تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الرابع


بسم الله الرحمن الرحيم

المقصد الثالث

في التكفين

ولا خلاف فيه نصا وفتوى من كافة المسلمين، وفيه فضل جزيل، فروى في الكافي في الصحيح عن سعد بن طريف عن الباقر (عليه السلام) (1) قال " من كفن مؤمنا كان كمن ضمن كسوته إلى يوم القيامة " ورواه الشيخ والصدوق مثله. ويستحب اعداد الانسان كفنه لما رواه في الكافي عن السكوني عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " إذا اعد الرجل كفنه فهو ماجور كلما نظر إليه " وعن محمد بن سنان عمن اخبره عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " من كان كفنه معه في بيته لم يكتب من الغافلين وكان ماجورا كلما نظر إليه " وروى الصدوق في الامالى عن اسماعيل بن مسلم عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (4) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا اعد الرجل كفنه كان ماجورا كلما نظر إليه ".

وفى هذا المقصد مسائل:

(المسألة الاولى) - المشهور بين الاصحاب ان الكفن المفروض ثلاثة اثواب: مئزر وقميص وازار. والمراد بالمئزر عندهم - وهو بكسر الميم ثم الهمزة الساكنة - ما يستر ما بين السرة والركبة ويجوز كونه إلى القدم باذن الورثة أو


(1) رواه في الوسائل في الباب 26 من ابواب التكفين (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 27 من ابواب التكفين


[ 3 ]

وصية الميت النافذة، قالوا ويحتمل الاكتفاء فيه بما يستر العورة لانه موضع ابتداء سترها ويستحب ان يكون يستر ما بين صدره وقدمه. والمراد عندهم بالقميص ما يصل إلى نصف الساق لانه المتعارف ويجوز إلى القدم بمراعاة ما تقدم، ويحتمل جوازه مطلقا. والمراد بالازار بكسر الهمزة ثوب شامل لجميع البدن، قالوا ولابد من زيادته على ذلك بحيث يمكن شده من قبل رأسه ورجليه، والواجب فيه عرضا ان يشمل البدن ولو بالخياطة، وينبغى زيادته بحيث يمكن جعل احد جانبيه على الاخرة كما تشهد به الاخبار. ونقل عن سلار الاكتفاء بثوب واحد اختيارا. وانت خبير بان ما ذكره الاصحاب من هذه الاثواب الثلاثة المعينة لم يوجد له مستند ظاهر من الاخبار الواردة في المسألة وانما الموجود ثوبان وقميص أو ثلاثة اثواب والمتبادر منها كونها شاملة للبدن كملا، ولهذا صرح جملة من متأخري المتأخرين ان الكفن المفروض انما هو هذا وان ما ذهب إليه الاصحاب من المئزر الذى يربط من السرة أو الصدر إلى الركبة أو الى القدم لا مستند له في الاخبار، قال في المدارك بعد البحث في المسألة: " واما المئزر فقد ذكره الشيخان واتباعهما وجعلوه احد الاثواب الثلاثة المفروضة ولم اقف في الروايات على ما يقتضى ذلك بل المستفاد منها اعتبار القميص والثوبين الشاملين للجسد أو الاثواب الثلاثة " وعلى هذه المقالة تبعه من تأخر عنه من محققى متاخري المتأخرين. وعندي فيه نظر يحتاج بيانه الى تقديم كلام في المقام لينجلي به غياهب الابهام، وهو ان الظاهر ان الازار شرعا ولغة انما هو عبارة عما يشد في وسط الانسان وان المئزر بمعناه وربما اطلق في اللغة على الشامل للبدن، قال في مجمع البحرين: وقد تكرر في الحديث ذكر الازار بالكسر وهو معروف يذكر ويؤنث، ومعقد الازار من الحقوين... وفى كلام البعض من اهل اللغة الازار بالكسر ثوب شامل لجميع البدن... وفى الصحاح وغيره المئزر والازار يلتحف به، وفى كتب الفقه يذكرون المئزر مقابل الازار ويريدون به غيره، وحينئذ لا بعد في الاشتراك ويعرف المراد بالقرينة، وفى الخبر: ازرة المؤمن إلى نصف


[ 4 ]

الساق ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين " الازرة بالكسر الحالة والهيئة الاتزار كالركبة والجلسة انتهى ملخصا. واما الاخبار الدالة على ان الازار شرعا عبارة عما ذكرناه فهى كثيرة واكثرها في باب الحمام وما ورد من الامر بالازار متى دخله، ومنها - ما رواه في الكافي مسندا الى الصادق (عليه السلام) (1) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفى الفقيه مرسلا قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يدخل الحمام الا بمئزر " وروى في الكافي عن علي بن الحكم عن رجل من بنى هاشم ثم ساق الخبر عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) إلى ان قال: " قلت ما تقول في الحمام ؟ قال لا تدخل الحمام إلا بمئزر... الحديث " وعن حمزة بن احمد عن ابي الحسن الاول (عليه السلام) (3) قال: " سألته أو سأله غيري عن الحمام ؟ قال ادخله بمئزر... " وروى في التهذيب عن مسمع عن الصادق عن امير المومنين (عليهما السلام) (4): " انه نهى ان يدخل الرجل الماء الا بمئزر " وعن حماد ابن عيسى عن جعفر عن ابيه عن علي (عليهم السلام) (5) قال: " قيل له ان سعيد بن عبد الملك يدخل مع جواريه الحمام ؟ قال وما بأس إذا كان عليه وعليهن الازر لا يكونون عراة كالحمير... الحديث " وفى التهذيب والفقيه عن سعدان بن مسلم (6) قال: " كنت في الحمام في البيت الاوسط فدخل علي أبو الحسن (عليه السلام) وعليه النورة وعليه ازار فوق النورة.. الحديث " وروى في الكافي في الموثق عن حنان بن سدير عن ابيه (7) قال: " دخلت انا وابي وجدي وعمي حماما بالمدينة فإذا رجل في بيت المسلخ فقال لنا ممن القوم ؟ فقلنا من اهل العراق. فقال واي العراق ؟ فقلنا كوفيون.


(1) و (2) و (6) و (7) رواه في الوسائل في الباب 9 من آداب الحمام (3) رواه في الوسائل في الباب 11 من ابواب الماء المضاف (4) رواه في الوسائل في الباب 10 من آداب الحمام (5) رواه في الوسائل في الباب 1 من آداب الحمام


[ 5 ]

فقال مرحبا بكم يا اهل الكوفة انتم الشعار دون الدثار، ثم قال ما يمنعكم من الازر ؟ فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: عورة المؤمن على المؤمن حرام. قال: فبعث إلى ابي كرباسة فشقها باربعة ثم اخذ كل واحد منا واحدا. ثم ساق الخبر إلى ان قال: سألنا عن الرجل فإذا هو علي بن الحسين ومعه ابنه محمد بن على (صلوات الله عليهما) إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة التي يقف عليها المتتبع. وبالجملة فالمستفاد من الأخبار على وجه لا يزاحمه الشك ولا الريب اتحاد الازار والمئزر وان المراد من كل منهما هو ما ذكرناه لا ما شمل البدن، وحينئذ فما اشتهر في كلام متأخرى اصحابنا - من الفرق بين المئزر والازار وان الأول عبارة عما يشد في الوسط والثانى ما يكون شاملا لجميع البدن - لا اعرف له وجها لا من الاخبار ولا من كلام اهل اللغة كما عرفت. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الواجب بمقتضى ما قلناه انه حيثما وجد المئزر والازار في شئ من اخبار الكفن أو كلام متقدمي الاصحاب حمله على ما ذكرناه الا مع قرينة صارفة عن معناه الحقيقي، واما ما لم يشتمل على لفظ الازار والمئزر وانما اشتمل على الثوب فهو ظاهر في الاجمال القابل للاحتمال على ما ذكروه من الشمول للبدن وما ذكرناه من معنى الازار، وبالجملة فهو مجمل وقضية الحمل على الروايات المفصلة تساعد ما ذكرناه، وها انا اسوق لك ما وقفت عليه من اخبار المسألة مذيلا كلا منها بالبيان الساطع البرهان والله الموفق الهادي لمن يشاء. فمنها - ما رواه الكليني والشيخ عن معاوية بن وهب عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " يكفن الميت في خمسة اثواب: قميص لا يزر عليه وازار وخرقة يعصب بها وسطه وبرد يلف فيه وعمامة يعمم بها ويلقى فضلها على صدره ". اقول: هذا الخبر - كما ترى - واضح الظهور في القول المشهور لا يعتريه نقص ولا قصور وقد اشتمل على واجب الكفن ومستحبه، فالواجب القميص والازار الذي


(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب التكفين


[ 6 ]

يشد في وسطه كما عرفت من الاخبار وكلام اهل اللغة وعليه العرف العام والبرد الذي يلفه والباقى مستحب. ومنها - موثقة سماعة (1) قال: " سألته عما يكفن به الميت ؟ قال ثلاثة اثواب وانما كفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ثلاثة اثواب: ثوبين صحاريين وثوب حبرة - والصحارية تكون باليمامة - وكفن أبو جعفر (عليه السلام) في ثلاثة اثواب ". وعن يونس عن بعض رجاله عن الصادق والباقر (عليهما السلام) (2) قالا: " الكفن فريضته للرجال ثلاثة اثواب، والعمامة والخرقة سنة... الحديث " وعن زرارة في الموثق عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: " كفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ثلاثة اثواب: ثوبين صحاريين وثوب يمنة عبري أو اظفار ". وعن محمد بن سهل عن ابيه (4) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الثياب التى يصلى فيها الرجل ويصوم أيكفن فيها ؟ قال احب ذلك الكفن يعني قميصا. قلت يدرج في ثلاثة اثواب ؟ قال لا بأس به والقميص احب الي ". وروى في الفقيه (5) قال: " سئل موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل يموت أيكفن في ثلاثة اثواب بغير قميص ؟ قال لا بأس بذلك والقميص احب الي ". إلى غير ذلك من الاحاديث المشتملة على لفظ الاثواب الثلاثة أو ثوبين وقميص وانت خبير بانه لا منافاة في حمل الثوب الذي هو احد هذه الاثواب على الازار بالمعنى الذي ذكرناه، ودعوى كون الثوب انما يطلق على ما يشمل البدن ممنوعة لصدق الثوب على السراويل وثوبي الاحرام اللذين احدهما الازار، ولا ينافي ذلك لفظ الادراج في بعضها لصدقه في الازار ايضا بالمعنى المذكور. ومنها - ما رواه في الكافي في الصحيح عن عبد الله بن سنان (6) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) كيف اصنع بالكفن ؟ قال تأخذ خرقة فتشد على مقعدته ورجليه. قلت


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب التكفين


[ 7 ]

فالازار ؟ قال انها لا تعد شيئا انما تصنع لتضم ما هناك لئلا يخرج منه شئ وما يصنع من القطن افضل منها ثم يخرق القميص إذا غسل وينزع من رجليه، قال ثم الكفن قميص غير مزرور ولا مكفوف وعمامة يعصب بها رأسه ويرد فضلها على رجليه " اقول: الظاهر ان لفظ " رجليه " هنا وقع سهوا عن " صدره " وهذا الخبر ظاهر فيما دل عليه الخبر الاول إلا انه لم يذكر فيه الثوب الثالث وهو الذي يلف فيه وانما اشتمل على الازار والقميص وكأنه لظهوره استغنى عن ذكره، وقد عرفت معنى الازار. بقى الكلام في قوله: " قلت فالازار ؟ قال انها لا تعد شيئا " والمعنى فيه ان الظاهر انه لما امر (عليه السلام) بالخرقة المذكورة توهم الراوي انها تغنى عن الازار لحصول ستر العورة بها فاجابه (عليه السلام) بانها لا تعد من اجزاء الكفن الواجب وانما تصنع لهذه الفائدة والازار من اجزاء الكفن الواجب لابد منه فلا تغني هذه عنه. ومنها - ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " يكفن الرجل في ثلاثة اثواب والمرأة إذا كانت عظيمة في خمسة: درع ومنطق وخمار ولفافتين ". اقول: وهذه الرواية ايضا ظاهرة الدلالة على القول المشهور لانها وان اجملت في كفن الرجل ثلاثة اثواب إلا انها فصلت في كفن المرأة في الاثواب الخمسة، ولا ريب في تساوي المرأة والرجل في الواجب، والواجب هنا من هذه الخمسة القميص المعبر عنه بالدرع، والازار المعبر عنه بالمنطق فانه بكسر الميم الازار، ولفافة، والخمار واللفافة الاخرى مما انفردت به المرأة. ومنها - ما رواه في الكافي ايضا عن يونس عنهم (عليهم السلام) (2) في تحنيط الميت وتكفينه قال: " ابسط الحبرة بسطا ثم ابسط عليها الازار ثم ابسط القميص


1) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب التكفين 2) رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب التكفين


[ 8 ]

عليه وترد مقدم القميص عليه، ثم اعمد إلى كافور مسحوق فضعه على جبهته موضع سجوده، وامسح بالكافور على جميع مفاصله من قرنه إلى قدمه، وفى رأسه وعنقه ومنكبه ومرافقه وفى كل مفصل من مفاصله من اليدين والرجلين وفي وسط راحتيه، ثم يحمل فيوضع على قميصه ويرد مقدم القميص عليه ويكون القميص غير مكفوف ولا مزرور، وتجعل له قطعتين من جريد النخل رطبا قدر ذراع، تجعل له واحدة بين ركبتيه نصفا مما يلي الساق ونصفا مما يلي الفخذ وتجعل الاخرى تحت ابطه الايمن، ولا تجعل في منخريه ولا في بصره ولا مسامعه ولا على وجهه قطنا ولا كافورا، ثم يعمم فيؤخذ وسط العمامة فيثنى على رأسه بالتدوير ثم يلقى فضل الشق الايمن على الايسر والايسر على الايمن ثم يمد على صدره " وهذه الاجزاء الثلاثة هي المذكورة في كلام الاصحاب وان غيروا العبارة فانه متى حمل الازار على المعنى الذى عرفته من كلام اهل اللغة والأخبار فانه منطبق على القول المشهور بما هو اوضح واضح في الظهور، ومقتضى ما ذكره اولئك الافاضل من المناقشة حمل الازار في هذه الاخبار المشتملة عليه على الشامل للبدن، وقد عرفت انه لا مستند له من الأخبار بل الأخبار كلها متفقة على المعنى الذي ذكرناه، وبعض اهل اللغة وان ذكره الا ان المشهور في كلامهم انما هو المعنى الذي ذكرناه والعرف العام مؤيد لما قلناه، ويؤيده تأييدا ما ورد دالا على استحباب التكفين بما احرم فيه كما رواه الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " كان ثوبا رسول الله (صلى الله عليه وآله) اللذان احرم فيهما يمانيين عبرى واظفار وفيهما كفن " ورواه في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار مثله. وروى في الكافي عن يونس بن يعقوب عن ابي الحسن الاول (عليه السلام) (2) قال: " سمعته يقول اني كفنت ابى في ثوبين شطويين كان يحرم فيهما وفى قميص من قمصه. الحديث ".


1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 5 من ابواب التكفين


[ 9 ]

اقول: من الظاهر البين الظهور ان ثوبي الاحرام - كما سيأتيك بيانه ان شاء الله تعالى في كتاب الحج - ازار يتزر به ورداء يتردى به، ومن اخبار الاحرام قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد الله بن سنان: " والتجرد في ازار ورداء أو عمامة يضعها على عاتقه لمن لم يكن له رداء " وبذلك يثبت ان احد أجزاء كفنه (صلى الله عليه وآله) الازار، وعلى هذا الخبر يحمل اجمال اخبار تكفينه (صلى الله عليه وآله) في ثلاثة اثواب بان يقال ان من جملتها الازار، ومنه يعلم انه لا يشترط في الثوب الشمول للبدن كما توهموه. ومنها - ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار عن الصادق (عليه السلام) (1) في تكفين الميت وتحنيطه بعد ذكر ما تقدم منها في التغسيل قال: " ثم تغسل يديك الى المرافق ورجليك إلى الركبتين ثم تكفنه: تبدأ وتجعل على مقعدته شيئا من القطن وذريرة وتضم فخديه ضما شديدا وجمر ثيابه بثلاثة اعواد ثم تبدأ فتبسط اللفافة طولا ثم تذر عليها شيئا من الذريرة ثم الازار طولا حتى يغطى الصدر والرجلين ثم الخرقة عرضها قدر شبر ونصف ثم القميص تشد الخرقة على القميص بحيال العورة والفرج حتى لا يظهر منه شئ، واجعل الكافور في مسامعه واثر سجوده منه وفيه واقل من الكافور واجعل على عينيه قطنا وفيه واذنيه شيئا قليلا ثم عممه والق على وجهه ذريرة وليكن طرف العمامة متدليا على جانبه الايسر قدر شبر ترمي بها على وجهه، وليغتسل الذى غسله، وكل من مس ميتا فعليه الغسل وان كان الميت قد غسل، والكفن يكون بردا وان لم يكن بردا فاجعله كله قطنا فان لم تجد عمامة قطن فاجعل العمامة سابريا، وقال: تحتاج المرأة من القطن لقبلها قدر نصف من، وقال: التكفين ان تبدأ بالقميص ثم بالخرقة فوق القميص على الييه وفخذيه وعورته وتجعل طول الخرقة ثلاثة اذرع ونصفا وعرضها شبرا ونصفا ثم تشد


1) رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب التكفين


[ 10 ]

الازار اربعة اذرع ثم اللفافة ثم العمامة وتطرح فضل العمامة على وجهه وتجعل على كل ثوب شيئا من الكافور وتطرح على كفنه ذريرة. " اقول: وهذا الخبر قد تضمن ما تضمنته الاخبار المتقدمة من ان اجزاء الكفن الواجب هي الازار والقميص واللفافة إلا ان ظاهر كلامه في الازار لا يخلو من خلل في المقام نسبته إلى الراوي المذكور اولى من نسبته إلى الامام (عليه السلام) حيث ان المعهود من الازار شرعا ولغة وعرفا هو ما عرفت وهو ما يشد من تحت السرة ومنتهاه إلى نصف الساق إلى القدم، وهذا الخبر قد اشتمل صدره على ان الازار يبسط طولا حتى يغطى الصدر والرجلين مع ان المعروف من شد الازار انما هو بالعرض لا بالطول وفى آخره ان الازار اربعة اذرع وهذا مما ينافي الكلام الاول لانه متى كان طوله اربعة اذرع وبسط طولا فانه يتجاوز الصدر إلى ما فوق الرأس، وهذا التهافت في المقام مما يحل عنه كلام الامام الذي هو امام الكلام، وقد وقع للراوي المذكور مثله في الخبر وهو قوله: " وكل من مس ميتا فعليه الغسل وان كان الميت قد غسل " فانه مخالف للاجماع واتفاق الامة فضلا عن هذه الفرقة الناجية. وبالجملة فاني لا اعرف لما اشتمل عليه هذا الخبر في هذا المقام وجه استقامة يبنى عليه الكلام. ومنها ما ذكره مولانا الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (1) من قوله: " ثم يكفن بثلاث قطع وخمس وسبع، فاما الثلاث فمئزر وعمامة ولفافة، والخمس مئزر وقميص وعمامة ولفافتان، إلى ان قال: وروي انه لا يقرب الميت من الطيب شيئا ولا البخور، وساق (عليه السلام) جملة من الاحكام بطريق الرواية إلى ان قال: وقال يأخذ خرقة فيشدها على مقعدته ورجليه. قلت الازار ؟ قال انها لا تعد شيئا وانما امر بها لكى لا يظهر منه شئ، وذكر ان ما جعل من القطن افضل وقال: ويكفن بثلاثة اثواب لفافة وقميص وازار. إلى اخر كلامه " وظاهر صدر هذا الكلام يشعر بافتائه


