتفق في العدد دون الوقت كما إذا رأت في اول الشهر سبعة ثم رأت بعد مضي اقل الطهر سبعة فقد استقر عددها ولكن تكون بالنسبة الى الوقت كالمضطربة عند الاصحاب، فإذا رأت دما ثالثا وتجاوز العشرة رجعت الى العدد عندهم، وهذه تستظهر عندهم في اول الدم لعدم استقرار الوقت بناء على القول باستظهار المضطربة والمبتدأة.

(الثالث) - ان يتفق في الوقت خاصة كما لو رأت سبعة في اول الشهر وثمانية


(1) في المغنى ج 1 ص 316 " لم يختلف المذهب ان العادة لا تثبت بمرة وظاهر مذهب الشافعي انها تثبت بمرة. (2) ص 182 (3) ص 188.


[ 209 ]

في اول الآخر فتستقر بحسب الوقت فإذا رأت الدم الثالث في الوقت تركت العبادة، وهل تكون مضطربة بحسب العدد فتستظهر بتحيض ثلاثة أو يثبت لها اقل العددين لتكرره ؟ وجهان، نقل أو لهما عن المحقق الشيخ علي واستجوده الشهيد الثاني، قال: " لعدم صدق الاستواء والاستقامة " وثانيهما عن العلامة في النهاية والشهيد في الذكرى. وهل يشترط في استقرار العادة عددا ووقتا استقرار عادة الطهر وهو تكرر طهرين متساويين وقتا ام لا ؟ قولان، اولهما للشهيد في الذكرى فاشترط تكرر الطهرين متساويين وقتا، ولو تساويا عددا واختلفا وقتا استقر العدد لا غير فحينئذ تستظهر برؤية الدم الثالث ثلاثة على تقدير القول بوجوب الاستظهار على المبتدأة والمضطربة، وثانيهما للعلامة واختاره في الروض، فعلى هذا لو رأت سبعة في اول الشهر وسبعة في اول الثاني فقد ثبتت العادة وقتا وعددا على القول الثاني، وعلى القول الاول لا نثبت الوقتية حتى تعود الى الطهر مرة ثانية في الوقت المتقدم فلو تقدم عليه لم تثبت الوقتية وانما يثبت العدد خاصة، قال في الذكرى بعد نقل القول الثاني عن العلامة: " وتظهر الفائدة لو تغاير في الوقت الثالث فان لم نعتبر استقرار الطهر جلست لرؤية الدم وان اعتبرناه فبعد الثلاثة أو حضور الوقت، هذا ان تقدم على الوقت ولو تأخر امكن ذلك استظهارا ويمكن القطع بالحيض هنا ". اقول: لا يخفى ان ظاهر الخبرين المتقدمتين انه بمجرد رؤية الدم بعد استقرار العادة بمضي شهرين عدة ايام سواء فانها تتحيض به، فعلى هذا لو رأت سبعة من اول الشهر الاول ثم سبعة من اول الثاني فقد تحققت العادة الموجبة للتحيض بمجرد رؤية الدم بعد مضي اقل الطهر، فلو رأت الدم الثالث بعد عشرة من الشهر الثاني تحيضت بمجرد رؤيته، وما ذكره (قدس سره) من الشرط المذكور لا اعرف له وجها وجيها. وهل المراد بالشهر في تحقق العادة هو الهلالي كما هو الشائع في الاستعمال المبتادر الى الافهام الغالب وقوع الحيض فيه للنساء، ام ما يمكن ان يفرض فيه حيض وطهر


[ 210 ]

صحيحان المعبر عنه بشهر الحيض ؟ قولان، صرح باولهما جملة من الاصحاب: منهم - الشيخ علي لما ذكرناه، وثانيهما صرح به العلامة في النهاية حيث قال بعد قوله: وتثبت العادة بتوالي شهرين ترى فيهما الدم فيهما الدم اياما سواء: " والمراد بشهرها المدة التي لها فيها حيض وطهر واقله عندنا ثلاثة عشر يوما " وبذلك صرح ابنه فخر المحققين وكتبه الشهيد على قواعده ناقلا له عنه، وعبارات الاصحاب في المقام مجملة قابلة لاحتمال كل منهما وان كان المفهوم من اطلاق الاخبار انما هو الهلالي، وقابل في الذكرى: " لا يشترط في العادة تعدد الشهر وما ذكر في الخبر من الشهرين بناء على الغالب، فلو تساوى الحيضان في شهر واحد كفى في العددية، صرح به في المبسوط والخلاف، وكذا لو تساويا في زيادة على شهرين " قال في الروض: " ويرجح اعتبار الهلالي ايضا ان اتفاق الوقت بدمين فيما دونه لا يتفق إلا مع تكرر الطهر وهو خروج عن المسألة، لكن قبل تكرر الطهر تثبت العادة بالعدد خاصة فيرجع في الثالث إليه مع عبوره العشرة بعد احتياطها بالطهر ثلاثة في اوله " اقول: ثبوت الاتفاق في الوقت بتكرر الطهر كما ذكره لا يخلو من غموض واشكال ولا سيما بالنظر الى ظاهر النصوص الدالة على الشهر الهلالي، وان المتبادر من الوقت هو الزمان المعين مثلا أو الشهر أو وسطه أو آخره ونحو ذلك لا ما كان بعد ايام معينة وعدد مخصوص، قال الشيخ علي تفريعا على ما اختاره من الشهر الهلالي: " ان العادة الوقتية لا تحصل الا بالشهرين الهلاليين لان الشهر في كلام النبي والائمة (صلوات الله وسلامه عليهم) انما يحمل على الهلالي نظرا الى انه الاغلب في عادات النساء وفى الاستعمال، فلو رأت ثلاثة ثم انقطع عشرة ثم رأت ثلاثة ثم انقطع عشرة ثم رأته وعبر العشرة فلا وقت لها لعدم تماثل الوقت باعتبار الشهر " واعترضه في الروض بان فيما ذكره نظرا لان تكرر الطهر يحصل الوقت كما قلناه، وقد صرح بذلك في المعتبر والذكرى وحكاه فيه عن المبسوط والخلاف ناقلا عبارتهما في ذلك، واحتجاجه بان الشهر في كلامهم (عليهم السلام) يحمل على الهلالي انما يتم لو كان في النصوص المقيدة الدالة على العادة


[ 211 ]

ذكر الشهر، وقد بينا في اول المسألة حكايتها خالية من ذكر الشهر فيما عدا الحديثين الاخيرين، وفي الاحتجاج بهما اشكال لضعف اولهما بالارسال وثانيهما بجرح سماعة وانقطاع خبره. انتهى. اقول: لا يخفى انه ليس عندهم دليل على تفسير العادة بالمعنى المعروف بينهم سوى هذين الخبرين كما لا يخفى على من راجع كلامهم وراجع الاخبار، وقوله: " انه قد بين في اول المسألة الاخبار خالية من ذكر الشهر فيما عدا الحديثين " عجيب فانه لم يذكر سواهما وكذا غيره إذ ليس في الباب سواهما، وحينئذ فان عمل بهما ففي الموضعين وإلا فلا، على ان حديث يونس (1) مما استدلوا به في احكام عديدة حتى قال هو نفسه بعد الاستدلال بجملة منه على احكام في كتابه المشار إليه: " وهو حديث شريف يدل على امور مهمة في هذا الباب " وبذلك يظهر لك قوة ما ذكره المحقق الشيخ علي ومن وافقه على القول المذكور وضعف ما اعترض به هنا، ومنه يظهر ضعف القول الآخر ايضا.

(المسألة الثانية) - اعلم ان الاصحاب (رضوان الله عليهم) قد صرحوا بان ذات العادة تتحيض بمجرد رؤية الدم، قال في المعتبر: " تترك ذات العادة الصلاة والصوم برؤية الدم في ايامها وهو مذهب اهل العلم، لان المعتاد كالمتيقن، ولما رواه يونس عن بعض رجاله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: "... إذا رأت المرأة الدم في ايام حيضها تركت الصلاة " اقول: ويدل على ذلك ايضا صحيحة محمد بن مسلم (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة ترى الصفرة في ايامها ؟ فقال لا تصلي حتى تنقضي ايامها فان رأت الصفرة في غير ايامها توضأت وصلت " وفى رواية يونس عن بعض رجاله عنه (عليه السلام) (4) "... كل ما رأت المرأة في ايام حيضها فهو حيض وإذا رأت بعدها فليس من الحيض " الى غير ذلك من الاخبار. وبالجملة فان الحكم لا اشكال فيه


(1) ص 182 (2) و (4) ص 159. (3) المروية في الوسائل في الباب 4 من ابواب الحيض.


[ 212 ]

نعم يبقى الكلام في الحمل على معاني المعتادة المتقدمة، والظاهر انه لا اشكال في الحمل على المعتادة بالمعنى الاول وانها تتحيض بمجرد الرؤية. وكذا بالمعنى الثالث إذا وقعت الرؤية في ايام العادة، كما لا اشكال ولا خلاف بينهم في عدم الحمل على المعتادة بالمعنى الثاني، فانها عندهم لا تتحيض بمجرد الرؤية بل حكمها عندهم كرؤية المبتدأة والمضطربة في ايجاب الاستظهار عليها بالثلاثة، وتفصيل هذه الجملة بالنسبة الى المعنى الاول والثالث انه لا يخلو اما ان تكون رؤية الدم في وقت العادة وايامها أو قبل ذلك أو بعده، فاما الاول فانه لا اشكال في التحيض بمجرد الرؤية للاخبار المتقدمة. واما قبل العادة فظاهر كلام جملة من الاصحاب الحكم بكونه حيضا لان الحيضة ربما تقدمت وتأخرت، قال في المبسوط: " إذا استقرت العادة ثم تقدمها أو تأخر عنها الدم بيوم أو يومين الى العشرة حكم بانه حيض وان زاد على العشرة فلا " وظاهر كلام الشهيد الثاني في المسالك الاستظهار كالمبتدأة والمضطربة حيث قال بعد حكمه بالتحيض برؤية الدم في القسم الاول من اقسام المعتادة والقسم الثالث بشرط ان تراه في ايام العادة: " واما القسم المتوسط وما تراه متقدما عنها فهو كرؤية المبتدأة والمضطربة " واعترضه سبطه في المدارك فقال بعد نقل ذلك: " هذا كلامه وهو يقتضي ثبوت الاحتياط لذات العادة في اغلب الاحوال بناء على وجوبه في المبتدأة لندرة الاتفاق في الوقت، وهو مع ما فيه من الحرج مخالف لظاهر الاخبار المستفيضة كما ستقف عليه ان شاء الله تعالى " ثم نقل عن المصنف في كتبه الثلاثة ان الذي يلوح منه عدم وجوب الاحتياط لذات العادة مطلقا، ثم انه (قدس سره) استظهر ان ما تجده المعتادة في ايام العادة يحكم بكونه حيضا مطلقا وكذا المتقدم والمتأخر مع كونه بصفة الحيض، وتبعه على ذلك جملة من افاضل متأخرى المتأخرين كالفاضل الخراساني في الذخيرة وغيره، وحينئذ يصير هذا قولا ثالثا في المسألة، وقال في الروض: واعلم انه مع رؤية المعتادة الدم قبل العادة كما هو المفروض هنا هل تترك العبادة بمجرد رؤيته أو يجب الصبر الى مضي ثلاثة أو وصول العادة ؟ يبنى على ايجاب الاحتياط بالثلاثة على.


[ 213 ]

المبتدأة والمضطربة وعدمه، فان لم نوجبه عليهما كما هو اختيار المصنف في المختلف لم يجب عليها بطريق اولى، وان اوجبناه كما اختاره المرتضى وابن الجنيد والمحقق في المعتبر احتمل الحاقها بهما، لان تقدمه على العادة بالامور الجبلية يوجب الشك في كونه حيضا فتكون فيما سبق على ايام العادة كمعتادة العدد المضطربة الوقت، والظاهر قول ابي عبد الله (عليه السلام) (1): ".. إذا رأت المرأة الدم ايام حيضها تركت الصلاة... " إذ الظاهر ان المراد بايام حيضها العادة، ومثله قوله (عليه السلام) (2): " المرأة ترى الصفرة ايام حيضها لا تصلي " ويحتمل قويا عدمه لصدق الاعتياد عليها، ولان العادة تتقدم وتتأخر وعموم رواية منصور بن حازم عنه (عليه السلام) (3) " اي ساعة رأت الصائمة الدم تفطر... " ومثله خبر محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (4) " تفطر انما فطرها من الدم ". اقول: الاظهر الاستدلال للقول الاول وهو التحيض برؤية الدم بما ورد من الاخبار دالا على تقدم العادة وانها تتحيض برؤية الدم قبل العادة وان كان بغير صفة دم الحيض، مثل موثقة سماعة (5) قال: " سألته عن المرأة ترى الدم قبل وقت حيضها ؟ قال فلتدع الصلاة فانه ربما تعجل بها الوقت " وموثقة ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) " في المرأة ترى الصفرة ؟ فقال ان كان قبل الحيض بيومين فهو من الحيض وان كان بعد الحيض فليس من الحيض " ورواية علي بن محمد (7) قال: " سئل


(1) في مرسل يونس ص 159 (2) في صحيحة محمد بن مسلم ص 211. (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب 50 من ابواب الحيض. (5) المروية في الوسائل في الباب 15 من ابواب الحيض. (6) المروية في الوسائل في الباب 4 من ابواب الحيض. (7) هذه الرواية مروية في الكافي عن (على بن ابى حمزة) كما في التهذيب وليس في سندها من اسمه " على بن محمد " نعم في الكافي يرويها بسنده عن محمد بن خالد عن القاسم =


[ 214 ]

أبو عبد الله (عليه السلام) وانا حاضر عن المرأة ترى الصفرة ؟ قال ما كان قبل الحيض فهو من الحيض وما كان بعد الحيض فليس منه " ورواه الشيخ عن علي بن ابي حمزة (1) قال سئل أبو عبد الله (عليه السلام) وذكر مثله، وموثقة معاوية بن حكيم (2) قال: قال " الصفرة قبل الحيض بيومين فهو من الحيض وبعد ايام الحيض ليس من الحيض وهي في ايام الحيض حيض " وفي الفقه الرضوي (3) " والصفرة قبل الحيض حيض وبعد ايام الحيض ليست من الحيض " ويؤيده ايضا صحيحة العيص بن القاسم (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة ذهب طمثها سنين ثم عاد إليها شئ قال تترك الصلاة حتى تطهر " وايده بعضهم بلزوم الحرج والعسر في الاستظهار، وان تقدم العادة كثيرا غالب. واما ما ذكره (رحمه الله) من بناء الحكم في هذه المسألة على ما ذكره من الخلاف في المبتدأة والمضطربة ففيه (اولا) - انك قد عرفت انه لا دليل على ما ذكروه من وجوب الاستظهار عليها. و (ثانيا) - انه مع وجود الدليل فيهما فالحاق المعتادة بهما قياس لا يوافق قواعد مذهبنا لتغاير الفردين وتقابل القسمين. وبالجملة فالاظهر هو القول بالتحيض بمجرد الرؤية من غير استظهار للاخبار التي ذكرناها، ويؤيدها اطلاق الاخبار المذكورة في كلام شيخنا المذكور. واما ما ذكره في المدارك من تقييد ذلك باتصافه بصفات دم الحيض مستدلا على ذلك بعموم قوله (عليه السلام) في حسنة حفص بن البختري (5): "... إذا كان للدم دفع وحرارة وسواد فلتدع الصلاة " ففيه (اولا) - ان اطلاقها مقيد بالروايات التي ذكرناها


= ابن محمد عن على بن ابى حمزة، وفى التهذيب عن محمد بن خالد عن على بن ابى حمزة. وقد رواها في الوسائل عن الكافي والتهذيب في الباب 4 من ابواب الحيض. (1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 4 من ابواب الحيض. (3) ص 21. (4) المروية في الوسائل في الباب 32 من ابواب الحيض. (5) المروية في الوسائل في الباب 3 من ابواب الحيض.


[ 215 ]

و (ثانيا) - ان دلالتها انما هو بالمفهوم وما ذكرناه من الاخبار بالمنطوق وهو اقوى دلالة فيجب تقديم العمل به. واما رؤية الدم بعد العادة فالذي دلت عليه الاخبار - كما سيأتي ان شاء الله تعالى نقلها في محلها - هو ان الدم متى تجاوز العادة وجب عليها الاستظهار بترك العبادة يومين أو ثلاثة ثم تعمل عمل المستحاضة ان استمر الدم، وحينئذ فما دلت عليه الاخبار المتقدمة من ان الصفرة قبل الحيض حيض وبعده ليست بحيض ينبغي حملها على البعدية عن ايام الاستظهار لدخول ايام الاستظهار في الحيض كما عرفت، فيصدق انه بعد الحيض اي ما حكم الشارع بكونه حيضا لا ما كان حيضا من حيث العادة. والعجب من الفاضل الخراساني في الذخيرة فانه قال بعد ان اختار مذهب المدارك. من تخصيص دم القبلية والبعدية بالمتصف بصفات التمييز واستدل بدليله قال: واما ما رواه الكليني والشيخ، ثم اورد رواية ابي بصير، ورواية علي بن ابي حمزة التي قدمنا نقلها عن علي بن محمد، وموثقة معاوية بن حكيم ثم قال: " فلا ينافي ما ذكرناه لان قوله (عليه السلام): " ما كان بعد الحيض فليس من الحيض " المراد به ما إذا رأت الدم في ايام العادة وانقضت فما كان بعد ذلك بيومين ليس من الحيض، بل لا يبعد ان يقال تلك الاخبار مؤيدة لما ذكرناه في الجملة " انتهى. اقول: وجه المدافعة في هذه الاخبار لما اختاروه انما هو من حيث انهم قيدوا الدم المتقدم على العادة بالاتصاف بصفات دم الحيض، وهو مؤذن بان ما لم يتصف بصفات دم الحيض فلا يحكم بكونه حيضا، وعلى هذا فالصفرة قبل العادة ليست بحيض مع ان الاخبار المذكورة دلت على كونها حيضا وكان الواجب عليه الجواب عن ذلك، على ان في كلامهم ايضا مناقشة اخرى وهو انهم قيدوا الدم المتأخر عن العادة بذلك ايضا، ومقتضاه ان ما لم يكن كذلك لا يحكم بكونه حيضا، والمستفاد من كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف - كما سيأتي ذكره في موضعه ان شاء


[ 216 ]

الله تعالى - ان الدم متى تجاوز العادة فانها تستظهر بيوم أو يومين أو ثلاثة وبعد ايام الاستظهار تعمل ما تعمله المستحاضة من غير تفصيل في الدم باتصافه بصفات دم الاستحاضة وعدمه، والاخبار وان اختلفت في الاستظهار وعدمه الا انه لا تفصيل في شئ منها بين الاتصاف بذلك وعدمه فما ذكروه من هذا التفصيل في الدم الاخير لا مستند له من الاخبار ولا من كلام الاصحاب، وبه يظهر سقوط هذا القول بالكلية والله العالم.

(المسألة الثالثة) - المفهوم من كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف انه مع تجاوز الدم ايام العادة فانها تستظهر إذا كانت عادتها اقل من عشرة ثم تعمل اعمال المستحاضة فان انقطع الدم بعد الاستظهار أو على العاشر فالجميع حيض فتقضي الصيام ان عملته استظهارا الى العشرة، وان تجاوز العشرة تحيضت بايام عادتها خاصة وقضت ما اخلت به ايام الاستظهار، ولو اجتمع لها مع العادة تمييز فهل تعمل على العادة أو التمييز أو تتخير ؟ اقوال: وبيان ما اشتملت عليه يقع في مواضع:

(الاول) - اجمع الاصحاب على ثبوت الاستظهار لذات العادة مع تجاوز دمها العادة إذا كانت عادتها دون عشرة كما قدمناه، والمراد بالاستظهار طلب ظهور الحال باستصحاب ما كانت عليه سابقا من التحيض بعد العادة ثم الغسل بعد ذلك، وهل هو على سبيل الوجوب أو الاستحباب ؟ قولان، نقل اولهما عن الشيخ في النهاية والجمل والمرتضى في المصباح، والثاني نقله في المدارك عن عامة المتأخرين، وقال في المعتبر بعد نقل القولين المذكورين: " والاقرب عندي انه على الجواز أو ما يغلب عند المرأة في حيضها " ويظهر من كلامه ان هذا قول ثالث في المسألة، وقد نقل في الذخيرة القول بالجواز ايضا قولا ثالثا ولعله استند فيه الى عبارة المعتبر، والظاهر ان صاحب المعتبر انما اراد بالعبارة بذلك الاستحباب كما فهمه صاحب المدارك، حيث نقل القول بالاستحباب عنه وعمن تأخر عنه.


