تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الرابع


المطلب الثاني

في الأغسال المسنونة

روى الشيخ في التهذيب في الموثق عن سماعة (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) غن غسل الجمعة ؟ فقال واجب في السفر والحضر إلا انه رخص للنساء في السفر لقلة الماء، وقال غسل الجنابة واجب وغسل الحائض إذا طهرت واجب وغسل الاستحاضة واجب إذا احتشت بالكرسف فجاز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل صلاتين وللفجر غسل فان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرة والوضوء لكل صلاة، وغسل


3) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاغسال المسنونة


[ 180 ]

النفساء واجب وغسل المولود واجب وغسل الميت واجب وغسل من غسل ميتا واجب وغسل المحرم واجب وغسل يوم عرفة واجب وغسل الزيارة واجب إلا من علة وغسل دخول البيت واجب وغسل دخول الحرم يستحب ان لا يدخله إلا بغسل وغسل المباهلة واجب وغسل الاستسقاء واجب وغسل اول ليلة من شهر رمضان يستحب وغسل ليلة احدى وعشرين سنة وغسل ليلة ثلاث وعشرين سنة لا تتركها لانه يرجى في احداهما ليلة القدر وغسل يوم الفطر وغسل يوم الاضحى سنة لا احب تركها وغسل الاستخارة مستحب " ورواه الصدوق باسناده عن سماعة بن مهران نحوه (1) إلا انه قال: " وغسل دخول الحرم واجب يستحب ان لا يدخله إلا بغسل " ورواه الكليني ايضا (2) الا انه اسقط غسل من مس ميتا وغسل المحرم وغسل يوم عرفة وغسل دخول الحرم وغسل المباهلة. وروى الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (3 (قال: " الغسل في سبعة عشر موطنا: ليلة سبع عشرة من شهر رمضان وهي ليلة التقى الجمعان، وليلة تسع عشرة وفيها يكتب الوفد وفد السنة، وليلة احدى وعشرين وهي الليلة التي اصيب فيها اوصياء الانبياء وفيها رفع عيسى بن مريم وقبض موسى، وليلة ثلاث وعشرين يرجى فيها ليلة القدر، ويومي العيدين وإذا دخلت الحرمين ويوم تحرم ويوم الزيارة ويوم تدخل المبيت ويوم التروية ويوم عرفة وإذا غسلت ميتا وكفنته أو مسسته بعد ما يبرد ويوم الجمعة، وغسل الجنابة فريضة. وغسل الكسوف إذا احترق القرص كله فاغتسل " وروى ثقة الاسلام في الصحيح عن معاوية بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " سمعته يقول الغسل من الجنابة ويوم الجمعة والعيدين وحين تحرم وحين تدخل مكة والمدينة ويوم عرفة ويوم تزور البيت وحين تدخل الكعبة وفى ليلة تسع عشرة واحدى وعشرين وثلاث وعشرين من شهر رمضان ومن غسل ميتا " وروى في التهذيب عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (5) قال: " الغسل


1) و 2) و 3) و 4) و 5) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاغسال المسنونة


[ 181 ]

من الجنابة وغسل الجمعة والعيدين ويوم عرفة وثلاث ليال في شهر رمضان وحين تدخل الحرم وإذا اردت دخول البيت الحرام وإذا اردت دخول مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) ومن غسل الميت " وفى الفقه الرضوي (1) " والغسل ثلاثة وعشرون: من الجنابة والاحرام وغسل الميت ومن غسل الميت وغسل الجمعة وغسل دخوال المدينة وغسل دخول الحرم وغسل دخول مكة وغسل زيارة البيت ويوم عرفة، وخمس ليال من شهر رمضان: اول ليلة منه وليلة سبع عشرة وليلة تسع عشرة وليلة احدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين، ودخول البيت والعيدين وليلة النصف من شعبان وغسل الزيارات وغسل الاستخارة وغسل طلب الحوائج من الله تعالى وغسل يوم غدير خم، الفرض من ذلك غسل الجنابة والواجب غسل الميت وغسل الاحرام والباقي سنة، وقد روي ان الغسل اربعة عشر وجها: ثلاث منها واجب مفروض متى ما نسيه ثم ذكره بعد الوقت اغتسل فان لم يجد الماء تيمم ثم ان وجدت الماء فعليك الاعادة، واحد عشر غسلا سنة: غسل العيدين والجمعة وغسل الاحرام ويوم عرفة ودخول مكة ودخول المدينة وزيارة البيت وثلاث ليال في شهر رمضان: ليلة تسع عشرة وليلة احدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين، ومتى ما نسي بعضها أو اضطر أو به علة تمنعه من الغسل فلا اعادة عليه. وادنى ما يكفيك ويجزيك من الماء ما تبل به جسدك مثل الدهن. وروي انه يستحب غسل ليلة احدى وعشرين لانها الليلة التي رفع فيها عيسى بن مريم ودفن امير المؤمنين علي (عليه السلام) وهي عندهم ليلة القدر، وليلة ثلاث وعشرين هي التي ترجى فيها وكان أبو عبد الله (عليه السلام) يقول إذا صام الرجل ثلاثة وعشرين من شهر رمضان جاز له ان يذهب ويجئ في اسفاره، وليلة تسع عشرة من شهر رمضان هي التي ضرب فيها جدنا امير المؤمنين (عليه السلام) ويستحب فيها الغسل " انتهى كلامه.


1) ص 4


[ 182 ]

اقول: والكلام في هذه الاخبار يقع في مواضع:

(الاول) - لا ريب ان الواجب من الاغسال على الاشهر الاظهر انما هي الستة التي تقدم البحث عنها واما ما عداها فهو مستحب، وحينئذ فما دل عليه جملة من هذه الاخبار من الوجوب فيما وقع الاتفاق من الاصحاب على استحبابه فهو محمول عندهم على تأكد الاستحباب، والتعبير بذلك مجاز شائع في الاخبار، وقد وقع في موثقة سماعة التعبير في بعض بالوجوب وفى بعض بالسنة وفى بعض بالاستحباب والمرجع امر واحد، الا ان الظاهر ان الوجه في تغيير التعبير هو آكدية بعض على بعض فما عبر فيه بالوجوب فهو الآكد ودونه السنة ودونه الاستحباب. وقد تطلق السنة في مقابلة الفرض وهو ما كان دليل وجوبه الكتاب فيراد بها حينئذ ما كان وجوبه بالسنة. وما دل عليه اكثر هذه الاخبار من عدم عد غسل الحيض والاستحاضة والنفاس فلعله محمول على ذكر الاغسال بالنسبة إلى الرجال.

(الثاني) - قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم: " وإذا غسلت ميتا وكفنته أو مسسته " وكذا قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار: " ومن غسل الميت " يحتمل حمله على غسل المس فيكون بعد التغسيل والتكفين في الرواية الاولى أو بعد التغسيل كما في الرواية الثانية، ويحتمل حمله على استحباب الغسل لاجل تغسيل الميت بتقدير الارادة فيكون قبل التغسيل، قال شيخنا المجلسي في البحار بعد ذكر الرواية الاولى من كتاب الخصال - وفيها عطف التكفين على التغسيل باو لا بالواو كما في هذاه الرواية - ما لفظه: " وقوله (عليه السلام) " أو كفنته " قيل المراد ارادة التكفين اي يستحب ايقاع غسل المس قبل التكفين، وقيل باستحباب الغسل لتغسيل الميت وتكفينه قلبهما وان لم يمسه " وقال بعد نقل خبر فيه هكذا " وغسل من مس الميت بعد ما يبرد وغسل من غسل الميت " ما صورته: " وغسل من غسل الميت تخصيص بعد التعميم ان حملناه على الغسل بعده، ويتحمل ان يكون المراد استحباب الغسل لتغسيل الميت قبله كما عرفت بل هو الظاهر للمقابلة " انتهى. وهو مشعر بتقويته


[ 183 ]

للقول باستحباب الغسل للتغسيل، وقد تقدم شطر من الكلام في ذلك في مستحبات التغسيل.

(الثالث) - الظاهر من غسل الزيارة في هذه الروايات زيارة البيت كما صرح به (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار وفى عبارة كتاب الفقه، وظاهر الاصحاب تعميمه لما يشمل غسل زيارة النبي والائمة (صلوات الله عليهم) وظني انه لا حاجة إلى ذلك لان هذه الاخبار لم تستوف الاغسال المستحبة كملا كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى مع وجود روايات على حدة باغسال زياراتهم كما اشتملت عليه اخبار زياراتهم..

(الرابع) - لا يخفى ان هذه الاخبار لم تستكمل الاغسال المسنونة وانما اشتملت على ما هو المهم منها، وتفصيل القول في هذا المقام بما لم يسبق إليه سابق من علمائنا الاعلام ان يقال ان ما اشتملت عليه هذه الاخبار من الاغسال هو آكدها وافضلها وإلا فهي كثيرة زائدة على هذه الاعداد المذكورة في هذه الاخبار، ولنفصلها في المقام واحدا واحدا فنقول: اما الاغسال المتعلقة بالحج فمنها - غسل الاحرام واوجبه ابن ابي عقيل ونقله المرتضى عن كثير من الاصحاب، والمشهور الاستحباب حتى قال المفيد على ما نقل عنه في المختلف غسل الاحرام للحج سنة ايضا بلا خلاف وكذا غسل احرام العمرة. وقال في التهذيب انه سنة بغير خلاف. واستدل في المدارك على الاستحباب بما رواه معاوية ابن عمار في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " إذا انتهيت إلى العتيق من قبل العراق أو إلى وقت من هذه المواقيت وانت تريد الاحرام ان شاء الله تعالى فانتف ابطيك وقلم اظفارك واطل عانتك وخذ من شاربك، إلى ان قال استك واغتسل والبس ثوبيك: قال: والظاهر ان الغسل للاستحباب كما تشعر به الاوامر المتقدمة عليه فانها للندب بغير خلاف. اقول: فيه ان الاستدلال بذلك لا يخلو من اشكال فان مجرد عدة في قرن المستحبات لا يوجب كونه كذلك لخروج ما عداه بدليل من خارج فيبقى


1) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب الاحرام


[ 184 ]

ما لم يدل عليه دليل على اصل مقتضى الامر وهو الوجوب، نعم هو ظاهر في التأييد كما لا يخفى. قال في المعتبر: " ولعل القائل بالوجوب استند إلى ما رواه محمد بن عيسى عن يونس عن بعض رجاله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال " الغسل في سبعة عشر موطنا، الفرض ثلاثة: الجنابة وغسل من غسل ميتا والغسل للاحرام " ومحمد بن عيسى ضعيف وما يرويه عن يونس لا يعمل به ابن الوليد كما ذكره ابن بابويه مع انه مرسل فيسقط الاحتجاج به " انتهى. وفيه نظر فان ضعف الخبر عنده لا يوجب ضعفه عند من تقدمه، وما نقله عن ابن الوليد قد رده جملة من افاضل محدثي متأخري المتأخرين وهو الظاهر، ونظير هذا الخبر ما تقدم في عبارة الفقه الرضوي حيث قال (2) " والغسل ثلاثة وعشرون، ثم عدها كما قدمناه إلى ان قال: والفرض من ذلك غسل الجنابة والواجب غسل الميت وغسل الاحرام والباقي سنة " وهذان الخبران ظاهران في الوجوب كما ترى، والتأويل وان امكن ولو على بعد إلا انه فرع وجود المعارض وليس إلا الرواية المتقدمة وقد عرفت ما فيها، واما ما في موثقة سماعة (3) من قولة: " وغسل المحرم واجب " فلا دلالة فيه كما سيأتي تحقيقه في غسل الجمعة، وبالجملة فالقول بالوجوب لا يخلو من قوة والاحتياط يقتضي المحافظة عليه. ومنها - الغسل لدخول الحرم والغسل لدخول مكة والغسل لدخول المسجد والغسل لدخول البيت وهو غسل الزيارة وغسل يوم عرفة ويوم التروية، وسيأتي الكلام في هذه الاغسال في كتاب الحج ان شاء الله تعالى ونقل الاخبار المتعلقة بها، فهذه سبعة من الاغسال المستحبة. ومنها - غسل دخول المدينة كما دل عليه صحيح معاوية بن عمار وصحيح محمد بن مسلم المتقدمان (4) وغسل دخول مسجد النبي (صل الله عليه وآله) كما تضمنته رواية


1) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب الجنابة 2) ص 4 3) ص 179 4) ص 180


[ 185 ]

محمد بن مسلم المتقدمة وغسل زيارته (صلى الله عليه وآله) والظاهر التداخل والاكتفاء بغسل دخول المدينة ما لم يحدث مع احتمال الاجتزاء وان احدث كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في كتاب الحج، وهذه ثلاثة اغسال للمدينة مضافا إلى ما قدمناه في مكة فتكون عشرة. ومنها - غسل يومي العيدين ويدل عليه - زيادة على ما تقدم في موثقة سماعة من انه سنة وصحيحة محمد بن مسلم وصحيحة معاوية بن عمار وكتاب الفقه - ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن يقطين (1) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الغسل في يوم الجمعة والاضحى والفطر ؟ قال سنة وليس بفريضة " وعن علي بن ابى حمزة (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) غن غسل العيدين أواجب هو ؟ فقال هو سنة. قلت: فالجمعة ؟ قال: هو سنة " قال في الذكرى: " الظاهر ان غسل العيدين ممتد بامتداد اليوم عملا باطلاق اللفظ ويتخرج من تعليل الجمعة انه إلى الصلاة أو إلى الزوال الذي هو وقت صلاة العيد وهو ظاهر الاصحاب " اقول: لا يخفى ضعف هذا التخريج إلا انه يمكن ان يؤيد ما نسبه إلى ظاهر الاصحاب بما رواه الشيخ في الموثق عن عمار الساباطي (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينسى ان يغتسل يوم العيد حتى يصلي ؟ قال ان كان في وقت فعليه ان يغتسل ويعيد الصلاة وان مضى الوقت فقد جازت صلاته " اقول: ويستفاد من هذا الخبر ان الغسل انما هو للصلاة لا لليوم كما اشتهر بينهم وان وقته يمتد بامتداد وقتها فيكون الحكم فيه كغسل الجمعة، إلا ان في امتداد وقت صلاة العيد إلى الزوال ما سيأتي التنبيه عليه ان شاء الله تعالى في باب صلاة العيد. ومن هذا الخبر ايضا يستفاد استحباب الاعادة بنسيان الغسل كما ذكره الشيخ حيث حمل الخبر على ذلك. ووقت هذا الغسل بعد الفجر لما رواه عبد الله بن جعفر


1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب الاغسال المسنونة 3) رواه في الوسائل في الباب 16 من ابواب الاغسال المسنونة


[ 186 ]

الحميري في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (1) قال: " سألته هل يجزئه ان يغتسل قبل طلوع الفجر هل يجزئه ذلك من غسل العيدين ؟ قال ان اغتسل يوم الفطر والاضحى قبل الفجر لم يجزئه وان اغتسل بعد طلوع الفجر اجزأه ". ومنها - اغسال شهر رمضان، والمشهور في الاخبار وكلام الاصحاب هو الغسل في الليالي الثلاث المشهورة، روى في الكافي عن محمد بن مسلم في الصحيح عن احدهما (عليهما السلام) (2) قال: " الغسل في ثلاث ليال من شهر رمضان: في تسع عشرة واحدى وعشرين وثلاث وعشرين. قال والغسل في اول الليل وهو يجزئ إلى آخره " وعن سليمان بن خالد في الصحيح (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) كم اغتسل في شهر رمضان ليلة ؟ قال ليلة تسع عشرة وليلة احدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين. " ويستحب في ليلة ثلاث وعشرين مرتين في اول الليل وآخره، رواه الشيخ عن بريد (4) قال: " رأيته اغتسل في ليلة ثلاث وعشرين مرتين مرة من اول الليل ومرة من آخر الليل " ورواه ابن طاووس في كتاب الاقبال باسناده إلى بريد بن معاوية مثله (5) " وفيه ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان " ونحوهما رواية محمد بن مسلم وصحيحة معاوية بن عمار المتقدمتان في الباب (6) وهو محمول على الاغسال المؤكدة ودونه في الفضل غسل اول ليلة من شهر رمضان كما تقدم في موثقة سماعة، وليلة سبع عشرة منه كما تقدم في صحيحة محمد بن مسلم، وقد جمع غسل هذه الخمس الليالي في كتاب الفقه كما تقدم في عبارته من قوله: " وخمس ليال من شهر رمضان. إلى آخره ".