1) ص 20


[ 11 ]

بالثلاث أو الخمس أو السبع، ولا يخفى ما فيه من الاجمال، إلا ان ما نقله اخيرا بطريق الرواية واضح فيما ادعيناه، والظاهر ان هذه الرواية التي ذكرها عن الصادق (عليه السلام) بقرينة حديث الخرقة التي ذكر انها لا تعد شيئا فانه قد تقدم بهذه الصورة في صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (1) ومنها - ما رواه في الكافي عن الحلبي (2) قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) في حديث: " ان ابي كتب في وصيته ان اكفنه في ثلاثة اثواب احدها رداء له حبرة. وثوب آخر وقميص... الحديث " والتقريب فيه حمل الثوب الاخر على الازار لذكره في تلك الاخبار المتقدمة فيحمل اطلاق هذا الخبر على تلك الاخبار. نعم ربما دل على ما ذكروه ما رواه الشيخ في الحسن على الظاهر عن حمران بن اعين عن الصادق (عليه السلام) (3) في حديث قال فيه: " قلت فالكفن ؟ قال يأخذ خرقة فيشد بها سفليه ويضم فخذيه بها ليضم ما هناك وما يصنع من القطن افضل ثم يكفن بقميص ولفافة وبرد يجمع فيه الكفن " فان ظاهر لفظ اللفافة الاختصاص بما يشمل البدن والبرد من حيث انه يجمع الكفن كما ذكره يجب ان يكون شاملا. والجواب عنه انه إذا ثبت بما قدمناه من الاخبار كون الازار احد اجزاء الكفن وان الازار شرعا ولغة وعرفا انما يطلق على ما يشد في الوسط فالواجب تأويل هذه الرواية بما ترجع به إلى تلك الاخبار وهو بحمل اللفافة على الازار فانه يلف ما يقع عليه من اسافل البدن ومثله في تأويل الاخبار غير عزيز. اقول: وبما ذكرناه مما اشارت إليه هذه الاخبار صرحت عبائر جملة من متقدمي علمائنا الابرار الذين عليهم المعتمد في الايراد والاصدار: منهم - شيخنا المفيد (عطر الله مرقده) في المقنعة حيث قال: " ويعد الكفن وهو قميص ومئزر وخرقة يشد بها


1) ص 2 6) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب التكفين 3) رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب التكفين


[ 12 ]

سفله الى وركيه ولفافة وحبرة وعمامة، الى ان قال في صفة التكفين: وصار إلى الاكفان التي كان اعدها له فبسطها على شئ طاهر يضع الحبرة أو اللفافة التي تكون بدلا منها وهي الظاهرة وينشرها وينثر عليها شيئا من الذريرة التي كان أعدها ثم يضع اللفافة الاخرى عليها وينثر عليها شيئا من الذريرة ثم يضع الازار ويضع القميص على الازار وينثر عليه شيئا من الذريرة ويكثر منه ثم يرجع الى الميت فينقله من الموضع الذي غسله فيه حتى يضعه في قميصه ويأخذ شيئا من القطن فيضع عليه شيئا من الذريرة ويجعله على مخرج النجو ويضع شيئا من القطن وعليه الذريرة على قبله ويشده بالخرقة التي ذكرناها شدا وثيقا الى وركيه لئلا يخرج منه شئ ويأخذ الخرقة التي سميناها مئزرا فيلفها عليه من سرته الى حيث تبلغ من ساقيه كما يأتزر الحي فتكون فوق الخرقة التي شدها على القطن " وعلى هذا النهج كلام الشيخ في النهاية. وقال ابن ابي عقيل: " الفرض ازار وقميص ولفافة، والسنة ثوبان عمامة وخرقة وجعل الازار فوق القميص، وقال: السنة في اللفافة ان تكون حبرة يمانية فان اعوزهم فثوب بياض " وقال علي بن بابويه في رسالته: " ثم اقطع كفنه تبدأ بالنمط وتبسطه وتبسط عليه الحبرة وتبسط الازار على الحبرة وتبسط القميص وتكتب على قميصه وازاره وحبرته " وقال الجعفي: " الخمسة لفافتان وقميص وعمامة ومئزر، وقال وقد روى سبع: مئزر وعمامة وقميصان ولفافتان ويمنية، وليس تعد الخرقة التي تجعل على مخرجه من الكفن، قال وروي ليس العمامة من الكفن المفروض " وقال أبو الصلاح: " يكفنه في درع ومئزر ولفافة ونمط ويعممه، قال: والافضل ان تكون الملاف ثلاثا احداهن حبرة يمنية وتجزئ واحدة " وقال الصدوق في الفقيه: " وغاسل الميت يبدأ بكفنه فيقطعه يبدأ بالنمط فيبسطه ويبسط عليه الحبرة وينثر عليه شيئا من الذريرة ويبسط الازار على الحبرة وينثر عليه شيئا من الذريرة ويبسط القميص على الازار وينثر عليه شيئا من الذريرة، ثم ساق الكلام الى ان قال في صفة التكفين ما ملخصه: ثم يضع الميت في اكفانه، ثم ذكر موضع الجريدتين وقال: ثم يلفه في ازاره وحبرته، الى ان قال: وقبل ان يلبسه قميصه ياخذ شيئا من القطن وينثر عليه ذريرة ويحشو به دبره ويجعل من القطن


[ 13 ]

شيئا على قبله ويضم رجليه جميعا ويشد فخذيه الى وركيه بالمئزر شدا جيدا لئلا يخرج منه شئ فإذا فرغ من تكفينه حنطه، إلى ان قال بعد ذكر جملة من الاحكام: والكفن المفروض ثلاثة: قميص وازار ولفافة سوى العمامة والخرقة فلا يعدان من الكفن " انتهى اقول: وهذا الكلام كله ما ذكرناه وما حذفناه مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي. فهذه جملة من عبائر المتقدمين متفقة الدلالة على ان الكفن المفروض هو القميص واللفافة والازار، وربما عبر بعضهم بالمئزر وهو المطابق لما قدمناه من الاخبار. ثم انه بالتأمل فيما نقلناه عن الصدوق هنا يظهر لك بطلان ما توهمه جملة من الاعلام الذاهبين إلى ما ذهب إليه السيد في هذا المقام من الاستناد إلى كلام الصدوق في الفقيه في التأييد لما ذهبوا إليه من ان المئزر الذي ذكره الاصحاب من جملة اجزاء الكفن الواجب الذي لا وجود له في الاخبار، وان الصدوق قد فسره في الفقه بالخرقة التي يشد بها الفخذان قال الامين الاسترابادي - وهو من جملة تلامذة السيد صاحب المدارك في تعليقاته على الفقيه - ما صورته: " اقول: وقد وقع من جمع من المتأخرين سهو عظيم حيث زعموا ان من جملة الكفن الواجب المئزر وفسروه بثوب يكون من السرة إلى الركبة مع انه لا دلالة في الاحاديث على ذلك. وكلام المصنف في هذا الباب صريح بخلاف قولهم وصريح بان المراد بالمئزر ما يشد به فخذاه، وهو الحق " انتهى. اقول: بل السهو العظيم انما وقع منه وممن حذا حذوه في هذا المقام كما لا يخفى على من تأمل ما تلوناه وما سنذكره في المقام، ونسبة ما زعمه من السهو لجمع من المتأخرين مع انه من كلام المتقدمين - كما عرفت وستعرف - سهو آخر منه، وبيان ذلك انك قد عرفت مما قدمناه ترادف لفظ المئزر والازار لغة وشرعا وان المراد منه ما يشد من الوسط كما عرفته من عبارة الشيخ المفيد المتقدمة وتعبيره عن ذلك تارة بالازار وتارة بالمئزر، وكلام الصدوق هنا في صدره صريح بان اجزاء الكفن الواجب هو الحبرة والازار والقميص، اما النمط فالظاهر انه ذكره استحبابا كما سيأتي بيان القول فيه ان شاء الله تعالى، وكذا قوله: " يلفه في ازاره


[ 14 ]

وحبرته " فانه صريح في كون الازار من اجزاء الكفن، وكلامه الاخير اصرح صريح في ذلك ايضا كما لا يخفى، وإذا ثبت ان احد اجزاء الكفن الازار والازار - كما عرفت لغة وشرعا - انما هو عبارة عما يربط من الوسط فقد ثبت المطلوب، غاية الامر ان الاصحاب عبروا عن الازار الذي ذكره الصدوق هنا بالمئزر وقد عرفت ترادفهما فاي فساد يلزم من ذلك ؟ وكلام الصدوق هنا وان سمى الخرقة التي يشد بها المقعدة مئزرا فانه لا دلالة فيه على انه المئزر الذي ذكره الاصحاب في اجزاء الكفن، وغاية الشبهة نشأت هنا من شيئين: (احدهما) - تعبير الاصحاب بالمئزر. و (ثانيهما) - تعبير الصدوق عن الخرقة المستحبة لشد المقعدة بالمئزر، وانت إذا تأملت ما ذكرناه ظهر لك ان المطلوب والمدعى من كون الكفن عبارة عن اللفافة والازار والقميص ظاهر من كلام الصدوق في الفقيه، وبتقريب ما قدمناه - من ان الازار لغة وشرعا هو ما يشد من الوسط يظهر انطباق كلام الصدوق والمفيد ونحوهما على كلام متأخرى الاصحاب وان عبروا عن الازار الذي ذكره هؤلاء بالمئزر فانهما مترادفان فلا حرج. بقي الكلام في تعبير الاصحاب عن اللفافة الشاملة لجميع البدن بالازار وقد عرفت ما فيه وكان الاولى تعبيرهم بما عبر به متقدموهم كالشيخين المشار اليهما ونحوهما من الحبرة أو اللفافة أو نحوهما، وكذا بقي الكلام في تعبير الصدوق عن هذه الخرقة بالمئزر فانه وان كان غريبا إلا انك قد عرفت ان عبارته هذه وما قبلها وما بعدها انما اخذت من الفقه الرضوي، ومع كونها من عنده فانه لا مشاحة في العبارة بعد ظهور المراد، فعليك بالتأمل التام فيما حققناه في المقام.

وتمام القول في المقام يتوقف على بيان امور:

(الاول) - لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في انه لو تعذرت الاثواب الثلاثة ولم يوجد الاثوب واحد فانه يكفن فيه، قالوا لان الضرورة تبيح دفنه بغير كفن فببعضه اولى. اقول: غاية ما يستفاد من هذا الكلام الجواز ولا ريب فيه، واما الوجوب فمحل اشكال لان الواجب انما


[ 15 ]

هو الثلاثة المتقدمة ومع فقد بعضها فهل يجب ما امكن من الباقي ام لا ؟ وجهان، للاول مفهوم جملة من الاخبار الدالة على ان حرمة المؤمن ميتا كحرمته حيا (1) ونحوها من الادلة العامة، وللثاني عدم وجود نص في المسألة. والاحتياط ظاهر. واما مع وجود الجميع فقد عرفت انه لا مخالف في المسألة إلا سلار حيث اكتفى بثوب واحد اختيارا مستندا - كما نقل عنه - إلى الاصل وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة ومحمد بن مسلم (2) قالا: " قلنا لابي جعفر (عليه السلام) العمامة للميت من الكفن ؟ قال لا انما الكفن المفروض ثلاثة اثواب وثوب تام لا اقل منه يوارى جسده كله. فما زاد فهو سنة إلى ان يبلغ خمسة اثواب. فما زاد فهو مبتدع، والعمامة سنة. " اقول: هذا الخبر رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح، وفية " انما الكفن المفروض ثلاثة اثواب تام لا اقل منه... إلى آخر الخبر " وذكر جملة من الاصحاب: منهم - شيخنا البهائي في الحبل المتين ان في بعض نسخ التهذيب كما في الكافي، وظاهر الخبر على رواية الكليني يعطي ان الكفن اربعة اثواب ولا قائل به، ويحتمل التخيير - بجعل الواو بمعني " أو " - بين الثلاثة والثوب الواحد وبه يصلح الاستدلال به للقول المذكور. واحتمل جملة من الاصحاب: منهم - الشهيدان في الذكرى والروض كونه بيانا لاحد الاثواب الثلاثة فيكون من باب عطف الخاص على العام وان المراد بذلك الواحد الازار بناء على ما فسروه به من انه الساتر لجميع البدن. واحتمل في الذكرى حمل الخبر المذكور على التقية فان معظمهم على الاجتزاء بالثوب الواحد (3) وهذا كله على تقدير رواية الكافي


1) رواها في الوسائل في الباب 50 من ابواب الدفن 2) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب التكفين 3) في المهذب للشيرازي الشافعي ج 1 ص 129 " واقل ما يجزئ من الكفن ما يستر العورة كالحى، ومن اصحابنا من قال اقله ثوب يعم البدن لان ما دونه لا يسمى =


[ 16 ]

واما على تقدير رواية التهذيب فلا حجة فيها إلا ان الاظهر هو سقوط لفظة الثوب من قلم الشيخ كما لا يخفى على من له انس بما وقع له من التحريف والسهو والزيادة والنقصان في متون الاخبار واسانيدها. وبالجملة فالاظهر عندي هو طرح هذه الرواية من البين لما هي عليه من الاحتمالات وبذلك تصير من المتشابهات التي يجب الوقوف فيها. وكيف كان فالقول المذكور ضعيف لا يلتفت إليه في مقابلة الاخبار المتكاثرة وبها يجب الخروج عن الاصل الذي استند إليه. وما ذكره بعض متأخرى المتأخرين من ضعف الاخبار المشار إليها وان المسألة محل اشكال فهو مما لا يلتفت إليه، فانها مع الاغماض عن المناقشة في هذا الاصطلاح قد تلقاها اصحابه بالقبول واتفقوا على العمل بها وهو جابر عندهم لضعفها.

(الثاني) - المشهور بين الاصحاب تعين القميص وضمها إلى الازار واللفافة، وقيل بالتخيير بينها وبين لفافة ثانية مع افضلية القميص، وهو مذهب ابن الجنيد ومال إليه المحقق في المعتبر وجملة من متأخرى المتأخرين، وهو الظاهر. ويدل عليه ما تقدم في رواية محمد بن سهل عن ابيه ومرسلة الفقيه (1) قال المحقق الشيخ علي " ويراعى في جنس هذه الاثواب التوسط باعتبار اللائق بحال الميت عرفا فلا يجب الاقتصار على ادون المراتب وان ماكس الورثة أو كانوا صغارا حملا لاطلاق اللفظ على المتعارف " واستحسنه في الروض بعد نقله عنه قال: " لان العرف هو المحكم في امثال ذلك مما لم يرد له تقدير شرعي " انتهى. وهو جيد لان الخطابات الشرعية انما تتعلق بالمكلفين باعتبار احوالهم


= كفنا والاول اصح، وفى الوجيز للغزالي ج 1 ص 45 " واقله ثوب واحد ساتر لجميع البدن والثانى والثالث حق الميت في التركة تنفذ وصيته باسقاطهما " وفى المنهاج للنووي ص 23 " يكفن بماله لبسه حيا واقله ثوب " وفى بداية المجتهد ج 1 ص 213 " قال مالك لاحد في الكفن وانه يجزى ثوب واحد في المرأة والرجل الا انه يستحب الوتر " وفى المغنى ج 2 ص 464 و 467 " يكفن في ثلاثة اثواب ويجوز التكفين في ثوبين وقال الاوزاعي اقل ما يجزى ثوب واحد يستر جميعه " 1) واطلاق الاثواب الثلاثة في جملة من الاخبار ص 6


[ 17 ]

التي هم عليها من قوة وضعف وعسر ويسر ونحو ذلك فلكل تكليف باعتبار حاله، ألا ترى ان استطاعة الحج تتفاوت بتفاوت الاحوال والصلاة كيفية وكمية تتفاوت بتفاوتها ايضا سفرا وحضرا وصحة ومرضا ونحو ذلك.

(الثالث) - قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: " والمفهوم من خبر زرارة المتقدم الاكتفاء بمواراة البدن بالثلاثة فلو كان يعضها رقيقا بحيث لا يستر العورة ويحكى البدن لم يضر مع حصول الستر بالمجموع، والاحوط اعتبار الستر في كل ثوب لانه المتبادر وليس في كلامهم ما يدل عليه نفيا ولا اثباتا " انتهى. اقول: الظاهر ان مراده بخبر زرارة المذكور هو ما تقدم في الامر الاول (1) وقد عرفت اختلاف روايتي الكافي والتهذيب له والظاهر عندي من قوله: " يوارى جسده " انما هو باعتبار شمول الثوب البدن واتيانه عليه بحيث لا يبقى شئ من البدن عاريا لا مواراة البشرة بمعنى ان لا يكون رقيقا حاكيا للبشرة، ويؤيده التأكيد بقوله " كله " وحينئذ فيكون قوله " يواري جسده " مؤكدا لقوله " تام لا اقل منه " وان لم يكن ما ذكرناه اظهر لا اقل ان يكون مساويا لما ذكره وبه لا يتم الاستدلال، وحينئذ تبقى المسألة عارية عن النص، واصالة العدم ترجح الجواز مطلقا و بالجملة فالظاهر ان ما ذكره شيخنا المذكور لا يخلو من البعد، ولو كانت الرواية المذكورة دالة على الحكم المذكور لما خفي على محدثي اصحابنا المتأخرين ولاسيما بعد الوقوف على كلامه ولنبهوا على ذلك في تصانيفهم سيما شيخنا البهائي في الحبل المتين وامثاله ممن عادتهم تتبع هذه الدقائق والتنبيه عليها. والله العالم.

