
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء الثالث
الفصل الخامس
في غسل المس
وفيه مسائل:
(الاولى) - المشهور رواية وفتوى وجوب الغسل على من مس ميتا بعد برده وقبل تطهيره بالغسل، وعن المرتضى في شرح الرسالة والمصباح القول بالاستحباب، وظاهر كلام الشيخ في الخلاف وجود قائل بذلك قبل المرتضى حيث قال: " وعند بعضهم انه يستحب وهو اختيار المرتضى " ونسبه سلار الى احدى الروايتين مع انا لم نقف على رواية ظاهره في الاستحباب كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى. والاظهر الاول، لنا الاخبار الكثيرة، ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن
[ 328 ]
محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " قلت الرجل يغمض عين الميت أعليه غسل ؟ فقال: إذا مسه بحرارته فلا ولكن إذا مسه بعد ما يبرد فليغتسل. قلت فالذي يغسله يغتسل ؟ قال: نعم... الحديث ". وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن على المشهور عن حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " من غسل ميتا فليغتسل. قلت فان مسه ما دام حارا ؟ قال فلا غسل عليه وإذا برد ثم مسه فليغتسل. قلت فمن ادخله القبر ؟ قال لا غسل عليه انما يمس الثياب ". وعن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " يغتسل الذي غسل الميت، وان قبل الميت انسان بعد موته وهو حار فليس عليه غسل ولكن إذا مسه وقبله وقد برد فعليه الغسل، ولا بأس ان يمسه بعد الغسل ويقبله ". وعن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " قلت له أيغتسل من غسل الميت ؟ قال نعم. قلت: من ادخله القبر ؟ قال: لا انما يمس الثياب ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن عاصم بن حميد (5) قال: " سألته عن الميت إذا مسه انسان أفيه غسل ؟ قال فقال إذا مسست جسده حين يبرد فاغتسل ". وعن اسماعيل بن جابر في الصحيح (6) قال: " دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) حين مات ابنه اسماعيل الاكبر فجعل يقبله وهو ميت، فقلت جعلت فداك أليس لا ينبغي ان يمس الميت بعد ما يموت ومن مسه فعليه الغسل ؟ فقال اما بحرارته فلا بأس انما ذلك إذا برد ". وعن معاوية بن عمار في الصحيح (7) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الذي يغسل الميت عليه غسل ؟ قال: نعم. قلت فإذا مسه وهو سخن ؟ قال: لا غسل
(1) و (2) و (3) و (5) و (6) و (7) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب غسل المس. (4) رواه في الوسائل في الباب 4 من ابواب غسل المس.
[ 329 ]
عليه فإذا برد فعليه الغسل قلت: والبهائم والطير إذا مسها عليه غسل ؟ قال: لا ليس هذا كالانسان ". وعن محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " من غسل ميتا وكفنه اغتسل غسل الجنابة ". وعن محمد بن الحسن الصفار في الصحيح (2) قال: " كتبت إليه: رجل اصابت يده أو بدنه ثوب الميت الذي يلى جلده قبل أن يغسل هل يجب عليه غسل يده أو بدنه ؟ فوقع (عليه السلام): إذا اصاب يدك جسد الميت قبل ان يغسل فقد يجب عليك الغسل " وعن الحلبي في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) " عن الرجل يمس الميتة أينبغي أن يغتسل منها ؟ قال: لا انما ذلك من الانسان ". واما ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) - قال: " يغتسل الذي غسل الميت وكل من مس ميتا فعليه الغسل وان كان الميت قد غسل " - فحمله في التهذيبين على الاستحباب وفيه بعد، والاولى طرح الخبر المذكور والرد الى قائله ولا سيما مع كونه مخالفا لاجماع المسلمين ومن روايات عمار المتفرد بنقل الغرائب. واما ما رواه عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليه السلام) (5) - قال: " الغسل من سبعة: من الجنابة وهو واجب، ومن غسل الميت وان تطهرت اجزأك، وذكر غير ذلك " وظاهره ان الوضوء يجزئ عن غسل مس الميت وان كان الغسل افضل - فقد حمله الشيخ على التقية، قال: " لانا بينا وجوب الغسل على من غسل ميتا وهذا موافق للعامة لا يعمل به " انتهى. وهو جيد، ويعضده ان رواة
(1) و (2) و (5) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب غسل المس. (3) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب غسل المس. (4) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب غسل المس.