1) رواه في الوسائل في الباب 17 من ابواب الاغسال المسنونة 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 4 من ابواب الاغسال المسنونة 4) و 5) رواه في الوسائل في الباب 5 من ابواب الاغسال المسنونة 6) ص 180


[ 187 ]

ودون هذه الاغسال الخمسة في الفضل اغسال اخر ذكرها السيد العابد الزاهد المجاهد رضي الدين بن طاووس في الاقبال، قال: روى ابن ابي قرة في كتاب عمل شهر رمضان باسناده إلى ابي عبد الله عليه السلام (19 قال: " يستحب الغسل في اول ليلة من شهر رمضان وليلة النصف منه " قال وقد ذكره جماعة من اصحابنا الماضين. اقول: قد ذكر الغسل في ليلة النصف من شهر رمضان جملة لا من المتأخرين تبعا لما وجدوه في كلام من تقدمهم ولم يقفوا على نص فيه، قال في المعتبر بعد ان نقنل القول بذلك ونسبه إلى الثلاثة: " ولعله لشرف تلك الليلة واقترانها بالطهر حسن " ثم قال السيد (رضي الله عنه) على اثر الكلام المتقدم: وقد روي ان الغسل اول الليل وروي بين العشاءين وروينا ذلك عن الائمة الطاهرين (عليهم السلام) (2) ورأيت في كتاب اعتقد انه تأليف ابي محمد جعفر بن احمد القمى عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " من اغتسل اول ليلة من شهر رمضان في نهرجار ويصب على رأسه ثلاثين كفا من الماء طهر إلى شهر رمضان من قابل " قال ومن الكتاب المشار إليه عن الصادق (عليه السلام) (4) " من احب ان لا تكون به الحكة فليغتسل اول ليلة من شهر رمضان فلا تكون به الحكة إلى شهر رمضان من قابل " قال ومن كتاب الاغسال لاحمد بن محمد بن عياش الجوهرى باسناده عن علي (عليه السلام) (5) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان إذا دخل العشر من شهر رمضان شمر وشد المئزر وبرز من بيته واعتكف واحيى الليل كله وكان يغتسل كل ليلة منه بين العشاءين " قال وروينا باسنادنا إلى سعد بن عبد الله عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن النوفلي عن السكوني عن الصادق عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (6) قال " من اغتسل اول يوم من السنة في ماء جار وصب على رأسه ثلاثين غرفة كان دواء السنة، وان اول كل سنة اول يوم من شهر رمضان " قال ومن كتاب جعفر بن سليمان عن الصادق (عليه السلام) (7) قال:


1) و 2) و 3) و 4) و 5) و 6) و 7) رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب الاغسال المسنونة


[ 188 ]

" من ضرب وجهه بكف من ماء ورد امن ذلك اليوم من الذلة والفقر، ومن وضع على رأسه ماء ورد امن تلك السنة من البرسام. " قال وروينا عن الشيخ المفيد في المقنعة في رواية عن الصادق (عليه السلام) (1) " انه يستحب الغسل ليلة النصف من شهر رمضان " قال وروينا باسنادنا إلى محمد بن ابي عمير من كتاب علي بن عبد الواحد النهدي عن بعض اصحابنا عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يغتسل في شهر رمضان في العشر الاواخر في كل ليلة " قال وروى علي بن عبد الواحد في كتابه باسناده إلى عيسى بن راشد عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الغسل في شهر رمضان ؟ فقال كان ابي يغتسل في ليلة تسع عشرة واحدى وعشرين وثلاث وعشرين وخمس وعشرين " قال ومن الكتاب المذكور باسناده عن ابن ابي يعفور عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الغسل في شهر رمضان ؟ فقال اغتسل ليلة تسع عشرة واحدى وعشرين وثلاث وعشرين وسبع وعشرين وتسع وعشرين ". اقول: وقد ظهر من مجموع هذه الاخبار بضم بعضها إلى بعض ان الاغسال في شهر رمضان في الليلة الاول وليلة النصف وليلة سبع عشرة وليلة تسع عشرة والعشرة الاخيرة وان ترتبت في الفضل كما اشرنا إليه آنفا، فهذه اربعة عشر غسلا في شهر رمضان. واما ما ذكره بعض الاصحاب من الاستحباب في فرادى شهر رمضان فلم اقف فيه على نص زيادة على ما اوردته إلا ان ابن طاووس قال في سياق اعمال الليلة الثالثة وفيها يستحب الغسل على مقتضى الرواية التي تضمنت ان كل ليلة مفردة من جميع الشهر يستحب فيها الغسل فانه يؤذن بوصول الرواية إليه بذلك. ومنها - غسل الزيارة للنبي (صلى الله عليه وآله) وقد تقدم ولزيارة امير المؤمنين والحسين والرضا (عليهم السلام) والاخبار به في زيارتهم كثيرة وظاهر الاصحاب


1) و 2) و 3) و 4) ر. اه في الوسائل في الباب 14 من ابواب الاغسال المسنونة


[ 189 ]

طرده في زيارة جميع الائمة (عليهم السلام) قال شيخنا صاحب رياض المسائل: " لم نقف عليه عموما نعم ورد بخصوص بعض المواد كزيارة علي والحسين والرضا (عليهم السلام) احاديث كثيرة وعسى الله تعالى ان يمن بدليل على التعميم أو التنصيص في زيارة كل واحد من الائمة ان شاء الله تعالى " اقول: ومما يدل على التعميم ما رواه الشيخ في التهذيب عن العلاء بن سيابة عن الصادق (عليه السلام) (1) " في قوله تعالى: خذوا زينتكم عند كل مسجد (2) قال الغسل عند لقاء كل امام " وهو دال بعمومه على استحباب الغسل للدخول عليهم احياء وامواتا. وعلى التخصيص ما رواه ابن قولويه في كامل الزيارة في زيارة الكاظم والجواد (عليهما السلام) عن محمد بن عيسى بن عبيد عمن ذكره عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) وفيه قال: " إذا اردت زيارة موسى بن جعفر ومحمد بن علي (عليهما السلام) فاغتسل وتنظف والبس ثوبيك الطاهرين. الحديث " وما رواه ايضا في الكتاب المذكور في زيارة ابي الحسن وابي محمد (عليهما السلام) (4) قال: " روي عن بعضهم (عليهم السلام) انه قال إذا اردت زيارة قبر ابي الحسن علي بن محمد وابي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) تقول بعد الغسل ان وصلت إلى قبريهما وإلا اومأت بالسلام من عند الباب الذي على الشارع. الحديث " وامثال ذلك يقف عليه والمتتبع ولكنه لعدم الشهرة لم يصل إلى نظر شيخنا المشار إليه (قدس سره). ومنها - غسل المولود حين الولادة لما تقدم في موثقة سماعة من (5) قوله: " وغسل المولود واجب " وذهب شذوذ من اصحابنا إلى القول بالوجوب لظاهر الخبر المذكور، والمشهور الاستحباب وحمل الوجوب على مزيد التأكيد كما في غيره (فان


1) رواه في الوسائل في الباب 29 من ابواب المزار 2) سورة الاعراف. الآية 31 3) ص 301 4) ص 313 5) ص 179


[ 190 ]

قيل): ان الخبر المذكور لا معارض له يوجب تأويله واخراج اللفظ عن ظاهره (قلت): الذي حققناه في غير موضع من زبرنا ان لفظ الوجوب عند اهل الاصول وان كان حقيقة فيما لا يجوز تركه إلا انه في الاخبار ليس كذلك فانه كما ورد استعماله في هذا المعنى ورد ايضا استعماله في تأكيد الاستحباب وبالمعنى اللغوى مما لا يحصى كثرة، فهذا اللفظ عندنا من الالفاظ المشتركة لا يحمل على معنى من هذه المعاني إلا مع القرينة، وحينئذ فلا ينهض الخبر المذكور حجة في الوجوب سيما مع تكرر التعبير بالوجوب في هذه الرواية في جملة من الاغسال التي لا خلاف في استحبابها، وحينئذ فالاستحباب هو الاظهر. ولابد فيه من النية، وقصد القربة كما في العبادات، وليس المراد به غسل النجاسة كما توهمه بعض الاصحاب. واستدل صاحب الوسائل على هذا الغسل ايضا بما رواه الصدوق في العلل بسنده فيه عن ابي بصير عن الصادق عن آبائه عن على (عليهم السلام) (1) قال: اغسلوا صبيانكم من الغمر فان الشيطان يشم الغمرة فيفزع الصبي في رقاده ويتأذى به الكاتبان " وهذا من جملة غفلاته فان الغمر هنا بمعنى دسومة اللحم ومورد الخبر انما هو استحباب غسل الدسومة عن الصبي إذا اكل شيئا فيه دسومة وكذا الرجل ايضا بقرينة قوله: " يتأذى به الكاتبان " واين هذا من غسل المولود ؟ ومنها - غسل المباهلة كما تضمنته موثقة سماعة ايضا، والظاهر من كلام الاصحاب ان المراد هو الغسل يوم المباهلة وهو اليوم الرابع والعشرون من ذي الحجة أو الخامس والعشرون منه على الخلاف، ورأيت في بعض الحواشى المنسوبة إلى المولى محمد تقي المجلسي مكتوبا على الحديث المشار إليه ما صورته: " ليس المراد بالمباهلة اليوم المشهور وهو الرابع والعشرون أو الخامس والعشرون من ذي الحجة حيث باهل النبي (صلى الله عليه وآله) مع نصارى نجران بل المراد به اغتسال لايقاع المباهلة مع الخصوم في كل حين كما في الاستخارة، وقد وردت به رواية صحيحة في الكافي وكان ذلك


1) رواه في الوسائل في الباب 27 من ابواب الاغسال المسنونة


[ 191 ]

مشتهرا بين القدماء على ما لا يخفى " انتهى. اقول: وما ذكره وان كان خلاف ما هو المفهوم من كلام الاصحاب كما اشرنا إليه إلا ان الخبر - كما عرفت - مجمل لا تخصيص فيه باليوم كما ذكروه بل ظاهره انما هو ما ذكره الفاضل المشار إليه، وما ذكروه يحتاج إلى تقدير في اللفظ والاصل عدمه، وفهم الاصحاب منه ذلك ليس بحجة. واما الحديث الذي اشار إليه بانه في الكافي وانه مشتمل على الغسل فهو ما رواه فيه (1) عن ابي مسروق عن الصادق (عليه السلام) ثم ساق الخبر إلى ان قال: " فقال لي إذا كان ذلك فادعهم إلى المباهلة. قلت وكيف اصنع ؟ قال اصلح نفسك ثلاثا، واظنه قال وصم واغتسل وابرز انت وهو إلى الجبان فشبك اصابعك من يدك اليمنى في اصابعه.. الحديث " ويظهر ذلك ايضا من كلام الشيخ المفيد الاتي نقله ان شاء الله تعالى في المقام. وكيف كان فالاحوط العمل بما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم). ومنها - غسل الاستسقاء كما تضمنته الموثقة المشار إليها. ومنها - غسل ليلة الفطر لما رواه في الكافي عن الحسن بن راشد (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ان الناس يقولون ان المغفرة تنزل على من صام شهر رمضان ليلة القدر ؟ فقال يا حسن ان القاريجار (3) انما يعطى اجرته عند فراغه وذلك ليلة العيد. قلت فما ينبغي لنا ان نعمل فيها ؟ فقال إذا غربت الشمس فاغتسل. الحديث " ومنها - غسل التوبة بما رواه في الكافي عن مسعدة بن زياد (4) قال: " كنت عند ابى عبد الله (عليه الاسلام) فقال له رجل اني ادخل كنيفا ولي جيران وعندهم جوار يتغنين ويضربن بالعود فربما اطلت الجلوس استماعا مني لهن ؟ فقال (عليه السلام)


1) الاصول ج 2 ص 513 2) رواه في الوسائل في الباب 15 من ابواب الاغسال المسنونة 3) معرب (كارگر) وهو العامل 4) رواه في الوسائل في الباب 18 من ابواب الاغسال المسنونة


[ 192 ]

لا تفعل. فقال الرجل والله ما اتيتهن وانما هو سماع اسمعه باذنى ؟ فقال بالله انت ما سمعت الله يقول: ان السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤولا ؟ (1) فقال الرجل بلى والله كانى لم اسمع بهذه الاية من عربي ولا عجمي لا جرم اني لا اعود ان شاء الله تعالى واني استغفر الله تعالى. فقال له قم فاغتسل وصل ما بدا لك فانك كنت مقيما على امر عظيم ما كان اسوأ حالك لو مت على ذلك، احمد الله واسأله التوبة من كل ما يكره فانه لا يكره إلا كل قبيح والقبيح دعه لاهله فان لكل اهلا " ونقل في الذكرى عن الشيخ المفيد (قدس سره) انه قيده بالتوبة عن الكبائر. اقول: لعله (قدس سره) وقف في ذلك على حديث آخر زيادة على هذا الخبر. وظاهر كلا صاحب المعتبر الاعتماد في هذا الحكم على فتوى الاصحاب دون الخبر المذكور لضعفه عنده، قال بعد ذكر هذه الرواية نقلا عن التهذيب - انه قال: " روي عن الصادق (عليه السلام) انه قال لمن ذكر انه سميع الغناء من جوار يتغنين: قم فاغتسل وصل ما بدا لك واستغفر الله تعالى واسأله التوبة " - ما صورته: وهذه مرسلة وهي متناولة صورة معينة فلا تتناول غيرها، والعمدة فتوى الاصحاب منضما إلى ان الغسل خير فيكون مرادا، ولانه تفاءل بغسل الذنب والخروج من دنسه. انتهى. والعجب من صاحب المدارك هنا حيث تبعه على هذا الاستدلال واعتضد بما ذكره في هذا المجال من هذا الكلام المزيف الظاهر الاختلال. وفيه (اولا) - ما عرفت من ان الخبر المذكور وان رواه الشيخ كما ذكره إلا انه رواه في الكافي كما نقلناه عن علي بن ابراهيم عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن زياد، وهو - كما ترى - في اعلى مراتب الصحة، اما علي بن ابراهيم فحاله في الوثاقة ظاهرة، واما هارون بن مسلم فقال النجاشي انه ثقة وجه، واما مسعدة بن زياد فقال فيه ايضا انه ثقة عين، وحينئذ فالرواية في اعلى مراتب الصحة.


1) سورة بنى اسرائيل. الآية 36


[ 193 ]

و (ثانيا) - ان ما ذكره - من انها متناولة صورة معينة فلا تتناول غيرها - مردود بانه لا يخفى ان مورد الرواية وان كان استماع الغناء إلا ان استدلال الامام بالاية وسايق الرواية مشعران بالعموم لكل معصية حصل الاصرار عليها، على انه لو تم ما ذكره من قصر الاحكام على موضع السؤال في الاخبار لضاق المجال في استنباط الاحكام ولزم خلو اكثرها من الدليل، وظاهر الاصحاب هو التعدية إلى ما عدا موضع السؤال من باب تنقيح المناط القطعي بما لم يعلم الاختصاص بموضع السؤال وهو المستند في اكثر الاحكام في كل مقام، ومن اجل ما ذكرناه حكم الاصحاب هنا بالعموم في هذا الخبر ولم يخالف فيه إلا هو ومن تبعه. و (ثالثا) - ان ما ذكره من ان العمدة فتوى الاصحاب ففيه ان فتوى الاصحاب متى كان لا عن دليل فالمتابعة فيه سيما من مثله من المحققين غير جائز ولا واضح السبيل، فانه مأخوذ على الفقيه ان لا يفتى ولا يعتمد إلا على الدليل الشرعي والبرهان القطعي في وجوب أو استحباب أو غيرهما لا على الفتاوى العارية عن الدليل كما عليه العلماء جيلا بعد جيل، ومن الظاهر ان فتوى الاصحاب بهذا الحكم انما هو عن هذه الرواية المذكورة، وضعفها عنده لا يوجب ضعفها عندهم لانهم لا يرون العمل بهذا الاصطلاح المحدث، ويحنئذ فالعمل بفتواهم عمل بالرواية البتة، فالتستر بالعمل بفتواهم كما ذكره مع صراحة الرواية لا معنى له بالكلية. و (رابعا) - ان ما ذكره من ان الغسل خير. الخ فيه انه لا ريب ايضا انه قد ورد (1) " ان الصلاة خير موضوع من شاء استقل ومن شاء استكثر " إلا انه لو صلى المكلف نافلة في وقت مخصوص أو مكان مخصوص أو على هيئة مخصوصة: معتقدا شرعية تلك الخصوصيات واستحبابها من غير دليل في المقام فانه تشريع محرم وعبادته باطلة بل موجبة للعقاب فضلا عن عدم الثواب، ومن ثم خرجت الاخبار ناعية على المخالفين


1) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 10 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها


[ 194 ]

بدعية صلاة الضحى (1) باعتبار اعتقاد الاستحباب في هذا الوقت من غير نص ولا دليل على ذلك، وكذلك جملة من الاذكار التي تعملها الصوفية وان كان اصل الصلاة واصل الذكر مستحبا، والحكم في هذا الغسل كذلك مع عدم قيام الدليل على استحبابه ومشروعيته. وبالجملة فان ما ذكره (قدس سره) كلام شعري مزيف لا ينبغى ان يعمل عليه وان تابعه في المدارك عليه. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الاصحاب قد صرحوا بان التوبة التي يستحب معها الغسل اعم من ان تكون توبة عن فسق أو عن كفر وان كان ارتدادا. وعلله في المنتهى بان الكفر اعظم من الفسق وقد ثبت استحباب الغسل للفاسق فالكافر اولى، ولان تعليله (عليه السلام) امره بالاغتسال يدل عليه من حيث المفهوم، ولان النبي (صلى الله عليه واله) امر قيس بن عاصم لما اسلم بالاغتسال بماء وسدر وانت خبير بما في هذه الادلة من الوهن، والتعليلان الاولان لا يخرجان عن القياس، والثالث موقوف على ثبوت الرواية والظاهر انها ليست من طرقنا، مع هذا فقد اجيب عنها بانه يجوز ان يكون امره (صلى الله عليه وآله) بالغسل انما هو لحدث الجنابة في حال الكفر إذ قل ما يخلو الانسان منه ؟ والجواب الحق منع ثبوت الخبر لما قدمناه في بحث غسل الجنابة من ان الكافر غير مخاطب بالفروع حال كفره وان كان خلاف المشهور عندهم. وظاهر الاكثر انه للتوبة عن الذنب مطلقا وقيده الشيخ المفيد بالكبائر وظاهر الخبر يساعده وقول المحقق الثاني في شرح القواعد - ان ظهر الخبر يدفع التقييد بالكبيرة - غير ظاهر، فان ظاهر الخبر ان الرجل كان مصرا على الذنب وان كان صغيرة و " لا صغيرة مع الاصرار " ويشهد به قوله (عليه السلام): " كنت مقيما على امر عظيم ما كان


1) رواها رواه في الوسائل في الباب 31 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها 2) رواه احمد في مسند ج 5 ص 61 وابن حجر في مجمع الزوائد ج 7 ص 404 3) رواه في الوسائل في الباب 47 من ابواب جهاد النفس


[ 195 ]

اسوأ حالك لو مت على ذلك ". ومنها - غسل من قتل وزغا لما رواه في الكافي عن عبد الله بن طلحة (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الوزغ ؟ فقال هو رجس وهو مسخ كله فإذا قتلته فاغتسل " ورواه الصفار في بصائر الدرجات (2) وروى الصدوق مرسلا (3) قال: " روي ان من قتل وزغا فعليه الغسل " وظاهره الوجوب إلا انه محمول على الاستحباب عند الاصحاب، قال في الفقيه: " وقال بعض مشايخنا ان العلة في ذلك انه يخرج من ذنوبه فيغتسل منها " اقول: يعني انه كما كانت التوبة سببا للخروج من الذنوب كذلك قتل الوزغ سبب للخروج منها فيغتسل من قتله كما يغتسل للتوبة. ثم انه لا يخفى ان حديث عبد الله بن طلحة المذكور مقتظع من حديث طويل نقله في الكافي (4) في ذكر احوال بني امية قال في تتمة الخبر المذكور: " وقال (عليه السلام) ان ابي كان قاعدا في الحجر ومعه رجل يحدثه فإذا هو بوزغ يولول بلسانه فقال ابى للرجل أتدري ما يقول هذا الوزغ ؟ قال لا علم لي بما يقول. قال فانه يقول والله لئن ذكرتم عثمان بشتيمة لاشتمن عليا (عليه السلام) حتى يقوم من ههنا، قال: وقال ابي ليس يموت من بني امية ميت إلا مسخ وزغا، قال وقال ان عبد الملك بن مروان لما نزل به الموت مسخ وزغا فذهب من بين يدي من كان عنده وكان عنده ولده فلما ان فقدوه عظم ذلك عليهم فلم يدروا كيف يصنعون ثم اجتمع امرهم على ان يأخذوا جذعا فيضعوه كهيئة الرجل قال ففعلوا ذلك والبسوا الجذع درع حديد ثم لفوه في الاكفان فلم يطلع عليه احد من الناس إلا انا وولده " اقول: ومما اوردناه من تتمة الخبر يعلم ما تضمنه صدره من ان الوزغ رجس وهو مسخ كله وما ذكره ذلك البعض الذي نقل عنه الصدوق من العلة المذكورة في الغسل من قتله. وروى في الكافي عن عبد الرحمن بن ابي عبد الله (5) قال:


1) و 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 19 من ابواب الاغسال المسنونة 4) الروضة طبع سنة 1377 ص 332 5) رواه في الوافى ج 2 ص 54


[ 196 ]

" سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) من حجرته ومروان وابوه يستمعان إلى حديثه فقال له الوزغ ابن الوزغ، قال أبو عبد الله (عليه السلام) فمن يومئذ يرون ان الوزغ يستمع الحديث " وروى فيه عن زرارة (1) قال: " سمعت ابا جعفر (عليه السلام) يقول لما ولد مروان عرضوا به لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ان يدعو له فارسلوا به إلى عائشة فلما قربته منه قال اخرجوا عني الوزغ ابن الوزغ، قال زرارة ولا اعلم إلا انه قال ولعنه " اقول: نقل بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم) ورود مثل هذه الاخبار من طرق العامة ايضا كما في كتاب حياة الحيوان (2) وفي مستدرك الحاكم (3) عن عبد الرحمان بن عوف انه قال: " كان لا يولد لاحد مولود إلا اتي به النبي (صلى الله عليه وآله) فيدعو له فادخل عليه مروان بن الحكم فقال هو الوزغ ابن الوزغ الملعون ابن الملعون ".


