
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء الثالث
الفصل الثالث
في غسل الاستحاضة
قيل وهي في الاصل استفعال من الحيض يقال استحيضت المرأة بالبناء للمفعول فهي تستحاض لا تستحيض إذا استمر بها الدم بعد ايامها فهي مستحاضة، ذكره الجوهري وهو يعطى ان بناء المعلوم غير مسموع، ثم استعمل في دم فاسد يخرج من عرق في ادنى الرحم يسمى العاذل، وتعريفه يعلم مما قدمناه في تعريف
[ 277 ]
الحيض، فهو في الاغلب دم اصفر بارد رقيق يخرج بفتور، وانما قيدناه بالاغلب لانه قد يكون بهذه الصفات حيضا وقد يكون بصفة الحيض استحاضة، ومنه ايضا ما نقص عن الثلاثة التي هي اقل الحيض ما لم يكن دم قرح ولا عذرة وما زاد على العادة بعد الاستظهار والاصحاب عبروا هنا بما زاد عن ايام العادة مع تجاوز العشرة، وقد تقدم ما فيه، ومنه ما تراه قبل بلوغ التسع وان لم يوجب الاحكام في الحال لكن عند البلوغ يجب عليها الغسل والوضوء كما تقدم في بحث الوضوء من انه قد يتخلف المسبب عن السبب لفقد شرطه، ومنه ما يكون بعد بلوغ سن اليأس. وكيف كان فالبحث هنا يقع في مقامات:
(الاول) - لا يخفى ان المستحاضة اما ان يثقب دمها الكرسف اولا وعلى الاول فاما ان يسيل أو لا، فان لم يثقب الكرسف فهي قليلة وان ثقب ولم يسل عنه فهي متوسطة وان سال فهي كثيرة، فههنا اقسام ثلاثة:
(الاول) - ما لم يثقب الكرسف، والمشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه يجب عليها عند كل صلاة تغير القطنة والوضوء، وعن ابن ابي عقيل انه لا غسل عليها ولا وضوء، وعن ابن الجنيد ان عليها في اليوم والليلة غسلا واحدا، قال ابن ابي عقيل على ما نقله في المختلف: " يجب عليها الغسل عند ظهور دمها على الكرسف لكل صلاتين غسل، تجمع بين الظهر والعصر بغسل وبين المغرب والعشاء بغسل وتفرد الصبح بغسل، واما ان لم يظهر الدم على الكرسف فلا غسل عليها ولا وضوء " وقال ابن الجنيد: " المستحاضة التي يثقب دمها الكرسف تغتسل لكل صلاتين آخر وقت الاولى واول وقت الثانية منهما وتصليهما، وتفعل للفجر مفردا كذلك، والتي لا يثقب دمها الكرسف تغتسل في اليوم والليلة مرة واحدة ما لم يثقب " وظاهر هاتين العبارتين ان المستحاضة منحصر في فردين خاصة فادرجا المتوسطة في الكبرى، واما الصغرى فابن ابي عقيل نفى عنها الغسل والوضوء وابن الجنيد اوجب عليها غسلا واحدا في اليوم والليلة. حجة المشهور فيما ذكروه، اما بالنسبة الى تغيير القطنة فعلل بعدم العفو عن هذا
[ 278 ]
الدم في الصلاة قليلة وكثيرة، قال في المنتهى: " ولا خلاف عندنا في وجوب الابدال " وهو مؤذن بدعوى الاجماع عليه ولعله الحجة عندهم وإلا فعدم العفو عن هذا الدم قليله وكثيره كما ادعوه لم يقم عليه دليل وانما هو الحاق من الشيخ بدم الحيض كما سيأتي بيانه في موضعه ان شاء الله تعالى، مع انه قد ورد العفو عما لا تتم الصلاة فيه وبه قال الاصحاب وهذا من جملته، واما بالنسبة الى الوضوء لكل صلاة فما رواه الشيخ في الموثق عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الطامث تقعد بعدد ايامها كيف تصنع ؟ قال: تستظهر بيوم أو يومين ثم هي مستحاضة فلتغتسل وتستوثق من نفسها وتصلي كل صلاة بوضوء ما لم يثقب الدم... الحديث " ووصف هذه الرواية في المدارك بالصحة وهو سهو فان الرواي عن زرارة فيها ابن بكير وهو ربما رد حديثه في غير موضع من شرحه. وفى صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) "... وان كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت ودخلت المسجد وصلت كل صلاة بوضوء... " وفى صحيحة الصحاف (3) "... وان كان الدم فيما بينها وبين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ ولتصل عند وقت كل صلاة... " وفي الفقه الرضوي (4) " فان لم يثقب الدم القطن صلت صلاتها كل صلاة بوضوء... الحديث " وسيأتي تمامه ان شاء الله تعالى. وعن ابن ابي عقيل انه احتج بصحيحة ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: المستحاضة تغتسل عند صلاة الظهر وتصلي الظهر والعصر ثم تغتسل عند المغرب فتصلي المغرب والعشاء ثم تغتسل عند الصبح فتصلي الفجر... " قال: وترك الوضوء يدل على عدم الوجوب وهذه الرواية قد احتج بها له في المختلف، والظاهر انه تكلفها له حيث لم يقف له على دليل والا فان هذه الرواية لا تعلق لها بالمسألة اصلا، إذ غاية ما تدل
(1) و (2) و (3) و (5) المروية في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاستحاضة. (4) ص 22.
[ 279 ]
عليه عدم وجوب الوضوء مع الاغسال الثلاثة الواجبة في الكبرى وهو بمعزل عما نحن فيه وعن ابن الجنيد انه احتج بموثقة سماعة (1) قال قال: " المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلاتين غسلا وللفجر غسلا، وان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرة والوضوء لكل صلاة... " واجاب عنه في المختلف بانه محمول على نفوذ الدم الكرسف واليه اشار بقوله: " وان لم يجز الدم الكرسف " يعني إذا نفذ الى ظاهره ولم يتجاوز. وهو جيد وسيأتي مزيد تحقيق له ان شاء الله تعالى. واما ما ذكره في الذخيرة من حمل الخبر المذكور على الاستحباب فهو بعيد عن جادة الصواب كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في الباب، واما ما ادعى انه مؤيد للاستحباب حيث قال -: ومما يؤيد ذلك ما رواه الشيخ عن اسماعيل الجعفي في القوى عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: " المستحاضة تقعد ايام قرئهائم تحتاط بيوم أو يومين فان هي رأت طهرا اغتسلت، وان هي لم تر طهرا اغتسلت واحتشت فلا تزال تصلي بذلك الغسل حتى يظهر الدم على الكرسف فإذا ظهر اعادت الغسل واعادت الكرسف " - ففيه ان الرواية المذكورة وان كانت مجملة بالنسبة الى الوضوء لكل صلاة لكنها يجب حملها على الاخبار المتقدمة والغسل المذكور في صدرها " ان رأت الطهر أو لم تره " انما هو غسل الحيض لانقطاعه بعد الاستظهار وجد الدم أو انقطع فكأنه قال تغتسل للانقطاع على كلا التقديرين، ولعل منشأ توهمه من قوله (عليه السلام): " فلا تزال تصلي بذلك الغسل " وباب المجاز اوسع من ان ينكر. وربما اشعرت هذه الرواية بما هو المشهور من تغيير القطنة الا انك قد عرفت قيام الدليل الصحيح الصريح على العفو عن نجاسة ما لا تتم الصلاة فيه، واستثناء دم الاستحاضة مما لم يقم عليه دليل فينبغي حمل هذه الرواية ونحوها على الاستحباب.
(القسم الثاني) - ان يثقبه ولا يسيل عنه، والمشهور انه يجب عليها مع ذلك تغيير الخرقة والغسل لصلاة الغداة، اما تغيير الخرقة فلما تقدم في تغيير القطنة وقد
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاستحاضة.
[ 280 ]
عرفت ما فيه، واما الغسل لصلاة الغداة فهو المشهور. وقد تقدم عن ابن ابي عقيل وابن الجنيد انهما ساويا بين هذا القسم والقسم الثالث في وجوب الاغسال الثلاثة، وبه جزم في المعتبر فقال: " والذي ظهر لي انه ان ظهر الدم على الكرسف وجب ثلاثة اغسال وان لم يظهر لم يكن عليها غسل وكان عليها الوضوء لكل صلاة " وتبعه العلامة في المنتهى كما هي عادته غالبا حيث انه في الاكثر يحذو حذو المعتبر وان زاد عليه في البحث والاستدلال والى هذا القول ايضا مال في المدارك، ونقله عن شيخه المعاصر والمراد به المحقق الاردبيلي (رحمه الله) كما اشار إليه بذلك في غير موضع، وتبعهم في ذلك الفاضل الخراساني في الذخيرة والمحقق الشيخ البهائي وغيرهم. قال في المدارك في الاستدلال على ذلك: " لنا ما رواه الشيخ في الصحيح، ثم نقل صحيحة معاوية بن عمار وصحيحة عبد الله بن سنان وصحيحة صفوان بن يحيى الآتيات في القسم الثالث، قال: وهي مطلقة في وجوب الاغسال الثلاثة خرج منها من لم يثقب دمها الكرسف بالنصوص المتقدمة فيبقى الباقي مندرجا في الاطلاق، ثم قال: احتج المفصلون بصحيحة الحسين بن نعيم الصحاف عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) حيث قال فيها: " ثم لتنظر فان كان الدم فيما بينها وبين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ ولتصل عند وقت كل صلاة ما لم تطرح الكرسف، فان طرحت الكرسف عنها فسال الدم وجب عليها الغسل، وان طرحت الكرسف ولم يسل الدم فلتتوضأ ولتصل ولا غسل عليها، قال وان كان الدم إذا امسكت الكرسف يسيل من خلف الكرسف صبيبا لا يرقأ فان عليها ان تغتسل في كل يوم وليلة ثلاث مرات " وصحيحة زرارة (2) قال: " قلت له النفساء متى تصلي ؟ قال تقعد قدر حيضها وتستظهر بيومين فان انقطع الدم والا اغتسلت واحتشت واستثفرت وصلت، فان جاز الدم الكرسف تعصبت واغتسلت ثم صلت الغداة بغسل والظهر والعصر بغسل والمغرب والعشاء بغسل،
(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاستحاضة.
