
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء الرابع
المقصد الرابع
في الدفن
قال في المنتهى: " وهو فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن البعض الاخر وان لم يقم به احد لحق جميع من علم به الاثم والذم بلا خلاف بين العلماء في ذلك " انتهى. والفرض منه مواراته في الارض على وجه تكتم رائحته عن السماع وجثته عن السباع على جنبه الايمن موجها إلى القبلة، قال في المعتبر: " وعليه اجماع المسلمين ولان النبي (صلى الله عليه وآله) امر بذلك ووقف على القبور وفعله، والكيفية المذكورة ذكره الشيخ في النهاية والمبسوط والمفيد في الرسالة الغرية وابنا
[ 68 ]
بابويه ولان النبي (صلى الله عليه وآله) دفن كذلك وهو عمل الصحابة والتابعين ". اقول: اما وجوب الدفن على الوجه الذي ذكرناه فهو مستفيض في الاخبار كما سيمر بك ان شاء الله تعالى كثير منها، ولان فائدة الدفن انما تتم بالوصفين المذكورين والوصفان متلازمان غالبا، ولو فرض وجود احدهما دون الاخر وجب مراعاة الاخر كما صرح به الاصحاب ايضا. وظاهر الاصحاب تعين الحفر اختيارا فلا يجزئ التابوت والازج الكائنان على وجه الارض تحصيلا للبراءة اليقينية من التكليف الثابت، وبه قطع في الذكرى لانه مخالف لما امر به النبي من الحفر ولانه (صلى الله عليه وآله) دفن ودفن كذلك وهو عمل الصحابة والتابعين. انتهى. وهو جيد. ولو تعذر الحفر لصلابة الارض أو اكثرية الثلج أو نحو ذلك جاز مواراته بحسب الامكان مراعيا للوصفين المتقدمين مهما امكن، قال في الذكرى: " لو تعذر الحفر لصلابة الارض أو تحجرها وامكن نقله إلى ما يمكن حفره وجب، وان تعذر اجزأ البناء عليه بما يحصل به الوصفان المذكوران لانه في معنى الدفن، ولو فعل ذلك اختيارا فالاقرب المنع لانه مخالف لما امر به النبي (صلى الله عليه وآله) من الحفر " انتهى. وهو جيد. ولو دفن بالتابوت في الارض جاز إلا ان الشيخ نقل الاجماع في الخلاف على كراهته. واما الكيفية المذكورة فلم ينقل فيها خلاف إلا عن ابن حمزة حيث ذهب إلى الاستحباب لاصالة البراءة. حجة المشهور على ما ذكره جمع من المتأخرين ومتأخريهم - التأسي بالنبي (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام) وما رواه معاوية بن عمار في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " كان البراء بن معرور التميمي الانصاري بالمدينة وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمكة وانه حضره الموت وكان رسول الله والمسلمون يصلون إلى بيت المقدس فأوصى البراء إذا دفن ان يجعل وجهه إلى رسول الله
1) رواه في الوسائل في الباب 61 من ابواب الدفن
[ 69 ]
(صلى الله عليه وآله) إلى القبلة فجرت به السنة. وانه اوصى بثلث ماله فنزل به الكتاب وجرت به السنة " قال في الذخيرة بعد ان نقل ذلك: " وفى الحجتين تأمل ". اقول: الظاهر ان الحجة في ذلك انما هو كتاب الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) فيه (1): " ثم ضعه في لحده على يمينه مستقبل القبلة " والصدوقان قد ذكرا ذلك اخذا من الكتاب المذكور، ومن تأخر عنهم فقد تبعهما في ذلك كما اشرنا إليه في غير موضع مما هو من هذا القبيل، ويعضده ما رواه في دعائم الاسلام (2) عن علي (عليه السلام) " انه شهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) جنازة رجل من بني عبد المطلب فلما انزلوه في قبره قال اضجعوه في لحده على جنبه الايمن مستقبل القبلة ولا تكبوه لوجهه ولا تلقوه لظهره. " وحيث قد عرفت وجوب الاستقبال بالميت في حال الدفن فانه يستثني من ذلك مواضع: (منها) ما لو التبست القبلة.
و (منها) - ما لو تعذر ذلك كما لو مات في بئر ونحوه وتعذر اخراجه وصرفه إلى القبلة.
و (منها) - ان يكون امرأة غير مسلمة حاملة من مسلم فيستدبر بها ليكون وجه الولد إلى القبلة بناء على ما قيل ان وجه الولد إلى ظهر امه، والمقصود بالذات دفنه وهي كالتابوت له ولذا دفنت في مقبرة المسلمين اكراما له، وهذا الحكم مجمع عليه بينهم كما في التذكرة، والاصل فيه الشيخان واتباعهما، واستدل عليه وفي التهذيب بما رواه احمد بن اشيم عن يونس (3) قال: " سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل تكون له الجارية اليهودية والنصرانية فيواقعها فتحمل ثم يدعوها إلى ان تسلم فتأبى عليه فدنا ولادتها فماتت وهي تطلق والولد في بطنها ومات الولد أيدفن معها على النصرانية أو يخرج منها ويدفن على فطرة الاسلام ؟ فكتب يدفن معها " قال في المعتبر: " ولست ارى في هذا حجة (اما اولا) - فلان ابن اشيم ضعيف
1) ص 2 18) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 51 من ابواب الدفن 3) رواه في الوسائل في الباب 39 من ابواب الدفن
[ 70 ]
جدا على ما ذكره النجاشي في كتاب المصنفين والشيخ. و (اما ثانيا) - فلان دفنه معها لا يتضمن دفنها في مقبرة المسلمين بل ظاهر اللفظ يدل على دفن الولد معها حيث تدفن هي ولا اشعار في الرواية بموضع دفنها، والوجه ان الولد لما كان محكوما له باحكام المسلمين لم يجز دفنه في مقابر اهل الذمة واخراجه مع موتهما غير جائز فتعين دفنه معها كما قلناه " انتهى. والمسألة لا تخلو من شوب الاشكال حيث انه لا مستند للحكم المذكور سوى ما يدعى من الاجماع، وما ذكره في المعتبر من التعليل وان كان لا يخلو من قرب إلا انه لا يصلح لتأسيس حكم شرعي نعم يصلح ان يكون وجها للنص لو وجد.
و (منها) - راكب البحر إذا مات، فقد قطع الشيخ واكثر الاصحاب بانه يغسل ويحنط ويكفن ويصلى عليه وينقل إلى البر ان امكن، وان تعذر لم يتربص به بل يوضع في خابية ونحوه ويشد رأسها ويلقى في البحر أو يثقل ليرسب في الماء ثم يلقى فيه، قيل وظاهر المفيد في المقنعة والمحقق في المعتبر جواز ذلك وان لم يتعذر البر، والظاهر ان وجه هذه الظاهرية هو انهما ذكرا الحكم المذكور مطلقا فانه قال في المعتبر: " إذا مات في السفينة في البحر غسل وكفن وصلى عليه وثقل ليرسب في الماء أو جعل في خابية وشد رأسها والقي في البحر " ونحوها عبارة المقنعة.
اقول: والاخبار قد وردت بالامرين المذكورين، فمما يدل على الوضع في الخابية ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن ايوب بن الحر (1) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل مات وهو في السفينة في البحر كيف يصنع به ؟ قال يوضع في خابية ويوكأ رأسها ويطرح في الماء " وذكره الصدوق مرسلا مقطوعا، واما ما يدل على التثقيل فهو ما رواه في الكافي عن ابان عن رجل عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " في الرجل يموت مع القوم في البحر ؟ فقال تغسل ويكفن ويصلى عليه ويثقل ويرمي به في البحر " وعن سهل رفعه عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " إذا مات الرجل في السفينة ولم يقدر على الشط ؟ قال
1) و 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 40 من ابواب الدفن
[ 71 ]
يكفن ويحنط في ثوب ويلقى في الماء " وروى الشيخ في التهذيب عن ابي البختري وهب ابن وهب القرشي عن الصادق عن ابيه (عليهما السلام) (1) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) إذا مات الميت في البحر غسل وكفن وحنط ثم يوثق في رجليه حجر ويرمى به في الماء " وفي الفقيه الرضوي (2) " وان مات في سفينة فاغسله وكفنه وثقل رجليه وألقه في البحر " والاصحاب (رضوان الله عليهم) قد جمعوا بين روايات المسألة بالتخيير، وهو جيد. واطلاق اكثر الاخبار بالنسبة إلى تقديم البر ان امكن مقيد بما دلت عليه مرسلة سهل من ذلك والحكم حينئذ مما لا يعتريه الاشكال. وقد ذكر جملة من الاصحاب انه ينبغي استقبال القبلة به حال الالقاء، واوجبه ابن الجنيد والشهيدان لانه دفن حيث يحصل به مقصود الدفن، وهو تقييد لاطلاق النص من غير دليل والتعليل المذكور عليل. إذا عرفت ذلك فاعلم ان للدفن آدابا وسننا متقدمة ومقارنة ومتأخرة، وتحقيق الكلام في المقام يتوقف على بسطه في مطالب ثلاثة:
(الاول) - في الاداب المتقدمة وهي امور:
(الاول) - التشييع، وقد ورد في استحبابه اجر عظيم وثواب جسيم، فروى في الكافي عن ابي بصير (3) قال: " سمعت ابا جعفر (عليه السلام) (4) يقول من مشي مع جنازة حتى يصلى عليها ثم رجع كان له قيراط من الاجر فإذا مشى معها حتي تدفن كان له قيراطان، والقيراط مثل جبل احد " وعن جابر عن الباقر وعليه السلام) قال: " من شيع ميتا حتى يصلى عليه كان له قيراط من الاجر ومن بلغ معه إلى قبره حتى يدفن كان له قيراطان من الاجر، والقيراط مثل جبل احد " وعن الاصبغ بن نباتة (5) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) من تبع جنازة كتب الله له اربعة قراريط: قيراط باتباعه اياها وقيراط بالصلاة عليها وقيراط
1) رواه في الوسائل في الباب 40 من ابواب الدفن 2) ص 18 3) و 4) و 5) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب الدفن
[ 72 ]
بالانتطار حتى يفرغ من دفنها وقيراط بالتعزية " وعن ابي الجارود عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " كان فيما ناجي به موسى (عليه السلام) ربه ان قال يا رب ما لمن شيع جنازة ؟ قال اوكل به ملائكة من ملائكتي معهم رايات يشيعونهم من قبورهم إلى محشرهم " وعن جابر عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: " إذا ادخل المؤمن قبره نودي ألا ان اول جبائك الجنة ألا واول حباء من تبعك المغفرة " وعن اسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " اول ما يتحف به المؤمن في قبره ان يغفر لمن تبع جنازته " وعن داود الرقي عن رجل من اصحابه عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " من شيع جنازة مؤمن حتى يدفن في قبره وكل الله به سبعين ملكا من المشيعين يشيعونه ويستغفرون له إذا خرج من قبره إلى الموقف " وعن ميسر (5) قال: " سمعت ابا جعفر (عليه السلام) يقول من تبع جنازة مسلم اعطي يوم القيامة اربع شفاعات ولم يقل شيئا إلا قال الملك ولك مثل ذلك " وفي الفقه الرضوي (6): وقد روى ابي عن ابي عبد الله (عليه السلام) ان المؤمن إذا ادخل قبره ينادى الا ان اول حبائك الجنة واول حباء من تبعك المغفرة، إلى ان قال ولا تترك تشييع جنازة المؤمن فان فيه فضلا كثيرا ". والمعروف من مذهب الاصحاب - كما صرح به جمع منهم - ان سنة التشييع هو المشي وراء الجنازة أو إلى احد جانبيها، ونص المحقق في المعتبر على ان تقدمها ليس بمكروه بل هو مباح، وحكى الشهيد في الذكرى كراهة المشي امامها من كثير من الاصحاب، وقال ابن عقيل: يجب التأخر خلف المعادي لذي القربي لما ورد من استقبال ملائكة العذاب اياه (7) وقال ابن الجنيد: يمشي صاحب الجنازة بين يديها
1) و 2) و 3) و 5) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب الدفن 4) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب الدفن 7) رواه في الوسائل في الباب 5 من ابواب الدفن
[ 73 ]
والباقون وراءها لما روي من " ان الصادق (عليه السلام) تقدم سرير ابنه اسماعيل بلا حذاء ولا رداء ". (1) اقول: والذي وقفت عليه في المسألة من الاخبار ما رواه في الكافي في الموثق عن اسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " المشي خلف الجنازة افضل من المشي بين يديها " ورواه في التهذيب عن محمد بن يعقوب وزاد فيه " ولا بأس بان يمشي بين يديها " وراه في الفقيه مرسلا كذلك. وعن جابر عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: " مشي النبي (صلى الله عليه وآله) خلف جنازة فقيل يارسول الله مالك تمشي خلفها ؟ فقال ان الملائكة رأيتهم يمشون امامها ونحن تبع لهم " وعن سدير عن الباقر (عليه السلام) (4) قال: " من احب ان يمشي مشي الكرام الكاتبين فليمش جنبي السرير، وروى الشيخ عن السكوني عن جعفر عن ابيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (5) قال: " سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول اتبعوا الجنازة ولا تتبعكم خالفوا اهل الكتاب " وروى في الكافي والفقيه وفي الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (6) قال: " سألته عن المشي مع الجنازة فقال بين يديها وعن يمينها وعن شمالها " وعن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (7) قال: " امش بين يدى الجنازة وخلفه " وعن السكوني عن الصادق (عليه السلام) (8) قال: " سئل كيف اصنع إذا خرجت مع الجنازة امشي امامها أو خلفها أو عن يمينها اوعن شمالها ؟ قال: ان كان مخالفا فلا تمش امامه فان ملائكة العذاب يستقبلونه بالوان العذاب " وروي الشيخ في التهذيب عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (9) مثله. وروى في الكافي عن يونس بن ظبيان عن الصادق (عليه السلام) (10) قال:
1) رواه في الوسائل في الباب 27 من ابواب الدفن 2) و 3) و 4) و 5) رواه في الوسائل في الباب 4 من ابواب الدفن 6) و 7) و 8) و 9) و 10) رواه في الوسائل في الباب 5 من ابواب الدفن
[ 74 ]
" امش امام جنازة المسلم العارف ولا تمش امام جنازة الجاحد فان امام جنازة المسلم ملائكة يسرعون به إلى الجنة وان امام جنازة الكافر ملائكة يسرعون به إلى النار " وفى الفقه الرضوي (1) " وإذا حضرت جنازة فامش خلفه ولا تمش امامها وانما يؤجر من تبعها لامن تبعته، وقد روى ابي عن ابي عبد الله (عليه السلام) ان المؤمن. الحديث " وقد تقدم (2) ثم قال وقال (عليه السلام): " اتبعوا الجنازة ولا تتبعكم فانه من عمل المجوس (3) أو افضل المشي في اتباع الجنائز ما بين جنبي الجنازة وهو مشي الكرام الكاتبين " انتهى. اقول: والمفهوم من هذه الاخبار بعد ضم بعضها إلى بعض ان الافضل في التشييع هو المشي خلف الجنازة أو إلى احد جنبيها مع زيادة الاول في الفضل، واما المشي امامها فان كان مؤمنا فلا بأس به ولا كراهة فيه وان كان ليس فيه ثواب الفردين الاولين وان كان مخالفا فهو مكروه للعلة المذكورة في الاخبار. وجمع بعض بحمل اخبار النهى عن التقدم بالحمل على ما إذا كان مخالفا. وفيه ان خبر السكوني ورواية كتاب الفقه الدالان على تعليل النهي بكونه عمل اهل الكتاب والمجوس يدلان على اعم من المؤمن والمخالف. واما حديث تقدم الصادق (عليه الاسلام) جنازة ابنه اسماعيل فاحتمال الحمل على التقية فيه قريب فان المشهور بينهم افضلية المشي امامها وقد نسبوا القول بافضلية المشي خلفها إلى اهل البيت (عليهم السلام) قال بعض شراح صحاح مسلم على ما نقله شيخنا
1) ص 18 2) اقول الصدوق في المقنع: إذا حضرت جنازة فامش خلفها ولا تمش امامها فانما يؤجر من يتبعها لا من تتبعة فانه روي " اتبعوا الجنازة ولا تتبعكم فانه من عمل المجوس " وروى " إذا كان الميت مؤمنا فلا بأس ان يمشى قدام جنازته فان الرحمة تستقبله والكافر لا يتقدم جنازته فان اللعنة تستقبله " انتهى. وصدر هذا الكلام عين ما في كتاب الفقه المذكور في الاصل. منه قدس سره 3) اقول: هذا مضمون رواية السكوني ايضا منه " قدس سره "
[ 75 ]
المجلسي (عطر الله مرقده) في البحار: كون المشي وراء الجنازة افضل من المشي امامها قول علي بن ابي طالب (عليه السلام) ومذهب الاوزاعي وابي حنيفة، وقال جمهور الصحابة والتابعين ومالك والشافعي وجماهير العلماء المشي قدامها افضل، وقال الثوري وطائفة هما سواء. (1).
وفي المقام فوائد:
(الاولى) - ينبغي للمشيع ان يحضر قلبه ذكر الموت والتفكر في مآله وما يصير إليه عاقبة حاله ويكره له الضحك واللهو، ففي الكافي عن عجلان ابي صالح (2) قال: " قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) يا ابا صالح إذا انت حملت جنازة فكن كأنك انت المحمول وكأنك سألت ربك الرجوع إلى الدنيا ففعل فانظر ماذا تستأنف، قال ثم قال عجب لقوم حبس اولهم عن آخرهم ثم نودى فيهم الرحيل وهم يلعبون " قال في الذكرى: ويكره له الضحك واللهو لما روي " ان النبي (صلى الله عليه وآله) أو عليا (عليه السلام) شيع جنازة فسمع رجلا يضحك فقال كأن الموت فيها على غيرنا كتب. الحديث "
1) في المغنى لابن قدامة ج 2 ص 474 ما ملخصه " اكثر اهل العلم يرون الفضيلة في المشى امام الجنازة، وقال الاوزاعي واصحاب الرأى المشي خلفها افضل " وفى عمدة الفاري للعينى الحنفي ج 2 ص 8 " المشى خلف الجنازة عندنا افضل ومشهور مذهب المالكية كمذهبنا وبه قال أبو حنيفة وابو يوسف ومحمد واسحاق واهل الظاهر وابراهيم النخعي وسفيان الثوري والاوزاعي وسويد بن غفلة ومسروق وابو قلابة ويروى ذلك عن على ابن ابى طالب (ع) و عبد الله بن مسعود وابى الدرداء وابى امامة وعمرو بن العاص، واستشهد له بتسع روايات عن النبي " ص " وان عليا (ع) يحلف بالله انه سمعه من رسول الله " ص " وان ابا بكر وعمر سمعاه ايضا ولكنهما ارادا ان يسهلا على الناس فمشيا امام الجنازة. وقال احمد المشى امامها افضل " وفى نيل الاوطار ج 4 ص 62 " عند الزهري ومالك واحمد والجمهور وجماعة من الصحابة ام المشي امامها افضل، وعند ابى حنيفة واصحابه وسفيان الثوري واسحاق - وحكاه في البحر عن العترة (ع) - ان المشى خلفها افضل " 2) رواه في الوسائل في الباب 59 من ابواب الدفن
[ 76 ]
اقول: هذا الكلام قد ذكره امير المؤمنين (عليه السلام) كما نقله السيد الرضي في كتاب نهج البلاغة (1) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) وقد تبع جنازة فسمع رجلا يضحك فقال كأن الموت فيها على غيرنا كتب وكأن الحق فيه على غيرنا وجب. " وساق الكلام ثم قال السيد: ومن الناس من ينسب هذ الكلام إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) اقول: ورواه الكراجكي في كنز الفوائد عن النبي (صلى الله عليه وآله). (2).
(الثانية) - قال في المعتبر: " قال علي بن بابويه في الرسالة: واياك ان تقول ارفقوا به أو ترحموا عليه أو تضرب يدك على فخذك فيحبط اجرك. وبذلك رواية عن اهل البيت (عليهم السلام) نادرة لكن لا بأس بمتابعته تفصيا من الوقوع في المكروه " انتهى. اقول: لا ريب ان ما ذكره علي بن بابويه (قدس سره) هنا مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (3): " واياك ان تقول ارفقوا به وترحموا عليه أو تضرب يدك على فخذك فانه يحبط اجرك عند المصيبة " والظاهر ان اختلاف آخر العبارة نشأ من غلط في احد الطرفين. واما ما اشار إليه المحقق من الرواية النادرة فالظاهر انها ما رواه السكوني عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (4) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاثة ما ادري ايهم اعظم جرما: الذي يمشي مع الجنازة بغير رداء أو الذي يقول قفوا أو الذي يقول استغفروا له غفر الله لكم " وروى في الخصال بسنده فيه عن عبد الله بن الفضل الهاشمي عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " ثلاثة لا ادري ايهم اعظم جرما: الذي يمشي خلف جنازه في مصيبة غيره بغير رداء والذي يضرب يده على فخذه عند المصيبة والذي يقول ارفقوا به ترحموا عليه رحمكم الله تعالى " اقول: ما دلت عليه هذه الاخبار من النهي عن القول بما تضمنته من الامر
1) و 2) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 53 من ابواب الدفن 3) ص 17 4) و 5) رواه في الوسائل في الباب 47 من ابواب الاحتضار
[ 77 ]
بالرفق أو الامر بالاستغفار لا يحضرني الان له وجه وجيه ولا وقفت فيه على كلام لاحد من اصحابنا (رضوان الله عليهم) إلا ما ذكره شيخنا المجلسي في البحار، حيث قال بعد ذكر خبري عبد الله بن الفضل اولا والسكوني ثانيا: " قوله مع الجنازة اي مع عدم كونه صاحب المصيبة كما مر في الخبر الاول وهو اما مكروه أو حرام كما سيأتي، واما قوله " ارفقوا به " فلتضمنه تحقير الميت واهانته، وفي التهذيب " أو الذي يقول قفوا " ولعله تصحيف وعلى تقديره الذم لمنافاته لتعجيل التجهيز أو يكون الوقوف لانشاد المراثي وذكر احوال الميت كما هو الشايع وهو مناف للتعزي والصبر، والفقرة الثالثة ايضا لاشعارها بكونه مذنبا وينبغي ان يذكر الموتى بخير. ويمكن ان تحمل الفقرتان على ما إذا كان غرض القائل التحقير والاشعار بالذنب. ويحتمل ان يكون الضميران في الاخيرتين راجعين إلى الذي يمشى بغير رداء اي هو بسبب هذا التصنع لا يستحق ان يأمر بالرفق به ولا الاستغفار له. وقال العلامة في المنتهى: وكره ان يقول قفوا واستغفروا له غفر الله تعالى لكم لانه خلاف المنقول بل ينبغي ان يقال ما نقل عن اهل البيت (عليهم السلام) انتهى كلام شيخنا المشار إليه.
(الثالثة) - قد ذكر جمع من الاصحاب: منهم - المحقق والعلامة وابن ابي عقيل وابن حمزة انه يكره للمشيع الجلوس حتى يوضع الميت في قبره لما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ينبغي لمن شيع جنازة ان لا يجلس حتى يوضع في لحده فإذا وضع في لحده فلا بأس بالجلوس " وظاهر الشيخ وابن الجنيد انتفاء الكراهة، قال في المدارك: بعد ذكر الصحيحة المذكورة " وهو ضعيف " وقال في الذكرى: " اختلف الاصحاب في كراهة جلوس المشيع قبل الوضع في اللحد فجوزه في الخلاف ونفى عنه البأس ابن الجنيد للاصل ولرواية عبادة بن الصامت (2) " كان
1) رواه في الوسائل في الباب 45 من ابواب الدفن 2) كما في سنن البيهقي ج 4 ص 28
[ 78 ]
رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا كان في جنازة لم يجلس حتي يوضع في اللحد فقال يهودي انا لنفعل ذلك فجلس وقال خالفوهم " وكرهه ابن ابي عقيل وابن حمزة والفاضلان وهو الاقرب لصحيح ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) ثم ساق الخبر، ثم قال: والحديث حجة لنا لان " كان " تدل على الدوام والجلوس لمجرد اظهار المخالفة، ولان الفعل لا عموم له فجاز وقوع الجلوس تلك المرة خاصة، ولان القول اقوى من الفعل عند التعارض، والاصل مخالف للدليل " انتهى كلامه واجاب شيخنا البهائي عنه بعد نقل ملخص هذا الكلام بان لابن الجنيد ان يقول ان احتجاجي ليس بمجرد الفعل بل بقوله (صلى الله عليه وآله) خالفوهم. انتهى. اقول: يمكن ان يحتج لابن الجنيد ايضا بحسنة داود ابن النعمان (1) قال: " رأيت ابا الحسن (عليه السلام) يقول ما شاء الله لا ما شاء الناس فلما انتهى إلى القبر تنحى فجلس فلما ادخل الميت لحده قام فحثا عليه التراب ثلاث مرات بيده ".