1) رواه في الوافى ج 2 ص 54 2) رواه في مادة " وزغ " عن المستدرك 3) ج 4 ص 479 ثم قال: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه. وفى الفائق للزمخشري ج 3 ص 159 طبعة مصر ونهاية ابن الاثير ج 4 ص 221 " طبعة مصر وتاج العروس ج 6 ص 35 ولسان العرب ج 8 ص 524 مادة " وزغ " " ان الحكم بن ابى العاص كان يحكى مشية النبي " ص " استهزاء به فالتفت إليه رسول الله " ص " وقال: اللهم اجعل به وزغا. فرجف مكانه فلم تفارقه الرجفة والرعشة " وفى الاصابة ترجمة الحكم " انه كان يغمز النبي " ص " باصبعه مستهزئا به فالتفت إليه وقال: اللهم اجعله وزغا فرجف مكانه. وفى تهذيب الاسماء للنووي ج 2 ص 87 " كان يفشى سر رسول الله " ص " فطرده إلى الطائف " وفى انساب النبي فخرج إليه " ص " بعنزة وقال من عذيري من هذه الوزغة ؟ وكان يفشى احاديثه فلعنه وسيره إلى الطائف " وفى ص 126 " استأذن الحكم على رسول الله " ص " فقال أئذنوا له لعنة الله عليه وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمنين وقليل ما هم ".


[ 197 ]

وقال في المعتبر بعد نقل مرسلة الصدوق دليلا على الحكم المذكور والتعليل الذي نقله عن بعض مشايخه ما صورته: " وعندي انما ذكره ابن بابويه ليس حجة وما ذكره المعلل ليس طائلا لانه له صحت علته لما اختص الوزغة " انتهى. وفيه ان المعتمد في الاستدلال انما هو الرواية المسندة في الكافي وان كانت هذه المرسلة ايضا صالحة للدلالة لان ارسال الصدوق لا يقصر عن مثل ابن ابي عمير وغيره ممن عملوا على مراسيلهم، وما ذكره من المناقشة في التعليل المذكور ففيه ان العلل الشرعية ليس سبيلها سبيل العلل العقلية التي يجب دوران المعلول مدارها وجودا وعدما ليرد ما ذكره بل الغرض منها امور اخر، والمراد من العلة هنا هو بيان نكتة مناسبة كما في جملة منها في غير هذا الموضع. ومنها - السعي إلى رؤية مصلوب ليراه عامدا وقيده بعضهم بكونه بعد ثلاثة ايام، الاصل في ذلك ما رواه في الفقيه مرسلا (1) قال: " روي ان من قصد إلى مصلوب فنظر إليه وجب عليه الغسل عقوبة " ونقل عن ابي الصلاح انه حكم بوجوب هذا الغسل نظرا إلى ظاهر الخبر المذكور ان مجرد السعي غير كاف بل لابد من الرؤية مع ذلك، وقيده جملة من الاصحاب بكونه بعد الثلاثة من صلبه أو موته، والخبر - كما ترى - مطلق، قالوا ولا فرق بين المصلوب الشرعي وغيره ولا بين كونه على الهيئة المعتبرة شرعا وعدمه، كل ذلك لاطلاق الدليل، وهو كذلك واول وقته الرؤية. والمحقق في المعتبر ومثله في المدارك ردا روايتي غسل المولود وغسل رؤية المصلوب بضعفهما سندا عن اثبات الوجوب واثبتا بهما الاستحباب. وفيه ان الاستحباب حكم شرعي يتوقف ثبوته على الدليل وإلا كان قولا على الله تعالى بغير دليل وهو منهي عنه آية ورواية، فان كانت الروايات الضعيفة باصطلاحهم


1) رواه في الوسائل في الباب 19 من ابواب الاغسال المسنونة


[ 198 ]

ادلة شرعية ثبت بها ما دلت عليه من وجوب أو استحباب وإلا فلا يثبت بها حكم شرعي مطلقا. والقول بان ادلة الاستحباب مما يتسامح فيها ضعيف، وبذلك صرح في المدارك ايضا حيث قال في اول الكتاب في شرح قول المصنف بعد عد اسباب الوضوء الموجبة له: " والندب ما عداه " فذكر في هذا المقام جملة الوضوءات المستحبة المستفادة من الاخبار وطعن في جملة منها بان في كثير منها قصورا من حيث السند، قال: " وما قيل من ان ادلة السنن يتسامح فيها بما لا يتسامح في غيرها فمنظور فيه لان الاستحباب حكم شرعي فيتوقف على الدليل الشرعي كسائر الاحكام " هذا كلامه ثمة وان خالفه في جملة من المواضع كهذا الموضع وغيره وكل ذلك ناشئ من ضيق الخناق في هذا الاصطلاح الذي هو إلى الفساد اقرب من الصلاح. اقول: لا يخفى انه قد وقع لنا تحقيق نفيس في هذه المسألة لا يحسن ان يخلو عنه كتابنا هذا، وهو انه قد صرح جملة من الاصحاب في الاعتذار عن جواز العمل بالاخبار الضعيفة في السنن بان العمل في الحقيقة ليس بذلك الخبر الضعيف وانما هو بالاخبار الكثيرة التي فيها الصحيح وغيره الدالة على ان من بلغه شئ من الثواب على عمل فعمله ابتغاء ذلك الثواب كان له وان لم يكن كما بلغه، ومن الاخبار الواردة بذلك ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن بابراهيم بن هاشم عن هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " من سمع شيئا من الثواب على شئ من العمل فصنعه كان له وان لم يكن على ما بلغه " وفى بعضها (2) " من بلغه شئ من الثواب على شئ من الخير فعمله كان له اجر ذلك وان كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يقله " إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة المذكورة في مظانها. وقد اعترضهم في هذا المقام بعض فضلاء متأخرى المتأخرين فقال بعد ذكر جملة


1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 18 من ابواب مقدمة العبادات


[ 199 ]

من تلك الاخبار والاستدلال بها على جواز العمل بالخبر الضعيف - ما صورته: " قد اعتمد هذا الاستدلال الشهيد الثاني وجماعة من المعاصرين، وعندي فيه نظر إذ الاحاديث المذكورة انما تضمنت ترتب الثواب على العمل وذلك لا يقتضي طلب الشارع له لا وجوبا ولا استحبابا، ولو اقتضى ذلك لاستندوا في وجوب ما تضمن الحديث الضعيف وجوبه إلى هذه الاخبار كاستنادهم إليها في استحباب ما تضمن الخبر الضعيف استحبابه، وإذا كان الحال كذلك فلقائل ان يقول لابد من شرعية ذلك العمل وخيريته بطريق صحيح ودليل مسلم صرح جمعا بين هذه الاخبار وبين ما دل على اشتراط العدالة في الراوي، وايضا الاية الدالة على رد خبر الفاسق وهي قوله تعالى: ".. ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا.. " (1) اخص من هذه الاخبار إذا الاية مقتضية لرد خبر الفاسق سواء كان مما يتعلق بالسنن أو غيره وهذه الاخبار تقتضي ترتب الثواب على العمل الوارد بطريق عن المعصوم (عليه السلام) سواء كان المخبر عدلا أو غير عدل طابق الواقع ام لا. ولا ريب ان الاول اخص من الثاني فيجب تخصيص هذه الاخبار بالاية جريا على القاعدة من العمل بالخاص في مورده وبالعام فيما عدا مورد الخاص، فيجب العمل بمقتضى الاية وهو رد خبر الفاسق سواء كان على عمل يتضمن الثواب أو غيره ويكون معنى قوله (عليه السلام): " وان لم يكن كما بلغه " ونحوه اشارة إلى ان خبر العدل قد يكذب إذ الكذب والخطأ جائزان على غير المعصوم والخبر الصحيح ليس بمعلوم الصدق. انتهى كلامه. واورد عليه بعض مشايخنا المعاصرين حيث اورد اولا جملة الاخبار الدالة على ان من بلغه شئ من الثواب على عمل فعمله كان له ذلك وان لم يكن كما بلغه، ثم اورد اعتراض هذا الفاضل ثم قال: وانت خبير بما فيه (اما الاول) - فقد ظهر بما حررناه ضعفه، على ان الحكم بترتب الثواب على عمل يساوق رجحانه جزما إذ لا ثواب على


1) سورة الحجرات. الآية 6


[ 200 ]

غير الواجب والمستحب كما لا يخفى. (واما الثاني) فمرجعه بعد التحرير إلى ان الثواب كما يكون للمستحب كذلك يكون للواجب فلم خصوا الحكم بالمستحب ؟ كذا قرر السؤال بعض مشايخنا المعاصرين. وجوابه ان غرضهم (قدس الله ارواحهم) ان تلك الاحاديث انما تثبت ترتب الثواب على فعل ورد فيه خبر يدل على ترتب الثواب لا انه يعاقب على تركه وان صرح به في الخبر الضعيف، لقصوره في حد ذاته عن اثبات ذلك الحكم وتلك الاحاديث لا تدل عليه، فالحكم الثابت لنا من هذا الخبر بانضمام تلك الاخبار ليس إلا الحكم الاستحبابي. اقول: قد يقال ان اللازم مما حررناه كون الحكم الثابت بانضمام تلك الاخبار هو مطلق الرجحان الشامل للوجوب والندب لا الحكم الاستحبابي بخصوصه، إذ كما ان قيد العقاب على تركه مما لا تدل عليه تلك الاخبار فكذلك جواز تركه لا إلى بدل لا تدل عليه ايضا ولا سيما مع تصريح الخبر الضعيف بضده اعني العقاب على تركه، نعم قد يخص الحكم الاستحبابي باعتبار ضميمة اصالة عدم الوجوب واصالة براءة الذمة منه، فتأمل. ولو لم يحرر السؤال الثاني على الوجه الذي قررناه كان بطلانه اظهر وفساده ابين كما لا يخفى. و (اما السؤال الثالث) - ففيه (اولا) - ان التحقيق ان بين تلك الروايات وبين ما دل على عدم العمل بقول الفاسق من الاية المذكورة ونحوها عموما من وجه، فلو قرر السؤال - على حد ما حرره بعض المحققين - هكذا: لما كان بينهما عموم من وجه كما اشرنا إليه فلا ترجيح لتخصيص الثاني بالاول بل ربما رحج العكس لقطيعة سنده وتأيده بالاصل إذ الاصل عدم التكليف وبراءة الذمة، كان اقرب إلى الاعتبار والاتجاه، مع ما فيه من النظر والكلام إذ يمكن ان يقال ان الاية الكريمة انما تدل على عدم العمل بقول الفاسق بدون التثبت، والعمل به فيما نحن فيه بعد ورود الروايات المعتبرة المستفيضة ليس عملا بلا تثبت كما ظنه السائل فلم تتخصص الاية الكريمة بالاخبار بل بسبب ورودها خرجت تلك الاخبار الضعيفة عن عنوان الحكم المثبت في الاية الكريمة، فتأمل. انتهى كلامه.


[ 201 ]

اقول: لا يخفى ما في جواب شيخنا المشار إليه من التكلف والشطط والخروج عن حاق كلام ذلك الفاضل الموجب للوقوع في مهاوي الغلط، وعندي ان جميع ما اطال به هو ومن اشار إليه انما هو تطويل بغير طائل وخروج عن صريح مقتضى كلام ذلك الفاضل، وذلك فان ذلك الفاضل ادعى ان غاية ما تضمنته تلك الاخبار هو ترتب الثواب على العمل ومجرد هذا لا يستلزم امر الشارع وطلبه لذلك العمل، فلابد ان يكون هناك دليل اخر على طلب العفل والامر به لترتب عليه الثواب بهذه الاخبار وان لم يكن موافقا للواقع ونفس الامر، وهذا الكلام جيد وجيه لا مجال لانكاره، وحينئذ فقول المجيب - ان ترتب الثواب على عمل يساوق رجحانه. الخ - كلام شعري لا معنى له عند التأمل الصادق، فان العبادات توقيفية من الشارع واجبة كانت أو مستحبة فلابد لها من دليل صريح ونص صحيح يدل على مشروعيتها، وهذه الاخبار لا دلالة فيها على الثبوت والامر بذلك وانما غايتها ما ذكرناه. واما قول ذلك الفاضل: ولو اقتضى ذلك لاستندوا. الخ فمعناه - كما هو ظاهر سياق كلامه - انه لو اقتضى ترتب الثواب في هذه الاخبار طلب الشارع لذلك الفعل وجوبا أو استحبابا لكان الواجب عليهم الاستناد إلى هذه الاخبار في وجوب ما تضمن الخبر الضعيف وجوبه كما جروا عليه بالنسبة إلى ما تضمن الخبر الضعيف استحبابه مع انهم لم يجروا هذا الكلام في الواجب. وحاصل الكلام الالزام لهم بانه لا يخلو اما ان يقولوا ان ترتب الثواب في هذه الاخبار يقتضي الطلب والامر بالفعل ام لا، فعلى الاول يلزمهم ذلك في جانب الوجوب كما التزموه في جانب الاستحباب مع انهم لا يلتزمونه، وعلى الثاني فلابد من دليل آخر يقتضي ذلك ويدل عليه، والى هذا اشار تفريعا على هذا الكلام بقوله: فلقائل ان يقول. الخ، وبذلك يتبين لك ما في تطويل شيخنا المشار إليه ومن نقل عنه واعتمد عليه من الخروج عن كلام هذا الفاضل إلى مقام آخر لا تعلق له بما ذكره وهو تطويل بغير طائل. واما دعوى ذلك الفاضل ان الاية اخص مطلقا فصحيح لا ان بينها وبين تلك الاخبار عموما من وجه، فان


[ 202 ]

الاخبار دلت على ترتب الثواب على العمل الوارد بطريق عن المعصوم (عليه السلام) سواء كان المخبر عدلا ام لا طابق خبره الواقع ام لا من الواجبات كان ام من المستحبات ومورد الاية رد خبر الفاسق تعلق بالسنن أو بغيرها، ولا ريب ان هذا العموم اخص من ذلك العموم مطلقا لا من وجه، ومن العجب قول المجيب بناء على زعمه العموم والخصوص من وجه وتقريبه السؤال بما ذكره: " وحينئذ فالجواب ان يقال ان الاية الكريمة انما تدل. الخ " فان فيه خروجا عن كلام ذلك الفاضل لان هذه الاخبار لا تدل عنده على مشروعية العمل وانما تدل على مجرد ترتب الثواب بعد ثبوت المشروعية بدليل آخر، فكيف يحصل التثبت بها في العمل وهل هذا إلا اول المسألة ومحل النزاع ؟ إذا عرفت ذلك فاعلم ان الظاهر ان الكلام في هذه المسألة سؤالا وجوابا ونقصا وإبراما انما ابتنى على هذا الاصطلاح المحدث الذي جعلوا فيه بعض الاخبار وان كانت مروية في الاصول المعتمدة المعتضدة بالقرائن المتعددة - ضعيفة ورموا بها من البين، وصاروا مع الحاجة إليها لضيق الخناق في هذا الاصطلاح يتسترون تارة بانها مجبورة بالشهرة وتارة بما ذكروه في هذه المسألة من ان العمل في الحقيقة انما هو بهذه الاخبار وامثال ذلك مما اوضحناه، وإلا فمتى قلنا بصحة الاخبار المروية في اصولنا المعتبرة وانه معتبرة معتمدة في ثبوت الاحكام كما عليه متقدمو علمائنا الاعلام وجم غفير من متأخريهم فانه لا مجال لهذا البحث بالكلية، إذ العامل انما عمل على ذلك الخبر لكونه معتبرا معتمدا، وهذا هو الانسب بالقواعد الشرعية والضوابط المرعية، فان الاستحباب والكراهة احكام شرعية كالوجوب والتحريم لا تثبت إلا بالدليل الواضح والمنار اللائح، ومتى كان الحديث الضعيف ليس بدليل شرعي كما زعموه فلا يثبت به الاستحباب لا في محل النزاع ولا غيره، والتستر بان ثبوت الاستحباب انما حصل بانضمام هذه الاخبار كما ادعوه يؤدي إلى ثبوت الاستحباب بمجرد رؤية حديث يدل على ترتب الثواب على عمل ولو في ظهر كتاب اوفي ورقة ملقاة أو بخبر عامي لصدق البلوغ بكل