[ 281 ]
وان لم يجز الدم الكرسف صلت بغسل واحد... " والجواب عن الرواية الاولى ان موضع الدلالة فيها قوله (عليه السلام): " فان طرحت الكرسف عنها فسال الدم وجب عليها الغسل " وهو غير محل النزاع فان موضع الخلاف ما إذا لم يحصل السيلان، مع انه لا اشعار في الخبر بكون الغسل للفجر فحمله على ذلك تحكم، ولا يبعد حمله على الجنس ويكون تتمة الخبر كالمبين له. وعن الرواية الثانية انها قاصرة من حيث السند بالاضمار، ومن حيث المتن فانها لا تدل على ما ذكروه نصا، فان الغسل لا يتعين كونه لصلاة الفجر بل ولا للاستحاضة لجواز ان يكون المراد به غسل النفاس، فيمكن الاستدلال بها على المساواة بين القسمين " انتهى كلامه. اقول: لا يخفى ان صحيحة الصحاف التي ذكرها لا تخلو من الاجمال في هذا المجال، وغاية ما يستفاد منها انه مع وضع الكرسف فان كان الدم لا يسيل من خلف الكرسف فعليها الوضوء خاصة وان سال من خلفه فان عليها اغسالا ثلاثة، وهذا التفصيل بحسب الظاهر لا ينطبق على شئ من القولين، لان المتوسطة عندهم هي التي يظهر دمها على الكرسف ولا يسيل عنه، فهي لا تدخل في ذات الاغسال الثلاثة لانها مخصوصة بمن يسيل دمها عن الكرسف صبيبا، ولا في الاولى - وان احتملها لفظ العبارة - لانه جعل حكمها الوضوء خاصة والفتوى في المتوسطة على وجوب الغسل متحدا أو متعددا على القولين المذكورين. فاما التفصيل الآخر في الرواية بالسيلان وعدمه بعد طرح الكرسف عنها فلا يصلح للاستدلال ولا يدخل في هذا المجال، لان التقسيم الى الاقسام الثلاثة مرتب على وضع الكرسف وانه هل يثقبه الدم ام لا ومع ثقبه هل يسيل عنه ام لا ؟ فسيلان الدم مع عدم وضع الكرسف خارج عن موضع المسألة، وكما يحتمل في هذا الغسل هنا الاتحاد كما ادعاه من استدل بالرواية على ما ذكره السيد (رحمه الله) هنا يحتمل الجنس ايضا فيكون المراد به الاغسال الثلاثة ويكون الكلام في آخر الرواية من قبيل التفصيل بعد الاجمال. واما طعنه في صحيحة زرارة بالاضمار فهو مناف لما صرح به في غير موضع من شرحه هذا بان الاضمار
[ 282 ]
غير مناف ولا مضر بصحة الرواية ولا سيما إذا كان المضمر مثل زرارة ممن لا يعتمد في احكام دينه على غير الامام (عليه السلام) ولكنه (قدس سره) كما اشرنا إليه في غير موضع ليس له قاعدة يقف عليها فان احتاج الى العمل بالرواية اعتذر عن جميع ما ربما يتطرق إليها من القدح وان لم توافق ما ذهب إليه قدح فيها بما منع القدح به في غير ذلك المقام. واما طعنه في متنها بانه لا يدل على ما ذكروه نصا ففيه اشعار بانه يدل عليه ظاهرا وهو كاف في الاستدلال، إذ لا يشترط في الدلالة خصوص النص بل يكفي ما هو الظاهر المتبادر الى الفهم. واما ما ذكره - من ان الغسل لا يتعين كونه لصلاة الفجر ولا للاستحاضة لجواز ان يكون المراد به غسل النفاس - فانه مردود بان الاول منهما وان كان متجها بالنظر الى ظاهر اللفظ إلا انه سيظهر لك الجواب عنه في المقام. واما الثاني فانه بعيد غاية البعد بل ربما يقطع بفساده، والظاهر ان اول من اجاب بهذا الجواب السيد السند وتبعه جمع من محققي متأخري المتأخرين كالمحقق الشيخ حسن في المنتقى والشيخ البهائي في الحبل المتين والفاضل الخراساني في الذخيرة وغيرهم، وبيان بعده بل فساده ان سياق الخبر يدل بظاهره على انه مع عدم انقطاع الدم بعد قعودها بقدر حيضها واستظهارها بيومين فانها تعمل عمل المستحاضة، ثم فصل الكلام في الاستحاضة بين تجاوز الدم الكرسف فتغتسل الاغسال الثلاثة وعدم التجاوز فتغتسل غسلا واحدا، غاية الامر انه ربما يقال ان عدم تجاوز الدم الكرسف شامل لصورتي القليلة والمتوسطة، والجواب عنه انه قد قام الدليل في القليلة انه لا غسل عليها فيختص بالمتوسطة. بقي الكلام في عدم تعين ذلك الغسل للصبح، والجواب عنه انه وان اجمل هذا الحكم في هذه الرواية ونحوها مما سيأتي في المقام إلا انه قد وقع التصريح به في الفقه الرضوي، ومنه اخذ الشيخ علي بن الحسين بن بابويه ذلك في رسالته الى ابنه كما نقله في الفقيه، وقد اشرنا في غير موضع الى ان جملة من الاحكام التي ذهب إليها المتقدمون ولم تصل ادلتها الى المتأخرين حتى اعترضوا عليهم بعدم وجود الدليل قد وحدت ادلتها
[ 283 ]
في هذا الكتاب، وهو دليل على شهرته سابقا بينهم ولا سيما الشيخ علي بن الحسين بن بابويه المذكور، فان رسالته المذكورة كلها أو جلها إلا القليل عين عبارة الكتاب المشار إليه كما ستقف عليه ان شاء الله تعالى في المباحث الآتية، حيث قال (عليه السلام) (1) في الكتاب المذكور: " وان رأت الدم اكثر من عشرة ايام فلتقعد عن الصلاة عشرة ثم تغتسل يوم حادي عشر وتحتشي، فان لم يثقب الدم القطن صلت صلاتها كل صلاة بوضوء، وان ثقب الدم الكرسف ولم يسل صلت صلاة الليل والغداة بغسل واحد وسائر الصلوات بوضوء، وان ثقب الدم الكرسف وسال صلت صلاة الليل والغداة بغسل والظهر والعصر بغسل وتؤخر الظهر قليلا وتعجل العصر وتصلي المغرب والعشاء الآخرة بغسل واحد وتؤخر المغرب قليلا وتعجل العشاء الآخرة ". ثم انه مما يؤيد صحيحة زرارة المذكورة في الدلالة على الاقسام الثلاثة المشهورة ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة (2) قال قال: " المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلاتين وللفجر غسلا، وان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرة والوضوء لكل صلاة، وان اراد زوجها ان يأتيها فحين تغتسل، هذا ان كان دمها عبيطا وان كانت صفرة فعليها الوضوء " والمعنى فيها انه ان ثقب الدم الكرسف اي سال عنه بقرينة الامر بالاغسال الثلاثة، وقوله: " وان لم يجز الدم الكرسف " بمعنى انه ثقبه ولم يسل عنه بقرينة المقابلة، وقوله: " وان كانت صفرة " كناية عن عدم ثقب الدم وهي القليلة، وكنى عنها بالصفرة لقلتها وضعف الدم وعدم نفوذه، فتكون الرواية منطبقة على الاقسام الثلاثة. ونحوه ما رواه في الكافي في الموثق عن سماعة ايضا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " غسل الجنابة واجب وغسل الحائض إذا طهرت واجب وغسل المستحاضة واجب،
(1) ص 21 (2) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاستحاضة. (3) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب الجنابة.
[ 284 ]
إذا احتشت الكرسف فجاز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل صلاتين وللفجر غسل، وان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرة والوضوء لكل صلاة... الحديث " والتقريب فيه انه قد اشتمل على قسمي المستحاضة الكبرى والمتوسطة ولم يذكر الصغرى. بقي الكلام في عدم اشتمالهما على كون هذا الغسل للصبح فيجب تقييدهما بكلامه في الفقه الرضوي المعتضد بعمل اولئك الفضلاء المتقدمين الذين هم اساطين الدين بعد الائمة الطاهرين، وبذلك يتجه الجواب - عما احتج به السيد السند لذلك القول من اطلاق تلك الصحاح المشار إليها - بانه يمكن تقييد اطلاقها بهذه الاخبار كما اعترف بتقييد بعضها باخبار الصغرى، لان هذه الاخبار بمعونة ما ذكرناه قد اشتملت على التفصيل بين السيلان عن الكرسف ومجرد الظهور عليه من غير سيلان، وانه في الصورة الاولى تجب الاغسال الثلاثة وفى الثانية يجب غسل واحد، فيجب تقييد اخبارهم بهذه الاخبار وتكون اخبارهم مخصوصة بالكبرى. والله العالم.
(القسم الثالث) - ان يثقبه ويسيل عنه، والظاهر انه لا خلاف هنا في وجوب الاغسال الثلاثة، قال في المنتهى: " وهو مذهب علمائنا اجمع " انما الخلاف في انه هل يجب الوضوء مع هذه الاغسال ويتعدد بتعدد الصلاة ام لا يجب بالكلية ام يجب وضوء واحد مع الغسل ؟ اقوال: فذهب جمع من متقدمي الاصحاب: منهم - الشيخ في النهاية والمبسوط والمرتضى وابنا بابويه وابن الجنيد الى الثاني، وعن ابن ادريس الاول واليه ذهب عامة المتأخرين على ما نقله في المدارك، وعن المفيد الثالث، وهو انها تصلي بوضوئها وغسلها الظهر والعصر على الاجتماع ثم تفعل ذلك في المغرب والعشاء وتفعل مثل ذلك لصلاة الليل والغداة، واختاره المحقق في المعتبر. والذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذا القسم روايات: منها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال: " المستحاضة تنظر ايامها فلا تصلي
(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاستحاضة.
