
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء الثالث
الفصل السادس
في غسل الاموات
وما يستتبعه من احكام الاحتضار والدفن ونحوهما، والكلام فيه يقع في مقاصد:
المقصد الاول
في الاحتضار
ولا بأس بتقديم بعض الاخبار المناسبة للمقام والمتعلقة بهذه الاحكام: فعن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) رفع رأسه الى السماء فتبسم فسئل عن ذلك فقال: نعم عجبت لملكين هبطا من السماء الى الارض يلتمسان عبدا مؤمنا صالحا في مصلى كان يصلى فيه ليكتبا له عمله في يومه وليلته فلم يجداه في مصلاه، فعرجا الى السماء فقالا ربنا عبدك فلان المؤمن التمسناه في مصلاه لنكتب له عمله ليومه وليلته فلم نصبه فوجدناه في حبالك، فقال الله عزوجل اكتبا لعبدي مثل ما كان يعمل في صحته من الخير في يومه وليلته ما دام في حبالي فان علي ان اكتب له اجر ما كان يعمله إذا حبسته عنه " وعن الباقر (عليه السلام) (2) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان المؤمن إذا غلبه ضعف الكبر امر الله تعالى الملك ان يكتب له في حاله تلك مثل ما كان يعمل وهو شاب نشيط صحيح، ومثل ذلك إذا مرض وكل الله تعالى به ملكا يكتب له في سقمه ما كان يعمله من الخير في صحته حتى يرفعه الله ويقبضه، وكذلك الكافر إذا اشتغل بسقم في جسده كتب الله له ما كان يعمل من الشر في صحته ". اقول: لعل الوجه في ذلك ان المؤمن لما كان من نيته المداومة على تلك الاعمال
(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاحتضار. (2) رواه في الكافي ج 1 ص 32 وروى في الوسائل قطعة منه في الباب 1 من ابواب الاحتضار.
[ 345 ]
الصالحة فمتى حيل بينه وبينها بالمرض أو الكبر فان الله سبحانه يكتب له ثواب ذلك من حيث نيته، والكافر ايضا لما كان في نيته المداومة على تلك الاعمال القبيحة كتب له، وهو السر في الحديث الوارد بان كلا من اهل الجنة والنار انما خلدوا فيها بالنيات. وعن الباقر (عليه السلام) (1): " سهر ليلة من مرض افضل من عبادة سنة " وعن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " الحمى رائد الموت وهو سجن الله تعالى في الارض وهو حظ المؤمن من النار " وبهذا المضمون جملة من الاخبار. وعن الباقر (عليه السلام) (3): " حمى ليلة تعدل عبادة سنة وحمى ليلتين تعدل عبادة سنتين وحمى ثلاث ليال تعدل عبادة سبعين سنة. قال قلت: فان لم يبلغ سبعين سنة ؟ قال فلابيه وامه. قال قلت: فان لم يبلغا ؟ قال: فلقرابته. قال قلت: فان لم يبلغ سبعين سنة ؟ قال: فلجيرانه " وعن الرضا (عليه السلام) (4) قال: " المرض للمؤمن تطهير ورحمة وللكافر تعذيب ونقمة، وان المرض لا يزال بالمؤمن حتى ما يكون عليه ذنب " وعن جعفر بن محمد عن آبائه في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) (5) قال: " يا علي انين المؤمن تسبيح وصياحه تهليل ونومه على فراشه عبادة وتقلبه من جنب الى جنب جهاد في سبيل الله تعالى، فان عوفي مشى في الناس وما عليه ذنب " وعن الباقر (عليه السلام) (6) قال: " إذا احب الله تعالى عبدا نظر إليه فإذا نظر إليه اتحفه بواحدة من ثلاث: اما صداع واما حمى واما رمد " وعن علي بن الحسين (عليهما السلام) (7) قال: " حمى ليلة كفارة سنة وذلك لان المها يبقى في الجسد سنة " وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) (8) " انه تبسم فقيل له تبسمت يا رسول الله ؟ فقال عجبت للمؤمن وجزعه من السقم ولو يعلم ما له في السقم من الثواب لاحب ان لا يزال سقيما حتى يلقى ربه عزوجل " وعن ابي ابراهيم (عليه السلام) (9) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)
(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) و (9) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاحتضار.
[ 346 ]
للمريض اربع خصال: يرفع عنه القلم ويأمر الله تعالى الملك فيكتب له كل فضل كان يعمله في صحته ويتبع مرضه كل عضو في جسده فيستخرج ذنوبه منه فان مات مات مغفورا له وان عاش عاش مغفورا له " وعن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (1) " انه عاد سلمان الفارسي فقال له: يا سلمان ما من احد من شيعتنا يصيبه وجع إلا بذنب قد سبق منه وذلك الوجع تطهير له. فقال له سلمان: فليس لنا في شئ من ذلك اجر خلا التطهير ؟ قال علي (عليه السلام): يا سلمان لكم الاجر بالصبر عليه والتضرع الى الله تعالى والدعاء له بهما تكتب لكم الحسنات وترفع لكم الدرجات، فاما الوجع خاصة فهو تطهير وكفارة " وعن الباقر (عليه السلام) (2) قال: " كان الناس يعتبطون اعتباطا فلما كان زمان ابراهيم (عليه السلام) قال: يا رب اجعل للموت علة يؤجر بها الميت ويسلي بها عن المصاب، قال: فانزل الله تعالى الموم وهو البرسام ثم انزل بعده الداء ". اقول: الاعتباط بالمهملتين اولا وآخرا: نزول الموت بغير علة. والموم بضم الميم والبرسام: علة معروفة يهذي فيها، يقال: برسم الرجل فهو مبرسم، والداء سائر انواع المرض وعن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: اكثر من يموت من موالينا بالبطن الذريع " اقول: البطن محركة: داء البطن، يقال بطن الرجل على صيغة المجهول: اشتكى بطنه، والذريع: السريع الكثير، وهو عبارة عن كثرة الاسهال وسرعته بسبب انطلاق البطن. وعن الصادق (عليه السلام) " ان اعداءنا يموتون بالطاعون وانتم تموتون بعلة البطون ألا انها علامة فيكم يا معشر الشيعة " وعن الصادق (عليه السلام) " ما من داء إلا وهو شارع الى الجسد ينتظر متى يؤمر به فيأخذه " قال في الكافي وفى رواية اخرى " إلا الحمى فانها ترد ورودا " وعن الصادق (عليه السلام) قال:
(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاحتضار. (2) رواه في الكافي ج 1 ص 31. (3) رواه في الكافي ج 1 ص 31 عن الرضا " عليه السلام ".
[ 347 ]
" قال موسى يا رب من اين الداء ؟ قال: مني. قال فالشفاء ؟ قال مني. قال: فما يصنع عبادك بالمعالج ؟ قال: تطيب انفسهم فيومئذ سمى المعالج بالطبيب ". اقول: لا يخفى ما في هذا الحديث من الاشكال، إذ لا يظهر هنا وجه مناسبة بين المشتق والمشتق منه، فان احدهما من " طيب " بالياء المثناة والآخر من " طبب " بالبائين الموحدتين، ولعل قوله (عليه السلام): " تطيب انفسهم " انما هو بالبائين لا بالياء، فان الطب كما يكون للبدن يكون للنفس ايضا كما قال في القاموس: " الطب مثلث الطاء: علاج الجسم والنفس " فالاشتقاق متجه، وما في النسخ من الكتابة بالياء المثناة من تحت في اللفظ المشار إليه فالظاهر انه غلط من النساخ. وعن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " قال الله تعالى: ايما عبد ابتليته ببلية فكتم ذلك عواده ثلاثا ابدلته لحما خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه وبشرا خيرا من بشره، فان ابقيته ابقيته ولا ذنب له وان مات مات الى رحمتي " وزاد في خبر آخر مثله " قال قلت: جعلت فداك وكيف يبدله ؟ قال يبدله لحما ودما وشعرا وبشرا لم يذنب فيها " وعن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " من مرض ليله فقبلها بقبولها كتب الله له عبادة ستين سنة. قلت ما معنى قبولها ؟ قال لا يشكو ما اصابه فيها الى احد " وعن الصادق (عليه السلام) (3) وقد سئل عن حد الشكاية للمريض قال: " ان الرجل يقول حممت اليوم وسهرت البارحة وقد صدق وليس هذا شكاية، وانما الشكوى ان يقول لقد ابتليت بما لم يبتل به احد ويقول لقد اصابني ما لم يصب احدا، وليس الشكوى ان يقول سهرت البارحة وحممت اليوم ونحو هذا ". وعن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " ينبغي للمريض منكم أن يؤذن
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب الاحتضار. (3) رواه في الوسائل في الباب 5 من ابواب الاحتضار. (4) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب الاحتضار.