[ 203 ]

من هذه الامور كما دلت عليه تلك الاخبار، والتزام ذلك لا يخلو من مجازفة. هذا. وقد نقل بعض مشايخنا عن بعض الاصحاب نظم اخبار المخالفين في هذا السلك فجوز الرجوع إليها في المندوبات، ثم قال (قدس سره): " ولا ريب ان الاخبار المذكورة تشملهم إلا انه قد ورد النهي في كثير من الاخبار عن الرجوع إليهم والعمل باخبارهم، وحينئذ فيشكل الحكم بالرجوع إليها لا سيما إذا كان ما ورد في اخبارهم هيئة مخترعة وصورة مبتدعة لم يعهد مثلها في الاخبار " انتهى. وهو مؤيد لما ذكرناه. وبالجملة فالقدر المعلوم المقطوع به من هذه الاخبار هو مجرد ترتب الثواب على عمل قد ثبت مشروعيته ووردت النصوص به سواء كان الخبر الوارد به مطابقا للواقع ام لا. والله سبحانه اعلم بحقائق احكامه. ومنها - الغسل عند صلاة الحاجة وصلاة الاستخارة، قيل وليس المراد اي صلاة اوقعها المكلف لاحد هذين الامرين بل المراد بذلك صلاة مخصوصة ورد النص باستحباب الغسل قبلها أو بعدها وهي مذكورة في مظانها. والذي وقفت عليه من الاخبار بذلك ما رواه في الكافي عن عبد الرحيم القصير (1) قال: " دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) قلت جعلت فداك اني اخترعت دعاء، فقال دعني من اختراعك إذا نزل بك امر فافزع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصل ركعتين، تهديهما إلى رسول الله. قلت كيف اصنع ؟ قال تغتسل وتصلى ركعتين، ثم ساق الخبر مشتملا على كيفية العمل إلى ان قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) فانا الضامن على الله تعالى ان لا يبرح حتى تقضى حاجته " وعن مقاتل بن مقاتل (2) قال: " قلت للرضا (عليه السلام) جعلت فداك علمني دعاء لقضاء الحوائج، فقال إذا كانت لك حاجة إلى الله تعالى مهمة فاغتسل والبس انظف ثيابك وشم شيئا من الطيب ثم ابرز تحت السماء فصل ركعتين. الحديث " وروى الشيخ في الصحيح عن زرارة عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " في الامر يطلبه الطالب من ربه ؟ قال تصدق


1) و 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 28 من ابواب الصلوات المندوبة


[ 204 ]

في يومك على ستين مسكينا على كل مسكين صاع بصاع النبي (صلى الله عليه وآله) فإذا كان الليل اغتسلت في الثلث الباقي ولبست ادنى ما يلبس من تعول من الثياب، إلى ان قال ثم إذا وضعت رأسك للسجدة الثانية استخرت الله تعالى مائة مرة تقول اللهم اني استخيرك، ثم تدعو الله تعالى بما شئت. الحديث " وروى الصدوق في الفقيه عن مرازم عن العبد الصالح موسى بن جعفر (عليه السلام) (1) قال: " إذا فدحك امر عظيم فتصدق في نهارك على ستين مسكينا على كل مسكين نصف صاع بصاع النبي (صلى الله عليه وآله) من تمر أو بر أو شعير فإذا كان الليل اغتسلت في ثلث الليل الاخير ثم لبست ادنى ما يلبس من تعول من الثياب إلا ان عليك في تلك الثياب ازار ثم تصلي ركعتين، إلى ان قال فإذا وضعت جبينك في السجدة الثانية استخرتم الله مائة مرة تقول: اللهم اني استخيرك بعلمك، ثم تدعو الله تعالى بما شئت. الحديث " وما رواه في الكافي عن جميل بن دراج (2) قال: " كنت عند ابي عبد الله (عليه السلام) فدخلت عليه امرأة وذكرت انها تركت ابنها وقد قالت بالملحفة على وجهه ميتا، فقال لها لعله لم يمت فقومي فاذهبي إلى بيتك فاغتسلي وصلي ركعتين وادعي وقولي: يامن وهبه لي ولم يك شيئا جدد هبته لي، ثم حركيه ولا تخبري بذلك احدا. قال ففعلت فحركته فإذا هو قد بكى وما رواه الصدوق في الفقيه والشيخ في التهذيب عن صفوان بن يحيى ومحمد بن سهل عن اشياخهما عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " إذا حضرت لك حاجة مهمة إلى الله عزوجل فصم ثلاثة ايام متوالية الاربعاء والخميس والجمعة، فإذا كان يوم الجمعة ان شاء الله تعالى فاغتسل والبس ثوبا جديدا ثم اصعد إلى اعلى بيت في دارك وصل ركعتين وارفع يديك إلى السماء ثم قل. الحديث ". اقول: المستفاد من الاخبار الكثيرة الواردة في صلاة الحوائج انهم (عليهم


1) رواه في الوسائل في الباب 28 من ابواب الصلوات المندوبة 2) رواه في الوسائل في الباب 30 من ابواب الصلوات المندوبة


[ 205 ]

السلام) ربما امروا بالصلاة والدعاء خاصة وربما امروا مع ذلك بالغسل في اوقات مخصوصة وربما امروا بالصوم ايضا، والمفهوم من ذلك من استحباب هذه الاشياء لكل حاجة اراد المكلف طلبها إلى الله عزوجل، وتتفاوت هذه الاعمال قلة وكثرة بتفاوت الحوائج بضروريتها وعدمها وشدة الحاجة إليها وعدمها فما ذكره بعضهم - من اختصاص الاغتسال بصلاة مخصوصة كما تقدمت الاشارة إليه - الظاهر انه لا وجه له، ويؤيد ما ذكرناه قوله (عليه السلام) في عبارة كتاب الفقه المتقدمة (1): " وغسل طلب الحوائج من الله تعالى " واما ما ورد بالنسبة إلى صلاة الاستخارة فما تقدم في موثقة سماعة (2) من قوله (عليه السلام): " وغسل الاستخارة مستحب " وجملة من الاصحاب قد استدلوا على استحباب الغسل لصلاة الاستخارة بصحيحة زرارة المتقدمة لقوله في آخرها: " ثم إذا وضعت رأسك للسجدة الثانية استخرت الله تعالى مائة مرة " ونحوها رواية مرازم. وانت خبير بان سياق الروايتين المذكورتين انما هو في طلب الحاجة والصلاة انماه هي لها. والمراد بالاستخارة في آخر الروايتين المذكورتين انما هو طلب ان يجعل الله تعالى له الخيرة في الامر الذى يطلبه وان يختاره له فانه احد معاني الاستخارة لا بمعنى المشاورة كما هو المتبادر من لفظ الاستخارة، وظاهر كلامهم ان الغسل لصلاة الاستخارة وظاهر موثقة سماعة ان الغسل للاستخارة وان كانت بغير صلاة والمتبادر من الاستخارة انما هو معنى المشاورة، ولكن لم اقف في اخبار الاستخارة على ما يدل على وجوب الغسل في شئ من افرادها، وحينئذ فيمكن ان يقال باستحباب الغسل للاستخارة مطلقا بهذا الخبر أو يخص بصلاة الاستخارة كما هو المشهور فيقال باستحباب الغسل للصلاة المروية في الاستخارة بهذا الخبر، وكيف كان فالظاهر ان الاستدلال لذلك بصحيحة زرارة المشار إليها ونحوها رواية مرازم ليس في محله لما عرفت. ومنها - غسل يوم الغدير، قال في التهذيب: " الغسل في هذا اليوم مستحب


1) ص 181 2) ص 179


[ 206 ]

مندوب إليه وعليه اجماع الفرقة " اقول: ويدل عليه قوله (عليه السلام) في عبارة كتاب الفقه المتقدمة (1): " وغسل يوم غدير خم " وما نقله ابن طاووس في الاقبال قال من كتاب محمد بن علي الطرازي قال روينا باسنادنا إلى عبد الله بن جعفر الحميري عن هارون بن مسلم عن ابي الحسن المثنى عن الصادق (عليه السلام) (2) في حديث طويل ذكر فيه فضل يوم الغدير، إلى ان قال: " فإذا كان صبيحة ذلك اليوم وجب الغسل في صدر نهاره. الحديث " وما رواه الشيخ عن علي بن الحسين العبدي (3) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول صيام يوم غدير خم يعدل صيام عمر الدنيا، إلى ان قال ومن صلى فيه ركعتين يغتسل عند زوال الشمس من قبل ان تزول مقدار نصف ساعة. الحديث ". ومنها - غسل ليلة النصف من شعبان، ويدل على ذلك ما رواه الشيخ في التهذيب عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " صوموا شعبان واغتسلوا ليلة النصف منه. الحديث " وما رواه في المصباح عن سالم مولى ابي حذيفة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) (5) قال: " من تطهر ليلة النصف من شعبان فاحسن الطهر، وساق الحديث إلى قوله: قضى الله تعالى له ثلاث حوائج. ثم ان سأل الله ان يراني في ليلته رآني " اقول: الظاهر ان هذا الخبر من طريق الجمهور ذكره الشيخ هنا تأكيدا. ومنها - غسل ليلة النصف من رجب ويوم المبعث وهو اليوم السابع والعشرون منه، وقد ذكرهما الشيخ في المصباح والجمل والمبسوط، وقال الشهيد في الذكرى انه لم يصل الينا خبر فيهما. وقال المحقق في المعتبر: ربما كان لشرف الوقتين والغسل مستحب


1) ص 181 2) رواه في الوسائل في الباب 20 من ابواب الاغسال المسنونة 3) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 3 من ابواب الصلوات المندوبة 4) رواه في الوسائل في الباب 23 من ابواب الاعسال المسنونة 5) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب الصلوات المندوبة


[ 207 ]

مطلقا ولا بأس بالمتابعة فيه. اقول: ما ذكره في المعتبر محل تأمل فان استحباب الغسل مطلقا لا دليل عليه بل هو عبادة موقوفة على التشريع وورود الامر بها من الشارع، والعجب منه في قوله: " ولا بأس بالمتابعة فيه " مع خروجه عما عليه الاصحاب في جملة من المواضع التي قامت فيها الادلة على ما ذهبوا إليه بزعم انها ضعيفة السند فكيف يوافقهم هنا من غير دليل ؟ اقول: والذي وقفت عليه من الاخبار مما يتعلق بهذا المقام ما في الاقبال قال وجدت في كتب العبادات عن النبي (صلى الله عليه وآله) (1) انه قال: " من ادركه شهر رجب فاغتسل في اوله ووسطه وآخره خرج من ذنوبه كيوم ولدته امه ". ومنها - الغسل لقضاء صلاة الكسوف مع تركها عمدا واحتراق القرص، صرح به الشيخ وابن ادريس وابن البراج واكثر الاصحاب، وذهب المرتضى في المسائل المصرية الثالثة وابو الصلاح وسلار إلى وجوبه في الصورة المذكورة، وعن الشيخ في النهاية القول بالوجوب ايضا، وعن المفيد والمرتضى في المصباح القول بالاستحباب والاقتصار على تركها متعمدا من غير اشتراط لاستيعاب الاحتراق، قال في المختلف: " وللشيخ قولان كالمذهبين ففي النهاية والجمل والخلاف يجب القضاء مع الغسل وفى موضع من الخلاف انه مستحب، ولم يتعرض في المبسوط لوجوبه بل قال يقضيها مع الغسل وكذلك قال ابن بابويه، ولم يتعرض ابن ابي عقيل لهذا الغسل بوجوب ولا استحباب " انتهى. اقول: لا يخفى ان الشيخ في المبسوط صرح بالاستحباب في ضمن تعداد الاغسال المستحبة قال: " وغسل قاضى صلاة الكسوف إذا احترق القرص كله وتركها متعمدا " ولكن العلامة غفل عنه وقت التصنيف ولم يراجعه، هذا ما حضرني من الاقوال في المسألة. واما الاخبار المتعلقة بالمسألة المذكورة فقال في المدارك: " والذى وقفت عليه


1) رواه في الوسائل في الباب 22 من ابواب الاغسال المسنونة


[ 208 ]

من الاخبار في هذه المسألة روايتان، روى احداهما حريز عمن اخبره عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " إذا انكسف القمر فاستيقظ الرجل ولم يصل فليغتسل من غد وليقض الصلاة، وان لم يستيقظ ولم يعلم بانكساف القمر فليس عليه إلا القضاء بغير غسل " والثانية رواها محمد بن مسلم في الصحيح عن احدهما (عليهما السلام) (2) وهي طويلة قال في آخرها: " وغسل الكسوف إذا احترق القرص كله فاغتسل " وليس في هذه الرواية اشعار بكون الغسل للقضاء بل المستفاد من ظاهرها ان الغسل للاداء، والرواية الاولى قاصرة من حيث السند وخالية من قيد الاستيعاب ولكن سيجئ ان شاء الله ان القضاء انما يثبت مع ذلك والاحوط الغسل للقضاء مع تعمد الترك اخذا بظاهر الرواية المتقدمة وان ضعف سندها، اما الغسل للاداء مع استيعاب الاحتراق فلا ريب في استحبابه والاولى ان يترك بحال لصحة مستنده وتضمنه الامر بالغسل مع انتفاء ما يقتضي الحمل على استحباب " انتهى. وهو ظاهر في عدم وقوفه على دليل يقتضي الدلالة على القول المشهور، وقد تبعه في ذلك الفاضل الخراساني في الذخيرة فاورد الروايتين المذكورتين لكنه لم يطعن في الاولى بضعف السند بل زيف لها وجوها تجبر ضعفها واختار العمل بظاهرها إلا انه حمل الامر فيها على الاستحباب كما سيأتي ان شاء الله تعالى نقل كلامه في المقام، واما الرواية الثانية فانه اعترف ايضا بما ذكره في المدارك من ان ظاهرها وجوب الغسل في الاداء مع الاحتراق إلا انه عدل عنه، قال: لانه غير معمول عليه بين الاصحاب فينبغي حمله على الاستحباب. والمحقق الخوانساري في شرح الدروس قد نقل زيادة على الروايتين المذكورتين ما رواه في الفقيه مرسلا عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) الغسل في سبعة عشر موضعا إلى ان قال في آخرها: وغسل الكسوف إذا احترق القرص كله فاستيقظت ولم تصل


1) رواه في الوسائل في الباب 25 من ابواب الاغسال المسنونة 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاغسال المسنونة


[ 209 ]

فعليك ان تغتسل وتقضي الصلاة. " ثم اطال الكلام في المقام بما لا يخلو من التردد وعدم الانسجام. اقول: والذي يظهر لي من النظر في روايات المسألة والتأمل فيها ان صحيحة محمد بن مسلم التي قدمنا ذكرها في صدر المطلب برواية الشيخ في التهذيب (1) هي بعينها ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا عن الباقر (عليه السلام) (2) من قوله: " الغسل في سبعة عشر موضعا. إلى آخره " والصدوق وان رواها في الفقيه مرسلة إلا انه رواها في الخصال مسندة عن ابيه عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن حماد بن عيسى عن حريز عن محمد عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: " الغسل في سبعة عشر موضعا، ثم ساق الخبر إلى ان قال: وغسل الكسوف إذا احترق القرض كله فاستيقظت ولم تصل فعليك ان تغتسل وتقضي الصلاة " وهي - كما ترى - صحيحة صريحة في القول المشهور ولكنه في المدارك وكذا في الذخيرة لما لم يقفا إلا على ذينك الخبرين المجملين توقفا فيما ذكراه، ومن الظاهر الذي لا يكاد يختلجه الشكان هذه الرواية هي الرواية التي نقلها الشيخ في التهذيب لكنه اسقط منها هذه العبارة سهوا وزاد عوضها قوله " فاغتسل " والرواية كما ذكرناه من الزبادة موجودة في كتب الصدوق: الفقيه والخصال والهداية، والظاهر ان هذه الزيادة سقطت من قلم الشيخ كما لا يخفى على من له انس بطريقته سيما في التهذيب وما وقع له فيه من التحريف والتصحيف والزيادة والنقصان في الاسانيد والمتون بحيث انه قلما يخلو حديث من ذلك في متنه أو سنده كما هو ظاهر للممارس، وبذلك يظهر ضعف الاستناد إلى روايته في المسألة وضعف ما استنبطه في المدارك منها بناء على نقله لها مع صحة سندها من الغسل للاداء. بقي الكلام في مرسلة حريز من حيث انها مطلقة في الكسوف من غير تقييد بالاحتراق، ولكن الظاهر تقييدها بصحيحة محمد بن مسلم التي ذكرناها واعتمدناها وبه


1) ص 180 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاغسال المسنونة


[ 210 ]