(الرابعة) - قال في الذكرى: نقل الشيخ الاجماع على كراهية الاسراع بالجنازة لقول النبي (صلى الله عليه وآله) (2): " عليكم بالقصد في جنائزكم " لما رأى ان جنازة تمخض مخضا، وقال ابن عباس في جنازة ميمونة " ارفقوا بها فانها امكم " (3) ولو خيف على الميت فالاسرع اولى، قال المحقق: اراد الشيخ كراهة ما زاد على المعتاد وقال الجعفي السعي بها افضل. وقال ابن الجنيد يمشي بها جنبا. قلت: السعي العدو والجنب ضرب منه، فهما دالان على السرعة، وروى الصدوق عن الصادق (عليه
1) رواه في الوسائل في الباب 29 من ابواب الدفن 2) كما في سنن اليهقى ج 4 ص 22 والنص هكذا: " عليكم بالقصد في المشى بجنائزكم " 3) في سنن البيهقى ج 4 ص 22 " عن عطاء قال حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة زوج النبي " ص " (يسرف) فقال ابن عباس: هذه ميمونة إذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوه ولا تزلزلوه وارفقوا
[ 79 ]
السلام) " ان الميت إذا كان من اهل الجنة نادى عجلوا بي وان كان من اهل النار نادى ردوني " انتهى. اقول ما اشار إليه في كلام الشيخ من الحديث النبوي هو ما رواه ابنه (قدس سره) في المجالس عن ابيه بسنده فيه عن ليث بن ابي بردة عن ابيه (1) قال: " مروا بجنازة تمخض كما يمخض الزق فقال النبي (صلى إليه عليه وآله) عليكم بالسكينة عليكم بالقصد في المشى بجنائزكم ".
(الخامسة) - يكره ان يركب المشيع دابة حال تشييعه ولا بأس بذلك بعد الرجوع، ويدل عليه ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن عبد الرحمن بن ابي عبد الله البصري عن الصادق (عليه السلام) (2) ورواه في الفقيه مرسلا عن الصادق (عليه السلام) قال: " مات رجل من الانصار من اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى جنازته يمشي فقال له بعض اصحابه ألا تركب يارسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال اني لاكره ان اركب والملائكة يمشون " وزاد في الكافي " وابى ان يركب " وروى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن ابي عمير عن بعض اصحابنا عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوما خلف جنازة ركبانا فقال ما استحى هؤلاء ان يتبعوا صاحبهم ركبانا وقد اسلموه على هذه الحالة " وروى في التهذيب عن غياث بن ابراهيم عن الصادق عن ابيه عن علي (عليهم السلام) (4) " انه كره ان يركب الرجل مع الجنازة في بداية الا من عذر، وقال يركب إذا رجع " قوله: " في بداية " اي حال الذهاب حين يبدأ بالمشي.
1) رواه في الوسائل في الباب 64 من ابواب الدفن 2) و 3) و 4) رواه في الوسائل في الباب من ابواب الدفن
[ 80 ]
(السادسة) - ويستحب الدعاء بالمأثور عند رؤية الجنازة وحملها فروى في الكافي عن عنبسة بن مصعب عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من استقبل جنازة أو رآها فقال: " الله اكبر هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله اللهم زدنا ايمانا وتسلما الحمد لله الذي تعزر بالقدرة وقهر العباد بالموت " لم يبق في السماء ملك إلا بكى رحمة لصوته " وروى الشيخ في الموثق عن عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الجنازة إذا حملت كيف يقول الذي يحملها ؟ قال يقول: بسم الله وبالله وصلى الله على محمد وآل محمد اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات " وعن ابي الحسن النهدي رفعه (3) قال: " كان أبو جعفر (عليه السلام) إذا رأى جنازة قال: الحمد لله الذي لم يجعلني من السواد المخترم " وقد ذكر غير واحد من الاصحاب انه يستحب لمن شاهد الجنازة ان يقول: " الحمد لله الذي لم يجعلني من السواد المخترم " والمستند فيه ما ذكرناه من رواية النهدي وحسنة ابي حمزة (4) قال: " كان علي بن الحسين (عليهما السلام) إذا رأى جنازة قد اقبلت قال: الحمد لله الذي لم يجعلني من السواد المخترم " قيل والسواد يطلق تارة على الشخص واخرى على عامة الناس، وزاد بعض اطلاق السواد على القرية، والمخترم الهالك والمستأصل، والظاهر هو المعنى الثاني، والمعنى الشكر لله سبحانه انه لم يجعله من الهالكين فيكون شكرا لنعمة الحياة. ولا ينافي ذلك حب لقاء لله تعالى فان معناه حب الموت وعدم الامتناع منه على تقدير رضاء الله تعالى به فلا ينافي لزوم شكر نعمة الحياة والرضاء بقضاء الله في ذلك، وقيل ان حب لقاء الله سبحانه انما يكون عند معاينة منزلته في الجنة كما ورد في الخبر، أو المراد الهلاك على غير بصيرة فيكون الشكر لله سبحانه على انه لم يجعله من عامة الناس الهالكين على غير بصيرة في الدين ولا استعداد للموت، وحينئد فالشكر يرجع إلى التوفيق في المعرفة والهداية في الدين، قال في الذكرى بعد نقل حديث علي بن الحسين (عليه السلام): " قلت السواد الشخص والمخترم الهالك أو المستأصل والمراد به هنا
1) و 2) و 3) و 4) رواه في الوسائل في الباب 9 من ابواب الدفن
[ 81 ]
الجنس، ومنه قولهم السواد الاعظم اي لم يجعلني من هذا القبيل، ولا ينافي هذا حب لقاء الله تعالى لانه غير مقيد بوقت فيحمل على حال الاحتضار ومعاينة ما يحب كما رويناه عن الصادق (عليه السلام) (1) ورووه في الصحاح عن النبي (صلى الله عليه وآله) (2) انه قال: " من احب لقاء الله تعالى احب الله لقاءه ومن كره لقاء لله سبحانه كره الله لقاءه. فقيل له انا لنكره الموت ؟ فقال ليس ذلك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته فليس شئ احب إليه مما امامه فاحب لقاء الله تعالى واحب الله لقاءه، وان الكافر إذا حضره الموت بشر بعذاب الله تعالى فليس شئ اكره إليه مما امامه فكره لقاء الله وكره الله لقاءه " إلى ان قال: ويجوز ان يكنى بالمخترم عن الكافر لانه الهالك على الاطلاق بخلاف المؤمن، أو المراد بالمخترم من مات دون اربعين سنة " انتهى كلامه.
(السابعة) - روى في الكافي عن البرقي رفعه عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " قال رسول الله (صلي الله عليه وآله) اميران وليسا باميرين: ليس لمن تبع جنازة ان يرجع حتى يدفن أو يؤذن له، ورجل يحج مع امرأة فليس له ان ينفر حتى تقضي نسكها " ورواه الصدوق في الخصال والمقنع. اقول: ظاهر الخبر انه ليس لمن شيع الجنازة الرجوع قبل الدفن إلا باذن الولي، وبذلك صرح ابن الجنيد على ما نقله عنه في الذكرى فقال: من صلى على جنازة لم يبرح حتى يدفن أو يأذن اهله بالانصراف إلا من ضرورة لرواية الكليني، ثم ساق الرواية المذكورة. ثم انه مع فرض اذن الولي في الرجوع فانه
1) رواه في الوسائل في الباب 19 من ابواب الاحتضار 2) رواه السنائى في السنن ج 1 ص 260 طبع مصر عن ابي هريرة وعبادة بن الضامت وعائشة عن رسول الله " ص " وابن ماجة في سننه ج 2 ص 566 الطبعة الاولى بالطبعة التازية بمصر عن عائشة. والترمذي في سننه ج 9 ص 189 على هامش شرحه لابن العربي عمن تقدم في رواية النسائي، وابن حجر في مجمع الزوائد ج 320 2 عن احمد والبزار وابى يعلى عن انس، والسيوطي في الجامع الصغير ج 2 ص 159 عن عائشة وعبادة 3) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب الدفن
[ 82 ]
لا يدل على عدم استحباب اتمام التشييع بعد الاذن بل الاستحباب باق، ويدل على ذلك ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة (1) قال: " حضر أبو جعفر (عليه السلام) جنازة رجل من قريش وانا معه وكان فيه عطاء فصرخت صارخة فقال عطاء لتسكتن أو لنرجعن قال فلم تسكت فرجع عطاء فقلت لابي جعفر (عليه السلام) ان عطاء قد رجع، قال ولم ؟ قلت صرخت هذه الصارخة فقال لها لتسكتن أو لنرجعن فلم تسكت فرجع، فقال امض بنا فلو انا إذا رأينا شيئا من الباطل مع الحق تركنا له الحق لم نقض حق مسلم، قال: فلما صلى على الجنازة قال وليها لابي جعفر (عليه السلام) ارجع مأجورا رحمك الله تعالى فانك لا تقوى على المشي فابى ان يرجع، قال فقلت له: قد اذن لك في الرجوع ولي حاجة اريد ان اسألك عنه فقال امض فليس باذنه جئنا ولا باذنه نرجع وانما هو فضل واجر طلبناه فبقدر ما يتبع الجنازة الرجل يؤجر على ذلك ".
(الثامنة) - المشهور - وبه صرح الشيخ وجمع من الاصحاب - انه يكره حمل ميتين على سرير رجلين كانا ام امرأتين أو رجلا وامرأة، وقال في النهاية لا يجوز وهو بدعة، وكذا ابن ادريس في سرائره فانه قال: ولا يجوز حمل ميتين على جنازة واحدة مع الاختيار لان ذلك بدعة. وممن صرح بالكراهة ايضا ابن حمزة. وقال الجعفي لا يحمل ميتان على نعش واحد. وهو محتمل لكل من القولين. والذي وقفت عليه من الاخبار هنا ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن الحسن الصفار (2) قال: " كتبت إلى ابي محمد (عليه السلام) أيجوز ان يجعل الميتين على جنازة واحدة في موضع الحاجة وقلة الناس، وان كان الميتان رجلا وامرأة يحملان على سرير واحد ويصلى عليهما ؟ فوقع (عليه السلام) لا يحمل الرجل والمرأة على سرير واحد "
1) رواه في الوسائل في الباب 40 من ابواب صلاة الجنازة 2) رواه في الوسائل في الباب 42 من ابواب الدفن
[ 83 ]
واستدل بهذه الرواية للحكم المذكور، ورده جمع من المتأخرين بانها اخص من المدعى. وظاهر الخبر المذكور عدم الجواز ولو مع الحاجة. وما ذكره (عليه السلام) في الفقه الرضوي (1) حيث قال: " ولا تجعل ميتين على جنازة واحدة " وهذه العبارة اوردها الصدوق في الفقيه نقلا عن ابيه في رسالته إليه، ومنه يعلم ان مستند الاصحاب في هذا الحكم انما هو كلام الصدوقين ومستند الصدوقين انما هو كتاب الفقه المذكور كما عرفت في غير مقام مما تقدم وستعرف ان شاء الله تعالى. بقي الكلام في العبارة المذكورة مترددا بين التحريم والكراهة وقضية النهي حقيقة الاول. والله العالم.
(التاسعة) - قال في الذكرى: يكره الاتباع بنار اجماعا وهو مروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) (2) وعن الصادق (عليه السلام) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) نهى ان يتبع بمجمرة " رواه السكوني (3) ورواه الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (4) ولو كان ليلا جاز المصباح لقول الصادق (عليه السلام) (5) " ان ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) اخرجت ليلا ومعها مصابيح " اقول: قد تقدم في صحيحة الحلبي أو حسنته عن الصادق (عليه السلام) (6) " واكره ان يتبع بمجمرة وروى الشيخ عن السكوني عن الصادق (عليه السلام) (7) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) نهى ان تتبع جنازة بمجمرة " وعن غياث بن ابراهيم عن الصادق عن ابيه (عليهما السلام) (8) " انه كان يكره ان يتبع الميت بالمجمرة " والرواية التي اشار إليها في اخراج فاطمة (عليها السلام) ليلا بالمصابيح قد رواها الصدوق في الفقيه مرسلة (9) قال: " سئل الصادق (عليه السلام) عن الجنازة يخرج معها بالنار ؟ فقال ان ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله). الحديث " وروى في العلل عن الصادق (عليه
1) ص 19 2) كما في المغنى لابن قدامة ج 2 ص 477 3) و 4) و 6) و 7) و 8) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب التكفين 5) رواه في الوسائل في الباب 10 من ابواب الدفن 9) ج 1 ص 100
[ 84 ]
السلام) (1) في حديث طويل يتضمن مرض فاطمة (عليها السلام) ووفاتها إلى ان قال: " فلما قضت نحبها وهم في جوف الليل اخذ علي (عليه السلام) في جهازها من ساعته واشعل النار في جريد النخل ومشى مع الجنازة بالنار حتى صلى عليها ودفنها ليلا.. " وحينئذ فيكون الموت ليلا مستثنى من الكراهة. ويفهم من هذين الخبرين ان قبرها (عليها السلام) ليس في البيت كما هو احد الاقوال بل ربما اشعرت بكونه في البقيع كما قيل ايضا.
(العاشرة) - قال في الذكرى: يكره اتباع النساء الجنازة لقول النبي (صلى الله عليه وآله): " ارجعن مأزورات غير مأجورات " ولقول ام عطية: " نهينا عن اتباع الجنازة " ولانه تبرج. انتهى. اقول: اما الحديث النبوي المشار إليه فهو ما رواه الشيخ في المجالس عن عباد بن صهيب عن الصادق عن ابيه (عليهما السلام) عن ابن الحنفية عن علي (عليه السلام) (2) " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله (خرج فرأى نسوة قعودا فقال ما اقعدكن ههنا ؟ قلن لجنازة: قال افتحملن مع من يحمل ؟ قلن لا. قال: افتغسلن مع من يغسل ؟ قلن لا. قال افتدلين في من يدلي ؟ قلن لا. قال فارجعن مأزورات غير مأجورات " واما حديث ام عطية فالظاهر انه من روايات العامة كما يشعر به كلام العلامة في المنتهى فاني لم اقف بعد التتبع عليه في شئ من اصولنا. وفي المنتهى: ويكره للنساء اتباع الجنائز ذكره الجمهور لانهن امرن بترك التبرج والحبس في البيوت، وروت ام عطية فقالت: " نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا " (3) ومن طريق الخاصة ما رواه الشيخ عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (4) انه قال: " ليس ينبغي للمرأة الشابة ان تخرج إلى الجنازة وتصلي عليها إلا ان تكون امرأة دخلت في
1) رواه في الوسائل في الباب 10 من ابواب الدفن 2) رواه في الوسائل في الباب 69 من ابواب الدفن 3) كما في المغنى ج 2 ص 477 4) رواه في الوسائل في الباب 29 من ابواب صلاة الجنازة
[ 85 ]
السن " وفى رواية غياث بن ابراهيم عن الصادق عن ابيه (عليهما السلام) (1) " قال لا صلاة على جنازة معها امرأة " قال الشيخ: المراد بذلك نفي الفضيلة لانه يجوز لهن ان يخرجن ويصلين، فانه روي يزيد بن خليفة عن الصادق (عليه السلام) (2) " ان زينب بنت النبي (صلى الله عليه وآله) توفيت وان فاطمة (عليها السلام) خرجت في نسائها فصلت على اختها " انتهى. اقول: ومثل حديث يزيد بن خليفة المذكور حديثه الاخر وهو ما رواه الكليني في الصحيح عن يزيد بن خليفة (3) - وهو ممدوح فيكون حديثه حسنا - قال: " سأل عيسى بن عبد الله ابا عبد الله (عليه السلام) وانا حاضر فقال تخرج النساء إلى الجنازة ؟ فقال ان الفاسق آوى عمه الغيرة بن ابي العاص، ثم ذكر حديث وفاة زوجة عثمان بطوله إلى ان قال: وخرجت فاطمة (عليها السلام) ونساء المؤمنين والمهاجرين فصلين على الجنازة " اقول: ويفهم من خبري يزيد بن خليفة ان خروجها (عليها السلام) مع النساء كان مرتين مرة في موت اختها زينب زوجة ابي العاص الاموي ومرة اخرى في زوجة عثمان. وكيف كان فهذان الخبران ظاهران في الجواز بغير كراهة، واخلق بهذا القول ان يكون اصله من العامة وتبعهم فيه اصحابنا لرواية الشيخ التي اشار إليها في الذكرى، وراويها - كما عرفت - عباد بن صهيب وهو بتري عامي لا يبلغ قوة في معارضة هذه الاخبار، ورواية ام عطية قد عرفت انها ليست من طرقنا بل الظاهر انها من طرقهم، ويشير إلى ما ذكرناه صدر عبارة المنتهى، واما خبر ابي بصير فليس فيه ازيد من استثناء الشابة ولعله لخصوص مادة، واما خبر غياث بن ابراهيم فيحمل على التقية لكون راويه عاميا بتريا. وبالجملة فعموم اخبار التشييع مضافا إلى خصوص هذه الاخبار اوضح واضح في الجواز من غير كراهة.
1) رواه في الوسائل في الباب 40 من ابواب صلاة الجنازة 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 39 من ابواب صلاة الجنازة
[ 86 ]
(الحادية عشرة) - قال في المنتهى: يكره ان يمشي مع الجنازة بغير رداء لرواية السكوني (1) اما صاحب المصيبة فانه ينبغي له ان يضع رداءه ليتميز عن غيره فيقصده الناس للتعزية. روى الشيخ عن الحسين بن عثمان (2) قال: " لما مات اسماعيل ابن ابي عبد الله (عليه السلام) خرج أبو عبد الله بغير رداء ولا حذاء " اقول: قال الشيخ في المبسوط يجوز لصاحب المصيبة ان يتميز عن غيره بارسال طرف العمامة واخذ مئزر فوقها على الاب والاخ فاما على غيرهما فلا يجوز على حال. وقال ابن ادريس: لم يذهب إلى هذا سواه والذي تقتضيه اصولنا انه لا يجوز اعتقاد ذلك وفعله سواء كان على الاب أو الاخ أو غيرهما، لان ذلك حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي ولا دليل عليه، فيجب طرحه لئلا يكون الفاعل له مبدعا لانه اعتقاد جهل. ورده الفاضلان باحاديث الامتياز الاتية في المقام ان شاء الله تعالى. وفيه ان الاحاديث المشار إليها لا دلالة فيها على ما ذكره الشيخ هنا من هذه الكيفية ولا الاختصاص بالاب والاخ. نعم ظاهر ابن الجنيد القول بما قاله الشيخ حيث ذكر التميز بطرح بعض زيه بارسال طرف العمامة أو اخذ مئزر من فوقه على الاب والاخ ولا يجوز على غيرهما، فقول ابن ادريس - انه لم يذهب إلى هذا سواه - ليس في محله. وابن حمزة منع هنا مع تجويزه الامتياز فكأنه يخص التميز في غير الاب الاخ بهذا النوع من الامتياز. وعن ابي الصلاح انه يتحفى ويحل ازراره في جنازة ابيه وجده خاصة. اقول: والذي وقفت عليه من اخبار المسألة زيادة على رواية الحسين بن عثمان المتقدمة ما رواه في الكافي أو التهذيب في الصحيح أو الحسن عن ابن ابي عمير عن بعض اصحابه عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " ينبغي لصاحب المصيبة ان يضع رداءه حتى يعلم الناس انه صاحب المصيبة " والمراد بوضع الرداء نزعه ان كان ملبوسا وعدم لبسه ان كان منزوعا، وهذا مبني على ما هو المتعارف قديما من المداومة على الرداء كالعباءة ونحوها في زماننا هذا، وحينئذ فلا يبعد ان يستنبط من التعليل تغيير الهيئة في
1) ص 76 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 27 من ابواب الاحتضار
[ 87 ]
مثل هذه البلدان التي لا يتعارف فيها الرداء بتغيير ما هو قائم مقامه من عباءة ونحوها مما يلبس فوق الثياب. وما رواه في الكافي مسندا والفقيه معلقا عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ينبغي لصاحب المصيبة ان لا يلبس رداء وان يكون في قميص حتى يعرف " وروى في الفقيه مرسلا (2) قال: " قال الصادق (عليه السلام) ملعون ملعون من وضع رداءه في مصيبة غيره " وقد تقدم قريبا في الفائدة الثانية (3) قوله (عليه السلام) في رواية السكوني: " ثلاثة لا ادري ايهم اعظم جرما. " وعد منهم الذي يمشي مع الجنازة بغير رداء. وفى المحاسن (4) عن ابى بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: " ينبغي الصاحب الجنازة ان يلقي رداءه حتى يعرف وينبغي لجيرانه ان يطعموا عنه ثلاثة ايام) وهذه الاخبار كلها - انما دلت على التميز بلبس المشيع للجنازة الرداء وخلع صاحب المصيبة له، وبذلك يظهر ما في الاقوال الخارجة عن مضمون هذه الاخبار. واما ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) (5) - " انه مشى في جنازة سعد بن معاذ بلا حذاء ولا رداء فسئل عن ذلك فقال اني رأيت الملائكة يمشون بلا حذاء ولا رداء " - فالظاهر انه مخصوص بمورده للخصوصية الظاهرة فيه فلا يتأسى به.
(الثانية عشرة) - قد صرح جملة من اصحابنا بانه لا يستحب القيام لمن مرت به الجنازة إلا ان يكون مبادرا إلى حمله وتشييعها، ويدل عليه ما رواه في الكافي في الصحيح عن زرارة (6) قال: " كنت عند ابى جعفر (عليه السلام) وعنده رجل من لانصار فمرت به جنازة فقام الانصاري ولم يقم أبو جعفر (عليه السلام) فقعدت معه ولم يزل الانصاري قائما حتى مضوا بها ثم جلس فقال به أبو جعفر (عليه السلام) ما اقامك ؟ قال رأيت الحسين بن علي (عليهما السلام) يفعل ذلك. فقال أبو جعفر
1) و 2) و 5) رواه في الوسائل في الباب من ابواب الاحتضار 3) ص 76 4) ص 419 وفي الوسائل في الباب 27 من الاحتضار و 67 من الدفن 6) رواه في الوسائل في الباب 17 من ابواب الدفن
[ 88 ]
(عليه السلام) والله ما فعله الحسين (عليه السلام) ولا قام لها احد منا اهل البيت قط. فقال الانصاري شككتني اصلحك الله تعالى قد كنت اظن انى رأيت " وعن مثنى الخياط عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " كان الحسين بن علي (عليهما السلام) جالسا فمرت به جنازة فقام الناس حين طلعت الحنازة فقال الحسين (عليه السلام) مرت جنازة يهودي وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) على طريقه جالسا فكره ان تعلو رأسه جنازة يهودي فقام لذلك " وروى في قرب الاسناد (2) هذا الخبر عن مولانا الحسن (عليه السلام (بما هو اوضح لادلة، قال فيه: " ان الحسن بن علي (عليهما السلام) كان جالسا ومعه اصحاب له فمر بجنازة فقام بعض القوم ولم يقم الحسن فلما مضوا بها قال بعضهم ألا قمت عافاك الله تعالى ؟ فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقوم للجنازة إذا مروا بها عليه. فقال الحسن (عليه السلام) انما قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرة واحدة وذلك انه مر بجنازة يهودي وكان المكان ضيقا فقام رسول الله (صلى إليه عليه وآله) وكره ان تعلو رأسه " وربما يفهم من الخبرين المذكورين استحباب القيام لمرور جنازة الكافر بل المخالف الذي هو عندنا من افراده، واحتمال الاختصاص به (صلى الله عليه وآله) لمزيد شرفه - ونحوه الائمة المعصومون (عليهم السلام) - ممكن إلا ان الاحتياط في القيام بالشرط المذكور في رواية الحميري من كون الطريق ضيقا فيلزم بالقعود اشرافها على الرأس، وللعامة هنا اختلاف في ذلك وجوبا أو استحبابا أو لاذا ولاذا (3) واخبارهم فيه مختلفة ايضا.
