
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء الرابع
المطلب الخامس
في الأحكام
وفيه مسائل:
(الاولى) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف ان التيمم مبيح لما تبيحه الطهارة المائيه مطلقا من الصلاة والطواف ومس كتابة القرآن ونحو ذلك مما الطهارة شرط في حصوله أو كماله، ويدل عليه عموم الاخبار من قوله (صلى الله عليه وآله) لابي ذر (1) " يكفيك الصعيد عشر سنين " وقول الصادق (عليه السلام) في صحيحة حماد (2) " هو بمنزلة الماء " وفي صحيحة جميل (3) " فان الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا " وفى صحيحة محمد بن مسلم وغيرها (4) " ان رب الماء هو رب الصعيد " كما في بعض " أو رب الارض " كما في آخر (5) وقوله (عليه السلام) في كتاب الفقه (6) " ان التيمم غسل المضطر ووضوؤه وهو نصف الوضوء في غير ضرورة إذا لم يوجد الماء " ونحو ذلك مما يدل على قيامه مقام الماء في كل موضع تعذر استعماله.
1) و 2) و 3) المروى في الوسائل في الباب 23 من ابواب التيمم 4) و 5) رواه في الوسائل في الباب 3 و 14 من ابواب التيمم 6) ص 4
[ 371 ]
وقد وقع الخلاف هنا في موضعين:
(الاول) - ما نقل عن فخر المحققين ابن العلامة (طاب ثراهما) من انه منع من استباحة اللبث بالتيمم في المساجد لقوله تعالى: " إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا " (1) حيث جعل نهاية التحريم الغسل فلا يستباح بغيره وإلا لم تكن الغاية غاية، والحق به مس كتابة القرآن لعدم فرق الامة بينهما، ويلزم على كلامه تحريم الطواف على الجنب لاستلزامه دخول المسجد وان لم يقل به. واجاب في المدارك عن الاية - بعد الاستدلال على اصل المسألة ببعض الاخبار التي قدمناها - بالمنع من دلالتها على ما ذكره، قال: لان ارادة المساجد من الصلاة مجاز لا يصار إليه إلا مع القرينة، مع احتمالها لغير ذلك المعنى احتمالا ظاهرا وهو ان يكون متعلق النهي الصلاة في احوال الجنابة إلا في حال السفر لجواز تأديتها حينئذ بالتيمم، وايضا فان ذلك لا ينافي حصول الاباحة بدليل من خارج وهو ثابت كما بيناه. انتهى. اقول: لا يخفى انه قد ذكر المفسرون لهذه الاية معنيين (احدهما) - ان المراد لا تقربوا الصلاة وانتم جنب إلا ان تكونوا مسافرين فيجوز لك اداؤها بالتيمم، وعلى هذا المعنى بناء كلام المدارك ومرجعه إلى النهي عن الصلاة حال الجنابة، وحينئذ فتكون الصلة هنا مرادا بها معناها الشرعي والمراد بقوله سبحانه " عابري سبيل " يعني مسافرين كما ذكره. و (ثانيهما) - ان المراد لا تقربوا مواضع الصلاة من المساجد وانتم جنب حتى تغتسلوا إلا بقصد المرور فيها والعبور، وعلى هذا المعنى بناء الاستدلال بالاية، وهذا المعنى هو الذي دلت عليه الاخبار المتضمنة لتفسير الاية، فروى الصدوق في العلل في الصحيح عن زرارة وحمد بن مسلم عن مولانا الباقر (عليه السلام) (2) قالا: " قلنا له الحائض والجنب بدخلان المسجد ام لا ؟ قال الحائض والجنب لا يدخلان المسجد إلا مجتازين ان الله تبارك وتعالى يقول: ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا. الحديث "
1) سورة المائدة. الاية 42 2) رواه في الوسائل في الباب 15 من ابواب الجنابة
[ 372 ]
ونحوه روى العياشي في تفسيره عنه (عليه السلام) (1) وعلي بن ابراهيم في تفسيره عن الصادق (عليه السلام) (2) ونقله في مجمع البيان عن الباقر (عليه السلام) (3) وهو الذي رجحه واختاره في تفسيره ايضا بعد ذكره المعنى الاول، قال (قدس سره): " وهذا القول الاخير اقوى لانه سبحانه بين حكم الجنب في آخر الاية إذا عدم الماء فلو حملناه على ذلك لكان تكرارا، وانما اراد سبحانه ان يبين حكم الجنب في دخول المساجد في اول الاية وبين حكمه في الصلاة عند عدم الماء في آخر الاية " انتهى.
اقول: واستعمال الصلاة هنا في مواضعها جرى على طريق الاستخدام كما ذكره بعض البارعين في علم البلاغة من علمائنا الاعلام في كتاب الفه في الصناعات البديعية عند ذكر الاستخدام بعد ان عرفه بانه عبارة عن ان يأتي المتكلم بلفظة مشتركة بين معنيين مقرونة بقرينتين يستخدم كل قرينة منهما معنى من معاني تلك اللفظة، قال: وفى الاية الكريمة استخدام لفظ الصلاة لمعنيين: احدهما اقامة الصلاة بقرينة قوله عزوجل " حتى تعلموا ما تقولون " والاخر مواضع الصلة بقرينة قوله عزوجل: " ولا جنبا إلا عابري سبيل " انتهى. وهذا هو الحق الموافق لما ذكرناه من الاخبار، وبذلك يتبين لك ما في كلام المدارك من النظر الظاهر لبنائه على ما في تفاسير العامة وغفلته عن اخبار اهل البيت (عليهم السلام) التي هي المرجع في مفاد معاني القرآن وصحة استدلال فخر المحققين (طاب ثراه) بالاية، وحينئذ فالجواب عما ذكره القائل المشار إليه انه وان كان معنى الاية ما ذكره إلا انه مخصوصة بالاخبار المتقدمة، واليه يشير آخر كلام السيد في المدارك بقوله " وايضا فان ذلك لا ينافي. الخ ".
(الثاني) - ما ذكره السيد في المدارك حيث اورد على ما ذكره الاصحاب - مما ظاهرهم الاتفاق عليه من ان التيمم يبيح كل ما تبيحه الطهارة المائية وبعبارة اخرى ان التيمم يجب لما تجب له الطهارتان - بان ذلك مشكل لانتفاء الدليل عليه، قال: والاظهر
1) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 7 من ابواب الجنابة 2) ص 127 3) رواه في الوسائل في الباب 15 من ابواب الجنابة
[ 373 ]
ان التيمم يبيح كل ما تبيحه الطهارة المائية لقوله (عليه السلام) في صحيحة جميل (1) " ان الله تعالى جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا " وفى صحيحة حماد (2) " هو بمنزلة الماء " وفى صحيحة محمد بن مسلم (3) " قد فعل احد الطهورين " فما ثبت توقفه على مطلق الطهارة من العبادات يجب له التيمم وما ثبت توقفه على نوع خاص منها كالغسل في صوم الجنب فالاظهر عدم وجوب التيمم له مع تعذره إذ لا ملازمة بينهما فتأمل. انتهى. اقول: وتوضيح كلامه ان غاية ما يستفاد من الاخبار ان التيمم مبيح لما تبيحه الطهارة المائية بمعنى انما ورد في الشرع ان لا يباح بدون الطهارة اولا يفعله بدون الطهارة أو انه مشروط بها كالصلاة مثلا ومس كتابة القرآن واللبث في المساجد من حيث تحريمها على المحدث وانها لا تباح إلا بالطهارة فالتيمم مبيح لها لكونه طهارة كما دلت عليه الاخبار التي ذكرها، واما ما ورد في الشرع بانه لا يباح إلا بالوضوء مثلا أو الغسل مثلا أو مشروط باحدهما أو نحو ذلك من العبارات فاباحة التيمم له غير ثابتة إلا إذا دل دليل خاص من خبر أو اجماع أو نحوهما كالغسل من الجنابة للصوم مثلا لتوقف صحة الصوم عليه على المشهور وكذا غسل الحيض والنفاس والاستحاضة بناء على القول بوجوبها للصوم، فقيام التيمم في ذلك مقام الغسل يحتاج إلى دليل. اقول: والى ذلك ايضا يشير كلام الشهيد في الالفية حيث نسب التيمم بدلا من الغسل للصوم إلى الاولى، قال الشهيد الثاني في الشرح: ووجه عدم الوجوب اصالة عدمه إذ لا دليل عليه ظاهرا فان الاية في سياق الصلاة ولا نزاع في وجوب التيمم بدلا من الغسل لها. انتهى، والظاهر هو القول المشهور لعموم الاخبار التي قدمناها في صدر المسألة فانها مكشوفة الدلالة واضحة المقالة في قيامه مقام الماء في كل موضع مشروط به سواء كان بلفظ الطهارة أو بلفظ الوضوء أو الغسل. والله العالم.
1) و 2) و 3) المروية في الوسائل في الباب 23 من ابواب التيمم
[ 374 ]
(المسألة الثانية) - المشهور في كلام الاصحاب بل ادعي عليه الاجماع ان من تيمم تيمما صحيحا وصلى به فانه لا يجب عليه الاعادة لو وجد الماء بعد خروج الوقت قال في المعتبر: كل موضع حكمنا فيه بصحة التيمم والصلة لا نوجب فضاءها مع وجود الماء، قال الشيخ وهو مذهب جميع الفقهاء إلا طاووس. (1) وقال في المنتهى: قال علماؤنا إذا تيمم وصلى ثم خرج الوقت لم يجب عليه الاعادة وعليه اجماع اهل العلم، ثم نقل الخلاف عن طاووس خاصة بانه يعيد ما صلى بالتيمم لان التيمم بدل فإذا وجد الاصل نقض حكم البدل. اقول: ويدل على ما ذكروه (رضوان الله عليهم) جملة من الاخبار، ومنها - صحيحة عبيدالله بن علي الحلبي (2) " انه سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل إذا اجنب ولم يجد الماء ؟ قال يتيمم بالصعيد فإذا وجد الماء فليغتسل ولا يعيد الصلاة " وحسنة زرارة عن احدهما (عليهما السلام) (3) قال قال: " إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب مادام في الوقت فإذا خاف ان يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه وليتوضأ لما يستقبل " وحسنة الحلبي (4) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا لم يجد الرجل طهورا وكان جنبا فليمسح من الارض ويصل فإذا وجد ماء فليغتسل وقد اجزأته صلاته التي صلى " ومثلها صحيحة عبد الله بن سنان (5) وصحيحة العيص (6) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يأتي الماء وهو جنب وقد صلى ؟ قال يغتسل ولا يعيد الصلاة " وصحيحة محمد بن مسلم (7) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اجنب فتيمم بالصعيد
1) حكاه في المغنى ج 1 ص 243 عن عطاء وطاووس والقاسم بن محمد ومكحول وابن سيرين والزهرى وربيعة 2) و 3) و 4) و 5) و 6) و 7) المروية في الوسائل في الباب 14 من ابواب التيمم
[ 375 ]
وصلى ثم وجد الماء ؟ قال لا يعيد ان رب الماء رب الصعيد فقد فعل احد الطهورين " وصحيحة زرارة (1) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) فان اصاب الماء وقد صلى بتيمم وهو في وقت ؟ قال تمت صلاته ولا اعادة عليه " وموثقة علي بن اسباط عن عمه عن الصادق (عليه السلام) (2) " في رجل تيمم وصلى ثم اصاب الماء وهو في وقت ؟ قال قد مضت صلاته وليتطهر ". إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد وقع الخلاف هنا في مواضع: (الاول) - انه على تقدير المشهور من جواز التيمم مع السعة فلو تيمم وصلى فانه لا يعيد، وهو المشهور وعليه دلت الاخبار المتقدمة، وعن ابن ابي عقيل وابن الجنيد القول هنا بوجوب الاعادة وربما كان مستندهما صحيحة يعقوب بن يقطين (3) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن رجل تيمم وصلى فاصاب بعد صلاته ماء أيتوضأ ويعيد الصلاة ام يجوز صلاته ؟ قال إذا وجد الماء قبل ان يمضي الوقت توضأ واعاد فان مضى الوقت فلا اعادة عليه " وموثقة منصور بن حازم عن الصادق (عليه السلام) (4): " في رجل تيمم وصلى ثم اصاب الماء ؟ قال اما انا فكنت فاعلا أني كنت اتوضأ واعيد ". (الثاني) ما نقل عن المرتضى (رضي الله عنه) في شرح الرسالة ان الحاضر إذا تيمم لفقد الماء وجب عليه الاعادة إذا وجده، ولم نقف له على دليل وبذلك اعترف ايضا جملة من الاصحاب، ولعله استند إلى الخبرين المذكورين، وهو بعيد. (الثالث) - ما ذهب إليه الشيخ (قدس سره) من ان من تعمد الجنابة وخشي على نفسه من استعمال الماء تيمم وصلى ثم يعيد إذا وجد الماء، واحتج على ذلك بما رواه عن جعفر بن بشير عمن رواه عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن رجل اصابته جنابة في ليلة باردة يخاف على نفسه التلف ان اغتسل ؟ قال يتيمم فإذا امن البرد اغتسل واعاد الصلاة ".
1) و 2) و 3) و 4) و 5) المرويد في الوسائل في الباب 14 من ابواب التيمم
[ 376 ]
(الرابع) - ما ذهب إليه الشيخ في النهاية والمبسوط من ان من منعه الزحام في الجمعة عن الخروج فانه يتيمم ويصلي ثم يعيد لما رواه السكوني عن جعفر عن ابيه عن علي (عليهم السلام) (1) " انه سئل عن رجل يكون في وسط الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة لا يستطيع الخروج من المسجد من كثرة الناس ؟ قال يتيمم ويصلي معهم ويعيد إذا انصرف " ومثلها وموثقة سماعة، وقد قدمنا ذكر هذه المسألة (2).
(الخامس) - إذا لم يكن معه إلا ثوب واحد نجس ولم يتمكن من نزعه قال الشيخ انه يصلي فيه فإذا تمكن من الماء نزعه وغسله واعاد الصلاة استنادا إلى ما رواه في الموثق عن عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (3) " انه سئل عن رجل ليس عليه إلا ثوب ولا تحل الصلاة فيه وليس يجد ماء يغسله كيف يصنع ؟ قال يتيمم ويصلي فإذا اصاب ماء غسله واعاد الصلاة ".
(السادس) - ما ذهب إليه ابن الجنيد من ان من فقد الماء ولم يجده إلا بثمن غال فانه يتيمم ويعيد، ولم نقف له على دليل.