تجتمع الاخبار في الدلالة على القول المشهور. ومما يؤيد ما ذكرناه من حمل الرواية المذكورة على الاحتراق قوله (عليه السلام) في آخرها: " وان لم يستيقظ ولم يعلم بانكساف القمر فليس عليه إلا القضاء بغير غسل " فانه لو حمل على ظاهره للزم منه وجوب القضاء في صورة عدم العلم مطلقا احترق أو لم يحترق مع ان الاخبار وكلام الاصحاب على تخصيص ذلك بصورة الاحتراق واما مع عدم الاحتراق فلا قضاء. واما ما ذكره الفاضل الخراساني في الذخيرة - حيث قال يعد ذكر مرسلة حريز: " فان قلت: ظاهر هذه الرواية وهو القضاء في صروة عدم العلم مطلقا غير معمول عليه بين اكثر الاصحاب وتنفيه الاخبار المعتمدة الاتية في محله فينبغي ان يخص بصورة احتراق الجميع، قلت: الذي يستفاد من الروايات عدم وجوب القضاء إلا في الصورة المذكورة لاعدم الاستحباب، نعم لو ثبت الاجماع على عدم الاستحباب تعين المصير إلى تخصيص الخبر بصورة احتراق الجميع لكن الاجماع غير ثابت ولا ادعاه احد " انتهى - ففيه ان الاستحباب ايضا حكم شرعي يتوقف على الدليل والحال انه لم يقل به هنا احد ولم يدل عليه دليلا، فحمل الرواية عليه مع امكان حملها وتقييدها بصورة الاحتراق - كما هو القاعدة المطردة من حمل المطلق على المقيد - ترجيح من غير مرجح بل الترجيح في جانب ما ذكرناه لما عرفت. إلا انه يبقى الكلام في ان ظاهر الاخبار المذكورة هو الوجوب كما هو قول جماعة من فضلاء الاصحاب على ما قدمناه ولا اعرف عنه صارفا إلا مجرد مناقشات لا يخفى وهنها على المنصف، قال في المختلف بعد نقل الخلاف في المسألة: " والحق الاستحباب، لنا - الاصل براءة الذمة وقوله (عليه السلام) (1): " (من فاتته صلاة فليقضها كما فاتته " وكما لا يجب في الاداء الغسل بل هو مستحب فكذلك القضاء، ولحديث سعد عن الصادق (عليه السلام) وقد تقدم " انتهى. اقول: اما ما ذكره من الاصل فانه يجب الخروج عنه بالدليل وهو واضح فيما ذكرناه من الاخبار لقوله (عليه السلام) في مرسلة


1) المروى في الوسائل في الباب 6 من ابواب قضاء الصلوات


[ 211 ]

حريز " فليغتسل " وهو امر والاصل فيه الوجوب، وقوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم التي في كتب الصدوق " فعليك ان تغتسل " وظهوره في الوجوب لا ينكر، وقوله (عليه السلام) فيها برواية الشيخ " فاغتسل " والامر فيه كما في الاول واما ما ذكره من حديث " من فاتته صلاة فليقضها كما فاتته " فانما هو بمعنى الكيفية التي عليها الصلاة مما هو داخل في حقيقتها لا باعتبار ما كان خارجا عنها، واما حديث سعد المشار إليه - وهو ما قدمه من حديث سعد بن ابي خلف عن الصادق (عليه السلام) (1) " ان الاغسال اربعة عشر واحد فريضة والباقي سنة " - ففيه ان لفظ السنة لا ظهور له في الاستحباب لاستعماله فيما وجب بالسنة كما لا يخفى على من له انس بالاخبار، على انه متى اريد به هنا الاستحباب فلابد من تقييده البتة لظهور وجوب جملة من الاغسال اتفاقا، والحق ان المراد بالسنة ما هو اعم من المعنيين المذكورين وان منع استعماله كذلك اصحاب الاصول لتصريحهم بعدم جواز استعمال اللفظ في معنييه اشتراكا أو حقيقة ومجازا الا ان ما منعوه موجود في الاخبار كثيرا كهذا الموضع وغيره. واما ما تمسك به الفاضل الخراساني في الذخيرة من عدم دلالة الامر في اخبارنا على الوجوب فقد عرفت فساده فيما تقدم. واما ما ذكره جملة من الاصحاب في هذا المقام - من ان ظاهر اخبار المسألة الاختصاص بالقمر حتب لجأ بعضهم في الاستدلال على الشمس إلى عدم القائل بالفصل فينسحب الحكم فيها - ففيه ان ذلك وان لم يذكر في هذه الاخبار المشهورة لكنه مذكور في الفقه الرضوي الذي قد عرفت وستعرف انه معتمد المتقدمين حيث قال (عليه السلام) (2): " وان انكسفت الشمس أو القمر ولم تعلم به فعليك ان تصليها إذا علمت، فان تركتها متعمدا حتى تصبح فاغتسل وصل وان لم يحترق القرص فاقضها


1) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب الجنابة 2) ص 12


[ 212 ]

ولا تغتسل " وسيأتي مزيد كلام في هذه العبارة ان شاء الله تعالى في كتاب الصلاة. والله العالم. ومنها - الغسل لاخذ التربة، روى ذلك في البحار (1) عن مؤلف كتاب المزار الكبير باسناده عن جابر الجعفي قال: " دخلت على مولانا ابي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) فشكوت إليه علتين متضادتين إذا داويت احداهما انتقضت الاخرى وكان بي وجع الظهر ووجع الجوف فقال لي عليك بتربة الحسين بن علي (عليهما السلام) فقلت كثيرا ما استعملها ولا تنجع في ؟ قال جابر فتبينت في وجه سيدي ومولاي الغضب فقلت يا مولاي اعوذ بالله من سخطك، فقام فدخل الدار وهو مغضب فاتى بوزن حبة في كفه فناولني اياها ثم قال لي استعمل هذه يا جابر فاستعملتها فعوفيت لوقتي، فقلت يا مولاي ما هذه التي استعملتها فعوفيت لوقتي ؟ قال هذه التي ذكرت انها لم تنجع فيك شيئا. فقلت والله يا مولاي ما كذبت فيها ولكن قلت لعل عندك علما فاتعلمه منك يكون احب الي مما طلعت عليه الشمس، فقال لي إذا اردت ان تأخذ من التربة فتعمد لها آخر الليل واغتسل لها بماء القراح والبس اطهر اطمارك وتطيب بسعد وادخل فقف عند الرأس فصل اربع ركعات تقرأ، ثم ساق الخبر في بيان الصلاة وكيفيتها والاذن في اخذ التربة إلى ان قال: وتأخذ بثلاث اصابع ثلاث مرات وتدعها في خرقة نظيفة أو قارورة من زجاج وتختمها بخاتم عقيق عليه " ما شاء الله لاقوة إلا بالله استغفر الله " فإذا علم الله تعالى منك صدق النية لم يصعد معك في الثلاث قبضات إلا سبعة مثاقيل وترفعها لكل علة فانها تكون مثل ما رأيت " ومنها - الغسل يوم النيروز لما رواه الشيخ في المصباح عن المعلى بن خنيس عن الصادق (عليه السلام) قال (2): " إذا كان يوم النيروز فاغتسل والبس انظف ثيابك. الحديث ".


1) ج 22 ص 147 2) رواه في الوسائل في الباب 24 من ابواب الغسال المسنونة


[ 213 ]

تتمة قال الفاضل ابن فهد في المهذب: " تنبيه: يوم النيروز يوم جليل القدر وتعيينه من السنة غامض مع ان معرفته امر مهم من حيث انه تتعلق به عبادة مطلوبة للشارع والامتثال موقوف على معرفته، ولم يتعرض لتفسيره احد من علمائنا سوى ماقاله الفاضل محمد ابن ادريس، وحكايته: والذي حققه بعض محصلي اهل الحساب وعلماء الهيئة واهل هذه الصنعة في كتاب له ان يوم النيروز يوم العاشر من ايار. وقال الشهيد وفسر باول سنة الفرس أو حلول الشمس برج الحمل أو عاشر ايار. فالثالث اشارة إلى قول ابن ادريس والاول اشارة إلى ما هو مشهور عند فقهاء العجم في بدلهم فانهم يجعلونه عند نزول الشمس الجدي وهو قريب مما قاله صاحب الانواء، وحكايته: اليوم السابع عشر من كانون الاول هو صوم اليهود وفيه ترجع الشمس مصعدة إلى الشمال ويأخذ النهار من الليل ثلاث عشرة ساعة وهو مقدار ما يأخذ في كل يوم وتنزل الشمس برج الجدي قبله بيومين، وبعض العلماء جعله رأس السنة وهو النيروز، فجعله حكاية عن بعض العلماء وقال بعد ذلك: اليوم التاسع من شباط وهو يوم النيروز ويستحب فيه الغسل وصلاة اربع ركعات لما رواه المعلى بن خنيس عن الصادق (عليه السلام) ثم ذكر الخبر فاختار التفسير الاخير وجزم به. والاقرب من هذه التفاسير انه نزول الشمس برج الحمل لوجوه: (الاول) انه اعرف بين الناس واظهر في استعمالهم، وانصراف الخطاب المطلق الشامل لكل مكلف إلى معلوم في العرف وظاهر في الاستعمال اولى من انصرافه إلى ما كان على الضد من ذلك، ولانه المعلوم من عادة الشرع وحكمته، ألا ترى كيف علق اوقات الصلوات بسير الشمس الظاهر وصوم رمضان برؤية الهلال وكذا اشهر الحج ؟ وهي امور ظاهرة يعرفها عامة الناس بل الحيوانات ؟ فان قلت: استعماله في نزول الشمس برج الحمل غير ظاهر الاستعمال في بلاد العجم حتى انهم لا يعرفونه


[ 214 ]

وينكرونه على معتقده فلم خصصت ترجيح العرف الظاهر في بعض البلاد دون بعض ؟ وايضا فان ما ذكرته حادث ويسمى النيروز السلطاني الاول اقدم حتى قيل انه منذ زمان نوح (عليه السلام)، فالجواب عن الاول ان العرف إذا تعدد انصرف إلى العرف الشرعي فان لم يكن فالى اقرب البلاد واللغات إلى الشرع فينصرف إلى لغة العرب وبلادها لانها اقرب إلى الشرع، وعن الثاني بان التفسيرين معا متقدمان على الاسلام (الثاني) - انه مناسب لما ذكره صاحب الانواء من ان الشمس خلقت في الشرطين وهما اول الحمل، فيناسب ذلك اعظام هذا اليوم الذي عادت فيه إلى مبدأ كونها (الثالث) - انه مناسب لما ذكره السيد رضي الدين بن طاووس (قدس سره) ان ابتداء العالم وخلق الدنيا كان في شهر نيسان ولا شك ان نيسان يدخل والشمس في الحمل، واذ كان ابتداء العالم في هذا اليوم يناسب ان يكون يوم عيد وسرور، ولهذا ورد استحباب التطيب فيه باطيب الطيب ولبس انظف الثياب ومقابلته بالدعاء والشكر والتأهب لذلك بالغسل وتكميله بالصوم والصلاة المرسومة له حيث كان فيه ابتداء النعمة الكبرى وهي الاخراج من حيز العدم إلى الوجود ثم تعريض الخلق لثوابه الدائم ولهذا امرنا بتعظيم يوم المبعث والغدير حيث كان فيهما ابتداء منصب النبوة والامامة وكذا المولدين. (فان قلت): نسبته إلى الفرس تؤيد الاول فانهم واضعوه والثاني وضعه قوم مخصوصون ولم يوافقهم الباقون (قلنا): يكفي في نسبته إليهم ان يقول به طائفة منهم وان قصروا في العدد عمن لم يقل به، ألا ترى إلى قوله تعالى: " وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله.. " (1) وليس القائل بذلك كل اليهود ولا كل النصارى، ومثل قوله: " والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما انزل اليك.. " (2) وليس الاشارة إلى اهل الكتاب باجمعهم بل إلى عبد الله بن سلام واصحابه (زيادة) ومما ورد في فضله ويعضد ما قلناه ما حدثني المولى السيد المرتضى


1) سورة البقرة. الآية 30 2) سورة الرعد. الآية 36


[ 215 ]

العلامة بهاء الدين علي بن عبد الحميد النسابة دامت فضائله رواه باسناده إلى المعلى بن خنيس عن الصادق (عليه السلام) (1) " ان يوم النيروز هو اليوم الذي اخذ فيه النبي (صلى الله عليه وآله) لامير المؤمنين (عليه السلام) العهد بغدير خم فاقروا له بالولاية فطوبى لمن ثبت عليها والويل لمن نكثها، وهو اليوم الذي وجه فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) إلى وادي الجن فاخذ عليهم العهود والمواثيق، وهو اليوم الذي ظفر فيه باهل النهروان وقتل ذا الثدية، وهو اليوم الذي يظهر فيه قائمنا اهل البيت وولاة الامر ويظفره الله تعالى بالدجال فيصلبه على كناسة الكوفة، وما من يوم نيروز إلا ونحن نتوقع فيه الفرج لانه من ايامنا حفظه الفرس وضيعتموه، ثم ان نبيا من انبياء بنى اسرائيل سأل ربه ان يحيى القوم " الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف حذر الموت " (2) فاماتهم الله تعالى فأوحى الله تعالى إليه ان صب عليهم الماء في مضاجعهم فصب عليهم الماء في هذا اليوم فعاشوا وهم ثلاثون الفا فصار صب الماء في يوم النيروز سنة ماضية لا يعرف سببها إلا الراسخون في العلم، وهو اول يوم من سنة الفرس، قال المعلى: واملى علي ذلك فكتبته من املائه " وعن المعلى ايضا قال: " دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) في صبيحة يوم النيروز فقال يا معلى أتعرف هذا اليوم ؟ قال: قلت لا ولكنه يوم تعظمه العجم وتتبارك فيه، قال كلا والبيت العتيق الذي ببطن مكة ما هذا اليوم إلا لامر قديم افسره لك حتى تعلمه. قلت تعلمي هذا من عندك احب إلى من ان تعيش اترابي ويهلك الله عدوكم، قال يا معلى يوم النيروز هو اليوم الذي اخذ الله تعالى فيه ميثاق العباد ان يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وان يدينوا برسله وحججه واوليائه، وهو اول يوم طلعت فيه الشمس وهبت فيه الرياح اللواقح وخلقت فيه زهرة الارض وهو اليوم الذي استوت فيه سفينة نوح (عليه السلام) على الجودي


1) و 3) رواه في الوسائل في الباب 48 من ابواب الصلوات المندوبة 2) سورة البقرة. الآية 244


[ 216 ]

وهو اليوم الذي احيى الله تعالى فيه القوم " الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم احياهم " (1) وهو اليوم الذي هبط فيه جبرئيل (عليه السلام) على النبي (صلى الله عليه وآله) وهو اليوم الذي كسر فيه ابراهيم (عليه السلام) اصنام قومه، وهو اليوم الذي حمل فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) امير المؤمنين (عليه السلام) على منكبه حتى رمى اصنام قريش من فوق البيت الحرام وهشمها. الخبر بطوله " والشاهد في هذين الحديثين من وجوه: (الاول) قوله (عليه السلام) " هو اليوم الذي اخذ الله تعالى فيه العهد بغدير خم " وهذا تأريخ وكان ذلك سنة عشر من الهجرة وحسب فوافق نزول الشمس الحمل في التاسع عشر من ذي الحجة على حساب التقويم ولم يكن الهلال رؤي في مكة ليلة الثلاثين فكان الثامن عشر على الرؤية (الثاني) - كون صب الماء في ذلك اليوم سنة شائعة، والظاهر ان مثل هذه السنة العامة الشاملة لعامة المكلفين انما يكون صب الماء في وقت لا ينفر منه الطبع وياباه ولا يتصور ذلك مع كون الشمس في الجدي لانه في غاية القر في غالب البلاد الاسلامية (الثالث) - قوله (عليه السلام) في الحديث الثاني: " وهو اول يوم طلعت فيه الشمس " وهو مناسب لما قيل ان الشمس خلقت في الشرطين (الرابع) - قوله: " وخلقت فيه زهرة الارض وهذا انما يكون في الحمل دون الجدي وهو ظاهر " انتهي ما ذكره في المهذب. ولا يخفى ما فيه على الفطن النبيه فان اثبات الاحكام الشرعية بامثال هذه الوجوه التخريجية الوهمية لا يخلو من مجازفة سيما مع ما فيها من الاختلال الذي لا يخفى على من خاض بحار الاستدلال وليس في التعرض لنقضها كثير فائدة مع ظهور الحال فيما ذكرناه ولا اعرف لذلك دليلا شرعيا ولا مستندا مرعيا غير مجرد اتفاق الناس على ذلك وقد اطال شيخنا المجلسي في البحار في بيان ما في جملة هذه الاقوال من الاختلال واعترض


1) سورة البقرة. الآية 244


[ 217 ]

كلام المهذب ايضا بوجوه ليس هذا موضع ذكرها. والعلم عند الله سبحانه. ومنها - غسل الجمعة، وقد اختلف فيه الاصحاب (رضوان الله عليهم) فالمشهور استحبابه، وقال الصدوق في الفقيه: غسل يوم الجمعة واجب على الرجال والنساء في السفر والحضر، ثم قال وغسل يوم الجمعة سنة واجبة. وقال في الكافي: باب وجوب الغسل يوم الجمعة، ثم اورد الاخبار المتضمنة للوجوب، وبذلك نسب اليهما القول بالوجوب وفيه ما سيأتي بيانه في المقام ان شاء الله تعالى، والى هذا القول مال شيخنا الهبائي في الحبل المتين ونقل القول بالوجوب ايضا عن والد الصدوق، والى هذا القول ذهب شيخنا الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني وايده ونصره وصنف فيه رسالة. ومنشأ هذا الخلاف اختلاف الاخبار ظاهرا، وها نحن نبدأ اولا بذكر اخبار المسألة كملا كما هي قاعدتنا في الكتاب ثم ننعطف الكلام ان شاء الله تعالى على تحقيق القول فيما يستفاد منها وما تجتمع عليه بوجه لا يزاحمه الاشكال ولا يتطرق إليه ان شاء الله تعالى الاختلال. فمنها - ما رواه الشيخ في الصحيح أو الحسن عن محمد بن عبد الله بن المغيرة عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الغسل يوم الجمعة فقال واجب على كل ذكر وانثى من عبد اوحر " ورواه ثقة الاسلام في الصحيح أو الحسن عن عبد الله بن المغيرة عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) مثله (2) وما رواه ثقة الاسلام عن منصور بن حازم في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " الغسل يوم الجمعة على الرجال والنساء في الحضر وعلى الرجال في السفر " ورواه في موضع آخر كذلك (4) وزاد عليه " وليس على النساء في السفر " وقال (5): وفى رواية اخرى " ورخص للنساء في السفر لقلة الماء " وعن زرارة في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) (6)


1) و 2) و 3) و 4) و 5) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب الاغسال المسنونة 6) رواه في الوسائل في الباب 7 من ابواب الاغسال المسنونة


[ 218 ]

