تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ

يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الرابع


الباب الرابع

في التيمم

ولنبدأ هنا بتحقيق قد سبق لنا في معنى الاية الشريفة التي هي الاصل في فرض التيمم اعني قوله عزوجل: " ان كنتم مرض أو على سفر أو جاء احد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وايديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (1) " اقول: صدر هذه الاية هكذا: " يا ايها الذين آمنوا إذا قمتم الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وارجلكم إلى الكعبين وان كنتم جنبا فاطهروا وان كنتم مرضى. إلى آخر ما تقدم " ولما قدم سبحانه بيان حكم واجد الماء في الطهارتين من الحدث الاصغر والاكبر عطف عليه بيان حكم من لم يجد ماء أو لم يتمكن من استعماله بالنسبة اليهما ايضا فقال: " وان كنتم مرضى " - اي مرضا يضر معه استعمال الماء أو يوجب العجز عن السعي إليه، قال في مجمع البيان: وهو المروى عن السيدين الباقر والصادق (عليهما السلام) وقيل انه لا حاجة إلى التقييد لان قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء " متعلق بالجمل الاربع وهو يشمل عدم التمكن من استعماله لان الممنوع منه كالمفقود - " أو على سفر " اي متلبسين به إذ الغالب فقدان الماء في اكثر الصحارى - " أو جاء احد منكم من الغائط " وهو كناية عن الحدث إذ الغائط لغة المكان المنخفض من الارض وكانوا يقصدونه لقضاء الحاجة لتغيب فيه اشخاصهم عن اعين الناظرين كما هو السنة في ذلك فكنى سبحانه عن الحدث بالمجئ من مكانه، قيل و " أو " هنا بمعنى الواو كقوله تعالى: " وارسلناه إلى مائة الف أو يزيدون " (2) والمراد أو كنتم مسافرين وجاء احد منكم من الغائط، وبه يحصل الجواب عن الاشكال المشهور الذي اورد على ظاهر الاية وهو انه سبحانه جمع بين هذه الاشياء في الشرط المترتب عليه جزاء واحد هو الامر بالتيمم مع ان المجئ من الغائط ليس من قبيل المرض والسفر حتى يصح عطفه عليهما باو المقتضية لاستقلال كل منهما في ترتب الجزاء عليه، فان كلا من المرض والسفر سبب لاباحة التيمم والرخصة فيه والمجئ من الغائط


1) سورة المائدة. الآية 6 2) سورة الصافات. الآية 147


[ 242 ]

وما عطف عليه سبب لوجوب الطهارة، ومتى لم يجتمع احد الاخرين مع واحد من الاولين لم يترتب الجزاء وهو وجوب التيمم. واجيب عن هذا الاشكال بوجوه اخر في تفسيري البيضاوي والكشاف - " أو لا مسم النساء " والمراد جماعهن كما ورد في الاخبار ففي الكافي والعياشي عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " هو الجماع ولكن الله ستير يحب الستر ولم يسم كما يسمون " وعن الباقر (عليه السلام) (2) ".. وما يعنى بهذا " أو لامستم النساء " إلا المواقعة في الفرج " ونظير هذه الاية قوله تعالى: " وان طلقتموهن من قبل ان تمسوهن " (3) والمس واللمس بمعنى واحد كما صرح به اهل اللغة، فلا يلتفت إلى تفسير جملة من المخالفين بمطلق المس لغير محرم كما هو منقول عن الشافعي، وقيل انه مذهب عمر، وخصه مالك بما كان عن شهوة (4) - " فلم تجدوا ماء " راجع إلى المرضى والمسافرين جميعا: مسافر لا يجد الماء ومريض لا يجد من يوضئه أو يخاف الضرر من استعماله لان وجدانه مع عدم التمكن من استعماله لخوف الضرر في حكم العدم، ولو كان المراد من وجدانه ما اعم من ذلك بحيث يصدق على من يتضرر به انه واجد للماء للزم مثله في من وجد الماء في بئر يتعذر وصوله إليه أو يباع ولكن لا يقدر على شرائه انه واجد للماء مع انه ليس كذلك اجماعا، فالمراد بوجدانه في الحقيقة ما هو عبارة عن امكان استعماله، والوجه في هذا الاطلاق ان حال المرض يغلب فيها خوف الضرر من استعمال الماء وحال السفر يغلب فيها عدم وجدان الماء، وقيل ان المراد من الاية - كما هو ظاهرها الذي لا يحتاج إلى ارتكاب تجوز ولا تأويل - انما هو كون المكلف غير واجد للماء بان يكون في موضع لا ماء فيه، فيكون ترخيص من وجد الماء ولم يتمكن من استعماله في


1) رواه في عنهما المحدث الكاشادى في الصافى في التفسير آى التيمم 43 في سورة النساء 2) رواه في الوسائل في الباب 9 من ابواب نواقض الوضوء 3) سورة البقرة. الآية 238 4) كما في المغنى ج 1 ص 192 وص 193 وص 194


[ 243 ]

التيمم لمرض ونحوه مستفادا من السنة المطهرة، ويكون المرضى ونحوهم غير داخلين في خطاب " فلم تجدوا " لانهم يتيممون وان وجدوا الماء، والظاهر انها الاقرب كما لا يخفى. بقي الكلام في انه لو وجد الماء إلا انه لا يكفي الطهارة الواجبة غسلا كانت أو وضوء، والمفهوم من كلام جمهور اصحابنا (رضوان الله عليهم) هو وجوب التيمم لان الطهارة لا تتبعض، قالوا فان الظاهر من الاية عدم وجدان الماء الذي يكفي لكمال الطهارة، وايدوا ذلك بقوله عزوجل في كفارة اليمين " فمن لم يجد فصيام ثلاثة ايام " (1) أي من لم يجد اطعام عشرة مساكين ففرضه الصيام، وقد اتفقوا على انه لو وجد اطعام اقل من عشرة لم يجب عليه ذلك وانتقل فرضه إلى الصوم. وعن بعض العامة القول بالتبعيض (2) ونقله شيخنا الشهيد الثاني عن الشيخ في بعض اقواله، وعن شيخنا البهائي انه قال وللبحث فيه مجال. وانت خبير بان الاية في هذا المقام لا تخلو من الاجمال الموجب لتعدد الاحتمال إلا ان المفهوم من الاخبار الواردة في الجنب يكون معه من الماء بقدر ما يتوضأ به وانه يتيمم مما يؤيد القول المشهور، إذ لو كان التبعيض واجبا لامروا به (عليهم السلام) - " فتيمموا " أي اقصدوا وتحروا وتعمدوا، والتيمم لغة القصد ومنه قوله تعالى: " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " (3) اي لا تقصدوا الردي من المال تنفقون منه، وشرعا قصد الصعيد لمسح الوجه واليدين على الكيفية الواردة في النصوص قال في المدارك: والطهارة الترابية التيمم وهو لغة القصد قال عزوجل " فتيمموا صعيدا طيبا " اي اقصدوا، ونقل في الشرع إلى الضرب على الارض والمسح بالوجه واليدين على وجه القربة، وهو ثابت بالكتاب والسنة والاجماع قال الله تعالى: " وان كنتم


1) سورة المائدة. الآية 89 2) حكاه في المغنى ج 1 ص 237 عن احمد وعبده بن ابى لبابة ومعمر وعطاه والشافعي في احد قوليه وفى ص 258 حكاه عن الشافعي 3) سورة البقرة. الآية 267


[ 244 ]

مرضى أو على سفر أو جاء احد منكم من الغائط أو لامستم النساء. الاية " انتهى. اقول: لا يخفى ان الاية الاولى التي استدل بها على المعنى اللغوى هي عين الاية الثانية التي استدل بها على المعنى الشرعي إلا ان احداهما في سورة النساء والاخرى في سورة المائدة وصورتهما معا هكذا: وان كنتم مرضى إلى قوله وايديكم ففي احداهما بعد ذلك " ان الله كان عفوا غفورا " وفى الاخرى التي ذكرناها هنا " منه ما يريد الله. إلى آخرها " ولا ريب ان لفظ التيمم في الايتين انما اريد به المعنى الشرعي لا اللغوي وحمله احداهما على المعنى اللغوي والاخرى على الشرعي لا اعرف له وجها مع ان تتمة الاية في الموضعين اعني قوله عزوجل فيهما معا " فامسحوا بوجوهكم وايديكم " ينادي على صحة ما ذكرنا وحينئذ فالمراد في الايتين معا اقصدوا صعيدا لمسح الوجه واليدين، فالمعنى اللغوي للتيمم هو القصد مطلقا والشرعي هو القصد للصعيد لاستعماله في مسح الوجه واليدين على الكيفية المخصوصة وظاهر كلامه في المدارك ان المعنى الشرعي انما هو الضرب على الارض ومسح الوجه واليدين على الوجه المعلوم شرعا، والاظهر ما قلناه وهو الذي صرح به امين الاسلام الطبرسي في مجمع البيان، وعلى ما ذكرنا فالتيمم في الايتين انما اريد به المعنى الشرعي لا اللغوي كما ذكره. واما الصعيد فقد اختلف كلام اهل اللغة فيه، فبعضهم كالجوهري قال هو التراب ووافقه ابن فارس في المجمل، ونقل ابن دريد في الجمهرة عن ابي عبيدة انه التراب الخالص الذي لا يخالطه سبخ ولا رمل، وعلى هذه الاقوال اعتماد المرتضى حيث خص التيمم بالتراب الخالص بناء على تفسير الصعيد به في كلام هؤلاء، الا ان المفهوم من كلام الاكثر لا يساعد عليه، فنقل في مجمع البيان عن الزجاج انه قال: لا اعلم خلافا بين اهل اللغة في ان الصعيد وجه الارض. ثم قال: وهذا يوافق مذهب اصحابنا في ان التيمم يجوز بالحجر سواء كان عليه تراب أو لم يكن. وقال في المصباح المنير: الصعيد وجه الارض ترابا كان أو غيره، ثم قال ويقال الصعيد في كلام العرب يطلق على وجوه: على التراب الذي على وجه الارض وعلى وجه


[ 245 ]

الارض وعلى الطريق. وفيه - كما ترى - دلالة على ان الاصل هو المعنى الاول، وفى الاساس وعليك بالصعيد اي اجلس على الارض وصعيد الارض وجهها. وقال المطرزي في المغرب الصعيد وجه الارض ترابا كان أو غيره. وفى القاموس الصعيد التراب أو وجه الارض. ومثل ذلك نقله في المعتبر عن الخليل ونقله ثعلب عن ابن الاعرابي، ويؤيد ذلك قوله عزوجل ". فتصبح صعيدا زلقا " (1) اي ارضا ملساء تزلق عليها باستئصال شجرها ونباتها، وقوله (صلى الله عليه وآله) (2) " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة على صعيد واحد " أي ارض واحدة، وبذلك يظهر ما في الاستناد إلى الاية في هذا المقام من الاشكال ولا سيما وقد ورد الخبر بتفسير الصعيد في الاية بالمكان المرتفع من الارض كما رواه الصدوق في معاني الاخبار عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " الصعيد الموضع المرتفع الطيب الموضع الذي ينحدر عنه الماء " ومثله في الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (4): " قال الله تعالى فتيمموا صعيدا طيبا، والصعيد الموضع المرتفع عن الارض والطيب الذي ينحدر عنه الماء " وحينئذ فالاظهر الرجوع إلى الاخبار كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى في موضعه - " طيبا " اختلف المفسرون في المراد بالطيب هنا، فبعضهم على انه الطاهر وهو مختار مفسري اصحابنا، وقيل هو الحلال وقيل انه الذي ينبت دون ما لا ينبت كالسبخة وايدوه بقوله سبحانه: " والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه.. " (5) وقد عرفت تفسيره بما في الخبرين المتقدمين، الا ان الظاهر


1) سورة الاكهف. الآية 40 2) في معالم الزلفى ص 145 باب 22 في صف ة المحشر عن الباقر (ع) " قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الناس في صعيد واحد من الاولين والاخرين عراة حفاة.. " وفى تاريخ بغداد ج 11 ص 131 وج 14 ص 195 عن النبي " ص " " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة عزلا " وليس في احاديث اهل السنة كلمة " صعيد واحد " 3) رواه عنه المحدث الكاشاني في الصافى في تفسير آية التيمم 43 سورة النساء 4) ص 5 5) سورة الاعراف. الاية 58


[ 246 ]

انه محمول على الفرد الاكمل منهما ولهذا صرح اصحابنا باستحباب التيمم من الربى والعوالي - " فامسحوا بوجوهكم وايديكم " الباء للتبعيض هنا كما سيأتيك التصريح به ان شاء الله تعالى في صحيحة زرارة الاتية، وحينئذ فتدل الاية على ان الواجب المسح ببعض الوجه وبعض اليدين كما هو القول كما هو القول المشهور المعتضد بالاخبار الكثيرة، خلافا لمن اوجب مسح الجميع كعلي بن بابويه أو خير بين الاستيعاب وبين التبعيض كما ذهب إليه في المعتبر وتبعه صاحب المدارك أو استحباب الاستيعاب كما مال إليه في المنتهى، فان الجميع - كما ترى - مخالف لظاهر الاية، والقول بالاستيعاب وان دل عليه بعض الاخبار ولهذا اضطربوا في الجمع بينها وبين اخبار القول المشهور إلا انه قد تقرر في القواعد المروية عنهم (عليهم السلام) عرض الاخبار المختلفة على الكتاب العزيز والاخذ بما وافقه وطرح ما خالفه، وهذه الاخبار الدالة على الاستيعاب مخالفة للاية فيجب طرحها، وبذلك يظهر لك بطلان هذه الاقوال المتفرعة عليها - " منه " اختلفوا في معنى " من " هنا فقيل انها لابتداء الغاية والضمير عائد إلى الصعيد والمعنى ان المسح يبتدئ من الصعيد أو من الضرب عليه، وقيل انه للسببية وضمين " منه " للحدث المفهوم من الكلام السابق كما يقال تيممت من الجنابة وكقوله سبحانه " مما خطيئاتهم اغرقوا.. " (1) وقول الشاعر " وذلك من نبأ جاءني " وقول الفرزدق " يغشي حياء ويغضي من مهابته " وقيل انه للتبعيض والضمير للصعيد كما يقال اخذت من الدراهم واكلت من الطعام، وهذا هو المنصوص في صحيحة زرارة الاتية، وقيل انها للبدلية كما في قوله تعالى: " ارضيتم بالحياة الدنيا من الاخرة " (2) وقوله سبحانه: ".. لجعلنا منكم ملائكة في الارض يخلفون " (3) وحينئذ فالضمير يرجع إلى الماء والمعنى فلم تجدوا ماء فتيمموا بالصعيد بدل الماء، وهذا المعنى لا يخلو من بعد، والمعتمد منها ما ورد به النص الصحيح عنهم (عليهم السلام)


1) سورة نوح. الآية 25 2) سورة التوبة. الآية 38 3) سورة الزخرف. الآيد 60


[ 247 ]

فان القرآن نزل عليهم ومعانيه منهم تؤخذ - " ما يريد الله " بفرض الطهارات وايجابها " ليجعل عليكم من حرج " ضيق " ولكن يريد ليطهركم " من الاحداث والذنوب فان الطهارة كما انها رافعة للاحداث فهي ايضا مكفرة للذنوب " وليتم نعمته عليكم " بهذا التطهير واباحته لكم التيمم وتصييره الصعيد الطيب طهورا لكم رخصة مع سوابغ نعمه التي انعمها عليكم (لعلكم تشكرون " نعمته باطاعتكم اياه فيما يأمركم به وينهاكم عنه إذا عرفت ذلك فاعلم ان تحقيق الكلام في هذا الباب يقتضي بيان الاسباب المسوغة للتيمم من الاعذار المانعة من استعمال الماء وما يجوز به التيمم وما لا يجوز وبيان كيفية التيمم ووقته وبيان احكامه المتعلقة به وحينئذ فههنا مطالب خمسة: (المطلب الاول) - فيما يسوغ معه التيمم من الاسباب الموجبة لذلك، وانهاها في المنتهى إلى ثمانية وهي فقد الماء والخوف من استعماله والاحتياج إليه للعطش والمرض والجرح وفقد الالة التي يتوصل بها إلى الماء والضعف عن الحركة وخوف الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة وضيق الوقت عن استعمال الماء، ويمكن ارجاع هذه الثمانية إلى ثلاثة كما اقتصر عليه في الشرائع وهى عدم الماء وعدم الوصلة إليه والخوف، بل يمكن ارجاع الجميع إلى امر واحد كما ذكره في الذكرى وهو العجز عن الماء، وله اسباب يتوقف تفصيلها على رسم مسائل:

(الاولى) - في عدم وجوده، ويدل عليه مضافا إلى الاية المتقدمة الاخبار المستفيضة، ومنها - ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن محمد بن حمران وجميل بن دراج (1) قالا: " قلنا لابي عبد الله (عليه السلام) امام قوم اصابته جنابة في السفر وليس معه ماء يكفيه للغسل أيتوضأ بعضهم ويصلي بهم ؟ قال لا ولكن يتيمم الجنب ويصلي بهم فان الله تعالى قد جعل التراب طهورا " وزاد في التهذيب (2) " كما جعل


1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 24 من ابواب التيمم


[ 248 ]

الماء طهورا " وما رواه الشيخ في الصحيح عن حماد بن عثمان (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يجد الماء أيتيمم لكل صلاة ؟ فقال لا هو بمنزلة الماء " وفي الصحيح عن عبد الله بن سنان (2) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا لم يجد الرجل طهورا وكان جنبا فليمسح من الارض وليصل فإذا وجد ماء فليغتسل وقد اجزأته صلاته التي صلى " وما رواه في الكافي عن ابي عبيدة الحذاء (3) قال " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة الحائض ترى الطهر وهي في السفر وليس معها من الماء ما يكفيها لغسلها وقد حضرت الصلاة ؟ قال إذا كان معها بقدر ما تغسل به فرجها فتغسله ثم تتيمم وتصلي. الحديث " إلى غير ذلك من الاخبار الاتية ان شاء الله تعالى في مطاوي الابحاث الاتية. وفي المدارك عن بعض العامة ان الصحيح الحاضر إذا عدم الماء كالمحبوس ومن انقطع عنه الماء يترك التيمم والصلاة لان التيمم مشروط بالسفر كما يدل عليه قوله تعالى: " وان كنتم مرضى أو على سفر.. " (4) ثم قال: وبطلانه ظاهر لان ذكر السفر في الاية خرج مخرج الغالب لان عدم الماء في الحضر نادر، وإذا خرج الوصف مخرج الغالب انتفت دلالته على نفي الحكم عما عدا محل الوصف كما حقق في محله. انتهى. إذا عرفت ذلك فاعلم انه لا خلاف بين الاصحاب - كما نقله غير واحد منهم - في انه لا يشرع التيمم إلا بعد طلب الماء، قال في المنتهى: " ويجب الطلب عند اعواز الماء فلو اخل به مع التمكن لم يعتد بتيممه، وهو مذهب علمائنا اجمع " اقول: ويشير إليه


1) رواه في الوسائل في الباب 20 من ابواب التيمم 2) رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب التيمم 3) رواه في الوسائل 21 من ابواب الحيض 4) ذكر ابن قدامة في المغنى ج 1 ص 234 انه قول ابى حنيفة في رواية عنه وانه روي عن احمد اجابته بعدم التيمم عند ما سئل عن مثل ذلك


[ 249 ]

قوله عزوجل: " فلم تجدوا ماء " وعدم الوجدان لا يتحقق إلا بعد المطلب لامكان قرب الماء منه ولا يعلمه، ويدل عليه ما رواه الشيخ في الحسن عن زرارة عن احدهما (عليهما السلام) (2) قال: " إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب مادام في الوقت فإذا خاف ان يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه وليتوضأ لما يستقبل " وعن السكوني عن جعفر بن محمد عن ابيه عن علي (عليهم السلام) قال: " يطلب الماء في السفر ان كانت الحزونة فغلوة وان كانت سهولة فغلوتين لا يطلب اكثر من ذلك " ولا ينافى ذلك ما رواه الشيخ عن داود الرقي (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اكون في السفر وتحضر الصلاة وليس معي ماء ويقال ان الماء قريب منا فاطلب الماء وانا في وقت يمينا وشمالا ؟ فقال لا تطلب الماء ولكن تيمم فاني اخاف عليه التخلف عن اصحابك فتضل ويأكلك السبع " وعن يعقوب بن سالم (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يكون معه ماء والماء عن يمين الطريق أو يساره غلوتين أو نحو ذلك ؟ قال لا آمره ان يغرر بنفسه فيعرض له لص أو سبع " وعن علي بن سالم عن الصادق (عليه السلام) (5) في حديث قال: " فقال له داود الرقي أفاطلب الماء يمينا وشمالا ؟ فقال لا تطلب الماء يمينا ولا شمالا ولا في بئر، ان وجدته على الطريق فتوضأ وان لم تجده فامض " فانها محمولة على الخوف كما هو ظاهر الخبرين الاولين واطلاق الاولين واطلاق الثالث محمول على قيد الخوف المذكور فيهما. وقد اختلف الاصحاب في حد الطلب، فقال الشيخ في المبسوط: والطلب واجب قبل تضيق الوقت في رحله وعن يمينه وعن يساره وسائر جوانبه رمية سهم أو سهمين إذا لم يكن هناك خوف. وقال في النهاية: ولا يجوز له التيمم في آخر الوقت إلا بعد طلب الماء


1) رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب التيمم 2) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب التيمم 3) و 4) و 5) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب التيمم


[ 250 ]

في رحله وعن يمينه وعن يساره بقدر رمية أو رميتين إذا لم يكن هناك خوف. ولم يفرق في الارض بين السهلة والحزنة، وقال المفيد: ومن فقد الماء فلا يتيمم حتى يدخل وقت الصلاة ثم يطلب امامه وعن يمينه وعن شماله رمية سهمين من كل جهة ان كانت الارض سهلة وان كانت حزنة طلبه في كل جهة مقدار رمية سهم. وقال ابن زهرة: ولا يجوز فعله إلا بعد طلب الماء رمية سهم في الارض الحزنة وفى الارض السهلة رمية سهمين يمينا وشمالا واماما ووراء باجماعنا. وقال ابن ادريس وحده ما وردت به الروايات وتواتر به النقل في طلبه إذا كانت الارض سهلة غلوة سهمين وإذا كانت حزنة فغلوة سهم واحد. وقال في المنتهى بعد ان نقل طرفا من عبائر الاصحاب: ولم يقدره المرتضى في الجمل ولا الشيخ في الخلاف والجمل بقدر وقال المحقق في المعتبر: والتقدير بالغلوة والغلوتين رواية السكوني وهو ضعيف غير ان الجماعة عملوا بها، والوجه ان يطلب من كل جهة يرجو فيها الاصابة ولا يكلف التباعد بما يشق، ورواية زرارة تدل على انه يطلب دائما مادام في الوقت حتى يخشى الفوات، وهو حسن، والرواية واضحة السند والمعنى. انتهى. وقال في المدارك بعد نقله ذلك: وهو في محله لكن سيأتي ان شاء الله تعالى ان مقتضى كثير من الروايات جواز التيمم مع السعة فيمكن حمل ما تضمنته رواية زرارة من الامر بالطلب إلى ان يتضيق الوقت على الاستحباب، والمعتمد اعتبار الطلب من كل جهة يرجو فيها الاصابة بحيث يتحقق عرفا عدم وجدان الماء. انتهى. اقول: لا شك ان رواية السكوني وان كانت ضعيفة السند باصطلاحهم إلا ان ضعفها مجبور بعمل الاصحاب قديما وحديثا بها، إذ لا راد لها سوى المحقق وبعض من تبعه، والرد بضعف السند قد عرفت انه خال من المستند سوى هذا الاصطلاح الغير المرضى والا المعتمد، وعلى تقدير تسليمه فيكفي في صحتها عمل الطائفة بها كما عرفت، وحينئذ فالمعارضة بينها وبين حسنة زرارة المتقدمة ظاهرة، ويمكن الجمع بينهما بحمل الطلب إلى ان يتضيق الوقت في الحسنة المذكورة على رجاء الحصول كما يشعر به سياقها وحمل الاقتصار على الغلوة والغلوتين - كما


[ 251 ]

في رواية السكوني - على عدم الرجاء مع تجويز الحصول. واما حمل حسنة زرارة كما ذكره في المدارك على الاستحباب - كما هي قاعدتهم في جميع الموارد والابواب - فقد بينا ما فيه في غير موضع من الكتاب، بل الوجه عندي في الجمع بينهما هو ما ذكرناه واليه يشير كلامه في المدارك وكذا في المعتبر من اعتبار رجاء الاصابة في الطلب سواء كان في جميع الوقت أو بعضه (فان قلت): ما الفرق بين رجاء الاصابة الذي حملت عليه الحسنة المذكورة وتجويز الحصول الذي حملت عليه رواية السكوني ؟ (قلت): الفرق بينهما هو حصول الظن بالحصول في جانب الرجاء وعدمه في مجرد التجويز، فمتى ظن الحصول وجب عليه الطلب إلى ان يتضيق الوقت ولو لم يظنه بل جوز الحصول وعدمه على وجه يتساويان عنده فليس عليه إلا طلب الغلوة والغلوتين باعتبار السهولة والحزونة كما في رواية السكوني ؟ وهو وجه حسن في الجمع بينهما وبه يزول الاشكال في هذا المجال. واما قوله في المدارك - اشارة إلى الطعن في حسنة زرارة وما دلت عليه ومن وجوب التأخير إلى آخر الوقت - ان مقتضى كثير من الروايات جواز التيمم مع السعة حتى انه اضطر بسبب ذلك إلى حملها على الاستحباب جمعا بينها وبين تلك الاخبار - ففيه ان القول بوجوب التأخير إلى آخر الوقت مدلول جملة من الاخبار كما سيأتي بيانه ان شاء الله في محله فبعين ما يقال في الجواب عن تلك الاخبار يجاب عن هذه الحسنة المذكورة، وليس الدلالة على هذا القول مخصوصا بهذه الرواية كما يشير إليه كلامه وسيصرح به ايضا فيما يأتي حتى انه يحملها على الاستحباب ينسد الكرم في هذا الباب. بقي الكلام في ان الاصحاب ذكروا وجوب الطلب بالغلوة والغلوتين كما هو المذكور في رواية السكوني من الجهات الاربع والرواية خالية من ذلك، ولعل الوجه في تقييدهم اطلاق الرواية بالاربع الجهات انه مع التجويز في الجهات الاربع يجب الطلب في الاربع، إذ الموجب للطلب هو تجويز الوجود ولهذا لو علم وتيقن انتفاء الوجود في جهة أو جهتين مثلا سقط وجوب الطلب فيهما اتفاقا.


