
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء الخامس
الفصل السادس
في الخمر
وقد اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) في نجاسته، فالمشهور بين اكثر علمائنا بل اكثر اهل العلم هو القول بالنجاسة حتى انه حكي عن المرتضى (رضي الله عنه) انه قال لا خلاف بين المسلمين في نجاسة الخمر إلا ما يحكى عن شذاذ لا اعتبار بقولهم. وعن الشيخ انه قال: الخمر نجسة بلا خلاف وكل مسكر عندنا حكمه
[ 99 ]
حكم الخمر والحق اصحابنا الفقاع بذلك. وعن ابن زهرة الخمر نجسة بلا خلاف ممن يعتد به، ونقل ابن ادريس اجماع المسلمين عليه، وقال الصدوق في الفقيه والمقنع لا بأس بالصلاة في ثوب اصابه خمر لان الله تعالى حرم شربها ولم يحرم الصلاة في ثوب اصابته. وهو ظاهر كالتصريح في القول بالطهارة مع انه حكم بنزح ماء البئر اجمع بانصباب الخمر فيها، واصرح منه ما نقل عن ابن ابي عقيل حيث قال: من اصاب ثوبه أو جسده خمر أو مسكر لم يكن عليه غسلهما لأن الله تعالى انما حرمهما تعبدا لا لانهما نجسان. وعزى في الذكرى الى الجعفي وفاق الصدوق وابن ابي عقيل وكذا في الدروس، قال في المعالم: بعد نقل القول بالطهارة عن هؤلاء الثلاثة ولا يعرف هذا القول لسواهم من الاصحاب. احتج القائلون بالنجاسة بوجوه: (الاول) الاجماع المتقدم ذكره بناء على ما تقرر عندهم من ان الاجماع المنقول بخبر الواحد حجة. (الثاني) قوله عزوجل: " انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه " (1) فان الرجس هو النجس على ما ذكره بعض اهل اللغة والاجتناب عبارة عن عدم المباشرة ولا معنى للنجس إلا ذلك. (الثالث) الروايات والذي وقفت عليه من ذلك ما رواه ثقة الاسلام في الصحيح عن علي بن مهزيار (2) قال: " قرأت في كتاب عبد الله بن محمد الى ابي الحسن (عليه السلام) جعلت فداك روى زرارة عن ابي جعفر وابي عبد الله (عليهما السلام) في الخمر يصيب ثوب الرجل انهما قالا لا بأس بان يصلي فيه انما حرم شربها. وروى غير زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) انه قال إذا اصاب ثوبك خمر أو نبيذ يعني المسكر فاغسله ان عرفت موضعه وان لم تعرف موضعه فاغسله كله وان صليت فيه فاعد صلاتك.
(1) سورة المائدة، الاية 90. (2) رواه في الوسائل في الباب 38 من ابواب النجاسات.
[ 100 ]
فاعلمني ما آخذ به ؟ فوقع (عليه السلام) وقرأته: خذ بقول ابي عبد الله (عليه السلام) ". وما رواه في الكافي عن يونس عن بعض من رواه عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " إذا اصاب ثوبك خمر أو نبيذ مسكر فاغسله ان عرفت موضعه وان لم تعرف موضعه فاغسله كله فان صليت فيه فاعد صلاتك ". وعن خيران الخادم (2) قال: " كتبت الى الرجل اسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير أيصلى فيه ام لا ؟ فان اصحابنا قد اختلفوا فيه فقال بعضهم صل فيه فان الله تعالى انما حرم شربها وقال بعضهم لا تصل فيه. فكتب (عليه السلام) لا تصل فيه فانه رجس " ورواه في التهذيب ايضا مثله، وقال في الكافي بعد نقل خبر خيران قال (3): " وسألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الذي يعير ثوبه لمن يعلم انه يأكل الجري أو يشرب الخمر فيرده أيصلي فيه قبل ان يغسله ؟ قال لا يصل فيه حتى يغسله " ولا يخفى ما في هذا السند من الاشتباه لان الظاهر ان ضمير " قال " يرجع الى خيران وفي رؤيته ابا عبد الله (عليه السلام) وسؤاله منه بعد لانه من موالي الرضا (عليه السلام) واصحابه. وعن ابي جميلة البصري (4) قال: " كنت مع يونس ببغداد وانا امشي في السوق ففتح صاحب الفقاع فقاعه فقفز فاصاب ثوب يونس فرأيته قد اغتم لذلك حتى زالت الشمس فقلت له يا ابا محمد ألا تصلي ؟ قال فقال لي ليس اريد ان اصلي حتى ارجع الى البيت فاغسل هذا الخمر من ثوبي. فقلت له هذا رأي رأيته أو شئ ترويه ؟ فقال اخبرني هشام بن الحكم انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن الفقاع فقال لا تشربه فانه خمر مجهول وإذا اصاب ثوبك فاغسله ".
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 38 من ابواب النجاسات (3) رواه في الوسائل في الباب 74 من ابواب النجاسات. (4) رواه في الوافي ج 4 ص 33 وقطعة منه في الوسائل في الباب 27 من الاشربة المحرمة.
[ 101 ]
وما رواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن عمار بن موسى الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " لا تصل في بيت فيه خمر ولا مسكر لان الملائكة لا تدخله " ولا تصل في ثوب قد اصابه خمر أو مسكر حتى تغسله ". وما رواه في الكافي عن زكريا بن آدم (2) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير ؟ قال يهراق المرق أو تطعمه اهل الذمة أو الكلب واللحم اغسله وكله. قلت فانه قطر فيه دم ؟ قال الدم تأكله النار ان شاء الله تعالى. قلت فخمر أو نبيذ قطر في عجين أو دم ؟ قال فقال فسد. قلت ابيعه من اليهود والنصارى وابين لهم ؟ قال نعم فانهم يستحلون شربه. قلت والفقاع هو بتلك المنزلة إذا قطر في شئ من ذلك ؟ فقال اكره ان آكله إذا قطر في شئ من طعامي ". وعن عمار بن موسى الساباطي في الموثق عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الدن يكون فيه الخمر هل يصلح ان يكون فيه الخل أو ماء كامخ أو زيتون ؟ قال إذا غسل فلا بأس. وعن الابريق يكون فيه خمر أيصلح ان يكون فيه ماء ؟ قال إذا غسل فلا بأس. وقال في قدح أو اناء يشرب فيه الخمر ؟ قال تغسله ثلاث مرات. سئل يجزيه ان يصب فيه الماء ؟ قال لا يجزيه حتى يدلكه بيده ويغسله ثلاث مرات " ورواه الشيخ في التهذيب مثله. وما رواه الشيخ في الصحيح عن فضالة عن عبد الله بن سنان (4) قال: " سأل ابي ابا عبد الله (عليه السلام) عن الذي يعير ثوبه لمن يعلم انه يأكل الجري ويشرب الخمر فيرده أيصلي فيه قبل ان يغسله ؟ قال لا يصلى فيه حتى يغسله " اقول: قد حمله الشيخ
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 38 من ابواب النجاسات. (3) رواه في الوسائل في الباب 51 من النجاسات و 30 من الاشربة المحرمة (4) رواه في الوسائل في الباب 74 من ابواب النجاسات.
