تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الثالث


الفصل الرابع

في غسل النفاس

وفيه مسائل:

(الاولى) - النفاس بكسر النون يقال: نفست المرأة كفرح ونفست بالبناء للمجهول وفي الحيض بفتح النون لا غير، والولد منفوس، ومنه الحديث: " لا يرث المنفوس حتى يستهل صائحا " (1) والمرأة نفساء بضم النون وفتح الفاء والجمع نفاس مثل عشراء وعشار، قال الجوهري: " ليس في كلام العرب فعلاء يجمع على فعال غير نفساء وعشراء " ويجمع ايضا على نفساوات كعشراوات. وهو اما مأخوذ من النفس بمعنى الدم كما يقال ذو نفس سائلة إذا كان يخرج دمه بعد الذبح بقوة، وانما سمي الدم بذلك لان النفس التي هي اسم لجملة الحيوان قوامها بالدم، أو من خروج النفس يعني الولد، أو من تنفس الرحم بالدم، والاشهر في كلام اللغويين المعنى الاول. وكيف كان فقد نقله الفقهاء عن معناه اللغوي الى آخر وهو الدم الخارج في الولادة في الجملة. وقد اتفق الاصحاب على ان الخارج قبل الولادة ليس بنفاس والخارج بعد الولادة نفاس، واما المصاحب لخروج الولد فظاهر كلامهم الخلاف فيه، وقد نص الشيخ في المبسوط والخلاف ومثله سلار على انه الخارج عقيب الولادة أو معها، وقال المرتضى في المصباح: " النفاس هو الدم الذي تراه المرأة عقيب الولادة " ونحوه كلام الشيخ في الجمل وابي الصلاح، ومقتضاه ان الخارج مع الولد ليس بنفاس، قال في المعتبر بعد ايراد القولين: " والتحقيق ان ما تراه مع الطلق ليس بنفاس وكذا ما تراه عند الولادة قبل خروج الولد، اما ما يخرج بعد ظهور شئ من الولد فهو نفاس " وكأنه اراد بذلك الجمع بين القولين المذكورين بحمل قول المرتضى عقيب الولادة على ما هو اعم من خروج الولد أو شئ منه، وقال في المختلف بعد نقل القولين ايضا: " والظاهر انه لا منافاة بينهما فان كلام الشيخ في الجمل محمول على الغالب لا ان النفاس يجب ان يكون عقيب الولادة " وعلل كونه نفاسا بحصول المعنى المشتق منه وخروجه بسبب الولادة فيشمله عموم الادلة. وفيهما ما لا يخفى. ويمكن الاستدلال لما ذهب إليه المرتضى ومن تبعه بما رواه ثقة الاسلام في الكافي


(1) رواه في الوسائل في الباب 7 من ابواب ميراث الخنثى وما اشبهه


[ 309 ]

في الموثق عن عمار بن موسى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1): " في المرأة يصيبها الطلق اياما أو يوما أو يومين فترى الصفرة أو دما ؟ قال: تصلي ما لم تلد فان غلبها الوجع فقاتتها صلاة لم تقدر ان تصليها من الوجع فعليها قضاء تلك الصلاة بعد ما تطهر " وما رواه الصدوق باسناده عن عمار بن موسى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن امرأه اصابها الطلق اليوم واليومين واكثر من ذلك ترى صفرة أو دما كيف تصنع بالصلاة ؟ قال: تصلي ما لم تلد فان غلبها الوجع صلت إذا برأت " والتقريب فيهما انه (عليه السلام) اوجب عليها الصلاة حتى تلد، والمتبادر من الولادة خروج الولد كملا وحينئذ فايجاب الصلاة عليها قبل خروج الولد كملا يوجب الحكم بكون دمها قبل خروجه دم استحاضة لا دم نفاس. نعم روى الشيخ في المجالس بسنده عن زريق بن الزبير الخرقاني (3) قال: " سأل رجل ابا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة حامل رأت الدم ؟ فقال: تدع الصلاة. قال فانها رأت الدم وقد اصابها الطلق فرأته وهي تمخض ؟ قال: " تصلي حتى يخرج رأس الصبي فإذا خرج رأسه لم تجب عليها الصلاة، وكل ما تركته من الصلاة في تلك الحال لوجع أو لما هي فيه من الشدة والجهد قضته إذا خرجت من نفاسها. قال قلت جعلت فداك ما الفرق بين دم الحامل ودم المخاض ؟ قال: ان الحامل قذفت بدم الحيض وهذه قذفت بدم المخاض الى ان يخرج بعض الولد فعند ذلك يصير دم النفاس فيجب ان تدع في النفاس والحيض، فاما ما لم يكن حيضا أو نفاسا فانما ذلك من فتق في الرحم " وهي صريحة في القول الاول، وحينئذ فيجب حمل الخبرين المتقدمين على ما يرجعان به الى هذا الخبر جمعا، من حمل قوله " ما لم تلد " على خروج بعض من الولد. وقريب من هذه الرواية ما رواه الشيخ عن السكوني عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (4) قال: " قال النبي (صلى الله عليه وآله): ما كان الله تعالى ليجعل


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 4 من ابواب النفاس. (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 30 من ابواب الحيض


[ 310 ]