في حديث قال: " الغسل واجب يوم الجمعة " ورواه الصدوق في الخصال في الصحيح عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " الغسل في يوم الجمعة واجب. إلى تمام الخبر " وروى الصدوق في العلل في الصحيح عن محمد بن احمد بن يحيى رفعه (2) قال: " غسل الجمعة واجب على الرجال والنساء في السفر والحضر إلا انه رخص للنساء في السفر لقلة الماء " وما رواه الكليني عن حريز في الحسن أو الصحيح عن بعض اصحابنا عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: " لابد من الغسل يوم الجمعة في السفر والحضر ومن نسي فليعد من الغد " قال " وروي فيه رخصة للعليل " وما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الصحيح عن احدهما (عليهما السلام) (4) قال: " اغتسل يوم الجمعة إلا ان تكون مريضا أو تخاف على نفسك " وعن علي بن يقطين في الصحيح (5) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن النساء أعليهن غسل الجمعة ؟ قال نعم " وما رواه الشيخ والصدوق عن سماعة بن مهران في الموثق (6) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجمعة فقال واجب في السفر والحضر إلا انه رخص للنساء في السفر لقلة الماء " وهذه الاخبار هي ادلة القول بالوجوب كما ينادي به ظاهرها، ومنها - ما رواه الشيخ عن علي بن يقطين في الصحيح (7) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الغسل في يوم الجمعة والاضحى والفطر ؟ قال سنة وليس بفريضة " وعن زرارة في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (8) قال: " سألته عن غسل يوم الجمعة ؟ قال هو سنة في السفر والحضر إلا ان يخاف المسافر على نفسه القر " وعن علي (9) - والظاهر انه ابن


1) رواه في المستدرك الوسائل في الباب 3 من ابواب الاغسال المسنونة 2) و 3) و 4) و 5) و 7) و 8) و 9) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب الاغسال المسنونة 3) رواه في الوسائل في الباب 10 من ابواب الاغسال المسنونة 6) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاغسال المسنونة


[ 219 ]

ابي حمزة - قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن غسل العيدين أواجب هو ؟ قال: هو سنة. قلت فالجمعة ؟ قال هو سنة " وروى المفيد (رحمه الله) في المقنعة مرسلا (1) قال: " روي عن ابى عبد الله (عليه السلام) انه قال: غسل الجمعة والفطر سنة في السفر والحضر ". إذا عرفت ذلك فاعلم ان من ذهب من اصحابنا إلى الوجوب اخذ بظاهر الاخبار الاولة واجاب عن الاخبار الاخيرة بحمل السنة فيها على ما ثبت وجوبه بالسنة، قال شيخنا البهائي في الحبل المتين حيث اختار هذا القول: " وانت خبير بان الجمع بينها بحمل السنة على ما ثبت وجوبه بالسنة والفريضة على ما ثبت وجوبه بالكتاب غير بعيد، وهو اصطلاح الصدوق في الفقيه كما يشعر به قوله: " الغسل كله سنة ماخلا غسل الجنابة " وهذا الذي اصطلح عليه ليس من مخترعاته بل ورد في كثير من الاخبار عن ائمتنا (عليهم السلام) كما رواه في التهذيب عن الرضا (عليه السلام) (2) بطرق عديدة " ان الغسل من الجنابة فريضة وغسل الميت سنة " قال الشيخ يريد ان فرضه عرف من جهة السنة لان القرآن لا يدل على فرض غسل الميت، وكما رواه عن سعد بن ابي خلف (3) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: الغسل في اربعة عشر موطنا واحد فريضة والباقى سنة " قال العلامة في المختلف: المراد بالسنة ما ثبت من جهة السنة لا من طريق القرآن. والحاصل ان اطلاق السنة على ذلك المعنى غير عزيز وحمل السنة عليه ليس بابعد من حمل الوجوب في قوله (عليه السلام): " الغسل واجب يوم الجمعة " وقوله (عليه السلام) " انه واجب على كل ذكر وانثى من عبد اوحر " على المبالغة في الاستحباب، ومنع كون الوجوب حقيقة شرعية في المعنى المصطلح عليه بين الفقهاء يأتي مثله في السنة، بهذا يظهر ان قول الصدوقين غير بعيد عن الصواب " انتهي. واما من ذهب إلى القول


1) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب الاغسال المسنونة رواه في الوسائل في الباب 18 من ابواب التيمم رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب الجنابة


[ 220 ]

بالاستحباب كما هو المشهور عملا بظاهر الاخبار الاخيرة من حمل السنة على معنى المستحب فانه حمل الوجوب في الاخبار التي استند إليها الخصم على المعنى اللغوي أو تأكد الاستحباب لعدم ثبوت كون الوجوب عندهم (عليهم السلام) حقيقة في المعنى الاصطلاحي، قال المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في المنتقي - بعد ان نقل عن الشيخ حمل لفظ الوجوب في الاخبار على تأكد الاستحباب - ما صورته: " وكثيرا ما يذكر الشيخ هذا الكلام في تضاعيف ما يستعمل فيه هذا اللفظ وهو مطابق لمقتضى اصل الوضع وان كان المتبادر في العرف الان خلافه، فان العرف المقدم على اللغة هو موجود في زمن الخطاب باللفظ ولا دليل على ان المعنى العرفي لهذا اللفظ كان متحققا في ذلك الوقت فيحمل على المعنى اللغوي. ويبقى الكلام في الخبر المتضمن للامر باغتسال يوم الجمعة ولو قلنا بان الامر في مثله يفيد الوجوب لاقتضت رعاية الجمع بينه وبين ما تضمن كون الغسل سنة ان يحمل على الندب " انتهى. اقول: لا يخفى ان ما ذكره شيخنا البهائي في الحبل المتين استعمال السنة فيما ثبت وجوبه بالسنة اكثر كثير في الاخبار، ومنه - زيادة على ما ذكره من الخبرين - ما ورد في صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " ان الله عزوجل فرض الركوع والسجود والقراءة سنة فمن ترك القراءة متعمدا اعاد صلاته ومن نسي القراءة فقد تمت صلاته " ورواية الحسين بن النضر الارمني الواردة في اجتماع الميت مع الجنب في السفر (2) وفيها قال: " يغتسل الجنب ويترك الميت لان هذا فريضة وهذا سنة " ورواية التفليسي الواردة في ذلك ايضا حيث قال فيها " إذا اجتمعت سنة وفريضة بدئ بالفرض " مرسلة محمد بن عيسى الواردة في ذلك ايضا (3) وفيها " لان الغسل من الجنابة فريضة وغسل الميت سنة " وكذا ما ذكره المحقق المشار إليه من ان الوجوب


1) رواه في الوسائل في الباب 27 من ابواب القراءة 2) و 3) و 4) رواه في الوسائل في الباب 18 من ابواب التيمم


[ 221 ]

في عرفهم (عليهم السلام) كما استفاضت به اخبارهم اعم من هذا المعنى الاصطلاحي فانه حق لا ريب فيه. وقد تقدم في الاخبار المذكورة في صدر المطلب عد جملة من تلك الاغسال المتفق على استحبابها بلفظ الوجوب، وبالجملة فان المتدرب في الاخبار لا يخفى عليه صحة الامرين المذكورين. والحق الحقيق بالاتباع - كما حققناه في جملة من المواضع - ان هذين اللفظين من الالفاظ المتشابهة في الاخبار ولا يجوز الحمل على احد المعنيين فيها إلا مع القرينة، ومدعى دلالة لفظ الوجوب في اخبارهم (عليهم السلام) على الوجوب بهذا المعنى الاصطلاحي وهكذا لفظ السنة بمعنى المستحب خاصة مكابر مباهت، وبذلك يظهر سقوط استدلال كل من هذين القائلين بهذه الاخبار في البين بل الواجب على من يدعي الوجوب تحصيل دليل آخر غير هذه الاخبار المتقدمة وكذا من يدعي الاستحباب تحصيل دليل آخر غير ما ذكر. وانت خبير بان مع القاء هذين الدليلين من البين فان الذي يظهر من الاخبار هو الاستحباب وذلك من وجوه: (الاول) - اصالة البراءة من الوجوب حتى يقوم دليلا يوجب الخروج عنها وليس فليس، وهو اقوى دليل في المقام إذ الاخبار الواردة التي استند إليها الخصم لا دلالة فيها على ما ادعاه، لما عرفت من ان الوجوب في كلامهم (عليهم السلام) اعم من هذا المعنى المصطلح عليه وهو الذي لا يجوز تركه فلا تنهض حجة في الخروج عن هذا الاصل. (الثاني) - رواية علي بن ابي حمزة المتقدمة فانه لا مجال لحمل السنة فيها على ما ثبت وجوبه بالسنة كما ادعاه الخصم، لان اصل السؤال تردد بين كونه واجبا أو سنة والسنة متى قوبلت بالواجب تعين حملها على معنى المستحب وانما يحصل الشك فيما إذا قوبلت بالفرض أو اطلقت، واصل السؤال وان كان عن غسل العيدين لكن قضية العطف اجراؤه في المعطوف عليه ايضا. (الثالث) - صحيحة علي بن يقطين المتقدمة ايضا حيث عد غسل الجمعة فيها


[ 222 ]

في قرن غسل الاضحى والفطر فأجاب (عليه السلام) عن الجميع بانه سنة، ومن المتفق عليه عند الخصم ان غسل العيدين مستحب فيكون غسل الجمعة ايضا كذلك والا لزم استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه أو المشترك في معنييه وهم لا يقولون به. (الرابع) - ما نقله شخنا المجلسي في البحار عن كتاب جمال الاسبوع لابن طاووس في حديث رواه فيه بسنده عن ابي البختري عن جعفر بن محمد عن ابيه عن جده عن النبي (صلى الله عليه وآله) (1) " انه قال لعلي (عليه السلام) في وصيته يا علي على الناس في كل يوم من سبعة ايام الغسل فاغتسل في كل جمعة، ولو انك تشترى الماء بقوت يومك وتطويه فانه ليس شئ من التطوع باعظم منه " وهو صريح الدلالة كما ترى (الخامس) - رواية الحسين بن خالد الصيرفي (2) قالة " سألت ابا الحسن الاول (عليه السلام) كيف صار غسل الجمعة واجبا ؟ فقال ان الله تبارك وتعالى اتم صلاة، الفريضة بصلاة النافلة واتم صيام الفريضة بصيام النافلة واتم وضوء الفريضة بغسل الجمعة ما كان في ذلك من سهو أو تقصير أو نسيان " والتقريب فيها ظاهر من النظائر المذكورة، وحينئذ فالوجوب في صدر الرواية مراد به المعنى اللغوي. ويؤيد ذلك عده في قرن المستحبات في جملة من الاخبار كقول الصادق (عليه السلام) في صحيحة هشام بن الحكم (3): " ليتزين احدكم يوم الجمعة يغتسل ويتطيب ويسرح لحيته ويلبس انظف ثيابه " وكقول الباقر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (4) " لا تدع الغسل يوم الجمعة فانه سنة وشم الطيب والبس صالح ثيابك. الحديث " وقول الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (5) " وعليكم بالسنن يوم الجمعة وهي سبعة: اتيان النساء وغسل الرأس واللحية بالخطمى واخذ الشارب وتقليم الاظافير وتغيير


1) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب الاغسال المسنونة 2) المروية في الوسائل في الباب 47 من ابواب صلاة الجمعة 5) ص 11


[ 223 ]

الثياب ومس الطيب، فمن اتى بواحدة من هذه السنن نابت عنهن وهى الغسل، وافضل اوقاته قبل الزوال ولا تدع في سفر ولا حضر، وان كنت مسافرا وتخوفت عدم الماء يوم الجمعة اغتسل يوم الخميس فان فاتك الغسل يوم الجمعة قضيت يوم السبت أو بعده من ايام الجمعة، وانما سن الغسل يوم الجمعة تتميما لما يلحق الطهور في سائر الايام من النقصان " انتهى كلامه. وفي قوله (عليه السلام): " وانما سن الغسل. الخ " اشارة إلى ما تضمنته رواية الحسن بن خالد المذكورة. ويؤيده ايضا الرخصة في تركه للنساء في السفر كما تقدم في صحيحة منصور بن حازم، إذ لا شئ من الاغسال بل الافعال الواجبة كذلك بل ورد جواز تركها له في الحضر كما رواه الصدوق في الخصال عن جابر الجعفي عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " ليس على المرأة غسل الجمعة في السفر ويجوز لها تركه في الحضر " وهو اظهر ظاهر في الاستحباب. هذا وعندي في اسناد القول بالوجوب إلى الصدوق في الفقيه بمجرد الكلام المتقدم نظر: (اما اولا) - فلما علم من عادة المتقدمين - كما صرح به ايضا غير واحد من اصحابنا المتأخرين - انهم يعبرون غالبا بمتون الاخبار، والوجوب في الاخبار كما يحتمل المعنى المشهور كذلك يحتمل المعنى اللغوي أو تأكيد الاستحباب فعين ما يقال في الاخبار يقال في كلامهم، ولم يثبت كون الواجب عندهم حقيقة في المعنى المصطلح حتى يجب حمل كلامهم عليه، وعلى هذا يحمل ايضا كلام ثقة الاسلام في الكافي حيث عنون الباب بلفظ الوجوب. (واما ثانيا) - فلما ذكره في الفقيه (2) في الباب المذكور من قوله: " وروي ان الله تعالى اتم صلاة الفريضة بصلاة النافلة واتم صيام الفريضة بصيام النافلة واتم الوضوء بغسل يوم الجمعة " وهو مضمون رواية الحسين بن خالد المتقدمة الظاهرة كما عرفت في


1) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 3 من ابواب الاغسال المسنونة 2) ج 2 ص 62 وفي الوسائل في الباب 6 من ابواب الاغسال المسنونة


[ 224 ]

الاستحباب وما وقع له في هذا المقام وقع مثله في الفقه الرضوي ايضا حيث قال: (عليه السلام) اولا: " واعلم ان غسل الجمعة سنة واجبة لا تدعه في السفر ولا في الحضر " ثم قال (عليه السلام) في الكلام المتقدم نفله قريبا " وانما سن الغسل يوم الجمعة تتميما لما يلحق الطهور في سائر الايام من النقصان ". واما ما ذكره شيخنا المشار إليه آنفا - من حمل اخبار الاستحباب على التقية لانه مذهب اكثر الجمهور - (1) ففيه ان الحمل على التقية فرع تعارض الاخبار صريحا والاخبار هنا - كما عرفت مما حققناه في الاخبار التي هي مناط الاستدلال من الطرفين - متشابهة لما ذكره من معنى الاخبار المذكورة قابلة للانطباق على كل من القولين، ولو كان الوجوب ظاهرا في المعنى المصطلح والسنة ظاهرة في معنى الاستحباب لامكن الحمل على التقية لظهور التقابل بين المعنيين وعدم امكان حمل احدهما على الاخر لكن الامر ليس كذلك لما عرفت، فالواجب حينئذ - كما قدمنا ذكره - هو اغماض النظر عن هذه الاخبار وعدم الاستدلال بها في البين والنظر في تحصيل دليل آخر، وقد عرفت بما ذكرناه من الوجوه المتقدمة ان الظاهر هو الاستحباب، وحينئذ فيجب حمل تلك الاخبار المتشابهة عليه وكذا حمل ما ورد بالامر بالغسل. ويؤيده زيادة على ما قدمناه شهرة القول به بل ادعى الاجماع عليه في الخلاف، وقد عرفت ان الخلاف في هذه المسألة غير واضح لما قدمنا ذكره. وكيف كان فانه وان كان الظاهر هو الاستحباب إلا ان الاحتياط في الدين والخروج من العهدة بيقين الموجب للدخول في زمرة المتقين يقتضى المحافطة على الاتيان به وعدم التهاون به، لما في جملة من الاخبار من مزيد التأكيد فيه على وجه يكاد ان يلحقه بالواجبات كما في جملة من السنن المؤكدة، فمنها - ما يدل على اعادة الصلاة في


1) كما في بدائع الصنائع ج 1 ص 269 والمغنى ج 2 ص 345


[ 225 ]

الوقت بترك كما ورد في موثقة عمار (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينسى الغسل يوم الجمعة حتى صلى ؟ قال: ان كان في وقت فعليه ان يغتسل ويعيد الصلاة وان مضى الوقت فقد جازت صلاته " وروى الشيخ في الموثق عن سهل بن اليسع (2) " انه سأل ابا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يدع غسل الجمعة ناسيا أو غير ذلك ؟ قال ان كان ناسيا فقد تمت صلاته وان كان متعمدا فالغسل احب الي وان هو فعل فليستغفر الله ولا يعد " وروى أبو بصير (3) " انه سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يدع غسل يوم الجمعة ناسيا أو متعمدا ؟ فقال ان كان ناسيا فقد تمت صلاته وان كان متعمدا فليستغفر الله تعالى ولا يعد " وظواهر هذه الاخبار - كما ترى - دالة على ان تركه يوجب نقصا وخللا في الصلاة ولو في نقصان ثوابها ونقصا في الدين والامر بالاستغفار الذي لا يترتب إلا على الذنب، فالاحتياط في الدين يقتضى المحافظة على الاتيان به، هذا مع ما فيه من مزيد الطهارة كما رواه في الكافي والتهذيب عن الاصبغ (4) قال: " كان امير المؤمنين (عليه السلام) إذا اراد ان يوبخ الرجل يقول والله لانت اعجز من تارك الغسل يوم الجمعة فانه لا يزال في طهر إلى الجمعة الاخرى " وروى الشيخ عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " من اغتسل يوم الجمعة فقال: اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله اللهم صل على محمد وآل محمد واجعلني من المتطهرين، كان له طهرا من الجمعة إلى الجمعة ". تنبيهات (الاول) - قد صرح الاصحاب بان وقت الغسل المذكور ما بين الفجر إلى الزوال وانه كلما قرب إلى الزوال كان افضل، وعن الشيخ في الخلاف إلى ان يصلي الجمعة


1) و 3) رواه في الوسائل في الباب 8 من ابواب الاغسال المسنونة 2) و 4) رواه في الوسائل في الباب 7 من ابواب الاغسال المسنونة 5) رواه في الوسائل في الباب 12 من ابواب الاغسال المسنونة


[ 226 ]