1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 17 من ابواب الدفن 3) في فتح الباري ج 3 ص 117 باب من قام لجنازة يهودي " اختلف اهل العلم فيه فذهب الشافعي إلى انه غير واجب، وذهب جماعة من الشافعية منهم سليم الرازي إلى كراهته واختار النووي الاستصحاب " وفى المحلى لابن حزم ج 5 ص 153 " نستحب القيام للجنازة ولو كان كافرا فان لم يقم فلا حرج ". في المغنى ج 2 ص 479 " قال احمد ان قال لم اعبه وان قعد فلا بأس ". في البحر الرائق ج 2 ص 191 " المختار عدم القيام للجنازة إذا مرت عليه "
[ 89 ]
(الثالثة عشرة) - صرح جملة من الاصحاب بانه يستحب النعش، وهو لغة سرير الميت إذا كان عليه سمي بذلك لارتفاعه فإذا لم يكن عليه ميت فهو سرير، ويتأكد للنساء لسترهم. والاصل فيه الاخبار المروية في عمله لفاطمة (عليها السلام) (1) ومنها - ما رواه في الكافي في الصحيح عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن اول من جعل له النعش ؟ قال فاطمة (عليها السلام) " وروى في التهذيب عن سليمان بن خالد عن الصادق (عليه السلام) وفي الفقيه عن الصادق (عليه السلام) قال: " سألته عن اول من جعل له النعش ؟ قال فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) " وعن ابي عبد الرحمن الحذاء عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " اول نعش احدث في الاسلام نعش فاطمة (عليها السلام) انها اشتكت شكوتها التي قبضت فيها وقالت لاسماء اني نحلت وذهب لحمي ألا تجعلين لي شيئا يسترني ؟ قالت اسماء اني إذ كنت بارض الحبشة رأيتهم يصنعون شيئا أفلا اصنع لك فان اعجبك صنعت لك ؟ قالت نعم. فدعت بسرير فاكبته لوجهه ثم دعت بجرائد فشدته على قوائمه ثم جللته ثوبا فقالت هكذا رأيتهم يصنعون. فقالت اصنعي لي مثله استريني سترك الله تعالى من النار " وحديث اسماء مروي ايضا من طرق العامة بروايات عديدة (4) إلا انه روى الصدوق في العلل عن عمرو بن ابي المقدام وزياد بن عبيدالله (5) قالا: " اتى رجل ابا عبد الله (عليه السلام) فقال يرحمك الله تعالى هل تشيع الجنازة بنار ويمشى معها بمجمرة أو قنديل أو غير ذلك مما يضاء به ؟ قال: فتغير لون ابي عبد الله عليه السلام من ذلك. ثم ساق الحديث - وهو طويل - فيما جرى بين فاطمة وبين الظالمين الملعونين إلى ان قال: فلما نعي إلى فاطمة نفسها ارسلت إلى ام ايمن - وكانت اوثق نسائها عندها وفى نفسها - فقالت يا ام ايمن ان نفسي نعيت
1) و 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 52 من ابواب الدفن 4) رواه في المغنى ج 2 ص 543 والاستيعاب ترجمة فاطمة. عليها السلام، 5) ص 73 وفي الوسائل في الباب 10 من ابواب الدفن
[ 90 ]
الي فادعي لى عليا. فدعته لها فلما دخل عليها قالت له يا ابن العم اريد ان اوصيك باشياء فاحفطها علي. فقال لها قولي ما احببت قالت به تزوج امامة تكون لولدي بعدي مثلي واعمل نعشي رأيت الملائكة قد صورته لي. فقال لها: اريني كيف صورته ؟ فارته ذلك كما وصف لها وكما امرت به. ثم قالت فإذا انا قضيت نحبي فاخرجني من ساعتك اي ساعة كانت من ليل أو نهار ولا يحضرن من اعداء الله تعالى واعداء رسوله للصلاة علي قال علي (عليه السلام) افعل. فلما قضت نحبها (صلى الله عليه) وهم في جوف الليل اخذ علي في جهازها من ساعته كما اوصته. فلما فرغ من جهازها اخرج علي (عليه السلام) الجنازة واشعل النار في جريد النخل ومشي مع الجنازة بالنار حتى صلى عليها ودفنها ليلا.. الحديث " ويمكن حمل الخبر الاول على التقية لاشتهار حديث اسماء ببن العامة أو ان الملائكة صورت لها ذلك وفق ما ذكرته اسماء، ولم اقف في الاخبار على ما يتعلق بذكر النعش غير هذه الاخبار الدالة على امر فاطمة (عليها السلام) به لنفسها، والاصحاب قد فهموا منها العموم للرجال والنساء، وبعضهم خصه بالنساء، قال ابن الجنيد بعد ذكر النعش للنساء: ولا بأس بحمل الصبي على ايدي الرجال والجنازة على ظهر الدواب. إلا ان الاخبار قد تكاثرت بذكره وانه هو المعمول عليه والمحمول عليه كما ستمر بك ان شاء الله تعالى.
(الرابعة عشرة) - لو دعي إلى جنازة ووليمة قدم الجنازة ذكره الاصحاب، وعليه تدل رواية اسماعيل بن ابي زياد عن الصادق عن ابيه (عليهما السلام) (1) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) سئل عن رجل يدعى إلى وليمة والى جنازة فايهما افضل وايهم يجيب ؟ قال: يجيب الجنازة فانها تذكر الاخرة وليدع الوليمة فانها تذكر الدنيا ".
(الخامسة عشرة) يستحب اعلام المؤمنين بذلك لما في الكافي في الصحيح
1) المروية في الوسائل في الباب 34 من ابواب الاحتضار
[ 91 ]
أو الحسن عن عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ينبغي لاولياء الميت منكم ان يؤذنوا اخوان الميت بموته فيشهدون جنازته ويصلون عليه ويستغفرون له فيكتب لهم الاجر ويكتب للميت الاستغفار ويكتسب هو الاجر فيهم وفيما اكتسب لميتهم من الاستغفار " وعن ذريح عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الجنازة يؤذن بها الناس ؟ قال نعم " وعن القاسم بن محمد عن بعض اصحابه عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " ان الجنازة يؤذن بها الناس " اقول: وفي ذلك من الفوائد الجليلة: ما يترتب من الثواب الجزيل على السنن الموظفة في التشييع من الحمل والتربيع والصلاة والتعزية. وما في ذلك من الاتعاظ والتذكرة لامور الاخرة وتنبيه القلب القاسي وزجر النفس الامارة، ونحو ذلك، قال الشيخ في الخلاف: لا نص في النداء. وفي المعتبر والتذكرة لا بأس به. وقال الجعفي: يكره النعي إلا ان يرسل صاحب المصيبة إلى من يختص به. اقول: الظاهر من اخبار المسألة هو استحباب الاعلام باي وجه اتفق لكن لم يعهد فيما مضى عليه السلف من اصحابنا من الصدر الاول النداء بذلك ولو وقع لنقل ولو كان المراد من هذه الاخبار ذلك لعملوا به، والظاهر حينئذ انما هو الارسال إليهم واعلام الناس بعضهم بعضا بذلك والله العالم.
(الامر الثاني) - التربيع، والواجب الحمل كيف اتفق وافضله ان يكون في نعش كما تقدم، وحمل النعش جائز كيف اتفق وليس فيه دنو ولا سقوط مروة كما ربما يتوهم فقد حمل النبي (صلى الله عليه وآله) جنازة سعد بن معاذ كما رواه الاصحاب ومعظم الصحابة والتابعون من غير تناكر لما فيه من البر والكرامة للميت، وهو وظيفة الرجال لا النساء وان كان الميت امرأة إلا لضرورة، وافضله التربيع وهو الحمل باربعة رجال من جوانبه الاربعة، واكمله دوران الحامل على الجوانب الاربعة، وفيه فضل
1) و 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب صلاة الجنازة
[ 92 ]
عظيم وثواب جسيم، فروي في الكافي في الصحيح عن جابر عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " من حمل جنازة من اربع جوانبها غفر الله له اربعين كبيرة " وروى في الفقيه مرسلا (2) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) من حمل اخاه الميت بجوانب السرير الاربعة محا الله تعالى عنه اربعين كبيرة من الكبائر " وروى في الكافي مسندا عن سليمان ابن خالد عن رجل عن الصادق (عليه السلام) وفي الفقيه مرسلا عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " من اخذ بقائمة السرير غفر الله تعالى له خمسا وعشرين كبيرة وإذا ربع خرج من الذنوب " وروى في الفقيه مرسلا (4) قال: قال (عليه السلام) لاسحاق بن عمار: " إذا حملت جوانب السرير سرير الميت خرجت من الذنوب كما ولدتك امك " وروى في الكافي عن جابر عن الباقر (عليه السلام) (5) قال: " السنة ان يحمل السرير من جوانبه الاربع وما كان بعد ذلك من حمل فهو تطوع ". بقي الكلام في الكيفية التي هي افضل صور التربيع، وقد اختلف الاصحاب في ذلك. فقيل: السنة ان يبدأ بمقدم السرير الايمن ثم يمر عليه إلى مؤخره ثم بموخر السرير الايسر ويمر عليه إلى مقدمه دور الرحى، ذكر ذلك الشيخ في النهاية والمبسوط وادعى عليه الاجماع وهو المشهور بين الاصحاب على ما ذكره جملة من المتأخرين، وقال في الخلاف: يحمل بميامنه مقدم السرير الايسر ثم يدور حوله حتى يرجع إلى المقدم. وانت خبير بان المراد بميامن السرير ومياسره انما هو بالنسبة إلى المشيع والماشي خلفه فعلى هذا يكون يمين السير مما يلي يسار الميت ويساره مما يلي يمين الميت، فعلى القول المشهور ينبغي ان يبدأ اولا ويضع مقدم السرير الايمن الذى يلي يسار الميت على كتفه الايسر ثم يدور عليه من خلفه إلى ان يأخذ مقدمه الايسر الذي عليه يمين الميت على كتفه الايمن، وعلى تقدير قول الشيخ في الخلاف بعكس ذلك فيبدأ بمقدم السرير الايسر الذي عليه يمين الميت فيأخذه على كتفه الايمن ثم يدور من خلفه إلى مقدمه الايمن
1) و 2) و 3) و 4) و 5) رواه في الوسائل في الباب 7 من ابواب الدفن
[ 93 ]
وعبارات الاصحاب لا تخلو هنا من اجمال واضطراب، قال العلامة (قدس سره) في المنتهى: " التربيع المستحب عندنا ان يبدأ الحامل بمقدم السرير الايمن ثم يمر معه ويدور من خلفه إلى الجانب الايسر فيأخذ رجله اليسرى ويمر معه إلى ان يرجع إلى المقدم كذلك دور الرحى، وحاصل ما ذكرناه ان يبدأ فيضع قائمة السرير التي تلي اليد اليمنى للميت فيضعها على كتفه الايسر ثم ينتقل فيضع القائمة التي تلي رجله اليمنى على كتفه الايسر ثم ينتقل فيضع القائمة التى تلي رجله اليسرى على كتفه الايمن ثم ينفتل ؟ فيضع القائمة التي تلي يده اليسر عليه كتفه الايمن " وصدر عبارته (قدس سره) وان كان مجملا إلا ان تفصيله ظاهر في مذهب الشيخ في الخلاف ولكن مقتضاه ان يكون الحامل داخلا بين يدي السرير ورجليه لا بارزا عنه، وهو خلاف المفهوم من كلام الاصحاب، والعجب ان شيخنا الشهيد الثاني في الروض جعل مذهب العلامة في المنتهي موافقا للقول المشهور والامر كما ترى. وقال الشهيد في الدروس: " وافضله التربيع فيحمل اليد اليمنى بالكتف اليمني ثم الرجل اليمنى كذلك ثم الرجل اليسرى بالكتف اليسرى ثم اليد اليسرى كذلك " انتهى. وهو - كما ترى - ظاهر في مذهب الشيخ في الخلاف، والعجب ان شارحه الفاضل الشيخ الجواد الكاظمي ادعى ان هذا القول هو المشهور وانه قول الشيخ في النهاية والمبسوط الذي ادعى عليه الاجماع، قال (قدس سره): اما استحبابه على الوجه الذي ذكره المصنف فهو المشهور بين الاصحاب وادعى الشيخ عليه الاجماع في النهاية والمبسوط. وظاهر الذخيرة اختيار هذا القول ودعوى انه هو المشهور كما ذكره الفاضل المشار إليه بزعم ان كلام الشيخ في النهاية والمبسوط وكذا من تبعه غير ظاهر فيما فهموه فان اعتبار اليمنة واليسرة للسرير كما يمكن باعتبار المشيعين يمكن باعتبار الميت فينبغي ان يحمل عليه حتى يوافق الروايات ويوافق كلامه في الخلاف. وكيف كان فالواجب الرجوع إلى النصوص وبيان ما هو المفهوم منها بالعموم
[ 94 ]
أو الخصوص، فمنها - ما رواه الكليني والشيخ في الموثق عن الفضل بن يونس (1) قال: " سألت ابا ابراهيم (عليه السلام) عن تربيع الجنازة ؟ قال: إذا كنت في موضع تقية فابدأ باليد اليمني ثم بالرجل اليمنى ثم ارجع من مكانك إلى ميامن الميت لا تمر خلف رجليه البتة حتى تستقبل الجنازة فتأخذ يده اليسرى ثم رجله اليسرى ثم ارجع من مكانك لا تمر خلف الجنازة البتة حتى تستقبلها تفعل كما فعلت اولا، وان لم تكن تتقي فيه فان تربيع الجنازة الذي جرت به السنة ان تبدأ باليد اليمنى ثم بالرجل اليمنى ثم بالرجل اليسرى ثم باليد اليسرى حتى تدور حولها " وما رواه في الكافي عن العلاء بن سيابة عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " تبدأ في حمل السرير من جانبه الايمن ثم تمر عليه من خلفه إلى الجانب الاخر ثم تمر حتى ترجع إلى المقدم كذلك دوران الرحى عليه " وما رواه الكليني والشيخ عن علي ابن يقطين عن ابي الحسن موسي (عليه السلام) (3) قال: " سمعته يقول: السنة في حمل الجنازة ان تستقبل جانب السرير بشقك الايمن فتلزم الايسر بكفك الايمن ثم تمر عليه إلى الجانب الاخر وتدور من خلفه إلى الجانب الثالث من السرير ثم تمر عليه إلى الجانب الرابع مما يلي يسارك " وما رواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا عن جامع البزنطي عن ابن ابي يعفور عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " السنة ان تستقبل الجنازة من جانبها الايمن وهو مما يلي يسارك ثم تصير إلى مؤخره وتدور عليه حتى ترجع إلى مقدمة " وما في الفقه الرضوي (5) حيث قال (عليه السلام): " وربع الجنازة فان من ربع جنازة مؤمن حط الله تعالى عنه خمسا وعشرين كبيرة، فإذا اردت ان تربعها فابدأ بالشق الايمن فخذه بيمينك ثم تدور إلى المؤخر فتأخذه بيمينك ثم تدور إلى المؤخر الثاني فتأخذه بيسارك ثم تدور إلى المقدم الايسر فتأخذه بيسارك ثم تدور على الجنازة كدور كفى الرحى ".
1) و 2) و 3) و 4) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب الدفن 5) ص 18
[ 95 ]
هذا ما وقفت عليه من روايات المسألة، والكلام فيها اما في رواية الفضل بن يونس فان الاصحاب قد استدلوا بها على المذهب المشهور، والذي يظهر عندي انها تدل على قول الشيخ في الخلاف، وذلك فان الظاهر من اليد اليمنى واليد اليسرى والرجل اليمنى والرجل اليسرى انما هو يد الميت ورجلاه لان ظاهر الخبر ان الابتداء في حال التقية وعدم التقية واحد، وهو ان يبدأ بيد الميت اليمنى التي تلى يسار السرير بالتقريب الذي قدمناه، ولا فرق بينهما الا انه بعد حمل ما يلي يد الميت اليمنى ثم رجله اليمنى فان كان مقام تقية رجع إلى ميامن الميت ومر من وجه الجنازة ولا يدور من خلفها حتى يأخذ يد الميت اليسرى التي تلي يمين السرير بيده اليسرى أو على كتفه الايسر ثم إلى الرجل اليسرى وان لم تكن تقية فانه يمر خلف الميت. والظاهر ان الاشارة بدور الرحى في الرواية انما هو للرد على العامة فيما ذكره (عليه السلام) عنهم في هذا الخبر وحينئذ فلا تأييد فيه للقول المشهور كما ذكره جمع من الاصحاب من ان الرحى انما تدور من اليمين إلى اليسار لا بالعكس، فان الظاهر ان الغرض من التشبيه انما هو مجرد الدوران وعدم الرجوع في الاثناء كما تفعله العامة مما نقله (عليه السلام) في الخبر المذكور ومما يؤكد كون فعل العامة كما نقله (عليه السلام) ما ذكره في كتاب شرح السنة (1) وهو من كتب العامة المشهورة، قال: " حمل الجنازة من الجوانب الاربع فيبدأ بياسرة السرير المتقدمة فيضعها على عاتقه الايمن ثم بياسرته المؤخرة ثم بيامنته المتقدمة فيضعها على عاتقه
1) في المغنى لابن قدامة ج 2 ص 478 " السنة في الحمل الجنازة الاخذ بجوانب السرير الاربع.. وصفته ان ببدأ بقائمه السرير على يده اليمنى ثم يعود إلى القائمة اليمنى من عند رأس المست فيضعها على كتفه اليسرى ثم ينتقل إلى اليمنى من عند رجليه، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وعن احمد انه يدور فيأخذ بعد ياسرة المؤخر يا منة المؤخر ثم المقدمة وهو مذهب اسحاق، وروي عن ابن مسعود وابن عمر وسعيد بن جبير وايوب "
[ 96 ]
الايسر ثم بيامنته المؤخرة " انتهى. وهو عين ما ذكره (عليه السلام) وبذلك يظهر صحة ما ذكرنا من ان الخبر من ادلة قول الشيخ في الخلاف لا القول المشهور كما هو مما ذكرنا واضح الظهور. واما رواية العلاء بن سيابة فهي لا تخلو من اجمال فان الضمير في " جانبه) يحتمل رجوعه إلى " السرير " كما هو الظاهر فيكون الخبر ظاهرا في القول المشهور سيما مع قراءة الافعال الاربعة على صيغة الخطاب، ويحتمل رجوعه إلى الميت فيكون موافقا لقول الشيخ في الخلاف إلا ان الظاهر هو الاول. واما رواية علي بن يقطين فهي ظاهرة في مذهب الشيخ في الخلاف وحملها على خلافه تعصب واعتساف. واما رواية السرائر فهي ظاهرة في القول المشهور لان جانب الجنازة الايمن هو الذي يلي يسار الميت. وقوله: " مما يلي يسارك " يعني في حال الحمل لان يمين الجنازة يلي يسار الحمل، والحديث صحيح باصطلاح المتأخرين لان الكتاب المأخوذ منه من الاصول المشهورة المأثورة. وصاحبه وكذا المروي عنه وهو ابن ابي يعفور ثقتان جليلان، وبذلك يظهر ما في كلام السيد السند (قدس سره) في المدارك حيث قال بعد ذكر الروايات الثلاث الاولة: والروايات كلها قاصرة من حيث السند، مع ان ابن بابويه روى في الصحيح عن الحسين بن سعيد (1): " انه كتب إلى ابى الحسن الرضا (عليه السلام) يسأله عن سرير الميت يحمل أله جانب يبدأ به في الحمل من جوانبه الاربع أو ما خف على الرجل من اي الجوانب شاء ؟ فكتب من ايها شاء " وروى جابر عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: " السنة ان يحمل السرير من جوانبه الاربع وما كان بعد ذلك من حمل فهو تطوع " انتهى. وفيه زيادة على ما عرفت - وان كان العذر له ظاهرا في عدم وقوفه على الخبر المذكور - انه لا منافاة بين ما دلت عليه هذه الاخبار وما دلت عليه الصحيحة المذكورة حتى انه يتمسك بهذه الصحيحة في رد تلك الاخبار لضعفها بزعمه
1) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب الدفن 2) رواه في الوسائل في الباب 7 من ابواب الدفن
[ 97 ]
فان الظاهر ان السؤال في الصحيحة المذكورة عن جانب يتعين العمل به ولا يجوز العدول إلى غيره فاجابه (عليه السلام) بانه ليس كذلك بل تتأدى السنة اي سنة التربيع بالابتداء باي جانب، ولا ينافيه كون الافضل ان يكون على الكيفية التي تضمنتها هذه الاخبار وان اختلفت فيها، ويدل على ما ذكرناه قوله (عليه السلام) في الخبر الثاني الذي اورده: " السنة ان يحمل السرير من جوانبه الاربع وما كان بعد ذلك من حمل فهو تطوع " اي زيادة فضل واستحباب واما رواية كتاب الفقه فهي ظاهرة ايضا في مذهب الشيخ في الخلاف بان يراد بالشق الايمن يعني يمين الميت وهو يسار السرير كما ينادي به الحمل بيمينه، فان الحمل باليمين مع خروج الحامل عن السرير انما يكون مما يلي يمين الميت ويسار السرير. وكيف كان فالظاهر التخيير بين الصورتين جمعا بين الاخبار المذكورة. واما ما تكلفه في الذكرى ومثله في الروض - من ارجاع كلام الشيخ في الخلاف إلى ما في النهاية والمبسوط حيث انه ادعى الاجماع على ما ذهب إليه في الكتابين المذكورين، قال في الذكرى - بعد الاستدلال على القول المشهور بروايتي العلاء بن سيابة والفضل بن يونس - ما صورته: والشيخ في الخلاف عمل على خبر علي بن يقطين، ثم ساق الخبر ثم قال: ويمكن حمله على التربيع المشهور لان الشيخ ادعى عليه الاجماع وهو في المبسوط والنهاية وباقي الاصحاب على التفسير الاول فكيف يخالف دعواه ؟ ولانه قال في الخلاف يدور دور الرحى كما في الرواية وهو لا يتصور إلا على البدأة بمقدم السرير الايمن والختم بمقدمه الايسر والاضافة هنا قد تتعاكس، والراوندي حكى كلام النهاية والخلاف وقال معناهما لا يتغير. انتهى. - فلا يخفى ما فيه (اما اولا) فلما اوضحناه من معنى الاخبار المذكورة وبينا دلالة اكثر روايات المسألة على مذهب الشيخ في الخلاف، وتطبيق احد القولين على الاخر اعتساف ظاهر واي اعتساف. و (اما ثانيا) - فان كلام العلامة في المنتهى كما قدمناه وكلامه هو (قدس سره) في الدروس صريحان في مذهب الشيخ
[ 98 ]
في الخلاف. و (اما ثالثا) - فان الاستناد إلى دوران الرحى في الرواية لا وجه له بعد ما اوضحناه. و (اما رابعا) - فان استبعاد مخالفة الشيخ لنفسه سيما فيما يدعي عليه الاجماع مما يقضى منه العجب من مثل هذين الفاضلين المحققين، واي مسألة من مسائل الفقه من اوله إلى آخره لم تختلف اقواله فيه ولا فتاواه حتى يستغرب في هذا المقام ؟ وكيف لا وهذا القائل اعني شيخنا الشهيد الثاني قد صنف رسالة جمع فيها المسائل التي ادعى فيها الشيخ الاجماع في موضع وادعى الاجماع على عكسه في موضع آخر وهي تبليغ سبعين مسألة، وكانت الرسالة المذكورة عندي فتلفت في بعض الوقائع التي مرت علي، وبالجملة فما ذكرناه اشهر من ان ينكر.
(الثالث) - ان يحفر له القبر قدر قامة أو إلى الترقوة، صرح به الشيخان والصدوق في كتابه وجملة من تأخر عنهم من الاصحاب، والذي وقفت عليه من الاخبار في المقام ما رواه في الكافي عن السكوني عن الصادق (عليه السلام (1) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) نهى ان يعمق القبر فوق ثلاثة اذرع " وما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن ابي عمير عن بعض اصحابه عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " حد القبر إلى الترقوة وقال بعضهم إلى الثدي وقال بعضهم قامة الرجل حتى يمد الثوب على رأس من في القبر، واما اللحد فبقدر ما يمكن فيه الجلوس، قال ولما حضرت على بن الحسين (عليه السلام) الوفاة اغمي عليه فبقي ساعة ثم رفع عنه الثوب ثم قال: الحمد لله الذي اورثنا الجنة نتبوأ منها حيث نشاء فنعم اجر العاملين. ثم قال احفروا لي حتى تبلغوا الرشح قال ثم مد الثوب عليه فمات (عليه السلام) " ورواه في الكافي عن سهل (3) قال روى اصحابنا: " ان حد القبر إلى الترقوة. الحديث " وروى في الفقيه مرسلا (4) قال: " قال الصادق (عليه السلام) حد القبر إلى الترقوة وقال بعضهم إلى الثديين وقال بعضهم قامة الرجل حتى يمد الثوب على رأس من في القبر، واما اللحد فيوسع
1) و 2) و 3) و 4) رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب الدفن
[ 99 ]
بقدر ما يمكن الجلوس فيه " قال في الذكرى بعد نقل مرسلة ابن ابي عمير: " والظاهر ان هذا من محكى ابن ابي عمير لان الامام لا يحكي قول احد " اقول: يمكن ان يكون قول الامام ويكون حكاية لاقوال العامة) وإلا فحمل هذين البعضين القائلين على الشيعة بعيد جدا فان الشيعة لا يقولون إلا عن الائمة (عليهم السلام) لانهم لا يتخذون مذهبا غير مذهب أئمتهم (عليهم السلام) ثم قال في معنى قول زين العابدين (عليه السلام): " احفروا لي حتى تبلغوا الرشح ": " يمكن حمله على الثلاثة لانها قد تبلغ الرشح في البقيع " اقول: والرشح الندى في اسفل الارض. اقول: لا يخفى ان النهي عن ان يعمق القبر فوق ثلاثة اذرع لا يجامع استحباب القامة الذي ذكروه، فان الثلاثة اذرع انما تصل إلى الترقوة فيكون مرجع حديثي الثلاثة والترقوة إلى امر واحد، واما القامة فانما وردت في حكاية ابن ابي عمير على ما اشار إليه في الذكرى أو النقل عن العامة كما احتملناه، فالاولى الاقتصار على الثلاث كما لا يخفى. ثم انه قد ذكر جملة من الاصحاب: منهم - المحقق في المعتبر والشهيد في الذكرى ان اللحد افضل من الشق في غير الارض الرخوة، قال في المعتبر: " ويستحب ان يجعل له لحد ومعناه ان الحافر إذا انتهى إلى ارض القبر حفر مما يلى القبلة حفرا واسعا قدر ما يجلس فيه الجالس، كذا ذكره الشيخان في النهاية والمبسوط والمقنعة وابن بابويه في كتابه " وقال في الذكرى: اللحد افضل من الشق عندنا في غير الارض الرخوة لما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) (1): " اللحد لنا والشق لغيرنا " واحتج به ايضا في المعتبر، ثم قال: ومن طريق الاصحاب ما رواه الحلبي ثم ذكر ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (2) " ان النبي
1) رواه الترمذي في سننه على شرحه لابن العربي ج 4 ص 226 والنسائي في سننه ج 1 ص 283 وابو داود في سننه ج 3 ص 213 2) رواه في الوسائل في الباب 15 من ابواب الدفن
[ 100 ]
(صلى الله عليه وآله) لحد له أبو طلحة الانصاري " وهذه الرواية هي دليل الاصحاب على الافضلية، واما الرواية الاولى فالظاهر انها عامية كما يشير إليه كلام المعتبر إلا انه قد ورد ايضا في رواية اسماعيل بن همام عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (1) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) حين احتضر إذا انا مت فاحفروا لي وشقوا لي شقا فان قيل لكم ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لحد له فقد صدقوا " وفى حديث الحلبي (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) ان ابي كتب في وصيته، إلى ان قال وشققنا له الارض من اجل انه كان بادنا " وقد تقدم (3) في رواية فقه الرضا نحوه حكاية عنه (عليه السلام) وفي العيون في الصحيح أو الحسن عن ابى الصلت الهروي عن الرضا (عليه السلام) (4) في حديث انه قال: سيحفر لي في هذا الموضع فتأمرهم ان يحفروا لي سبع مراقي إلى اسفل وان يشق لي ضريحة فان ابوا إلا ان يلحدوا فتأمرهم ان يجعلوا اللحد ذراعين وشبرا فان الله تعالى سيوسعه ما شاء.. الحديث " ورواه في الامالي. وظاهر هذه الاخبار انما هو ارجحيته الشق على اللحد، وحديث التلحيد لرسول الله (صلى الله عليه وآله) لا ظهور فيه في الافضلية لانه لا يدل على امره (صلى الله عليه وآله) بذلك ولا امر امير المؤمنين (عليه السلام)، ولعل فعله انما هو من حيث كونه احد الفردين المخير بينهما، وبالجملة فعدول الامامين (عليهما السلام) عن ذلك وصيتهما بالشق وجوابهما عن الاحتجاج عليهما فيما اختاراه من الشق بتلحيد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ظاهر المنافاة:، وظاهر حديث الرضا (عليه السلام) يشبر إلى ان اللحد انما هو من سنن هؤلاء، إلا ان العدول عما عليه اتفاق ظاهر كلام الاصحاب مشكل، قال شيخنا المجلسي في البحار بعد نقل حديث تعليل الشق للباقر (عليه السلام) بكونه بدينا: " انما كان يمنع من اللحد لعدم امكان توسيع اللحد
1) و 2) و 4) رواه في الوسائل في الباب 15 من ابواب الدفن 3) ص 30
[ 101 ]
بحيث يسع جثته (عليه السلام) لرخاوة ارض المدينة " اقول: لا يخفى ما فيه فانه لو كان كذلك كيف يلحد لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وليس بين قبر الرسول (صلى الله عليه وآله) وبين البقيع ما يقتضي اختلاف الارض شدة ورخاوة. وعندي ان هذا التعليل انما خرج مسامحة ومجاراة وإلا فالاصل انما هو افضلية الشق، ثم قال (قدس سره) في الكتاب المذكور بعد نقل حديث وصية الرضا (عليه السلام): " لعل اختيار الشق هنا لامر يخصه (عليه السلام) أو يخص ذلك المكان كما ان الحفر سبع مراقي كذلك ويدل على استحباب توسيع اللحد " واما حديث اسماعيل بن همام فرده في المنتهى بضعف السند. وصرح المحقق في المعتبر بناء على ما اختاره من افضلية اللحد بانه لو كانت الارض رخوة لا تحمل اللحد يعمل له شبه اللحد من بناء تحصيلا للافضلية.
