
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء الرابع
المقصد الخامس
في التعزية وما يتبعها
والعزاء ممدودا: الصبر، والتعزية تفعلة من العزاء، وعزيته تعزية قلت له احسن الله تعالى عزاءك اي رزقك الصبر الجميل، والمراد بها طلب التسلي عن المصيبة باسناد الامر إلى قضاء الله وقدره وذكر ما وعد الله تعالى على ذلك من الاجر والثواب، واقل مراتبها ان يراه صاحب المصيبة لما رواه في الفقيه مرسلا (1) قال: وقال (عليه السلام) " كفاك من التعزية ان يراك صاحب المصيبة ". والبحث في هذا القصد يقع في مقامات: (الاول) - قد استفاضت الاخبار باستحباب التعزية، فروى في الكافي عن وهب بن وهب عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من عزى مصابا كان له مثل اجره من غير ان ينتقص من اجر المصاب شئ " وعن ابي الجارود عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: " كان فيما ناجى به موسى ربه قال يا رب ما لمن عزى الثكلى ؟ قال اظله في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي " وعن علي بن عيسى بن عبد الله العمري عن ابيه عن جده عن ابيه (4) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) من عزى الثكلى اظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله " وعن اسماعيل الجزرى عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " قال رسول الله (صلى إليه عليه وآله) من عزى حزينا كسي في الموقف حلة يحبى بها " وعن السكوني عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (6) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من عزى حزينا كسي في الموقف حلة يحبر بها " وروى هذين
1) رواه في الوسائل في الباب 48 من ابواب الدفن 2) و 3) و 4) و 5) و 6) رواه في الوسائل في الباب 46 من ابواب الدفن
[ 155 ]
الخبرين الاخيرين الصدوق في الفقيه (1) مرسلين قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى آخرهما " وروى الصدوق في المجالس والعيون بسنده عن محمد بن علي عن ابيه الرضا عن موسى بن جعفر (عليهم السلام) (2) قال: " رأى الصادق (عليه السلام) رجلا قد اشتد جزعه على ولده فقال يا هذا جزعت للمصيبة الصغرى وغفلت عن المصيبة الكبرى لو كنت لما صار إليه ولدك مستعدا لما اشتد عليه جزعك فمصابك بتركك الاستعداد له اعظم من مصابك بولدك " وروى المشايخ الثلاثة في اصولهم والصدوق في ثواب الاعمال عن رفاعة بن موسى النخاس عن الصادق (عليه السلام) (3) " انه عزى رجلا بابن له فقال له الله خير لابنك منك وثواب الله خير لك منه فلما بلغه جزعه عليه عاد إليه فقال له قد مات رسول الله (صلى الله عليه وآله) فمالك به اسوة ؟ فقال انه كان مراهقا فقال ان امامه ثلاث خصال: شهادة ان لا إله إلا الله ورحمة الله وشفاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلن تفوته واحدة منهن ان شاء الله تعالى " قال شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في البحار: قوله (عليه السلام): " الله خير لابنك منك " اقول: لما كان الغالب ان الحزن على الاولاد يكون لتوهم امرين باطلين: (احدهما) انه على تقدير وجود الولد يصل النفع من الوالد إليه وان هذه النشأة خير له من النشأة الاخرى والحياة خير له من الموت فازال (عليه السلام) وهمه بان الله سبحانه ورحمته خير لابنك منك وما تتوهمه من نفع توصله إليه على تقدير الحياة والموت مع رحمة الله خير من الحياة. و (ثانيهما) - توقع النفع منه مع حياته أو الاستئناس به فابطل (عليه السلام) ذلك بان ما عوضك الله تعالى من الثواب على فقده خير لك من كل نفع توهمته أو قدرته في حياته. قوله: " فعاد إليه " يفهم منه استحباب المعاودة وتكرار التعزية
1) ج 1 ص 110 وفي الوسائل في الباب 46 من ابواب الدفن 2) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 68 من ابواب الدفن 3) رواه في الوسائل في الباب 49 من ابواب الدفن
[ 156 ]
مع بقاء الجزع. قوله: " انه كان مراهقا " في بعض النسخ كما في الكافي " مرهقا " فهو على بناء المجهول من باب التفعيل أو من الافعال، قال في النهاية: الرهق: السفه وغشيان المحارم وفيه فلان مرهق اي متهم بسوء وسفه. وفى القاموس الرهق محركة: السفه والنوك والخفة وركوب الشر والظلم وغشيان المحارم، والمرهق كمكرم: من ادرك، وكمعظم: الموصوف بالرهق أو من يظن به السوء. انتهى. والمراد ان حزني ليس بسبب فقده بل بسبب انه كان يغشى المحارم. انتهى ملخصا. وروى في الكافي عن علي بن مهزيار (1) قال: " كتب أبو جعفر (عليه السلام) إلى رجل ذكرت مصيبتك بعلي ابنك وذكرت انه كان احب ولدك اليك وكذلك الله انما يأخذ من الولد وغيره ازكى ما عند اهله ليعظم به اجر المصاب بالمصيبة فاعظم الله تعالى اجرك واحسن عزاءك وربط على قلبك انه قدير وعجل الله تعالى عليك بالخلف وارجو ان يكون الله تعالى قد فعل ان شاء الله تعالى " وروى في الفقيه مرسلا (2) قال: " اتى أبو عبد الله (عليه السلام) قوما قد اصيبوا بمصيبة فقال: جبر الله وهنكم واحسن عزاءكم ورحم متوفاكم ثم انصرف ".
وفى المقام فوائد:
(الاولى) - قد عرفت معنى التعزية فيما تقدم وهي جائزة قبل الدفن وبعده لما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن هشام بن الحكم (3) قال: " رأيت موسى بن جعفر (عليه السلام) يعزى قبل الدفن وبعده " ويحتمل انه (عليه السلام) جمع بين الامرين في مصيبة واحدة. والافضل كونها بعد الدفن كما هو المشهور لما رواه ثقة الاسلام في الصحيح عن ابن ابي عمير عن بعض اصحابه عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " التعزية لاهل المصيبة بعد ما يدفن " وعن احمد بن محمد بن خالد عن ابيه عن بعض اصحابه عن الصادق (عليه السلام) قال (5): " التعزية
1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 49 من ابواب الدفن 3) رواه في الوسائل في الباب 47 من ابواب الدفن 4) و 5) رواه في الوسائل في الباب 48 من ابواب الدفن
[ 157 ]
الواجبة بعد الدفن " اقول: الوجوب هنا اما بالمعنى اللغوي أو لتأكيد الاستحباب. وروى في الفقيه مرسلا (1) قال: " قال (عليه السلام) (2) التعزية الواجبة بعد الدفن، وقال كفاك من التعزية ان يراك صاحب المصيبة " وروى في الكافي عن اسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) قال: " ليس التعزية إلا عند القبر ثم ينصرفون لا يحدث في الميت حدث فيسمعون الصوت " قال في الوافي في ذيل هذا الخبر: " يعني ان التعزية تحصل بالاجتماع الذى يقع عند القبر فينبغي للناس بعد ما فرغوا من الدفن ان يعجلوا في الانصراف ولا يلبثوا هناك للتعزية لئلا يحدث في الميت حدث في قبره من عذاب أو صيحة فيسمعوا الصوت ويفزعوا من ذلك ويكرهوه " انتهى.