اقول: اما ان وقته من طلوع الفجر فيدل عليه ان الغسل وقع مضافا إلى اليوم ولا ريب ان مبدأ اليوم هو طلوع الفجر شرعا ولغة وعرفا فلا يجزئ قبله، وما رواه في الكافي عن زرارة والفضيل في الحسن (1) قالا: " قلنا له أيجزئ إذا اغتسلت بعد الفجر للجمعة ؟ فقال: نعم " ورواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب حريز ابن عبد الله عن الفضيل وزرارة عن الباقر (عليه السلام) مثله (2) وحينئذ فيندفع عنه غشاوة الاضمار وان كان الاضمار مثل هذين العمدتين غير ضائر لانه من المعلوم انهما وامثالهما لا يعتمدون على غير الامام (عليه السلام) وفى الفقه الرضوي " ويجزيك إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر وكلما قرب من الزوال فهو افضل " وفي رواية زرارة عن احدهما (عليهما السلام) (3) " إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر اجزأك غسلك ذلك للجنابة والجمعة. الحديث " والظاهر ان الحكم اجماعي. واما ان آخر وقته الزوال فقال في المعتبر ان عليه اجماع الناس، وهو يؤذن بدعوى الاتفاق عليه من الخاصة والعامة، ويدل عليه حسنة زرارة عن الباقر (عليه السلام) (4) قال: " لا تدع الغسل يوم الجمعة فانه سنة، وقد تقدم إلى ان قال: وليكن فراغك من الغسل قبل الزوال فإذا زالت فقم وعليك السكينة والوقار. الحديث " وقد تقدم في عبارة كتاب الفقه الرضوي " وافضل اوقاته قبل الزوال " ويؤيده ايضا ما رواه الشيخ عن محمد بن عبد الله عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " كانت الانصار تعمل في نواضحها واموالها فإذا كان يوم الجمعة جاءوا فتأذى الناس بارواح آباطهم واجسادهم فامرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالغسل يوم الجمعة فجرت بذلك


1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 11 من ابواب الاغسال المسنونة 3) رواه في الوسائل في الباب 31 من ابواب الاغسال المسنونة 4) رواه في الوسائل في الباب 47 من ابواب الاغسال المسنونة 5) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب الاغسال المسنونة


[ 227 ]

السنة " ورواه في الفقيه ايضا في باب غسل يوم الجمعة، ويدل عليه ايضا ما رواه الشيخ عن سماعة بن مهران عن الصادق (عليه السلام) (1) " في الرجل لا يغتسل يوم الجمعة في اول النهار ؟ قال يقضيه في آخر النهار فان لم يجد فليقضه يوم السبت " والمتبادر من القضاء هو فعل الشئ الموقت خارج وقته، واحتمال مجرد الفعل وان امكن إلا ان الظاهر بعده إذ الظاهر ان لفظ القضاء في الموضعين بمعنى واحد، واللازم من هذا الاحتمال جعل الاول بمعنى مجرد الفعل والثاني مع التخصيص بخارج الوقت ولا يخلو من منافرة، وبهذا الخبر استدل في المعتبر على ذلك بعد عبارته المتقدمة وهو مبني على ما ذكرناه، وبذلك يظهر ان ما ذكره بعض فضلاء متأخرى المتأخرين - من انه لولا الاجماع على الحكم لامكن القول بامتداده إلى الليل لاطلاق اليوم في الروايات وجواز حمل الامر في رواية زرارة على الافضلية - بعيد عن ظاهر هذه الاخبار فانها بضم بعضها إلى بعض ظاهرة الدلالة على الامتداد إلى الزوال خاصة وبها تقيد اخبار اليوم التي ادعى اطلاقها، نعم روى شيخنا المجلسي في البحار عن قرب الاسناد انه روى فيه عن احمد بن محمد بن عيسى عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن الرضا (عليه السلام) (2) قال: " كان ابي يغتسل الجمعة عند الزواج، وهو ظاهر في اغتساله آخر النهار لانه معنى الرواح لغة، وقال شيخنا المشار إليه بعد نقل الخبر المذكور: " الرواح العشي أو من الزوال إلى الليل ذكره الفيروز آبادي " ولم يتعرض للجواب عن الخبر المذكور بشئ وهو مشكل. واما ما نقل عن الشيخ من ان غايته صلاة الجمعة فاستحسنه في المدارك قال: " وقال الشيخ في الخلاف يمتد إلى ان تصلى الجمعة. وهو حسن تمسكا بمقتضى الاطلاق، والتفاتا إلى ان ذلك محصل للغرض المطلوب من الغسل، وحملا للامر بايقاعه قبل الزوال في الرواية السابقة على تأكد الاستحباب " انتهى.


1) رواه في الوسائل في الباب 10 من ابواب الاغسال المسنونة 2) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب الاغسال المسنونة


[ 228 ]

اقول: فيه (اولا) - ان مقتضى الاطلاق المذكور الامتداد إلى آخر النهار لا إلى هذا الحد بخصوصه، وهو لا يقول به. و (ثانيا) - ان هذا الاطلاق يجب تقييده بما ذكرناه من الاخبار ولا سيما حسنة زرارة المذكورة الدالة صريحا على الامر بايقاعه قبل الزوال، وتأويل الرواية المذكورة سيما مع وجود المعاضد لها بما ذكره فرع وجود المعارض وليس إلا اطلاق تلك الاخبار، وقضية حمل المطلق على المقيد توجب الوقوف على ظهر الحسنة المذكورة، على انك قد عرفت ان العمل بذلك الاطلاق لا قائل به، والقول به في هذه الصورة المخصوصة تخصيص بلا مخصص. و (ثالثا) - ان صريح الحسنة المشار إليها كون الغاية الزوال، وحينئذ فالقول بان غايته الصلاة ان اريد به وقتها فهو اول الزوال كما دلت عليه صحاح الاخبار وصراحها فيجب ان يكون الغسل قبله، وان اريد به وقوعها بالفعل فانه يلزم على هذا انه لو لم تصل الجمعة لم يكن غسل، وهو مما لا يقول به احد مع ظهور الاخبار في خلافه، وبه يظهر ان الواجب حمل كلام الشيخ على ما يوافق المشهور بجعل صلاة الجمعة كناية عن وقتها وهو الزوال. واما انه كلما قرب من الزوال كان افضل فقد اعترف جملة من افاضل متأخرى المتأخرين بعدم الوقوف على مستنده، هو كذلك فاني لم اقف عليه إلا في كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه كما اسلفنا نقله في عبارته، وهذا من جملة خصوصيات الكتاب المذكور، والمتقدمون قد ذكروا هذا الحكم والظاهر ان المستند فيه هو الكتاب المذكور ولكن خفي ذلك على المتأخرين لعدم وصول الكتاب إليهم، وبعبارة الكتاب المتقدمة عبر الصدوق في الفقيه، والظاهر ان اباه في الرسالة كذلك ايضا وان لم تحضرني الان عبارته. والله العالم. (الثاني) المشهور بين الاصحاب انه لو فاته الغسل قبل الزوال قضاه بعد


[ 229 ]

الزوال أو في يوم السبت عمدا كان أو نسيانا لعذر أو لا لعذر، وظاهر الصدوق في الفقيه اشتراطه بالنسيان أو العذر قال: " ومن نسي الغسل أو فاته لعلة فليغتسل بعد العصر أو يوم السبت " ويدل على ما ذكره مرسلة حريز عن بعض اصحابنا عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " لابد من غسل يوم الجمعة في السفر والحضر فمن نسي فليعد من الغد " ويدل على القول المشهور موثقة سماعة عن الصادق (عليه السلام) (2) " في الرجل لا يغتسل يوم الجمعة في اول النهار ؟ قال يقضيه في آخر النهار فان لم يجد فليقضه يوم السبت " وموثقة ابن بكير عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن رجل فاته الغسل يوم الجمعة ؟ قال يغتسل ما بينه وبين الليل فان فاته اغتسل يوم السبت " وفى الفقه الرضوي (4) " وان نسيت الغسل ثم ذكرت وقت العصر أو من الغد فاغتسل ثم قال (عليه السلام) بعد كلام في البين: وافضل اوقاته قبل الزوال، إلى ان قال: وان فاتك الغسل يوم الجمعة قضيت يوم السبت أو بعده من ايام الجمعة " وظاهره - كما ترى - جواز القضاء في ايام الاسبوع، فان المراد بالجمعة هنا الاسبوع كما وقع الاطلاق بذلك في جملة من الاخبار، ولم اقف على من قال بذلك ولا على خبر غيره يدل عليه، وكيف كان فالظاهر هو القول المشهور. واما ما رواه ذريح عن الصادق (عليه السلام) (5) " في الرجل هل يقضي غسل الجمعة ؟ قال لا " فان الظاهر حمله على نفى الوجوب جمعا، قال في المدارك: بعد ذكر موثقتي سماعة وابن بكير دليلا للقول المشهور: " ومقتضى الروايات استحباب قضائه من وقت فوات الاداء إلى آخر السبت فلا وجه لاخلال المصنف بذلك. ويمكن المناقشة في هذا الحكم بضعف مستنده وبانه معارض بما رواه في التهذيب عن سعد بن عبد الله عن محمد بن الحسين عن معاوية بن حكيم عن عبد الله بن المغيرة عن ذريح عن


1) و 2) و 3) و 5) رواه في الوسائل في الباب 10 من ابواب الاغسال المسنونة 4) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب الاغسال المسنونة


[ 230 ]

ابي عبد الله (عليه السلام) ثم اورد الرواية المذكورة قال: ومقتضاه عدم مشروعية القضاء وهو اوضح سندا من الخبرين السابقين الا ان عمل الاصحاب عليهما " انتهى. اقول: اما ما ذكره من ان مقتضى الروايات استحباب قضائه من وقت فوات الاداء إلى آخر السبت فانه يعطي بظاهره ان الاخبار دلت على القضاء ليلة السبت ايضا مع انه ليس كذلك، فان المستفاد من صريحها تخصيص القضاء بما بعد الزوال إلى آخر النهار ويوم السبت، وحينئذ فما يشعر به كلامه من ادعاء القضاء ليلة السبت محل نظر، وقد صرح بذلك جملة من الاصحاب فاعترفوا بعد وجود النص على القضاء فيها، قال شيخنا المجلسي في البحار: " وظاهر الاكثر استحباب القضاء ليلة السبت ايضا والاخبار خالية عنه وان امكن ان يراد بيوم السبت ما يشتمل الليل لكن لا يمكن الاستدلال به، والاولوية ممنوعة لاحتمال اشتراط المماثلة " انتهى والى ذلك اشار ايضا في الذخيرة فقال: " وهل يلحق بما ذكر ليلة السبت ؟ قيل نعم وهو خروج عن النصوص " واما ما ذكره من قوله: " ويمكن المناقشة. الخ " ففيه ايضا ان الظاهر ان هذا من جملة المناقشات الواهية (اما اولا) - فلان معاوية بن حكيم الذي في سند هذا الخبر وان وثقه النجاشي إلا ان الكشي قد صرح بكونه فطحيا في موضعين احدهما في ترجمته وثانيهما في ترجمة محمد بن الوليد عده مع جماعة من الفطحية وان وصفهم بالعدالة فحديثه لا يخرج عن الموثق الذي لا يزال يعده في الضعيف، وترجيحه على عبد الله بن بكير والحسن بن علي بن فضال الذين قد ورد في حقهما من المدح ما هو مذكور في محله مما لا يخفى ما فيه، وفي سند هذا الخبر ايضا ذريح المحاربي وهو ليس بموثق والاخبار متعارضة في مدحه وذمه كما لا يخفى على من لاحظ كتب الرجال وان كان لمدحه نوع رجحان، وبالجملة فان ترجيحها على ما ذكره من الاخبار فضلا عما نقلناه ممنوع اتم المنع. و (ثانيا) - ان كافة الاصحاب من اصحاب هذا الاصطلاح وغيرهم قد اعراضوا عن هذه الرواية كما اعترف به وهو اظهر ظاهر في سقوطها وان سلمنا صحة سندها واعتباره


[ 231 ]

كما ادعاه، وهو دليل على ضعف اصطلاحه الذي لا يزال يحامي دونه. وبالجملة فالاظهر كما عرفت هو حمل الخبر المذكور على ما قدمنا ذكره، وربما حمل على عدم العذر بناء على ما ذكره الصدوق من تخصيص القضاء بصورة النسيان والعذر فمع عدمهما لا قضاء. وهو جيد لو ثبت ما ادعاه وإلا فالحمل عليه بعيد. والله العالم.

(الثالث) - لا خلاف بين الاصحاب في جواز تعجيله يوم الخميس لمن خاف عوز الماء يوم الجمعة، والاصل فيه ما رواه الشيخ عن محمد بن الحسين عن بعض اصحابه عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " قال لاصحابه انكم تأتون غدا منزلا ليس فيه ماء فاغتسلوا اليوم لغد، فاغتسلنا يوم الخميس للجمعة " وما رواه ايضا عن الحسين بن موسى بن جعفر عن امه وام احمد بن موسى بن جعفر (عليه السلام) (2) قالتا: " كنا مع ابي الحسن (عليه السلام) بالبداية ونحن نريد بغداد فقال لنا يوم الخميس: اغتسلا اليوم لغد يوم الجمعة فان الماء غدا بها قليل، فاغتسلنا يوم الخميس ليوم الجمعة " وقد تقدم في عبارة كتاب الفقه " وان كنت مسافرا وتخوفت عدم الماء يوم الجمعة اغتسلت يوم الخميس. الحديث " وجوز الشيخ وجماعة: منهم - الشهيد الثاني التقديم مع خوف الفوات مطلقا ومورد الخبرين التقديم لخوف اعواز الماء خاصة لا التعذر مطلقا، قال في المدارك: " والظاهر ان ليلة الجمعة كيوم الخميس فلا يجوز تقديمه فيها إلا إذا خاف عوز الماء وبه قطع في الخلاف مدعيا الاجماع " اقول: وهذا من قبيل ما تقدم له من قوله بالقضاء ليلة السبت مع عدم الدليل عليه بل ظهور الدليل في عدمه، وليت شعري من اين حصلت له هذه الظاهرية مع اختصاص موارد النصوص بيوم الخميس والتعدي عنه يحتاج إلى دليل ؟ ولو تمكن من قدمه يوم الخميس من الماء يوم الجمعة فقد صرح جملة من الاصحاب: منهم - الصدوق باستحباب الاعادة، ولم اقف فيه على نص ولعل المستند فيه عموم الادلة، ويمكن ان يقال ان جواز التقديم على خلاف الاصل فيقتصر فيه على


1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 9 من ابواب الاغسال المسنونة


[ 232 ]

مورده من عدم الماء ومع وجود الماء يرجع إلى اصل الحكم في المسألة وعموم الادلة الدالة على استحباب الغسل يوم الجمعة أو وجوبه. فائدة قال الصدوق في الفقيه: " ويجزئ الغسل للجمعة كما يكون للزواج والوضوء فيه قبل الغسل " اقول: قد اختلفت نسخ الكتاب في ضبط هذه الكلمة اعني قوله " للزواج " ففي بعضها بالزاى المعجمة والجيم ويؤيده ما حكاه الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني قال: قال بعض الاعلام سمعت الشيخ العالم الصالح الشيخ علي بن سليمان البحراني انه كانت عند شيخنا العلامة البهائي نسخة قديمة مصححة وفيها " للزواج " بالزاى والجيم وهو الذي ضبطه الفاضل المحدث الكاشاني في المحجة البيضاء، ويؤيد ذلك ايضا ما ذكره المحقق العماد مير محمد باقر الداماد في تعليقاته على الكتاب، قال: الصواب ضبط هذه اللفظة بالزاى قبل الواو والجيم بعد الالف وهو الذى سمعناه من الشيوخ ورأيناه في النسخ. انتهى. وظاهر هذا الكلام انكار ما عدا هذه النسخة. وفى بعض النسخ بالراء والحاء المهملتين، وارتضاه بعض المحققين وقال ان هذه هي النسخة المعتبرة، قال لان الرواح على ما في القاموس من الزوال إلى الليل أو إلى العشي، فمراده حينئذ ان الغسل يجزئ للجمعة من طلوع الفجر كما يجزئ من الزوال. قيل وفيه رد على مالك حيث ذهب إلى انه لا يعتد بالغسل إلا ان يتصل بالرواح إلى صلاة الجمعة مستدلا بقول النبي (صلى الله عليه وآله) " من جاء بالجمعة فليغتسل (1) " ولا يخفى انه ليس فيه دلالة على اتصال الغسل بصلاة الجمعة. قيل وحينئذ فاللام بناء على هذه النسخة لام التوقيت


1) كما في المدونة لمالك ج 1 ص 136 وفتح الباري لابن حجر ج 2 ص 243. وروى الحديث صاحب الوسائل في الباب 6 من الاغسال المسنونة والبخاري باب فضل الغسل يوم الجمعة والنسائي ج 1 ص 204 ومسلم ج 1 ص 3131 وابن ماجة ج 1 ص 338 والترمذي في السنن على شرحه لابن العريى ج 2 ص 278 على اختلاف بسيط في لفظ الحديث


[ 233 ]

والمقارنة كما يقال كتبته لخمس خلون لا لام العاقبة كما ظن. وكيف كان فانه لا يخفى ما في توجيه هذه النسخة من البعد بل السخافة وركاكة النظم والاسلوب، واما على تقدير النسخة الاولى فقيل ان المعنى ان غسل الجمعة يجزئ عن غسل الجنابة وهو الذي جزم به المحدث الكاشاني في المحجة البيضاء حيث قال: اما قوله: " ويجزئ الغسل للجمعة كما يكون للزواج " فمعناه انه يجزئ لهما غسل واحد، وهذا حق فان الصحيح تداخل بعضها بعضا إذا اجتمعت اسبابها كالوضوء، ويدل على ذلك الروايات الصحيحة عن اهل البيت (عليهم السلام) انتهى وقيل ان المعنى ان الغسل من الجنابة كما يكون للجنابة على قصد رفع الحدث ونية الوجوب أو مطلقا يكون بعينه مجزئا عن الغسل للجمعة ومسقطا للجنابة على اسبغ الوجوه، لما روي صحيحا عن الصادق (عليه السلام) (1) انه قال: " إذا اجتمعت لله عليك حقوق اجزأك عنها غسل واحد " ولا ينعكس اي لا يكون الغسل للجمعة بما هو غسل للجمعة مجزئا عن الغسل للجنابة ومسقطا للتكليف به على قصد نية الوجوب وقصد رفع الحدث أو استباحة العبادة المشروطة به. والى هذا ذهب بعض المحققين في تعليقاته على الكتاب. ولا يخفى بعده. اقول: هذا كله بناء على قطع جملة قوله: " والوضوء فيه قبل الغسل " عن هذا الكلام وجعلها جملة مستأنفة في بيان وجوب الوضوء مع غسل الجمعة كما هو المشهور من وجوب الوضوء في جميع الاغسال ما عدا غسل الجنابة، واما مع ارتباط هذه الجملة بهذا الكلام كما فهمه المحقق خليفة سلطان في حواشيه على الكتاب فالوجه فيه ما ذكره (قدس سره) حيث قال: كذا في اكثر النسخ والظاهر ان المراد انه يجزئ الغسل للجمعة بكيفية غسل الجنابة فالمراد بالزواج الجنابة والغرض من التشبيه بيان كيفية غسل الجمعة واعماله بانه مثل الجنابة إلا ان فيه الوضوء قبل الغسل. وقيل ان المراد انه يجزئ نية غسل الجنابة عن غسل الجمعة ويترتب اثره عليه. وفي بعض النسخ بالراء المهملة والحاء والمراد منه ما بعد الزوال مقابل الصباح، وغاية توجيهه ان يكون المراد انه يجزئ الغسل في يوم