[ 252 ]

فروع:

(الاول) - قال في المدارك: قال في المنتهى لو طلب قبل الوقت لم يعتد به ووجب اعادته لانه طلب قبل المخاطبة بالتيمم فلم يسقط فرضه، ثم اعترف بان ذلك انما هو إذا امكن تجدد الماء في موضع الطلب والا لم يجب عليه الطلب ثانيا. وهو جيد ان قلنا ان الطلب انما هو في الغلوات كما رواه السكوني اما على رواية زرارة فيجب الطلب ما امل الاصابة في الوقت سواء كان قد طلب قبل الوقت ام لا. انتهى. اقول: لا ريب ان عمل الاصحاب في هذا الباب انما هو على خبر السكوني المذكور وجميع ما يذكرونه من فروع هذه المسألة انما هو على تقديره ولم يذكر احد منهم حسنة زرارة في المقام سوى صاحب المعتبر ومثله السيد المذكور، ولهذا قال العلامة في المنتهى بعد نقل الاقوال في حد الطلب مع اقتفائه كلام المعتبر غالبا: ولم نقف في ذلك إلا على حديث واحد وفى سنده قول ويمكن العمل به لاعتضاده بالشهرة. إلى آخر كلامه.

(الثاني) - قد صرح جملة من الاصحاب بانه انما يجب الطلب مطلقا أو في الجهات الاربع مع احتمال الظفر فلو تيقن عدم الاصابة في جهة من الجهات أو مطلقا فلا طلب لانتفاء الفائدة، والظاهر انه لا خلاف فيه بين اصحابنا (رضوان الله عليهم) حتى من القائلين بوجوب التأخير في التيمم كالشيخ واتباعه، فان وجوب التأخير عندهم لدليل اقتضاه ودل عليه لا لرجاء الحصول، ولهذا انهم اوجبوا التأخير مطلقا وان قطع بعدم الماء كما سيجئ بيانه ان شاء الله تعالى في موضعه. ونقل عن بعض العامة القول بوجوب الطلب وان قطع بعدم الماء (1) ورد بان الطلب مع تيقن عدم الاصابة عبث لا يقع


1) لم نعثر على التصريح بذلك نعم ربما يظهر من البحر الرائق ج 1 ص 161 نسبة ذلك إلى الشافعي حيث حكى عنه القول بوجوب الطلب مطلقا وقال في ضمن رده: " المسافر يجب عليه طلب الماء ام ظن قربه وان لم يظن قربه لا يجب عليه بل يستحب " وكذا يظهر ذلك من المبسوط ج 1 ص 108 حيث قال في مقام رده: " الطلب انما يلزمه إذا كان =


[ 253 ]

الامر به من الشارع. وهو جيد. ولو غلب على ظنه العدم فهل يكون حكمه حكم اليقين في عدم وجوب الطلب ام لا ؟ قولان، نقل الاول منهما عن ابن الجنيد واختاره بعض افاضل متأخرى المتأخرين، نظرا إلى قيام الظن مقام العلم في الشرعيات، ولعدم تناول ادلة وجوب الطلب لظان العدم، وقيل بالثاني وبه صرح في المنتهى واختاره في المدارك وعللوه بجواز كذب الظن. وهو الاظهر. وما احتج به الفاضل المتقدم ذكره - من قيام الظن مقام العلم في الشرعيات - على اطلاقه ممنوع بل هو موقوف على الدليل، وما ادعاه من عدم تناول ادلة الطلب لظان العدم اشد منعا، وكيف لا وهي مطلقة كما عرفت من حسنة زرارة ورواية السكوني، خرج من ذلك تيقن عدم وجود الماء لاستلزامه العبث كما عرفت وبقي الباقي.

(الثالث) - لو تيقن وجود الماء لزمه السعي إليه مادام الوقت والمكنة حاصلة سواء قريبا أو بعيدا، وهل يجوز الاستنابة في الطلب اختيارا ؟ ظاهر شيخنا في الروض ذلك لكنه اشترط عدالة النائب، وعندي فيه اشكال لان ظاهر الاخبار توجه الخطاب إلى فاقد الماء نفسه فقيام غيره مقامه في ذلك يتوقف على الدليل نعم لو كان المراد من النيابة نقله وحمله إليه فلا اشكال في جوازه لانه من قبيل طلب الماء في منزله من خادمه أو زوجته وحينئذ فلا وجه لاشتراط العدالة كما ذكره، واما لو كان المراد انما هو الاعتماد عليه والوثوق به في وجود الماء وعدمه حتى انه يقبل قوله في عدم الماء فالطاهر هو ما ذكرناه، ويأتي ما ذكره مع تعذر الطلب بنفسه فانه لا بأس بالاستنابة بل يجب ذلك، وفى اشتراط عدالة النائب وجهان اظهرهما ذلك مع الامكان، ويحسب لهما على التقديرين لو قلنا به في الاول. ولو فات بالطلب غرض مطلوب يضر بحاله كالحطاب والصائد ففي وجوب الطلب عليه لقدرته على الماء أو سقوطه والانتقال إلى التيمم دفعا للضرر وجهان، اختار اولهما في المدارك وثانيهما في المعتبر، وظاهر الروض التوقف وهو


= على طمع من الوجو وإذا لم يكن على طمع من الوجود فلا فائدة في الطلب "


[ 254 ]

كذلك لعدم النص في المسألة، هذا كله فيما إذا كان يمكن حصول الماء قبل ذهاب الوقت والا سقط الطلب قولا واحدا لعدم الفائدة. وهل يقوم الظن هنا مقام اليقين فيجب الطلب مع ظنه ؟ قيل نعم والظاهر ان وجهه ما تقدم في سابق هذا الموضع، والظاهر العدم بناء على رواية السكوني التى عليها مدار كلام الاصحاب في هذه المسألة وفروعها كما اشرنا إليه آنفا لتخصيصها الطلب بالغلوة والغلوتين فيما إذا ظن الماء أو جوزه، وان خصصناها بالتجويز بناء على ما قدمناه آنفا فهو اظهر، واما مع تيقن وجود الماء فانه خارج عن مورد الرواية لدخوله تحت الواجد للماء، واما على تقدير حسنة زرارة فالامر ظاهر لايجابها الطلب في الوقت مطلقا.

(الرابع) - لو خاف على نفسه أو ماله بمفارقة رحله لم يجب عليه الطلب دفعا للحرج اللازم من وجوب الطلب والحال هذه، وعلى ذلك يدل ما تقدم من روايتي داود الرقي ويعقوب بن سالم، ويؤيده ما رواه الحلبي في الصحيح (1) " انه سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يمر بالركية وليس معه دلو. قال ليس عليه ان يدخل الركية لان رب الماء هو رب الارض فليتيمم ".

(الخامس) - المشهور بين الاصحاب انه لو اخل بالطلب حتى ضاق الوقت ثم تيمم وصلى فانه قد اخطأ وصح تيممه وصلاته، اما الخطأ فطاهر لاخلاله بما وجب عليه من الطلب، واما صحة تيممه وصلاته فالوجه ان الطلب يسقط مع ضيق الوقت ويجب على المكلف في تلك الحال التيمم لانه غير واجد للماء كما هو المفروض واداء الصلاة بتلك الطهارة وقد فعل وامتثال الامر يقتضي الاجزاء. وعن المبسوط والخلاف عدم صحة تيممه والحال هذه قال في المعتبر: قال الشيخ لو اخل بالطلب لم يصح تيممه ويلزم على قوله لو تيمم وصلى ان يعيد وفيه اشكال لان مع ضيق الوقت يسقط الطلب ويتحتم التيمم فيكون مجزئا وان اخل بالطلب وقت السعة لانه يكون مؤديا فرضه بطهارة


1) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب التيمم


[ 255 ]

صحيحة وصلاة مأمور بها، وابلغ منه من كان معه ماء فوهبه أو اراقه. انتهى. اقول: ممن تبع الشيخ في هذه المقالة الشهيد في الدروس حيث قال: ولو وهب الماء أو اراقه في الوقت أو ترك الطلب وصلى اعاد. لكن لا يخفى ان كلام الشيخ المتقدم ذكره وكذا كلام الدروس لا تقييد فيهما بالضيق وان كان اطلاقهما يقتضى الشمول لذلك إلا انه مع الحمل عليه يشكل بما ذكره في المعتبر فانه جيد وجيه، ولو حمل ذلك على السعة توجه ما ذكروه من الاعادة لانه مأمور بالطلب مع السعة فلو تيمم وصلى والحال هذه كان ما اتى به باطلا ووجب عليه الاعادة بعد الطلب ان كان في الوقت سعة وإلا تيمم وصلى مرة اخرى، قال في المدارك بعد نقل كلام المعتبر المذكور: ويمكن ان يحمل كلام الشيخ على ما إذا اخل بالطلب وتيمم مع السعة فان تيممه لا يصح قطعا. انتهى. واما ما ذكره في الدروس من انه لو وهب الماء أو اراقه في الوقت وصلى اعاد فلعل الوجه فيه ان الصلاة قد وجبت عليه واستقرت في ذمته بطهارة مائية لوجود الماء معه في الوقت وتمكنه من استعماله وتفويت الواجب من قبل نفسه لا يكون عذرا مسوغا للتيمم فيجب الاعادة في الوقت وخارجه. إلا انه على اطلاقه مشكل بل الظاهر ان الحكم فيه يصير كفاقد الماء من جواز التيمم في السعة بعد الطلب أو وجوب التأخير إلى ضيق الوقت. واولى بعدم الاعادة ما لو تيمم وصلى آخر الوقت فانه مأمور بالصلاة والطهارة وامتثال الامر يقتضي الاجزاء، واما مع السعة فيحتمل القول فيما إذا وجد الماء بعد ان صلى بتيممه في السعة بانه يجب عليه الاعادة لتوجه الخطاب إليه في اول الامر بالصلاة بطهارة مائية والحال انه قد وجد الماء في الوقت اما مع الضيق فانه لا يتجه هذا الاحتمال ونقل في المدارك عن المنتهى انه لو كان بقرب المكلف ماء وتمكن من استعماله واهمل حتى ضاق الوقت فصار لو مشى إليه ضاق الوقت فانه يتيمم وفى الاعادة قولان اقربهما الوجوب، ثم اعترضه بانه يتوجه عليه ما سبق واشار به إلى ما قدمه في مسألة المخل بالطلب حتى ضاق الوقت حيث اختار فيه ما ذكره المحقق. وهو جيد. بقي الكلام


[ 256 ]

في انهل يأثم باراقته الماء اوهبته في الوقت مع علمه بعدم الماء وان فرضه ينتقل إلى التيمم ؟ ظاهر الاصحاب ذلك وهو كذلك كمن اخل بالطلب مع كونه مأمورا به وهذا قد اخل بالطهارة بالماء مع كونه مأمورا بذلك، وكيف كان فحيث ان الحكم غير منصوص وان كان القول المشهور اوفق بالقواعد الشرعية فلا ينبغي ترك الاحتياط في المسألة.

(السادس) - لو اخل بالطلب وضاق الوقت فتيمم وصلى ثم وجد الماء في محل الطلب من الغلوات أو مع اصحابه الباذلين له أو في رحله فهل يحكم بصحة ما فعل من التيمم والصلاة أو يجب عليه القضاء ؟ قولان احدهما العدم وهو اختيار السيد في المدارك وقبله المحقق الاردبيلي، ووجهه ظاهر مما تقدم في سابق هذه المسألة فانها من جزئياتها، والمشهور وجوب القضاء استنادا إلى ما رواه الشيخ عن ابي بصير (1) قال: " سألته عن رجل كان في سفر وكان معه ماء فنسيه وتيمم وصلى ثم ذكر ان معه ماء قبل ان يخرج الوقت ؟ قال عليه ان يتوضأ ويعيد الصلاة " وانت خبير بان ظاهر الخبر المذكور (اولا) - انما هو النسيان وهو اخص من المدعى. و (ثانيا) - ان تيممه وقع في السعة وهو خلاف المفروض في كلامهم، والعجب ان شيخنا الشهيد الثاني في الروض حيث قيد اطلاق عبارة المصنف بضيق الوقت قال وانما قيدنا المسألة بالضيق تبعا للرواية وفتوى الاصحاب. والرواية - كما ترى - صريحة في السعة وليس غيرها في المسألة. و (ثالثا) - انه قد صرح بانه لو تيمم في الصورة المذكورة حال السعة بطل تيممه وصلاته وان لم يجد الماء بعد ذلك، قال لمخالفته الامر وان جوزنا التيمم مع سعة الوقت بعد الطلب. انتهى. ولا ريب ان هذا مدلول الخبر المذكور كما عرفت. ثم قال: واعلم ان الاصل يقتضي عدم وجوب اعادة الصلاة مع مراعاة التضيق وان اساء بترك الطلب لايجابه الانتقال إلى طهارة الضرورة، لكن لا سبيل إلى رد الحديث المشهور ومخالفة الاصحاب، وفيه


1) رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب التيمم


[ 257 ]

ما عرفت من ان الخبر ظاهر بل صريح في السعة، وبه يظهر ان الاظهر هو القول بعدم الاعادة في المسألة المذكورة، وما ادعاه ايضا من التقييد في كلام الاصحاب محل نظر لما عرفت في عبارة الشيخ من الاطلاق وكذا عبارة العلامة التي ارتكب التقييد فيها. والله العالم.

(السابع) - قال في المعتبر: لو نسي الماء في رحله وصلى بالتيمم اجزأه وهو اختيار علم الهدى. وقال الشيخ ان اجتهد وطلب لم يعد وإلا اعاد، لنا - انه صلى بتيمم مشروع فلا يلزمه الاعادة، ولان النسيان لا طريق إلى ازالته فصار كعدم الوصلة، إلى ان قال: وفي رواية ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (1) " يتوضأ ويعيد " وفي سندها عثمان بن عيسى وهو ضعيف فهي اذن ساقطة. انتهى. وقال في الذكرى: ولو نسى الماء اجزأ عند المرتضى لعموم " رفع عن امتى الخطأ " (2) والشيخ يعيد ان لم يطلب، لهذا الخبر، وضعف بعثمان بن عيسى. وقول الشيخ اقرب للتفريط. والشهرة تدفع ضعف السند. انتهى. اقول: التحقيق عندي ان ظاهر الخبر المشار إليه هو الاعادة في صورة النسيان مع سعة الوقت مطلقا طلب أو لم يطلب، والواجب العمل به وضعفه باصطلاحهم مجبور بالشهرة كما ذكره في الذكرى واخبار الطلب يجب تخصيصها بالخبر المذكور، وبه يظهر ضعف ما اختاره في الذكرى ايضا كما ضعف ما اختاره في المعتبر، نعم لو كان الذكر حال الضيق فالمتجه الاجتزاء بما فعل كما تقدم وهو خارج عن مورد الخبر كما عرفت. واما قوله في المعتبر: لنا - انه صلى بتيمم مشروع، فان اراد ولو في حال السعة فهو مجرد مصادرة، وان اراد فحال الضيق فهو صحيح لما سلف.

(الثامن) - لو كان معه ماء فاراقه قبل الوقت أو مر بماء فلم يتطهر قبل الوقت والحال انه لا ماء ثمة تيمم وصلى ولا اعادة عليه اجماعا كما في المنتهى، ولو كان ذلك


1) ص 256 2) رواه في الوسائل في الباب 30 من الخلل في الصلاة و 56 من جهاد النفس


[ 258 ]

بعد دخول الوقت فقد عرفت مما تقدم انه كذلك وان علم باستمرار الفقدان، لانه صلى صلاة مأمورا بها بتيمم مشروع وقضية امتثال الامر الاجزاء، والمحقق في المعتبر ذكر الحكم المذكور ولم ينقل الخلاف فيه إلا عن العامة (1) وهو مؤذن بدعوى الاجماع عليه، وقطع الشيهد في الدروس والبيان بوجوب الاعادة هنا للتفريط وقد سبق نقل عبارته من الدروس، واحتمال ذلك في التذكرة.

(التاسع) - اختلف الاصحاب فيما لو كان الماء موجودا عنده فاخل باستعماله حتى ضاق الوقت عن استعماله فهل ينتقل إلى التيمم ويؤدي أو يتطهر بالماء ويقضي ؟ قولان، اختار اولهما العلامة في المنتهى لقوله (عليه السلام) في صحيحة حماد بن عثمان (2) " هو بمنزلة الماء " وانما يكون بمنزلته لو ساواه في احكامه، ولا ريب في انه لو وجد الماء وتمكن من استعماله وجب عليه الاداء فكذا ما لو وجد ما ساواه، قال في المدارك بعد نقل ذلك: قلت ويدل عليه فحوى قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي (3): " ان رب الماء هو رب الارض " وفي صحيحة جميل (4) " ان الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا " وهذا القول لا يخلو من رجحان، ولا ريب ان التيمم والاداء ثم القضاء بالطهارة المائية احوط. انتهى. واختار ثانيهما المحقق في المعتبر حيث قال: من كان الماء قريبا منه وتحصيله ممكن لكن مع فوات الوقت أو كان عنده وباستعماله يفوت لم يجز التيمم وسعي إليه لانه واجد. انتهى. وهو اختيار السيد في المدارك حيث قال بعد فرض المسألة: فهل يتطهر ويقضي أو يتيمم ويؤدي ؟ قولان، اظهرها الاول وهو خيرة المصنف في المعتبر لان الصلاة مشروطة بالطهارة والتيمم انما يسوغ مع العجز عن استعمال الماء والحال ان المكلف واجد للماء متمكن من استعماله غاية الامر ان الوقت لا يتسع لذلك ولم يثبت كون ذلك مسوغا للتيمم. انتهى. قال في الروض: وفرق المحقق الشيخ علي بين


1) نقل الخلاف في المغنى ج 1 ص 241 عن الاوزاعي 2) ص 248 3) ص 254 4) ص 247


[ 259 ]

ما لو كان الماء موجودا عنده بحيث يخرج الوقت لو استعمله وبين من كان الماء بعيدا عنه بحيث لو سعى إليه لخرج الوقت فاوجب الطهارة المائية على الاول دون الثاني، مستندا إلى انتفاء شرط التيمم وهو عدم وجدان الماء في الاول وعدم صدق الوجدان في الثاني، ثم اعترضه فقال: وانت خبير بان المراد بوجدان الماء في باب التيمم وفي الاية فعلا اوقوة، ولهذا يجب على الفاقد الطلب والشراء لصدق الوجدان، ولو كان المراد الوجدان بالفعل لم يجب عليه ذلك لانه تعالى شرط في جواز التيمم عدم الوجدان، فلا يتم حينئذ ما ذكره من الفرق لصدق الوجدان في الصورتين بالمعنى المعتبر شرعا، فلابد من الحكم باتفاقهما اما بالتيمم كما ذكره المصنف أو بالطهارة كما ذكره المحقق. انتهى كلامه. وهو جيد وجيه. اقول: والتحقيق عندي في هذه المسألة هو ما ذهب إليه العلامة من وجوب التيمم والاداء فانه هو الاقرب إلى الانطباق على القواعد الشرعية (اما اولا) - فلظواهر الاخبار التي احتج بها العلامة ولهذا قال في المدارك بعد ان ايدها بما ذكره: وهذا القول لا يخلو من رجحان. و (اما ثانيا) - فلانه لا يخفى ان المكلف مأمور بالصلاة في وقتها آية ورواية، غاية الامر انها مشروطة بالطهارة المائية ان امكنت وإلا فبالترابية لما دلت عليه الاية والاخبار المستفيضة، وحيث انه لم يتمكن من المائية هنا لاستلزام استعمالها خروج الوقت تعينت الترابية، كما لو وجد ماء يستلزم السعي إليه خروج الوقت فانه يتيمم اتفاقا كما تقدم. و (واما ثالثا) - فلانه لا ريب ان مشروعية التيمم انما هو للمحافظة على ايقاع الصلاة في وقتها وإلا كان الواجب مع فقد الماء أو تعذر استعماله تأخير الصلاة عن وقتها إلى ان يتمكن من استعماله فيقضي الصلاة كما هو مقتضى كلام هذا القائل والمعلوم من الشرع خلافه، وحينئذ فمجرد وجود الماء في الصور المفروضة مع استلزام استعماله خروج الوقت في حكم العدم، وبذلك يظهر ان قوله في المدارك انه لم يثبت كون عدم اتساع الوقت مسوغا للتيمم ليس في محله، وكيف لا ونظر الشارع اولا


[ 260 ]

وبالذات انما هو إلى الصلاة والاتيان بها في وقتها ونظره إلى الطهارة بالماء انما هو ثان وبالعرض حيث انها شرط لها فكيف يقدم ما هو بالعرض على ما هو بالذات مع ان الشارع قد جعل له عوضا عنه تأكيدا للمحافظة عليها في وقتها ؟ وكيف لا يكون عدم اتساع الوقت مسوغا للتيمم والعلة في مشروعيته انما هو المحافظة على الاتيان بالصلاة في وقتها كما عرفت ؟ ولعله لهذا الوجه لم يعد في المسوغات فانه حيث كان هو الاصل في مشروعية التيمم اكتفي بذلك عن عده في المسوغات، وكيف كان فانه وان كان ما اخترناه هو الانسب بالقواعد الشرعية المؤيدة بما تقدم من تلك الاخبار المروية إلا انه حيث كانت المسألة عارية عن النصوص على الخصوص فالاحوط بعد الصلاة بالتيمم اداء اعادة الصلاة بالطهارة المائية قضاء. ثم انه لا يخفى عليك ان هذا البحث كما يجري في هذه المسألة يجرى ايضا في مسألة عدم اتساع الوقت لازالة النجاسة عن الساتر الذي لا يجد غيره. وكذا تحصيل الساتر إذا توقف على زمان يفوت به الوقت، فهل يصلي بالنجاسة في الاولى وعاريا في الثانية في الوقت اداء أو يقدم ازالة النجاسة اولا وكذا تحصيل الساتر ثم يصلي قضاء ؟ القولان المتقدمان، واما ما ذكره المحقق الثاني من التفصيل فقد عرفت بما قدمنا نقله عن الروض انه غير واضح السبيل.