حيضا مع حبل يعني إذا رأت المرأة الدم وهي حامل لا تدع الصلاة إلا ان ترى على رأس الولد إذا ضربها الطلق ورأت الدم تركت الصلاة " والظاهر ان قوله: " يعني " من كلامه (عليه السلام) بعد نقله الحديث النبوي. ثم انه لا يخفى ان رواية المجالس لا تخلو من اشكال، وذلك فانها قد تضمنت ان الحامل إذا رأت الدم تدع الصلاة وهو ظاهر في اجتماع الحمل مع الحيض كما هو اصح القولين واشهرهما، وتضمنت انها إذا رأت الدم وقد اصابها الطلق وهي تمخض تصلي حتى يخرج رأس الصبي، وهو ظاهر في كون هذا الدم دم استحاضة، والقائلون باجتماع الحمل مع الحيض لا يفرقون بين الدمين المذكورين بل الجميع حيض عندهم مع استكمال شرائط الحيض، وهو ايضا ظاهر الاخبار الدالة على الاجتماع. نعم اختلف القائلون بالاجتماع في انه هل يعتبر تخلل أقل الطهر بينه وبين النفاس اما بنقاء أو بما يحكم بكونه استحاضة كالخارج بعد العادة متجاوزا لاكثره على المشهور أو اعم على ما اخترناه سابقا ام لا ؟ قولان. للاول انهم حكموا بان النفاس كالحيض بل هو حيض محتبس واليه يشير بعض الاخبار، وللثاني عدم كونه حيضا حقيقيا والمشابهة لا تستلزم اتحاد الحقيقة وعموم الاحكام بل يكفي فيها الاتحاد في بعض المواد. واستقرب العلامة في النهاية الاول وهو ظاهر الذكرى، وفي المنتهى والتذكرة الثاني، واختاره جملة ممن تأخر عنه ومنهم السيد في المدارك والفاضل الخراساني في الذخيرة، ويدل على الاول روايتا عمار المتقدمتان (1) وظاهر الروض الميل إليه ايضا، وحينئذ فلو رأت الدم ثلاثة ايام مثلا ثم ولدت قبل مضي اقل الطهر فهو استحاضة على القول الاول لفقد شرط ما بين الحيضتين وفصل الولادة لم يثبت انه كاف عن الطهر، وحيض على الثاني لعدم اشتراط فصل اقل الطهر في هذا الموضع، وقد عرفت قوة الاول بدلالة الخبرين المذكورين. إذا عرفت ذلك فاعلم انه يشترط عندهم في صدق الولادة الموجبة للحكم بكون


(1) ص 309


[ 311 ]

الدم المصاحب لها والمتأخر عنها نفاسا خروج جزء مما يسمى آدميا أو مبدأ نشو آدمي ولو كان مضغة، وقيدها بعضهم مع اليقين بكونها مبدأ نشو ادمي، اما العلقة وهي القطعة من الدم الغليظ فلا لعدم اليقين. قال في المعتبر: " ولو وضعت مضغة كان كما لو وضعت جنينا لانه دم جاء عقيب حمل، اما العلقة فلا يتيقن معهما الحمل فيكون حكمه حكم الدم السائل " ونحوه في المنتهى. والحق العلامة في النهاية العلقة بالمضغة مع شهادة القوابل، وقال في الذكرى انه لو فرض العلم بكونها مبدأ نشو انسان بقول اربع من القوابل كان نفاسا. وتوقف فيه بعض المحققين لانتفاء التسمية، واعترضه في الروض بانه لا وجه للتوقف بعد فرض العلم، قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: " وفيه ان منشأ التوقف عدم صدق الولادة عرفا وان علم انه علقة فالتوقف في محله: اقول: لا يخفى ان ما اعترضه على جده هنا مندفع بما ذكره عقيب هذه العبارة حيث قال بعد نقل كلام الذكرى " وتوقف فيه بعض المحققين لانتفاء التسمية ولا وجه له بعد فرض العلم، ولانا ان اعتبرنا مبدأ النشو فلا فرق بينها وبين المضغة مع العلم. نعم قد يناقش في امكان العلم بذلك وهو خارج عن الفرض " انتهى. ومرجعه الى انه متى اعتبر مبدأ النشو وقد حصل ذلك في العلقة بشهادة القوابل فانه تصدق الولادة بعين ما اتفقوا عليه في المضغة. وهو جيد لا يرد عليه شئ مما ذكره سبطه. بقي الكلام في ترتب صدق الولادة والحكم بالنفاس على ما ذكروه من مبدأ النشو مضغة كانت أو علقة، فان غاية ما يفهم من الاخبار ترتب النفاس على الولادة والمتبادر من هذا اللفظ باعتبار ما هو الشائع المتكرر المتكثر هو خروج الولد الآدمي، لما عرفت في غير مقام من تصريحهم بان الاطلاقات في الاخبار انما تحمل على الافراد الشائعة المتكثرة دون الفروض النادرة، ويؤيده التصريح بلفظ الولد في جملة من الاخبار، والحكم بترك العبادة المفروضة المعلومة بالادلة القطعية يحتاج الى دليل واضح، وليس في الاخبار ما يدل هنا على ما ذكروه من صدق الولادة وحصول النفاس بخروج ما كان


[ 312 ]

مبدأ نشو آدمي، والظاهر ان اول من ذكر ذلك المحقق في المعتبر والعلامة وتبعهما من تأخر عنهما، وكلام المتقدمين خال من ذلك كما لا يخفى على من راجعه، وبالجملة فالحكم بذلك عندي موضع توقف لما عرفت. ثم انه قد ذكر في الروض انه تصدق المعية بخروج الجزء وان كان منفصلا ولو لحقه الثاني كان كولادة التوأمين فابتداء النفاس من الاول وغايته من الاخير. انتهى. وللتأمل فيه مجال. والله العالم.

(المسألة الثانية) - لا خلاف بين الاصحاب في انه لا حد لقليل النفاس فيجوز ان يكون لحظة بل يجوز ان لا ترى دما مطلقا، كل ذلك لاصالة العدم وتوقف التكاليف الشرعية على الادلة القطعية، ويدل على ذلك ما رواه الشيخ عن ليث المرادي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن النفساء كم حد نفاسها حتى يجب عليها الصلاة وكيف تصنع ؟ قال: ليس لها حد " والشيخ حمله على انه ليس له حد شرعي لا يزيد ولا ينقص بل ترجع الى عادتها، والاظهر ان المراد السؤال عن حده في جانب القلة، حيث ان الاخبار قد تضمنت حده في جانب الكثرة فسأل عن حده في جانب القلة كما في الحيض من وجود الحد بذلك فأجاب (عليه السلام) بانه لا حد له. وعن علي بن يقطين في الصحيح عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) " انه سأله عن النفساء فقال: تدع الصلاة ما دامت ترى الدم العبيط... " ونقل المحقق في المعتبر قال: " وقد حكى ان امرأة وادت على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم تر دما فسميت الجفوف " (3) انما الخلاف في حد اكثره فقيل بانه عشرة ونقله في المختلف عن علي بن بابويه والشيخ قال: وبه افتى أبو الصلاح وابن البراج وابن ادريس. اقول ونسبه في المبسوط الى اكثر


(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب النفاس. (2) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب النفاس. (3) في المغنى لابن قدامة ج 1 ص 347 والمهذب للشيرازي الشافعي ج 1 ص 45 " روى ان امرأة ولدت على عهد رسول الله " ص " فلم ترد دما فسميت ذات الجفوف ".


