
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء الخامس
الفصل الخامس
في الميتة
قد اجمع الاصحاب على نجاسة الميتة من ذي النفس السائلة نقله جمع: منهم المحقق في المعتبر حيث قال الميتات مما له نفس سائلة نجس وهو اجماع الناس. وقال في المنتهى: الميتة من الحيوان ذي النفس السائلة نجسة سواء كان آدميا أو غير آدمي وهو مذهب علمائنا اجمع. ونحو ذلك في كلام الشهيد
(1) الوسائل في الباب 95 من آداب الحمام عن ابي البختري عن الصادق عن ابيه (ع) قال " ان رسول الله (ص) كان يتطيب بالمسك حتى يرى وبيصه في مفارقه " وفيه ايضا " كان النبي (صلى الله عليه وآله) يتطيب بذكور الطيب وهو المسك والعنبر ".
[ 54 ]
وابن زهرة وغيرهم، قال في المعالم: وقد تكرر في كلام الأصحاب ادعاء الاجماع على هذا الحكم وهو الحجة فيه إذ النصوص لا تنهض باثباته وجملة ما وقفنا عليه من الروايات في هذا الباب حسنة الحلبي، ثم ساق الرواية الاتية واردفها برواية ابراهيم بن ميمون الآتية ايضا ثم قال وقصور هذين الحديثين عن افادة هذا الحكم بكماله ظاهر مع ان الصحة منتفية عن سنديهما، وورد في عدة روايات معتبرة الاسناد المنع من اكل السمن والزيت إذا ماتت فيه الفأرة وظاهره الحكم بنجاسته، وهذا الحكم خاص ايضا كما لا يخفى فلا يمكن جعله دليلا على العموم، وحيئنذ فالعمدة في اثبات التعميم هو الاجماع المدعى في كلام الجماعة. انتهى ملخصا، وفيه ما سيأتي ان شاء الله تعالى في المقام. وكيف كان فالميتة اما ان تكون من ذي النفس أو غيره والاول اما آدمي أو غيره فههنا اقسام ثلاثة، وبيان الكلام فيها يقتضي بسطه في مواضع ثلاثة:
(الاول) ميتة غير الادمي من ذي النفس السائلة، وقد عرفت فيما تقدم دعوى الاجماع على النجاسة فيما يشمل هذه المسألة. ولصاحب المدارك في هذه المسألة مناقشتان: (الاولى) في وجود الدليل الدال على النجاسة في هذه المسألة كما سبق ذكره في كلام المحقق الشيخ حسن وان كان الكلام هنا فيما هو اخص مما ذكره المحقق المشار إليه. و (الثانية) في نجاسة جلد الميتة وهي في الحقيقة راجعة الى الاولى، وها انا اسوق كلامه بطوله وابين ما يكشف عن فساد محصوله وبه يظهر تحقيق الحال وينجلي عنه غياهب الاشكال، فاقول: قال السيد المذكور: " واحتج عليه في المنتهى بان تحريم ما ليس بمحرم بالاصل ولا فيه ضرر كالسم يدل على نجاسته. وفيه منع ظاهر. نعم يمكن الاستدلال عليه بالروايات المتضمنة للنهي عن اكل الزيت ونحوه إذا ماتت فيه الفأرة لكنه غير صريح في النجاسة وبما رواه الشيخ في الصحيح عن حريز (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) لزرارة
(1) رواه في الوسائل في الباب 33 من ابواب الاطعمة المحرمة.
[ 55 ]
ومحمد بن مسلم " اللبن واللبأ والبيضة والشعر والصوف والقرن والناب والحافر وكل شئ ينفصل من الشاة والدابة فهو ذكي وان اخذته منه بعد ان يموت فاغسله وصل فيه " وجه الدلالة ان الظاهر ان الأمر بغسل ما يؤخذ من الدابة بعد الموت انما هو لنجاسة الاجزاء المصاحبة له من الجلد. ويتوجه عليه ان الأمر بالغسل لا يتعين كونه للنجاسة بل يحتمل ان يكون لازالة الاجزاء المتعلقة به من الجلد المانعة من الصلاة فيه كما يشعر به قوله " وصل فيه " وبالجملة فالروايات متظافرة بتحريم الصلاة في جلد الميتة بل الانتفاع به مطلقا واما نجاسته فلم اقف فيها على نص يعتد به، مع ان ابن بابويه روى في اوائل الفقيه مرسلا عن الصادق (عليه السلام) " انه سئل عن جلود الميتة يجعل فيها اللبن والسمن والماء ما ترى فيه ؟ فقال لا بأس بان تجعل فيها ما شئت من ماء أو لبن أو سمن وتوضأ منه واشرب ولكن لا تصل فيها " وذكر قبل ذلك من غير فصل يعتد به انه لم يقصد فيه قصد المصنفين في ايراد جميع ما رووه، قال بل انما قصدت الى ايراد ما افتى به واحكم بصحته واعتقد انه حجة فيما بيني وبين ربي تقدس ذكره وتعالت قدرته، والمسألة قوية الاشكال " انتهى كلامه.
اقول: والكلام هنا يقع في مقامين:
(الاول) فيما ذكره من المناقشة الاولى في عدم الدليل على نجاسة الميتة من ذي النفس غير الانسان، وها انا اورد ما وقفت عليه من الروايات المتعلقة بذلك وان طال به زمام الكلام فانه اهم المهام. واقول: من ذلك روايات ما يقع في البئر والامر بالنزح لها مع التغير وعدمه وقد اشتملت تلك الروايات على ميتة الانسان والدابة والفأرة والطير والحمار والبقرة والجمل والسنور والحمام والدجاجة ونحو ذلك، ولا ينافي ذلك القول بطهارة البئر فان ذلك ليس من حيث كون هذه الاشياء غير نجسة بل انما هو من حيث عدم انفعالها بالنجاسة ولهذا لو تغير الماء بها فلا خلاف في النجاسة. ومنها اخبار الدهن والزيت ونحوهما وهي كثيرة، ومنها صحيحة زرارة
[ 56 ]
أو حسنته بابراهيم بن هاشم على المشهور عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فيه فان كان جامدا فالقها وما يليها وكل ما بقي وان كان ذائبا فلا تأكله واستصبح به، والزيت مثل ذلك " ومنها صحيحة الحلبي (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الفأرة والدابة تقع في الطعام والشراب فتموت فيه ؟ فقال ان كان سمنا أو عسلا أو زيتا - فانه ربما يكون بعض هذا - فان كان الشتاء فانزع ما حوله وكله وان كان الصيف فارفعه حتى تسرج به، وان كان بردا فاطرح الذي كان عليه ولا تترك طعامك من اجل دابة ماتت عليه " ومنها صحيحة سعيد الاعرج (3) قال " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الفأرة تقع في السمن والزيت ثم تخرج منه حيا ؟ فقال لا بأس باكله. وعن الفأرة تموت في السمن والعسل ؟ فقال قال علي (عليه السلام) خذ ما حولها وكل بقيته. وعن الفأرة تموت في الزيت ؟ فقال لا تأكله ولكن اسرج به " ومنها - رواية معاوية بن وهب عن الصادق (عليه السلام) (4) قال " قلت له جرذ مات في سمن أو زيت أو عسل ؟ فقال اما السمن والعسل فيؤخذ الجرذ وما حوله، واما الزيت فيستصبح به. وقال في بيع ذلك تبيعه وتبينه لمن اشتراه ليستصبح به " ومنها - رواية السكوني عن الصادق (عليه السلام) (5) " ان امير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن قدر طبخت وإذا في القدر فأرة ؟ قال يهراق مرقها ويغسل اللحم ويؤكل " ومنها رواية سماعة (6) قال " سألته عن السمن تقع فيه الميتة ؟ فقال ان كان جامدا فالق ما حوله وكل الباقي. فقلت الزيت ؟ فقال اسرج به " ومنها - صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (7) " سألته عن آنية اهل الذمة ؟ فقال
(1) و (2) و (4) و (6) المروية في الوسائل في الباب 43 من الاطعمة المحرمة (3) المروية في الوسائل في الباب 43 و 45 من الاطعمة المحرمة (5) المروية في الوسائل في الباب 44 من الاطعمة المحرمة. (7) المروية في الوسائل في الباب 54 من الاطعمة المحرمة.
[ 57 ]
لا تأكلوا في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيها الميتة والدم ولحم الخنزير " ومنها رواية جابر عن الباقر (عليه السلام) (1) قال " اتاه رجل فقال له وقعت فأرة في خابية فيها سمن أو زيت فما ترى في اكله ؟ قال فقال له أبو جعفر (عليه السلام) لا تأكله فقال له الرجل الفأرة اهون علي من ان اترك طعامي من اجلها. قال فقال له أبو جعفر (عليه السلام) انك لم تستخف بالفأرة وانما استخففت بدينك " ان الله تعالى حرم الميتة من كل شئ ". اقول: المراد بلفظ التحريم هنا النجاسة ليصح التعليل المذكور وإلا فالحرمة بمجردها بمعناها المتعارف لا توجب عدم اكل الزيت الذي ماتت فيه الفأرة، ومما يؤيد ورود هذا اللفظ بمعنى النجاسة لا بالمعنى المتبادر ما رواه في التهذيب والكافي عن الحسن ابن علي (2) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) فقلت جعلت فداك ان اهل الجبل تثقل عندهم اليات الغنم فيقطعونها ؟ فقال هي حرام. قلت جعلت فداك فنصطبح بها ؟ فقال أما تعلم انه يصيب اليد والثوب وهو حرام ؟ " إذ لا ريب بمقتضى سياق الخبر ان الحرام هنا انما هو بمعنى النجس. اقول: ظاهر رواية الحسن بن علي المذكورة عدم جواز الانتفاع باليات الميتة أو المبانة من حي مطلقا حتى ولو بالاسراج، وهو المشهور بين الاصحاب وبه صرح جملة: منهم الشهيد الثاني في المسالك، قال بعد قول المصنف: " ويجوز بيع الادهان النجسة ويحل ثمنها.. الخ ": المراد بها الادهان النجسة بالعرض كما هو المفروض اما النجسة بالذات كاليات الميتة يقطعها من حي أو ميت فلا يجوز بيعها ولا الانتفاع بها مطلقا اجماعا لاطلاق النهي عنه، وانما جاز بيع الدهن النجس لبقاء منفعته بالاستصباح. انتهى. ونقل الشهيد عن العلامة جواز الاستصباح به تحت السماء ثم قال: وهو ضعيف.
(1) المروية في الوسائل في الباب 5 من ابواب الماء المضاف (2) رواه في الوسائل في الباب 30 من الذبائح و 32 من الاطعمة المحرمة.
[ 58 ]
اقول: قد روي ابن ادريس في السرائر عن جامع البزنطي عن الرضا (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل تكون له الغنم يقطع من الياتها وهي احياء أيصلح له ان ينتفع بما قطع ؟ قال نعم يذيبها ويسرج بها ولا يأكلها ولا يبيعها " قال ابن ادريس بعد نقله " لا يلتفت الى هذا الحديث لانه من نوادر الأخبار والاجماع منعقد على تحريم الميتة والتصرف فيها بكل حال إلا اكلها للمضطر غير الباغي ولا العادي. وهو جار على ما قدمنا ذكره عنهم، وروى هذه الرواية ايضا في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) مثله (2). وظاهر شيخنا المجلسي في البحار الميل الى العمل بهذه الرواية حيث قال بعد نقل الخلاف في المسألة: والجواز عندي اقوى لدلالة الخبر الصحيح المؤيد بالاصل على الجواز وضعف حجة المنع إذ المتبادر من تحريم الميتة تحريم اكلها كما حقق في موضعه والاجماع ممنوع. انتهى. اقول: ما ذكره بالنسبة الى الاية من ان التحريم انما يتبادر الى الاكل دون سائر الوجوه جيد إلا ان جملة من الأخبار صرحت بان الميتة لا ينتفع بشئ منها. ومنه ما رواه في الكافي والفقيه بطريقه الى الكاهلي في حديث عن الصادق (عليه السلام) (3) " سئل عن اليات الغنم قال ان في كتاب علي (عليه السلام) ان ما قطع منها ميتة لا ينتفع به " ونحوه غيره كما سيأتي في المقام ان شاء الله تعالى، وليس حجة المانع منحصرة فيما ذكره مع امكان حمل الرواية التي اعتمدها على التقية، ولتحقيق المسألة موضع آخر ولكن الحديث ذو شجون فلنعد الى ما نحن فيه: ومنها صحيحة زرارة (4) قال: " إذا كان الماء اكثر من رواية لم ينجسه
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب ما يكتسب به (3) رواه في الوسائل في الباب 30 من ابواب الذبائح (4) المروية في الوسائل في الباب 3 من ابواب الماء المطلق.