[ 217 ]

والاصل في هذا الاختلاف اختلاف الاخبار الواردة في المسألة، ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (1): " في الحائض إذا رأت دما بعد ايامها التي كانت ترى الدم فيها فلتقعد عن الصلاة يوما أو يومين ثم تمسك قطنة فان صبغ القطنة دم لا ينقطع فلتجمع بين كل صلاتين بغسل ". وفي الصحيح عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن الرضا (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الحائض كم تستظهر ؟ فقال: تستظهر بيوم أو يومين أو ثلاثة ". وفي الصحيح عن محمد بن عمرو بن سعيد عن الرضا (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الطامث كم حد جلوسها ؟ قال تنتظر عدة ما كانت تحيض ثم تستظهر بثلاثة ايام ثم هي مستحاضة ". وعن زرارة في الصحيح (4) قال: " قلت له النفساء متى تصلي ؟ قال تقعد قدر حيضها وتستظهر بيومين فان انقطع الدم والا اغتسلت، الى ان قال: قلت فالحائض ؟ قال مثل ذلك سواء فان انقطع عنها الدم وإلا فهي مستحاضة تصنع مثل النفساء سواء ثم تصلي... ". وعن سعيد بن يسار في الموثق (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تحيض ثم تطهر فربما رأت بعد ذلك الشئ من الدم الرقيق بعد اغتسالها من طهرها ؟ قال تستظهر بعد ايامها بيومين أو ثلاثة ثم تصلي ". وعن زرارة في الموثق بابن بكير عن الباقر (عليه السلام) (6) قال: " سألته عن الطامث


(1) لم نعثر على هذه الرواية من الشيخ " قده " في مظانها، نعم رواها صاحب الوسائل عن المحقق في المعتبر في الباب 13 من ابواب الحيض و (1) من ابواب الاستحاضة، كما سيأتي من المصنف " قده " روايتها عن المحقق ايضا ص 218. (2) و (3) و (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 13 من ابواب الحيض. (4) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاستحاضة.


[ 218 ]

تقعد بعدد ايامها كيف تصنع ؟ قال تستظهر بيوم أو يومين ثم هي مستحاضة... الحديث " وعن سماعة في الموثق (1) قال: " سألته عن المرأة ترى الدم قبل وقت حيضها ؟ قال فلتدع الصلاة فانه ربما تعجل بها الوقت، فإذا كان اكثر من ايامها التي كانت تحيض فيهن فلتتربص ثلاثة ايام بعد ما تمضي ايامها، فإذا تربصت ثلاثة ايام فلم ينقطع الدم عنها فلتصنع كما تصنع المستحاضة ". وعن عبد الله بن المغيرة عن رجل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2): " في المرأة ترى الدم ؟ فقال ان كان قرؤها دون العشرة انتظرت العشرة وان كانت ايامها عشره لم تستظهر ". وعن داود مولى ابي المعزاء عمن اخبره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن المرأة تحيض ثم يمضي وقت طهرها وهي ترى الدم ؟ قال فقال تستظهر بيوم ان كان حيضها دون العشرة ايام فان استمر الدم فهي مستحاضة وان انقطع الدم اغتسلت وصلت " وعن زرارة في الموثق عن الباقر (عليه السلام) (4) قال: " المستحاضة تستظهر بيوم أو يومين ". وروى المحقق في المعتبر عن الحسن بن محبوب في كتاب المشيخة عن ابي ايوب الثقة عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (5) " في الحائض إذا رأت دما بعد ايامها التي كانت ترى الدم فيها فلتقعد عن الصلاة يوما أو يومين ثم تمسك قطنة فان صبغ القطنة دم لا ينقطع فلتجمع بين كل صلاتين بغسل ويصيب منها زوجها ان احب وحلت لها الصلاة ". اقول: وهذه الاخبار كلها - كما ترى - ظاهرة الدلالة في القول بالوجوب لورود الامر فيها بذلك، وهو حقيقة في الوجوب كما تقرر في محله. ومنها - ما رواه في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 13 من ابواب الحيض.


[ 219 ]

(عليه السلام) (1) قال: " المستحاضة تنظر ايامها فلا تصلي فيها ولا يقربها بعلها فإذا جازت ايامها ورأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر والعصر... الحديث ". وعن عبد الله بن سنان في الموثق عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سمعته يقول: المرأة المستحاضة التي لا تطهر قال تغتسل عند صلاة الظهر فتصلي، الى ان قال لا بأس بان يأتيها بعلها متى شاء إلا ايام قرئها... ". وعن سماعة في الموثق (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المستحاضة ؟ قال فقال: تصوم شهر رمضان إلا الايام التي كانت تحيض فيها... ". وعن ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " المستحاضة إذا مضت ايام اقرائها اغتسلت واحتشت... الحديث ". وفى رواية يونس الطويلة المتقدمة (5) نقلا عنه (صلى الله عليه وآله) " تحيضي ايام اقرائك " وبهذه الاخبار اخذ القائل بالاستحباب جمعا بينها وبن الاخبار المتقدمة كما هي قاعدتهم المطردة عندهم في الجمع بين الاخبار. وفيه نظر (اما اولا) - فانه لا دليل عليه من سنة ولا كتاب وان اشتهر بين الاصحاب. و (اما ثانيا) - فان الاستحباب من جملة الاحكام الشرعية المتوقف ثبوتها على الدليل كالوجوب والتحريم ونحوهما، ومجرد اختلاف الاخبار ليس دليلا من الادلة المقررة لاثبات الاحكام. و (اما ثالثا) - فلان حمل ما ظاهره الوجوب على الاستحباب لا يصار إليه إلا مع القرينة، ووجود المعارض ليس من قرائن المجاز. قال في المدارك بعد ان نقل القول بالاستحباب عن المعتبر ومن تأخر عنه جمعا بين الاخبار: " ويمكن الجمع بينها بحمل اخبار الاستظهار على ما إذا كان الدم بصفة دم الحيض والاخبار المتضمنة للعدم على ما إذا لم يكن كذلك، قال واحتمله المصنف في المعتبر " انتهى. واعترضه في الذخيرة


(1) و (2) و (4) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاستحاضة. (3) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب الاستحاضة. (5) ص 182.


[ 220 ]

بان هذا التفصيل غير مستفاد من نص دال عليه والقول به بدون ذلك تحكم، ورد الحمل على الاستحباب ايضا بان استحباب ترك العبادة لا وجه له، والتزام وجوب العبادة أو استحبابها على تقدير الغسل بعيد جدا، واختار فيها حمل اخبار الاستظهار على الجواز، والظاهر انه يرجع الى التخيير بين الاستظهار وعدمه وإلا فالعبادة لا تتصف بالجواز، إلا ان جواز الاستظهار وعدمه يرجع الى جواز العبادة وعدمه وهو باطل. وكيف كان فلا ريب في بعده. هذا. واما ما اعترض به كلام السيد في المدارك - من انه تحكم إذ لا يستفاد من النصوص - ففيه انه لا يخفى ان الظاهر ان السيد (رحمه الله) انما قيد اخبار الاستظهار مع اطلاقها بالاتصاف بصفة دم الحيض بناء على ما تقدم نقله عنه في سابق هذه المسألة من ان المتقدم على العادة والمتأخر عنها يحكم بكونه حيضا بشرط اتصافة بصفة دم الحيض، وهو قد وافق السيد على هذه المقالة كما قدمنا نقله عنه، ولا ريب ان ما نحن فيه احد جزئيات تلك المسألة فكيف يعترضه بما ذكره مع لزوم ذلك له ؟ والذي يقرب عندي في الجمع بين الاخبار المذكورة احد وجهين: إما حمل الاخبار الاخيرة على التقية، ويعضده اتفاق الاصحاب على العمل بالاخبار الاولة وان اختلفوا في كونه وجوبا أو استحبابا، ومنشأ الاستحباب عندهم هو الجمع بين الاخبار كما عرفت، والعمل بالاخبار الاولة متفق عليه في الجملة، والقول بالاقتصار على العادة من دون استظهار مذهب الجمهور إلا مالكا على ما ذكره في المنتهى، قال - بعد ان نقل عن مالك الاستظهار بثلاثة ايام: " وخالف باقي الجمهور في الاستظهار واقتصروا على العادة خاصة " (1)


(1) في المدونة ج 1 ص 54 " قال ابن القاسم: كل امرأة كانت ايامها اقل من خمسة عشر يوما فانها تستظهر بثلاثة ما بينها وبين خمسة عشر، مثلا - التى ايامها اثنا عشر تستظهر بثلاث والتى ايامها ثلاثة عشر تستظهر بيومين والتى ايامها اربعة عشر تستظهر بيوم والتى اياما خمسة عشر لا تستظهر بشئ وتغتسل وتصلى ويأتيها زوجها، ولا تقيم امرأة في حيض اكثر من خمسة عشر باستظهار كان أو غيره " وفى ص 55 " قال ابن القاسم قال مالك إذا رأت المرأة الدم يوما ثم انقطع عنها يومين ثم رأته يوما وانقطع يوما أو يومين ثم رأته -


[ 221 ]

وإما تخصيص اطلاق اخبار الاستظهار بغير مستقيمة الحيض وتقييد الاخبار الاخيرة بمن كانت مستقيمة الحيض لا زيادة فيها ولا نقصان ولا تقدم ولا تأخر كالوقتية العددية التي لا يتقدم دمها ولا يتأخر والعددية كذلك، وحيث ان وجود الحيض بهذا التقييد نادر جدا - والاغلب مع الاعتياد هو التقدم والتأخر والزيادة والنقصان - تكاثرت الاخبار بالاستظهار لها لاجل ذلك، والمستند في هذا الجمع صحيحة عبد الرحمان بن ابي عبد الله (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المستحاضة أيطأها زوجها وهل تطوف بالبيت ؟ قال تقعد قرءها الذي كانت تحيض فيه فان كان قرؤها مستقيما فلتأخذ به وان كان فيه خلاف فلتحتط بيوم أو يومين ولتغتسل... الحديث " ويشير الى ذلك ايضا قول الباقر (عليه السلام) في رواية مالك بن اعين (2) وقد سأله عن المستحاضة كيف يغشاها زوجها ؟ قال: " ينظر الايام التي كانت تحيض فيها وحيضتها مستقيمة فلا يقربها في عدة تلك الايام من ذلك الشهر ويغشاها فيما سوى ذلك من الايام، ولا يغشاها حتى يأمرها فتغتسل ثم يغشاها ان اراد ". ثم لا يخفى انه على تقدير القول باستحباب الاستظهار - كما هو المشهور بين المتأخرين - فقد اورد عليه انه متى كان الاستظهار فانه يجوز تركه واختيار العبادة. وحينئذ يلزم الاشكال في اتصاف العبادة بالوجوب، إذ يجوز تركها لا الى بدل ولا شئ من الواجب كذلك. واجيب بان العبادة واجبة مع اختيارها عدم الاستظهار


- بعد ذلك يوما أو يومين قال إذا اختلط هكذا حسبت ايام الدم والغت ما بين ذلك من الايام التى لم تر فيها الدم فإذا استكملت من ايام الدم قدر ايامها التى كانت تحيضها استظهرت بثلاثة ايام " ويظهر من فقه المذاهب الاخر عدم العبرة بالاستظهار وان عليها الغسل إذا انتهى حيضها المعتاد أو اكثر ايام الحيض وهي عند بعض عشرة وعند الاخر خمسة عشر. (1) المروية في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاستحاضة. (2) المروية في الوسائل في الباب 24 من ابواب الحيض و (3) من الاستحاضة.


[ 222 ]

لا مطلقا، بمعنى ان التخيير انما وقع في الاستظهار نفسه فلها ان تستظهر ولها ان تترك الاستظهار لكنها متى اختارت ترك الاستظهار وجبت عليها الصلاة، فوجوب الصلاة عليها منوط باختيارها عدم الاستظهار فقط لا ان التخيير بين الفعل والترك يتعلق بالصلاة نفسها فحينئذ لا يخرج الواجب عن الوجوب. اقول: لا يخفى ما فيه فان التخيير في الاستظهار يوجب التخيير في العبادة فان اختارت الاستظهار فلا عبادة وان اختارت عدم الاستظهار وجبت العبادة، غاية الامر ان التخيير في العبادة هنا وان لم يكن اولا وبالذات لكنه ثانيا وبالعرض، فالتخيير لازم البتة وان كان متفرعا على التخيير في الاستظهار، فهي مخيرة حينئذ بين العبادة ان اختارت عدم الاستظهار وبين تركها ان اختارت الاستظهار، فقول شيخنا البهائي في الحبل المتين بعد نقل الاستحباب عن متأخري الاصحاب: " ولا استبعاد في وجوب العبادة عليها باختيارها عدم الاستظهار ولا يلزم جواز ترك الواجب لا الى بدل كما لا يخفى " لا اعرف له وجها وجيها، والظاهر انه قصد بهذا الكلام الرد على صاحب المدارك حيث قال في هذه المسألة: " ثم ان قلنا بالاستحباب واختارت فعل العبادة ففي وصفها بالوجوب نظر من حيث جواز تركها لا الى بدل ولا شئ من الواجب كذلك اللهم الا ان يلتزم وجوب العبادة بمجرد الاغتسال. وفيه ما فيه " انتهى. وهو جيد، وبذلك يظهر ترجيح القول بالوجوب كما اخترناه زيادة على ما تقدم. (الثاني) - اختلف الاصحاب في قدر الاستظهار واجبا كان أو مستحبا، فقال الشيخ في النهاية تستظهر بعد العادة بيوم أو يومين، وهو مذهب ابن بابويه والمفيد وقال الشيخ في الجمل ان خرجت ملوثة بالدم فهي بعد حائض تصبر حتى تنقى. وقال المرتضى تستظهر عند استمرار الدم الى عشرة ايام فان استمر عملت ما تعمله المستحاضة ونقل ذلك عن ابن الجنيد ايضا، وقواه في الذكرى مطلقا وفي البيان مقيدا بظنها بقاء الحيض، قال في الروض: " وكأنه يريد به ظن الانقطاع على العشرة وإلا فمع التجاوز ترجع ذات العادة إليها وان ظنت غيرها " واختار في المدارك التخيير بين اليوم واليومين


[ 223 ]

والثلاثة، وهو المفهوم من الاخبار المتقدمة. واما ما في المنتهى - من عدم جواز الحمل على التخيير لعدم جواز التخيير في الواجب، ثم قال: " بل التفصيل اعتمادا على اجتهاد المرأة في قوة المزاج وضعفه الموجبين لزيادة الحيض وقتله " - فالظاهر ضعفه، وكيف والتخيير في الواجب واقع في جملة من الاحكام، مثل تخيير المسافر في المواضع الاربعة والتخيير في ذكر الاخيرتين والتخيير في ذكري الركوع والسجود وامثال ذلك، واما حمل الاخبار المذكورة على مزاج المرأة فبعده اظهر من ان يخفى. واما ما نقل عن المرتضى فيدل عليه مرسلة عبد الله بن المغيرة المتقدمة (1) وموثقة يونس بن يعقوب (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) امرأة رأت الدم في حيضها حتى جاوز وقتها متى ينبغي لها ان تصلي ؟ قال تنتظر عدتها التي كانت تجلس ثم تستظهر بعشرة ايام فان رأت الدم دما صبيبا فلتغتسل في وقت كل صلاة " قال الشيخ (رحمه الله): " معنى قوله بعشرة ايام الى عشرة ايام وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض " وطعن فيهما في المدارك بضعف السند. وفيه ما عرفت في غير موضع. وكيف كان فالعمل بكل ما دلت عليه الاخبار المذكورة وجه الجمع بينها. والله العالم.

(الثالث) - قد صرح الاصحاب انه ان انقطع دمها على العاشر كان ذلك كاشفا عن كون العشرة حيضا فتقضي صوم العشرة وان كانت قد صامت بعضها، وان تجاوز العشرة كان ذلك كاشفا عن كون الزائد على العادة طهرا وان صومها وصلاتها بعد ايام الاستظهار كانا صحيحين ووجب عليها قضاء ما اخلت به منهما ايام الاستظهار. ولم نقف لهم في هذا التفصيل على دليل بل ظواهر الاخبار ترده، وكأنهم بنوا الحكم بكون العشرة كملا حيضا لو انقطع الدم عليها على القاعدة المشهورة بينهم بان كل ما امكن كونه حيضا فهو حيض. وهي محل البحث كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى في محله، مع ان الاخبار المتقدمة ظاهرة في انه متى زاد الدم على ايام العادة فان الواجب عليها الاستظهار بالايام المذكورة


(1) ص 218 (2) المروية في الوسائل في الباب 13 من ابواب الحيض.


[ 224 ]

ثمة، ثم انها بعد الاستظهار تعمل عمل المستحاضة وتصلي وتصوم من غير فرق بين تجاوز الدم العشرة وانقطاعه عليها أو دونها، وما ذكروه - من التكليف المتفرع على الانقطاع على العشرة وكذا التكليف المتفرع على تجاوز العشرة - لا مستند له، ويعضدها الاخبار الاخيرة الدالة على انها تعمل ما تعمل المستحاضة بعد مضي ايام العادة من غير استظهار، ولو كان لما ذكروه من هذا التفصيل اصل لوقعت الاشارة إليه ولو في خبر من هذه الاخبار على كثرتها وتعددها وليس فليس، ومما يدل على ذلك زيادة على الاخبار المتقدمة صحيحة الحسين بن نعيم الصحاف (1) وفيها "... وإذا رأت الحامل الدم قبل الوقت الذي كانت ترى فيه الدم بقليل أو في الوقت من ذلك الشهر فانه من الحيضة فلتمسك عن الصلاة عدد ايامها التي كانت تقعد في حيضها، فان انقطع الدم عنها قبل ذلك فلتغتسل ولتصل، وان لم ينقطع الدم عنها إلا بعد ما تمضي الايام التي كانت ترى فيها الدم بيوم أو يومين فلتغتسل ثم تحتش وتستذفر وتصل الظهر والعصر... الحديث " ثم ذكر اعمال المستحاضة الى ان قال: " وكذلك تفعل المستحاضة فانها إذا فعلت ذلك اذهب الله تعالى بالدم عنها " وموثقة سماعة (2) قال: " سألته عن امرأة رأت الدم في الحبل ؟ قال تقعد ايامها التي كانت تحيض فإذا زاد الدم على الايام التي كانت تقعد استظهرت بثلاثة ايام ثم هي مستحاضة " قال بعض فضلاء متأخري المتأخرين - بعد اعترافه بان الدليل على القول المشار إليه غير صريح - ما صورته: " قلت: قد يستفاد من رواية يونس عن غير واحد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) الرجوع الى العادة مع التجاوز ومع الرجوع الى العادة يثبت ما ذكروه من الاحكام، وهو وان كان غير صحيح الا ان الاصحاب قد اجمعوا على العمل بمضمونه، واما الرجوع الى العشرة مع عدم التجاوز فلما روي عنهم (عليهم


(1) المروية في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاستحاضة. (2) المروية في الوسائل في الباب 13 من ابواب الحيض. (3) المتقدمة ص 182.


[ 225 ]

السلام) من " ان الدم في ايام الحيض حيض " (1) وفسره الشيخ وجماعة بما يمكن ان يكون حيضا، ومع عدم التجاوز الا مكان ثابت، وبالجملة هذه الاحكام تستنبط من الروايات وان لم يكن عليها بصراحتها رواية، فتأمل " انتهى. اقول: لا يخفى ما فيه، اما ما استند إليه من رواية يونس ففيه ان مورد الرواية من اولها الى آخرها وما اشتملت عليه من السنن الثلاث انما هو فيما إذا استمر الدم ودام عليها اشهرا عديدة بل سنين عديدة، فان سنة ذات العادة ان تتحيض بايام عادتها، وسنة المضطربة التمييز ان امكن والا فالرجوع الى العدد المذكور فيها، وسنة المبتدأة العمل بالستة أو السبعة، ومحل البحث هنا - كما هو مورد الاخبار المتقدمة وصريح كلام الاصحاب - انما هو بالنسبة الى اول الدم إذا تجاوز العادة، ولهذا يفصلون بين انقطاعه على العشرة وتجاوزه لها وان لكل منهما حكما غير الآخر، وبذلك يظهر لك ان ما استند إليه ليس من محل البحث في شئ. واما ما استند إليه من قولهم: " ان الدم في ايام الحيض حيض " فالمراد بايام الدم ايام العادة لا ما يمكن ان يكون حيضا، فان تفسيره بذلك تعسف محض سواء وقع من الشيخ أو غيره، ويؤيد ما قلناه ما تقدم من الاخبار ومثله في كلام الاصحاب " ان الصفرة في ايام الحيض حيض " (2) فان المراد انما هي ايام العادة كما عليه اتفاق كلمة الاصحاب، وبالجملة فان كلامه في البطلان اظهر من ان يحتاج الى مزيد بيان.