[ 313 ]

الاصحاب وهو مؤذن بشهرته بين المتقدمين، وهو اختيار المحقق في كتبه الثلاثة. وقيل انه ثمانية عشر، ونقله في المختلف عن المرتضى والمفيد وابن بابويه وابن الجنيد وسلار إلا ان المفيد قال: " وقد جاءت اخبار معتمدة في ان اقصى مدة النفاس مدة الحيض عشرة ايام وعليه اعمل لوضوحه " (1) وقيل بالتفصيل بانها ان كانت مبتدأة أو ذات عادة غير مستقرة فعشرة ايام وان كانت ذات عادة فعادتها. والظاهر انه هو المشهور بين المتأخرين. وقيل بانها ان كانت ذات عادة فعادتها وان كانت مبتدأة فثمانية عشر يوما، وهو اختياره في المختلف حيث قال فيه بعد نقل القولين الاولين: " والذي اخترناه نحن في اكثر كتبنا ان المرأة ان كانت مبتدأة في الحيض تنفست بعشرة ايام فان تجاوز الدم فعلت ما تفعله المستحاضة بعد العشرة، وان لم تكن مبتدأة وكانت ذات عادة مستقرة تنفست بايام الحيض، وان كانت عادتها غير مستقرة فكالمبتدأة، والذي نختاره هنا انها ترجع الى عادتها في الحيض ان كانت ذات عادة، وان كانت مبتدأة صبرت ثمانية عشر يوما " انتهى. والسبب في اختلاف هذه الاقوال هو اختلاف الاخبار واختلاف الافكار في الجمع بينها، وها انا انقل اولا اخبار المسألة كملا واذيلها - ان شاء الله تعالى - بما يتضح به الحال مما ظهر لي منها بتوفيق ذي الجلال: فمنها - ما رواه الشيخ عن زرارة عن احدهما (عليهما السلام) (2) قال: " النفساء تكف عن الصلاة ايامها التي كانت تمكث فيها ثم تغتسل وتعمل كما تعمل المستحاضة ". وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الفضيل بن يسار وزرارة عن احدهما (عليهما السلام) (3) قال: " النفساء تكف عن الصلاة ايام اقرائها التي كانت


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب النفاس. (3) ج 1 ص 28 وفى الوسائل في الباب 3 من ابواب النفاس.


[ 314 ]

تمكث فيها ثم تغتسل وتعمل كما تعمل المستحاضة " ورواه الشيخ باسناد آخر في القوى (1) وعن زرارة في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " قلت له النفساء متى تصلي ؟ قال: تقعد قدر حيضها وتستظهر بيومين فان انقطع الدم وإلا اغتسلت واحتشت واستثفرت... الحديث ". وعن يونس بن يعقوب في الموثق (3) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: النفساء تجلس ايام حيضها التي كانت تحيض ثم تستظهر وتغتسل وتصلي ". وعن زرارة في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " تقعد النفساء ايامها التي كانت تقعد في الحيض وتستظهر بيومين ". وعن يونس في الموثق (5) - والظاهر انه ابن يعقوب - قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة ولدت فرأت الدم اكثر مما كانت ترى ؟ قال: فلتقعد ايام قرئها التي كانت تجلس ثم تستظهر بعشرة ايام فان رأت دما صبيبا فلتغتسل عند وقت كل صلاة... " والمراد بقوله: " عشرة ايام " يعني الى عشرة كما ذكره الشيخ. وعن مالك بن اعين في القوى (6) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن النفساء يغشاها زوجها وهي في نفاسها من الدم ؟ قال نعم إذا مضى لها منذ يوم وضعت بقدر ايام عدة حيضها ثم تستظهر بيوم فلا بأس بعد ان يغشاها زوجها، يأمرها فتغتسل ثم يغشاها ان احب ". وعن عبد الرحمان بن اعين (7) قال: " قلت له ان امرأة عبد الملك ولدت فعدلها ايام حيضها ثم امرها فاغتسلت واحتشت وامرها ان تلبس ثوبين نظيفين وامرها بالصلاة فقالت له لا تطيب نفسي ان ادخل المسجد فدعني اقوم خارجا عنه واسجد فيه. فقال قد امر به رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: فانقطع الدم عن امرأة ورأت الطهر،


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب النفاس.


[ 315 ]