(الثانية) - هل لها حد معين ام لا ؟ قال في المبسوط: الجلوس للتعزية يومين أو ثلاثة ايام مكروها اجماعا. وانكر هذا القول ابن ادريس فقال بعد نقل كلام الشيخ المذكور: " قال محمد بن ادريس لم يذهب احد من اصحابنا المصنفين إلى ذلك ولا وصفه في كتابه وانما هذا من فروع المخالفين وتخريجاتهم، وأي كراهة في جلوس الانسان في داره للقاء اخوانه والدعاء لهم والتسليم عليهم واستجلاب الثواب لهم في لقائه وعزائه " انتهى وانتصر في المعتبر للشيخ فقال بعد نقل ملخص كلام ابن ادريس: " والجواب ان الاجتماع والتزاور من حيث هو مستحب اما لو جعل لهذا الوجه واعتقد شرعيته فانه يفتقر إلى الدلالة، والشيخ استدل بالاجماع على كراهيته إذ لم ينقل عن احد من الصحابة والائمة (عليهم السلام) الجلوس لذلك فاتخاذه مخالفة لسنة السلف لكن لا يبلغ ان يكون حراما " انتهى. وظاهر شيخنا الشهيد في الذكرى الانتصار لابن ادريس حيث قال: ولا حد لزمانها عملا بالعموم نعم لو ادت التعزية إلى تجديد حزن قد نسي كان تركها اولى، ويمكن القول بثلاثة ايام لنقل الصدوق عن الباقر (عليه السلام) (3)
1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 48 من ابواب الدفن 3) رواه في الوسائل في الباب 67 من ابواب الدفن
[ 158 ]
" يصنع للميت مأتم ثلاثة ايام من يوم مات " ونقل عن الصادق (عليه السلام) (1) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) امر فاطمة (عليها السلام) ان تأتي اسماء بنت عميس ونساؤها وان تصنع لهم طعاما ثلاثة ايام فجرت بذلك السنة " قال وقال الصادق (عليه السلام) (2) " ليس لاحد ان يحد اكثر من ثلاثة ايام إلا المرأة على زوجها حتى تقضى عدتها " قال (3): " واوصى أبو جعفر (عليه السلام) بثمانمأئة درهم لمأتمه وكان يرى ذلك من السنة لان رسول الله (صلى الله عليه وآله) امر باتخاذ الطعام لال جعفر " وفي كل هذا ايماء إلى ذلك. والشيخ أبو الصلاح قال: من السنة تعزية اهله ثلاثة ايام وحمل الطعام إليهم. ثم نقل كلام الشيخ في المبسوط وملخص كلام ابن ادريس عليه وكلام المعتبر على ابن ادريس، ثم قال في الرد على كلام المعتبر: قلت الاخبار المذكورة مشعرة به فلا معنى لاعتراضه حجة التزاور وشهادة الاثبات مقدمة، إلا ان يقال لا يلزم من عمل المأتم الجلوس للتعزية بل هو مقصور على الاهتمام بامور اهل الميت لاشتغالهم بحزنهم، لكن اللغة والعرف بخلافه، قال الجوهرى: " المأتم: النساء يجتمعن قال وعند العامة المصيبة " وقال غيره " المأتم: المناحة " وهما مشعران بالاجتماع. انتهى ما ذكره في الذكرى في هذا المقام. وهو جيد. والى هذا القول مال جملة من متأخرى المتأخرين بل الظاهر انه هو المشهور.
(الثالثه) - قال في المنتهى: " ويستحب التعزية لجميع اهل المصيبة كبيرهم وصغيرهم ذكرهم وانثاهم عملا بالعموم، وينبغي ان يخص اهل العلم والفضل والخير والمنظور إليهم من بينهم يميز به ليتأسى به غيره والضعيف عن تحمل المصيبة لحاجته إليها، ولا ينبغى ان يعزى النساء الاجانب خصوصا الشواب بل تعزيهم نساء مثلهم " انتهى.
1) رواه في الوسائل في الباب 67 من ابواب الدفن 2) رواه في الوسائل في الباب 82 من ابواب الدفن 3) رواه في الوسائل في الباب 68 من ابواب الدفن
[ 159 ]
اقول: وفى الفقه الرضوي (1) قال: " وعز وليه فانه روى عن الصادق (عليه السلام) انه قال: من عزى اخاه المؤمن كسي في الموقف حلة، إلى ان قال (عليه السلام) وان كان المعزى يتيما فامسح يدك على رأسه فقد روي ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال من مسح يده على رأس يتيم ترحما كتب الله له بكل شعرة مرت عليها يده حسنة. وان وجدته باكيا فسكته بلطف ورفق فاني اروي عن العالم (عليه السلام) انه قال إذا بكى اليتيم اهتز له العرش فيقول الله تبارك وتعالى من ذا الذي ابكى عبدي الذي سلبته ابويه في صغره وعزتي وجلالي وارتفاعي في مكاني لا يسكته عبد مؤمن إلا وجبت له الجنة ". (الرابعة) - الافضل في التعزية ما هو المأثور عن اهل العصمة (عليهم السلام) مما تقدم في رواية رفاعة بن موسى ورواية علي بن مهزيار ومرسلة الفقيه (2) وروى شيخنا الشهيد الثاني في كتاب مسكن الفؤاد عن ابي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عن ابيه عن جده (عليهم السلام) (3) قال: " لما توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) جاء جبرئيل والنبي مسجى وفى البيت علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) قال السلام عليكم يا اهل بيت الرحمة " كل نفس ذائقة الموت وانما توفون اجوركم يوم القيامة. الاية (4) " ألا ان في الله عزوجل عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا لما فات فبالله عزوجل فثقوا واياه فارجوا فان المصاب من حرم الثواب وهذا آخر وطئي من الدنيا " وعن جابر بن عبد الله (رضى الله عنه) (5) قال: " لما توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) عزتهم الملائكة يسمعون الحس ولا يرون الشخص فقالوا السلام عليكم اهل البيت ورحمة الله وبركاته ان في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا عن كل فائت فبالله فثقوا واياه فارجوا وانما المحروم من حرم الثواب والسلام
1) ص 18. 2) ص 155 و 156 3) و 5) رواه في البحار ج 18 ص 213 4) سورة آل عمران. الآية 182
[ 160 ]
عليكم ورحمة الله وبركاته " وروى الخبر الاول في الكافي عن الحسين بن المختار عنه (عليه السلام) (1) والخبر الثاني عن زيد الشحام عنه (عليه السلام) (2).