[ 285 ]
فيها ولا يقربها بعلها فإذا جازت ايامها ورأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر والعصر تؤخر هذه وتعجل هذه وللمغرب والعشاء غسلا تؤخر هذه وتعجل هذه وتغتسل للصبح وتحتشي وتستثفر، الى ان قال: وان كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت ودخلت المسجد وصلت كل صلاة بوضوء وهذه يأتيها بعلها الا في ايام حيضها " وهذه الرواية وان كان ظاهرها ترتب الاغسال الثلاثة على مجرد ثقب الدم الكرسف الذي هو اعم من السيلان وعدمه إلا انها مخصوصة بما قدمناه من الروايات الظاهرة في انه مع عدم السيلان فليس إلا غسل واحد، وحينئذ فتحمل هذه الرواية على السيلان كما لا يخفى وما رواه الكليني في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " المستحاضة تغتسل عند صلاة الظهر فتصلي الظهر والعصر ثم تغتسل عند المغرب فتصلي المغرب والعشاء ثم تغتسل عند الصبح فتصلي الفجر، ولا بأس ان يأتيها بعلها إذا شاء إلا ايام حيضها فيعتزلها بعلها، قال وقال: لم تفعله امرأة قط احتسابا إلا عوفيت من ذلك " وهذه الرواية وان كانت مطلقة شاملة باطلاقها لاقسام المستحاضة الثلاثة إلا انه يجب تقييدها باخبار القسمين المتقدمين. ومنها - ما رواه في الكافي ايضا في الصحيح عن صفوان بن يحيى عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) قال: " قلت له: جعلت فداك إذا مكثت المرأة عشرة ايام ترى الدم ثم طهرت فمكثت ثلاثة ايام ظاهرة ثم رأت الدم بعد ذلك أتمسك عن الصلاة ؟ قال لا هذه مستحاضة تغتسل وتستدخل قطنة بعد قطنة وتجمع بين صلاتين بغسل ويأتيها زوجها ان اراد " وهي ايضا مطلقة يجب تقييد اطلاقها بما ذكرناه في سابقتها. وما رواه الشيخ في الموثق عن فضيل وزرارة عن احدهما (عليهما السلام) (3) قال: " المستحاضة تكف عن الصلاة ايام اقرائها وتحتاط بيوم أو اثنين ثم تغتسل كل يوم وليلة ثلاث مرات وتحتشي لصلاة الغداة وتغتسل وتجمع بين الظهر والعصر بغسل
(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاستحاضة
[ 286 ]
وتجمع بين المغرب والعشاء بغسل فإذا حلت لها الصلاة حل لزوجها ان يغشاها ". ومنها - صحيحة الصحاف وقد تقدمت في القسم الثاني (1) وكلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي وقد تقدم (2) وهو اصرح الاخبار في بيان الاقسام الثلاثة وحكم كل منهما فينبغي ان يحمل عليه اطلاق ما عداه من اخبار الاقسام الثلاثة واجماله. ومنها - صحيحة ابي المغراء وموثقة اسحاق بن عمار وقد تقدمتا في مسألة اجتماع الحيض مع الحبل (3) ورواية يونس الطويلة المتقدمة (4) المشهورة برواية السنن، الى غير ذلك من الاخبار. وكلها - كما ترى - ظاهرة في عدم الوضوء متحدا أو متعددا، إذ المقام مقام البيان فلو كان واجبا لوقع ذكره ولو في بعضها ليحمل عليه الباقي وليس فليس. وغاية ما احتج به من قال بوجوبه لكل صلاة عموم قوله تعالى: "... إذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا... الآية " (5) وفيه (اولا) - ما عرفت آنفا (6) من دلالة النص المعتضد بدعوى الاجماع من الشيخ والعلامة على التخصيص بالقيام من حدث النوم. و (ثانيا) - انه من المعلوم تقييد ذلك بالمحدثين ولم يثبت كون الدم الخارج بعد الغسل على هذا الوجه حدثا لان الاحكام الشرعية مبنية على التوقيف. وقد بالغ المحقق في المعتبر في رد هذا القول والتشنيع على قائله فقال: " وظن غالط من المتأخرين انه يجب على هذه مع الاغسال وضوء مع كل صلاة، ولم يذهب الى ذلك احد من طائفتنا، ويمكن ان يكون غلطه لما ذكره الشيخ في المبسوط والخلاف ان المستحاضة لا تجمع بين فرضين بوضوء فظن انسحابه على مواضعها وليس على ما ظن بل ذلك مختص بالموضع الذي يقتصر فيه على الوضوء " واما ما ذكره المفيد والمحقق فالظاهر ان مرجعه الى وجوب الوضوء مع الغسل حيثما كان إلا غسل الجنابة، وبذلك صرح في المعتبر بعد ان اختار فيه مذهب المفيد والزم به الشيخ ابا جعفر
(1) ص 280 (2) ص 283 (3) ص 181 (4) ص 182 (5) سوره المائدة. الآية 7 (6) ص 125
[ 287 ]
هنا حيث ان عنده ان كل غسل لابد فيه من الوضوء إلا غسل الجنابة، قال: " وإذا كان المراد بغسل الاستحاضة الطهارة لم يحصل المراد به إلا مع الوضوء، اما علم الهدى فلا يلزمه ذلك لان الغسل عنده يكفي عن الوضوء " اقول: يمكن الجواب عما الزم به الشيخ بتخصيص خبر ابن ابي عمير (1) الذي هو معتمدهم في ايجاب الوضوء مع كل غسل عدا غسل الجنابة بهذه الاخبار الظاهرة في عدم الوضوء في هذه الصورة، وقد تقدم تحقيق البحث في ذلك مستوفى في غسل الجنابة (2) وان الحق عدم وجوب الوضوء مع الاغسال كائنة ما كانت. إذا عرفت ذلك فاعلم ان تنقيح البحث في المقام يتوقف على بيان امور:
(الاول) - صرح شيخنا الشهيد الثاني في الروض - ونحوه غيره - بان وجوب الاغسال الثلاثة في هذه الحالة انما هو مع استمرار الدم سائلا الى وقت العشاءين فلو طرأت القلة بعد الصبح فغسل واحد أو بعد الظهرين فغسلان خاصة. وهو حسن فانه الظاهر من الاخبار وان كان في فهمه من بعضها نوع غموض، واصرح الروايات في بيان احكام الاستحاضة باقسامها الثلاثة عبارة الفقه الرضوي (3) والظاهر من التقسيم فيها الى الاقسام الثلاثة من عدم ثقب الدم أو ثقبه ولم يسل أو ثقبه وسيلانه هو كون استمرار كل من هذه الحالات في الاوقات الثلاثة كما لا يخفى، وعليها يحمل غيرها.
(الثاني) - انه قد صرح غير واحد منهم بان اعتبار الجمع بين الصلاتين انما هو لاجل الاكتفاء بغسل واحد وإلا فلو فرقت وافردت كل صلاة بغسل جاز بل استحب كما نقله في المدارك عن المنتهى، قيل: وفي بعض الروايات الموثقة انها تغتسل عند وقت كل صلاة، وهو مؤيد لذلك بان يحمل على عدم الجمع، ويمكن حمله على الاوقات الثلاثة، والاول اقرب، وفي رواية يونس الطويلة (4) " ان فاطمة بنت ابي حبيش كانت تغتسل في كل صلاة " انتهى. اقول: لا يخفى ان الامر بالاغتسال وقت كل صلاة لا يستلزم
(1) ص 119 (2) ص 120 (3) ص 283 (4) ص 182
[ 288 ]
الاتيان بصلاة واحدة خاصة، وقد اوضح هذا الاجمال في صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " المستحاضة تغتسل عند صلاة الظهر فتصلي الظهر والعصر ثم تغتسل عند المغرب فتصلي المغرب والعشاء ".
(الثالث) - قد صرح جملة من الاصحاب بانه يشترط معاقبة الصلاة للغسل بان تقع بعده بلا فصل، قالوا: ولا يقدح في ذلك الاشتغال بعده بالستر وتحصيل القبلة والاذان والاقامة لانها مقدمات للصلاة، واستثنى العلامة في النهاية والشهيد في الدروس انتظار الجماعة، وربما منع ذلك لعدم الضرورة. اقول: لا ريب انه الاحوط وان كان في فهمه من الاخبار نظر. واختلفوا في اعتبار معاقبة الصلاة للوضوء في الصغرى على قولين، قال في المختلف: " قال الشيخ إذا توضأت المستحاضة في اول الوقت ثم صلت آخر الوقت لم تجزها تلك الصلاة. وهو اختيار ابن ادريس. وعندي فيه نظر اقربه الجواز، لنا - العموم الدال على تجويز فعل الطهارة في اول الوقت والعموم الدال على توسعة الوقت " ثم نقل عن الشيخ انه احتج بان الاخبار تدل على انه يجب عليها تجديد الوضوء عند كل صلاة وذلك يقتضي ان يتعقبه فعل الصلاة، ولانها مع مقارنة الصلاة تخرج عن العهدة بيقين ومع التأخير لا تخرج عن العهدة إلا بالدليل وهو منتف. ثم اجاب عن الاول بالمنع من دلالة الاخبار على ما ادعاه فان بعضها ورد بقوله: " فلتتوضأ ولتصل عند وقت كل صلاة " ولا دلالة في ذلك على ما ادعاه، وفى بعضها " وصلت كل صلاة بوضوء " ولا دلالة فيه ايضا، وفى بعضها " الوضوء لكل صلاة " ولا شئ من هذه الاخبار دال على ما ذكره الشيخ. وعن الثاني ان الدليل على خروجها عن العهدة قائم وهو الامتثال. انتهى. اقول: اما ما اجاب به عن الاول فحسن فان الاخبار المذكورة لا دلالة فيها على ما ادعاه الشيخ. واما ما اجاب به عن الثاني فهو لا يخرج عن المصادرة، فان مقتضى كلام الشيخ انه لا يحصل الامتثال
(1) المروية في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاستحاضة.