[ 59 ]
شئ تفسخ فيه أو لم يتفسخ إلا ان يجئ له ريح يغلب على ريح الماء " ومنها موثقة عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (1) " في الفأرة التي يجدها في انائه وقد توضأ من ذلك الاناء مرارا وغسل ثيابه واغتسل وقد كانت الفأرة متسلخة ؟ فقال ان كان رآها في الاناء قبل ان يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ثم فعل ذلك بعد ما رآها في الاناء فعليه ان يغسل ثيابه ويغسل كل ما اصابه ذلك الماء ويعيد الوضوء والصلاة... الحديث " ومنها صحيحة حريز عن الصادق (عليه السلام) (2) انه قال: " كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب فإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا تتوضأ منه ولا تشرب " ورواية عبد الله بن سنان (3) قال: " سأل رجل ابا عبد الله (عليه السلام) عن غدير اتوه وفيه جيفة ؟ فقال إذا كان الماء قاهرا ولا يوجد فيه الريح فتوضأ " وموثقة سماعة عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الرجل يمر بالماء وفيه دابة ميتة قد انتنت ؟ قال ان كان النتن الغالب على الماء فلا تتوضأ ولا تشرب " ورواية ابي خالد القماط عن الصادق (عليه السلام) (5) " في الماء يمر به الرجل وهو نقيع فيه الميتة والجيفة ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ان كان الماء قد تغير ريحه أو طعمه فلا تشرب ولا تتوضأ منه... الحديث " وفي فقه الرضوي (6) " وان مسست ميتة فاغسل يديك وليس عليك غسل انما يجب عليك ذلك في الانسان وحده " ومنها موثقة عمار عن الصادق (عليه السلام) (7) قال: " سئل عن الخنفساء والذباب والجراد والنملة وما اشبه ذلك يموت في البئر والزيت والسمن وشبهه ؟ قال كل ما ليس له دم فلا بأس به " ورواية حفص بن غياث عن جعفر بن محمد (عليه السلام) (8) قال: " لا يفسد الماء إلا ما كان له
(1) المروية في الوسائل في الباب 4 ابواب الماء المطلق (2) و (3) و (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب 3 من ابواب الماء المطلق (6) ص 18 (7) و (8) المروية في الوسائل في الباب 35 من ابواب النجاسات
[ 60 ]
نفس سائلة " وموثقة عمار عن الصادق (عليه السلام) (1) في حديث طويل قال فيه: " اغسل الاناء الذي تصيب فيه الجرذ ميتا سبع مرات " الى غير ذلك من الاخبار التي يقف عليها المتتبع وهذا ما حضرني منها. وانت خبير بانه لا مجال للتوقف في الحكم المذكور بعد الوقوف على هذه الاخبار مع تعليق الحكم في كثير منها على مطلق الميتة والجيفة والشئ والدابة والمراد بها ما يدب على وجه الارض لا ذات القوائم الاربع من غير مخصص بين الاصحاب ولا مقيد، ولا يخفى على من اعطى النظر حقه ان اكثر الاحكام الشرعية التي صارت بين الاصحاب قواعد كلية انما حصلت من تتبع جزئيات الأحكام وضم بعضها الى بعض كالقواعد النحوية المبنية على تتبع كلام العرب وإلا فوجود الاحكام بقواعد مسورة بسور الكلية لا تكاد يوجد إلا نادرا. وما ذكره في المدارك مما قدمنا نقله عنه بعد اشارته الى روايات الزيت الذي ماتت فيه الفأرة انه غير صريح في النجاسة مردود بانهم انما حكموا بالنجاسة في جل المواضع بل كلها من حيث النهي عن الصلاة فيها أو الامر بغسلها أو النهي عن اكل ما وقعت فيه أو النهي عن شربه ونحو ذلك مما هو اعم من المراد حتى انه لو ورد لفظ النجاسة لتأولوه بالحمل على المعنى اللغوي لعدم الحقيقة الشرعية فيه كذلك، وهو ممن صرح بما ذكرناه ايضا في نجاسة البول فقال بعد كلام في المقام والاحتجاج على النجاسة بالامر بالغسل: " ولا معنى للنجس شرعا إلا ما وجب غسل الملاقي له بل سائر الاعيان النجسة انما استفيد نجاستها من امر الشارع بغسل الثوب والبدن من ملاقاتها " انتهى. والحكم في الغسل والاكل واحد باعتبار النجاسة العارضة للمأكول فكما ان النهي عن الاكل اعم من النجاسة كذلك الامر بالغسل اعم من ذلك. وبالجملة فان ما ذكره المحققان المذكوران انما نشأ من الغفلة عن تتبع الروايات في هذا المقام وقصر النظر على ما خطر ببالهما من الاخبار المشار إليها في كلامهما ومن اعطى النظر حقه في هذه الأخبار
(1) المروية في الوسائل في الباب 53 من ابواب النجاسات.
[ 61 ]
التي سردناها لا يخفى على انطباقها على ما ذكرناه من عموم الحكم.
(المقام الثاني) فيما ذكره من المناقشة الثانية في حكم جلد الميتة وانه لم يقم على نجاسته عنده دليل معتضدا بما نقله عن الفقيه، ففيه انه لا ريب ان الروايات هنا مختلفة في جلد الميتة طهارة ونجاسة والقول بطهارته منقول عن ابن الجنيد لكن بشرط الدباغ وانها تطهر بذلك. فمما يدل على الطهارة ما نقله عن الفقيه ومثله ما رواه الشيخ في الصحيح الى الحسين ابن زرارة وهو وان كان في كتب الرجال مهملا إلا انه يمكن استفادة مدحه من دعاء الصادق (عليه السلام) له ولاخيه الحسن عن الصادق (عليه السلام) (1) " في جلد شاة ميتة يدبغ فيصب فيه اللبن أو الماء فاشرب منه واتوضأ ؟ قال نعم، وقال يدبغ فينتفع به ولا يصلي فيه " وظاهر الرواية التي نقلها عن الفقيه وان كان اعم إلا ان الظاهر انه يجب تقييدها بالدباغ، ولعله انما اطلق الحكم فيها بناء على ما هو المتعارف من الدباغ وانه لا يستعملونه إلا بعد ذلك، وحينئذ يكون الجميع مستندا لما ذهب إليه ابن الجنيد في المسألة واظهر من هذين الخبرين في ذلك ما صرح به (عليه السلام) في كتاب الفقه (2) حيث قال: " وان كان الصوف والوبر والشعر والريش من الميتة وغير الميتة بعد ان يكون مما احل الله تعالى اكله فلا بأس به، وكذلك الجلد فان دباغته طهارته " وقال بعد هذا الكلام باسطر قليلة: " وذكاة الحيوان ذبحه وذكاة الجلود الميتة الدباغ " ومما يدل على المشهور وهو المؤيد المنصور من النجاسة ما رواه في الكافي عن الفتح بن يزيد الجرجاني عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: " كتبت إليه اسأله عن جلود الميتة التي يؤكل لحمها ان ذكي ؟ فكتب لا ينتفع من الميتة باهاب ولا عصب.. الحديث اقول: " ان ذكي " يحتمل ان يكون قيدا لاكل اللحم بمعنى ان مأكول اللحم مع التذكية ما حكم جلده
(1) رواه في الوسائل في الباب 34 من الاطعمة المحرمة (2) ص 41. (3) رواه في الوسائل في الباب 33 من الاطعمة المحرمة
[ 62 ]
بعد الموت ؟ ويحتمل ان يكون راجعا الى الجلود بالنظر الى ان دباغته تذكيته كما دل عليه خبر كتاب الفقه. وما رواه في الكافي في الصحيح عن علي بن ابي المغيرة (1) وهو ثقة قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) جعلت فداك الميتة ينتفع منها بشئ ؟ قال لا. قلت بلغنا ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) مر بشاة ميتة فقال ما كان على اهل هذه الشاة إذ لم ينتفعوا بلحمها ان ينتفعوا باهابها ؟ قال تلك شاة كانت لسودة بنت زمعة زوجة النبي (صلى الله عليه وآله) وكانت شاة مهزولة لا ينتفع بلحمها فتركوها حتى ماتت فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما كان على اهلها إذ لم ينتفعوا بلحمها ان ينتفعوا باهابها اي تذكى " وجه الدلالة (اولا) انه (عليه السلام) ذكران الميتة لا ينتفع منها بشئ وهو ظاهر الدلالة فيما نحن فيه. و (ثانيا) انه لما سأله عن حديث الشاة الذي هو احد مستندات العامة فيما ذهبوا إليه من طهارة جلد الميتة حيث انهم رووا الحديث وحملوا كلامه (صلى الله عليه وآله) على انه ينبغي ان يسلخوا جلدها بعد الموت وينتفعوا به وان لم ينتفعوا بلحمها لكونها ميتة (2) فأجاب (عليه السلام) بان الوجه في
(1) رواه في الوسائل في الباب 61 من ابواب النجاسات و 34 من الاطعمة المحرمة (2) في المغني ج 1 ص 66 " المشهور في المذهب نجاسة الجلد بعد الدبغ وهو احدى الروايتين عن مالك، وعن احمد برواية اخرى انه يطهر جلد ما كان طاهرا حال الحياة. ومذهب الشافعي طهارة الحيوانات كلها الا الكلب والخنزير فيطهر عنده كل جلد الا جلدهما، وقال أبو حنيفة يطهر كل جلد بالدبغ الا جلد الخنزير، وحكى عن ابي يوسف انه يطهر كل جلد وهو رواية عن ملك. ومذهب من حكم بطهارة الحيوانات كلها قوله صلى الله عليه واله " إذا دبغ الاهاب فقد طهر " ولانه صلى الله عليه وآله وجد شاة لميمونة فقال: هل انتفعتم بجلدها ؟ فقالوا انها ميتة قال انما حرم اكلها " وفي صحيح مسلم ج 1 ص 145 عن ابن عباس قال: " تصدق لمولاة لميمونة بشاة فماتت فمر بها رسول الله صلى الله عليه واله فقال هلا اخذتم اهابها فدبغتموه فانتفعتم به ؟ قالوا انها ميتة قال انما حرم اكلها " وفيه عن ابن عباس قال " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول إذا دبغ الاهاب فقد طهر ".
[ 63 ]
الخبر ليس ما توهموه وظنه السائل بناء على شهرة الخبر بينهم بل المعنى فيه والذي اراده (صلى الله عليه وآله) انما هو ان ان تذكى قبل الموت وينتفعوا باهابها وان لم ينتفعوا بلحمها لهزالها، وهو صريح في عدم الانتفاع بجلود الميتة المؤذن بنجاستها، وينبغي تقييد قوله (عليه السلام): " الميتة لا ينتفع منها بشئ " بما كان تحله الحياة ثم عرض له الموت جمعا بين الخبر المذكور والاخبار الدالة على طهارة ما لا تحله الحياة من الميتة. ومنها ما رواه الشيخ في الموثق عن ابي مريم (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) السخلة التي مر بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهي ميتة فقال: ما ضر اهلها لو انتفعوا باهابها ؟ قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام) لم تكن ميتة يا ابا مريم ولكنها كانت مهزولة فذبحها اهلها فرموا بها فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما كان على اهلها لو انتفعوا باهابها " اقول: الظاهر ان مورد هذا الخبر غير سابقه. والتقريب في سؤال السائل هو ما ذكرناه من التقريب في الخبر الاول ولكن الجواب وقع عنها بان السخلة انما رماها اهلها بعد الذبح فهي مذكاة فمن اجل ذلك قال (صلى الله عليه وآله) انها بعد التذكية وان لم ينتفعوا بلحمها لهزاله إلا ان جلدها مما ينتفع به فكيف لم يأخذوه ؟ ومنها ما رواه في التهذيب في الموثق عن سماعة (2) قال: " سألته عن جلود السباع ينتفع بها ؟ قال إذا رميت وسميت فانتفع بجلده واما الميتة فلا ". ومنها ما رواه في الكافي وكذا في التهذيب عن قاسم الصيقل (3) قال: " كتبت الى الرضا (عليك السلام) اني اعمل اغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فتصيب ثيابي أفأصلي فيها ؟ فكتب الي اتخذ ثوبا لصلاتك. فكتبت الى ابي جعفر (عليه السلام) كنت كتبت الى ابيك بكذا وكذا فصعب ذلك علي فصرت اعملها من جلود الحمر
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 34 من الاطعمة المحرمة (3) رواه في الوسائل في الباب 34 من ابواب النجاسات
[ 64 ]
الوحشية الذكية ؟ فكتب الي كل اعمال البر بالصبر يرحمك الله فان كان ما تعمل وحشيا ذكيا فلا بأس ". ومنها ما رواه في التهذيب عن ابي القاسم الصيقل وولده (1) قال: " كتبوا الى الرجل (عليه السلام) جعلنا الله فداك انا قوم نعمل اغماد السيوف وليس لنا معيشة ولا تجارة غيرها ونحن مضطرون إليها وانما علاجنا من جلود الميتة من البغال والحمر الاهلية لا يجوز في اعمالنا غيرها فيحل لنا عملها وشراؤها وبيعها ومسها بايدينا وثيابنا ونحن نصلي في ثيابنا ؟ ونحن محتاجون الى جوابك في المسألة يا سيدنا لضرورتنا إليها، فكتب (عليه السلام) اجعلوا ثوبا للصلاة.. الحديث ". هذا ما وقفت عليه من الأخبار الدالة على القول المشهور، ووجه الجمع بينها وبين ما عارضها هو حمل المعارض على التقية لموافقته لمذهب بعض العامة كما اشرنا إليه في ذيل حديث الشاة، ويدل على ذلك ما رواه في التهذيب عن عبد الرحمان بن الحجاج (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اني ادخل سوق المسلمين اعني هذا الخلق الذين يدعون الاسلام فاشتري منهم الفراء للتجارة فاقول لصاحبها أليست هي ذكية فيقول بلى فهل يصلح لي ان ابيعها على انها ذكية ؟ فقال لا ولكن لا بأس ان تبيعها وتقول قد شرط لي الذي اشتريتها منه انها ذكية. قلت وما افسد ذلك ؟ قال استحلال اهل العراق الميتة وزعموا ان دباغ جلد الميتة ذكاته ثم لم يرضوا ان يكذبوا في ذلك إلا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) " وفى التهذيب بسنده الى ابي بصير (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في الفراء ؟ فقال كان علي بن الحسين (عليه السلام) رجلا صردا فلا تدفئه فراء الحجاز لان دباغها بالقرظ فكان يبعث الى العراق
(1) رواه في الوسائل في الباب 38 من ابواب ما يكتسب به (2) رواه في الوسائل في الباب 61 من ابواب النجاسات. (3) رواه في الوسائل في الباب 61 من ابواب لباس المصلى.