[ 330 ]
الخبر من العامة والزيدية. واما ما ذكره في الوافي - بعد نقل ذلك عن الشيخ حيث قال: " ولا يخفى ان الوجوب بالمعنى الذي ارادة غير ثابت " - فلا اعرف له معنى مع تصريحه هو وغيره بوجوب غسل المس. وروى الطبرسي أبو منصور احمد بن ابي طالب في الاحتجاج (1) قال: مما خرج عن صاحب الزمان (عليه السلام) الى محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري حيث كتب إليه: " روي لنا عن العالم انه سئل عن امام صلى بقوم بعض صلاتهم وحدثت عليه حادثة كيف يعمل من خلفه ؟ فقال: يؤخر ويتقدم بعضهم ويتم صلاتهم ويغتسل من مسه ؟ التوقيع: ليس على من مسه إلا غسل اليد وإذا لم تحدث حادثة تقطع الصلاة تمم الصلاة مع القوم. قال: وكتب إليه وروى عن العالم ان من مس ميتا بحرارته غسل يده ومن مسه وقد برد فعليه الغسل، وهذا الميت في هذه الحالة لا يكون إلا بحرارته فالعمل في ذلك على ما هو ؟ ولعله ينحيه بثيابه ولا يمسه فكيف يجب عليه الغسل ؟ التوقيع: ان مسه في هذه الحال لم يكن عليه الا غسل يده ". واما ما ذكره في الذخيرة - حيث قال بعد بعد نقل جملة من اخبار المسألة: " ولا يخفى ان الامر وما في معناه في اخبارنا غير واضح الدلالة على الوجوب فالاستناد الى هذه الاخبار في اثبات الوجوب لا يخلو من اشكال " - فهو من جملة تشكيكاته الواهية وفيه خروج من الدين من حيث لا يشعر قائله (اما اولا) - فلما حققناه في مقدمات الكتاب من دلالة الامر على الوجوب بالآيات القرآنية والاخبار النبوية. و (اما ثانيا) - فلانه متى كان الاوامر الواردة في الاخبار في جميع الاحكام لا تدل على الوجوب والنواهي الواردة كذلك لا تدل على التحريم كما كرره في غير موضع من كتابه هذا فلم يبق إلا الاباحة، وبذلك يلزم تحليل المحرمات وترك الواجبات إذ لا تكليف الا بعد البيان ولا مؤاخذة إلا بعد اقامة البرهان، والفرض بناء على ما ذكره
(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب غسل المس.
[ 331 ]
انه لا دليل على وجوب ولا تحريم، واللازم حينئد سقوط التكليف وان ارسال الرسل وانزال الشرائع عبث وهو كفر محض كما لا يخفى. ولم نقف للمرتضى هنا على دليل في حمل الاخبار على الاستحباب إلا التمسك باصالة البراءة وما رواه الشيخ عن سعد بن ابي خلف (1) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: " الغسل في اربعة عشر موطنا، واحد فريضة والباقي سنة " وما رواه عن القاسم الصيقل (2) قال: " كتبت إليه: جعلت فداك هل اغتسل امير المؤمنين حين غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند موته ؟ فأجاب (عليه السلام) ان النبي طاهر مطهر ولكن امير المؤمنين فعل وجرت به السنة " ولا يخفى ان الاصالة المذكورة يجب الخروج عنها بالدليل وقد تقدم. واما الروايتان المذكورتان فقاصرتان سندا ودلالة، واللازم من العمل بمضمون الاولى من حمل السنة فيها على المستحب عدم وجوب غسل الحيض واخويه من الاستحاضة والنفاس وعدم وجوب غسل الميت، وهو باطل قطعا، ويحتمل في الثانية جعل مفعول " فعل " غسل الميت لا غسل المس وحينئد فالضمير في قوله: " وجرت به السنة " عائد إليه لا الى غسل المس، على ان استعمال السنة في الاخبار فيما وجب بالسنة أو الاعم شائع كثير. ثم انه صرح جملة من الاصحاب بانه لا فرق في وجوب الغسل بالمس بين كون الميت مسلما أو كافرا عملا باطلاق الاخبار في وجوب الغسل بمس الميت بعد برده الشامل للمسلم والكافر. واحتمل في المنتهى عدم الوجوب بناء على ان ايجاب الغسل بالمس قبل التطهير بالغسل انما يتحقق في من يقبل التطهير اما ما لا يقبل كالبهيمة ونحوها فلا، والكافر لا يقبل التطهير فيكون جاريا مجراها. ورد بما تقدم من شمول الاخبار باطلاقها للمسلم والكافر. وفيه ان ظاهر الاخبار المشار إليه - باعتبار ما دل عليه بعضها من انه قبل
(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب الجنابة. (2) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب غسل المس.
[ 332 ]
الغسل يجب الغسل بمسه وبعد الغسل لا يجب وحمل مطلقها في ذلك على مقيدها ومجملها على مفصلها - هو اختصاص موردها بالمسلم، لانه لا خلاف ولا اشكال في ان غسل الكافر لا يفيده طهارة وحينئد فلا يكون داخلا تحت الاخبار المشار إليها، وبذلك يظهر قرب الاحتمال الذي ذكره في المنتهى وان كان الاحتياط في وجوب الغسل بمسه غسل أو لم يغسل. واما الميمم ولو عن بعض الغسلات فالظاهر وجوب الغسل بمسه، لعدم دخوله تحت الاخبار المذكورة، لان التيمم غير الغسل وبدليته عنه لا تقتضي المساواة من جميع الوجوه.