وامر علي (عليه السلام) بهذا قبلكم فانقطع الدم عن المرأة ورأت الطهر، فما فعلت صاحبتكم ؟ قلت: ما ادري ". وعن ابي بصير في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " النفساء إذا ابتليت بايام كثيرة مكثت مثل ايامها التي كانت تجلس قبل ذلك واستظهرت بمثل ثلثي ايامها ثم تغتسل وتحتشي وتصنع كما تصنع المستحاضة، وان كانت لا تعرف ايام نفاسها فابتليت جلست بمثل ايام امها أو اختها أو خالتها واستظهرت بثلثي ذلك ثم صنعت كما تصنع المستحاضة تحتشي وتغتسل " وحمل بعض الاصحاب الاستظهار بمثل ثلثي ذلك على ما إذا كانت العادة ستة فما نقص لئلا يزيد ايام العادة والاستظهار عن العشرة. وهذه الاخبار كلها - كما ترى - تدل على التنفس بايام العادة في الحيض. ومنها - ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الصحيح (2) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن النفساء كم تقعد ؟ قال: ان اسماء بنت عميس نفست فأمرها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان تغتسل لثمان عشرة، ولا بأس ان تستظهر بيوم أو بيومين ". وعن زرارة في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) (3) " ان اسماء بنت عميس نفست بمحمد بن ابي بكر فأمرها رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين ارادت الاحرام بذي الحليفة ان تحتشي بالكرسف والخرق وتهل بالحج، فلما قدموا ونسكوا المناسك فاتت لها ثمانية عشرة ليلة فأمرها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان تطوف بالبيت وتصلي ولم ينقطع عنها الدم ففعلت ذلك ". وفى الموثق عن زرارة ومحمد بن مسلم والفضيل عن الباقر (عليه السلام) (4) " ان اسماء بنت عميس نفست بمحمد بن ابي بكر فأمرها رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين ارادت الاحرام من ذي الحليفة ان تغتسل وتحتشي بالكرسف وتهل بالحج. فلما


(1) و (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب النفاس.


[ 316 ]

قدموا ونسكوا المناسك سألت النبي عن الطواف بالبيت والصلاة فقال لها منذ كم ولدت ؟ فقالت منذ ثمانية عشر يوما، فأمرها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان تغتسل وتطوف بالبيت وتصلي ولم ينقطع عنها الدم ففعلت ذلك ". وما رواه في الكافي عن علي عن ابيه رفعه (1) قال: " سألت امرأة ابا عبد الله (عليه السلام) فقالت اني كنت اقعد في نفاسي عشرين يوما حتى افتوني بثمانية عشر يوما ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ولم افتوك بثمانية عشر يوما ؟ فقال رجل: للحديث الذي روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه قال لاسماء بنت عميس حين نفست بمحمد بن ابي بكر. فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ان اسماء سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد اتى لها ثمانية عشر يوما ولو سألته قبل ذلك لامرها ان تغتسل وتفعل ما تفعل المستحاضة ". وما رواه في المنتقى عن كتاب الاغسال لاحمد بن محمد بن عياش الجوهري عن احمد بن محمد بن يحيى عن سعد بن عبد الله عن ابراهيم بن هاشم عن عثمان بن عيسى عن عمر بن اذينة عن حمران بن اعين (2) قال: " قالت امرأة محمد بن مسلم وكانت ولودا اقرأ ابا جعفر السلام وقل له انى كنت اقعد في نفاسي اربعين يوما وان اصحابنا ضيقوا علي فجعلوها ثمانية عشر يوما ؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام) من افتاها بثمانية عشر يوما ؟ قال فقلت: للرواية التي رووها في اسماء بنت عميس انها نفست بمحمد بن ابي بكر بذي الحليفة فقالت يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كيف اصنع ؟ فقال لها: اغتسلي واحتشي واهلي بالحج فاغتسلت واحتشت ودخلت مكة ولم تطف ولم تسع حتى تقضى الحج، فرجعت الى مكة فاتت رسول الله فقالت يا رسول الله احرمت ولم اطف ولم اسع ؟ فقال لها رسول الله وكم لك اليوم ؟ فقالت ثمانية عشر يوما. فقال اما الآن فاخرجي الساعة فاغتسلي واحتشي وطوفي واسعي. فاغتسلت وطافت وسعت واحلت. فقال


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب النفاس.


[ 317 ]

أبو جعفر (عليه السلام): انها لو سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل ذلك واخبرته لامرها بما امرها به. قلت فما حد النفساء ؟ قال تقعد ايامها التي كانت تطمث فيهن ايام قرئها فان هي طهرت وإلا استظهرت بيومين أو ثلاثة ايام ثم اغتسلت واحتشت فان كان انقطع الدم فقد طهرت وان لم ينقطع الدم فهي بمنزلة المستحاضة تغتسل لكل صلاتين وتصلي ". وروى الصدوق في العلل عن حنان بن سدير (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) لاي علة اعطيت النفساء ثمانية عشر يوما ولم تعط اقل منها ولا اكثر ؟ قال: لان الحيض اقله ثلاثة ايام واوسطه خمسة واكثره عشرة فاعطيت اقله واوسطه واكثره " وروى في العيون عن الرضا (عليه السلام) فيما كتبه للمأمون (2) قال: " والنفساء لا تقعد عن الصلاة اكثر من ثمانية عشر يوما فان طهرت قبل ذلك صلت وان لم تطهر قبل العشرين حتى تجاوز ثمانية عشر يوما اغتسلت وصلت... الحديث " وفي الخصال باسناده عن الاعمش عن جعفر بن محمد (عليه السلام) (3) في حديث شرائع الدين قال: " والنفساء لا تقعد اكثر من عشرين يوما إلا ان تطهر قبل ذلك فان لم تطهر قبل العشرين اغتسلت واحتشت وعملت عمل المستحاضة ". ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان (4) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: تقعد النفساء سبع عشرة ليلة فان رأت دما صنعت كما تصنع المستحاضة ". وعن محمد بن مسلم في الصحيح (5) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): كم تقعد النفساء حتى تصلي ؟ قال ثماني عشرة سبع عشرة ثم تغتسل وتحتشي وتصلي ". وعن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " تقعد النفساء إذا لم ينقطع عنها الدم ثلاثين أو اربعين يوما الى الخمسين ".


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب النفاس.