(العاشر) - لو وجد من الماء ما لا يكفيه لطهارته فالظاهر انه في حكم العدم وضوء كان أو غسلا، ونسبه في المنتهى إلى علمائنا موذنا بدعوى الاجماع عليه ونحوه في التذكرة، ولم ينقل الخلاف في المعتبر والمنتهى والتذكرة في هذه المسألة إلا عن العامة (1) وقال في الروض: وربما حكي عن الشيخ في بعض اقواله التبعيض ؟ وهو مذهب العامة. وقطع العلامة في النهاية بان المحدث لو وجد من الماء ما لا يكفيه لطهارته لم يجب عليه استعماله بل يتيمم، واحتمل في الجنب مساواته للمحدث ووجوب صرف الماء إلى بعض


1) راجع التعليقة 2 ص 243


[ 261 ]

اعضائه لجواز وجود ما تكمل به الطهارة، قال والموالاة ساقطة هنا بخلاف المحدث واحتمل ذلك شيخنا البهائي في الحبل المتين ايضا. اقول: والظاهر هو القول المشهور للاخبار المتكاثرة، واستدل على ذلك ايضا بقوله عزوجل " فلم تجدوا " وقد تقدم الكلام في ذلك في صدر الباب في تفسير الاية المذكورة، والاظهر الرجوع في ذلك إلى الاخبار فانها صريحة الدلالة في المدعى، ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) " في رجل اجنب في سفر ومعه ماء قدر ما يتوضأ به ؟ قال يتيمم ولا يتوضأ " وما رواه في الفقيه في الصحيح عن عبيدالله بن علي الحلبي (2) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجلف يجنب ومعه قدر ما يكفيه من الماء لوضوء الصلاة أيتوضأ بالماء أو يتيمم ؟ قال لا بل يتيمم ألا ترى انه انما جعل عليه نصف الوضوء " وعن محمد بن حمران وجميل بن دراج في الصحيح (3) " انهما سألا ابا عبد الله (عليه السلام) عن امام قوم اصابته جنابة في السفر وليس معه من الماء ما يكفيه للغسل أيتوضأ بعضهم ويصلي بهم ؟ فقال لا ولكن يتيمم الجنب ويصلى بهم فان الله عزوجل جعل التراب طهورا " ورواه الشيخ في الصحيح مثله (4) إلا انه ترك " بعضهم " وهو اظهر في الاستدلال، وما رواه الشيخ عن الحسين بن ابي العلاء (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يجنب ومعه من الماء بقدر ما يكفيه لوضوء الصلاة أيتوضأ بالماء أو يتيمم ؟ قال يتيمم ألا ترى انه جعل عليه نصف الطهور " وربما لاح من خبري الحلبي والحسين بن ابي العلاء ان من احدث بالاصغر بعد تيممه عن الجنابة فان الواجب عليه هو التيمم بدلا عن الجنابة كما هو المشهور لا عن الاصغر كما هو قول المرتضى، إلا انه يمكن تخصيص الخبرين المذكورين بكون السؤال فيهما عن هذا الحكم بعد الجنابة كما يؤنس به التعليل المذكور من قوله (عليه السلام) " ألا ترى انه انما جعل عليه نصف الوضوء " كما في الاولى أو " الطهور " كما


1) و 2) و 3) و 4) و 5) رواه في الوسائل في الباب 24 من ابواب التيمم


[ 262 ]

في الثانية، فان الظاهر ان منشأ هذا السؤال ان السائل توهم افضلية الوضوء على التيمم لكونه طهارة مائية مقدورة للجنب سابغة على الاعضاء فيحصل بها استباحة ما يحصل بالتيمم الذي هو مخصوص بعدم وجود الماء أو عدم امكان استعماله، فاجابه (عليه السلام) بان الواجب عليه شرعا لرفع حدث الجنابة في الحال المذكورة انما هوالتيمم لانه سبحانه بعد تعذر الماء للغسل وجودا أو استعمالا نقله إلى التيمم لطفا به وكرما كما دلت عليه آية التيمم المتقدمة وقوله تعالى: " ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج. الاية " ألا ترى انه لمزيد لطفه وعنايته انما جعل عليه نصف الوضوء يعني مسح المغسول منها وهي ثلاثة دون الممسوح منها وهي الثلاثة الاخرى والوضوء مركب من اعضاء ثلاثة مغسولة واعضاء ثلاثة ممسوحة. وانت خبير بان ما ذكرنا من الكلام في هذه المسألة متجه فيما إذا كان مكلفا بطهارة واحدة فلو كان مكلفا بطهارتين كالوضوء والغسل بناء على المشهور في غسل الحيض والنفاس ونحوهما من وجوب الوضوء معه فانها لو وجدت ما يكفي للوضوء دون الغسل توضأت عن الاصغر وتيممت بدلا من الغسل، وبذلك صرح جملة من الاصحاب، ولو وجدت ما يكفي للغسل خاصة قدمته وتيممت عن الحدث الاصغر، ويحتمل التخيير هنا لانهما فرضان مستقلان إلا ان الاحوط الاول. ثم انه لا يخفى ايضا ان هذا الحكم آت فيما لو تضرر بعض اعضائه بالغسل أو كان بعض اعضائه نجسا ولا يقدر على طهارته بالماء فانه يتيمم ولا يجزئه تيمم بعض وغسل بعض، لان الطهارة عبادة شرعية موقوفة على التوظيف من الشارع والذي علم منه اما الماء في الجميع أو التراب في الجميع ولم يرد عنه التبعيض، ونقل في المعتبر عن الشيخ في المبسوط والخلاف انه قال: ولو غسلها وتيمم كان احوط. وهو ضعيف لما عرفت.

(الحادي عشر) - اختلف الاصحاب في من وجد من الماء ما لا يكفيه للطهارة إلا بمزجه بالمضاف على وجه لا يسلبه الاطلاق فهل يجب المزج والطهارة به ام يجوز له ترك المزج والانتقال إلى التيمم ؟ فذهب جمع من المتأخرين: منهم - العلامة


[ 263 ]

واتباعه إلى الاول، ونقل عن جمع من المتقدمين كالشيخ واتباعه الميل إلى الثاني، وربما بني الخلاف هنا على الخلاف المتقدم في معنى الاية، فان فسرنا عدم وجود الماء بالقول الثاني المتقدم وهو كون المكلف غير واجد للماء بان يكون في مكان لا ماء فيه فالمتجه قول الشيخ بالانتقال إلى التيمم، فانه يصدق على هذا من حيث ان الماء لا يكفيه للطهارة انه غير واجد للماء فيصير فرضه التيمم، وان قلنا ان المراد بعدم وجدان الماء انما هو عدم التمكن منه كما تقدم في القول الاول فالمتجه ما ذكره العلامة لصدق التمكن بالمزج كصدقه بالسعي والطلب وبعض المحققين بني القولين المذكورين على ان الطهارة بالماء في الصورة المفروضة هل هو من قبيل الواجب المطلق فيجب المزج إذ ما لا يتم الواجب المطلق إلا به وهو مقدور فهو واجب أو انها واجب مشروط بوجود الماء وتحصيل مقدمة الواجب المشروط غير واجب ؟ وقد تقدم البحث في هذه المسألة مستوفى في باب الماء المضاف وبيان ما هو الحق المختار من القولين المذكورين.

(الثاني عشر) - قد صرح الاصحاب بانه لو كان على بدن المصلى أو ثوبه نجاسة ومعه من الماء ما لا يكفيه إلا لازالة النجاسة أو الطهارة فانه يجب تقديم ازالة النجاسة والظاهر ان الحكم بذلك اتفاقي عندهم كما صرح به في المعتبر والمنتهى والتذكرة، وعلل بان الطهارة المائية لها بدل وهو التيمم بخلاف ازالة النجاسة فيجب صرفه إليها والتيمم جمعا بين الحقين. وانت خبير بان لقائل ان يقول ان الشارع قد قيد جواز التيمم بعدم وجدان الماء والماء في الصورة المفروضة موجود، وزعم البدلية على اطلاقه ممنوع إذ غاية ما يفهم من الاخبار ثبوت البدلية مع فقد الماء بالكلية أو التضرر باستعماله وكل منهما مفقود في محل النزاع، على ان دعوى البدلية معارض بتجويز الشارع الصلاة في النجاسة مع تعذر ازالتها أو عاريا على الخلاف في المسألة. وتقديم احدهما في استعمال هذا الماء الموجود على الاخر يحتاج إلى دليل، ولا اعلم لهم دليلا وراء الاجماع المدعى والاعتماد عليه لا يخلو من مجازفة كما قدمنا القول فيه في مقدمات الكتاب، وهؤلاء


[ 264 ]

المدعون له قد طعنوا فيه في غير موضع من كتبهم الاستدلالية وان استسلقوه في امثال هذه المقامات، نعم لو علم دخول اقوال متقدمي الاصحاب من ارباب النصوص في هذا الاجماع لم يبعد الاعتماد عليه. وبالجملة فالمسألة لعدم النص لا تخلو من اشكال والاحتياط فيها واجب عندي على كل حال بان يتطهر بالماء ويصلي بالنجاسة ثم يعيد في الوقت أو خارجه بعد التمكن من الماء لازالة النجاسة. ثم انهم قد صرحوا ايضا بان ما ذكر من الحكم المذكور وهو وجوب تقديم ازالة النجاسة والتيمم مخصوص بوجود ما يتيمم به وإلا وجب الوضوء بذلك الماء والصلاة بالنجاسة. وهو مما لا اشكال فيه على القول المذكور. وصرحوا ايضا بتقييد الحكم بالنجاسة الغير المعفو عنها وبكون الثوب لو كانت النجاسة فيه مما يضطر إلى لبسه. والجميع مما لا اشكال فيه. والله العالم.

(المسألة الثانية) - في عدم الوصلة إليه والتمكن منه والبحث هنا يقع في مواضع ثلاثة:

(الاول) - قد صرح الاصحاب بان من عدم الثمن فهو كمن عدم الماء، وكذا ان وجده بثمن يضر بحاله بمعنى انه ليس للمكلف مال يقوم بذلك من غير تطرق ضرر إليه ونقصان في ماله، وقيل ان المراد ضرره في الحال يعني حال الشراء وان لم يضر به في المآل، واما لو لم يترتب عليه الضرر باي المعنيين اعتبر فانه يجب الشراء عندهم وان زاد على قيمة المثل اضعاف إذ المناط انما هو الضرر وعدمه كما عرفت. ونقل عن ابن الجنيد الانتقال إلى التيمم هنا وعدم وجوب الشراء متى كان غاليا وانه يصلي بتيممه ثم يعيد يعد وجود الماء. اقول: (اما الاول) من هذه المذكورات فلا اشكال فيه إذ صدق عدم الوجدان فيه ظاهر. و (اما الثاني) فاسنده في المعتبر إلى فتوى الاصحاب، واستدل عليه بان من خشى من لص اخذ ما يجحف به لم يجب عليه السعي وتعريض المال للتلف


[ 265 ]

وإذا ساغ التيمم هناك دفعا للضرر ساغ له هنا، وبرواية يعقوب بن سالم (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يكون معه ماء والماء عن يمين الطريق ويساره غلوتين أو نحوهما ؟ قال لا آمره ان يغرر بنفسه فيعرض له لص أو سبع " قال في المدارك بعد نقل ذلك: وهو حسن ويؤيده عموم قوله تعالى: " وما جعل عليكم في الدين من حرج " (2) وقوله عزوجل: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " (3) و (اما الثالث) فاستدلوا عليه بصحيحة صفوان (4) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن رجل احتاج إلى الوضوء للصلاة وهو لا يقدر على الماء فوجد قدر ما يتوضأ به بمائة درهم أو بالف درهم وهو واجد لها يشتري ويتوضأ أو يتيمم ؟ قال لا بل يشتري قد اصابني مثل هذا فاشتريت وتوضأت وما يشترى بذلك مال كثير " ورواه في الفقيه مرسلا عن الرضا (عليه السلام) (5) اقول: والذي وقفت عليه زيادة على هذا الخبر ما رواه العياشي في تفسيره عن الحسين بن ابي طلحة (6) قال: " سألت عبدا صالحا عن قول الله عزوجل: " أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا " (7) ما حد ذلك فان لم تجدوا بشراء أو بغير شراء ان وجد قدر وضوء بمائة الف أو الف وكم بلغ ؟ قال: ذلك على قدر جدته " وما في دعائم الاسلام (8) حيث قال: " وقالوا (عليهم السلام) في المسافر إذا لم يجد الماء إلا بموضع يخاف على نفسه ان مضى في طلبه من لصوص أو سباع أو ما يخاف منه التلف والهلاك يتيمم ويصلي. وقالوا (عليهم السلام) في المسافر يجد الماء بثمن غال ان يشتريه إذا كان واجدا لثمنه فقد وجده إلا ان يكون في دفعه الثمن


1) المروية في الوسائل في الباب 2 من ابواب التيمم 2) سورة الحج. الآية 77 3) سورة البقرة. الآية 581 4) و 5) و 6) رواه في الوسائل في الباب 26 من ابواب التيمم 7) سورة النساء الآية 43 وسورة المائدة. الآية 6 8) رواه في المستدرك الوسائل في الباب 1 و 20 من ابواب التيمم


[ 266 ]

ما يخاف منه على نفسه التلف ان عدمه والعطب فلا يشتريه ويتيمم بالصعيد ويصلي ". اقول: لا يخفى ان ما استدل به المحقق على القسم الثاني لا يخلو من نظر وان استحسنه في المدارك، اما قوله: " من خشي من لص اخذ ما يجحف به. الخ " فهو مع كونه لا دليل عليه لا يخرج عن القياس، فان ورود ذلك على تقدير تسليمه في السعي إلى تحصيل الماء لا يوجب انسحابه إلى الشراء سيما مع عموم الصحيحة المنقولة في كلامهم والخبرين اللذين اردفناهما بها، واما الاستناد إلى الرواية فكذلك ايضا، لان موردها طلب الماء في الغلوات وهو خارج عن محل المسألة وحمل ما نحن فيه على ذلك لا يخرج عن القياس، وبالجملة فان الاخبار التى نقلناها في المسألة عامة للصورة الثانية والثالثة، حيث ان ظاهرها وجوب الشراء ما وجد الثمن قليلا كان أو كثيرا، والظاهر انه إلى ما ذكرنا ذهب المرتضى على ما نقله في المعتبر حيث قال: " إذا لم يوجد إلا ابتياعا وجب مع القدرة وان كثر الثمن، كذا قال علم الهدى، وقيل ما لم يتضرر به في الحال وهو اشبه " ثم استدل على الاول بانه واجد للماء ضرورة قدرته عليه بالثمن الموجود، ثم اورد رواية صفوان إلى ان قال: واما الثاني وهو اشتراط عدم الضرر الحالي فهو اختيار الشيخ، ثم نقل قول ابن الجنيد الاتي إلى ان قال: وقال الشيخ في كتبه كلها لا يجب شراؤه إذا كان مضرا في الحال وهو فتوى فضلائنا وفتوى فقهاء الجمهور، وانما قلنا انه اشبه لان من خشي. إلى آخر ما قدمناه من نقل دليله. وانت خبير بان ظاهر اطلاق المرتضى هو ما ذكرناه، وتقييدهم بالضرر المذكور في مقابلة اطلاقه شاهد لما ندعيه. وهذا الضرر الذي قيدوا به لا يخلو من اجمال، نعم يمكن التقييد بما دلت عليه رواية الدعائم من انه متى استلزم دفع المال خوف التلف على نفسه والعطب فانه يجب الانتقال إلى التيمم، ويؤيده ما دل على نفي الحرج في الدين وارادة اليسر دون العسر وسعة الحنيفية (1)


1) اما ما دل على الحرج والعسر فالآيتان المتقدمتان ص 265 واما ما دل على سعة الحنيفية فروى السوطى في الجامع الصغير ج ص 109 قوله صلى الله عليه وآله: " بعثت =


[ 267 ]

ونحو ذلك، وحينئذ فان اريد بالضرر المذكور في كلامهم هو ما ذكرناه فالحق ما ذكره في المعتبر ونقله عن الشيخ واتباعه، وان اراد غير ذلك فالحق ما ذكره المرتضى. وبالجملة فان هذا الضرر المذكور في كلامهم الذي سوغوا معه التيمم دون الشراء غير منقح ولا مبين، فربما ظهر من بعض العبارات انه عبارة عن خوف قلة المال خصوصا عند من يقيد بالحال الحاضرة، قال في الذكرى بعد الاشارة إلى مضمون صحيحة صفوان: هذا مع عدم الضرر الحالي أو المتوقع في زمان لا يتجدد له مال عادة اما معه فلا، وكذا لو اجحف بمامله للحرج. وظاهر اطلاق جملة من العبارات يقتضي عدم الفرق بين المجحف وغيره فانه ينتقل إلى الشراء، وقيده في الذكرى كما سمعت ومثله العلامة في التذكرة بعدم الاجحاف بالمال وان كان مقدورا للحرج. وفيه منع فان ظواهر الاخبار المتقدمة ترده، وبالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال لعموم النصوص المتقدمة وغاية ما يمكن استثناؤه منها بالادلة العامة من خارج هو الصورة التي ذكرناها ودل عليها الخبر المتقدم. واما ما نقل عن ابن الجنيد من الانتقال إلى التيمم في الصورة الثانية وعدم الشراء فقيل في الاحتجاج له: ان خوف فوات المال اليسير بالسعي إلى الماء مجوز للتيمم فكيف يجب بذل الكثير على هذا الوجه فيه ولتساوي الحكم في تضييع المال القليل والكثير وكفر مستحله وفسق غاصبه وجواز الدفع عنه ؟ واجيب عن ذلك بالفرق بين جميع ما ذكر وموضع النزاع بالنص، وبالمنع من مساواة ما يبذله المكلف باختياره وبين ما ينهب منه قهرا لما في الثاني من لزوم الغضاضة والاهانة الموجبة للضرر بخلاف الاول لان الفرض انتفاء الضرر فيه. وربما اجيب بالفرق بين الامرين بالعوض والثواب بمعنى ان اللازم من الفرع انما هو الثواب لانه عبادة اختيارية مطلوبة


= بالحنيفية السمحة.. " ورواه الخطيب في تاريخ بغداد ج 7 ص 209 وروى الكليني في فروع الكافي ج 2 ص 56 من حديث قوله " ص ": لم يرسلنى الله بالرهبانية ولكن بعثنى بالحنيفية السهلة السمحة "


[ 268 ]

للشارع وهو اضعاف ما دفع واللازم في الاصل انما هو العوض وهو مساو لما اخذ منه فلا يتم القياس واستضعفه في الذكرى استنادا إلى انه إذا ترك المال لابتغاء الماء دخل في حيز الثواب، وزاد عليه في الروض بعد استحسانه بانه يجمع له حينئذ بين العوض والثواب وهو اعظم من الثواب وحده. وبالجملة فالاولى هو الاستناد في الفرق إلى النص مع قطع النظر عن الطعن فيما ذكره بانه لا يخرج عن القياس كما قدمنا ذكره في الكلام على كلام المعتبر. (الموضع الثاني) - فقد الآلة التي يتوصل بها إلى الماء كما إذا مر ببئر أو شفير نهر ولم يتمكن من الوصول إلى الماء إلا بمشقة أو تغرير بنفسه ولا آلة معه للاغتراف فانه يتيمم، قال في المنتهى: وهو قول علمائنا اجمع. اقول: ويدل عليه مضافا إلى الاجماع المذكور المؤيد ايضا بنفي الحرج في الدين (1) ما رواه الصدوق في الصحيح عن الحسين ابن سعيد عن عبيدالله بن علي الحلبي (2): " انه سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يمر بالركية وليس معه دلو ؟ قال ليس عليه ان يدخل الركية لان رب الماء هو رب الارض فليتيمم " وما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن ابي يعفور وعنبسة بن مصعب جميعا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " إذا اتيت البئر وانت جنب ولم تجد دلوا ولا شيئا تغرف به فتيمم بالصعيد فان رب الماء هو رب الصعيد ولا تقع في البئر ولا تفسد على القوم ماءهم " وما رواه ثقة الاسلام في الحسن عن الحسين بن ابي العلاء (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يمر بالركية وليس معه دلو ؟ قال ليس عليه ان ينزل الركية ان رب الماء هو رب الارض فليتيمم ".