(الثانية) - لو تقدم غسله على موته كالمرجوم أو غسل مع فقد الخليطين فهل يجب الغسل بمسه ام لا ؟ اشكال، قال في المدارك بعد الكلام في المسألة ونقل بعض اخبارها: " ويندرج في من غسل من تقدم غسله على موته ومن غسل غسلا صحيحا ولو مع فقد الخليطين ". اقول: لا يخفى تطرق المناقشة الى كل من الصورتين المذكورتين، اما من تقدم غسله كالمرجوم ففيه (اولا) - ان هذا الحكم وان دلت عليه رواية مسمع كردين عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " المرجوم والمرجومة يغسلان ويحنطان ويلبسان الكفن قبل ذلك ثم يرجمان ويصلى عليهما، والمقتص منه بمنزلة ذلك يغسل ويحنط ويلبس الكفن ويصلى عليه " الا انها مع ضعف سندها معارضة بالاخبار المستفيضة بل المتواترة معنى الدالة على نجاسة الميت بالموت ولا سيما الاخبار الكثيرة الدالة على ان العلة في وجوب غسل الميت انما هو خروج النطفة التي خلق منها بالموت وان الميت لذلك كالجنب يغسل غسل الجنابة كما قدمنا جملة منها في باب غسل الجنابة (2) وتخصيص تلك الاخبار بما هي عليه من الكثرة والصراحة بهذا الخبر الضعيف مشكل، على انه لا يعقل.
(1) المروية في الوسائل في الباب 17 من ابواب غسل الميت (2) ص 74.
[ 333 ]
سبق التطهير على وقوع النجاسة وحصولها كما لا يخفى، ولولا اتفاق الطائفة على هذا الحكم سلفا وخلفا لكان الاظهر الوقوف على تلك الاخبار، وكيف كان فالاجود عندي اعادة غسله. و (اما ثانيا) - فلانه مع تسليم العمل بالرواية المذكورة والحكم بصحة هذا الغسل والاكتفاء به عن تغسيله ثانيا فانسحاب احكام الغسل الصحيح المتعارف الى هذا الغسل ممنوع، وذلك فان اطلاق الاخبار المتقدمة الدالة على وجوب الغسل بمس الميت بعد برده وقبل غسله وجواز المس بعد الغسل انما ينصرف الى الغسل المتكرر المتعارف الشائع الوقوع وهو الغسل بعد الموت. لما صرح به غير واحد من محققي الاصحاب من ان الاحكام المودعة في الاخبار انما تنصرف الى الافراد الشائعة المتعارفة فانها هي التي ينصرف إليها الاطلاق وتتبادر الى الذهن دون الفروض الشاذة النادرة، وبالجملة فان غاية ما دلت عليه رواية مسمع بعد تسليمها مع مخالفتها لمقتضى القواعد هو سقوط الغسل بعد الموت واما ما عداه فلا، ودعوى كون هذه الامور مترتبة على الغسل مطلقا ممنوعة لما عرفت، وقد وافقنا في هذا المقام صاحب الذخيرة مع اقتفائه اثر صاحب المدارك غالبا فقال: " وفي وجوب الغسل بمسه بعد الموت تردد " وتنظر العلامة في المنتهى في المسألة ايضا، وعن ابن ادريس انه اوجب الغسل بمسه. واما من غسل مع فقد الخليطين فلعدم الدليل على صحة هذا الغسل لعدم النص كما يأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في محله وانما عللوا ذلك بامور اعتبارية لا تصلح لتأسيس الاحكام الشرعية.