(الرابع) - الظاهر انه لا خلاف في عدم جواز التكفين بالحرير المحض، قال في المعتبر: وهذا الحكم ثابت باجماعنا ويدل عليه ما رواه في الكافي عن الحسن بن راشد (2) قال: " سألته عن ثياب تعمل بالبصرة على عمل العصب اليماني من قز وقطن هل يصلح ان يكفن فيها الموتى ؟ قال: إذا كان القطن اكثر من القز فلا بأس "


1) ص 15. 2) رواه في الوسائل في الباب 23 من ابواب التكفين


[ 18 ]

ورواه في الفقية مرسلا (1) قال: سئل أبو الحسن الثالث (عليه السلام) عن ثياب تعمل بالبصرة... الحديث " اقول: ويشير إلى ذلك جملة من الاخبار الدالة على النهي عن التكفين بكسوة الكعبة فان الظاهر انه ليس إلا من حيث كونها حريرا محضا كما استظهره شيخنا الشهيد في الذكرى وإلا كان الانسب الاستحباب للتبرك، ومن تلك الاخبار ما رواه في التهذيب عن الحسين بن عمارة عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: سألته عن الرجل اشترى من كسوة البيت شيئا هل يكفن به الميت ؟ قال: لا " ونحوها رواية عبد الملك بن عتبة الهاشمي (3) وقال في الفقه الرضوي (4): " لا تكفنه في كتان ولا ثوب ابريسم وإذا كان ثوب معلم فاقطع علمه ولكن كفنه في ثوب قطن ولا بأس في ثوب صوف " انتهى. وقال في الفقيه: " ولا يجوز ان يكفن الميت في كتان ولا ابريسم ولكن في القطن " والظاهر انه مأخوذ من هذه العبارة كما عرفت في غير مقام. والشيخ قد روى عن السكوني عن جعفر عن ابيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (5) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): نعم الكفن الحلة ونعم الاضحية الكبش الاقرن " ثم حمله على التقية لموافقته لمذهب العامة (6) قال: لان الكفن لا يجوز ان يكون من


1) و 5) رواه في الوسائل في الباب 23 من ابواب التكفين 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 22 من ابواب التكفين 4) ص 18 6) في المحلى لابن حزم ج 5 ص 122 " لا يحل تكفين الرجل بما لا يحل لباسه من حرير أو مذهب أو معصفر وجائز تكفين المرأة في كل ذلك " وفى المنهاج للنووي على هامش شرحه تحفة المحتاج ج 1 ص 531 " يكفن الميت بعد غسله بماله لبسه حيا فلا يجوز الحرير والمزعفر الرجل والخنثى " وفى شرح النووي على صحيح مسلم بهامش ارشاد السارى ج 4 ص 266 " قال اصحابنا يحرم تكفين الرجل بالحرير ويجوز المرأة فيه مع الكراهة وكره مالك وعامة العلماء التكفين في الحرير مطلقا، قال ابن المنذر لا احفظ خلافه " وفي البحر الرائق ج 2 ص 176 " لا يكفن بما لا يجوز لبسه حال الحياة كالحرير للرجال " وفى مجمع الانهر فقه الحنفية ج 1 ص 181 " لا يكفن إلا فيما يجوز له لبسه حال =


[ 19 ]

الابريسم. وقيل عليه انه لا يعتبر في الحلة ان تكون من الابريسم فانها ربما تطلق على البرد وغيره ايضا وان لم يكن ابريسما، قال في القاموس: الحلة ازار ورداء بردا وغيره ولا يكون إلا من ثوبين أو ثوب له بطانة " فينبغي ان تحمل الحلة على البرد الذي لا يكون ابريسما. وقيد الحرير بالمحض احترازا عن الممتزج بغيره على وجه لا يستهلكه الحرير فانه يجوز التكفين فيه كما يجوز الصلاة فيه. والظاهر انه لا فرق بين الرجل والمرأة في الحكم المذكور، وقال في الذكرى وعليه اتفاقنا، ونقل عن العلامة في النهاية انه احتمل كراهته للمرأة للاباحة لها في حال الحياة. والظاهر ضعفه. وفي جوازه بالجلود تردد لاصالة الجواز وعدم صدق الثوب عليها عرفا فان المتبادر منه انما هو المنسوج، وبه صرح جملة من الاصحاب، وايدوا ذلك بوجوب نزعه من الشهيد قالوا فهنا اولى. اما المتخذ من الشعر والوبر فالظاهر المشهور الجواز لصدق الثوب عليه وانتفاء المانع كما صرح به في المعتبر، ونقل عن ابن الجنيد المنع منه، وقد تقدم في عبارة كتاب الفقه نفى البأس عن ثوب الصوف، وجعل في المدارك اجتنابه اولى. ولا يجوز التكفين بالنجس اجماعا كما في الذكرى ولوجوب ازالة النجاسة العارضة من الكفن. وكذا لا يجوز التكفين في المغصوب ايضا اجماعا كما نقله في الكتاب المشار إليه وللنهي عن اتلاف مال الغير. هذا كله مع الاختيار اما مع الضرورة فظاهرهم الاتفاق على عدم الجواز بالمغصوب واما غيره من الحرير والجلد والنجس فاوجه ثلاثة: المنع لاطلاق النهي، والجواز لئلا يدفن عاريا مع وجوب ستره ولو بالحجر، ووجوب ستر العورة لا غير حالة الصلاة ثم ينزع


= الحياة فلا يجوز الحرير ونحوه ويجوز للنساء الحرير " وفى نيل المآرب لعبد القادر الشيباني الجنبلى ج 1 ص 54 " يحرم التكفين بحرير ومذهب للذكر والانثى والخنثى ويجوز الحرير عند عدم ثوب واحد يستر جميعه


[ 20 ]

(الخامس) - المفهوم من كلام اكثر الاصحاب في كيفية التكفين انه يبدأ بخرقة الفخذين فيشدها بعد وضع القطن في دبر الميت وقبل المرأة ثم يؤزره عليها كما يؤزر الحي ثم يلبسه القميص ثم يلفه في اللفافة ثم الحبرة التي هي مستحبة عندهم، فمن ذلك عبارة المفيد المتقدمة (1) ومنها عبارة الشيخ في النهاية حيث قال ما هذا ملخصه: فإذا فرغ منه - يعنى من الغسل - عمد إلى القطن، ثم ذكر شد القطن بالخرقة إلى ان قال: فيأخذ الازار فيؤزره، ثم ساق الكلام في صفة الازار ووضع الحنوط إلى ان قال: ثم يرد القميص عليه، ثم ساق الكلام في العمامة إلى ان قال: ثم يلفه في اللفافة. ونحوه عبارته في المبسوط وبذلك صرح ابن ادريس في السرائر فقال ما ملخصه: فيأخذ الخرقة التي هي الخامسة، ثم ذكر شد فخذيه بها إلى ان قال: ثم يؤزره ويلبسه القميص وفوق القميص الازار وفوق الازار الحبرة. ومراده بالازار الذي فوق القميص هو اللفافة وهي الثوب الثالث من الكفن الواجب، فانك قد عرفت ان للفقهاء يطلقون على هذا الثوب الازار، ومراده بالحبرة هي المستحبة عندهم. وهكذا عبارة العلامة في المنتهى حيث قال ما ملخصه في كيفية التكفين من انه يحشو دبره بالقطن ثم يشده بخرقة الفخذين ثم يؤزره بالمئزر ثم يلبسه القميص ثم يضعه في الازار ثم في الحبرة. وعلى هذا النهج عبارة الذكرى والدروس والبيان إلا انه في البيان لم يتعرض لذكر الخرقة هنا وانما ذكرها سابقا قبل ذلك. وبالجملة فالذي حضرني من عبائرهم كلها على هذه الكيفية إلا عبارة الصدوق فانها لا تخلو من الاجمال، وعبارة ابن ابي عقيل المتقدمة فان ظاهرها البدأة بالقميص وان يكون الازار فوقها. وكيف كان ففي فهم ما ذكره الاصحاب واشتهر بينهم من الاخبار خفاء وغموض. والذي وقفت عليه من الاخبار المتضمنة لذلك رواية يونس وموثقة عمار وعبارة كتاب الفقه الرضوي وقد تقدم الجميع (2) فاما رواية يونس فان ظاهرها انه يلبسه القميص اولا ثم يؤزره بالازار المذكور فيها ثم يلفه بالحبرة المذكورة. ولم يذكر الخرقة هنا وانما ذكرها في موضع آخر.


1) ص 11. 2) ص 7 و 9 و 10


[ 21 ]

وقد عرفت مما حققناه آنفا ان المراد بالازار في الاخبار هو الذي يشد على الوسط وظاهرها انه يشد فوق القميص، ومخالفتها لما ذكروه ظاهرة، نعم هي موافقة لظاهر عبارة ابن ابي عقيل. واما موثقة عمار فانها قد اشتملت على شد الخرقة فوق القميص ثم الازار فوق الخرقة ثم اللفافة، والمخالفة فيها هنا في موضعين: (احدهما) - شد الخرقة فوق القميص. و (الثاني) - جعل الازار فوق القميص والخرقة، مضافا إلى ما عرفت آنفا من المناقضات الاخر، قال في الذكرى: " وفي خبر عمار عن الصادق (عليه السلام) " وتبدأ بالقميص ثم بالخرقة فوق القميص ثم تشد المئزر ثم اللفافة ثم العمامة " وهو مخالف للمشهور من جعل الخرقة تحت المئزر والقميص فوقه، قال الاصحاب ونقل الشيخ فيه الاجماع " انتهى. واما عبارة كتاب الفقه فالذي تقدم منها لا دلالة فيه على ما نحن فيه إلا انه قال في موضع آخر ما لفظه: " وقبل ان يلبسه القميص يأخذ شيئا من القطن ويجعل عليه حنوطا يحشو به دبره، إلى ان قال: ويضم رجليه ويشد فخذيه إلى وركيه بالمئزر شدا جيدا لئلا يخرج منه شئ " وظاهر هذه العبارة هو انه يلبسه القميص بعد شد الخرقة، ولم يتعرض هنا لباقي اجزاء الكفن وان ذكرها في موضع آخر كما تقدم من ان اجزاء الكفن ثلاثة: لفافة وقميص وازار، إلا انها لا يستفاد منها في هذا المقام ازيد مما قلناه. والجميع - كما ترى - ظاهر المنافاة لما ذكره الاصحاب مما عرفت من عباراتهم المتقدمة حيث ان ظاهر الجميع البدأة بالقميص. ولم اقف على خبر يدل على ما ذكروه من هذه الكيفية ولا على كلام لاحد من الاصحاب في هذا الباب يدفع هذا الاشكال والارتياب. والله العالم.

(المسألة الثانية) - في التحنيط والكلام هنا في مقامين:

(الاول) - في بيان المواضع التي يوضع الكافور عليها، فالمشهور بين الاصحاب انه يوضع على المساجد السبعة وعن الشيخ في الخلاف دعوى اجماع الفرقة عليه. واصناف الشيخ المفيد طرف الانف الذي يرغم في السجود، واضاف الصدوق السمع والبصر والفم والمغابن، واحدها مغبن كمسجد وهي الآباط واصول الافخاذ. قال في الفقيه: " ويجعل الكافور على بصره


[ 22 ]

وانفه وفى مسامعه وفيه ويديه وركبتيه ومفاصله كلها وعلى اثر السجود منه فان بقي منه شئ جعل على صدره " ومال في المختلف إلى هذا القول. والاخبار في المسألة مختلفة، ومنها - ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن على المشهور عن الحلبي عن الصادق (علية السلام) (1) قال: " إذا اردت ان تحنط الميت فاعمد إلى الكافور فامسح به اثار السجود منه ومفاصله كلها ورأسه ولحيته وعلى صدره من الحنوط، وقال: حنوط الرجل والمرأة سواء، وقال: اكره ان يتبع بمجمرة " وما في رواية يونس المتقدمة (2) من قوله: " ثم اعمد إلى كافور مسحوق فضعه على جبهته موضع سجوده وامسح بالكافور على جميع مفاصله من قرنه إلى قدمه وفى رأسه وعنقه ومنكبه ومرافقه وفى كل مفصل من مفاصله من اليدين والرجلين وفى وسط راحتيه، إلى ان قال: ولا تجعل في منخريه ولا في بصره ولا مسامعه ولا على وجهه قطنا ولا كافورا " وفى موثقة سماعة (3) " وتجعل شيئا من الحنوط على مسامعه ومساجده وشيئا على ظهر الكفين " وفى موثقة عبد الرحمن بن ابي عبد الله (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الحنوط للميت ؟ فقال اجعله في مساجده " وفى رواية عثمان النوا المتقدمة (5) " ولا تمس مسامعه بكافور " وفى حسنة حمران ابن اعين المتقدمة (6) " قلت فالحنوط كيف اصنع به ؟ قال يوضع في منخره وفى موضع سجوده ومفاصله " وفى موثقة عمار المتقدمة (7) " واجعل الكافور في مسامعه واثر سجوده منه وفيه واقل من الكافور " وفى رواية الحسين بن المختار عن الصادق (عليه السلام) (8) قال: " يوضع الكافور من الميت على موضع المساجد وعلى اللبة وباطن


1) رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب التكفين 2) ص 7. 3) المروية في الوسائل في الباب 15 من ابواب التكفين 4) و 5) و 8) المروية في الوسائل في الباب 16 من ابواب التكفين 6) المروية في الوسائل في الباب 14 من ابواب التكفين 7) ص 9


[ 23 ]

القدمين وموضع الشراك من القدمين وعلى الركبتين والراحتين والجبهة واللبة " وفى صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد الله البصري عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " لا تجعل في مسامع الميت حنوطا " وفى صحيحة عبد الله بن سنان (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) كيف اصنع بالحنوط ؟ قال: تضع في فمه ومسامعه واثار السجود من وجهه ويديه وركبتيه " وفى رواية زرارة عن الباقر والصادق (عليهما السلام) (3) قال: " إذا جففت الميت عمدت إلى الكافور فمسحت به آثار السجود ومفاصله كلها واجعل في فيه ومسامعه ورأسه ولحيته من الحنوط وعلى صدره وفرجه، وقال: حنوط الرجل والمرأة سواء " وفى الفقه الرضوي (4) " فإذا فرغت من كفنه حنطته بوزن ثلاثة عشر درهما وثلث من الكافور، وتبدأ بجبهته وتمسح مفاصله كلها به وتلقي ما بقي منه على صدره وفى وسط راحتيه، ولا تجعل في فمه ولا منخره ولا في عينيه ولا في مسامعه ولا على وجهه قطنا ولا كافورا، فان لم تقدر على هذا المقدار فأربعة دراهم، فان لم تقدر فمثقال لا اقل من ذلك لمن وجده ". اقول: المشهور بين الاصحاب هو الجمع بين هذه الروايات فيما اختلفت فيه بحمل اخبار النهي على الكراهة، والشيخ جمع بينها بحمل " في " الدالة على الوضع في سمعه وبصره وفيه على معنى " على " كما في قوله تعالى: " ولاصلبنكم في جذوع النخل " (5) ومرجعه إلى حمل اخبار النهي على النهي من ادخاله فيها وحمل اخبار الجواز على جعله فوقها. والاظهر - كما صرح به جملة من متأخرى اصحابنا - هو حمل الروايات الدالة على استحبابه في هذه المواضع على التقية لشهرة الاستحباب عند العامة. بقي الكلام في بعض المواضع الزائد على المساجد السبعة مما لم يدل على النهي عنه دليل مثل مفاصله ووسط راحتيه ورأسه ولحيته وصدره وعنقه واللبة وهي النحر وموضع


1) و 2) و 3) المروية في الوسائل في الباب 16 من ابواب التكفين 4) ص 17. 5) سورة طه الآية 74


[ 24 ]

القلادة، والظاهر دخولها تحت الصدر في الرواية الاخرى، وباطن القدمين ونحوها مما اشتملت عليه الاخبار مما لا معارض له، والظاهر استحبابه لدلالة الاخبار عليه مع عدم المعارض. وهل يجب استيعاب كل المسجد بالمسح أو يكفي المسمى ؟ وجهان جزم باولهما الشهيد الاول في الذكرى وبالثاني الثاني في الروض.

(المقام الثاني) - في مقدار الكافور، قال في المعتبر: " اقل المستحب من الكافور للحنوط درهم وافضل منه اربعة دراهم واكمل منه ثلاثة عشر درهما وثلث، كذا ذكره الخمسة واتباعهم ثم لا اعلم للاصحاب فيه خلافا " وقال الصدوق في الفقيه (1) " والكافور السائغ للميت ووزن ثلاثة عشر درهما وثلث، والعلة في ذلك ان جبرئيل (عليه السلام) اتى النبي (صلي الله عليه وآله) باوقية كافور من الجنة - والاوقية اربعون درهما - فجعلها النبي ثلاثة اثلاث: ثلثا له وثلثا لعلي (عليه السلام) وثلثا لفاطمة، ومن لم يقدر على وزن ثلاثة عشر درهما وثلث كافورا حنط الميت باربعة مثاقيل، فان لم يقدر فمثقالا لااقل منه لمن وجده " واكثر الاصحاب - ومنهم الشهيد في كتبه - نقلوا عن الشيخين ان الاقل مثقال واوسطه اربعة دراهم، وفى الذكرى عن الجعفي ان اقله مثقال وثلث قال: ويخلط بتربة الحسين (عليه السلام) ونقل شيخنا المجلسي (رحمه الله) عن ابن الجنيد ان اقله مثقال واوسطه اربعة مثاقيل، وعن ابن البراج انه قدر الاكثر بثلاثة عشر درهما ونصف. والذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بذلك ما رواه في الكافي عن علي بن ابراهيم عن ابيه رفعه (2) قال: " السنة في الحنوط ثلاثة عشر درهما وثلث، وقال: ان جبرئيل نزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحنوط وكان وزنه اربعين درهما فقسمها


1) ج 1 ص 91. وفي الوسائل في الباب 3 من ابواب التكفين 2) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب التكفين


[ 25 ]

رسول الله ثلاثة اجزاء: جزء له وجزء لعلي وجزء لفاطمة (عليهما السلام) وعن ابن ابي نجران عن بعض اصحابه عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " اقل ما يجزئ من الكافور للميت مثقال " قال في الكافي بعد نقل هذا الخبر: وفي رواية الكاهلي وحسين بن المختار عن الصادق (عليه السلام) قال: " القصد من ذلك اربعة مثاقيل " والمراد بالقصد يعني الحد الوسط بين الاقل والاكثر، والاقتصاد في الامور سلوك سبيل الوسط. وروى الشيخ في الحسن عن عبد الله بن يحيى الكاهلي والحسين بن المختار عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " القصد من الكافور اربعة مثاقيل " وعن عبد الرحمان بن ابي نجران عن بعض رجاله عن الصادق (عليه السلام) (3) قال قال: " اقل ما يجزئ من الكافور للميت مثقال ونصف " وقد تقدم في عبارة كتاب الفقه التحنيط بوزن ثلاثة عشر درهما وثلث وان لم يقدر على هذا المقدار فأربعة دراهم وان لم يقدر فمثقال لااقل من ذلك لمن وجده. إلا انه قال في موضع آخر من الكتاب ايضا (4): " إذا فرغت من غسله حنطته بثلاثة عشر درهما وثلث درهم كافورا تجعل في المفاصل ولا تقرب السمع والبصر وتجعل في موضع سجوده وادنى ما يجزئ من الكافور مثقال ونصف ".

إذا عرفت ذلك فالكلام هنا يقع في مواضع:

(الاول) - ظاهر هذه الروايات ان هذه التقديرات قلة وكثرة ووسطا على جهة الوجوب وانه لا يصار إلى المرتبة الوسطى إلا مع تعذر العليا ولا إلى الاقل إلا مع تعذر الوسط. والمفهوم من كلام الاصحاب هو الحمل على الافضلية. والظاهر من كلام المحقق في المعتبر ان الحامل لهم على الخروج عن ظاهر هذه الروايات انما هو ضعف اسنادها، قال في الكتاب المذكور بعد ذكر رواية ابن ابي نجران المشتملة على المثقال ورواية الحسين بن المختار ومرفوعة علي بن ابراهيم: " وفى الروايات كلها ضعف لان سهلا ضعيف والحسين بن المختار واقفي ورواية علي بن ابراهيم مقطوعة فاذن الواجب الاقتصار على ما يحصل به الامتثال ويحمل ما ذكر على الفضيلة " وقد تبعه


1) و 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب التكفين 4) ص 20


[ 26 ]

من تأخر عنه في هذه المقالة، وهو مشكل سيما ورواية الحسين بن المختار مروية عنه وعن عبد الله بن يحيي الكاهلي الذي لا خلاف بينهم في عد حديثه في الحسن وان كان هو انما نسبها إلى الحسين بن المختار خاصة، ورد الاخبار مع ظهورها في الوجوب وعدم المعارض لها فيه بمجرد ضعف السند خال عندنا من الدليل والمستند المعتمد. وبالجملة فان المشهور عندهم الاكتفاء بالمسمى لما ذكر، والعمل بالاخبار سبيل النجاة كما لا يخفى.

(الثاني) - لا يخفى ان الحد الاوسط في هذه التقديرات اما اربعة مثاقيل كما وقع في عبارة ابن بابويه وعليه تدل حسنة الكاهلي والحسين بن المختار أو اربعة دراهم كما يدل عليه كتاب الفقه، وبه يندفع ما اورده بعض افاضل متأخرى المتأخرين على الشيخين واتباعهما من انه لم يعرف للتحديد بالاربعة دراهم دليل، نعم ما ذكره في المعتبر في الاقل من انه درهم لم اقف له على دليل، والذي في الاخبار انما هو مثقال كما في عبارة كتاب الفقه ومرسلة ابن ابي نجران الاولى، أو مثقال ونصف كما في مرسلته الثانية وعبارة كتاب الفقه الثانية، وبالمثقال في جانب الاقل عبر الصدوق كما تقدم، واما ما نقل عن الجعفي من المثقال وثلث فلم اقف على دليله، وقول ابن الجنيد في الاقل والوسط موافق لكلام الصدوق وقد عرفت مستنده، واما قول ابن البراج في تحديد الاكثر بثلاثة عشر درهما ونصف فخال ايضا من المستند.