(السابع) - ما تقدم من ان من اخل بالطلب حتى ضاق الوقت فتيمم وصلى ثم وجد الماء في محل الطلب فالمشهور انه يجب عليه الاعادة استنادا إلى رواية ابي بصير (4) قال: سألته عن رجل كان في سفر وكان معه ماء فنسيه فتيمم وصلى ثم ذكر ان معه ماء قبل ان يخرج الوقت ؟ قال عليه ان يتوضأ ويعيد الصلاة " وقد تقدم البحث في هذه المسألة (5) وجمهور الاصحاب (رضوان الله عليهم) قد حملوا الامر بالاعادة فيما عدا الصورة الاخيرة على الاستحباب، لمعارضتها بما تقدم من الاخبار، ولان الامر بالاداء والقضاء معا خارج عن مقتضي الاصول المقررة فانه متى كان مأمورا بالتيمم والصلاة
1) رواه في الوسائل في الباب 15 من ابواب التيمم 2) ص 268 3) رواه في الوسائل في الباب 30 من ابواب التيمم 4) المروية في الوسائل في الباب 14 من ابواب التيمم 5) ص 256
[ 377 ]
فلا ريب ان قضية الامر الاجزاء فلا يتعقبه القضاء وإلا فلا وجه للتيمم والصلاة اداء قال في المعتبر في الموضع الثالث: والوجه عندي انه لا اعادة لان التيمم عند الخوف على النفس اما ان يكون مبيحا للصلاة ام لا يكون، فان كان مبيحا سقط القضاء لانه اتى بصلاة مستكملة للشرائط، وان لم يكن مبيحا لم يجب الاداء، فالقول بوجوب الاداء مع وجوب القضاء مما لا يجتمعان لكن الاداء كان واجبا فالقضاء غير واجب. انتهى. وبالجملة فان الوجه هو العمل على الاخبار المتقدمة. بقي الكلام في محل هذه الاخبار على الاستحباب كما هي القاعدة المطردة في كلام الاصحاب في جميع الابواب، فان فيه ما عرفت مما قدمناه في غير موضع، وهو وان امكن في بعض لما يلوح من القرائن على ذلك إلا انه يمكن حمل ما عداه على التقية التي هي في اختلاف الاحكام أصل كل بلية وإلا فارجاعها إلى قائلها لضعفها عن النهوض بمعارضة ما قابلها. والله العالم.
(المسألة الثالثة) - لوجود المتيمم الماء وتمكن من استعماله فله صور:
(الاولى) - ان يجده قبل دخوله في الصلاة، والظاهر انه لا خلاف في انتقاض تيممه ووجوب استعمال الماء حتى انه لو فقده بعد التمكن من ذلك اعاد التيمم، قال في المعتبر: وهو اجماع اهل العلم ؟ قال في المدارك: " واطلاق كلامهم يقتضي انه لا فرق في ذلك بين ان يبقى من الوقت مقدار ما يسع الطهارة والصلاة وعدمه، وهو مؤيد لما ذكرناه فيما سبق من ان من اخل باستعمال الماء حتى ضاق الوقت يجب عليه الطهارة المائية والقضاء لا التيمم والاداء " انتهى. اقول: فيه ان الظاهر انه لا ريب في ان المتبادر من كلامهم وكذا من اخبار المسألة ان التقسيم إلى الاقسام المذكورة في هذه المسألة انما هو في الوقت خاصة والبحث ومحل الخلاف انما هو في وجوب المضى في الصلاة بعد وجود الماء مطلقا أو الرجوع ما لم يركع، واما كون ذلك يؤدي إلى فوات الوقت ام لا وانه هل يشترط مضي زمان يسع الطهارة ام لا ؟ فهاتان مسألتان على حدة وكل من قال بقول في تينك المسألتين فرع عليه ما اندرج تحته من هذه المسألة أو غيرها، ولا يخفى ان من قال في
[ 378 ]
تلك المسألة التي اشار إليها بانه مع ضيق الوقت عن استعمال الماء يتيمم ويصلى اداء لا يوافق هنا على التمكن من استعمال الماء، لان استعماله على وجه يؤدي إلى فوات الوقت والصلاة قضاء غير جائز عنده فوجود الماء في هذه الصورة عنده في حكم العدم كما تقدم تحقيقه.
(الثانية) - ان يجده بعد الفراغ من الصلاة، والمشهور انه لا اعادة عليه ولكن ينتقض تيممه، قال في المعتبر: وهو موضع وفاق ايضا. وقد تقدم في سابق هذه المسألة ما في ذلك من الخلاف لذهاب ابن ابي عقيل وابن الجنيد إلى وجوب الاعادة.
(الثالثة) - ان يجده بعد الدخول في الصلاة، وقد اختلف في هذه الصورة كلام الاصحاب، فقال الشيخ (قدس سره) في النهاية انه يرجع ما لم يركع، وهو اختيار ابن ابي عقيل وابي جعفر بن بابويه والمرتضى في شرح الرسالة، وللشيخ قول آخر في المبسوط والخلاف وهو انه متى كبر للافتتاح لم يجز له الرجوع ومضى في صلاته بتيممه وهو اختيار المفيد والمرتضى في مسائل الخلاف وقواه ابن البراج واختاره ابن ادريس والمحقق في المعتبر والسيد في المدارك والعلامة في جملة من كتبه والظاهر انه المشهور، وقال سلار يرجع إلا ان يقرأ، وقال ابن الجنيد: ان وجد الماء بعد دخوله في الصلاة قطع ما لم يركع الركعة الثانية فان ركعها مضى في صلاته، فان وجده بعد الركعة الاولى وخاف من ضيق الوقت ان يخرج ان قطع رجوت ان يجزئه ان لا يقطع صلاته، فاما قبله فلابد من قطعها مع وجود الماء. انتهى. ونقل في الذكرى عن حمزة في الوسيلة قولا غريبا وهو وجوب القطع بعد الشروع مطلقا إذا غلب على ظنه سعة الوقت بقدر الطهارة والصلاة وعدم وجوب القطع ان لم يمكنه ذلك واستحباب القطع ما لم يركع، فهذه خمسة اقوال في المسألة. اقول: والاصل في الخلاف في هذه المسألة اختلاف الاخبار فيها فها انا اسوق ما وقفت عليه من الاخبار في المقام وابين ما ظهر لي من ذلك بتوفيق الملك العلام بما
[ 379 ]
ينكشف عنه نقاب الابهام ويصير ظاهرا لجملة الافهام. فمنها - ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (1) في حديث قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) ان اصاب الماء وقد دخل في الصلاة ؟ قال فلينصرف وليتوضأ ما لم يركع فان كان قد ركع فليمض في صلاته فان التيمم احد الطهورين " ورواه الكليني بسندين احدهما في الصحيح والثاني في الحسن على المشهور بابراهيم بن هاشم والصحيح عندي (2). وما رواه الشيخ عن عبد الله بن عاصم (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يجد الماء فيتيمم ويقوم في الصلاة فجاء الغلام وقال هو ذا الماء ؟ فقال ان كان لم يركع فلينصرف وليتوضأ وان كان قدر ركع فليمض في صلاته " ورواه ابن ادريس في آخر السرائر نقلا من كتاب محمد بن علي بن محبوب مثله (4) ورواه الكليني مثله (5). وما رواه الشيخ عن محمد بن حمران عن الصادق (عليه السلام) (6) قال: " قلت له رجل تيمم ثم دخل في الصلاة وقد كان طلب الماء فلم يقدر عليه ثم يؤتى بالماء حين يدخل في الصلاة ؟ قال يمضي في الصلاة، واعلم انه ليس ينبغي لاحد ان يتيمم إلا في آخر الوقت ". وما رواه ايضا في الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم (7) قال: " قلت في رجل لم يصب الماء وحضرت الصلاة فتيمم وصلى ركعتين ثم اصاب الماء أينقض الركعتين أو يقطعهما ويتوضأ ثم يصلى ؟ قال لا ولكنه يمضي في صلاته فيتمها ولا ينقضها لمكان انه دخلها وهو على طهور بتيمم. الحديث ". وعن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (8) قال: " سألته عن رجل صلى ركعة
1) و 2) و 3) و 4) و 5) و 6) و 7) و 8) رواه في الوسائل في الباب 21 من ابواب التيمم
[ 380 ]
على تيمم ثم جاء رجل ومعه قربتان من ماء ؟ قال بقطع الصلاة ويتوضأ ثم يبني على واحدة " ورواه ابن ادريس في آخر السرائر نقلا من كتاب محمد بن علي بن محبوب. وعن الحسن الصيقل قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل تيمم ثم قام يصلي فمر به نهر وقد صلى ركعة ؟ قال فليغتسل وليستقبل الصلاة. قلت انه قد صلى صلاته كلها ؟ قال لا يعيد ". وفى الفقه الرضوي " فإذا كبرت في صلاتك تكبيرة الافتتاح واوتيت بالماء فلا تقطر الصلاة ولا تنقض تيممك وامض في صلاتك ". إذا عرفت ذلك فاعلم ان الذي يدل على القول الاول من هذه الاخبار صحيحة زرارة ورواية عبد الله بن عاصم، والذي يدل على الثاني رواية محمد بن حمران وعبارة كتاب الفقه، ولعل مستند ابن الجنيد هو رواية زرارة وهي الاخيرة إلا ان في دلالتها على ما ذكره من التفصيل اشكالا. وبالجملة فهذه روايات المسألة التي وصلت الينا ومنها يعلم عدم الدليل على ما عدا القولين الاولين المشهورين. واجاب العلامة في المنتهى عن روايتي زرارة و عبد الله بن عاصم بالحمل على الاستحباب أو على ان المراد بالدخول في الصلاة الشروع في مقدماتها كالاذان وبقوله: " ما لم يركع " ما لم يتلبس بالصلاة وبقوله: " وان كان قد ركع " دخوله فيها اطلاقا لاسم الجزء على الكل. والاول من محامله وهو الحمل على الاستحباب قد اختاره جملة ممن تأخر عنه، واما الحمل الثاني فردوه بالبعد غاية البعد عن الظاهر وبذلك اعترف في الذكرى والمدارك، واما الحمل على استحباب فسيأتي ما فيه ان شاء الله تعالى. وقال المحقق في المعتبر بعد الاحتجاج برواية محمد بن حمران على ما اختاره: فان احتج الشيخ بالروايات الدالة لا على الرجوع ما لم يركع فالجواب عنها ان اصلها عبد الله بن عاصم فهي في التحقيق رواية واحدة وتعارضها روايتنا وهي ارجح من وجوه: (احدها) - ان
1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 21 من ابواب التيمم 3) ص 5
[ 381 ]
محمد بن حمران اشهر في العدالة والعلم من عبد الله بن عاصم والاعدل مقدم. (الثاني) - انها اخف وايسر واليسر مراد الله تعالى (الثالث) - مع العمل بروايتنا يمكن العمل بروايته ايضا بان ننزلها على الاستحباب ومع العمل بروايته لا يمكن العمل بروياتنا. قال السيد في المدارك بعد نقل ذلك عنه: قلت ويؤيده ايضا مطابقته لمقتضى الاصل والعمومات الدالة على تحريم قطع الصلاة، وما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم قال: " قلت في رجل لم يصب الماء. الرواية كما قدمناه " ثم قال: فان التعليل يقتضي وجوب المضي في الصلاة مع الدخول فيها ولو بتكبيرة الاحرام. انتهى. اقول: ظاهر كلام السيد السند (قدس سره) الموافقة للمحقق فيما ذكره من الوجوه المذكورة المرجحة لرواية محمد بن حمران حيث قد زاده تأييدا بالوجوه التي ذكرها. والجميع منظور فيه من وجوه: (الاول) - ما ادعاه في المعتبر من الاشهرية في العلم والعدالة لمحمد بن حمران المؤذن من حيث صيغة التفضيل بعدالة عبد الله بن عاصم ولو في الجملة مع انا لا نعرف لذلك وجها في واحد منهما، اما محمد بن حمران فهو في كتب الرجال مشترك بين النهدي وهو الثقة وغيره ولا قرينة هنا تعين كونه النهدي الثقة ولم يدع هو ايضا انه النهدي دون غيره، وهذا مما يوجب ضعف الحديث عند اصحاب هذا الفن بغير خلاف، واما عبد الله بن عاصم فهو غير مذكور في كتب الرجال بالكلية. والجواب - بانه لعل المحقق استفاد توثيقهما من محل آخر وان لم يتعرض له علماء الرجال حتى انه ربما توهم بعض الحكم بوثاقة عبد الله بن عاصم من هذا الكلام - مجازفة لا ينبغي الالتفات إليها فان المعتمد في ذلك انما هو على علماء هذا الفن المتصدين لتحقيقه. (الثاني) - ان ما رواه عبد الله بن عاصم فقد رواه زرارة في الصحيح ولا ريب في ارجحية زرارة في العدالة والوثاقة وشهرته بذلك على محمد بن حمران لوثبت انه النهدي الثقة فبطل هذا الوجه من اصله. وهذا الوجه الثاني وان امكن عدم وروده
[ 382 ]
على المحقق حيث انه لم يورد صحيحة زرارة في هذا المقام ولعله الاطلاع عليها حينئذ لكن يرد على السيد الذي قد اوردها في شرحه دليلا للقول المذكور ومع هذا جمد على كلام المحقق هنا. (الثالث) - ان الاخفية والايسرية ليست من الادلة الشرعية التي تصلح لتأسيس الاحكام سيما في مقابلة النصوص الواردة عنهم (عليهم السلام) وانما هي وجوه تصلح للتأييد أو بيان وجه الحكمة بعد ورود النص بما اقتضته وإلا لانتقض ذلك بكثير من الاحكام المشتملة على الاحكام الشاقة كصوم الهجير والحج في الاوقات الشديدة والجهاد ونحو ذلك، وبالجملة فالامر فيما ذكرناه اظهر من ان يحتاج إلى مزيد بيان فبطل هذا الوجه ايضا من اصله. (الرابع) - ان دعواه انه لا يكون لرواية محمد بن حمران محمل تحمل عليه لو عملنا على رواية عبد الله بن عاصم مدفون بامكان الجمع بين الاخبار بحمل مطلقها على مقيدها، فان رواية محمد بن حمران مطلقة في المضي وصحيحة زرارة ورواية عبد الله بن عاصم قد خصتا المضى بالركوع فيرجع قبله، وبهذا يحصل الجمع بين الاخبار وهو احد قواعدهم التي يجمعون بها بين الاخبار، على ان التحقيق عندي ان ظاهر خبر محمد بن حمران - كما صرح به في آخره - هو ان التيمم انما وقع في آخر الوقت وهذه الرواية احدى روايات القول بالتضيق كما هو احد الاقوال في المسألة كما اوضحناه سابقا، ولا ريب انه على هذا القول يجب المضي في الصلاة وعدم قطعها لان المفروض على هذا التقدير انه لم يبق من الوقت إلا بقدر الصلاة فلو قطعها وتوضأ أو اغتسل ثم صلى لزم وقوعها أو وقوع جزء منها خارج الوقت، وحينئذ ففي الخبر المذكور تأييد لما قدمناه في صدر المسألة من الكلام على كلام السيد المشار إليه فيما تقدم. (الخامس) - ان ما ذكره السيد في وجوه تأييده من التأييد بمطابقة الاصل فان فيه انه يجب الخروج عنه بالدليل متى قام على خلافه كما صرح به هو وغيره وهو هنا موجود
[ 383 ]
كما عرفت، والرواية الدالة عليه صحيحة باصطلاحه صريحة الدلالة لا مجال للقدح في متنها ولا سندها. (السادس) - ان ما ذكره من العمومات الدالة على تحريم قطع الصلاة لم نقف عليها في خبر من الاخبار ولا نقلها ناقل، وهو من جملة من صرح بذلك في كتاب الصلاة فقال انه لم يقف على رواية تدل بمنطوقها على ذلك، ثم قال - بعد ان نقل عن جده (قدس سره) تقسيم قطع الصلاة إلى الاقسام الخمسة، ما صورته: " ويمكن المناقشة في جواز القطع في بعض هذه الصور لانتفاء الدليل عليه إلا انه يمكن المصير إليه لما اشرنا إليه من انتفاء دليل التحريم " انتهى وحينئذ فكيف يستند هنا إلى الادلة الدالة على تحريم قطع الصلاة مع تصريحه بعدمها ؟ ثم العجب كل العجب انهم يستدلون هنا بتحريم قطع الصلة وظاهرهم - كما سيأتي ان شاء الله تعالى في كتاب الصلاة - الاجماع على تحريم قطعها ومع هذا يحملون صحيحة زرارة ونحوها على الاستحباب وهذا من اوضح المناقضات عند ذوى الالباب. (السابع) - قوله: " فان التعليل يقتضي وجوب المضى في الصلاة مع الدخول فيها ولو بتكبيرة الاحرام " فان فيه ان صحيحة زرارة ايضا قد اشتملت على مثل هذا التعليل وهو قوله في آخرها: " فان التيمم احد الطهورين " مع انه (عليه السلام) صرح في صدرها بانه يرجع ما لم يركع، ومنه يعلم ان التعليل في حد ذاته وان كان ظاهره العموم إلا انه انما وقع تعليلا للنهي بعد الركوع كما في صحيحة زرارة أو بعد الركعتين كما في الصحيحة التي ذكرها فهو مخصوص بما وقع تعليلا له وان كان ظاهرة في حد ذاته العموم فان رواية زرارة الاخيرة ورواية الصيقل قد دلتا على الرجوع بعد صلاة ركعة، وبذلك يتبين لك قوة القول الاول وان كلماتهم هنا وتعليلاتهم لا تخلو من مجازفة وضعف. والعجب من السيد المشار إليه - كما لا يخفى على من مارس كتابه وعرف طريقته فيه - انه مع زيادة مبالغته في التمسك بهذا الاصطلاح المحدث لا يعمل إلا بالخبر الصحيح ويرد في مقابله الاخبار الموثقة بل الحسنة فضلا عن الضعيفة ويخالف الاصحاب في كثير
[ 384 ]
مما ظاهرهم الاتفاق عليه تمسكا بهذا الاصطلاح وانه لا يجمع بين الاخبار إلا مع التكافؤ في صحة السند والافتراه يطرح المرجوح، فكيف خرج عن مقتضى قواعده في هذا المقام بعد نقله لصحيحة زرارة المذكورة وجمد على كلام صاحب المعتبر الذي يفهم من ظاهره انه لم يقف على الصحيحة المشار إليها ؟ وإلا فالظاهر انه لو وقف عليها لم يتفوه بشئ من هذه الوجوه الضئيلة والتعليلات العليلة. والله العالم.