[ 65 ]
فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه فإذا حضرت الصلاة القاه والقى القميص الذي يليه فكان يسأل عن ذلك فيقول ان اهل العراق يستحلون لباس جلود الميتة ويزعمون ان دباغها ذكاتها " وبما اوضحناه وشرحناه يظهر لك انه لا اشكال في صحة القول المشهور كما وقع فيه لعدم التدبر في اخبار المسألة سيدنا المحقق المذكور. ثم ان ما ذكره (قدس سره) في تأييد مرسلة الفقيه من قول مصنفه في صدر كتابه ما قاله مع الاغماض عن الطعن في ذلك بمخالفة مصنفه لهذه القاعدة في مواضع عديدة من كتابه كما لا يخفى على من تتبعه ففيه انه في شرحه قد اضطرب كلامه في هذا المقام ايضا كاضطرابه في غيره فتراه تارة يعمل بمرويات الفقيه الضعيفة ويعتذر بهذا الكلام وتراه يرد رواياته اخرى من غير التفات الى ما ذكره في هذا المقام كما لا يخفى على من تتبع شرحه المشار إليه، وهي طريقة غير جيدة ناشئة من ضيق الخناق في هذا الاصطلاح الذي تمسك به وبالغ في نصرته كما اوضحناه في مواضع من شرحنا على الكتاب.
(الموضع الثاني) ميتة الادمي، وقد اجمع الاصحاب (رضوان الله عليهم) على ما نقله غير واحد منهم على نجاستها بعد برده وقبل تطهيره بالغسل، قال في المعتبر: وعلماؤنا مطبقون على نجاسته نجاسة عينية كغيره من ذوات الانفس السائلة. ويدل على ذلك مضافا الى الاجماع المذكور ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد ابن الحسن الصفار (1) قال: " كتبت إليه: رجل اصاب يديه أو بدنه ثوب الميت الذي بلي جسده قبل ان يغسل هل يجب عليه غسل يديه أو بدنه ؟ فوقع (عليه السلام): إذا اصاب يدك جسد الميت قبل ان يغسل فقد يجب عليك الغسل " وحسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت ؟ فقال يغسل ما اصاب الثوب " ورواية ابراهيم بن ميمون (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه
(1) رواه في الوسائل في الباب 4 من غسل مس الميت (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 34 من ابواب النجاسات.
[ 66 ]
السلام) عن الرجل يقع ثوبه على جسد الميت ؟ فقال ان كان غسل الميت فلا تغسل ما اصاب ثوبك منه وان كان لم يغسل الميت فاغسل ما اصاب ثوبك منه " وروى الطبرسي في الاحتجاج والشيخ في كتاب الغيبة التوقيع الخارج عن الناحية المقدسة في اجوبة مسائل محمد بن عبد الله الحميري (1) فانه كتب " روي لنا عن العالم انه سئل عن امام صلى بقوم بعض صلاتهم وحدثت عليه حادثة كيف يعمل من خلفه ؟ قال يؤخر ويتقدم بعضهم ويتم صلاتهم ويغتسل من مسه ؟ التوقيع ليس على من مسه إلا غسل اليد " وعنه (2) قال: " كتبت إليه وروي عن المعالم (عليه السلام) ان من مس ميتا بحرارته غسل يده ومن مسه وقد برد فعليه الغسل وهذا الميت في هذه الحالة لا يكون إلا بحرارته والعمل في ذلك على ما هو ولعله ينحيه بثيابه ولا يمسه فكيف يجب عليه ؟ التوقيع: إذا مسه في هذه الحال لم يكن عليه إلا غسل يده " وفي الفقه الرضوي (3) " وان مس ثوبك ميتا فاغسل ما اصاب ". بقي الكلام في انها هل هي عينية محضة مطلقا فعلى هذا ينجس ما يلاقي الميت برطوبة كان أو بيبوسة وتتعدى نجاسة ذلك الملاقي الى ما لاقاه برطوبة، أو مع الرطوبة خاصة وإلا فحكمية بمعنى انها مع اليبوسة انما ينجس بها ذلك الملاقي خاصة دون ما لاقاه ولو برطوبة. أو عدم تعديها مطلقا وان وجب غسل الملاقي تعبدا، أو انها عينية محضة مع الرطوبة خاصة واما مع اليبوسة فلا اثر لها كغيرها من النجاسات، اقوال اربعة: الاول ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في الروض وقواه شيخنا المحقق الشيخ حسن على تقدير القول بالتعدي مع اليبوسة، والثاني للعلامة في المنتهى، والثالث ظاهر كلام ابن ادريس حيث قال على ما نقل عنه في المدارك: إذا لاقى جسد الميت اناء وجب غسله ولو لاقى ذلك الاناء مائعا لم ينجس المائع لانه لم يلاق جسد الميت، وحمله على ذلك قياس، والاصل في الاشياء الطهارة الى ان يقوم دليل. والرابع مختار المحقق الشيخ علي.
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 3 من غسل مس الميت (3) ص 18.
[ 67 ]
وانت خبير بان ظاهر اطلاق الأخبار المذكورة الدلالة على القول الاول. وهذا القول ايضا ظاهر الصدوق في الفقيه حيث انه عبر فيه بمضمون حسنة الحلبي فقال: ومن اصاب ثوبه جسد الميت فليغسل ما اصاب الثوب منه. وبذلك يظهر قوة القول المذكور إلا ان قوله (عليه السلام) في موثقة عبد الله بن بكير (1) " كل شئ يابس ذكى " المعتضد بجملة من الأخبار الدالة في جملة من المواضع على عدم تعدي النجاسة مع اليبوسة مما يدافع العمل باطلاق هذه الأخبار، وايضا ان تقييد المطلق اقرب من تخصيص العام وحينئذ فالاظهر حمل الملاقاة الموجبة للغسل على الملاقاة برطوبة من احدهما، ومما يستأنس له بذلك قوله في رواية ابراهيم بن ميمون ؟ " ما اصاب ثوبك منه " في الموضعين فانه ظاهر في ان اصابة الثوب هو لرطوبة أو قذر على الميت، إلا ان هذا الحمل بعيد في التوقيع المذكور. ويمكن حمله على الاستحباب سيما مع اشتماله على ما لا يقول به جمهور الاصحاب من النجاسة قبل البرد، ومن ذلك يعلم قوة القول الرابع، ويؤيده ايضا صحيحة علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (2) " عن الرجل يقع ثوبه على حمار ميت هل تصلح الصلاة فيه قبل ان يغسله ؟ قال ليس عليه غسله وليصل فيه ولا بأس به ". واما ما ذهب إليه المحدث الكاشاني من حمل اخبار النجاسة في الميت والكافر ونحوهما مما ذكره على مجرد الخبث الباطني دون المعنى الشرعي الموجب لغسل الملاقي له برطوبة - فهو من متفرداته الواهية التي هي لبيت العنكبوت - وانه لاوهن البيوت - مضاهية وكيف لا والأخبار المتقدمة ظاهرة في وجوب غسل الملاقي له هو مظهر النجاسة، والظاهر ان منشأ الشبهة عنده هو انه لو كان نجسا كالاعيان النجسة لم يقبل التطهير بالغسل كما يدل عليه كلامه في المفاتيح، وهذا دليل الشافعي على ما ذهب إليه من عدم نجاسة
(1) المروية في الوسائل في الباب 31 من احكام الخلوة (2) والمروية في الوسائل في الباب 26 من ابواب النجاسات.
[ 68 ]
الانسان بالموت (1) قال: إذ لو كان نجسا لما قبل التطهير كسائر النجاسات. وعارضه جماعة من الاصحاب: منهم العلامة في المنتهى والشهيدان في الذكرى والروض بانه لو لم يكن نجسا لما امر بالغسل. وفيه انه يمكن ان يكون الغسل انما هو للنجاسة الحكمية كنجاسة بدن الجنب بالجنابة والحائض بالحيض لا العينية، بل هذا هو الظاهر من الأخبار المتقدمة في باب غسل الجنابة الدالة على ان العلة في غسل الميت انما هو خروج النطفة التي خلق منها حال الموت فهو جنب ولذلك امر بتغسيله غسل الجنابة. والجواب الحق انما هو المنع من كون النجاسات والمطهرات منحصرة في قاعدة كلية بل هي تابعة للدليل الشرعي وليس للعقل فيها مسرح، فلا منافاة بين كون نجاسة الميت بعد البرد وقبل الغسل كسائر النجاسات العينية وان كان تطهيرها يقع بالغسل وغيرها لا يقبل التطهير إلا بالمطهرات الاتية، ألا ترى ان العصير يطهر بالنقص دون غيره وآلات النزح وجوانب البئر تطهر عندهم بتمام النزح وآلات الخمر بعد انقلابه ونحو ذلك فالاستبعاد مدفوع بما ذكرناه، وبالجملة فالظاهر من الأخبار ان نجاسة الميت بعد البرد وقبل التطهير بالغسل حكمية من جهة عينية من اخرى، فمن الجهة الاولى يجب الغسل على كل من مس الميت في تلك الحال ومن الجهة الثانية يجب غسله وغسل ما لاقاه على الخلاف المتقدم، ولا منافاة في كون الغسل رافعا للنجاسة العينية والحدثية التي في الجنب ايضا كما دلت عليه الاخبار المشار إليها إذا اقتضته الادلة الشرعية.
(1) في المغني ج 1 ص 45 " الآدمي في صحيح المذهب طاهر حيا وميتا لقوله صلى الله عليه وآله " المؤمن لا ينجس " متفق عليه، وعن احمد في بئر مات فيها انسان ينزح ماؤها حتى يغلبهم، وهو مذهب ابي حنيفة قال انه ينجس بالموت ويطهر بالغسل، وللشافعي قولان كالروايتين " واخرج الشافعية كالشيرازي في المهذب ج 1 ص 46 والغزالي في الوجيز ج 1 ص 4 والنووي في المنهاج ص 5 الميت الآدمي من عداد النجاسات، ويظهر ذلك من الام ج 1 ص 235 قال: احب لمن غسل ميتا ان يغتسل وليس بالواجب عندي وجاءت احاديث في ترك الغسل: منها " لا تنجسوا موتاكم ".
[ 69 ]
(الموضع الثالث) ميتة ما لا نفس له سائلة، وقد نقل الاجماع في المعتبر والمنتهى على طهارتها، قال في المنتهى اتفق علماؤنا على ان ما لا نفس سائلة له من الحيوانات لا ينجس بالموت ولا يؤثر في نجاسة ما يلاقيه، وذكر في المعتبر ان عدم نجاسة ما هذا شأنه وانتفاء التنجيس به مذهب علمائنا اجمع. وقال الشيخ في النهاية: كل ما ليس له نفس سائلة من الاموات فانه لا ينجس الثوب ولا البدن ولا الشراب إذا وقع فيه سوى الوزغ والعقرب. وفي المختلف عن ابن البراج انه قال إذا اصاب شيئا وزغ أو عقرب فهو نجس واوجب أبو الصلاح النزح لها من البئر ثلاث دلاء. وما ذكره الشيخ (قدس سره) هنا من استثناء الوزغ الظاهر انه مبني على ما سيأتي ان شاء الله تعالى من حكمه بنجاسة الوزغ عينا وانه عنده كالكلب، واما العقرب فلا نعلم لاستثنائه وجها. ونقل في المختلف عنه الاستدلال عليه برواية ابي بصير عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الخنفساء تقع في الماء أيتوضأ منه ؟ قال نعم لا بأس به. قلت فالعقرب ؟ قال ارقه " واجاب عنها بانها غير دالة على ذلك لجواز استناد الاراقة الى وجود السم في الماء لا الى نجاسة العقرب. وهو جيد، وبمثل ذلك ايضا يجاب عما رواه سماعة في الموثق (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن جرة وجد فيها خنفساء قد ماتت ؟ قال القه وتوضأ منه وان كان عقربا فارق الماء وتوضأ من غيره ". وكيف كان فالمعتمد هو القول المشهور للاصل والاخبار الكثيرة، ومنها موثقة عمار ورواية حفص المتقدمتان في الموضع الاول وموثقة ابي بصير أو صحيحته عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الذباب يقع في الدهن والسمن والطعام ؟
(1) المروية في الوسائل في الباب 9 من ابواب الآسئار. (2) رواه في الوسائل في الباب 35 من ابواب النجاسات. (3) المروية في الوسائل في الباب 46 من الاطعمة المحرمة.
[ 70 ]
فقال لا بأس " ورواية ابن مسكان (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) كل شئ يسقط في البئر ليس له دم مثل العقارب والخنافس واشباه ذلك فلا بأس " ومرفوعة محمد بن يحيى عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " لا يفسد الماء إلا ما كان له نفس سائلة " وفي قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر (3) " انه سأل اخاه موسى (عليه السلام) عن العقرب والخنفساء واشباه ذلك يموت في الجرة والدن يتوضأ منه للصلاة ؟ قال لا بأس ".
وتنقيح البحث في المقام يتوقف على رسم مسائل:
(الاولى) قد تقدم نقل المحقق والعلامة الاجماع على نجاسة ميتة ذي النفس السائلة مطلقا من غير استثناء فرد وظاهره اعم من ان يكون الحيوان بريا أو بحريا وقال في الخلاف ان مات في الماء القليل ضفدع أو ما لا يؤكل لحمه مما يعيش في الماء لا ينجس الماء وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي ان قلنا انه لا يؤكل فانه ينجسه (4) دليلنا ان الماء على اصل الطهارة والحكم بنجاسته يحتاج الى دليل، وروي عنهم (عليهم السلام) انهم قالوا: " إذا مات فيما فيه حياته لا ينجسه " وهو يتناول هذا الموضع. وقد حكى المحقق في المعتبر صدر هذه العبارة عن الخلاف ولم يتعرض لما فيه الاحتجاج منها واختار التنجيس بما له نفس من الحيوان المائي كالتمساح واحتج له بانه حيوان له نفس سائلة فكان موته منجسا ثم قال: ولا حجة لهم في قوله (صلى الله عليه وآله) (5) في البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " لان التحليل مختص بالسموك. قال في المعالم بعد نقل ما ذكرناه عن المحقق. وكأنه اشار بقوله ولا حجة لهم الى القائلين بالطهارة هنا من العامة وفاقا للشيخ وهم الحنفية. وقد نبه على ذلك الشيخ
(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 35 من ابواب النجاسات. (4) كما في بدائع الصنائع ج 1 ص 79 والام ج 1 ص 4 والمغني ج 1 ص 45 (5) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب الماء المطلق.