(الثالثة) - قال في المنتهى: " الاقرب في الشهيد انه لا يجب الغسل بمسه لان الرواية تدل بمفهومها على ان الغسل انما يجب في الصورة التي يجب فيها تغسيل الميت قبل غسله " وظاهره في المعتبر القطع بالحكم المذكور، وقال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: " وهو كذلك لان ظاهر الروايات ان الغسل انما يجب بمس الميت الذي يجب تغسيله
[ 334 ]
قبل ان يغسل، ويعضده اصالة البراءة وانتفاء العموم في الاخبار الموجبة بحيث يتناول كل ميت ". اقول: لا يخفى ان اكثر الروايات المتقدمة مطلقة في وجوب الغسل على من مس ميتا، مثل صحيحة حريز أو حسنته ورواية عبد الله بن سنان الاولى وصحيحة عاصم بن حميد وصحيحة اسماعيل بن جابر وصحيحة معاوية بن عمار (1) وصحيحة الحلبي (2) وصحيحة محمد بن مسلم (3) فانها كلها مطلقة في وجوب الغسل بالمس بعد البرد شاملة باطلاقها للشهيد وغيره. واما ما دلت عليه صحيحة الصفار (4) من قوله (عليه السلام): " إذا اصاب يدك جسد الميت قبل ان يغسل فقد يجب عليك الغسل " وهي التي تشعر بما ذكروه - فيمكن الجواب عنها بان هذا القيد خرج بناء على ما هو الغالب المتكرر فلا يدل على تقييد اطلاق تلك الاخبار الكثيرة، وبذلك يظهر لك ما في دعوى صاحب المدارك (اولا) - ان ظاهر الروايات ان الغسل انما يجب بمس الميت الذي يجب تغسيله قبل ان يغسل، فان اكثر الروايات - كما عرفت - مطلق لا اشعار فيه بما ذكره وانما ذلك في صحيحة الصفار خاصة. و (ثانيا) - دعواه انتفاء العموم في الاخبار الموجبة بحيث يتناول كل ميت، فانه ليس في محله لما عرفت من شمول الاخبار المذكورة باطلاقها للشهيد وغيره من الاموات. ووقوع السؤال في بعضها عمن غسل ميتا لا اشعار فيه بما ادعوه، لان هذا احد افراد المس الذي يترتب عليه الغسل، واي ظهور في العموم اظهر من صحيحة عاصم بن حميد (5) وقوله: " سألته عن الميت إذا مسه الانسان فيه غسل ؟ فقال: إذا مسست جسده حين يبرد فاغتسل " ؟ ونحوها صحيحة اسماعيل بن جابر (6) وبالجملة فظواهر الاخبار المذكورة العموم. نعم يمكن ان يقال ان الظاهر من الروايات الدالة على نجاسة الميت بالموت وطهره بالغسل والروايات الدالة على ان الشهيد لا يغسل هو طهارة الشهيد وعدم نجاسته بالموت، وحينئذ فيكون حكمه حكم غيره
(1) و (5) و (6) ص 328 (2) و (4) ص 329 (3) ص 327.
[ 335 ]
من الاموات بعد الغسل.
(الرابعة) - لا خلاف بين الاصحاب في انه لو مسه قبل البرد فلا غسل، وقد تقدم في الاخبار المتقدمة ما يدل عليه وانما الخلاف في ثبوت النجاسة بذلك ووجوب غسل ما باشره. فقيل بذلك وهو اختيار شيخنا الشهيد الثاني في الروض ونقله عن العلامة ايضا، وقيل بطهارته وعدم وجوب غسل ما باشره وهو اختيار الذكرى والدروس والمنتهى، واليه مال في المدارك وقبله المولى الاردبيلي في شرح الارشاد. واحتج الاولون بصدق الموت الموجب للحكم بالنجاسة. واجاب عنه في الذكرى بانا انما نقطع بالموت بعد البرد. واعترضه في الروض بمنع عدم القطع قبله وإلا لما جاز دفنه قبل البرد، ولم يقل به احد خصوصا صاحب الطاعون، قال: " وقد اطلقوا القول باستحباب التعجيل مع ظهور علامات الموت وهي لا تتوقف على البرد، مع ان الموت لو توقف القطع به على البرد لما كان لقيد البرد فائدة بعد ذكر الموت ". واحتج الآخرون باصالة البراءة فيجب التمسك بها الى ان يقوم دليل على خلافها وعدم القطع بنجاسته قبل البرد، وزاد في الذكرى بان نجاسته ووجوب الغسل متلازمان إذ الغسل بمس النجس. واعترضه في الروض - زيادة على ما تقدم - بمنع الملازمة هنا ايضا، قال: لان النجاسة علقها الشارع على الموت والغسل على البرد، وكل حديث دل على التفصيل بالبرد وعدمه دل على صدق الموت قبل البرد، كخبر معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " إذا مسه وهو سخن فلا غسل عليه فإذا برد فعليه الغسل " فان ضمير " مسه " يعود الى الميت، وعن عبد الله بن سنان عنه (عليه السلام) (2) " يغتسل الذي غسل الميت... " ثم ساق الرواية وهي الاولى من روايتيه المتقدمتين الا انه قال فيها: " وان غسل الميت انسان بعد موته... الى آخر الخبر " ثم قال بعد هذا: " وهذا الحديث
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب غسل المس.