(المقام الثاني) - لا خلاف بين اصحابنا (رضوان الله عليهم) في استحباب الاطعام عن اصحاب المصيبة ثلاثة ايام، وعلى ذلك دلت جملة من الاخبار: منها - ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " لما قتل جعفر بن ابي طالب امر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاطمة ان تتخذ طعاما لاسماء بيت عميس ثلاثة ايام وتاتيها ونساؤها وتقيم عندها ثلاثة ايام فجرت بذلك السنة ان يصنع لاهل المصيبة طعام ثلاثا " ورواه الصدوق مرسلا (4) إلى قوله " فجرت بذلك السنة " وفي الصحيح أو الحسن عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (5) قال: " يصنع لاهل الميت مأتم ثلاثة ايام من يوم مات " ورواه البرقي في المحاسن في الصحيح عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (6) وفى متنه قال: " نصنع للميت الطعام للمأتم ثلاثة ايام بيوم مات فيه " وعن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (7) قال: " ينبغي لجيران صاحب المصيبة ان يطعموا الطعام عنه ثلاثة ايام " ورواه الصدوق باسناده عن ابي بصير مثله (8) وروى البرقي في المحاسن في الصحيح عن مرازم (9) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول لما قتل جعفر بن ابي طالب دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على اسماء بيت عميس، إلى ان قال فقال اجعلوا لاهل جعفر طعاما فجرت السنة إلى اليوم " وعن العباس بن موسى بن جعفر عن ابيه (عليه السلام) (10) " انه سأله عن المأتم فقال ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال ابعثوا إلى اهل جعفر طعاما فجرت السنة إلى اليوم " وعن عمر بن علي بن الحسين (عليه السلام) (11) قال:
1) و 2) ص 60 3) و 4) و 5) و 6) و 7) و 8) و 9) و 10) و 11) رواه في الوسائل في الباب 67 من ابواب الدفن
[ 161 ]
" لما قتل الحسين (عليه السلام) لبس نساء بني هاشم السواد والمسوح وكن لا يشتكين من حر ولا برد وكان علي بن الحسين (عليهما السلام) يعمل لهن الطعام للمأتم " اقول: الظاهر ان ذلك بعد رجوعه (عليه السلام) إلى المدينة. وفى الكافي في الصحيح أو الحسن عن حريز أو غيره (1) قال: اوصى أبو جعفر (عليه السلام) والفقيه مرسلا قال: " اوصى أبو جعفر بثمانمائة درهم لمأتمه وكان يرى ذلك من السنة لان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال اتخذوا لآل جعفر طعاما فقد شغلوا " قال في الذكرى: " لو اوصى الميت بذلك نفذت وصيته لانه نوع من البر ويلحقه ثوابه بعد موته ولكن لوفوض إلى غير اهله لكان انسب لاشتغالهم بمصابهم عن ذلك " اقول: يمكن ان يكون (عليه السلام) في وصيته بهذا المبلغ قد وكل مؤنته إلى غيرهم لئلا يزاحم اشتغالهم.
فروع:
(الاول) - يكره الاكل من طعام اهل المصيبة لما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (2) قال: " وقال الصادق (عليه السلام) الاكل عند اهل المصيبة من عمل اهل الجاهلية والسنة البعث إليهم بالطعام كما امر به النبي (صلى الله عليه وآله) في آل جعفر بن ابي طالب لما جاء نعيه " وقيده بعضهم بما كان من عندهم لا ما يهدى إليهم من الاقرباء والجيران على السنة المذكورة. وهو حسن.
(الثاني) - قال في المنتهى: " لا يستحب لاهل الميت ان يصنعوا طعاما ويجمعوا الناس عليه لانهم مشغولون بمصابهم، ولان في ذلك تشبها باهل الجاهلية على ما قال الصادق (عليه السلام) " اقول: اشار بما قاله الصادق (عليه السلام) إلى ما تقدم من مرسلة الفقيه.
1) رواه في الوسائل في الباب 68 من ابواب الدفن 2) رواه في الوسائل في الباب 67 من ابواب الدفن
[ 162 ]
(الثالث) - قال في الكتاب المذكور ايضا: " لو دعت الحاجة إلى ذلك جاز كما لو حضرهم اهل القرى والاماكن البعيدة واحتاجوا إلى المبيت عندهم فانه ينبغي ضيافتهم " وهو جيد.
(الرابع) - الظاهر من الاخبار وكلام الاصحاب ان الامر بالاطعام في الثلاثة يتوجه لجريان الميت واقربائه، والظاهر تقييده بما إذا لم يوص الميت بما يصرف لذلك من ماله وإلا سقط الحكم المذكور، إلا انه ينبغي للوصي - كما تقدمت الاشارة إليه - ان يفوض ذلك إلى غير اهل المصيبة لاشتغالهم بالحزن وبالناس القادمين عليهم عن ذلك.
(المقام الثالث) - الظاهر انه لا خلاف نصا وفتوى في جواز البكاء على الميت قبل الدفن وبعده، ويدل على ذلك الاخبار المستفيضة، ومنها - ما رواه الصدوق في الخصال والمجالس بسنديه فيهما إلى محمد بن سهل البحراني يرفعه إلى الصادق (عليه السلام) (1) قال: " البكاءون خمسة: آدم ويعقوب ويوسف وفاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي بن الحسين، اما آدم فبكى على الجنة حتى صار في خديه امثال الاودية، واما يعقوب فبكى على يوسف حتى ذهب بصره وحتى قيل له: ". تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين " (2) واما يوسف فبكى على يعقوب حتى تأذى به اهل السجن فقالوا اما ان تبكي الليل وتسكت بالنهار واما ان تبكي النهار وتسكت بالليل فصالحهم على واحد منهما، واما فاطمة فبكت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى تأذى بها اهل المدينة فقالوا لها قد آذيتنا بكثرة بكائك، وكانت تخرج إلى المقابر مقابر الشهداء فتبكي حتى تقضي حاجتها ثم تنصرف، واما علي بن الحسين فبكي على الحسين عشرين سنة أو اربعين سنة ما وضع بين يديه طعام إلا بكى حتى قاله له مولى له اني اخاف عليك ان تكون من الهالكين. قال انما اشكو بثى وحزني إلى الله واعلم من الله
1) رواه في الوسائل في الباب 87 من ابواب الدفن 2) سورة يوسف. الآية 85
[ 163 ]