[ 318 ]

وعن علي بن يقطين في الصحيح (1) قال: " سألت ابا الحسن الماضي (عليه السلام) عن النفساء وكم يجب عليها ترك الصلاة ؟ قال تدع الصلاة ما دامت ترى الدم العبيط الى ثلاثين يوما فإذا رق وكانت صفرة اغتسلت وصلت ان شاء الله تعالى ". وعن حفص بن غياث عن جعفر عن ابيه عن علي (عليهم السلام) (2) قال: " النفساء تقعد اربعين يوما فان طهرت وإلا اغتسلت وصلت ويأتيها زوجها وكانت بمنزلة المستحاضة تصوم وتصلي ". وعن محمد بن يحيي الخثعمي (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن النفساء ؟ فقال كما كانت تكون مع ما مضى من اولادها وما جربت. قلت فلم تلد فيما مضى ؟ قال: بين الاربعين الى الخمسين ". وروى في كتاب نوادر الراوندي باسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال: " اكثر الحيض عشرة ايام واكثر النفاس اربعون يوما " وفي الفقه الرضوي (4) قال (عليه السلام): " والنفساء تدع الصلاة اكثره مثل ايام حيضها وهي عشرة ايام وتستظهر بثلاثة ايام ثم تغتسل فإذا رأت الدم عملت كما تعمل المستحاضة، وقد روى ثمانية عشر يوما، وروى ثلاثة وعشرون يوما، وباي هذه الاخبار من باب التسليم اخذ جاز ". هذا ما وقفت عليه من روايات المسألة، ولا يخفى ما هي عليه من التصادم والاختلاف إلا ان ظاهر الاصحاب الاعراض عن الروايات الاخيرة المتضمنة لما زاد على الثمانية عشرة، قال الصدوق في الفقيه - بعد ان افتى بانها تقعد عن الصلاة ثمانية عشر يوما مستدلا بحديث اسماء - ما صورته: " والاخبار التي رويت في قعودها اربعين يوما وما زاد الى ان تطهر معلولة كلها وردت للتقية لا يفتي بها إلا اهل الخلاف ".


(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب النفاس. (4) ص 21.


[ 319 ]

بقي الكلام في ان جملة من الاصحاب - كما عرفت - ذهبوا الى ان اكثره عشرة والشيخ في التهذيب انما استدل على هذا القول باخبار العادة المتقدمة التي تضمنت انها تكف عن الصلاة ايام اقرائها التي كانت تمكث فيها. ولا يخفى ما فيه فان ايام الاقراء تختلف باختلاف عادات النساء فاطلاق القول بان العشرة اكثر النفاس إذا رأت عشرة ليس بصحيح، نعم قال المفيد في المقنعة (1): " وقد جاءت اخبار معتمدة في ان اقصى مدة النفاس مدة الحيض عشرة ايام وعليه اعمل لوضوحه " اقول: ولم يصل الينا من هذه الاخبار إلا ما قدمناه في كتاب الفقه ونقل الشيخ محمد بن ادريس في اوائل السرائر قال: " وذكر الشيخ محمد بن محمد بن النعمان في جواب سائل سأله فقال كم قدر ما تقعد النفساء عن الصلاة وكم تبلغ ايام ذلك ؟ فقد رأيت في كتابك احكام النساء احد عشر يوما وفى الرسالة المقنعة ثمانية عشر يوما وفي كتاب الاعلام احد وعشرين يوما فعلى ايها العمل دون صاحبه ؟ فاجابه بان قال الواجب على النفساء ان تقعد عشرة ايام وانما ذكرت في كتبي ما روى من قعودها ثمانية عشر يوما وما روى في النوادر استظهارا باحد وعشرين يوما، وعملى في ذلك على عشرة ايام لقول الصادق (عليه السلام) لا يكون دم نفاس زمانه اكثر من زمان الحيض " انتهى. إذا عرفت ذلك فالذي يظهر عندي من التأمل في اخبار المسألة هو ان ذات العادة في الحيض ترجع الى عادتها للاخبار المتقدمة الصحيحه الصريحة في ذلك، وانما يبقى الاشكال في غيرها فهل تعمل على روايات الثمانية عشر كما ذهب إليه العلامة في المختلف وجعله وجه جمع بين اخبار المسألة، أو على روايات العشرة كما هو المشهور بين المتأخرين ؟ اشكال ينشأ من ان روايات الثمانية عشر لا تخلو من الاضطراب، فان صريح مرفوعة على بن ابراهيم ورواية الجوهري المنقولة من كتاب المنتقى هو ان امره (صلى الله عليه وآله) لاسماء بعد الثمانية عشر بالغسل والطواف انما هو لتأخر سؤالها


(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب النفاس.


[ 320 ]

وإلا فلو سألته قبل ذلك لامرها بذلك، وعلى هذا المعنى حمل الشيخ اخبار المسألة مستندا الى مرفوعة علي بن ابراهيم المشار إليها. والحمل على هذا المعنى قريب في بعضها كموثقة محمد بن مسلم وفضيل وزرارة، ومحتمل على بعد في صحيحة محمد بن مسلم وصحيحة زرارة المذكورة بعدها، وممتنع في باقي روايات الثمانية عشر الغير المتعلقة بقصة اسماء مثل رواية حنان بن سدير المنقولة من العلل وما بعدها من الاخبار، وحينئد فاخبار الثمانية عشر في حد ذاتها تحتاج الى وجه تجتمع عليه حتى يمكن الاستدلال بها. هذا وجه الاشكال في روايات الثمانية عشر. واما روايات العشر فقد عرفت انه لم يرد شئ منها مسندا في كتب الاخبار الا ما عرفت من عبارة كتاب الفقه الرضوي ونقل المفيد وصول الاخبار بذلك إليه، ويمكن ترجيحه (اولا) - بان نقله (رحمه الله) لا يقصر عن مراسيل ابن ابي عمير ونحوه من اجلاء الاصحاب التي قد تلقاها العلماء سلفا وخلفا بالقبول. و (ثانيا) - بدلالة كلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي على ذلك، وقد عرفت ان الكتاب معتمد لاعتماد الصدوقين عليه وافتائهما بعبائره كما عرفت وستعرف ان شاء الله تعالى في المباحث الآتية من هذا الكتاب وكتاب الصلاة وكتاب الزكاة والصوم والحج. و (ثالثا) - بامكان التأويل في اخبار الثمانية عشر على وجه لا تصلح به للاستدلال في هذا المجال بان يحمل المطلق من اخبار اسماء على ما دلت عليه مرفوعة علي بن ابراهيم ورواية الجوهري حمل المطلق على المقيد وعلى ما لم يقبل ذلك فيحمل على التقية وان تضمن العلة في ذلك، والى ذلك اشار الشيخ ورجحه المحقق الشيخ حسن في المنتقى الا انه حمل اخبار اسماء وغيرها من اخبار الثمانية عشر على التقية، قال بعد ان اختار حمل اخبار اسماء على التقية: " انه يمكن ان يكون القدر الذي يستبعد فيه ذلك منسوخا لانه متقدم والحكم بالرجوع الى العادة متأخر، وإذا تعذر الجمع تعين النسخ ويكون تقرير الحكم بعد نسخه محمولا على التقية لما قلناه من ان في ذلك تقليلا للمخالفة، ومع تأدي التقية بالادنى لا يتخطأ الى الاعلى " انتهى. وظني ان ما ذكرناه