[ 336 ]
كما يدل على صدق الموت قبل البرد كذلك يدل على جواز تغسيله قبله ايضا " اقول: الموجود فيما حضرني من كتب الاخبار - وهو الذي نقله في الوافي وكذلك في الوسائل - انما هو " قبل الميت انسان... الى آخره " لا " غسل " كما نقله. واستدل به ايضا على النجاسة بالموت الشامل باطلاقه لما قبل البرد، وبعده بصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) " عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت ؟ قال يغسل ما اصاب الثوب " ورواية ابراهيم بن ميمون (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقع ثوبه على جسد الميت ؟ قال ان كان غسل الميت فلا تغسل ما اصاب ثوبك منه وان كان لم يغسل فاغسل ما اصاب ثوبك منه " وهما دالان على نجاسة الميت بالموت مطلقا ومدعى التقييد بالبرد عليه الدليل. وبالجملة فهذا القول لما عرفت لا يخلو من قوة، إلا ان ظاهر نفي البأس عن مسه بحرارته وتقبيله في تلك الحال - كما في جملة من الاخبار المتقدمة - هو الطهارة ولا سيما فعل الصادق (عليه السلام) بابنه اسماعيل كما تضمنته صحيحة اسماعيل بن جابر (3) وحينئذ فيمكن تقييد اطلاق الميت في الاخبار المتقدمة بالبرد جمعا بين الاخبار. وبذلك يظهر ما في كلام شيخنا الشهيد الثاني وقوله: " ان النجاسة علقها الشارع على الموت والغسل على البرد " من ان الموت بمجرده لا يستلزم النجاسة بل لابد من تقييده بالبرد ليتم نفي البأس عن تقبيله ومسه بحرارته كما تضمنته الاخبار المشار إليها. واما اعتراضه على كلام الشهيد (رحمه الله) حيث ادعى انه انما يقطع بموته بعد البرد بالمنع من ذلك مستندا الى انه لم يصرح احد بعدم جواز دفنه قبل البرد ففيه انه لم يصرح احد ايضا بجواز ذلك قبل البرد. واما اطلاقهم القول باستحباب التعجيل مع ظهور علامات الموت وهي - لا تتوقف على البرد - ففيه ان برد بدن الميت بعد الموت لا يتوقف على زمان يحصل به المنافاة لاستحباب التعجيل. واما قوله -: انه لو توقف القطع بالموت على البرد لما كان لقيد البرد فائدة - ففيه انا لا نمنع الموت حال
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 34 من ابواب النجاسات (3) ص 228.
[ 337 ]
الحرارة وانما نمنع انفصال الروح بكليتها في تلك الحال، وذلك فان الروح بعد خروجها من البدن يبقى لها اتصال به كاتصال شعاع الشمس بعد غروبها بما اشرقت عليه، وآثار ذلك الاتصال باقية ما دامت الحرارة موجودة، وبعد البرد ينقطع ذلك ويقطع بخروجها بجميع متعلقاتها وآثارها فلا منافاة حينئذ. نعم يبقى الكلام فيما تضمنه التوقيع الخارج من الناحية المقدسة (1) فانه ظاهر بل صريح في النجاسة قبل البرد وانه يجب غسل ما مسه به، وبذلك يظهر ان المسألة لا تخلو من شوب الاشكال والاحتياط فيها مطلوب على كل حال. والله العالم.
(الخامسة) - لو مس عضوا كمل غسله فهل يجب الغسل بمسه ام لا ؟ اشكال، فقيل بالاول لاطلاق الامر بالغسل بمس الميت بعد برده، خرج منه من غسل بالنص والاجماع وبقي ما عداه، ولصدق الميت الذي لم يغسل عليه في هذه الصورة، وبذلك صرح جملة من الاصحاب: منهم - العلامة في بعض كتبه والسيد السند في المدارك والفاضل الخراساني في الذخيرة. وقيل بالثاني واليه ذهب العلامة ايضا والشهيد في الذكرى والدروس لان الظاهر ان وجوب الغسل تابع لمسه نجسا للدوران وقد حكم بطهارة العضو المفروض. والحق في المقام ان يقال: ان الكلام في هذه المسألة يتوقف على الكلام في نجاسة الميت، فان قلنا بانها عينية محضة - كما هو اختيار المحقق في المعتبر محتجا عليه بان الملاقي لبدن الميت ينجس بملاقاته وليس ذلك إلا لكونه نجسا - فلا اشكال في عدم الوجوب وذلك لان النجاسة العينية لا يشترط في طهارة بعض اجزاء محلها طهارة الباقي، إذ طهارة المحل تحصل بمجرد غسله وانفصال لغسالة عنه من غير توقف على امر آخر، وان قلنا بانها حكمية محضة، كما ذهب إليه المرتضى وجعله كالجنب وفرع عليه عدم وجوب غسل المس، أو قلنا بانها حكمية من وجه وعينية من آخر كما هو ظاهر الاكثر وهو الاقرب
(1) ص 230.