[ 348 ]
اخوانه بمرضه فيعودونه فيؤجر فيهم ويؤجرون فيه قال فقيل له نعم هم يؤجرون فيه بممشاهم إليه فكيف يؤجر هو فيهم ؟ قال فقال باكتسابه لهم الحسنات فيؤجر فيهم، فيكتب له بذلك عشر حسنات ويرفع له عشر درجات ويمحى بها عنه عشر سيئات " وعن ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال: " إذا مرض احدكم فليأذن للناس يدخلون عليه فانه ليس من احد إلا وله دعوة مستجابة " وعن الصادق (عليه السلام) (2) " ما من احد يحضره الموت إلا وكل به ابليس من يأمره بالكفر ويشككه في دينه حتى تخرج نفسه فمن كان مؤمنا لم يقدر عليه، فإذا حضرتم موتاكم فلقنوهم شهادة ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله حتى يموتوا " وعنه (عليه السلام) في حديث (3) " ان ملك الموت يتصفح الناس في كل يوم خمس مرات عند مواقيت الصلاة فان كان ممن يواظب عليها عند مواقيتها لقنه شهادة ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله ونحى عنه ملك الموت ابليس " وعن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " لا عيادة في وجع العين ولا تكون عيادة في اقل من ثلاثة ايام فإذا وجبت فيوم ويوم لا فإذا طالت العلة ترك المريض وعياله " وعن بعض موالي جعفر بن محمد (عليه السلام) (5) قال: " مرض بعض مواليه فخرجنا إليه نعوده ونحن عدة من موالي جعفر فاستقبلنا جعفر (عليه السلام) في بعض الطريق فقال لنا اين تريدون ؟ فقلنا نريد فلانا نعوده. فقال لنا. قفوا فوقفنا فقال: مع احدكم تفاحة أو سفرجلة أو اترجة أو لعقة من طيب أو قطعة من عود بخور ؟ فقلنا ما معنا شئ من هذا. فقال أما تعلمون ان المريض يستريح الى كل ما ادخل عليه ؟ " وعن الصادق
(1) رواه في الوسائل في الباب 9 من ابواب الاحتضار. (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 36 من ابواب الاحتضار. (4) رواه في الوسائل في الباب 13 من ابواب الاحتضار. (5) رواه في الوسائل في الباب 17 من ابواب الاحتضار.
[ 349 ]
(عليه السلام) (1) قال: " تمام العيادة للمريض ان تضع يدك على ذراعه وتعجل القيام من عنده فان عيادة النوكى اشد على المريض من وجعه " اقول: النوك بالضم: الحمق، ورجل انوك والجمع نوكي كفتلى. وعن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " ان امير المؤمنين (عليه السلام) قال. ان من اعظم العواد اجرا عند الله لمن إذا عاد اخاه خفف الجلوس إلا ان يكون المريض يحب ذلك ويريده ويسأله ذلك... " وعن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " إذا دخل احدكم على اخيه عائدا له فليسأله يدعو له فان دعاءه مثل دعاء الملائكة " وعن الباقر (عليه السلام) (4) قال: " من عاد مريضا في الله لم يسأل المريض للعائد شيئا الا استجاب الله له " وعن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " عودوا مرضاكم وسلوهم الدعاء فانه يعدل دعاء الملائكة " وعن الباقر (عليه السلام) (6) قال: " ايما مؤمن عاد مؤمنا خاض الرحمة خوضا، فإذا جلس غمرته الرحمة، فإذا انصرف وكل الله تعالى به سبعين الف ملك يستغفرون له ويسترحمون عليه ويقولون طبت وطابت لك الجنة الى تلك الساعة من غد، وكان له يا ابا حمزة خريف في الجنة. قلت ما الخريف جعلت فداك ؟ قال زاوية في الجنة يسير الراكب فيها اربعين عاما " والاحاديث في استحباب العيادة وزيادة فضلها اكثر من ان يأتي عليها هذا المقام. وعن ابي عبيدة الحذاء (7) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام): حدثني بما انتفع به فقال: يا ابا عبيدة اكثر ذكر الموت فانه لم يكثر انسان ذكر الموت إلا زهد في الدنيا " وعن ابي بصير (8) قال: " شكوت الى ابي عبد الله (عليه السلام) الوسواس فقال: يا ابا محمد اذكر تقطع اوصالك في قبرك ورجوع احبائك عنك إذا دفنوك في
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 15 من ابواب الاحتضار. (3) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 12 من ابواب الاحتضار. (6) رواه في الوسائل في الباب 10 من ابواب الاحتضار. (7) و (8) رواه في الوسائل في الباب 23 من ابواب الاحتضار.
[ 350 ]
حفرتك وخروج بنات الماء من منخريك واكل الدود لحمك فان ذلك يسلى عنك ما انت فيه. قال أبو بصير فوالله ما ذكرته إلا سلى عني ما انا فيه من هم الدنيا " وعن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الموت الموت ألا ولابد من الموت، الى ان قال وقال: إذا استحقت ولاية الله والسعادة جاء الاجل بين العينين وذهب الامل وراء الظهر، وإذا استحقت ولاية الشيطان والشقاوة جاء الامل بين العينين وذهب الاجل وراء الظهر. قال وسئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) اي المؤمنين اكيس ؟ فقال اكثرهم ذكرا للموت واشدهم له استعدادا ". وعن ابي حمزة عن بعض الائمة (عليهم السلام) (2) قال: " ان الله تبارك وتعالى يقول يا ابن آدم تطولت عليكم بثلاث ؟ سترت عليك ما لو يعلم به اهلك ما واروك، واوسعت عليك فاستقرضت منك فلم تقدم خيرا، وجعلت لك نظرة عند موتك في ثلثك فلم تقدم خيرا " وعن جعفر بن محمد عن ابيه (عليهما السلام) (3) قال: " قال علي (عليه السلام): من اوصى فلم يجحف ولم يضار كان كمن تصدق به في حياته. قال وقال (عليه السلام): ستة يلحقن المؤمن بعد وفاته: ولد يستغفر له ومصحف يخلفه وغرس يغرسه وبئر يحفرها وصدقة يجريها وسنه يؤخذ بها من بعده " وعن جعفر بن محمد عن ابيه (عليهما السلام) (4) " ان النبي سئل عن رجل يدعى الى وليمة والى جنازة فايهما افضل وايهما يجيب ؟ قال يجيب الجنازة فانها تذكر الآخرة، وليدع الوليمة فانها تذكر الدنيا " وعن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " الوصية حق على كل مسلم " وعن زيد الشحام (6) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الوصية فقال هي حق على كل مسلم ".
(1) رواه في الوسائل في الباب 23 من ابواب الاحتضار. (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 30 من ابواب الاحتضار. (4) رواه في الوسائل في الباب 34 من ابواب الاحتضار. (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 1 من كتاب الوصايا
[ 351 ]
قال بعض مشايخنا (عطر الله مراقدهم): قوله: " الوصية حق " اي لازم وجوبا إذا كانت ذمته مشغولة ولم يظن الوصول الى صاحب الحق إلا بها، واستحبابا مؤكدا في غيره من الخيرات والمبرات. وقال بعض مشايخنا المحدثين: " الوصية العهد، يقال اوصاه ووصاه توصية: عهد إليه، والوصية التي هي حق على كل مسلم ان يعهد الى احد اخوانه ان يتصرف في بعض ماله بعد موته تصرفا ينفعه في آخرته، فان كان عليه حق لله سبحانه أو لبعض عباده قضاه منه، وان كان له اولاد صغار قام عليهم وحفظ عليهم اموالهم، أو كان في ورثته مجنون أو معتوه أو سفيه فكذلك نظرا لهم وصيانة لاموالهم وتخفيفا على المؤمنين مؤنتهم وان يفرض شيئا من ماله لاصدقائه واقربائه ممن لا يرث ان فضل عن غنى الورثة وكان ذلك الصديق أو القريب به احرى الى غير ذلك مما يجري هذا المجرى، وان يشهد جماعة من المؤمنين على ايمانه وتفصيل عقائده الحقة ويعهد إليهم ان يشهدوا له بها عند ربه يوم يلقاه، ولا يشترط في الوصية ان تكون عند حضور الموت بل ورد انه لا ينبغي ان لا يبيت الانسان إلا ووصيته تحت رأسه " انتهى كلامه زيد اكرامه. وعن الصادق (عليه السلام) (1) " قال له رجل اني خرجت الى مكة فصحبني رجل وكان زميلي فلما ان كان في بعض الطريق مرض وثقل ثقلا شديدا فكنت اقوم عليه ثم افاق حتى لم يكن عندي به بأس فلما ان كان في اليوم الذي مات فيه افاق فمات في ذلك اليوم. فقال الصادق (عليه السلام) ما من ميت تحضره الوفاة الا رد الله تعالى عليه من سمعه وبصره وعقله للوصية اخذ الوصية أو ترك وهي الراحة التي يقال لها راحة الموت، فهي حق على كل مسلم ". وعن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله من لم يحسن وصيته
(1) رواه في الوسائل في الباب 4 من كتاب الوصايا (2) رواه في الوسائل في الباب 3 من كتاب الوصايا
[ 352 ]
عند الموت كان نقصا في مروته وعقله. قيل يا رسول الله وكيف يوصي الميت ؟ قال إذا حضرته الوفاة واجتمع الناس إليه قال: اللهم فاطر السموات والارض عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، اللهم اني اعهد اليك في دار الدنيا اني اشهد ان لا إله إلا انت وحدك لا شريك لك وان محمدا عبدك ورسولك وان الجنة حق والنار حق وان البعث حق والحساب حق والقدر حق والميزان حق وان الدين كما وصفت وان الاسلام كما شرعت وان القول كما حدثت وان القرآن كما انزلت وانك انت الله الحق المبين، جزى الله محمدا عنا خير الجزاء وحيا الله محمدا وآله بالسلم. اللهم يا عدتي عند كربتي ويا صاحبي عند شدتي ويا وليي عند نعمتي، إلهي وإله آبائي لا تكلني الى نفسي طرفة عين ابدا فانك ان تكلني الى نفسي طرفة عين كنت اقرب من الشر وابعد من الخير، وآنس في القبر وحشتي واجعل لي عهدا يوم القاك منشورا. ثم يوصي بحاجته، وتصديق هذه الوصية في القرآن في السورة التي يذكر فيها مريم في قوله تعالى: " لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا " (1) فهذا عهد الميت، والوصية حق على كل مسلم وحق عليه ان يحفظ هذه الوصية ويعلمها، وقال امير المؤمنين (عليه السلام) علمنيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال رسول الله علمنيها جبرئيل ".