[ 102 ]
على الاستحباب، قال لان الاصل في الاشياء الطهارة ولا يجب غسل شئ من الثياب إلا بعد العلم بان فيها نجاسة، وقد روى هذا الراوي بعينه خلاف هذا الخبر ثم اورد الخبر الاتي: وما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) قال: " سأل ابي ابا عبد الله (عليه السلام) وانا حاضر اني اعير الذمي ثوبي وانا اعلم انه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير فيرده علي فاغسله قبل ان اصلي فيه ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) صل فيه ولا تغسله من اجل ذلك فانك اعرته اياه وهو طاهر ولم تستيقن انه نجسه فلا بأس ان تصلي فيه حتى تستيقن انه نجسه ". وعن عمار في الموثق عن الصادق (عليه السلام) (2) " في الاناء يشرب فيه النبيذ ؟ قبل ان تغسله سبع مرات ". وموثقة عمار ايضا عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " لا تصل في ثوب اصابه خمر أو مسكر واغسله ان عرفت موضعه فان لم تعرف موضعه فاغسل الثوب كله فان صليت فيه فاعد صلاتك ". وصحيحة الحلبي (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن دواء عجن بالخمر ؟ فقال لا والله ما احب ان انظر إليه فكيف اتداوى به انه بمنزلة شحم الخنزير
(1) رواه في الوسائل في الباب 74 من ابواب النجاسات. (2) رواه في الوسائل في الباب 30 و 35 من الاشربة المحرمة. (3) لم نعثر في كتب الحديث على رواية لعمار بهذا اللفظ وانما الوارد فيها هكذا " لا تصل في ثوب اصابه خمر أو مسكر حتى تغسله " وقد رواه في الوسائل في الباب 38 من النجاسات. نعم ورد هذا المضمون في رواية غير زرارة التي يرويها علي بن مهزيار وفي رواية يونس المتقدمتين وسيأتي في التنبيه الاول التعرض لموثقة عمار بالنص المتقدم (4) المروية في الوسائل في الباب 30 من الاشربة المحرمة.
[ 103 ]
أو لحم الخنزير " وفي بعض الروايات " انه بمنزلة الميتة ". وفي رواية ابي بصير (1) وهي طويلة عن الصادق (عليه السلام) في النبيذ وسؤال ام خالد العبدية عن التداوي به قال: " ما يبل الميل ينجس حبا من ماء، يقولها ثلاثا ". وفي الصحيح عن محمد بن مسلم (2) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن آنية اهل الذمة والمجوس ؟ قال لا تأكلوا في آنيتهم ولا من طعامهم الذي يطبخون ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر ". وعن عمر بن حنظلة (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ما ترى في قدح من مسكر يصب عليه الماء حتى تذهب عاديته ويذهب سكره، فقال لا والله ولا قطرة تقطر منه في حب إلا اهريق ذلك الحب ". وعن هارون بن حمزة الغنوي عن الصادق (عليه السلام) (4) " في رجل اشتكى عينيه فنعت له كحل يعجن بالخمر ؟ فقال هو خبيث بمنزلة الميتة فان كان مضطرا فليكتحل به ". ومنها الأخبار الواردة في نزح البئر من صب الخمر فيه (5) مع كثرتها وصحة اسانيد كثير منها. هذا ما حضرني مما يدل على القول بالنجاسة كما هو القول المشهور والمؤيد المنصور. واما ما يدل على القول الاخر بعد الاصل فجملة من الاخبار ايضا: منها ما رواه الحسن بن ابي سارة في الصحيح (6) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ان
(1) المروية في الوسائل في الباب 20 من الاشربة المحرمة (2) رواه في الوسائل في الباب 54 من الاطعمة المحرمة (3) رواه في الوسائل في الباب 18 من الاشربة المحرمة (4) رواه في الوسائل في الباب 21 من الاشربة المحرمة (5) رواها في الوسائل في الباب 15 من ابواب الماء المطلق (6) رواه في الوسائل في الباب 38 من ابواب النجاسات
[ 104 ]
اصاب ثوبي شئ من الخمر اصلي فيه قبل ان اغسله ؟ قال لا بأس ان الثوب لا يسكر ". وما رواه عبد الله بن بكير في الموثق (1) قال: " سأل رجل ابا عبد الله (عليه السلام) وانا عنده عن المسكر والنبيذ يصيب الثوب ؟ فقال: لا بأس به ". وما رواه الثقة الجليل عبد الله بن جعفر الحميري في قرب الاسناد في الصحيح عن علي بن رئاب (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الخمر والنبيذ المسكر يصيب ثوبي اغسله أو اصلي فيه ؟ قال صل فيه إلا ان تقذره فتغسل منه موضع الاثر ان الله تبارك وتعالى انما حرم شربها ". ورواية الحسين بن موسى الحناط (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشرب الخمر ثم يمجه من فيه فيصيب ثوبي ؟ فقال لا بأس ". ورواية ابي بكر الحضرمي (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اصاب ثوبي نبيذ اصلي فيه ؟ قال نعم. قلت له قطرة من نبيذ قطرت في حب ماء اشرب منه ؟ قال نعم ان اصل النبيذ حلال وان اصل الخمر حرام " قال في الذخيرة: وجه الدلالة ان الظاهر عدم القائل بالفصل وحمل الشيخ النبيذ في هذه الرواية على النبيذ الحلال. وهو جيد ورواية الحسن ابن ابي سارة (5) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) انا نخالط اليهود والنصارى والمجوس وندخل عليهم وهم يأكلون ويشربون فيمر ساقيهم فيصب على ثيابي الخمر ؟ قال: لا بأس به إلا ان تشتهي ان تغسله لاثره ". ورواية حفص الاعور (6) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الدن يكون فيه الخمر ثم يجفف يجعل فيه الخل ؟ قال نعم ". وروى ابن بابويه مرسلا (7) قال: " سئل أبو جعفر وابو عبد الله (عليهما
(1) و (2) و (4) و (5) و (7) رواه في الوسائل في الباب 38 من ابواب النجاسات (3) المروية في الوسائل في الباب 39 من ابواب النجاسات. (6) المروية في الوسائل في الباب 51 من النجاسات و 30 من الاشربة المحرمة.