(الثالث) نقل عن ابن ادريس انه فسر المثاقيل الواقعة في الروايات بالدراهم نظرا الى قول الاصحاب، وهو ضعيف، ولهذا نقل ان ابن طاووس طالبه بالمستند، وهو كذلك فان المتبادر من المثقال حيث يطلق في كلام الشارع انما هو المثقال الشرعي الذي هو عبارة عن الدينار وهو ثلاثة ارباع المثقال الصيرفي فالصيرفي مثقال وثلث من الشرعي.

(الرابع) - المشهور بين الاصحاب ان كافور الغسل خارج عن هذا المقدار الذي ورد للحنوط، وقيل انه داخل فيه واليه مال في الوافي، وظني بعده فان ظواهر


[ 27 ]

الاخبار المذكورة انما تساعد على القول المشهور، فان قوله (عليه السلام) (1): " السنة في الحنوط ثلاثة عشر درهما وثلث " يقتضي تخصيص هذا المقدار بالحنوط، وباقي الاخبار وان كانت مطلقة إلا أنه يجب حمل اطلاقها على هذا الخبر المقيد، واصرح منه قوله (عليه السلام) في عبارة كتاب الفقه الرضوي الثانية (2): " إذا فرغت من غسله حنطتة بثلاثة عشر درهما وثلث درهم كافورا " وترجيح هذا القول بالاحتياط ظاهر، والخلاف المذكور في المسألة لم يستند الى معين وانما نقلوا عن ابن ادريس انه حكى عن بعض الاصحاب المشاركة وقال ان الاظهر عنهم خلافه.

(الخامس) - ينبغي ان يعلم ان ثلاثة عشر درهما وثلثا الذي هو القدر الاعلى من الحنوط يكون بالمثاقيل الشرعية التي هي عبارة عن الدنانير الرائجة التي لم تتغير في جاهلية ولا اسلام تسعة مثاقيل وثلث وبالمثاقيل الصيرفية المعروفة بين الناس سبعة مثاقيل، لما تقدم تحقيقه من ان المثقال الشرعي درهم وثلاثة اسباع درهم والدرهم نصف المثقال الشرعي وخمسه، فيكون مقدار عشرة دراهم سبعة مثاقيل شرعية وبموجب ذلك تصير الثلاثة عشر درهما وثلث تسعة مثاقيل وثلثا باضافة الثلث من كل منهما إلى الاصل واما كونها بالمثاقيل الصيرفية سبعة فلما عرفت من ان المثقال الصيرفي مثقال وثلث من الشرعي والمثقال الشرعي ثلاثة ارباع الصيرفي ولا ريب ان سبعة اربعة اثلاث تسعة وثلث.

(السادس) - قد تعارضت الروايات في جانب الاقل من المثقال ومثقال ونصف وفى الوسط بين اربعة مثاقيل واربعة دراهم، والجمع بالحمل على التخيير في كل من الموضعين. (السابع) - قال في الوافي: " والحنوط يقال لكل طيب يحنط به الميت إلا ان السنة جرت ان يحنط بالكافور كما ورد عن اهل البيت (عليهم السلام) وهو طيب


1) المروي في الوسائل في الباب 3 من ابواب التكفين 2) ص 20


[ 28 ]

معروف يكون في اجواف شجر بجبال بحر الهند خشبه ابيض هش يظل خلقا كثيرا وهي انواع ولونها احمر وانما تبيض بالتصعيد، كذا في القاموس. وقال بعض فقهائنا: الكافور صمغ يقع من شجر فكلما كان جلالا وهو الكبار من قطعه لا حاجة له الى النار ويقال له الكافور الخام وما يقع من صغار ذلك الصمغ من الشجر في التراب يؤخذ بترابه ويطرح في قدر فيها ماء يغلى ويميز من التراب فذلك لا يجزئ في الحنوط. انتهى كلامه. وما قاله من عدم اجزاء المطبوخ غير واضح بل الظاهر من اطلاق الاخبار وكلام الاصحاب اجزاؤه. وما يقال ان مطبوخه يطبخ بلبن الخنزير ليشتد بياضه لم يثبت، وكذا ما قيل انه لبن دويبة كالسنور تسمى بالزباد " انتهى كلام المحدث المشار إليه.

(المسألة الثالثة) - قد عرفت مما تقدم اجزاء الكفن الواجبة واما المستحبة فمنها - ما ذكره جمع من المتأخرين من انه يستحب ان يزاد الرجل حبرة ومع تعذرها ثوب آخر يقوم مقامها في لف الكفن، والحبرة كعتبة برد يماني، وزاد بعضهم في وصفه عبرية بكسر العين نسبة الى بلد في اليمن أو جانب واد، وقال في المختلف: " ويستحب ان يزاد في اكفان الرجل حبرة بكسر الحاء وفتح الباء ولفافة غيرها وتزاد المرأة لفافة اخرى ونمطا، قاله الشيخ الطوسي، وقال المفيد يستحب ان تزاد المرأة في الكفن ثوبين وهما لفافتان أو لفافة ونمط، وقال سلار تزاد لفافتان، وقال ابن ادريس تزاد لفافة اخرى لشد ثدييها وروى نمط، والصحيح الاول وهو مذهب الشيخ في الاقتصاد، لان النمط هو الحبرة وقد زيدت على اكفانها لان الحبرة مشتقة من التزيين والتحسين، وكذلك النمط وهو الطريقة وحقيقتة الاكسية والفرش ذات الطرائق ومنه سوق الانماط، ثم استدل الشيخ في التهذيب على ما قاله المفيد بما رواه عن سهل بن زياد عن بعض اصحابنا رفعه (1) قال: " سألته كيف تكفن المرأة ؟ فقال كما يكفن الرجل غير انه يشد على ثدييها خرقة تضم الثدي إلى الصدر وتشد إلى ظهرها. " وعن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه


1) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب التكفين


[ 29 ]

السلام) (1) قال: " يكفن الرجل في ثلاثة اثواب والمرأة إذا كانت عظيمة في خمسة اثواب: درع وخمار ومنطق ولفافتين " وعن عبد الرحمن بن ابي عبد الله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " تكفن المرأة في خمسة اثواب احدها الخمار " وليس فيه دلالة على مطلوب الشيخ هنا. وقول ابن ادريس ان النمط هو الحبرة فيه نظر لان علي بن بابويه قال في اعداد الكفن للميت في رسالته: " ثم اقطع كفنه تبدأ بالنمط فتبسطه وتبسط عليه الحبرة وتنثر عليها شيئا من الذريرة وتبسط الازار على الحبرة وتنثر عليه شيئا من الذريرة وتبسط القميص على الازار " انتهى كلامه في المختلف. وقال الصدوق في الفقيه: " والكفن المفروض ثلاثة: قميص وازار ولفافة سوى العمامة والخرقة فلا يعدان من الكفن فمن احب ان يزيد ثوبين حتى يبلغ العدد خمسة اثواب فلا بأس " انتهى. وقد تقدم نقل عبارة الجعفي وابي الصلاح الدالتين على زيادة لفافتين ايضا. وبالجملة فالظاهر ان المشهور بين متقدمي الاصحاب استحباب لفافتين زائدتين على الاثواب الثلاثة المفروضة، والشيخ المفيد خصهما بكفن المرأة واما الرجل فلفافة واحدة كما قدمناه آنفا من عبارته، ولم نقف في الاخبار التي وصلت الينا على ما يدل على ما ذكروه من زيادة لفافتين على الكفن المشهور سوى عبارة كتاب الفقة. وجملة من متأخرى المتأخرين قد استدلوا لمن ذكر استحباب زيادة الرجل حبرة أو مع المرأة بالاخبار المشتملة على عد الحبرة من جملة اجزاء الكفن الواجب ثم ردوها بذلك، إذ غاية ما يفهم من الاخبار كون الحبرة احد الاثواب الثلاثة لا مستحبة زائدة عليها. اقول: قد روى الشيخان الكليني والطوسي بسنديهما عن يونس بن يعقوب عن ابي الحسن الاول (عليه السلام) (3) قال: " سمعته يقول: اني كفنت ابي في ثوبين شطويين كان يحرم فيهما وفي قميص من قمصه وعمامة كانت لعلي بن الحسين (عليهما السلام) وفى


1) و 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب التكفين


[ 30 ]

برد اشتريته باربعين دينارا لو كان اليوم لساوى اربعمائة دينار " وظاهر هذا الخبر - كما ترى - الدلالة على ما ذكره متأخر والاصحاب من زيادة الحبرة التي اشار إليها هنا بالبرد على الاثواب الثلاثة الواجبة. إلا ان ظاهر ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (1) - قال " كتب ابي في وصيته ان اكفنه في ثلاثة اثواب احدها رداء له حبرة كان يصلي فيه يوم الجمعة وثوب آخر وقميص، فقلت لابي ولم تكتب هذا ؟ فقال اخاف ان يغلبك الناس فان قالوا كفنه في اربعة أو خمسة فلا تفعل وعممني بعمامة وليس تعد العمامة من الكفن انما يعد ما يلف به الجسد " ونحو هذه الرواية نقل في الفقه الرضوي عن العالم والظاهر ان مراده الصادق (عليه السلام) كما اشرنا إليه آنفا، قال في الكتاب المذكور (2): " وقال العالم: وكتب ابي في وصيته ان اكفنه في ثلاثة اثواب احدها رداء له حبرة وكان يصلي فية يوم الجمعة وثوب آخر وقميص فقلت لابي لم تكتب هذا ؟ فقال ان اخاف ان يغلبك الناس يقولون كفنه باربعة اثواب أو خمسة فلا تقبل قولهم. وعصبته بعد بعمامة، وليس تعد العمامة من الكفن انما يعد ما يلف به الجسد، وشققنا له القبر شقا من اجل انه كان رجلا بدينا وامرني ان اجعل ارتفاع قبره اربع اصابع مفرجات " انتهى هو ان ما زاد على الثلاثة من الاثواب الشاملة للبدن انما خرج مخرج التقية فيجب حمل الخبر المذكور على ذلك (3) ويؤيده


1) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب التكفين 2) ص 20 3) في الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 470 " عند الشافعية الكفن للذكر والانثى ثلاثة اثواب يستر كل واحد منها جميع بدن الميت الا رأس المحرم ووجه المحرمة ونجوز الزيادة على ذلك ان لم يكن في الورثة قاصر أو محجور عليه وإلا حرمت الزيادة وعند الحنفية كفن السنة قميص وازار ولفافة ويزاد للمرأة خمار يستر وجهها وخرقة تربط ثديبها. وعند المالكية الافضل ان يكفن الرجل في خمسة اشياء: قميص له اكمام وازار وعمامة لها عذبة قدر وذراع تطرح على وجهه ولفافتان، وتكفن المرأة في سبعة: ازار وقميص وخمار واربعة لفائف. وعند الحنابلة الواجب ثوب يستر جميع البدن للذكر والانثى =


[ 31 ]

ما تقدم في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم أو حسنتهما (1) من قوله (عليه السلام) بعد ذكر الثلاثة المفروضة: " وما زاد فهو سنة الى ان يبلغ خمسة اثواب فما زاد فهو مبتدع والعمامة سنة " واما احتمال ان يراد ان ما زاد على الثلاثة المفروضة من اللفائف فهو سنة الى ان يبلغ خمسة وان المراد بالخمسة ما عدا العمامة وخرقة الفخذين فالظاهر بعده بل المراد بالخمسة انما هو الثلاثة المفروضة مع العمامة والخرقة ولذا اشتهر تسمية الخرقة بالخامسة، ومقتضى كلام الصدوق وهو قوله: " ومن احب ان يزيد ثوبين حتى يبلغ العدد خمسة اثواب فلا بأس " امكان حمل الخبر المذكور عليه، ونحوه عبارة الجعفي المتقدمة ايضا وعبارة ابن البراج في الكامل حيث قال: " تسن لفافتان زيادة على الثلاثة المفروضة احداهما حبرة يمنية فان كان الميت امرأة كانت احدى اللفافتين نمطا فهذه الخمس هي الكفن ولا يجوز الزيادة عليها، ويتبع ذلك وان لم يكن من الكفن خرقة وعمامة وللمرأة خرقة الثديين " ونحوه قال في التهذيب، ويشير الى ذلك ما تقدم في عبارة كتاب الفقه من قوله (عليه السلام) (2): " ويكفن بثلاث قطع وخمس وسبع " فان الظاهر ان السبع انما هو باضافة اللفافتين إلى الخمسة الحاصلة من الواجب والمستحب، وبالجملة فان اطلاق لفظ الخمس على غير العمامة وخرقة الفخذين شائع في كلام كثير منهم. ولا يخفى انه مع الحمل على ما دلت عليه هذه العبارات يكون معارضا بما تقدم من صحيحة الحلبي ورواية كتاب الفقة الرضوي الدالتين على وصية الباقر (عليه السلام) بعدم الزيادة على الثلاثة المفروضة من تلك الاثواب، وان مذهب العامة يومئذ زيادتها الى ان تكون اربعة أو خمسة. وبالجملة فانه بالنظر إلى اشتهار هذا الحكم بين المتقدمين كما عرفت ربما امكن حمل الخبر المذكور عليه، فانه من البعيد كل البعد انهم يذهبون الى ذلك من غير


= والمسنون للرجل ثلاث لفائف ويكره الزيادة عليها كما تكره العمامة، والانثى والخنثى يكفنان في خمسة اثواب بيض: ازار وخمار وقميص ولفافتان " 1) المروية في الوسائل في الباب 2 من ابواب التكفين 2) ص 20


[ 32 ]

دليل يصل إليهم ولا سيما مثل الشيخ الصدوق الذى هو من ارباب النصوص وابوه من بينهم بالخصوص. والمسألة لا تخلو من شوب الاشكال. ثم انه على تقدير الخمس المذكورة قد اختلفت عبائرهم في اشتراك المرأة والرجل فيها كما يظهر من اطلاق جملة من عبائرهم أو اختصاص المرأة بها دون الرجل أو زيادة المرأة عليها. ومنها - النمط للمرأة صرح به جمع من الاصحاب، قالوا. وتزاد المرأة نمطا وهو لغة ضرب من البسط أو ثوب فيه خطط مأخوذ من الانماط وهى الطريق، وفسره ابن ادريس بالحبرة لدلالة الاسمين على الزينة، وقد تقدم في كلام المختلف رده، والمشهور مغايرة النمط للحبرة، واستدلوا على استحبابه للمرأة بقول الباقر (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم (1) " يكفن الرجل في ثلاثة اثواب والمرأة إذا كانت عظيمة في خمسة: درع ومنطق وخمار ولفافتين " قال في المدارك. " وليس فيها دلالة على المطلوب بوجه فان المراد بالدرع القميص والمنطق بكسر الميم ما يشد به الوسط ولعل المراد به هنا ما يشد به الثديان والخمار القناع لانه يخمر به الرأس، وليس فيها ذكر للنمط بل ولا دلالة على استحباب زيادة المرأة لفافة عن كفن الرجل، لما بيناه فيما سبق من ان مفاد الاخبار اعتبار الدرع واللفافتين أو الثلاث في مطلق الكفن " انتهى. اقول. اما ما ذكره من عدم دلالة الرواية على ما ادعوه ففيه ان مبنى الاستدلال بالرواية انما هو على ان الكفن الواجب قميص وازار ولفافة كما هو المشهور بين المتقدمين والمتأخرين ولا مخالف فية إلا هو ومن تبعه، وقد عبر في الرواية عن القميص بالدرع وعن الازار بالمنطق كما اوضحناه فيما تقدم، وبه صرح شيخنا الشهيد في الذكرى والشيخ البهائي في الحبل المتين فانهما فسرا المنطق في الرواية بعد ذكرهما معناه لغة وعدم مناسبة المعنى اللغوي للمقام بالازار، وهو الحق، واحدى اللفافتين هي احد اجزاء الكفن الواجب واللفافة الاخرى هي


1) المروية في الوسائل في الباب 2 من ابواب التكفين


[ 33 ]

احد اجزاء الكفن الواجب واللفافة الاخرى هي النمط وان لم يعبر عنها بالنمط أو انها لفافة اخرى عوض النمط، فانهم صرحوا بالنسبة الى الحبرة المستحبة في الكفن بانه لو لم يجدها جعل عوضها لفافة فكذا النمط، وبه يتم الاستدلال بالرواية المذكورة. واما ما ذكره من حمل المنطق على خرقة الثديين فبعيد غاية البعد كما لا يخفى، قال في الحبل المتين. " والمنطق كمنبر شقة تلبسها المرأة وتشد وسطها ثم ترسل الاعلى على الاسفل الى الركبة والاسفل ينجر على الارض، قاله صاحب القاموس. ولعل المراد به هنا المئزر كما قاله شيخنا في الذكرى. وقال بعض الاصحاب لعل المراد ما يشد به الثديان. وهو كما ترى " انتهى كلام شيخنا المذكور. ولا يخفى ان هذا البعض الذي اشار إليه هو صاحب المدارك كما نقلناه عنه، والظاهر ان السيد السند لا يخفى عليه بعد هذا المعنى ولكنه انما ارتكبه فرارا عما انكره من وجود الازار والمئزر في الاخبار مع انا قد بينا وجوده في غير هذا الخبر ايضا كما قدمنا بيانه. بقي الكلام في ان كلام الاصحاب مضطرب في اختصاص زيادة هذا الثوب بالمرأة أو مشاركة الرجل لها. واما وجود هذا الثوب للمرأة بلفظ النمط فلم يصل الينا في الاخبار وان ذكره شيخنا المفيد ونحوه كما قدمنا ذكره، إلا انك قد عرفت من صحيحة الحلبي أو حسنته ومن رواية كتاب الفقه ان ما زاد على الثلاثة المفروضة فهو من سنن العامة وبموجبه يجب حمل كل ما تضمن الزيادة على التقية. وبالجملة فالاحتياط في ترك الزيادة على الثلاثة المفروضة من الاثواب التي يلف فيها البدن. والله العالم. ومنها - الخرقة التي يشد بها الفخذان وتسمى عند الاصحاب بالخامسة كما ذكره في الذكرى، وهي للرجال والنساء كما يفهم من الاخبار وما ذكر فيها من التعليل بعدم خروج شئ منه مع التصريح في بعضها بالقبل، واستحبابها ثابت بالروايات المستفيضة كما في رواية عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (1) قال " الميت يكفن في ثلاثة


1) المروية في الوسائل في الباب 2 من ابواب التكفين


[ 34 ]