إذا عرفت ذلك فالكلام في هذا المقصد يقع في مواضع:
(الاول) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه يجب حال الاحتضار - وهو وقت نزع الروح من البدن، وسمى به لان الملائكة تحضره أو لحضور اهله عنده أو لحضور المؤمنين لتجهيزه - توجيهه الى القبلة بان يلقى على ظهره ويجعل باطن قدميه الى القبلة بحيث لو جلس كان مستقبلا، وعن الخلاف القول بالاستحباب، قال في المعتبر: " وهو مذهب الجمهور خلا سعيد بن المسيب فانه انكره " والى هذا القول ذهب المحقق في المعتبر وصاحب المدارك وصاحب الذخيرة، قال شيخنا الشهيد الثاني بعد ذكر الحكم المذكور: " ومستنده من الاخبار
(1) سورة مريم. الآية 87.
[ 353 ]
السليمة سندا ومتنا ما رواه محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابي عمير عن هشام بن سالم عن سليمان بن خالد (1) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا مات لاحدكم ميت فسجوه تجاه القبلة، وكذلك إذا غسل يحفر له موضع المغتسل تجاه القبلة فيكون مستقبلا بباطن قدميه ووجهه الى القبلة " واما غيره من الاخبار التي استدل بها على الوجوب فلا يخلو من شئ اما في السند أو في الدلالة " واعترضه سبطه في المدارك فقال بعد نقل ذلك: " هذا كلامه، ويمكن المناقشة في هذه الرواية من حيث السند بابراهيم بن هاشم حيث لم ينص علماؤنا على توثيقه وبان راويها وهو سليمان بن خالد في توثيقه كلام، ومن حيث المتن بان المتبادر منها ان التسجية تجاه القبله انما يكون بعد الموت لا قبله، ومن ثم ذهب جمع من الاصحاب: منهم - المصنف في المعتبر الى الاستحباب استضعافا لادلة الوجوب وهو متجه " انتهى. اقول: لا يخفى ان هذه المناقشة من المناقشات الواهية وان كان قد تقدمه فيها شيخه المحقق الاردبيلي: (اما اولا) - فمن حيث طعنه في ابراهيم بن هاشم بعدم التوثيق وكذا طعنه في سليمان بن خالد ورده الرواية بذلك، فانه قد قبل رواية ابراهيم في غير موضع من شرحه وعدها من قسم الحسن مصرحا بانها لا تقصر عن الصحيح، بل نظمها في الصحيح ايضا في مواضع وان طعن فيها ايضا في مواضع اخر مثل هذا الموضع، كل ذلك يدور مدار احتياجه لها تارة وعدمه اخرى، وهذا من جملة المواضع التي اضطرب فيها كلامه، ومن ذلك ما ذكره في كتاب الصوم في مسألة رؤية الهلال قبل الزوال حيث قال: " والمسألة قوية الاشكال لان الروايتين المتضمنتين لاعتبار ذلك معتبرتا الاسناد، والاولى منهما لا تقصر عن مرتبة الصحيح لان دخولها في مرتبة الحسن بابراهيم بن هاشم " انتهى على ان حديث ابراهيم بن هاشم مما عده في الصحيح جملة من محققي متأخري المتأخرين
(1) رواه في الوسائل في الباب 35 من ابواب الاحتضار
[ 354 ]
كالشيخ البهائي ووالده والمولى محمد باقر المجلسي ووالده وغيرهم، وهو الحق الحقيق بالاتباع، إذ لا يخفى ان ما ذكره علماء الرجال في حقه من انه اول من نشر حديث الكوفيين بقم من اعلى مراتب التوثيق، لما علم من تصلب اهل قم في قبول الروايات والطعن بمجرد الشبهة في جملة من الثقات وزيادة احتياطهم في ذلك، فاخذهم عن هذا الفاضل وسماعهم عنه الحديث واعتمادهم عليه لا يقصر عن قولهم ثقه بقول مطلق ان لم يزد على ذلك، وبالجملة فاهل هذا الاصطلاح مجمعون على قبول روايته ولا راد لها بالكلية إلا من مثل السيد (رحمه الله) في مقام حب المناقشة، وبالجملة فانه ليس له في هذا الباب ضابطة ولا يقف على رابطة. واما سليمان بن خالد فانه قد نظم حديثه في الصحيح في مواضع عديدة من كتابه: منها - في بحث غسل الجنابة في مسألة خروج البلل المشتبه بعد الغسل، ومنها - في بحث القنوت في قنوت الجمعة، ومنها - في نوافل يوم الجمعة وفى مبحث الوقت في آخر وقت صلاة الليل وانه الفجر الثاني وفى مواضع من الجلد الثاني في مواضع تنيف على عشرين موضعا، ولا اعلم احدا من اصحاب هذا الاصطلاح ينقل حديثه إلا ويعده في الصحيح. و (اما ثانيا) - فما ناقش به في متن الرواية المذكورة بما ذكره فهو وان كان بحسب ما يترائى إلا انه قد وقع تجوز في العبارة. وهو مجاز شائع كما في قوله سبحانه " إذا قمتم الى الصلاة... " (1) اي إذا اردتم " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله " (2) ونحو ذلك، والمراد هنا من قوله (عليه السلام): " إذا مات لاحدكم ميت " يعني إذا اشرف على الموت واحتضر لا وقوع الموت بالفعل، وإلا للزم وجوب توجيه الميت الى القبلة حيث ما وضع ما لم يدفن ولا اظنه يلتزمه، وكذا القول في قوله في الخبر المذكور " إذا غسل " اي إذا اريد غسله نظير الآيتين المذكورتين، وبما ذكرنا صرح ايضا شيخنا البهائي في الحبل المتين فقال: " وانت خبير بان اطلاق الميت على المشرف على الموت شائع في الاستعمال كثير في الاخبار كما في الحديث الثاني والثامن والتاسع والعاشر " انتهى.
(1) سورة المائدة الآية 8. (2) سورة النحل الآية. 10.
[ 355 ]
و (اما ثالثا) - فانه إذا كانت الرواية باعتبار المعني الذي صار إليه لا دلالة فيها على وجوب توجيه المحتضر الى القبلة كما هو القول المشهور لان موردها انما هو بعد الموت، وغيرها من الروايات الواردة في المقام كما ستمر بك ان شاء الله تعالى كلها من هذا القبيل، فالاستحباب الذي صاروا إليه باي دليل اعتمدوا فيه عليه ؟ إذ لا ريب ان الاستحباب حكم شرعي يتوقف على الدليل، وعلى هذا فينعكس الاشكال فيما ذهبوا إليه لقولهم باستحباب توجيه المحتضر الى القبلة من غير دليل، إذ ليس إلا هذه الروايات ومعناها - كما زعمه - انما هو التوجيه بعد الموت، فاي دليل دل على استحباب التوجيه حال الاحتضار ؟ ما هذه إلا مجازفات واهية، وصاحب الذخيرة هنا انما التجأ في الحمل على الاستحباب الى قاعدته التي قدمنا الكلام فيها من عدم دلالة الاوامر في اخبارنا على الوجوب، فالتجأ الى الاستحباب تفاديا من طرح الاخبار، وقد عرفت ما فيه. ثم ان من روايات المسألة ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا وفي العلل مسندا عن الصادق عن امير المؤمنين (عليهما السلام) (1) قال: " دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على رجل من ولد عبد المطلب وهو في السوق وقد وجه الى غير القبلة، فقال وجهوه الى القبلة فانكم إذا فعلتم ذلك اقبلت عليه الملائكة... الحديث " وهو صريح - كما ترى - في كون التوجيه الى القبلة في حال الاحتضار. وطعن فيه في المعتبر بانه قضية في واقعة معينة فلا تدل على العموم، وان التعليل في الرواية كالقرينه الدالة على الفضيلة. وانت خبير بما فيه من الوهن والقصور إذ لو قام مثل هذا الكلام لانسد به باب الاستدلال في جميع الاحكام، إذ لا حكم وارد في خبر من الاخبار إلا ومورده قضية مخصوصة فلو قصر الحكم على مورده لانسد باب الاستدلال، فانه إذا سأل سائل الامام اني صليت وفي ثوبي نجاسة نسيتها فقال اعد صلاتك، فلقائل ان يقول في هذا الخبر كما ذكره هنا مع انه لا خلاف بين الاصحاب في الاستدلال به على جزئيات الاحكام
(1) رواه في الوسائل في الباب 35 من ابواب الاحتضار.