تنبيهات:
(الاول) - قد عرفت انه يجب اتمام الصلاة بعد وجود الماء في اثنائها اما لكونه قد تجاوز محل القطع أو قلنا بالاكتفاء بمجرد الدخول فيها وان تيممه ذلك لا ينتقض في الحال المذكورة، وانما الكلام في انتفاضه بالنسبة إلى غير هذه الصلاة، فالمنقول عن الشيخ في المبسوط انه ينتقض تيممه بالنسبة إلى غيرها، وقواه العلامة في المنتهى والتذكرة لانه متمكن عقلا من استعمال الماء، قال: والمنع الشرعي لا يرفع القدرة لانها صفة حقيقية والحكم معلق عليها. وثانيهما منقول عن المحقق حيث قال في المعتبر بعد نقله عن الشيخ انه ينتقض تيممه بالنسبة إلى الصلاة المستأنفة: " ولو قيل لا يبطل تيممه لكان قويا لان وجدان الماء لا يبطل التيمم ما لم يتمكن من استعماله والاستعمال هنا ممنوع منه شرعا ضرورة وجوب المضي في صلاته لانا نتكلم على هذا التقدير فلا يكون الاستعمال ممكنا فلا ينتقض التيمم ". انتهى. وانت خبير بان حاصل تعليل القائل بالانتقاض هو صدق التمكن من استعمال الماء عقلا ومنع الشرع من الابطال لا يخرجه عن التمكن فانه صفة حقيقية لا يتغير بالامر الشرعي أو النهى، وعدم فساده بالنسبة إلى الصلاة التي كان فيها للاذن في اتمامها حذرا من ابطال العمل اما غيرها فلا مانع من بطلانه بالنسبة إليه. وضعفه ظاهر فان الاذن في اتمامها انما هو من حيث صحة التيمم وعدم انتقاضه وبقاء الاباحة به ولا يجوز
[ 385 ]
اجتماع الفساد والصحة في طهارة واحدة، والمنع الشرعي كاف في عدم النقض كالمرض فهو بمنزلة المنع الحسي بل اقوى، ولان التيمم لم ينتقض بوجود الماء فبعد فقده اولى كذا افاده شيخنا الشهيد الثاني في الروض. وهو جيد متين، ومنه يظهر ان ظاهره اختيار القول المذكور، ومثله سبطه في المدارك، وهو المشهور بين المتأخرين وعليه العلامة في باقي كتبه، وهو الاظهر لما سيأتي من ان الانتقاض بوجود الماء انما يتحقق فيما إذا تمكن من استعمال الماء بمعنى ان لا يمنع منه مانع حسي ولا شرعي، وبالجملة فان ايجاب الشارع اتمام الصلاة والحال ان الماء موجود دليل ظاهر على صحة التيمم وإلا لاوجب اعادتها وبعد الفراغ منه لم يكن ثمة ماء كما هو المفروض فاي موجب هنا للنقض ؟ وقد تقدم ان موجب النقض اما الحدث أو التمكن من استعمال الماء وشئ منهما بعد الفراغ من الصلاة غير موجود.
(الثاني) - قيل انه يتفرع على مذهب الشيخ في المبسوط - من انتقاض التيمم بالنسبة إلى ما عدا هذه الصلاة - انه لا يجوز العدول عن هذه الصلاة إلى فائتة سابقة لانتقاض التيمم بالنسبة إلى كل صلاة غير هذه. ورد بان العدول ان كان واجبا فالمعدول إليه بدل مما هو فيه بجعل الشارع فلا موجب للبطلان، وان كان مستحبا كما في الحاضرة المعدول عنها إلى الفائتة على القول بعدم الترتيب بين الفوائت والحواضر فهو ايضا انتقال من واجب إلى واجب غايته ان الانتقال غير واجب متعين، وبالجملة ان قول الشيخ انما هو بالنسبة إلى الصلوات المستقبلة المحكوم عليها بالصحة من نوع تلك الصلاة التي شرع فيها لا شخصها بعينه.
(الثالث) - اطلاق الصلاة في الاخبار المتقدمة يقتضي شمول الحكم المتقدم للنافلة فلو وجد الماء بعد دخوله فيها جرى فيه الخلاف المتقدم فيه ولم ينتقض تيممه بوجود الماء، وبه جزم الشهيدان في البيان والمسالك، قال في المدارك بعد نقل ذلك عنهما: ويحتمل قويا انتقاض تيممه بوجود الماء لجواز قطع النافلة اختيارا فينتفي المانع من استعماله عقلا
[ 386 ]
وشرعا. والمسألة عندي محل توقف.
(الرابع) - لو وجد الماء في اثناء صلاة يجب قضاؤها بعد وجود الماء كالصلوات المذكورة في المسألة الثانية عند من قال بذلك فالظاهر انتقاض التيمم وانقطاع الصلاة وبه صرح الشهيد في الدروس، لانه يجب عليه الاعادة عند وجود الماء عند القائل المذكور وان كان قد فرغ منها فمع وجود في اثنائها اولى. قيل ويحتمل المنع نظرا إلى عموم المنع عن ابطال العمل. وهو ضعيف (اما اولا) - فلانا لم نقف على هذا الدليل الذي يكررونه في كلامهم من عموم النهي عن ابطال العمل كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في محل اليق. و (اما ثانيا) - فلان النهي عن ابطال العمل على تقدير تسليمه انما يتبادر إلى العمل الصحيح وهو غير معلوم في صورة النزاع. والظاهر ان الوجهين آتيان فيما لو قلنا باستحباب القطع قبل الركوع. فانه يحتمل عدم الانتقاض لاستمرار الاباحة إلى الفراغ واستظهره في المدارك، ويحتمل الانتقاض كما هو قول الشيخ لانتفاء المانع من الاستعمال عقلا وشرعا.
(الخامس) - تفرد العلامة (قدس سره) بجواز العدول إلى النفل مع سعة الوقت جمعا بين عدم ابطال الفريضة وبين ادائها باكمل الطهارتين قياسا على من اراد تحصيل فضيلة الجماعة. وفيه نظر لعدم الدليل على ما ذكره من النقل، وجواز العدول في بعض المواضع لدليل اقتضاه لا يقتضي الجواز مطلقا بل هو قياس محض، على ان العدول إلى النفل في معنى القطع ولو جاز العدول إلى النفل لجاز الابطال بغير واسطة هو لا يقول به، وبالجملة فان المستفاد من الاخبار وكلام الاصحاب هو تحريم الرجوع بعد فوات محله سواء قلنا ان محله هو الدخول في الصلاة أو الركوع أو غيرهما، فما ذهب إليه (قدس سره) - مع كونه كما عرفت بمحل من الضعف - مخالف لظاهر الاخبار وكلام الاصحاب.
(المسألة الرابعة) - لو احدث المتيمم في اثناء الصلاة سهوا ووجد الماء فمذهب الشيخين (قدس سره) انه يتطهر ويبني وقيل بالابطال، وتفصيل الكلام في المسألة
[ 387 ]
بوجه ابسط - وان كان البحث الكامل فيها كما هو حقه موكول الي ذكرها في محلها ان شاء الله تعالى - ان يقال اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في الحدث سهوا في الصلاة فالمشهور الابطال به مطلقا وانه لا فرق بين العمد والسهو وعليه يدل اطلاق جملة من الاخبار الاتية ان شاء الله تعالى عند ذكر المسألة، وقيل بعدم الابطال وانه يتطهر ويبني وعليه تدل ايضا جملة من الاخبار الصحيحة الصريحة، وحملت على محامل عديدة اقربها التقية، وقيل انه ان كان سبقه الحدث في الصلاة وهو متيمم تطهر وبنى والا وجب عليه الاعادة، ذهب إليه الشيخان في المقنعة والنهاية والمبسوط وابن ابي عقيل إلا انه لم يشترط النسيان، وظاهر الصدوق في الفقيه القول بذلك ايضا حيث نقل فيه صحيحة زرارة الاتية ومن ثم اسنده إليه في الذكرى، والى هذا القول مال جملة من محققي المتأخرين ومتأخريهم: منهم - المحقق في المعتبر والسيد السند في المدارك والفاضل الخراساني في الذخيرة وهو الاظهر، إلا انه لما انتهت النوبة إلى الامين الاسترآبادي جرد لسان التشنيع على الشيخ المفيد في الفوائد المدنية بذهابه إلى ذلك وحمله الرواية المذكورة عليه ونسب خلافه في هذه المسألة إلى الاستنباطات الظنية، قال - بعد التشنيع عليه بذهابه إلى جواز التمسك بالاستصحاب - ما صورته: زوذهابه إلى ان من دخل في الصلاة بتيمم ثم سبقه الحدث فاصاب ماء يتوضأ ويبني بخلاف من دخل في الصلاة بوضوء وسبقه الحدث فانه يتوضأ ويستأنف الصلاة مع انه تواترت الاخبار بان الحدث في اثناء الصلاة ينقضها، والباعث له على ذلك انه كان في بعض الاحاديث لفظ " احدث " فسبق ذهنه إلى حمله على وقوع الحدث من المصلي وغفل عن احتمال ان يكون امطر السماء بل هذا الاحتمال اظهر معنى كما حققناه في بعض كتبنا، إلى ان قال هذا كله بعد التنزل عن حمله على التقية والصواب حمله على التقية لان ابا حنيفة ذهب إلى ذلك ولكن ما خص الحكم بالتيمم " (1) انتهى. واقتفاه في الحمل على هذا المعنى الكاشاني في الوافي في ذيل
1) في بدلئع الصنائع للكاساني الحنفي ج 1 ص 220 " لا يفسد لصلاة لو =
[ 388 ]
خبر زرارة الاتي: " ثم احدث فاصاب ماء " على النباء للمفعول اي احدث حدث ووجد سبب وسنح امر من امطار السماء ونحوه من اسباب وجدان الماء، والكناية عن مثله بالحدث شائعة في كلامهم، وهذا المعنى اقرب مما فهمه الاكثرون من حمل الحدث على معناه المتعارف إذ لا رابطة بين الحدث بهذا المعنى واصابة الماء المتفرع عليه. انتهى. اقول: اما ما ذكره المحدث الامين فقيه (اولا) ان دعواه تواتر الاخبار بان الحدث في اثناء الصلاة ينقضها مجازفة ظاهرة، نعم ورد ذلك في جملة من الاخبار إلا ان بازائها من الاخبار ايضا ما هو اصح سندا واكثر عددا واصرح دلالة مما يدل على عدم النقض وانه يتطهر ويبني كما سيأتيك بيانه ان شاء الله تعالى في محله، وباختلاف الاخبار في هذا المضمار اختلفت كلمة علمائنا الابرار فذهب إلى القول بكل منها قائل وبذلك يظهر لك ما في كلامه من الاجمال بل الاهمال. و (ثانيا) - ان ما فهمه الشيخ المفيد (قدس سره) من الخبر المذكور هو الذي فهمه كل من وقف على الخبر المذكور من عصر الائمة (عليهم السلام) إلى الان ممن قال به أو لم يقل اخباري أو مجتهد ما عداه وعدا المحدث المشار إليه حيث تبعه واقتفاه، وقد وافق الشيخ المشار إليه على القول بمضمون الخبر المذكور جملة من الاصحاب المتقدم ذكرهم ومن جملتهم - كما عرفت - استاذه صاحب المدارك، وحينئذ فالتشنيع الذي ذكره لا يختص بالشيخ المفيد بل بجملة العلماء الاعلام وكفى به شناعة في المقام. و (ثالثا) - ان ما فهمه الشيخ المذكور وجملة الاصحاب (رضوان الله عليهم) ليس من قبيل الاستنباطات الظنية كما زعمه وانما هو المعنى المتبادر من اللفظ عند اطلاقه، والتبادر امارة الحقيقة كما صرحوا به، ولو كان حمل اللفظ على معناه المتبادر منه من قبيل الاستنباطات الظنية لكان هو ايضا من جملة القائلين بتلك الاستنباطات، اللهم إلا ان يدعى في ذلك الهاما روحانيا، كما يعطيه بعض تلك المنامات
= سبقة الحدث فيها من غير تعمد فيها من غير تعمد فانه يتوضا ويبنى في صلاته "