[ 71 ]
في الكلام الذي حكيناه عنه وعزاه البهم العلامة في المنتهى وحكى عنهم الاحتجاج بقوله (صلى الله عليه وآله) " هو الطهور ماؤه. الحديث " وفساد هذه الحجة عندنا اظهر من ان يبين والعجب من المحقق في عدوله عن حكاية الحجة التي تمسك بها الشيخ الى حجة المخالف الواهية مع كونه في مقام البحث مع الشيخ إذ لم يذكر خلاف غيره ولولا جمع الضمير في نسبة الاحتجاج لم يختلج في خاطر غير الواقف على كلام الشيخ شك في ان الحجة له ولا يخفى ما فيه على ان احتمال مشاركة الشيخ لغيره في الاحتجاج بها ليس بمندفع عن غير العارف بالحال ولعل العذر عدم الوقوف على عين كلام الشيخ في نفس الكتاب هذا وفي تمسك الشيخ هنا بالاصل قوة إلا ان يثبت تناول ما يدعيه الأصحاب من الاجماع في اصل المسألة لموضع النزاع. انتهى.
اقول: والكلام هنا يقع في مواضع:
(الاول) لا يخفى ما في نقل المحقق والعلامة الاجماع في اصل المسألة على النجاسة ثم نقلهما خلاف الشيخ في المقام من التدافع إلا ان يحمل ذلك على عدم الاعتداد بخلاف معلوم النسب كما هو احد قواعدهم أو لشهرة القول بالخلاف في الحيوان المائي فيكون الاجماع المدعى انما هو على غير الحيوان المائي ولعله الأقرب.
(الثاني) ان ما استند إليه الشيخ من التمسك بالاصل فالجواب عنه ان الأصل يجب الخروج عنه بالدليل وهو ما قدمناه من الأخبار المتقدمة في المقام الاول من الموضع الاول الدالة على نجاسة الميتة من ذي النفس غير الانسان مطلقا وحيث ان صاحب المعالم في ما قدمنا نقله عنه لم يقم عنده دليل على ذلك الا الاجماع قوي تمسك الشيخ بالأصل هنا إلا ان يثبت تناول ما يدعيه الاصحاب من الاجماع لموضع النزاع. وانت خبير بعد الاحاطة بما قدمناه من الأخبار انه لا حاجة الى التمسك بهذا الاجماع هنا إلا انه يبقى الكلام في دخول الحيوان المائي تحت اطلاق تلك الاخبار أو عمومها حيث ان الذي ينصرف إليه الاطلاق انما هو الافراد الكثيرة الوقوع مثل تلك الاشياء
[ 72 ]
المعدودة في الروايات وشمولها لمثل الضفدع والتمساح ونحوهما الظاهر بعده، وكذلك شمول الاجماع خصوصا على الوجه الثاني مما اجبنا به عن التدافع الواقع في كلامهم، وحينئذ يقوى تمسك الشيخ بالأصل.
(الثالث) ما نقله الشيخ عنهم (عليه السلام) من الرواية لم نقف عليها في شئ من كتب الاخبار ولا نقلها غيره غيره فيما اعلم، وقد اعترضه بذلك ايضا بعض افاضل المحققين من متأخري المتأخرين فقال: واما الرواية فلم نجدها في موضع مسندة حتى ننظر في صحتها وضعفها. وبالجملة فان قول الشيخ بالنظر الى ما ذكرنا من عدم شمول الأخبار المتقدمة لمثل هذه الافراد النادرة لا يخلو من قوة، والاحتياط لا يخفى.
(المسألة الثانية) الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في ان كل ما ينجس بالموت مما له نفس سائلة فما قطع من جسده حيا كان أو ميتا فهو نجس قال في المدارك انه مقطوع به في كلام الاصحاب. وقال في المعالم لا يعرف فيه خلاف بين الاصحاب. قال في المدارك: " واحتج عليه في المنتهى بان المقتضى لنجاسة الجملة الموت وهذا المقتضى موجود في الاجزاء فيتعلق بها الحكم. وضعفه ظاهر إذ غاية ما يستفاد من الأخبار نجاسة جسد الميت وهو لا يصدق على الاجزاء قطعا. نعم يمكن القول بنجاسة القطعة المبانة من الميت استصحابا لحكمها حال الاتصال. ولا يخفى ما فيه " انتهى. اقول: الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة عدة روايات فيها الصحيح وغيره. ومنها ما رواه في الفقيه في الصحيح عن ابان عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) ما اخذت الحبالة فقطعت منه
(1) رواه في الوسائل في الباب 24 من ابواب الصيد.
[ 73 ]
فهو ميتة وما ادركت من سائر جسده حيا فذكه ثم كل منه " ورواه الشيخ في التهذيب والكليني في الكافي لكن بطريق غير صحيح ومنها ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح أو الحسن ابراهيم بن هاشم عن محمد بن قيس عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) ما اخذت الحبالة من صيد فقطعت منه يدا أو رجلا فذروه فانه ميت وكلوا ما ادركتم حيا وذكرتم اسم الله عليه " ومنها ما رواه ايضا عن الوشاء عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " ما اخذت الحبالة فقطعت منه شيئا فهو ميت وما ادركت من سائر جسده حيا فذكه ثم كل منه " وليس في التهذيب " ثم كل منه " ومنها ما رواه في الكافي عن عبد الله بن سليمان عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " ما اخذت الحبالة فانقطع منه شئ أو مات فهو ميتة " ومنها ما رواه عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (4) قال: " ما اخذت الحبالة فقطعت منه شيئا فهو ميت وما ادركت من سائر جسده فذكه ثم كل منه " ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن ايوب بن نوح رفعه الى الصادق (عليه السلام) (5) قال: " إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة " ومنها ما رواه في الكافي عن الحسن ابن علي الوشاء (6) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) فقلت جعلت فداك ان اهل الجبل تثقل عندهم اليات الغنم فيقطعونها ؟ فقال حرام وهي ميتة. فقلت جعلت فداك فنصطبح بها ؟ فقال اما علمت انه يصيب اليد والثوب وهو حرام " وعن الكاهلي (7) قال: " سأل رجل ابا عبد الله (عليه السلام) وانا عنده عن قطع اليات الغنم فقال لا بأس بقطعها إذا كنت تصلح بها مالك، ثم قال ان في كتاب علي (عليه السلام) ان ما قطع منها ميت لا ينتفع به " وعن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (8) قال:
(1) و (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 24 من ابواب الصيد (5) رواه في الوسائل في الباب 1 من غسل المس و 62 من ابواب النجاسات. (6) و (7) و (8) رواه في الوسائل في الباب 30 من ابواب الذبائح.
[ 74 ]
" في اليات الضأن تقطع وهي احياء ؟ انها ميتة ". إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما ذكره في المدارك من اعتراضه على كلام المنتهى بان ضعفه ظاهر منظور فيه من وجوه: (الاول) انه لا يخفى ان ما نقلناه من الأخبار المذكورة صريحة الدلالة واضحة المقالة في نجاسة الاجزاء المقطوعة من الحي وانها ميتة فقوله: " إذ غاية ما يستفاد من الأخبار نجاسة جسد الميت " ليس في محله بل كما يستفاد منها نجاسة جسد الميت بالموت كذلك يستفاد منها نجاسة ما تحله الحياة بالابانة منه حيا. وبذلك يظهر ما في كلام صاحب المعالم ايضا حيث انه اورد في المقام روايات الاليات الثلاث خاصة وقال: في الاولى اشعار بالنجاسة لكن في طريقها ضعف، وقال في الاخيرتين انه لو تم سنداهما لاحتاجا في الدلالة على النجاسة الى وجود دليل عام في نجاسة الميتة ليكون اثبات كون المنقطع ميتة مقتضيا لدخوله في عموم الدليل على نجاسة الميتة، وقد علم ان العمدة في التعميم الاجماع المدعى في كلام الاصحاب، وحينئذ فالتمسك به موقوف على كونه متناولا لهذا المنقطع ومعه لا حاجة إلى توسيط الاحتجاج بما دل على انه ميتة، وعلى كل حال فالحكم هنا ليس بموضع خلاف. انتهى فان فيه ان الروايات الدالة على ما ذكرنا هنا ليست منحصرة في الثلاث التي ذكرها بل فيها الصحيح باصطلاحه والحسن الذي لا يقصر عن الصحيح عندهم ولكنه معذور حيث لم يقف على ذلك، واما المستند في اصل نجاسة الميتة فهو الأخبار التي قدمناها لا الاجماع الذي زعمه حسبما تقدم ايضاحه، ولكنهم حيث لم يعطوا النظر حقه في التتبع لادلة المسألة واخبارها خصوصا مع تفرقها في ابواب شتى وقعوا فيما وقعوا فيه من هذه المناقشات كما لا يخفى. (الثاني) ان تنظره في القطعة المبانة من الميت وقوله: لا يخفى ما فيه مردود بان النجاسة إذا تعلقت بجملة تعلقت باجزائها وليس تعلقها بالمجموع من حيث كونه مجموعا وكيف لا وهو (قدس سره) قد استدل على نجاسة ما لا تحله الحياة من الكلب والخنزير
[ 75 ]
بانه داخل في مسماه ولا شك ان الكلب والخنزير اسم للجملة.
(الثالث) لا يخفى ان المستفاد من الاخبار ان الطهارة والنجاسة دائرة مدار حلول الحياة وعدمه ولهذا كما وردت الأخبار المتقدمة بنجاسة القطعة المبانة من الحى وانها ميتة قد وردت الأخبار ايضا باستثناء تلك العشرة التي لا تحلها الحياة وحكم بطهارتها من الميتة من حيث انها لا تحلها الحياة، وقد صرح بذلك في صحيحة الحلبي الاتية ان شاء الله تعالى (1) فقال: " ان الصوف ليس فيه روح " قد اومأ هو (قدس سره) في تلك المسألة الى ما ذكرناه حيث قال بعد ذكره هذا الكلام من الصحيحة المذكورة: " ومقتضى التعليل طهارة كل ما لا روح فيه " وبما اوضحنا يظهر لك قوة ما ذكره العلامة وضعف ما اورده عليه. تذنيب قال العلامة في المنتهى: الاقرب طهارة ما ينفصل من بدن الانسان من الاجزاء الصغيرة مثل البثور والثالول وغيرهما لعدم امكان التحرز عنها فكان دفعا للمشقة. واعترضه في المعالم فقال: " ويظهر من تمسكه بعدم امكان التحرز انه يرى تناول دليل نجاسة المبان من الحي لها وان المقتضى لاستثنائها من الحكم بالتنجيس والقول بطهارتها هو لزوم الحرج والمشقة من التكليف بالتحرز عنها، وهذا عجيب فان الدليل على نجاسة المبان من الحي كما علمت اما الاجماع أو الاخبار التي ذكرناها أو الاعتبار ان اللذان حكيناهما عن بعض الاصحاب اعني مساواة الجزء للكل ووجود معنى الموت فيه والاجماع لو كان متناولا لما نحن فيه لم يعقل الاستثناء منه، والأخبار على تقدير صحتها ودلالتها وعمومها انما تقتضي نجاسة ما انفصل في حال وجود الحياة فيه لا ما زالت عنه الحياة قبل الانفصال كما في موضع البحث، والنظر الى ذينك الاعتبارين يقتضي ثبوت
(1) ص 77.
[ 76 ]
التنجيس وان لم تنفصل تلك الاجزاء لتحقق معنى الموت فيها قبله ولا ريب في بطلانه. والتحقيق انه ليس لما يعتمد عليه من ادلة نجاسة الميتة وابعاضها وما في معناها من الاجزاء المبانة من الحي دلالة على نجاسة نحو هذه الاجزاء التي يزول عنها اثر الحياة في حال اتصالها بالبدن فهي على اصل الطهارة، وإذا كان للتمسك بالاصل مجال فلا حاجة الى تكلف دعوى لزوم الحرج " انتهى كلامه (قدس سره) وهو جيد رشيق. واستدل في المدارك على الطهارة ايضا مضافا الى اصالة الطهارة السالمة من المعارض بصحيحة علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (1) قال سألته عن الرجل يكون به الثالول أو الجرح هل يصلح له ان يقطع الثالول وهو في صلاته أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح ويطرحه ؟ قال ان لم يتخوف ان يسيل الدم فلا بأس وان تخوف ان يسيل الدم فلا يفعل " قال: وترك الاستفصال عقيب السؤال يفيد العموم. واورد على ذلك ان الظاهر من صحيحة علي بن جعفر ان السؤال فيها ليس عن طهارة ما يقطع من الثالول أو نجاسته بل عن كون هذا الفعل في الصلاة من المنافيات لها ام لا فانه سأله ايضا قبل هذا السؤال فقال: " وسألته عن الرجل يتحرك بعض اسنانه وهو في الصلاة هل يصلح له ان ينزعه ويطرحه ؟ قال ان كان لا يجد دما فلينزعه وليرم به وان كان دمي فلينصرف " ثم قال: " وسألته عن الرجل يكون به الثالول.. الخ " وحينئذ فالغرض من السوال انما هو استعلام كون هذا الفعل في الصلاة مما ينافيها ام لا ؟ فأجاب (عليه السلام) بانه لا ينافيها لانه ليس بفعل كثير تنمحي به الصلاة، نعم ان استلزم خروج الدم كالضرس في السؤال الاول ابطل من حيث الدم. انتهى. والجواب ان الامر وان كان كما ذكره من ان السؤال انما هو عن كون الفعل المذكور قاطعا للصلاة ام لا إلا ان ظاهر اطلاق نفي البأس عن مس هذه الاجزاء في الصلاة ونتفها اعم من كون المس برطوبة أو يبوسة مما يشهد بالطهارة، إذ المقام مقام
(1) المروية في الوسائل في الباب 27 من قواطع الصلاة.