[ 356 ]
والنجاسات مما هو نظير هذه الواقعة، واضعف من ذلك استناده الى دلالة التعليل على الاستحباب. واما طعنه في المعتبر في اخبار المسألة بضعف الاسناد فقد تقدم الكلام فيه وبيان منافاته لما قرره في صدر كتابه. وبالجملة فان مناقشاتهم في هذه المسألة مما لا يلتفت إليها ولا يقول عليها. ومنها - ما رواه في الكافي في الحسن بابراهيم بن هاشم على المشهور والصحيح عندي الى ابراهيم الشعيري وغير واحد عن الصادق (عليه السلام) (1): " في توجيه الميت ؟ قال: تستقبل بوجهه القبلة وتجعل قدميه مما يلي القبلة ". وعن معاوية بن عمار (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الميت فقال: استقبل بباطن قدميه القبلة ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن ذريح المحاربي عن الصادق (عليه السلام) (3) في حديث قال: " إذا وجهت الميت للقبلة فاستقبل بوجهه القبلة لا تجعله معترضا كما يجعل الناس، فاني رأيت اصحابنا يفعلون ذلك وقد كان أبو بصير يأمر بالاعتراض... " والظاهر ان قوله: " وقد كان أبو بصير " من كلام الراوي، ويحتمل ان يكون من كلام الامام (عليه السلام) ولعل امر ابي بصير بذلك انما كان من حيث التقية (4). وهل يبقى لمتأمل منصف بعد الوقوف على هذه الاخبار السالمة عن المعارض
(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 35 من ابواب الاحتضار. (4) في البحر الرائق لابن نجيم الحنفي ج 2 ص 170 " وبوجه الى القبلة على يمينه للسنة المنقولة واختار مشايخنا بما وراء النهر الاستلقاء على ظهره وقدماه الى القبلة لانه ايسر لخروج الروح " وفى المهذب للشيرازي الشافعي ج 1 ص 126 " يستحب ان يضجع على جنبه الايمن مستقبل القبلة " وفى نيل الاوطار للشوكاني ج 4 ص 18 " واختلف في صفة التوجيه الى القبلة فقال الهادى والناصر والشافعي في احد قوليه انه يوجه مستلقيا ليستقبلها بكل وجه، وقال المؤيد وابو حنيفة والامام يحيى والشافعي في احد قوليه انه يوجه على جنبه الايمن ".
[ 357 ]
توقف في الحكم بالوجوب. وفى المقام فوائد: (الاولى) - لا يخفى انه على تقدير القول بالوجوب فهل يسقط بالموت ام يجب دوام الاستقبال بالميت مهما امكن ؟ اشكال، قال في الذكرى: " ظاهر الاخبار سقوط الاستقبال بموته وان الواجب ان يموت الى القبلة، وفي بعضها احتمال دوام الاستقبال، ونبه عليه ذكره حال الغسل ووجوبه حال الصلاة والدفن وان اختلفت الهيئة عندنا " وقال المحقق الاردبيلي: " والظاهر ابقاؤه على تلك الحالة حتى ينقل الى المغتسل ويراعى هناك ايضا كذلك لا انه يكون حين خروج الروح فقط لان ظاهر الاخبار بعد الموت ". اقول: مبني كلام الشهيد على ما قدمناه من حمل الميت في الاخبار على المشرف على الموت، حيث انه قائل بوجوب الاستقبال بالميت حال الاحتضار، وبذلك يظهر ما في كلام صاحب المدارك حيث قال بعد نقل ذلك عنه: " ولم اقف على ما ذكره من الاخبار المتضمنة للسقوط " انتهى. وفيه ما عرفت من انه متى حملت الاخبار على المشرف على الموت وخصت به فظاهرها السقوط بعد الموت، ومبنى كلام المحقق المذكور على حمل الاخبار المذكورة على ظاهرها من كون الاستقبال بعد الموت حيث انه ممن اختار عدم الوجوب، وشيخنا المشار إليه انما صار الى احتمال الدوام من حيث اخبار الغسل والصلاة والدفن كما ذكره. والاقرب بناء على تأويل تلك الاخبار بما ذكرناه هو اختصاص الوجوب بحال الاحتضار، إذ هو مقتضى الدليل خاصة والتعدي عنه يحتاج الى الدليل، وورود الاستقبال في اخبار الغسل والصلاة والدفن لا يقتضي الحكم به فيما بينها وما قبلها.
(الثانية) - لو اشتبهت القبلة فالظاهر سقوط وجوب الاستقبال لعدم امكان توجيهه في حالة واحدة الى الجهات الاربع، واحتمل في الذكرى ذلك. اقول: هذا الكلام مبني على القول المشهور من ان فاقد القبلة يصلى الى اربع جهات، واما على ما هو
[ 358 ]
المختار في المسألة من انه يصلي الى اي جهة شاء فيكون هنا كذلك ايضا. واما ما احتمله في الذكرى بناء على المشهور فالظاهر بعده.
(الثالثة) - الظاهر انه لا فرق في هذا الحكم بين الصغير والكبير للعموم، قالوا: والظاهر اختصاص الحكم بوجوب الاستقبال بمن يعتقد وجوبه، فلا يجب توجيه المخالف الزاما له بمذهبه كما يغسل غسله ويقتصر في الصلاة عليه على اربع تكبيرات. اقول: هذا التفريع انما يتجه على تقدير الحكم باسلام المخالف ووجوب تغسيله والصلاة عليه ودفنه كما هو المشهور بين متأخري اصحابنا، واما على ما هو الحق من كفره وعدم جواز تغسيله ولا الصلاة عليه ولا دفنه كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في المباحث الآتية فلا وجه له. والله العالم.
(الموضع الثاني) - المشهور بين الاصحاب بل ادعى عليه الاجماع جمع منهم ان جميع احكام الميت من توجيهه الى القبلة وتكفينه وتغسيله وتحنيطه وحفر قبره واجبة كفائية على من علم بموته من المسلمين، قالوا: والمراد من الواجب الكفائي هنا مخاطبة كل من علم بموته من المكلفين ممن يمكنه مباشرة ذلك الفعل به استقلالا أو منضما الى غيره حتى يعلم تلبس من فيه الكفاية به فيسقط حينئذ عنه سقوط مراعى باستمرار الفاعل عليه حتى يفرغ. وهل يبقى الوجوب على من علم الى ان يعلم وقوع الفعل شرعا أو يكتفى بظن قيام الغير به ؟ قولان: صرح بالثاني العلامة وجماعة، قالوا لان العلم بان الغير يفعل كذا في المستقبل ممتنع ولا تكليف به والممكن تحصيل الظن، ولاستبعاد وجوب حضور اهل البلد الكبير عند الميت حتى يدفن، وفرعوا عليه انه لو ظن قوم قيام غيرهم به سقط عنهم ولو ظنوا عدمه وجب عليهم. وبالاول صرح شيخنا الشهيد الثاني في الروض وسبطه في المدارك واجاب في الروض عن الدليل المتقدم بانه يشكل بان الظن انما يقوم مقام العلم مع النص عليه بخصوصه أو دليل قاطع، وما ذكره لا تتم به الدلالة لان تحصيل العلم بفعل الغير في المستقبل
[ 359 ]
ممكن بالمشاهدة ونحوها من الامور المثمرة له والاستبعاد غير مسموع، وباستلزامه سقوط الواجب عند عدم العلم بقيام الغير به، وبان الوجوب معلوم والمسقط مظنون والمعلوم لا يسقط بالمظنون. اقول: والظاهر بناء على ثبوت ما ذكروه من الوجوب كفاية هو القول الاول لما ذكره شيخنا المشار إليه فانه الاوفق بالقواعد الشرعية، إلا اني لا اعرف لهذا القول - وان اشتهر بينهم بل ادعى عليه الاجماع - دليلا يعتمد عليه ولا حديثا يرجع فيه إليه، ولم يصرح احد منهم بدليل في المقام حتى من متأخري المتأخرين الذين عادتهم المناقشة في الاحكام وطلب الادلة فيها عنهم (عليهم السلام) وكأن الحكم مسلم الثبوت بينهم. مع ان الذي يظهر لي من الاخبار ان توجه الخطاب بجميع هذه الاحكام ونحوها من التلقين ونحوه من المستحبات ايضا انما هو الى الولي، كاخبار الغسل واخبار الصلاة والدفن والتلقين ونحوها كما ستقف عليها ان شاء الله تعالى في مواضعها، واخبار توجيه الميت الى القبله وان لم يصرح فيها بالولي إلا ان الخطاب فيها توجه الى اهل الميت دون كافة المسلمين فيمكن حمل اطلاقها على ما دلت عليه تلك الاخبار. ولا اعرف للاصحاب مستندا فيما صاروا إليه من الوجوب الكفائي إلا ما يظهر من دعوى الاتفاق حيث لم ينقل فيه خلاف ولم يناقش فيه مناقش، ومما يؤكد ما ذكرنا ما صرح به في الروض في مسألة ما يستحب ان يعمل بالميت حال الاحتضار حيث قال: " واعلم ان الاستحباب في هذا الموضع كفائي فلا يختص بالولي وان كان الامر فيه آكد، وفى بعض الاخبار وروايات الاصحاب ما يدل على اختصاصه بذلك " ثم نقل في حاشية الكتاب عن العلامة في النهاية انه قال: والاقوى انه إذا تيقن الولي نزول الموت بالمريض ان يوجهه الى القبلة... الى آخره، ثم حكى حديثا يظهر منه ذلك. انتهى. ولا يخفى ما في الخروج عن مقتضى الاخبار الدالة على الاختصاص - كما اعترف به - من غير دليل من المجازفة، ولا ريب ان الواجب هو العمل بمقتضى الدليل من الاخبار المشار إليها. نعم لو اخل الولي بذلك ولم يكن ثمة
[ 360 ]