(الرابع) - لو اجتمع لها مع العادة تمييز فلا يخلو اما ان يتفقا وقتا وعددا وحينئذ فلا اشكال، واما ان يختلفا وحينئذ فان مضى بينهما اقل الطهر فالذي صرح به جملة من الاصحاب انها تتحيض بهما معا لتوسط اقل الطهر بينهما، واستشكل فيه بعض فضلاء متأخري المتأخرين نظرا الى النصوص، فان مقتضاها ان المستحاضة تجعل ايامها حيضا والباقي استحاضة، قال: " والظاهر الرجوع الى العادة " وهو جيد. ويظهر من


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 4 من ابواب الحيض.


[ 226 ]

العلامة في النهاية التردد بين جعلهما حيضا وبين التعويل على التمييز وبين التعويل على العادة والظاهر ضعفه لما عرفت من ان ظاهر الاخبار التعويل على العادة مطلقا، ومن اظهر الاخبار زيادة على ما قدمنا موثقة اسحاق بن جرير (1) قال: " سألتني امرأة منا ان ادخلها على ابي عبد الله (عليه السلام) فاستأذنت لها فاذن لها فدخلت ومعها مولاة لها، فقالت له: يا ابا عبد الله ما تقول في المرأة تحيض فتجوز ايام حيضها ؟ قال: ان كان ايام حيضها دون عشرة ايام استظهرت بيوم واحد ثم هي مستحاضة. قالت: فان الدم يستمر بها الشهر والشهرين والثلاثة فكيف تصنع بالصلاة ؟ قال تجلس ايام حيضها ثم تغتسل لكل صلاتين. قالت له: ان ايام حيضها تختلف عليها وكان يتقدم الحيض اليوم واليومين والثلاثة ويتأخر مثل ذلك فما علمها به ؟ قال دم الحيض ليس به خفاء هو دم حار تجد له حرقة ودم الاستحاضة دم فاسد بارد... " ألا ترى كيف شدد عليها الرجوع الى العادة كلما راجعته في الكلام ولم يأمرها بالرجوع الى التمييز إلا حيث اخبرته باختلاف العادة واضطرابها، وبالجملة فان ترك الاستفصال مع قيام الاحتمال يدل على العموم في المقال كما قرروه في غير موضع. وان لم يمض بينهما اقل الطهر فان امكن الجمع بينهما بان لا يتجاوز المجموع العشرة فالمنقول عن غير واحد من المتأخرين انه يجمع بينهما، وعن الشيخ فيه قولان احدهما ترجيح التمييز والآخر ترجيح العادة ولعله الاقرب الى الاخبار. وان لم يمكن الجمع بينهما كما إذا رأت في ايام العادة صفرة وقبلها أو بعدها بصفة دم الحيض وتجاوز الجميع العشرة فالمشهور بين الاصحاب - ومنهم الشيخ في الجمل والمبسوط وابن الجنيد والمرتضى - الرجوع الى العادة، وقال الشيخ في النهاية بالرجوع الى التمييز، وحكى في الشرائع قولا بالتخيير ولم ينقل هذا القول في المعتبر ولا نقله ناقل من الاصحاب كما اعترف به في المدارك، وكيف كان فالمعتمد هو القول الاول للاخبار الكثيرة المتقدمة (2) ونقل في المدارك عن الشيخ انه احتج لما ذهب إليه في النهاية بصحيحة حفص بن البختري


(1) المروية في الوسائل في الباب 3 من ابواب الحيض (2) ص 213.


[ 227 ]

المتقدمة (1) ونحوها من الاخبار الدالة على صفات دم الحيض، ثم اجاب بان صفة الدم يسقط اعتبارها مع العداة لان العادة اقوى في الدلالة، ولما رواه محمد بن مسلم في الصحيح (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة ترى الصفرة والكدرة في ايامها ؟ قال لا تصل حتى تنقضي ايامها فان رأت الصفرة في غير ايامها توضأت وصلت " اقول: قد سبقه الى ما ذكره هنا جده (قدس سره) في الروض، والظاهر ان وجه استدلالهما بصحيحة محمد بن مسلم المذكورة هو انه لما كانت الصفرة والكدرة ليستا من صفات الحيض بل من صفات الطهر فلو رجح العمل بالتمييز لحكم بالطهر بوجودهما في ايام العادة مع ان الامر بالعكس في الخبر، فهو يدل على انه إذا تعارضت العادة والتمييز قدمت العادة فيجب تقديمها في محل البحث. وهو جيد. اما ما ذكروه من التعليل الاول فانه محض مصادرة لانه عين الدعوى، نعم يصلح ان يكون وجها للنص المذكور وبيانا لوجه الحكمة فيما اشتمل عليه من الحكم. والاظهر هو الاستدلال على ذلك بموثقة اسحاق بن جرير المذكورة، حيث انه (عليه السلام) امرها اولا مع استمرار الدم بالجلوس ايام الحيض حصل لها تمييز ام لم يحصل ثم بعد ان اخبرته باضطراب عادتها بالتقدم والتأخر والزيادة والنقصان امرها بالرجوع الى التمييز، وعلى هذا ينبغي ان تحمل حسنة حفص (3) ونحوها. وفي المختلف بعد ان اورد حسنة حفص المذكورة حجة للشيخ اجاب بان ما دلت عليه حكم المضطربة والمبتدأة، اما ذات العادة المستقرة فممنوع. وبالجملة فروايات التمييز مطلقة وهذه الروايات مختصة بذات العادة فيجب تخصيص اخبار التمييز بهذه الاخبار. والمراد بالعادة التي يجب الاخذ بها هنا ما هو اعم من العادة الحاصلة بالاخذ والانقطاع بالنسبة الى ذات العادة الحاصلة من التمييز بالنسبة الى ما عداها من المبتدأة والمضطربة عند الاصحاب والمضطربة خاصة عندنا إذ لم تجد للتمييز في المبتدأة مستندا.


(1) و (3) ص 151 (2) رواه في الوسائل في الباب 4 من ابواب الحيض.


[ 228 ]

وعن المحقق الشيخ علي انه رجح تقديم العادة المستفادة من الاخذ والانقطاع دون المستفادة من التمييز حذرا من لزوم زيادة الفرع على اصله، قال في المدارك " وهو ضعيف " وهو كذلك. والله العالم.

(المسألة الرابعة) - قد صرح الاصحاب بان العادة كما تحصل بالاخذ والانقطاع كذا تحصل بالتمييز، فلو مر بها شهران قد رأت الدم فيهما بصفات دم الحيض متفقا في الوقت ثم اختلف الدم في باقي الاشهر فانها ترجع الى عادتها في الشهرين وتتحيض بها ولا تعتبر باختلاف الدم لان الاول صار عاده، قال في المنتهى: " العادة تثبت بالتمييز فان رأت في الشهرين الاولين خمسة ايام دما اسود وما بينهما دما احمر ثم رأت في الثالث وما بينهما تحيضت بالخمسة. لنا ان المبتدأة ترجع الى التمييز لما يأتي فتتحيض به فإذا عاودها صار عادة فوجب الرجوع في الثالث إليه ولا نعرف فيه خلافا " انتهى. وما ذكره من رجوع المبتدأة الى التمييز قد عرفت انه لا دليل عليه وانما هو في المضطربة كما سيأتي ان شاء الله تعالى بيانه، وحينئذ فالعادة الحاصلة من التمييز انما هو بالنسبة إليها حيث انها هي التي ورد في حقها العمل بالتمييز، والوجه في حصول العادة بذلك هو ان الشارع قد جعل التمييز - متى حصل - قرء لها تتحيض به فمتى تكرر في الشهر الثاني وقتا وعددا فقد حصلت العادة بتقريب ما تقدم في العادة الحاصلة من الاخذ والانقطاع، وتدخل حينئذ تحت اطلاق تلك الاخبار مثل قوله (عليه السلام) في موثقة سماعة المتقدمة (1): " إذا اتفق شهران عدة ايام سواء فتلك عادتها " وقوله (صلى الله عليه وآله) في حديث يونس (2): " تحيضي ايام اقرائك " وادناه حيضتان بالتقريب الذي ذكره الصادق (عليه السلام) في الخبر المشار إليه. وبالجملة فالظاهر ان الحكم لا اشكال فيه بالنسبة الى من ورد في حقها العمل بالتمييز. واما ما ذكره الاصحاب من التمييز في المبتدأة فقد عرفت انه لا مستند له. وما ذكروه في ذات العادة إذا استمر بها الدم ففيه ايضا ما عرفت


(1) ص 188 (2) ص 182.


[ 229 ]

في سابق هذه المسألة من انه لا دليل عليه وانما حكمها الرجوع الى العادة اعني الايام التي اعتادتها بالاخذ والانقطاع.

وينبغي التنبيه على فوائد -

(الاولى) - قد صرح الاصحاب بان ما تراه المرأة من الثلاثة الى العشرة مما يمكن ان يكون حيضا فهو حيض تجانس أو اختلف، قال في المعتبر: " وهو اجماع " وقال الشهيد الثاني: " والمراد بالامكان هنا معناه العام وهو سلب الضرورة عن الجانب المخالف للحكم، فيدخل فيه ما تحقق كونه حيضا لاجتماع شرائطه ولارتفاع موانعه كرؤية ما زاد على الثلاثة في زمن العادة الزائدة عنها بصفة دم الحيض وانقطاعه عليها، وما احتمله كرؤيته بعد انقطاعه على العادة ومضى اقل الطهر متقدما على العادة فانه يحكم بكونه حيضا لامكانه، ويتحقق عدم الامكان بقصور السن عن التسع سنين وزيادته على الخمسين أو الستين وبسبق حيض محقق لم يتخلل بينهما اقل الطهر أو نفاس كذلك وكونها حاملا على مذهب المصنف وغير ذلك " انتهى. وظاهر المدارك التوقف في اصل الحكم المذكور حيث قال بعد نقل ذلك عنهم: وهو مشكل جدا من حيث ترك المعلوم ثبوته في الذمة تعويلا على مجرد الامكان، ثم قال: والاظهر انه انما يحكم بكونه حيضا إذا كان بصفة دم الحيض لعموم قوله (عليه السلام) (1): " إذا كان للدم دفع وحرارة وسواد فلتدع الصلاة " أو كان في العادة لصحيحة محمد بن مسلم قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة ترى الصفرة في ايامها... الحديث " وقد تقدم قريبا (2). اقول: يمكن الاستدلال لما ذكره الاصحاب من انه بعد تحقق الحيض فكل ما رأته المرأة في العشرة التي مبدأها الدم الاول فهو حيض برواية يونس الدالة على عدم اعتبار التوالي في الايام الثلاثة التي هي اقل الحيض، وقد تقدمت في المسألة المشار إليها (3) ونحوها صحيحة محمد بن مسلم وموثقته المتقدمتان ثمة (4) الدالتان على انه إذا رأت


(1) في صحيحة حفص المتقدمة ص 151. (2) ص 227. (3) ص 159. (4) ص 161.


[ 230 ]

الدم قبل إتمام العشرة فهو من الحيضة الاولى، ونحو ذلك كلامه (عليه السلام) (1) في الفقه الرضوي حيث قال: " فان رأت الدم بعد اغتسالها من الحيض قبل استكمال عشرة ايام بيض فهو ما بقى من الحيضة الاولى، وان رأت الدم بعد العشرة البيض فهو ما تعجل من الحيضة الثانية " انتهى. وكان الاولى في الاستدلال لما ذكروه هو هذه الاخبار لا التعليل بمجرد الامكان الذي جعلوه كالقاعدة الكلية في غير مكان فانه عليل لا يصلح لتأسيس الاحكام الشرعية حسبما اورده عليهم في المدارك. نعم يبقى الاشكال في انه قد دلت الاخبار المتقدمة على ان ما تراه المرأة بعد ايام العادة والاستظهار أو العادة خاصة كما في الاخبار الاخر هو استحاضة اعم من ان ينقطع على العشرة أو يتجاوز، ويمكن الجمع بتخصيص عموم الاخبار المشار إليها بهذه الاخبار بان يستثنى منها حكم ذات العادة ويقال ان كل دمرأته المرأة في العشرة فهو حيض ما عدا مورد هذه الاخبار المتعلقة بذات العادة. هذا. واما ما استظهره في المدارك من الحكم بكونه حيضا مع الاتصاف بصفة دم الحيض فلا يتم كليا لان من فروع هذه القاعدة عندهم من زاد دمها على العادة ثم استمر حتى انقطع على العاشر فانهم حكموا بكون الجميع حيضا، اما دم العادة فظاهر واما ما زاد فبهذه القاعدة وهو انه يمكن ان يكون حيضا فيجب ان يكون حيضا، والمستفاد - كما عرفت آنفا - من اخبار المسألة ان ما زاد على ايام العادة أو مع ايام الاستظهار فهو استحاضة مطلقا انقطع على العاشر ام لا بصفة الحيض كان ام لا، وبذلك صرح هو نفسه في الموضع الخامس من شرح قول المصنف (رحمه الله): " الثالثة - إذا انقطع الدم لدون العشرة فعليها الاستبراء " حيث قال: " والمستفاد من الاخبار ان ما بعد ايام الاستظهار استحاضة... الخ " واما على ما ذكرنا من الاستناد الى ما نقلناه من الاخبار والجمع بينها بما ما ذكرناه فلا اشكال في المقام بتوفيق الملك العلام. 1


(1) ص 21.


[ 231 ]

(الثانية) - قد صرحوا بانه لو رأت الدم ثلاثة ثم انقطع ورأته قبل العاشر كان الجميع من الدمين وما بينهما من النقاء حيضا، اما الدم الاول فلا يخلو اما ان يكون دم عادة فلا اشكال اولا فيكون مما يمكن ان يكون حيضا، واما الثاني فهو مما يمكن ان يكون حيضا فيجب الحكم بكونه حيضا، واما البقاء فلكونه اقل من عشرة فلا يمكن الحكم بكونه طهرا. ولو تأخر بمقدار عشرة ايام ثم رأته كان الاول حيضا منفردا والثاني يمكن ان يكون حيضا مستأنفا لمضي اقل الطهر بينهما، قال في المدارك: " فان ثبتت الكلية المدعاة في كلامهم تحيضت برؤيته - يعني الدم الثاني الذي بعد العشرة - وإلا وجب مراعاة الصفات على ما تقدم من التفصيل ". اقول: اما ما ذكروه من الحكم بكون النقاء المتوسط بين الدمين حيضا متى كان اقل من عشرة فقد تقدم الكلام فيه، لان كلامهم هذا مبني على قاعدة اقل الطهر عشرة مطلقا، وهو ممنوع لما قدمناه من انه مخصوص بالطهر المتوسط بين حيضتين، بمعنى انه لا يحكم بتعدد الحيض إلا بتوسط العشرة اما إذا كان في حيضة واحدة فلا مانع منه. وعليه تدل الاخبار المتقدمة في مسألة اشتراط توالى الثلاثة وعدمه كما اوضحناه ثمة (1) والمستفاد منها انه متى رأت الدم المحكوم بكونه حيضا ثم انقطع فان مضت عشرة ايام خالية من الدم ثم عاد فانه يحكم بكونه حيضا ثانيا مع بلوغه الثلاثة وان لم تمض العشرة فانه من الحيضة الاولى، وهو صريح في ابطال كلامهم في هذه المسألة، لان من جملة فروض المسألة ما لو تحيضت اولا بخمسة ايام ثم انقطع الدم ثمانية ايام مثلا ثم عاد خمسة، فمقتضى قواعدهم من البناء على قاعدة الامكان بتقدير اجرائه في هذا المكان لانه لا يمكن الحكم بالتحيض على ما عدا الدم الاول فالدم الثاني عندهم استحاضة، ولا يمكن الحكم بكونه حيضا مستقلا لعدم توسط اقل الطهر عندهم، ولا بانضمامه الى الدم الاول مع النقاء المتوسط للزوم الزيادة على العشرة التي هي اكثر


(1) ص 159.


[ 232 ]

الحيض، والمفهوم من الاخبار المشار إليها ان الدم الثاني من الحيضة الاولى، ومنه يلزم ان النقاء المتوسط طهر وإلا لزم المحذور المذكور، ومن اظهر الروايات الدالة على ذلك رواية الفقه الرضوي المتقدمة قريبا، ورواية عبد الرحمان بن ابي عبد الله المتقدمة في مسألة توالي الايام الثلاثة (1) ونحوهما روايتا محمد بن مسلم (2) واما ما ذكره في المدارك - من ان التحيض بالدم الثاني الذي بعد العشرة مبني على الكلية المدعاة فان ثبتت والا وجب مراعاة الصفات - ففيه ان الحكم المذكور ثابت بالنصوص التي اشرنا إليها، ولعلها مستند الاصحاب في هذه الكلية، الا انه لا عموم فيها على الوجه الذي يدعونه بحيث يكون حكما كليا بل يجب الاقتصار فيها على مواردها. والله العالم.

(الثالثة) - قد صرح الاصحاب بان ما تراه المرأة في ايام الحيض من الصفرة والكدرة حيض وما تراه في ايام الطهر طهر، وفسر في الروض ايام الحيض بما يمكن ان يكون حيضا، قال: " والمراد بايام الحيض ما يحكم على الدم الواقع فيها بانه حيض سواء كانت ايام العادة ام غيرها فتدخل المبتدأة ومن تعقب عادتها دم بعد اقل الطهر، وضابطه ما امكن كونه حيضا، وربما فسرت بايام العادة والنصوص دالة بعمومها على الاول " قال في المدارك بعد ان نقل عن جده ذلك: " هذا كلامه (رحمه الله) واقول ان هذا التفسير اولي، إذ الظاهر اعتبار الاوصاف في غير المعتادة مطلقا كما بيناه " اقول: اشار بقوله " هذا التفسير " الى التفسير الاخير وهو التفسير بايام العادة. وهو الظاهر فانه المتبادر من النصوص بالخصوص لا العموم كما ادعاه، ومنها - صحيحة محمد بن مسلم (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة ترى الصفرة في ايامها ؟ فقال لا تصل حتى تنقضي ايامها وان رأت الصفرة في غير ايامها توضأت وصلت " وموثقة معاوية بن حكيم (4) قال قال: " الصفرة قبل الحيض بيومين فهو من


(1) ص 163 (2) ص 161. (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب 4 من ابواب الحيض.


[ 233 ]

الحيض وبعد ايام الحيض ليس من الحيض وفي ايام الحيض حيض " وفى مرسلة يونس عن بعض رجاله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " كل ما رأت المرأة في ايام حيضها من صفرة أو حمرة فهو من الحيض، وكل ما رأته بعد ايام حيضها فليس من الحيض " ورواية اسماعيل الجعفي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا رأت المرأة الصفرة قبل انقضاء ايام عادتها لم تصل وان كانت صفرة بعد انقضاء ايام قرئها صلت " الى غير ذلك من الاخبار الظاهرة في المراد، فان التعبير بايامها في الخبر الاول انما ينصرف الى المعهود من ايام عادتها لا ما يمكن كونه حيضا، وقرينة التقسيم في الثانية ظاهرة في العادة، وكذا في الثالثة والرابعة، وبالجملة فان تبادر ذلك من الاخبار اظهر من ان ينكر. واما ما ذكره في المدارك من ان الظاهر اعتبار الاوصاف في غير المعتادة مطلقا فهو على اطلاقه ممنوع بل الاظهر الوقوف على الاخبار ان وجدت وإلا فالرجوع الى الاوصاف كما ذكره، وقد قدمنا جملة من الاخبار الدالة على التحيض بما ينفق في العشرة ونحوها الاخبار الدالة على التحيض بالدم الثاني بعد توسط اقل الطهر، ومثل ذلك اخبار المبتدأة فانه قد تقدم ما يدل على تحيضها برؤية الدم مطلقا، وهذه كلها خارجة عن ايام العادة مع دلالة الاخبار على التحيض فيها برؤية الدم وافق دم الحيض أو خالفه. والله العالم.