[ 321 ]

في اخبار اسماء اقرب. و (رابعا) - ان الحكم بالرجوع الى العادة في الاخبار المتقدمة يدل على ارتباط النفاس بالحيض واختلاف عادات النساء لا يقتضي اكثر من احتمال كون مدة حيض المبتدأة اقصى العادات وهي لا تزيد على العشرة، فالقدر المذكور في اخبار الثمانية عشر من التفاوت بين المبتدأة وذات العادة لا يساعد عليه الاعتبار الذي هو للجمع ميزان ومعيار. و (خامسا) - ان الظاهر من انكار الامامين (عليهما السلام) في مرفوعة ابراهيم بن هاشم وخبر الجوهرى لخبر الثمانية عشر ان اخبار الثمانية عشر كملا انما خرجت بالنسبة الى ذات العادة وغيرها مطلقا كما قال به من قدمنا نقله عنه، ولهذا انه لما رجع له السائل في الخبر الثاني بعد انكاره (عليه السلام) خبر الثمانية عشر فسأله ما حد النفساء ؟ اجابه بالرجوع الى العادة، ولو كان الثمانية عشر انما يعمل عليها في بعض الافراد كما ذهب إليه في المختلف لم ينكرها (عليه السلام) مطلقا بل يخبره بانها مخصوصه بالفرد الفلاني دون غيره. و (سادسا) - ما ذكره جملة من متأخرى المتأخرين من ان اسماء تزوجت بابي بكر بعد موت جعفر بن ابي طالب (رضي الله عنه) وكانت قد ولدت منه عدة اولاد، ويبعد جدا ان لا يكون لها في تلك المدة كلها عادة في الحيض، واخبار العشرة وان كانت مطلقة إلا انه يجب حملها على ما ذكرناه من التفصيل جمعا بينها وبين اخبار العادة. بالجملة فالاظهر عندي والاقرب هو ان المعتادة ترجع الى عادتها بلا اشكال كما عرفت من الاخبار المتقدمة، واما غيرها فالامر فيها دائر بين الثمانية عشر والعشرة واخبار الثمانية عشر قد عرفت ما فيها من التعارض وانه لا يمكن الجمع بينها إلا بوجه تخرج به عن صحة الاستدلال بها مع تأيد القول بالعشرة بما ذكرناه من الوجوه فعليه العمل وبه الفتوى. هذا، ولا يخفى انه على تقدير القول بالثمانية عشر مطلقا يلزم طرح اخبار العادة المتقدمة مع ما هي عليه من الكثرة والصحة والصراحة وكذا على تقدير القول بالعشرة


[ 322 ]

مطلقا، قال في الذكرى: " تنبيه: الاخبار الصحيحة المشهورة تشهد برجوعها الى عادتها في الحيض والاصحاب يفتون بالعشرة وبينهما تناف ظاهر، ولعلهم ظفروا باخبار غيرها وفي التهذيب قال: جاءت اخبار معتمدة في ان اقصى مدة النفاس عشرة وعليها اعمل لوضوحها عندي. ثم ذكر الاخبار الاولى ونحوها حتى ان في بعضها عن الصادق (عليه السلام): " فلتقعد ايام قرئها التي كانت تجلس ثم تستظهر بعشرة ايام " قال الشيخ: يعني الى عشرة ايام اقامة لبعض الحروف مقام بعض. وهذا تصريح بان ايامها ايام عادتها لا العشرة، وحينئد فالرجوع الى عادتها كقول الجعفي في الفاخر وابن طاووس والفاضل اولى وكذا الاستظهار كما مر هناك، نعم قال الشيخ: لا خلاف بين المسلمين في ان عشرة ايام إذا رأت المرأة الدم من النفاس، والذمة مرتهنة بالعبادة قبل نفاسها فلا يخرج عنها إلا بدلالة والزائد على العشرة مختلف فيه، فان صح الاجماع فهو الحجة ولكن فيه طرح للاخبار الصحيحة أو تأويلها بالبعيد " انتهى. والتحقيق في المسألة ما قدمناه. والله العالم بحقائق احكامه.

(المسألة الثالثة) - قد صرح جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان ذات التوأمين فصاعدا يتعدد نفاسها عملا بالعلة لانفصال كل من الولادتين عن الاخرى فلكل نفاس حكم نفسه، فان وضعت الثاني لدون عشرة ايام امكن اتصال النفاسين، ولو تراخت ولادة الثاني بحيث يمكن فرض استحاضة بين النفاسين حكم به، بل يمكن فرض حيض ايضا وان بعد، وربما ظهر من بعض العبارات كونه نفاسا واحدا حيث صرحوا بانه لو تراخت ولادة التوأمين فعدد ايامها من التوأم الثاني وابتداؤه من الاول، وحمل على الغالب من تعاقب ولادتهما فيتحد النفاس بحسب الصورة وإلا ففي التحقيق لكل واحد نفاس مستقل لما عرفت آنفا، ويتفرع على كونهما نفاسين ما لو ولدت الثاني لدون عشرة من ولادة الاول ولم تر بعد ولادة الاول إلا يوما واحدا مثلا وانقطع في باقي الايام المتخللة بينهما فانه يحكم بكونه طهرا وان رأت بعد ولادة الثاني في العشرة وانقطع عليها بخلاف