[ 338 ]
الاظهر، اما جهة كونها حكمية فللاخبار الكثيرة الدالة على تعليل وجوب غسل الميت بخروج النطفة منه، وقد تقدمت في باب غسل الجنابة في مسالة وجوب الترتيب (1) واما جهة كونها عينية فللاخبار الدالة على وجوب غسل الملاقي لجسد الميت بعد برده وقبل تطهيره بالغسل، وهي صحيحة الحلبي ورواية ابراهيم بن ميمون المتقدمتان (2) - فاشكال ينشأ من ان الاصل كون هذا الغسل كغيره من الاغسال الرافعة للحدث في كونه بتمامه سببا تاما في رفع النجاسة الحكمية ولهذا وجبت فيه النية كغيره من الاغسال وحينئذ فوجوب الغسل بالمس ثابت الى ان يحصل كمال الغسل لعدم صدق اسمه عليه قبل اكماله، ومن صدق كمال الغسل بالنسبة الى ذلك العضو، ولانه لو كان منفصلا لما وجب الغسل بمسه قطعا فكذا مع الاتصال، لعدم تعقل الفرق ولاصالة البراءة من وجوب الغسل. والظاهر ضعفه. فالاقرب حينئذ هو الوجوب. نعم ينقدح هنا اشكال آخر وهو ان مقتضى القواعد الفقهية ان طهارة المحل من الخبث تحصل بانفصال الغسالة عن المغسول ولا يتوقف بعدها على تطهير جزء آخر كما عرفت، فعلى هذا إذا اكمل غسل عضو وجب الحكم بطهارته من الخبث بحيث لا يجب غسل اللامس له، ولو توقف طهارة ذلك العضو من الخبث على طهارة المجموع لزم مخالفة القاعدة المشار إليها. وحينئذ يبعد الحكم بوجوب الغسل بمسه دون غسل العضو اللامس، إذ لم يعهد انفكاك الغسل عن الغسل الا على ما يأتي ان شاء الله تعالى من مذهب الشهيد في ايجابه الغسل بمس العظم المجرد مع انه قد يكون طاهرا من الخبث لانه مما لا تحله الحياة، وسيأتي بيان ضعفه ان شاء الله تعالى والتحقيق في المقام هو الموقوف على ظواهر الاخبار المتقدمة، وقد دلت على ان مس الميت بعد برده وقبل غسله موجب للغسل والمتبادر منه كمال الغسل، وحينئذ فما لم يكمل غسله لا يحصل مصداق الاخبار المذكورة، واستبعاد انفكاك الغسل عن الغسل غير مسموع في مقابلة الاخبار المذكورة، وحينئذ فالاظهر هو وجوب الغسل بمس العضو
(1) ص 74 (2) ص 336.
[ 339 ]
المذكور وان لم يوجب غسل ما لاقاه.
(السادسة) - الظاهر من كلام جملة من الاصحاب ان مس الميت على الوجه المتقدم من جملة الاحداث الموجبة لنقض الطهارة المتوقف ارتفاعها على الغسل اما خاصة كما اخترناه سابقا أو مع الوضوء على المشهور، وبذلك صرح الشهيد في الالفية حيث عده من النواقض والشيخ في النهاية حيث قال: " ومن جملة ما ينقض الوضوء ما يوجب الغسل وهو خمسة اشياء: الجنابة والحيض والاستحاضة والنفاس ومس الاموات " وهو ايضا ظاهره في الذكرى والدروس. والظاهر انه لا خلاف فيه بينهم، وظاهر المدارك التوقف في ذلك حيض قال: " واما غسل المس فلم اقف على ما يقتضي اشتراطه في شئ من العبادات. ولا مانع من ان يكون واجبا لنفسه كغسل الجمعة والاحرام عند من اوجبهما نعم ان ثبت كون المس ناقضا للوضوء اتجه وجوبه للامور الثلاثة المتقدمة إلا انه غير واضح " ثم نقل الاستدلال عليه بعموم قوله (عليه السلام) (1): " كل غسل قبله وضوء إلا غسل الجنابة " ورده بانه مع عدم صحة سنده غير صريح في الوجوب كما اعترف به جماعة من الاصحاب. اقول: لم اقف في شئ من الاخبار بعد التتبع التام على ما يقتضي كون المس ناقضا مشروطا رفعه بالغسل الا على ما في الفقه الرضوي، حيث قال في باب غسل الميت وتكفينه بعد ذكر غسل المس (2): " وان نسيت الغسل فذكرت بعد ما صليت فاغتسلت واعد صلاتك " قال بعض مشايخنا المحدثين من متأخري المتأخرين: " ومثل هذه الرواية لا تفيد حكما لعدم ثبوت هذا الكتاب عنه (عليه السلام) والقرائن تدل على عدمه، ومع ذلك فالاعادة غير نص في المدعى لاحتمال الاستحباب " انتهى. اقول: لا يخفى على من اعطى التأمل حقه فيما نقلناه في هذا الكتاب وما سننقله ان شاء الله تعالى في المباحث الآتية - من اعتماد الصدوقين على هذا الكتاب والافتاء بعبائره وترجيحها على النصوص
(1) المروى في الوسائل في الباب 35 من ابواب الجنابة (2) ص 18.