[ 77 ]
تفصيل كما يدل عليه اشتراط نفي البأس بانتفاء تخوف سيلان الدم، فلو كان مس تلك الاجزاء مقتضيا للتنجيس ولو على بعض الوجوه لم يحسن هذا الاطلاق بل كان اللائق البيان كما وقع في خوف السيلان، وحينئذ فظاهر الاطلاق الطهارة في الحالين وبه يتم الاستدلال وبالجملة فالظاهر انه لا خلاف في القول بالطهارة وان اختلفوا في الدليل على ذلك، والتمسك باصالة الطهارة سيما مع الاعتضاد بظاهر الصحيحة المذكورة بالتقريب المذكور اقوى متمسك في المقام، والاحتياط لا يخفى. والله العالم.
(المسألة الثالثة) اتفق الاصحاب من غير خلاف يعرف على طهارة مالا تحله الحياة من الميتة، وهي عشرة: العظم والظفر والظلف والقرن والحافر والشعر والوبر والصوف والريش والبيض إذا اكتسى القشر الاعلى، وكذا نقله في المدارك بعد ان ذكر انه حصر ذلك في عشرة اشياء ثم عد العشرة المذكورة، وفي المعالم وكذا في المنتهى ذكر العشرة ولكن ذكر الانفحة مكان الظفر، وفي المدارك بعد ان عد العشرة المذكورة ونقل بعض اخبار المسألة قال ويستفاد من صحيحة زرارة استثناء الانفحة ايضا وهو مقطوع به في كلام الاصحاب وظاهر المنتهى انه مجمع عليه بين الاصحاب. وفيه انه كان الواجب بمقتضى هذا الكلام جعل الانفحة من جملة الافراد التي عدها اولا وان زادت على العشرة مع انه ادعى في صدر كلامه الحصر في العشرة التي ذكرها وهل هذا إلا تدافع ظاهر ؟ وكيف كان فالواجب ذكر اخبار المسألة كملا مما وصل الينا نقله ثم تذييلها بما تضمنته من الاحكام المتعلقة بذلك: فاقول: من الأخبار المذكورة ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن الصادق عليه السلام (1) قال: لا بأس بالصلاة فيما كان من صوف الميتة ان الصوف ليس فيه روح وفي هذا الخبر ما يدل على طهارة ما لا روح فيه مطلقا إذ الظاهر ان قوله عليه السلام: ان الصوف ليس فيه روح وقع تعليلا لنفي البأس عن الصلاة فيه
(1) رواه في الوسائل في الباب 68 من ابواب النجاسات.
[ 78 ]
وما رواه الشيخ ومثله الصدوق في الفقيه في الصحيح عن زرارة عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الانفحة تخرج من الجدي الميت ؟ قال لا بأس به. قلت اللبن يكون في ضرع الشاة وقد ماتت ؟ قال لا بأس به. قلت والصوف والشعر وعظام الفيل والجلد والبيضة تخرج من الدجاجة ؟ قال كل هذا لا بأس به " والجلد في الخبر ليس في الفقيه وهو الاصح، والظاهر انه من سهو قلم الشيخ (قدس سره) كما لا يخفى. وما رواه الشيخ في الحسن عن حريز (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) لزرارة ومحمد بن مسلم: اللبن واللبأ والبيضة والشعر والصوف والقرن والناب والحافر وكل شئ ينفصل من الشاة والدابة فهو ذكي، وان اخذته منه بعد ان يموت فاغسله وصل فيه " وعن اسماعيل بن مرار عن يونس عنهم (عليه السلام) (3) قال: " خمسة اشياء ذكية مما فيها منافع الخلق: الانفحة والبيض والصوف والشعر والوبر، ولا بأس باكل الجبن كله مما عمله مسلم أو غيره وانما يكره ان يؤكل سوى الانفحة مما في آنية المجوس واهل الكتاب لانهم لا يتوقون الميتة والخمر ". وعن الحسين بن زرارة في الموثق أو الحسن (4) قال: " كنت عند ابي عبد الله (عليه السلام) وابي يسأله عن السن من الميتة واللبن من الميتة (5) والبيضة من الميتة وانفحة الميتة ؟ فقال كل هذا ذكي " قال في الكافي: وزاد فيه علي بن عقبة وعلي بن الحسن بن رباط قال: " والشعر والصوف كله ذكي " وقال في الكافي ايضا: وفي رواية صفوان عن الحسين بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: " الشعر والصوف والوبر والريش وكل نابت لا يكون ميتا. قال وسألته عن البيضة تخرج من بطن الدجاجة الميتة ؟ فقال تأكلها ".
(1) و (2) و (3) و (4) و (6) رواه في الوسائل في الباب 33 من الاطعمة المحرمة (5) جاء في رواية الكال (اللبن) وفي رواية التهذيب (السن) وجمع بينهما في الوافي.
[ 79 ]
وما رواه في الكافي عن ابى حمزة الثمالي عن الباقر (عليه السلام) (1) في حديث طويل قال فيه: " قال قتادة فاخبرني عن الجبن فتبسم أبو جعفر (عليه السلام) ثم قال رجعت مسائلك الى هذا ؟ قال ضلت عني. فقال لا بأس به. فقال انه ربما جعلت فيه انفحة الميت ؟ قال ليس بها بأس ان الانفحة ليس لها عروق ولا فيها دم ولا لها عظم انما تخرج من بين فرث ودم، ثم قال وان الانفحة بمنزلة دجاجة ميتة خرجت منها بيضة فهل تأكل البيضة ؟ قال لا ولا آمر باكلها، فقال أبو جعفر (عليه السلام) ولم ؟ قال لانها من الميتة. قال له فان حضنت تلك البيضة فخرجت منها دجاجة أتأكلها ؟ قال نعم. قال فما حرم عليك البيضة واحل لك الدجاجة ؟ ثم قال (عليه السلام) فكذلك الانفحة مثل البيضة فاشتر الجبن من اسواق المسلمين من ايدي المصلين ولا تسأل عنه الا ان يأتيك من يخبرك عنه ". وروى الصدوق في الفقيه مرسلا (2) قال قال الصادق (عليه السلام): " عشرة اشياء من الميتة ذكية: القرن والحافر والعظم والسن والانفحة واللبن والشعر والصوف والريش والبيض " ورواه في الخصال مسندا عن محمد بن ابي عمير رفعه الى الصادق (عليه السلام) مثله (3) منع مخالفة في الترتيب. وما رواه الشيخ عن غياث بن ابراهيم عن الصادق (عليه السلام) (4) " في بيضة خرجت من است دجاجة ميتة ؟ قال ان كانت البيضة اكتست الجلد الغليظ فلا بأس بها " وما رواه في الكافي عن الفتح بن يزيد الجرجاني عن ابي الحسن (عليه السلام) (5) قال " كتبت إليه اسأله عن جلود الميتة التي يؤكل لحمها ان ذكي ؟ فكتب لا ينتفع من الميتة باهاب ولا عصب وكل ما كان من السخال من الصوف ان جز والشعر والوبر والانفحة والقرن ولا يتعدى إلى غيرها ان شاء الله تعالى " قال بعض المحدثين من المحققين " هكذا وجد هذا الحديث في نسخ الكافي والتهذيبين وكأنه سقط منه شئ " انتهى. وهو كذلك
(1) و (2) و (3) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 33 من الاطعمة المحرمة.
[ 80 ]
وما رواه في التهذيب في باب الذبائح والاطعمة في الحسن عن صفوان عن الحسين بن زرارة عن الصادق (عليه السلام) (1) " في جلد شاة ميتة يدبغ فيصب فيه اللبن أو الماء فاشرب منه واتوضأ ؟ قال نعم، وقال يدبغ فينتفع به ولا يصلي فيه. قال الحسين: وسأله ابي عن الانفحة تكون في بطن العناق أو الجدي وهو ميت ؟ فقال لا بأس به. قال الحسين: وسأله ابي وانا حاضر عن الرجل يسقط سنه فيأخذ سن انسان ميت فيجعله مكانه ؟ فقال لا بأس. وقال عظام الفيل تجعل شطرنجا ؟ فقال لا بأس بمسها. وقال أبو عبد الله (عليه السلام) العظم والشعر والصوف والريش وكل نابت لا يكون ميتا. قال وسألته عن البيضة تخرج من بطن الدجاجة الميتة ؟ فقال لا بأس باكلها " اقول عجز هذه الرواية هو الذي تقدم نقل صاحب الكافي له بقوله: وفي رواية صفوان عن الحسين بن زرارة.. الخ إذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام هنا يقع في مواضع:
(الاول) انه لا يخفى على من لاحظ الاخبار التي قدمناها في نجاسة الميتة دلالتها على الحكم المذكور الشامل لجميع اجزاء الميتة من هذه العشرة وغيرها، وان هذه العشرة انما استثنيت وخرجت عن الحكم المذكور بهذه الاخبار المذكورة هنا الصريحة في طهارتها المعبر عنها في جملة من هذه بانها ذكية اي طاهرة وفي بعض بانها لا تحلها الروح كما اشير إليه في صحيحة الحلبي وفي حديث ابي حمزة الثمالي من قوله (عليه السلام) في الانفحة " انها ليس لها عروق ولا فيها دم ولا لها عظم " فان الظاهر من سياق هذا الكلام الاستدلال على نفي البأس عن الانفحة انما هو من حيث ما ذكرناه الموجب لطهارتها، والوجه فيه ان العرق مما تحله الحياة واما الدم فهو مادة الحياة ولذا يطلق عليه النفس كما صرح به اهل اللغة ووقع التعبير به في كلام الفقهاء من قولهم ذي النفس السائلة اي الدم الجاري من العرق بعد قطعه بقوة ودفع، واما العظم فانه وان لم تحله الحياة في حد ذاته لكنه مستلزم لكون ما وقع فيه مما
(1) رواه في الوسائل في الباب 34 و 33 من الاطعمة المحرمة.
[ 81 ]
تحله الحياة البتة ومتعلقا للروح، ألا ترى انه يجب في القطعة المشتملة على العظم غسلها وتكفينها وان لم يجب ذلك في العظم وحده فوجوده مؤكد لتعلق الروح فيما نحن فيه. وبما ذكرنا يظهر لك ما في كلام المحقق الخوانساري في شرح الدروس من المناقشة هنا في دلالة الأخبار المذكورة على الاستثناء والاستناد في طهارة هذه الاشياء الى الأصل والاتفاق على الحكم المذكور، حيث قال في بيان الدليل على طهارة هذه الاشياء: " واما الثاني فالدليل على طهارتها اصالة الطهارة إذ عموم دلالة نجاسة الميتة بحيث يشمل هذه الاجزاء غير ظاهر كما عرفت، والاتفاق ظاهرا، وعدم صدق اسم الميتة عليها لان الموت فرع الحياة. لا يخفى انه لو كان نص يدل على ان الميتة نجسة فلا يبعد ان يقال ان الظاهر ان جميع اجزائها كما يقولون ان جميع اجزاء الكلب مثلا نجس باعتبار انه وجد النص بنجاسة الكلب وهو ظاهر في نجاسة جميع اجزائه، وكون بعض اجزائها مما لا تحله الحياة لا يقدح فيه. فالعمدة عدم وجود النص الدال على تعليق الحكم بالنجاسة على الميتة كما يقولون لا عدم حلول الحياة، وكيف وظاهر ان زوال الحياة ليس سببا للنجاسة وإلا لزم ان يكون الحيوان الذكي ايضا نجسا بل عدم التذكية يصير سببا لنجاسة الحيوان، ولا استبعاد في ان يصير سببا لنجاسة جميع اجزائه سواء حلته الحياة اولا " انتهى. اقول: فيه ما عرفت من وجود الدليل على نجاسة الميتة وانه عام لجميع اجزائها بالتقريب الذي ذكره في الكلب، وانما خرجت هذه العشرة المذكورة هنا بهذه الأخبار فهي مخصصة لعموم تلك الأخبار ومقيدة لاطلاقها كما هي القاعدة المطردة في مقام اجتماع العام والخاص والمطلق والمقيد. واما قوله انه مع عموم تلك الأخبار فكون بعض اجزائها مما لا تحله الحياة لا يقدح في العموم فمردود بان القادح في العموم انما هو اشتمال جملة من هذه الأخبار على كون هذه الاشياء ذكية وجملة منها على نفي البأس الظاهر كل منهما في الطهارة وان كان الاول اشد ظهورا وان وقع التعبير في بعضها
[ 82 ]
بكونه مما لا تحله الحياة إلا ان المنافاة الموجبة لتقييد اطلاق تلك الأخبار انما هو من حيث دلالة هذه الأخبار على الطهارة بهذه الالفاظ الدالة على ذلك ومقتضى القاعدة كما عرفت تقييد اطلاق تلك الاخبار بهذه، وحينئذ فما ادعاه من انه مع وجود النص الدال على نجاسة الميتة فانه يشمل جميع هذه الاشياء المذكورة وان هذه الأخبار لا تفيد تخصيصا ولا تقييدا لها لعدم ظهور الدلالة على الطهارة حتى انه انما التجأ الى اصالة الطهارة والاتفاق ظاهرا وعدم صدق الميتة عليها غلط محض حيث انه غفل عما اشتملت عليه هذه الأخبار من الالفاظ الظاهرة وانما تعلق باشتمال بعضها على عدم حلول الحياة ورتب عليه ما ذكره من المناقشة، وما ذكرناه بحمد الله سبحانه ظاهر لاسترة عليه.