[ 289 ]
الموجب للخروج عن العهدة إلا بالمقارنة فكيف يدعي ان الدليل على الخروج عن العهدة الامتثال ؟ وربما ايد مذهب الشيخ هنا بان العفو عن حدثها المستمر الواقع في الصلاة أو بينها وبين الطهارة انما وقع للضرورة فيقتصر فيها على ما تقتضيه مما لا يمكن الانفكاك عنه، واعتبار الجمع بين الفرضين بغسل ايضا يدل عليه. وبالجملة فالمسألة لفقد النص لا تخلو من الاشكال، والاحتياط فيها بما ذكره الشيخ مطلوب على كل حال.
(الرابع) - هل الاعتبار في كمية الدم وقلته وكثرته بوقت الصلاة لانه وقت الخطاب بالطهارة فلا اثر لما قبله، أو انه كغيره من الاحداث متى حصل كفى في وجوب موجبه لانه حدث فيمنع سواء كان حصوله في وقت الصلاة ام في غيره ؟ قولان، اختار اولهما في الدروس وثانيهما في البيان ورجحه في الروض ونقله عن ظاهر العلامة، وفى الذكرى نسب القول الاول الى لفظ " قيل " بعد ان ذكر فيها ان ظاهر خبر الصحاف يشعر به، واستدل على القول الثاني باطلاق الروايات المتضمنة لكون الاستحاضة موجبة للوضوء أو الغسل. وبقوله (عليه السلام) في خبر الصحاف (1): " فلتغتسل وتصلي الظهرين ثم لتنظر فان كان الدم لا يسيل فيما بينها وبين المغرب فلتتوضأ ولا غسل عليها وان كان إذا. امسكت يسيل من خلفه صبيبا فعليها الغسل " واستند في الدروس ايضا الى خبر الصحاف كما في الذكرى فقال: " والاعتبار في كميته باوقات الصلاة في ظاهر خبر الصحاف " وفيه ما عرفت من ظهور دلالة الخبر المذكور في القول الآخر. واما ما استندوا إليه - من ان وقت الصلاة هو وقت الخطاب بالطهارة فلا اثر لما قبله - ففيه ان الحدث مانع سواء كان في الوقت ام لا والا لم تجب الطهارة من غيره من الاحداث إذا طرأ قبل الوقت، ومن ذلك يظهر قوة القول الثاني. ويتفرع على الخلاف المذكور ما لو كثر قبل الوقت ثم طرأت القلة، فعلى القول الاول لا غسل عليها ما لم توجد في الوقت متصلة أو طارئة، وعلى الثاني يجب الغسل للكثرة المتقدمة. ولو طرأت الكثرة
(1) المروى في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاستحاضة.
[ 290 ]
بعد صلاة الظهرين فلا غسل لهما، واما بالنسبة الى العشاءين فيراعى استمرار الكثرة الى وقتهما على الاول وعلى الثاني يجب الغسل لهما وان لم يستمر. وهل يتوقف صوم اليوم الحاضر على هذا الغسل الطارئ سببه بعد الظهرين ؟ الظاهر العدم على كل من القولين اما على الاول فلانه لا يوجب الغسل إلا بعد وجوده في وقت العشاءين وقد انقضى الصوم، واما على الثاني فلانه وان حكم بكونه حدثا في الجملة لكنهم حكموا بصحة الصوم مع اتيانها بالاغسال، والغسل لهذا الحدث انما هو في الليلة المستقبلة فلا يتوقف عليه صحة صوم اليوم الماضي، واختار في الذكرى وجوبه هنا للصوم في سياق التفريع على ان الاعتبار في كميته باوقات الصلاة، وتوقف العلامة في التذكرة.
(الخامس) - ظاهر الاخبار المتقدمة ان المدار في ثبوت الكثرة الموجبة للاغسال الثلاثة هو ثقب الدم الكرسف وخروجه منه اعم من ان يكون يخرج من الخرقة التي يشد بها الكرسف ام لا، وهو ايضا ظاهر كلام اكثر الاصحاب، وظاهر عبارة المفيد في المقنعة انه لابد من خروجه من الخرقة وسيلانه منها، وجعل المتوسطة هي التي يثقب دمها الكرسف ويرشح على الخرق ولكن لا يسيل منها، وهذه هي الكثيرة عند الاصحاب، ولم ار في الاخبار ما يدل عليه، إذ الذي جعل فيها مناطا للكثيرة والمتوسطة هو ثقب الكرسف وعدمه من غير تعرض للخرقة، ونقل شيخنا المجلسي في بعض حواشيه عن المحقق الشيخ علي في بعض حواشيه انه ذهب الى ما ذكره الشيخ المفيد (رحمه الله) وفيه ما عرفت.
(السادس) - صرح غير واحد من الاصحاب بانه لو ارادت ذات الدم المتوسط أو الكثير التهجد في الليل قدمت الغسل على الفجر واكتفت به، قال في الذخيرة بعد نقل الحكم المذكور: " ولا اعلم فيه خلافا بينهم ولم اطلع على نص دال عليه " اقول: قد عرفت ان كلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي (1) دال عليه ولكنه لم
(1) ص 283
[ 291 ]
يصل إليه، والظاهر انه هو المستند لمن ذكر هذا الحكم من المتقدمين ولا سيما الصدوقين كما عرفت وستعرف ان شاء الله تعالى. قال في الروض: " وينبغي الاقتصار في التقديم على ما يحصل به الغرض ليلا فلو زادت على ذلك هل يجب اعادته ؟ يحتمل لما مر في الجمع بين الصلاتين به، وعدمه للاذن في التقديم من غير تقييد " اقول: لا يخفى ضعف الوجه الثاني من وجهي الاحتمال المذكور، وذلك (اولا) - لما تقدم من تصريحهم بوجوب معاقبة الصلاة للغسل وهو المشار إليه في كلامه " لما مر... الخ " و (ثانيا) - انه ليس في الخبر الذي هو المستند في الحكم المذكور لفظ التقديم حتى يمكن الاستناد الى اطلاقه وانما وقع هذا اللفظ في عبارات الاصحاب. والذي في كلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي (1) انما هو " ان ثقب الدم الكرسف ولم يسل صلت صلاة الليل والغداة بغسل " وبنحو ذلك عبر في ذات الاغسال الثلاثة كما تقدم نقل كلامه (عليه السلام) وظاهره انما هو معاقبة الصلاة للغسل كما تقدم.