ما لا تعلمون، اني لم اذكر مصرع بني فاطمة (عليهما السلام) (1) إلا خنفتني لذلك عبرة " وروى في الكافي عن ابي بصير عن احدهما (عليهما السلام) قال: " لما ماتت رقية بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الحقي بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون واصحابه، قال وفاطمة (عليها السلام) على شفير القبر تنحدر دموعها في القبر. الحديث " وعن محمد بن منصور الصيقل عن ابيه (2) قال: " شكوت إلى ابي عبد الله (عليه السلام) وجدا وجدته على ابن لي هلك حتى خفت على عقلي فقال إذا اصابك من هذا شئ فافض من دموعك فانه يسكن عنك " وعن ابن القداح عن الصادق (عليه السلام) (3) في حديث قال: " لما مات ابراهيم بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) هملت عين رسول الله بالدموع ثم قال النبي (صلى الله عليه وآله) تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب وانا بك يا ابراهيم لمحزونون. " وروى الصدوق في الفقيه مرسلا (4) قال: " قال الصادق (عليه السلام) لما مات ابراهيم بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال رسول الله حزنا عليك يا ابراهيم وانا لصابرون، يحزن القلب وتدمع العين ولا نقول ما يسخط الرب. قال وقال (عليه السلام) من خاف على نفسه من وجد بمصيبة فليفض من دموعه فانه يسكن عنه. قال وقال ان النبي (صلى الله عليه وآله) حين جاءته وفاة جعفر بن ابي طالب وزيد بن حارثة كان إذا دخل بيته كثر بكاؤه عليهما جدا ويقول كانا يحدثاني ويؤنساني فذهبا جميعا " وفى التهذيب بسنده إلى محمد بن الحسن الوسطي عن الصادق (عليه السلام) (5) " ان ابراهيم خليل الرحمن سأل ربه ان يرزقه ابنة تبكيه بعد موته " والاخبار في هذا الباب كثيرة بل ورد بكاء الملائكة وبقاع الارض على المؤمن كما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن
1) و 2) و 3) و 4) رواه في الوسائل في الباب 87 من ابواب الدفن 5) رواه في الوسائل في الباب 70 من ابواب الدفن
[ 164 ]
عن علي بن رئاب (1) قال: " سمعت ابا الحسن الاول (عليه السلام) يقول إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة وبقاع الارض التي كان يعبد الله تعالى عليها وابواب السماء التي كان يصعد اعماله فيها. وثلم ثلمة في الاسلام لا يسدها شئ لان المؤمنين حصون الاسلام كحصون سور المدينة لها " واما رواية الحسن بن الشيخ الطوسي في اماليه عن معاوية بن وهب عن الصادق (عليه السلام) (2) في حديث قال: " كل الجزع والبكاء مكروه ما خلا الجزع والبكاء لقتل الحسين (عليه السلام) فالظاهر ان المراد بالكراهة هنا عدم ترتب الثواب والاجر عليه مجازا لا الكراهة الموجبة للذم، وذلك فانه ليس في شئ من افراد البكاء ما يوجب الثواب الجزيل والاجر الجميل مثل البكاء عليه والبكاء على آبائه وابنائه (عليهم السلام) وقصارى البكاء على غيرهم ان سبيله سبيل المباحات. واما ما روي من ان الميت يعذب ببكاء اهله فهو من روايات العامة، قال شيخنا في الذكرى: الثالثة - لا يعذب الميت بالبكاء عليه سواء كان بكاء مباحا أو محرما كالمشتمل على المحرم، لقوله تعالى: ". ولا تزر وازرة وزر اخرى. " (3) وما في البخاري ومسلم (4) في خبر عبد الله بن عمر - " ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال ان الميت ليعذب ببكاء اهله " ويروى (5) " ان حفصة بكت على عمر فقال مهلا يا بنية ألم تعلمي ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال ان الميت يعذب ببكاء اهله عليه ؟ " - مأول، قيل واحسنه ان
1) رواه في الوسائل في الباب 88 من ابواب الدفن 2) رواه في الوسائل في الباب 87 من ابواب الدفن 3) سورة الانعام. الآية 164 4) في البخاري ج 1 ص 195 وفى صحيح مسلم ج 1 ص 342 و 344 5) رواه مسلم في صحيحه ج 1 ص 341، وروى ص 344 عن هشام بن عروة عن ابيه " انه ذكر لعائشة قول ابن عمر: " ان الميت يعذب ببكاء اهله عليه فقالت رحم الله ابا عبد الرحمان سمع شيئا فلم يحفظ انما مرت على رسول الله " ص " جنازة يهودي وهم يبكون عليه فقال انتم تبكون ئانه ليعذب "
[ 165 ]
الجاهلية، ثم اطال في بيان اجوبة ذكروها وقد اوضح فسادها ولا حاجة بنا إلى التطويل بنقلها. وبالجملة فانه لا اشكال ولا خلاف عندنا في جواز البكاء كما صرح به الاصحاب انما الخلاف نصا وفتوى في جواز النوح فالمشهور بين الاصحاب جوازه ما لم يستلزم محرما من كذب أو صراخ عال أو لطم الوجوه وخمشها ونحو ذلك، وفي الذكرى عن المبسوط وابن حمزة التحريم وان الشيخ ادعى عليه الاجماع. واما الاخبار فمنها ما دل على الجواز ومن ذلك ما رواه في الكافي في الصحيح عن يونس بن يعقوب عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " قال لي ابي يا جعفر اوقف لي من مالي كذا لنوادب تندبني عشر سنين بمنى ايام منى " قال في الذكرى بعد ذكر الخبر: والمراد بذلك تنبيه الناس على فضائله واظهارها ليقتدي بها ويعلم ما كان عليه اهل هذا البيت ليقتفى آثارهم لزوال التقية بعد الموت. ومنها - ما رواه في الكافي والتهذيب عن الثماني عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: " مات الوليد بن المغيرة فقالت ام سلمة للنبي (صلى الله عليه وآله) ان آل المغيرة اقاموا مناحة فاذهب إليهم ؟ فاذن لها فلبست ثيابها وتهيأت، وكانت من حسنها كأنها جان وكانت إذا قامت وارخت شعرها جلل جسدها وعقدت طرفيه بخلخالها، فندبت ابن عمها بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالت: انعى الوليد بن الوليد * ابا الوليد فتى العشيرة حامي الحقيقة ماجدا * يسمو إلى طلب الوتيرة قد كان عيث في السنين * وجعفرا غدقا وميرة فما عاب عليها النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك ولا قال شيئا " ومنها - ما رواه الشيخان المذكوران عن حنان بن سدير (3) قال: " كانت امرأة معنا في الحي ولها جارية نائحة فجاءت إلى ابي فقالت يا عم انت تعلم ان معيشتي من الله عزوجل ثم من
1) و 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 17 من ابواب ما يكتسب به
[ 166 ]