(الثاني) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) عدم الفرق في الحكم بطهارة الصوف والشعر والريش والوبر بين كونها مأخوذة من الميتة بطريق الجز أو القلع إلا انه يحتاج في صورة القلع الى غسل موضع الاتصال من حيث ملاقاة الميتة بالرطوبة. ويدل على ذلك (اولا) اطلاق الاخبار المتقدمة إذ لا تصريح فيها بالجز ولا غيره. و (ثانيا) حسنة حريز المتقدمة في صدر المسألة حيث اشتملت على الامر بغسل هذه الاشياء بعد اخذها من الميتة، ومن الظاهر انه لا وجه للامر بالغسل مع الجز بل الظاهر ان المراد انما هو قلعها والخبر المذكور قد صرح بانه ذكي في الصورة المذكورة اي طاهر فالخبر ظاهر الدلالة على الطهارة في صورة القلع. وذهب الشيخ في النهاية الى اشتراط الجز وخص الطهارة بذلك، ونقل عنه انه علل ذلك بان اصولها المتصلة باللحم من جملة اجزائه وانما يستكمل استحالتها الى احد المذكورات بعد تجاوزها عنه. ورد (اولا) بالمنع لانه يصدق على المجموع من المتصل باللحم والمتجاوز عنه اسم هذه الاشياء وهو لا يجامع كون شئ منها جزء من اللحم. و (ثانيا) ما قدمنا من اطلاق الأخبار والتقييد يحتاج الى دليل وليس فليس، مضافا الى ما عرفت مما دلت عليه حسنة حريز المشار إليها.
[ 83 ]
قال المحقق الخوانساري في شرح الدروس: " ثم ان حكم الاصحاب بالغسل في صورة القلع فبناء على عموم نجاسة الملاقي للنجس بالرطوبة والميتة نجسة واصول هذه الاشياء ملاقية لها بالرطوبة فيجب غسلها، ويدل عليه ايضا حسنة حريز المذكورة مع معاضدة الاحتياط. ولا يذهب عليك ان الاحوط عدم الاكتفاء بغسل موضع الاتصال بل غسل جميعها بل على تقدير الجز ايضا لان الرواية المذكورة المتضمنة للامر بالغسل مطلقة لا تقييد فيها بموضع الاتصال وحالة القلع " انتهى. ولا يخلو من غرابة اما (اولا) فلتصريح الاخبار المذكورة بطهارة هذه الاشياء وانها ذكية، مضافا الى اتفاق الاصحاب واصالة الطهارة وعدم صدق الميتة عليها كما تقدم في كلامه الذي قدمنا ذكره في سابق هذا الموضع. و (اما ثانيا) فان غسل موضع الملاقاة للميتة وجهه ظاهر واما ما عدا موضع الملاقاة وكذا ما اخذ جزا فما وجه الاحتياط في غسله مع الوجوه المذكورة ؟ والرواية التي اشار إليها وان كانت مطلقة لكنها معارضة فيما عدا موضع الملاقاة بالادلة المذكورة الدالة على الطهارة فلابد من تخصيصها بموضع الملاقاة كما ذكرناه جمعا بينها وبين تلك الادلة، ولو قام مثل هذا الاحتياط في المقام لجرى في جميع الاشياء المحكوم بطهارتها، وبالجملة فان ما ذكره (قدس سره) لا اعرف له وجها بالكلية. هذا، وظاهر حسنة حريز المشار إليها ان حكم القرن والناب والحافر ومثلها الظلف والظفر حكم ما ذكر في الصوف والشعر والريش والوبر من انها متى اخذت بالقلع من الميتة فانه يغسل موضع الملاقاة منها بالتقريب المتقدم في الشعر واشباهه وانها لو اخذت بالكسر أو البري بسكين ونحوها فانه يكون كالجز بالنسبة الى تلك الاشياء وخلاف الشيخ يجري هنا في القلع ايضا بالتقريب الذي قدمنا نقله عنه إلا اني لم اقف على من ذكر ذلك من الاصحاب ومقتضى ظاهر الحسنة المشار إليها وكذا تعليل الشيخ المتقدم هو ما ذكرناه.
[ 84 ]
(الثالث) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا فرق في الحكم بطهارة هذه الاشياء من الميتة بين كون الميتة مما يؤكل لحمه لو ذكي ولا غيره، وقال العلامة في النهاية: اما بيض الجلال وما لا يؤكل لحمه مما له نفس سائلة فالاقوى فيه النجاسة، ونحوه ذكر في المنتهى ايضا، نقل ذلك في المعالم وقال بعد نقل الحكم المذكور لا نعرف فيه خلافا إلا من العلامة ثم نقل كلامه في الكتابين المذكورين. وقال: ولا نرى لكلامه وجها ولا عرفنا له عليه موافقا وقد نص الشهيد في الذكرى على عدم الفرق واما الانفحة من غير المحلل كالموطوء ففي طهارتها احتمالان منشأهما من كون اكثر الاخبار الدالة على طهارتها واردة بالحل أو مسوقة لبيانه ومنه استفيدت الطهارة وذلك مفقود في غير المحلل، ومن عدم الدليل العام على نجاسة الميتة بحيث يتناول امثال هذه الاجزاء كما اشرنا إليه ومقتضى الاصل هو الطهارة الى ان يقوم الدليل على خلافها ولا دليل، ولم اقف لاحد من الاصحاب في ذلك على كلام وربما يكون اطلاقهم الحكم بالطهارة قرينة على عدم التفرقة. ولا يخفى ان فرق العلامة في حكم البيض يقتضي الفرق هنا ايضا. انتهى. اقول: فيه ان ما ذكره بالنسبة الى الانفحة في الاحتمال الثاني من عدم الدليل العام على نجاسة الميتة مردود بما قدمنا ذكره من الاخبار الدالة على ذلك وما ذيلناها به من التقريب الدال على النجاسة، ومتى ثبت ذلك استلزم القول بنجاسة جميع اجزائها بالتقريب المتقدم في الكلب ونحوه من نجس العين كما سيجئ تحقيقه ايضا ان شاء الله تعالى في المقام والاعتراف بذلك من جملة من علمائنا الاعلام. واما قوله: " وربما يكون اطلاقهم الحكم بالطهارة قرينة على عدم الحكم بالتفرقة " فهو معارض بان اتفاقهم على الحكم بنجاسة الميتة كما اعترف به سابقا من انه لا مستند لهذا الحكم إلا اتفاقهم المستلزم كما عرفت للحكم بنجاسة كل جزء جزء من اجزاء الميتة موجب للحكم بالنجاسة في الانفحة فيبقى الوجه الاول من الاحتمالين المذكورين في كلامه سالما عن
[ 85 ]
المعارض وينتفي ما ادعاه من التمسك بمقتضى الاصل فانه يجب الخروج عنه بالدليل، وقد دل على نجاسة الميتة الشامل ذلك للانفحة وغيرها خرج من ذلك ما دلت عليه الاخبار الدالة على طهارتها من حيث الحل كما ذكره وبقي ما كان من غير المحلل على النجاسة، على ان ما ذكره من كون اكثر الاخبار الدالة على طهارتها واردة بالحل أو مسوقة لبيانه محل نظر. فان ظاهر سياقها انما هو بالنسبة الى الطهارة والنجاسة لا الحل والحرمة كما ادعاه، والذي قدمناه من الروايات المشتملة على الانفحة صحيحة زرارة وفيها نفي البأس إلا ان موردها الجدي الذي هو مأكول اللحم، ورواية يونس وهي مطلقة بالنسبة الى الحيوان المأكول وغيره وذكر الانفحة فيها في سياق الصوف والشعر والوبر والحكم فيها بانها ذكية اظهر ظاهر في ان المراد انما هو الطهارة لا الحل فان ما ذكره معها من الصوف وما بعده ليس من المأكولات، ونحوها موثقة الحسين بن زرارة حيث ذكر فيها انها ذكيه اي طاهرة، سيما باضافة الزيادة المنقولة من الكافي عن علي بن عقبة وعلي بن رباط باضافة الشعر والصوف، ومرسلة الصدوق في الفقيه المسندة في الخصال المشتملة على عد العشرة كملا بالحكم بكونها من الميتة ذكية فانه ظاهر في الطهارة لا في الحل، وكذلك رواية الجرجاني، فاين اكثر الاخبار الواردة بالحل أو المسوقة لبيانه ؟ نعم ذكر الحل وقع في حديث الثمالي إلا ان ظاهر سياقه ان الكلام في الحل والحرمة انما وقع تفريعا على الطهارة والنجاسة، حيث انه (عليه السلام) لما نفى البأس عن الجبن واحل اكله عارضه السائل بانه تجعل فيه الانفحة وهي نجسة لاخذها من الميتة فأجاب (عليه السلام) بان الانفحة طاهرة لانها ليست مما تحله الحياة بالتقريب الذي قدمنا ذكره في الموضع الاول ثم نظر له بالبيضة المأخوذة من الميتة، فذكر الحل في الخبر انما وقع بطريق العرض والا فاصل الكلام انما هو في الطهارة والنجاسة، ومثلها تتمة حديث يونس بالتقريب المذكور، على ان لفظ الحل في الاخبار ربما استعمل في حل الاستعمال وهو شائع سيما في هذا المقام في كلام الفقهاء فانهم يعبرون في هذا المقام عن
[ 86 ]
طهارة الصوف والشعر ونحوها من القرن والظلف وغيرهما بالحل وانها تحل من الميتة وليس المراد إلا حل استعمالها كما لا يخفى على من راجع عباراتهم. والعجب ايضا من متابعة الفاضل الخراساني في الذخيرة له على ذلك حيث انه جرى على ما جرى عليه وذكر ذلك وان لم يسنده إليه.
(الرابع) قد اختلف كلام اهل اللغة في معنى الانفحة والظاهر انه بسبب ذلك اختلف كلام اصحابنا (رضوان الله عليهم) في ذلك، فعن الصحاح ان الانفحة بكسر الهمزة وفتح الفاء مخففة كرش الحمل والجدي ما لم يأكل. وقال في القاموس: " الانفحة بكسر الهمزة وتشديد الحاء وقد تكسر الفاء والمنفحة والتنفحة: شئ يستخرج من بطن الجدي الراضع اصفر فيعصر في صوفة فيغلظ كالجبن فإذا اكل الجدي فهو كرش، وتفسير الجوهري الانفحة بالكرش سهو " وقال الفيومي في المصباح المنير: " والانفحة بكسر الهمزة وفتح الفاء وتثقيل الحاء اكثر من تخفيفها قال ابن السكيت وحضرني اعرابيان فصيحان من بني كلاب فسألتهما عن الانفحة فقال احدهما لا اقول إلا انفحة يعني إلا بالهمزة وقال الاخر لا اقول إلا منفحة يعني إلا بميم مكسورة ثم افترقا واتفقا على ان يسألا جماعة من بني كلاب فاتفقت جماعة على قول هذا وجماعة على قول هذا فهما لغتان، والجمع انافح ومنافح، قال الجوهري الانفحة هي الكرش، وفي التهذيب لا تكون الانفحة إلا لكل ذي كرش، وهو شئ يستخرج من بطنه اصفر يعصر في صوفة مبتلة في اللبن فيغلظ كالجبن ولا يسمى انفحة إلا وهو رضيع فإذا رعى قيل استكرش اي صارت انفحته كرشا. ونقل ابن الصلاح ما يوافقه فقال الانفحة ما يؤخذ من الجدي قبل ان يطعم غير اللبن فان طعم غيره قيل مجبنة. وقال بعض الفقهاء ويشترط في طهارة الانفحة ان لا تطعم السخلة غير اللبن وإلا فهي نجسة واهل الخبرة بذلك يقولون إذا رعت السخلة وان كان قبل الفطام استحالت إلى البعر " انتهى كلام صاحب المصباح. وقال في مجمع البحرين: والانفحة بكسر
[ 87 ]
الهمزة وفتح الفاء مخففة وهي كرش الحمل والجدي ما لم يأكل فإذا اكل فهو كرش حكاه الجوهري عن ابي زيد، وفي المغرب انفحة الجدي بكسر الهمزة وفتح الفاء وتخفيف الحاء وتشديدها وقد يقال منفحة ايضا وهو شئ يخرج من بطن الجدي اصفر يعصر في صوفة مبتلة في اللبن فيغلظ كالجبن ولا يكون إلا لكل ذي كرش، ويقال انها كرشه إلا انه ما دام رضيعا سمي ذلك الشئ انفحة فإذا فطم ورعى العشب قيل استكرش انتهى. وقال ابن ادريس في السرائر: والانفحة بكسر الهمزة وفتح الفاء كرش الحمل والجدي ما لم يأكل فإذا اكل فهو كرش وفسرها العلامة على ما نقله في المعالم في جملة من كتبه بما يوافق كلام القاموس فقال انها لبن مستحيل في جوف السخلة. وانت خبير بانه قد علم من ذلك الاختلاف في الانفحة بين كونها عبارة عن الكرش أو عن ذلك الشئ الاصفر الذي يعصر في صوفة مبتلة فيغلظ، ويمكن ترجيح الثاني بقوله (عليه السلام) في رواية الثمالي " انما تخرج من بين فرث ودم " فان الظاهر انه اشارة الى قوله عزوجل: " وان لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين " (1) قال في مجمع البيان نقلا عن ابن عباس قال: " إذا استقر العلف في الكرش صار اسفله فرثا واعلاه دما واوسطه لبنا فيجري الدم في العروق واللبن في الضرع ويبقى الفرث كما هو " انتهى. ومقتضى ذلك ان اللبن الذي تشربه السخلة يصير بعد وصوله الى الكرش الى هذه الاقسام الثلاثة ثالثها هو هذا الشئ الاصفر الذي ذكره اهل اللغة وان كان بعد رعيه العلف يضمحل ذلك ولا يصير كذلك وانما يبقى الفرث وهو التفل والدم خاصة. ويمكن ايضا ان يقال وهو الانسب بكلام اهل اللغة القائلين بان الانفحة عبارة عن ذلك الشئ الاصفر ما دام يغتذي باللبن وإذا اغتذى بالعلف صار كرشا انه في حال الاغتذاء باللبن ليس له كرش وانما الذي يتحول إليه لبنه الذي يشربه هذا الشئ الاصفر مع التفل والدم وبعد رعيه يصير هذا الشئ الاصفر
(1) سورة النحل، الاية 68.