[ 105 ]
السلام) فقيل لهما انا نشتري ثيابا يصيبها الخمر وودك الخنزير عند حاكتها انصلي فيها قبل ان نغسلها ؟ فقال نعم لا بأس انما حرم الله تعالى اكله وشربه ولم يحرم لبسه ومسه والصلاة فيه " ورواه الصدوق في علل الشرائع بطريق صحيح عن بكير عن الباقر (عليه السلام) وعن ابي الصباح وابي سعيد والحسن النبال عن الصادق (عليه السلام). وروى الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) " انه سأله عن الرجل يمر في ماء المطر وقد صب فيه خمر فاصاب ثوبه هل يصلي فيه قبل ان يغسله ؟ فقال لا يغسل ثوبه ولا رجله ويصلي فيه ولا بأس " ورواه في قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن رجل مر في ماء المطر قد صب فيه الخمر.. الحديث ". ورواية علي الواسطي (3) قال: " دخلت الجويرية وكانت تحت عيسى بن موسى على ابي عبد الله (عليه السلام) وكانت صالحة فقالت اني اتطيب لزوجي فيجعل في المشطة التي اتمشط بها الخمر واجعله في رأسي ؟ قال لا بأس ". وفي الفقه الرضوي (4) " لا بأس ان تصلي في ثوب اصابه خمر لأن الله تعالى حرم شربها ولم يحرم الصلاة في ثوب اصابته ". إذا عرفت ذلك فاعلم ان جملة من افاضل متأخري المتأخرين كالسيد السند في المدارك والفاضل الخراساني في الذخيرة والمحقق الخوانساري وغيرهم قد اختاروا القول بالطهارة واجابوا عن الاجماع بعدم ثبوته بعد تحقق الخلاف في المسألة من هؤلاء الاجلاء، واما الاية فأجابوا عنها ايضا باجوبة واسعة نقضا وإبراما ليس في التعرض لها مزيد فائدة. والحق هو الرجوع على الاخبار في هذا المقام خاصة، اما الاجماع فلما عرفت في مقدمات
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 6 من ابواب الماء المطلق (3) المروية في الوسائل في الباب 37 من الاشربة المحرمة (4) ص 38.
[ 106 ]
الكتاب، واما الاية فلا دلالة لها ظاهرا إلا بارتكاب تكلفات بعيدة كما يظهر من بحثهم جوابا وسؤالا. وهؤلاء الافاضل المشار إليهم بعد بحثهم في المسألة حملوا اخبار النجاسة على الاستحباب وجمعوا به بين الاخبار في هذا الباب كما هي قاعدتهم المستمرة في جميع الابواب حسبما نبهنا عليه في غير مقام مما تقدم في الكتاب، قال السيد السند في المدارك الذي هو الاصل في ذلك بعد ذكر القول بالنجاسة ونقل بعض اخباره ثم القول بالطهارة ونقل بعض اخباره: واجاب الاولون عن هذه الاخبار بالحمل على التقية جمعا بينها وبين ما تضمن الأمر بغسل الثوب منه، وهو مشكل لان اكثر العامة قائلون بالنجاسة (1) نعم يمكن الجمع بينهما بحمل ما تضمن الأمر بالغسل على الاستحباب لان استعمال الامر في الندب مجاز شائع انتهى. ونحوه في الذخيرة بزيادة تأييد لذلك بوجوه لفقها، ملخصها بعد الحمل على التقية وان حمل الاوامر والنواهي في اخبارنا على الاستحباب والكراهة شائع ذائع كأنه الحقيقة كما اشرنا إليه مرارا. اقول: لا يخفى ان الكلام في الجمع بين هذه الاخبار دائر بين هذين الوجهين، وهؤلاء الافاضل قد اختاروا الحمل على الاستحباب في الجمع بين هذا الاخبار، وها انا ابين ما فيه من البعد بل الفساد وعدم انطباق اخبار المسألة عليه، وبه يتعين حمل اخبار الطهارة على التقية إذ لم يبق بعد بطلان حمل اخبار النجاسة على الاستحباب إلا رميها بالكلية متى عملنا باخبار الطهارة، وفيه من البطلان ما هو غني عن البيان لكثرتها واستفاضتها وصحة جملة منها باصطلاحهم وعمل الطائفة قديما وحديثا عليها إلا هؤلاء الثلاثة
(1) كما في بداية المجتهد لابن رشد المالكي ج 1 ص 70، وذكر ابن قدامة في المغني ج 1 ص 72 والشيرازي في المهذب ج 1 ص 48 طهارة الخمر بالاستحالة الى الخل، وفي بدائع الصنائع ج 1 ص 76 " ينزح ماء البئر كله إذا وقع فيه من الابحاس كالبول والدم والخمر ".
[ 107 ]
المذكورين والثلاثة المتقدمين، أو حمل اخبار الطهارة على التقية وبه يتم المطلوب. فاما ما يدل على بطلان الحمل على الاستحباب فوجوه: (الاول) انه وان اشتهر ذلك بينهم في جميع ابواب الفقه إلا انه لا مستند له من سنة ولا كتاب، وقد استفاضت الاخبار عنهم (عليهم السلام) بوجوه الجمع بين الاخبار والترجيح في مقام اختلاف الاخبار، ولو كان لهذا الحمل والجمع بين الأخبار اصل في الشريعة لما اهملوه (عليهم السلام) سيما انهم (رضوان الله عليهم) قد اتخذوه قاعدة كلية في مقام اختلاف الاخبار في جميع ابواب الفقه واحكامه. (الثاني) ان الحمل على الاستحباب مجاز باعترافهم والمجاز لا يصار إليه إلا بالقرينة الصارفة عن الحقيقة واختلاف الاخبار ليس من قرائن المجاز. واما قوله في الذخيرة: " ان حمل الاوامر والنواهي في اخبارنا على الاستحباب والكراهة شائع ذائع كأنه الحقيقة " ففيه انه ان كان ذلك مع وجود القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي فلا بحث فيه وإلا فهو اول المسألة ومحل منع. (الثالث) ان الاستحباب حكم شرعي كالوجوب والتحريم فيتوقف الحكم به على دليل واضح وإلا كان قولا على الله تعالى من غير علم، وقد استفاضت الايات القرآنية والسنة النبوية بالنهي عنه، واختلاف الأخبار ليس من الادلة التي توجب الحكم بالاستحباب. (الرابع) ان صحيحة علي بن مهزيار ورواية خيران الخادم قد دلتا على وقوع هذا الخلاف بين اصحاب الائمة (عليهم السلام) في وقتهم وانهم رجعوا في ذلك الى امام ذلك العصر وسألوه عن الاخذ باي القولين فامرهم بالعمل باخبار النجاسة ولو كانت الأخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) بالنجاسة انما هي بمعنى استحباب الازالة وليس المراد منها النجاسة كما زعمه هؤلاء الافاضل وانه طاهر والصلاة فيه صحيحة وان كان على كراهة، لما خفي على اصحاب الائمة (عليهم السلام) يومئذ حتى انهم يسألون
[ 108 ]