(الموضع الثالث) - قد صرح الشيخ بان من منعه الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة عن الخروج للوضوء تيمم وصلى ثم اعاد، والاصل في الحكم المذكور ما رواه


1) راجع التعليقة 1 ص 266 2) و 3) و 4) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب التيمم


[ 269 ]

الشيخ عن السكوني عن جعفر عن ابيه عن علي (عليهم السلام) (1) " انه سئل عن رجل يكون في وسط الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة لا يستطيع الخروج من المسجد من كثرة الناس ؟ قال يتيمم ويصلي معهم ويعيد إذا انصرف " وعن سماعة في الموثق عن الصادق عن ابيه عن علي (عليهم السلام) (2) " انه سئل عن رجل يكون في وسط الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة فاحدث أو ذكر انه على غير وضوء ولا يستطيع الخروج من كثرة الزحام ؟ قال يتيمم ويصلى معهم ويعيد إذا انصرف " والحكم بالانتقال إلى التيمم في الصورة المذكورة مما لا خلاف فيه فيما اعلم وانما الكلام في الاعادة وظاهر كلام الشيخ ومن تبعه وجوبها وكذا نقل عن ابن الجنيد، وقد استشكله جملة من محققي المتأخرين ومتأخريهم بان الامر يقتضي الاجزاء وقد ادى الصلاة بتيمم صحيح حسبما امر فلا تتعقبه الاعادة، ومن اجل ذلك حملوا الامر بالاعادة على الاستحباب كما هي القاعدة المطردة عندهم في جميع الابواب، اقول: والتحقيق عندي في هذه المسألة هو ان يقال لا ريب ان الجمعات والجماعات في وقتهم (عليهم السلام) انما كانت للمخالفين والصلاة المذكورة في الخبرين انما هي معهم وذلك المحدث لا يمكنه الخروج للزحام ولا ترك الصلاة معهم للتقية فلذا يعيد حينئذ والوقت غير مضيق، وذلك لان هذا الزحام المانع انما هو باجتماعهم في الجامع فمتى فرغوا من الصلاة وتفرقوا وخرج هو معهم اعاد صلاته، وهذا لا اشكال فيه. واما ما ذكره في المعتبر - حيث قال: من احدث في الجامع يوم الجمعة ومنعه الزحام عن الخروج تيمم وصلى لان وقت الجمعة ضيق والتقدير تقدير عدم التمكن من الخروج ومن الماء فيجزيه التيمم، وهل يعيد ؟ الوجه لا، لانه صلى صلاة مأمورا بها مستجمعة الشرائط حال ادائها فتكون مجزئة، وقال الشيخ يعيد وكذا قال ابن الجنيد، وربما


1) رواه في الوسائل في الباب 3 من ابواب التيمم 2) رواه في الوسائل في الباب 15 من ابواب التيمم


[ 270 ]

كان تعويله على رواية السكوني، ثم ساق الرواية وردها بضعف السند - ففيه ان الروايتين اللتين هما المستند في هذه المسألة قد اشتملتا على يوم الجمعة ويوم عرفة، وفرضه المسألة على ما قرره من ضيق وقت يوم الجمعة وان تم له في يوم الجمعة إلا انه لا يتم له في يوم عرفة لان المراد بالزحام يوم عرفة يعني في صلاة الظهرين في مسجد عرفة ووقت الظهرين غير مضيق فلا يتمشى ما ذكره فيه، على ان الحق - كما عرفت - ان الصلاة انما هي مع جماعة المخالفين الذين هم ارباب الجمعات والجماعات في الصدر السابق سيما في المواضع الظاهرة المكشوفة كعرفات ونحوها، ولا ريب ان المقتدي بهم من الشيعة لا يصليها جمعة وانما يصليها ظهرا، فلا يتم التقريب الذي ذكره من ان وقت الجمعة ضيق، وبالجملة فانه على ما ذكرنا لا اشكال بحمد الملك المتعال (فان قيل): ان مقتضى ما ذكرتم من الصلاة تقية مع سعة الوقت هو عدم صحة الصلاة فلماذا امر (عليه السلام) بالتيمم والحال ان الصلاة غير صحيحة ويجب اعادتها بعد خروجهم وتفرقهم ؟ (قلنا) يمكن ان يكون لوجه في هذا التيمم ما رواه الصدوق عن مسعدة بن صدقة (1) " ان قائلا قال لجعفر بن محمد (عليه السلام) اني امر بقوم ناصبية قد اقيمت لهم الصلاة وانا على غير وضوء فان لم ادخل معهم قالوا ما شاءوا ان يقولوا فاصلي معهم ثم اتوضأ إذا انصرفت ؟ قال سبحان الله أما يخاف من يصلي على غير وضوء ان تأخذه الارض خسفا " والتقريب فيها انه (عليه السلام) منع من الاتيان بصورة الصلاة وان كانت باطلة باعتقاد صاحبها ومريدا للاعادة لها بغير طهارة، والحال في الصورتين واحدة، والوضوء هنا متعذر فلابد من الانتقال إلى التيمم، فالامر بالتيمم انما هو لما دل عليه هذا الخبر كما عرفت (فان قيل: يمكن ان يكون مراده (عليه السلام) من الخبر المذكور انما هو الامر بالوضوء والصلاة معهم على حسب الصلاة خلف المخالفين فتكون صلاة صحيحة، فيكون المنع والتهديد المذكور انما تعلق بالصلاة الصحيحة (قلنا): هذا المعنى بعيد عن ظاهر الخبر


1) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب التيمم


[ 271 ]

بمراحل فان السائل انما سأل عن الصلاة معهم بما هو صورة الصلاة من مجرد الاتيان بهذه الافعال من غير ان يقصدها صلاة ويعتد بها والجواب انما وقع بازاء السؤال المذكور، وظاهر السؤال المذكور ان الرجل غير متمكن من الوضوء في تلك الحال والصلاة معهم ليدفع عن نفسه خوف الشنعة منهم، وحينئذ فحاصل جوابه (عليه السلام) انك لا تأتي بالصلاة وان كنت لا تعتقدها صلاة بغير وضوء بل ان ان امكنك الوضوء والصلاة معهم فافعل وإلا فامض ولا تصل.

ويجب التنبيه هنا على فوائد:

(الاولى) - قال المولى محمد تقي المجلسي في شرحه على الفقيه بعد ذكر صحيحة صفوان: " الظاهر من الخبر لزوم الشراء ولو كان باضعاف ثمن المثل، وقيل يجب ما لم يجحف، والقول بالوجوب مشكل لان استعمال الوجوب في الاستحباب المؤكد شائع والقرينة " قد اصابني فاشتريت " والترغيب، فانه يكون غالبا في المستحبات والترهيب في الواجبات " انتهى. اقول لا يخفى ما فيه من الغفلة فان استعمال لفظ الوجوب في الاستحباب المؤكد انما هو فيما إذا ورد في الخبر التعبير بلفظ الوجوب فانه غير صريح في المعنى الاصولي المشهور كما عرفت في غير موضع بل كما يستعمل في المعنى المشهور يستعمل ايضا في الاستحباب المؤكد، لا ما إذا ورد الخبر بلفط الامر الدال على الوجوب أو بعبارة اخرى من الالفاظ الدالة على الوجوب فانه يجب الحمل على الوجوب البتة عملا باستعمال اللفظ في حقيقته، والخبر المذكور هنا لم يشتمل على لفظ الوجوب حتى يتم تأويله المذكور وانما اشتمل على النهي عن التيمم والامر باشتراء الماء والنهي حقيقة في التحريم والامر حقيقة في الوجوب، ولا يجوز العدول عن الحمل على الحقيقة إلا مع وجود الصارف عن ذلك. وليس فليس، ومجرد استبعاده ذلك لا يكفي في رد الحكم الصريح من هذا الخبر وامثاله كما عرفت، واستناده إلى ما ذكره ضعيف لا يعول عليه.

(الثانية) - قد اختلفت نسخ الحديث في قوله في آخر صحيحة صفوان


[ 272 ]

" وما يشترى به مال كثير " ففي بعضها كما ذكرنا، وعلى هذا تكون " ما " حينئذ موصولة و " يشترى " بحوز قراءته بالبناء للفاعل والبناء للمفعول، والمعنى ان الماء الذي يشترى للوضوء بتلك الدراهم مال كثير لما يترتب عليه من الثواب العظيم والاجر الجسيم وربما تقرأ بالمد " ماء " والمعنى يرجع إلى ما ذكر، وفى بعضها " يسوءني " من المساءة ضد المسرة وعليه فيحتمل ان تكون " ما " نافية " اي ما يسوءني بذلك الماء اعطاء مال كثير في الثمن، ويحتمل ان تكون استفهامية، وعلى هذا يكون " مال كثير " خبر مبتدأ محذوف اي الذي اشترى به مال كثير، وفي بعضها " ما يسرني " من المسرة ضد المساءة، وعلى هذا تكون " ما " موصولة والمال الكثير كناية عن الثواب. والمعنى ان الذي يوجب لي السرور بهذا الشراء هو الثواب العظيم المترتب عليه، واكثر المحدثين اعتمدوا على نقل الحديث بما ذكرنا.

(الثالثة) - ما تقدم من البحث بالنسبة إلى الماء ياتي مثله بالنسبة إلى آلة تحصيله من الدلو والرشاء حيث يتوقف تحصيله عليهما فيجب الشراء على التفصيل المتقدم في شراء الماء، فمتى تمكن وانتفى الضرر على الخلاف المتقدم وجب لوجوب تحصيل شرط الواجب المطلق بحسب الامكان، والقادر على شد الثياب بعضها ببعض والتوصل إلى الماء بها ولو بشق بعضها وان نقصت اثمانها متمكن مع عدم التضرر بذلك الداخل تحت الحرج المنفى آية ورواية. (1).

(الرابعة) - قد اشرنا سابقا إلى اختلافهم في الحال المعتبرة في الضرر بدفع الثمن الموجب للانتقال إلى التيمم هل هي عبارة عن الحال الحاضرة التى هي عبارة عن وقت الشراء، وهذا هو صريح عبارة المعتبر المتقدمة، وعلى هذا لا عبرة بخوف ضرره في المآل لامكان تجدد ما يندفع به الضرر ولعدم التضرر بذلك كحينئذ، أو انها عبارة عن حال المكلف ؟ وهو صريح عبارة الذكرى المتقدمة، وهو الظاهر من كلام


1) راجع التعليقة 1 ص 266 وج 1 ص 151


[ 273 ]

الشهيد الثاني في الروض فيعم الضرر الحالي والمتوقع حيث يحتاج إلى المال المبذول في مستقبل الزمان الذي لا يتجدد له فيه مال عادة، فمتى لم يضره بذل الثمن في الحال والمال على الوجه المذكور وجب الشراء. وانت خبير بان الاخبار المتقدمة وهي اخبار المسألة مطلقة في هذا الحكم ؟ كما ذكرناه آنفا، وتقييدها بالضرر المستفاد من الادلة العامة يقتضي الاقتصار على الحال الحاضرة لاناطه الحكم بها وصدق عدم الضرر يومئذ وامكان تجدد ما يندفع به الضرر في المآل، ومنه يظهر قوة ما ذهب إليه في المعتبر.

(الخامسة) - لو بذل له الماء بثمن إلى اجل يقدر عليه عند الحلول فقد صرح العلامة وجملة من الاصحاب بوجوب الشراء لان له سبيلا إلى تحصيل الماء، واستشكل بعض في ذلك بان شغل الذمة بالدين الموجب للذلة - مع عدم الوثوق بالوفاء وقت الحلول وتعريض نفسه لضرر المطالبة وامكان عروض الموت وهو مشغول الذمة - ضرر عظيم، وفى حكمه الاقتراض للشراء. اقول: والمسألة لعدم النص محل توقف.

(السادسة) - لو وهبه الماء واعاره الالة فطاهر الاصحاب وجوب القبول هنا بخلاف ما إذا وهبه الثمن، وعللوا الاول بانه لا منة في هبة الماء ولا اعارة الالة فلا يسوغ له التيمم لانه قادر على استعمال الماء بقبول ذلك فيكون كواجده، وهذا بخلاف هبة الثمن فانها لاشتمالها على المنة عادة الموجبة للغضاضة والامتهان لا يجب تحملها ولا قبولها وان قل الثمن، هذا هو المشهور، ونقل عن الشيخ انه اوجب القبول لوجوب تحصيل شرط الواجب المطلق، وكذا يجرئ الكلام في هبة الالة ايضا، ويأتي على ما ذكره الشيخ هنا ايضا وجوب القبول، وظاهر المدارك الميل إلى ما ذكره الشيخ (قدس سره) حيث قال بعد نقل قول الشيخ: " استشكله المصنف في المعتبر بان فيه منة بالعادة ولا يجب تحمل المنة. وهو ضعيف لجواز انتفاء المنة ومنع عدم وجوب تحملها إذا توقف الواجب عليه. ولو امتنع من قبول الهبة لم يصح تيممه مادام الماء أو الثمن باقيا في يد المالك المقيم على البذل " انتهى كلامه (رحمه الله) وهو جيد، ويؤيده انهم صرحوا ايضا في


[ 274 ]

كتاب الحج بعدم حصول الاستطاعة بما يهبه له لعدم وجوب قبول الهبة لاشتمالها على المنة، مع ان ظواهر الاخبار - كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى - دالة على وجوب القبول، وبالجملة فالظاهر هو ما ذهب إليه الشيخ (قدس سره) سيما مع موافقته الاحتياط المطلوب في المقام، حيث ان المسألة عارية عن النص فيجب الوقوف فيها على جادة الاحتياط.

(المسألة الثالثة) - في الخوف والمراد به ما هو اعم من خوف لص أو سبع أو نحو ذلك أو خوف المرض وحدوثه أو زيادته أو خوف العطش، فههنا مقامات ثلاثة:

(الاول) - في خوف السبع واللص ونحوهما، وقد صرح الاصحاب بانه لا فرق في جواز التيمم بين ان يخاف لصا أو سبعا على نفسه أو ماله، قال العلامة في المنتهى: السبب الثاني ان يخاف على نفسه أو ماله لصا أو سبعا أو عدوا أو حريقا أو التخلف عن الرفقه وما اشبهه فهو كالعدم، لا نعرف فيه خلافا لانه غير واجد إذ المراد بالوجدان ان يمكن الاستعمال لاستحالة الامر بما لا يطاق، ثم استدل على ذلك برواية يعقوب بن سالم ورواية داود الرقي. اقول: والروايتان قد قدمناهما في صدر المسألة الاولى، وظاهرهما بل صريحهما تخصيص العذر بالخوف على النفس، واما الخوف على المال فلم اقف فيه على مستند إلا انه اتفاقي بينهم. وصريح الروض - وهو ظاهر غيره ايضا - انه لا فرق في المال بين كونه له أو لغيره، وهو اشد. اشكالا. واما ما في المسالك - حيث قال بعد ذكر العموم في الخوف للنفس والمال: " ولا فرق بين كثير المال وقليله، والفارق بينه وبين الامر ببذل المال الكثير لشراء الماء النص لا كون الحاصل في مقابلة المال في الاول هو الثواب لبذله في عبادة اختيارا وفى الثاني العوض وهو منقطع، لان تارك المال للص وغيره طلبا للماء داخل في موجب الثواب ايضا " انتهى - ففيه انا لم نقف على نص يدل على وجوب الانتقال إلى التيمم للخوف على المال سوى الروايتين المشار اليهما، وظاهرهما بل صريحهما ينادي بان المراد انما هو الخوف على النفس كما عرفت لقوله في الاول " لا آمره ان يغرر بنفسه فيعرض له لص أو سبع "


[ 275 ]

ومن الظاهر ان التغرير بالنفس انما هو عبارة عن تعريضها لما يوجب الهلاك، وفي الثانية " فانى اخاف عليك التخلف عن اصحابك فتضل ويأكلك السبع " (1) وهي ظاهرة ايضا فيما ذكرناه. نعم قد ورد النص ببذل المال الكثير في الشراء كما تقدم من صحيحة صفوان وبالجملة فاني لا اعرف لهم دليلا على وجوب الانتقال إلى التيمم لخوف ضياع المال إلا ما في المدارك من دعوى عموم ما يدل على رفع الحرج والعسر، قال: ولا ريب ان تعريض المال للصوص حرج عظيم ومهانة على النفس بخلاف بذل المال اختيارا فانه لا غضاضة فيه على اهل المروة بوجه، قال ولعل ذلك هو الفرق بين الموضعين. انتهى وزاد بعضهم الاستناد إلى ما دل على وجوب حفط المال وصيانته. اقول: وفيه انه معارض بما دل على وجوب الوضوء والغسل من الاية والروايات المستفيضة وهو اصرح واضح فيجب تقديم العمل به وارجاع ما خالفه إليه بالحمل على غير الصورة المذكورة على ان دعوى لزوم الحرج بتعريض المال للصوص ووجوب الحفظ وصيانة المال في هذه الحالة ممنوعة سيما الثاني فانه مصادرة ظاهرة، ومع التسليم فنقول عامان تعارضا وتقييد ما ذكرناه من العموم ليس اولى من تقييد ما ذكروه وبذلك لا يتم الاستدلال، وعلى كل تقدير فهذه الادلة مع تسليمها لا تشمل مال الغير ومدعاهم كما تقدم حفظ المال مطلقا له ولغيره وهو اظهر فسادا، وهذا بحمد الله سبحانه واضح لمن عرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال. وألحق الاصحاب بالخوف على النفس والمال الموجب للانتقال إلى التيمم الخوف ايضا على العرض والبضع والخوف من الفاحشة سواء في ذلك الرجل والمرأة، وكذا لو خاف على اهله ان مضى إلى الماء لصا أو سبعا. وجزم في المعتبر بان الخوف الحاصل بسبب الجبن كذلك، وتنظر فيه العلامة في المنتهى مع ان المنقول عنه في غيره القول بالاول وهو المشهور بينهم، وايده بعضهم بانه ربما ادى الجبن إلى ذهاب العقل الذي


1) تقدمتا ص 249 2) ص 265


[ 276 ]

هو اقوى من كثير مما يسوغ التيمم لاجله.

(المقام الثاني) - في خوف المرض الشديد باستعمال الماء اما بخوف حدوثه أو زيادته أو بطوء برئه سواء كان عاما لجميع البدن أو مختصا بعضو، ويدل على ذلك من الايات عموما قوله عزوجل: " وما جعل عليكم في الدين من حرج " (1) " ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج " (2) " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " (3) " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " (4) والوسع دون الطاقة، روى العياشي في تفسير هذه الاية عن احدهما (عليهما السلام) (5) " لا يكلف الله نفسا فيما افترض عليها إلا وسعها اي إلا ما يسعه قدرتها فضلا ورحمة " وقوله تعالى: " ولا تقتلوا انفسكم " (6) " ولا تلقوا بايديكم إلى التهلكة " (7) وخصوصا قوله عزوجل فيما تقدم من الاية التي في صدر الباب " وان كنتم مرضى. " وقد تقدم تفسيره عنهم (عليهم السلام) اي مرضا يضر معه استعمال الماء أو يوجب العجز عن السعي إليه، ومن الاخبار عموما قوله (صلى الله عليه وآله) (8): " بعثت بالحنيفية السمحة " وقوله (صلى الله عليه وآله) (9) " لا ضرر ولا ضرار " وقولهم (عليهم السلام) (10): " ان دين محمد اوسع مما بين السماء والارض ان الخوارج ضيقوا على انفسهم وان الدين اوسع من ذلك " وخصوصا الاخبار المستفيضة، ومنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (11) قال:


1) سورة الحج. الآية 77 2) سورة المائدة الآية 6 3) سورة البقرة. الآية 581 4) سورة البقرة. الاية 286 5) رواه الكاشانى في الصافى في تفسير الاية 6) سورة النساء الآية 29 7) سورة البقرة. الاية 591 8) راجع التعليقة 1 ص 266 9) رواه في الوسائل في الباب 5 من الشفعة و 12 من احياء الموات 10) ورد قوله " ان الخوارج. الخ " في صحيحة البزنطى المتقدمة ج 1 ص 69 11) رواه في الوسائل في الباب 5 من ابواب التيمم


[ 277 ]

" سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الجنب تكون به القروح ؟ قال لا بأس بان لا يغتسل يتيمم " وعن احمد بن محمد بن ابي نصر في الصحيح عن الرضا (عليه السلام (1)) " في الرجل تصيبه الجنابة وبه قروح أو جروح أو يخاف على نفسه من البرد ؟ قال لا يغتسل يتيمم " وفى الكافي عن محمد بن سكين وغيره عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " قيل له ان فلانا اصابته جنابة وهو مجدور فغسلوه فمات ؟ فقال قتلوه ألا سألوا ألا يمموه ان شفاء العي السؤال " قال (3): " وروي ذلك في الكسير والمبطون يتيمم ولا يغتسل " ورواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر من كتاب محمد بن علي بن محبوب عن ابن ابي عمير (4) مثله إلا انه قال: " قيل يا رسول الله (صلى الله عليه وآله. " وذكر الحديث، ورواه الصدوق مرسلا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) (5) وعن ابن ابي عمير عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " سألته عن مجدور اصابته جنابة فغسلوه فمات ؟ فقال قتلوه ألا سألوا فان دواء العي السؤال " وعن جعفر بن ابراهيم الجعفري عن الصادق (عليه السلام) (7) قال: " ان النبي (صلى الله عليه وآله) ذكر له ان رجلا اصابته جنابة على جرح كان به فامر بالغسل فاغتسل فكز فمات ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) قتلوه قتلهم الله تعالى انما كان دواء العي السؤال " وروى الصدوق في الصحيح عن محمد ابن مسلم (8) " انه سأل الباقر (عليه السلام) عن الرجل يكون به القروح والجراحات فيجنب ؟ قال لا بأس بان يتيمم ولا يغتسل " قال (9) " وقال الصادق (عليه السلام) المبطون والكسير يؤممان ولا يغسلان ". إذا عرفت ذلك فاعلم المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) عدم الفرق في تجويز التيمم بين متعمد الجنابة وغيره، واسند المحقق في المعتبر إلى الشيخين ان من


1) و 2) و 3) و 4) و 5) و 6) و 7) و 8) و 9) رواه في الوسائل في الباب 5 من ابواب التيمم


[ 278 ]

اجنب نفسه مختارا لم يجز له التيمم وان خاف التلف أو الزيادة في المرض. اقول: لا ريب ان عبارة المفيد على ما في المختلف صريحة في ذلك حيث قال: من اجنب مختار اوجب عليه الغسل وان خاف منه على نفسه ولم يجزه التيمم، بهذا جاء الاثر عن ائمة آل محمد (عليهم السلام). وفى المختلف عن ابن الجنيد ايضا انه قال: ولا اختار لاحدان يتلذذ بالجماع اتكالا على التيمم من غير جنابة اصابته فان احتلم اجزأه. واما الشيخ فالذي نقله عنه في المختلف ان خائف التلف على نفسه يتيمم ويصلي ويعيد الصلاة إذا وجد الماء واغتسل، وهذا القول منقول عنه في النهاية والمبسوط واما في التهذيب فانه جعل الاولى ان يغتسل على كل حال وظاهر المعتبر ان القول الذي نقله عنه موافقا لمذهب المفيد هو قوله في الخلاف، وحينئذ فيختص خلافه في المسألة بقوله في الخلاف. ثم لا يخفى ان الصدوق في الفقيه قال (1): " وسئل الصادق (عليه السلام) عن مجدور اصابته جنابة فقال ان كان اجنب هو فليغتسل وان كان احتلم فليتيمم " وظاهر نقله الرواية والجمود عليها انه يفتي بمضمونها بناء على قاعدته في اول الكتاب التي بنوا عليها مذاهبه فيه، ولم اعثر على من نسب ذلك إليه مع ان الامر كما ترى، إلا انه قال بعد هذه الرواية المذكورة: " والجنب إذا خاف على نفسه من البرد يتيمم " وهذه الزيادة محتملة لان تكون من كلامه وان تكون من الخبر، ويؤيد الاول ان هذا الخبر الذي نقله عين مرفوعة علي بن احمد الاتية وهي عارية عن هذه الزيادة، وكيف كان فانه لا يخفى مدافعة هذه الزيادة للخبر الذي ذكره وان كان التأويل ولو بتمحل ممكنا، والى هذا القول ذهب في الوسائل. وها انا اذكر جملة ما وقفت عليه من ادلة القول المذكور وابين - بحمد الله سبحانه - ما فيها من الضعف والقصور ومنه يظهر قوة القول المشهور وانه هو المؤيد المنصور، فمن ذلك ما رواه ثقة الاسلام عن عدة من اصحابنا عن علي بن احمد رفعه عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن مجدور اصابته جنابة ؟ قال ان اجنب


1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 17 من ابواب التيمم


[ 279 ]

هو فليغتسل وان كان احتلم فليتيمم " وعن علي بن ابراهيم عن ابيه رفعه (1) قال: ان اجنب نفسه فعليه ان يغتسل على ما كان منه وان احتلم فليتيمم " وصحيحة محمد بن مسلم (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تصيبه الجنابة في ارض باردة ولا يجد الماء وعسى ان يكون الماء جامدا ؟ فقال يغتسل على ما كان حدثه رجل انه فعل ذلك فمرض شهرا من البرد فقال اغتسل على ما كان فانه لابد من الغسل. وذكر الصادق (عليه السلام) انه اضطر إليه وهو مريض فاتوه به مسخنا وقال لابد من الغسل " وصحيحة سليمان بن خالد عن الصادق (عليه السلام) (3) " انه سئل عن رجل كان في ارض باردة فتخوف ان هو اغتسل ان يصيبه عنت من الغسل كيف يصنع ؟ قال يغتسل وان اصابه ما اصابه، قال وذكر انه كان وجعا شديد الوجع فاصابته جنابة وهو في مكان بارد وكانت ليلة شديدة الريح باردة فدعوت الغلمة فقلت لهم احملوني فاغسلوني فقالوا انا نخاف عليك فقلت لهم ليس بد فحملوني ووضعوني على خشبات ثم صبوا علي الماء فغسلوني ". هذا ما وقفت عليه من ادلة القول المذكور وتطرق الطعن إليها ظاهر من وجوه (احدها) - ان ظاهر المرفوعتين المتقدمتين - هو ايضا ظاهر عبارتي شيخنا المفيد وابن الجنيد - ان الجماع في حال عدم الماء أو التضرر به الموجب للتيمم غير جائز ولا مشروع، ومن ثم وجب على من تعمد ذلك في الحال المذكورة الغسل وان اصابه ما اصابه عقوبة له بخلاف ما لو احتلم فانه يجزئه التيمم لعدم التعمد والتقصير، والقول بذلك مع كونه مخالفا للاجماع كما نقله في المعتبر مردود بما رواه في السكافي في الصحيح أو الموثق عن اسحاق بن عمار (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون معه اهله في السفر لا يجد الماء أيأتي أهله ؟ قال ما احب ان يفعل إلا ان يخاف على نفسه. قال قلت طلب بذلك اللذة أو يكون شبقا إلى النساء ؟ قال ان الشبق يخاف على