(المطلب الثالث) - في المضطربة وفيه مسائل:

(الاولى) - قد اضطرب كلامهم في تفسير المضطربة، ففسرها في المعتبر بانها التي لم تستقر لها عادة وجعل الناسية للعادة قسيما لها، والذي صرح به العلامة ومن تأخر عنه انها من استقرت لها عادة ثم اضطرب عليها الدم ونسيتها. اقول: وهذا المعنى الثاني هو الذي صرحت به رواية يونس الطويلة المتقدمة (3) حيث قال (عليه السلام): " واما سنة التي قد كانت لها ايام متقدمة ثم اختلط عليها من طول الدم فزادت ونقصت حتى اغفلت عددها وموضعها من الشهر... الحديث " وظاهره ان المضطربة هي ناسية الوقت والعدد، وتعرف هذه


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 4 من ابواب الحيض. (3) ص 182.


[ 234 ]

عند الفقهاء بالمتحيرة لتحيرها في نفسها والمحيرة للفقيه في امرها، وظاهر الاصحاب رجوع المضطربة بتفسيرها الى التمييز، وعلله في المدارك بعموم الادلة الدالة على ذلك ثم نقل عن بعض المحققين انه قال: وقد تقدم ان المضطربة من نسيت عادتها اما عددا أو وقتا أو عددا ووقتا، والحكم برجوعها الى التمييز مطلقا لا يستقر لان ذاكرة العدد الناسية للوقت لو عارض تمييزها عدد ايام العادة لم ترجع الى التمييز بناء على ترجيح العادة على التمييز، وكذا القول في ذاكرة الوقت ناسية العدد، ويمكن الاعتذار عنه بان المراد برجوعها الى التمييز ما إذا طابق تمييزها العادة بدليل ما ذكره من ترجيح العادة على التمييز. هذا كلامه (رحمه الله) ثم قال: " ولا يخفى انه على هذا الاعتذار لا يظهر لاعتبار التمييز فائدة، ويمكن ان يقال باعتبار التمييز في الطرف المنسي خاصة أو تخصيص المضطربة بالناسية للوقت والعدد " انتهى. اقول: لا يخفى انه لم يرد في الاخبار ما يدل على معنى المضطربة وحكمها من الرجوع الى التمييز إلا رواية يونس المشار إليها (1) وقد عرفت ان الذي تضمنته انما هو ناسية الوقت والعدد خاصة، واما من لم تستقر لها عادة - كما فسرها به في المعتبر أو ناسية العدد خاصة كما ذكره المحقق المشار إليه - فلا اعرف له مستندا، ومنه يظهر عدم ورود ما اورده من الاشكال الذي تكلف الجواب عنه. ويمكن استفادة المضطربة بالمعنى الذي ذكره المحقق المشار إليه وهي الناسية للعدد خاصة أو الوقت خاصة بما ورد في رواية اسحاق بن جرير (2) حيث قال فيها: " قالت فان الدم يستمر بها الشهر والشهرين والثلاثة فكيف تصنع بالصلاة ؟ قال تجلس ايام حيضها ثم تغتسل لكل صلاتين. قالت له ان ايام حيضها تختلف عليها وكان يتقدم الحيض اليوم واليومين والثلاثة ويتأخر مثل ذلك فما علمها به ؟ قال: دم الحيض ليس به خفاء هو دم حار تجد له حرقة ودم الاستحاضة


(1) المتقدمة ص 182. (2) المروية في الوسائل في الباب 3 من ابواب الحيض.


[ 235 ]

دم فاسد بارد... الحديث " والتقريب فيه انه إذا كان الاضطراب يحصل بالتقدم والتأخر على الوجه المذكور فلان يحصل بنسيان العدد أو الوقت بطريق اولى. وفيه ما فيه، على انه يحتمل ان يكون المعنى في الخبر المذكور انه تنظر الى هذا الدم الذي يأتيها في ايام العادة مع ما هي عليه من التقدم والتأخر على الوجه المذكور فتجعل ما تجده بصفة الحيض حيضا وما كان بصفة الاستحاضة استحاضة، وبذلك يظهر انه لا يكون حكما كليا كما هو المدعى. والتحقيق انه ان عارض التمييز العادة فالترجيح للعادة لما عرفت فيما تقدم. وإلا فان وجد في الاخبار ما يدل على التحيض بذلك الدم مطلقا فالواجب الاخذ به والا فالعمل على التمييز، إذ الظاهر من اخبار التمييز هو الرجوع إليه في مقام اشتباه الدم، ففي صحيحة حفص بن البختري (1) قال: " دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) امرأة فسألته عن المرأة يستمر بها الدم فلا تدري حيض هو أو غيره ؟ قال فقال لها: ان دم الحيض حار عبيط اسود له دفع وحرارة ودم الاستحاضة اصفر بارد فإذا كان للدم حرارة ودفع وسواد فلتدع الصلاة... " وحينئذ فيجب الرجوع الى التمييز في جميع اقسام المضطربة ما لم تعارضه ثمة عادة، هذا بالنسبة الى العادة العددية الوقتية، اما العددية خاصة فلو عارضها التمييز كان تكون عادتها خمسة مثلا ورأت الدم بصفات دم الحيض اقل أو اكثر منها فظاهر اطلاق كلام الاصحاب هو الرجوع الى التمييز حيث انهم اطلقوا رجوع المضطربة بجميع اقسامها الى التمييز، واحتمال الرجوع الى العادة قوى، والاحوط هنا الجمع بينهما يجعل الجميع حيضا وقضاء عبادات ما زاد أو نقص عن ايام العادة، واما الوقتية فمتى عارضها التمييز فالظاهر رجحان العادة، فلو رأت في ذلك الوقت ما هو بصفة دم الاستحاضة وفى غيره ما هو بصفة دم الحيض فالاقرب تحيضها بما رأته في الوقت المذكور لقوة دلالة الوقت وعموم الاخبار الدالة على ان الصفرة والكدرة في وقت


(1) المروية في الوسائل في الباب 3 من ابواب الحيض.


[ 236 ]

الحيض حيض (1). والله العالم.

(المسألة الثانية) - قد تقدم ان ظاهر كلام الاصحاب انه يجب الاستظهار على المبتدأة والمضطربة بان تتعبد في اول الدم ثلاثة ايام ليتحقق كونه حيضا، وقد عرفت انه في المبتدأة لا دليل عليه بل الدليل واضح في خلافه، وكذا هنا، قال في المدارك - بعد ان نقل عن المصنف وجوب الاحتياط على المضطربة باقسامها الثلاثة المتقدمة - ما لفظه: " والحكم بوجوب الاحتياط عليها انما يتم في ناسية الوقت اما ذاكرته فانها تتحيض برؤية الدم قطعا، وقد تقدم ان الاظهر تحيض الجميع برؤية الدم إذا كان بصفة دم الحيض " اقول: اما ما ذكره - من تحيض ذاكرة الوقت بمجرد رؤية الدم - فلا اشكال فيه، واما ما ذكره - من ان الاظهر كما تقدم تحيض الجميع برؤية الدم إذا كان بصفة دم الحيض اشارة الى ما قدمه في المبتدأة - فقد عرفت ما فيه ثمة، الا ان الحكم في المضطربة لما كان هو الرجوع الى التمييز الذي هو الاخذ بصفات دم الحيض فانه يختص التحيض بما إذا كان الدم بصفة دم الحيض البتة، واما ما ذكره الاصحاب من الاحتياط بان لا تترك العبادة ثلاثة ايام فان ارادوا به الاحتياط في صورة كون الدم بصفة دم الحيض فهو خلاف النص الذي هو رواية يونس المتقدمة (2) فانه قد تكرر فيها الامر بالتحيض بصفات الدم كقوله (صلى الله عليه وآله): " فإذا اقبلت الحيضة فدعى الصلاة وإذا ادبرت فاغسلي عنك الدم وصلي " وقول الباقر (عليه السلام): " إذا رأيت الدم البحراني فدعى الصلاة وإذا رأيت الطهر ولو ساعة من نهار فاغتسلي " وان ارادوا به الاحتياط في غير الصورة المذكورة فهو ليس باحتياط بل هو الحكم الشرعي في ذلك، فانها مع عدم اتصاف الدم بصفات دم الحيض فالحكم الشرعي فيها وجوب العبادة عليها كما عرفت من قوله (صلى الله عليه وآله): " وإذا ادبرت فاغسلي عنك الدم وصلي " والمراد باقبال الدم وادباره هو الاتصاف بصفات دم الحيض وعدمه، ونحوه قول الباقر


(1) المروية في الوسائل في الباب 4 من ابواب الحيض (2) ص 182.


[ 237 ]

(عليه السلام): " وإذا رأيت الطهر ساعة " يعني ما ليس بصفة دم الحيض، وبالجملة فاني لا اعرف لهذا الاحتياط هنا محلا ولا دليلا.

(المسألة الثالثة) - قد صرح الاصحاب بان المضطربة متى فقدت التمييز فلا يخلو اما ان تكون ناسية الوقت والعدد معا أو ناسية للوقت خاصة ذاكرة للعدد أو بالعكس فههنا صور ثلاث:

(الاولى) - ناسية الوقت والعدد وهي المشهورة بالمتحيرة كما تقدم، قيل بانها ترجع الى الروايات بان تتحيض في كل شهر بستة ايام أو سبعة أو عشرة من شهر وثلاثة من آخر، ومتى اختارت عددا جاز لها وضعه في اي موضع شاءت لعدم الترجيح في حقها ولا اعتراض للزوج، وهل يجب في الشهر الثاني وما بعده المطابقة في الوقت لما عليه في الاول أو يكون التخيير باقيا وكذا التخيير في الاعداد ؟ احتمالان، وهذا هو المشهور عندهم بل نقل عليه الشيخ في الخلاف الاجماع، مع انه في المبسوط افتى بوجوب الاحتياط عليها بان تعمل في الزمان كله ما تعمله المستحاضة، وتغتسل للحيض في كل وقت يحتمل انقطاع الدم فيه وهو بعد الثلاثة لكل صلاة، لاحتمال انقطاع الدم عنها إذ ما من زمان بعد الثلاثة الا ويحتمل الحيض والطهر والانقطاع، وتقضي صوم عادتها واوجب عليها اجتناب ما تجتنبه الحائض، وجعل العلامة في القواعد هذا القول احوط. وقال الشيخ في الجمل ترجع الى التمييز فان فقدته تركت الصلاة في كل شهر سبعة ايام. وقال في النهاية: " فان كانت المرأة لها عادة الا انه اختلطت عليها العادة واضطربت وتغيرت عن اوقاتها وازمانها فكلما رأت الدم تركت الصوم والصلاة وكلما طهرت صلت وصامت الى ان ترجع الى حال الصحة. وقد روى انها تفعل ذلك ما بينها وبين شهر ثم تفعل ما تفعله المستحاضة " وقريب منه كلام الصدوق في الفقيه، وقال أبو الصلاح انها ترجع الى عادة نسائها فان لم يكن لها نساء تعرف عادتهن اعتبرت صفة الدم، فان كان الدم بصفة واحدة تحيضت في كل شهر سبعة ايام، قال في المختلف: " وهذا القول مخالف للمشهور في


[ 238 ]

امرين: (الاول) - انه جعل للمضطربة رجوعا الى نسائها والمشهور ان ذلك للمبتدأة خاصة (الثاني) - انه جعل التمييز مرجوعا إليه بعد فقد النساء " وقال ابن ادريس: إذا فقدت التمييز كان فيها الاقوال الثلاثة المذكورة في المبتدأة، وكان قد ذكره في المبتدأة ستة اقوال: (الاول) - انها تتحيض في الشهر الاول بثلاثة ايام وفى الثاني بعشرة. (الثاني) - عكسه (الثالث) - سبعة ايام (الرابع) - ستة ايام (الخامس) - ثلاثة ايام في كل شهر (السادس) - عشرة في كل شهر. ورجح المحقق في المعتبر انها تتحيض بثلاثة ايام وتصلي وتصوم بقية الشهر استظهارا وعملا بالاصل في لزوم العبادة. قال في المدارك بعد نقله عنه: " وهو متجه " هذا ما وقفت عليه من اقوالهم في هذه المسألة. والذي وقفت عليه من الاخبار في هذه المسألة رواية يونس المتقدمة (1) وقد تضمنت انها مع فقد التمييز تتحيض بسبعة ايام حيث قال (عليه السلام) في آخر الرواية بعد الامر بالعمل بالتمييز والاخذ باقبال الدم وادباره: " فان لم يكن الامر كذلك ولكن الدم اطبق عليها فلم تزل الاستحاضة دارة وكان الدم على لون واحد وحالة واحدة فسنتها السبع والثلاث والعشرون... الحديث " ومن ذلك يظهر قوة ما ذهب إليه في الجمل لدلالة هذا الخبر عليه. واما القول المشهور فهو مبني على الاستدلال بموثقتي ابن بكير وموثقة سماعة المتقدمات في بحث المبتدأة (2) وموردها انما هو المبتدأة كما عرفت فالاستدلال بها هنا لا اعرف له وجها، والعجب من غفلة الجميع عن ذلك ولاسيما متأخرى المتأخرين الذين عادتهم المناقشة في الادلة كصاحب المدارك ونحوه. واما قول الشيخ في النهاية ونحوه الصدوق فمستنده موثقتا يونس بن يعقوب وابي بصير المتقدمتان في الموضع الاول من المقام الثاني من المطلب الاول في المبتدأة من المقصد الثاني (3) بحمل الروايتين على من اختلط دمها كما عبر به في النهاية ونحوه في الاستبصار كما تقدم ثمة. وفيه ان الظاهر ان الحكم المذكور كلي في جميع افراد المضطربة والخبران لا يساعدان


(1) ص 182 (2) ص 194 (3) ص 195.


[ 239 ]

عليه لتخصيصهما ذلك بالشهر أو الثلاثين يوما ثم تعمل عمل المستحاضة، وبالجملة فالظاهر هو القول بهما والوقوف على موردهما كما يشعر به كلام الصدوق وان كان ظاهر عبارة الفقيه كونه حكما كليا حيث اوجب عليها ذلك الى ان ترجع الى حال الصحة، فانه لا دليل عليه في المقام سوى الخبرين المذكورين وهما قاصران عن الدلالة على ما ادعاه. واما ما ذهب إليه أبو الصلاح من التحيض بسبعة بعد فقد التمييز فهو جيد لما عرفت من الدليل وان كان ما ادعاه من الرجوع الى نسائها اولا لا دليل عليه. واما ما ذكره ابن ادريس فقد عرفت ما فيه مما اوردناه على القول المشهور. واما ما ذكره المحقق فقد تقدم الكلام فيه واوضحنا ما يكشف عن ضعف باطنه وخافيه في بحث المبتدأة في الموضع الثالث من المقام الثاني من المطلب الاول في المبتدأة من المقصد الثاني. واما ما ذكره الشيخ من الاحتياط المذكور فقد رده جملة من الاصحاب باستلزامه الحرج المنفي في الآية والاخبار، قال في الذكرى: " والقول بالاحتياط عسر منفى بالآية والرواية " وقال في البيان: " الاحتياط هنا بالرد الى اسوء الاحتمالات ليس مذهبا لنا " وفيه اشارة الى كونه قولا للعامة، وهو كذلك فانه نقله في المنتهى عن الشافعي، وبالجملة فهو قول لا دليل عليه بل الدليل ظاهر في خلافه كما عرفت. وبالجملة فالظاهر عندي في المسألة هو ما ذهب إليه الشيخ في الجمل لما عرفت. والله العالم.

(الثانية) - ناسية الوقت ذاكرة العدد، والمشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انها تعمل على العدد المذكور وتتخير في وضعه في اي موضع ارادت من الشهر، وعن المبسوط انها تعمل بالاحتياط المتقدم، واختاره العلامة في الارشاد ونسبه في الشرائع الى القيل واقتصر عليه، ومثله في المعتبر حيث نقل ذلك عن الشيخ واقتصر عليه، وهو مؤذن باختياره، وقال في الروض: " ويتفرع على هذا القول فروع جليلة ومسائل مشكلة " ثم انه ينبغي ان يعلم ان موضع الخلاف هنا ما إذا لم يحصل لها وقت معلوم في الجملة بحيث يتحقق فيه الحيض كما لو لم تعرف قدر الدور وابتداءه فانها لا تخرج


[ 240 ]

عن المتحيرة الا في نقصان العدد التي حفظته أو زيادته عما في الروايات، كما لو قالت كان حيضي سبعة لكن لا اعلم في كم اضللتها، أو قالت مع ذلك دوري ثلاثون ولكن لا اعلم ابتداءه، أو قالت دوري يبتدئ يوم كذا ولكن لا اعرف قدره، ففي هذه الصور ترجع الى الروايات على المشهور لاحتمال الحيض والطهر والانقطاع في كل وقت، أو تعمل بالاحتياط في كل الزمان عند من ذهب إليه، وان حفظت قدر الدور وابتداءه مع العدد كما لو قالت حيضي سبعة في كل شهر هلالي فقدر العدد من اوله لا يحتمل الانقطاع وانما يحتمل الحيض والطهر وبعده يحتمل الثلاثة الى آخر الدوران كان الاضلال فيه اجمع، وان تيقنت سلامة بعضه كالعشرة الاخيرة من الشهر - مثلا - حكمت بكونه طهرا، والحكم حينئذ في العشرين الباقية انها تتحيض بالعدد المذكور وتتخير في وضعه بين الايام التي اضلت فيها وتجعل الدور استحاضة، أو تعمل بالاحتياط عند من ذهب إليه في جميع اوقات الاضلال، وهو ان تغتسل للحيض في كل وقت يحتمل الانقطاع وهو ما زاد على العدد من اول الدور لعدم امكان الانقطاع قبل انقضائه وهكذا ما بعده من الاوقات التي يحتمل فيها الانقطاع، تغتسل لكل عبادة مشروطة به، وتترك تروك الحائض، ولزمها مع ذلك تكليف المنقطعة من العبادات والاغسال أو الوضوءات، وتقضي صوم عادتها خاصة وهو العدد الذي حفظته ان علمت عدم الكسر والا لزمها قضاء يوم آخر، وبالجملة فان الاحتياط على القول به وعدم تحقق الحيض انما يكون فيما إذا لم يحصل لها وقت معلوم في الجملة بان تضل العدد في وقت يزيد نصفه عن ذلك العدد أو يساويه، كما لو اضلت خمسة أو اربعة في عشرة فانها لا حيض لها متيقن لمساواة العدد لنصف الزمان ونقصانه، اما لو زاد العدد على نصف الزمان كما إذا اضلت سبعة في عشرة فانه يتعين كون الزائد وضعفه حيضا بيقين وهو السادس والخامس لاندراجهما بتقدير تقدم الحيض وتأخره وتوسطه ويتعلق احتمال الانقطاع بالسادس الى تمام العشرة، فعلى العمل بالمشهور تضم الى هذين اليومين بقية العدد المذكور متقدما


[ 241 ]

أو متأخرا أو بالتفريق، وعلى العمل بالاحتياط تجمع في الاربعة الاولى بين افعال المستحاضة وتروك الحائض وفى الاربعة الاخيرة تزيد على ذلك غسل الانقطاع عند كل صلاة، ولو اضلت خمسة في التسعة الاولى فالخامس خاصة حيض لان العدد يزيد عن نصف الوقت الذي وقع فيه الضلال بنصف يوم فهو مع ضعفه يوم كامل حيض، ولو اضلت سبعة في العشرة فالمتحقق حيضا اربعة وهو الرابع والسابع وما بينهما، والحكم في ذلك بناء على القولين ما تقدم في مسألة اضلال الستة في العشرة، ومن هنا يعلم احكام مسائل المزج المشهورة في كلامهم وامثلتها كثيرة، ولنذكر منها مثالين للتدرب بهما في تحصيل نظائرهما (فمنها) - ما لو قالت حيضي ستة وكنت امزج احد نصفي الشهر بالآخر بيوم، فهذه اضلت ستة في العشرة الاواسط فلها يومان حيض متيقن وهما الخامس عشر والسادس والعشرة الاولى من الشهر طهر بيقين ويتعلق احتمال الانقطاع بالسادس عشر الى العشرين، والعمل في الاربعة المتقدمة والمتأخرة كما تقدم. و (منها) - ما لو قالت حيضي عشرة وكنت امزج احد نصفي الشهر بالآخر بيوم فقد اضلتها في ثمانية عشر، فالزائد من العشرة عن نصفها وهو يوم وضعفه حيض في وسط وقت الضلال وهو ما بين السادس والخامس والعشرين، والخامس عشر والسادس عشر حيض متيقن كما ان الستة الاولى من الشهر والستة الاخيرة طهر متيقن، ويتعلق احتمال الانقطاع بالسادس عشر الى الرابع والعشرين، فعلى الاحتياط تغتسل عليها للحيض وتجمع في الثمانية السابقة على اليومين والثمانية اللاحقة بين افعال المستحاضة وتروك الحائض، وعلى المشهور تضم اي الثمانيتين شاءت الى اليومين، وعلى ذلك فقس. إذا عرفت ذلك فاعلم ان المسألة المذكورة لما كانت عارية من النصوص على العموم والخصوص فالواجب فيها الرجوع الى الاحتياط كما امروا به (عليهم السلام) في مقام اشتباه الاحكام، اما لعدم الدليل أو لاشتباهه وعدم ظهور المعني المراد منه، وبذلك يظهر قوة ما ذهب إليه الشيخ (رحمه الله) هنا، وما رده به بعض الاصحاب من لزوم.