[ 340 ]
الصحيحة المستفيضة في مواضع عديدة، حتى ان الاصحاب نسبوا كثيرا من فتاوى علي ابن الحسين بن بابويه الى الشذوذ لمخالفتها صحاح الاخبار وهي مأخوذة من هذا الكتاب كما سننبه عليه ان شاء الله تعالى في المقامات الآتية مضافا الى ما تقدم - ان الكتاب المذكور من الاصول المعتمدة التي لا تقصر عن نسبة غيره من الاصول الى مصنفيها، ويؤيده ما ذكره شيخنا المجلسي (طاب ثراه) في مقدمات كتاب البحار حيث قال: " كتاب فقه الرضا اخبرني به السيد الفاضل المحدث القاضي امير حسين (طاب ثراه) بعدما ورد اصفهان، قال: قد اتفق في بعض سني مجاورتي بيت الله الحرام ان اتاني جماعة من اهل قم حاجين وكان معهم كتاب قديم يوافق تأريخه عصر الرضا (عليه السلام) وسمعت الوالد انه قال: سمعت السيد يقول كان عليه خطه (عليه السلام) وكان عليه اجازات جماعة كثيرة من الفضلاء، وقال السيد حصل لي العلم بتلك القرائن انه تأليف الامام فاخذت الكتاب وكتبته وصححته. فاخذ والدي هذا الكتاب من السيد واستنسخه وصححه، واكثر عباراته موافق لما يذكره الصدوق أبو جعفر ابن بابويه في الفقيه من غير سند وما يذكره والده في رسالته إليه، وكثير من الاحكام التي ذكرها اصحابنا ولا يعلم مستندها مذكورة فيه كما ستعرف في ابواب العبادات " انتهى كلامه. ونحوه وجدت بخط والده المذكور ايضا، وبذلك يظهر لك ما في كلام البعض المشار إليه فانه ناشئ عن قصور التتبع وعدم اشتهار الكتاب المذكور. وان الاظهر هو العمل بما دل عليه كلامه (عليه السلام) كما عليه من عرفت من اصحابنا، مضافا الى اوفقيته للاحتياط المطلوب في الدين. وقال في الذكرى: " وهذا الغسل يجامعه الوضوء وجوبا، لما سلف، ولو احدث بعد الوضوء المقدم اعاده، وبعد الغسل المقدم الوضوء لا غير، وفى اثناء الغسل الاقرب حكمه حكم المحدث في اثناء غسل الجنابة، وقطع في التذكرة بانه لو احدث في اثناء غسله اتم وتوضأ تقدم أو تأخر، ولعله يرى ان الحدث الاكبر يرفعه الغسل والاصغر يرفعه
[ 341 ]
الوضوء بالتوزيع. وفيه بعد لظهور ان الوضوء والغسل علة لرفع الحدث مطلقا وهذا ينسحب في جميع الاغسال سوى الجنابة " انتهى. وسياق هذا الكلام وما اشتمل عليه من الخلاف ظاهر في ان غسل المس رافع عندهم وهو موجب لكون المس عندهم من جملة النواقض كما سلف ذكره عن جملة منهم واما الحدث في اثناء هذا الغسل فقد تقدم الكلام في نظيره. وقال في الدروس: " ولا يمنع هذا الحدث من الصوم ولا من دخول المساجد في الاقرب نعم لو لم يغسل العضو اللامس وخف سريان النجاسة الى المسجد حرم الدخول وإلا فلا " انتهى. اقول: ظاهر هذا الكلام هو ان حدثية المس الموجبة للغسل كالحدث الاصغر فيجب لما يجب له الوضوء من الصلاة والطواف ونحوهما ولا يجب للصوم ولا لدخول المساجد للاصل وعدم الدليل المخرج عنه، نعم يأتي في دخول المساجد لو لم يغسل العضو اللامس ما يأتي في سائر النجاسات من تحريم الدخول مطلقا أو بشرط خوف التعدي الى المسجد أو شئ من الآية.
(السابعة) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) وجوب الغسل بمس القطعة المبانة ذات العظم من حي أو ميت، وادعى في الخلاف الاجماع عليه، واستدلوا على ذلك برواية ايوب بن نوح عن بعض اصحابه عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة فإذا مسه انسان فكل ما فيه عظم فقد وجب على كل من يمسه الغسل، وان لم يكن فيه عظم فلا غسل عليه " وهذه الرواية شاملة باطلاقها المبانة من حي أو ميت. اقول: ويدل عليه ايضا قوله (عليه السلام) (2) في الفقه الرضوي: " وان مسست شيئا من جسد اكلة السبع فعليك الغسل ان كان فيما مسست عظم، وما لم يكن فيه عظم فلا غسل عليك في مسه " وبهذه العبارة عبر في الفقيه بادني تغيير فقال: " ومن مس قطعة من جسد اكيل السبع فعليه الغسل ان كان
(1) المروية في الوسائل في الباب 2 من ابواب غسل المس (2) ص 17.