اثواب سوى العمامة والخرقة يشد بها وركيه كيلا يبدو منه شئ " وقد تقدم في رواية عمار (1) وقال " تحتاج المرأة من القطن لقبلها قدر نصف من، وقال: التكفين ان تبدأ بالقميص ثم بالخرقة فوق القميص على الييه وفخذيه وعورته وتجعل طول الخرقة ثلاثة اذرع ونصفا وعرضها شبرا ونصفا ثم يشد الازار. الحديث " وفى رواية يونس المتقدمة (2) في كيفية الغسل " وخذ خرقة طويلة عرضها شبر فشدها من حقويه وضم فخذيه ضما شديدا ولفها في فخذيه ثم اخرج رأسها من تحت رجليه الى الجانب الايمن واغرزها في الموضع الذي لففت فيه الخرقة وتكون الخرقة طويلة تلف فخذيه من حقويه الى ركبتيه لفا شديدا " وفى رواية الكاهلي المتقدمة (3) نحوه، ولا منافاة في تقدير العرض بين روايتي عمار ويونس، إذ الظاهر ان المراد انما هو التقريب في ذلك لا ان يكون حدا شرعيا. قال في المدارك بعد ذكر جملة من هذه الاخبار: " وهذه الروايات وان كانت ما بين ضعيف ومرسل إلا انها مؤيدة بعمل الاصحاب فلا تقصر عن اثبات حكم مستحب " اقول: لا يخفى ما فيه من الوهن والمجازفة وذلك فان الاستحباب حكم شرعي والقول به بغير دليل واضح قول على الله بغير علم كما في الوجوب ولا فرق بينهما في وجوب الدليل، وحينئذ فان صلح العمل بالخبر الضعيف المؤيد بعمل الاصحاب فيجب ان يقف عليه في جميع الابواب مع ان كلامه في ذلك مضطرب غاية الاضطراب، على انا نقول ايضا انه لا وجه للعمل بالخبر الضعيف المؤيد بعمل الاصحاب كما يكررونه ويتسترون به عن الزامهم بالخروج عن اصطلاحهم المشار إليه. فانه ان كان الخبر الضعيف دليلا شرعيا وجب العمل عليه مطلقا وإلا وجب رميه والغاؤه مطلقا، فيرجع العمل فيما ذكروه الى متابعة الاصحاب من غير دليل في المقام إذ المفروض رمي الضعيف من البين وعدم الاعتداد به بالكلية، ولا اراه يلتزمه ولا يقول به. ثم قال (قدس سره): " وقد يظهر من مجموعها ان صورة وضع هذه الخرقة ان تربط احد طرفيها في وسط الميت اما بان يشق رأسها أو يجعل فيها خيط ونحوه ثم تدخل الخرقة من بين فخذيه وتضم بها


1) ص 9. 2) ج 3 ص 3 439) ج 3 ص 438


[ 35 ]

عورته ضما شديدا وتخرجها من تحت الشداد الذي على وسطه ثم تلف حقويه وفخذيه بما بقي لفا شديدا فإذا انتهت ادخل طرفها تحت الجزء الذي انتهت عنده منها " انتهى. وهو جيد. ومنها - العمامة للرجل وتحنيكه بها. والحكمان مجمع عليهما والاخبار بهما كثيرة قد تقدم بعضها وانما يبقي الكلام في كيفية ذلك، ففي رواية معاوية بن وهب المتقدمة (1) " وعمامة يعمم بها ويلقى فضلها علي صدره " وفى رواية يونس عنهم (عليهم السلام) (2) " ثم يعمم يؤخذ وسط العمامة فيثنى على رأسه بالتدوير ثم يلقى فضل الشق الايمن على الايسر والايسر على الايمن ثم يمد على صدره " وفى رواية عثمان النوا عن الصادق (عليه السلام) (3) وإذا عممته فلا تعممه عمة الاعرابي. قلت كيف اصنع ؟ قال خذ العمامة من وسطها وانشرها على رأسه ثم ردها إلى خلفه واطرح طرفيها على صدره " وفى بعض النسخ " على ظهره " وفى حسنة حمران بن اعين (4) " ثم خذوا عمامة وانشروها مثنية على رأسه واطرح طرفيها من خلفه وابرز جبهته " وفي صحيحة ابن ابي عمير أو حسنته عن بعض اصحابنا عن الصادق (عليه السلام) (5) " في العمامة للميت قال حنكه " وفى صحيحة عبد الله بن سنان (6) " وعمامة تعصب بها رأسه وترد فضلها على رجليه " هكذا في التهذيب والظاهر انه تحريف وفي الكافي " (7) ويرد فضلها على وجهه " وفى موثقة عمار (8) " وليكن طرف العمامة متدليا على جانبه الايسر قدر شبر ترمى بها على وجهه " وفى الفقه الرضوي (9)


1) ص 2 5) ص 7 3) المروية في الوسائل في الباب 16 من ابواب التكفين 4) و 5) المروية في الوسائل في الباب 14 من ابواب التكفين 6) المروية في الوسائل في الباب 2 من ابواب التكفين 7) الموجود في الكافي ج 1 ص 41 " على رجليه " ورواه في الوسائل عنه كذلك وقال " اقول: هذا تصحيف والصحيح يرد فضلها على وجهه " 8) ص 9. 9) ص 17


[ 36 ]

" ثم تعممه وتحنكه فتثني على رأسه بالتدوير وتلقي فضل الشق الايمن على الايسر والايسر على الايمن ثم تمد على صدره ثم تلفه باللفافة، واياك ان تعممه عمة الاعرابي وتلقي طرفي العمامة على صدره " وهذه الرواية عين ما في رواية يونس وهي الصورة المشهورة في كلام الاصحاب. واما عمة الاعرابي المنهي عنها فالظاهر انها غير مشتملة على التحنيك وانما هي ان يلف وسط العمامة على رأسه ويلقى طرفه الايمن على جانب الصدر الايمن والايسر على الايسر من غير ان يمد كل منهما إلى الجهة الثانية كما في الخبرين المذكورين، قال في المبسوط: " عمة الاعرابي بغير حنك " ويمكن حمل رواية معاوية بن وهب على مادلت عليه الروايتان المذكورتان. ولا تقدير لطول العمامة شرعا فيعتبر فيها ما يؤدي هذه الهيئة وفى العرض ما يطلق معه عليها اسم العمامة كما صرح به الاصحاب. ومنها الخمار للمرأة عوض العمامة للرجل، ذكره الاصحاب، ويدل عليه صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (1) وقوله (عليه السلام) فيها: " وتكفن المرأة إذا كانت عظيمة في خمسة: درع ومنطق وخمار. الخبر " وسمي به لانه يخمر الرأس اي يستره. ومنها خرقة الثديين ويدل عليها ما رواه في الكافي عن سهل بن زياد عن بعض اصحابه رفعه (2) قال: " سألته كيف تكفن المرأة ؟ فقال كما يكفن الرجل غير انها تشد على ثدييها خرقة تضم الثدي الى الصدر وتشد إلى ظهرها ويوضع لها القطن اكثر مما يوضع للرجال ويحشى القبل والدبر بالقطن والحنوط ثم تشد عليها الخرقة شدا شديدا ".

(المسألة الرابعة) من المستحبات في هذا المقام زيادة على ما تقدم انه بعد الفراغ من غسله ينشفه بثوب طاهر وكأنه صونا للكفن عن البلل، ففي خبر يونس المتقدم (3) " ثم نشفه بثوب طاهر " وفي خبر عمار (4) " ثم تجففه بثوب نظيف " وفى


1) ص 2 7) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب التكفين 3) ج 3 ص 4 439) ج 3 ص 440


[ 37 ]

خبر الحلبي (1) " إذا فرغت من غسله جعلته في ثوب ثم نظيف جففته " وفى كتاب الفقه (2) فإذا فرغت من الغسلة الثالثة فاغسل يديك من المرفقين الى اطراف اصابعك والق عليه ثوبا تنشف به عنه الماء ". ومنها - ما ذكره الاصحاب من انه يستحب اغتسال الغاسل قبل تكفينه أو الوضوء، وممن ذكر ذلك الصدوق في الفقيه فقال بعد ذكر الغسل والتنشيف: " ثم يغتسل الغاسل يبدأ بالوضوء ثم يغتسل ثم يضع الميت في اكفانه " واعترضهم جملة من متأخرى المتأخرين بعدم المستند في هذا الحكم بل ربما كان الظاهر من الروايات خلافه، وهو كذلك فان في صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (3) قال: قلت له: الذي يغمض الميت، إلى ان قال: فالذي يغسله يغتسل ؟ قال: نعم. قلت فيغسله ثم يلبسه اكفانه قبل ان يغتسل ؟ قال يغسله ثم يغسل يديه من العاتق ثم يلبسه اكفانه ثم يغتسل " وفي صحيحة يعقوب بن يقطين المتقدمة " (4) ثم يغسل الذي غسله يده قبل ان يكفنه الى المنكبين ثلاث مرات ثم إذا كفنه اغتسل " وفى حديث عمار عن الصادق (عليه السلام) (5) " ثم تغسل يديك إلى المرافق ورجليك إلى الركبتين ثم تكفنه " وقد تقدم في عبارة كتاب الفقه نحو ذلك ايضا وهي كالصريحة في استحباب تقديم التكفين على الغسل وانما المأمور به غسل اليدين من العاتق كما اشتمل عليه بعضها أو من المرفق كما اشتمل عليه الاخر، والاحوط الاول، وكذلك الاحوط ان يكون ثلاثا كما دل عليه صحيح يعقوب، وظاهر شيخنا في الذكرى حمل هذه الاخبار على خوف تضرر الميت بالتأخير، قال (قدس سره) بعد ذكر كيفية التكفين: " وليكن ذلك بعد غسل الغاسل من المس أو بعد وضوئه الذي يجامع الغسل، فان خيف على الميت فليغسل الغاسل يديه إلى المنكبين كما رواه


1) ج 3 ص 2 438) ص 17 3) و 4) المروية في الوسائل في الباب 35 من ابواب التكفين 5) ص 9


[ 38 ]

يعقوب بن يقطين عن العبد الصالح (عليه السلام)، ثم ذكر خبر محمد بن مسلم وقال بعده. ويمكن حمله على الضرورة " وليت شعرى اي معارض لهذه الاخبار في المقام يوجب تأويلها بما ذكره ؟ مع انهم لم ينقلوا مستندا لما ذكروه وانما علله العلامة في التذكرة بان الغسل من المس واجب فاستحب الفورية به. ولا يخفى ما فيه. ومنها وضع جريدتين خضراوين، وهذا الحكم مجمع عليه بين الاصحاب، والجريدة هي العود الذي يجرد عنه الخوص وما دام الخوص فيه فانه يسمى سعفا، قال شيخنا المفيد في المقنعة (1): " والاصل في وضع الجريدة مع الميت ان الله تعالى لما اهبط آدم من الجنة الى الارض استوحش في الارض فسأل الله تعالى ان ينزل الله شيئا من اشجار الجنة يأنس به فانزلت عليه النخلة فلما رآها عرفها وانس بها واوى إليها. فلما جمع الله بينه وبين زوجته حواء واقام معها ما شاء الله تعالى ان يقيم واولدها ثم حضرته الوفاة جمع ولده وقال: يا بني اني كنت قد استوحشت عند نزولي هذه الارض فآنسني الله تعالى بهذه النخلة المباركة وانا ارجو الانس بها في قبري فإذا قضيت نحبي فخذوا منها جريدة فشقوها باثنين وضعوها معي في اكفاني، ففعل ذلك ولده بعد موته وفعلته الانبياء بعده ثم اندرس اثره في الجاهلية فاحياه النبي (صلى الله عليه وآله) وشرعه ووصى اهل بيته باستعماله فهو سنة إلى ان تقوم الساعة " انتهى. وقال في التهذيب (2): " سمعت ذلك مرسلا من الشيوخ ومذاكرة ولم يحضرني الان اسناده وجملته ان آدم (عليه السلام) لما اهبطه الله تعالى من الجنة، وساق الكلام المذكور ثم قال: وقد روي ان الله عزوجل خلق النخلة من فضلة الطينة التي خلق منها آدم (عليه السلام) فلاجل ذلك تسمى النخلة عمة الانسان " انتهى. اقول: والاخبار بفضل الجريدتين في هذا المقام مستفيضة من طرق الخاصة


1) رواه في الوسائل في الباب 7 من ابواب التكفين 2) ج 1 ص 93


[ 39 ]

والعامة، قال الشيخ في التهذيب: " وقد روي من طريق العامة في اصل التخضير شئ كثير " (1) إلا ان العامة لمزيد تعصبهم على الشيعة والسعي في خلافهم قد عدلوا عن كثير من السنن مراغمة للشيعة حيث انهم يواظبون عليها ويؤكدون العمل بها، ومنها هذا الموضع كما سيظهر لك من الاخبار، ومنها تسطيح القبور عدلوا عنه إلى التسنيم مع اعترافهم بان السنة انما هو التسطيح وانما صاروا إلى التسنيم مراغمة للشيعة، ومنها التختم باليمين، ومنها ترك الصلاة على الائمة المعصومين، ونحو ذلك مما اوضحنا الكلام فيه في كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن ابي الحديد. ومن الاخبار الواردة في فضلهما وفيما يتعلق بهما في هذا المقام ما رواه في الفقيه في الصحيح عن زرارة (2) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) أرأيت الميت إذا مات لم تجعل معه الجريدة ؟ فقال يتجافى عنه العذاب والحساب مادام العود رطبا، انما العذاب والحساب كله في يوم واحد في ساعة واحدة قدر ما يدخل القبر ويرجع القوم، وانما جعلت السعفتان لذلك فلا يصيبه عذاب ولا حساب بعد جفوفها ان شاء الله تعالى " ورواه الشيخ باسناده عن محمد بن يعقوب مثله. وباسناده عن الحسن بن زياد (3) " انه سأل الصادق (عليه السلام) عن الجريدة التي تكون مع الميت فقال تنفع المؤمن


1) في صحيح البخاري باب الجريدتين على القبر وصحيح مسلم باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه وسنن ابى داود باب الاستبراء من البول وسنن النسائي باب التنزه عن البول وسنن البيهقى باب التوقى عن البول " عن الاعمش سمعت مجاهدا يحدث عن طاووس عن ابن عباس مر النبي " ص " على قبرين فقال انهما يعذبان وما يعذبان في كبير اما احدهما فكان يمشى بالنميمة واما الآخر فكان لا يستنزه عن البول فدعا بعسيب رطب فشقه نصفين ثم غرس على هذا واحدا وعلى هذا واحدا وقال لعله ان يخفف عنهما العذاب ما لم ييبسا " ونحوه في مجمع الزوائد ج 3 ص 56 عن امامة وعن ابن عمر وعن ابى هريرة. وفى عمدة القارئ ج 4 ص 203 " رواية الاكثرين اوصى بريدة الاسلمي بوضع الجريدة في قبره ورواية المستملى على قبره " 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 7 من ابواب التكفين


[ 40 ]

والكافر " وعن يحيى بن عبادة المكي (1) انه قال: " سمعت سفيان الثوري يسأل ابا جعفر (عليه السلام) عن التخضير فقال ان رجلا من الانصار هلك فاوذن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بموته فقال لمن يليه من قرابته خضروا صاحبكم فما اقل المخضرين يوم القيامة. قال وما التخضير ؟ قال جريدة خضراء توضع من اصل اليدين إلى اصل الترقوة " قال: " وسئل الصادق (عليه السلام) عن علة الجريدة فقال يتجافى عنه العذاب ما دامت رطبة (2) " قال في الوافي: " انما كان المخضرون قلائل يوم القيامة لان المخالفين للشيعة لا يخضرون موتاهم وهم الاكثرون مع انهم رووا في فضله اخبارا كثيرة كما قاله في التهذيب " وروى في الكافي عن رجل عن يحيى بن عبادة عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " تؤخذ جريدة رطبة قدر ذراع وتوضع واشار بيده من عند ترقوته إلى يده تلف مع ثيابه " وروى الصدوق في معاني الاخبار هذا الخبر في الصحيح بزيادة في اوله عن يحيى بن عبادة عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " سمعته يقول ان رجلا مات من الانصار فشهده رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال خضروه فما اقل المخضرين يوم القيامة. فقلت لابي عبد الله (عليه السلام) واي شئ التخضير ؟ قال تؤخذ جريدة رطبة قدر ذراع فتوضع واشار بيده إلى عند ترقوته تلف مع ثيابه " قال الصدوق بعد ايراده الخبر: " جاء هذا الخبر هكذا والذي يجب استعماله ان يوضع للميت جريدتان من النخل خضراوان رطبتان طول كل واحدة قدر عظم الذراع تجعل احداهما من عند الترقوة تلصق بجلده وعليه القميص والاخرى عند وركه ما بين القميص والازار فان لم يقدر على جريدة من النخل فلا بأس ان يكون من غيره من بعدان يكون رطبا " انتهى. وروى في الكافي في الصحيح إلى الحسن بن زياد الصيقل عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " توضع للميت جريدتان واحدة في اليمين


1) و 3) رواه في الوسائل في الباب 10 من ابواب التكفين 2) و 4) و 5) رواه في الوسائل في الباب 7 من ابواب التكفين


[ 41 ]

والاخرى في الايسر، قال وقال: الجريدة تنفع المؤمن والكافر " إلى غير ذلك من الاخبار الاتية ان شاء الله تعالى في المقام. ومما يدل على اشتراط كونهما خضراوين زيادة على ما تقدم فلا تجزئ اليابسة ما رواه في التهذيب عن محمد بن علي بن عيسى (1) قال: " سألت ابا الحسن الاول عن السعفة اليابسة إذا قطعها بيده هل يجوز للميت توضع معه في حفرته ؟ فقال لا يجوز اليابس ".

وتمام البحث هنا يقع في مواضع:

(الاول) الظاهر انه لا خلاف في استحباب كون الجريدتين من النخل، انما الخلاف في بدلهما لو تعذرتا، فقيل كل شجر رطب ونقل عن ابن بابويه والجعفى والشيخ في الخلاف وابن ادريس واستجوده في الذكرى، وقيل من الخلاف وإلا فمن السدر وإلا فمن شجر رطب ونسب إلى الشيخ المفيد وسلار، وقيل بتقديم السدر على الخلاف ذكره المحقق في الشرائع وهو مذهب الشيخ في النهاية والمبسوط وقال في المدارك وهو المشهور، وزاد الشهيد في الدروس والبيان الرمان بعد الخلاف، وقيل الشجر الرطب. والذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بذلك ما رواه في الكافي عن العدة عن سهل عن غير واحد من اصحابنا (2) قالوا: قلنا له جعلنا فداك ان لم نقدر على الجريدة ؟ فقال عود السدر. قيل فان لم نقدر على السدر ؟ فقال عود الخلاف " وظاهر هذه الرواية الدلالة على القول الثالث الذي هو المشهور وروى في الفقيه (3) قال: " كتب علي بن بلال إلى ابي الحسن الثالث (عليه السلام): الرجل يموت في بلاد ليس فيها نخل فهل يجوز مكان الجريدة شئ من الشجر غير النخل ؟ فانه قد روي عن آبائكم (عليهم السلام) انه يتجافى عنه العذاب مادامت الجريدتان رطبتين وانهما تنفع المؤمن والكافر. فأجاب (عليه السلام) يجوز من شجر آخر رطب " وهذه الرواية ظاهرة في الدلالة على القول


1) رواه في الوسائل في الباب 9 من ابواب التكفين 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب التكفين


[ 42 ]

الاول، ونحوها روى في الكافي عن علي بن بلال (1): " انه كتب إليه يسأله عن الجريدة إذا لم نجد نجعل بدلها غيرها في موضع لا يمكن النخل ؟ فكتب: يجوز إذا اعوزت الجريدة والجريدة افضل وبه جاءت الرواية " اقول: ومراده (عليه السلام) بالرواية يعني عن الرسول (صلي الله عليه وآله) قال في الكافي بعد هذه الرواية: وروى علي بن ابراهيم في رواية اخرى قال: " يجعل بدلها عود الرمان " (2) وظاهر هذا الخبر الاخير انه مع فقدها من النخل تبدل بشجر الرمان من غير ترتيب. والظاهر ان ما ذهب إليه الشهيد في الدروس والبيان ناشئ من الجمع بين هذه الروايات بتقديم الخلاف على الرمان وتقييد اطلاق روايتي علي بن بلال برواية الرمان فيكون الرمان مقدما على الشجر الرطب، وفى كتاب الفقه الرضوي (3) " فان لم تقدر على جريدة من النخل فلا بأس بان يكون من غيره بعد ان يكون رطبا " وهي في معنى رواية علي بن بلال. والجمع بين الاخبار المذكورة بالتخيير جيد.