[ 389 ]
التي اوردها في ذلك الكتاب بل الخرافات التي لا تليق بمثله من العلماء الاطياب، نعم ان ذلك انما يتوجه إليه في استنباطه هذا المعنى الذي اختص به وذهب إليه واعتمد في المقام عليه بل هو في الحقيقة اشبه شئ بالالغاز الذي هو بمراحل عن الحقيقة فضلا عن المجاز. و (رابعا) - انه من الجائز خروج هذا الخبر مخرج التقية كما صرح به في آخر كلامه واستصوبه، ومن الظاهر ان لا يتم ذلك إلا بحمل الحدث على المعنى الذي فهمه الاصحاب (رضوان الله عليهم) ولا ريب ان الخبر الخارج مخرج التقية مما قد رخصوا في العمل به حال التقية ومطلقا بالنسبة إلى من لا يعلم بالتقية حتى يظهر وجه التقية فيه فلم لا حمل كلام الشيخ المفيد (رضوان الله عليه) على هذا الحمل الصحيح العاري عن الريب وكف لسان قلمه عن الطعن عليه والعيب ؟ ولكنه قد اولع في هذا الكتاب بتجريد لسان الطعن على العلماء الاعلام، ومن اراد الوقوف على ما وقع لنا معه في مثل هذا المقام من الجواب عن جملة من متفرداته ولاسيما مطاعنه في جملة من فضلائنا الكرام فليرجع إلى كتابنا الدرر النجفية وحواشينا على كتابه. واما ما ذكره المحدث الكاشاني ففيه زيادة على ما عرفت انه قد اعترف بان ما حمل عليه الاصحاب الخبر هو المعنى المتعارف، ولا ريب ان الواجب هو الحمل عليه لانه المتبادر إلى الفهم أو المعنى بالحمل عليه صحيح لا غبار عليه والحمل على خلافه يحتاج إلى قرينة صارفة عنه. قوله - انه لا رابطة بين الحدث بهذا المعنى واصابة الماء المتفرع عليه - فيه ان القائل بذلك لا يجعل الفاء هنا للتفريع بل هي كالفاء في الحديث الاخر في قوله: " فصلى ركعة فاحدث " فانه لا ارتباط ايضا بين الصلاة ركعة والحدث باي المعنيين اعتبر، بل حاصل المعنى هو السؤال عن رجل اتفقت له هذه الامور وهو انه لما صلى اتفق له سبق حدث من هو اتفق وجود ماء في تلك الحالة، والسؤالات المبنية على الفروض في الاخبار من هذا القبيل غير عزيز. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الدليل الذي استند إليه الشيخان في هذه المسألة هو
[ 390 ]
ما رواه الشيخ في تتمة صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم المتقدمة في صدر المسألة الثالثة (1) قال: " قال زرارة فقلت له دخلها وهو متيمم فصلى ركعة فاحدث فاصاب ماء ؟ قال يخرج ويتوضأ ويبني على ما مضى من صلاته التي صلى بالتيمم " وما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (2) قال: " قلت له رجل دخل في الصلاة وهو متيمم فصلى ركعة ثم احدث فاصاب الماء ؟ قال يخرج ويتوضأ ويبني على ما مضى من صلاته التي صلى بالتيمم ". قال المحقق في المعتبر: " من صلى بتيمم ثم احدث في اثناء الصلاة ووجد الماء روى محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) " انه يخرج ثم يتوضأ ويبني ما مضى من صلاته التي صلى بالتيمم " وهذه الرواية متكررة في الكتب باسانيد مختلفة واصلها محمد بن مسلم وفيها اشكال من حيث ان المحدث يبطل الطهارة وتبطل ببطلانها الصلاة اضطر الشيخان بعد تسليمها إلى تنزيلها على المحدث سهوا، والذي قالاه حسن لان الاجماع على ان الحدث عمدا يبطل الصلاة فيخرج من اطلاق الرواية فيتعين حملها على غير صورة العمد لان الاجماع لا تصادمه الرواية. ولا بأس بالعمل بها على الوجه الذي ذكره الشيخان فانها رواية مشهورة، ويؤيدها ان الواقع من الصلاة وقع مشروعا مع بقاء الحدث فلا يبطل بزوال الاستباحة كصلاة المبطون إذا فجأه الحدث، ولا يلزم مثل ذلك في المصلي بطهارة مائية لان حدثه مرتفع فالحدث المتجدد رافع لطهارته فتبطل الزوال الطهارة " قال في المدارك بعد نقله ملخصا: هذا كلامه (قدس سره) وقوته ظاهرة. وانكر ابن ادريس هذا القول واوجب الاعادة سواء كان حدثه عمدا أو سهوا قال في المختلف: وهو الاقوى عندي، لنا - ان صحة الصلاة مشروطة بدوام الطهارة وقد زال الشرط فيزول المشروط، ولان الاجماع واقع على ان ناقض الطهارة مبطل للصلاة ولان الصلاة لو فعلت بطهارة مائية انتقضت بالحدث فكذا الترابية لانها احد الطهورين، ولان
1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 1 من قواطع الصلاة
[ 391 ]
الاجماع واقع على ان الفعل الكثير مبطل للصلاة وهو حاصل هنا بالطهارة الواقعة في اثناء الصلاة. احتج الثلاثة بما رواه زرارة ومحمد بن مسلم، ثم اورد الخبر المتقدم ثم عقبه بخبر زرارة المتقدم ايضا ثم اردفهما برواية زرارة المتقدمة في المسألة الثالثة المتضمنة للقربتين حيث أمر فيها بالقطع والبناء ايضا ثم قال: والجواب عن الحديث الاول انا نحمل الركعة على الصلاة كما تقدم اطلاقا لاسم الجزء على الكل، وقوله " يخرج ويتوضأ ثم يبنى على ما مضى من صلاته " اشارة إلى الاجتزاء بتلك الصلوات السابقة على وجدان الماء، وعن الثاني بذلك ايضا، ويحتمل انه يرجع استحبابا إذا صلى ركعة واحدة وقوله: " ويبني على ما مضي من صلاته " لا يشير به إلى تلك الركعة السابقة بل إلى الصلوات السابقة على التيمم، وعن الثالث بالمنع من صحة السند، على ان الاحاديث لا تدل على التفصيل الذي ذكره الشيخان من وجوب الوضوء والاتمام مع النسيان والاستئناف مع العمد فالذي ذهبا إليه لم تدل الاحاديث عليه. انتهى. والشهيد في الذكرى نقل عن ابن ادريس انه رد الرواية للتسوية بين نواقض الطهارتين وان التروك متى كانت من النواقض لم يفرق بين العامد فيها والساهي، ثم نقل عنه انه قال: وانما ورد هذا الخبر فاوله بعض اصحابنا بصلاة المتيمم، ثم اعترضه فقال قلت: الاول محل النزاع والرواية مصرحة بالمتيمم فكيف يجعل تأويلا ؟ ثم انه في الذكرى نقل عن المختلف رد الرواية لاشتراط صحة الصلاة بدوام الطهارة ولما قاله ابن ادريس وقال الطهارة المتخللة فعل كثير، ثم اعترضه بان كل ذلك مصادرة، ثم نقل عن المختلف انه اول الرواية بحمل الركعة على الصلاة تسمية للكل باسم الجزء، وبان المراد مما مضى من صلاته ما سبق من الصلوات السابقة على وجدان الماء، ثم رده فقال: قلت لفظ الرواية " يبني على ما بقي من صلاته " وليس فيها " ما مضى " فيضعف التأويل مع انه خلاف منطوق الرواية صريحا. انتهى. اقول: كلام شيخنا المذكور بان لفظ الرواية " يبني على ما بقي من صلاته " لعله كان هو الموجود في نسخ الكتاب الذي عنده وإلا فان
[ 392 ]
الموجود فيما وصل الينا من كتب الاخبار والمنقول في كتب الفروع ايضا انما هو " ما مضى من صلاته " كما ذكره العلامة. وكيف كان فانه قد علم بما ذكره شيخنا المشار إليه الجواب عما ذكره العلامة في المختلف إلا انه مع وجود الخبر كما ذكره العلامة (قدس سره) فتأويله بما ذكره في غاية البعد. واشد بعدا حمل الركعة على الصلاة كملا. وللمحقق الشيخ حسن في المنتقى هنا كلام جيد لا بأس بنقله وان طال به زمام الكلام لما يترتب عليه من النفع في غير مقام، قال بعد نقل كلمات القوم التي ذكرناها في هذه المسألة: والتحقيق عندي في هذا المقام ان الخبرين الصحيحين ليسا بصريحين في افادة الحكم المتنازع فيه بل هما محتملان لارادة البناء على الصلاة التي صلاها تامة بالتيمم وقوله (عليه السلام) في آخر الكلام " التي صلى بالتيمم " قرينة قوية على ارادة هذا المعنى فيكون مفاد الخبرين حينئذ عدم وجوب اعادة الصلاة الواقعة بالتيمم بعد وجدان الماء، وهو معنى صحيح وارد في اخبار كثيرة مضى بعضها وسيأتي سائرها، واذ قد عرفت اعترافهم بالمضايقة في المعنى الذي وقع فيه النزاع باعتبار مخالفته لما هو المعهود في قواطع الصلاة فلابد في المصير إليه من صراحة اللفظ فيه، وقول العلامة ان الاحاديث لا تدل على التفصيل ليس بجيد لانها بتقدير دلالتها على اصل الحكم لا تخلو من ظهور في الاختصاص بحالة عدم العمد، وحمله الركعة على الصلاة تعسف زائد لا حاجة له إليه، وقول الشهيد ان لفظ الرواية " يبني على ما بقي " عجيب فان الرواية مذكورة في التهذيب مرتين كما بيناه وفى الفقيه وكلها متفقة مع تعدد النسخ على لفظ " ما مضى " وحكاها كذلك ايضا الشيخ في الخلاف والمحقق في المعتبر حتى ان الشهيد (قدس سره) نقلها في مسألة من وجد الماء في اثناء الصلاة في حمله كلام الشيخ في الخلاف بهذه الصورة، وفى عبارات القدماء شهادة بهذا ايضا لوقوفهم في التأدية مع الفاظ النصوص غالبا. وقد اتفق لوالدي (قدس سره) في شرح الارشاد مناقشة العلامة بنحو ما قاله الشهيد (قدس سره) حتى انتهى إلى هذا الموضع فذكره بصورة ما في الذكرى اعتمادا على تحقيق الشهيد وحسن ظنه به وهو اعجب
[ 393 ]
من صنع الشهيد (قدس سره) لكن المعلوم من طريقة والدي في هذا الشرح مشاركة جماعة المتأخرين في تخفيف المراجعة والاتكال على حكايات السلف وقد عدل عن ذلك فيما بعد حيث انكشف له حقيقة الحال ؟ هذا مع ان الفرق بين اللفظين هنا والتفاوت بين مفاديهما قليل عند التأمل وان الجمع بين كلمة " يبني " وبين كلمة " ما بقي " باقيتين على ظاهرهما غير متصور، وليس التجوز في " يبني " حرصا على نفي الاحتمال باولى من حمل " ما بقي " على ارادة ما سلم من الحدث المبطل وقوفا مع المعهود واقتصارا على اثبات الاحكام الشرعية على ما يتضح إليه السبيل وينتفي فيه الاحتمال القادح في دلالة الدليل. انتهى كلامه. اقول: وما ذكره من الاحتمال المذكور وما ذيله به جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه، وبه تنطبق الروايتان المذكورتان على القواعد الشرعية من غير حاجة إلى تخصيصهما باستثناء الصورة التي جعلوها محل النزاع بناء على ما فهموه من الروايتين المذكورتين، هذا، واحتمال التقية فيهما اقرب قريب كما تقدمت الاشارة إليه. والله العالم.