(الرابع) - ان يضع الجنازة على الارض إذا وصل إلى القبر مما يلي رجليه والمرأة مما يلي القبلة وان ينقله في ثلاث دفعات، كذا صرح به الاصحاب. اقول: اما الحكم الاول فقد نقله في المعتبر عن الشيخ في النهاية والمبسوط وابن بابويه في كتابه، وقال في المدارك انه لم يقف فيه على نص، قال: وانما علل ذلك بانه ايسر في فعل ما هو الاولى من ارسال الرجل سابقا برأسه والمرأة عرضا، واختيار جهة القبلة لشرفها. اقول: ما ذكره من عدم وجود النص في المسألة مسلم بالنسبة إلى المرأة حيث اني بعد التتبع التام لم اقف على ما يدل على ما ذكروه من وضعها مما يلي القبلة بل ظاهر النصوص وضع الجنازة رجلا كان أو امرأة مما يلى الرجلين ومن ذلك خبر محمد بن عجلان الاول ومرسلة محمد بن عطية (1) فان المراد فيهما باسفل القبر ما يلي الرجلين، واوضح منهما دلالة ما ورد في عدة اخبار (2) " ان لكل بيت بابا وان باب القبر من قبل الرجلين " ومنها - موثقة عمار (3) وفيها " لكل شئ باب وباب القبر مما يلي الرجلين إذا وضعت الجنازة فضعها مما يلي الرجلين. الخبر " وهذه الاخبار - كما ترى -
1) ص 103 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 22 من ابواب الدفن
[ 102 ]
شاملة باطلاقها للرجل والمرأة، وبذلك يظهر ان ما ذكره في المدارك - من انه لم يقف على نص في وضع الرجل مما يلي الرجلين - ليس في محله بل النصوص - كما ترى - ظاهرة فيه، ويمكن ان يستفاد ما ذكره الاصحاب بالنسبة إلى المرأة ايضا والفرق بينها وبين الرجل من عبارة الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (1): " وان كانت امرأة فخذها بالعرض من قبل اللحد وتأخذ الرجل من قبل رجليه تسله سلا " فان ظاهر العبارة ان جنازة المرأة توضع من قبل اللحد واللحد انما يكون في القبلة كما تقدم في عبارة المعتبر وجنازة الرجل تؤخذ من قبل رجلي القبر، وقضية الاخذ من ذلك المكان كون هذا المكان المأخوذ منه هو الذي وضعت فيه الجنازة لما وصلت إلى القبر، وبهذه العبارة عبر الصدوق في الفقيه ايضا، وحينئذ فيجب تخصيص تلك الاخبار بالرجل وبه يدفع الايراد على الاصحاب بعدم وجود المستند لما ذكروه من التفصيل، وقد عرفت نظير ذلك في غير موضع ومثل عبارة كتاب الفقه المذكورة ورواية الاعمش الاتية (2) قريبا ان شاء الله تعالى، والتقريب فيهما مع واحد.. واما الحكم الثاني فقد ذكره الصدوق في الفقيه (3) فقال: " وإذا حمل الميت إلى قبره فلا يفاجأ به القبر اهوالا عظيمة، ويتعوذ حامله بالله من هول المطلع ويضعه قرب شفير القبر ويصبر عليه هنيئة ثم يقدمه قليلا ويصبر عليه هنيئة ليأخذ اهبته ثم يقدمه إلى شفير القبر ويدخله القبر من يأمره ولي الميت ان شاء شفعا وان شاء وترا، ويقال عند النظر إلى القبر: اللهم اجعله روضة من رياض الجنة ولا تجعله حفرة من حفر النار " انتهى. قال في المدارك بعد نقل الثلاث دفعات عن الصدوق في الفقيه والشيخ في المبسوط والمحقق في المعتبر: والذي وقفت عليه في هذه المسألة من الروايات صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: " ينبغي ان يوضع الميت دون
1) وص 18 2) ص 105 3) ج 1 ص 107 4) رواه في الوسائل في الباب 16 من ابواب الدفن
[ 103 ]
القبر هنيئة ثم واره " ومرسلة محمد بن عطية (1) قال: " إذا اتيت باخيك إلى القبر فلا تفدحه به ضعه اسفل من القبر بذراعين أو ثلاثة حتى يأخذ اهبته ثم ضعه في لحده. " ورواية محمد بن عجلان (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا تفدح ميتك بالقبر لكن ضعه اسفل منه بذراعين أو ثلاثة ودعه حتى يأخذ اهبته " ولا يخفى انتفاء دلالة هذه الروايات على ما ذكره الاصحاب بل انما تدل على استحباب وضعه دون القبر هنيئة ثم دفنه، وبمضمونها افتى ابن الجنيد والمصنف في المعتبر في آخر كلامه، وهو المعتمد. انتهى. اقول: ومن روايات المسألة مما هو من هذا القبيل ما رواه ثقة الاسلام عن يونس (3) قال: " حديث سمعته عن ابي الحسن موسى (عليه السلام) ما ذكرته وانا في بيت إلا ضاق علي، يقول إذا اتيت بالميت إلى شفير القبر فامهله ساعة فانه يأخذ اهبته للسؤال " وما رواه الشيخ عن محمد بن عجلان (4) قال: " سمعت صادقا يصدق على الله تعالى - يعني ابا عبد الله (عليه السلام) - قال: إذا جئت بالميت إلى قبره فلا تفدحه بقبره ولكن ضعه دون قبره بذراعين أو ثلاثة اذرع ودعه حتى يتأهب للقبر ولا تفدحه به. الحديث ". إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما ذكره الصدوق مما قدمنا نقله عنه فانما اخذه من الفقه الرضوي على النهج ؟ الذي عرفت سابقا وستعرف مثله ان شاء الله تعالى، قال (عليه السلام) في الكتاب المذكور (5): " وإذا حملت الميت إلى قبره فلا تفاجئ به القبر فان للقبر اهوالا عظيمة ونعوذ بالله من هول المطلع ولكن ضعه دون شفير القبر واصبر عليه هنيئة ثم قدمه قليلا واصبر عليه ليأخذ اهبته ثم قدمه إلى شفير القبر، ويدخله القبر من يأمره ولي الميت ان شاء شفعا وان شاء وترا، وقل إذا نظرت إلى القبر: اللهم اجعله روضة من رياض الجنة ولا تجعله حفرة من حفر النار " انتهى. ومنه يعلم ان مستند الصدوق في هذا الحكم انما هو الكتاب المذكور ومن تأخر عنه اخذ ذلك منه أو من
1) و 2) و 3) و 4) رواه في الوسائل في الباب 16 من ابواب الدفن 5) ص 18
[ 104 ]
الكتاب المذكور، ومنه يعلم مستند القول المشهور وان خفي على الاكثر من اصحابنا المتأخرين والجمهور لعدم وصول الكتاب إليهم. وقال الصدوق في العلل (1) بعد نقل رواية محمد بن عجلان المتقدمة: " وروى في حديث آخر: إذا اتيت بالميت القبر فلا تفدح به القبر فان للقبر اهوالا عظيمة ونعوذ بالله من هول المطلع ولكنه ضعه قرب شفير القبر واصبر عليه هنيئة ثم قدمه قليلا واصبر عليه ليأخذ اهبته ثم قدمه إلى شفير القبر " انتهى. والظاهر ان هذه الرواية المرسلة مأخوذة من الكتاب المذكور كما ترى فان العبارة واحدة. بقي الكلام في الجمع بين هذه الروايات وبين ما ذكره (عليه السلام) في الفقه الرضوي، والظاهر حمل كلامه (عليه السلام) على مزيد الفضل والاستحباب فانه ابلغ في الاهبة والاستعداد وان تأدى اصل الحكم بما في تلك الاخبار، قوله (عليه السلام): " فلا تفجأ به القبر " قال في المصباح المنير: " فجأت الرجل افجأه مهموز من باب تعب وفى لغة بفتحتين: جئته بغتة " وحينئذ يكون المعنى هنا لا تات بميتك القبر بغتة، واما على رواية " تفدح به القبر " فقال في القاموس: " فدحه الدين كمنعه اثقله " ولعل المراد لا تجعل القبر ودخوله ثقيلا على ميتك بادخاله فيه بغتة، واما هول المطلع فقال في النهاية: " هول المطلع يريد به الموقف يوم القيامة اوما يشرف عليه من امر الاخرة عقيب الموت فشبهه بالمطلع الذي يشرف عليه من موضع عال " انتهى قوله: " ويدخله القبر. إلى آخره " فيه دلالة على عدم تعين عدد مخصوص وبه قال الاصحاب، قال في المنتهى: " لا توقيت في عدة من ينزل القبر وبه قال احمد، وقال الشافعي يستحب ان يكون وترا (2) " وفى الخبر المذكور دلالة على ان الاختيار في ذلك للولي، وهو كذلك من غير خلاف يعرف. والله العالم.
1) رواه في الوسائل في الباب 16 من ابواب الدفن 2) كما في المغنى ج 2 ص 502 والبحر الرائق ج 2 ص 193 والمهذب ج 1 ص 131
[ 105 ]
(المطلب الثاني) - في الاداب المقارنة وهي امور:
(منها) - ان يرسل الميت إلى القبر سابقا برأسه ان كان رجلا والمرأة عرضا، ويدل على ذلك ما رواه الشيخ في التهذيب عن عبد الصمد بن هارون (1) رفع الحديث قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا ادخلت الميت القبر ان كان رجلا يسل سلا والمرأة تؤخذ عرضا فانه استر " وعن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (2) قال: " يسل الرجل سلا وتستقبل المرأة استقبالا ويكون اولى الناس بالمرأة في مؤخرها " وما رواه الصدوق في الخصال بسنده عن الاعمش عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3) في حديث شرائع الدين قال: " والميت يسل من قبل رجليه سلا والمرأة تؤخذ بالعرض من قبل اللحد والقبور تربع ولا تسم " وما ذكره (عليه السلام) في الفقه الرضوي (4) حيث قال: " وان كانت امرأة فخذها بالعرض من قبل اللحد وتأخذ الرجل من قبل رجليه تسله سلا " هذا، وجملة من الاخبار قد تضمنت السل مطلقا: منها - صحيحة الحلبي أو حسنته عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " إذا اتيت بالميت القبر فسله من قبل رجليه فإذا وضعته في القبر فاقرأ آية الكرسي. الحديث " ورواية محمد بن مسلم قال: سألت احدهما (عليهما السلام) عن الميت ؟ فقال نسله من قبل الرجلين وتلزق القبر بالارض إلا قدر اربع اصابع مفرجات وتربع قبره " ونحوهما غيرهما ايضا من الاخبار الاتية، وقد ظهر من هذه الاخبار مضافا إلى ما قدمناه قريبا ان السنة في الرجل هو وضع جنازته من جهة رجلي القبر وانه ينقل في دفعات ثلاث وانه يسل سلا ويبدأ برأسه، واما المرأة فان موضع جنازتها مما يلي القبلة وتؤخذ عرضا وتوضع دفعة، وبذلك صرح الاصحاب ايضا كما عرفت، وطريق الجمع حمل اطلاق هذه الاخبار السابقة حمل المطلق على المقيد فلا منافاة.
1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 38 من ابواب الدفن 3) و 6) رواه في الوسائل في الباب 22 من ابواب الدفن 4) ص 18 5) رواه في الوسائل في الباب 21 من ابواب الدفن
[ 106 ]
ومنها - ما اشتملت عليه هذه الاخبار التي انا ذاكرها ثم افصل ما اشتملت عليه ذيلها ان شاء الله تعالى: منها - ما رواه في الكافي عن ابن ابي يعفور عن الصادق (عليه السلام) (1) قال " لا ينبغي لاحد ان يدخل القبر في نعلين ولا خفين ولا عمامة ولا رداء ولا قلنسوة " وعن علي بن يقطين في الصحيح أو الحسن (2) قال: " سمعت ابا الحسن (عليه السلام) يقول لا تنزل في القبر وعليك العمامة والقلنسوة ولا الحذاء ولا الطليسان وحل ازرارك وبذلك سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) جرت، وليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم وليقرأ فاتحة الكتاب والمعوذتين وقل هو الله احد وآية الكرسي، وان قدر ان يحسر عن خذه ويلصقه بالارض فليفعل وليشهد وليذكر ما يعلم حتى ينتهي إلى صاحبه " وعن ابي بكر الحضرمي عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " لا تنزل القبر وعليك العمامة ولا القلنسوة ولا رداء ولا حذاء وحل ازرارك. قال: قالت والخف ؟ قال لا بأس بالخف في وقت الضرورة والتقية " ورواه في التهذيب (4) وزاد " وليجهد في ذلك جهده " وما رواه في التهذيب عن محمد بن اسماعيل بن بزيع (5) قال: " رأيت ابا الحسن (عليه السلام) دخل القبر ولم يحل ازراره " وعن سيف بن عميرة عن الصادق (عليه السلام) (6) قال: " لا تدخل القبر وعليك نعل ولا قلنسوة ولا رداء ولا عمامة. قلت فالخف ؟ قال: لا بأس بالخف فان في خلع الخف شناعة " وما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (7) قال: " إذا اتيت بالميت القبر فسله من قبل رجليه فإذا وضعته في القبر فاقرأ آية الكرسي وقل: بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله اللهم افسح له في قبره والحقه بنبيه (صلى الله عليه وآله) وقل كما قلت في الصلاة عليه مرة واحدة من عند " اللهم ان كان محسنا فزد في احسانه وان كان مسيئا فاغفر له وارحمه وتجاوز عنه " استغفر له ما استطعت
1) و 2) و 3) و 4) و 5) و 6) رواه في الوسائل في الباب 18 من ابواب الدفن 7) رواه في الوسائل في الباب 21 من ابواب الدفن
[ 107 ]
قال وكان علي بن الحسين (عليهما السلام) إذا ادخل الميت القبر قال: اللهم جاف الارض عن جنبيه وصاعد عمله ولقه منك رضوانا " وعن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (19 قال: " إذا سللت الميت فقل: بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله (صلى الله عليه وآله) اللهم إلى رحمتك لا إلى عذابك. فإذا وضعته في اللحد فضع يدك على اذنه وقل: الله ربك والاسلام دينك ومحمد (صلى الله عليه وآله) نبيك والقرآن كتابك وعلي (عليه السلام) امامك " ورواه في التهذيب ايضا (2) وفيه " فضع فمك على اذنه " كما في الاخبار الاتية. وعن محمد بن عجلان عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " سله سلا رفيقا فإذا وضعته في لحده فليكن اولى الناس مما يلى رأسه، وليذكر اسم الله تعالى ويصل عليه النبي (صلى الله عليه وآله) ويتعوذ من الشيطان، وليقرأ فاتحة الكتاب والمعوذتين وقل هو الله احد وآية الكرسي، وان قدر ان يحسر عن خده ويلزقه بالارض فعل، وليشهد ويذكر ما يعلم حتى ينتهي إلى صاحبه " وما رواه في التهذيب عن محمد بن عجلان (4) قال: " سمعت صادقا يصدق على الله - يعني ابا عبد الله (عليه السلام) - قال إذا ادخلته إلى قبره فليكن اولى الناس به عند رأسه وليحسر عن خده وليلصق خده بالارض. وليذكر اسم الله تعالى وليتعوذ من الشيطان وليقرأ فاتحة الكتاب وقل هو الله احد المعوذتين وآية الكرسي ثم ليقل ما يعلم، ويسمعه تلقينه: شهادة ان لا إله الله وان محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويذكر له ما يعلم واحدا واحدا " وعن محفوظ الاسكاف عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " إذا اردت بان تدفن الميت فليكن اعقل من ينزل في قبره عند رأسه وليكشف عن خده الايمن حتى يفضي به إلى الارض ويدنى فمه إلى سمعه ويقول اسمع افهم (ثلاث مرات) الله ربك ومحمد نبيك (صلى الله عليه وآله) والاسلام دينك وفلان امامك اسمع وافهم، واعدها عليه ثلاث مرات هذا التلقين " ورواه في الكافي. وما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح في الاول والموثق في
1) و 2) و 3) و 4) و 5) رواه في الوسائل في الباب 20 من ابواب الدفن
[ 108 ]
الثاني عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " إذا وضع الميت في لحده فقل: بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله عبدك وابن عبدك نزل بك وانت خير منزول به اللهم افسح له في قبره والحقه بنبيه اللهم انا لا نعلم منه إلا خيرا وانت اعلم به منا. فإذا وضعت عليه اللبن فقل: اللهم صل وحدته وآنس وحشته واسكن إليه من رحمتك تغنيه بها عن رحمة من سواك. فإذا خرجت من قبره فقل: انا لله وانا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين اللهم ارفع درجته في اعلى عليين واخلف على عقبه في الغابرين وعندك نحتسبه يا رب العالمين " وما رواه في الكافي في الموثق عن سماعة عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ما اقول إذا ادخلت الميت منا قبره ؟ قال قال: اللهم هذا عبدك فلان وابن عبدك قد نزل بك وانت خير منزول به وقد احتاج إلى رحمتك اللهم ولا نعلم منه إلا خيرا وانت اعلم بسريرته ونحن الشهداء بعلانيته اللهم فجاف الارض عن جنبيه ولقنه حجته واجعل هذا اليوم خير يوم اتى عليه واجعل هذا القبر خير بيت نزل فيه وصيره إلى خير مما كان فيه ووسع له في مدخله وآنس وحشته واغفر ذنبه ولا تحرمنا اجره ولا تضلنا بعده " وما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح والموثق عن ابن ابي عمير عن غير واحد من اصحابنا عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " يشق الكفن من عند رأس الميت إذا ادخل قبره " وعن ابي حمزة (4) قال: " قلت لاحدهما (عليهما السلام) يحل كفن الميت ؟ قال: نعم ويبرز وجهه " وعن ابي بصير (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن عقد كفن الميت. قال إذا ادخلته القبر فحلها ؟ وعن اسحاق بن عمار (6) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا نزلت في قبر فقل بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم تسل الميت سلا، فإذا وضعته في قبره فحل عقدته وقل: اللهم يا رب
1) و 2) و 6) رواه في الوسائل في الباب 21 من ابواب الدفن 3) و 4) و 5) رواه في الوسائل في الباب 19 من ابواب الدفن
[ 109 ]
عبدك ابن عبدك نزل بك وانت خير منزول به اللهم ان كان محسنا فزد في احسانه وان كان مسيئا فتجاوز عنه وألحقه بنبيه محمد (صلى الله عليه وآله) وصالح شيعته واهدنا واياه إلى صراط مستقيم اللهم عفوك عفوك. ثم تضع يدك اليسرى على عضده الايسر وتحركه تحريكا شديدا ثم تقول: يا فلان بن فلان إذا سئلت فقل الله ربي ومحمد نبيي والاسلام ديني والقرآن كتابي وعلي امامي حتى تستوفي الائمة (عليهم السلام) ثم تعيد عليه القول ثم تقول أفهمت يا فلان ؟ قال فانه يجيب ويقول نعم، ثم تقول ثبتك الله بالقول الثابت هداك الله إلى صراط مستقيم عرف الله بينك وبين اوليائك في مستقر من رحمته ثم تقول: اللهم جاف الارض عن جنبيه واصعد بروحه اليك ولقه منك برهانا اللهم عفوك عفوك. ثم تضع الطين اللبن فما دمت تضع اللبن والطين تقول: اللهم صل وحدته وآنس وحشته وآمن روعته واسكن إليه من رحمتك رحمة تغنيه بها عن رحمة من سواك فانما رحمتك للظالمين. ثم تخرج من القبر وتقول: انا لله وانا إليه راجعون اللهم ارفع درجته في اعلى عليين واخلف على عقبه في الغابرين وعندك نحتسبه يا رب العالمين " وروى في الكافي عن زراره (1) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن القبر كم يدخله ؟ قال ذاك إلى الولي ان شاء ادخل وترا وان شاء شفعا " وفى الفقه الرضوي (2) قال (عليه السلام) " وقل إذا نظرت إلى القبر: اللهم اجعلها روضة من رياض الجنة ولا تجعلها حفرة من حفر النيران. فإذا دخلت القبر فاقرأ ام الكتاب والمعوذتين وآية الكرسي، فإذا توسطت المقبرة فاقرأ الهكم التكاثر واقرأ: " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة اخرى " (3) إذا تناولت الميت فقل بسم الله وبالله وفى سبيل الله وعلى ملة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم ضعه في لحده على يمينه مستقبل القبلة وحل عقد كفنه وضع خده على التراب وقل: اللهم جاف الارض عن جنبيه وصعد اليك روحه ولقه منك رضوانا.
1) رواه في الوسائل في الباب 24 من ابواب الدفن 2) ص 18 3) سورة طه الآية 56
[ 110 ]
ثم تدخل يدك اليمنى تحت منكبه الايمن وتضع يدك اليسرى على منكبه الايسر وتحركه تحريكا شديدا وتقول: يا فلان بن فلان الله ربك ومحمد نبيك والاسلام دينك وعلي وليك وامامك، وتسمي الائمة واحدا واحدا إلى آخرهم (عليهم السلام) ثم تعيد عليه التلقين مرة اخرى، فإذا وضعت عليه اللبن فقل: اللهم آنس وحشته وصل وحدته برحمتك اللهم عبدك ابن عبدك ابن امتك نزل بساحتك وانت خير منزول به اللهم ان كان محسنا فزد في احسانه وان كان مسيئا فتجاوز عنه واغفر له انك انت الغفور الرحيم " وهذه العبارة نقلها في الفقيه متفرقة فبعض منها نقله عن ابيه في رسالته إليه وبعض منها ذكره هو مفتيا به كما عرفت من عادته وعادة ابيه في غير موضع.