(الثاني) اختلف الاصحاب في مقدار الجريدة، فالمشهور - وهو مذهب الشيخين ومن تبعهما وعلي بن بابويه - انه قدر عظم الذراع، وقال الصدوق في الفقيه: " طول كل واحدة قدر عظم الذراع وان كانت قدر ذراع فلا بأس أو شبر فلا بأس " وقال ابن ابي عقيل: " مقدار كل واحدة اربع اصابع إلى ما فوقها ". ومنشأ اختلاف هذه الاقوال اختلاف الرواية بذلك، ففي روايتي يحيى بن عبادة المتقدمتين (4) انها قدر ذراع، وفي الكافي في الصحيح أو الحسن عن جميل بن دراج (5) قال قال: " ان الجريدة قدر شبر توضع واحدة من عند الترقوة إلى ما بلغت مما يلي الجلد والاخرى في الايسر من عند الترقوة إلى ما بلغت من فوق القميص " وقد تقدم


1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب التكفين 3) ص 17 4) ص 40 5) رواه في الوسائل في الباب 10 من ابواب التكفين


[ 43 ]

في رواية يونس (1) الواردة في كيفية التكفين انها قدر ذراع، وفى الفقه الرضوي (2) " وروي ان الجريدتين كل واحدة بقدر عظم الذراع " اقول: ان هذه الرواية هي مستند المشهور فانا لم نقف في الاخبار المشهورة بين الاصحاب على ما يدل على هذا القول مع شهرته، والظاهر ان الجماعة تبعوا فيه علي بن الحسين بن بابويه حيث انه ذكر ذلك في رسالته كما نقلوه عنه، وقد عرفت وستعرف ان عباراته وجل رسائله مأخوذة من هذا الكتاب، والصدوق في الفقيه جمع بين الروايات الثلاث بالتخبير كما قدمنا في عبارته، والعجب ان المتأخرين تلقوا هذا القول بالقبول مع عدم اتيانهم عليه بدليل حتى قال الشهيد في الذكرى وتبعه من تأخر عنه فيه: " والمشهور قدر عظم الذراع وفى خبر يونس قدر ذراع وروى الصدوق قدر الذراع أو الشبر وفي خبر جميل بن دراج قدر شبر وابن ابي عقيل قدر اربع اصابع فما فوقها، والكل جائز لثبوت الشرعية مع عدم القاطع على قدر معين " وفيه انه لا ريب وان كان الشرعية حاصلة بوضع الجريدة باي قدر كان لان الغرض تعلق بدفعها العذاب عنه مادامت خضراء إلا ان السنة المطهرة قد حددتها بحد وان اختلفت الرواية في ذلك الحد، ومقتضي ما تلوناه من اخبار المسألة ان ذلك دائر بين الشبر والذراع، والواجب - كما هو قضية الاختلاف بين الاخبار - اما الترجيح بين الخبرين أو التخيير جمعا، ومن ذلك يظهر سقوط القول بعظم الذراع والقول باربع اصابع. وقوله: " مع عدم القاطع على قدر معين " لا معنى له بعد وصول الخبرين المذكورين فان الحد المعين دائر بين هذين الحدين المذكورين. ومقتضى قواعدهم واصطلاحهم في الاخبار هو ترجيح رواية جميل لانها حسنة عندهم وحسنها انما هو بابراهيم بن هاشم الذي لا يقصر حديثه عندهم عن الصحيح بل عده في الصحيح جمع منهم والاخبار الباقية ضعيفة باصطلاحهم. هذا ان عملوا بمقتضى هذا الاصطلاح وإلا فالواجب الجمع بالتخيير بين الروايتين وبه يظهر سقوط القولين الاخرين فقوله: " والكل


1) ص 7 2) ص 17


[ 44 ]

جائز الا وجه له كما عرفت، ولو تم هذا الكلام في هذا المقام لانجر إلى غيره من الاحكام وهم لا يقولون بذلك بل يدورون مدار الادلة والاخبار ولا سيما متأخرى المتأخرين. وبالجملة فكلامهم هنا لا يخلو من مسامحة وكيف كان فيما اوضحناه من رواية عظم الذراع فالوجه هو التخيير بين الروايات الثلاث كما صرح به في الفقيه ورد القول بالاربع اصابع لعدم الوقوف على مستنده، وتعليل شيخنا المشار إليه في قبوله عليل كما عرفت.

(الثالث) اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في محلهما فالمشهور انه يجعل احداهما من الجانب الايمن من ترقوتة يلصقها بجلده والاخرى من الجانب الايسر كذلك بين القميص والازار، ذهب إليه الصدوق في المقنع والشيخان وجمهور المتأخرين وذهب علي بن بابويه والصدوق في غير المقنع إلى جعل اليمنى مع ترقوته يلصقها بجلده ويمد عليه قميصه واليسرى عند وركه بين القميص والازار، وعن الجعفي ان احداهما تحت الابط الايمن والاخرى نصف مما يلي الساق ونصف مما يلي الفخذ، وعن ابن ابى عقيل انها واحدة تحت ابطه الايمن. والروايات في ذلك لا تخلو من الاختلاف، ففي صحيحة جميل أو حسنته المتقدمة قريبا (1) ما يدل على القول المشهور، وفى رواية يونس المتقدمة (2) " تجعل له واحدة بين ركبتيه نصفا مما يلي الساق ونصفا مما يلي الفخذ وتجعل الاخرى تحت ابطه الايمن " وهذه الرواية دالة على ما ذهب إليه الجعفي، وفى روايتي يحيى بن عبادة المتقدمتين (3) قريبا " تؤخذ جريدة رطبة قدر ذراع - واشار بيده من عند ترقوته - تلف مع ثيابه " وظاهرهما ان الموضوع جريدة واحدة، وقد تقدم كلام الصدوق في معاني الاخبار (4) الدال على انكار ذلك، ونحو هاتين الروايتين رواية يحيى بن عبادة المكي المتقدمة ايضا (5) وفيها " جريدة خضراء توضع من اصل اليدين إلى اصل الترقوة " وفى رواية الحسن بن زياد الصيقل المتقدمة ايضا (6) " واحدة في اليمين والاخرى في الايسر " وهي مجملة قابلة للانطباق


1) ص 42 2) ص 7 3) و 4) و 5) و 6) ص 40


[ 45 ]

على كل من القولين، ونحوها رواية الفضيل بن يسار عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " توضع للميت جريدتان واحدة في الايمن والاخرى في الايسر " وفى صحيحة جميل أو حسنته بابراهيم بن هاشم (2) قال: " سألته عن الجريدة توضع من دون الثياب أو من فوقها ؟ قال فوق القميص ودون الخاصرة. فسألته من اي جانب ؟ قال من الجانب الايمن " وهذه الرواية المعتبرة الاسناد قد دلت ايضا على ما دلت عليه الروايات الثلاث المتقدمة من كون الجريدة واحدة، وقد عين موضعها في هذه الرواية بانه قرب الخاصرة فوق القميص من الجانب الايمن، وفى الروايات المشار إليها آنفا توضع عند الترقوة، وقد تقدم ان مذهب ابن ابي عقيل ان الموظف هنا جريدة واحدة، فهذه الروايات مما تشهد له وان انكره الصدوق فيما تقدم من كلامه إلا ان المنقول عنه انه جعل موضعها تحت ابطه وهذه الروايات قد عينت موضعا آخر واختلفت فيه. وانت خبير بانه لم ينقل احد منهم دليلا على ما ذهب إليه الصدوقان بل اعترف في المدارك بانه لم يقف على مأخذهما، وفى المختلف تكلف الاستدلال على ذلك برواية يونس (3) ولا يخفى ما فيه من عدم الانطباق بل الرواية المذكورة انما تنطبق على مذهب الجعفي، والظاهر ان مستنده انما هو الفقه الرضوي على الطريقة التي عرفت وستعرف، حيث قال في الكتاب المذكور (4): " ثم تضعه في اكفانه واجعل معه جريدتين احداهما عند ترقوته تلصقها بجلده ثم تمد عليه قميصه والاخرى عند وركه، وروى ان الجريدتين كل واحدة بقدر عظم ذراع تضع واحدة عند ركبتيه تلصق إلى الساق والى الفخذين والاخرى تحت ابطه الايمن ما بين القميص والازار " انتهى. اقول: وبصدر هذه العبارة عبر الصدوق في الفقيه بتغيير ما ومنه يعلم ان مستندهما انما هو الكتاب المذكور، واما الكيفية التي نقلها (عليه السلام) واسندها إلى الرواية فهي مطابقة لما دلت عليه رواية يونس


1) و 2) المروية في الوسائل في الباب 10 من ابواب التكفين 3) ص 7 4) ص 17


[ 46 ]

فيكون ايضا مستندا للجعفي فيما قدمنا نقله عنه، قال في المعتبر بعد ذكر الخلاف في المسألة ونقل رواية جميل الاولى ورواية يحيى بن عبادة المرسلة (1) ما لفظه: " والروايتان ضعيفتان لان القائل في الاول مجهول والثانية مقطوعة السند، ومع اختلاف الاقوال والروايات يجب الجزم بالقدر المشترك بينها وهو استحباب وضعها مع الميت في كفنه أو في قبره باي هذه الصور شئت " انتهى. واستحسنه في المدارك. اقول: اما ما ذكره من الجزم بالقدر المشترك إلى آخره فمرجعه إلى التخيير بين ما دلت عليه هذه الاخبار وهو وجه حسن في الجمع بينها. ولقد كان يغنيه التعبير بذلك عن الطعن فيها، فان من جملة الاخبار المذكورة - كما عرفت - صحيحتي جميل أو حسنتيه (2) اللتين لا يقصر وصفهما بالحسن عن الالحاق بالصحيح وليس فيهما إلا الاضمار الذي قد صرح هو وغيره من المحققين بانه غير مضر ولا موجب للطعن. وبالجملة فالوجه في الجمع بينها هو التخيير. والله العالم.

(الرابع) اطلاق الاخبار وكلام الاصحاب يقتضي عدم الفرق في استحباب وضعهما مع الميت بين كونه صغيرا أو كبيرا عاقلا أو مجنونا اقامة للشعار وان كان ظاهر التعليل يوهم خلاف ذلك إلا ان علل الشرع - كما اوضحناه في غير مقام - ليست عللا حقيقية يدور المعلول مدارها وجودا وعدما وانما هي معرفات. ألا ترى انه ورد تعليل وجوب العدة على المطلقة بالاستبراء من الحمل مع انه لا يطرد ذلك في كل مطلقة ولا متوفى عنها، وورد في تعليل استحباب غسل الجمعة بان الانصار كانت تعمل في نواضحها فإذا حضروا الصلاة يوم الجمعة تأذى الناس بريح آباطهم فشكوا ذلك إليه (صلى الله عليه وآله) فامر بالغسل للجمعة (3) ونحو ذلك، وممن صرح بجواز وضع الجريدتين مع الصغير والمجنون الشهيد في البيان، وهو جيد.


1) ص 40 (2) ص 42 و 45 3) المروية في الوسائل في الباب 6 من ابواب الاغسال المسنونة


[ 47 ]

(الخامس) قد صرح الاصحاب بانه لو كانت الحال حال تقية وضعها حيث يمكن، ويدل عليه مرفوعة سهل بن زياد (1) قال: " قيل له جعلت فداك ربما حضرني من اخافه فلا يمكن وضع الجريدة على ما رويتنا ؟ فقال ادخلها حيث ما امكن " قال الشيخ في التهذيب: وروى هذا الحديث محمد بن احمد مرسلا (2) وزاد فيه قال: " فان وضعت في القبر فقد اجزأه " وفي مكاتبة احمد بن القاسم (3) " واما الجريدة فليستخف بها ولا يرونه وليجهد في ذلك جهده " وفى الفقه الرضوي (4) " وان حضرك قوم مخالفون فاجهد ان تغسله غسل المؤمن واخف عنهم الجريدة " اقول: ويعضده ما رواه في الكافي في الموثق عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن الجريدة توضع في القبر ؟ قال: لا بأس " قال في الفقيه بعد نقل الخبر المذكور مرسلا: " يعنى ان لم توجد إلا بعد حمل الميت إلى قبره أو يحضره من يتقيه فلا يمكنه وضعها على ما روي فيجعلها معه حيث أمكن " ولو نسيها فذكرها بعد الدفن وضعها على القبر. ويؤيده ما رواه الصدوق مرسلا (6) قال: " مر رسول الله (صلى الله عليه وآله) على قبر يعذب صاحبه فدعا بجريدة فشقها نصفين فجعل واحدة عند رأسه والاخرى عند رجليه. قال: وروي ان صاحب القبر كان قيس بن فهد الانصاري وروى قيس بن نمير، وانه قيل له لم وضعتهما ؟ فقال انه يخفف عنه العذاب ما كانتا خضراوين ".

(السادس) اطلاق الاخبار عدا الحديث النبوي المتقدم وكذا اطلاق كلام اكثر الاصحاب يقتضي ان تكون الجريدة غير مشقوقة، وصرح بعض باستحباب الشق للحديث النبوي، والاظهر الاول، استظهره في المدارك ايضا نظرا إلى التعليل واستضعافا لرواية الشق.


1) و 2) و 5) و 6) رواه في الوسائل في الباب 11 من ابواب التكفين 3) المروية في الوسائل في الباب 7 من ابواب التكفين 4) ص 17


[ 48 ]

ثم انه قد ذكر بعض الاصحاب ايضا استحباب وضع القطن على الجريدتين. ولم اقف فيه على نص، ولعله لاستبقاء الرطوبة، وفيه ان الخبر المتقدم يدل على ان العذاب والحساب انما هو ساعة رجوع المشيعين للميت وجفافهما في هذا الوقت بعيد جدا. ومنها ان يطوى جانب اللفافة الايسر على الايمن والايمن على الايسر، قال في الفقيه في كيفية التكفين: " ثم يلفه في ازاره وحبرته ويبدأ بالشق الايسر فيمده على الايمن ثم يمد الايمن على الايسر وان شاء لم يجعل الحبرة معه حتى يدخله قبره فيلقيه عليه " وهذه الكيفية مشهورة بين الاصحاب واعترف كثير منهم بعدم النص عليها، قال في المدارك: " ولعل وجهه التيمن والتبرك " اقول: لا ريب ان الصدوق انما اخذ هذا الحكم من الفقه الرضوي على ما عرفت وستعرف ان شاء الله تعالى. وربما كان ايضا في رسالة ابيه إليه إلا انه لا يحضرني الان نقل ذلك عن الرسالة، والظاهر ان الاصحاب تبعوا الصدوق في ذلك كما ذكرنا مثله في غير موضع، قال (عليه السلام) في كتاب الفقه (1): " وتلفه في ازاره وحبرته وتبدأ بالشق الايسر وتمد على الايمن ثم تمد الايمن على الايسر وان شئت لم تجعل الحبرة معه حتى تدخله القبر فتلقيه عليه " وعبارة الصدوق عين هذه العبارة كما ترى. واما ما ذكره (عليه السلام) هنا من التخيير في تأخير الحبرة عن التكفين فيها وان تجعل معه بعد ادخاله القبر فتلقى عليه فقد ورد مثله في صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " البرد لا يلف به ولكن يطرح عليه طرحا فإذا ادخل القبر وضع تحت خده وتحت جنبه " إلا ان هذه الصحيحة دلت على انه يوضع تحت جنبه، قال في الذكرى: " وذهب بعض الاصحاب إلى ان البرد لا يلف ولكن يطرح عليه طرحا وإذا ادخل القبر وضع تحت خده وتحت جنبه وهو رواية ابن سنان " انتهى. قال بعض مشايخنا المحققين من متأخرى المتأخرين ولا يبعد القول بالتخيير.


1) ص 2 17) المروية في الوسائل في الباب 14 من ابواب التكفين


[ 49 ]

ومنها ما رواه أبو كهمس (1): " ان الصادق (عليه السلام) كتب في حاشية الكفن: اسماعيل يشهد ان لا إله إلا الله " والاصحاب ذكروا استحباب ذلك على الحبرة واللفافة والقميص والعمامة والجريدتين، وزاد ابن الجنيد " وان محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله) " وزاد الشيخ في النهاية والمبسوط والخلاف وابن البراج اسماء النبي والائمة (صلوات الله عليهم) وظاهره في الخلاف دعوى الاجماع عليه. وذكروا ان الكتابة بتربة الحسين (عليه السلام) ومع عدمها بطين وماء ومع عدمه بالاصبع، وفي المسائل الغرية للشيخ المفيد (قدس سره) بالتربة أو غيرها من الطين، وابن الجنيد بالطين والماء، ولم يعين ابن بابويه ما يكتب به. واشترط جملة من الاصحاب التأثير في الكتابة لانه المعهود. اقول: وما ذكروه من زيادة ما يكتب وما يكتب به وما يكتب عليه وان كان خاليا من النص على الخصوص إلا ان التيمن والتبرك باسمائهم كاف في امثال ذلك. ومما يستأنس به للكتابة بالتربة الحسينية ما رواه الطبرسي في الاحتجاج في التوقيعات الخارجة من الناحية المقدسة في اجوبة مسائل الحميري (2) " انه سأله عن طين القبر يوضع مع الميت في قبره هل يجوز ذلك ام لا ؟ فأجاب (عليه السلام) يوضع مع الميت في قبره ويخلط بحنوطه ان شاء الله تعالى. وسأل فقال روي لنا عن الصادق (عليه السلام) انه كتب على ازار اسماعيل ابنه: اسماعيل يشهد ان لا إله إلا الله. فهل يجوز لنا ان نكتب مثل ذلك بطين القبر أو غيره ؟ فأجاب يجوز والحمد لله " اقول: ومما يستحب ان يكتب على الكفن وان لم اطلع على من قال به من الاصحاب دعاء الجوشن الكبير كما نقله الكفعمي في كتاب جنة الامان رواه عن السجاد (عليه السلام) (3) والقران بتمامه ان امكن وإلا فيما تيسر منه لما رواه الصدوق في العيون


1) رواه في الوسائل في الباب 29 من ابواب التكفين 2) رواه في الوسائل في الباب 12 و 29 من ابواب التكفين 3) وهو ما رواه في الكتاب المذكور عن السجاد زين العابدين عن ابيه عن جده


[ 50 ]

بسنده عن الحسن بن عبد الله الصيرفي عن ابيه (1) في حديث " ان موسى بن جعفر (عليه السلام) كفن بكفن فيه حبرة استعملت له بمبلغ الفين خمسمائة دينار وكان عليها القرآن كله " ومنها - ان يكون الكفن قطنا وان يكون ابيض إلا الحبرة، اما استحباب كونه قطنا ففي المعتبر انه مذهب العلماء كافة، ويدل عليه ما رواه في الكافي عن ابي خديجة عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " الكتان كان لبنى اسرائيل يكفنون به والقطن لامة محمد (صلى الله عليه وآله) " ورواه الصدوق مرسلا. واما ما يدل على كونه ابيض فاخبار عديدة: منها - ما رواه في الكافي في الموثق عن ابن القداح عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) البسوا البياض فانه اطيب واطهر كفنوا فيه موتاكم " وعن جابر عن الباقر (عليه السلام) (4) قال: " قال النبي (صلى الله عليه واله) ليس من لباسكم شئ احسن من البياض فالبسوه وكفنوا فيه موتاكم " واما ما يدل على الحبرة وانها ليست ببياض فروايات عديدة قد تقدم بعضها، ومنها - ما رواه أبو مريم الانصاري في الصحيح (5) قال: " سمعت ابا جعفر (عليه السلام) يقول كفن رسول الله (صلى الله عليه واله) في ثلاثة اثواب:


= عن النبي " صلى الله عليه وآله " قال: نزل جبرئيل على النبي " صلى الله عليه وآله " في بعض غزواته وعليه جوشن ثقيل المه ثقله فقال يا محمد ربك يقرئك السلام ويقول لك اخلع هذا الجوشن واقرأ هذا الدعاء فهو امان لك ولامتك، وساق الحديث إلى ان قال: ومن كتبه على كفنه استحي الله ان يعذبه بالنار، وساق الحديث إلى ان قال: قال الحسين " عليه السلام " اوصاني ابى " عليه السلام " بحفظ هذا الدعاء وتعظيمه وان اكتبه على كفنه ثم ذكر دعاء الجوشن الكبير " منه " قدس سره " 1) رواه في الوسائل في الباب 30 من ابواب التكفين 2) رواه في الوسائل في الباب 20 من ابواب التكفين 3) و 4) رواه في الوسائل في الباب 19 من ابواب التكفين 5) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب التكفين


[ 51 ]

برد احمر حبرة وثوبين ابيضين صحاريين، ثم قال: وقال ان الحسن بن علي (عليهما السلام) كفن اسامة بن زيد في برد احمر حبرة وان عليا (عليه السلام) كفن سهل بن حنيف في برد احمر حبرة " (1) ومنها - ان يخاط الكفن بخيوط منه، قاله الشيخ في المبسوط والاصحاب على ما نقله في الذكرى، وقال في المدارك: " ذكره الشيخ واتباعه ولا اعرف مستنده " انتهى. وهو كذلك. ومنها - ان يسحق الكافور بيده ويجعل ما يفضل من مساجده على صدره كذا ذكره الاصحاب، اما الحكم الاول فقال في المعتبر بعد نقله عن الشيخين: ولم اتحقق مستنده، قال: واما وضع ما يفضل من المساجد على صدره فقد ذكره جماعة من الاصحاب. قال في المدارك: " ويمكن ان يستدل عليه بحسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " إذا اردت ان تحنط الميت فاعمد إلى الكافور فامسح به آثار السجود منه ومفاصله كلها ورأسه ولحيته وعلى صدره من الحنوط " ثم قال لكن لا يخفى ان هذه الرواية انما تضمنت الامر بوضع شئ من الكافور على الصدر لا اختصاصه بالفاضل " اقول: ومثل حسنة الحلبي المذكورة رواية زرارة المتقدم ذكرها (3) في مسألة وضع الحنوط حيث قال فيها: " واجعل في فيه ومسامعه ورأسه ولحيته من الحنوط وعلى صدره وفرجه " الا ان الظاهر ان من قال بهذا الحكم انما تبع فيه الصدوق في الفقيه حيث ذكر ذلك، وقد قدمنا عبارته في صدر المسألة الثانية، والصدوق


1) اقول: ما اشتمل عليه هذا الخبر من ان الحسن " عليه السلام " كفن اسامة ابن زيد لا يخلو من اشكال لما ذكره الذهبي في تأريخه وكذا ابن حجر وغيرهما من ارباب السير ان اسامة بن زيد مات سنة اربع وخمسين والحسن " عيله السلام " توفى سنة خمسين أو سبع واربعين، وعلى هذا فلعل المكفن انما هو الحسين " عليه السلام " ويكون الحسن " عليه السلام " دفع الحبرة إلى اسامة قبل موته ليجعلها في كفنه. منه " قدس سره ". 2) المروية في الوسائل في الباب 14 من ابواب التكفين 3) ص 23


[ 52 ]

انما اخذه من الفقه الرضوي حيث ذكر (عليه السلام) ذلك وقد تقدمت عبارته في صدر المسألة المشار إليها (1) ومنه يعلم وجود المستند كما في جملة من الاحكام التي اختص هذا الكتاب بمستنداتها. ومنها - ان ينثر على الحبرة واللفافة والقميص ذريرة. قال في المعتبر: " وقد اتفق العلماء كافة على استحباب تطييب الكفن بالذريرة " اقول: ويدل على ذلك من الاخبار ما رواه في الكافي في الموثق عن سماعة عن الصادق (عليه السلام) (2) قال " " إذا كفنت الميت فذر على كل ثوب شيئا من ذريرة وكافور " وقد تقدم في موثقة عمار (3) " ويطرح على كفنه ذريرة " واما الذريرة فقد تقدم الكلام في بيان معناها في مستحبات الغسل. ومنها - تجويد الكفن لما روي (4) من انهم يتباهون يوم القيامة باكفانهم، قال في المنتهى: ويستحب اتخاذ الكفن من افخر الثياب واحسنها ثم قال في مسألة اخرى: ويستحب ان يكون بالجديد بلا خلاف. اقول: ومن الاخبار الدالة على ذلك ما رواه الشيخ في الموثق عن يونس بن يعقوب (5) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) ان ابي اوصاني عند الموت يا جعفر كفني في ثوب كذا وكذا واشتر لي بردا واحدا وعمامة وأجدهما فان الموتى يتباهون باكفانهم " وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن ابى عمير عن بعض اصحابه عن الصادق (عليه السلام) (6) قال: " اجيدوا اكفان موتاكم فانها زينتهم " وعن ابي خديجة عن الصادق (عليه السلام) (7) قال: " تنوقوا في الاكفان فانكم تبعثون بها " وقد تقدم في حديث يونس بن يعقوب عن ابي الحسن الاول (8) " انه سمعه يقول كفنت ابي في برد اشتريته باربعين دينارا لو كان اليوم لساوى اربعمائة


1) ص 2 23) رواه في الوسائل في الباب 15 من ابواب التكفين 3) ص 9 4) و 5) و 6) و 7) و 8) رواه في الوسائل في الباب 18 من ابواب التكفين


[ 53 ]

دينار " وفى العلل بسنده عن احمد بن محمد عن بعض اصحابنا يرفعه إلى الصادق (عليه السلام (1) قال: " اجيدوا اكفان موتاكم فانها زينتهم " وفى كتاب العلل بسنده عن يونس بن يعقوب عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " اوصاني ابي بكفنه فقال لي يا جعفر اشتر لي بردا وجوده فان الموتى يتباهون باكفانهم " ويؤيد ذلك ما تقدم (3) من الخبر الدال على ان موسى بن جعفر (عليه السلام) كفن في حبرة استعملت بمبلغ الفين وخمسمائة دينار وعليها القرآن كله. ومنها - وضع التربة الحسينية على مشرفها افضل الصلاة والسلام والتحية في حنوط الميت، لما رواه الشيخ باسناده عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميرى (4) قال: " كتبت إلى الفقيه اسأله عن طين القبر يوضع مع الميت في قبره هل يجوز ذلك ام لا ؟ فأجاب (عليه السلام) وقرأت التوقيع ومنه نسخت: يوضع مع الميت في قبره ويخلط بحنوطه ان شاء الله تعالى " ورواه الطبرسي في الاحتجاج عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن ابيه عن صاحب الزمان (عليه السلام). والمراد بالطين هو طين قبر الحسين (عليه السلام). كما يأتي بيانه ان شاء الله تعالى في باب الدفن.

(المسألة الخامسة) - من المكروهات في هذا المقام ان يكفن بالسواد، قال في المنتهى: " لا نعرف فيه خلافا " ويدل على ذلك ما رواه الشيخ عن الحسين بن المختار عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " لا يكفن الميت في السواد " وعن الحسين ابن المختار (6) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) يحرم الرجل في ثوب اسود ؟ قال لا يحرم في الثوب الاسود ولا يكفن به " وربما عدي الحكم إلى كل صبغ كما يفهم من الذكرى حيث قال: ويكره في السواد بل وكل صبغ على الاصح، قال: وعليه تحمل رواية الحسين بن المختار (7) " لا يكفن الميت في السواد " وظاهره حمل السواد


1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 18 من ابواب التكفين 3) ص 4 50) رواه في الوسائل في الباب 12 من ابواب التكفين 5) و 6) و 7) رواه في الوسائل في الباب 21 من ابواب التكفين


[ 54 ]

هنا على ما يعم كل صبغ، والظاهر بعده. ثم انه (قدس سره) نقل عن ابن البراج انه منع من المصبوغ ونقل الكراهة في الاسود وكذا منع الممتزج بالحرير وبما فيه اوله طراز من حرير ومن القميص المبتدأ للكفن إذا خيط، ثم قال: والاقرب الكراهية للاصل ولصحة الصلاة ولخبر الحسين بن راشد. انتهى. اشار بخبر الحسين بن راشد إلى ما قدمناه عنه (1) من سؤاله عن الثياب التي تعمل بالبصرة على عمل العصب اليماني من قز وقطن هل يصلح ان يكفن فيها الموتى ؟ قال: " إذا كان القطن اكثر من القز فلا بأس ". ومن ذلك - الكتان ايضا لما رواه الشيخ في الصحيح عن يعقوب بن يزيد عن عدة من اصحابنا عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " لا يكفن الميت في كتان ". ومنها - الطيب، والمشهور بين الاصحاب كراهته مسكا كان أو غيره وظاهر الصدوق جوازه بل استحبابه، قال في الفقيه (3) بعد ذكر حديث تكفين النبي (صلى الله عليه وآله) " وروي انه حنط بمثقال من مسك سوى الكافور ". وروى في خبر آخر (4) قال: " سئل أبو الحسن الثالث (عليه السلام) هل يقرب إلى الميت المسك والبخور ؟ قال نعم ". اقول: والاخبار في المقام مختلفة كما سيظهر لك ولكن لما كان استحباب الطيب للميت مشهورا عند العامة (5) فانه يجب حمل ما دل على ذلك على التقية، فمما يدل على ما ذكره الصدوق ما نقله من الروايتين المذكورتين، وما رواه في التهذيب عن مغيرة مؤذن بني عدي عن الصادق (عليه السلام) (6) قال: " غسل علي بن ابي طالب (عليه


1) ص 2 17) رواه في الوسائل في الباب 20 من ابواب التكفين 3) و 4) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب التكفين 5) كما في المغنى ج 2 ص 468 والبحر الرائق ج 2 ص 173 والبداية لابن رشد المالكى ج 1 ص 213 6) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب التكفين


[ 55 ]

السلام) رسول الله (صلى الله عليه وآله) بدأ بالسدر والثانية بثلاثة مثاقيل من كافور ومثقال من مسك ودعا بالثالثة قربة مشدودة الرأس فافاضها عليه ثم ادرجه ". ومما يدل على القول المشهور ما رواه في الكافي عن محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) لا تجمروا الاكفان ولا تمسحوا موتاكم بالطيب إلا بالكافور فان الميت بمنزلة المحرم " رواه الصدوق في العلل والخصال عن ابي بصير ومحمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) مثله. وما رواه الحميري في قرب الاسناد عن محمد بن عبد الله الجعفري (2) قال: " رأيت جعفر بن محمد (عليهما السلام) ينفض بكمه المسك على الكفن ويقول ليس هذا من الحنوط في شئ " وما رواه في الكافي عن يعقوب بن يزيد عن عدة من اصحابنا عن الصادق (عليه السلام) قال (3): " لا يسخن للميت الماء لا يعجل له النار ولا يحنط بمسك " ومما يؤيد ما ذكرناه من حمل الاخبار الاولة على التقية ما رواه في الكافي عن داود بن سرحان (4) قال: " مات أبو عبيدة الحذاء وانا بالمدينة فارسل الي أبو عبد الله (عليه السلام) بدينار وقال اشتر بهذا حنوطا واعلم ان الحنوط هو الكافور ولكن اصنع كما يصنع الناس. قال فلما مضيت اتبعني بدينار وقال اشتر بهذا كافورا " اقول: الظاهر ان الدينار الاول للحنوط الذي يحنط به الناس وهو ما يتخذه العامة من الكافور المخلوط بانواع الطيب والدينار الثاني للكافور خاصة ليكون جامعا بين السنة والتقية. ويؤكد ذلك ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن داود بن سرحان (5) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) في كفن ابي عبيدة الحذاء انما الحنوط الكافور ولكن اذهب فاصنع كما يصنع الناس " وقال في الفقه الرضوي (6): " وروي انه لا يقرب الميت من الطيب شيئا ولا البخور إلا الكافور فان سبيله سبيل المحرم. وروي اطلاق المسك فوق الكفن وعلى الجنازة لان في ذلك


1) و 2) و 3) و 4) و 5) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب التكفين 6) ص 20


[ 56 ]

مكرمة الملائكة فما من مؤمن يقبض روحه إلا تحضر عنده الملائكة. وروي ان الكافور يجعل في فيه وفى مسامعه وبصره ورأسه ولحيته وكذلك المسك وعلى صدره وفرجه " اقول: لا يبعد ان يكون اقتصاره (عليه السلام) على نقل الروايات في المقام من غير ان يفتى بشئ منها خرج ايضا مخرج التقية. قال في الذكرى: واما المسك ففي خبرين ارسلهما الصدوق: احدهما ان النبي (صلى الله عليه وآله) حنط بمثقال من مسك سوى الكافور، والاخر عن الهادي (عليه السلام) (1) انه سوغ تقريب المسك والبخور إلى الميت، ويعارضهما مسند محمد بن مسلم ثم ساق الرواية المتقدمة ثم قال: وخبر غياث ابن ابراهيم عن الصادق (عليه السلام) ان اباه كان يجمر الميت بالعود " ضعيف السند. انتهى. اقول: لا حاجة إلى الطعن بضعف السند بل ولو كان صحيح السند فان سبيله التقية التي في الاحكام الشرعية اصل كل بلية، ويؤيد ما ذكرنا تأكيدا ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن عبد الله بن المغيرة عن غير واحد عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " الكافور هو الحنوط " وبالجملة الظاهر عندي هو القول المشهور للاخبار المذكورة ونحوها، وما عارضها هنا محمول على التقية. والله العالم ومنها - التجمير واصحابنا جميعا عدا الصدوق على الكراهة، قال في المنتهى: " ذهب اكثر علمائنا إلى كراهية تجمير الاكفان، وقال ابن بابويه يجمر الكفن، وهو قول الجمهور " اقول: والاخبار هنا ايضا مختلفة ولكن سبيل هذه المسألة سبيل سابقتها في حمل ما دل على جواز ذلك على التقية (3) فمن الاخبار الدالة على الجواز ما رواه الشيخ عن غياث بن ابراهيم عن الصادق عن ابيه (عليهما السلام) (4) " انه كان يجمر الميت بالعود فيه المسك وربما جعل على النعش الحنوط وربما لم يجعله وكان يكره ان يتبع الميت بالمجمرة " وعن عبد الله بن سنان في الحسن عن الصادق (عليه السلام) (5)


1) و 2) و 4) و 5) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب التكفين 3) كما في البحر الرائق ج 2 ص 177 والمهذب ج 1 ص 130 والمغنى ج 2 ص 464


[ 57 ]

قال: " لا بأس بدخنة كفن الميت وينبغي للمرء المسلم ان يدخن ثيابه إذا كان يقدر " ومما يدل على النهي عنه ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن ابي عمير عن بعض اصحابه عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " لا يجمر الكفن " وما تقدم في سابق هذه المسألة من رواية محمد بن مسلم (2) وعن السكوني عن الصادق (عليه السلام) (3) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) نهى ان تتبع جنازة بمجمرة " وبهذا الاسناد عن الصادق (عليه السلام) (4) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) نهى ان يوضع على النعش الحنوط " وفى الصحيح عن ابي حمزة (5) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام): لا تقربوا موتاكم النار يعنى الدخنة " وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (6) قال: " إذا اردت ان تحنط الميت، إلى ان قال: وقال اكره ان يتبع بمجمرة ". ومنها - اتخاذ الاكمام للقميص المبتدأ فاما إذا كان لبيسا فلا بأس، ويدل على ذلك ما رواه الشيخ عن محمد بن سنان عمن اخبره عن الصادق (عليه السلام) (7) قال: " قلت له الرجل يكون له القميص ايكفن فيه ؟ فقال اقطع ازراره. قلت وكمه ؟ قال انما ذاك إذا قطع له وهو جديد لم يجعل له كما فاما إذا كان ثوبا لبيسا فلا تقطع منه إلا الازرار " ورواه في الفقيه مرسلا. وروى في التهذيب في الصحيح عن محمد بن اسماعيل ابن بزيع (8) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) ان يأمر لي بقميص اعده لكفني فبعث به الي فقلت كيف اصنع ؟ قال انزع ازراره " وروى الصدوق مرسلا قال: (قال الصادق (عليه السلام) ينبغي ان يكون القميص للميت غير مكفوف ولا مزرور "


1) و 3) و 5) و 6) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب التكفين 2) ص 4 55) رواه في الوسائل في الباب 17 من ابواب التكفين 7) و 8) و 9) رواه في الوسائل في الباب 28 من ابواب التكفين


[ 58 ]

وروى الصدوق في العلل بسنده عن عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (1) في حديث قال: " ان فاطمة بنت اسد اوصت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقبل وصيتها فلما ماتت نزع قميصه وقال كفنوها فيه " وروى في الكتاب المذكور بسنده فيه عن عيسى بن عبد الله عن ابيه عن جده (2) في حديث: " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) دفن فاطمة بنت اسد وكفنها في قميصه ونزل في قبرها وتمرغ في لحدها " وروى في المجالس بسنده عن عباية بن ربعي عن عبد الله بن عباس في حديث وفاة فاطمة بنت اسد ام أمير المؤمنين (عليه السلام) (3) قال: " قال النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي خذ عمامتي هذه وخذ ثوبي هذين فكفنها فيهما ومر النساء فليحسن غسلها " وربما دلت هذه الاخبار الثلاثة باطلاقها على جواز الكفن في القميص الملبوس بازراره حيث لم يتعرض فيها لذكر قطع الازرار، ولا يبعد ان يكون لخصوصية من الطرفين، إلا انه يمكن ان يقال ان الغرض من سياقها انما هو بيان تشريفه (صلى الله عليه وآله) لها (رضي الله عنها) بتكفينها في قميصه لا بيان جواز التكفين في القميص حتى يكون الاخلال بذكر ذلك موجبا لعدمه من حيث ان المقام مقام البيان، وحينئذ فيكون اطلاقها مقيدا بما مر من تلك الاخبار. ومنها - ما ذكره الاصحاب من انه يكره جعل الحنوط في سمعه وبصره للاخبار المتقدمة الدالة على النهي عن ذلك، حيث انهم (رضوان الله عليهم) - كما قدمنا نقله عنهم - قد جمعوا بين الاخبار الدالة على جواز وضع الحنوط في هذه المواقع والاخبار الدالة على النهى بالجواز على كراهة، واما على ما قدمنا ذكره من ان الاظهر حمل اخبار الجواز على التقية فانه تبقى اخبار النهي سالمة عن المعارض والنهي حقيقة في التحريم ولا موجب لاخراجه عن حقيقته. قال في المدارك - بعد قول المصنف: وان يجعل في سمعه وبصره شئ من الكافور - ما ملخصه: هذا قول الاكثر ويدل عليه قوله (عليه


1) و 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 26 من ابواب التكفين


[ 59 ]