(المسألة الخامسة) - إذا اجتمع ميت ومحدث وجنب وكان من الماء ما يكفي احدهم خاصة، فان كان ملكا لاحدهم اختص به ولم يجز له بذله لغيره مع مخاطبته باستعماله ووجوب صرفه في طهارته، ولو كان مباحا حازه من سبق إليه من المحدث والجنب ولو توافيا عليه دفعة اشتركا، وان كان ملكا لهم أو لمالك يسمح به فلا ريب ان لمالكه الخيرة في تخصيص من شاء به، انما يبقي الكلام في الاولى من الثلاثة وكذا لو كان منذورا أو موصى به للاحوج، فقال الشيخ في النهاية: إذا اجتمع ميت ومحدث وجنب ومعهم من الماء ما يكفى احدهم فليغتسل به الجنب وليتيمم المحدث ويدفن الميت بعد ان يؤمم. وقال في الخلاف ان كان الماء لاحدهم فهو احق به وان لم يكن لواحد بعينه تخيروا في التخصيص، لانها فروض اجتمعت وليس بعضها اولى من بعض فتعين التخيير ولان الروايات قد اختلفت على وجه لا ترجيح فتحمل على التخيير. وقال ابن ادريس
[ 394 ]
ان كان ملكا اختص بالمالك وان كان مباحا فلمن حازه، وان تعين عليهما تغسيل الميت ولم يتعين اداء الصلاة لخوف فوات وقتها فعليهما ان يغسلاه بالماء لا موجود، فان خافا فوات الصلاة فانهما يستعملان الماء ولا يغسلان به الميت. ونقل المحقق في الشرائع قولا باختصاص الميت به، قال في المدارك: ولم اعرف قائله، وبذلك ظهر ان في المسألة اقوالا اربعة. والذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الرحمن بن ابي نجران (1) " انه سأل ابا الحسن موسى (عليه السلام) عن ثلاثة نفر كانوا في سفر احدهم جنب والثاني ميت والثالث على غير وضوء وحضرت الصلاة ومعهم من الماء قدر ما يكفي احدهم، من يأخذ الماء وكيف يصنعون ؟ قال يغتسل الجنب ويدفن الميت بتيمم ويتيمم الذي هو على غير وضوء، لان الغسل من الجنابة فريضة وغسل الميت سنة والتيمم للاخر جائز " ورواه الشيخ في التهذيب عن عبد الرحمن بن ابي نجران عن رجل حدثه قال: سألت الرضا (عليه السلام) وذكر نحوه (2) إلا ان الذي فيه " ويدفن الميت " من غير قوله " بتيمم ". وما رواه في التهذيب عن الحسن التفليسي (3) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن ميت وجنب اجتمعا ومعهما ما يكفي احدهما ايهما يغتسل ؟ قال إذا اجتمعت سنة وفريضة بدئ بالفرض ". وعن الحسين بن النضر الارمني (4) قال: " سألت ابا الحسن الرضا (عليه السلام) عن القوم يكونون في السفر فيموت منهم ميت ومعهم جنب ومعهم ماء قليل قدر ما يكفي احدهما ايهما يبدأ به ؟ قال يغتسل الجنب ويترك الميت لان هذا فريضة وهذا سنة " ورواه الصدوق في العلل والعيون بسنده عن الحسين بن النضر مثله (5). وعن علي بن محمد عن محمد بن علي عن بعض اصحابنا عن الصادق (عليه السلام) (6)
1) و 2) و 3) و 4) و 5) و 6) رواه في الوسائل في الباب 18 من ابواب التيمم
[ 395 ]
قال: " قلت له الميت والجنب يتفقان في مكان لا يكون فيه الماء إلا بقدر ما يكتفي به احدهما ايهما اولى ان يجعل الماء له ؟ قال يتيمم الجنب ويغسل الميت بالماء ". وعن ابي بصير (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن قوم كانوا في سفر فاصاب بعضهم جنابة وليس معهم من الماء إلا ما يكفي الجنب لغسله يتوضأون هم هو افضل أو يعطون الجنب فيغتسل وهم لا يتوضأون ؟ قال يتوضأون هم ويتيمم الجنب ". إذا عرفت هذا فاعلم ان جملة من الاصحاب: منهم - السيد السند في المدارك رجحوا العمل بصحيحة عبد الرحمن بن ابي نجران لصحة سندها وضعف ما عارضها من مرسلة محمد بن على وتأيدها بروايتي التفليسي والارمني. واستدلوا للقول بتقديم الميت بان الجنب يستدرك طهارته والميت لا استدراك لطهارته، وبرواية محمد بن علي المذكورة ورد الاول بان الاعتبار لا يعارض النص مع انه معارض بتعبد الجنب بطهارته بخلاف الميت فانه قد خرج عن التكليف بالموت، وبان للجنب غايتين استباحة الصلاة وطهارة بدنه من الحدث وللميت الثانية لا غير. والثاني بالطعن في الرواية بضعف السند وبالارسال والاضمار فلا تصلح لمعارضة الخبر الصحيح. اقول: والحق انه مع العمل بهذا الاصطلاح المحدث فلا ريب في قوة ما ذكروه، واما مع عدم ذلك كما هو الحق الذي عليه متقدموا الاصحاب (رضوان الله عليهم) فالوجه ان يقال بما ذهب إليه الشيخ من التخيير مع اولوية الجنب، وهذا هو الظاهر من كلام المحقق في المعتبر حيث انه بعد فرض المسألة قال: فالاشهر من الروايتين اختصاص الجنب به، ثم نقل عبارة الخلاف الدالة على التخيير ونقل رواية التفليسي وعدها مع رواية الارميني رواية واحدة ثم اردفها بمراسلة محمد بن علي ثم رجح رواية التفليسي بانه متصلة الاسناد وان العامل بها من الاصحاب كثير والاخرى مقطوعة، ثم قال: والذي ذكره الشيخ ليس موضع البحث فانا لا نخالف في ان لهم الخيرة لكن
1) رواه في الوسائل في الباب 18 من ابواب التيمم
[ 396 ]
البحث في من الاولى اولوية لا تبلغ اللزوم ولا تنافي التخيير. انتهى. وهو ظاهر في ان المراد بقوله اولا: " ان الاشهر من الروايتين اختصاص الجنب به " انما هو اختصاص اولوية وبهذا جمع بين الخبرين المذكورين في كلامه، والظاهر انه لم تحضره صحيحة عبد الرحمن المذكورة يومئذ وإلا لذكرها، هذا فيما إذا كان الماء لباذل اجنبي أو مشترك بين الجميع مع فرض ان حصة كل واحد منهم لا تفي بحاجته فانه يستجب له بذلها للاحوج مع عدم رجاء ما يحصل به الاكمال، واما لو كان منذورا به للاحوج أو موصي به كذلك فالتخيير غير متجه في المقام بل يحتاج إلى النظر في الراجح من الاخبار الواردة في المسألة ولا ريب في حصوله في جانب القول بتقديم الجنب للصحيحة المذكورة المعتضدة بالروايتين الاخريين سيما مع تضمنها للعلة المذكورة المصرح بها في غير موضع ايضا. واما ما ذهب إليه ابن ادريس من التفصيل المتقدم نقله عنه فانه مبني على طرح روايات المسألة كما لا يخفى، وضعفه لذلك اظهر ظاهر.
وينبغي التنبيه على فوائد:
(الاولى) - لو امكن الجمع بان يتوضأ المحدث ثم يجمع الماء ويغتسل به الجنب الخالي بدنه من النجاسة ثم يجمع ماؤه ويغسل به الميت وجب بناء على القول بان المستعمل في الحدث الاكبر يكون مطهرا. قيل: ولو جامعهم ذات دم أو ماس ميت فاشكال والتخيير حسن واستعمال القرعة اولى، اما العطشان فهو اولى من الجميع قطعا.
(الثانية) - قال في الذكرى بعد الاشارة إلى خبر عبد الرحمن بن ابي نجران: " وفيه اشارة إلى عدم طهورية المستعمل وإلا لامر بجمعه " اورد عليه بان جمعه لا يلزم منه ان يجتمع منه ما يكفي واحدا فانه اعم من ذلك ولا دلالة للعام على الخاص وجائز ان يعلم (عليه السلام) منه عدم اجتماع ما يرفع حدثا آخر. وفيه انه يمكن ان يكون مبنى كلام شيخنا المشار إليه على عدم الاستفصال المفيد عندهم للعموم في المقال، لانهم قد صرحوا في غير مقام بان ترك الاستفصال يفيد العموم في المقال. نعم يمكن ان يقال ان
[ 397 ]
الرواية محمولة على ما هو الغالب من عدم امكان هذا الجمع في مثل هذا الماء القليل الذي لا يكفي إلا لاحدهم كما هو المفروض في اصل المسألة.
(الثالثة) - لو كان الماء مباحا وجب على كل من الحيين المبادرة إليه فان سبق احدهما إلى حيازته ملكه وان اتفقا جميعا اشتركا، ولو تغلب احدهما على الاخر في حيازته بعد استوائهما في السبق إليه فلا خلاف ولا ريب في انه يأثم، وهل يملك ام لا ؟ فالمحقق في المعتبر والعلامة في التذكرة على الاول لان الوصول إلى المباحات لا يفيد الملك لافتقار تملك المباحات إلى الحيازة مع النية ولم يحصل الشرطان إلا للمتغلب واستشكله الشهيد في الذكرى بازالة اولوية غيره وهي في معنى الملك، قال: وهو مطرد في كل اولوية كالتحجير. وفيه ما عرفت من عدم حصول شرطي الحيازة إلا للمتغلب فيملك وان اثم، هذا ما تقتضيه الجري على قواعدهم وإلا فالمسألة لعدم النص لا تخلو من توقف.
(الرابعة) - قال المحقق في المعتبر: هل يجوز لمالك الماء ان يبذله لغيره مع وجوب الصلاة ؟ الوجه لا لان الطهارة تعينت عليه وهو متمكن من الماء والعدول إلى التيمم مشروط بالتعذر والتقدير عدمه، ويؤيد ذلك رواية وهب بن حفص عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) ثم ساق الرواية كما قدمناه، وقال: وذكر النجاشي ان وهب بن حفص كان واقفيا لكنه ثقة. انتهى. واعترضه في الذكرى بانه ليس في الخبر تخصيص باختصاصهم بملكه ولعلهم مشتركون ولكن الجنب لا يكتفي بنصيبه. اقول: الظاهر ان استناد المحقق إلى الرواية لا يتوقف على اختصاصهم بالملك بل يكفيه تحقق اشتراكهم فيه، فان ظاهر سياق الخبر ان الماء مشترك بين القوم كملا إلا ان حصة الجنب لا تكفيه لغسله وحصة كل منهم تكفي لوضوئه فسأل انه هل يجوز لهم أو يجب عليهم ان يدفعوا حصصهم من الماء إلى الجنب ليغتسل به كملا ويتيممون هم أو يتوضأ كل واحد بنصيبه ويتيمم الجنب ؟ فأجاب (عليه السلام) بما يدل على ما ذكره المحقق (قدس سره)
[ 398 ]
من ان مالك الماء الذي يجزئه لطهارته لا يجوز له ان يعطيه غيره بل يتوضأ به والجنب لعدم وفاء حصته بالغسل ينتقل إلى التيمم، وهذا معنى صحيح لا غبار عليه.
(المسألة السادسة) - الظاهر انه لا خلاف نصا وفتوى في انه متى وجد الماء وتمكن من استعماله انتقض تيممه فلو فقده بعد ذلك وجب عليه اعادة التيمم، وقد نقل الاجماع على ذلك المحقق في المعتبر، والمراد من التمكن من استعماله ان لا يكون له مانع حسي من تغلب على الماء أو كونه في بئر ولا وسيلة إليه أو كونه في يد من لا يبذله أو يتوقف بثمن لا يمكنه ونحو ذلك، ولا شرعي من مرض وخوف عطش ونحو ذلك مما قد تقدم ومما يدل على اصل الحكم من الاخبار قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) وقد سأله: " يصلي الرجل بتيمم واحد صلاة الليل والنهار ؟ فقال نعم ما لم يحدث أو يصب ماء. قلت فان اصاب الماء ورجا ان يقدر على ماء آخر وظن انه يقدر عليه فلما اراده تعسر ذلك عليه. قال ينتقض تيممه وعليه ان يعيد التيمم ". وفى رواية السكوني " (2) لا بأس بان يصلى صلاة الليل والنهار بتيمم واحد ما لم يحدث أو يصب الماء ". وروى الشيخ عن الحسين العامري (3) عن من " سأله عن رجل اجنب فلم يقدر على الماء وحضر الصلاة فتيمم بالصعيد ثم مر بالماء ولم يغتسل فانتظر ماء آخر وراء ذلك فدخل وقت الصلاة الاخرى ولم ينته إلى الماء وخاف فوت الصلاة ؟ قال يتيمم ويصلي فان تيممه الاول انتقض حين مر بالماء ولم يغتسل ". وروى العياشي في تفسيره عن ابي ايوب عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " التيمم بالصعيد لمن لم يجد الماء كمن توضأ من غدير ماء، أليس الله تعالى يقول:
1) و 3) و 4) المروى في الوسائل في الباب 19 من ابواب التيمم 2) المروية في الوسائل في الباب 20 من ابواب التيمم
[ 399 ]
فتيمموا صعيدا طيبا. قال: قلت فان اصاب الماء وهو في آخر الوقت ؟ قال فقال: قد مضت صلاته. قال قلت فيصلي بالتيمم صلاة اخرى ؟ قال إذا رأى الماء وكان يقدر عليه انتقض التيمم ". وقال (عليه السلام) في الفقه الرضوي (1): " وان مر بماء فلم يتوضأ وقد كان تيمم وصلى في آخر الوقت وهو يريد ماء آخر فلم يبلغ الماء حتى حضرت الصلاة الاخرى فعليه ان يعيد التيمم لان ممره بالماء نقض تيممه ". وبالجملة فان اصل المسألة مما لا خلاف فيه ولا اشكال وانما الاشكال في انه بعد وجود الماء هل يعتبر في انتقاض التيمم مضى زمان يتمكن فيه من فعل الطهارة المائية ام لا ؟ وجههان بل قولان: احدهما نعم لامتناع التكليف بعبادة في وقت لا يسعها فإذا تلف الماء مثلا قبل مضي زمان يتمكن فيه من فعل الطهارة تبين عدم التكليف باستعمال الماء فيلزم بقاء التيمم لان النقض انما يتحقق مع تمكنه من البدل. واليه مال في المدارك وهو ايضا ظاهر المنتهى، وثانيهما انه لا يعتبر لصدق التمكن من استعمال الماء بحسب الظاهر. اقول: الحق ان الحكم في المسألة المذكورة لا يخلو من اشكال وذلك فانه بالنظر إلى ظواهر الاخبار مثل قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: " أو يصب ماء " وقوله فيها: " فان اصاب ماء " وفى رواية السكوني " أو يصب الماء " يترجح القول الثاني لانه رتب النقض على مجرد الاصابة اعم من ان يمضي زمان يتمكن فيه من الاتيان بالطهارة ام لا، والى هذا القول يميل كلام الصدوق في الفقيه حيث قال: " ومتى اصاب المتيمم الماء ورجا ان يقدر على ماء آخر أو ظن انه يقدر عليه كلما اراد فعسر عليه ذلك فان نظره إلى الماء ينقض تيممه " انتهى. وهو ايضا ظاهر شيخنا البهائي في الحبل المتين. وربما استدل عليه ايضا بان الخطاب متوجه إلى المكلف بالطهارة المائية وتوجه
1) ص 5
[ 400 ]