1) و 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 17 من ابواب التيمم 4) رواه في الوسائل في الباب 50 من مقدمات النكاح


[ 280 ]

نفسه. قلت طلب بذلك اللذة ؟ قال هو حلال. قلت: فانه يروى عن النبي (صلى الله عليه وآله) ان اباذر سأله عن هذا فقال: ائت اهلك تؤجر. فقال يارسول الله (صلى الله عليه وآله) آتيهم واؤجر ؟ فقال رسول الله كما انك إذا اتيت الحرام وزرت فكذلك إذا اتيت الحلال اجرت. فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ألا ترى انه إذا خاف على نفسه فاتى الحلال اجر ؟ " وما رواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر من كتاب محمد بن علي بن محبوب عن اسحاق بن عمار (1) قال: " سألت ابا ابراهيم (عليه السلام) عن الرجل يكون مع اهله في السفر فلا يجد الماء يأتي اهله ؟ فقال ما احب ان يفعل ذلك إلا ان يكون شبقا أو يخاف على نفسه، قلت يطلب بذلك اللذة ؟ قال هو حلال قلت فانه روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) وان ابا ذر سأله عن هذا فقال ائت اهلك تؤجر. فقال يارسول الله واؤجر ؟ فقال كما انك إذا اتيت الحرام وزرت فكذلك إذا اتيت الحلال اجرت، فقال ألا ترى انه إذا خاف على نفسه فاتى الحلال اجر ؟ " وهذان الخبران مع صحتهما ظاهران في المراد عاريان عن وصمة الايراد. وما رواه في التهذيب عن السكوني عن جعفر عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) عن ابي ذر والصدوق في الفقيه عن ابي ذر (رضي الله عنه) (2) " انه اتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال يارسول الله هلكت جامعت على غير ماء. قال فامر النبي (صل الله عليه وآله) بمحمل فاستترت به وبماء فاغتسلت انا وهي، ثم قال يا ابا ذر يكفيك الصعيد عشر سنين " والتقريب فيه ان النبي (صلى الله عليه وآله) اقره على ما فعل ولم ينكر عليه، ومقتضى المرفوعتين المذكورتين وكلام الفاضلين المذكورين لو صح ما ذكروه تغريره لفعله امرا محرما، ونحوها صحيحة محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن رجل


1) رواه في الوسائل في الباب 27 من ابواب التيمم 2) رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب التيمم 3) رواه في الوسائل في الباب 9 و 28 من ابواب التيمم


[ 281 ]

اجنب في سفر ولم يجد إلا الثلج أو ماء جامدا ؟ فقال هو بمنزلة الضرورة يتيمم ولا ارى ان يعود إلى هذه الارض التي توبق دينه " والتقريب فيها ان الجنابة فيها اعم من الاحتلام وقد امره بالتيمم والحال هذه ولم ينكر عليه ذلك. و (ثانيها) - ما عرفت من استفاضة الايات والروايات بعدم تكليفه سبحانه بما يؤدي إلى الحرج والضرر، وقد استفاضت الاخبار عنهم (عليهم السلام) بان ما خالف كتاب الله يضرب به عرض الحائط وانه زخرف (1) ولا ريب في مخالفة هذه الاخبار لظاهر الكتاب والسنة المستفيضة فيجب الاعراض عنها وارجاعها إلى قائلها. و (ثالثها) - انه لا يخفى على من نظر في التكاليف الشرعية بعين التحقيق وتأمل فيها بالفكر الصائب الدقيق انه يعلم منها علما جاز ما لا يخالجه الريب ولا يتطرق إليه العيب ان اعتناء الشارع بالابدان ورعايته لها مقدمة على رعاية الاديان، وانه لا يكلف العبد إلا ما يدخل قدرته ووسعه بل دون ذلك، ألا ترى انه اوجب على المسافر القصر رعاية لمشقة السفر واوجب على المتضرر بالماء الانتقال إلى التيمم واوجب على المتضرر بالقيام في الصلوة العقود وبالقعود الاضطجاع وعلى المتضرر بالصيام الافطار، إلى غير ذلك من الموارد التي يقف عليها المتتبع، وكل ذلك منه عز شأنه رعاية للبدن ومحافظة عليه من الضرر، وجميع هذه الحالات التي نقلهم إليها ربما يطيقون القيام بالحالات التي قبلها إلا انه لما فيها من المشقة والعسر نقلهم عنها إلى مالا مشقة فيه أو ما هو اهون مشقة لطفا بهم وعناية لهم، ويعضد ما ذكرناه من هذه المقالة جملة من الاخبار الواضحة المنار الساطعة الانوار، ومنها - موثقة محمد بن علي الحلبي المروية في كتاب التوحيد عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " ما امر العباد إلا بدون سعتهم وكل شئ امر الناس باخذه فهم متسعون له ومالا يتسعون له فهو موضوع عنهم ولكن


1) رواها في الوسائل في الباب 9 من صفات القاضى وما يقضى به 2) في الباب 55 وهو باب الاستطاعة


[ 282 ]

الناس لاخير فيهم " وهو صريح في المقام، وما رواه ثقة الاسلام في الكافي عن حمزة بن الطيار عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " قال لي كتب فاملى علي ان من قولنا ان الله يحتج على العباد بما آتاهم، ثم ساق الخبر إلى ان قال: ولا اقول انهم ما شاؤا صنعوا، ثم قال ما امروا إلا بدون سعتهم وكل شئ امر الناس به فهم متسعون له وكل شئ لا يتسعون له فهو موضوع عنهم ولكن الناس لا خير فيهم " وما رواه الصدوق في كتاب الاعتقادات عن الصادق (عليه السلام) مرسلا (2) قال: " والله ما كلف الله تعالى العباد إلا دون ما يطيقون لانه كلفهم في كل يوم وليلة خمس صلوات وكلفهم في السنة صوم ثلاثين يوما وكلفهم في كل مائتي درهم خمسة دراهم وكلفهم في العمر حجة واحدة وهم يطيقون اكثر من ذلك " وما في المحاسن في الصحيح عن هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " ان الله تعالى اكرم من ان يكلف الناس ملا يطيقون. " وعن هشام بن سالم في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " ما كلف الله تعالى العباد إلا ما يطيقون، انما كلفهم في اليوم والليلة خمس صلوات وكلفهم من كل مائتي درهم خمسة دراهم وكلفهم صيام شهر رمضان في السنة وكلفهم حجة واحدة وهم يطيقون اكثر من ذلك وانما كلفهم دون ما يطيقون " اقول: فانظر إلى صراحة هذه الاخبار وتطابقها فيما ذكرناه مع تأيدها بالدليل العقلي المجمع عليه بين كافة العقلاء من وجوب دفع الضرر عن النفس وعدم جواز التغرير بها. و (رابعها) - الاخبار الدالة على خلاف ما دلت عليه اخبار الخصم في الصورة المذكورة، ومنها - صحيحة عبد الله بن سنان المروية في الفقيه " انه سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل تصيبه الجنابة في الليلة الباردة ويخاف على نفسه التلف ان اغتسل ؟ قال يتيمم ويصلي فإذا أمن البرد اغتسل اعاد الصلاة " وما رواه الشيخ عن


1) رواه في باب حجج الله على خلقه من كتاب النوحيد 2) في الباب 3 3) و 4) ص 296 5) المروية في الوسائل في الباب 16 من ابواب التيمم


[ 283 ]

جعفر بن بشير عمن رواه عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن رجل اصابته جنابة في ليلة باردة يخاف على نفسه التلف ان اغتسل ؟ قال يتيمم ويصلي فإذا امن البرد اغتسل واعاد الصلاة " ورواية محمد بن سكين وقد تقدمت في صدر المقام (2) ونحوها من الروايات المتقدمة مما دل باطلاقه على ان مناصبته جنابة تتضرر بالغسل يتيمم اعم من ات تكون الجنابة من احتلام أو تعمد، وما في الوسائل - من تقييد هذا الاخبار بالاخبار التي استند إليها وهي التى قدمناها - مردود بان تلك الاخبار قد اسقطناها لمخالفتها الكتاب العزيز والسنة المطهرة المستفيضة المعتضدة بادلة العقل، إذ ذلك قضية العرض على كتاب الله تعالى كما استفاضت به الاخبار عنهم (عليهم السلام) وإلا لزم طرح اخبار العرض مع استفاضتها واجماع الطائفة على العمل بها وفيه من الشناعة ما لا يلتزمه محصل، وقد روى هذا القائل في كتابه المشار إليه من اخبار العرض ما يكاد يبلغ التواتر المعنوي، وقد عضد الجميع في ذلك الاخبار التي ذكرناها في المقام الثالث مضافا إلى ما سنبينه ان شاء الله تعالى من الطعن في مضامينها وحينئذ فلم يبق لها وجود بالكلية فضلا ان يرتكب بها التخصيص لما ذكرناه من الاخبار. و (خامسها) - توجه الطعن إلى الروايات المذكورة، اما المرفوعتان فلا صراحة فيهما بل ولا ظاهرية سيما الاولى بحصول ضرر بالغسل يوجب الانتقال إلى التيمم وحينئذ فلا تنطبقان على محل النزاع، ويمكن حملهما على ان وجه الفرق فيهما بين الجماع عن تعمد فيجب عليه الغسل والاحتلام فيتيمم ان ذلك المريض لم يتعمد الجنابة إلا حيث كان قادرا على الاغتسال من غير ضرر ولا مشقة شديدة فاوجب عليه الغسل حينئذ واما الاحتلام فليس كذلك، وحاصله ان المرض المذكور موجب للتيمم صاحبه متى جامع متعمدا فهو قرينة على قدرته على الاغتسال، وهذا الوجه كاف في قبول الخبرين وانطباقهما على الاخبار وعدم خروجهما عن موافقة الكتاب والسنة، ولعل في


1) رواه في الوسائل في الباب 16 من ابواب التيمم 2) ص 277


[ 284 ]

قول الصدوق في الفقيه بعد نقل مضمون مرفوعة علي بن احمد: " والجنب إذا خاف على نفسه من البرد يتيمم " ما يشير إلى ما ذكرناه، فان الظاهر انه فهم من الخبر عدم التضرر بالغسل فاردفه بهذا الكلام لدفع ما فيه من الاجمال وبيان انه من تضرر بالغسل انتقل إلى التيمم، وبه يزول ما اوردناه عليه آنفا من الاشكال ويرتفع عن كلامه الاختلال. واما الخبران الاخران ان فليس فيهما تصريح بالفرق بين كون الجنابة عمدا أو احتلاما بل ظاهرهما وجوب الغسل مطلقا فلا يقومان حجة على التفصيل المدعى في المسألة. وبالجملة فما فيه تفصيل ليس فيه تصريح بالضرر وما فيه تصريح بالضرر فليس فيه تفصيل. ولو قيل ان صحيحة سليمان بن خالد دلت على كونه (عليه السلام) قد اصابته جنابة فتحمل ذلك الضرر العظيم في الغسل وجنابته (عليه السلام) لا يجوز ان تكون من احتلام لعدم جوازه على المعصوم. قلنا نعم الامر كذلك ولكن الحمل ايضا على تعمد الجنابة في تلك الحال المحكية في الخبر لا يقصر في البعد عن الاول، فان ظاهر الخبر انه (عليه السلام) كان في سفر وانه وجع وجعا شديدا يمنعه من الحركة والمشي وصب الماء على نفسه فاحتمال انه يجامع على هذه الحال ويتحمل هذه المشقة الشديدة لا يكاد يتصور في عقل عاقل ولا يدخل في فهم فاهم، واحتمال عروض هذه الحال بعد الجنابة يرده سياق الخبر، والتعلق بمثل هذا الخبر على ما فيه من التهافت والخروج عن مقتضى العقول السليمة في مقابلة تلك الاخبار المعتضدة بما عرفت لا يخلو من مجازفة. وفيما ذكرناه في المقام كفاية واضحة لذوي الافهام. والله العالم. وتمام الكلام في المقام يتوقف على رسم فوائد:

(الاولى) - المشهور بين الاصحاب القائلين بالتيمم في هذه الصورة عدم وجوب الاعادة بعد وجود الماء، وذهب الشيخ في النهاية والمبسوط إلى الوجوب كما تقدم نقله عنه، والذى يدل علي المشهور روايات مستفيضة سيأتي ذكرها في الباب، واستدل في التهذيب على ما ذهب إليه برواية جعفر ابن بشير المتقدمة في الوجه الرابع من وجوه الطعن ومثلها صحيحة عبد الله بن سنان


[ 285 ]

المروية في الفقيه، والاصحاب قد اجابوا عنهما بالحمل على الاستحباب، وسيأتي تحقيق المسألة المذكورة ان شاء الله تعالى في المواضع المشار إليه.

(الثانية) - لا يخفى انه قد دلت هذه الاخبار التي قدمناها في صدر هذا المقام على ان من به القروح والجروح ينتقل فرضه إلى التيمم مع انه قد تقدم في المسألة الحادية عشرة من المسائل الملحقة بالوضوء جملة من الروايات الدالة على وجوب الوضوء وغسل ما حول القرح والجرح إذا لم يكن عليه جبيرة وإلا فغسل الجبيرة أو المسح عليها على التفصيل المتقدم في تلك المسألة، وقد ذكرنا ثمة وجه الجمع بين اخبار المسألتين بما يرفع عنها التنافي والتدافع في البين. بقي الكلام هنا في الرمد الذي يتضرر صاحبه بغسل عينيه كلتيهما أو احداهما هل يكون من قبيل مسألة القروح والجروح الموجبة للوضوء بان يغسل ما حول العين ان لم يكن عليها دواء وإلا فيمسح على الدواء الذي عليها اوانه ينتقل فرضه إلى التيمم ؟ وجهان، للاول المشاركة في المعنى للقرح المختص بموضع مخصوص مخصوص من الجسد، وللثاني الاقتصار على مورد النصوص مما يسمى قرحا ووجع العين مرضها لا يسمى قرحا لغة ولا عرفا ولا شرعا، ولم اقف على كلام لاصحابنا (رضوان الله عليهم) في هذا المسألة، والذي يقرب عندي في ذلك هو انه ان كان يتضرر بغسل وجهه فانه ينتقل إلى التيمم وان كان لا يتضرر بغسل ما عدا العين فالواجب الوضوء والغسل وغسل ما حول العين ولو بنحو الدهن، وبالجملة فحكمها حكم القروح والجروح وذكر القروح والجروح في بعض الاخبار انما وقع في كلام السائلين فالاعتبار بعموم الجواب وفى بعض يحمل على مجرد التمثيل، ويزيده تأكيدا ان الواجب شرعا هو الوضوء ولا يجوز الانتقال عنه إلى بدله إلا بدليل واضح، ومجرد تضرر العين خاصة لم يثبت كونه ناقلا شرعيا سيما مع وجود النصوص في نظائره من القرح والجرح وان الحكم فيها هو الوضوء وعدم جواز الانتقال عنه وان الحكم في ذلك الموضع الذي يتضرر بالماء هو تركه بغير غسل ان كان مكشوفا أو المسح على الدواء ان لم يكن


[ 286 ]

كذلك على التفصيل المتقدم في المسألة، ويؤيده ايضا وجه الجمع الذي قدمناه في المسألة المشار إليها من مسائل توابع الوضوء من ان التيمم مخصوص بالبدلية عن الغسل باعتبار ما على البدن من القروح والجروح التي يتضرر بكشفها إلى الهواء وبملاقاتها البرودة أو الوضوء إذا حصل التضرر على الوجه المذكور وإلا فالوضوء أو الغسل دون التيمم والعمل في موضع القرح بما تقدم من التفصيل.

(الثالثة) - الظاهر ان المراد بالمرض الموجب للتيمم هو ما يشق معه استعمال الماء بخوف حدوثه أو زيادته أو بطوء برئه ويصعب على وجه لا يتحمل عادة، لان التكليف - كما عرفت من الروايات المتقدمة - انما تعلق بالوسع دون الطاقة بمعنى انه وان اطاقه وامكن الاتيان به بمشقة فانه لا يكلف به وانما يكلف بوسعه يعنى ما لا مشقة فيه وان كان فيه نوع اذى مثل وجع الرأس في الجملة أو الضرس أو نحو ذلك فانه لا يوجب الانتقال إلى التيمم، وليس له حد شرعي بل الانسان على نفسه بصيرة، وفى موثقة زرارة (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) ما حد المرض الذي يفطر فيه الرجل ويدع الصلاة من قيام ؟ فقال بل الانسان على نفسه بصيرة هو اعلم بما يطيقه " قال في المعتبر: يستبيح المريض التيمم مع خوف التلف ولا يستبيحه مع خوف المرض اليسير كوجع الرأس والضرس، وهل يستبيحه بخوف ازيادة في العلة أو بطئها أو الشين ؟ مذهبنا نعم، ثم نقل الخلاف من العامة (2) وفي الشرائع قال لو خشى المرض


1) المروية في الوسائل في الباب 6 من ابواب القيام في الصلاة 2) في بدائع الصنائع ج 1 ص 48 " إذا كان به جراحة أو جدري أو مرض يضره استعمال الماء فيخاف زيادة المرض باستعمال الماء يتيمم عندنا، وقال الشافعي لا يجوز التيمم حتى يخاف التلف " وفى المغنى ج 1 ص 258 " اختلف في الخوف المبيح للتيمم فروى عن احمد واحد قول الشافعي انه لا يبيحه إلا خوف التلف وظاهر المذهب يبيح التيمم إذا خاف زيادة المرض أو تباطؤ إلى ان قال وعليه أبو حنيفة والقول الثاني الشافعي "


[ 287 ]

الشديد أو الشين باستعمال الماء جاز له التيمم. وبذلك صرح العلامة في جملة من كتبه، وظاهر كلامه في النهاية وكذا في الارشاد تعليق الجواز على مطلق المرض، وهو ظاهر الذكرى حيث قال: اما الضرر اليسير كصداع أو وجع ضرس فغير مانع، قاله الفاضلان لانه واجد للماء. ويشكل بالعسر والحرج وبقول النبي (صلى الله عليه وآله) " لا ضرر ولا ضرار " (1) مع تجويزهما التيمم للشين، ونقل عن الشيخ علي انه قواه وزاد في الاحتجاج انه لا وثوق في المرض بالوقوف على الحد اليسير، قال في الذخيرة " وربما كان الخلاف مرتفعا في المعنى، فانه مع الضرر والمشقة الشديدة يجوز التيمم عند الجميع لان المرض والحال هذه لا يكون يسيرا ومع انتقاء المشقة وسهولة المرض لا يسوغ التيمم عند الجميع ايضا وهو غير ثابت " انتهى. اقول: قد عرفت مما قدمناه ان الاظهر هو ما ذكره الفاضلان، ويؤيده ايضا ان الظاهر من اخبار التضرر بالصيام الموجب للافطار والتضرر بالصلاة قائما الموجب للجلوس وهكذا بالنسبة إلى الاضطجاع ونحو ذلك هو الضرر الذي لا يتحمل مثله عادة بان يحصل له مشقة في تحمل ذلك لا مجرد الضرر وحصول الوجع مثلا الذي يمكن تحمله والصبر عليه، ويدل عليه ما تقدم في موثقة زرارة " هو اعلم بما يطيقه " يعني بما يتمكن من الاتيان به ولا ريب ان التمكن حاصل مع الضرر اليسير. واما جعله في الذخرية النزاع هنا لفظيا ففيه ان كلام الفاضلين صريح في ان اليسير من الوجع كوجع الرأس والضرس لا يستبيح به التيمم، وصريح كلام الذكرى فيما طويناه من نقل عبارته (2) الاستشكال فيما ذكراه هنا ودعوى لزوم الحرج والعسر بذلك وانه ضرر منفي بقوله (صلى الله عليه وآله): " لا ضرر ولا ضرار " (3) فكيف يكون النزاع لفظيا والحال كما عرفت.

(الرابعة) - قد صرح العلامة وغيره من الاصحاب (رضوان الله عليهم) بان المرجع في معرفة الضرر باستعمال الماء إلى الوجدان الحاصل بالتجربة أو غيرها أو


1) و 3) رواه في الوسائل في الباب 5 من الشفعة و 12 من احياء الموات 2) ادرجت عبارة الذكرى في هذه الطبعة تبعا للطبعة القديمة


[ 288 ]

اخبار عدل، ولو حصل الظن باخبار فاسق أو صبي أو امرأة أو مخالف غير متهم في دينه قال في التذكرة الاقرب القبول لانه يجري مجرى العلامات كما يقبل قول القصاب الفاسق في التذكية، وبذلك ايضا صرح جملة ممن تأخر عنه. وايده بعضهم بان غاية ما تفيده الاية الشريفة اعتبار ظن الضرر فيكفي حصوله باي وجه اتفق، وظاهره في المنتهى انه لا يقبل هنا قول الذمي وان كان عارفا وقصر الحكم على قول العارف المسلم والعارف الفاسق أو المراهق لحصول الظن بالضرر. وفيه انه خلاف ما صرحوا به في غير هذا الموضع من الرجوع إلى قول الكافر متى افاد الظن إذ المراد انما هو على حصوله باي نوع اتفق.

(الخامسة) - لو كان الحكم هو التيمم وخالف المكلف فتوضأ أو اغتسل والحال انه لم يجز له شرعا فهل يجزئ ؟ قيل فيه نظر، من امتثال امر الوضوء أو الغسل ومن عدم الاتيان بالمأمور به الان فيبقى في عهدة التكليف، والنهي عن استعماله في الطهارة المقتضى للفساد في العبادة. اقول: لا ريب ان الوجه هو الثاني، والاول ضعيف فانه غير مكلف في هذه الحال بالوضوء أو الغسل حتى يستند إلى امتثال الامر.

(السادسة) - إذا امكن تسخين الماء للمتضرر بالبرودة واستعماله على وجه يأمن من الضرر وجب ولم يجز له التيمم، ولو احتاج إلى شراء حطب أو استيجار من يسخنه وجب مع المكنة، ولو احتاج تحصيل الماء إلى حركة عنيفة لا يمكن تحملها عادة لكبر أو مرض جاز له التيمم، ولو وجد من يناوله الماء باجرة وجب مع المكنة، وادلة الجميع ظاهرة.

(السابعة) - الظاهر انه لا فرق في الجبائر والقروح التي يجب معها الوضوء بين ان تكون في موضع يسير أو في اكثر العضو، فانه يغسل الباقي ويعمل في موضع الجبر أو الجراحة ما تقدم في حكم الجبائر، بخلاف ما إذا استوعبت العضو المغسول أو الممسوح فانه ينتقل إلى التيمم، مع احتمال غسل الاعضاء الصحيحة أو مسحها والعمل في هذا


[ 289 ]

العضو كملا بما هو حكم الجبائر والقروح على التفصيل المتقدم في تلك المسألة، ولم اقف على من تعرض لهذه المسألة، والاحتياط فيها عندي بالعمل بالكيفية المذكورة والتيممم بعد ذلك لعدم النص الظاهر، وان امكن اندراجها في عموم اخبار القروح والجروح المشتملة على الوضوء.