(المقام الثاني) - صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانها إذا فعلت ما هو الواجب عليها في الاقسام الثلاثة فانها تكون بحكم الطاهر وتستبيح ما تستبيحه الطاهر من الامور المشروطة بالطهارة، فتصح صلاتها وصومها ودخولها المساجد ومس القرآن ونحو ذلك، الا انه قد وقع الخلاف في جواز اتيانها قبل الغسل ونحوه. فقيل بالجواز على كراهية، واختاره المحقق في المعتبر، وتبعه جملة من المتأخرين: منهم - السيد في المدارك والفاضل الخراساني في الذخيرة وغيرهما، وقيل بتوقف ذلك على الغسل خاصة، وقيل بتوقفه على الوضوء ايضا، وقيل بتوقفه على جميع ما تتوقف عليه الصلاة، ونسبه في الذكرى الى ظاهر الاصحاب، ونقل عن المفيد القول بتوقفه ايضا على نزع الخرق وغسل الفرج، والظاهر عندي هو القول المشهور من توقفه على ما تتوقف عليه الصلاة وانه تابع لها فمتى حلت لها الصلاة حل لزوجها ان يأتيها وإلا فلا، وحيث ان اول من تصدى لنصرة مذهب المحقق في هذه
(1) ص 22
[ 292 ]
المسألة السيد في المدارك فلا بأس بنقل كلامه وبيان ما في نقضه وإبرامه، قال - بعد ذكر اشتراط اتيانها بما يجب عليها من الغسل والوضوء وتغيير القطنة والخرقة في كونها بحكم الطاهر - ما صورته: " وفي جواز اتيانها قبله اقوال، اظهرها الجواز مطلقا وهو خيرة المصنف في المعتبر، لعموم قوله تعالى: " فإذا تطهرن فاتوهن " - 1) وقوله (عليه السلام) في صحيحة ابن سنان (2): " ولا بأس ان يأتيها بعلها متى شاء إلا في ايام حيضها " وفى صحيحة صفوان بن يحيى (3): " ويأتيها زوجها إذا اراد " وقيل بتوقفه على الغسل خاصة، لقوله (عليه السلام) في رواية عبد الملك بن اعين في المستحاضة (4): " ولا يغشاها حتى يأمرها بالغسل " وفى السند ضعف وفى المتن اجمال لاحتمال ان يكون الغسل المأمور به غسل الحيض. وقيل باشتراط الوضوء ايضا لقوله (عليه السلام) في رواية زرارة وفضيل (5): " فإذا حلت لها الصلاة حل لزوجها ان يغشاها " وهي مع ضعف سندها وخلوها من ذكر الوضوء لا تدل على المطلوب، بل ربما دلت على نقيضه إذا الظاهر ان المراد من حل الصلاة الخروج من الحيض كما يقال لا تحل الصلاة في الدار المغصوبة فإذا خرج حلت، فان معناه زوال المانع الغصبي وان افتقر بعد الخروج منها الى الطهارة وغيرها من الشرائط " انتهى. واقتفاه في هذا التقرير جملة ممن تأخر عنه: منهم - الفاضل الخراساني في الذخيرة وغيره. اقول: والظاهر من الاخبار لمن تأمل فيها بعين الفكر والاعتبار هو تبعية حل الوطء لحل الصلاة كما دلت عليه رواية زرارة وفضيل المذكورة وغيرها، وها انا اوضح لك الحال بتوفيق الملك المتعال بما تنقطع به مادة الاشكال. فاقول: اما رواية زرارة وفضيل المشار إليها فهي ما روياه عن احدهما (عليهما
(1) سورة البقرة. الآية 221. (2) و (3) و (5) المروية في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاستحاضة (4) المروية في الوسائل في الباب 3 من ابواب الاستحاضة
[ 293 ]
السلام) (1) قال: " المستحاضة تكف عن الصلاة ايام اقرائها وتحتاط بيوم أو اثنين ثم تغتسل كل يوم وليلة ثلاث مرات وتحتشي لصلاة الغداة وتغتسل وتجمع بين الظهر والعصر بغسل وتجمع بين المغرب والعشاء بغسل، فإذا حلت لها الصلاة حل لزوجها ان يغشاها " وما طعن به عليها من ضعف السند فهو غير مسموع عندنا ولا معتمد لما عرفت في مقدمات الكتاب، وكذا عند غيرنا من قدماء الاصحاب الذين لا اثر لهذا الاصطلاح عندهم، على ان الدلالة على ما ندعيه غير منحصرة في هذه الرواية بل هو مدلول اخبار عديدة. واما طعنه في متنها من حملها على ما ذكره من ان المراد من حل الصلاة يعني الخروج من الحيض فهو مبني على رجوع قوله في آخر الرواية: " فإذا حلت لها الصلاة... الخ " الى ما ذكره في صدر الرواية من قوله: " تكف عن الصلاة ايام اقرائها " وهو تعسف ظاهر كما لا يخفى عن الخبير الماهر، فان هذا الكلام انما هو مرتبط بحكم المستحاضة المذكور بعد حكم الحائض كما سيظهر لك من الاخبار الآتية ان شاء الله تعالى، والتقريب فيها انه بعد ذكر الحيض وايام الاستظهار بين انها تحتاج في الاتيان بالصلاة الى هذه الاغسال وان الصلاة تتوقف عليها ثم بين انه متى حلت لها الصلاة بذلك حل لزوجها ان يغشاها. واظهر منها في افادة هذا المعنى صحيحة عبد الرحمان بن ابي عبد الله (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المستحاضة ايطأها زوجها وهل تطوف بالبيت ؟ قال تقعد قرءها الذي كانت تحيض فيه فان كان قرؤها مستقيما فلتأخذ به وان كان فيه خلاف فلتحتط بيوم أو يومين ولتغتسل وتستدخل كرسفا فان ظهر على الكرسف فلتغتسل ثم تضع كرسفا آخر ثم تصلي فإذا كان الدم سائلا فلتؤخر الصلاة الى الصلاة ثم تصلي صلاتين بغسل واحد، وكل شئ استحلت به الصلاة فليأتها زوجها ولتطف بالبيت " وهي مع صحة سندها صريحة في المراد عارية عن وصمة الايراد، وهي
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاستحاضة.
[ 294 ]
- كما ترى - مثل الرواية الاولى قد اشتملت اولا على حكم الحيض ثم الاستظهار ثم حكم المستحاضة وانها تصلي بعد الاتيان بالاغسال الثلاثة، ثم ذكر ان كل شئ استحلت به الصلاة وكان مبيحا لها فهو مبيح لاتيان زوجها وطوافها. ومن الاخبار في المسألة ايضا ما رواه المحقق في المعتبر من كتاب المشيخة للحسن بن محبوب في الصحيح (1) قال: روى الحسن بن محبوب في كتاب المشيخة عن ابي ايوب عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) " في الحائض إذا رأت دما بعد ايامها التي كانت ترى الدم فيها فلتقعد عن الصلاة يوما أو يومين ثم تمسك قطنة فان صبغ القطنة دم لا ينقطع فلتجمع بين كل صلاتين بغسل ويصيب منها زوجها ان احب وحلت لها الصلاة ". وما رواه في قرب الاسناد عن محمد بن خالد الطيالسي عن اسماعيل بن عبد الخالق (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المستحاضة كيف تصنع ؟ قال إذا مضى وقت طهرها الذي كانت تطهر فيه فلتؤخر الظهر الى آخر وقتها ثم تغتسل ثم تصلي الظهر والعصر فان كان المغرب فلتؤخرها الى آخر وقتها ثم تغتسل ثم تصلي المغرب والعشاء فإذا كان صلاة الفجر فلتغتسل بعد طلوع الفجر ثم تصلي ركعتين قبل الغداة ثم تصلي الغداة. قلت يواقعها زوجها ؟ قال إذا طال بها ذلك فلتغتسل ولتتوضأ ثم يواقعها ان اراد " والظاهر ان المراد بالوضوء المعنى اللغوي وهو غسل الفرج. ومنها - ما رواه سماعة في الموثق (3) قال: " المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلاتين وللفجر غسلا، وان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرة والوضوء لكل صلاة، وان اراد زوجها ان يأتيها فحين تغتسل... الحديث " وقد تقدم بيان معناه. ومنها - ما رواه صفوان بن يحيى في الصحيح عن ابي الحسن (عليه السلام) (4)
(1) و (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاستحاضة.
[ 295 ]
قال: " قلت له جعلت فداك إذا مكثت المرأة عشرة ايام ترى الدم ثم طهرت فمكثت ثلاثة ايام طاهرة ثم رأت الدم بعد ذلك أتمسك عن الصلاة ؟ قال لا هذه مستحاضة تغتسل وتستدخل قطنة وتجمع بين صلاتين بغسل ويأتيها زوجها ان اراد ". ومنها - ما في الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (1) بعد ذكر المستحاضة: " والوقت الذي يجوز فيه نكاح المستحاضة وقت الغسل وبعد ان تغتسل وتتنظف لان غسلها يقوم مقام الطهر للحائض ". فهذه جملة من الاخبار واضحة الدلالة ظاهرة المقالة في ان جماع المستحاضة انما هو بعد الغسل وانه تابع لحل الصلاة، وحينئذ فما استندوا إليه من اطلاق الآية والاخبار المتقدمة فهو مخصص بما ذكرنا من الاخبار الواضحة عملا بالقاعدة المقررة المسلمة بينهم، والعمل باطلاق الآية والاخبار موجب لطرح هذه الاخبار، واما الجمع بحملها على الاستحباب - كما هو قاعدتهم في غير باب - فقد عرفت ما فيه في غير موضع من الكتاب من انه (اولا) - لا دليل عليه. و (ثانيا) - بانه مجاز موقوف على القرينة واختلاف الاخبار ليس من قرائن المجاز، ويؤيد ما ذهبنا إليه انه الاوفق بالاحتياط الذي هو احد المرجحات الشرعية في مقام اختلاف الاخبار كما صرحت به رواية زرارة الواردة في طرق الترجيح والله العالم.
(المقام الثالث) - للظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في ان المستحاضة متى اخلت بشئ من الافعال الواجبة عليها من وضوء أو غسل كما تضمنته الاخبار المتقدمة فانه لا تصح صلاتها ولا يباح لها ما يباح للطاهر، ولو اخلت بالاغسال في المتوسطة أو الكبرى فانه لا يصح صومها، وقد تقدم في الاخبار المتقدمة ما يدل على الحكم الاول واما الحكم الثاني فاستدلوا عليه بما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن مهزيار (2) قال: " كتبت إليه: امرأة طهرت من حيضها أو من دم نفاسها في اول يوم من شهر رمضان ثم استحاضت
(1) ص 21 (2) رواه في الوسائل في الباب 41 من ابواب الحيض.
[ 296 ]
فصلت وصامت شهر رمضان كله من غير ان تعمل ما تعمله المستحاضة من الغسل لكل صلاتين، فهل يجوز صومها وصلاتها ام لا ؟ فكتب تقضي صومها ولا تقضي صلاتها لان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يأمر فاطمة والمؤمنات من نسائه بذلك " ورواه الكليني في الصحيح ايضا نحوه (1) ورواه الصدوق في الفقيه بطرق ثلاث فيها الصحيح مثله (2). وهذا الخبر من مشكلات الاخبار ومعضلات الآثار وذلك من وجهين: (احدهما) - ما يشعر به من ان فاطمة (عليها السلام) كانت ترى الدم مع ما تكاثرت به الاخبار من انها لم تر حمرة قط لا حيضا ولا استحاضة (3). و (ثانيهما) - ما اشتمل عليه من الحكم بعدم قضاء الصلاة مع الحكم بقضاء الصوم مع ان العكس كان اقرب وبالانطباق على الاصول انسب، إذ الصلاة مشروطة بالطهارة بخلاف الصوم فانه ربما اتفق مع الحدث
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 41 من ابواب الحيض (3) في الفقيه ج 1 ص 50 " وقال النبي (صلى الله عليه وآله): ان فاطمة (ع) ليست كاحد منكن انها لا ترى دما في حيض ولا نفاس كالحورية، وفى اصول الكافي ج 1 ص 458 بسنده عن ابى الحسن (ع): ان فاطمة " ع " صديقة شهيدة وان بنات الانبياء لا يطمئن " وفى كشف الغمة للاربلي ص 139 عن على عن رسول الله " ص " قال: " مريم بتول وفاطمة بتول والبتول التى لم تر حمرة قط أي لم تحض فان الحيض مكروه في بنات الانبياء " ونحوه في العلل ص 71، وفى كنز العمال ج 6 ص 219 عن ابن عباس " قال رسول الله " ص ": ابنتى فاطمة " ع " حوراء آدمية لم تحض ولم تطمث " وفى مجمع الزاود للهيثمي ج 9 ص 202 " قال رسول الله " ص " لعائشة يا حميراء فاطمة ليست كنساء الآدميين ولا تعتل كما يعتلون " وفى اللئالي المصنوعة للسيوطي ج 1 ص 205 عن ام سليم زوجة ابى طلحة الانصاري قالت: " لم تر فاطمة بنت رسول الله " ص " دما قط في حيض ولا نفاس، وفى ص 208 منه عن ابن عباس عنه " ص " " فاطمة حوراء آدمية لم تحض ولم تطمث " ولم يتعقبه السيوطي. وفى الذخائر العقبى للمحب الطبري ص 26 عن ابن عباس مثله وفى تاريخ القرمانى ص 87 " لم تحض فاطمة بنت رسول الله " ص " لانها خلقت من تفاحة الجنة ".