[ 242 ]

العسر والحرج غير مسموع في مقابلة النصوص الدالة على وجوبه في مثل ذلك، ولولا ان الدليل في الصورة الاولى موجود لما كان عن القول بالاحتياط فيها ايضا معدل.

(الثالثة) - ذاكرة الوقت ناسية العدد، وهذه لا تخلو اما ان تذكر اول الوقت أو آخره أو وسطه أو شيئا منه في الجملة، فههنا ايضا صور اربع:

(الاولى) - ان تذكر اوله وحينئذ فيجب ان تكمله بيومين لتبين كون الجمع حيضا ويبقي الزائد عنها الى تمام العشرة محل شك واشكال لاحتمال الطهر والحيض فيها، فيحتمل ان تجعل طهرا بناء على ان تلك الثلاثة هي وظيفة الشهر والحيض المتيقن، واختاره الشهيد في البيان، ونقله في المدارك عن المعتبر واستحسنه جريا على ما قدمنا نقله عنه سابقا. وفيه ما عرفت ثمة. وقيل - وهو المشهور - ترجع الى الروايات بان تجعل حيضها عشرة أو ستة أو سبعة فتضم الى الثلاثة ما تكمل بما تختاره منها، لصدق النسيان الموجب للحكم في حديث السنن (1) وتجعل الباقي استحاضة، ونقله في الروض عن الشهيد ايضا. وفيه ان ظاهر مورد حديث السنن انما هو ناسية الوقت والعدد معا كما قدمنا ذكره لا ناسية احدهما، حيث قال فيه: " واما سنة التي قد كانت لها ايام متقدمة ثم اختلط عليها من طول الدم فزادت ونقصت حتى اغفلت عددها وموضعها من الشهر، ثم قال (عليه السلام) بعد كلام في البين: فهذا يبين ان هذه امرأة قد اختلط عليها ايامها لم تعرف عددها ولا وقتها... الحديث " وحينئذ فلا دلالة في الخبر على هذه الصورة كما لا دلالة فيه على سابقتها. وقيل بالعمل بالاحتياط كما ذكره الشيخ ومن تبعه بالجمع بين التكاليف الثلاثة: الحيض والاستحاضة والانقطاع، فتغتسل للانقطاع بعد الثلاثة وعند كل صلاة أو غاية مشروطة بالطهارة، وحينئذ ان قلنا بالتداخل بين الاغسال - كما هو الحق في المسألة - يجب عليها للصلوات الخمس خمسة اغسال، وان قلنا بعدم التداخل يجب عليها للصلوات الخمس ثمانية اغسال مع كثرة الدم، خمسة للانقطاع وثلاثة للاستحاضة.


(1) وهو مرسل يونس المتقدم ص 182.


[ 243 ]

(الثانية) - ان تذكر آخره فيكون نهاية الثلاثة فتجعلها حيضا بيقين، والكلام في السبعة حسبما تقدم، الا انه لا مجال هنا لامكان الانقطاع فتقتصر على افعال المستحاضة وتروك الحائض، وغسل الانقطاع انما يكون بعد الثلاثة المتيقنة.

(الثالثة) - ان تذكر وسطه خاصة بالمعنى المعروف لغة وهو ما بين الطرفين ومرجعه الى ان تعرف كونه في اثناء الحيض، فان ذكرت يوما واحدا حفته بيومين حيضا محققا وضمت الى الثلاثة ما يكمل باختيارها من الروايات - على القول بالرجوع الى الروايات - قبل المتيقن أو بعده أو بالتفريق، وان ذكرت يومين حفتهما بيومين آخرين فيتحقق لها اربعة ايام حيضا محققا وتضم إليها تمام الرواية التي تختارها، وعلى القول بالاحتياط تكمل ما تحققته عشرة قبله أو بعده أو بالتفريق وتعمل في الزائد على ما تحققته بالتكاليف الثلاثة متى كان متأخرا عما تحققته والا بما عدا الانقطاع لو كان متقدما، ولو ذكرت الوسط بالمعنى الحقيقي اعني المحفوف بمتساويين، فان كان يوما فالحكم فيه ما تقدم في اليوم من الوسط بالمعنى الاول، الا انها هنا على تقدير العمل بالروايات لا تختار من الروايات زوجا كالستة لعدم تحقق الحافتين بل اما تأخذ سبعة أو ثلاثة، وعلى تقدير القول بالاحتياط تضم الى الثلاثة المتيقنة ثلاثة اخرى قبلها وثلاثة اخرى بعدها وتكتفي بالتسعة للعلم بانتفاء العاشر حينئذ.

(الرابعة) - ان تذكر شيئا منه في الجملة فهو الحيض المتيقن، فعلى القول بالرجوع الى الروايات ان ساوى احداها أو زاد اقتصرت عليه حسبما يتصور وان قصر عنها اكملته باحداها قبله أو بعده أو بالتفريق، وعلى القول بالاحتياط تكمله عشرة أو تجعله نهاة عشرة. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الواجب في هذه الصورة بمقتضى ما قدمناه من عدم وجود النص ووجوب العمل بالاحتياط في امثال ذلك هو العمل بالاحتياط الذي ذكره الشيخ فيما زاد على المتيقن من الفروض المذكورة. والله العالم.


[ 244 ]

(المقصد الثالث) - في الاحكام وفيه ايضا مسائل:

(الاولى) - المشهور بين الاصحاب جواز وطء الحائض بعد انقطاع الدم قبل الغسل على كراهية، ونقلوا عن الصدوق في الفقيه القول بالتحريم، واعترضهم جملة من متأخرى المتأخرين: منهم - بل ربما كان اولهم - صاحب المدارك وتبعه من تبعه بان كلامه في الفقيه غير ظاهر في التحريم لتصريحه بجواز مجامعتها لو كان الزوج شبقا. اقول وعبارة الفقيه هكذا: " ولا يجوز مجامعة المرأة في حيضها لان الله عزوجل فهى عن ذلك فقال: "... ولا تقربوهن حتى يطهرن... " (1) يعني بذلك الغسل من الحيض، فان كان الرجل شبقا وقد طهرت المرأة واراد ان يجامعها قبل الغسل امرها ان ان تغسل فرجها ثم يجامعها " انتهى. ومن نقل عنه القول بالتحريم استند الى صدر عبارته الدال على ان الله سبحانه نهى عن ذلك حتى تغتسل، ولا ريب ان هذا الكلام صريح فيما ذكروه ونسبوه إليه من القول بالتحريم، ومن نقل عنه القول بالجواز استند الى قوله: " فان كان الرجل شبقا... الخ " وانت خبير بان المفهوم من هذه العبارة انه يرى التحريم كما هو صريح صدر عبارته ولكنه يستثنى هذا الفرد للاخبار الدالة عليه (2) فكأنه يخصص عموم الآية بالاخبار المذكورة ولولا ذلك لكان التدافع في كلامه اظهر ظاهر، فان صدر كلامه ظاهر في التحريم حتى تغتسل عملا بظاهر الآية التي استند إليها وهي قراءة " يطهرن " بالتشديد، إذ المراد بالطهارة الغسل البتة، وبالجملة فالظاهر عندي هو صحة ما نسبوه إليه من القول بالتحريم وان استثنى منه هذا الفرد بخصوصه. والواجب اولا تحقيق الكلام في معنى الآية ثم العطف على الاخبار الواردة في المسألة، فنقول: قد استدل على القول المشهور بقراءة السبعة: " ولا تقربوهن حتى يطهرن " (3) بالتخفيف اي يخرجن من الحيض، يقال طهرت المرأة إذا انقطع حيضها، فجعل سبحانه


(1) و (3) سورة البقرة. الآية 221. (2) المروية في الوسائل في الباب 27 من ابواب الحيض.


[ 245 ]

غاية التحريم انقطاع الدم فيثبت الحمل بعده عملا بمفهوم الغاية، لان الحق انه حجة بل صرح الاصوليون بانه اقوى من مفهوم الشرط، قالوا: ولا ينافي ذلك قراءة التشديد (اما اولا) - فلان " تفعل " قد جاء في كلامهم بمعنى " فعل " كقولهم تبين وتبسم وتطعم بمعنى بان وبسم وطعم، قيل ومن هذا الباب المتكبر في اسماء الله تعالى بمعنى الكبير، وإذا ثبت اطلاق هذه البنية على هذا المعنى كان الحمل عليه اولى صونا للقراءتين عن التنافي. و (اما ثانيا) - فلا مكان حمل النهي في هذه القراءة على الكراهة توفيقا بين القراءتين وكون النهي عن المباشرة بعد انقطاع الدم لسبق العلم بتحريمها حالة الحيض من صدر الآية اعني قوله تعالى: "... فاعتزلوا النساء في الحيض... " (1) هكذا قرره في المدارك. وفيه (اولا) - ان مدار الاستدلال على حجية مفهوم الغاية كما ذكره، وهو وان سجل على حجيته بما ذكره الا انه غير ظاهر عندي لما قدمناه في مقدمات الكتاب من انه لم يقم دليل شرعي على حجية شئ من المفاهيم المذكورة سوى مفهوم الشرط كما تقدم، والتعويل على مجرد ما يذكر في الاصول من الدعاوي التي يزعمونها ادلة غير ثابت عندي، بل المدار عندي في الاستدلال انما هو على الكتاب والسنة وهما الثقلان اللذان امر (صلى الله عليه وآله) بالتمسك بهما بعده. و (ثانيا) - فان ما ادعاه - من ان " يطهرن " بالتخفيف اي يخرجن من الحيض - مبني على تفسير الطهارة بالمعنى اللغوي، ولم لا يجوز الحمل على المعني الشرعي ؟ سيما مع القول بالحقائق الشرعية لابد لنفيه من دليل. و (ثالثا) - ان ما ذكره من حمل صيغة " تطهرن " بالتشديد على " طهرن " مجاز لا يصار إليه مع امكان الحمل على الحقيقة، وما ادعاه - من ان الحمل عليه اولى لصون القراءتين عن التنافي - مردود بانه يمكن دفع التنافي بحمل الطهارة في قراءة التخفيف على المعنى الشرعي فتجتمع مع قراءة التشديد الصريحة في المعنى الشرعي. و (رابعا) - ان التعارض انما وقع بين مفهوم الغاية على تقدير قراءة التخفيف وبين


(1) سورة البقرة. الآية 221.


[ 246 ]

منطوق قراءة التشديد، ومع تسليم حجية المفهوم المذكور في حد ذاته فترجيحه على المنطوق ممنوع بل حجية المنطوق اقوى، ويؤيده ايضا مفهوم الشرط في قوله سبحانه: "... فإذا تطهرن فاتوهن... " (1) فان الامر للاباحة ومفهوم ان قبل التطهر غير مباح اتيانهن وكذا قوله في آخر الآية: "... ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين " فان هذه المحبة انما تترتب على من فعل الطهارة واتى بها التي هي عبارة عن الغسل لا على من حصلت له قهرا بانقطاع الدم. وكيف كان فالاستناد الى الآية المذكورة مما لا يخلو من شوب الاشكال لما عرفت من تعدد الاحتمال فلم يبق الا الرجوع الى الاخبار: ومنها - ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (2): " في المرأة ينقطع عنها دم الحيض في آخر ايامها ؟ قال إذا اصاب زوجها شبق فليأمرها فلتغسل فرجها ثم يمسها ان شاء قبل ان تغتسل ". وما رواه الشيخ في الموثق عن علي بن يقطين عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الحائض ترى الطهر أيقع عليها زوجها قبل ان تغتسل ؟ قال لا بأس وبعد الغسل احب الي ". وفى الموثق عن عبد الله بن بكير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " إذا انقطع الدم ولم تغتسل فليأتها زوجها ان شاء ". وعن عبد الله بن المغيرة عمن سمعه عن العبد الصالح (عليه السلام) (5) " في المرأة إذا طهرت من الحيض ولم تمس الماء فلا يقع عليها زوجها حتى تغتسل وان فعل فلا بأس به، وقال تمس الماء احب الي " اقول: وبهذه الاخبار اخذ من قال بالقول المشهور. ومنها - ما رواه الشيخ في الموثق عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6)


(1) سورة البقرة. الآية 221. (2) و (3) و (4) و (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 27 من ابواب الحيض.


[ 247 ]

قال: " سألته عن امرأة كانت طامثا فرأت الطهر أيقع عليها زوجها قبل ان تغتسل ؟ قال: لا حتى تغتسل. قال: وسألته عن امرأة حاضت في السفر ثم طهرت فلم تجد ماء يوما أو اثنين أيحل لزوجها ان يجامعها قبل ان تغتسل ؟ قال: لا يصلح حتى تغتسل ". وفى الموثق عن ابان بن عثمان عن عبد الرحمان (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة حاضت ثم طهرت في سفر فلم تجد الماء يومين أو ثلاثة هل لزوجها ان يقع عليها ؟ قال لا يصلح لزوجها ان يقع عليها حتى تغتسل ". وعن سعيد بن يسار في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " قلت له المرأة تحرم عليها الصلاة ثم تطهر فتتوضأ من غير ان تغتسل أفلزوجها ان يأتيها قبل ان تغتسل ؟ قال: لا حتى تغتسل ". وهذه الاخبار مما دل بظاهرها على التحريم قبل الغسل والاصحاب قد حملوها على الكراهة جمعا بين الاخبار. اقول: لا اشكال في الحكم بالكراهة لدلالة الاخبار المتقدمة عليها، والاظهر عندي في هذه الاخبار الحمل على التقية فان جل العامة على التحريم في هذه المسألة (3) ونقله في المنتهى عن الشافعي والزهري وربيعة ومالك والليث والثوري واحمد واسحاق وابي ثور، ونقل عن ابي حنيفة انه ان انقطع الدم لاكثر الحيض حل وطؤها وان انقطع لدون ذلك لم يبح حتى تغتسل أو تتمم أو يمضي عليها وقت الصلاة (4). اقول: ومن اخبار المسألة ما رواه في الكافي (5) عن ابي عبيدة قال: " سألت


(1) و (5) رواه في الوسائل في الباب 21 من ابواب الحيض. (2) رواه في الوسائل في الباب 27 من ابواب الحيض. (3) كما في المغنى لابن قدامة الحنبلى ج 1 ص 338 والبداية لابن رشد المالكى ج 1 ص 52. (4) كما في المغنى ج 1 ص 338 والبداية ج 1 ص 52 والبحر الرائق ج 1 ص 202.


[ 248 ]

ابا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة الحائض ترى الطهر في السفر وليس معها من الماء ما يكفيها لغسلها وقد حضرت الصلاة ؟ فقال: إذا كان معها بقدر ما تغسل به فرجها فتغسله ثم تتيمم وتصلي. قلت: فيأتيها زوجها في تلك الحال ؟ قال: نعم إذا غسلت فرجها وتيممت فلا بأس ". وعن عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن المرأة إذا تيممت من الحيض هل تحل لزوجها ؟ قال: نعم ". وربما يفهم من هذين الخبرين توقف الحل متى تعذر الغسل على التيمم بل وغسل الفرج، وفي المعتبر ان ظاهر بعض عباراتهم وجوب غسل الفرج. اقول: لا يبعد حمل توقف الحل على التيمم في هذين الخبرين على التقية لموافقته لمذهب ابي حنيفة كما قدمنا نقله (2) والله العالم.

(المسألة الثانية) - المشهور بين الاصحاب انه متى حاضت وقد مضي من الوقت ما يسع الطهارة والصلاتين معا ولم تصلهما وجب عليها قضاؤهما بعد الطهر ولو لم يسع إلا الاولى ولم تصلها وجب قضاؤها خاصة، وكذا المشهور - بل ادعى عليه الاجماع - انها متى طهرت من حيضها وقد بقى من الوقت ما يسع الطهارة والصلاتين وجب عليها الاداء ومع التفريط القضاء حتى لو لم تدرك إلا بقدر الطهارة وركعة وجب عليها الاتيان بما ادركت وقتة والا فالقضاء، فههنا مقامان:

(الاول) - فيما لو حاضت وقد مضى من الوقت ما يسع الطهارة والصلاة، فانه يجب عليها الاداء ومع التفريط القضاء، ولو لم يمض القدر المذكور فانه لا يجب عليها القضاء، ويدل على الحكم الاول موثقة يونس بن يعقوب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " في امرأة دخل علبها وقت الصلاة وهي طاهر فاخرت الصلاة حتى


(1) رواه في الوسائل في الباب 21 من ابواب الحيض. (2) ص 247. (3) المروية في الوسائل في الباب 48 من ابواب الحيض.


[ 249 ]

حاضت ؟ قال: تقضي إذا طهرت " ورواية عبد الرحمان بن الحجاج (1) قال: " سألته عن المرأة تطمث بعد ما تزول الشمس ولم تصل الظهر هل عليها قضاء تلك الصلاة ؟ قال: نعم " ويؤيده عموم ما دل على وجوب قضاء الفوائت واما الحكم الثاني فاستدل عليه العلامة في المنتهى بان وجوب الاداء ساقط لاستحالة التكليف بما لا يطاق ووجوب القضاء تابع لوجوب الاداء. وفيه انه منقوض بوجوب الصلاة على الساهي والنائم وقضاء الصوم على الحائض. والتحقيق ان يقال ان الاصل براءة الذمة مما لم يقم دليل على التكليف به، وان القضاء لا ترتب له على الاداء بل انما يجب بامر جديد كما عليه جملة من المحققين، ويدل على ذلك موثقة سماعة (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة صلت من الظهر ركعتين ثم انها طمثت وهي جالسه ؟ فقال: تقوم من مكانها ولا تقضي الركعتين " بحملها على كون صلاتها في اول الوقت. ونقل هنا عن المرتضى والصدوق (رضي الله عنهما) الاكتفاء في وجوب القضاء بخلو الوقت عن الحيض بمقدار اكثر الصلاة. ورده الاصحاب بعدم الوقوف على مأخذه. اقول: يمكن ان يكون مأخذه رواية ابي الورد المروية في الكافي والتهذيب (3) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن المرأة التي تكون في صلاة الظهر وقد صلت ركعتين ثم ترى الدم ؟ قال: تقوم من مسجدها ولا تقضي الركعتين، قال: فان رأت الدم وهي في صلاة المغرب وقد صلت ركعتين فلتقم من مسجدها فإذا تطهرت فلتقض الركعة التي فاتتها من المغرب " وبهذه الرواية عبر الصدوق في الفقيه فقال: " فان صلت المرأة من الظهر ركعتين ثم رأت الدم قامت من مجلسها وليس عليها ان طهرت قضاء الركعتين، فان كانت في صلاة المغرب وقد صلت منها ركعتين قامت من مجلسها فإذا طهرت قضت الركعة " والتقريب في الرواية المذكورة بالحمل على الصلاة في اول الوقت، حيث فرق فيها بين الظهر والمغرب فاوجب قضاء الباقي من المغرب دون الباقي من الظهر، لمضي اكثر الصلاة بالنسبة الى المغرب دون الظهر.


(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 48 من ابواب الحيض.