[ 323 ]

ما لو حكم بكونها نفاسا واحدا كما يقتضيه ظاهر العبارة المتقدمة فانه يلزم كون الدمين والنفاء المتخلل بينهما نفاسا. وتردد المحقق في المعتبر في كون الدم الحاصل قبل ولادة الثاني نفاسا بناء على مذهبه من عدم اجتماع الحيض والحبل، ثم اختار كونه نفاسا لحصول مسمى النفاس فيه وهو تنفس الرحم به بعد الولادة فيكون لها نفاسان. بقي الكلام في الولد الواحد لو تقطع وتعدد خروجه فهل يحكم بتعدد النفاس على ذلك التقدير ام لا ؟ اشكال، قال في الذكرى: " لو سقط عضو من الولد وتخلف الباقي فالدم نفاس على الاقرب، ولو وضعت الباقي بعد العشرة امكن جعله نفاسا آخر كالتوأمين، وعلى هذا لو تقطع بفترات تعدد النفاس، ولم اقف فيه على كلام سابق " انتهى اقول: ولم اقف في الاخبار على ما يتعلق بهذه المسألة الا ان ما ذكروه من تعدد النفاس بتعدد الولادة ربما يمكن الاستناد فيه الى العمومات المتقدمة. والله العالم.

(المسألة الرابعة) - صرح جملة من المتأخرين بانه لو لم تر دما ثم رأت في العاشر كان ذلك نفاسا، وهو بناء على القول بان اكثر النفاس عشرة مطلقا ظاهر، واما على القول بتخصيص المعتادة بايام عادتها وجعل العشرة لغيرها فيجب تقييد الحكم المذكور في شموله للمعتادة بما إذا كانت عادتها عشرة أو دونها وانقطع على العاشر كما صرحوا به والحكم هنا في المعتادة - لو كانت عادتها اقل من عشرة ورأت الدم في العادة ثم انقطع على العشرة فانه يحكم بكون الجميع نفاسا - مبني على ما تقدم نقله عنهم في الحيض من انه إذا تجاوز العادة وانقطع على العاشر حكم بكون الجميع حيضا. وقد عرفت ما فيه ثمة. ولو رأت في العاشر وتجاوز فعلى مذهب من يرى العشرة مطلقا فانه يحكم باليوم العاشر خاصة. وعلى القول بالتفصيل بين ذات العادة فعادتها وغيرها فالعشرة فكذلك ايضا في غير ذات العادة وفي ذات العادة إذا كانت عادتها عشرة، اما لو كانت عادتها دون العشرة فانه لا نفاس لها إلا ما رأته في شئ من ايام العادة. وبالجملة فالحكم عندهم هنا تابع للحيض فكما انه مع تجاوز العشرة عندهم يرجع الى العادة خاصة كذلك هنا


[ 324 ]

يرجع الى العشرة التي هي بمنزلة العادة ثمة. وظاهر المدارك الاستشكال في الحكم الاول اعني الحكم بالنفاس على الدم الذي تراه اليوم العاشر خاصة، قال بعد ذكر المسألة: " واعلم ان هذا الحكم مقطوع به في كلام الاصحاب، وهو محل اشكال لعدم العلم باستناد هذا الدم الى الولادة وعدم ثبوت الاضافة إليها عرفا ". اقول: هذا الاشكال لوتم لا خصوصية له بهذه المادة بل يجري فيما تراه في العادة، فانها لو كانت ذات عادة وحكمنا بتنفسها بايام عادتها وولدت ثم لم تر دما إلا في اليوم الثالث أو الرابع مثلا فانه لا يعلم ايضا استناده الى الولادة لانفصاله عنها وعدم ثبوت الاضافة إليها عرفا، فعلى هذا يختص النفاس بما يصاحب خروج الولد أو يكون بعده بلا فصل وهو بعيد غاية البعد عن ظواهر الاخبار المتقدمة، فان ظاهر الحكم بالتنفس ايام العادة اعم من ان يكون اول الدم من الولادة ام بعد ذلك من ايام العادة، وقضية الحاق النفاس بالحيض - وانه حيض في المعنى يترتب احكام الحيض عليه - هو الحكم بالنفاس على الدم الحاصل بعد الولادة في اي وقت من ايام العادة ان كانت ذات عادة أو العشرة بناء على ما حققناه آنفا لغير ذات العادة من العمل على العشرة، ويؤيده قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1): " ان الحائض مثل النفساء سواء " وحينئذ فكل دم رأته في ضمن هذه المدة اولا أو آخرا أو وسطا فانه يحكم عليه بكونه نفاسا، وقد تقدم منه ما يشير الى ذلك ايضا عند قول المصنف: " ولو ولدت ولم تر دما... الخ " حيث قال: " المراد انها لم تر دما في الايام المحكوم بكون الدم الموجود فيها نفاسا " وبالجملة فانه يحكم على هذا الدم بالنفاس في الصورة المذكورة على قياس الحيض كما لو رأت في ايام العادة، غاية الامر انه لابد في الحكم بكونه حيضا من بلوغ الثلاثة التي هي اول الحيض ليحكم بكونه حيضا واما النفاس فلا حد لاقله كما عرفت، وبذلك يظهر ان ما ذكره


(1) المروية في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاستحاضة.