اقول: يستفاد من هذه الاخبار عدة احكام:
(منها) - انه يستحب للملحد وهو الولي أو من يأذن له شفعا أو وترا - كما تقدم الدليل عليه - ان يكون مكشوف الرأس محلول الازرار حافيا إلا لضرورة أو تقية، وابن الجنيد اطلق نفي البأس عن الخفين، والاظهر تقييده كما دلت عليه هذه الاخبار، داعيا هو وغيره من المشيعين عند معاينة القبر بقوله: اللهم اجعلها روضة من رياض الجنة كما تقدم من كتاب الفقه، وعند تناول الميت: بسم الله وبالله إلى آخر ما في رواية ابي بصير المتقدمة (1) أو بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما في كتاب الفقه، (2) وعند وضعه في اللحد: بسم الله وبالله إلى آخر ما في رواية الحلبي أو ما تضمنته رواية محمد بن مسلم أو موثقة سماعة (3) قارئا بعد وضعه في اللحد السور المذكورة في الاخبار وآية الكرسي، كاشفا عن وجهه مفضيا بخده الايمن إلى الارض، والاولى حل عقد الكفن كما اشتملت عليه روايات ابي حمزة وابى بصير واسحاق بن عمار وعبارة كتاب الفقه (1) دون شقه كما اشتملت عليه مرسلة ابن ابي عمير المتقدمة (5) ومثلها ما رواه
1) ص 107 2) ص 109 3) ص 106 و 108 4) ص 108 و 109 5) ص 108
[ 111 ]
في التهذيب في الصحيح عن حفص بن البختري عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " يشق الكفن إذا ادخل الميت في قبره من عند رأسه " قال في المعتبر بعد ذكر هذه الرواية: " وهذه الرواية مخالفة لما عليه الاصحاب ولان ذلك افساد للمال على وجه غير مشروع، إلى ان قال: والصواب الاقتصار على حل عقده " قال في الذكرى بعد نقل كلام المعتبر: " قلت: يمكن ان يراد بالشق الفتح ليبدو وجهه فان الكفن كان منضما فلا مخالفة ولا افساد " انتهى. وهو في مقام الجمع غير بعيد. ملقنا له الشهادتين واسماء الائمة (عليهم السلام) إلى ان يبلغ إلى صاحب العصر (عليه السلام). وما ذكره في كتاب الفقه الرضوي - من انه يدخل يده اليمنى تحت منكب الميت الايمن. الخ - غريب لم يوجد في غيره، نعم ذكره في الفقيه والظاهر انه مأخوذ من الكتاب المذكور إلا انه ذكره في كلام طويل في ذيل رواية سالم بن مكرم الاتية، وقد توهم جمع انه من الرواية المذكورة والظاهر بعده وهذا التلقين هو التلقين الثاني وبعضهم جعله ثالثا باعتبار استحباب التلقين عند التكفين. ولم اقف على مستنده.
ومنها - ان يجعل له وسادة من تراب ويجعل خلف ظهره مدرة وشبهها لئلا يستلقي رواه الصدوق في الفقيه (2) عن سالم بن مكرم عن الصادق (عليه السلام) قال: " يجعل له وسادة من تراب ويجعل خلف ظهره مدرة لئلا يستلقي " وللصدوق في الفقيه بعد هذه الرواية كلام طويل اكثره مأخوذ من الفقه الرضوي، وصاحب الوافي وكذا صاحب الوسائل اضافاه إلى الرواية المذكورة، والظاهر عدمه كما استظهره ايضا شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار.
ومنها - وضع التربة الحسينية على مشرفها افضل الصلاة والسلام والتحية معه، وهذا الحكم مشهور في كلام المتقدمين ولكن مستنده خفي على المتأخرين ومتأخريهم، قال في المدارك وقبله الشهيد في الذكرى والعلامة وغيرهما: " ذكر ذلك الشيخان ولم نقف لهما على مأخذ
1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 19 من ابواب الدفن
[ 112 ]
سوى التبرك بها ولعله كاف في ذلك، واختلف قولهما في موضع جعلها فقال المفيد في المقنعة توضع تحت خده، وقال الشيخ تلقاء وجهه، وقيل في كفنه، قال في المختلف: والكل عندي جائز لان التبرك موجود في الجميع، ونقل " ان امرأة قذفها القبر مرارا لانها كانت تزني وتحرق اولادها وان امها اخبرت الصادق (عليه السلام) بذلك فقال انها كانت تعذب خلق الله بعذاب الله تعالى اجعلوا معها شيئا من تربة الحسين (عليه السلام) فاستقرت (1) " قال الشيخ نجيب الدين في درسه: يصلح ان يكون هذا متسمكا. حكاه في الذكرى ولا يخفى ما فيه " انتهى ما ذكره في المدارك، وبنحوه صرح من تقدمه. اقول: العجب من استمرار الغفلة عن دليل هذه المسألة من المتأخرين حتى من مثل السيد المشار إليه وانما استندوا في ذلك إلى هذه الحكاية أو إلى قضية التبرك مع انه قد روى الشيخ في ابواب المزار من التهذيب في الصحيح عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري (2) قال: " كتبت إلى الفقيه اسأله عن طين القبر يوضع مع الميت في قبره هل يجوز ذلك ام لا ؟ فأجاب وقرات التوقيع ومنه نسخت: يوضع مع الميت في قبره ويخلط بحنوطه ان شاء الله تعالى " ورواه في الاحتجاج عن محمد بن عبد الله عن ابيه عن صاحب الزمان (عليه السلام) وروى الشيخ في المصباح عن جعفر بن عيسى (3) " انه سمع ابا الحسن (عليه السلام) يقول ما على احدكم إذا دفن الميت ووسده التراب ان يضع مقابل وجهه لبنة من الطين ؟ ولا يضعها تحت رأسه " والمراد بالطين في الخبرين هو تربة الحسين (عليه السلام) ولعل اختيار هذه العبارة المجملة لنوع من التقية أو لشيوع هذا الاطلاق يومئذ ومعلومية المراد منه، والشيخ قد فهم من الرواية الاخيرة ذلك فنظمها في جملة اخبار تربة الحسين (عليه السلام) التي ذكرها في الكتاب المشار إليه. وفى الفقه الرضوي (4) " ويجعل معه في اكفانه شئ من طين القبر وتربة الحسين (عليه السلام) "
1) و 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 12 من ابواب الدفن 4) ص 20
[ 113 ]
والعطف فيها تفسيرى كما لا يخفى. وانت خبير بان رواية المصباح قد تضمنت تعيين موضع التربة بانه مقابل وجهه وهو دليل ما تقدم نقله عن الشيخ، والافضل مع ذلك ان تخلط بحنوطه كما دلت عليه الرواية الاولى وان تجعل في اكفانه كما في كتاب الفقه، وبذلك يصدق الوضع معه في قبره كما دلت عليه الرواية الاولى.
ومنها - انه ان كان الميت امرأة فالافضل نزول الزوج في قبرها أو المحارم وان كان رجلا فالافضل الاجانب، ذكر ذلك شيخنا الشهيد في الذكرى. اما الحكم الاول فيدل عليه ما رواه في الكافي عن السكوني عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) مضت السنة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان المرأة لا يدخل قبرها إلا من كان يراها في حياتها " وعن اسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " الزوج احق بامرأته حتى يضعها في قبرها " وقال في الفقه الرضوي (3): " فإذا ادخلت المرأة القير وقف زوجها من موضع ينال وركها " وفى حديث زيد بن علي عن آبائه عن امير المؤمنين (عليه السلام) (4) قال: " يكون اولى الناس بالمرأة في مؤخرها " قال في الذكرى: الزوج اولى من المحرم بالمرأة لما تقدم في الصلاة ولو تعذر فامرأة صالحة ثم اجنبي صالح وان كان شيخنا فهو اولى، قاله في التذكرة. واما الحكم الثاني فالروايات لا تساعد عليه على اطلاقه، والذي وقفت عليه من الاخبار في المسألة ما رواه في الكافي عن عبد الله بن راشد عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " الرجل ينزل في قبر والده ولا ينزل الوالد في قبر ولده " وفي الصحيح أو الحسن عن حفص بن البختري وغيره عن الصادق (عليه السلام) (6) قال: " يكره للرجل ان ينزل في قبر ولده " وما رواه في التهذيب
1) و 2) و 4) رواه في الوسائل في الباب 26 من ابواب الدفن 3) ص 18 5) و 6) رواه في الوسائل في الباب 25 من ابواب الدفن
[ 114 ]
عن عبد الله بن محمد بن خالد الصادق (عليه السلام) (1) قال: " الوالد لا ينزل في قبر ولده والوالد ينزل في قبر والده " ونحو ذلك في خبرين آخرين عن عبد الله بن راشد (2) ومورد هذه الاخبار كلها انما هو كراهة نزول الاب في قبر ابنه دون العكس، ولعل السر فيه انه لا يؤمن على الاب ان يجزع على ابنه حين يكشف عن وجهه ويوضع خده على التراب بخلاف الابن فانه ليس بهذه المثابة، وحينئذ فتعدية الحكم إلى غير الاب مشكل. نعم قد ورد في الدفن واهالة التراب عليه - كما سيأتي ان شاء الله تعالى - ما يدل على الكراهية من ذي الرحم مطلقا وهو مشعر بالكراهة فيما نحن فيه، إلا ان ظاهر الاصحاب الاتفاق على الحكم المذكور، وتأولوا الروايات المذكورة بزيادة الكراهة في جانب الاب في دخول قبر ابنه وان كان العكس ايضا مكروها.
ومنها - تغطية قبر المرأة حال الدفن، وقيل بذلك في الرجل ايضا، وبالاول صرح المفيد وابن الجنيد واليه مال في المعتبر، وبالثاني قال الشيخ في الخلاف وجمع ممن تأخر عنه بل الظاهر انه المشهور، قال في المختلف: " قال الشيخ في الخلاف إذا انزل الميت القبر يستحب ان يغطى بثوب، واستدل بالاجماع على جوازه وبالاحتياط على استعماله. وقال ابن ادريس ما وقفت لاحد من اصحابنا في هذه المسألة على مسطور فاحكيه عنه، والاصل برائة الذمة من واجب أو ندب، وهذا مذهب الشافعي ولا حاجة بنا إلى موافقته على ما لا دليل عليه، قال وقد يوجد في بعض نسخ احكام النساء للشيخ المفيد ان المرأة يجلل قبرها عند دفنها بثوب والرجل لا يمد عليه ثوب فان كان ورد ذلك فلا نعديه إلى قبر الرجل فليلحظ ذلك. وقال ابن الجنيد وان كانت امرأة مد على القبر ثوبا ولم يرفعه إلى ان يغيبها باللبن. وكل من القولين عندي جائز وان كان الستر في قبر المرأة اولى لما فيه من الستر لها ولما رواه جعفر بن سويد من بني جعفر بن كلاب (3) قال:
1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 25 من ابواب الدفن 3) رواه في الوسائل في الباب 50 من ابواب الدفن
[ 115 ]
" سمعت جعفر بن محمد (عليهما السلام) يقول يغشى قبر المرأة بثوب ولا يغشى قبر الرجل، وقد مد على قبر سعد بن معاذ ثوب والنبي (صلى الله عليه وآله) شاهد ولم ينكر ذلك " فانكار ابن ادريس لا معنى له، ولانه يخشى حدوث امر من الميت من تغير بعض اعضائه أو امر منكر فاستحب الستر لقبره عند دفنه طلبا لاخفاء حاله " انتهى. اقول: قوله " وقد مد على قبر سعد بن معاذ ثوب. إلى آخر الخبر " يحتمل ان يكون من اصل الخبر كما نقله المحدثان في الوافى والوسائل، ولا يبعد أن يكون ذلك من كلام الشيخ في التهذيب فاضافه المحدثان المذكوران إلى اصل الخبر فان هذه العبارة بكلام الشيخ انسب. ونقل في الذكرى الاحتجاج على ما ذهب إليه المفيد وابن الجنيد قال: ولما روي (1) " ان عليا (عليه السلام) مر بقوم دفنوا ميتا وبسطوا على قبره الثوب فجذبه وقال انما يصنع هذا بالنساء " ولم اقف عليه فيما حضرني من كتب الاخبار وكيف كان فالظاهر الاقتصار في هذا الحكم على النساء للخبرين المذكورين.
ومنها - الوضوء للملحد، قال في الذكرى: " قال الفاضلان يستحب ان يكون متطهرا لقول الصادق (عليه السلام): " توضأ إذا ادخلت الميت القبر " اقول هذه الرواية قد رواها الشيخ في الموثق عن عبيد الله الحلبي ومحمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (2) في حديث قال: " توضأ إذا ادخلت الميت القبر " وفى الفقه الرضوي (3) قال: تتوضأ إذا ادخلت الميت القبر " إلا انه روى في الكافي في الصحيح عن محمد ابن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (4) قال: " قلت: الرجل يغمض عين الميت عليه غسل ؟ قال إذا مسه بحرارته فلا ولكن إذا مسه بعدما يبرد فليغتسل، وساق الحديث
1) رواه في كنز العمال ص 119 رقم الحديث 2212 واستشهد به ابن قدامة في الغنى ج 2 ص 501 2) رواه في الوسائل في الباب 53 من ابواب الدفن 3) ص 20 4) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب غسل مس الميت
[ 116 ]
إلى ان قال: قلت له فمن حمله عليه غسل ؟ قال: لا. قلت فمن ادخله القبر عليه وضوء ؟ قال: لا إلا ان يتوضأ من تراب القبر ان شاء " قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار في شرح الفقه الرضوي: قوله (عليه السلام): " يتوضأ " لعل المراد بالتوضؤ غسل اليد كما روى الكليني في الصحيح عن محمد بن مسلم ثم ذكر الرواية كما ذكرناه، ثم قال: فان الظاهر منه ايضا ان المراد انه يغسل يده مما اصابها من تراب القبر واما الحمل على التيمم بتراب القبر فلا يخلو من بعد إذ اطلاق الوضوء على التيمم غير مأنوس، وايضا فلا ثمرة للتخصيص بتراب القبر.
اقول: هنا شيئان:
(احدهما) الوضوء لاجل ادخال الميت قبره بمعنى انه يستحب ان يكون الملحد على طهارة كما نقل عن الفاضلين المذكورين، وحينئذ فالمراد بقوله (عليه السلام) في موثقة الحلبي ومحمد بن مسلم: " توضأ إذا ادخلت الميت القبر " اي إذا اردت ادخاله، وكذا قوله (عليه السلام) في كتاب الفقه، وهذا التجوز في التعبير شائع في الكتاب العزيز والسنة النبوية كقوله عزوجل: " إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا. الاية " (1) وقوله: " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان. " (2).
و (ثانيهما) الوضوء بمعنى الغسل عما يلاقيه من بدن الميت أو ثيابه أو نحو ذلك، وهذا هو المسؤول عنه في صحيحة محمد بن مسلم على الظاهر فان السؤالات المذكورة فيها عن الغسل في تلك المواضع المذكورة فيها مبنية على توهم تعدى نجاسة الميت في تلك الصورة فنفى (عليه السلام) فيها ما نفي واثبت ما اثبت ومن جملتها السؤال عمن ادخله القبر هل عليه الوضوء - يعني غسل يده بسبب ادخاله القبر - ام لا ؟ فأجاب (عليه السلام) بانه لا يوجب وضوء يعني غسلا إلا ان يريد ان يغسل يده من تراب القبر للتنطيف ان شاء. وبذلك يظهر ان تأويل شيخنا المشار إليه لرواية كتاب الفقه بالحمل على الغسل استنادا إلى ما دلت عليه صحيحة محمد بن مسلم - وكذلك جمع صاحب الوسائل بين موثقة الحلبي
1) سورة المائدة الآية 8 2) سورة النحس. الآية 99
[ 117 ]
ومحمد بن مسلم وبين صحيحة محمد بن مسلم بحمل الوضوء في الموثقة المذكورة على الاستحباب ونفيه في الصحيحة المشار إليها على نفي الوجوب بقرينة قوله " عليه " وهو لا ينافي الاستحباب - ليس في محله، فان مورد احداهما غير مورد الاخرى كما اوضحناه والعجب من شيخنا المشار إليه في ارتكابه التأويل في عبارة كتاب الفقه مع وجود القائل باستحباب الوضوء ووجود الرواية الدالة عليه كما عرفت، وكأنه لم يخطر بباله ذلك يومئذ. والله العالم.
ومنها - فرش القبر بالساج مع الضرورة والكراهة مع عدمها، ويدل عليه ما رواه في الكافي عن علي بن محمد القاساني (1) قال: " كتب علي بن بلال إلى ابي الحسن (عليه السلام): انه ربما مات الميت عندنا وتكون الارض ندية فيفرش القبر بالساج أو يطبق عليه فهل يجوز ذلك ؟ فكتب: ذلك جائز " وروى في الفقيه مرسلا (2) قال: " وقد روى عن ابي الحسن الثالث (عليه السلام) اطلاق في ان يفرش القبر بالساج ويطبق على الميت الساج " والشيخ قد روى الحديث (3) مضمرا ولم يصرح بابي الحسن (عليه السلام) ومن ثم قال في الذكرى بعد نقل الرواية من طريق الشيخ: " والظاهر ان المسؤول الامام مع الاعتضاد بفتوى الاصحاب " وكأنه غفل عن الرواية بطريق الشيخين الاخرين فانهما صرحا - كما ترى - به. قيل: وتطبيق الساج. عليه جعله حواليه كأنه وضع في تابوت. اقول: والساج خشب معروف والطيلسان الاخضر كما في الصحاح وغيره والمراد هنا الاول، قال في الوافي بعد نقل رواية الصدوق: واريد بالاطلاق الجواز فلا ينافي تقييد الحديث بالارض الندية مع ان هذا القيد ليس إلا في السؤال. قال في الذكرى: اما وضع الفرش عليه والمخدرة فلا نص فيه، نعم روى ابن عباس من طريقهم (4) انه جعل في قبر النبي (صلى الله عليه وآله) قطيفة حمراء،
1) و 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 27 من ابواب الدفن 4) كما في الصحيح مسلم ج 1 ص 356 وسنن البيهقى ج 3 ص 408
[ 118 ]
والترك اولى لانه اتلاف للمال فيتوقف على اذن الشارع ولم يثبت، ثم نقل عن ابن الجنيد انه لا بأس بالوطإ في القبر واطباق اللحد بالساج. اقول اما رواية وضع القطيفة في قبره (صلى الله عليه وآله) فقد ذكرها في الكافي ورواها بسنده عن يحيى بن ابي العلاء عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " القى شقران مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قبره القطيفة " وبذلك يظهر انها غير مختصة برواياتهم كما ذكره، وقد تقدم ايضا في صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " البرد لا يلف به ولكن يطرح عليه طرحا فإذا ادخل القبر وضع تحت خده وتحت جنبه " وهو مؤيد لحديث القطيفة، والحمل على ضرورة نداوة الارض ونحوها بعيد، على ان قيد كون الارض ندية في مكاتبة علي بن بلال انما هو في كلام السائل هو لا يوجب تقييد عموم الجواب، وكيف كان فالظاهر حمل ذلك على الجواز وان كان الافضل الافضاء به إلى الارض لانه ابلغ في التذلل والخضوع ورجاء الرحمة والمغفرة في تلك الحال الضيقة المجال، إلا ان صاحب دعائم الاسلام روى عن علي (عليه السلام) (3) " انه فرش في لحد رسول الله (صلى الله عليه وآله) قطيفة لان الموضع كان نديا سبخا " وفيه تأييد لمن قيد ذلك بالنداوة.
ومنها - الخروج من قبل رجلي القبر، فروى في الكافي عن السكوني عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " من دخل القبر فلا يخرج إلا من قبل الرجلين " وعن سهل رفعه (5) قال: قال " يدخل الرجل القبر من حيث شاء ولا يخرج إلا من قبل رجليه " قال في الكافي: زفى رواية اخرى (6) " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)
1) رواه في الوسائل في الباب 27 من ابواب الدفن 2) رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب الدفن 3) رواه في الوسائل في الباب 27 من ابواب الدفن 4) و 5) رواه في الوسائل في الباب 23 من ابواب الدفن 6) رواه في الوسائل في الباب 22 من ابواب الدفن
[ 119 ]
ان لكل بيت بابا وان باب القبر من قبل الرجلين " وروى في التهذيب عن جبير بن نقير الحضرمي (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان لكل بيت بابا وباب القبر من قبل الرجلين " وعن عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: لكل شئ باب وباب القبر مما يلي الرجلين فإذا وضعت الجنازة فضعها مما يلي الرجلين ويخرج الميت مما يلي الرجلين. " وفرق ابن الجنيد بين الرجل والمرأة فوافق في الرجل وقال في المرأة يخرج من عند رأسها لانزالها عرضا وللبعد عن العورة. والاخبار - كما ترى - مطلقة.
اقول: ظاهر هذه الاخبار باعتبار ضم بعضها إلى بعض ان الداخل للقبر يدخل من اي جهة شاء وان الخروج لا يكون إلا من قبل الرجلين، ظاهر العلامة في المنتهى استحباب الدخول ايضا من قبل الرجلين حيث قال: يستحب له ان يخرج من قبل الرجلين لانه قد استحب الدخول منه فكذا الخروج، ولقوله (عليه السلام) (3) " باب القبر من جهة الرجلين " ولم اقف على ذلك في كلام غيره، ولعله لم يطلع على خبر السكوني ومرفوعة سهل المتقدمين أو غفل عنهما يومئذ وإلا فالثاني منهما صريح والاول ظاهر ان الدخول من اي جهة شاء.
ومنها - تشريح اللحد باللبن والطين وهو بناؤه وتنضيده على وجه يمنع دخول التراب إليه، والدعاء في تلك الحال، روى الصدوق في العلل بسنده عن عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " اتي رسول الله (صلى إليه عليه وآله) فقيل له ان سعد بن معاذ قد مات فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقام اصحابه معه فامر بغسل سعد وهو قائم على عضادة الباب فلما ان حنط وكفن وحمل على سريره تبعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بلا حذاء ولا رداء ثم كان يأخذ يمنة السرير مرة ويسرة السرير مرة حتى انتهى به إلى القبر فنزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى
1) و 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 22 من ابواب الدفن 4) رواه في الوسائل في الباب 60 من ابواب الدفن
[ 120 ]
لحده وسوى اللبن عليه وجعل يقول ناولني حجرا ناولني ترابا رطبا، يسد به ما بين اللبن فلما ان فرغ وحثا التراب عليه وسوى قبره قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) اني لاعلم انه سيبلي ويصل إليه البلى ولكن الله عزوجل يحب عبدا إذا عمل عملا فاحكمه. الحديث " وفى الكافي في الصحيح عن ابان بن تغلب (1) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول جعل علي (عليه السلام) على قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) طينا فقلت أرأيت ان جعل الرجل آجرا هل يضر الميت ؟ قال: لا " وقد تقدم في رواية اسحاق بن عمار (2) " ثم تضع الطين واللبن فما دمت تضع اللبن والطين تقول اللهم صل وحدته. الدعاء " وقد تقدم (3) في عبارة كتاب الفقه " فإذا وضعت عليه اللبن فقل: اللهم آنس وحشته. الدعاء " وقد تقدم قال في المنتهى: " إذا وضعه في اللحد شرج عليه اللبن لئلا يصل التراب إليه ولا نعلم فيه خلافا، ويقوم مقام اللبن مساويه في المنع من تعدى التراب إليه كالحجر والقصب والخشب إلا ان اللبن اولى من ذلك كله لانه المنقول عن السلف والمعروف في الاستعمال، وينبغي ان يسد الخلل بالطين لانه ابلغ في المنع وروى ما يقاربه الشيخ في الموثق عن اسحاق بن عمار " (4) انتهى.
ومنها - ان يهال عليه التراب ويطم القبر إذا فرغ من تشريج اللبن ولا يطرح فيه من تراب غيره داعيا بالمأثور، روى في الكافي في الصحيح عن داود بن النعمان (5) قال: " رأيت ابا الحسن (عليه السلام) يقول: " ما شاء الله لا ما شاء الناس " فلما انتهى إلى القبر تنحى فجلس فلما ادخل الميت لحده قام فحثا عليه التراب ثلاث مرات بيده " وعن عمر بن اذينة في الصحيح (6) قال: " رأيت ابا عبد الله (عليه السلام)
1) رواه في الوسائل في الباب 28 من ابواب الدفن 2) و 4) رواه في الوسائل في الباب 21 من ابواب الدفن 3) ص 5 110) و 6) رواه في الوسائل في الباب 29 من ابواب الدفن
[ 121 ]
يطرح التراب على الميت فيمسكه ساعة في يده ثم يطرحه ولا يزيد على ثلاثة اكف، قال فسألته عن ذلك فقال يا عمر كنت اقول: " ايمانا بك وتصديقا ببعثك هذا ما وعدنا الله ورسوله. إلى قوله وتسليما " هكذا كان يفعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبه جرت السنة " وعن السكوني عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " إذا حثوت التراب على الميت فقل " ايمانا بك وتصديقا ببعثك هذا ما وعدنا الله ورسوله " قال وقال امير المؤمنين (عليه السلام) سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول من حثا على ميت وقال هذا القول اعطاه الله تعالى بكل ذرة حسنة " وعن محمد بن مسلم (2) قال: " كنت مع ابي جعفر (عليه السلام) في جنازة رجل من اصحابنا فلما ان دفنوه قام إلى قبره فحثا عليه مما يلي رأسه ثلاثا بكفه ثم بسط كفه على القبر ثم قال: اللهم جاف الارض عن جنبيه واصعد اليك روحه ولقه منك رضوانا واسكن قبره من رحمتك ما تغنيه به عن رحمة من سواك. ثم مضى " وروى الشيخ عن محمد بن الاصبغ عن بعض اصحابنا (3) قال: " رأيت ابا الحسن (عليه السلام) وهو في جنازة فحثا التراب على القبر بظهر كفيه " وفي الفقه الرضوي (4) " ثم احث التراب عليه بظهر كفيك ثلاث مرات وقل: " اللهم ايمانا بك وتصديقا بكتابك هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله " فانه من فعل ذلك وقال هذه الكلمة كتب الله له بكل ذرة حسنة " ويستفاد من الخبرين الاخيرين كون الاهالة بظهر الكفين وبه صرح جملة من الاصحاب ايضا، وظاهر الاخبار الاخر كونها ببطن الكفين ولا سيما صحيحة عمربن اذينه المتضمنة لانه (عليه السلام) كان يمسكه في يده ساعة، والظاهر التخيير جمعا. ثم ان ظاهر الاخبار المذكورة ان الثلاث اقل المراتب المستحبة. واما ما يدل على كراهية الدفن بغير تراب القبر فهو ما رواه في الفقيه مرسلا (5)
1) و 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 29 من ابواب الدفن 4) ص 18 5) رواه في الوسائل في الباب 36 من ابواب الدفن
[ 122 ]
قال: " قال الصادق (عليه السلام) كل ما جعل على القبر من غير تراب القبر فهو ثقل على الميت " وعن السكوني عن الصادق (عليه السلام (1) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) نهى ان يزاد على القبر تراب لم يخرج منه " وعن ابن الجنيد لا يزاد من غير ترابه وقت الدفن ولا بأس بذلك بعد الدفن. ويكره اهالة ذي الرحم لما في الكافي في الموثق عن عبيد بن زرارة (2) قال: " مات لبعض اصحاب ابي عبد الله (عليه السلام) ولد فحضر أبو عبد الله فلما الحد تقدم ابوه فطرح عليه التراب فاخذ أبو عبد الله (عليه السلام) بكفيه وقال لا تطرح عليه التراب ومن كان منه ذا رحم فلا يطرح عليه التراب فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى ان يطرح الوالد أو ذو رحم على ميته التراب، فقلنا يا ابن رسول الله (صل الله عليه وآله) أتنهانا عن هذا وحده ؟ فقال انهاكم من ان تطرحوا التراب على ذوي ارحامكم فان ذلك يورث القسوة في القلب ومن قسا قلبه بعد من ربه " قال في الوافي: " عن هذا وحده اي عن هذا الميت وحده ان نطرح عليه التراب أو عن طرح التراب وحده دون سائر ما يتعلق بالتجهيز فأجاب (عليه السلام) بالتعميم في الاول والتخصيص في الثاني فصار جوابا لكلا السؤالين اراد السائل ما اراد " انتهى.