(المقام الثالث) - في خوف العطش، الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في الانتقال إلى التيمم لو لم يكن معه من الماء إلا ما يضطر إليه لشربه ويخاف العطش ان استعمله في طهارته، قال في المعتبر: وهو مذهب اهل العلم كافة. اقول: ويدل عليه مضافا إلى الاجماع المذكور جملة من الاخبار: منها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد الحلبي (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الجنب يكون معه الماء القليل فان هو اغتسل به خاف العطش أيغتسل به أو يتيمم ؟ قال بل يتيمم وكذلك إذا اراد الوضوء " وعن سماعة في الموثق (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون معه الماء في السفر فيخاف قلته ؟ قال يتيمم بالصعيد ويستبقي الماء فان الله عزوجل جعلهما طهورا: الماء والصعيد " وعن ابن سنان - والظاهر انه عبد الله - في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (3) " انه قال في رجل اصابته جنابة في السفر وليس معه إلا ماء قليل يخاف ان هو اغتسل ان يعطش ؟ قال: ان خاف عطشا فلا يهرق منه قطرة وليتيمم بالصعيد فان الصعيد احب الي " ورواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن ابن سنان مثله (4) وما رواه في الكافي في الحسن عن ابن ابي يعفور (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يجنب ومعه من الماء قدر ما يكفيه لشرابه أيتيمم أو يتوضأ ؟ قال يتيمم افضل ألا ترى انه انما جعل عليه نصف الطهور " والاخبار المذكورة ظاهرة في المراد مؤيدة بما تقدم قريبا من دلالة الاخبار في جملة من الاحكام على ان عنايته سبحانه بالابدان اشد من الاديان، ولا ينافي ذلك لفظ " احب الي " ولفظ " افضل " فان


1) و 2) و 3) و 4) و 5) رواه في الوسائل في الباب 25 من ابواب التيمم


[ 290 ]

الواجب احب إليه (عليه السلام) وهو الذي فيه الفضل، وافعل التفضيل ليس على بابه هنا كما هو شائع في الاخبار وغيرها.

بقي الكلام هنا في مواضع:

(الاول) - لو خشي العطش على رفيقه أو على دوابه فالذي صرح به جملة من الاصحاب: منهم - المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى انه يجب التيمم ايضا، مستندين في الاول إلى ان حرمة اخيه المسلم كحرمته وان حرمة المسلم آكد من حرمة الصلاة، وفى الثاني إلى ان الخوف على الدواب خوف على المال ومعه يجوز التيمم. اقول: اما ما علل به الاول فجيد، ويؤيده جواز قطع الصلاة لحفظ المسلم من الغرق أو الحرق وان كان في ضيق الوقت، وان حرمة المسلم عند الله اعظم من حرمة الكعبة إلى غير ذلك من المؤيدات الكثيرة الدالة بعمومها على هذا الحكم. واما الثاني فمحل نظر، وما استند إليه من جواز التيمم للخوف على المال ممنوع لعدم الدليل عليه بل هي بالدلالة على خلافه اشبه كما تقدم بيانه، على ان مطلق ذهاب المال غير مسوغ للتيمم ولهذا وجب صرف المال الكثير في شراء الماء كما تقدم ذكره، مع انه يمكن ذبح الدابة أو بيعها أو اتلافها، وبالجملة فان صدق الوجدان بالنسبة إليه حاصل وعدم الاضطرار إليه ظاهر فجواز التيمم والحال كما عرفت غير جيد، نعم ينبغي ان يستثنى من ذلك ما لو كان محتاجا إلى الدابة بحيث يضره فوتها كما إذا كان في سفر لا يمكن قطعه إلا بها أو يحتاج إليها لنقل اثقاله واحماله فانه يجوز ان يرف الماء إليها لما عرفت.

(الثاني) - لو كان معه ماءان طاهر ونجس وخشي العطش فالذي صرح به في المعتبر انه يتيمم ويستبقى الطاهر لشربه، لانه قادر على شرب الطاهر فلا يستبيح النجس فجرى وجود النجس مجرى عدمه، قال: ويستوى الحكم بذلك في الوقت وقبله لما ذكرناه. لا يقال بعد دخول وقت الصلاة يصير استعمال الماء مستحقا للطهارة، لانا نمنع الاستحقاق وانما نسلمه لو استغنى عن شربه وليس مستغنيا بالنجس لتحقق التحريم في شربه مع وجود الطاهر. انتهى. قال في المدارك بعد نقل ملخص ذلك:


[ 291 ]

" وهو جيد ان ثبت تحريم شرب النجس مطلقا " وهو مؤذن بالمناقشة في تحريم المأكولات والمشروبات النجسة. اقول: وحيث كان الحكم بتحريم المأكولات والمشروبات النجسة مجمعا عليه بين الاصحاب كما لا يخفى على من لاحظ كلامهم في كتاب الاطعمة والاشربة وظاهر السيد السند (قدس سره) المناقشة في ذلك فلا بأس بذكر ما وقفت عليه من الدليل على صحة ما اجمعوا عليه وان كان خارجا عن محل البحث، فمن ذلك ما ورد في تحريم الاكل من اواني الكفار التي علم تنجيسهم لها كما رواه الصدوق في الصحيح عن سعيد الاعرج (1) " انه سأل الصادق (عليه السلام) عن سؤر اليهودي والنصراني أيؤكل ويشرب ؟ قال: لا " وعن زرارة في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (2) " انه قال في آنية المجوس إذا اضطررتم إليها فاغسلوها بالماء " وما رواه ثقة الاسلام في الصحيح عن محمد بن مسلم (3) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن آنية اهل الذمة والمجوس ؟ فقال لا تأكلوا في آنيتهم ولا من طعامهم الذي يطبخون ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر " وما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (4) قال: " سألته عن آنية اهل الكتاب فقال لا تأكلوا في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيه الميتة والدم ولحم الخنزير " وعن زرارة عن الصادق (عليه السلام) (5) " في آنية المجوس ؟ فقال إذا اضطررتم إليها فاغسلوا بالماء " إلى غير ذلك من الاخبار التي من هذا الباب، ولا يخفى انه لا وجه للنهي فيها الذي هو حقيقة في التحريم إلا تحريم شرب المتنجس واكله، ومن ذلك ما ورد في تحريم السمن والزيت ونحوهما إذا ماتت فيه الفأرة وكان مائعا وهي اخبار كثيرة (6) ومن ذلك الاخبار المستفيضة الواردة باراقة


1) و 2) و 3) و 4) رواه في الوسائل في الباب 54 من ابواب الاطعمة المحرمة 5) رواه في الوسائل في الباب 54 من ابواب الاطعمة المحرمة وهذه رواية المحاسن والمتقدمة برقم (2) رواية الفقيه. 6) رواه في الوسائل في الباب 43 من ابواب الاطعمة المحرمة


[ 292 ]

الركوة ؟ والتور ؟ إذا وقعت فيهما الاصبع القدرة (1) ولو جاز شرب الماء لما كان للامر بالاراقة وجه، وما ورد من اراقة مرق اللحم إذا وجدت في القدر فأرة ميتة واكل اللحم بعد غسله (2) إلى غير ذلك من المواضع التي يقف عليها المتتبع للاحكام، ومن الظاهر انه لا خصوصية لهذه المعدودات وامثالها تقتضي قصر الحكم عليها بل الحكم بهذه الاخبار وامثالها جار في كل نجس كما في غير هذا المقام من الاحكام الشرعية، إذ الاحكام الشرعية لم ترد بقواعد كلية وانما تستفاد القواعد بها بتتبع الجزئيات كالقواعد النحوية، وبالجملة فالظاهر ان هذه المناقشة انما وقعت غفلة عن ملاحظة الادلة وإلا فهي بعد المراجعة في الدلالة على المراد كالشمس المشرقة على جميع البلاد. والله العالم.

(الثالث) - قد تكرر في عبارات الاصحاب عد خوف حدوث الشين من اسباب الخووف الموجبة للانتقال إلى التيمم، قال في المنتهى: " لو خاف الشين باستعماله الماء جاز له التيمم قاله علماؤنا اجمع " وهو ظاهر في دعوى الاجماع على ذلك، ولم اجد له في اخبار التيمم مع كثرة نصوصه واخباره ذكرا ولا اثرا، والشين - على ما ذكره في الروض - ما يعلو البشرة من الخشونة المشوهة للخلقة وربما بلغت تشقق الجلد وخروج الدم، ونقل عن العلامة في النهاية انه قد صرح بانه لا فرق بين شدته وضعفه، وهو ظاهر الروض ايضا حيث قال: " ولا فرق في الشين بين شدته ضعفه للاطلاق وصرح به المصنف (قدس سره) في النهاية وقيده في المنتهى بكونه فاحشا لقلة ضرر ما سواه " وانت خبير بانه حيث لا نص على الشين بخصوصه في الاخبار. فلا معنى لجعله سببا مستقلا بل الظاهر كونه كسائر الامراض، فان بلغ الامر فيه إلى ان يكون مرضا لا يتحمل


1) تقدمت في ضمن الاخبار الدالة على نجاسة الماء القليل بملاقاة النجاسة ج 1 ص 281 2) رواه في الوسائل في الباب 44 من ابواب الاطعمة المحرمة


[ 293 ]

مثله عادة كما في سائر الامراض فالحكم فيه هو الانتقال إلى التيمم والحاقه بالامراض التي يشق تحملها لدخوله ادلتها وإلا فلا، ودعوى شيخنا فيما تقدم من عبارته الاطلاق بعدم الفرق بين شدته وضعفه مع عدم وجود النص عليه بخصوصه لا اعرف له وجها، ويؤيد ما ذكرنا ما نقل عن الشيخ في الخلاف من انه قال: إذا لم يخف التلف ولا الزيادة في المرض غير انه يشينه استعمال الماء ويؤثر في خلقته ويغير شيئا منه ويشوه به يجوز له التيمم لان الاية عامة في كل خوف وكذلك الاخبار، وللشافعي فيه قولان، فاما إذا لم يشوه خلقته ولا يزيد في علته ولا يخاف التلف وان اثر قليلا فلا خلاف انه لا يجوز له التيمم. انتهى. والله العالم.

(المطلب الثاني) - فيما يجوز به التيمم وما لا يجوز، وقد اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في هذا المقام في مواضع:

(الاول) - هل يكفي مجرد ما صدق عليه اسم الارض أو يشترط خصوص التراب ؟ قولان، فقال الشيخ لا يجوز إلا بما يقع عليه اسم الارض اطلاقا سواء كان عليه تراب أو كان حجرا أو حصى أو غير ذلك، وبذلك صرح في المبسوط والجمل والخلاف، كذا نقله عنه في المعتبر، وهو مذهب ابن الجنيد والمرتضى في المصباح واختاره المحقق والعلامة، وهو المشهور بين المتأخرين، وعن المرتضى في شرح الرسالة انه قال لا يجزئ في التيمم إلا التراب الخالص اي الصافي من مخالطة ما لا يقع عليه اسم الارض كالزرنيخ والكحل وانواع المعادن، كذا نقله عنه في المعتبر ايضا، والظاهر ان قوله: " اي الصافي " من كلام المحقق تفسيرا لعبارة السيد (قدس سره) ونقل هذا القول عن ابي الصلاح وظاهر المفيد، ومنشأ الخلاف في هذا المقام هو الخلاف بين اهل اللغة في تفسير الصعيد في الاية وقد تقدم ذكره في صدر الباب، فالمرتضى ((رضى الله عنه) ومن قال بمقالته تمسكوا باحد القولين والاخرون تمسكوا بالقول الاخر، وقد قدمنا ان الحق في هذا المقام هو عدم الرجوع إلى الاية في ذلك (اما اولا) فلاختلاف اهل اللغة كما عرفت وان كان كلام الاكثر هو الموافق


[ 294 ]

للقول المشهور. (وثانيهما) وهو المعتمد انه قد ورد تفسير الصعيد في الخبرين المتقدمين بانه الموضع المرتفع من الارض، وحينئذ فإذا كان مراده سبحانه من هذا اللفظ انما هو هذا المعنى كما ورد عن نوابه (عليهم السلام) وحملة كتابه الذين يجب اتباعهم فيما به اخبروا وعنه عبروا فلا ينبغي العدول عنه إلى كلام اهل اللغة وان اتفقوا ولا غيرهم لانهم (صلوات الله عليهم) اعرف الناس بما فيه وما يراد بباطنه وخافيه وحينئذ فالواجب الرجوع في هذا المقام إلى الاخبار الواردة في هذا المضمار: ومما يدل على القول المشهور جملة من الاخبار، ومنها قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة ابن سنان (1) " إذا لم يجد الرجل طهورا وكان جنبا فليمسح من الارض وليصل. " وقوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي (2) " ان رب الماء هو رب الارض فليتيمم " وقوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم (3) " فان فاتك الماء لم تفتك الارض " فانه لو لم يرتب الحكم على الارض بقول مطلق لما رتب عليها في هذه الاخبار وكذا في الاخبار الواردة في كيفية التيمم كما ستمر بك ان شاء الله تعالى، فقد عبر عما يتيمم به بلفظ الارض في عدة منها، ويؤيده ايضا تفسير اهل اللغة الصعيد بالارض في غير هذه الاية وهو قوله سبحانه: " فتصبح صعيدا زلقا " (4) اي ارضا ملساء يزلق عليها باستئصال شجرها ونباتها، وقوله (صلى الله عليه وآله) (5): " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة على صعيد واحد " اي على ارض واحدة. إلا انه يمكن معارضة هذه الاخبار بما ورد من هذا القبيل بلفظ التراب كما في


1) المروية في الوسائل في الباب 14 من ابواب التيمم 2) المروية في الوسائل في الباب 3 من ابواب التيمم 3) المروية في الوسائل في الباب 22 من ابواب التيمم 4) سرة الكهف، الاية 38 5) راجع التعليقة 2 ص 245


[ 295 ]

صحيحة جميل بن دراج عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ان الله عزوجل جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا " وقوله (عليه السلام) في صحيحة رفاعة (2) " إذا كانت الارض مبتلة ليس فيها تراب ولا ماء فانظر اجف موضع تجده فتيمم منه. " وقوله (عليه السلام) في صحيحة عبد الله بن المغيرة (3) قال: " إذا كانت الارض مبتلة وليس فيها تراب ولا ماء فانظر اجف موضع تجده فتيمم من غباره أو شئ مغبر. " وفى رواية علي بن مطر عن الرضا (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الرجل لا يصيب الماء ولا التراب أيتيمم بالطين ؟ قال نعم. الحديث " وفى رواية معاوية بن ميسرة (5) " يمضى على صلاته فان رب الماء هو رب التراب ". وبالجملة فالروايات في هذا الباب قد اشتمل بعضها على الارض وبعضها على التراب وبعضها على الصعيد المحتمل لكل منهما، والاقرب حمل الارض على التراب توسعا في الاطلاق حيث انه هو الفرد الاكمل الاكثر دورانا، ويؤيده ما في التيمم بسائر افراد الارض غير التراب مثل الحجر وما فيه من الخلاف والاشكال كما سيأتي في مسألة اشتراط العلوق، وكذا الارض السبخة وارض الجص والنورة والغبار ونحو ذلك من اقسام الارض الذي لا ينتقل إليه إلا مع فقد التراب، فهو في المرتبة الثانية عن التراب فلا ينصرف إليه اطلاق الارض في هذه الاخبار، وهذا واضح بحمد الله سبحانه. وعن المرتضى الاحتجاج بعد الاية بقوله (صلى الله عليه وآله) (6) " جعلت لي الارض مسجدا وترابها طهورا " قال: ولو كانت الارض طهورا وان لم تكن ترابا لكان لفظ ترابها لغوا. واجاب عنها في المعتبر بان التمسك بها تمسك بدلالة الخطاب


1) المروية في الوسائل في الباب 24 من ابواب التيمم 2) و 3) و 4) المروية في الوسائل في الباب 9 من ابواب التيمم 5) المروية في الوسائل في الباب 14 من ابواب التيمم 6) المروى في الوسائل في الباب 7 من ابواب التيمم


[ 296 ]

وهي متروكة في معرض النص اجماعا. وقيل عليه ان قوله (صلى الله عليه وآله): " جلعت لي الارض مسجدا وترابها طهورا " لا ريب انه مذكور في معرض التسهيل والتخفيف وبيان امتنان الله سبحانه على هذه الامة المرحومة وهو من قبيل قوله (صلى الله عليه وآله) (1) " بعثت بالحنيفية السمحة السهلة " وظاهر انه لو كان غير التراب من اجزاء الارض طهورا ايضا لكان ذكر التراب لغوا صريحا وتوسيطه في البين مخلا بانطباق الكلام على ما يقتضيه المقام وكان مقتضى الحال ان يقول: " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا " فانه ادخل في الامتنان، وليس هذا استدلالا بمفهوم الخطاب بل امر آخر وهو لزوم خروج الكلام النبوي عن قانون البلاغة على ذلك التقدير، على ان دلالة الخطاب إذا اعتضدت بالقرائن الحالية أو المقالية فلا كلام في اعتبارها ولذلك يعزر من قال لخصمه انا لست زانيا، وبهذا يظهر ان كلام السيد في اعلى مراتب السداد. انتهى. وهو جيد. والجواب الحق انما هو ان ما نقله السيد من لفظ الحديث بقوله " وترابها " وان تناقلوه في كتب الفروع كذلك إلا ان متن الحديث في كتب الاخبار خال من هذه الزيادة، وقد نقل في الوسائل اربع روايات واحدة من الكافي والثانية من الفقيه واثنتان من الخصال والجميع خال من هذه الزيادة، وبذلك يظهر قوة القول المشهور وضعف المعارض المذكور، الا انه سيجئ ان شاء الله تعالى في مسألة اشتراط العلوق وعدمه ما يوضح الحال زيادة على ما ذكرناه في هذا المجال.

(الثاني) - ذهب ابن عقيل - كما تكاثر النقل عنه بذلك في كتب الاصحاب - إلى جواز التيمم بالارض وبكل ما كان من جنسها كالكحل والزرنيخ لانه يخرج من الارض، وهو مذهب ابي حنيفة (2) كما ذكره في المعتبر، والمشهور العدم


1) راجع التعليقة 1 ص 266 2) في المغنى ج 1 ص 247 حكاه عنه وعن مالك


[ 297 ]

وهو المستفاد من الاخبار لتصريحها بالارض فيكون الحكم تابعا لما صدق عليه اطلاق الارض وهذه الاشياء لا تسمى ارضا، وما علله به من انه يخرج من الارض لا يجدي طائلا إذ مورد النصوص هو ما يسمى ارضا لا ما يخرج منها وان لم يسم بذلك، وربما يستدل له بما رواه الراوندي في نوادره بسنده فيه عن علي (عليه السلام) (1) قال: " يجوز التيمم بالجص والنورة ولا يجوز بالرماد لانه لم يخرج من الارض. فقيل له أيتيمم بالصفا البالية على وجه الارض ؟ قال: نعم " ومثلها رواية السكوني (2) كما سيأتي ان شاء الله تعالى، والمنافاة منهما غير ظاهرة لان محل توهم المنافاة هو قوله (عليه السلام) " لانه لم يخرج من الارض " بدعوى ان فيه اشارة إلى ان ما خرج من الارض وان لم يصدق عليه اسم الارض يجوز التيمم به، ومن الجائز والمحتمل قريبا ان مراده (عليه السلام) انما هو بيان ان الرماد لا تعلق له بالارض بالكلية، ويؤيده قوله في رواية السكوني بعد هذا الكلام: " وانما يخرج من الشجر " والمراد المبالغة في نفي الارضية عنه بالكلية، فكيف يجوز التيمم به مع دلالة الاخبار المستفيضة على الاختصاص بالارض ؟ وكيف كان فالخروج بهما عن صراحة تلك الصحاح المستفيضة مما لا يتجشمه من له ادنى معرفة.

(الثالث) - الحجر الخالي من الغبار، وقد اختلف فيه كلامهم، فقيل بجواز التيمم به مطلقا وهو قول الشيخ في المبسوط والخلاف، وقيل بالعدم مطلقا وهو منقول عن ظاهر ابن الجنيد حيث قال: ولا يجوز من السبخ ولا مما احيل عن معنى الارض المخلوقة بالطبخ والتحجير خاصة. وهذا القول لازم للمرتضى ومن يقول بمقالته من التخصيص بالتراب ايضا كما لا يخفى وان لم اعثر على من نسب ذلك إليه، وقيل بالتفصيل بين حالي الاختيار والضرورة فيمتنع على الاول ويجوز على الثاني، قال الشيخ في النهاية: ولا بأس


1) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 6 من ابواب التيمم 2) المروية في الوسائل في الباب 8 من ابواب التيمم


[ 298 ]

بالتيمم بالاحجار وارض النورة وارض الجص إذا لم يكن يقدر على التراب. ويقرب منه كلام المفيد في المقنعة حيث قال: وان كان في ارض صخر واحجار ليس عليها تراب وضع يديه عليها ومسح بهما وجهه وكفيه كما ذكرنا في تيممه بالتراب وليس عليه حرج في الصلاة بذلك لموضع الاضطرار. وقال ابن ادريس ولا يعدل إلى الحجر والمدر إلا إذا فقد التراب. وحجة القول المشهور واضحة لصدق الارض على الحجر فيدخل تحت الاخبار المتقدمة. واما القول بالتفصيل فقد رده جملة من الاصحاب بانه مع كونه لا دليل عليه لاوجه له فان الحجر ان صدق عليه اسم الارض جاز التيمم به مع وجود التراب وعدمه وان لم يصدق عليه امتنع كذلك كما صرح به ابن الجنيد فلا وجه للتفصيل المذكور. واما ما ذكره بعض افاضل متأخرى المتأخرين في الجواب عن ذلك - حيث قال: وفيه نظر إذ يجوز ان يكون التيمم عند فقد التراب للاجماع عليه لا لدخوله في الصعيد كما جاز التيمم بالوحل وان لم يكن داخلا في الصعيد اجماعا لنص خاص دل عليه - ففيه ان الاجماع عليه انما هو من حيث دخوله تحت اسم الارض لما نقله العلامة من الاجماع على ان التيمم لا يقع إلا بالتراب أو الارض فالايراد بحاله، واما تعلقه بجواز التيمم بالوحل وان لم يكن داخلا في الصعيد فهو مردد بان الاخبار قد صرحت بدخوله في الصعيد، ففي رواية زرارة عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " قلت رجل دخل الاجمة ليس فيها ماء وفيها طين ما يصنع ؟ قال يتيمم فانه الصعيد. الحديث " ومرسلة علي بن مطر عن بعض اصحابنا (2) قال: " سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل لا يصيب الماء ولا التراب أيتيمم بالطين ؟ قال نعم صعيد طيب وماء طهور " دل الخبران على ان الطين داخل في الصعيد الذي تضمنته الاية، ويؤيد ما ذكرناه ان المحقق في المعتبر استدل على جواز التيمم بالوحل بعد فقد الصعيد والغبار فقال: " لنا - انه بممازجة الماء لا يخرج عن كونه ارضا وصعيدا " ومع الاغماض عن ذلك فان الفرق بين ما نحن فيه وبين


1) المروية في الوسائل في الباب 9 من ابواب التيمم


[ 299 ]

التيمم بالوحل ظاهر فان النص لما دل على جواز التيمم بالوحل وان لم يكن صعيدا صار مستثنى بالنص، وما ادعاه من استثناء التيمم بالحجر بالاجماع ممنوع (اولا) - بما عرفت من قول ابن الجنيد بالمنع من ذلك مطلقا وقول المرتضى من التخصيص بالتراب ومثله قول ابي الصلاح كما تقدم. و (ثانيا) - انه انما يتم لو كان الاجماع على صحة التيمم به في الصورة المذكورة وان لم يكن ارضا، وهو غير مسلم لدعوى العلامة الاجماع على عدم التيمم إلا بالتراب أو الارض، وحينئذ فالقول بالتيمم به انما هومن حيث كونه ارضا فلا يجدى ما اجاب به. ويمكن ان يقال في الجواب ان ظاهر كلام المفصلين ان مذهبهم في هذه المسألة هو وجوب التيمم بالتراب كما ذهب إليه المرتضى إلا انهم يجعلون بعده مرتبة ثانية مع فقده وهو الارض التي من جملتها الحجر، ولعل وجهه الجمع بين الاية بناء على تفسير الصعيد فيها بالتراب كما هوا حد قولي اللغويين والاخبار الدالة على التيمم بالارض كما قدمناها فيحملون الاخبار على فقد التراب ويخصونها بالاية، وهو وجه وجيه. واما المعارضة بقول جملة من اللغويين ايضا بان الصعيد هو الارض فلا يرد عليهم لانهم ربما ترجح عندهم المعنى الذي اختاروه بوجوه لم ندركها. وبالجملة فهذا الوجه في حد ذاته لا يخلو من حسن وقوة سيما مع اوفقيته بالاحتياط المطلوب في الدين. بقي هنا شئ وهو ان صحيحة زرارة الاتية ان شاء الله تعالى في بيان كيفية التيمم قد دلت على اشتراط العلوق وهو مما يمنع من جواز التيمم بالحجر الخالي من التراب وهو لازم لكل من اشترط العلوق، وسيأتي تحقيق المسألة في محلها ان شاء الله تعالى. والله العالم.