[ 250 ]

وظاهر الرواية المذكورة انما هو قضاء الباقي من الصلاة، والمعروف من كلام الاصحاب - وهو الموافق للادلة - انما هو قضاء الصلاة كملا لو مضى من الوقت مقدارها مع الطهارة ثم طرأ الحدث لا البناء على ما مضى والاتمام لها، وان كان هذا مما ينطبق على مذهب الصدوق في من نسى ركعة أو ركعتين ثم ذكر فانه يقضي ما بقى ولو بلغ الصين، وبالجملة فهذا القول ضعيف مرغوب عنه وروايته ضعيفة متهافتة وهي مردودة الى قائلها وهو اعلم بها. واما ما اجاب به العلامة في المختلف - من حملها على انها فرطت في المغرب دون الظهر، قال: " وانما يتم قضاء الركعة بقضاء الباقي ويكون اطلاق الركعة على الصلاة مجازا " انتهى - فلا يخفى بعده.

(المقام الثاني) - فيما لو طهرت من حيضها وقد بقى من الوقت ما يسع الطهارة والصلاتين أو احداهما، فانه يجب عليها الاداء ومع التفريط القضاء. ويدل عليه جملة من الاخبار: منها - صحيحة عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال قال: " ايما امرأة رأت الطهر وهي قادرة على ان تغتسل في وقت صلاة ففرطت فيها حتى يدخل وقت صلاة اخرى كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرطت فيها، وان رأت الطهر في وقت صلاة فقامت في تهيئة ذلك فجاز وقت الصلاة ودخل عليها وقت صلاة اخرى فليس عليها قضاء وتصلي الصلاة التي دخل وقتها ". ومنها - صحيحة ابي عبيدة الحذاء عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا رأت المرأة الطهر وهي في وقت الصلاة ثم اخرت الغسل حتى يدخل وقت صلاة اخرى كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرطت فيها، وإذا طهرت في وقت فاخرت الصلاة حتى يدخل وقت صلاة اخرى ثم رأت دما كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرطت فيها " ورواية منصور بن حازم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " إذا طهرت


(1) و (3) المروية في الوسائل في الباب 49 من ابواب الحيض. (2) المروية في الوسائل في الباب 48 و 49 من ابواب الحيض بالتقطيع.


[ 251 ]

الحائض قبل العصر صلت الظهر والعصر فان طهرت في آخر وقت العصر صلت العصر " ورواية ابي الصباح الكناني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا طهرت المراة قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء وان طهرت قبل ان تغيب الشمس صلت الظهر والعصر ". وصحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " إذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس فلتصل الظهر والعصر وان طهرت من آخر الليل فلتصل المغرب والعشاء ". ونحوها رواية داود الزجاجي (3) ورواية عمر بن حنظلة (4) فانهما مشتملتان على هذا التفصيل بالنسبة الى الظهرين والعشاءين حسبما في سابقتيهما. وبازاء هذه الاخبار ما هو ظاهر المنافاة، ومنه - صحيحة معمر بن يحيى (5) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الحائض تطهر عند العصر تصلي الاولى ؟ قال: لا انما تصلي الصلاة التي تطهر عندها " وبهذا المضمون عبر في الفقيه فقال: " والمرأة التي تطهر من حيضها عند العصر فليس عليها ان تصلي الظهر انما تصلي الصلاة التي تطهر عندها " والرواية المذكورة محمولة على الوقت المختص جمعا بينها وبين ما تقدم، وحينئذ فان اراد الصدوق ذلك والا كان ما ذكره مخالفا للمشهور بين الاصحاب. ومنه - موثقة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (6) قال: " قلت المرأة ترى الطهر عند الظهر فتشتغل في شأنها حتى يدخل وقت العصر ؟ قال تصلي العصر وحدها فان ضيعت فعليها صلاتان " ويجب حملها ايضا على الوقت المختص. والمراد باشتغالها في شأنها يعني السعي في تحصيل اسباب الغسل. ورواية ابي همام عن ابي الحسن (عليه السلام) (7) " في الحائض إذا اغتسلت


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) المروية في الوسائل في الباب 49 من ابواب الحيض.


[ 252 ]

في وقت العصر تصلي العصر ثم تصلي الظهر " ويجب حملها على ما إذا طهرت في وقت يسع الظهر والعصر ثم توانت بالغسل الى الوقت المختص. ومن ذلك موثقة الفضل بن يونس (1) قال: " سألت ابا الحسن الاول (عليه السلام) قلت: المرأة ترى الطهر قبل غروب الشمس كيف تصنع بالصلاة ؟ قال: إذا رأت الطهر بعد ما يمضي من زوال الشمس اربعة اقدام فلا تصلي إلا العصر، لان وقت الظهر دخل عليها وهي في الدم وخرج عنها الوقت وهي في الدم فلم يجب عليها ان تصلي الظهر، وما طرح الله تعالى عنها من الصلاة وهي في الدم اكثر، قال: وإذا رأت المرأة الدم بعدما يمضي من زوال الشمس اربعة اقدام فلتمسك عن الصلاة فإذا طهرت من الدم فلتقض صلاة الظهر، لان وقت الظهر دخل عليها وهي طاهر وخرج عنها وقت الظهر وهي طاهر فضيعت صلاة الظهر فوجب عليها قضاؤها ". وظاهر الشيخ في التهذيب الجمع بين الاخبار المتقدمة بهذا الخبر حيث قال: " ان المرأة إذا طهرت بعد زوال الشمس الى ان يمضي منه اربعة اقدام فانه يجب عليها قضاء الظهر والعصر معا. وإذا طهرت بعد ان يمضي اربعة اقدام فانه يجب عليها قضاء العصر لا غير ويستحب لها قضاء الظهر إذا كان طهرها الى مغيب الشمس ". والى هذا القول مال في الذخيرة فقال بعد نقل كلام الشيخ: " وبهذا الوجه جمع بين الاخبار المختلفة الواردة في هذا الباب، ونحوه قال في النهاية والمبسوط، وما ذكره الشيخ طريقة حسنة في الجمع بين الاخبار " ثم نقل جملة من روايات الطرفين وقال بعدها: " ويمكن الجمع بين هذه الاخبار بوجهين: (الاول) حمل خبر الفضل على التقية. و (الثاني) حمل خبر ابن سنان وما في معناه على الاستحباب، والثاني اقرب لعدم ظهور كون مدلول خبر الفضل معمولا به بين العامة بل المشتهر بينهم خلافه (2)


(1) المروية في الوسائل في الباب 48 و 49 من ابواب الحيض بالتقطيع. (2) في المغنى لابن قدامة ج 1 ص 396 " قال الخرقى إذا طهرت الحائض واسلم =


[ 253 ]

فتعين الثاني، فظهر ان قول الشيخ قوي متجه " انتهي. اقول: فيه (اولا) - ما عرفت من ان ما عدا رواية الفضل فانه محمول على وجه يمكن انطباقه على الاخبار الاولة وبه يرتفع التنافي بينهما فيجب المصير إليه جمعا بين الاخبار المذكورة، والحمل على الاستحباب - كما ذهب إليه الشيخ ومن تبعه من الاصحاب في جملة الابواب - قد عرفت انه لا دليل عليه من سنة ولا كتاب، مع انه مجاز لا يصار إليه إلا بقرينة في الباب، واختلاف الاخبار ليس من قرائن المجاز كما لا يخفى على ذوي الالباب. و (ثانيا) - ان ما ذكره الشيخ من حمل الاخبار الثانية على ما دلت عليه موثقة الفضل بن يونس موجب للحكم بكون آخر وقت الظهر هو مضى اربعة اقدام، وهو وان كان منقولا عنه في باب الاوقات إلا انه مردود بالآية والروايات التي ربما بلغت التواتر المعنوي من امتداد وقت الظهرين الى الغروب إلا بمقدار صلاة العصر


= الكافر وبلغ الصبى قبل ان تغرب الشمس صلوا الظهر فالعصر، وان بلغ الصبى واسلم الكافر وطهرت الحائض قبل ان يطلع الفجر صلوا المغرب والعشاء الاخرة. وروى هذا القول في الحائض تطهر عن عبد الرحمان بن عوف وابن عباس ومجاهد والنخعي والزهرى وربيعة ومالك والليث والشافعي واسحاق وابى ثور، وقال الامام احمد: عامة التابعين يقولون بهذا القول الا الحسن وحده قال لا تجب الا الصلاة التى طهرت في وقتها وحدها وهو قول الثوري واصحاب الرأى لان وقت الاولى خرج في حال عذرها فلم تجب كما لو لم تدرك من وقت الثانية شيئا. وحكى عن مالك انه إذا ادرك خمس ركعات من وقت الثانية وجبت الاولى لان قدر الاولى من الخمس وقت للصلاة الاولى في حال العذر فوجبت بادراكه كما لو ادرك ذلك من وقتها المختار بخلاف ما لو ادرك دون ذلك " وفى المحلى لابن حزم ج 2 ص 176 " إذا طهرت الحائض في آخر وقت الصلاة بمقدار ما لا يمكنها الغسل والوضوء حتى يخرج الوقت فلا تلزمها ولا قضاؤها، وهو قول الاوزاعي واصحابنا وقال الشافعي واحمد عليها ان تصلى ".


[ 254 ]

واتفاق الاصحاب سلفا وخلفا على ذلك، وليس المخالفة منحصرة في اخبار هذه المسألة كما ظنه فزعم قوة ما ذهب إليه الشيخ هنا للجمع بينها، بل المخالفة في تلك الاخبار المشار إليها المتفق عليها اظهر واشنع، وحينئذ فما جنح إليه من موافقة الشيخ على هذا الحمل مما لا ينبغي ان يلتفت إليه. و (ثالثا) - ان الحمل على التقية لا يختص بوجود القائل من العامة كما حققناه في المقدمة الاولى من مقدمات الكتاب، على ان مذاهب العامة في الصدر الاول لا انحصار لها في عدد بل لهم في كل عصر مذهب، والانحصار في هذه الاربعة انما وقع اخيرا في سنة ستمائة تقريبا كما صرح به علماؤنا وعلماؤهم، وبالجملة فان الخبر المذكور ظاهر المخالفة للقرآن العزيز والسنة المستفيضة بل المتواترة معنى وما عليه كافة العلماء سلفا وخلفا ومنهم هذا القائل، فيجب طرحه في مقابلتها ويتعين حمله على ما ذكرنا. والله العالم.

(المسألة الثالثة) - يحرم عليها امور:

(الاول) - كل ما يشترط فيه الطهارة كالصلاة والطواف ومس كتابة القرآن اجماعا في الاولين وعلى المشهور في الثالث، وعن ابن الجنيد انه مكروه، وحمله على التحريم غير بعيد فان عبائر المتقدمين تجري على الاخبار التي قد كثر فيها اطلاق الكراهة على التحريم. ومن الاخبار في المسألة زيادة على الاتفاق ما رواه في الكافي في الصحيح عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " إذا كانت المرأة طامثا فلا تحل لها الصلاة... " وما رواه في العلل والعيون عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (2) قال: " إذا حاضت المرأة فلا تصوم ولا تصلي، لانها في حد نجاسة فاحب الله تعالى ان لا يعبد إلا طاهرا، ولانه لا صوم لمن لا صلاة له... الحديث " وما في كتاب نهج البلاغة عن امير المؤمنين (عليه السلام) (3) قال: " معاشر الناس ان النساء نواقص الايمان نواقص العقول نواقص الحظوظ، فاما نقصان ايمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في ايام حيضهن،


(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 39 من ابواب الحيض.


[ 255 ]

واما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين كشهادة الرجل الواحد، واما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الانصاف من مواريث الرجال ". واما الطواف فستأتي الاخبار الدالة عليه في كتاب الحج ان شاء الله تعالى، واما مس كتابة القرآن فقد مر ما يدل عليه في مبحث الوضوء (1) وفي غسل الجنابة (2).

(الثاني) - الصوم الا انه يجب قضاؤه عليها دون الصلاة، ويدل على ذلك زيادة على ما تقدم في الاخبار السابقة ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المستحاضة ؟ فقال تصوم شهر رمضان إلا الايام التي كانت تحيض فيها ثم تقضيها بعد " وفى قضاء المنذور وشبهه الذي وافق الحيض وجهان اقربهما عند العلامة عدم الوجوب، واختار الشهيد الوجوب وهو الاحوط. واما عدم قضاء الصلاة فاجماعي نصا وفتوى، وفي جملة من الاخبار تعليل قضاء الصوم دون الصلاة بانه محض تعبد، وفى بعضها بانه دليل على بطلان القياس، ففي رواية الحسن بن راشد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) لما سأله عن وجه الفرق بينهما قال: " ان اول من قاس ابليس " وفى بعضها بان الصوم انما هو في السنة مرة والصلاة في كل يوم وليله، واكثر الاخبار على الثاني. ثم انه لا يخفى ان ظاهر النصوص الاختصاص بالصلوات اليومية، وهل يلحق بها غيرها من الصلوات الواجبة عند عروض اسبابها في وقت الحيض كالكسوف والخسوف ؟ وجهان احوطهما العدم. واما الزلزلة فالظاهر ان وقتها العمر كما سيأتي تحقيقه في محله ان شاء الله تعالى. وهل تتوقف صحة صومها على الغسل ام لا ؟ قولان يأتي الكلام فيهما ان شاء الله في كتاب الصوم.

(الثالث) - اللبث في المساجد والاجتياز في المسجدين الحرمين، قال في


(1) ج 2 ص 122 (2) ج 2 ص 46. (3) رواه في الوسائل في الباب 39 من ابواب الحيض. (4) المروية في الوسائل في الباب 41 من ابواب الحيض.


[ 256 ]

المدارك بعد ذكر الحكم الاول: " هذا الحكم مجمع عليه بين الاصحاب بل قال في المنتهى انه مذهب عامة اهل العلم " اقول: لا يخفى ان دعوى الاجماع هنا لا تخلو من غفلة عن خلاف سلار في المسألة حيث قال في التحرير في احكام الحائض: " يحرم عليها اللبث في المساجد اجماعا إلا من سلار " وقال في الروض: " وعد سلار اللبث في المساجد للجنب والحائض ووضع شئ فيها مما يستحب تركه ولم يفرق بين المسجدين وغيرهما " والحق انه متحقق اللهم إلا ان يقال الاجماع انعقد بعده أو ان مخالفة معلوم النسب غير قادح في الاجماع. ويدل على الحكم المذكور ما رواه الشيخ في الصحيح أو الحسن على المشهور عن محمد بن مسلم (1) قال قال أبو جعفر (عليه السلام): " الجنب والحائض يفتحان المصحف من وراء الثوب ويقرءان من القرآن ما شاءا إلا السجدة ويدخلان المسجد مجتازين ولا يقعدان فيه ولا يقربان المسجدين الحرمين ". وما رواه الصدوق في العلل في الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (2) قالا: " قلنا له الحائض والجنب يدخلان المسجد ام لا ؟ فقال: الحائض والجنب لا يدخلان المسجد إلا مجتازين... الحديث ". ولم نقف لسلار على دليل معتد به إلا التمسك بالاصل ولا ريب في وجوب الخروج عنه بما ذكرناه من الدليل.

(الرابع) - وضع شئ في المساجد، ولا خلاف فيه إلا من سلار فانه نقل عنه الكراهة، ويدل على المشهور صحيحة عبد الله بن سنان (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الجنب والحائض يتناولان من المسجد المتاع يكون فيه ؟ قال: نعم


(1) رواه في الوسائل في الباب 15 و 19 من ابواب الجنابة بالتقطيع. (2) رواه في الوسائل في الباب 15 من ابواب الجنابة. (3) المروية في الوسائل في الباب 17 من ابواب الجنابة.


[ 257 ]

ولكن لا يضعان في المسجد شيئا " وصحيحة زرارة وابن مسلم المتقدم نقلها من العلل حيث قال فيها: " ويأخذان من المسجد ولا يضعان فيه. قال زرارة فقلت له فما بالهما يأخذان منه ولا يضعان فيه ؟ قال: لانهما لا يقدران على اخذ ما فيه إلا منه ويقدران على وضع ما بيدهما في غيره... الحديث " وما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " سألته كيف صارت الحائض تأخذ ما في المسجد ولا تضع فيه ؟ فقال: لان الحائض تستطيع ان تضع ما في يدها في غيره ولا تستطيع ان تأخذ ما فيه إلا منه ".

(الخامس) - قراءة سور العزائم، وقصر جملة من متأخرى المتأخرين التحريم على آية العزيمة هنا وفي الجنب، وقد تقدم تحقيق القول في ذلك في المسألة الرابعة من المقصد الخامس من مقاصد غسل الجنابة (2) واما ما يدل على ذلك ويتعلق به من البحث فقد تقدم في المقصد الثاني من فصل غسل الجنابة (3).

بقى الكلام هنا في موضعين:

(الاول) - لو تلت السجدة أو سمعتها هل يجب عليها السجود ام لا ؟ ظاهر الاكثر ذلك، وعن الشيخ انه حرم عليها السجود مستندا الى انه يشترط في السجود الطهارة من النجاسات مدعيا على ذلك الاتفاق، والاظهر هو القول المشهور لما رواه الكليني في الصحيح والشيخ في الموثق عن ابي عبيدة الحذاء (4) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الطامث تسمع السجدة ؟ قال: ان كانت من العزائم فلتسجد إذا سمعتها " وفى الموثق عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " ان صليت مع قوم فقرأ الامام " اقرأ باسم ربك... " الى ان قال والحائض تسجد إذا سمعت السجدة " وعن ابي بصير ايضا (6) قال قال: " إذا.


(1) رواه في الوسائل في الباب 35 من ابواب الحيض (2) ص 141. (3) ص 55 (4) و (6) رواه في الوسائل في الباب 36 من ابواب الحيض. (5) رواه في الوسائل في الباب 38 من ابواب الحيض.


[ 258 ]

قرئ شئ من العزائم الاربع فسمعتها فاسجد وان كنت على غير وضوء وان كنت جنبا وان كانت المرأة لا تصلي، وسائر القرآن انت فيه بالخيار ان شئت سجدت وان شئت لم تسجد ". واما ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) - قال: " سألته عن الحائض هل تقرأ القرآن وتسجد سجدة إذا سمعت السجدة ؟ قال تقرأ ولا تسجد " قال في الوافي: وفى بعض النسخ " لا تقرأ ولا تسجد " وحمله في الاستبصار على جواز الترك، ومثله ما رواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب محمد بن علي بن محبوب عن محمد بن الحسين عن محمد بن يحيى الخزاز عن غياث عن جعفر عن ابيه عن علي (عليهم السلام) (2) قال: " لا تقضى الحائض الصلاة ولا تسجد إذا سمعت السجدة " - فسيأتي الجواب عنهما. ومن العجيب ان الشيخ (رحمه الله) في التهذيب حمل خبر ابي عبيدة وخبر ابي بصير الثاني على الاستحباب مع انه حكم بتحريم السجود وانه لا يجوز إلا لطاهر من النجاسات استنادا الى صحيحة عبد الرحمان بن ابي عبد الله المذكورة. واجاب في المختلف عن صحيحة عبد الرحمان المذكورة بالحمل على المنع من قراءة العزائم، قال " وكأنه (عليه السلام) قال " تقرأ القرآن ولا تسجد " اي ولا تقرأ العزيمة التي تسجد فيها واطلاق المسبب على السبب مجازا جائزا " ولا يخفى ما فيه من البعد. واجاب عنها المتأخرون بالحمل على السجدات المستحبة بدليل قوله " تقرأ " وحينئذ فالدلالة منتفية. وفى المدارك انه يمكن حملها على السماع الذي لا يكون معه الاستماع، قال فان: صحيحة ابي عبيدة انما تضمنت وجوب السجود عليها مع الاسماع. اقول: والكل تكلف مستغنى عنه، والاظهر حمل الخبر المذكور وكذا خبر غياث على التقية فان جمهور الجمهور على المنع من السجود، ونقله في المنتهى عن ابي حنيفة


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 36 من ابواب الحيض.


[ 259 ]

والشافعي واحمد، ونقل عن بعض انها تومى برأسها (1) واما على ما نقله في الوافي من نسخة " لا تقرأ ولا تسجد " فلا منافاة في الخبر المذكور، وبذلك يظهر ما في كلام صاحب الذخيرة تبعا لبعض نسخ المدارك من التوقف في المسألة وانها موضع اشكال ينشأ من الاحتمالات السابقة في حمل الصحيحة المشار إليها، وعلى ما ذكرناه فلا اشكال، ولكنهم حيث ضربوا صفحا عن الترجيح بين الاخبار بهذه القاعدة مع استفاضة النصوص بها وقعوا في ما وقعوا فيه. والله العالم.