(المطلب الثالث) - في الآداب المتأخرة:
ومنها ان يكون القبر مربعا مسطحا، وان يرفع عن الارض قدر اربع اصابع مفرجات كما في بعض الاخبار أو مضمومات كما في آخر، وفى بعضها قدر شبر وهو يؤيد الاول، ومن ذلك اختلفت كلمة الاصحاب ايضا فالمفيد (قدس سره) اربع اصابع مفرجات لا ازيد من ذلك، وابن ابي عقيل مضمومات، وابن زهرة وابن البراج خيرا بين اربع اصابع مفرجات وبين شبر، وان يرشه بالماء.
1) رواه في الوسائل في الباب 36 من ابواب الدفن 2) رواه في الوسائل في الباب 30 من ابواب الدفن
[ 123 ]
ومما يدل عليه استحباب التربيع ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم (1) قال: " سألت احدهما (عليهما السلام) عن الميت ؟ فقال يسل من قبل الرجلين ويلزق القبر بالارض إلا قدر اربع اصابع مفرجات ويربع قبره " إلا ان في الكافي روى هذه الرواية (2) وفيه ابعد قوله " مفرجات " " ترفع قبره " وما تقدم في خبر الاعمش (3) من قوله (عليه السلام): ". القبور تربع ولا تسنم " وما رواه في العلل عن الحسين بن الوليد عمن ذكره عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " قلت لاى علة يربع القبر ؟ قال لعلة البيت لانه نزل مربعا ". وأما التسطيح فقال في الذكرى: " وليكن مسطحا باجماعنا نقله الشيخ، لان رسول الله (صلى الله عليه وآله) سطح قبر ابنه ابراهيم (5) وقال القاسم بن محمد: " رأيت قبر النبي (صلى الله عليه وآله) والقبرين عنده مسطحة لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء " (6) ولان التربيع يدل على التسطيح، ولان قبور المهاجرين والانصار بالمدينة مسطحة (7) وهو يدل على انه امر متعارف، واحتج الشيخ ايضا في الخلاف بما رواه أبو الهياج (8) قال: " قال علي (عليه السلام) ابعثك على ما بعثني عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا ترى قبرا مشرفا إلا سويته ولا تمثالا إلا طمسته " وفيه ايضا دلالة على عدم رفعه كثيرا، وفي خبر زرارة وجابر عن الباقر (عليه السلام) (9) " وسوى قبره) " وسوى عليه " دليل على التسطيح " انتهى. اقول: الظاهر ان
1) و 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 22 من ابواب الدفن 4) رواه في الوسائل في الباب 31 من ابواب الدفن 5) و 7) كما في الام للشافعي ج 1 ص 242. 6) كما في سنن ابى داود ج 3 ص 215 8) كما في صحيح مسلم ج 1 ص 357 وسنن ابى داود ج 3 ص 215 رقم 3218 9) الاول جملة من خبر زرارة والثانى من خبر جابر، وقد روى الاول في الوسائل في الباب 33 والثانى في الباب 35 من ابواب الدفن
[ 124 ]
التسطيح لما كان مجمعا عليه بين الامامية (نور الله تعالى مراقدهم) حتى ان جمعا من العامة صرحوا بنسبته إليهم وعدلوا عنه مراغمة لهم كما في المنتهى (1) واوضحناه بما لا مزيد عليه في سلاسل الحديد، والشيخ ومن تبعه لم يقفوا عليه في نصوص اهل البيت (عليهم السلام) تكلفوا به بهذه الادلة التي لفقها شيخنا المشار إليه هنا، والاصل فيها بعد الاجماع المذكور انما هو ما ذكره (عليه السلام) في الفقه الرضوي حيث قال " والسنة ان القبر يرفع اربع اصابع مفرجة من الارض وان كان اكثر فلا بأس ويكون مسطحا لا مسنما " انتهى. والظاهر ان علي بن بابويه ذكر ذلك في الرسالة على الطريقة المعهودة آنفا وتبعه الجماعة في ذلك كما عرفت في غير موضع مما تقدم ويأتى ان شاء الله تعالى، والظاهر ان المراد من قوله (عليه السلام): " وان كان اكثر " اي إلى شبر كما ورد مما سيأتي ذكره في المقام ان شاء الله تعالى. واما رفعه عن الارض بالقدر المذكور من الاختلاف فيه فالذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بذلك ما في رواية محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) قال (2): ". ويرفع القبر فوق الارض اربع اصابع " وموثقة سماعة عن الصادق (عليه السلام) (3) قال:
1) في الوجيز للغزالي ج 1 ص 47 " التسنيمم افضل من التسطيح مخالفة لشعار الروافض " وفى كتاب رحمة الامة على هامش الميزان للشعراني ج 1 ص 88 " ان السنة تسطيح القبور ولما صار شعار الرافضة كان الاولى مخافتهم إلى التسنيم " وفى المهذب للشيرازي ج 1 ص 27 " قال اب على الطبراني في زماننا يسنم القبر لان التسطيح من شعار الرافضة. ولا يصح لام السنة قد صحت فيه فلا يعفر بموافقة الرافضة " وفس المنهاج للنوى ص 25 " الصحيح ان تسطيح القبر اولى من تسنيمه " وفى الام للشافعي ج 1 ص 242 " ويسطح القبر فان النبي " ص " سطح قبر ابنه ابراهيم وكانت مقبرة المهاجرين والانصار مسطها قبورها ووضع الحصباء عليها ولا تثبت الحصباء الاعلى قبر مسطح " وفى مسند الشافعي على هامش الام ج 1 ص 266 وشرح المنهاج لابن حجر ج 1 ص 560 مثله. 2) و 3) المروية في الوسائل في الباب 31 من ابواب الدفن
[ 125 ]
". ويرفع قبره من الارض اربع اصابع مضمومة وينضح عليه الماء ويخلى عنه " ورواية ابراهيم بن علي عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (1) " ان قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) رفع شبرا من الارض وان النبي (صلى الله عليه وآله) امر برش القبور " ورواية محمد بن مسلم المتقدمة وفيها " اربع اصابع مفرجات " ورواية عقبة بن بشير عن مولانا الباقر (عليه السلام) (2) قال: " قال النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي: يا علي ادفني في هذا المكان وارفع قبري من الارض اربع اصابع ورش عليه الماء " وصحيحة حماد ابن عثمان أو حسنته عن الصادق (عليه السلام) (3) قال لا " ان ابي قال لي ذات يوم في مرضه إذا انا مت فغسلني وكفني وارفع قبري اربع اصابع ورشه بالماء. " ورواية الحلبي (4) في حديث قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) ان ابي امرني ان ارفع القبر من الارض اربع اصابع مفرجات وذكر ان رش القبر بالماء حسن " وصحيحة الحلبي ومحمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " امرني ابي ان اجعل ارتفاع قبره اربع اصابع مفرجات وذكر ان الرش بالماء حسن. حديث " وقد تقدمت عبارة كتاب الفقه وفيها " اربع اصابع مفرجة " وحمل في الذكرى اختلاف الاخبار على التخيير، وهو جيد، ثم قال ولما كان المقصود من رفع القبران يعرف ليزار ويحترم كان مسمى الرفع كافيا. واما الرش فقد عرفته مما دلت عليه الاخبار المذكورة، بقي الكلام في كيفيته والافضل فيها ما ورد في رواية موسى بن اكيل - بضم الهمزة وفتح الكاف - النميري عن الصادق (عليه السلام) (6) قال: " السنة في رش الماء على القبر ان يستقبل القبلة ويبدأ من عند الرأس إلى عند الرجل ثم يدور على القبر من الجانب الاخر ثم يرش على وسط القبر فكذلك السنة " وقال مولانا الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (7) " فإذا استوى قبره فصب عليه ماء وتجعل القبر امامك وانت مستقبل القبلة وتبدأ
1) و 2) و 3) و 4) و 5) المروية في الوسائل في الباب 31 من ابواب الدفن 6) رواه في الوسائل في الباب 32 من ابواب الدفن 7) ص 18
[ 126 ]
بصب الماء من عند رأسه وتدور به على القبر من اربع جوانب القبر حتى ترجع إلى الرأس من غير ان تقطع الماء فان فضل من الماء شئ فصبه على وسط القبر " وبهذه العبارة عبر الصدوق في الفقيه من غير اسناد إلى احد. وروى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن ابي عمير عن بعض اصحابه عن الصادق (عليه السلام) (1) " في رش الماء على القبر ؟ قال يتجافى عنه العذاب ما دام الندى في التراب ".
ومنها - ان يضع يده على القبر بعد ذلك مستقبل القبلة داعيا بالمأثور، روى في الكافي في الصحيح عن زرارة (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) (3) إذا فرغت من القبر فانضحه ثم ضع يدك عند رأسه وتغمز كفك عليه بعد النضح " وقد تقدم في رواية محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) قال: " ثم بسط كفه على القبر ثم قال: اللهم جاف الارض عن جنبيه. إلى آخر الدعاء " وفي كتاب الفقه الرضوي (4) على اثر العبارة المتقدمة في الرش " ثم ضع يدك على القبر وانت مستقبل القبلة وقل: اللهم ارحم غربته وصل وحدته وآنس وحشته وآمن روعته وافض عليه من رحمتك واسكن إليه من برد عفوك وسعة غفرانك ورحمتك رحمة يستغني بها عن رحمة من سواك واحشره مع من كان يتولاه. ومتى ما زرت قبره فادع له بهذا الدعاء وانت مستقبل القبلة ويداك على القبر " وروى في التهذيب عن اسحاق بن عمار (5) قال: " قلت لابي الحسن الاول (عليه السلام) ان اصحابنا يصنعون شيئا: إذا حضروا الجنازة ودفن الميت لم يرجعوا حتى يمسحوا ايديهم على القبر أفسنة ذلك ام بدعة ؟ فقال ذلك واجب على من لم يحضر الصلاة عليه " وعن محمد بن اسحاق (6) قال: " قلت لابي الحسن الرضا (عليه السلام) شئ يصنعه الناس عندنا: يضعون ايديهم علي القبر إذا دفن الميت ؟ قال انما ذلك لمن لم يدرك الصلاة عليه فاما من ادرك الصلاة عليه فلا " وفى الكافي
1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 32 من ابواب الدفن (3) ص 121 4) ص 18 5) و 6) رواه في الوسائل في الباب 33 من ابواب الدفن
[ 127 ]
في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصنع بمن مات من بني هاشم خاصة شيئا لا يصنعه باحد من المسلمين كان إذا صلى الهاشمي ونضح قبره بالماء وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) كفه على القبر حتى ترى اصابعه في الطين فكان الغريب يقدم أو المسافر من اهل المدينة فبرى القبر الجديد عليه اثر كف رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيقول من مات من آل محمد ؟ " وعن عبد الرحمان بن ابي عبد الله (2) قال: " سألته عن وضع الرجل يده على القبر ما هو ولم يصنع ؟ فقال صنعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ابنه بعد النضح. قال وسألته كيف اضع يدي على قبور المسلمين. فاشار بيده إلى الارض ووضعها عليها ثم رفعها وهو مقابل القبلة " قال شيخنا في الذكرى بعد ايراد خبر زرارة الثاني ومحمد بن اسحاق: " وليس في هاتين مخالفة للاول لان الوجوب على من لم يحضر الصلاة لا ينافي الاستحباب لغيره، والمراد به انه ينسحب مؤكدا لغير الحاضر للصلاة عليه ولهذا لم يذكر الوجوب في الخبر الاخر فهو وان كان مستحبا للحاضر لكنه غير مؤكد. واخبار الراوي عن عمل الاصحاب حجة في نفسه وتقرير الامام (عليه السلام) يؤكده، وفعل النبي (صلى الله عليه وآله) حجة فليتأس به وتخصيص بني هاشم لكرامتهم عليه " انتهى. وهو جيد. إلا انه نقل شيخنا المجلسي في البحار عن العلل لمحمد بن علي بن ابراهيم بن هاشم قال: " ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان إذا مات رجل من اهل بيته يرش قبره ويضع يده عليه قبره ليعرف انه قبر العلوية وبني هاشم من آل محمد فصارت بدعة في الناس كلهم ولا يجوز ذلك " وهو غريب، والعجب ان شيخنا المشار إليه نقله ولم ينبه على ما فيه، والظاهر ان حكمه بالبدعية لما يفعله الناس وعدم جواز ذلك ناشي عن فهمه من الخبر الاختصاص وغفل عن ملاحظة باقي اخبار المسألة الدالة على العموم كما لا يخفى.
1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 33 من ابواب الدفن
[ 128 ]
اقول: والمستفاد من هذه الاخبار ان السنة تتأدى بمجرد وضع اليد على القبر وان الدعاء مع ذلك ابلغ في الفضل وكذلك استقبال القبل، وسنن الوضع المذكور لم تجتمع في خبر من هذه الاخبار إلا خبر كتاب الفقه، والظاهر انه هو مستند المتقدمين فيما ذكروه من هذه السنن الثلاث حسبما ذكرنا في امثال هذا المقام.
ومنها - التلقين وهو التلقين الثالث ولا خلاف فيه بين اصحابنا، وانكره الفقهاء الاربعة مع وروده في رواياتهم (1) والاصل فيه عندنا ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) عن يحيى بن عبد الله (2) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول ما على اهل الميت منكم ان يدرأوا عن ميتهم لقاء منكر ونكير ؟ قلت كيف يصنع ؟ قال إذا افرد الميت فليتخلف عنده اولى الناس به فيضع فمه عند رأسه ثم ينادي باعلى صوته: يا فلان بن فلان أو يا فلانة بن فلان هل انت على العهد الذي فارقتنا عليه من شهادة ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله سيد النبيين وان عليا امير المؤمنين وسيد الوصيين وان ما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله) حق وان الموت حق وان البعث حق وان الله يبعث من في القبور ؟ قال فيقول منكر لنكير انصرف بنا عن هذا فقد لقن حجته " وروى في التهذيب عن جابر عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: " ما على احدكم إذا دفن ميته وسوى عليه وانصرف عن قبره ان يتخلف عند قبره ثم يقول: يا فلان بن فلان انت على العهد الذي عهدناك به من شهادة ان لا إله ألا الله وان محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وان عليا امير المؤمنين (عليه السلام) امامك وفلان وفلان حتى يأتي على آخرهم (عليهم السلام) ؟ فانه إذا فعل ذلك قال احد الملكين لصاحبه قد كفينا الوصول إليه ومسألتنا اياه فانه قد
1) كما في كنز العمال ج 8 ص 120 رقم 2231 ومجمع الزوائد لابن حجر ج 3 ص 45 ومنتفى الاخبار متن الاوطار ج 3 ص 77 والمغنى لابن قدامة ج 2 ص 506 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 35 من ابواب الدفن
[ 129 ]
لقن حجته فينصرفان عنه ولا يدخلان عليه " وفى الفقه الرضوي (1) " ويستحب ان يتخلف عند رأسه اولى الناس به بعد انصراف الناس عنه ويقبض على التراب بكفيه ويلقنه برفيع صوته فانه إذا فعل ذلك كفى المسألة في قبره " وقد روى هذه العبارة بادنى تغيير الصدوق في العلل بسنده عن ابيه عن علي بن ابراهيم عن ابيه رفعه إلى الصادق (عليه السلام) (2) قال: " ينبغي ان يتخلف عند قبر الميت اولى الناس به بعد انصراف الناس عنه ويقبض على التراب بكفيه ويلقنه ويرفع صوته فإذا فعل ذلك كفى الميت المسألة في قبره ".
فوائد:
(الاولى) - قال شيخنا المجلسي في البحار بعد نقل هذا الخبر الاخير: " لا يبعد ان يكون اشتراط انصراف الناس ووضع الفم عند الرأس - كما ورد في اخبار اخر - للتقية، والاولى مراعاة ذلك كله ".
(الثانية) - ظاهر الاخبار المذكورة اختصاص التلقين بالولي، وقد عرفت معناه فيما تقدم من انه اولى الناس بميراثه كما هو المشهور، وظاهر كلام الاصحاب انه الولي أو من يأذن له الولي، وحينئذ فتجوز الاستنابة فيه، وادعى في الذكرى الاجماع عليه وهل يعتبر اذن الولي في ذلك ؟ ظاهر العلامة في المنتهى العدم، وكأنه يحمل التخصيص في الاخبار على الاولوية، والظاهر بعده كما تقدمت الاشارة إليه. وقال ابن البراج انه مع التقية يقول ذلك سرا. وهو جيد.
(الثالثة) - لم يتعرض الشيخان ولا الفاضلان لكيفية وقوف الملقن، وقال ابن ادريس انه يستقبل القبلة والقبر، وقال أبو الصلاح وابن البراج والشيخ يحيى بن سعيد يستدبر القبلة والقبر امامه. ولم اقف فيما وصلا الينا من الاخبار على ما يقتضى شيئا مما ذكره هؤلاء فضلاء من الامرين المذكورين، وقال في الذكرى: " وكلاهما جائز لاطلاق الخبر الشامل لذلك ولمطلق النداء عند الرأس على أي وضع كان المنادي " وهو جيد.
1) ص 18 2) رواه في الوسائل في الباب 35 من ابواب الدفن
[ 130 ]
(الرابعة) - هل يستحب تلقين الاطفال ونحوهم ؟ ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في الروض ذلك حيث قال: " ولا فرق في هذا الحكم بين الصغير والكبير كما في الجريدتين لاطلاق الخبر، ولا ينافيه التعليل بدفع العذاب كما في عموم كراهة المشمس وان كان ضرره انما يتولد على وجه مخصوص، واقامة لشعائر الايمان " انتهى.
اقول: مرجع كلامه (قدس سره) إلى ان علل الشرع ليست عللا حقيقية يدور المعلول مدارها وجودا وعدما وانما هي اسباب معرفات أو لبيان وجه المصلحة والحكمة فلا يجب اطرادها. وهو جيد كما اوضحناه في غير موضع مما تقدم. وقال في الذكرى: " واما الطفل فالتعليل يشعر بعدم تلقينه، ويمكن ان يقال يلقن اقامة للشعار وخصوصا المميز كما في الجريدتين " .
ومنها - انه قد صرح جملة من الاصحاب بكراهة تجصيص القبور والبناء عليها بل ظاهر التذكرة دعوى الاجماع عليه، قال الشيخ في النهاية: يكره تجصيص القبور وتظليلها. وفى المبسوط تجصيص القبر والبناء عليه في المواضع المباحة مكروه اجماعا. وقال ابن الجنيد: ولا احب ان يقصص ولا يجصص لان ذلك زينة ولا بأس بالبناء عليه وضرب الفسطاط لصونه ومن يزوره. وظاهره تخصيص الكراهة بالتجصيص دون البناء، والاصل في هذا الحكم ما رواه في التهذيب في الموثق عن علي بن جعفر (1) قال: " سألت ابا الحسن موسى (عليه السلام) عن البناء على القبر والجلوس عليه هل يصلح ؟ قال لا يصلح البناء عليه ولا الجلوس ولا تجصيصه ولا تطيينه " وعن جراح المدائني عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " لا تبنوا على القبور ولا تصوروا سقوف البيوت فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كره ذلك " وعن يونس بن ظبيان عن الصادق (عليه السلام) قال (3): " نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان يصلى على قبر أو يقعد عليه أو يبنى عليه " ورواه الصدوق في المقنع مرسلا. وفى حديث
1) و 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 44 من ابواب الدفن
[ 131 ]
المناهي المذكور في آخر كتاب الفقيه (1) " ونهى ان تجصص القبور " وروى في معاني الاخبار بسند رفعه في آخره إلى النبي (صلى الله عليه وآله) (2) " انه نهى عن تقصيص القبور " قال وهو التجصيص. وما دلت عليه هذه الاخبار من النهي عن البناء والتجصيص ظاهر في رد ما ذكره ابن الجنيد من تخصيص الكراهة بالتخصيص وان البناء عليه لا بأس به. وهل كراهة التجصيص مخصوص بما بعد الاندراس أو ما هو اعم من الابتداء وبعد الاندراس ؟ قال في المدارك: واطلاق النص وكلام الاصحاب يقتضي عدم الفرق في كراهة التجصيص بين وقوعه ابتداء أو بعد الاندراس، وقال الشيخ لا بأس بالتجصيص ابتداء وانما المكروه اعادتها بعد اندراسها لما روى (3) من " ان الكاظم (عليه السلام) امر بعض مواليه بتجصيص قبر ابنة له ماتت بفيد وهو قاصد إلى المدينة وكتابة اسمها على لوح وجعله في القبر ".