(الرابع) - المشهور بين الاصحاب جواز التيمم بارض الجص والنورة قبل الاحراق، ومنع ابن ادريس من ذلك مدعيا انها معدن، واعتبر الشيخ في النهاية في جواز التيمم بها فقد التراب كما تقدم في الحجر، وردهما الاصحاب (رضوان الله عليهم) بالضعف لصدق الارضية ومنع المعدنية، وردوا تفصيله في النهاية هنا بما ردوه به في الحجر


[ 300 ]

وقد عرفت بما حققناه ثمة امكان الجواب عما اوردوه عليه وانه لا يخلو من وجه وجيه واما بعد الاحراق فذهب الشيخان إلى المنع من التيمم بهما والظاهر انه المشهور لخروجهما بالاحراق عن اسم الارض، وعن المرتضى في المصباح وسلار (رضي الله عنهما) الجواز، قال في المعتبر: وما ذكره علم الهدى هو رواية السكوني عن جعفر عن ابيه عن علي (عليهم السلام) (1) " انه سئل عن التيمم بالجص ؟ فقال نعم. فقيل بالنورة ؟ فقال نعم. فقيل بالرماد. فقال لا انه لا يخرج من الارض انما يخرج من الشجر " وهذا السكوني ضعيف لكن روايته حسنة لانه ارض فلا يخرج باللون والخاصية عن اسم الارض كما لا تخرج الارض الصفراء والحمراء. قال في المدارك بعد نقله: والاولى اعتبار الاسم كما اختاره في المنتهى. اقول: قد تلخص ان في المسألة اقوالا ثلاثة: (ثالثها) - ما اختاره في المدارك ونقله عن المنتهى ومرجعه إلى التوقف في الحكم لان حاصل كلامه انه ان صدق عليه اسم الارض جاز التيمم به وإلا فلا، وهو مؤذن بعدم معلومية الصدق وعدمه عنده وهذا الكلام بظاهره مناف لما يأتي منه في كتاب الصلاة في السجود على الخزف حيث قال ثمة: " ويمكن ان يستدل على الجواز بما رواه الشيخ وابن بابويه في الصحيح عن الحسن بن محبوب عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) " انه سأله عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ثم يجصص به المسجد أيسجد عليه ؟ فكتب إليه بخطه: ان الماء والنار قد طهراه " وجه الدلالة انها تدل بظاهرها على جواز السجود على الجص، والخزف في معناه " وهو - كما ترى - ظاهر في قوله بجواز السجود على الجص بعد الاحراق، ومسألتا السجود والتيمم من باب واحد لاشتراط الارضية فيهما وان كانت دائرة السجود اوسع بالنسبة إلى الكاغد وما انبتت الارض. وقد ظهر مما حققناه ان الاظهر هو الجواز لهذه الصحيحة المذكورة بالتقريب الذي ذكرناه ولرواية السكوني


1) المروية في الوسائل في الباب 8 من ابواب التيمم 2) رواه في الوسائل في الباب 81 من النجاسات و 10 مما يسجد عليه


[ 301 ]

ومثلها رواية الراوندي المتقدمة في الموضع الثاني، والى القول بالجواز مال الشهيد في الذكرى ايضا. والله العالم.

(الخامس) - اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في التيمم بالخزف، فعن ابن الجنيد انه لا يجوز التيمم به وبذلك قال في المعتبر لخروجه بالطبخ عن اسم الارض، وقيل بالجواز للشك في خروجه بالطبخ عن اسم الارض، ولان الارض المحترقة يقع عليها اسم الارض حقيقة، كذا ذكره في المدارك. اقول: قد قطع جملة من الاصحاب بجواز السجود عليه من غير نقل خلاف حتى ان العلامة في التذكرة استدل على عدم خروجه بالطبخ عن اسم الارض بجواز السجود عليه، وهو مؤذن بكون السجود عليه امرا متفقا عليه ومسلما بينهم، وقد عرفت ان الامر في التيمم والسجود واحد، ومنه يظهر ان المشهور هو جواز التيمم به والسجود عليه، ومن الظاهر ان تجويزهم ذلك انما هو من حيث عدم خروجه بالطبخ عن اسم الارضية. وهذه المسألة عندي محل توقف واشكال لعدم النص والشك عندي في الخروج وعدمه فتدخل بذلك في الشبهات " حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك " (1) والحكم فيها عندي وجوب الاحتياط، والتعليلان المتقدمان للقول بالجواز عليلان، اما الشك في خروجه بالطبخ عن اسم الارض فهو بالدلالة على المنع اولى منه بالدلالة على الجواز، لان جعله دليلا على الجواز مبني على القول بالاستصحاب، وهو باطل عندنا كما حققناه في مقدمات الكتاب بل عند هذا القائل ايضا كما صرح به في غير موضع من كتابه، وجواز التيمم والسجود متوقف على صدق الارضية ومعلوميته وهو هنا غير معلوم للشك المذكور، واما ان الارض المحترقة يصدق عليها اسم الارض حقيقة ففيه ان الظاهر المتبادر من الاحتراق بالنار هو الاستحالة بها إلى الفحم أو الرماد، وصدق


1) ورد هذا التثليث في مقبولة عمر بن حنظلة المروية في الوسائل في الباب 9 من صفات القاضى وما يقضى به


[ 302 ]

الاحتراق على الاجسام الصلبة التي لا تكون كذلك ممنوع، ومع صدق الاحتراق وحصوله بان تصير رمادا فصدق الارضية ممنوع. ثم ان العجب هنا من المحقق حيث قال في المعتبر بعد ان قطر بخروج الخزف بالطبخ عن اسم الارض كما قدمنا نقله عنه: " ولا يعارض بجواز السجود عليه لانه قد يجوز السجود على ما ليس بارض كالكاغد " فان فيه ان الكاغذ قد خرج بالنص عن قاعدة السجود فوجب استثناؤه واما الخزف فلم يرد نص بجواز السجود عليه، ومتى اعترف بخروجه بالطبخ عن اسم الارض مع قوله - كما هو مقتضى النصوص الصحيحة الصريحة - بانه لا يجوز السجود إلا على الارض أو ما انبتت مما ليس بمأكول ولا ملبوس فانه يلزمه المنع من السجود عليه حتى يقوم على الجواز دليل، وخروج الكاغذ من هذه القاعدة بنص خاص لا يوجب الحاق الخزف به فانه مجرد قياس، وبذلك يظهر ايضا ما في قول صاحب المدارك في سابق هذا الموضع في ذيل صحيحة الحسن بن محبوب المتضمنة لجواز السجود على الجص: " والخزف في معناه " فانه محض قياس لا يوافق اصولنا كما لا يخفى. والله العالم.

(السادس) - رتب الشيخ في النهاية للتيمم مراتب، فاولها التراب فان فقده فالحجر فان قده تيمم بغبار عرف دابته أو لبد سرجه فان لم تكن معه دابة تيمم بغبار ثوبه فان لم يكن معه شئ من ذلك تيمم بالوحل. وقال المفيد إذا حصل في ارض وحلة وهو محتاج إلى التيمم ولم يجد ترابا فلينفض ثوبه أو عرف دابته ان كان راكبا أو لبد سرجه أو رحله، فان خرج من شئ من ذلك غبرة تيمم بها وان لم تخرج منه غبرة فليضع يديه على الوحل ثم يرفعهما فيمسح احداهما بالاخرى حتى لا يبقى فيهما نداوة وليمسح بهما وجهه وظاهر كفيه. قال في المختلف بعد نقل هذين الكلامين: فقد وقع الخلاف بين الشيخين في هذا المقام في موضعين: (الاول) - ان المفيد (رحمه الله) خير بين الثوب وعرف الدابة والطوسي رتب بينهما (الثاني) - ان المفيد شرط خروج


[ 303 ]

غبار من الثوب أو العرف والطوسي اطلق. وقال المرتضى يجوز التيمم بالتراب وغبار الثوب وما اشبهه إذا كان الغبار من التراب واطلق، وظاهره كون الغبار والتراب في مرتبة واحدة وانه لا ترتيب بينهما. وقال ابن ادريس ولا يعدل إلى الحجر والمدر إلا إذا فقد التراب ولا يعدل إلى غبار ثوبه إلا إذا فقد الحجر والمدر ولا يعدل عن غبار ثوبه إلى عرف دابته ولبد سرجه إلا بعد فقدان غبار ثوبه ولا يعدل إلى الوحل إلا بعد فقدان ذلك. وقال ابن الجنيد كل غبار علا جسما من الاجسام غير النجسة وغير الحيوان أو كان ذلك كامنا فيه فاستخرج منه عدم وجوده مفردا جاز التيمم منه. وقال سلار إذا وجد الثلج والوحل والحجر نفض ثوبه وسرجه ورحله فان خرج منه تراب تيمم منه إذا لم يمكنه التوضؤ من الثلج فان لم يكن في ثيابه ورحله تراب ضرب بيده على الوحل أو الثلج أو الحجر وتيمم منه. وقال المحقق في المعتبر إذا فقد الصعيد تيمم بغبار الثوب أو عرف الدابة أو لبد السرج أو غير ذلك مما فيه غبار وهو مذهب علمائنا، إلى ان قال مسألة: إذا فقد الصعيد والغبار ووجد وحلا اطبق فقهاؤنا على جواز التيمم به. ونحو ذلك في الشرائع. وبالجملة فان ظاهر عباراتهم الاتفاق على تقديم الغبار على الوحل. والروايات في المسألة لا تخلو من تصادم وربما دل بعضها على خلاف ذلك، وها انا اسوق لك ما وقفت عليه من الاخبار في المقام، فمنها - صحيحة زرارة (1) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) أرأيت المواقف ان لم يكن على وضوء كيف يصنع ولا يقدر على النزول ؟ قال يتيمم من لبد سرجه أو عرف دابته فان فيها غبارا ويصلى " ورواه في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب حريز مثله (2) اقول: المواقف كمقاتل لفظا ومعنى، وظاهر الخبر المذكور انه لا يجد إلا الغبار في الحال المذكورة ولا ريب في صحة التيمم به، وصحيحة رفاعة عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " فان كان في ثلج فلينظر لبد سرجه فليتيمم من غباره أو شئ مغبر وان كان في حال


1) و 2) و 3) المروية في الوسائل في الباب 9 من ابواب التيمم


[ 304 ]

لا يجد إلا الطين فلا بأس ان يتيمم منه " وموثقة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: " ان كان الثلج فلينظر لبد سرجه فليتيمم من غباره أو من شئ معه وان كان في حال لا يجد إلا الطين فلا بأس ان يتيمم منه " وموثقته الاخرى عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: " إذا كنت في حال لا تجد إلا الطين فلا بأس ان تتيمم به " وما رواه في الكافي عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " إذا كنت في حال لا تقدر إلا على الطين فتيمم به فان الله تعالى اولى بالعذر إذا لم يكن معك ثوب جاف أو لبد تقدر ان تنفضه وتتيمم به " قال (4): وفى رواية اخرى " صعيد طيب وماء طهور " دلت صحيحة رفاعة وموثقة زرارة على انه إذا لم يجد إلا الثلج والغبار مقدم على الثلج، وهو من المقطوع به في كلام الاصحاب والاخبار، ودل الجميع على انه إذا لم يجد إلا الطين وهو الوحل المذكور في عبارات الاصحاب فانه يتيمم به، وهو طاهر فيما ذكره الاصحاب من تقديم الغبار عليه، فان المراد من هذا الاطلاق انه إذا لم يجد ماء ولا ترابا ولا غبارا مما هو من المراتب السابقة فانه يتيمم به ويكشف عن ذلك قوله (عليه السلام) في صحيحة ابي بصير: " إذا لم يكن معك ثوب جاف. الخ " ومنها - ررواية زرارة عن احدهما (عليهما السلام) (5) قال: " قلت رجل دخل الاجمة ليس فيها ماء وفيها طين ما يصنع ؟ قال يتيمم فانه الصعيد. قلت فانه راكب ولا يمكنه النزول من خوف وليس هو على وضوء ؟ قال ان خاف على نفسه من سبع أو غيره وخاف فوت الوقت فليتيمم يضرب بيده على اللبد أو على البرذعة ويتيمم ويصلي " ورواية علي بن مطر عن بعض اصحابه (6) قال: " سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل لا يصيب الماء ولا التراب أيتيمم بالطين ؟ قال نعم صعيد طيب وماء طهور " وظاهر الخبرين المذكورين تقديم الطين على الغبار، والتقريب فيهما من وجهين: (الاول) - دلالتهما على ان الطين صعيد فيكون مقدما على الغبار الذي قد


1) و 2) و 3) و 4) و 5) و 6) رواه في الوسائل في الباب 9 من ابواب التيمم


[ 305 ]

اعترفوا بانه غير داخل في الصعيد (الثاني) - تصريح رواية زرارة بالامر بالطين اولا وانه انما امره بالتيمم بالغبار مع تعذر النزول عليه وعدم امكان التيمم بالطين، وهو ظاهر الرواية الثانية حيث انه امره بالطين مع فقد الماء والتراب الشامل باطلاقه لوجود الغبار يومئذ وهو الاوفق بالتعليل المذكور فيها. واجاب في المنتهى عن رواية زرارة المذكورة بضعف السند ثم قال: ومع ذلك فهى غير منافية لما قلناه لانه لم يتعرض لنفي التراب بل لنفي الماء وهو لا يستلزم ذلك ولا قوله " وفيها طين " ايضا. ولا يخفى ما فيه من البعد والتمحل الظاهر. وبالجملة فالروايتان ظاهرتان فيما ذكرنا ولا يحضرني الان وجه للجمع بينهما وبين الاخبار المتقدمة. والله العالم.

تنبيهات:

(الاول) اختلف كلام الاصحاب في كيفية التيمم بالوحل، وقد تقدم في عبارة المفيد انه يضع يديه على الوحل ثم يرفعها فيمسح احداهما بالاخرى حتى لا يبقى فيهما نداوة وليمسح بهما وجهه وظاهر كفيه. وقال الشيخ يضع يديه على الوحل ثم يفركهما ويتيمم به. ونقل في المعتبر بعد نقل قول الشيخ انه قال آخر: يضع يديه على الوحل ويتربص فإذا يبس تيمم به، ثم قال والوجه ما ذكره الشيخ عملا بظاهر الروايات. اقول: لا ريب ان ما ذكره الشيخ يرجع إلى ما ذكره المفيد، واما القول الاخر فاستوجهه العلامة في التذكرة، وحكى عن ابن عباس انه قال: يطلى بالطين فإذا جف تيمم به. وقال في المنتهى لو لم يجد إلا الوحل تيمم به وهو مذهب علمائنا إلا انه إذا تمكن من اخذ شئ من الوحل يلطخ به جسده حتى يجف وجب عليه ذلك ليت يمم بتراب وان لم يتمكن لضيق الوقت أو لغيره وجب عليه التيمم به. اقول: وهذا التفصيل قول ثالث في المسألة، وانت خبير بان ظواهر الاخبار المتقدمة انما هو التيمم بالطين يعني الوحل المركب من الماء والطين، والتقييد بالتخفيف كما ذكروه لا اثر له في شئ منها، ولو كان


[ 306 ]

الحكم فيه ذلك لوقع التنبيه عليه ولو في بعضها لان المقام مقام البيان، ويعضد ما قلناه قوله (عليه السلام) في مرسلة علي بن مطر: " صعيد طيب وماء طهور " واستبعاد ذلك من حيث الخروج عن قاعدة التيمم مدفوع باستثناء الموضع المذكور كما سيأتي نظيره في الثلج ان شاء الله تعالى.

(الثاني) - قد اختلف كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) في الترتيب في مواضع الغبار وعدمه، فظاهر الاكثر التخيير بين المواضع التي يوجد فيها من ثوب أو لبد أو بساط أو نحوها، وهو ظاهر كلام المفيد كما نبه عليه في المختلف فيما قدمناه من نقل كلامه، وقد تقدم في عبارة الشيخ تقديم غبار عرف الدابة أو لبد السرج ثم مع فقده غبار ثوبه، وعكس ابن ادريس كما تقدم في عبارته حيث قدم غبار الثوب وانه لا يعدل عنه إلى غبار عرف دابته ولبد سرجه إلا مع عدمه، والمستفاد من الاخبار المتقدمة هو القول المشهور كقوله (عليه السلام) في صحيحة رفاعة: " فلينظر لبد سرجه فليتيمم من غباره أو شئ مغبر " وقوله (عليه السلام) في موثقة زرارة: " فلينظر لبد سرجه فليتيمم من غباره أو من شئ معه " ورواية ابي بصير " إذا لم يكن معك ثوب جاف اولبد تقدر ان تتفضه وتتيمم به ".

(الثالث) - هل يجب نفض الثوب ونحوه ليخرج الغبار على وجهه ثم يتيمم منه بعد ذلك ام يضرب عليه كما هو ؟ صريح عبارة المفيد المتقدمة الاول وبه صرح سلار ايضا وهو ظاهر عبارة ابن الجنيد المتقدمة، وتدل عليه صحيحة ابي بصير المتقدمة، وعبارات اكثر الاصحاب مطلقة حيث قالوا يتيمم بغبار ثوبه ونحو ذلك، واكثر النصوص مطلقة ايضا ويمكن تقييدها بالصحيحة المذكورة.

(الرابع) - قد عرفت ان المشهور بل ادعي عليه الاجماع - كما تقدمت الاشارة إليه - انه لا يجوز الانتقال إلى الغبار إلا مع فقد الصعيد، وتقدم ان ظاهر كلام المرتضى جوازه مع وجود التراب، والاظهر القول المشهور لرواية ابي بصير المتقدمة وامثالها


[ 307 ]

من الاخبار المتقدمة، وقال في المدارك بعد نقل قول المرتضى: " وهو بعيد جدا لانه لا يسمى صعيدا بل يمكن المناقشة في جواز التيمم به مع امكان التيمم بالطين لضعف الرواية الاولى واختصاص الرواية الثانية بالمواقف الذي لا يمكنه النزول إلى الارض والثالثة بحالة الثلج المانعة من الوصول إلى الارض إلا ان الاصحاب قاطعون بتقديم الغبار على الوحل وظاهرهم الاتفاق عليه " انتهى. اقول: اراد بالرواية الاولى رواية ابي بصير وبالثانية صحيحة زرارة وبالثالثة صحيحة رفاعة.

(الخامس) يشترط في الغبار ان يكون مما يتيمم به من تراب ونحوه، وهو ظاهر كلام السيد المتقدم ذكره حيث قيد الغبار بكونه من التراب، ونقل ذلك عن ابن ادريس ايضا واستوجهه العلامة، وهو الظاهر حملا لاطلاق الاخبار على ما هو الغالب فلا يجوز التيمم بغبار الاشنان والدقيق ونحوها.

(السادس) - المشهور في كلام الاصحاب تقديم الحجر على الغبار كما تقدم لانه من الارض الواجب تقديمها على الغبار، وقال سلار إذا وجد الثلج والوحل والحجر نفض ثوبه وسرجه ورحله فان خرج منه تراب تيمم منه إذا لم يمكنه التوضوء من الثلج فان لم يكن في ثيابه ورحله تراب ضرب بيده على الوحل والثلج والحجر وتيمم به. والظاهر ضعفه لما ذكرناه.

(الموضع السابع) - اختلف الاصحاب فيما لو لم يوجد إلا الثلج فقيل بسقوط فرض الصلاة ونقله في المدارك عن اكثر الاصحاب، وقيل بالتيمم به وهو ظاهر المرتضى وابن الجنيد وسلار، وقيل بالوضوء أو الغسل به وهو مذهب الشيخين واختاره العلامة في المختلف والتحرير، وظاهره في القواعد وجوب تقديم الثلج على التراب ان حصل منه من الماء ما يسمى به غاسلا وإلا تيمم به مع فقد التراب وما في معناه، وهو راجع إلى قول المرتضى، وذهب الشيخ في كتابي الاخبار إلى تقديم الثلج على التراب وان كان الحاصل منه كالدهن استنادا إلى صحيحة علي بن جعفر الاتية.


[ 308 ]

ولا بأس بذكر بعض عباراتهم في المقام، فنقول قال في المختلف: " لو لم يوجد إلا الثلج وتعذر عليه كسره واسخانه قال الشيخان وضع يديه عليه باعتماد حتى تتنديا ثم يتوضأ بتلك الرطوبة بان يمسح يده على وجهه بالنداوة وكذا بقية اعضائه، وكذا في الغسل، فان خشى من ذلك اخر الصلاة حتى يتمكن من الطهارة المائية أو الترابية. وقال المرتضى: إذا لم يجد إلا الثلج ضرب بيده وتيمم بنداوة وكذا قال سلار. ومنع ابن ادريس من التيمم به والوضوء أو الغسل منه وحكم بتأخير الصلاة إلى ان يجد الماء أو التراب. والوجه ما قاله الشيخان، لنا - ان المغتسل أو المتوضئ يجب عليه مماسة اعضاء الطهارة بالماء واجراؤه عليها فإذا تعذر الثاني وجب الاول إذ لا يلزم سقوط احد الواجبين لعذر سقوط الاخر ". اقول: والاصل في الاختلاف هنا هو اختلاف ظواهر الاخبار الواردة في المقام وها انا اتلوها عليك مذيلا لها ان شاء الله تعالى بما يقشع عنها غشاوة الابهام، فاقول: من الاخبار المشار إليها ما قدمناه من صحيحة رفاعة وموثقة زرارة، ومدلولها انه لا يجوز استعمال الثلج مع وجود الغبار، وهو وان كان كذلك في ظاهر كلام اكثر الاصحاب بل ظاهرهم الاتفاق عليه إلا انه سيأتي ما فيه، ومنها - صحيحة محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن رجل اجنب في سفر ولم يجد إلا الثلج أو ماء جامدا ؟ قال هو بمنزلة الضرورة يتيمم ولا ارى ان يعيد إلى هذه الارض التي توبق دينه " وقوله في هذه الرواية " ولم يجد إلا الثلج " يحتمل ان يراد به انه لم يجد ماء ولا ترابا إلا الثلج وحينئذ فيكون دليلا لما نقل عن المرتضى وسلار وابن الجنيد، والظاهر انه لما ذكرناه احتج بها لهم في المختلف، ويحتمل ان يكون المراد ولم يجد ماء وحينئذ فيكون التيمم المأمور به بالتراب، وبهذا الاحتمال اجاب في المختلف عن الرواية المذكورة، واحتمل ايضا التجوز باطلاق اسم التيمم على مسح الاعضاء جميعها بالثلج


1) المروية في الوسائل في الباب 9 و 28 من ابواب التيمم


[ 309 ]