عن ذلك، ولكان الامام (عليه السلام) يجيبهم بان هذه الأخبار لا منافاة بينها فان الأمر بغسل الثوب منه انما هو على جهة الاستحباب وإلا فهو طاهر لا انه يقرهم على الاختلاف ويجيبهم بقوله " لا تصل فيه فانه رجس " فيأمرهم بالأخذ باخبار النجاسة كما في خبر خيران وبقول ابي عبد الله (عليه السلام) كما في صحيحة علي بن مهزيار. واما ما ذكره الفاضل الخوانساري من انه يمكن ان يكون المراد بقول ابي عبد الله (عليه السلام) قوله الذي مع ابي جعفر (عليه السلام) ويكون التعبير بهذه العبارة المشتبهة للتقية فهو مما لا يروج إلا على الصبيان العادمي الافهام والاذهان. (الخامس) ان جملة من الروايات الدالة على النجاسة لا تلائم هذا الحمل مثل صحيحة علي بن مهزيار المتضمنة ان غير زرارة روى عن الصادق (عليه السلام) في نجاسة الخمر " انه يغسل الثوب كملا مع جهل موضعه ويعيد الصلاة لو صلى فيه " ومثلها مرسلة يونس المتقدمة نقلا من الكافي، فانه لم يعهد في الأخبار التشديد في الأمور المستحبة والمبالغة فيها الى هذا المقدار وانما وقع نظيره في الاخبار في النجاسات المقطوع بها لا الاشياء الطاهرة، ومثل ذلك في رواية ابي جميلة البصري وحكايته عن يونس فانه لو كان طاهرا كما يدعونه وان ازالته عن الثوب انما هو على طريق الاولوية والاستحباب لما خفي ذلك على يونس وهو من اجلاء اصحاب الائمة (عليهم السلام) وسياق الخبر كما عرفت ظاهر بل صريح في ان يونس انما فهم من خبر هشام النجاسة وصار اعتقاده القول بالنجاسة، فان غمه بملاقاة الفقاع له وتوقفه عن المبادرة للصلاة في اول وقتها وسؤال الراوي له ان هذا رأي رأيته أو شئ ترويه كلها ظاهرة الدلالة في حكمه بالنجاسة، ومثل حديث العبدية وقوله (عليه السلام): " ما يبل الميل ينجس حبا من ماء " كيف يحمل على الاستحباب ؟ واي مجال لهذا الاستحباب الذي لا دليل عليه من سنة ولا كتاب ؟ وكأن هذا القائل ظن انحصار دليل النجاسة فيما دل غسل الثوب أو البدن كما هو ظاهر عبارة المدارك.
[ 109 ]
(السادس) انه قد ورد عنهم (عليهم السلام) من القواعد انه إذا جاء خبر عن اولهم وخبر آخر عن آخرهم فانه يجب الأخذ بالاخير (1) وهذه القاعدة قد صرح بها الصدوق في الفقيه في باب " الرجل يوصي الى الرجلين " حيث قال: ولو صح الخبران لكان الواجب الأخذ بقول الاخير كما امر الصادق (عليه السلام). ولا ريب ان صحيحة علي بن مهزيار ورواية خيران قد تضمنتا ذلك، فالواجب بمقتضى هذه القاعدة الرجوع الى قول الامام الاخير وهو الحكم بالنجاسة. (السابع) ترجح اخبار النجاسة بعمل الطائفة قديما وحديثا الموجب للظن المتاخم للعلم بكون ذلك هو مذهب اهل البيت (عليهم السلام) فان صاحب كل مذهب انما يعلم بعد موته بمذهب مقلديه وشيعته الاخذين باقواله والمقتفين لاثاره ولا سيما الشيعة المتهالكين على متابعة مذهب ائمتهم المانعين من الاخذ من غيرهم، مضافا ذلك الى الاحتياط في الدين الذي هو احد المرجحات الشرعية في مقام اختلاف الاخبار كما دلت عليه رواية زرارة الواردة في طرق الترجيح (2). والشيخ قد استند في حمل اخبار الطهارة على التقية الى صحيحة علي بن مهزيار المتقدمة حيث قال: وجه الاستدلال من هذا الخبر على ان تلك الأخبار يعني اخبار الطهارة وردت على جهة التقية انه (عليه السلام) امر بالاخذ بقول ابي عبد الله (عليه السلام) على الانفراد والعدول عن قوله مع قول ابي جعفر (عليه السلام) فلولا ان قوله مع قول ابي جعفر (عليهما السلام) خرج مخرج التقية لكان الاخذ بقولهما معا اولى واحرى. قال في المعالم: وهذا الكلام حسن لولا ما اشرنا إليه من نقل الاصحاب عن اكثر اهل الخلاف الموافقة على القول بالنجاسة، وكيف كان فلا ريب في ان
(1) وردت في ذلك روايات ثلاث رواها في الوسائل في الباب 9 من صفات القاضي وما يقضي به وقد تقدمت في ج 1 ص 96. (2) المروية في مستدرك الوسائل في الباب 9 من صفات القاضي وما يقضى به.
[ 110 ]
ما تضمنه هذا الخبر من الاخذ بقول ابي عبد الله (عليه السلام) بعد ما تقرر في السؤال دلالة على ان الحكم في ذلك هو النجاسة وان الطهارة لا تعويل عليها، وهذا القدر من الدلالة في الحديث الصحيح كاف في الاستدلال لاعتضاده بما تقدم من الاخبار وباتفاق اكثر علماء الاسلام مع ما في التنزه عنه من الاحتياط للدين كما ذكره المحقق (قدس سره) فإذا القول بالنجاسة هو المعتمد. انتهى. اقول: ما ذكره من استشكاله في حسن ما ذكره الشيخ بما نقله الاصحاب عن اكثر اهل الخلاف سيأتي الجواب عنه في المقام ان شاء الله تعالى وبما ذكرناه من الوجوه الظاهرة البيان الغنية عن اقامة الحجة والبرهان كما لا يخفى على اهل الانصاف من ذوي الاذهان يظهر بطلان حمل اخبار النجاسة على الاستحباب ويتعين العمل بها في هذا الباب فتبقى اخبار القول بالطهارة ويتعين حملها على التقية التي هي في اختلاف الاحكام الشرعية اصل كل بلية. بقي الكلام فيما ذكروه من ان اكثر العامة قائلون بالنجاسة، وفيه ما ذكره بعض المحققين من اصحابنا المتأخرين من ان التقية لا تنحصر في القول بما يوافق علماءهم بل قد يدعو لها اصرار جهلائهم من اصحاب الشوكة على امر وولوعهم به فلا يمكن اشاعة ما يتضمن تقبيحه والازراء بهم على فعله، وما نحن فيه من هذا القبيل فان اكثر امراء بني امية وبني العباس ووزرائهم وارباب الدولة كانوا مولعين بشرب الخمر ومزاولتها واستعمالها وعدم التحرز عن مباشرتها، بل ربما نقل ان بعضهم يأم الناس وهو سكران فضلا عن ان يكون ثوبه متلوثا بالخمر (فان قيل) انهم (عليهم السلام) لو كانوا يتقون في ذلك لكان تقيتهم في الحكم بالحرمة اوجب واهم مع ان المعلوم من اخبارهم انهم كانوا يبالغون في ذلك تمام المبالغة حتى ورد في اخبارهم (عليهم السلام) " ان مدمن الخمر كعابد الوثن " (1) ونحو ذلك من التهديد والتشديد في تحريمها ولم يرو عنهم ما يتضمن اباحتها (قلت) يمكن الجواب عن ذلك بانه لما كان صريح القرآن تحريمها كان
(1) رواه في الوسائل في الباب 16، 13، 12 من الاشربة المحرمة.