هذه الجارية النائحة وقد اجبت ان تسأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك فان كان حلالا وإلا بعتها واكلت من ثمنها حتى يأتي الله تعالى بالفرج. فقال لها ابي والله اني لاعظم ابا عبد الله ان اسأله عن هذه المسألة قال فلما قدمنا عليه اخبرته انا بذلك فقال (عليه السلام) أتشارط ؟ قلت والله ما ادري تشارط ام لا. فقال قل لها لا تشارط وتقبل كل ما اعطيت " وما رواه في الفقيه والتهذيب في الصحيح عن ابي بصير (1) قال " قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا بأس باجر النائحة التي تنوح على الميت " وفي الفقيه مرسلا (2) قال: " سئل (عليه السلام) عن اجر النائحة قال لا بأس به قد نيح على رسول الله (صلى الله عليه وآله) " ثم قال روي: " انه لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقا " وفى خبر آخر " تستحله بضرب احدى يديها على الاخرى " وروى في الكافي عن عذافر (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن كسب النائحة فقال تستحله بضرب احدي يديها على الاخرى " قال بعض مشايخنا المحدثين بعد ذكر هذا الخبر: لعل المراد انها تعمل اعمالا شاقة فيها تستحق الاجرة، واشارة إلى انه لا ينبغي ان تأخذ الاجرة على النياحة بل على ما يضم إليها من الاعمال. وقيل هو كناية عن عدم اشتراط الاجرة. ولا يخفى ما فيه. انتهى. وروى في اكمال الدين بسند صحيح إلى الحسين بن زيد (4) قال: " ماتت ابنة لابي عبد الله عليه السلام) فناح عليها سنة ثم مات له ولد آخر فناح عليه سنة ثم مات اسماعيل فجزع عليه جزعا شديدا فقطع النوح، فقيل لابي عبد الله (عليه السلام) أيناح في دارك ؟ فقال ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لما مات حمزة لكن حمزة لا بواكي عليه " وروى الشهيد الثاني في مسكن الفؤاد (5) " ان فاطمة ناحت على ابيها وانه امر بالنوح على حمزة " وروى في الكافي بسنده عن
1) و 3) رواه في الوسائل في الباب 17 من ابواب ما يكتسب به 2) ج 1 ص 116 وفي الوسائل في الباب 71 من ابواب الدفن و 17 من ابواب ما يكتسب به 4) و 5) رواه في الوسائل في الباب 70 من ابواب الدفن
[ 167 ]
خديجة بنت عمر بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب (عليهم السلام) (1) في حديث طويل: " انها قالت سمعت عمي محمد بن علي يقول انما تحتاج المرأة في المأتم إلى النوح لتسيل دمعتها ولا ينبغي لها ان تقول هجرا فإذا جاء الليل فلا تؤذي الملائكة بالنوح " وقال الصدوق في الفقيه (2): " لما انصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله) من وقعة احد إلى المدينة سمع من كل دار قتل من اهلها قتيل نوحا ولم يسمع من دار عمه حمزة فقال (صلى الله عليه وآله) لكن حمزة لا بواكي عليه فآلى اهل المدينة ان لا ينوحوا على ميت ولا يبكوه حتى يبدأوا بحمزة فينوحوا عليه ويبكوه فهم إلى اليوم على ذلك " فهذه جملة من الاخبار ظاهرة في الجواز. واما ما يدل على القول الاخر فجملة من الاخبار ايضا: منها - ما رواه في الكافي عن جابر (3) عن الباقر (عليه السلام) قال: " قلت له ما الجزع ؟ فقال: اشد الجزع الصراخ بالويل والعويل ولطم الوجه والصدر وجز الشعر من النواصي، ومن اقام النواحة فقد ترك الصبر واخذ في غير طريقه. الحديث " وقال الصدوق (4): من الفاظ رسول الله (صلى الله عليه وآله) الموجزة التي لم يسبق إليها " النياحة من عمل الجاهلية " وروى في حديث المناهي المذكور في آخر كتاب الفقيه عن الحسين بن زيد عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " ونهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الرنة عند المصيبة ونهى عن النياحة والاستماع إليها " وروى في معاني الاخبار بسنده عن عمرو بن ابي المقدام (6) قال: " سمعت ابا الحسن وابا جعفر (عليهما السلام) يقول في قول الله عزوجل " ولا يعصينك في معروف " قال ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لفاطمة إذا انا مت فلا تخمشي علي وجها ولا ترخي علي شعرا ولا تنادي بالويل ولا
1) رواه في الوسائل في الباب 71 من ابواب الدفن 2) رواه في الوسائل في الباب 88 من ابواب الدفن 3) و 4) و 5) و 6) رواه في الوسائل في الباب 83 من ابواب الدفن
[ 168 ]
تقيمن علي نائحة، قال ثم قال هذا المعروف الذي قال الله عزوجل: ولا يعصينك في معروف " وروى علي بن جعفر في كتاب المسائل عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن النوح على الميت أيصلح ؟ قال يكره " وفى الخصال بسنده عن عبد الله ابن الحسين بن زيد عن ابيه عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) اربعة لا تزال في امتي إلى يوم القيامة: الفخر بالاحساب والطعن في الانساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة، وان النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من حرب ". وظاهر كلام اكثر الاصحاب الاعراض عن هذه الاخبار وتأويلها بل تأويل كلام الشيخ ايضا بالحمل على النوح المشتمل على شئ من المناهي كما هو ظاهر سياق الحديث الاول، قال في الذكرى بعد نقل القول بالتحريم عن الشيخ وابن حمزة: والظاهر انهما ارادا النوح بالباطل أو المشتمل على المحرم كما قيده في النهاية، ثم نقل جملة من اخبار النهي، وقال: وجوابه الحمل على ما ذكرناه جمعا بين الاخبار، ولان نياحة الجاهلية كانت كذلك غالبا، ولان اخبارنا خاصة والخاص مقدم. اقول: من المحتمل قريبا حمل الاخبار الاخيرة على التقية فان القول بالتحريم قد نقله في المعتبر عن كثير من اصحاب الحديث من الجمهور (3) ونقل جملة من رواياتهم المطابقة لما روى عندنا ومنه تفسير آية ". ولا يعصينك في معروف. " (4) بالنوح، قال في المنتهى: النياحة بالباطل محرمة اجماعا اما بالحق فجائزة اجماعا، وروى الجمهور عن فاطمة (عليها السلام) (5) انها قالت:
1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 17 من ابواب ما يكتسب به. 3) كما في الفتاوى الفقهية لابن حجر ج 2 ص 18 وفى عمدة القارئ للعينى ج 4 ص 94 وج 9 ص 209 وفى فتح الباري ج 8 ص 450. 4) سورد ممتحنة. الآية 12. 5) كما في المغنى لابن قدامة ج 2 ص 547
[ 169 ]
يا ابتاه من ربه ما ادناه * يا ابتاه إلى جبرئيل انعاه * يا ابتاه اجاب ربا دعاه * وعن علي (عليه السلام) (1) ان فاطمة اخذت قبضة من تراب قبر النبي (صلى الله عليه وآله) فوضعتها على عينها فقالت شعرا: ماذا على من شم تربة احمد * ان لا يشم مدى الدهور غوليا صبت علي مصائب لو انها * صبت على الايام صرن لياليا ومن طريق الخاصة ما رواه الصدوق، ثم نقل بعضا من الاخبار التي قدمناها في جواز النياحة. وقد صرح جملة من الاصحاب: منهم - صاحب المنتهى والذكرى بجواز الوقف على النوح لخبر يونس بن يعقوب المتقدم، قالوا ولانه فعل مباح فجاز صرف المال إليه. وبالجملة فالظاهر هو القول بالجواز ما لم يستلزم امرا آخر مما قدمنا ذكره.