اقول: ما ذكره من الجمع بين الاخبار - من الجواز ابتداء عملا بهذه الرواية وحمل الاخبار المتقدمة على ما بعد الاندراس - ليس ببعيد في مقام الجمع. واحتمل بعض مشايخنا من متأخرى المتأخرين حمل تلك الاخبار على تجصيص بطن القبر وهذه على ظاهره. وجمع في المعتبر بين الاخبار بحمل الرواية المذكورة على الجواز والروايات الاخر على الكراهة مطلقا. وفي المنتهى حمل رواية الكاظم (عليه السلام) على التطيين دون التجصيص بناء على جواز التطيين التفاتا إلى اشعار رواية السكوني عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " لا تطينوا القبر من غير طينه " فان فيه اشعارا بالرخصة في التطيين. ويمكن ان يقال باختصاصهم (عليهم السلام) واولادهم بجواز التجصيص
1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 44 من ابواب الدفن 3) رواه في الوسائل في الباب 37 من ابواب الدفن 4) رواه في الوسائل في الباب 36 من ابواب الدفن
[ 132 ]
والبناء على القبور كما قال في المدارك. والمراد بالبناء على القبر المنهي عنه في هذه الاخبار هو ان يتخذ عليه بيت أو قبة كما ذكره في المنتهى، قال لان في ذلك تضييقا على الناس ومنعا لهم عن الدفن، ثم قال: وهذا مختص بالمواضع المباحة المسبلة اما الاملاك فلا. وكيف كان فيستثنى من ذلك قبور الانبياء والائمة (عليهم السلام) لاطباق الناس عليه البناء على قبورهم (عليهم السلام) من غير نكير واستفاضة الروايات بالترغيب في ذلك بل لا يبعد استثناء قبور العلماء والصلحاء ايضا استضعافا لخبر المنع والتفاتا إلى ان في ذلك تعظيما لشعائر الاسلام وتحصيلا لكثير من المصالح الدينية كما لا يخفى، صرح بذلك السيد في المدارك، وهو جيد. تنبيه روى الشيخ في التهذيب بسنده عن الاصبغ بن نباتة (1) قال: قال امير المؤمنين (عليه السلام) وفي الفقيه مرسلا قال: " قال امير المؤمنين من جدد قبرا أو مثل مثالا فقد خرج من الاسلام " قال في الفقيه: " اختلف مشايخنا في هذا الحديث فقال محمد بن الحسن الصفار هو " جدد " بالجيم لا غير. وكان شيخنا محمد بن الحسن بن احمد بن الوليد (رضي الله عنه) يحكى عنه انه قال لا يجوز بجديد القبر وتطيين جميعه بعد مرور الايام عليه وبعد ما طين في الاول ولكن إذا مات ميت وطين قبره فجائز ان يرم سائر القبور من غير ان تجدد. وذكر عن سعد بن عبد الله (رحمه الله) انه كان يقول انما هو " من حدد قبرا " بالحاء المهملة غير المعجمة يعني به من سنم قبرا. وذكر عن احمد بن ابي عبد الله البرقي انه قال انما هو " من جدث قبرا " وتفسير الجدث القبر فلا يدرى ما عنى به. والذى اذهب إليه انه " جدد " بالجيم ومعناه نبش قبرا لان من نبش قبرا فقد
1) رواه في الوسائل في الباب 42 من ابواب الدفن
[ 133 ]
جدده واحوج إلى تجديده وقد جعله جدثا محفورا، واقول ان التجديد على المعنى الذي ذهب إليه محمد بن الحسن الصفار والتحديد بالحاء غير المعجمة الذي ذهب إليه سعد بن عبد الله والذي قاله البرقي من انه جدث كله داخل في معنى الحديث وان من خالف الامام في التجديد والتسنيم والنبش واستحل شيئا من ذلك فقد خرج من الاسلام. والذي أقوله في قوله (عليه السلام): " من مثل مثالا " انه يعني به من ابدع بدعة ودعا إليها أو وضع دينا فقد خرج من الاسلام، وقولي في ذلك قول أئمتي (عليهم السلام) فان اصبت فمن الله على السنتهم وان اخطأت فمن عند نفسي " انتهى كلامه. وقال الشيخ (رحمه الله) في التهذيب بعد ذكر هذا الاختلاف في معنى قول البرقي: " ويمكن ان يكون المعنى في هذه الرواية - يعني رواية " الجدث " - ان يجعل القبر دفعة اخرى قبرا لانسان آخر لان الجدث هو القبر فيجوز ان يكون الفعل مأخوذا منه قال وكان شيخنا محمد بن محمد بن النعمان (رحمه الله) يقول ان الخبر بالخاء والدالين وذلك مأخوذ من قوله تعالى " قتل اصحاب الاخدود " (1) والخد هو الشق يقال خددت الارض خدا اي شققتها شقا، وعلى هذه الرواية يكون النهي يتناول شق القبر اما ليدفن فيه أو على جهة النبش على ما ذهب إليه محمد بن علي يعني الصدوق، قال وكل ما ذكرناه من الروايات والمعاني محتمل والله اعلم بالمراد والذي صدر عنه الخبر ". قال في المدارك بعد نقل ملخص كلام الصدوق: هذا كلامه (رحمه الله) وفيه نظر من وجوه، ولقد احسن المصنف في المعتبر حيث قال: " وهذ الخبر قد رواه محمد بن سنان عن ابي الجارود عن الاصبغ عن نباتة عن علي (عليه السلام) ومحمد بن سنان ضعيف وكذا أبو الجارود فاذن الرواية ساقطة فلا ضرورة إلى التشاغل بتحقيق متنها " انتهى ما ذكره في المعتبر. وقد اعترضه في الذكرى بان اشتغال هؤلاء الافاضل بتحقيق هذه اللفظة مؤذن
1) سورة البروج. الآية 4
[ 134 ]
بصحة الحديث عندهم وان كان طريقه ضعيفا كما في احاديث كثيرة اشتهرت وعلم موردها وان ضعف سندها، فلا يرد ما ذكره في المعتبر من ضعف محمد بن سنان وابي الجارود، على انه ورد نحوه من طريق ابي الهياج وقد نقله الشيخ في الخلاف وهو من صحاح العامة، وهو يعطي صحة الرواية بالحاء المهملة لدلالة الاشراف والتسوية عليه، ويعطي ان المثال هنا هو التمثال هناك، وقد ورد في النهى عن التصوير وازالة التصاوير اخبار مشهورة، اما الخروج من الاسلام بهذين فاما على طريقة المبالغة زجرا عن الاقتحام على ذلك واما لانه فعل ذلك مخالفة للامام (عليه السلام) انتهى. وقال الفاضل الخراساني في الذخيرة بعد نقل كلام الذكرى: " ولا يخفى ان مجرد بحث هؤلاء العلماء عن تحقيق لفظ الخبر لا يدل على قبولهم اياه وتصحيحهم له لجواز ان كل واحد منهم يذكر ما وصل إليه من الطريق الذي ينسب إليه وان كان في الطريق خلل، نعم فيه اشعار ما بذلك لكن مجرد ذلك لا يكفي في صحة الاستدلال به " انتهى. وفيه نظر، وذلك (اما اولا) فان تضعيف الحديث بهذا الاصطلاح المحدث في تنويع الاخبار إلى الاربعة المشهورة انما حدث من عصر المحقق ومن تأخر عنه وإلا فالاخبار عند المتقدمين كلها محكوم عليها بالصحة إلا ما نبهوا عليه وظهر لهم ضعفه من جهة اخرى. و (اما ثانيا) فان ما ذكره من ان اشتغالهم بتحقيق هذا اللفظ لا يدل على قبول الخبر ضعيف، لانه لو لم يكن كذلك كان جاريا مجرى العبث الذي لا فائدة فيه بالمرة وينجر الامر إلى امثال ذلك مما بحثوا فيه من الاخبار واختلفوا فيه من الاثار وهو مما لا يلتزمه محصل، وبالجملة فكلام شيخنا الشهيد هو الاقرب. إذا عرفت ذلك فاعلم ان المشهور بين الاصحاب - كما عرفت - كراهة التجديد بعد الاندراس وقد استدلوا بهذا الخبر على ذلك وهو غير بعيد وان اشعر ظاهره بالتحريم فانه لا يخفى على من له انس بالاخبار انهم (عليهم السلام) كثيرا ما يردفون المكروهات
[ 135 ]
بما يكاد يلحقها بالمحرمات تأكيدا في الزجر عنه والمستحبات بما يكاد يدخلها في حيز الواجبات حثا على القيام بها، والظاهر ان الحامل للصدوق بعد اختياره رواية التجديد بالجيم على تفسيره بالنبش هو ترتب الخروج من الاسلام عليه ذلك مع عدم حرمة التجديد بالمعنى المتبادر فلا يصح ترتب الخروج من الاسلام عليه. وفيه ما عرفت. ثم لا يخفى ان كلامه (قدس سره) في هذا المقام لا يخلو من نظر من وجوه: (منها) - ان تفسيره التجديد بالنبش بعيد غاية ابعد من ظاهر اللفظ ولا قرينة تؤذن بالحمل عليه في المقام فارادته من هذا اللفظ انما هو من قبيل المعميات والالغاز. و (منها) - ان استلزام النبش للتجديد لا يتم كليا بل قد يكون للتخريب. و (منها) - ان كلامه هذا مبني على تحريم النبش وهو محل كلام كما سيأتي بانه ان شاء الله تعالى قريبا. و (منها) - ان حكمه بالخروج من الاسلام في مخالفة الامام في التجديد والنبش والتسنيم غير مستقيم، فانه (عليه السلام) انما رتب الخروج من الاسلام على امر واحد لكن هؤلاء الاجلاء قد اختلفوا فيه باعتبار اختلافهم في رواية الخبر، فالمرتب عليه امر واحد لكنه باعتبار هذا الاختلاف غير معلوم على التعيين بل هو دائر بين هذه الافراد المذكورة فكيف يصح ترتبه على الجميع ؟ اللهم إلا ان يريد باعتبار ثبوت تحريم هذه الاشياء بادلة من خارج. وفيه مع الاغماض عن المناقشة في هذه الدعوى انه لا خصوصية لهذه الاشياء المعدودة تستوجب الافراد بالذكر، إذ كل من فعل فعلا غير مشروع واعتقد استحلاله فانه مشرع مبدع. وكيف كان فاختلاف هؤلاء الاجلاء في هذه اللفظة مما يضعف الاعتماد على الخبر بأى معنى اعتبر. (منها) - قوله في " من مثل مثالا " بعد تفسيره له بما ذكره: ان اصبت فمن الله وان اخطأت فمن نفسي. فان فيه انه قد روى في معاني الاخبار عنهم (عليهم السلام) تفسير هذا اللفظ في حديث آخر بما ذكره هنا حيث انه روى في الكتاب المذكور بسنده فيه عن النهيكي باسناد رفعه إلى
[ 136 ]
الصادق (عليه السلام) (1) قال: " من مثل مثالا أو اقتني كلبا فقد خرج من الاسلام فقلت هلك إذا كثير من الناس ؟ فقال انما عنيت بقولي من مثل مثالا من نصب دينا غير دين الله تعالى ودعا الناس إليه، وبقولي من اقتنى كلبا مبغضا لاهل البيت (عليهم السلام) اقتناه فاطعمه واسقاه، من فعل ذلك فقد خرج عن الاسلام " وحينئذ فلا وجه لهذا الترديد هنا بين كون تفسيره صوابا أو خطأ. اللهم إلا ان يكون مراده بالنسبة إلى هذا الحديث، وفيه ما فيه فانه متى ورد تفسير هذا اللفظ عنهم (عليهم السلام) بمعنى من المعاني فانه يجب الحمل على ذلك حيثما وجد ذلك اللفظ متى كان المقام لا يأباه كما هو القاعدة الجارية في سائر الالفاظ، نعم يمكن حمله على الغفلة عن الخبر المذكور. ولم اقف لمن تعرض للكلام على كلامه (قدس سره) في المقام سوى ما اشار إليه السيد في المدارك من قوله: " وفيه نظر من وجوه " ولم يبين شيئا من تلك الوجوه. بقي هنا شئ ينبغي التنبيه عليه وهو ان الظاهر ان مراده بقوله: " قولي في ذلك قول أئمتي. الخ " اني لا اقول بالرأي في ذلك وانما قولي فيه قول أئمتي (عليهم السلام) بناء على ما فهمته من كلامهم وادى إليه نطري، فان طابق فهمي ما هو مرادهم - وهو الحكم الواقعي الذي هو الحق والصواب - فهو من توفيق الله عزوجل لي بواسطتهم حيث اني ناقل عنهم وتابع لهم، وان اخطأت ولم يطابق فهمي مرادهم فالخطأ مني لامنهم (عليهم السلام) فانهم قالوا ما هو الحق ولكن لم يصل فهمي إليه فالخطأ من عند نفسي. وما ذكره في هذا المقام مشترك بينه وبين جملة العلماء الاعلام في استنباط الاحكام من اخبارهم (عليهم السلام) لا كما زعمه بعض المحققين من كون هذا فرقا بين المجتهدين والاخباريين اشارة منه إلى ان المجتهدين انما يقولون بالرأي، فانه مما لا ينبغي ان يلتفت إليه ولا يعول في مقام التحقيق عليه لاستلزامه الطعن في اجلة العلماء الاعلام بل تفسيقهم كما لا يخفى على ذوي الافهام. نعم يبقى الكلام في انه هل يعاقب على مثل هذا الخطأ ام لا ؟
1) ص 56 باب 159
[ 137 ]
ظاهر كلامه (قدس سره) - وهو الذي حققناه في جملة من زبرنا ولا سيما كتاب الدرر النجفية - هو العدم، وربما يفهم من بعضهم العقاب كما هو ظاهر المحدث الاسترابادي في الفوائد المدنية أو استحقاقه ولكن يتجاوز الله تعالى عنه لاضطراره، والاظهر هو ما ذكرناه وذلك فان الفقيه الجامع للشرائط إذا بذل وسعه في استنباط الحكم الشرعي بعد تحصيل جميع ادلته والاطلاع على جميع ما يتعلق به من الكتاب والسنة وادى فهمه إلى حكم فهو الواجب عليه في حقه وحق مقلده وان فرضناه خطأ، لانه اقصى تكليفه، والسر في ذلك ان العقول والافهام المفاضة من الملك العلام متفاوتة زيادة ونقصانا كما هو مشاهد بالوجدان بين العلماء الاعيان، فمنهم من فهمه وادراكه كالبرق الخاطف ومنهم كالماء الراكد الواقف وبينهما مراتب لا تخفى على الفطن العارف، ويؤكده ما ورد في الاخبار " بان الله سبحانه انما يداق العباد على حسب ما افاض عليهم من العقول " (1) ومن اراد تحقيق الحال زيادة على ما ذكرناه فليرجع إلى الدرر النجفية.
ومنها - انه يستحب وضع الحصباء وهي صغار الحصى على القبر وواحدها حصبة ؟ كفصبة ؟، وقد روى في الكافي عن ابان عن بعض اصحابه عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) محصب حصباء حمراء " ونقل في الذكرى انه روى " ان النبي (صلى الله عليه وآله) فعله بقبر ابراهيم ولده " (3) ونقل في المنتهى من طريق الجمهور في حديث القاسم بن محمد (4) " ان قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصاحبيه مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء ".
1) هذا مضمون حديث ابى الجارود عن ابى جعفر عليه السلام المروى في اصول الكافي ج 1 ص 11 2) رواه في الوسائل في الباب 37 من ابواب الدفن 3) كما في الام للشافعي ج 1 ص 242 4) كما في سنن ابى داود ج 3 ص 215
[ 138 ]
ومنها - ما ذكره الاصحاب من انه يستحب ان يوضع عند رأسه لبنة أو لوح يعلم به. واستدلوا على ذلك بما رواه الشيخ عن يونس بن يعقوب (1) قال: " لما رجع ابو الحسن موسى (عليه السلام) من بغداد ومضى إلى المدينة ماتت ابنة له بفيد فدفنها وامر بعض مواليه ان يجصص قبرها ويكتب على لوح اسمها ويجعله في القبر " اقول: ويعضده ما رواه الصدوق في كتاب اكمال الدين باسناده عن ابي علي الخيراني عن جارية لابي محمد (عليه السلام) (2) " ان ام المهدي ماتت في حياة ابي محمد (عليه السلام) وعلى قبرها لوح مكتوب عليه هذا قبر ام محمد (عليه السلام) " وروى في المنتهى من طريق الجمهور عن النبي (صلى الله عليه وآله) (3): " لما دفن عثمان بن مظعون امر رجلا ان يأتيه بصخرة فلم يستطع حملاها فقام إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحسر عن ذراعيه ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال اعلم بها اخي وادفن إليه من مات من اهلي " قال في الذكرى: يستحب ان يوضع عند رأسه حجرا أو خشبة علامة ليزار ويترحم عليه كما فعل النبي (صلى الله عليه وآله) حيث امر رجلا بحمل صخرة ليعلم بها قبر عثمان بن مظعون ثم ساق تمام الحديث. اقول: هذا الحديث قد نقله في دعائم الاسلام عن علي (عليه السلام) (4) قال: " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما دفن عثمان بن مظعون دعا بحجر فوضعه عند رأس القبر وقال يكون علما ليدفن إليه قرابتي " والكتاب وان لم يصلح للاعتماد والاستدلال إلا انه يصلح للتأييد في امثال هذا المجال.
ومنها - ما صرح به جملة من الاصحاب من كراهة الجلوس على القبر والمشي عليه والصلاة عليه واليه والاستناد إليه، اما الجلوس عليه فادعى عليه في اخلاف الاجماع
1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 37 من ابواب الدفن 3) رواه أبو داود في سننه ج 3 ص 212 4) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 35 من ابواب الدفن
[ 139 ]
واستدل بقوله (صلى الله عليه وآله) (1): " لان يجلس احدكم على جمر فيحرق ثيابه فتصل النار إلى بدنه احب الي من ان يجلس على قبر " وبقول الكاظم (عليه السلام) فيما قدمناه من موثقة علي بن جعفر (2): " لا يصلح البناء على القبر ولا الجلوس " اقول: ان الرواية الاولى عامية كما نبه عليه ايضا بعض متأخري اصحابنا ولكن الثانية ظاهرة الدلالة على ذلك ونحوها رواية يونس بن ظبيان المتقدمة (3) حيث تضمنت النهي عن القعود عليه، إلا انه قد روى الصدوق في الفقيه عن الكاظم (عليه السلام) (4) " إذا دخلت المقابر فطأ القبور فمن كان مؤمنا استروح إلى ذلك ومن كان منافقا وجد المه " ويمكن حمله على القاصد زيارتهم بحيث لا يتوصل إلى قبر إلا بالمشي على آخر كما ذكره في الذكرى أو يقال تختص الكراهة بالقعود لما فيه من اللبث المنافي للتعظيم، ولعله الاقرب. واما الاستناد إليه والمشي عليه فقد صرح الشيخ بكراهتهما مدعيا في الخلاف الاجماع على ذلك في الاول، ولم اقف في الاخبار على ما يدل على ما ذكره بل دلت مرسلة الفقيه على عدم كراهة المشي وان تأولها في الذكرى بما قدمنا ذكره، واما الصلاة عليه فقد تقدم في رواية يونس بن ظبيان (5) ما يدل على ذلك، واما الصلاة إليه فلما سيأتي ان شاء الله تعالى في بحث المكان من كتاب الصلاة تتمة مهمة تشتمل على مسائل: (الاولى) - قال شيخنا الشهيد في الذكرى بعد ذكر جملة من الاخبار الدالة على ان البناء على القبور القعود عليها والتجصيص والصلاة عليها مكروه: وروى الصدوق عن سماعة (6) " انه سأله عن زيارة القبور وبناء المساجد فيها فقال زيارة القبور لا بأس بها ولا يبنى عندها مساجد " قال الصدوق: " وقال النبي (صلى الله عليه وآله): لا تتخذوا
1) رواه أبو داود في سننه ج 3 ص 217 وابن ماجة في سننه ج 1 ص 474 2) و 3) و 5) ص 130 4) رواه في الوسائل في الباب 62 من ابواب الدفن 6) رواه في الوسائل في الباب 65 من ابواب الدفن
[ 140 ]
قبري قبلة ولا مسجدا فان الله تعالى لعن اليهود لانهم اتخذوا قبور انبيائهم مساجد " (1) قلت: هذه الاخبا رواها الشيخان والصدوقان وجماعة المتأخرين في كتبهم ولم يستثنوا قبرا، ولا ريب ان الامامية مطبقة على مخالفة قضيتين من هذه احداهما البناء والاخرى الصلاة في المشاهد المقدسة، فيمكن القدح في هذه الاخبار بانها آحاد وبعضها ضعيف الاسناد وقد عارضها اخبار اخر اشهر منها، وقال ابن الجنيد لا بأس بالبناء عليه وضرب الفسطاط لصونه ومن يزوره، أو تخصص هذه العمومات باجماعهم في عهود كانت الائمة (عليهم السلام) ظاهرة فيهم وبعدهم من غير نكير وبالاخبار الدالة على تعظيم قبورهم وعمارتها وافضلية الصلاة عندها وهي كثيرة، ثم ساق بعض الاخبار الدالة على ذلك. اقول: والحق ان اكثر هذه الاخبار المذكورة فيها هذه الاحكام لاظهور لها في التعلق بهم (عليهم السلام) وانما ذكر ذلك في القليل منها وهو الذي يحتاج إلى تأويل لمعارضته بما هو اشهر واظهر مثل خبر الصدوق عنه (صلى الله عليه وآله) بالنهي عن اتخاذ قبره قبله ومسجدا، فاما الاحاديث الاولة التي اجملنا النقل فيها فقد عرفت الكلام فيها في الدلالة على ما استدل بها عليه، واما حديث سماعة المتضمن للنهي عن بناء المساجد في المقابر فالوجه فيه انه لا خلاف بين الاصحاب في ان الاراضي المحبوسة على المنافع العامة كالشوارع والمشارع والمساجد والمقابر والرباطات والمدارس والاسواق لا يجوز لاحد التصرف فيها على وجه يمنع الانتفاع بها فيما هي متخذة له وبذلك صرح شيخنا الشهيد الثاني في المسالك حيث قال: بقاع الارض اما مملكة أو محبوسة على الحقوق العامة كالشوارع والمساجد والمقابر والرباطات أو منفكة عن الحقوق الخاصة والعامة وهي الموات. إلى آخر كلامه، ثم ساق الكلام في المحبوس على المنافر العامة وبين عدم جواز الانتفاع بها والتصرف فيها على وجه يمنع من تحصيل الغرض المطلوب منه، وهذا لا خبر صريح في ذلك باعتبار بعض هذه الاراضي وهى المقابر حيث منع من بناء المساجد
1) رواه في الوسائل في الباب 65 من ابواب الدفن
[ 141 ]
فيها، إذا من المعلوم منع ذلك من الدفن الذي هو الغرض المترتب عليه كما صرح به الاصحاب في نظائرها وحينئذ فيكون النهي للتحريم، واما مجرد الصلاة في المقابر فحيث انها توجب منعا من التصرف فهي صحيحة وان كانت مكروهة من حيثية اخرى. ثم لا يخفى ان المراد بهذه الاراضي المذكورة ما هو اعم من ان تكون موقوفة على تلك الجهة الخاصة أو انها وجدت في تصرف المسلمين كذلك وان لم يعلم اصله ولا كيفية امرها، فان تصرف المسلمين واستمرار يدهم عليها موجب لكونها ملكا لهم من هذه الجهة فلا يجوز التصرف فيها بما ينافي الغرض المطلوب المترتب عليها، اما لو كانت الارض معلومة بانها موات مباحة أو مملوكة قد اباحها المالك للمسلمين يتصرفون فيها بما ارادوا أو وقفها عليهم كذلك أو نحو ذلك فانه خارج عن محل البحث. واما ما يدل على جواز البناء بل استحبابه عليه قبور الائمة (عليهم السلام) وجواز الصلاة بل استحبابها عند قبورهم فهي كثيرة مذكورة في كتاب المزار من كتاب البحار، وعسى ان نبسط الكلام في ذلك في كتاب الصلاة ان شاء الله تعالى.
(الثانية) - المشهور بين الاصحاب كراهية دفن اثنين في قبر واحد ابتداء، واحتج عليه في المبسوط بقولهم (عليهم السلام): " لا يدفن في قبر واحد اثنان " ولان النبي (صلى الله عليه وآله) افرد كل واحد بقبر (1) قالوا ومع الضرروة تزول الكراهة بان يكثر الموتى ويعسر الافراد، لما روى (2) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال الانصار يوم احد: حفروا ووسعوا وعمقوا واجعلوا الاثنين والثلاثة في القبر الواحد وقدموا اكثرهم قرانا " هذا كله في الابتداء كما قدمنا ذكره. واما لو دفن ميت في قبر فهل يجوز نبشه ودفن آخر معه ؟ ظاهرهم التحريم، قالوا لان القبر صار حقا للاول فدفنه فيه، ولاستلزام النبش والهتك المحرمين، قال في
1) كما في المهذب للشيرازي الشافعي ج 1 ص 136 2) رواه أبو داود في السنن ج 3 ص 214 رقم 3215
[ 142 ]
الذكرى: وعلى التحريم اجماع المسلمين قال: وقول الشيخ في المبسوط " يكره " الظاهر انه اراد التحريم لانه قال بعده " ولو حفر فوجد عظاما رد التراب ولم يدفن فيه شيئا " وناقش في هذا الحكم جملة من افاضل متأخرى المتأخرين منهم السيد السند ((قدس سره) في المدارك مجيبا عما احتجوا به من تحريم النبش بان الكلام في اباحة الدفن نفسه لا النبش واحدهما غير الاخر. وزاد في الذخيرة ان الظاهر ان مستند تحريم النبش الاجماع واجراؤه في محل النزاع مما لا وجه له. واجاب في المدارك ومثله في الذخيرة عن الدليل الاخر بالمنع من ثبوت حقية الاول بالدفن فيه على وجه يوجب منع دفن آخر، ثم قال في المدارك بعد المناقشة المذكورة: هذا كله في غير السرداب اما فيه فيجوز مطلقا اقتصارا فيما خالف الاصل على موضع الوفاق. اقول: وعندي في هذه المسألة بجميع شقوقها توقف إذ لم اقف على حديث يتعلق بشئ من ذلك، وما نقلوه من الاخبار لم اقف عليه وفى كتب الاخبار الواصلة الينا، والشيخ (رضوان الله عليه) وكذا الجماعة كثيرا ما يستندون في كتب الفروع إلى الاخبار العامية ويبنون عليها، وظاهر المحدث الشيخ محمد الحر في الوسائل التشبث هنا في حكم دفن ميتين في قبر واحد بحديث الاصبغ المتقدم (1) بناء على بعض الاحتمالات المتقدمة فيه، وقد عرفت ما في الخبر المذكور من الاشكال وتعدد الاحتمال الموجب لسقوطه عن درجة الاستدلال، نعم ربما يستنبط من الدليل المتقدم (2) الدال على النهي عن حمل ميتين على سرير واحد المنع ايضا من جعل ميتين في قبر واحد بل ربما كان هذا اولى لطول المقام في ذلك المكان، ويؤيد ذلك باستمرار الاعصار من زمنه (صلى الله عليه وآله) إلى يومنا هذا بالوحدة ابتداء واستدامة إلا إذا صار الميت رميما وبالجملة فالمسألة لا تخلو من الاشكال والاحتياط فيها مطلوب على كل حال. ثم ان جملة من اصحابنا (رضوان الله عليهم): منهم - الشهيدان في الذكرى
1) ص 132 2) ص 82
[ 143 ]
والروض تبعا للشيخ قد فرعوا على قوله في حديث اهل احد: " وقدموا اكثرهم قرانا " فروعا لا فائدة في التطويل بذكرها مع عدم ثبوت اصل الحديث كما اشرنا إليه.