[ 111 ]
التحريم من ضروريات الدين والحكم به لا مجال لانكاره ولا فساد فيه. وربما اجيب عما ذكرنا بان حرمتها وان كان بصريح القرآن إلا ان التشديد الذي ورد عنهم (عليهم السلام) ليس في القرآن ولا من ضروريات الدين فكان ينبغي ان يتقوا فيه فترك التقية في ذلك والتقية في النجاسة بعيد جدا. وفيه انه متى كان صريح القرآن التحريم فالتشديد لازم له إذ من المعلوم عند كل عالم عاقل ان مخالف صريح القرآن راد لضروري الدين وكل من كان كذلك فهو في زمرة المرتدين فافترق الامران، وبالجملة فالتحريم لما كان صريح الكتاب العزيز الموجب لكونه من ضروريات الدين فهو معلوم لكافة المسلمين فلا تدخله التقية سواء اخبروا بمجرد التحريم أو شددوا لقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1): " ثلاثة لا اتقي فيهن احدا: شرب المسكر ومسح الخفين ومتعة الحج " بل لو افتوا فيه بالتقية لربما نسبوهم الى الجهل ومخالفة الكتاب العزيز، واما الحكم بالنجاسة فلما لم يكن بتلك المثابة حيث لم يدل عليه دليل من القرآن وانما استفيد من السنة فالتقية جائزة فيه وغير مستنكرة. وبما حققناه في المقام ورفعنا عنه نقاب الابهام ظهر لك ان الحق في المسألة هو القول المشهور وان ما عداه ظاهر القصور. الله العالم. تنبيهات (الاول) المفهوم من كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان حكم جميع الانبذة المسكرة حكم الخمر في التنجيس قال في المعالم: ولا نعرف في ذلك خلافا بين الاصحاب. والظاهر ان مراده من قال من الاصحاب بنجاسة الخمر وإلا فقد عرفت مذهب الصدوق وابن ابي عقيل والجعفي في قولهم بالطهارة. واستدل في المعتبر على الحكم المذكور فقال: والانبذة المسكرة عندنا في التنجيس كالخمر لان المسكر خمر فيتناوله حكم الخمر، اما انه خمر فلان الخمر انما سمي بذلك لكونه
(1) المروية في الوسائل في الباب 22 من الاشربة المحرمة.
[ 112 ]
يخمر العقل ويستره فما ساواه في المسمى يساويه في الاسم، ولما رواه علي بن يقطين عن ابي الحسن الماضي (عليه السلام) (1) قال: " ان الله سبحانه لم يحرم الخمر لاسمها ولكن حرمها لعاقبتها فما كان عاقبته الخمر فهو خمر " وروى عطاء بن يسار عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل مسكر حرام وكل مسكر خمر " انتهى. واعترضه جملة من محققي متأخري المتأخرين كالسيد في المدارك والشيخ حسن في المعالم والسبزواري في الذخيرة وغيرهم ممن حذا حذوهم بان هذا الاحتجاج منظور فيه، قال في المعالم: لان الظاهر من كلام جماعة من أئمة اللغة ان الخمر حقيقة في المسكر من عصير العنب والعرف يساعده، وإذا ثبت كون اللفظ حقيقة في معنى لم يدل استعماله بعد ذلك في غيره على كونه حقيقة في ذلك الغير ايضا، وكون الاصل في الاستعمال الحقيقة انما هو مع عدم استلزام الاشتراك أو النقل لكونهما على خلاف الاصل، فتعارض اصالة عدمهما اصالة الحقيقة واحدهما لازم بعد ثبوت الحقيقة للفظ، وحينئذ فمجرد اطلاق لفظ الخمر على مطلق المسكر لا يدل على كونه حقيقة فيه والاعتبار الذي ذكره من جهة التسمية ليس بشئ، وإذا لم يثبت كون اللفظ حقيقة في الجميع لم يتجه الاستدلال على تعميم الحكم في الكل بما دل على نجاسة الخمر، والاشتراك في التحريم لا دلالة فيه وانما هو وجه علاقة صح من اجله استعمال لفظ الخمر في غير ما وضع له على جهة المجاز. انتهى. وعلى هذا النهج كلام غيره ممن اشرنا إليه. وعندي فيه نظر، وتوجيهه انهم ان ارادوا بكونه حقيقة في عصير العنب يعني الحقيقة الشرعية ففيه ان الحقيقة الشرعية عبارة عن استعمال اللفظ في كلام الله تعالى أو رسوله مجردا عن قرينة المجاز، وهذا اللفظ وان وقع في القرآن العزيز مجملا الا ان
(1) رواه في الوسائل في الباب 19 من الاشربة المحرمة. (2) رواه في الوسائل في الباب 15 من الاشربة المحرمة.