[ 342 ]
فيما مس عظم وما لم يكن فيه عظم فلا غسل عليه في مسه " انتهى. ومورد العبارة المذكورة وان كان بالنسبة الى القطعة المبانة من الميت إلا انه لا دلالة فيها على الاختصاص ولم اقف على من خالف في الحكم المذكور إلا المحقق في المعتبر وتبعه في المدارك قال في المعتبر بعد ان نقل عن الشيخ دعوى الاجماع على ذلك والاستدلال بالرواية المتقدمة: " والذي اراه التوقف في ذلك، فان الرواية مقطوعة والعمل بها قليل ودعوى الشيخ في الخلاف الاجماع لم يثبت فاذن الاصل عدم الوجوب، وان قلنا بالاستحباب كان تفصيا من اطراح قول الشيخ والرواية " انتهى. قال في المدارك بعد نقل كلامه: " هذا كلامه وهو في محله ". اقول: فيه (اولا) - ما قدمنا نقله عنه في اوائل المعتبر من وجوب العمل بالخبر وان ضعف سنده متى قبله الاصحاب، والامر هنا كذلك فانه لا راد له سواه ومن تبعه، وكل من تأخر عنه من اصحاب هذا الاصطلاح ما عدا صاحب المدارك فانهم ردوا كلامه بان ضعف الخبر مجبور بشهرة العمل به وان الاجماع المنقول بخبر الواحد حجة كما حقق في الاصول، واما المتقدمون فقد عرفت في غير موضع مما تقدم انه لا اثر لهذا الاصطلاح عندهم ومن ذكر المسألة منهم فانما حكم فيها بما تقدم ومن لم يتعرض لها فانه لا يدل على انكارها وعدم القول بها، فقوله: " والعمل بها قليل " لا وجه له. و (ثانيا) - ان ما ادعاه - من ان في القول بالاستحباب تفصيا عن اطراح قول الشيخ والرواية - ليس في محله، لانه متى كان قول الشيخ وكذا ظاهر الرواية انما هو الوجوب الموجب مخالفته للمؤاخذة بالعقاب والقول بالاستحباب موجب لجواز الترك وعدم المؤاخذة، فكيف يكون فيه تفص عن مخالفة الشيخ والرواية: وبذلك يظهر ان القول المشهور هو المؤيد المنصور. وهل يجب الغسل بمس العظم المجرد متصلا أو منفصلا ؟ قولان اشهرهما العدم، وذهب في الذكرى والدروس الى الوجوب لدوران الغسل معه وجودا وعدما. ورد
[ 343 ]
بمنع حجية الدوران وجواز كون العلة هي المجموع المركب منه ومن اللحم، ولان العظم طاهر في نفسه حيث انه مما لا تحله الحياة فلا يوجب نجاسة غيره، ولو فرضت نجاسته فهى عرضية خبثية تزول بتطهيره كباقي المتنجسات بالخبث، هذا مع انفصاله واما مع الاتصال فالظاهر وجوب الغسل بمسه لا من حيث هو هو بل من حيث وجوب الغسل بمس الميت الصادق بمس اي جزء منه. ونحوه ايضا مس الشعر والظفر على اشكال ينشأ مما ذكرناه من ان مس الشعر والظفر لا يسمى مسا للميت عرفا سيما إذا طالا بخلاف العظم والضرس لان الظاهر صدق مس الميت بمسهما، والاحتياط يقتضي الغسل بمس كل من هذه الاشياء المذكورة حال الاتصال. ويتفرع على وجوب الغسل بمس العظم ما لو وجد العظم في مقبرة، فان كانت مقبرة المسلمين فلا غسل لان الظاهر انه دفن بعد الغسل حملا لافعال المسلمين على الصحة وان كانت مقبرة الكفار وجب الغسل إذ لا عبرة بغسل الكافر كما تقدم، ولو تناوب عليها الفريقان فاشكال لتعارض اصالة عدم الغسل لجواز كونه كافرا، والشك في حصول الحدث فلا يرفع يقين الطهارة التي عليها الماس، إلا ان في عدم رفع يقين الطهارة بمثل هذا الشك بحثا تقدم الكلام فيه في المقدمة الحادية عشرة من مقدمات الكتاب، ورجح في الدروس هنا سقوط الغسل. وان جهلت فلم يعلم كونها مقبرة المسلمين أو الكفار تبعت الدار فيلحق باهلها. قال في الروض: " واعلم ان كل ما حكم في مسه بوجوب الغسل مشروط بمس ما تحله الحياة من اللامس لما تحله الحياة من الملموس فلو انتفى أحد الامرين لم يجب الغسل، فان كان تخلف الحكم لانتفاء الاول خاصة وجب غسل اللامس خاصة، وان كان لانتفاء الثاني خاصة فلا غسل ولا غسل مع اليبوسة، وكذا ان كان لانتفاء الامرين معا، هذا كله في غير العظم المجرد كالشعر والظفر ونحوهما، اما العظم فقد تقدم الاشكال فيه، وهو في السن اقوى، ويمكن جريان الاشكال في الظفر ايضا لمساواته العظم في ذلك، ولا فرق في الاشكال بين كون العظم والظفر من اللامس أو الملموس " انتهى.
<>