[ 88 ]
كرشا، وبه ينطبق الخبر المذكور على كلام اهل اللغة انطباقا ظاهرا. هذا، وقد اضطرب كلام جملة من افاضل المتأخرين في هذا المقام في الحمل على اي المعنيين المذكورين، من جهة انهم حكموا في الصوف والشعر ونحوهما مما يؤخذ قلعا من الميتة بوجوب الغسل كما تقدم من حيث ملاقاة الميتة برطوبة بناء على القاعدة المقررة بينهم من ان ملاقي النجس مع الرطوبة ينجس، وحينئذ فبعضهم رجح تفسير الانفحة بالكرش دون ذلك الشئ الاصفر لان ذلك الشئ الاصفر ان كان طاهرا بمقتضى ظاهر الاخبار على تقدير تفسير الانفحة به إلا انه ينجس بملاقاة الجلد الذي يحويه فيمنع من الانتفاع به ويحكم بنجاسته، واما الكرش فانه مع تفسير الانفحة به يكون طاهرا بمقتضى الاخبار المذكورة. وهل يحتاج ظاهره الى تطهير من حيث الملاقاة لباطن الميتة وان كانت ذاته طاهرة ؟ احتمالان نقل في المعالم عن والده في بعض فوائده انه اختار الاول ثم نقل عنه انه توقف في الروضة. قال ولا نعلم من الاصحاب مصرحا بالثاني وربما كان في اطلاقهم الحكم بالطهارة اشعار به. وقال في الذكرى الاولى تطهير ظاهرها من الميتة للملاقاة. انتهى وقال في المدارك: في وجوب غسل الظاهر من الانفحة والبيضة وجهان اظهرهما العدم للاصل واطلاق النص، وظاهر كلام المنتهى يعطي الوجوب وهو احوط، انتهى. وقال الفاضل الخوانساري في شرح الدروس بعد نقل الخلاف في المسألة: " والظاهر تفسير العلامة لانه يظهر من الروايات المذكورة ان الانفحة شئ يصنع به الجبن، والظاهر ان الجبن انما يعمل من الشئ الذي في جوف السخلة مثل اللبن لا من كرشها الذي هو للحيوان بمنزلة المعدة للانسان، وما في رواية الثمالي من انها تخرج من بين فرث ودم يشعر ايضا بانه مثل اللبن، وعلى هذا فالظاهر ان الكرش محلها " انتهى. وفيه انه متى فسر الانفحة بذلك الشئ الاصفر فهب انها طاهرة للنصوص إلا ان هذا الكرش الذي جعله محلها نجس البتة فيعود الاشكال كما تقدم ذكره وبالجملة فانه لا يخفى ان مقتضى تصريحهم بتعدي النجاسة للصوف المقلوع ونحوه
[ 89 ]
مضافا الى القاعدة المتقدمة هو النجاسة ووجوب التطهير من حيث الملاقاة وان كانت طاهرة في حد ذاتها باي المعنيين اعتبرت، إلا ان يقال بان مقتضى الوقوف على ظواهر النصوص المذكورة هو التطهير بالنسبة الى الصوف ونحوه حيث دلت على ذلك حسنة حريز المتقدمة، ولا منافاة في الحكم بطهارة الانفحة باي المعنيين المذكورين اعتبرت واستثناء ذلك من حكم ملاقاة النجاسة كما سيأتي مثله في اللبن في ضرع الميتة، ولعل وجه الاستثناء هو حكم الضرورة بالحاجة الى الانفحة كما يشعر به خبر يونس (1) من قوله (عليه السلام): " خمسة اشياء ذكية مما فيها منافع الخلق: الانفحة والبيض والصوف والشعر والوبر " وحينئذ فيزول الاشكال من هذا المجال.
بقي الكلام هنا في بعض ما يتعلق بالمقام وهو امران:
(الاول) ان ظاهر كلام اهل اللغة الذي قدمناه هو ان الانفحة مخصوصة بما إذا لم يرع وإلا فلو رعى لم يسم انفحة وانما يقال كرش مع ان شيخنا الشهيد في الذكرى قال: والانفحة طاهرة من الميتة والمذبوحة وان اكلت السخلة غير اللبن. ولا ريب في ضعفه حيث ان كلامهم متفق على تخصيص ذلك بما إذا كان اعتياده على اللبن ومع اكل غيره انما يقال كرش لا انفحة.
(الثاني) قال في المدارك بعد ذكر الانفحة: " واختلف كلام اهل اللغة في معناها فقيل انه كرش السخلة قبل ان تأكل، وقيل انها شئ اصفر يستخرج من بطن الجدي، ولعل الثاني اولى اقتصارا على موضع الوفاق وان كان استثناء نفس الكرش ايضا غير بعيد تمسكا بمقتضى الاصل " انتهى. وانت خبير (اولا) بان ما علل به اولوية الثاني من الاقتصار على موضع الوفاق لا اعرف له وجها ظاهرا مع ما عرفت من الخلاف في المسألة وتقابل القولين فيها نعم لو كان القائل بان الانفحة عبارة عن الكرش يعني الكرش وما فيه ومن جملته ذلك الشئ الاصفر فيكون القول بالكرش اعم مطلقا فانه يتم ما ذكره لكن لم اقف
(1) ص 78.
[ 90 ]
على من صرح بذلك من الاصحاب ولا من اهل اللغة بل ظاهر الجميع تباين القولين. و (ثانيا) ان ما ذكره من التمسك بالاصل مردود بما عرفت من عموم نجاسة الميتة الموجب لتنجيس ما لاقاها برطوبة، والكرش وان كان طاهرا بالذات من حيث استثناء الروايات إلا انه نجس بالعرض، إلا ان يجاب عن الاشكال المذكور بما ذكرناه.
(الخامس) ان جملة من الأخبار المتقدمة قد دلت على استثناء البيضة كجملة ما ذكر من العشرة. وظاهر اطلاقها الحكم بالطهارة وان لاقت الميتة بالرطوبة مع مخالفة ذلك لما عرفت في الصوف ونحوه من انه متى اخذ بالقلع فانه يجب تطهير موضع الملاقاة كما قال به الاصحاب (رضوان الله عليهم) ودلت عليه حسنة حريز، ومن اجل ذلك اختلفت كلمة الاصحاب في البيضة ايضا، فظاهر بعض الحكم بالطهارة نظرا إلى اطلاق النصوص والظاهر انه قول الاكثر كما نقله في المعالم، حيث انهم اطلقوا الحكم بطهارة البيضة ولم يتعرضوا لحكم ظاهرها مع معلومية ملاقاتها بالرطوبة للميتة النجسة، والمفهوم من كلام العلامة النجاسة كما صرح به في النهاية حيث قال: البيضة من الدجاجة الميتة طاهرة ان اكتست الجلد الفوقاني الصلب لانها صلبة القشر لاقت نجاسة فلم تكن نجسة في نفسها بل بالملاقاة، ونحوه في المنتهى ايضا. ويمكن تأييد ما ذهب إليه العلامة بان حسنة حريز التي استدل بها على غسل موضع القلع من الصوف ونحوه قد تضمنت البيضة في جملة تلك الافراد المعدودة فيها والامر بغسل تلك الاشياء المعدودة إذا اخذت بعد الموت فتدخل البيضة في ذلك، غاية الامر انها قد اشتملت ايضا على اللبن واللبأ وهذان الفردان يجب اخراجهما من حيث عدم امكان الغسل فيهما فلا ينصرف الامر المذكور اليهما، واشتملت بعد الأمر بالغسل على الأمر بالصلاة وهذا ربما يشعر بظاهره خروج البيضة ايضا حيث انه لا يصلى فيها. ويمكن ان يقال ان الامر بالغسل لا يستلزم الأمر بالصلاة فيحمل الأمر بالصلاة على ما يصلى فيه من تلك الافراد كالصوف والشعر، إذ لا يخفى ان الرواية قد اشتملت في جملة
[ 91 ]
المعدودات ايضا على القرن والحافر والناب ومن الظاهر ان هذه لا يصلى فيها، وتمحل الحمل على بعض الافراد النادرة الشاذة ان اتفق إلا انه لا يعمل عليه ولا ينبغي ان يصغى إليه إذ اطلاق الأخبار انما ينصرف الى الافراد المتكثرة كما سمعته غير مرة، وبالجملة فان الرواية المذكورة صرحت بعد تعداد تلك الافراد المذكورة فيها بان كل شئ يفصل من الشاة والدابة فهو ذكي وان اخذته منه بعد ان يموت فاغسله وصل فيه، وحينئذ فكما استثني اللبن واللبأ من حيث عدم صلاحيتهما للغسل ينبغي ان يستثنى من الصلاة ما لا تقع الصلاة فيه ولا يكون مما يصلي فيه ويبقى الغسل عاما للجميع عدا اللبن واللبأ، فكأنه قيل: وكل شئ من هذه الاشياء متى اخذ من الميتة فاغسله من حيث ملاقاة الميتة وصل فيه ان كان مما يصلى فيه. وهذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا سترة عليه. وعلى هذا فيحمل اطلاق باقي الروايات على هذه الرواية فيجب حينئذ غسل البيضة، ويؤيد ذلك بموافقة القاعدة الكلية في ملاقاة النجاسة برطوبة وغسل اصل الصوف ونحوه واوفقيته بالاحتياط في الدين.
بقي الكلام ايضا في موضعين آخرين:
(احدهما) ان اكثر الاخبار التي قدمناها خالية من التعرض لاشتراط اكتساء البيضة القشر الاعلى نعم ذلك في رواية غياث خاصة، وظاهر الاصحاب الاتفاق على هذا الشرط وكأنهم حملوا اطلاق الاخبار المذكورة على هذه الرواية وطعن فيها في المدارك بضعف السند وظاهره العمل باطلاق الأخبار المذكورة حيث ان فيها الصحيح مثل صحيحة زرارة، وظاهر صاحب المعالم ايضا العمل بالاطلاق المذكور لضعف الخبر مع طعنه في الأخبار الاخر ايضا بناء على اصطلاحه الذي تفرد به من توقف الوصف بالصحة على اخبار اثنين من علماء الرجال، إلا انه عضدها بموافقة الاصل وكثرتها وان الصدوق في المقنع لم يتعرض لهذا الشرط بل اطلق القول كما في اكثر الاخبار، وجمهور الاصحاب على خلاف ما ذهب إليه وضعف الخبر المذكور مجبور عندهم بالشهرة وعمل الاصحاب على ما تضمنه، وهو الظاهر الذي عليه
[ 92 ]
العمل حيث انا لا نرى العمل بهذا الاصطلاح المحدث.
و (ثانيهما) ان كلام الاصحاب قد اختلف في التعبير عن هذا الشرط الذي ذكر لطهارة البيضة، فبعض المتقدمين اقتصر على نقل الحديث فعبر بالجلد الغليظ واقتفاه الشيخ في النهاية كما هي عادته غالبا من التعبير بمتون الاخبار، وبعض عبر بالجلد ولكن بدلوا لفظ الغليظ بالفوقاني، وعبر جماعة: منهم المحقق والشهيد بالقشر الاعلى وفي كلام العلامة في جملة من كتبه الصلب كما تقدم في عبارة النهاية ومثله في المنتهى، وتبعه على التقييد بالصلابة بعض المتأخرين، والظاهر ان مرجع الجميع الى امر واحد والاختلاف انما هو بحسب اللفظ، اما فيما عدا عبارة العلامة بالصلب فظاهر، واما في التعبير بالصلب فيمكن ان يكون خرج مخرج الغالب، وبيان ذلك ان هذا القشر الذي يجمع البياض والصفرة اول ما يكون رقيقا ثم يغلظ حتى يصير صلبا، والمراد بالقشر الاعلى والجلد الغليظ والفوقاني في عباراتهم هو هذا الغشاء الرقيق الذي يصلب بعد ذلك إذا آن رمي الدجاجة للبيضة واخراجها، فالاعتبار في طهارة البيضة بحصوله وان لم يصلب على الوجه الذي تخرج عليه البيضة عادة، وتقييد العلامة بالصلابة ربما ينافي ذلك الا ان يحمل على الخروج مخرج الغالب كما ذكرنا، نعم حكى العلامة في بعض كتبه عن بعض الجمهور انه ذهب الى طهارة البيضة وان لم تكتس القشر الاعلى محتجا بان عليها غاشية رقيقة تحول بينها وبين النجاسة، ثم قال: والاقرب عندي انها ان كانت قد اكتست الجلد الاعلى وان لم يكن صلبا فهي طاهرة لعدم الملاقاة والا فلا، وربما اشعر هذا الكلام بمنافاة ما ذكرناه الا انه يمكن ارجاعه إليه بان يحمل كلامه على ان المراد انه ان كانت هذه الغاشية الرقيقة هي الجلد الاعلى الذى يجمع البياض والصفرة وهو الذي يصلب بعد ذلك فانه يصلب عليه الجلد الاعلى الذي هو المناط في الطهارة وان لم يكن صلبا والا فلا، وهذا يرجع الى ما قدمنا ذكره.