[ 113 ]
الاخبار قد فسرته بالمعنى الاعم وكذلك وقوعه في كلام الرسول (صلى الله عليه وآله) انما وقع بالمعنى الاعم كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى وحينئذ فيكون حقيقة شرعية في المعنى الاعم، وان ارادوا به الحقيقة اللغوية كما يفهم من كلام المحقق المذكور ومن تبعه في ذلك ففيه (اولا) انه لا يصار الى الحمل على الحقيقة اللغوية إلا مع تعذر الحمل على الحقيقة الشرعية والعرفية الخاصة كما قرروه في غير موضع. و (ثانيا) ان كلام اهل اللغة ايضا ظاهر في المعنى الاعم كما سيظهر لك في المقام. فاما ما يدل على كونه حقيقة شرعية في المعنى الاعم من كلام الله عزوجل فقوله تعالى: " يا ايها الذين آمنوا انما الخمر والميسر.. الاية " (1) روى الثقة الجليل علي بن ابراهيم في تفسير هذه الاية عن ابي الجارود عن الباقر (عليه السلام) (2) في قوله تعالى: يا ايها الذين آمنوا انما الخمر والميسر والانصاب والازلام.. " اما الخمر فكل مسكر من الشراب إذا اخمر فهو خمر، وما اسكر كثيره فقليله حرام. وذلك ان ابا بكر شرب قبل ان تحرم الخمر فسكر فجعل يقول الشعر ويبكي على قتلى المشركين من اهل بدر فسمع النبي (صلى الله عليه وآله) فقال اللهم امسك على لسانه فامسك على لسانه فلم يتكلم حتى ذهب عنه السكر فانزل الله تحريمها بعد ذلك، وانما كانت الخمر يوم حرمت بالمدينة فضيخ البسر والتمر فلما انزل الله تعالى تحريمها خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقعد في المسجد ثم دعا بآنيتهم التي كانوا ينبذون فيها فاكفأها كلها وقال هذه كلها خمر وقد حرمها الله تعالى، وكان اكثر شئ اكفئ في ذلك اليوم من الاشربة الفضيخ ولا اعلم انه اكفئ يومئذ من خمر العنب شئ إلا اناء واحد كان فيه زبيب وتمر جميعا، واما عصير العنب فلم يكن يومئذ بالمدينة منه شئ، وحرم الله تعالى الخمر قليلها وكثيرها وبيعها وشراءها والانتفاع بها.. الحديث " وهو كما ترى صريح في المراد عار عن وصمة الشبهة والايراد. ونقل في مجمع البيان عن ابن عباس في تفسير
(1) سورة المائدة، الاية 9 (2) رواه في الوسائل في الباب 1 من الاشربة المحرمة.
[ 114 ]
هذه الاية قال: " يريد بالخمر جميع الاشربة التي تسكر وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الخمر من تسع: من البتع وهو العسل ومن العنب ومن الزبيب ومن التمر ومن الحنطة ومن الذرة ومن الشعير والسلت ". واما ما يدل على ذلك من كلامه (صلى الله عليه وآله) فمنه ما تقدم في رواية عطاء بن يسار المنقولة في كلام المحقق، وما نقله في مجمع البيان عن ابن عباس عنه (صلى الله عليه وآله) ومن ذلك صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الخمر من خمسة: العصير من الكرم والنقيع من الزبيب والبتع من العسل والمرز من الشعير والنبيذ من التمر " ورواية علي بن اسحاق الهاشمي عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الخمر من خمسة.. الحديث المتقدم " وما رواه الشيخ أبو علي الحسن بن محمد الطوسي في الامالي بسنده فيه عن النعمان بن بشير (3) قال: " سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول ايها الناس ان من العنب خمرا وان من الزبيب خمرا وان من التمر خمرا وان من الشعير خمرا الا ايها الناس انهاكم عن كل مسكر " وروى الكليني في الصحيح الى الحسن الحضرمي عن من اخبره عن علي بن الحسين (عليه السلام) (4) قال: " الخمر من خمسة اشياء: من التمر والزبيب والحنطة والشعير والعسل " وروى العياشي في تفسيره عن عامر بن السمط عن علي بن الحسين (عليه السلام) (5) قال: " الخمر من ستة اشياء.. " ثم ذكر الخمسة المذكورة في حديث الحضرمي وزاد الذرة، فقد ظهر لك بما نقلناه من الأخبار تطابق كلام الله تعالى ورسوله على ان الخمر اعم مما ذكروه من التخصيص بالمتخذ من العنب فيكون حقيقة شرعية في ذلك بلا اشكال ويجب الحمل على ذلك حيثما اطلق هذا اللفظ إلا مع القرينة الصارفة عنه كما هو المقرر بينهم في الحقائق الشرعية وغيرها.
(1) و (2) و (3) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 1 من الاشربة المحرمة.
[ 115 ]
واما كلام اهل اللغة في هذا المقام فالذي يستفاد منه تصريحا في مواضع وتلويحا في اخرى ان الخمر حقيقة فيما قلناه دون عصير العنب كما زعموه، قال في القاموس: الخمر ما اسكر من عصير العنب أو عام كالخمرة وقد يذكر، والعموم اصح لانها حرمت وما بالمدينة خمر عنب وما كان شرابهم إلا البسر والتمر، سميت الخمر خمرا لانها تخمر العقل وتستره أو لانها تركت حتى ادركت واختمرت أو لانها تخامر العقل اي تخالطه.. الى آخر كلامه. وفي الصحاح سميت الخمر خمرا لانها تركت واختمرت واختمارها تغير رائحتها، ويقال وجدت خمرة الطيب اي رائحته. وفي كتاب الغريبين للهروي قوله تعالى: " ويسألونك عن الخمر والميسر " الخمر ما خامر العقل اي خالطه وخمر العقل ستره وهو المسكر من الشراب. وفي المصباح المنير للفيومي الخمر معروفة، الى ان قال ويقال هي اسم لكل مسكر خامر العقل اي غطاه. وفي مجمع البحرين بعد ذكر قوله سبحانه " انما الخمر والميسر " الخمر معروف وعن ابن الاعرابي انما سمي الخمر خمرا لانها تركت واختمرت واختمارها تغير رائحتها، الى ان قال والخمر فيما اشتهر بينهم كل شراب مسكر ولا يختص بعصير العنب، ثم نقل كلام القاموس وقال بعده ويشهد له ما روي عن الصادق (عليه السلام) وساق صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج المتقدمة. وبذلك يظهر لك تطابق الاخبار المتقدمة وكلام اهل اللغة على ما اخترناه في المقام ويظهر ضعف ما ذكره اولئك الاعلام، وبذلك يظهر ما في كلام المحقق صاحب المعالم من قوله: والاعتبار الذي ذكره من جهة التسمية ليس بشئ. ونحوه قوله في المدارك والذخيرة ان اللغات لا تثبت بالاستدلال، فان فيه ان كلام أئمة اللغة كما سمعت كله متطابق على تعليل التسمية الموجب لدوران حكم التحريم ونحوه مدار صدق الاسم وقد وقع نحوه في الاخبار ايضا كما رواه في الكافي عن علي ابي حمزة عن ابراهيم عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ان الله تعالى لما اهبط آدم امره بالحرث والزرع
(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من الاشربة المحرمة.