حاكم شرعي يجبره على القيام بذلك أو لم يكن ثمة للميت ولي انتقل الحكم الى المسلمين بالادلة العامة، كما تشير إليه اخبار العراة الذين رأوا ميتا قد قذفه البحر عريانا ولم يكن عندهم ما يكفنونه به وانهم امروا بدفنه والصلاة عليه (1). وربما يقال ان الوجوب كفاية شامل للولي وغيره وان كان الولي أو من يأمره اولى بذلك فتكون هذه الاولوية استحباب وفضل، كما يفهم من عبارة المحقق في الشرائع في مسألة التغسيل وقوله: انه فرض على الكفاية واولى الناس به اولاهم بميراثه. وبه صرح في المنتهى حيث قال: " ويستحب ان يتولى تغسيله اولى الناس به... الى آخره " إلا ان فيه (اولا) - ان ذلك فرع ثبوت الوجوب الكفائي وقد عرفت انه لا مستند له من الاخبار بل ظاهرها خلافه. و (ثانيا) - ان ظاهر كلامهم في مسألة الصلاة على الميت اناطة الحكم بالولي أو من يأمره ولا يجوز التقدم في الصلاة بغير اذنه، ومن الظاهر انه لا فرق بين الصلاة وغيرها بالنسبة الي ما يفهم من الاخبار، إذ الخطابات فيها في جميع هذه المواضع على نهج واحد وان كان الاصحاب انما ذكروا ذلك في مسألة الصلاة. والله العالم. (الموضع الثالث) - في آداب الاحتضار، ومنها - تلقينه الشهادتين والاقرار بالائمة الطاهرين (صلوات الله عليهم اجمعين) وكلمات الفرج. ويدل على ذلك جملة من الاخبار: منها - ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " إذا حضرت الميت قبل ان يموت فلقنة شهادة ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمد عبده ورسوله ". وعن محمد بن مسلم في الصحيح أو الحسن عن الباقر (عليه السلام) عند الموت وحفص بن البختري عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " انكم تلقنون موتاكم لا إله إلا الله
(1) رواها في الوسائل في الباب 36 من ابواب صلاة الجنازة (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب الباب 36 من ابواب الاحتضار
[ 361 ]
ونحن نلقن موتانا محمد رسول الله ". ومنها - ما رواه في الكافي في الصحيح عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " إذا ادركت الرجل عند النزع فلقنه كلمات الفرج: لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم سبحان الله رب السماوات السبع ورب الارضين السبع وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم والحمد الله رب العالمين. قال: وقال أبو جعفر (عليه السلام): لو ادركت عكرمة عند الموت لنفعته، فقيل لابي عبد الله (عليه السلام) بماذا كان ينفعه ؟ قال يلقنه ما انتم عليه ". وعن ابي بصير عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: " كنا عنده وعنده حمران إذ دخل عليه مولى له فقال له: جعلت فداك هذا عكرمة في الموت، وكان يرى رأي الخوارج وكان منقطعا الى ابي جعفر (عليه السلام) فقال لنا أبو جعفر انظروني حتى ارجع اليكم فقلنا نعم، فما لبث ان رجع فقال اما اني لو ادركت عكرمة قبل ان تقع النفس موقعها لعلمته كلمات ينتفع بها ولكني ادركته وقد وقعت النفس موقعها. قلت: جعلت فداك وما ذاك الكلام ؟ قال: هو والله ما انتم عليه فلقنوا موتاكم عند الموت: شهادة ان لا إله إلا الله والولاية ". وعن ابي خديجة عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " ما من احد يحضره الموت إلا وكل به ابليس من شياطينه من يأمره بالكفر ويشككه في دينه حتى تخرج نفسه، فمن كان مؤمنا لم يقدر عليه فإذا حضرتم موتاكم فلقنوهم شهادة ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله حتى يموتوا ". قال في الكافي وفى رواية اخرى (4) قال: " فلقنه كلمات الفرج والشهادتين
(1) رواه في الوسائل في الباب 38 من ابواب الاحتضار (2) و (4) رواه في الوسائل في الباب 37 من ابواب الاحتضار (3) رواه في الوسائل في الباب 36 من ابواب الاحتضار
[ 362 ]
وتسمى له الاقرار بالائمة (عليهم السلام) واحدا بعد واحد حتى ينقطع عنه الكلام " وعن ابي بكر الحضرمي (1) قال: " مرض رجل من اهل بيتي فاتيته عائدا له فقلت له يا ابن اخي ان لك عندي نصيحة أتقبلها ؟ فقال نعم. فقلت له قل اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فشهد بذلك، فقلت له قل وان محمدا رسول الله، فشهد بذلك، فقلت ان هذا لا تنتفع به إلا ان يكون منك على يقين، فذكر انه منه على يقين فقلت له قل اشهد ان عليا وصيه وهو الخليفة من بعده والامام المفترض الطاعة من بعده فشهد بذلك، فقلت له انك لا تنتفع به حتى يكون منك على يقين، فذكر انه منه على يقين، ثم سميت له الائمة (عليهم السلام) واحدا بعد واحد فاقر بذلك وذكر انه على يقين، فلم يلبث الرجل ان توفي فجزع عليه اهله جزعا شديدا. قال فغبت عنهم ثم اتيتهم بعد ذلك فرأيت عزاء حسنا فقلت كيف تجدونكم كيف عزاؤك ايتها المرأة ؟ قالت والله لقد اصبنا بمصيبة عظيمة بوفاة فلان (رحمه الله) وكان مما سخا بنفسي لرؤيا رأيتها الليلة فقلت وما تلك الرؤيا ؟ قالت: رأيت فلانا - تعني الميت - حيا سليما فقلت فلان قال: نعم فقلت أما كنت ميتا ؟ فقال بلى ولكن نجوت بكلمات لقننيها أبو بكر ولو لا ذلك لكدت اهلك " وعن ابي بكر الحضرمي (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام): لو ان عابد وثن وصف ما يصفونه عند خروج نفسه ما طعمت النار من جسده شيئا ابدا " وعن القداح عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " كان امير المؤمنين (عليه السلام) إذا حضر احدا من اهل بيته الموت قال له: قل لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم سبحان الله رب السماوات السبع ورب الارضين السبع وما بينهما ورب العرش العظيم والحمد لله رب العالمين. فإذا قالها المريض قال اذهب فليس عليك بأس ".
(1) رواه في التهذيب ج 1 ص 81 والكافي ج 1 ص 34 (2) رواه في الوسائل في الباب 37 من ابواب الاحتضار (3) رواه في الوسائل في الباب 38 من ابواب الاحتضار
[ 363 ]
وعن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن الصادق (عليه السلام) (1) " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) دخل على رجل من بني هاشم وهو يقضي فقال له: رسول الله قل لا إله إلا الله العلي العظيم لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب السماوات السبع ورب الارضين السبع وما بينهن ورب العرش العظيم والحمد الله رب العالمين. فقالها فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الحمد لله الذي استنقذه من النار ". ورواه الصدوق في الفقيه مرسلا (2) قال: " قال الصادق (عليه السلام) ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) دخل على رجل من بني هاشم وهو في النزع فقال له: قل لا إله إلا الله العلي العظيم سبحان الله رب السماوات السبع ورب الارضين السبع وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. فقالها... الى اخر ما تقدم في رواية الكافي " ثم قال الصدوق: " وهذه هي كلمات الفرج ". وعن ابي سلمة عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " حضر رجلا الموت فقيل يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان فلانا قد حضره الموت فنهض رسول الله ومعه اناس من اصحابه حتى اتاه وهو مغمى عليه قال فقال يا ملك الموت كف عن الرجل حتى اسأله، فافاق الرجل فقال له النبي (صلى الله عليه وآله) ما رأيت ؟ قال رأيت بياضا كثيرا وسوادا كثيرا. قال فايهما كان اقرب اليك ؟ فقال السواد. فقال النبي (صلى الله عليه وآله) قل: اللهم اغفر لي الكثير من معاصيك واقبل مني اليسير من طاعتك، فقاله ثم اغمى عليه، فقال يا ملك الموت خفف عنه حتى اسأله، فافاق الرجل فقال ما رأيت ؟ قال رأيت بياضا كثيرا وسوادا كثيرا. قال: فايهما كان اقرب اليك ؟ فقال البياض، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) غفر الله لصاحبكم. قال فقال أبو عبد الله: إذا
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 38 من ابواب الاحتضار (3) رواه في الوسائل في الباب 39 من ابواب الاحتضار
[ 364 ]
حضرتم ميتا فقولوا له هذا الكلام ليقوله:. اقول: ويستفاد من مجموع هذه الاخبار فوائد:
(الاولى) - ان من جملة ما يستحب عند الاحتضار زيادة على ما قدمناه تلقين هذا الدعاء المذكور في الخبر الاخير والظاهر ان المراد بالبياض والسواد في الخبر المشار إليه هي الاعمال الصالحة والاعمال السيئة، وان قرب السواد إليه كناية عن ارادة مؤاخذته بتلك الاعمال السيئة وحيلولتها بينه وبين ذلك البياض الذي هو كتابة عن الاعمال الصالحة ومن يقول ذلك الدعاء غفر له وقرب منه البياض الذي هو اعماله الصالحة وتباعد عنه ذلك السواد. وفي خبر آخر رواه في الكافي (1) ايضا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) زيادة على هذا الدعاء ونقصان منه، وصورته: " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال له: قل لا إله إلا الله فقال لا إله إلا الله. فقال قل: يا من يقبل اليسير ويعفو عن الكثير اقبل مني اليسير واعف عني الكثير انك انت العفو الغفور فقالها فقال له: ماذا ترى ؟ فقال: ارى اسودين قد دخلا علي فقال اعدها فاعادها فقال ما ترى ؟ قال قد تباعدا عني ودخل ابيضان وخرج الاسودان فما اراهما ودنا الابيضان مني الآن يأخذان بنفسي فمات من ساعته " والتقريب فيه قريب مما تقدم، فان جميع ما يراه في تلك النشأه من حسن وقبيح فانه من ثمرة اعماله الحسنة والقبيحة وربما كان متجسما من كل منهما.