(الثاني) - اختلف الاصحاب في موجب سجود التلاوة في هذا الموضع وغيره هل هو مجرد السماع وان كان من غير قصد أو الاستماع الذي هو عبارة عن الاصغاء والقصد الى ذلك ؟ قولان يأتي تحقيق الكلام فيهما في بحث السجود من كتاب الصلاة ان شاء الله تعالى.

(المسألة الرابعة) - لا خلاف بين الاصحاب في انه لا يصح طلاقها بعد الدخول وحضور الزوج اوما في حكمه وهو قربه منها بحيث يمكنه استعلام حالها كالمحبوس ونحوه، فغير المدخول بها يصح طلاقها وان كانت حائضا وكذا مع غيبة الزوج، الا انه قد وقع الخلاف في حد الغيبة المجوزة، فقيل انه ثلاثة اشهر، وقيل شهر، وقيل المعتبر ان يعلم انتقالها من الطهر الذي واقعها فيه الى آخر بحسب عادتها وهو المشهور بين المتأخرين، وسيأتي تحرير الكلام في المسألة في محلها ان شاء الله تعالى من كتاب الطلاق.


(1) في بدائع الصنائع ج 1 ص 186 ومجمع الانهر ج 1 ص 157 " لا تجب سجدة التلاوة على الحائض والنفساء دون الجنب " وفى البحر الرائق ج 2 ص 121 " لا يجب السجود على الحائض بتلاوتها كما لا يجب بسماعها " وفى المغنى ج 1 ص 620 " لا نعلم خلافا في اشتراط السجود للتلاوة بالطهارتين من الحدث والخبث وستر العورة واستقبال القبلة والنية الا ما روى عن عثمان بن عفان في الحائض تسمع السجدة تومى برأسها وبه قال سعيد بن المسيب ".


[ 260 ]

(المسألة الخامسة) - لا خلاف بين الاصحاب في تحريم وطء الحائض في القبل بل نقل عن جمع منهم التصريح بكفر مستحله حيث انه من ضروريات الدين، إلا ان يدعى في ذلك شبهة ممكنة كقرب عهده بالاسلام أو نشوئه في بادية بعيدة على العلم بمعالم الدين.

وتحقيق البحث في المقام يقع في مواضع:

(الاول) - قال في المدارك: " ولا ريب في فسق الواطئ بذلك ووجوب تعزيره بما يراه الحاكم مع علمه بالحيض وحكمه، ويحكى عن ابي علي ولد الشيخ تقديره بثمن حد الزانى ولم نقف على مأخذه " وتبعه في هذه المقالة الفاضل الخراساني في الذخيرة وغيره، وتقدمه فيها جده في الروض وغيره، والعجب منهم (رضوان الله عليهم) في عدم وقوفهم على حد التعزير في الصورة المذكورة حتى ارجعوه الى الحاكم مع تكاثر الاخبار بذلك، ومنها - ما رواه ثقة الاسلام والشيخ عن اسماعيل بن الفضل الهاشمي قال: " سألت ابا الحسن عن رجل اتى اهله وهي حائض ؟ قال يستغفر الله ولا يعود. قلت فعليه ادب ؟ قال: نعم خمسة وعشرون سوطا ربع حد الزاني وهو صاغر لانه اتى سفاحا " وروى الشيخان المذكوران ايضا عن محمد بن مسلم (2) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يأتي المرأة وهي حائض ؟ قال: يجب عليه في استقبال الحيض دينار وفي استدباره نصف دينار. قلت جعلت فداك يجب عليه شئ من الحد ؟ قال: نعم خمسة وعشرون سوطا ربع حد الزاني لانه اتى سفاحا " وروى الثقة الجليل علي بن ابراهيم القمي في تفسيره عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) انه قال: " من اتى امرأته في الفرج في اول ايام حيضها فعليه ان يتصدق بدينار وعليه ربع حد الزانى خمسة وعشرون جلدة، وان اتاها في آخر ايام حيضها فعليه ان يتصدق بنصف دينار ويضرب اثنتى عشرة جلدة ونصفا " وظاهر الخبرين الاولين التعزير بالخمسة والعشرين مطلقا في اول الحيض أو آخره وظاهر الخبر الثالث التخصيص باوله، ويمكن الجمع بتقييد اطلاق الخبرين الاولين بالخبر


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 13 من ابواب التعزيرات. (3) المروية في الوسائل في الباب 28 من ابواب الحيض.


[ 261 ]

الثالث، ويمكن ترجيح الخبرين الاولين برواية الشيخين المشار اليهما لما ذكراه مسندا وارسال هذه الرواية. ولو جهل الحيض أو نسيه أو جهل الحكم أو نسيه فالظاهر انه لا شئ عليه لعدم توجه الخطاب في هذه الحالات إليه، وبذلك صرح جملة منهم (رضوان الله عليهم).

(الثاني) - قال في المدارك: " ولو اشتبه الحال فان كان لتحيرها فسيأتي حكمه وان كان لغيره كما في الزائد على العادة فالاصل الاباحة، واوجب عليه في المنتهى الامتناع، قال لان الاجتناب حالة الحيض واجب والوطء حالة الطهر مباح فيحتاط بتغليب الحرام لان الباب باب الفروج. وهو حسن إلا انه لا يبلغ حد الوجوب " انتهى اقول: لا يخفى ان هذا الكلام انما يتمشى على ما هو المشهور في كلامهم من ان ما زاد على العادة يراعى بالانقطاع قبل العشرة أو تجاوزها، فان انقطع حكم بكون الجميع حيضا وان تجاوز علم ان ما زاد على العادة استحاضة، فعلى هذا يكون الدم بعد العادة وقبل وصول العشرة محتملا للحيض والطهر، وبه يتجه ما قاله هنا من ان الاصل الاباحة وكذا ما نقله عن العلامة، واما على ما هو المفهوم من الاخبار - كما نبهنا عليه فيما تقدم من انه بعد تجاوز الدم عن ايام العادة فانها تستظهر بيومين أو ثلاثة ثم بعد ذلك تعمل عمل المستحاضة انقطع الدم على العشرة أو تجاوز - فلا وجه لهذا الكلام بل التحقيق فيه ان الدم في ايام الاستظهار - حيث الحقه الشارع بالحيض - في حكم الحيض بالنسبة الى ترك العبادة وجماع الزوج ونحو ذلك من الاحكام الحائض، وما بعد ايام الاستظهار فالواجب عليها العمل بما تعمله المستحاضة وتكون بذلك طاهرة يجوز لزوجها اتيانها، وحينئذ فلا يكون ما بعد ايام العادة محل احتمال ولا شك لا في ايام الاستظهار ولا فيما بعدها. والعجب منه انه ناقش الاصحاب فيما تقدم في هذا الحكم الذي ذكرناه وصرحوا بان الروايات لا تساعده ومع هذا تبعهم في هذا المقام وحذا حذوهم بهذا الكلام.

(الثالث) - الظاهر انه لا اشكال ولا خلاف في قبول قولها لو اخبرت بالحيض ما لم تكن متهمة بتضييع حق الزوج، لظاهر قوله تعالى: "... ولا يحل لهن ان


[ 262 ]

يكتمن ما خلق الله في ارحامهن... " (1) ولولا وجوب القبول لما حرم الكتمان، ويدل عليه من الاخبار ايضا ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (2) انه قال: " العدة والحيض الى النساء " وما رواه الكليني في الحسن عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (3) انه قال: " العدة والحيض الى النساء إذا ادعت صدقت " واما ما يشير الى عدم القبول مع التهمة فهو ما رواه الشيخ عن اسماعيل بن ابي زياد عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (4) " ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قال في امرأة ادعت انها حاضت في شهر واحد ثلاث حيض فقال كلفوا نسوة من بطانتها ان حيضها كان فيما مضى على ما ادعت فان شهدن صدقت وإلا فهي كاذبة " ورواه الصدوق مرسلا (5) وحمل الشيخ هذا الخبر على صورة تكون المرأة متهمة، قال بعض الاصحاب: " ومفاد الخبر على تقدير العمل به اخص مما ذكره الشيخ، إذ الدعوى فيه مخالفة للعادة الجارية قليلة الوقوع " وهو جيد إلا انه غير خال من الاشعار بذلك، ولو ظن الزوج كذبها قيل: لا يجب القبول واليه مال الشهيد الثاني، وقيل يجب وهو اختيار العلامة في النهاية والشهيد في الذكرى، وهو الاقوى عملا بظاهر الخبرين المتقدمين.

(الرابع) - المشهور بين الاصحاب تخصيص التحريم بالجماع في القبل وانه يجوز له الاستمتاع بما عدا ذلك، وعن المرتضى في شرح الرسالة انه قال: " لا يحل الاستمتاع منها إلا بما فوق المئزر ومنه الوطي في الدبر ". احتج المجوزون بقوله عزوجل: " والذين هم لفروجهم حافظون إلا على ازواجهم أو ما ملكت ايمانهم فانهم غير ملومين " (6) وهو ظاهر في عدم اللوم على الاستمتاع كيف كان، خرج منه موضع الدم بالنص وبقى الباقي على اصل الجواز، وبالاخبار الكثيرة


(1) سورة البقرة. الآية 227. (2) و (3) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 47 من ابواب الحيض. (6) سورة المؤمنون. الآية 5 و 6.


[ 263 ]

ومنها - موثقة عبد الله بن بكير عن بعض باصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا حاضت المرأة فليأتها زوجها حيث شاء ما اتقى موضع الدم " ورواية عبد الملك بن عمرو (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عما لصاحب المرأة الحائض منها ؟ قال كل شئ ما عدا القبل بعينه " وصحيحة عمر بن يزيد (3) قال: " قلت: لابي عبد الله (عليه السلام) ما للرجل من الحائض ؟ قال ما بين اليتيها ولا يوقب " ورواية معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الحائض ما يحل لزوجها منها ؟ قال: ما دون الفرج " ورواية عبد الله بن سنان (5) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض ؟ قال: ما دون الفرج " وموثقة هشام بن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) " في الرجل يأتي المرأة فيما دون الفرج وهي حائض ؟ قال: لا بأس إذا اجتنب ذلك الموضع " ونحوها روايات اخر اعرضنا عن التطويل بذكرها. احتج المرتضى بقوله عزوجل: "... ولا تقربوهن حتى يطهرن... " (7) وقوله تعالى: "... فاعتزلوا النساء في المحيض... " (8) اي في وقت الحيض، وصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (9) " في الحائض ما يحل لزوجها منها ؟ قال: تتزر بازار الى الركبتين وتخرج سرتها ثم له ما فوق الازار... " اقول: ويدل عليه ايضا موثقة ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (10) قال: " سئل عن الحائض ما يحل لزوجها منها ؟ قال: تتزر بازار الى الركبتين وتخرج ساقيها وله ما فوق الازار " ويؤيد ذلك ايضا رواية حجاج الخشاب (11) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الحائض والنفساء ما يحل لزوجها منها ؟ قال: تلبس درعا ثم تضطجع معه ".


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) المروية في الوسائل في الباب 25 من ابواب الحيض. (7) و (8) سورة البقرة. الآية 221. (9) و (10) و (11) المروية في الوسائل في الباب 26 من ابواب الحيض.


[ 264 ]

والظاهر هو القول المشهور المؤيد بالادلة المذكورة، واما ما يدل على مذهب المرتضى (رضي الله عنه) فقد اجاب في المختلف عن الآية الاولى بان حقيقة القرب ليست مرادة بالاجماع فيحمل على المجاز المتعارف وهو الجماع في القبل لان غير نادر، وعن الثانية بانه يحتمل ارادة موضع الحيض بل هو المراد قطعا فان اعتزال النساء مطلقا ليس مرادا بل اعتزال الوطء في القبل. اقول: اما ما اجاب به عن الاولى فهو جيد، لما عرفت في غير موضع من ان الاطلاق انما ينصرف الى الافراد الشائعة المتكررة وبعد تعذر الحمل على الحقيقة فالفرد المتكرر انما هو الجماع في القبل، ويؤيده ما ذكره المفسرون في سبب النزول من ان اليهود كانوا يعتزلون النساء فلا يواكلوهن ولا يباشروهن مدة الحيض فسئل النبي (صلى الله عليه وآله) عن ذلك فنزلت هذه الآية فقال النبي: " اصنعوا كل شئ الا النكاح " (1) واما ما اجاب به عن الثانية فتوضيحه ان الظاهر ان المحيض هنا اسم مكان بمعنى موضع الحيض كالمبيت والمقيل واحتمال كونه مصدرا أو اسم زمان يوجب الاضمار والتخصيص للاجماع على عدم وجوب اعتزالهن بالكلية. وايده بعضهم بان الحكم بالاعتزال على تقدير ان يكون اسم زمان أو مصدرا لا يشمل ما بعد زمان الحيض بوجه فكان منتهاه معلوما فتقل الفائدة في قوله تعالى: " حتى يطهرن ". واما الاخبار فالجواب عنها من وجوه: (احدها) - انها معارضة بما هو اكثر عددا واصرح دلالة فيجب الجمع بينهما بحمل هذه الروايات على كراهة ما تحت الازار و (ثانيها) - ان قصارى ما دلت عليه هذه الاخبار ان له الاستمتاع بما فوق المئزر ونحن نقول به، ودلالتها على تحريم ما عداه انما هو بمفهوم اللقب وهو ضعيف كما قرروه في الاصول. و (ثالثها) - ان المراد بما يحل هو المعنى المتعارف عند الفقهاء والاصوليين وهو ما يتساوى طرفاه المرادف للمباح، ولا ريب ان نفيه لا يستلزم الحرمة لجواز ارادة الكراهة، ونحن لا نخالف فيها جمعا بين الادلة لان من حام حول الحمى


(1) رواه البغوي في مصابيح السنة ج 1 ص 38 وغيره.


[ 265 ]

اوشك ان يقع فيه و (رابعها) - وهو المعتمد - حمل هذه الاخبار على التقية، لموافقتها لمذهب العامة كما ذكر الشيخ، لان العامة ما بين محرم ومكره، فنقل في المنتهى التحريم عن ابي حنيفة والشافعي ومالك وابي يوسف (1) والكراهة عن عكرمة وعطاء والشعبي والثوري واسحاق والاوزاعي وابي ثور وداود ومحمد بن الحسن والنخعي وابي اسحاق المروزي وابن المنذر (2) وبذلك يظهر ان ما دلت عليه هذه الاخبار - من عدم حل ما تحت الازار تحريما أو كراهة - فهو محمول على التقية، وبه يظهر ضعف حمل الاخبار المذكورة على الكراهة كما هو المشهور. والله العالم.

(المسألة السادسة) - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب الكفارة بالوطء في الحيض واستحبابها، والمشهور بين المتقدمين الاول وبه قال الشيخ في الجمل والمبسوط والمفيد والمرتضى وابنا بابويه وابن البراج وابن حمزة وابن ادريس، والمشهور بين المتأخرين الثاني وبه قال الشيخ في النهاية، واما الاخبار الواردة في المسألة فأكثرها - وان ضعف سند جملة منها بالاصطلاح المحدث - يدل على الوجوب: (منها) - ما رواه الشيخ عن داود بن فرقد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) " في كفارة الطمث انه يتصدق إذا كان في اوله بدينار وفى اوسطه بنصف دينار وفى آخره بربع دينار. قلت: فان لم يكن عنده ما يكفر ؟ قال: فليتصدق على مسكين واحد وإلا استغفر الله تعالى ولا يعود، فان الاستغفار توبة وكفارة لمن لم يجد السبيل الى شئ من الكفارة ".


(1) كما في المحلى لابن حزم ج 1 ص 176 والبحر الرائق لابن نجيم ج 1 ص 197 ونيل الاوطار للشوكاني ج 1 ص 241. (2) كما في نيل الاوطار للشوكاني ج 1 ص 241 والمهذب للشيرازي ج 1 ص 37 والبحر الرائق ج 1 ص 197. (3) رواه في الوسائل في الباب 28 من ابواب الحيض.


[ 266 ]

وعن عبد الملك بن عمرو (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اتى جاريته وهي طامث ؟ قال: يستغفر الله ربه. قال عبد الملك: فان الناس يقولون عليه نصف دينار أو دينار ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فليتصدق على عشرة مساكين " وعن محمد بن مسلم (2) قال: " سألته عن من اتى امرأته وهي طامث ؟ فقال يتصدق بدينار ويستغفر الله تعالى ". وعن ابي بصير في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " من اتى حائضا فعليه نصف دينار يتصدق به ". وعن عبيدالله بن علي الحلبي في الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) " في الرجل يقع على امرأته وهي حائض ما عليه ؟ قال يتصدق على مسكين بقدر شبعه. وقد حمل الاصحاب اطلاق ما بعد الرواية الاولى على ما تضمنته من التفصيل في افراد الكفارة، وهو جيد، وقال في المقنع (5): " روى ان من جامعها في اول الحيض فعليه ان يتصدق بدينار وان كان في نصفه فنصف دينار وان كان في آخره فربع دينار " اقول: وقد تقدم في الموضع الاول (6) رواية محمد بن مسلم الدالة على انه يجب عليه في استقبال الدم دينار وفى استدباره نصف دينار، ونحوها رواية تفسير علي بن ابراهيم. واما ما يدل على القول الثاني فما رواه الشيخ في الصحيح عن عيص بن القاسم (7) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل واقع امرأته وهي طامث ؟ قال: لا يلتمس فعل ذلك وقد نهى الله تعالى ان يقربها. قلت فان فعل أعليه كفارة ؟ قال: لا اعلم فيه شيئا يستغفر الله تعالى ". وعن زرارة في الموثق عن احدهما (عليهما السلام) (8) قال: " سألته عن الحائض


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 28 من ابواب الحيض. (6) ص 260 (7) و (8) رواه في الوسائل في الباب 29 من ابواب الحيض.


[ 267 ]

يأتيها زوجها ؟ قال: ليس عليه شئ يستغفر الله تعالى ولا يعود ". وعن ليث المرادي (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن وقوع الرجل على امرأته وهي طامث خطأ ؟ قال: ليس عليه شئ وقد عصى ربه ". وحمل المتأخرون الاخبار الاولة لضعف اسانيدها على الاستحباب وايدوا ذلك باختلافها في تقدير الكفارة. وفيه ما عرفت فيما تقدم في غير مقام. وفى المدارك عن المحقق في المعتبر انه قال بعد طعنه في الاخبار بضعف الاسانيد: " ولا يمنعنا ضعف طريقها عن تنزيلها على الاستحباب لاتفاق الاصحاب على اختصاصها بالمصلحة الراجحة اما وجوبا أو استحبابا، فنحن بالتحقيق عاملون بالاجماع لا بالرواية " ثم قال في المدارك: وهو حسن. اقول: بل هو عن الحسن بمعزل (اما اولا) - فلمنافاة هذا الكلام لما قدمه في صدر كتابه مما هو كالقاعدة في امثال المقام من قوله: " افرط الحشوية في العمل بخبر الواحد... الخ " وقد تقدم نقله في الموضع الثاني من المقام الثاني من المطلب الاول في المبتدأة من المقصد الثاني (2) وملخصه عدم الطعن في الاخبار بضعف السند وانما المرجع الى قبول الاصحاب للخبر أو دلالة القرائن على صحته، والامران المذكوران حاصلان في جانب هذه الاخبار، اما قبول الاصحاب لها فظاهر لما عرفت من ان القول بها هو المشهور بين المتقدمين، ولهذا ان الشهيد في الذكرى استند الى جبرها بالشهرة، واما دلالة القرائن فلتدوينها في الاصول المعتمدة التي عليها المدار. و (اما ثانيا) - فلان مرجع هذا الاجماع الذي استند إليه في الاستحباب انما هو الاخبار المذكورة، حيث انهم اجمعوا على العمل بها وجوبا عند بعض واستحبابا عند آخرين، وكيف كان فحملها على الاستحباب مع دلالتها بظاهرها على الوجوب لا يخرج عن طرحها، إذ مقتضى الوجوب هو تحتم الفعل مع ثبوت العقوبة على تركه، ومقتضى


(1) رواه في الوسائل في الباب 29 من ابواب الحيض (2) ص 199.