[ 116 ]
وطرح عليه غرسا من غرس الجنة فاعطاه النخل والعنب والزيتون والرمان فغرسها لعقبه وذريته فاكل هو من ثمارها، فقال ابليس ائذن لي ان آكل منه شيئا فابى ان يطعمه فجاء عند آخر عمر آدم، وساق الحديث الى ان قال: ثم ان ابليس بعد وفاة آدم ذهب فبال في اصل الكرم والنخلة فجرى الماء في عودهما ببول عدو الله تعالى فمن ثم يختمر العنب والتمر فحرم الله تعالى على ذرية آدم كل مسكر لان الماء جرى ببول عدو الله في النخلة والعنب وصار كل مختمر خمرا لان الماء اختمر في النخلة والكرمة من رائحة بول عدو الله تعالى " فانظر الى قوله (عليه السلام): " صار كل مختمر خمرا " من دلالته على دوران التسمية مدار حصول الاختمار كما هو الظاهر من كلام اهل اللغة ايضا وهو الذي اراده المحقق في المعتبر ولكن اولئك الفضلاء لم يعطوا التأمل حقه لا في الاخبار ولا في كلام اهل اللغة فوقعوا فيما وقعوا فيه. (فان قيل) ان جملة من الاخبار ظاهرة في اطلاق الخمر على المعنى الاخص لعطف المسكر أو النبيذ عليه ونحو ذلك من العبارات الظاهرة بل الصريحة في الاختصاص وعدم صحة الحمل على المعنى الاعم، وربما اشعر بكونه حقيقة في هذا الفرد في عرفهم (عليهم السلام) فيكون حقيقة عرفيه خاصة. مثل قوله (عليه السلام) في صحيحة علي ابن مهزيار (1) " إذا اصاب ثوبك خمر أو نبيذ يعني المسكر.. " وقوله (عليه السلام) في رواية عمار (2): " لا تصل في ثوب اصابه خمر أو مسكر حتى تغسله " وقوله (عليه السلام) في رواية يونس (3): " إذا اصاب ثوبك خمر أو نبيذ مسكر فاغسله " ونحو ذلك، وعلى هذه الروايات اعتمد في المعالم في الحكم بنجاسة كل مسكر بعد اعتراضه على كلام المحقق (قدس سره) بما قدمنا نقله. (قلت): الذي يظهر لي من تتبع الاخبار في هذا المقام ان الخمر قبل نزول التحريم انما كان يطلق عرفا على عصير العنب واطلاقه على المعنى الاعم انما وقع في كلام
(1) ص 99 (2) راجع التعليقة 3 ص 102 (3) ص 100.
[ 117 ]
الله تعالى وكلام رسوله (صلى الله عليه وآله) باعتبار الاحكام التي رتبوها عليه من حرمة أو نجاسة كما عرفت من الاحاديث المتقدمة فهي حقيقة شرعية في المعنى الاعم وان كانت عرفا انما تطلق على العصير العنبي، وهم (عليهم السلام) ربما اطلقوها على المعنى الشرعي كما تقدم في الحديثين المنقولين عن علي بن الحسين (عليه السلام) وربما اطلقوها على المعنى العرفي الدائر بين الناس كما في الاخبار المذكورة. هذا، والظاهر اتفاق كلمة الاصحاب (رضوان الله عليهم) على تخصيص الحكم بالنجاسة في المسكر بما كان مائعا بالاصالة وان عرض له الجمود دون الجامد بالاصالة كالحشيشة وان عرض له الميعان، والظاهر ان المستند في ذلك هو ان المتبادر من لفظة المسكر والنبيذ ونحوهما في الأخبار انما هو الاشربة المتخذة من تلك الاشياء المعدودة في الأخبار المتقدمة فيبقى ما عداها على حكم الاصل، واما ثبوت النجاسة لها بعد الجمود فهو من حيث توقف الطهارة بعد ثبوت النجاسة على الدليل ولم يثبت كون الجمود مطهرا فيبقى على حكم الاصل. والله العالم.
(الثاني) الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ممن قال بنجاسة الخمر في ان حكم الفقاع حكمه، ونقل العلامة في النهاية والمنتهى اجماع علمائنا على ذلك، وذكر المحقق في المعتبر عن الشيخ انه قال وألحق اصحابنا الفقاع بالخمر يعني في التنجيس وهذا انفراد الطائفة. ثم قال المحقق: ويمكن ان يقال الفقاع خمر فيلحقه احكامه اما انه خمر فلما ذكره علم الهدى (رضي الله عنه) قال: قال احمد حدثنا عبد الجبار بن محمد الخطابي عن ضمرة قال الغبيراء التي نهي النبي (صلى الله عليه وآله) عنها هي الفقاع قال وعن ابي هاشم الواسطي الفقاع نبيذ الشعير فإذا نش فهو خمر، قال وعن زيد بن اسلم الغبيراء التي نهى النبي عنها هي الاسكركة (1) وعن ابي موسى انه قال الاسكركة خمر الحبشة، ومن طريق الاصحاب ما رواه سليمان بن جعفر (2) قال: " قلت للرضا
(1) في كتب اللغة (سكركة). (2) رواه في الوسائل في الباب 28 من الاشربة المحرمة.
[ 118 ]
(عليه السلام) ما تقول في شرب الفقاع ؟ فقال هو خمر مجهول.. " وعن الوشاء (1) قال: " كتبت إليه يعني الرضا (عليه السلام) اسأله عن الفقاع ؟ فقال حرام وهو خمر " وعنه (عليه السلام) (2) قال: " هي خمرة استصغرها الناس " وقال ابن الجنيد وتحريمه من جهة نشيشه ومن ضراوة انائه إذا كرر فيه العمل. (لا يقال) الخمر من الستر وهو ستر العقل ولا ستر في الفقاع (لانا نقول) التسمية ثابتة شرعا والتجوز على خلاف الاصل فيكون حقيقة في المشترك وهو مائع حرم لنشيشه وغليانه، وإذا ثبت ان الفقاع خمر وقد بينا حكم الخمر فاطلب حكم الفقاع هناك. انتهى كلامه. قال في المعالم بعد نقل ذلك عنه: ويرد على احتجاجه باخبارنا لادخاله في حقيقة الخمر نحو ما ذكرناه في احتجاجه السابق لادخال المسكرات. واما ما حكاه عن المرتضى فغير كاف في اثبات مثله، فالعمدة إذا على الاجماع المدعى، ويؤيده ما رواه الكليني (قدس سره) عن محمد بن يحيى ثم اورد رواية ابي جميلة البصري المتقدمة. اقول: ما اورده عليه هنا في الاحتجاج باخبارنا لادخال الفقاع في حقيقة الخمر بما ذكره سابقا قد بينا ضعفه وان هذا الاطلاق حقيقة شرعية، ومن الاخبار الدالة على ما دلت عليه هاتان الروايتان المذكورتان في كلام المحقق (قدس سره) قول ابي الحسن (عليه السلام) في جواب مكاتبة ابن فضال (3) " هو الخمر وفيه حد شارب الخمر " وقول الصادق (عليه السلام) (4) في موثقة عمار: " هو خمر " وقوله (عليه السلام) في رواية الحسين القلانسي (5) " لا تقربه فانه من الخمر " وفي رواية محمد بن سنان (6) " هو الخمر بعينها " وفي رواية زرارة عن الصادق (عليه السلام) (7) " لو ان لي سلطانا على اسواق المسلمين لرفعت عنهم هذه الخمرة " وفي بعضها (8) " هو خمر مجهول وفيه حد شارب الخمر " ومن اجل هذه الاخبار رجع صاحب الذخيرة في هذا المقام
(1) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) رواه في الوسائل في الباب 27 من الاشربة المحرمة (2) رواه في الوسائل في الباب 28 من الاشربة المحرمة.