(الثانية) - اختلفت الاخبار في كلمات الفرج زيادة ونقصانا وتقديما وتاخيرا ومنها هنا صحيحة زرارة المتقدمة (2) ورواية القداح ومرسلة الفقيه (3) ولا يخفى ما بينها من الاختلاف، ومنها ايضا رواية ابي بصير الواردة في قنوت يوم الجمعة عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " القنوت يوم الجمعة في الركعة الاولى بعد القراءة تقول في القنوت: لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم لا إله إلا الله رب السماوات السبع
(1) رواه في الوسائل في الباب 39 من ابواب الاحتضار عن الفقيه (2) ص 361 (3) ص 362 و 363 (4) المروية في الوسائل في الباب 7 من ابواب القنوت
[ 365 ]
ورب الارضين السبع وما فيهن وما بينهن وما تحتهن ورب العرش العظيم والحمد لله رب العالمين... الحديث " قال في المدارك " وذكر المفيد وجمع من الاصحاب انه يقول قبل التحميد: " وسلام على المرسلين " وسئل عنه المصنف في الفتاوى فجوزه لانه بلفظ القرآن، ولاريب في الجواز لكن جعله في اثناء كلمات الفرج مع خروجه عنها ليس بجيد " انتهى. اقول: فيه ان ما رواه في الفقيه مرسلا (1) عن الصادق (عليه السلام) مع قوله بعد ذكر الرواية: " وهذه هي كلمات الفرج " ظاهر في دخول " وسلام على المرسلين " كما هو المنقول عن المفيد ومن تبعه، ومثله ايضا ما ذكره في الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) في هذا المقام (2): " ويستحب تلقين كلمات الفرج وهي لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم سبحان الله رب السماوات السبع ورب الارضين السبع وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين " واما جواب المحقق كما نقله فهو ايضا ناشئ عن عدم الوقوف على الرواية. لكن العجب هنا من صاحبي الوافي والوسائل انهما في نقلهما حديث الفقيه لم يذكرا فيه هذه الزيادة، ولعل ما عندهما من نسخ الكتاب كان عاريا عن ذلك إلا انها موجودة فيما عندنا من نسخ الكتاب، وعلى ذلك ايضا نبه الشيخ محمد ابن الشيخ حسن في شرحه على الكتاب. وهو يدل على وجودها في كتابه حتى انه رجح ثبوتها بعد ان نقل صحيحة زرارة خالية منها فقال: " ولعل الصدوق اثبت في النقل وابعد من السهو " والى ذلك ايضا يشير كلام المولى محمد تقي المجلسي في شرحه على الكتاب. وكيف كان فلا يخفى ان الاخبار المذكورة مختلفة في تأدية هذه الكلمات التي هي كلمات الفرج ولا وجه للجمع بينها الا العمل بكل منها ويرجع الى التخيير في ذلك.
(الثالثة) - ان ما تضمنته صحيحة محمد بن مسلم وحفص بن البختري (3) من قولهما (عليهما السلام): " انكم تلقنون موتاكم... الخ " لا يخلو من اشكال وتعدد وجوه الاحتمال
(1) ص 363 (2) ص 17 (3) ص 360
[ 366 ]
قيل: ولعل خطابهما (عليهما السلام) مع اهل مكة ونحوهم الذين يكتفون بتلقين كلمة التوحيد، وفى الوافي بعد نقل الخبر المذكور: وذلك لانهم مستغنون عن تلقين التوحيد لانه خمر بطينتهم لا ينفكون عنه " انتهى. اقول: فيه ان ظاهر كلامه تخصيص ذلك بالائمة بمعنى ان المراد بموتانا يعني من الائمة وهو بعيد غاية البعد فانهم (عليهم السلام) حال موتهم لا يحتاجون الى تلقين كلمة التوحيد ولا غيرها، ولهذا لم يرد في شئ من اخبار موت النبي (صلى الله عليه وآله) ولا احد من الائمة (عليهم السلام) تعرض لتلقينهم، وخطاب الامر بالتلقين انما توجه لغيرهم بان يلقن باسمائهم مضافا الى كلمتي الشهادة، وايضا فان الامر بالتلقين انما هو لدفع وساوس الشياطين الذين يعرضون لابن ادم عند الموت كما تقدم في الاخبار والشياطين لا تسلط لهم عليهم، وايضا كما ان طينتهم معجونة بالتوحيد فهي بالرسالة اشد لانهم من مواليد عنصرها واغصان شجرها. وان اراد ما عداهم من بني هاشم ففيه ان ظاهر خبري القداح والحلبي (1) الدالين على تلقين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وامير المؤمنين (عليه السلام) لمن حضراه من بني هاشم كلمات الفرج يرد ما ذكره. وبالجملة فان كلامه عندي غير موجه وان تبعه فيه غيره ايضا. والاظهر عندي في معنى الخبر المذكور ان معنى قوله: " تلقنون موتاكم كلمة التوحيد " يعني خاصة من غير اردافها بكلمة الرسالة، وكأنه اشارة الى ما يقوله العامة يومئذ من الاقتصار على تلك الكلمة، ومراده ان ذلك هو المعمول في بلادكم واما نحن يعني معشر الائمة (عليهم السلام) فانا نأمر شيعتنا وموالينا ونفعل بمن حضرناه منهم تلقين الرساله زيادة على كلمة التوحيد لا ان المراد تلقين الرسالة خاصة، ويحتمل ان يكون خطابهما (عليهما السلام) انما هو لبعض المخالفين لا الراويين المتقدمين وان نقلا ذلك مجملا، وامثال ذلك غير عزيز في الاخبار.
(الرابعة) - ظاهر الاخبار المذكورة متابعة المريض للملقن فيما يقول وهو
(1) ص 362 و 363
[ 367 ]
الغرض المترتب على التلقين. ولو كان المريض قد اعتقل لسانه عن النطق فالظاهر بقاء الاستحباب لانه وان لم يتيسر له النطق الا انه يفهم الكلام فيجريه على باله وينتفع به في دفع ما يصوره له الشيطان في تلك الحال من الموعودات الكاذبة والاضلال عن دين الاسلام.
(الخامسة) - يستفاد من بعض الاخبار المتقدمة استحباب تكرار ذلك عليه حتى يموت، وهو الاحوط والاولى وان كان يكفي الاتيان بذلك مرة واحده كما يدل عليه بعضها ايضا.
و (منها) - ان تغمض عيناه ويطبق فوه وتمد يداه الى جنبيه، ذكر ذلك الاصحاب. اما الاول والثاني فعلل بان لا يقبح منظره، ويدل عليه ما رواه الشيخ في الموثق عن زرارة (1) قال: " ثقل ابن لجعفر وابو جعفر جالس في ناحية فكان إذا دنا منه انسان قال لا تمسه فانه انما يزداد ضعفا واضعف ما يكون في هذه الحال ومن مسه في هذه الحال اعان عليه، فلما قضى الغلام امر به فغمض وشد لحياه... الحديث " وعن ابي كهمس (2) قال: " حضرت موت اسماعيل وابو عبد الله جالس عنده فلما حضره الموت شد لحييه وغمضه وغطى عليه الملحفة ". واما الثالث فعلل بانه اطوع للغسل واسهل للادراج في اكفانه، قال في المعتبر: " ولا اعرف فيه نقلا عن أئمتنا (عليهم السلام) " ثم علله بما تقدم. ويستفاد من خبر ابي كهمس استحباب تغطيته بعد الموت بثوب، وبه صرح بعض الاصحاب ايضا.
و (منها) - متى اشتد به النزع النقل الى مصلاه الذي كان يصلي عليه أو فيه لما رواه الكليني والشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " إذا عسر على الميت موته ونزعه قرب الى مصلاه الذي كان يصلي فيه أو عليه "
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 44 من ابواب الاحتضار (3) رواه في الوسائل في الباب 40 من ابواب الاحتضار. وليس في الكافي والتهذيب (أو عليه)
[ 368 ]
وعن زرارة في الصحيح أو الحسن (1) قال: " إذا اشتد النزع عليه فضعه في مصلاه الذي كان يصلي فيه أو عليه " وعن ذريح (2) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول قال علي بن الحسين (عليهما السلام) ان ابا سعيد الخدري كان من اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان مستقيما فنزع ثلاثة ايام فغسله اهله ثم حمل الى مصلاه فمات فيه " وعن ليث المرادي عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " ان ابا سعيد الخدري قد رزقه الله تعالى هذا الرأي وانه اشتد نزعه فقال احملوني الى مصلاي فحملوه فلم يلبث ان هلك " اقول: المراد بقوله " مستقيما " في سابق هذا الخبر هو ما اشير إليه في هذا الخبر من ان الله تعالى رزقه هذا الرأي وهو القول بامامة امير المؤمنين (عليه السلام) وانه لم يكن مع الصحابة الذين ارتدوا على ادبارهم، ولعل المراد بتغسيله في الخبر المذكور هو تنظيفه وتطهيره من النجاسات. وفى الفقه الرضوي (4) " وإذا اشتد عليه نزع روحه فحوله الى المصلى الذي كان يصلي فيه أو عليه واياك ان تمسه، وان وجدته يحرك يديه أو رجليه أو رأسه فلا تمنعه من ذلك كما يفعله جهال الناس " وروى الحسين بن بسطام واخوه عبد الله في كتاب طب الائمة بسند معتبر عن حريز (5) قال: " كنا عند ابي عبد الله (عليه السلام) فقال له رجل ان اخي منذ ثلاثة ايام في النزع وقد اشتد عليه الامر فادع له. فقال: اللهم سهل عليه سكرات الموت ثم امره وقال حولوا فراشه الى مصلاه الذي كان يصلي فيه فانه يخفف عليه ان كان في اجله تأخير، وان كانت منيته قد حضرت فانه يسهل عليه ان شاء الله تعالى " وظاهر الخبرين الاولين (6) مع عبارة الفقه التخيير بين المكان الذي يصلي فيه والمصلى الذي كان يصلي عليه، وظاهر الاكثر التعبير بالمكان الذي يصلي فيه خاصة، وعن ابن حمزة انه جمع بينهما، وظاهر الاكثر ايضا استحباب ذلك مطلقا، والاخبار مقيدة بما إذا اشتد عليه النزع.