[ 93 ]
(السادس) اختلف اصحابنا في طهارة اللبن في ضرع الشاة الميتة ونجاسته، فعن الصدوق في المقنع والشيخ في الخلاف والنهاية وكتابي الحديث وكثير من الاصحاب الطهارة حتى نقل عن الشيخ في الخلاف وابن زهرة في الغنية دعوى الاجماع على ذلك، وقال ابن ادريس في السرائر: اللبن نجس بغير خلاف عند المحصلين من اصحابنا لانه مائع في ميتة ملامس لها، وما اورده شيخنا في نهايته رواية شاذة مخالفة لاصول المذهب لا يعضدها كتاب الله ولا سنة مقطوع بها ولا اجماع وتبعه على القول بذلك جماعة من الاصحاب: منهم الفاضلان، قال في المنتهى المشهور عند علمائنا ان اللبن من الميتة المأكولة للحم بالذكاة نجس وقال بعضهم هو طاهر، ثم قال في الاستدلال على النجاسة: لنا على التنجيس انه مائع في وعاء نجس فكان نجسا كما لو احتلب في وعاء نجس، ولانه لو اصاب الميتة بعد حلبه تنجس فكذا لو انفصل قبله لان الملاقاة ثابتة في البابين. والى القول بالطهارة مال من المتأخرين ومتأخريهم الشهيد في الذكرى والسيد السند في المدارك والمحقق الشيخ حسن في المعالم والفاضل الخوانساري في شرح الدروس والفاضل الخراساني في الذخيرة، وهو المختار لما تقدم من الاخبار وهي صحيحة زرارة وحسنة حريز وموثقة الحسين بن زرارة أو حسنته ومرسلة الفقيه المسندة في الخصال. ولا يخفى ان ما استندوا إليه في الحكم بالنجاسة من حيث كونه مائعا ملامسا للميتة وكل ما كان كذلك فهو نجس فهو لا يخلو من مصادرة، والعموم الدال على نجاسة الملاقي للنجاسة برطوبة وهو دليل الكبرى مخصوص بالاخبار المذكورة فانها صالحة للتخصيص فلا مانع من القول بها واستثناء هذا الفرد من العموم المذكور. واما ما احتجوا به زيادة على الدليل المتقدم من رواية وهب بن وهب عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (1) " ان عليا (عليه السلام) سئل عن شاة ماتت فحلب منها لبن فقال علي (عليه السلام) ذلك الحرام محضا " فهي لا تقوم بمعارضة الاخبار المذكورة، وقد اجاب عنها الشيخ في التهذيب بانها رواية شاذة لم يروها غير وهب بن وهب وهو ضعيف جدا
(1) المروية في الوسائل في الباب 33 من الاطعمة المحرمة.
[ 94 ]
عند اصحاب الحديث (1) ولو كان صحيحا لجاز ان يكون الوجه فيه ضربا من التقية لانها موافقة لمذهب العامة لانهم يحرمون كل شئ من الميتة ولا يجيزون استعماله على حال (2) انتهى. واما ما اجاب به في المختلف عن صحيحة زرارة وحسنة حريز بانهما محمولان على ما إذا قاربت الشاة الموت فلا يخفى ما فيه من التمحل البعيد ولو كان كذلك لم تصلح الروايتان دليلا على طهارة الاشياء المعدودة مع اللبن من الميتة مع انه وغيره يستدلون بهما على ذلك، وتخصيص هذا القيد باللبن مع عده في قرن تلك الاشياء باطل على ان ارتكاب التأويل ولا سيما مثل هذا التكلف السحيق بالنظر الى قواعدهم انما يسوغ مع حصول التعارض بين الدليلين، واي منصف يدعي صلاحية معارضة هذه الرواية الضعيفة لتلك الاخبار الصحيحة الكثيرة ؟ قال في المعالم ونعم ما قال والعجب من العلامة بعد تفسيره الانفحة باللبن المستحيل وحكمه بطهارتها للاخبار الدالة على ذلك مع تحقق وصف المائعية فيها كيف يجعل اعتبار الملاقاة مع المائعية هنا معارضا للخبر. انتهى. واما ما اجاب به الفاضل الخوانساري في شرح الدروس حيث قال بعد نقل هذا الكلام: " وكأنه لا عجب على ما ذكرناه سابقا من ان الانفحة كأنها ليست مائعة على الاطلاق بل هي لبن منجمد " ففيه ان ما قدمنا نقله عن اهل اللغة من ان الانفحة شئ يستخرج من بطنه اصفر يعصر في صوفة مبتلة في اللبن فيغلظ كالجبن ظاهر في كونه في بطن السخلة مائعا وانه بعد اخذه من بطن السخلة يعصر على الوجه المذكور فيعرض له الجمود بعد ذلك فلا يتم ما ذكره على كلام المحقق المشار إليه. إذا عرفت ذلك فاعلم ان عبارة العلامة التي قدمناها عن المنتهى تدل على ان محل النزاع لبن الميتة المأكولة اللحم بالذكاة ولم يتعرض لغير المأكولة، وظاهر كلام غيره وكذا ظاهر الأخبار هو العموم وعدم الفرق، وصاحب المعالم مع تعرضه في الانفحة لكونها من المأكول وغيره وتردده في غير المأكول كما تقدم الكلام فيه لم يتعرض هنا
(1) راجع التعليقة 1 ج 2 ص 81 (2) تأتي تعليقة المورد في الاستدراكات
[ 95 ]
للفرق ولا لعدمه، وبالجملة فالاحتياط في امثال ذلك مما ينبغي المحافظة عليه.
(السابع) قال في المنتهى: فأرة المسك إذا انفصلت من الظبية في حياتها أو بعد التذكية طاهرة وان انفصلت بعد موتها فالأقرب النجاسة. وقال في الذكرى المسك طاهر اجماعا وفأرته وان اخذت من غير المذكى. وبهذا القول صرح العلامة في النهاية ايضا فقال: فأرة المسك ان انفصلت من الظبية في حياتها أو بعد التذكية طاهرة وان انفصلت بعد موتها فالاقرب ذلك ايضا للاصل. وفي التذكرة ايضا حكم بالطهارة مطلقا سواء انفصلت من الظبي حال حياته أو بعد موته وهو خلاف ما ذكره في المنتهى. قال في المدارك: والاصح طهارتها مطلقا كما اختاره في التذكرة للاصل وصحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن فأرة المسك تكون مع الرجل وهو يصلي وهي معه في جيبه أو ثيابه ؟ فقال لا بأس بذلك " ثم قال: ولا ينافي ذلك ما رواه عبد الله بن جعفر في الصحيح (2) قال: " كتبت إليه يعني ابا محمد (عليه السلام) هل يجوز للرجل ان يصلي ومعه فأرة مسك ؟ قال لا بأس بذلك إذا كان ذكيا " لجواز ان يكون للراد بالذكي الطاهر مع ان المنع من استصحابها في الصلاة لا ينحصر وجهه في النجاسة. انتهى. اقول: فيه ان ما ذكره من اختيار القول بالطهارة عملا بصحيحة علي بن جعفر وحمل الصحيحة الاخرى على ما ذكره فلقائل ان يقول بما ذهب إليه في المنتهى من القول بالنجاسة عملا بصحيحة عبد الله بن جعفر المذكورة، بان يقال ان المراد من قوله: " إذا كان ذكيا " اما الحمل على رجوع ضمير " كان " الى الظبي المدلول عليه بالفأرة بمعنى ان يكون مذكى لا ميتة والمراد بالمذكى ما هو اعم من حال الحياة أو التذكية بالذبح، وربما يستأنس لذلك بتذكير الضمير، واما الرجوع الى الفأرة باعتبار ما ذكرناه ايضا اي إذا كانت ذكية بالاخذ من احد هذين الفردين، والظاهر قرب ما ذكرناه على ما ذكره من ان المراد كونها
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 41 من ابواب لباس المصلى.
[ 96 ]
طاهرة لم تعرض لها نجاسة من الخارج كما احتمله في الذكرى ايضا واجاب به عن الحديث المذكور إذ لا خصوصية لذلك بالفأرة. واما صحيحة علي بن جعفر فلعل منشأ السؤال فيها عن فأرة المسك انما هو من حيث توهم نجاسة المسك باعتبار ان اصله الدم كما قيل " ان المسك بعض دم الغزال " وحينئذ فنفي البأس يرجع الى طهارته بالاستحالة التي هي من جملة المطهرات الشرعية، واما من حيث فأرة المسك واحتمال كونها ميتة المستلزم لنجاستها كما هو ظاهر صحيحة عبد الله بن جعفر المذكورة التي قد عرفت انها مستند العلامة فيما ذهب إليه في المنتهى، وحينئذ فنفي البأس من حيث وجوب البناء على اصالة الطهارة لقولهم (عليهم السلام) (1) " كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر " وفأرة المسك لما كان منها ما هو طاهر ونجس كما عرفت دخلت تحت الكلية المذكورة، ويمكن بناء على الثاني حمل نفي البأس من حيث انها لا تتم فيها الصلاة وقد عفي عن نجاسة ما لا تتم الصلاة فيه فهي وان كانت نجسة بالموت إلا انها مما لا تتم الصلاة فيه. لكن يدفع هذا الوجه ظاهر صحيحة عبد الله بن جعفر فانها قد دلت على النهي عن الصلاة فيها من حيث كونها غير ذكية يعني ميتة وهي ظاهرة في عدم جواز الصلاة في الميتة وان كانت مما لا تتم الصلاة فيه، وعلى ذلك ايضا تدل جملة من الأخبار فتكون الصلاة فيما لا تتم الصلاة فيه من الميتة الموجب لبطلانها مستثنى من جواز الصلاة في النجس الذي لا تتم الصلاة فيه. وبالجملة فالاحتمالان المذكوران متعارضان، وربما يرجح الاحتمال الذي صار إليه في المدارك وبه صرح اكثر الاصحاب بمطابقة الاصل، الا ان المسألة عندي لا تخلو من شوب الاشكال والاحتياط فيها مطلوب على كل حال. بقي هنا شئ وهو انه قد تقدم في المسألة الثانية تصريح الاصحاب بان ما تحله
(1) رواه في الوسائل في الباب 37 من ابواب النجاسات، واللفظ في موثقة عمار هكذا " كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر " وسيأتي منه (قدس سره) التصريح بذلك في التنبيه الثاني من تنبيهات المسالة الثانية من البحث الاول من احكام النجاسات.
[ 97 ]
الحياة من الحيوان ذي النفس السائلة نجس متى انفصل عنه في حال الحياة أو الموت، والاكثر كما عرفت على ما صرح به العلامة في التذكرة والنهاية من القول هنا بطهارة الفأرة مطلقا وان انفصلت من الحية أو الميتة، وهو مدافع لما ذكروه ثمة، والجواب عن ذلك هو تخصيص الحكم في تلك المسألة بروايات هذه المسألة الدالة على الطهارة واستثناء هذا الفرد بهذين الخبرين من الحكم المتقدم. والله العالم.
(الثامن) ان ما اشتملت عليه رواية ابي حمزة الثمالي من قوله (عليه السلام): " فاشتر الجبن من اسواق المسلمين من ايدي المصلين ولا تسأل عنه إلا ان يأتيك من يخبرك عنه " بعد قوله (عليه السلام): ان الانفحة ليس بها بأس.. الى آخر الكلام المؤذن بان توهم التحريم في الجبن انما هو من حيث الانفحة لانها ميتة كما هو اعتقاد السائل المذكور ونفيه (عليه السلام) ذلك المقتضى لحل الجبن لا يخلو من اشكال، والظاهر ان الوجه فيه احد امرين: اما حمل الكلام الاخير على ما إذا حصل سبب آخر يوجب التحريم فيكون حكما مستأنفا لا تعلق له بجواب السائل، واما حمل الكلام على الرجوع عن الجواب الاول حيث انه (عليه السلام) فهم من السائل عدم قبوله من حيث حكمه بان الانفحة ميتة موجبة لتنجيس الجبن إذا لاقته فعدل الى الجواب بالتي هي احسن من انه مع تسليم ما يدعيه فان الاصل في الاشياء الطهارة فاشتر من سوق المسلمين وكل حتى تعلم انه خالطه الانفحة، وبهذا الوجه صرح في الوافي حيث قال: " ولما استفرس (عليه السلام) من قتادة عدم قبوله ولا قابليته لمر الحق عدل به عن الحق إلى الجدال بالتي هي احسن وقال: اشتر الجبن من اسواق المسلمين ولا تسأل عنه " انتهى. اقول: واخبار الجبن جلها أو كلها قد اشتملت على تعليل تحليل الجبن بهذه القاعدة المنصوصة، والظاهر ان السر فيه هو ما ذكرناه في الوجه الاول أو الثاني، ومنها ما رواه في الكافي عن عبد الله بن سليمان عن الصادق (عليه السلام) (1) " في الجبن ؟
(1) رواه في الوسائل في الباب 61 من الاطعمة المباحة.
[ 98 ]
قال: كل شئ لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان ان فيه ميتة " وهذا الخبر اقرب انطباقا على الوجه الثاني، ومنها صحيحة ضريس (1) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن السمن والجبن نجده في ارض المشركين بالروم اناكله ؟ فقال اما ما علمت انه خلطه الحرام فلا تأكل واما ما لم تعلم فكل حتى تعلم انه حرام " وهي محتملة للوجهين المتقدمين. ورواية عبد الله بن سليمان (2) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الجبن ؟ قال سألتني عن طعام يعجبني ثم اعطى الغلام درهما فقال يا غلام ابتع لنا جبنا ودعى بالغداء فتغدينا معه فاتى بالجبن فاكل واكلنا فلما فرغنا من الغداء، قلت ما تقول في الجبن ؟ فقال اولم ترني اكلته ؟ قلت بلى ولكني احب ان اسمعه منك. فقال سأخبرك عن الجبن وغيره: كل ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه " وهذا الخبر اظهر انطباقا على المعنى الثاني حيث ان ظاهره ان الجبن من الاشياء التي فيها الحلال والحرام كاللحم من المذكى والميتة وليس ذلك إلا باعتبار ما يعمل بالانفحة وما لا يعمل بها والاول منه حرام لمكان الانفحة لانها ميتة، وحينئذ فمخرج هذه الاخبار كلها انما هو على التقية من حيث اشتهار الحكم بنجاسة الانفحة عند العامة كما عرفته من كلام قتادة الذي هو من رؤوسهم (3) والله العالم.
(1) المروية في الوسائل في الباب 64 من الاطعمة المحرمة. (2) المروية في الوسائل في الباب 61 من الاطعمة المباحة. (3) في المغني ج 1 ص 74 " لبن الميتة وانفحتها نجسة في ظاهر المذهب وهو قول مالك والشافعي، وروي انها طاهرة وهو قول ابي حنيفة وداود.
<>