التكليف بالطهارة المائية ينافي بقاء التيمم. واجيب عنه بان المراد بتوجه الخطاب بالطهارة المائية ان كان بفعلها في نفس الامر فممنوع، وان كان توجه الخطاب بالاشتغال بها فمسلم لكن الكبري ممنوعة. وعندي في هذا الاستدلال والجواب على الاطلاق نظر، والتحقيق في ذلك ان يقال ان كان وجدان الماء بعد التيمم في الوقت وقبل الصلاة فلا ريب انه مكلف باستعمال الماء والخطاب متوجه إليه بغير اشكال، وايجاب الشارع الطهارة المائية عليه في تلك الحال لا يجامع بقاء التيمم البتة. وقول المجيب هنا على هذا التقدير - انه ان كان مكلفا بالطهارة في نفس الامر. الخ يعني ان التكليف بالطهارة كاملة لا يجوز تعلقه بالواقع ونفس الامر لتبين خلافه كما هو المفروض - فيه انه يكفي في تعلق التكليف ظن بقاء الماء المدة المذكورة استصحابا للحال فيكون مجرد وجوده ناقضا وان طرأ عليه بعد ذلك التلف قبل مضي المدة المذكورة، وان كان وجدان الماء في غير وقت الصلاة كما هو ظاهر اطلاق الاخبار المتقدمة وغيرها من اخبار المسألة فلا معنى لهذا الاستدلال من اصله، لانه لا يتوجه إليه الخطاب بالكلية، هذا بالنظر إلى ظواهر الاخبار. وبالنظر إلى انه يلزم من القول بذلك التكليف بعبادة في وقت لا يسعها وهو ممنوع عقلا وشرعا يترجح القول الاول، فان تلف الماء قبل مضي زمان يتمكن فيه من فعل الطهارة كاشف عن عدم التكليف باستعماله فيلزم بقاء التيمم لان النقض لا يتحقق إلا بالتمكن من البدل كما تقدم. وتنظر فيه شيخنا البهائي (قدس سره) في الحبل المتين بانه لا ملازمة بين عدم تكليف المتيمم باستعمال الماء وبين بقاء تيممه من غير ايجاب تيمم آخر عليه. قال: بل الظاهر ان يكون نفس وجود الماء المظنون بقاؤه ذلك المقدار استصحابا للحال ناقضا فيجب به تيمم آخر إذا لم يبق ذلك القدار بطرو انعدام عليه أو سبق آخر إليه مثلا، والتزام القول بانه يجوز للمتيمم لفقد الماء بعد وجوده فعل مشروط بالطهارة كابتداء
[ 401 ]
الصلاة ومس خط المصحف مثلا إلى ان يمضي ذلك المقدار لا يخلو من اشكال. انتهى. وهو جيد. والمراد بقوله (قدس سره) والتزام القول. الخ هو الزام القائلين بالقول الاول بانه يلزم منه إذا كان لا ينتقض التيمم إلا بمضي هذا المقدار من الزمان انه بعد وجود الماء وقبل مضي المدة المذكورة يجوز له مس خط المصحف والدخول في الصلاة بتيممه ذلك لانه طهارة صحيحة لم تنتقض فإذا مضى ذلك المقدار حرم عليه تلك الاشياء، وهو مشكل فان ظواهر الاخبار تمنعه، وانما قيد الصلاة بالابتداء احترازا عن وجدان الماء في اثنائها كما تقدم فانه لا اشكال في وجوب مضيه في الصلاة على التفصيل المتقدم، وهذا الالزام ظاهر متوجه والتزام القول بصحة الدخول في الصلاة بهذا التيمم حال وجود الماء لا يخلو من شناعة. ونظير هذه المسألة ما سيأتي ان شاء الله تعالى في كتاب الحج في من استطاع للحج فبادر في عام الاستطاعة ومات بعد الاحرام أو قبله وقبل دخول الحرم، فان ظواهر الاخبار دلت على وجوب القضاء عنه واكثر الاصحاب حملوها على من استقر الحج في ذمته قبل هذا العام للعلة المتقدمة، ونقل عن الشيخين وجوب القضاء عنه عملا بظاهر الاخبار، ورجحه الشيخ علي بن سليمان البحراني في حاشيته على المختصر، وهو مؤيد للقول الثاني في هذه المسألة. والله العالم. (المسألة السابعة) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) - بل ادعي عليه الاجماع - ان المحتلم في احد المسجدين المسجد الحرام ومسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) لا يجوز له المرور فيه والخروج منه إلا متيمما ولا بأس بان يمر في غيرهما من المساجد. والاصل في هذا الحكم صحيحة ابي حمزة (1) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) إذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام ومسجد الرسول وصلى الله عليه وآله)
1) المروية في الوسائل في الباب 15 من ابواب الجنابة
[ 402 ]
فاحتلم فاصابته جنابة فليتيمم ولا يمر في المسجد إلا متيمما ولا بأس بان يمر في سائر المساجد ولا يجلس في شي منها ". ومرفوعة ابي حمزة (1) قال: " إذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام أو مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) فاحتلم فاصابته جنابة فليتيمم ولا يمر في المسجد إلا متيمما حتى يخرج منه ثم يغتسل، وكذلك الحائض إذا اصابها الحيض تفعل ذلك، ولا بأس ان يمرا في سائر المساجد ولا يجلسان فيها. وفى الفقه الرضوي (2): " وإذا احتلمت في مسجد من المساجد فاخرج منه واغتسل إلا ان تكون احتلمت في المسجد الحرام أو مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) قانك إذا احتلمت في احد هذين المسجدين فتيمم ثم اخرج ولا تمر بهما مجتازا إلا وانت متيمم " انتهى. وعن ابن حمزة القول باستحباب التيمم في الصورة المذكورة، وهو ضعيف. وبالجملة فان اصل الحكم لا اشكال فيه ولا كلام لما عرفت من الاخبار. وانما ينقى الكلام في مواضع:
(الاول) - انه قد اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب الغسل في الصورة المذكورة وعدمه لو وجد الماء في احد المسجدين فقيل بان الواجب هو التيمم مطلقا وقوفا على ظاهر النص، وقيل بانه ان امكن الغسل وساوى زمانه زمان التيمم أو نقص عنه وحصل الامن من تعدى النجاسة إلى المسجد وآلاته وجب وكان مقدما على التيمم واليه ذهب جملة من المتأخرين، واحتمل في الذكرى تقديم الغسل مطلقا حيث قال: وانما قيد جواز الغسل مع امكانه بمساواة زمانه لزمان التيمم أو قصوره عنه مع ان الدليل يقتضي تقديمه مطلقا مع امكانه لعدم العلم بالقائل بتقديمه مطلقا وان كان القول به متجها. ويظهر من شيخنا الشهيد الثاني في المسالك الميل إليه. والوجه في القول الاول ما عرفته من الوقوف على ظاهر النص. واما القول الثاني
1) المروية في الوسائل في الباب 15 من ابواب الجنابة 2) ص 4
[ 403 ]
فالجمع بين الاخبار الدالة على وجوب استعمال الماء وعدم مشروعية التيمم وبين هذه الاخبار بحمل اخبار التيمم على ما إذا زاد زمان الغسل عن زمانه أو اوجب التلوث بالتجاسة. واما الثالث فهو تخصيص اخبار التيمم بعدم وجود الماء. ويمكن ترجيح القول الثاني بما اشرنا إليه في غير موضع وصرح به غير واحد من محققي الاصحاب من ان الاحكام المودعة في الاخبار انما تبنى على الافراد الشائعة المتكررة الوقوع دون الفروض النادرة التي ربما لا توجد، وحيث كان وجود الماء في المسجدين على الوجه المذكور بالشروط المذكورة من الفروض النادرة التي ربما لا تتفق بالكلية وانما هو فرض عقلي واحتمال فرضي خرجت الاخبار بالتيمم بناء على ما هو المتعارف المعتاد، وحينئذ فلا مانع من العمل بتلك الاخبار المستفيضة في صورة وجود الماء وامكان استعماله بالشروط المذكورة. قال السيد (قدس سره) في المدارك بعد ذكر صحيحة ابي حمزة المذكورة: " واطلاق الخبر يقتضى وجوب التيمم مطلقا وان امكن الغسل في المسجد وساوى زمانه زمان التيمم أو نقص عنه، وبه قطر المحقق الشيخ على في حاشية الكتاب، ورجح جماعة: منهم. جدي (قدس سره) في جملة من كتبه وجوب الغسل مع مساواة زمانه لزمان التيمم أو نقصه عنه وعدم استلزامه تنجيس شئ من المسجد وآلاته، واستدل عليه في الروض بان فيه جمعا بين ما دل على الامر بالتيمم مطلقا وهي صحيحة ابي حمزة السابقة وبين ما دل على اشتراط عدم الماء في جواز التيمم، قال وانما قيدنا جواز الغسل في المسجد مع امكانه بمساواة زمانه لزمان التيمم أو قصوره عنه مع ان الدليل يقتضي تقديمه مطلقا مع امكانه لعدم القائل بتقديمه مطلقا وإلا لكان القول به متوجها. وفيه نظر فانا لم نقف على ما يقتضي اشتراط عدم الماء في جواز التيمم لغير الصلاة، وايضا قد ثبت بالنصوص الصحيحة تحريم الكون للجنب في المساجد مطلقا وغاية ما علم استثناؤه من ذلك حالة التيمم بالنص السابق فيبقى غيره مندرجا تحت العموم، والاظهر الاقتصار
[ 404 ]
على التيمم وقوفا مع ظاهر الخبر، وكما جاز ان يكون الامر بالتيمم مبنيا على الغالب من تعذر الغسل في المسجدين فيجوز ان يكون وجهه اقتضاء الغسل فيهما ازالة النجاسة فان مورد الخبر المحتلم وهو ملازم للنجاسة، وقد اطلق جملة من الاصحاب تحريم ازالتها في المساجد وصرح بعضهم بعموم المنع وان كانت الازالة في الكثير " انتهى كلامه زيد مقامه. اقول: ما ذكره من النظر منظور فيه ايضا من وجوه: (الاول) - قوله: " انا لم نقف على ما يقتضي اشتراط عدم الماء في جواز التيمم لغير الصلاة " فان فيه (اولا) - انه مردود بالاخبار المتقدمة الدالة على عموم البدلية مثل قوله (عليه السلام) (1) " ان الله تعالى جعل طهورا كما جعل الماء طهورا " وقوله (عليه السلام) (2): " هو بمنزلة الماء " ونحو ذلك من الاخبار المتقدمة مما يقتضى وجوب التيمم مع فقد الماء عند وجوب ما لا يستباح إلا به، وعليه الاصحاب من غير خلاف يعرف كما تقدم في المسألة الاولى من مسائل هذا المطلب إلا منه ومن فخر المحققين كما تقدم بيانه. و (ثانيا) - انه قد صرح هو نفسه في كتاب الحج في الطواف انه يستباح بالطهارة الترابية كما يستباح بالطهارة المائية عملا بالاخبار المشار إليها ورد على من زعم خلاف ذلك والحال في المسألتين واحدة، قال (قدس سره) في الموضع المشار إليه: " واعلم ان المعروف من مذهب الاصحاب استباحة الطواف بالطهارة الترابية كما يستباح بالمائية ويدل عليه عموم قوله (عليه السلام) (3) في صحيحة جميل " ان الله تعالى جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا " وفى صحيحة محمد بن مسلم (4) " هو بمنزلة الماء " وذهب فخر المحققين إلى ان التيمم لا يبيح للجنب الدخول في المسجدين ولا اللبث فيما عداهما من المساجد ومقتضاه عدم استباحة الطواف به ايضا وهو ضعيف " انتهى. ومدافعته
1) و 2) و 3) المروى في الوسائل في الباب 23 من ابواب التيمم 4) لم نقف على رواية لمحمد بن مسلم تتضمن هذا اللفظ ورد في صحيحد حماد ابن عثمان المتقدمة ص 373
[ 405 ]
(قدس سره) لكلامه في هذه المسألة اظهر من ان يخفى. (الثاني) - ان قوله: " وايضا قد ثبت بالنصوص الصحيحة. الخ " مردود بانا متى حملنا الخبر على ما ذكرناه آنفا من الخروج مخرج الغالب كما اعترف به اخيرا لا انه حكم كلي فلنا ان نعمل بتلك الاخبار المستفيضة في حكم التيمم وانه لا يسوغ التيمم إلا مع العذر كفقد الماء، ونقول حينئذ هنا لا ريب في تحريم اللبث كما ذكره إلا ان الخبر لما دل على جواز اللبث بقدر التيمم لعدم الماء كما حملنا عليه الخبر فلنا ان نجوز اللبث ذلك المقدار أو اقل منه كما هو المفروض مع وجود الماء للغسل، وبالجملة فانا لا نسلم العمل بالخبر المذكور إلا مع عدم وجود الماء أو لزوم احد الاشياء المذكورة وإلا فالواجب هو الغسل بالشرطين المذكورين، فاستثناء هذا المقدار من الزمان مما لا نزاع فيه وانما النزاع في ان الواجب في هذا المقدار هو التيمم مطلقا كما يدعيه أو الغسل على الوجه المذكور (الثالث) - ان قوله: " وكما جاز ان يكون الامر بالتيمم مبنيا على الغالب. " - قاصدا بذلك الجواب عما قدمنا ذكره من حمل الخبر على الخروج مخرج الغالب فلا يكون الحكم كليا - فيه (اولا) - ان تحريم ازالة النجاسة في المسجد مما لم يقم عليه دليل كما صرح به هو وغيره، وتصريح الاصحاب به مع عدم الدليل عليه لا ينهض حجة، واليه يشير ايضا كلامه هنا بقوله: " وقد اطلق جملة من الاصحاب. " و (ثانيا) - انه مع تسليمه فان كان من حيث التعدي إلى المسجد أو آلاته فهو لا يلزمنا لانا قد استثنيناه وإلا فهو مبني على تحريم ادخال النجاسة المسجد مطلقا وان لم تتعد، وهو (قدس سره) ممن نازع في ذلك ورد على الاصحاب في بحث النجاسات من الكتاب فكيف يحتج هنا بما نازع فيه وابطله ورده ؟ ما هذه إلا مجازفة ظاهرة. وبما حققناه في المقام يظهر لك قوة القول المذكور وانه عار عن وصمة القصور. والله العالم.
[ 406 ]
(الثاني) - ظاهر جمع من الاصحاب (رضوان الله عليهم) وبه صرح آخرون ايضا انه لا فرق في هذا الحكم بين المحتلم وبين من اجنب في المسجد أو دخله جنبا لاشتراك الجميع في العلة وهو تحريم مقطع شئ من المسجد جنبا مع امكان الطهارة وعدم تعقل الفرق بين المحتلم وغيره. ويرد عليه ان مقتضى الاخبار تحريم لبث الجنب في المسجد خرج منه المحتلم بالنصوص المتقدمة وبقي ما عداه مندرجا تحت عموم الاخبار المذكورة، وما ذكر من العلة ليس من قبيل العلة المنصوصة أو مفهوم الموافقة حتى يجب انسحاب الحكم إلى ما ذكروه بناء على القول بذلك فيكون من باب القياس حينئذ، وعدم تعقل الفرق كما ذكره لا يدل على العدم واقعا، ولو امكن التيمم في اثناء الخروج من غير استلزام لزيادة الكون قيل لا يبعد وجوبه لقطع بقية الطريق. وفيه تأمل.
(الثالث) - هل تلحق بالجنب الحائض في هذا الحكم ؟ الظاهر نعم وفاقا لجملة من الاصحاب لمرفوعة ابي حمزة المتقدمة، وانكر ذلك المحقق في المعتبر لقطع الرواية ولانه لا سبيل لها إلى الطهارة بخلاف الجنب، ثم حكم بالاستحباب. واعترضه في الذكرى بانه اجتهاد في مقابلة النص وبالمعارضة بالاستحباب. واجاب عنه في الروض بان المحقق طعن في الرواية بالقطع فلا حجة فيها فيرجع إلى الاجتهاد ويصح استناد الاستحباب إلى الرواية للتسامح في دلائل السنن. اقول: ومرجع هذا الاعتذار إلى ان الرواية وان ضعف بالقطع عن الدلالة على الوجوب إلا انه تصلح دليلا للاستحباب للتسامح في ادلة السنن. وهذه القاعدة وان اشتهرت في كلامهم إلا انها لا تخلو من المجازفة في احكامه سبحانه، لما علم من ان الاستحباب حكم شرعي كالوجوب والتحريم فيتوقف على الدليل الواضح وإلا كان من قبيل القول على الله سبحانه بغير علم، وقد استفاضت الايات القرآنية والاخبار المعصومية بالمنع عنه وحينئذ فالخبر الضعيف ان كان دليلا شرعيا وجب القول بما دل عليه من وجوب أو استحباب وإلا وجب طرحه والاعراض عنه في جميع الابواب، وقد تقدم في بحث الاغسال المستحبة من هذا الباب ما فيه زيادة تذكرة لاولى الباب.