[ 325 ]

الاصحاب وقطعوا به هو الموافق لمقتضى القاعدة المقررة إلا ان المسألة حيث كانت عارية عن النصوص بالخصوص فلا ينبغي اهمال الاحتياط فيها. وقد صرحوا ايضا بانه لو رأت الاول والعاشر خاصة كان الدمان وما بينهما من النقاء نفاسا، وهو مبني على ما صرحوا به في الحيض من انها لو رأت ثلاثة فانقطع ثم رأت العاشر فانقطع فان العشرة حيض، قال في الذخيرة بعد نقل الحكم المذكور: " وان لم يثبت اجماع على الكلية المذكورة كان للتأمل في الحكم المذكور مجال لفقد النص الدال عليه " اقول: وفيه زيادة على ما ذكره ما تقدم تحقيقه في هذه المسألة في باب الحيض من ان الحكم على النقاء المتخلل بين الدمين بكونه حيضا محل بحث، وبه يظهر ما في التفريع عليه والحاق النفاس به في ذلك. ولو فرض تجاوزه العشرة في الصورة المذكورة فالحكم فيه عندهم كما تقدم من انها ان كانت مبتدأة أو مضطربة أو عادتها عشرة فالعشرة نفاس والا فنفاسها الدم الاول خاصة إلا ان يصادف الثاني جزء من العادة فيكون جميع العادة نفاسا لوجود الدم في طرفيها وما بينهما اقل من عشرة فيكون الجميع نفاسا على قياس الحيض. وفيه ما عرفت. والله العالم.

(المسألة الخامسة) - صرحوا بان حكم النفساء كالحائض في كل الاحكام الواجبة والمندوبة والمحرمة والمكروهة لانه في الحقيقة حيض احتبس، ونفى في المنتهى الخلاف فيه بين اهل العلم مؤذنا بدعوى الاجماع عليه، وفى المعتبر انه مذهب اهل العلم لا اعلم فيه خلافا.

وقد استثنوا من ذلك اشياء:

(الاول) - الاقل للاجماع على ان اقل الحيض ثلاثة ولا حد في جانب القلة للنفاس كما تقدم. وهو كذلك.

(الثاني) - الاكثر للخلاف في اكثر النفاس كما تقدم بخلاف الحيض فان اكثره عشرة اتفاقا نصا وفتوى.


[ 326 ]

(الثالث) - ان الحيض دليل على سبق البلوغ بخلاف النفاس، فان الدلالة حصلت بالحمل لانه اسبق من النفاس فدل على سبق البلوغ على الوضع لستة اشهر فما زاد، قال في الروض: " وهذا الوجه ذكره المصنف في النهاية وتبعه عليه في الذكرى، وفيه نظر لان دلالة الحمل عليه لا تمنع من دلالة النفاس ايضا لامكان اجتماع دلالات كثيرة. لان هذه الامور معرفات شرعية لا علل عقلية فلا يمتنع اجتماعها، كما ان الحيض غالبا لا يوجد إلا بعد سبق البلوغ بغيره " اقول: الظاهر ان كلام شيخنا المشار إليه هنا لا يخلو من نظر، فان الظاهر من كلام الاصحاب ان المراد بالدلالة على البلوغ، انما هو باعتبار ترتب الاحكام من العبادات والحدود ونحو ذلك على العلم بالبلوغ، فباي شئ يعرف ما يترتب عليه هذه الاحكام ؟ لا ان المراد الدلالة في الجملة، ولا ريب انه متى حصل الحمل للمرأة فقد علم به البلوغ وترتب الاحكام المذكورة عليه فلا ثمرة في دلالة النفاس حينئذ ولا اثر لهذه الدلالة لمعلومية البلوغ قبله. واما ما ذكره - من ان الحيض غالبا لا يوجد إلا مع سبق البلوغ بغيره - ففيه انا لا نقول بكون الحيض مطلقا دليلا على البلوغ أو على سبق البلوغ وانما نقول بذلك فيمن جهل سنها، واما من علم بلوغها التسع فان الحيض بعده لا اثر له في الدلالة كما اشرنا إليه فيما تقدم في المسألة الخامسة من المقصد الاول من الفصل الثاني في غسل الحيض (1) وبذلك صرح الاصحاب ايضا.

(الرابع) - ان العدة تنقضي بالحيض دون النفاس، وذلك لان انقضاء العدة انما يحصل بوضع الولد وان لم تر دما بالكلية فلو وضعت من غير نفاس خرجت من العدة فلا دخل للنفاس في انقضائها بخلاف الحيض، نعم هذا الحكم جار على الغالب ووجه التقييد بالغالب انه ربما اتفق انقضاء العدة بالنفاس نادرا كما في الحامل من الزنا إذا طلقها زوجها، فانه لو تقدمها قرءان سابقان على الوضع بناء على مجامعة الحيض للحمل ثم رأت بعد الوضع نفاسا عد في الاقراء وانقضت به العدة ولو لم يتقدمه قرءان عد في الاقراء.


(1) ص 170.


[ 327 ]

(الخامس) - ان الحائض ترجع الى عادتها في الحيض عند تجاوز العشرة بخلاف النفساء فانها لا ترجع الى عادة النفاس وانما ترجع الى عادة الحيض. اقول: لا يخفى ان النفاس ليس له اثر عادة يبنى عليها في مادة من المواد لما عرفت آنفا من ان ذات العادة تبني على عادتها وغيرها على العشرة وهكذا بالنسبة الى سائر الاقوال المتقدمة، ومن ذلك يعلم انه ليس في النفاس عادة.

(السادس) - ان الحائض ترجع الى عادة نسائها على بعض الوجوه بخلاف النفساء فانها لا ترجع الى ذلك عند الاصحاب، وقد تقدم في موثقة ابي بصير (1) الدلالة على الرجوع في النفاس الى نسائها، ونسبها في الروض وقبله العلامة في المنتهى الى الشذوذ. قال في المنتهى: " وهل ترجع الى عادة امها واختها في النفاس ؟ لا نعرف فتوى لاحد ممن تقدمنا في ذلك " ثم نقل موثقة ابي بصير وردها بالشذوذ وضعف السند، ثم قال: " والاقوى الرجوع الى ايام الحيض " اقول: وهو جيد لما تقدم من ان ذات العادة تتنفس بعادتها في الحيض وغيرها بالعشرة أو الثمانيه عشر على الخلاف.


(1) ص 315.


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>