(المقام الرابع) - في زيارة القبور، وهي مستحبة اجماعا نصا وفتوى إلا ان المحقق في المعتبر وجمعا ممن تأخر عنه خصوا ذلك بالرجال وكرهوه للنساء، وسيأتي ما فيه في المقام ان اشاء الله تعالى، روى الجمهور عن النبي (صلى الله عليه وآله) (2) انه قال: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فانها تذكركم الموت " ومن طريق الخاصة ما رواه الصدوق في الصحيح عن محمد بن مسلم (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الموتى نزورهم ؟ قال نعم. قلت فيعلمون بنا إذا اتيناهم ؟ قال اي والله انهم ليعلمون بكم ويفرحون بكم ويستأنسون اليكم " وما رواه ثقة الاسلام في الصحيح والحسن عن جميل ابن دراج عن الصادق (عليه السلام) (4) " في زيارة القبور قال: انهم يأنسون بكم فإذا غبتم عنهم استوحشوا " وعن اسحاق بن عمار عن ابي الحسن (عليه السلام) (5) قال: " قلت له المؤمن يعلم من يزور قبره ؟ قال نعم لا يزال مستأنسا به ما زال عند
1) كما في المغنى لابن قدامة ج 2 ص 547 2) رواه أبو داود في السنن ج 3 ص 218 وابن ماجة في السنن ج 1 ص 476 3) و 4) و 5) رواه في الوسائل في الباب 54 من ابواب الدفن
[ 170 ]
قبره فإذا قام وانصرف من قبره دخله من انصرافه عن قبره وحشة " وعن مفضل بن عمر عن الصادق وعن محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) زوروا موتاك فانهم يفرحون بزيارتكم، وليطلب احدكم حاجته عند قبر ابيه وعند قبر امه بما يدعو لهما " وما رواه الصدوق باسناده عن صفوان بن يحيى (2) قال: " قلت لابي الحسن موسى (عليه السلام) بلغني ان المؤمن إذا اتاه الزائر انس به فإذا انصرف عنه استوحش ؟ فقال لا يستوحش " اقول: يمكن الجمع بين هذا الخبر وما تقدمه بالفرق بين ما إذا كان الزائر من اهل الميت واقاربه ودعمه فتحمل الاخبار المتقدمة على الاول وهذا على الثاني. ويتأكد ذلك يوم الاثنين وعشية الخميس وغداة السبت، فروى ثقة الاسلام في الصحيح أو الحسن عن هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " سمعته يقول عاشت فاطمة (عليها السلام) بعد ابيها خمسة وسبعين يوما لم تر كاشرة ولا ضاحكة تأتى قبور الشهداء في كل جمعة مرتين الاثنين والخميس فتقول: ههنا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ههنا كان المشركون " اقول: المراد بالجمعة الاسبوع كما هو احد اطلاقاته في الاخبار. وما رواه الشيخ عن يونس عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " ان فاطمة (عليها السلام) كانت تأتي قبور الشهداء في كل غداة سبت فتأتى قبر حمزة وتترحم عليه وتستغفر له " قال في الوافى بعد ذكر هذا الخبر: " لعل هذا كان في حياة ابيها (صلى الله عليه وآله) وما تقدمه بعد وفاته فلا تنافي " وهو جيد. وروى ابن قولويه في المزار عن صفوان الجمال (5) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخرج في ملا من الناس من اصحابه كل عشية خميس إلى بقيع المدنيين فيقول السلام عليكم يا اهل الديار (ثلاثا)
1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 54 من ابواب الدفن 3) و 4) و 5) رواه في الوسائل في الباب 55 من ابواب الدفن
[ 171 ]
رحمكم الله (ثلاثا). الحديث ". ويستحب وضع الزائر يده على القبر مستقبل القبلة وقراءة القدر سبعا والدعاء بالمأثور، فروى في الكافي عن محمد بن احمد (1) قال: " كنت بفيد فميشت مع علي ابن بلال إلى قبر محمد بن اسماعيل بن بزيع فقال لي علي بن بلال قال لي صاحب هذا القبر عن الرضا (عليه السلام) قال من اتى قبر اخيه ثم وضع يده على القبر وقرأ انا انزلناه في ليلة القدر سبع مرات امن يوم الفزع الاكبر أو يوم الفزع " ورواه الكشي في كتاب الرجال نقلا من كتاب محمد بن الحسين بن بندار بخطه (2) قال حدثني محمد بن يحيى عن محمد بن احمد بن يحيى قال: " كنت بفيد، وذكر نحوه إلى ان قال: اخبرني صاحب هذا القبر - يعني محمد بن اسماعيل بن بزيع - انه سمع ابا جعفر (عليه السلام) يقول من زار قبر اخيه المؤمن فجلس عند قبره واستقبل القبلة ووضع يده على القبر فقرأ انا انزلناه في ليلة القدر بسبع مرات امن من الفرع الاكبر " ورواه النجاشي في كتاب الرجال مثله (3) إلا ان فيه " انه سمع ابا جعفر (عليه السلام) يقول من زار قبر اخيه المؤمن ووضع يده عليه وقرأ انا انزلناه. الحديث " وروى في التهذيب عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله البصري (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) كيف اضع يدي على قبور المسلمين ؟ فاشار بيده إلى الارض فوضعه عليها وهو مقابل القبلة " وروى الصدوق مرسلا (5) قال: " قال الرضا (عليه السلام) ما من عبد زار قبر مؤمن فقرأ عليه انا انزلناه في ليلة القدر سبع مرات إلا غفر الله تعالى له ولصاحب القبر " وقد تقدم في بحث الدفن نقلا عن الفقه الرضوي (6) قوله: " ثم ضع يدك على القبر وانت مستقبل القبلة وقل اللهم ارحم غربته.. الدعاء كما تقدم إلى ان قال (عليه السلام) ومتى ما زرت قبره فادع له بهذا الدعاء وانت مستقبل القبلة ويداك على القبر "
1) و 2) و 3) و 5) رواه في الوسائل في الباب 57 من ابواب الدفن 4) رواه في الوسائل في الباب 33 من ابواب الدفن 6) ص 18
[ 172 ]
وروى الصدوق في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الموتى نزورهم ؟ فقال نعم. " وقد تقدم في صدر هذا المقام إلى ان قال: " فاي شئ نقول إذا اتيناهم ؟ قال قل: اللهم جاف الارض عن جنوبهم وصاعد اليك ارواحهم ولقهم منك رضوانا واسكن إليهم من رحمتك ما تصل به وحدتهم وتؤنس به وحشتهم انك على كل شئ قدير " وقى الكافي في الصحيح أو الحسن عن عبد الله بن سنان (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) كيف التسليم على اهل القبور ؟ فقال نعم تقول السلام على اهل الديار من المؤمنين والمسلمين انتم لنا فرط ونحن ان شاء الله بكم لاحقون وعن منصور بن حازم في الصحيح (3) قال: " تقول: السلام عليكم من ديار قوم مؤمنين وانا ان شاء الله تعالى بكم لاحقون " وقال في الفقيه (4): " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا مر على القبور قال السلام عليكم. الحديث " وفى الكافي والفقيه عن جراح المدائني (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) كيف التسليم على اهل القبور ؟ قال تقول: السلام على اهل الديار من المسلمين والمؤمنين رحم الله المستقدمين. منا والمستأخرين وانا ان شاء الله تعالى بكم لاحقون " اقول: مورد هذه الاخبار الاخيرة زيارة المقبرة والدعاء لمن فيها من المؤمنين والسلام عليهم ومورد الاخبار الاولة زيارة قبر المؤمن وحده وقراءة السورة المذكورة والدعاء المذكور عنده. وفى كتاب تنبيه الخاطر لورام (6) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا قرأ المؤمن آية الكرسي وجعل ثواب قراءته لاهل القبور جعل الله تعالى له من كل حرف ملكا يسبح له إلى يوم القيامة ".
فروع:
(الاول) - الظاهر من كلام المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى
1) رواه في الوسائل في الباب 54 من ابواب الدفن 2) و 3) و 4) و 5) رواه في الوسائل في الباب 56 من ابواب الدفن 6) رواه في الوسائل في الباب 34 من ابواب الدفن
[ 173 ]
تخصيص استحباب الزيارة بالرجال وكراهتها للنساء، قال في المعتبر: " واما الكراهة لهن فلان الستر والصيانة اولى بهن " وفيه ما عرفت من الاخبار الدالة على زيارة فاطمة (عليها السلام) لقبور الشهداء، قال في الذكرى بعد نقل كلام المعتبر وتعليله الكراهة: " وهو حسن إلا مع الامن والصون لفعل فاطمة (عليها السلام) وهو جيد، وحينئذ فالكراهة بالنسبة إلى النساء انما هو باعتبار امر آخر لا من حيث الزيارة كما اطلقه في المعتبر، إذ ليس مجرد الزيارة مستلزما لهتك الستر والصيانة والا لاستلزم كراهة خروجهن من البيوت مطلقا ولا قائل به.
(الثاني) - المفهوم من خبر محمد بن احمد الاول وكذا من عبارة كتاب الفقه ان المستحب وضع اليدين معا ولا اعلم به قائلا، واكثر الروايات انما هي بذكر اليد مفردة وهو الظاهر من عبارات الاصحاب كما لا يخفى على من ارجعها، والظاهر انها اليمين لانها هي المعدة للسنن والمستحبات لشرفها كما بين في غير موضع.