[ 407 ]
(الرابع) - الاشهر الاظهر انه لا يلحق بالمسجدين غيرهما من المساجد في شرعية التيمم للخروج، لعدم النص وتوقف العبادة على التوقيف، وقرب شيخنا الشهيد في الذكرى استحباب التيمم فيها لما فيه من القرب من الطهارة وعدم زيادة الكون فيها له على الكون له في المسجدين، قال في المدارك: " وهو ضعيف ودليله مزيف " اقول: والظاهر ان وجه الضعف فيه هو ان التيمم انما شرع في المسجدين لعدم جواز المرور فيهما جنبا فامر بالتيمم ليكون على طهارة حال خروجه واما سائر المساجد فانه يجوز المرور فيها جنبا مع تحريم اللبث فيها، واما ما ذكره من الدليل ففيه انه لا وجه لارتكاب امر محرم لاجل الاتيان بامر مستحب لما ثبت من تحريم اللبث فارتكابه لاجل حصول القرب من الطهارة الذي هو امر مندوب إليه مما لا يكاد يعقل، وعدم زيادة الكون فيها على الكون له في المسجدين غير مجد نفعا في المقام لثبوت الترحيم مطلقا خرج منه مورد النص في المسجدين وبقي ما عداه داخلا تحت الاطلاق.
(الخامس) مقتضى الاخبار الواردة في هذه المسالة وكذا كلام الاصحاب انه لا ينوى بهذا التيمم البدلية عن الغسل وانما ينوى به استباحة المرور في المسجد خاصة وعلى هذا فلا يكون مبيحا للصلاة ونحوها، وعلل ذلك ايضا بانه يجب عليه الخروج عقيبه بغير فصل متحريا اقرب الطرق. ولشيخنا الشهيد الثاني هنا في الروض تفصيل حسن قال: " والتحقيق ان يقال ان كان الغسل ممكنا في المسجد ولم نقل بتقديمه على التيمم فلا اشكال في عدم اباحة هذا التيمم للاجماع على عدم اباحة الصلاة بالتيمم مع امكان الغسل، وان لم يمكن في المسجد فلا يخلو اما ان يكون الغسل ممكنا خارجه كما لو كان الماء موجودا ولا مانع لهذا المتيمم من الغسل من مرض ولا غيره، وهنا ايضا يتوجه عدم اباحة الصلاة لان وقوعها في المسجد ممتنع لوجوب المبادرة إلى الخروج وبعد الخروج يتمكن من الغسل فيفسد التيمم، وانما شرع التيمم هنا مع امكان الغسل خارجا لتحريم المرور في المسجدين من دون الغسل أو التيمم
[ 408 ]
فإذا تعذر الغسل داخله فالتيمم قائم مقامه في اباحة قطع مسافته، وان كان الغسل متعذرا خارج المسجد فالوجه كون هذا المتيمم مبيحا لعدم المانع فان التيمم مع تعذر الطهارة يبيح ما تبيحه الا على قول ولد المصنف من عدم اباحة دخول المساجد مطلقا بالتيمم وسياتى بطلانه، ونمنع حينئذ وجوب المبادرة إلى الخروج وتحرى اقرب الطرق لان ذلك مشروط بامكان الغسل خارج المسجد جمعا بين قولهم هنا كذلك وقولهم في باب التيمم انه يبيح ما تبيحه المائية ومن جملة ما تبيحه المائية اللبث في المسجدين وغيرهما فيصح حينئذ اللبث والصلاة " انتهى. وهو جيد. والظاهر ان مبنى الاخبار وكذا كلام الاصحاب فيما قدمنا نقله عنهما على ما هو الغالب من وجود الماء خارج المسجد، وحينئذ فلا يستبيح بتيممه هذا بعد الخروج من المسجد الصلاة ولا غيرها، واما مع تقدير هذا الفرض النادر الوقوع فالظاهر ان الحكم فيه هو ما ذكره شيخنا المشار إليه لخروجه عن مقتضى الاخبار المذكورة واندراج ذلك في جزئيات مسائل باب التيمم.
(المسألة الثامنة) المشهور سيما بين المتأخرين هو تحريم الطهارة وضوء أو غسلا أو تيمما في المكان المغصوب بل نقل بعض الافاضل الاجماع عليه حسبما ؟ يظهر من اتفاقهم على ذلك في الصلاة، وممن صرح بالحكم المذكور شيخنا الشهيد في الالفية والذكرى والعلامة في التذكرة والنهاية والشهيد الثاني في الروض حتى عدوا الحكم في غير الصلاة والطهارة إلى سائر العبادات الواجبة المشتملة على فعل، قال في الروض - بعد ذكر تحريم الصلاة في المكان المغصوب مع العلم بالغصب - ما صورته: " ولا فرق في الصلاة هنا بين الفريضة والنافلة، وكما تبطل الصلاة فيه فكذا ما اشبهها من الافعال التي من ضرورته المكان وان لم يشترط فيها الاستقرار كالطهارة واداء الزكاة والخمس والكفارة وقراءة المنذور، اما الصوم في المكان المغصوب فقد قطع الفاضل بجوازه لعدم كونه فعلا فلا مدخل للكون فيه. ويمكن الاشكال فيه باعتبار النية
[ 409 ]
فانها فعل فيتوقف على المكان كالقراءة وان افترقا بكون احدهما فعل القلب والاخر فعل اللسان " انتهى. وجزم في المدارك وقبله المحقق في المعتبر وتبعهما جملة من افاضل متأخرى المتأخرين بالصحة في الطهارة ونحوها مع جزمهم بالبطلان في الصلاة، قال في المدارك - في باب التيمم في مسألة التيمم بالتراب المغصوب - ما لفظه " ولو تيمم في المكان المغصوب فالاصح انه لا يبطل تيممه إذا كان التراب المغصوب عليه مباحا لتوجه النهي إلى امر خارج عن العبادة فان الكون ليس من افعال التيمم وانما هو من ضروريات الجسم " انتهى. وقال في المعتبر بعد ان ذكر انه لا تصح الصلاة في مكان مغصوب مع العلم بالغصب اختيارا ثم علل ذلك بانها صلاة منهي عنها والنهي يدل على فساد المنهى عنه، ثم قال: (لا يقال): هذا باطل بالوضوء في المكان المغصوب وبازالة عين النجاسة بالماء المغصوب، وبان النهي يدل على الفساد حيث يكون متناولا لنفس العبادة وليس في صورة النزاع كذلك بل النهي متناول لعارض خارج عن ماهية الصلاة فلا يكون مبطلا (لانا نقول): الفرق بين الوضوء في المكان والصلاة فيه ان الكون بالمكان ليس جزء من الوضوء ولا شرطا فيه وليس كذلك الصلاة فان القايم جزء من الصلاة وهو منهي عنه لانه استقلال في المكان المنهي عن الاستقلال فيه وكذا السجود، وإذا بطل القيام والسجود وهما ركنان بطلت الصلاة، وازالة عين النجاسة ليست بعبادة إلا مع نية التقرب وإذا جاز ان تقع غير عبادة امكن ازالة النجاسة وان كان المزيل عاصيا بالازالة كما يصح ازالة عين النجاسة من الكافر الطفل، اما الصلاة فانها لا تقع الا عبادة فلا تقع صحيحة مع النهي عنها، وقوله النهي لم يتناول العبادة قلنا النهي يتناول العبادة بطريق اللزوم لانه يتناول القيام والسجود ويلزم من بطلانها بطلان الصلاة. وجرى على منواله في المنتهى كما هي عادته غالبا من اقتفائه اثر المعتبر إلا فيما شذ وندر. واعترضه الشهيدان في الذكرى وشرح الالفية بان الافعال المخصوصة من ضرورتها
[ 410 ]
المكان فالامر بها امر بالكون مع انه منهي عنه. اقول: مرجع هذا الايراد إلى ما استدلوا به على بطلان الصلاة في المكان المغصوب كما سيأتي ان شاء الله تعالى في كتاب الصلاة من ان الحكم بصحة الصلاة يوجب اجتماع الامر والنهي في شئ واحد وهو محال قطعا وما استلزم المحال باطل كما اعترف به في المدارك، حيث قال: لان الحركات والسكنات الواقعة في المكان المغصوب منهي عنها كما هو المفروض فلا تكون مأمورا بها ضرورة استحالة كون الشئ الواحد مأمورا به ومنهيا عنه. وهذا الدليل بعينه آت في الطهارة في المكان المغصوب كما ذكره الشهيدان، فان الكون في المكان لما كان من ضروريات الجسم وافعاله فالامر بتلك الافعال امر بالكون مع انه منهي عنه فيلزم من القول بصحة الطهارة اجتماع الامر والنهي في شئ واحد. وظاهرهما موافقة المعتبر في صحة ما استدل به وفرق به بين الطهارة والصلاة وانما اوردا عليه من طريق آخر وهو جريان الدليل الذي ابطلوا به الصلاة في المكان المغصوب في الطهارة ايضا. وقال شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار - بعد نقل الفرق بين الطهارة والصلاة عن المعتبر والمنتهى - ما لفظه: " والفرق بين الطهارة والصلاة في ذلك مشكل، إذ الكون كما انه مأخوذ في مفهوم السكون مأخوذ في مفهوم الحركة وليس الوضوء والغسل إلا حركات مخصوصة، وليس المكان منحصرا فيما يعتمد عليه الجسم فقط فان الملك والاحكام الشرعية لا تتعلق به خاصة بل يعم الفراغ الموهوم أو الموجود فكل منهما عبارة عن الكون أو مشتمل عليه " ومحصله ان الصلاة كما انه عبارة عن حركات مخصوصة من قيام وقعود وركوع وسجود وانتقالات من حال إلى اخرى فكذلك الوضوء والغسل عبارة عن حركات مخصوصة وان كانت هذه الحركات انما هي في المكان الذي هو عبارة عن الفراغ الذي يشغله الانسان دون ما يعتمد عليه واطلاق المكان والكون شامل لكل منهما، فعين ما قالاه في الصلاة - من ان القيام والسجود ونحوهما
[ 411 ]
منهي عنها والنهي يقتضي الفساد - يقال في حركات الوضوء والغسل من رفع اليد ووضعها وامرارها على الجسد وقيامه ونحو ذلك انه منهي عنها لانها تصرف في المكان المغصوب، وهي وان لم تكن جزء من الطهارة إلا انه شرط فيها ولازم لها لا تتم بدونه والنهي عنها موجب لبطلان الطهارة البتة، فيكون الحكم في الطهارة والصلاة واحدا ولا يظهر لهذا الفرق الذي ذكراه معنى محصل. وسأتي ان شاء الله تعالى تمام القول في هذه المسألة في كتاب الصلاة عند تحقيق القول في حكم الصلاة في المغصوب وما وقع من الخلاف في المقام وما اشتمل عليه من النقض والابرام وبيان ما هو المختار عندي في كل من المسألتين. والله العالم.