[ 268 ]

الاستحباب جواز الترك وعدم العقوبة، والقول بالاستحباب ظاهر في طرحها وعدم العمل بما دلت عليه من الوجوب الذي انما خرجوا عنه لضعف السند وإلا فلو صحت اسانيدها لحكموا بالوجوب. و (اما ثالثا) - فان ظاهر كلامهم انهم انما حملوا هذه الاخبار على الاستحباب من حيث ضعف اسانيدها تفاديا من طرحها والا فلو صحت اسانيدها لقالوا بالوجوب كما هو ظاهرها، وانت خبير بان الحمل على الاستحباب حينئذ مجاز لا يصار إليه الا مع القرينة الظاهرة، وضعف الاسانيد ليس من جملة قرائن المجاز، ولا وجود المخالف من الاخبار في ذلك الحكم، ويرجح القول بالوجوب انه الاوفق بالاحتياط وهو احد المرجحات الشرعية، وبالجملة فان حمل الاخبار المشار إليها على الاستحباب بعيد عن جادة الصواب. وحمل الشيخ (رحمه الله) الاخبار الاخيرة على الجاهل بالحيض. ولا يخفى بعده في الخبر الاول. والاقرب عندي حمل الاخبار الاخيرة على التقية التي هي في اختلاف الاخبار والاحكام الشرعية اصل كل بلية، فان ذلك مذهب جمهور المخالفين، قال في المنتهى بعد نقل القول بالوجوب: " وهو احدى الروايتين عن احمد واحد قولي الشافعي " وقال بعد نقل القول بالاستحباب: " وهو قول مالك وابي حنيفة واكثر اهل العلم " واما ما طعنوا به من اختلاف المقادير في الكفارة فقد عرفت انه محمول على ما صرحت به الرواية الاولى من المراتب في الصدقة ومع تعذرها فالاستغفار. وبالجملة فانك قد عرفت في غير مقام ما في الجمع بين الاخبار بالاستحباب، فان القاعدة المروية عنهم (عليهم السلام) هو العرض على مذهب العامة في مقام اختلاف الاخبار والاخذ بما يخالفه وهو هنا في روايات القول بالوجوب، وبه يظهر ان القول بالوجوب هو الاقوى. قال في الذكرى: " واما التفصيل بالمضطر وغيره والشاب وغيره - كما قاله الراوندي - فلا عبرة به " والله العالم.


[ 269 ]

وههنا فوائد:

(الاولى) - المشهور انه على تقدير القول بالكفارة وجوبا أو استحبابا فهي دينار في اوله ونصف دينار في وسطه وربع دينار في آخره كما دلت عليه رواية داود المتقدمة، والمراد باوله الثلث الاول منه وبوسطه الثلث الثاني وبآخره الثلث الثالث، فالاول لذات الثلاثة اليوم الاول ولذات الاربعة هو مع ثلث الثاني ولذات الخمسة هو مع ثلثيه ولذات الستة اليومان الاولان وعلى هذا القياس، ومثله في الوسط والاخير، وعن سلار ان الوسط ما بين الخمسة الى السبعة، واعتبر الراوندي العشرة دون العادة، ويلزم على قوليهما خلو بعض العادات عن الوسط والاخير، والظاهر ان مرجع قولي سلار والراوندي الى جعل محل هذا التقدير هو العشرة خاصة دون العادة، لكن سلار يعتبر الوسط منها ما بين الخمسة الى السبعة فما تحت الخمسة وهو الاربعة يجعله اولا وما فوق السبعة وهي الثلاثة يجعله اخيرا فالوسط على هذا ثلاثة، والراوندي يثلث العشرة كما يقوله الاصحاب في ذات العشرة، فخلافه للاصحاب في تخصيص ذلك بالعشرة دون العادة، وخلاف سلار في ذلك في عدم التثليث في العشرة، وعلى هذا فإذا كانت العادة سبعة - مثلا - فلا آخر لها عندهما ولو كانت ثلاثة - مثلا - فلا آخر ولا وسط لها عندهما ايضا. ويدفعهما - زيادة على ندورهما - رجوع الضمير في قوله (عليه السلام) (1): " يتصدق إذا كان في اوله بدينار " الى الحيض من غير تفصيل وعن الصدوق في المقنع انه قال: " يتصدق على كل مسكين بقدر شبعه " ونسب دليل القول المشهور الى الرواية مع انه في الفقيه وافق الاصحاب، والظاهر انه استند الى حسنة الحلبي المتقدمة (2) وهي محمولة على ما عرفت من عدم امكان ما زاد على ذلك.

(الثانية) - قد ذكر الاصحاب ان المراد بالدينار هو المثقال من الذهب المضروب الخالص وكانت قيمته في زمانه (عليه السلام) عشرة دراهم، فلا تجزئ القيمة كباقي الكفارات ولا التبر لعدم تناول النص لهما، وقد قطع العلامة في جملة من كتبه بعدم اجزاء القيمة، وهو كذلك كما عرفت. قال في الذكرى: " قدر الشيخان


(1) في رواية داود بن فرقد المتقدمة ص 265 (2) ص 266.


[ 270 ]

الدينار بعشرة دراهم والخبر خال منه، فان لم نقل به ففي جواز اخراج القيمة نظر التفاتا الى عدم اجزاء القيم في الكفارات، وعلى قولهما لا يجزئ دينار قيمته اقل من عشرة، والظاهر ان المراد به المضروب فلا يجزئ التبر لانه المفهوم من الدينار " انتهى. وقال في المنتهى: " لا افرق في الاخراج بين المضروب والتبر لتناول الاسم لهما. ويشترط ان يكون صافيا من الغش، وفي اخراج القيمة نظر اقربه عدم الاجزاء لانه كفارة فاختص ببعض انواع المال كسائر الكفارات " ونحوه في التحرير، وظاهره اجزاء التبر وهو غير المضروب، وفي تناول الاسم له - كما ادعاه - اشكال، إذ المتبادر منه انما هو المضروب بسكة المعاملة كما عرفت من كلام الذكرى.

(الثالثة) - قد صرح الاصحاب من غير خلاف يعرف بان مصرف هذه الكفارة الفقراء والمساكين من اهل الايمان، ويكفي الواحد ولا يجب التعدد عملا باطلاق الخبر، وهو كذلك. وظاهرهم ايضا انه لا فرق في الزوجة بين الدائمة والمنقطعة الحرة والامة للاطلاق، وهو كذلك ايضا. قيل: وهل يلحق بها الاجنبية المشتبهة أو المزني بها ؟ وجهان منشأهما استلزام ثبوت الحكم في الادنى ثبوته في الاعلى، ومن حيث عدم النص سيما مع احتمال كون الكفارة مسقطة للذنب، فلا يتعدى الى الاقوى لانه بتفاحشه قد لا يقبل التكفير وانما يناسبه الانتقام كما في كفارة الصيد ثانيا. اقول: والاظهر هو الاول، لا لما ذكروه بل لما تقدم (1) في رواية ابي بصير من قوله (عليه السلام): " من اتى حائضا... " فانه شامل باطلاقه للزوجة والاجنبية، ونقل القول بذلك عن العلامة والشهيد استنادا الى الرواية المذكورة. اقول: ونحوها ايضا قوله في رواية محمد بن مسلم (2) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يأتي


(1) ص 266 (2) ص 260.


[ 271 ]

المرأة وهي حائض ؟ قال: يجب عليه في استقبال الحيض دينار... الحديث " وقد تقدم. ولو كانت الحائض الموطوءة امة قال الشيخ في النهاية والصدوق انه يتصدق بثلاثة امداد من طعام، وبه قال العلامة ايضا في المنتهى الا انه حمل التصدق على الاستحباب، قال في المقنع: " وان جامعت امتك وهي حائض تصدقت بثلاثة امداد من طعام " ونقل الاصحاب في كتب الاستدلال ان بذلك رواية وان ردوها بضعف السند، ولم اقف عليها، مع انه قد تقدم في رواية عبد الملك بن عمرو (1) ما يدل على التصدق على عشرة مساكين على من اتى جاريته، قال في الروض: " ولا فرق حينئد بين اول الحيض واوسطه وآخره لاطلاق الرواية والفتوى، ولا بين الامة القنة والمدبرة وام الولد والزوجة وان حرم الوطء ".

(الرابعة) - اختلف الاصحاب فيما لو تكرر الوطء فهل تتكرر الكفارة مطلقا اولا مطلقا أو تتكرر مع اختلاف الزمان كما إذا كان بعضه في اول الحيض وبعضه في وسطه مثلا أو سبق التكفير وعدمه بدونهما ؟ اقوال: اختار اولها الشهيد الثاني في الروض والاول في البيان وثانيها ابن ادريس على ما نقله في المختلف، قال: " وقال ابن ادريس إذا كرر الوطء فالاظهر ان عليه تكرار الكفارة، لان عموم الاخبار يقتضي ان عليه بكل دفعة كفارة، ثم قال والاقوى عندي والاصح ان لا تكرار في الكفارة، لان الاصل براءة الذمة وشغلها بواجب أو ندب يحتاج الى دلالة شرعية، واما العموم فلا يصح التعلق به في امثال هذه المواضع لان هذه اسماء الاجناس والمصادر، ألا ترى ان من اكل في نهار رمضان متعمدا وكرر الاكل لا يجب عليه تكرار الكفارة بلا خلاف " وهذا القول ظاهر الشيخ ايضا حيث قال في المبسوط: " انه لا نص لاصحابنا في ذلك وعموم الاخبار يقتضى ان يكون عليه بكل دفعة كفارة، ثم قال: وان قلنا انه لا يتكرر لانه لا دليل عليه والاصل براءة الذمة كان قويا " وثالثها لجملة من الاصحاب: منهم - العلامة في المختلف


(1) ص 266.


[ 272 ]

والمنتهى والشهيد في الذكرى وغيرهما من الاصحاب واختاره في المدارك. حجة القول الاول - كما قرره في الروض - ان كل وطء سبب في الوجوب والاصل عدم التداخل بل اختلاف الاسباب يوجب اختلاف المسببات، قال: " وعلى هذا يصدق تكرر الوطء بالادخال بعد النزع في وقت واحد ويتحقق الادخال بغيبوبة الحشفة لانه مناط الوطء شرعا " حجة القول الثاني ما سمعت من كلام ابن ادريس. حجة القول الثالث كما ذكره في المختلف فقال: " لنا على التكرر مع تغاير الوقت انهما فعلان مختلفان في الحكم فلا يتداخلان كغيرهما من العقوبات المختلفة على الافعال المختلفة، وعلى التكرر مع تخلل التكفير ان الكفارة انما تجب أو تستحب بعد موجب العقوبة فلا تؤثر المتقدمة في اسقاط ما يتعلق بالفعل المتأخر، وعلى عدم التكرر مع عدم احد الامرين ان الكفارة معلقة على الوطء من حيث هو هو وكما يصدق في الواحد يصدق في المتعدد فيكون الجزاء واحدا فيهما ". اقول: ويرد على الحجة الاولى ان ما ادعوه - من ان اختلاف الاسباب يقتضي اختلاف المسببات - مما لم يقم عليه دليل، بل الدليل على خلافه واضح السبيل لما قدمنا في ابحاث النية في الوضوء (1) من دلالة الاخبار على تداخل الاغسال بما لا يداخله شك ولا اشكال، وغاية ما يلزم من وجوب السبب الذي هو الوطء هنا - وان تكرر - وجوب الكفارة واما كونها كفارة مغايرة لما يلزم بسبب آخر فلا، وهذا غاية ما يفهم من اطلاق الادلة، فمن ادعى تخصيص كل سبب يفرد من الكفارة غير الآخر فعليه البيان، وبه يظهر ضعف قولهم بان الاصل عدم التداخل. ويرد على الحجة الثانية ما قرروه في الحجة الثالثة. وعلى الحجة الثالثة ان ما ذكروه في الاستدلال على عدم التكرر مع عدم الامرين من ان الكفارة معلقة على الوطء من حيث هو هو لو تم للزم مثله مع تغاير الوقت، لان حاصله ان وجوب الكفارة معلق على الوطء من حيث هو هو بحيث لا مدخل.


(1) ج 2 ص 200.


[ 273 ]

للافراد فلا يؤثر في ذلك تغاير الوقت على وجه يقتضي التعدد. وكيف كان فالمسألة لخلوها عن النص لا تخلو من الاشكال، والركون الى هذه التعليلات مع سلامتها من الايرادات لا يخلو من المجازفة في الاحكام الشرعية التي اوجب فيها الشارع الرجوع الى الادلة القطعية من آية قرآنية أو سنة نبوية.

(المسألة السابعة) - المشهور بين الاصحاب انه يستحب للحائض ان تتوضأ في وقت كل صلاة وتجلس في مصلاها فتذكر الله تعالى بمقدار صلاتها، وفى المختلف عن علي بن بابويه القول بالوجوب، ونقل ذلك جملة من الاصحاب عن ابنه ايضا، وقال في الفقيه: " وقال ابي في رسالته الي: اعلم ان اقل الحيض ثلاثة ايام، الى ان قال: ويجب عليها عند حضور كل صلاة ان تتوضأ وضوء الصلاة وتجلس مستقبلة القبلة وتذكر الله بمقدار صلاتها كل يوم " والاصحاب قد استدلوا على الاستحباب بحسنة زيد الشحام (1) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: ينبغي للحائض ان تتوضأ عند وقت كل صلاة ثم تستقبل القبلة فتذكر الله تعالى مقدار ما كانت تصلي " قال في المدارك: " ولفظ ينبغي ظاهر في الاستحباب " ثم نقل عن ابن بابويه القول بالوجوب لحسنة زرارة عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: " إذا كانت المرأة طامثا فلا تحل لها الصلاة وعليها ان تتوضأ وضوء الصلاة عند وقت كل صلاة ثم تقعد في موضع طاهر فتذكر الله عزوجل وتسبحه وتهلله وتحمده بمقدار صلاتها ثم تفرغ لحاجتها " قال: " وهو مع صراحته في الوجوب محمول على الاستحباب جمعا بين الادلة " اقول: اما الاستناد في الاستحباب الى لفظ " ينبغي " في الرواية الاولى ففيه ما عرفت في غير موضع من ان لفظ " ينبغي ولا ينبغي " وان اشتهر في العرف انه بمعنى الاولى وعدم الاولى إلا انه في الاخبار ربما استعمل في الاستحباب والكراهة وربما استعمل في الوجوب والتحريم بل هو الغالب في الاخبار كما لا يخفى على من له بها مزيد انس، وحينئذ فينبغي ان يكون


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 40 من ابواب الحيض.


[ 274 ]

التأويل في جانب هذه الرواية لصراحة الاخيرة - كما اعترف به - في الوجوب واجمال هذه فينبغي ان يحمل لفظ " ينبغي " هنا على الوجوب جمعا. واما ما استدل به لابن بابويه من حسنة زرارة فليس في محله، بل الظاهر ان دليل ابن بابويه انما هو الفقه الرضوي فان عبارة ابيه في الرسالة التي قدمنا نقلها عن الفقيه عين عبارة كتاب الفقه الرضوي، حيث قال (عليه السلام) (1): " ويجب عليها عند حضور كل صلاة ان تتوضأ وضوء الصلاة وتجلس مستقبلة القبلة وتذكر الله تعالى بمقدار صلاتها كل يوم " وكذا ما بعد هذه العبارة مما نقله في الفقيه عين عبارة الكتاب المذكور، ومنه يعلم ان مستنده انما هو الكتاب المذكور وان كانت الرواية المشار إليها دالة على ذلك، ولكن اصحابنا حيث لم يقفوا على ذلك استدلوا له بهذه الرواية. ثم انه لا يخفى ان ظاهر صاحب الكافي ايضا القول بالوجوب حيث عنون به الباب فقال: " باب ما يجب على الحائض في اوقات الصلاة " (2) ثم ذكر الاخبار الواردة في المسألة المشتلمة على الحكم المذكور، ومن ذلك يظهر ان القول بالوجوب ارجح، وقد تقدم مزيد بحث في المسألة ونقل جملة من رواياتها في المقصد الثاني في الغاية المستحبة من المطلب الثاني من الباب الثاني في الوضوء (3).

(المسألة الثامنة) - قد صرح الاصحاب بانه يكره لها اشياء:

(منها) - الخضاب ويدل عليه ما رواه الشيخ عن عامر بن جذاعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " سمعته يقول: لا تختضب الحائض ولا الجنب... الحديث " وعن ابي بصير في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) " هل تختضب الحائض ؟ قال: لا، يخاف عليها الشيطان عند ذلك " ورواه الصدوق في العلل عن ابي بكر الحضرمي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) مثله إلا انه قال: " لا لانه يخاف عليها الشيطان " وروى الحميري في قرب الاسناد عن محمد بن عبد الحميد عن ابي جميلة عن ابي الحسن موسى (عليه السلام) (7) قال:


(1) ص 21 (2) ج 1 ص 29 (3) ج 2 ص 142. (4) و (5) و (6) و (7) رواه في الوسائل في الباب 42 من ابواب الحيض.


[ 275 ]

" لا تختضب الحائض ". وحمل الاصحاب هذه الاخبار على الكراهة لما ورد من نفي البأس عنه في عدة اخبار: منها - ما رواه الكليني عن محمد بن سهل بن اليسع عن ابيه (1) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن المرأة تختضب وهي حائض ؟ قال: لا بأس به " وعن علي بن ابي حمزة (2) قال: " قلت لابي ابراهيم (عليه السلام) تختضب المرأة وهي طامث ؟ قال: نعم " وما رواه الشيخ عن ابي المغراء عن العبد الصالح (عليه السلام) (3) في حديث قال: " قلت: المرأة تختضب وهي حائض ؟ قال: ليس به بأس " ونحو ذلك موثقة سماعة (4) " الجنب والحائض يختضبان ؟ قال: لا بأس ".

و (منها) - مس ورق المصحف غير الكتابة وحمله، وقد تقدم الكلام فيه مستوفى في بحث غسل الجنابة (5).

و (منها) - قراءة ما عدا العزائم الاربع من القرآن من غير استثناء للسبع أو السبعين المجوز للجنب قراءتها، قال في المسالك - بعد قول المصنف: " لا يجوز لها قراءة شئ من العزائم، ويكره لها ما عدا ذلك - ما لفظه: " مقتضاه كراهة السبع المستثناة للجنب، وهو حسن لانتفاء النص المقتضى للتخصيص " انتهى. واعترضه سبطه في المدارك بانه غير جيد قال: " بل المتجه عدم كراهة قراءة ما عدا العزائم بالنسبة إليها مطلقا، لانتفاء ما يدل على الكراهة بطريق الاطلاق أو التعميم حتى يحتاج استثناء السبع الى المخصص، ورواية سماعة التي هي الاصل في كراهة قراءة ما زاد على السبع مختصة بالجنب فتبقى الاخبار الصحيحة المتضمنة لاباحة قراءة الحائض ما شاءت سالمة عن المعارض " انتهى. اقول: قد تقدم في باب الجنب رواية الصدوق في الخصال (6) عن السكوني عن الصادق عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال: " سبعة لا يقرأون القرآن... "


(1) و (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 42 من ابواب الحيض. (5) ص 146 (6) ج 2 ص 10.


[ 276 ]

وعد منهم الجنب والنفساء والحائض، قال الصدوق في الكتاب المذكور بعد نقل الخبر: " هذا على الكراهة لا على النهي وذلك ان الجنب والحائض مطلق لهم قراءة القرآن إلا العزائم الاربع " والخبر المذكور ظاهر في اطلاق المنع للحائض من قراءة القرآن، مضافا ذلك الى ما ادعوه من الاجماع في المسألة كما يشعر به كلامه في الروض، والظاهر ان السيد لم يقف على الرواية بل الظاهر انه لو وقف عليها لردها بضعف السند بناء على الاصطلاح الغير المعتمد. ومما ذكرنا يظهر وجه القول المشهور من كراهة ما عدا العزائم، إلا انه قد قدمنا في بحث الجنابة ان الاظهر حمل ما دل على المنع من قراءة الجنب والحائض القرآن على التقية (1) والله العالم.

    و (منها) - الجواز في المسجد، ذكره في الخلاف وتبعه الاصحاب، وقال في المنتهى انه لم يقف فيه على حجة ثم احتمل كون سبب الكراهة اما جعل المسجد طريقا واما ادخال النجاسة إليه. واورد على الاول بانه لا وجه لتخصيص الكراهة بالحائض بل يعم كل مجتاز، وعلى الثاني ان ذلك محرم عنده فكيف يكون سببا في الكراهة ؟ وعللها في الروض بالتعظيم ولا بأس به. والحق جماعة من الاصحاب بالمساجد المشاهد، قال في الروض: " وهو حسن بل الامر في المشاهد اعظم لتأديتها فائدة المسجد وتزيد بشرف المدفون بها " والله العالم.


(1) ص 144.


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>