(الثالث) - المفهوم من الاخبار المتقدمة تأكد الاستحباب في الايام الثلاثة المتقدمة وان جازت في سائر الايام، وقال في المنتهى: ويستحب تكرار ذلك في كل وقت، ثم استدل بما رواه ابن بابويه عن اسحاق بن عمار (1) قال: " سألت ابا الحسن الاول (عليه السلام) عن المؤمن يزور اهل ؟ فقال نعم فقال في كم ؟ " فقال على قدر فضائلهم: منهم من يزور في كل يوم. " اقول: لا يخفى ان الخبر وان اوهم ما ذكره إلا ان تتمة الخبر صريحة في ان مورده انما هي زيارة الارواح لاهلها بعد الموت لا زيارة الاحياء للقبور، وهذ تتمة الخبر المذكور " ومنهم من يزور في كل يومين ومنهم من يزور في كل ثلاثة ايام، قال ثم رأيت في مجرى كلامه انه يقول: ادناهم منزلة يزور كل جمعة: قال قالت في اي ساعة قال عند زوال الشمس أو قبيل ذلك " ورواه في الكافي (2) وزاد فيه: " قال قلت في اي صورة ؟ قال في صورة العصفور أو اصغر من ذلك " ثم
1) الفقيه ج 1 ص 115 2) ج 1 ص 60
[ 174 ]
اشترك الكتابان في قوله: " فيبعث الله تعالى معه ملكا فيريه ما يسره ويستر عنه ما يكره فيرى ما يسره ويرجع إلى قرة عين " فالاستدلال به غفلة ظاهرة كما لا يخفى.
(الرابع) - قال في المنتهى: " ويستحب خلع النعال إذا دخل المقابر ولو لم يفعله لم يكن مكروها لان النبي (صلى الله عليه وآله) روي عنه انه قال: " إذا وضع الميت في قبره وتولى عنه اصحابه انه يسمع قرع نعالهم " (1) ولا ريب ان خلع النعال اقرب إلى الخشوع وابعد من الخيلاء، ولو كان هناك مانع من خلع النعلين لم يستحب خلعهما " وقال في الذكرى: " لا يستحب لمن دخل المقبرة خلع نعليه للاصل وعدم ثبت قالوا: " رأى النبي (صلى الله عليه وآله) ورجلا يمشي في المقبرة وعليه نعلان فقال يا صاحب السبتيتين الق سبتيتيك فرمى بهما " (2) قلنا حكاية حال فلعله لما في هذا النوع من الخيلاء لانه لباس اهل التنعم لا لاجل المقيرة " اقول: الذي يلوح من هذا الكلام ان القائل بالاستحباب انما هو من العامة كما ينادي به الاستدلال بهذا الخبر الذي لا اثر له في اصولنا فيما اعلم، ولا يبعد ان العلامة في المنتهى قد تبع القوم في ذلك، وكيف كان فلم اقف على مستند لهذا الحكم الذي ادعاه في المنتهى وكلام الذكرى هنا هو الاقوى.
(الخامس) - ظاهر اكثر الاخبار الاولة انه يستحب في زيارة قبر المؤمن قراءة القدر سبع مرات خاصة، وظاهر عبارة الفقه استحباب الدعاء المذكور خاصة، والجمع بين الاخبار بالتخيير ممكن والجمع بين السورة المذكورة والدعاء افضل.
(السادس) - يكره الضحك بين القبور لما رواه الصدوق في المناهي المذكورة في آخر الكتاب عن النبي (صلى الله عليه وآله) (3) قال: " ان الله تعالى كره لامتي
1) و 2) رواه أبو داود في السنن ج 3 ص 217 3) رواه في الوسائل في الباب 63 من ابواب الدفن
[ 175 ]
الضحك بين القبور والتطلع في الدور، قال: وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان الله تعالى كره لي ست خصال وكرهتهن للاوصياء من ولدي واتباعهم من بعدي: العبث في الصلاة والرفث في الصوم والمن بعد الصدقة واتيان المساجد جنبا والتطلع في الدور والضحك بين القبور " ونحوه روى في المجالس (1) ومثله في الخصال (2) وفى بعضها اربعا وعشرين خصلة وعد منها الضحك بين القبور والتطلع في الدور. (السابع) - قال في المنتهى: " يكره المشي على القبور قاله الشيخ " اقول: قد قدمنا الكلام في ذلك وبينا انا لم نقف له على دليل من اخبارنا بل ظاهر بعضها خلافه.
(المقام الخامس) - قد استفاضت الاخبار باستحباب احتساب موت الاولاد والصبر على ذلك وما فيه من الاجر في الاخرة، ففي الكافي عن ابي اسماعيل السراج عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " ولد يقدمه الرجل افضل من سبعين ولدا يخلفهم بعده كلهم قد ركبوا الخيل وجاهدوا في سبيل الله تعالى " وعن ابن مهزيار في الصحيح (4) قال: " كتب رجل إلى ابي جعفر (عليه السلام) يشكو إليه مصابه بولده وشدة ما دخله فكتب إليه: أما علمت ان الله تعالى يختار من مال المؤمن ومن ولده أنفسه ليأجره على ذلك ؟ " وعن جابر عن الباقر (عليه السلام) (5) قال: " دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على خديجة حيث مات القاسم ابنها وهي تبكي فقال لها ما يبكيك ؟ فقالت درت دريرة فبكيت. فقال يا خديجة أما ترضين إذا كان يوم القيامة ان تجيئي إلى باب الجنة وهو قائم فيأخذ بيدك ويدخلك الجنة وينزلك افضلها ؟ وذلك لكل مؤمن، ان الله عزوجل احكم واكرم من ان يسلب المؤمن ثمرة فؤاده ثم يعذبه بعدها ابدا " وعن ابي بصير (6) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: ان الله تعالى إذا احب عبدا قبض احب ولده إليه " وعن ابن بكير في الموثق عن الصادق
1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 63 من ابواب الدفن 3) و 4) و 5) و 6) رواه في الوسائل في الباب 72 من ابواب الدفن
[ 176 ]
(عليه السلام) (1) قال: " ثواب المؤمن من ولده إذا مات الجنة صبر أو لم يصبر " ورواه الصدوق مرسلا (2) وعن السكوني عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا قبض ولد المؤمن - والله تعالى اعلم بما قال العبد - قال الله تعالى لملائكته قبضتم ولد فلان المؤمن ؟ فيقولون نعم ربنا. فيقول ماذا قال عبدي ؟ قالوا حمدك واسترجع. فيقول الله لملائكته اخذتم ثمرة قلبه وقرة عينه فحمدني واسترجع ابنوا له بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد " وعن جابر عن الباقر (عليه السلام) (4) قال: " مات طاهر ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) خديجة عن البكاء فقالت بلى يا رسول الله ولكن درت علي دريرة فبكيت فقال أما ترضين ان تجديه قائما على باب الجنة فإذا رآك اخذ بيدك فادخلك الجنة اطهرها مكانا واطيبها ؟ فقالت وان ذلك كذلك ؟ قال الله اعز واكرم من ان يسلب عبدا ثمرة قلبه فيصبر ويحسب ويحمد الله عزوجل ثم يعذبه " عزوجل ثم يعذبه " قولها (رضي الله عنها): " درت علي دريرة " كناية عن سيلان الدموع. وبالاسناد عن جابر عن الباقر (عليه السلام) (5) قال: " من قدم من المسلمين ولدين يحتسبهما عند الله تعالى حجباه من النار باذن الله تعالى " وروى الصدوق مرسلا (6) قال: " قال الصادق (عليه السلام) من قدم ولدا كان خيرا له من سبعين يخلفهم بعده كلهم قد ركب الخيل وقاتل في سبيل الله تعالى " وروى في ثواب الاعمال عن ميسر عن الصادق (عليه السلام) (7) قال: " ولد واحد يقدمه الرجل افضل من سبعين ولدا يبقون بعده يدركون القائم (عليه السلام) " وفى المجالس بسنده عن انس بن مالك (8) قال: " توفي ولد لعثمان بن مظعون فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان للجنة ثمانية ابواب وللنار سبعة ابواب أفلا يسرك ان لا تأتي بابا منها إلا وجدت ابنك إلى جنبك اخذ بحجزتك يشفع لك إلى ربك ؟