(1) و (2) و (3) و (5) رواه في الوسائل في الباب 40 من ابواب الاحتضار (4) ص 17 (6) راجع التعليقة 3 ص 367
[ 369 ]
و (منها) - قراءة " الصافات " ويدل عليه ما رواه في الكافي عن سليمان الجعفري (1) قال: " رأيت ابا الحسن الاول (عليه السلام) يقول لابنه القاسم قم يا بني فاقرأ عند رأس اخيك " والصافات صفا " حتى تستتمها فقرأ فلما بلغ " أهم اشد خلقا ام من خلقنا " (2) قضى الفتى، فلما سجي وخرجوا اقبل عليه يعقوب بن جعفر فقال له كنا نعهد الميت إذا نزل به الموت يقرأ عنده " يس والقرآن الحكيم " فصرت تأمرنا ب " الصافات " فقال يا بني لم تقرأ عند مكروب من موت قط إلا عجل الله تعالى راحته " وذكر في الوسائل استحباب قراءة " يس والصافات " واورد هذا الخبر، وفى دلالته على ما ادعاه نظر فان غاية ما يدل عليه اخبار الرجل بانهم كانوا يقرأون سورة " يس " والامام (عليه السلام) لم يقرره على ذلك، وانما ذكر التعليل المذكور لسورة " الصافات " وليس فيه انه (عليه السلام) كان يأمر بسورة " يس " حتى يكون حجة فيما ادعاه. وفي الفقه الرضوي (3) " إذا حضر احدكم الوفاة فاحضروا عنده القرآن وذكر الله تعالى والصلاة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) " وظاهره استحباب قراءة القرآن عنده قبل خروج الروح وبعده، وبذلك صرح جملة من الاصحاب، قال في الذكرى: " ويستحب قراءة القرآن بعد خروج روحه كما يستحب قبله استدفاعا عنه ".
و (منها) - كراهة مسه، وقد تقدم في موثقة زرارة عن الباقر (عليه السلام) وفي عبارة الفقه الرضوي (4) ما يدل على ذلك ايضا.
و (منها) - انه يستحب للميت ان يحسن ظنه بالله سبحانه ولا يقنط من رحمته، روى الصدوق في العيون عن الحسن بن علي العكسري عن آبائه (عليهم السلام) (5) قال: " سأل أبو عبد الله (عليه السلام) عن بعض اهل مجلسه فقيل عليل فقصده عائدا وجلس عند رأسه
(1) رواه في الوسائل في الباب 41 من ابواب الاحتضار (2) سورة الصافات. الآية 11. (3) ص 20 (4) ص 367 و 368 (5) رواه في الوسائل في الباب 31 من ابواب الاحتضار
[ 370 ]
فوجده دنفا فقال له احسن ظنك بالله. فقال اما ظني بالله فحسن... الحديث " وروى الشيخ في المجالس بسنده عن انس (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يموتن احدكم حتى يحسن ظنه بالله عزوجل فان حسن الظن بالله ثمن الجنة " وقال في كتاب عدة الداعي (2) " روى عنهم: (عليهم السلام) انه ينبغي في حالة المرض خصوصا مرض الموت ان يزيد الرجاء على الخوف " قال شيخنا الشهيد في الذكرى: " ويستحب حسن الظن بالله في كل وقت وآكده عند الموت، ويستحب لمن حضره امره بحسن الظن وطمعه في رحمة الله تعالى ".
و (منها) - انه يكره حضور الجنب والحائض عنده، لما رواه في الكافي عن علي بن ابي حمزة (3) قال: قلت لابي الحسن (عليه السلام) المرأة تقعد عند رأس المريض في حد الموت وهي حائض ؟ فقال لا بأس ان تمرضه فإذا خافوا عليه وقرب ذلك فلتنح عنه وعن قربه فان الملائكة تتأذى بذلك " وعن يونس بن يعقوب عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " لا تحضر الحائض الميت ولا الجنب عند التلقين ولا بأس ان يليا غسله " والظاهر ان المراد بالتلقين حال الاحتضار فهو كناية عن الاحتضار، ويحتمل العموم وروى في الخصال (5) بسنده عن جابر الجعفي عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: " لا يجوز للمرأة الحائض والجنب الحضور عند تلقين الميت لان الملائكة تتأذى بهما ولا يجوز لهما ادخال الميت قبره " اقول: ما دل عليه هذا الخبر من كراهية ادخال الجنب والحائض الميت قبره مما لم اقف عليه في كلام الاصحاب بل ظاهر كلامهم الجواز من غير كراهة، ومثله ايضا في الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (6): " ولا تحضر الحائض ولا الجنب عند التلقين فان الملائكه تتأذى بهذا ولا بأس بان يليا غسله
(1) رواه في الوسائل في الباب 31 من ا بواب الاحتضار (2) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 22 من ابواب الاحتضار (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 43 من ابواب الاحتضار (5) ج 2 ص 143 (6) ص 17
[ 371 ]
ويصليا عليه ولا ينزلا قبره فان حضرا ولم يجدا من ذلك بدا فليخرجا إذا قرب خروج نفسه " والحكم بكراهة حضورهما وقت الاحتضار مما لا خلاف فيه بين الاصحاب كما يفهم من كلام المعتبر، والظاهر اختصاص الكراهة بحال الاحتضار الى ان يتحقق الموت، وهل تزول الكراهة بانقطاع الدم قبل الغسل أو بالتيمم بدل الغسل ؟ اشكال.
و (منها) - ان لا يترك وحده، لما رواه في الكافي عن ابي خديجة عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ليس من ميت يموت ويترك وحده إلا لعب الشيطان في جوفه " وروى الصدوق مرسلا (2) ققال: " قال الصادق (عليه السلام): ولا تدعن ميتك وحده فان الشيطان يعبث في جوفه " وقال في كتاب العلل: " قال ابي في رسالته الي لا يترك الميت وحده فان الشيطان يعبث في جوفه " اقول: وهذه العباره في الفقه الرضوي ايضا (3) قال في البحار: " لا يبعد ان يكون المراد به حال الاحتضار فالمراد بعبث الشيطان وسوسته واضلاله والاصحاب حملوه على ظاهره " اقول: لا بعد في حمله على ظاهره كما نقل عن بعض الاموات انه ترك وحده ليلا الى الصباح فوجدوه قد خسف بعض اعضائه.
و (منها) - ما ذكره الشيخان وجملة من الاصحاب من استحباب الاسراج عنده ان مات ليلا، واستدل عليه الشيخ بما رواه الكليني عن عثمان بن عيسى عن عدة من اصحابنا (4) قال: " لما قبض أبو جعفر (عليه السلام) امر أبو عبد الله (عليه السلام) بالسراج في البيت الذي كان يسكنه حتى قبض أبو عبد الله ثم امر أبو الحسن (عليه السلام) بمثل ذلك في بيت ابي عبد الله حتى اخرج به الى العراق ثم لا ادري ما كان " ورواه الصدوق مرسلا مثله (5). واعترضه المحقق الشيخ علي بان ما دل عليه الحديث غير المدعى، ثم قال: " الا ان اشتهار الحكم بينهم كاف في ثبوته للتسامح في ادلة السنن " قال في المدارك بعد
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 42 من ابواب الاحتضار. (3) ص 17. (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 45 من ابواب الاحتضار
[ 372 ]
نقله: " وقد يقال ان ما تضمنه الحديث يندرج فيه المدعى أو يقال ان استحباب ذلك يقتضي استحباب الاسراج عند الميت بطريق اولى فالدلالة واضحة، لكن السند ضعيف جدا " انتهى. اقول: انت خبير بان كلا من الكلامين لا يخلو من نظر، اما كلام المحقق المذكور وما ذكره بعد الطعن في دلالة الخبر من ان اشتهار الحكم كاف في ثبوته للتسامح في ادلة السنن فهو لا يخلو من المجازفة والخروج عن نهج السنن، وذلك فان الاستحباب حكم شرعي يتوقف ثبوته على الدليل الواضح الشرعي وإلا كان قولا على الله سبحانه بغير علم كما دلت عليه الآيات القرآنية وعضدتها السنة النبوية، وبلوغ التسامح الى هذا المقدار امر خارج عن النهج الواضح المنار. واما كلام السيد المذكور ففيه ان ظاهر الخبر ان الاسراج الذي امر به الصادق (عليه السلام) انما هو في البيت الذي كان يسكنه الباقر (عليه السلام) وليس فيه دلالة على انه الذي مات فيه فلعله مات في خارجه، وبالجملة فانه اعم من موضع الموت والعام لا دلالة له على الخاص، والظاهر ان هذا هو الذي اراده المحقق المشار إليه، وحينئد فما ذكره في المدارك - من قوله: " ان ما تضمنه الحديث يندرج فيه المدعى " بناء على ان مراد المحقق المذكور انما هو دلالة النص على دوام الاسراج والمدعى الاسراج عند الميت بعد الموت ليلا - ليس محله فانه لو كان الامر كما توهمه لصح ما اعترض به عليه واتجه ما فرعه على ذلك من الاولوية وان الدلالة واضحة ولكن الامر ليس كما توهمه كما عرفت، وبذلك يظهر سقوط ما ذكره وصحة ما ذكره المحقق المشار إليه. ويمكن ان يكون ذكر من تقدم للاسراج عنده انما هو من حيث استحباب قراءة القرآن عنده بعد الموت كما يشير إليه بعض الاخبار. وبالجملة فالحكم المذكور لا اعرف له مستندا واضحا. والله العالم.