(الثالثة) - الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في تحريم النبش، وقد ادعى على ذلك الاجماع جمع منهم كالمحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى والتذكرة والشهيد في الذكرى وقد استدل في كتاب الوسائل على تحريم النبش بالاخبار الواردة بقطع يد النباش (1) وفيه ان الظاهر من تلك الاخبار بحمل مطلقها على مقيدها ان القطع انما هو من حيث سرقة الكفن لا من حيث النبش، ومنها - ما رواه في الكافي عن عبد الله بن محمد الجعفي (3) قال: " كنت عند ابي جعفر (عليه السلام) وجاءه كتاب هشام بن عبد الملك في رجل نبش امرأة فسلبها ثيابها ثم نكحها فان الناس قد اختلفوا علينا فطائفة قالوا اقتلوه وطائفة قالوا احرقوه ؟ فكتب إليه أبو جعفر (عليه السلام): ان حرمة الميت كحرمة الحي تقطع يده لنبشه وسلبه الثياب ويقام عليه الحد في الزنا: ان احصن رجم وان لم يكن احصن جلد مائة " وفى رواية ابي الجارود عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: " قال امير المؤمنين ((عليه السلام) يقطع سارق الموتى كما يقطع سارق الاحياء " ونحوهما غيرهما، وعليهما يحمل ما اطلق مثل صحيحة حفص ابن البختري (4) قال " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: حد النباش حد السارق " وفى رواية اسحاق بن عمار (5) " ان عليا (عليه السلام) قطع نباش القبر فقيل له أتقطع في الموتى ؟ فقال انا لنقطع لامواتنا كما نقطع لاحيائنا " وهو ظاهر في كون القطع انما هو للسرقة. وبالجملة فاني لا اعترف لذلك غير ما يدعي من الاجماع. ثم ان الاصحاب قد استثنوا هنا صورا منها ما اتفق عليه ومنها ما اختلف فيه:
(الاولى) - إذا وقع في القبر ماله قيمة فانهم صرحوا بجواز النبش للنهي عن اضاعة المال، قالوا ولا يجب على مالكه قبول القيمة، ولا فرق في ذلك بين القليل
1) و 2) و 3) و 4) و 5) المروية في الوسائل في الباب 19 من ابواب حد السرقة
[ 144 ]
والكثير وان كره النبش لاجل القليل، قال في الذكرى: وروى " ان المغيرة بن شعبة طرح خاتمه في قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم طلبه ففتح موضع منه فاخذه فكان يقول انا آخركم عهدا برسول الله (صلى الله عليه وآله) اقول: لا ريب ان هذه الرواية عامية (1) وقد ورد في بعض الاخبار التي لا يحضرني الان موضعها عن علي (عليه السلام) تكذيبه في دعواه ذلك، وهو الصواب فان المغيرة بن شعبة وامثاله من المنافقين في السقيفة يومئذ واين هم من حضور دفنه (صلى الله عليه وآله) ؟ ولكن اصحابنا (رضوان الله عليهم) يستلقون امثال هذه الاخبار في مثل هذه الاحكام العارية عن نصوصهم (عليهم السلام).
(الثانية) - إذا دفن في الارض المغصوبة أو المشتركة بغير اذن الشريك، قالوا فان للمالك والشريك قلعه لتحريم شغل مال الغير وان ادى إلى هتك الحرمة لان حق الحي اولى وان كان الافضل للمالك تركه خصوصا القرابة، ولو دفن باذن المالك جاز له الرجوع ما لم يطم لا بعده.
(الثالثه) - إذا كفن في ثوب مغصوب جاز نبشه لتخليص المغصوب مع طلب المالك، ولا يجب عليه اخذ القيمة. وفرق في المنتهى بين الارض والكفن فقال بعد ان ذكر جواز النبش في الارض المغصوبة: " اما لو غصب كفنا فكفن به ودفن لم يكن لصاحب الكفن قلعه واخذ كفنه بل يرجع إلى القيمة، والفرق بينهما بتعذر
1) كما في المهذب ج 1 ص 138 وفى السيرة الحلبية ج 3 ص 403 " وقيل آخر من طلع من قبره " ص " المغيرة بن شعبة لانه القى خاتمة في القبر الشريف وقال لعلى (ع) يا ابا الحسن خاتمي وانما طرحته عمدا لامس رسول الله " ص " واكون آخر الناس عهدا به قال انزل فخذه. وقيل القى الفأس في القبر. ويقال ان عليا (ع) ملا قال له المغيرة ذلك نزل وناوله الخاتم أو الفأس أو امر من نزل ذلك وقال له انما فعلت لتقول انا آخر الناس برسول الله " ص " عهدا. واعترض بان المغيرة لم يكن حاضرا الدفن
[ 145 ]
تقويم موضع الدفن وحصول الضرر به بخلاف الكفن " انتهى. ورده في الذكرى بضعف هذا الفرق قال: لامكانه باجازة البقعة زمانا يعلم بلى الميت فيه، قال واضعف منه الفرق باشراف الثوب على الهلاك بالتكفين بخلاف الارض لان الفرض قيام الثوب. ثم احتمل في الذكرى في كل من الارض والكفن تحريم النبش إذا ادى إلى هتك الميت وظهور ما ينفر منه لما روي (1) " ان حرمة المؤمن ميتا كحرمته حيا، ولو كفن في حرير قيل هو كالمغصوب، وقيل ان الاولى هنا المنع لان حق الله تعالى اوسع من حق الادمي.
(الرابعة) - إذا بلي الميت وصار رميما قالوا فانه يجوز نبشه لدفن غيره أو لمصلحة المالك المعير، ويختلف ذلك باختلاف الترب والاهوية فلو ظنه رميما فنبش فوجد عظاما دفنها وجوبا، قالوا ومتى علم صيرورته رميما لم يجز تصويره بصورة المقابر في الارض المسبلة لانه يمنع من الهجوم على الدفن فيها.
(الخامسة) - نبشه للشهادة على عينه واثبات الامور المترتبة على موته من اعتداد زوجته وقسمة تركته وحلول ديونه التي عليه، قال في الذكرى، وهذ ايتم إذا كان محصلا للعين ولو علم تغير الصورة حرم.
(السادسة) - إذا دفن بغير كفن أو صلاة أو غسل أو إلى غير القبلة، وقطع الشيخ في الخلاف بعدم النبش لاجل الغسل قال لانه مثلة، ورحجه في المعتبر قال لان النبش مثلة فلا يستدرك الغسل بالمثلة، ومال العلامة في التذكرة إلى نبشه إذا لم يؤد إلى فساد لان الغسل واجب فلا يسقط بذلك وكذا في الدفن إلى غير القبلة، والى ما اختاره العلامة من النبش في الصورتين المذكورتين مال الفاضل الخراساني في الذخيرة، وظاهرهم الاتفاق على عدم النبش في الكفن والصلاة، قالوا لان الصلاة تستدرك بالصلاة على قبره والكفن اغنى عنه الدفن لحصول الستر به.
1) رواه في الوسائل في الباب 51 من ابواب الدفن
[ 146 ]
(السابعة) - إذا دفن في ارض ثم بيعت قال في المبسوط جاز للمشتري نقل الميت منها والافضل تركه. ورده الفاضلان بتحريم النبش إلا ان تكون الارض مغصوبة فيبيعها المالك. واعترضهما الفاضل الخراساني في الذخيرة بان التعويل في تحريم النبش انما هو الاجماع وهو لا يتم في محل النزاع. اقول: لقائل ان يقول ان خلاف معلوم النسب لا يقدح في الاجماع كما هو مذكور في قواعدهم. والمسألة بجميع شقوقها وفروعها لا تخلو عندي من الاشكال لعدم الواضح من اخبارهم (عليهم السلام) والله العالم.
(الرابعة) - قد صرحوا (رضوان الله عليهم) بانه يحرم نقل الميت بعد دفنه إلى موضع آخر، لتحريم النبش واستدعائه الهتك ولو إلى احد المشاهد المشرفة، ونقل العلامة في التذكرة جوازه إليها عن بعض علمائنا، قال الشيخ (قدس سره) في النهاية " وإذا دفن في موضع فلا يجوز تحويله من موضعه، وقد وردت رواية بجواز نقله إلى بعض مشاهد الائمة (عليهم السلام) سمعناها مذاكرة والاصل ما قدمناه " وقال ابن ادريس انه بدعة في شريعة الاسلام سواء كان النقل إلى مشهد أو إلى غيره، وعن ابن حمزة القول بالكراهة، ونقل بعض مشايخنا المتأخرين عن الشيخ وجماعة انهم جوزوا نقله إلى المشاهد المشرفة. اقول: وبذلك يشعر كلامه في المبسوط حيث قال بعد الاشارة إلى ورود الرواية كما ذكره في النهاية: " والاول افضل " فان ظاهره الجواز وان كان خلاف الافضل كما يدل عليه قول ابن حمزة، وقال ابن الجنيد انه لا بأس بتحويل الموتى من الارض المغصوبة ولصلاح يراد بالميت. وظاهره الجواز من غير كراهة في الصورتين المذكورتين. اقول: والظاهر عندي هو الجواز (اما اولا) فان مستند التحريم انما هو الاجماع على تحريم النبش وهو غير ثابت في محل النزاع. و (اما ثانيا) فلما رواه الصدوق
[ 147 ]
في الفقيه (1) قال: " قال الصادق (عليه السلام) ان الله تبارك وتعالى اوحى إلى موسى ابن عمران (عليه السلام) ان أخرج عظام يوسف (عليه السلام) من مصر ووعده طلوع القمر فابطأ طلوع القمر عليه فسأل عمن يعلم موضعه فقيل له هنا عجوز تعلم علمه فبعث إليها فاتي بعجوز مقعدة عمياء فقال تعرفين قبر يوسف (عليه السلام) ؟ قالت: نعم. قال فاخبريني بموضعه قالت لا افعل حتى تعطيني خصالا: تطلق رجلي وتعيد الي بصري وترد الي شبابي وتجعلني معك في الجنة. فكبر ذلك على موسى (عليه السلام) فأوحى الله عزوجل إليه انما متعطي علي فاعطها ما سألت ففعل فدلته على قبر يوسف فاستخرجه من شاطئ النيل في صندوق مرمر فلما اخرجه طلع القمر فحمله إلى الشام فلذلك يحمل اهل الكتاب موتاهم إلى الشام " ومثله الاخبار الواردة في نقل نوح لعظام آدم (عليهما السلام) في تابوت إلى الغري ودفنه فيه (2) والتقريب فيها ان الظاهر من نقلهم ذلك لشيعتهم وتقريرهم عليه جواز ذلك كما وقع في مواضع، مثل حديث " ذكرى حسن عليه كل حال " المروي عن موسى (عليه السلام) (3) ومنها جعل المهر اجارة الزوج نفسه مدة كما حكاه الله تعالى عن موسى (عليه السلام) في تزويجه ابنة شعيب، فان اكثر الاصحاب على القول بذلك للاية الشريفة (4) ونحو ذلك مما يقف عليه المتتبع، وبذلك يظهر ما في قول بعض افاضل متأخرى المتأخرين من ان وقوع ذلك في شرع من قبلنا لا يدل على جوازه في شرعنا، وبما ذكرناه ايضا صرح الفاضل المولى محمد تقي المجلسي في شرحه على الفقيه حيث قال: " والظاهر
1) ج 1 ص 123 ورواه في الوسائل في الباب 13 من ابواب الدفن 2) روى ذلك السيد ابن طاووس في فرحة الغرى ص 59 طبع المبعة الحيدرية في النجف ورواه ابن قولويه في كامل الزيارة ص 38 3) رواه في الوسائل في الباب 7 من ابواب احكام الخلوة 4) سورة القصص. الآية 27
[ 148 ]
ان الغرض من نقل هذا الخبر جواز نقل الميت إلى المشاهد المشرفة بل استحبابه كما ذهب إليه الاصحاب وعليه عملهم من زمان الائمة إلى زماننا هذا " انتهى. وان كانت العبارة لا تخلو من سهو تساهل في التعبير فان جواز النقل واستحبابه الذي ذهب إليه الاصحاب انما هو قبل الدفن كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى لابعد الدفن لما عرفت من ان المشهور بينهم هو التحريم، ومورد الخبر انما النقل بعد الدفن، ولهذا ان بعضهم انكر الاستدلال بالخبر المذكور وجعله مقصورا على شرع من قبلنا كما عرفت و (اما ثالثا) فلما نقل عن جملة من علمائنا من انهم دفنوا ثم نقلوا مثل الشيخ المفيد فانه دفن في داره مدة ثم نقل إلى جوار الامامين الكاظمين (عليهما السلام) والسيد المرتضى فانه دفن في داره ثم نقل إلى جوار الحسين (عليه السلام) ونقل ايضا ان شيخنا البهائي دفن باصبهان ثم نقل إلى المشهد الرضوي على مشرفه السلام، ومن الظاهر ان وقوع ذلك في تلك الاوقات المملوءة بالفضلاء لا يكون إلا بتجويزهم. و (اما رابعا) فان الاصل هنا الجواز بل الاستحباب، وبه يجب التمسك إلى ان يقوم دليل المنع، وليس إلا الاجماع المدعى على تحريم النبش وهو غير جار فيما نحن فيه. هذا كله فيما لو كان بعد الدفن اما قبله فالظاهر انه لا خلاف بين اصحابنا (رضوان الله عليهم) في كراهة نقل الميت إلى غير بلده إلا إلى المشاهد المشرفة، قال في المعتبر: " يكره نقل الميت إلى غير بلد موته وعليه العلماء اجمع، وقال علماؤنا خاصة يجوز نقله إلى مشاهد الائمة (عليهم السلام) بل يستحب، اما الاول فلقول النبي (صلى الله عليه وآله) (1) ". عجلوهم إلى مضاجعهم. " وهو دليل على الاقتصار على المواضع القريبة المعهودة بالدفن، واما الثاني فعليه عمل الاصحاب من زمن الائمة (عليهم السلام) إلى الان وهو مشهور بينهم لا يتناكرونه، ولانه يقصد بذلك التمسك بمن له اهلية الشفاعة وهو حسن بين الاحباء توصلا إلى فوائد الدنيا فالتوصل إلى فوائد
1) رواه في الوسائل في الباب 47 من ابواب الاحتضار
[ 149 ]
الاخرة اولى " انتهى. وعليه اقتصر في المدارك في الاستدلال على الحكم المذكور ونحوه في الذكرى ايضا وغيره في غيرها. اقول: وظاهر كلماتهم في هذا المقام يدل على عدم وقوفهم على دليل من الاخبار وإلا لنقلوه ولو تأييدا لهذه الادلة العقلية باصطلاحهم كماهم عادتهم في جميع الاحكام. والذي وقفت عليه مما يدل على النقل إلى المواضع الشريفة للتبرك والتيمن لشرفها روايات: منها - ما رواه في الكافي بسنده عن على بن سليمان (1) قال: " كتبت إليه اسأله عن الميت يموت بعرفات يدفن بعرفات أو ينقل إلى الحرم ايهما افضل ؟ فكتب يحمل إلى الحرم ويدفن فهو افضل " وما رواه الشيخ في التهذيب عن علي بن سليمان (2) قال: " كتبت إلى ابي الحسن (عليه السلام) اسأله عن الميت يموت بمنى أو بعرفات (الوهم منى). " ثم ذكر مثل الاول. وما رواه الديلمي في ارشاد القلوب (3) والسيد عبد الكريم بن السيد احمد بن طاووس في كتاب فرحة الغري من حديث اليماني الذى قدم بابيه على ناقة إلى الغري، قال في الخبر: " انه كان امير المؤمنين (عليه السلام) إذا اراد الخلوة بنفسه ذهب إلى طرف الغري فبينما هو ذات يوم هناك مشرف على النجف فإذا رجل قد اقبل من اليمن راكبا على ناقة قدامه جنازة فحين رأى عليا (عليه السلام) قصده حتى وصل إليه وسلم عليه فرد عليه وقال من اين ؟ قال من اليمن. قال وما هذه الجنازة التي معك ؟ قال جنازة ابى لادفنه في هذه الارض. فقال له علي (عليه السلام) لم لا دفنته في ارضكم ؟ قال اوصى بذلك وقال انه يدفن هناك رجل يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر. فقال (عليه السلام) أتعرف ذلك الرجل ؟ قال: لا. قال: انا والله ذلك الرجل (ثلاثا) فادفن فقام فدفنه " وفي مجمع البيان عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (4) في حديث قال: " لما مات يعقوب حمله يوسف في تابوت إلى
1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 45 من ابواب مقدمات الطواف 3) ص 255 4) رواه في الوسائل في الباب 13 من ابواب الدفن
[ 150 ]
ارض الشام فدفنه في بيت المقدس " ورواه الراوندي في كتاب قصص الانبياء باسناده إلى الصدوق بسنده الصحيح عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) مثله (1) ويعضده ما تقدم من حديثي نقل آدم ويوسف فانه متى جاز بعد الدفن فقبله بطريق اولى. وقال في الذكرى: ولو كان هناك مقبرة بها قوم صالحون أو شهداء استحب النقل إليها ايضا لتناله بركتهم. وهو حسن. اقول: ويؤيده ما رواه الكشي في كتاب اختيار الرجال (2) عن العياشي قال: " سمعت علي بن الحسن يقول مات يونس بن يعقوب بالمدينة فبعث إليه أبو الحسن الرضا (عليه السلام) بحنوطه وكفنه وجميع ما يحتاج إليه وامر مواليه وموالي ابيه وجده ان يحضروا جنازته وقال لهم هذا مولى لابي عبد الله (عليه السلام) كان يسكن العراق، وقال لهم احفروا له في البقيع فان قال لكم اهل المدينة انه عراقى ولا ندفنه في البقيع فقولوا لهم هذا مولى لابي عبد الله (عليه السلام) وكان يسكن العراق فان منعتمونا ان ندفنه في البقيع منعناكم ان تدفنوا مواليكم في البقيع فدفن في البقيع. ". واما ما رواه في دعائم الاسلام عن علي (عليه السلام) (3) - " انه رفع إليه ان رجلا مات بالرستاق فحملوه إلى الكوفة فانهكهم عقوبة وقال ادفنوا الاجساد في مصارعها ولا تفعلوا كفعل اليهود تنقل موتاهم إلى بيت المقدس، وقال انه لما كان يوم احد اقبلت الانصار لتحمل قتلاها إلى دورها فامر رسول الله (صلى الله عليه وآله) مناديا فنادى ادفنوا الاجساد في مصارعها " - فاول ما فيه ان الكتاب المذكور غير معتمد ولا مشهور، قال شيخنا المجلسي في البحار: " كتاب دعائم الاسلام قد كان اكثر اهل عصرنا يتوهمون انه تأليف الصدوق وقد ظهر لنا انه تأليف ابي حنيفة النعمان بن محمد بن منصور قاضى مصر في ايام الدولة الاسماعيلية وكان مالكيا اولا ثم اهتدى وصار اماميا
1) و 3) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 13 من ابواب الدفن 2) ص 245
[ 151 ]
واخبار هذا الكتاب اكثرها موافق لما فيكتبنا المشهورة لكن لم يروعن الائمة بعد الصادق (عليه السلام) خوفا من الخلفاء الاسماعيلية، وتحت سر التقية اظهر الحق لمن نظر فيه متعمقا، واخباره تصلح للتأييد والتأكيد. إلى آخر كلامه " و (ثانيا) - انه يمكن حمله على حصول النقل من مسافة يوجب تغير الميت وانفجاره، فقد صرح الشهيد الثاني بانه يجب تقييد الحكم المذكور بما إذا لم يخف هتك الميت بانفجاره ونحوه لبعد المسافة أو غيرها. وهو جيد. ويمكن ان يقال ان الكوفة من حيث هي ليست من الاماكن التي يستحب النقل إليها مع منافاته للتعجيل المأمور به. وكيف كان فهذا الخبر ليس له قوة المعارضة لما ذكرناه. واما ما تضمنه من نهي الرسول (صلى الله عليه وآله) عن نقل قتلى احد فهو مما صرح به الاصحاب ايضا فانهم استثنوا من هذا الحكم الشهداء كما صرح به شيخنا المشار إليه وغيره، قالوا فان الاولى دفنه حيث قتل لقوله (صلى الله عليه وآله) (1): " ادفنوا القتلى في مصارعهم " وهذا الحديث ايضا شاهد به.
(الخامسة) - قد صرح جملة من الاصحاب بتحريم شق الثوب الاعلى الاب الاخ فانه جائز، وظاهر اطلاق كلامهم يقتضي عدم الفرق بين الرجال والنساء، وقيل بجواز ذلك للنساء مطلقا، قال في الذكرى: وفي نهاية الفاضل يجوز شق النساء الثوب مطلقا وفى الخبر ايماء إليه. واراد بالخبر ما يأتي من شق الفاطميات على الحسين (عليه السلام) وذهب ابن ادريس إلى التحريم مطلقا ولم يستثن احدا، قال في المدارك: " وفى رواية الحسن الصيقل (2) " لا ينبغي الصراخ على الميت ولاشق الثياب " وهو ظاهر في الكراهة ومقتضى الاصل الجواز ان لم يثبت النهي عن اضاعة المال على وجه العموم " انتهى. وربما اشعر هذا الكلام بانه لا دليل على التحريم من النصوص في خصوص هذا المقام إلا ان يثبت دليل على اضاعة المال على وجه العموم.
1) رواه السيوطي في الجامع الصغير ج 1 ص 14 2) المروية في الوسائل في الباب 84 من ابواب الدفن
[ 152 ]
والذي وقفت عليه من النصوص المتعلقة بهذا المقام بالخصوص منها ما تقدم نقله عن المدارك من رواية الحسن الصيقل رواها في الكافي وفى الذكرى رواها عن الحسن الصفار والظاهر انه سهو من قلمه. ومنها - ما رواه في التهذيب قال: وذكر احمد بن محمد بن داود القمي في نوادره قال روى محمد بن عيسى عن اخيه جعفر بن عيسى عن خالد بن سدير اخي حنان بن سدير (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل شق ثوبه على ابيه أو على امه أو على اخيه أو على قريب له ؟ قال لا بأس بشق الجيوب فقد شق موسى بن عمران على اخيه هارون (عليهما السلام) ولا يشق الوالد على والده ولا زوج على امرأته وتشق المرأة على زوجها، وإذا شق الزوج على امرأته أو والد على والده فكفارته حنث يمين ولا صلاة لهما حتى يكفرا أو يتوبا من ذلك، وإذا خدشت المرأة وجهها أو جزت شعرها أو نتفته ففي جز الشعر عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستين مسكينا وفى الخدش إذا دميت وفى النتف كفارة حنث يمين، ولا شئ في اللطم على الخدود سوى الاستغفار والتوبة، ولقد شققن الجيوب ولطمن الخدود الفاطميات على الحسين بن علي (عليهما السلام) وعلى مثله تلطم الخدود وتشق الجيوب " ومنها - ما رواه في الكافي بسنده عن جماعة من بنى هاشم منهم الحسن بن الحسن بن الحسن الافطس (2) " انهم حضروا يوم توفى محمد بن على بن محمد باب ابى الحسن (عليه السلام) يعزونه، إلى ان قال إذ نظر إلى الحسن بن علي (عليهما السلام) قد جاء مشقوق الجيب حتى قام عن يمينه. الحديث " وقال الصدوق (3) " لما قبض علي بن محمد العسكري رؤي الحسن بن علي (عليهما السلام) قد خرج من الدار وقد شق قميصه من خلف ومن اقدام) وروى الوزير السعيد علي بن عيسى الاربلي في كتاب كشف الغمة من كتاب الدلائل لعبدالله بن جعفر الحميري
1) رواه في الوسائل في الباب 21 من ابواب الكفارات 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 84 من ابواب الدفن
[ 153 ]
عن ابي هاشم الجعفري (1) قال: " خرج أبو محمد في جنازة ابي الحسن (عليهما السلام) وقميصه مشقوق فكتب إليه ابن عون من رأيت أو بلغك من الائمة (عليهم السلام) شق قميصه في مثل هذا ؟ فكتب إليه أبو محمد (عليه السلام): يا احمق وما يدريك ما هذا ؟ قد شق موسى بن عمران على هارون " وروى مثل ذلك الكشي في كتاب الرجال (2) إلا ان فيه " فكتب إليه أبو عون الابرش ". اقول: لا يخفى ان الظاهر من قوله (عليه السلام) في رواية الحسن الصيقل: " لا ينبغي " بمعونة ما نقلناه عن التهذيب انما هو التحريم (اما اولا) فلان استعمال هذا اللفظ في التحريم شائع في الاخبار كما عرفت في غير موضع من هذا الكتاب. و (اما ثانيا) فلان الظاهر من الاخبار وكلام الاصحاب ان الصراخ محرم وانما الجائز النوح بالصوت المعتدل والقول بحق، فكذا يجب القول في الشق والا لزم استعمال اللفظ المشترك في معنييه ا وحقيقته ومجازه وهم لا يقولون به، ويخرج خبر خالد بن سدير المتضمن لايجاب الكفارة على الزوج في الشق على زوجته والوالد على والده شاهدا على ذلك، وبه يظهر صحة ما ذكره الاصحاب من الحكم المذكور وان حمله في المدارك الرواية المشار إليها على الكراهة من حيث ان لفظ " لا ينبغي " في عرف الناس بمعنى الكراهة ليس بجيد. نعم قد دلت رواية خالد بن سدير على استثناء شق المرأة على زوجها زيادة على ما ذكره الاصحاب من الشق على الاب والاخ فيجب القول به. واما ما يدل على الشق على الاب والاخ فهو فعل الامام الحسن العسكري على ابيه واخيه (عليهم السلام) وفعل موسى بن عمران على اخيه هارون (عليهما السلام) وفى استدلاله (عليه السلام) واحتجاجه على من لامه في الشق بشق موسى على اخيه هارون ما يؤيد ما قدمناه من ان ما يحكونه عن الانبياء السابقين يكون حجة ودليلا للحكم في شريعتنا ما لم يعلم الاختصاص، ومثله حديث خالد بن سدير واستدلال الصادق (عليه السلام) بشق موسى بن عمران على اخيه هارون. والله العالم.
1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 84 من ابواب الدفن
<>