والظاهر بعده، بقي الكلام في الاحتمالين الباقيين والظاهر ان الاول اقرب فتكون هذه الرواية حجة للمرتضى ومن قال بمقالته. ومنها - رواية محمد بن مسلم (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يجنب في السفر لا يجد إلا الثلج ؟ قال يغتسل بالثلج أو ماء النهر " وهذا الخبر يدل بظاهره على ما ذهب إليه الشيخان من الوضوء أو الغسل بالثلج، وبه استدل في المختلف على ما ذهب إليه الشيخان حيث اختاره كما عرفت، ثم قال: (لا يقال) لا دلالة في هذا الحديث على مطلوبكم وهو الاجتزاء بالمماسة لان مفهوم الاغتسال اجراء الماء الجاري على الاعضاء لا نفس المماسة (لانا نقولة نمنع اولا دخول الجريان في مفهوم الاغتسال، سلمنا لكن الاغتسال إذا علق بشئ اقتضى جريان ذلك الشئ على العضو اما حقيقة الماء فنمنع ذلك، ونحن نقول هنا بموجبه فان الثلج يجب اجراؤه هنا على الاعضاء لتحصل الرطوبة عليها أو يعتمد على الثلج بيده كما قاله الشيخان. انتهى. ويحتمل حمل الخبر المذكور على اذابة الثلج ولعل في التخيير بينه وبين ماء النهر ما يؤنس بذلك فان السائل ذكر انه لا يجد إلا الثلج ووقع الجواب بالتخيير له بين الثلج وماء النهر وانهما سواء، ويمكن ان يكون التخيير ليس باعتبار وجودهما معا بل باعتبار البدلية يعني الثلج ان لم يكن إلا الثلج وماء النهر الجامد مثلا ان لم يكن إلا هو وكل منهما يحمل الاغتسال به على الذوبان، ومنها - رواية معاوية بن شريح (2) قال: " سأل رجل ابا عبد الله (عليه السلام) وانا عنده قال يصيبنا الدمق والثلج ونريد ان نتوضأ ولا نجد إلا ماء جامدا فكيف أتوضأ ادلك به جلدي ؟ قال نعم " وصحيحة علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل الجنب أو على غير وضوء لا يكون معه ماء وهو يصيب ثلجا وصعيدا ايهما افضل ايتيمم ام يمسح بالثلج وجهه ؟ قال الثلج إذا بل رأسه وجسده افضل وان لم يقدر على ان يغتسل به فليتيمم " وروايته الاخرى المروية في قرب


1) و 2) و 3) المروية في الوسائل في الباب 10 من ابواب التيمم


[ 310 ]

الاسناد عن اخيه (عليه السلام) (1) في من تصيبه الجنابة فلا يقدر على الماء في خبر ساقه إلى ان قال: " قلت ايهما افضل أيتيمم ام يمسح بثلج وجهه وجسده ورأسه ؟ قال الثلج إذا بل رأسه وجسده افضل وان لم يقدر على ان يغتسل يتيمم ". وعلى هذه الاخبار عمل الشيخ في كتابي الاخبار فذهب إلى تقديم الثلج على التراب وان كان الحاصل منه كالدهن كما قدمنا نقله عنه، ولا تنافيه الروايات المتقدمة الدالة على انه مع حصول الثلج والغبار كما في صحيحة رفاعة وموثقة زرارة أو الثلج والتراب كما في صحيحة محمد بن مسلم على احد الاحتمالين يقدم التيمم على استعمال الثلج، لامكان حمل اطلاقها على ما فصلته هذه الاخبار فانها دلت على انه مع امكان الغسل بالثلج أو الوضوء فهو الواجب المتعين ومع عدمه يتيمم فتحمل تلك الاخبار على عدم الامكان جمعا، وعلى هذا فيقدم استعمال الثلج على التيمم بتراب كان أو بغبار وان لم يحصل منه الجريان بل يكفي الدلك على وجه تحصل منه النداوة ومع تعذر ذلك ينتقل منه إلى التيمم وان خالف ذلك مقتضى ظاهر اتفاقهم المتقدم ذكره. وما ربما يقال - من ان الغسل مأخوذ في معناه الجريان فلا يصدق إلا به كما هو ظاهر المعتبر والمدرك وغيرهما في هذا المقام - فالجواب عنه (اولا) - انه مسلم لكنه مخصوص عندنا بحال الاختيار والامكان دون الضرورة. و (ثانيا) - ان الروايات الثلاث التى استندنا إليها في الحكم صريحة في الاكتفاء بمجرد البلل الذي هو النداوة وفيها الصحيح باصطلاحهم فلا وجه لردها، واما دعوى دلالة صحيحة علي بن جعفر على التمكن من الاغتسال بحيث يصدق على الماء اسم الجريان على العضو كما اجاب به في المختلف فعجيب كيف والرواية انما تضمنت البلل الذى هو عبارة عن مجرد مماسة الماء ورطوبة الجسد به واين هذا من الجريان ؟ وهو ظاهر. و (ثالثا) - ما استفاض في اخبار الدهن من الدلالة على الاكتفاء بمجرد البلل مثل قوله (عليه السلام) في صحيحة


1) المروية في الوسائل في الباب 10 من ابواب التيمم


[ 311 ]

زرارة (1): " إذا مس جلدك الماء فحسبك " وفى اخرى (2): " كل شئ امسسته الماء فقد انقيته " وقوله (عليه السلام) في بعضها (3): " يجزيك ما بللت يدك " وحملها على اقل الجريان كما تأولوها به بعيد عن مناطيقها كما قدمنا الكلام في ذلك مفصلا في باب الوضوء، وقد وافق على ذلك في المدارك في باب الوضوء فانه قد اختار ثمة ابقاء الاخبار المذكورة على ظاهرها وان ناقض نفسه هنا وهو ظاهر في تأييد ما قلناه ههنا، وقد قدمنا ثمة ان بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم) حمل اخبار الدهن على الضرورة، وهو جيد ومؤيد لما ذكرناه في هذه المسألة ايضا من اختصاص الحكم هنا بالضرورة. وبالجملة فالاظهر عندي هو مذهب الشيخ في كتابي الاخبار عملا بهذه الروايات الظاهرة في ذلك وحملا لما نافاها ظاهرا على ما قلناه، ومما حققناه في المقام يظهر انه لا وجه للقول بالتيمم بالثلج كما ذهب إليه المرتضى (رضي الله عنه) وغيره، ويؤيده زيادة على ما ذكرناه ان التيمم لا يكون إلا بالتراب أو الارض والثلج لا يدخل في شئ منهما فالواجب اما الغسل به أو الوضوء ان امكن وإلا فوجوده كعدمه. والله العالم.

وتمام البحث في هذا المطلب يتوقف على بيان امور:

(الاول) - قد صرح الاصحاب (رضوان الله عليهم) بانه لا يجوز التيمم بالنجس، قال في المنتهى ولا نعرف فيه خلافا، واستدل عليه بقوله تعالى: " فتيمموا صعيدا طيبا " (4) والطيب الطاهر، قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: " وهو جيد ان ثبت كون الطيب هو الطاهر بالمعنى الشرعي لكن يبقى الكلام في اثبات ذلك ". انتهى. اقول: الاظهر عندي هو الاستدلال بما ورد في جملة من الاخبار " جعلت لي


1) المروية في الوسائل في الباب 52 من ابواب الوضوء 2) رواها في الوسائل في الباب 26 من ابواب الجنابة 3) رواه في الوسائل في الباب 31 من ابواب الجنابة 4) سورة النساء. الاية 43


[ 312 ]

الارض مسجدا وطهورا " وهو مروي في عدة اخبار: منها - ما رواه في الكافي في الصحيح عن ابان بن عثمان عمن ذكره عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ان الله تعالى اعطى محمدا (صلى الله عليه وآله) شرائع نوح وابراهيم وموسى وعيسى، إلى ان قال: وجعل له الارض مسجدا وطهورا. " وروى في الفقيه مرسلا (2) قال: " قال النبي (صلى الله عليه وآله) اعطيت خمسا لم يعطها احد قبلي: جعلت لي الارض مسجدا وطهورا ونصرت بالرعب واحل لي المغنم واعطيت جوامع الكلم واعطيت الشفاعة " وروى الصدوق في الخصال بسنده فيه عن ابي امامة (3) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فضلت باربع: جعلت لي الارض مسجدا وطهورا وايما رجل من امتي اراد الصلاة فلم يجد ماء ووجد الارض فقد جعلت له مسجدا وطهورا ونصرت بالرعب مسيرة شهر واحلت لامتي الغنائم وارسلت إلى الناس كافة " وما رواه فيه في الصحيح عن محمد بن سنان عن زياد بن المنذر ابي الجارود عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (4) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) اعطيت خمسا لم يعطها احد قبلي: جعلت لي الارض مسجدا وطهورا ونصرت بالرعب واحل لي المغنم واعطيت جوامع الكلم واعطيت الشفاعة " وما رواه في المحاسن عن ابي اسحاق الثقفي عن محمد بن مروان عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " ان الله اعطي محمدا (صلى الله عليه وآله) شرائع نوح وابراهيم وموسى وعيسى، إلى ان قال وجعل له الارض مسجدا وطهورا " والتقريب فيها ان الطهور لغة كما حققناه في صدر باب المياه هو الطاهر المطهر، ومن ذلك يعلم ان كل موضع دل النص على التطهير بالارض من حدث كان أو خبث يجب ان تكون طاهرة حسبما يقال في الماء ايضا كما دلت عليه الايات لاشتراك الجميع في الوصف بالطهورية. واما ما ذكره في الذخيرة - حيث قال في هذا المقام بعد ان جرى على ما ذكره في المدارك كما هي عادته غالبا " وقد يستدل بقوله (صلى الله عليه


1) و 2) و 3) و 4) و 5) رواه في الوسائل في الباب 7 من ابواب التيمم


[ 313 ]

وآله) " وترابها طهورا " والنجس لا يعقل كونه مطهرا لغيره. وفيه ايضا مناقشة " - فهو من جملة مناقشاته الواهية اللهم إلا ان يريد المناقشة في ثبوت الخبر بذلك حيث انه تبع صاحب المدارك ايضا في تضعيف الخبر المذكور بناء على نقله في كتب الفروع بقوله " وترابها طهورا " والخبر - كما عرفت - موجود في جملة من الاصول المعتمدة ومتكرر فيها وهو خال من لفظ " وترابها " كما استدل به المرتضى (رضى الله عنه) كما قدمنا ذكره في تلك المسألة. والله العالم.

(الثاني) - قد صرحوا ايضا بانه لا يصح التيمم بالمغصوب للنهي عنه المقتضى للفساد في العبادة، قالوا: والمراد بالمغصوب ما ليس بمملوك ولا مأذون فيه صريحا أو ضمنا كالمأذون في التصرف فيه أو فحوى كالمأذون في دخوله وجلوسه ونحوهما عموما أو خصوصا أو بشاهد الحال كالصحارى المملوكة حيث لا ضرر على المالك، ومثله جدار الغير من خارج حيث لا ضرر يتوجه عليه، نعم لو ظن الكراهة أو صرح بها المالك امتنع. اقول: لا يخفى ان ما عللوا به عدم صحة التيمم بالمغصوب من النهي المقتضي للفساد وان كان هو المشهور بينهم بل ربما ادعي الاتفاق عليه إلا انه سيأتي الكلام في هذه المسألة في كتاب الصلاة ان شاء الله تعالى ونقل خلاف الفضل بن شاذان في ذلك وبيان حجج الطرفين وذكر ما سنح لنا من التحقيق في البين. واما العمل على هذه الدلالات المذكورة بانواعها فينبغي تقييده بافادتها العلم برضا المالك ولا يكفي مجرد الظن كما يعطيه ظاهر كلامهم. قالوا ولو حبس المكلف في مكان مغصوب ولم يجد ماء مباحا أو وجد ولزم من استعماله اضرار بالمالك فهل يجوز التيمم بترابه الظاهر مع عدم وجود غيره كما جازت له الصلاة فيه لخروجه بالاكراه عن النهى فصارت الاكوان مباحة له لامتناع التكليف بما لا يطاق ام لا يجوز لافتقاره إلى التصرف في المغصوب زائدا على اصل الكون ؟ وجهان، ورجح بعض افاضل متأخرى المتأخرين الاول لما ذكر، استبعد الثاني لمنع عدم جواز ذلك التصرف، قالوا وهذا بخلاف الطهارة بالماء المغصوب لما فيه من الاتلاف


[ 314 ]

فكان غير جائز قطعا. اقول: والمسألة عندي محل توقف.

(الثالث) - صرح الاصحاب بجواز التيمم بالسبخة والرمل على كراهة، والمراد بالسبخة الارض المالحة النشاشة، اما الحكم بالجواز في السبخة فهو المشهور بينهم وعن ابن الجنيد المنع من السبخ حكى ذلك عنه المحقق في المعتبر والشهيد في البيان، ويدل على الجواز فيهما صدق اسم الارض عليهما فان الرمل اجزاء ارضية اكتسبت حرارة اوجبت لها التشتت والسبخة ارض اكتسبت حرارة اوجبت لها تغييرا في الكيفية لا تخرج به عن حقيقة الارضية، ومتى ثبت صدق الارضية عليهما جاز التيمم بهما تمسكا بظاهر الاية والنصوص المتقدمة، واما ما ذكروه من الكراهة فلم اقف له على دليل، قيل وربما كان الوجه فيها التفصي ؟ من احتمال خروجهما بتلك الحرارة المكتسبة عن الحقيقة الارضية أو الخروج من خلاف ابن الجنيد في السبخ وخلاف بعض العامة في الرمل. اقول: ويمكن تأييد الوجه الاول بما رواه في الكافي والتهذيب عن محمد بن الحسين (1) " ان بعض اصحابنا كتب إلى ابي الحسن الماضي (عليه السلام) يسأله عن الصلاة على الزجاج قال فلما نفذ كتابي إليه تفكرت وقلت هو مما انبتت الارض وما كان لي ان اسأله عنه فكتب الي: لا تصل على الزجاج ان حدثتك نفسك انه مما انبتت الارض ولكنه من الملح والرمل وهما ممسوخان " قال بعض مشايخنا المحدثين يعني حولت صورتهما ولم يبقيا على صرافتهما. واما الوجه الثاني فهو ضعيف. اقول: ومما يكره التيمم به تراب الطريق والتراب الذي يوطأ عليه كما رواه في الكافي عن غياث بن ابراهيم عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) لا وضوء من موطأ " قال النوفلي يعني ما تطأ عليه برجلك. وعن غياث ابن ابراهيم عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " نهى امير المؤمنين (عليه السلام) ان


1) رواه في الوسائل في الباب 12 من ابواب ما يسجد عليه 2) و 3) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب التيمم


[ 315 ]

يتيمم الرجل بتراب من اثر الطريق " والاصحاب قد ذكروا في هذا المقام انه يستحب التيمم من ربى الارض وعواليها واستدلوا بهذين الخبرين، والاظهر في الاستدلال على ما ذكروه انما هو بالخبرين المتقدمين (1) في تفسير الاية من كتاب معاني الاخبار والفقه الرضوي حيث انهما قد فسروا الصعيد في الاية بانه المرتفع من الارض والطيب الذي ينحدر عنه الماء.

(الرابع) - يجوز التيمم بالارض المبتلة وليتخير اخفها بللا كما رواه الشيخ في الصحيح عن رفاعة عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " إذا كانت الارض مبتلة ليس فيها تراب ولا ماء فانظر اجف موضع تجده فيتمم منه فان ذلك توسيع من الله عزوجل. " اقول: قوله (عليه السلام): " ليس فيها تراب " يعني جاف، وقوله " فان ذلك توسيع " اي التيمم بالمبتل مع تعذر الجاف توسيع، ويمكن ان يستفاد منه انه مع وجود الجاف لا يجوز الانتقال منه إلى الرطب وان ذلك مخصوص بحال الضرورة إلا ان ظاهر المحقق في المعتبر خلافه حيث قال: يجوز التيمم بالارض الندية كما يجوز بالتراب لما ذكرناه من الحجة ولما رواه رفاعة، ثم ساق الخبر، واشار بما ذكره من الحجة إلى صدق الصعيد عليه. وهو جيد إلا انه يبقى قوله في الخبر " فان ذلك توسيع " عاريا عن الفائدة وان امكن ان يتكلف لوجهه. وقد ذكر الاصحاب هنا انه يجوز التيمم بتراب القبر سواء كان منبوشا أو غير منبوش إلا ان يعلم ان فيه نجاسة لتناول اسم الصعيد له وعدم تحقق المانع، ولا اعرف لخصوصية ذكر هذا الفرد وجها يوجب ذكره دون غيره من انواع التراب، وكأن الوجه فيه مباشرة الميت فربما يتوهم عدم الجواز لذلك، وفى المعتبر يجوز وان تكرر نبشه لانه عندنا طاهر، نعم لو كان الميت نجسا منع. قالوا: ويجوز التيمم بالتراب المستعمل، وفسر المستعمل بالممسوح به أو


1) ص 245 2) رواه في الوسائل في الباب 9 من ابواب التيمم


[ 316 ]

المتساقط عن محل الضرب لا المضروب عليه فانه ليس بمستعمل اجماعا لانه كالاناء يغترف منه. وإذا امتزج التراب بشئ من المعادن أو غيرها اعتبار الاسم فان صدق اسم التراب لاستهلاكه الخليط واضمحلال الخليط فيه صح التيمم به لصدق التراب عرفا ولغة وشرعا، وعن الشيخ في الخلاف انه قال لا يجوز التيمم به سواء غلب على الخليط أو لم يغلب. ووجهه غير ظاهر مع انه قال في المبسوط يجوز إذا كان مستهلكا.

(الخامس) - لا خلاف بين الاصحاب رضوان الله عليهم) في عدم جواز التيمم بالرماد كما حكاه في المنتهى، والظاهر انه لا فرق بين رماد التراب وغيره، واستقرب العلامة في النهاية جواز التيمم بالرماد المتخذ من التراب، وقال في التذكرة لو احترق التراب حتى صار رمادا فان كان خرج عن اسم الارض لم يصح التيمم به. وظاهره الشك في الخروج وعدمه، قال في المدارك بعد نقل العبارة: وهذا اولى إذ المعتبر ما يقع عليه اسم الارض. وظاهره ايضا التوقف كما في عبارة التذكرة اقول: لا يخفى ان الرماد الحاصل من احتراق الشجر ونحوه لا يصير رمادا ولا يصدق عليه هذا الاسم إلا باعتبار اعدام النار للحقيقة الاولية واضمحلالها وانقلابها إلى النوع المسمى بالرماد، ولهذا جعلت النار من جملة المطهرات من حيث الاحالة من الحقائق الاولية إلى حقيقة الرماد أو الدخان، فقد حصل التغيير في الحقيقة والتسمية، وحينئذ فان كان النار باحراقها التراب قد عملت فيه مثل ما تعمل في تلك الاجسام من اذهاب الحقيقة الاولية إلى حقيقة اخرى بحيث انه انما يسمى في العرف رمادا فلا ريب في ان حكمه حكم الرماد الحاصل من غير الارض في عدم صدق التراب عليه، وان لم تعمل فيه النار على هذا الوجه المذكور وان غيرت لونه فانه لا يسمى رمادا بل هو تراب وان تغير لونه، وحينئذ ففرضه في التذكرة وكذا في المدارك ايضا انه احترق حتى صار رمادا ثم الشك في خروجه بذلك عن اسم الارض لا اعرف له وجها وجيها، فانه متى صار رمادا بان عملت فيه


[ 317 ]

النار كما عملت في غيره من الاجسام التي احالتها فلا ريب في خروجه عن اسم الارضية وهو ليس بموضع شك كما في نظائره المذكورة، وان لم يسم رمادا فهو باق على ما كان عليه، وبذلك يظهر ايضا انه لا وجه لما استقر به في النهاية من جواز التيمم برماد التراب وبالجملة فانه متى صدق عليه اسم الرماد فقد خرج عن اسم الارض كما خرج نظائره مما احالته النار عن حقيقته الاولى إلى حقيقة الرمادية. والله العالم.

(السادس) - ولو فقد هذه الاشياء التي يجوز التيمم بها لقيد أو حبس في مكان نجس أو نحو ذلك فقد اختلف اصحابنا في حكمه، فقيل انه يجب الصلاة اداء وقضاء، وهذا القول لم نظفر بقائله صريحا وانما نقله في الشرائع، قال في المدارك: ولعله اشار بذلك إلى ما في المبسوط من تخييره بين تأخير الصلاة أو الصلاة والاعادة، قال وهو مع ضعفه لا يدل على تعين الاداء، وعن المفيد (قدس سره) في رسالته إلى ولده انه قال: وعليه ان يذكر الله تعالى في اوقات الصلاة ولم يتعرض للقضاء، وما ذكره من الامر بالذكر لم نقف له على مستند، وقيل بسقوط الاداء والقضاء وهو اختيار المحقق في الشرائع والمعتبر ونقل عن المفيد في احد قوليه وهو قول العلامة ايضا في كتبه، واحتج عليه في العمتبر بانها صلاة سقطت بحدث لا يمكن ازالته فلا يجب قضاؤها كصلاة الحائض، وبان القضاء فرض مستأنف فيتوقف على الدلالة ولا دلالة. وقيل بوجوب القضاء وهو اختيار المفيد في المقنعة والمرتضى في المسائل الناصرية وابن ادريس واختاره في المدارك وهو المشهور بين المتأخرين. وقيل بالتخيير بين الصلاة والاعادة والتأخير كما تقدم نقله عن عبارة المبسوط. احتج القائلون بوجوب القضاء بعموم ما دل على وجوب قضاء الفوائت كقول الباقر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1) " ومتى ما ذكرت صلاة فاتتك صليتها " وفى صحيحة اخرى لزرارة (2) " اربع صلوات يصليها الرجل في كل ساعة: صلاة فاتتك


1) المروية في الوسائل في الباب 63 من ابواب التيمم 2) رواها في الوسائل في الباب 2 من ابواب قضاة الصلوات


[ 318 ]

فذكرتها اديتها.. الحديث ". اقول - وبالله سبحانه الثقة لبلوغ المأمول -: الظاهر انه لا ريب في سقوط الاداء لان الطهارة شرط في الصلاة مطلقا لقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1) " لا صلاة إلا بطهور. " وقد تعذر الطهور فيسقط التكليف به ويلزم من سقوط التكليف به سقوط التكليف بالمشروط وإلا فان بقي الاشتراط لزم التكليف بما لا يطاق وان انتفى خروج المشروط المطلق عن كونه مشروطا وهو باطل. إلا ان في المقام اشكالا يجب التنبيه عليه وهو ان ظاهرهم الاتفاق على ان الطهارة من شروط الصحة كالقبلة وستر العورة وطهارة الستار ونحوها لامن شروط الوجوب وانما شرط الوجوب فيها الوقت خاصة، وقد قرروا في شروط الصحة ان وجوبها انما هو مع الامكان وان الصلاة تصح بدونها مع التعذر، ولذا قال المحدث السيد نعمة الله الجزائري في رسالة التحفة ما صورته: " والاولى ان لم ينعقد الاجماع على خلافه وجوب الصلاة اداء من غير اعادة لان الطهارة شرط في صحة الصلاة لا في وجوبها فهي كغيرها من الساتر والقبلة، وباقي شروط الصحة انما تجب مع امكانها وإلا لكانت الصلاة من قبيل الواجب المقيد كالحج والاصوليون على خلافه " انتهى. وهو جيد. إلا انه يمكن ان يقال ان الطهارة وان كانت من شروط الصحة كما ذكروا إلا ان تعميم الحكم في شروط الصحة بما ذكروه - من عدم وجوبها إلا مع الامكان الموجب لعدم شرطيتها مع عدم امكانها فتجوز الصلاة بدونها - محل نظر، وقيام الدليل فيما عدا الطهارة من تلك الشروط لا يستلزم اجراءه فيها من غير دليل سيما وظاهر الصحيحة المتقدمة عدم صحة الصلاة إلا بطهور فهي بدونه باطلة مظلقا امكنت الطهارة ام لا والباطل يمتنع التكليف به. واما القضاء فقد عرفت انه هو المشهور بين المتأخرين لعموم الاخبار المتقدمة، ويمكن تطرق القدح إليه بما اشرنا إليه في غير موضع وبه صرح جملة من المحققين من ان الاحكام المودعة في الاخبار انما تنصرف إلى الافراد المتكررة الكثيرة الدوران فهي التي يتبادر إليها الاطلاق دون الفروض النادرة التي ربما لا توجد بالكلية في زمان من الازمان، فشمول الاخبار المذكورة لهذا الفرد الذي هو محل البحث لا يخلو من بعد وبذلك يتأيد مذهب المحقق ومن تبعه. وكيف كان فحيث كانت المسألة عارية عن النص بالخصوص سيما مع تدافع هذه الادلة فالاحوط الصلاة اداء وقضاء بعد وجود الطهارة مائية أو ترابية. والله العالم.


1) المروية في الوسائل في الباب 9 من ابواب التيمم.


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>