السلام) في رواية يونس: " ولا تجعل في منخريه. " ثم ذكر تمام الرواية وقد تقدمت (1) ثم قال وصحيحة عبد الرحمان بن ابي عبد الله (2) قال: " لا تجعل في مسامع الميت حنوطا " ثم قال وفى الرواية الاولى ارسال وفى الثانية قطع، ثم نقل كلام الصدوق في الفقيه وقال: ولعل مستنده صحيحة عبد الله بن سنان ثم ساق الرواية كما قدمنا (3) ثم نقل موضع الاستدلال من موثقة سماعة المتقدمة وخبر عمار (4) الدالين على مذهب الصدوق ثم قال: وحمل المصنف هذه الروايات في المعتبر على الجواز وتلك على الكراهة وهو بعيد لان الامر ظاهر في الوجوب أو الاستحباب. انتهى. اقول: فيه (اولا) ان ما طعن به في صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد الله - من انها مقطوعة حيث نقلها في كتابه عارية الاسناد إلى الامام (عليه السلام) - عجيب فانها في كتب الاخبار مسندة إلى الصادق (عليه السلام) كما قدمنا ذكره. و (ثانيا) - ان مقتضى القاعدة المنصوصة في مقام اختلاف الاخبار هو العرض على مذهب العامة والاخذ بخلافه والعامة هنا متفقون على استحباب وضع الحنوط في هذه المواضع التي اختلفت فيها الاخبار (5) فكيف يمكن التمسك بالامر فيها في الدلالة على وجوب أو استحباب ؟ ولكنه (قدس سره) انما يدور مدار السند فمتى صح سند الرواية جمد عليه ولا ينظر إلى ما في ذلك من العلل الاخر ولا ما يترتب عليه من الضرر من مخالفة القواعد المأثورة أو علة اخرى في متن ذلك الخبر. ومنها - ما ذكره جمع من الاصحاب من انه يكره ان يكتب على الكفن بالسواد، قال في المعتبر: " ذكر ذلك الشيخ في المبسوط والنهاية وهو حسن لان في ذلك نوع استبشاع وان وظائف الميت متلقاة من الشارع فتقف على الدلالة ". ومنها - بل الخيوط التي يخاط بها الكفن بالريق، قال في المعتبر: " ذكره


1) ص 2 7) المروية في الوسائل في الباب 16 من ابواب الحنوط 3) ص 4 23) ص 5 22) كما في المغنى ج 1 ص 466 والمهذب ج 1 ص 130


[ 60 ]

الشيخ ورأيت الاصحاب يجتنبونه ولا بأس بمتابعتهم لازالة الاحتمال ووقوفا على موضع الوفاق " قال في الذكرى: " اما بلها بغير الريق فالظاهر عدم الكراهة للاصل ولاشعار التخصيص بالريق اباحة غيره " اقول: لا يخفى ما في هذا الكلام من المجازفة الظاهرة، فان الاستحباب حكم شرعي يتوقف الحكم به والفتوى على الدليل الواضح، مع انهما (قدس سرهما) ولاسيما المحقق كثيرا ما يخرجون عما عليه الاصحاب مع وجود الادلة لكلام الاصحاب بزعم ان الرواية التي هي مستند الاصحاب ضعيفة فكيف يوافقونهم هنا مع اعترافهم بعدم الدليل بالمرة ؟ وحينئذ فان اراد المحقق المذكور بقوله: " ولا بأس بمتابعتهم " يعني في العمل بذلك بان لا يبل الخيوط بالريق فلا بأس به وان اراد في الحكم بالكراهة والفتوى بها فهو محل الاشكال لما عرفت. واما قوله في الذكرى: " ولاشعار التخصيص بالريق اباحة غيره " فان فيه ان هذا الاشعار انما يكون حجة لو كان الدليل المشعر بذلك دليلا شرعيا والامر هنا ليس كذلك، وقضية الاصل الذي يتمسكون به في غير مقام هو الاباحة مطلقا إلى ان يقوم الدليل على المنع. ومنها - ما ذكروه من قطع الكفن بالحديد، ذكر ذلك الشيخان في النهاية والمبسوط والمقنعة والرسالة الغرية، وقال في التهذيب: " سمعنا ذلك مذاكرة من الشيوخ وكان عملهم عليه " قال في المعتبر بعد نقل ذلك: " قلت ويستحب متابعتهم تخلصا من الوقوع فيما يكره " اقول: والكلام في هذه المسألة كما في سابقتها، ثم اقول ونحن في الموضعين نعمل على مقالتهم ونجرى على منوالهم وان لم نحكم بما حكموا به من الكراهة وخطابنا غير خطابهم.

خاتمة تشتمل على مسائل:

(الاولى) - لو خرج من الميت نجاسة بعد الغسل فههنا صور:

(الاولى) - ان تلاقي جسده خاصة، والمشهور انه يجب ازالتها خاصة ولا يجب اعادة الغسل، وذهب ابن


[ 61 ]

ابي عقيل إلى وجوب اعادة الغسل، وهو ضعيف مردود بالاخبار، وقد تقدم القول في ذلك في آخر المسألة التاسعة في مستحبات الغسل (1).

(الثانية) - ان تلاقي مع ذلك كفنه قبل وضعه في القبر، والمنقول عن الصدوقين واكثر الاصحاب وجوب غسلها ما لم يطرح في القبر وقرضها بعده، والمنقول عن الشيخ وجوب قرضها مطلقا، ويدل عليه ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن ابي عمير عن بعض اصحابه عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " إذا خرج من الميت شئ بعدما يكفن فاصاب الكفن قرض منه " وما رواه الشيخ في الحسن عن الكاهلي عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " إذا خرج من منخر الميت الدم أو الشئ بعد ما يغسل فاصاب العمامة أو الكفن قرض منه " ورواه الكليني عن الكاهلي ايضا مثله (4) وما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن ابي عمير واحمد بن محمد عن غير واحد من اصحابنا عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " إذا خرج من الميت شئ بعد ما يكفن فاصاب الكفن قرض من الكفن " والاصحاب انما استدلوا هنا للقول المشهور - كما في المدارك والذخيرة - بان في القرض اتلافا للمال وهو منهي عنه فيقتصر في ذلك على محل الاتفاق، قال في المدارك بعد نقل القول بالتفصيل: " وهو حسن لان في القرض. إلى آخر ما ذكرناه " واعترضه في الذخيرة (6) بجواز


1) ج 3 ص 466 2) و 3) و 5) رواه في الوسائل في الباب 24 من ابواب التكفين 4) اقول خبر الكاهلى قد نقله الشيخ بطريق صحيح عن الكاهلى وهو احمد بن محمد ابن عيسى عن احمد بن محمد بن ابى نصر عن الكاهلى، ونقله ايضا بطريق اخر عن على بن محمد عن احمد بن محمد ابن ابى نصر وعلى بن محمد هنا مشترك، والمنقول في الاصل هو السند الصحيح إلى الكاهلى وهو ممدوح منه " قدس سره " 6) حيث قال: احتج الاولون بان في القرض اتلاف المال وهو منهى عنه =


[ 62 ]

تخصيص ما دل على تحريم اتلاف المال بعموم الاخبار الدالة على القرض، قال في الذخيرة بعد ذكر اخبار الغسل في الرد على ابن ابي عقيل في الصورة الاولى واخبار القرض التي في هذه الصورة: " ولا يخفي ان الجمع بين هذه الاخبار والاخبار السابقة الدالة على الغسل ممكن بوجهين: (احدهما) - تخصيص الاخبار السابقة بصورة لم تصب النجاسة الكفن حملا للمطلق على المقيد. و (ثانيهما) - الحمل على التخيير. واما التفصيل بما قبل الدفن وما بعده فغير مستفاد من الادلة " اقول: لا يخفى ان المستند فيما ذهب إليه الصدوق في هذا المقام انما هو الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) فيه (1): " فان خرج منه شئ بعد الغسل فلا تعد غسله ولكن اغسل ما اصاب من الكفن إلى ان تضعه في لحده فان خرج منه شئ في لحده لم تغسل كفنه ولكن قرضت من كفنه ما اصاب من الذي خرج منه ومددت احد الثوبين على الاخر " وبهذه العبارة عبر الصدوق في الفقيه بتغيير ما. ونقل في المعتبر عن علي بن بابويه القول بذلك في الرسالة إلا انه لا يحضرني الان عبارته (2) والاصحاب قد اقتفوا اثرهما كما عرفت في غير موضع مما نبهنا عليه، وبذلك يزول الاشكال ويجمع بين اخبار الغسل واخبار القرض ويظهر ما في كلام صاحب الذخيرة، إلا ان عذره ظاهر حيث لم يقف على دليل التفضيل. والله الهادي إلى سواء السبيل.

(الثالثة) - ان تلاقي كفنه بعد وضعه في قبره، وقد عرفت الاتفاق هنا


= فيقتصر في ذلك على محل الاتفاق، وفيه ان عموم الاخبار الآتية دال على القرض فيخصص بها ما دل على تحريم اتلاف المال، ثم ذكر اخبار القرض " منه " قدس سره " 1) ص 17 2) قال قدس سره: " فان خرج منه شئ بعد الغسل فلا يعاد غسله ولكن يغسل ما اصاب الكفن إلى ان يوضع في اللحد فان خرج منه شئ في اللحد لم يغسل كفنه ولكن يقرض من كفنه ما اصاب الشئ الذي خرج منه ويمد احد الثوبين على الآخر انتهى العبارة بتغيير يسير منه " قدس سره "


[ 63 ]

على القرض من الكفن. بقي الكلام في نجاسة الجسد، والظاهر من كلامهم اغتفارها في هذه الصورة فانه من الظاهر ان النجاسة لا تتعدى إلى الكفن حتى ينجس بها الجسد مع انهم لم يتعرضوا للكلام فيها، وكذا عبارة الفقه الرضوي التي هي المستند في التفصيل انما دلت على قرض الكفن خاصة واما تطهير جسد الميت في قبره أو اخراجه منه وتطهيره فلا تعرض فيها له، والروايات الدالة على الغسل كأنها محمولة عندهم على ما قبل الوضع في القبر كما هو ظاهر سياقها. وبما حققناه في المقام يظهر ما في كلام صاحب المدارك في هذا المقام من المجازفة التي لا تخفى على ذوي الافهام، حيث قال بعد نقل حسنة الكاهلي وردها بعدم توثيق الكاهلي ونقل صحيحة ابن ابي عمير واحمد بن محمد وطعنه فيها بالارسال: " ولولا تخيل الاجماع على هذا الحكم لامكن القول بعدم وجوب القرض والغسل مطلقا تمسكا بمقتضى الاصل واستضعافا للرواية الواردة بذلك " انتهى. اقول: لا يخفى انه قد رد الاجماع في غير موضع مع التصريح به فكيف يستند هنا إلى مجرد تخيله ؟ على ان الروايات المذكورة من اقوى الادلة وامتنها، اما رواية الكاهلي فهي معدودة في الحسن عند اصحاب هذا الاصطلاح والقسم الحسن معمول عليه بينهم واما رواية ابن ابي عمير فهي صحيحة وارساله لها غير مناف للصحة عند ارباب هذا الاصطلاح، ومثلها مرسلته بمشاركة احمد بن محمد بن ابي نصر الذي قد عد ممن اجمعت العصابة على تصحيح ما يصبح عنه، مع ان هذه العبارة وهو قولهما " عن غير واحد " مما ينادي باستفاضة النقل المذكور وشهرته، هذه العبارة اقوى دلالة على الصحة من التعبير برجل ثقة، ولهذا ان صاحب الذخيرة الذي من عادته اقتفاء اثره تنظر في كلامه هنا. والله العالم.

(المسألة الثانية) - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في ان كفن المرأة على زوجها بل ادعى عليه الشيخ في الخلاف الاجماع، وعلله العلامة في التذكرة بثبوت الزوجية إلى حين الوفاة وبان من وجبت نفقته وكسوته حال الحياة وجب تكفينه كالمملوك فكذا الزوجة.


[ 64 ]

وعلله المحقق في المعتبر بان الزوجية باقية إلى حين الوفاة ومن ثم حل تغسيلها ورؤيتها وجاز ميراثها فتجب مؤنتها لانها من احكام الزوجية والكفن من جملة ذلك. ولا يخفى ما في هذه التعليلات العليلة من عدم الصلاح لتأسيس الاحكام الشرعية وان ادعوها ادلة عقلية وقدموها على السمعية. ويرد على ما ذكروه هنا من ثبوت الزوجية إلى حين الوفاة مع عدم دلالة ما قبل الوفاة على ما بعدها، اما المطابقة والتضمن فظاهر، واما الالتزام فلعدم الملازمة فيما ذكر لاستلزام الموت عدم كثير من احكام الزوجية ولهذا جاز له التزويج اختها والخامسة. وما ذكره في التذكرة - من ان من وجبت نفقته وكسوته حال الحياة وجب تكفينه منقوض بواجب النفقة من الاقارب فانه لا يجب تكفينهم على القريب وان وجبت نفقتهم حال الحياة، على انه لو تم لاقتضى اختصاص الحكم بالزوجة الدائمة الممكنة فلا يجب للمتمتع بها ولا الناشز مع ان ظاهرهم خلافه، فالواجب الرجوع إلى الاخبار: ويدل عليه منها ما رواه الشيخ عن السكوني عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (1) " ان امير المؤمنين (عليه السلام) قال: على الزوج كفن امرأته إذا ماتت " وروى الصدوق في الفقيه مرسلا (2) قال: " قال (عليه السلام): كفن المرأة على زوجها إذا ماتت " وصاحب المدارك لما اورد رواية السكوني تنظر فيها من حيث ضعف السند، ثم قال: والاجود الاستدلال على ذلك بما رواه الصدوق في الصحيح عن الحسن ابن محبوب عن عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " ثمن الكفن من جميع المال، وقال كفن المرأة على زوجها إذا ماتت " والظاهر ان قوله " وقال عليه السلام " انما هو رواية مرسلة لا تعلق لها بالصحيحة المذكورة كما هي قاعدته في الكتاب المذكور، ويؤيده ان الكليني رواها في الكافي عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد


1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 32 من ابواب التكفين 3) رواه في الوسائل في الباب 31 من ابواب التكفين


[ 65 ]

عن الحسن بن محبوب إلى آخر السند خالية من هذه الزيادة، والشيخ رواها في التهذيب تارة عن احمد إلى آخر السند وتارة اخرى عن الحسن بن محبوب إلى آخر السند خالية من ذلك ايضا، والعجب هنا انه قد سرى هذا الوهم إلى جملة من المتأخرين كشيخنا البهائي في الحبل المتين وصاحب الوسائل اغترارا بكلام صاحب المدارك، ولا يخفى على من عرف عادة الصدوق في الكتاب المذكور انه ان لم يكن ما ذكرناه اقرب فلا اقل ان يكون مساويا في الاحتمال وبه لا يتم الاستدلال، ولم أر من تقطن لما ذكرناه إلا الفاضل الخراساني في الذخيرة مع اقتفائه غالبا اثر صاحب المدارك.

فروع:

(الاول) - قد صرح جمع من الاصحاب بوجوب مؤنة التجهيز ايضا على الزوج كالحنوط والسدر والكافور وماء الغسل وغيره من الواجب، قال في المبسوط: " يلزم زوجها كفنها وتجهيزها ولا يلزم ذلك في مالها " وبه صرح ابن ادريس والعلامة في النهاية وغيرهم، وتوقف في هذا الحكم في المدارك، وهو في محله.

(الثاني) - اطلاق الخبر وكلام الاصحاب يقتضي انه لا فرق في الزوجة بين الدائم والمستمع بها ولا بين المطيعة والناشز ولا بين الحرة والامة، واحتمل في المدارك اختصاصه بالدائم لانها التي ينصرف إليها الذهن عند الاطلاق، وقال في الذكرى: " لا فرق بين الحرة والامة في ذلك وكذا المطلقة الرجعية، اما الناشز فالتعليل بالانفاق ينفي وجوب الكفن واطلاق الخبر يشمله وكذا المستمع بها ".

(الثالث) - قالوا ولا يلحق بالزوجة غيرها من واجبي النفقة إلا المملوك فان كفنه على مولاه للاجماع عليه وان كان مدبرا أو مكاتبا مشروطا أو مطلقا لم يتحرر منه شئ أو ام ولد، ولو تحرر منه شئ فبالنسبة.

(الرابع) - ما ذكر من وجوب الكفن أو المؤنة كملا على الزوج مشروط


[ 66 ]

بيساره ولو بارثه من تركتها فلو اعسر بان لا يفضل ماله عن قوت يوم وليلة وما يستثنى في الدين كفنت من تركتها، ان كان لها مال، صرح به العلامة وغيره، ولو اعسر عن البعض اكمل من تركتها، كل ذلك مع عدم وصيتها به. اما لو اوصت بالكفن الواجب كانت الوصية من ثلثها وسقط عنه ان نفذت.

(الخامس) - قال في المنتهي: " لو اخذ السيل الميت أو اكله السبع وبقي الكفن كان للورثة دون غيرهم إلا ان يكون قد تبرع به رجل فانه يعود إليه " انتهى. وهو جيد. وانما الاشكال فيما لو كفن الرجل زوجته ثم ذهبت وبقي الكفن فهل يعود إلى الزوج أو يكون ميراثا لورثتها ؟ اشكال ينشأ من ثبوت استحقاقها له فيرجع إلى ورثتها ومن عدم الجزم بخروج عن ملك الزوج فيكون له.

(المسألة الثالثة) - قد صرح الاصحاب بان كفن الرجل يؤخذ من اصل تركته مقدما على الدين والوصايا، والمستند فيه روايات عديدة: منها - ما تقدم من صحيحة عبد الله ابن سنان (1) وما رواه المشايخ الثلاثة عن زرارة في الصحيح (2) قال: " سألته عن رجل مات وعليه ودين بقدر ثمن كفنه ؟ قال يجعل ما ترك في ثمن كفنه الا ان يتجر عليه بعض الناس فيكفنونه ويقضى ما عليه مما ترك " وعن السكوني عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " اول شئ يبدأ به من المال الكفن ثم الدين ثم الوصية ثم الميراث ". ولو لم يكن له مال دفن عاريا ولا يجب على المسلمين بذل الكفن له وان استحب كما تقدمت الاخبار الدالة عليه في صدر المقصد، ويجوز تكفينه من الزكاة كما نص عليه جمع من الاصحاب. ويدل عليه ما رواه الشيخ عن الفضل بن يونس الكاتب في الموثق (4) قال: " سألت ابا الحسن موسى (عليه السلام) فقلت له ما ترى في رجل


1) ص 2 64) رواه في الوسائل في الباب 27 من الكتاب الوصايا 3) رواه في الوسائل في الباب 28 من كتاب الوصايا 4) رواه في الوسائل في الباب 33 من ابواب التكفين


[ 67 ]

من اصحابنا يموت ولم يترك ما يكفن به اشترى له كفنه من الزكاة ؟ فقال اعط عياله من الزكاة قدر ما يجهزونه فيكونون هم الذين يجهزونه. قلت فان لم يكن له ولد ولا احد يقوم بامره فاجهزه انا من الزكاة ؟ فقال كان ابي يقول ان حرمة بدن المؤمن ميتا كحرمته حيا فوار بدنه وعورته وجهزه وكفنه وحنطه واحتسب بذلك من الزكاة وشيع جنازته. قلت فان اتجر عليه بعض اخوانه بكفن آخر وكان عليه دين ايكفن بواحد ويقضى دينه بالاخر ؟ قال لا ليس هذا ميراثا تركه انما هذا شئ صار إليه بعد وفاته فليكفنوه بالذي اتجر عليه ويكون الاخر لهم يصلحون به شأنهم ". ويستحب ان يكون الكفن من خالص الاموال وطهورها لما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا وفى العيون مسندا (1) " ان السندي بن شاهك قال لابي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) احب ان تدعني ان اكفتك ؟ فقال انا اهل بيت حج صرورتنا ومهور نسائنا واكفاننا من طهور اموالنا " ورواه المفيد في ارشاده (2) وزاد فيه " وعندي كفني ".


1) رواه في الوسائل في الباب 34 من ابواب التكفين 2) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 26 من ابواب التكفين

 


الجزء التالي الصفحة الرئيسية  
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>