[ 297 ]
في الجملة، ويظهر من الشيخ في المبسوط التوقف في هذا الحكم حيث اسنده الى رواية الاصحاب، وهو في محله لما عرفت. وجل الاصحاب (رضوان الله عليهم) قد عملوا بالخبر في الحكم الاول وتركوا الحكم الثاني، وربما ظهر من رواية الصدوق له في الفقيه من غير تعرض للطعن في متنه العمل بمضمونه، وكذا الشيخ كما يفهم من تأويله الآتي. والاشكال الاول انما يتوجه على رواية الشيخ والكليني للخبر المذكور كما قدمناه واما الصدوق في الفقيه فانه رواه هكذا: " لان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يأمر المؤمنات من نسائه بذلك " وكذلك في العلل رواه كما في الفقيه. وربما اجيب - على تقدير صحة هذه الزيادة - بانه كان يأمر فاطمة ان تأمر المؤمنات بذلك، ويعضده ما في صحيحة زرارة (1) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن قضاء الحائض الصلاة ثم تقضي الصوم ؟ فقال ليس عليها ان تقضي الصلاة وعليها ان تقضي صوم شهر رمضان. ثم اقبل علي فقال ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يأمر بذلك فاطمة وكانت تأمر بذلك المؤمنات " واحتمل بعضهم ان المراد بفاطمة هنا بنت ابي حبيش المتقدمة في حديث السنن (2) فانها كانت مشهورة بكثرة الاستحاضة والسؤال عن مسائلها في ذلك الزمان كما يفهم من الحديث المشار إليه ويكون ذكر الصلاة والسلام بعد لفظ فاطمة في الخبر المذكور ناشئا من توهم بعض الرواة ونقلة الخبر انها فاطمة الزهراء (عليها السلام). واما الاشكال الثاني فقد اجيب عنه بوجوه:
(الاول) - ما ذكره الشيخ في التهذيب حيث قال: " لم يأمرها بقضاء الصلاة إذا لم تعلم ان عليها لكل صلاتين غسلا ولا تعلم ما يلزم المستحاضة، فاما مع العلم بذلك والترك له على العمد يلزمها القضاء " واعترضه في المدارك بانه ان بقي الفرق بين الصوم والصلاة فالاشكال بحاله وان حكم بالمساواة بينهما ونزل قضاء الصوم على حالة العلم وعدم قضاء الصلاة على حالة الجهل فتعسف ظاهر.
(الثاني) - ما اجاب به المولى الاردبيلي من ان المراد لا يجب عليها قضاء
(1) المروية في الوسائل في الباب 41 من ابواب الحيض (2) ص 182.
[ 298 ]
جميع الصلوات لان منها ما كان واقعا في الحيض. ورده في الحبل المتين بانه مع بعده محل كلام فان الصلاة في قول المسائل: " هل يجوز صومها وصلاتها " المراد بها صلاة التي اتت بها في شهر رمضان وهو الزمان الذي استحاضت فيه كما يدل عليه قوله: " طهرت من حيضها ان نفاسها من اول شهر رمضان " وليس الكلام في الصلاة التي قعدت عنها ايام حيضها قبل دخول شهر رمضان، واما تعليق الجار في قوله: " من اول شهر رمضان " بالحيض أو النفاس فمع انه بعيد عن ظاهر الكلام بمراحل لا يجدي نفعا. انتهى. وهو جيد.
(الثالث) - ما ذكره في المنتقى قال: " والذي يختلج في خاطري ان الجواب الواقع في الحديث غير متعلق بالسؤال المذكور والانتقال الى ذلك من وجهين: (احدهما) - قوله فيه: " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يأمر فاطمة... الخ " فان هذه العبارة انما تستعمل فيما يكثر وقوعه ويتكرر، وكيف يعقل كون تركهن ما تعمله المستحاضة في شهر رمضان جهلا كما ذكره الشيخ أو مطلقا مما يكثر وقوعه ؟ و (ثانيهما) - ان هذه العبارة بعينها مضت في حديث من اخبار الحيض في كتاب الطهارة مرادا بها قضاء الحائض للصوم دون الصلاة وبينا وجه تأويلها على ما يروى في اخبارنا من ان فاطمة (عليها السلام) لم تكن تطمث، ولا يخفى ان للعبارة بذلك الحكم مناسبة ظاهرة تشهد بذلك السليقة لكثرة وقوع الحيض وتكرره والرجوع إليه في حكمه، وبالجملة فارتباطها بذلك الحكم ومنافرتها لقضية الاستحاضة مما لا يرتاب فيه اهل الذوق السليم، وليس بالمستبعد ان يبلغ الوهم الى وضع الجواب مع غير سؤاله، فان من شأن الكتابة في الغالب ان تجمع الاسئلة المتعددة فإذا لم ينعم الناقل نظره فيها يقع له نحو هذا الوهم " وهو جيد إلا ان فتح هذا الباب في الاخبار مشكل.
(الرابع) - ما افاده الامين الاسترابادي حيث قال: " السائل سأل عن حكم المستحاضة التي صامت وصلت في شهر رمضان ولم تعمل اعمال المستحاضة والامام ذكر حكم الحائض وعدل عن جواب السؤال من باب التقية، لان الاستحاضة من باب الحدث
[ 299 ]
الاصغر عند العامة فلا توجب غسلا عندهم (1) واما ما افاده الشيخ فلم يظهر له وجه، بل اقول: لو كان الجهل عذرا لكان عذرا في الصوم ايضا، مع ان سياق كلامهم (عليهم السلام) الوارد في حكم الاحداث يقتضي ان لا يكون فرق بين الجاهل بحكمها ولا بين العالم به " انتهى. وهو لا يخلو من قرب.
(الخامس) - ما نقل عن بعض الافاضل حيث قال: " خطر لي احتمال لعله قريب لمن تأمله بنظر صائب، وهو انه لما كان السؤال مكاتبة وقع (عليه السلام) تحت قول السائل " فصلت " " تقضي صلاتها " وتحت قوله " صامت " " تقضي صومها
(1) في فتح الباري شرح البخاري لابن حجر الشافعي ج 1 ص 281 " ثم صار حكم دم الاستحاضة حكم الحدث فتتوضأ لكل صلاة لكنها لا تصلى بذلك الوضوء اكثر من فريضة واحدة مؤداة أو مقضية لظاهر قوله صلى الله عليه وآله: " ثم تتوضأ لكل صلاة " وبهذا قال الجمهور، الى ان قال: وعند المالكية يستحب لها الوضوء لكل صلاة ولا يجب الا بحدث آخر، وقال احمد واسحاق ان اغتسلت لكل فرض فهو احوط " وفى نيل الاوطار للشوكاني ج 1 ص 210 باب غسل المستحاضة لكل صلاة " بعد ان استحاضت زينب بن جحش قال لها النبي صلى الله عليه وآله " اغتسلي لكل صلاة " ذهب الامامية الى وجوب الاغتسال عليها لكل صلاة، وروى عن ابن عمر وابن الزبير وعطاء بن ابى رباح وروى عن على " ع " وابن عباس، وعن عائشة انها قالت تغتسل كل يوم غسلا واحدا، وعن ابن المسيب والحسن قالا تغتسل من صلاة الظهر الى صلاة الظهر، وذهب الجمهور الى انه لا يجب عليها الاغتسال لشئ من الصلوات ولا لوقت من الاوقات الا مرة واحدة وقت انقطاع حيضها، قال النووي وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف " وفى المغنى لابن قدامة ج 1 ص 366 " اختلف اهل العلم في المستحاضة فقال بعضهم يجب عليها الغسل لكل صلاة، الى ان قال وقال بعضهم تغتسل كل يوم غسلا، وقال بعضهم تجمع بين كل صلاتي جمع بغسل واحد وتغتسل للصبح، وقال بعضهم تغتسل مرة لانقضاء حيضها وتتوضأ لكل صلاة وانه يجزئها ذلك وبه قال عطاء والنخعي واكثر اهل العلم ويروى عن عروة وبه قال الشافعي واصحاب الرأى، وقال عكرمة وربيعة ومالك انما عليها الغسل عند انقضاء حيضها وليس عليها للاستحاضة وضوء ".
[ 300 ]
ولاء " اي متواليا، والقول بالتوالي ولو على وجه الاستحباب (1) ودليله كذلك فهذا من جملته، وذلك كما هو متعارف في التوقيع من الكتابة تحت كل مسألة ما يكون جوابا لها حتى انه قد يكتفى بنحو " لا " و " نعم " بين السطور، أو انه (عليه السلام) كتب ذلك نحو قوله: " هل يجوز صومها وصلاتها " وهذا انسب بكتابة التوقيع وبالترتيب من غير تقديم وتأخير، والراوي نقل ما كتبه (عليه السلام) ولم يكن فيه واو يعطف " تقضي صلاتها " أو انه كان " تقضي صومها ولا وتقضي صلاتها " بواو العطف من غير اثبات همزة فتوهمت زيادة الهمزة التي التبست الواو بها، أو انه " ولا تقضي صلاتها " على معنى النهي فتركت الواو لذلك، وإذا كان التوقيع تحت كل مسألة كان ترك الهمزة أو المد في خطه (عليه السلام) وجهه ظاهرا لو كان، فان قوله: " تقضي صومها ولاء " مع انفصاله لا يحتاج فيه الى ذلك، فليفهم، ووجه توجيه الواو احتمال ان يكون (عليه السلام) جمع في التوقيع بالعطف أو ان الراوي ذكر كلامه وعطف الثاني على الاول " انتهى. اقول: لا يخفى ان ما ذكره هذا الفاضل لا يخلو من قرب لو اقتصر في الجواب على ما ذكره من هذين اللفظين، واما بالنظر الى التعليل المذكور في الخبر فلا يخلو من بعد لانه من تتمة الجواب، واردافه باللفظين المذكورين بين السطور بعيد وفصله عنهما ابعد.