(المسألة التاسعة) - الظاهر انه لا خلاف في استحباب التيمم للنوم ولو مع وجود الماء، ويدل عليه ما رواه الصدوق والشيخ عن الصادق (عليه السلام) قال (1): " من تطهر ثم اوى إلى فراشه بات وفراشه كمسجده فان ذكره انه على غير وضوء فليتيمم من دثاره كائنا ما كان فان فعل ذلك لم يزل في صلاة ما ذكر الله تعالى ". والمشهور بين الاصحاب - بل ادعى عليه الشيخ الاجماع - جوازه كذلك للجنازة واحتج عليه بموثقة سماعة (2) قال: " سألته عن رجل مرت به جنازة وهو على غير طهر كيف يصنع ؟ قال يضرب بيديه على حائط اللبن فيتيمم به " وقيده ابن الجنيد بخوف فوت الصلاة، وقال في المعتبر بعد نقل قول الشيخ: " وفيما ذكره الشيخ اشكال، اما الاجماع فلا نعلمه كما علمه، واما الرواية فضعيفة من وجهين: (احدهما) - ان زرعة وسماعة واقفيان. و (الثاني) - ان المسؤول في الرواية مجهول، فاذن التمسك باشتراط عدم الماء في جواز التيمم اصل، ولان الرواية ليست صريحة في الجواز مع وجود الماء، لكن لو قيل إذا فاجأته الجنازة وخشى فوتها مع الطهارة تيمم لها كان حسنا لان الطهارة لما لم
1) رواه في الوسائل في الباب 9 من ابواب الوضوء 2) المروية في الوسائل في الباب 21 من ابواب صلاد الجنازة
[ 412 ]
تكن شرطا وكان التيمم احد الطهورين فمع خوف الفوت لا بأس بالتيمم لان حال المتيمم اقرب إلى شبه المتطهرين من الخالي منه " انتهى. وهو راجع إلى مذهب ابن الجنيد في المسألة، واجاب عنه الشهيدان في الذكرى والروض انه مردود بحجية الاجماع المنقول بخبر الواحد، وضعف الرواية مجبور بعمل الاصحاب بها وهي ظاهرة في المراد. ومن اخبار المسألة ايضا ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (1) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل تدركه الجنازة وهو على غير وضوء فان ذهب يتوضأ فاتته الصلاة ؟ قال يتيمم ويصلي " ويمكن الاستدلال بهذه الرواية لابن الجنيد إلا ان التقييد بخوف الفوت انما وقع في كلام السائل. وبالجملة فانه لا ريب في الاستحباب في الموضعين المذكورين للاخبار المتقدمة، وانما الكلام في انه هل يستحب في كل موضع يستحب فيه الوضوء أو الغسل مطلقا ام لا ؟ قد صرح جملة من الاصحاب: منهم - الشهيدان والمحقق الشيخ علي بانه لا اشكال في استحبابه إذا كان المبدل رافعا انما الاشكال فيما عدا ذلك، قال في الروض بعد حكمه بالبدلية عن الرافع: وهل يستحب بدلا عن غير الرافع كنوم الجنب وذكر الحائض ؟ يحتمله لحلوله محل الرافع فغيره اولى، والعدم لعدم النص. ويستحب ايضا بدلا عن غسل الاحرام مع تعذره، وهل يستحب بدلا عن غيره ؟ وجهان ارجحهما العدم لعدم النص، وعلى القول برفع الغسل المندوب الحدث كما ذهب إليه المرتضى لا اشكال في الاستحباب ويكون مبيحا للصلاة. انتهى. وقال في المدارك: هل يستحب التيمم بدلا عن الغسل المستحب مع تعذره ؟ فيه وجهان اظهرهما العدم وان قلنا انه رافع لعدم النص، وجزم جدي (قدس سره) بالاستحباب على هذا التقدير، وهو مشكل. انتهى. اقول: الظاهر من كلامهم - كما اشرنا إليه - انه لا اشكال في البدلية عن الرافع غسلا كان أو وضوء استنادا إلى اطلاق النصوص الدالة على البدلية، فان الظاهر - من
1) رواه في الوسائل في الباب 21 من ابواب صلاة الجنازة
[ 413 ]
قوله (عليه السلام) في بعضها (1) " ان الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا " وفي آخر (2) " هو بمنزلة الماء " وفى ثالث (3) " هو احد الطهورين " ونحو ذلك - هو انه في كل موضع تكون الطهارة المائية رافعة مبيحة للصلاة فان التيمم يقع بدلا عنها فحيثما ثبتت الطهارة المائية ثبتت البدلية، انما الاشكال فيما لو لم يكن كذلك كوضوء الحائض للذكر ونوم الجنب والاغسال المستحبة على المشهور من عدم كونها رافعة، وحينئذ فتوقفه في المدرك في البدلية عن الغسل المستحب على تقدير كونه رافعا لعدم النص لا وجه له، لانه وان لم يرد بذلك نص على الخصوص إلا انه داخل تحت اطلاق الاخبار المذكورة وهو كاف في الاستدلال. وظاهر كلام شيخنا في الروض ورود النص ببدلية التيمم عن غسل الاحرام خاصة من بين الاغسال المستحبة، ولم اقف عليه فيما حضرني من كتب الاخبار. وممن ناقش في هذا الحكم على اطلاقه ايضا الفاضل الخوانسارى في شرحه على الدروس حيث قال - بعد قول المصنف: ويستحب التيمم بدلا من الوضوء المستحب الرافع - ما هذا لفظه: " في هذا الحكم على اطلاقه نظر بل استحباب التيمم انما يكون فيما فيه نص أو اجماع أو شهرة وليس كذلك كل ما يستحب فيه الوضوء الرافع كما هو الظاهر، نعم ما ورد فيه الامر الاستحبابي بالطهارة مطلقا كما ورد في دخول المساجد لم يبعد ايضا الحكم باستحباب التيمم حال فقدان الماء لانه طهور ايضا " انتهى. وملخصه انه ينبغي ملاحظة الدليل في جزئيات الاحكام فان دل على انه مما يستحب فيه الطهارة فلا اشكال في استحباب التيمم بدلا عنه الظهار قوله سبحانه: " ولكن يريد
1) و 2) رواه في الوسائل في الباب 23 من ابواب التيمم 3) ورد في صحيحة زرارة المروية في الوسائل في الباب 21 من التيمم " ان التيمم احد الطهورين " وفى صحيحة محمد بن مسلم المروية في الوسائل في الباب 14 و 23 من التيمم " قد فعل احد الطهورين "
[ 414 ]
ليطهركم " (1) واطلاق الاخبار المتقدمة بالتقريب المذكور ذيلها، وان دل على انه مما يستحب فيه الوضوء أو الغسل فان التيمم لا يستحب بدلا عنه إلا بدليل، لعدم الملازمة بين خصوصية هذين الفردين وبين التيمم بخلاف الاول لاشتراكهما في كلية الطهارة وما يترآى من حديث ابي ذر (2) وقوله (صلى الله عليه وآله): " يجزيك التراب عشر سنين " ونحوه فهو مقصور على مورده من الطهارة للصلاة. وهذا الكلام وان كان بحسب الظاهر وبادي الرأي مما يترآى قوته إلا انه بالتأمل فيه بعين التحقيق لا يخلو من نظر لتطرق المناقشة إليه، وذلك فان الظاهر من اخبار هذه الافراد التي وردت الاخبار باستحباب الوضوء أو الغسل لها انما هو من حيث ارادة ايقاعها على الوجه الاكمل بالطهارة الموجبة لزوال الحالة الحدثية، وهذا المعنى لا يتفاوت فيه التعبير بلفظ الطهارة أو لفظ الوضوء إذ المرجع إلى امر واحد كما عرفت وهو ازالة تلك الحالة وايقاع الفعل أو الكون على تلك الحالة الكاملة، ولهذا عبر في اخبار تلك الموارد بلفظ الطهارة في بعض ولفظ الوضوء في بعض، ففي رواية مرازم ابن حكيم (3) المروية في المجالس بالنسبة إلى استحباب الوضوء لدخول المساجد قال: " ومن اتاها متطهرا طهره الله من ذنوبه " وفى مرسلة الفقيه (4) " طوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي " ورواية محمد بن الفضيل (5) المروية في قرب الاسناد بالنسبة إلى قراءة القرآن قال: " لا حتى تتوضأ للصلاة " وفي حديث الاربع مائة (6) " لا يقرأ العبد القرآن إذا كان على غير طهر حتى يتطهر " وفي رواية محمد بن كردوس (7) بالنسبة
1) سورة المائدة. الاية 6 2) رواه في الوسائل في الباب 14 و 23 من ابواب التيمم واللفظ الوارد " يكفيك الصعيد " 3) و 4) المروية في الوسائل في الباب 10 من ابواب الوضوء 5) و 6) المروية في الوسائل في الباب 13 من ابواب قراءة القرآن 7) المروية في الوسائل في الباب 9 من ابواب الوضوء
[ 415 ]
إلى النوم " من تطهر ثم اوى إلى فراشه بات وفراشه كمسجده " وفى رواية محمد بن مسلم (1) المروية في الخصال والعلل " لا ينام المسلم وهو جنب ولا ينام إلا على طهور فان لم يجد الماء فليتيمم بالصعيد فان روح المؤمن تصعد إلى الله تعالى فيلقاها ويبارك عليها. الحديث " وهو - كما ترى - صريح في استحباب التيمم بدلا عن الغسل المستحب، إلى غير ذلك من الاخبار الواردة باستحباب الوضوء في تلك المواضع المذكورة في كلام الاصحاب المشتملة على العبير بلفظ الطهارة أو الوضوء. وينبغي القول بذلك ايضا فيما كان من الاغسال - بناء على كونها رافعة كما هو الاظهر - مقصودا به الرفع كالاغسال الفعلية بالتقريب المتقدم، ونحوها الاغسال المكانية، وفى دخول الاغسال الزمانية بناء على القول المذكور كما يقول الاصحاب احتمال. وبالجملة فانه حيث ان هذه الثلاثة اعني الوضوء والغسل والتيمم قد اشتركت في عنوان الطهارة وان المقصود منها ذلك سواء عبر عن ذلك في كل منها بهذا العنوان أو بخصوصية ذلك الفرد فحيثما تعذرا كان قائما مقامهما وبدلا منها، وتخرج الاخبار المتقدمة ونحوها شاهدا على ذلك من خبر ابي ذر ونحوه، فان المعنى المتبادر من قوله (صلى الله عليه وآله) (2): " يجز بك الصعيد عشر سنين " انما هو في كل موضع توقف على الطهارة وجوبا أو استحبابا، ومن ذلك يظهر قوة القول المشهور. نعم ما ذكروه من التفصيل والمناقشة جيدة بالنسبة إلى ما يجب له الوضوء أو الغسل كما اشار إليه السيد السند في المدارك وان كان كلامه هنا لا يخلو من خلل وقصور كما اوضحناه في شرحنا على الكتاب المذكور. والله العالم.
(المسألة العاشرة) - المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) وبه صرح الشيخ في الخلاف انه إذا تيمم الجنب بدلا من الغسل ثم احدث اعاد التيمم بدلا من الغسل سواء كان حدثا اصغر أو اكبر، للاجماع المدعى من الشيخ والمحقق في المعتبر على ان التيمم لا يرفع الحدث ولهذا انما ينوى به الاستباحة دون الرفع، وقد تقدم
1) المروية في الوسائل في الباب 9 من ابواب الوضوء 2) ص 414
[ 416 ]
الكلام في هذه المسألة في المقام الاول من المطلب الثالث، وحينئذ فمتى احدث زالت الاستباحة وعاد حكم الحدث الاول فيجب بدلا من الغسل وجد ماء للوضوء أو لم يجد، ويدل على بقاء الجنابة وعدم ارتفاعها إلا بالغسل قول ابي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1) " ومتى اصبت الماء فعليك الغسل ان كنت جنبا والوضوء ان لم تكن جنبا " استدل في المختلف لهذا القول بصحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (2) " في رجل اجنب في سفر ومعه ماء قدر ما يتوضأ به ؟ قال يتيمم ولا يتوضأ " وفيه ما اوضحناه في الفرع العاشر من الفروع المذكورة في المطلب الاول (3) وعن المرتضى في شرح الرسالة ان الجنب إذا تيمم ثم احدث حدثا اصغر فوجد ما يكفيه للوضوء توضأ به فان حدثه الاول قد ارتفع وجاء ما يوجب الصغرى وقد وجد من الماء ما يكفي لها فيجب عليه استعماله ولا يجزئه تيممه. انتهى. ومقتضاه انه لو لم يجد الماء تيممم بدلا من الصغرى خاصة. ورد هذا القول بناء على المشهور بدعوى الاجماع - كما اشرنا إليه آنفا - على عدم رفع التيمم الحدث، فقوله ان الحدث الاول قد ارتفع باطل. واعتذر عنه في الذكرى بانه يمكن ان يريد بارتفاع حدثه استباحة الصلاة وان الجنابة لم تبق مانعة فلا ينسب إلى مخالفة الاجماع. واعترضه في الروض بعد تضعيفه لمذهب المرتضى بمخالفته الاجماع بان هذه الارادة لا تدفع الضعف لان الاستباحة إذا لم تستلزم الرفع فبطلانها بالحدث يوجب تعلق حكم الحدث الاول. وهو جيد فان مقتضى كلام المرتضى ان حكم هذا الحدث في هذا الموضع حكمه بعد الطهارة المائية في كونه موجبا للصغرى لا انه موجب لعود الحدث الاول كما يقولون به، وهذا لا يتم إلا على تقدير كون التيمم قد رفع الحدث الاول وازاله لاعلى انه انما حصلت به الاستباحة وان كان
1) المروية في الوسائل في الباب 19 من ابواب التيمم 2) المروية في الوسائل في الباب 24 من ابواب التيمم 3) ص 260
[ 417 ]
الحدث باقيا واي وجه للوضوء في كلامه مع بقاء حدث الجنابة ؟ وبالجملة فحمل الرفع في كلامه على الاستباحة غير جيد. والسيد السند في المدارك - بناء على ما اختاره من القول بترادف الرفع والاستباحة وانه لا مانع من نية الرفع بالتيمم بان يراد الرفع إلى غاية وجود الماء كما هو القول الاخر في المسألة المتقدمة في الموضع المشار إليه آنفا وحمل الرفع في عبارة المرتضى على هذا المعنى - اجاب عن كلام السيد (قدس سره) فقال: وجوابه المنع من ارتفاع الحدث السابق إلى ان يتمكن من الغسل بل القدر المتحقق ارتفاعه إلى ان يحصل احد الامرين اما التمكن من الغسل أو الحدث ومع حصول احدهما ينتهي الرفع ويظهر اثر الحدث السابق انتهى. اقول: لقائل ان يقول بناء على ما اختاره من كون التيمم رافعا إلى غاية لاريب انه قد قام الدليل على ان وجود الماء موجب لنقض التيمم وعود الحدث السابق كما تدل عليه صحيحة زرارة المذكورة وحينئذ فالتيمم يكون رافعا إلى غاية وجود الماء، واما الحدث الاصغر فلم يقم دليل على انه بهذه المثابة وانما القدر المتحقق هو نقضه للتيمم على حسب نقضه للطهارة المائية ورفعها وايجاب مسببه لاعود الحدث الاول حتى كأن لم يكن ثمة طهارة كما هو المفروض في نقض وجود الماء للتيمم، ومن ثم اوجب المرتضى هنا الوضوء إذا وجد الماء لان حدث الجنابة عنده قد ارتفع بالتيمم إلى وجود الماء، وبالجملة فدعوى ان الحدث حكمه هنا حكم الماء في عود الحدث الاول بعروضه تحتاج إلى دليل وليس فليس، وبذلك يظهر قوة ما ذهب إليه المرتضى (رضي الله عنه) الا انه لما كانت المسألة عارية عن النص الواضح فالاحتياط فيها مما لا ينبغي تركه بحال، والى ما ذكرناه من تقوية قول المرتضى (رضي الله عنه) يميل كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة. وبالجملة فالظاهر ان الخلاف في هذه المسألة متفرع على الخلاف في المسألة التي قدمناها
[ 418 ]
في الموضع المشار إليه آنفا والقول المشهور في هذه المسألة جار على القول المشهور ثمة، فان حكمهم باعادة التيمم بدلا من الغسل متى احدث انما هو من حيث ان التيمم انما افاد رفع المنع خاصة واباحة الدخول في العبادة وان كان الحدث باقيا وما ذهب إليه المرتضى جار على القول الاخر من الرفع بالتيمم وان كان الرفع انما هو إلى غاية وجود الماء. وكلام السيد (قدس سره) وان كان مطلقا إلا انه يجب تقييده بما ذكرنا صونا له عن الخروج عن مقتضى النص الصحيح المتقدم، وحينئذ فالتيمم عنده رافع إلى وجد الماء. واما الحدث الاصغر بعد التيمم فقد عرفت ان الحكم فيه عنده حكمه مع طروه على الطهارة المائية. والمحدث الكاشاني في المفاتيح - بعد ان صرح بان القول المشهور مبني على كون التيمم انما يحصل به الاباحة دون الرفع - قال: " على انه لو قيل ان التيمم انما يفيد الاباحة دون الرفع فالاباحة بالتيمم الاول ثابتة فيستصحب حكمها حتى يعلم رفعها والمعلوم خاصة واباحة الدخول في العبادة وان كان الحدث باقيا وما ذهب إليه المرتضى جار على القول الاخر من الرفع بالتيمم وان كان الرفع انما هو إلى غاية وجود الماء. وكلام السيد (قدس سره) وان كان مطلقا إلا انه يجب تقييده بما ذكرنا صونا له عن الخروج عن مقتضى النص الصحيح المتقدم، وحينئذ فالتيمم عنده رافع إلى وجد الماء. واما الحدث الاصغر بعد التيمم فقد عرفت ان الحكم فيه عنده حكمه مع طروه على الطهارة المائية. والمحدث الكاشاني في المفاتيح - بعد ان صرح بان القول المشهور مبني على كون التيمم انما يحصل به الاباحة دون الرفع - قال: " على انه لو قيل ان التيمم انما يفيد الاباحة دون الرفع فالاباحة بالتيمم الاول ثابتة فيستصحب حكمها حتى يعلم رفعها والمعلوم قطعا مانعية الاصغر لا عود الاكبر " انتهى. وهو جيد بناء على القول بحجية الاستصحاب كما عليه جمهور الاصحاب، واما من لا يراه دليلا شرعيا كما حققناه في مقدمات الكتاب فلا يتجه عنده هذا الكلام إلا انه صالح للالزام. والله العالم. (تم الجزء الرابع من كتاب الحدائق الناضرة، ويتلوه الجزء الخامس في الطهارة من النجاسات وما يتبعها من ذكر النجاسات واحكامها واحكام الاواني والجلود. والحمد لله اولا وآخرا).
<>