و (منها) - ما نقل عن الشيخ المفيد (قدس سره) من انه يكره ان يجعل على بطنه حديد، قال الشيخ في التهذيب: " سمعناه مذاكرة من الشيوخ " وفى الخلاف
[ 373 ]
احتج عليه باجماع الفرقة. وذكر العلامة وجمع ممن تأخر عنه ايضا كراهية وضع شئ على بطنه غير الحديد. وعن ابن الجنيد خلافه وهو ان يوضع على بطنه شئ. ورده في الروض بان الاجماع على خلافه.
(الموضع الرابع) - الظاهر انه لا خلاف نصا وفتوى في استحباب تعجيل تجهيزه إلا مع الاشتباه. فاما ما يدل على الحكم الاول مضافا الى الاتفاق فجملة من الاخبار: منها - ما رواه في الكافي عن جابر عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يا معشر الناس لا الفين رجلا مات له ميت ليلا فانتظر به الصبح ولا رجلا مات له ميت نهارا فانتظر به الليل، لا تنتظروا بموتاكم طلوع الشمس ولا غروبها عجلوا بهم الى مضاجعهم يرحمكم الله تعالى. قال الناس وانت يا رسول الله يرحمك الله " ورواه الصدوق مرسلا (2) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)... مثله. وعن السكوني عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا مات الميت اول النهار فلا يقبل إلا في قبره " وما رواه الشيخ عن جابر (4) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) إذا حضرت الصلاة على الجنازة في وقت مكتوبة فبأيهما ابدأ ؟ فقال عجل بالميت الى قبره إلا ان تخاف فوت وقت الفريضة. ولا تنتظر بالصلاة على الجنازة طلوع الشمس ولا غروبها " وعن عيص عن الصادق عن ابيه (عليهما السلام) (5) انه قال: " إذا مات الميت فخذ في جهازه وعجله... الحديث " وروى الصدوق مرسلا (6) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) كرامة الميت تعجيله ". واما الحكم الثاني فانه ينتظر به حتى يتحقق موته فان في دفنه قبل ذلك اعانة على قتله، كما يدل عليه ما رواه في الكافي عن علي بن ابي حمزة (7) قال: " اصاب بمكة سنة
(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 47 من ابواب الاحتضار (7) رواه في الوسائل في الباب 48 من ابواب الاحتضار
[ 374 ]
من السنين صواعق كثيرة مات من ذلك خلق كثير فدخلت على ابي ابراهيم (عليه السلام) فقال مبتدئا من غير ان اسأله: ينبغي للغريق والمصعوق ان يتربص به ثلاثة ايام لا يدفن إلا ان يجئ منه ريح تدل على موته. قلت جعلت فداك كأنك تخبرني انه قد دفن ناس كثير احياء ؟ فقال نعم يا علي قد دفن ناس كثير احياء ما ماتوا إلا في قبورهم " وقال العلامة في النهاية: " شاهدت واحدا في لسانه وقفة فسألته عن سببها فقال مرضت مرضا شديدا واشتبه الموت فغسلت ودفنت في ازج، ولنا عادة إذا مات شخص فتح عنه باب الازج بعد ثلاثة ايام أو ليلتين اما زوجته أو امه أو اخته أو ابنته فتنوح عنده ساعة ثم تطبق عليه هكذا يومين أو ثلاثة، ففتح علي فعطست فجاءت امي باصحابي واخذوني من الازج وذلك منذ سبعة عشرة سنة ". ومما يدل على وجوب التأخير حتى يتحقق الموت ما رواه في الكافي في الصحيح عن هشام بن الحكم عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) " في المصعوق والغريق ؟ قال ينتظر به ثلاثة ايام إلا ان يتغير قبل ذلك " وعن اسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الغريق أيغسل ؟ قال نعم ويستبرأ. قلت وكيف يستبرأ ؟ قال يترك ثلاثة ايام من قبل ان يدفن إلا ان يتغير قبل فيغسل ويدفن، وكذلك ايضا صاحب الصاعقة فانه ربما ظنوا انه مات ولم يمت " وعن عمار الساباطي في الموثق عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " الغريق يحبس حتى يتغير ويعلم انه قد مات ثم يغسل ويكفن قال: وسئل عن المصعوق فقال إذا صعق حبس يومين ثم يغسل ويكفن " وعن اسماعيل ابن عبد الخالق ابن اخي شهاب بن عبد ربه قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) (4) خمسة ينتظر بهم إلا ان يتغيروا: الغريق والصعيق والمبطون والمهدوم والمدخن " ورواه في الفقيه مرسلا مقطوعا وزاد " ثلاثة ايام " بعد قوله: " ينتظر بهم ". وظاهر هذه الاخبار جعل غاية التأخير ثلاثة ايام أو يومين إلا ان يتغير قبل
(1) و (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 48 من ابواب الاحتضار
[ 375 ]
ذلك، والاصحاب قد جعلوا نهاية التأخير حصول العلم بالموت بالامارات التي ذكروها من انخساف صدغيه وميل انفه وامتداد جلدة وجهه وانخلاع كفه من ذراعه واسترخاء قدميه وتقلص انثييه الى فوق مع تدلى الجلدة، قيل: ومنه زوال النور عن بياض العين وسوادها وذهاب النفس وزوال النبض. ومن الظاهر حصول المنافاه بين ما ذكروه وما دلت عليه الاخبار المذكورة لانه متى علم الموت بهذه الامور المذكورة فلا معنى للتأخير ثلاثة ايام إلا ان يتغير قبل ذلك، اللهم إلا ان يكون ما ذكره الاصحاب ليس كليا فيجوز تخلفه في بعض الاموات فلابد من التأخير المدة المذكورة أو حصول التغير قبلها أو يراد بالتغير في الاخبار التغير عن حالة الحياة بحصول هذه الاسباب كلا أو بعضا لا التغير باعتبار حدوث الرائحة ولعله الاقرب في الجمع بين كلامهم وبين الاخبار المذكورة. ولم اطلع على من تعرض لوجه الاشكال فيما ذكرناه فضلا عن الجواب عنه. ونقل في الذكرى عن جالينوس ان اسباب الاشتباه الاغماء أو وجع القلب أو افراط الرعب أو الغم أو الفرح أو الادوية المخدرة فيستبرأ بنبض عروق بين الانثيين أو عرق يلي الحالب والذكر بعد الغمز الشديد أو عرق في باطن الالية أو تحت اللسان أو في بطن المنخر ومنع الدفن قبل يوم وليلة الى ثلاث اقول: وظاهر كلام هذا الحكيم ايضا لا يخلو من منافاة لما ذكره الاصحاب من العلامات لو كانت كلية وإلا لذكرها أو شيئا منها وانما ذكر لاستعلام الموت حال الاشتباه اشياء اخر كما عرفت. والله العالم. نكت قال الصدوق في المقنع (1): " إذا قضى فقل انا لله وانا إليه راجعون اللهم اكتبه عندك في المحسنين وارفع درجته في اعلى عليين واخلف على عقبه في الغابرين ونحتسبه عندك يا رب العالمين " وقال في الفقيه (2): " وإذا قضى نحبه يجب ان يقول انا لله وانا إليه
(1) و (2) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 39 من ابواب الاحتضار
[ 376 ]
راجعون " وقال ابن الجنيد: " يقرأ عنده من غير ان يرفع صوته بالقراءة، وقال عقيب تلقينه: ولا يكثر عليه عند احوال الغشي لئلا يشتغل بذلك عن حال يحتاج الى معاينتها " وضم أبو حمزة الى نقله الى مصلاه بسط ما كان يصلي عليه تحته، وقد تقدمت الاشارة إليه. وقال صاحب الفاخر: ضعه في مصلاه الذي كان يصلي فيه أو عليه، وقال: لا يحضر عنده مضمخ بورس أو زعفران وامر بجعل الحديد على بطنه وقراءة آية الكرسي والسخرة عند احتضاره وقول اللهم اخرجها منه الى رضى منك ورضوان. وفى كتاب دعوات الراوندي (1) كان زين العابدين (عليه السلام) يقول عند الموت: اللهم ارحمنى فانك كريم اللهم ارحمني فانك رحيم فلم يزل يرددها حتى توفي (عليه السلام)، وكان عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) قدح فيه ماء وهو في الموت ويدخل يده في القدح ويمسح وجهه بالماء ويقول: اللهم اعني على سكرات الموت، وروى انه يقرأ عند المريض والميت آية الكرسي ويقول اللهم اخرجه الى رضى منك ورضوان اللهم اغفر له ذنبه جل ثناء وجهك ثم يقرأ آية السخرة (2): ان ربكم الله الذي خلق السماوات والارض الى آخرها ثم يقرأ ثلاث آيات من آخر البقرة: لله ما في السماوات والارض... ثم يقرأ سورة الاحزاب.
(1) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 29 و 39 من ابواب الاحتضار (2) سورة الاعراف. الآية 54
<>