(السادس) - ما ذكره بعضهم من الحمل على الاستفهام الانكاري. ولا يخفى بعده سيما في المكاتبة، مضافا الى التعليل المذكور في الخبر. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الظاهر من كلام جملة من الاصحاب فساد الصوم بالاخلال بشئ من الاغسال، وقيد ذلك جمع من المتأخرين بالاغسال النهارية وحكموا بعدم توقف صحة الصوم على غسل الليلة المستقبلة لسبق تمامه، وترددوا في التوقف على غسل الليلة الماضية، قال في الروض: " وهل يشترط في اليوم الحاضر غسل ليلته الماضية ؟ وجهان، والحق انها ان قدمت غسل الفجر ليلا اجزأ عن غسل العشاءين بالنسبة الى الصوم
(1) هكذا وردت العبارة فيما عثرنا عليه من النسخ والظاهر سقوط خبر المبتدأ.
[ 301 ]
وان اخرته الى الفجر بطل الصوم هنا وان لم نبطله لو لم يكن غيره " انتهى. وظاهره التفصيل بالاشتراط ان اخرت غسل الفجر الى طلوع الفجر وعدمه ان قدمته على طلوع الفجر فانه يجزئ عنه لوقوعه ليلا، ولو لم يكن عليها إلا غسل الفجر خاصة دون غسل العشاءين فانه لا يبطل صومها وان اخرته الى طلوع الفجر. وفي استفادة هذه التفاصيل من النص اشكال، والمستفاد من النصوص المتقدمة هو ان هذه الاغسال انما هي للصلاة ليلا كانت أو نهارا ومقتضي ذلك وجوبها في اوقات تلك الصلوات، غاية الامر ان صحيحة ابن مهزيار دلت على انه بالاخلال بها كملا يجب عليها قضاء الصوم، وحينئذ فكما ان المعتبر منها للصلاة ما كان بعد الوقت فليكن للصوم ايضا كذلك، ومنه يظهر ان الاظهر عدم وجوب تقديم غسل الفجر عليه للصوم، واحتمل في الروض وجوب تقديمه هنا، قال: " لانه حدث مانع من الصوم فيجب تقديم غسله عليه كالجنابة والحيض المنقطع، ولان جعل الصوم غاية لوجوب غسل الاستحاضة مع الغمس يدل عليه " وفى كل من الامرين المذكورين منع ظاهر، إذ لم يقم دليل على كونه حدثا مانعا من الصوم كما ادعاه بل هو اول المسألة، ولم يرد ما يدل على ان الصوم غاية لوجوب غسل الاستحاضة مع الغمس كما ادعاه وان وقع في كلامهم، إذ ليس في وجوب توقف الصوم على الاغسال المذكورة غير صحيحة ابن مهزيار المتقدمة (1) وهي خالية من ذلك. ثم نقل في الروض عن الشهيد هنا وجوب التقديم وعن العلامة في النهاية التوقف في المسألة، وهما ضعيفان بما ذكرنا.
وتنقيح البحث في المقام يتوقف على رسم مسائل:
(الاولى) - نقل جملة من الاصحاب عن الشيخ في المبسوط انه حكم بان انقطاع دم الاستحاضة موجب للوضوء، وظاهره انه اعم من ان يكون انقطاعه للبرء أو لا، ونقل عن بعض الاصحاب انه قيده بالانقطاع للبرء، وبذلك صرح العلامة في التحرير، وقال في الذكرى: " والاصل فيه ان انقطاع الدم يظهر معه حكم الحدث أو ان الصلاة ابيحت مع الدم للضرورة وقد زالت،
(1) ص 295
[ 302 ]
وعلى التقديرين تنتقض الطهارة الاولى " ويرد عليه ان دم الاستحاضة يوجب الغسل تارة والوضوء اخرى فايجاب الوضوء خاصة تحكم، والاظهر على هذا ان يقال ان الانقطاع للبرء يوجب ما اوجبه الدم قبل الانقطاع من الوضوء أو الغسل لا الوضوء خاصة كما قالوه وتوضيحه ان الموجب في الحقيقة هو الدم السابق على الانقطاع لا نفس الانقطاع لانه ليس بحدث ودم الاستحاضة في حد ذاته حدث يوجب الغسل أو الوضوء، فمع الانقطاع للبرء بعد الطهارة سابقا يظهر حكم الحدث إذ الموجب هو خروج الدم وقد حصل بعد الطهارة فيترتب عليه حكمه، والطهارة السابقة اباحت الصلاة بالنسبة الى ما سبق قبلها من الدم، ولا يلزم من صحة الصلاة مع الدم بعد الطهارة الاولى عدم تأثيره في الحدث، وظاهر المدارك الميل الى ما ذكرنا حيث انه بعد نقل قول الشيخ قال: " وقيده بعض الاصحاب بكونه انقطع للبرء اي الشفاء، وهو حسن لكن لا يخفى ان الموجب له في الحقيقة هو الدم السابق على الانقطاع لا نفس الانقطاع، وان دم الاستحاضة يوجب الوضوء تارة والغسل اخرى، فاسناد الايجاب الى الانقطاع والاقتصار على الوضوء خاصة لا يستقيم " انتهى. وظاهر المعتبر الميل الى عدم بطلان الطهارة الاولى بالانقطاع فان الانقطاع ليس بحدث. ولو قيل: النصوص مختصة بصورة الاستمرار قلنا فحينئذ اثبات كون الدم المنقطع يوجب الوضوء يحتاج الى دليل يدل على كونه حدثا وليس هنا ما يصلح لذلك. وجوابه يعرف بما قدمناه فان ظاهر النصوص يدل على كونه حدثا، واغتفار حدثيته بعد الطهارة وقبل الصلاة من حيث الضرورة لا يستلزم الانسحاب فيما لا ضرورة تلجئ إليه وهو حال الانقطاع للبرء. وبالجملة فالمسألة لخلوها من النصوص لا تخلو من شوب الاشكال، قال في الذكرى: " وهذه المسألة لم نظفر فيها بنص من قبل اهل البيت (عليهم السلام) ولكن ما افتى به الشيخ هو قول العامة بناء منهم على ان حدث الاستحاضة يوجب الوضوء لا غير فإذا انقطع بقى على ما كان عليه، ولما كان الاصحاب يوجبون به الغسل فليكن مستمرا " انتهى. ومرجعه الى ان دم الاستحاضة حدث كغيره من الاحداث فيجب ان يترتب عليه.
[ 303 ]
مسببه غسلا كان أو وضوء، والخلاف المتقدم في اعتبار الكثرة باوقات الصلاة أو مطلقا جار هنا ايضا.