1) رواه في الوسائل في الباب 43 من ابواب الجنابة


[ 234 ]

السبت للجمعة كما يكون في رواح يوم الجمعة للجمعة. انتهى. اقول: واقرب هذه الوجوه المذكورة عندي ما ذكره هذا المحقق من ان الغرض من هذا الكلام بيان كيفية غسل الجمعة وانه مثل غسل الجنابة إلا ان فيه الوضوء قبل الغسل، وما عداه من الوجوه فانه يحتاج إلى مزيد تكلف وان كان بعضها اقل من بعض. هذا، وقد روى الحميري في قرب الاسناد عن احمد بن محمد عن البزنطي عن الرضا (عليه السلام) (1) قال: " كان ابي يغتسل يوم الجمعة عند الرواح " وفي القاموس " الرواح العشي أو من الزوال إلى الليل " ولعل المراد من الخبر المذكور انما هو الرواح إلى صلاة الجمعة ولعله يكون قبيل الزوال فيكون فيه دلالة على ما تقدم من ان افضله ما قرب من الزوال. والله العالم ختام يحصل به الاكمال لابحاث هذا المطلب والاتمام، وفيه مسائل:

(الاولى) - المشهور بين الاصحاب وجوب الوضوء في جميع هذه الاغسال ما عدا غسل الجنابة متى ما اراد الدخول في مشروط بالطهارة كالصلاة ونحوها، وقد تقدم البحث في هذه المسألة مستوفى في المقصد الخامس من مقاصد فصل غسل الجنابة (2).

(الثانية) - اختلف الاصحاب في التداخل وعدمه بين هذه الاغسال وقد تقدم تحقيق القول في هذه المسألة مستوفى في بحث نية الوضوء. (3).

(الثالثة) - قد قسم الاصحاب ما ذكروه من الاغسال في هذا المقام إلى ما يكون للزمان وما يكون للفعل وما يكون للمكان إلا انهم لم يستوفوا الاغسال التي ذكرناها، والذي يكون للزمان مما ذكرناه اغسال شهر رمضان وهي اربعة عشر غسلا وغسل يوم الجمعة وغسل ليلة الفطر وغسل يومه وغسل عيد الاضحى وغسل ليلة النصف من شعبان ويوم النيروز ويوم الغدير ويوم المباهلة بناء على القول المشهور وثلاثة اغسال في رجب كما تقدم وغسل يوم عرفة ويوم التروية، فهذه سبعة وعشرون غسلا الزمان،


1) رواه في الوسائل في الباب 6 و 11 من ابواب الاغسال المسنونة 2) ج 2 ص 118 3) ج 2 ص 196


[ 235 ]

وقد تقدم في غسل العيدين ان ظاهر موثقة عمار الساباطي ان الغسل انما هو للصلاة، فعلى هذا يكون هذا الغسل من الاغسال للفعل. واما الغسل للفعل فغسل الاحرام وغسل الزيارة بجميع انواع الزيارات التي روي فيها الغسل من زيارة النبي (صلى الله عليه وآله) أو احد الائمة (عليهم السلام) وغسل قضاء صلاة الكسوف وغسل التوبة وغسل صلاة الحاجة وصلاة الاستخارة وغسل السعي إلى رؤية المصلوب وغسل قتل الوزغ وغسل اخذ التربة وغسل المولود وغسل الاستسقاء، فهذه احد عشر غسلا للفعل. واما الغسل للمكان فالغسل لدخول الحرم والغسل لدخول مكة ولدخول المسجد ولدخول البيت ودخول المدينة ودخول المسجد النبي (صلى الله عليه وآله) فهذه ستة اغسال للمكان يكون مجموع هذه الاغسال اربعة واربعين غسلا. وزاد في الدروس الغسل يوم دحو الارض، وقال في الذكرى: وذكر الاصحاب لدحو الارض الخامس والعشرين من ذي القعدة. انتهى. وهو مؤذن بعدم النص عليه، قال الفاضل الخوانسارى في شرح الدروس بعد نقل ذلك عن الذكرى " ولا بأس به " اقول: بل البأس اظهر ظاهر فانها عبادة تتوقف مشروعيتها على دليل من الشارع إلا ان يجعل مجرد ذكر الاصحاب دليلا شرعيا، ولا اراه يلتزمه. وذكر ايضا يوم المبعث وهو اليوم السابع والعشرون من رجب وذكره غيره ايضا، وقد اعترف جملة من الاصحاب بعدم الوقوف فيه على نص، وقال في الذكرى: وليلة نصف رجب والمبعث مشهوران ولم يصل الينا نص فيهما. وقال في المعتبر بعد نقله عنهم الغسل ليلة النصف من رجب ويوم المبعث: وربما كان لشرف الوقتين والغسل مستحب مطلقا فلا بأس بالمتابعة فيه. انتهى. وفيه انا لم نقف على ما ادعاه من استحباب الغسل مطلقا ليتم له التقريب في هذا المقام وامثاله، نعم ذلك في الوضوء خاصة، والذى وصل الينا من الاغسال في رجب ما قدمناه وان ضعف سنده باصطلاحهم وليلة النصف من جملته. وذلك في الدروس يوم مولد النبي (صلى الله عليه وآله) والامر فيه كما في هذه المذكورات من عدم الوقوف على مستنده. وذكر


[ 236 ]

ايضا الطواف ورمي الجمار، والامر فيه كذلك فاني لم اقف له على مستند إلا انه قد ورد في رواية علي بن حمزة عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال: " قال لي ان اغتسلت بمكة ثم نمت قبل ان تطوف فاعد غسلك " وربما اشعر بكون الغسل للطواف إلا انه يمكن حمله على طواف الزيارة فانه بالدخول للطواف تحصل زيارة البيت، وقد ورد استحباب الغسل لزيارة البيت كما تقدم والغسل لدخول المسجد، والظاهر ان غسل دخول المسجد هو غسل زيارة البيت، واما غسل دخول البيت فهو زائد عليهما. وقال ابن الجنيد يستحب لكل مشهد أو مكان شريف أو يوم وليلة شريفة وعند ظهور الاثار في السماء وعند كل فعل يتقرب فيه إلى الله تعالى ويلجأ فيه إليه. وقال المفيد في الغرية يستحب الغسل لرمي الجمار، والعلامة للافاقة من الجنون لما قيل انه يمنى، قال في الذكرى بعد نقل ذلك عنه: والحكم لا نعرفه والتعليل لا نثبته، نعم روى العامة (2) " ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يغمى عليه في مرض موته فيغتسل " فيكون الجنون بطريق اولى، وظاهر ضعف هذا التمسك، ولو صح الاول كان غسلا وينوى به رفع الجنابة وخصوصا عنده لاشتراطة في نية الطهارة كما ينوى في غسل واجدي المنى على الفراش المشترك. انتهى. وذهب في التهذيب إلى استحباب الغسل لمن مس ميتا بعد الغسل لخبر عمار عن الصادق (عليه السلام) (3) واستحب فيه الغسل لمن مات جنبا مقدما على غسل الميت لخبر العيص عن الصادق (عليه السلام) (4) واستحبه ابن زهرة لصلاة الشكر، والمفيد في الاشراف لمن اهرق عليه ماء غالب النجاسة، والشيخ الحر في الوسائل


1) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب مقدمات الطواف 2) رواه ابن تيمية في منتفى الاخبار على هامش نيل الاوطار ج 1 ص 212 3) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب غسل الميت 4) رواه في الوسائل في الباب 31 من ابواب غسل الميت


[ 237 ]

لطيب المرأة لغير زوجها مستندا إلى ما رواه الكليني عن سعد بن عمر الجلاب (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) ايما امرأة باتت وزوجها عليها ساخط في حق لم تقبل منها صلاة حتى يرضى عنها، وايما امرأة تطيبت لغير زوجها لم يقبل الله منها صلاة حتى تغتسل من طيبها كغسلها من جنابتها " اقول: الظاهر ان المراد بالاغتسال في الخبر انما هو غسل الطيب وازالته عن بدنها بان تبالغ فيه كما تبالغ في غسلها من جنابتها بايصال الماء إلى جميع بدنها وشعرها. والله العالم.

(الرابعة) - قال في الذكرى: وروى بكير بن اعين عنه (عليه السلام) قضاء غسل ليالي الافراد بعد الفجر لمن فاته ليلا. وقال في الدروس ويقضى غسل ليالي الافراد الثلاث بعد الفجر لرواية بكير عن الصادق (عليه السلام). والظاهر انه اشار بالرواية المذكورة إلى ما رواه الشيخ في التهذيب عنه (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) في اي الليالي اغتسل في شهر رمضان ؟ قال في تسع عشرة وفى احدى وعشرين وفى ثلاث وعشرين، والغسل في اول الليل. قلت فان نام بعد الغسل ؟ قال هو مثل غسل يوم الجمعة إذا اغتسلت بعد الفجر اجزأك " وانت خبير بان هذا الخبر لا دلالة فيه على ما ذكره بوجه فان معناه الظاهر لكل ناظر انما هو ان الغسل من اول الليل يجزئ إلى آخره وان نام بعده كما ان غسل الجمعة مجزئ متى اغتسل بعد الفجر وان نام أو احدث بعد ذلك، ولم نقف على رواية في الباب غير هذه، فما ذكره من دعوى قضاء غسل هذه الليالي لا اعرف له وجها، على انما قدمنا نقله من الرواية التي اشار إليه (عليه السلام) في كتاب الفقه ظاهرة في عدم القضاء، حيث قال: " وروي ان الغسل اربعة عشر وجها، إلى ان قال: واحد عشر سنة، ثم عدها وعد منها ليلة تسع عشرة وليلة احدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين، ثم قال: ومت ما نسي بعضها أو


1) رواه في الوسائل في الباب 80 من ابواب مقدمات النكاح 2) رواه في الوسائل في الباب 1 و 11 من ابواب من ابواب الاغسال المسنونة 3) ص 4


[ 238 ]

اضطر أو به علة تمنعه من الغسل فلا اعادة عليه " وروى في قرب الاسناد الخبر المذكور عن محمد بن الوليد عن ابن بكير (1): " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن الغسل في شهر رمضان، إلى ان قال والغسل اول الليل. قلت فان نام بعد الغسل ؟ قال فقال أليس هو مثل غسل يوم الجمعة إذا اغتسلت بعد الفجر كفاك. " وهو ظاهر في المعنى الذي ذكرناه.

(الخامسة) - قال في الذكرى: كل غسل لزمان فهو طرفه ولمكان أو فعل فقبله إلا غسل التوبة والمصلوب، وفى التقديم لخائف الاعواز والقضاء لمن فاته نظر، ولعلهما اقرب، وقد نبه عليه في غسل الاحرام وفى رواية بكير السالفة، وذكر المفيد قضاء غسل عرفة. انتهى. اقول: اما ما ذكره من ان الغسل الزماني ظرفه ذلك الزمان فلا اشكال فيه، وعلى هذا فمتى اتى به فيه فقد خلت العهدة من الخطاب باستحبابه وان احدث أو نام بعده، وقد تقدم في رواية بكير ما يدل على ذلك بالتقريب الذي اشرنا إليه، ومثلها ايضا صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (2 انه قال: " الغسل في ثلاث ليال من شهر رمضان: في تسع عشرة واحدى وعشرين وثلاث وعشرين، وقال والغسل في اول الليل وهو يجزئ إلى آخره " وهو في معنى رواية بكير المتقدمة بالنسبة إلى الليالي الثلاث المذكورة، وحاصلها انه متى اغتسل في اول الليل فانه مجزئ في اداء سنة الغسل في هذه الليلة إلى آخرها وان نام أو احدث بعد ذلك. واما ما ذكره من ان الغسل للمكان والفعل قبله إلا ما استثناه فهو جيد ايضا، لان المقصود من الغسل هو الاتيان بالافعال المذكورة أو دخول تلك الامكنة الراجع إلى الافعال في الحقيقة بطهارة الغسل وان يكون متطهرا لمزيد احترامها وفضلها، ومقتضاه حينئذ انه لو احدث أو نام بعد الغسل وقبل تلك الغاية فانه يستحب له الاعادة


1) رواه في الوسائل في الباب 1 و 11 من ابواب الاغسال المسنونة 2) رواه في الوسائل في الباب 4 من ابواب الاغسال المسنونة


[ 239 ]

وبذلك صرح شيخنا المشار إليه في الذكرى ايضا فقال: الاقرب اعادة غسل الفعل بتخلل الحدث، وقد ذكر في دخول مكة وفى النوم في الاحرام، ولو احدث في الاثناء فالاعادة اولى. انتهى. واما ما اشار به إلى ما ورد في دخول مكة فالظاهر انه ما رواه عبد الرحمان بن الحجاج في الصحيح (1) قال: " سألت أبا ابراهيم (عليه السلام) عن الرجل يغتسل لدخول مكة ثم ينام فيتوضأ قبل ان يدخل أيجزيه ذلك أو يعيد ؟ قال لا يجزيه لانه انما دخل بوضوء " ونحوها غيرها مما سيأتي ان شاء الله تعالى في كتاب الحج ونحو ذلك ما ورد في غسل الاحرام وانتفاضة بالنوم كما اشار إليه من صحيحة النضر بن سويد عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل يغتسل للاحرام ثم ينام قبل ان يحرم ؟ قال عليه اعادة الغسل " واما ما روي في جملة من الاخبار من ان من اغتسل بعد طلوع الفجر اجزأه إلى الليل في كل موضع يجب فيه الغسل (3) وكذا ما ورد من ان غسل يومه يجزيه لليلته وغسل ليلته يجزيه ليومه (4) فالظاهر تقييده بعدم تخلل الحدث لما رواه الشيخ عن اسحاق بن عمار عن ابي الحسن (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن غسل الزيارة يغتسل بالنهار ويزور بالليل بغسل واحد ؟ قال يجزيه ان لم يحدث فان احدث ما يوجب وضوء فليعد غسله " وروى في الكافي عن اسحاق بن عمار في الموثق عن ابي الحسن (عليه السلام) مثله (6) إلا انه قال: " يغتسل الرجل بالليل ويزور بالليل إلى ان قال في آخر الخبر: فليعد غسله بالليل " وبما ذكرناه من اعادة الغسل بتخلل الحدث مطلقا صرح الشهيدان إلا انهما جعلا ما عدا النوم ملحقا به مع دلالة روايتي اسحاق بن عمار على مطلق الحدث كما ترى، والمشهور في كلام الاصحاب الاكتفاء بالغسل الاول وان احدث بعده، وسيأتي في كتاب الحج ان شاء الله تعالى


1) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب مقدمات الطواف 2) رواه في الوسائل في الباب 10 من ابواب الاحرام 3) و 4) رواه في الوسائل في الباب 9 من ابواب الاحرام 5) و 6) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب زيارة البيت


[ 240 ]

ما يفي بتحقيق المقام. واما ما استثناه في الكلام المتقدم بالنسبة إلى تقديم الغسل من غسل التوبة والمصلوب فالظاهر ان الوجه فيه هو ان ما عدا موضع الاستثناء قد جعل في الاخبار غاية للغسل بمعنى انه يستحب ان يوقعه عن غسل فهو يقتضي تقديم الغسل البتة، ولهذا تستحب الاعادة لو احدث قبل ايقاعه كما تقدم، واما موضع الاستثناء فالظاهر منها انه سبب في الغسل وقضية السببية تأخير الغسل عنه، إلا انه يدخل في ذلك ايضا قتل الوزغ فانه سبب في استحباب الغسل فكان الواجب ذكره. بقي هنا شئ وهو ان استثناء غسل التوبة من الضابطة المذكورة مبني على كون التوبة سببا في الغسل لوجوب الفورية فيها، ومن المحتمل قريبا ان الغسل انما هو لصلاة التوبة كما هو ظاهر الخبر المتقدم، وعلى هذا فيكون الغسل متقدما وداخلا في الضابطة المذكورة، ويأتي مثله ايضا في غسل الكسوف فانه يحتمل ان يكون لقضاء صلاة الكسوف فيدخل في الضابطة المذكورة، ويحتمل ان يكون لتركه الصلاة وهو الاقرب إلى ظاهر النص، وعلى هذا فيحتاج إلى الاستثناء كهذه المستثنيات، ومقتضى ذلك اما ذكره مع غسل التوبة في الاستثناء أو عدم استثناء غسل التوبة من الضابطة، فان الحال في المقامين واحد كما شرحناه. واما ما قربه من التقديم لخائف الاعواز والقضاء لمن فاته فالظاهر بعده لان الغسل عبادة شرعية يتوقف فعله على ما رسمه صاحب الشريعة من الزمان والمكان ونحوهما من الخصوصيات ووروده في موضع لا يستلزم اطراده، والذى ورد في الاخبار قضاء غسل الجمعة وجواز تقديمه لخوف الاعواز وغسل الاحرام، وما عداهما فلم نقف له على مستند، وما اشار إليه من خبر بكير بالنسبة إلى قضاء غسل فرادى شهر رمضان الثلاث فقد عرفت ما فيه. والله العالم.

 


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>