1) و 2) و 4) و 5) و 6) و 7) و 8) رواه في الوسائل في الباب 72 من ابواب الدفن 3) رواه في الوسائل في الباب 73 من ابواب الدفن
[ 177 ]
فقال بلى. فقال المسلمون: ولنا يارسول الله (صلى الله عليه وآله) في فرطنا ما لعثمان ؟ قال نعم لمن صبر ومنكم واحتسب. الحديث ". اقول: ينبغي ان يعلم انه لا منافاة بين هذه الاخبار وما دلت عليه من استحباب احتساب الولد والصبر على مصيبة فقده وبين ما تقدم من جواز البكاء، فان البكاء، لا ينافي الصبر والتسليم لله عزوجل وانما هو رحمة ورقة بشرية جبلية لا يملك الانسان منعها كما تقدم ذكره في بعض الاخبار المتقدمة والاشارة إليه في آخر، واما منعه (صلى الله عليه وآله) خديجة من البكاء هنا فلعله لغرض اخبارها بالفائدة المذكورة في الخبر أو ان النهي عن اكثاره، ويؤيد ما ذكرناه ما رواه في الكافي عن جابر عن الباقر (عليه السلام) (1) في حديث قال: " من صبر واسترجع وحمد الله عزوجل فقد رضي بما صنع الله تعالى ووقع اجره على الله، ومن لم يفعل ذلك جرى عليه القضاء وهو ذميم واحبط الله تعالى اجره " وبالجلمة فانه لما ثبت جواز البكاء كما تقدم ووقع ذلك من النبي وفاطمة والائمة من بعده (صلوات الله عليهم) فلابد من الجمع بينه وبين هذه الاخبار ولا وجه في الجمع إلا ما ذكرناه.
(المقام السادس) - قد تكاثرت الاخبار بما يلحق الميت بعد موته من الثواب وتخفيف العقاب بما قدمه من بعض الاعمال وما يهدى إليه من الاهل والاخوان، قال في المنتهى: كل قربة تفعل ويجعل ثوابها للميت المؤمن فانها تنفعه، ولا خلاف في الدعاء والصدقة والاستغفار واداء الواجب التي يدخلها النيابة، قال الله تعالى: " والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان.. " (2) وقال: ".. واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات.. " (3) اقول: ومن الاخبار التي اشرنا إليها ما
1) رواه في الوسائل في الباب 73 من ابواب الدفن 2) سورة الحشر. الآية 10 3) سورة محمد. الآية 16
[ 178 ]
رواه في الكافي في الصحيح عن هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ليس يتبع الرجل بعد موته من الاجر إلا ثلاث خصال: صدقة اجراها في حياته فهي تجري بعد موته، وسنة هدى سنها فهي يعمل بها بعد موته، وولد صالح يدعو له " وعن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن الصادق عليه السلام) (2) قال: " ليس يتبع الرجل بعد موته من الاجر إلا ثلاث خصال: صدقة اجارها في حياته فهي تجري بعد موته وصدقة مقبولة ثورث، أو سنة هدى يعمل بها بعد موته، أو ولد صالح يدعو له " قال المحدث الكاشاني في الوافي: " لعل المراد بالصدقة الجارية ما يعم نفعه عامة الناس كبناء المساجد والرباطات واحداث الابار والقنوات في الطرق ونحوها، وبالصدقة المقبولة التي لا تورث تحبيس الاصل وتسبيل المنفعة على طائفة مخصوصة، ولعل المراد بقبولها ان لا يشترط فيها ما يخالف الشرع والمروة، ولما اشتركتا في كونهما صدقة جعلتا خصلة واحدة " انتهى. وعن معاوية بن عمار في الصحيح (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ما يلحق الرجل بعد موته ؟ قال سنة يسنها يعمل بها بعد موته فيكون له مثل اجر من عمل بها من غير ان ينقص من اجورهم شئ، والصدقة الجارية تجرى بعد موته، والولد الطيب يدعو لوالديه بعد موتهما ويحج ويتصدق ويعتق عنهما ويصلى ويصوم عنهما. فقلت اشركهما في حجي ؟ قال نعم " اقول: المراد بالحجج المستحب كما صرح به غير هذا الخبر. وعن ابي كهمس عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " ستة تلحق الميت بعد وفاته: ولد يستغفر له ومصحف يخلفه وغرس يغرسه وقليب يحفره وصدقة يجريها وسنة يؤخذ بها من بعده " ورواه مرة اخرى مرسلا وفيه " وصدقة ماء يجريه " وروى في الفقيه عن عمر بن يزيد (5) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) أيصلي عن الميت ؟ قال نعم حتى انه ليكون في ضيق فيوسع الله تعالى عليه ذلك الضيق
1) و 2) و 3) و 4) رواه في الوسائل في الباب 87 من كتاب الوقوف 5) رواه في الوسائل في الباب من ابواب الاحتضار
[ 179 ]
ثم يؤتى فيقال له خفف عنك هذا الضيق بصلاة فلان اخيك عنك. قال فقلت له فاشرك بين رجلين في ركعتين ؟ قال نعم، فقال (عليه السلام) ان الميت ليفرح بالترحم عليه والاستغفار له كما يفرح الحي بالهدية تهدى إليه " وفى الفقيه مرسلا (1) قال: " قال (عليه السلام) يدخل على الميت في قبره الصلاة والصوم والحج والصدقة والبر والدعاء ويكتب اجره للذي يفعله وللميت " وفي التهذيب عن عمر بن يزيد (2) قال: " كان أبو عبد الله (عليه السلام) يصلي عن ولده في كل ليلة ركعتين وعن والديه في كل يوم ركعتين. قلت له جعلت فداك كيف صار للولد الليل ؟ قال لان الفراش للولد. قال وكان يقرأ فيهما انا انزلناه في ليلة القدر وانا اعطيناك الكوثر، اقول: الظاهر ان المراد بالسنة التي سنها في حياته وعمل بها بعد موته بعض الاعمال الصالحة المستحبة المهجورة بين الناس فيفعلها هو ويتقدى به فيها بعد موته، وذلك فان اصل تسنين السنن وتشريعها انما هو للنبي والائمة (صلوات الله عليهم) والمراد بالصلاة والصوم ونحوهما الذي يعمل له ما هو اعم من ان يأتي بذلك الفعل نيابة عنه أو انه يهديه له أو يهبه بعد ان يأتي به لا على طريقة النيابة، وكل منهما مما دلت عليه الاخبار. والله العالم.
<>