(الثانية) - قال في المبسوط: " إذا توضأت المستحاضة وقامت الى الصلاة فانقطع الدم قبل الدخول وجب عليها الوضوء ثانيا، لان دم الاستحاضة حدث فإذا انقطع وجب منه الوضوء، فإذا انقطع بعد تكبيرة الاحرام ودخولها في الصلاة مضت في صلاتها ولم يجب عليها استئناف الصلاة لانه لا دليل عليه " واعترضه ابن ادريس بانه ان كان انقطاع دمها حدثا وجب عليها قطع الصلاة واستئناف الوضوء، قال: " وانما هذا كلام الشافعي اورده الشيخ لان الشافعي يستصحب الحال، وعندنا ان استصحاب الحال غير صحيح، وما استصحب فيه الحال فبدليل وهو الاجماع على المتيمم إذا دخل في الصلاة ووجد الماء فانا لا نوجب عليه الاستئناف بالاجماع لا بالاستصحاب " انتهى. ومال في المختلف الى مذهب الشيخ قال: " والحق ما قاله الشيخ، اما وجوب الاستئناف قبل الدخول فلان طهارتها غير رافعة للحدث على ما قلناه وانما تفيد استباحة الدخول مع وجود الحدث، فإذا انقطع الدم وجب عليها نية رفع الحدث لان الطهارة الاولى كانت ناقصة فلذا اوجبنا عليها اعادة الوضوء. واما عدمه مع الدخول فلانها دخلت في صلاة مشروعة فيجب عليها اكمالها، لقوله تعالى: ولا تبطلوا اعمالكم (1) " انتهى. اقول: لا يخفى ما علل به الشيخ وجوب الوضوء ثانيا في الصورة الاولى غير ما علل به العلامة ذلك، وكلام ابن ادريس متجه بناء على تعليل الشيخ فان مرجع كلام الشيخ الى ان انقطاع الدم موجب للوضوء، وحينئذ فيرد عليه ان الفرق بين الدخول في الصلاة وعدمه غير جيد إذا الوجه المقتضى لوجوب الاستئناف في الصورة الاولى موجود في الصورة الثانية، والحدث كما يمنع من ابتداء الدخول في الصلاة يمنع من استدامتها، والتمسك بالاستصحاب ضعيف كما تقدم بيانه في مقدمات الكتاب، واما على تقدير كلام العلامة فان مرجعه
(1) سورة محمد. الآية 34
[ 304 ]
الى الفرق بين الرفع والاستباحة وعدمه والمشهور الاول، فانهم قد فرقوا بينهما بان نية الاستباحة عبارة عن رفع المنع ونية رفع الحدث عبارة عن رفع المانع، وحينئد فدائم الحدث كالمستحاضة والسلس والمبطون والمتيمم يقتصر على نية الاستباحة لان حدثه دائم غير ان الشارع قد اباح له الدخول في الصلاة بالطهارة ولا ينوى رفع الحدث لاستمراره منه، وعليه يجه كلامه في الصورة الاولى، الا ان التحقيق العدم لان الحدث عندنا عبارة عن الحالة المانعة من الدخول في العبادة المشروطة بالطهارة، وحينئد فمتى سوغ الشارع للمكلف الدخول فيها باحد انواع الطهارة فقد علم زوال تلك الحالة وهو معنى الرفع، غاية الامر ان زوالها قد يكون الى غاية كما في المتيمم ودائم الحدث وقد يكون مطلقا كما في غيرهما، ولهذا لا يوجب تخصيص كل قسم باسم بحيث لا ينصرف الى غيره، وبذلك يظهر ضعف ما بنى عليه في المختلف في كل من الصورتين وان الاظهر عدم الفرق بين الصورتين المذكورتين، ويرجع الكلام هنا الى ما تقدم في المسألة الاولى فكل من قال بالبطلان ثم قال به هنا ومن قال بالصحة قال بها هنا. واما ما ذهب إليه الشيخ من الفرق والتفصيل فقد عرفت ضعفه. ويظهر من المعتبر هنا الميل الى عدم وجوب الاستئناف مطلقا لان خروج دمها بعد الطهارة معفو عنه فلم يكن مؤثرا في نقضها والانقطاع ليس بحدث، قال في المدارك بعد نقل كلامه: " وهو متجه " والشهيد في الذكرى بعد ان نقل كلام المحقق قال: " قلت لا اظن ان احدا قال بالعفو عن هذا الدم الخارج بعد الطهارة مع تعقب الانقطاع، انما العفو عنه مع قيد الاستمرار فلا يتم الاعتراض، واعترضه، في المدارك بانه مدفوع بعموم الاذن لها في الصلاة بعد الوضوء المقتضى للعفو عما يخرج منها من الدم بعد ذلك مطلقا. اقول: لا يخفى ان اختياره هنا لما ذهب إليه المحقق مناف لما قدمنا نقله عنه في المسألة الاولى من استحسانه لما نقله عن ذلك البعض الذي قيد الانقطاع بالبرء كما لا يخفى على من راجعه، على ان
[ 305 ]
ما ادعاه هنا من عموم الاذن لها في الصلاة لا يخلو من المناقشة بل ربما كان الظاهر من سياق الاخبار المشار إليها عدمه.
(الثالثة) - الظاهر من كلام غير واحد من الاصحاب - ومنهم الشهيد في الذكرى - انه لو كان انقطاع الدم بعد الطهارة انقطاع فترة لا برء - اما لاعتيادها ذلك أو لاخبار خبير عارف فانه لا يؤثر في نقض الطهارة لانه بعوده كالمستمر الموجود دائما، واطلاق كلام الشيخ المتقدم كما اشرنا إليه آنفا يقتضي حصصول النقض به مطلقا وعن العلامة انه اعتبر قصور زمان الفترة عن الطهارة والصلاة فلو طالت بقدرهما وجبت الاعادة لتمكنها من طهارة كاملة، فلو لم تعدها وصلت فاتفق عوده قبل الفراغ على خلاف العادة وجب عليها اعادة الصلاة لدخولها فيها مع الشك في الطهارة. قال في الروض: " ومثله ما لو شكت في الانقطاع هل هو للبرء ام لا أو هل يطول زمانه بمقدار الطهارة والصلاة ام لا ؟ فيجب اعادة الطهارة لاصالة عدم العود، لكن لو عاد قبل امكان فعل طهارة والصلاة فالوضوء بحاله لعدم وجود الانقطاع المانع من الصلاة مع الحدث ".
(الرابعة) - صرح الاصحاب بانه يجب على المستحاضة الاستظهار في منع الدم من التعدي بقدر الامكان، وعليه تدل جملة من الاخبار: منها - قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار (1): "... وتحتشي وتستثفر وتحشى (2) وتضم فخذيها في
(1) المروية في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاستحاضة. (2) قال في الوافى بعد ذكر الرواية: " بيان: تحشى مضبوط في بعض النسخ المعتمد عليها بالحاء المهملة والشين المعجمة المشددة وفسر بربط خرقة محشوة بالقطن - يقال لها المحشى - على عجيزتها للتحفظ من تعدى الدم حال القعود، وفى الصحاح المحشى العظامة تعظم بها المراة عجيزتها. وفى بعض النسخ تحتبى بالتاء المثناة من فوق والباء الموحدة من الاحتباء وهو جمع الساقين والفخذين الى الظهر بعمامة ونحوها ليكون ذلك موجبا لزيادة تحفظها من تعدى الدم. وفى بعض النسخ ولا تحنى بزيادة " لا " وبالنون وحذف حرف المضارعة أي لا تختضب بالحناء، ونقل عن العلامة الحلى انها بالياءين التحتانيتين اولاهما مشددة -
[ 306 ]
المسجد وسائر جسدها خارج... " وقوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي (1): "... ثم تغتسل وتستدخل قطنة وتستذفر بثوب ثم تصلي حتى يخرج الدم من وراء الثوب... " وفى موثقة زرارة (2): "... ثم هي مستحاضة فلتغتسل وتستوثق من نفسها وتصلي كل صلاة بوضوء... الحديث " وفى حديث يونس (3) المشتمل على السنن الثلاث " وامرها ان تغتسل وتستثفر بثوب وتصلي " وفى موضع آخر منه " وتلجمي " الى غير ذلك من الاخبار. والاستثفار بالسين المهملة ثم التاء المثناة من فوق ثم الثاء المثلثة وفى آخره راء مصدر قولك: استثفر الرجل بثوبه إذا رد طرفيه بين رجليه الى حجزته بضم الحاء والجيم الساكنة، أو من استثفر الكلب بذنبه: جعله بين فخذيه، أو من ثفر الدابة بالثاء المثلثة الذي يجعل تحت ذنبها، ومنه الحديث " الاستثفار ان تجعل مثل ثفر الدابة (4) وفى المغرب " استثفر المصارع ازاره وبازاره إذا اتزر به ثم رد طرفيه بين رجليه فغرزهما في حجزته " وقد ذكر في الروض ان المرد به هنا التلجم بان تشد على وسطها خرقة كالتكة وتأخذ خرقة اخرى وتعقد احد طرفيها بالاولى من قدام وتدخلها بين فخذيها وتعقد الطرف
- أي لا تصلى تحية المسجد. والاول اقرب الى الصواب والواو في قوله (عليه السلام): " وسائر جسدها خارج " واو الحال يعنى انها لا تدخل المسجد ولكنها تجلس قريبا من المسجد بحيث يكون سجودها فيه ضامة فخذيها حين تدخل رأسها للسجود، الى ان قال: وكأن المراد بالمسجد محل صلاتها الذى كانت تصلى فيه وانما لا تدخله احتراما له " اقول: وفى بعض التعاليق على الكافي احتمال ان يكون " ولا تحنى " اي لا تحنى ظهرها كثيرا مخافة ان يسيل الدم. (1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاستحاضة (3) ص 182 (4) هذه الجملة وردت في ذيل صحيحة الحلبي المروية في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاستحاضة وقبلها تفسير الاستذفار. وقال المحدث الكاشانى: " وكأن تفسير اللفظتين من كلام صاحب الكافي " الا ان في مجمع البحرين بعد بيان معنى الاستثفار قال: " ومنه الحديث والاستثفار ".
[ 307 ]
الآخر من خلفها بالاولى، كل ذلك بعد غسل الفرج وحشوه قطنا قبل الوضوء، وبنحو منه فسر ابن الاثير الاستثفار الواقع في حديث المستحاضة. وكذا يجب الاستظهار على السلس والمبطون لرواية حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " إذا كان الرجل يقطر منه البول والدم إذا كان حين الصلاة اتخذ كيسا وجعل فيه قطنا ثم علقه عليه وادخل ذكره فيه ثم صلى: يجمع بين الصلاتين الظهر والعصر باذان واقامتين... الحديث " وعلل ايضا باشتراك الجميع في النجاسة فيجب الاحتراز منها بقدر الامكان، قال في الروض: " فلو خرج الدم أو البول بعد الاستظهار والطهارة اعيدت بعد الاستظهار ان كان لتقصير منه وإلا فلا للحرج، ويمتد الاستظهار الى فراغ الصلاة، قال: ولو كانت صائمة فالظاهر وجوبه جميع النهار، لان تأثير الخارج في الغسل وتوقف الصوم عليه يشعر بوجوب التحفظ كذلك وبه قطع المصنف " اقول: اما ما ذكره من الحكم الاول فجيد، واما الثاني فمحل اشكال وان كان هو الاحوط. اما الجرح السائل فلا يجب شده بل تجوز الصلاة وان كان سائلا كا دلت عليه الاخبار الكثيرة (2) مضافا الى اتفاق الاصحاب، قالوا: ويفرق السلس والمبطون والمستحاضة بعدم وجوب تغيير الشداد في الاولين ووجوبه في الثالث لاختصاص الاستحاضة بالنقل والتعدي قياس. وقد تقدم ما فيه، ولعله وصل إليهم من الاخبار ما يدل على التغيير لكن صلاة وإلا فالاخبار الواصلة الينا خالية من ذلك، مضافا الى ما دل على العفو من نجاسة ما لا تتم الصلاة فيه (3) كما تقدم بيانه. والله العالم.
(1) المروية في الوسائل في الباب 19 من ابواب نواقض الوضوء (2) المروية في الوسائل في الباب 22 من ابواب النجاسات (3) المروية في الوسائل في الباب 31 من ابواب النجاسات
<>