[ 119 ]
عما ذكره سابقا مما قدمنا نقله عنه، حيث قال بعد ايراد جملة من هذه الأخبار: لا يخفى انه وان امكن ايراد السابق هنا لكن الانصاف ان من هذه الاخبار يستفاد انه مثل الخمر في جميع الاحكام ويؤيده رواية ابي جميلة البصري، ثم ساق الرواية كما قدمناه. واما صاحب المدارك فانه قال: والحكم بنجاسته مشهور بين الاصحاب وبه رواية ضعيفة السند جدا نعم ان ثبت اطلاق الخمر عليه حقيقة كما ادعاه المصنف في المعتبر كان حكمه حكم الخمر، وقد تقدم الكلام فيه. انتهى. وقوله: " وقد تقدم الكلام فيه " اشارة الى مناقشة التي اشرنا إليها آنفا في عموم اطلاق الخمر، فظاهره هنا التوقف أو عدم القول بالنجاسة لعدم صدق الاطلاق عنده وحكمه بضعف الخبر الدال على النجاسة، والعجب منه (قدس سره) حيث لم يقف على ضابطة ولم يرجع الى رابطة فان الخبر الذي طعن عليه بالضعف وان كان كذلك لكن اتفاق الاصحاب على الحكم المذكور جابر لضعفه إذ لا مخالف في المسألة، ولهذا ان المحقق الشيخ حسن فيما قدمنا نقله عنه انما اعتمد على الاجماع وايده بالرواية، وهو (قدس سره) في غير موضع من كتابه قد جرى على هذه الطريقة وقد ذكر في مسألة الدم الاقل من حمصة بعد ان نقل الروايات الدالة على نجاسته وطعن فيها بضعف السند مع كونها مطابقة لمقتضى الاصل كما ذكره: " إلا انه لا خروج عما عليه معظم الاصحاب " انتهى. وعلى هذا فقس. إذا عرفت ذلك فاعلم ان المفهوم من كلام الاصحاب ان الحكم بالتحريم والنجاسة تابع للاسم فحيث ما صدق الاسم تعلقت به الاحكام، قال في المسالك بعد ذكر المصنف الفقاع: " الاصل فيه ان يتخذ من ماء الشعير كما ذكره المرتضى (رضي الله عنه) في الانتصار لكن لما كان النهي عنه معلقا على التسمية ثبت له ذلك سواء عمل منه ام من غيره، فما يوجد في اسواق اهل الخلاف مما يسمى فقاعا يحكم بتحريمه تبعا للاسم إلا ان يعلم انتفاؤه قطعا " ونحوه كلام سبطه في المدارك حيث قال بعد نقل كلام المرتضى في
[ 120 ]
الانتصار: وينبغي ان يكون المرجع فيه الى العرف لانه المحكم فيما لم يثبت فيه وضع شرعي ولا لغوي. اقول: المفهوم من الاخبار ان الفقاع على قسمين: منه ما هو حلال طاهر وهو ما لم يحصل فيه الغليان والنشيش ايام نبذه، ومنه ما هو حرام نجس وهو ما يحصل فيه الغليان، والى ذلك اشار ابن الجنيد فيما نقله عنه في المعتبر فيما قدمناه من عبارته، وجملة من الاصحاب قد عدوا كلام ابن الجنيد خلافا في المسألة حيث ان ظاهرهم القول بالتحريم مطلقا، والحق في المسألة هو مذهب ابن الجنيد وعليه تدل صحيحة ابن ابي عمير عن مرازم (1) قال: " كان يعمل لابي الحسن (عليه السلام) الفقاع في منزله، قال ابن ابي عمير ولم يعمل فقاع يغلى " ورواية عثمان بن عيسى (2) قال: " كتب عبد الله بن محمد الرازي الى ابي جعفر (عليه السلام) ان رأيت ان تفسر لي الفقاع فانه قد اشتبه علينا امكروه هو بعد غليانه ام قبله ؟ فكتب (عليه السلام) لا تقرب الفقاع إلا ما لم تضر آنيته أو كان جديدا. فاعاد الكتاب إليه اني كتبت اسأل عن الفقاع ما لم يغل فأتاني ان اشربه ما كان في اناء جديد أو غير ضار ولم اعرف حد الضراوة والجديد وسأل ان يفسر ذلك له وهل يجوز شرب ما يعمل في الغضارة والزجاج والخشب ونحوه من الاواني ؟ فكتب يجعل الفقاع في الزجاج وفي الفخار الجديد إلى قدر ثلاث عملات ثم لا يعد منه بعد ثلاث عملات إلا في اناء جديد والخشب مثل ذلك " والمستفاد منها ان الفقاع الذي يتعلق به التحريم وخرجت الاخبار بالمنع عنه وانه خمر هو الذي يغلي وغليانه عبارة عن هيجانه واغتلامه وان من الفقاع ما لا يكون كذلك وهو حلال، وحينئذ فاطلاق اصحابنا القول بالتحريم وجعلهم التحريم دائرا مدار صدق اسم الفقاع ليس في محله. ثم ان ظاهرهم كما تقدم في عبارة المحقق انه لا يشترط فيه بلوغ حد الاسكار وظاهر الاخبار ايضا ان المدار في الفرق بين الحلال والحرام من قسميه انما هو الغليان
(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 39 من الاشربة المحرمة.
[ 121 ]
وعدمه، اللهم إلا ان يدعى انه بالغليان يكون مسكرا كما في سائر الاشربة المسكرة، ولم اقف هنا على دليل قاطع يظهر منه حكم المسألة إلا الخبران المذكوران وهما غير خاليين من الاجمال كما عرفت ولكن ظاهر كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) هو ما ذكرناه كما لا يخفى على من لاحظ كلامهم، واصرح من عبارة المحقق فيما قلنا ما ذكره في مجمع البحرين للشيخ التقي الزاهد الشيخ فخر الدين بن طريح " والفقاع كرمان شئ يشرب يتخذ من ماء الشعير فقط وليس بمسكر ولكن ورد النهي عنه. قيل سمي فقاعا لما يرتفع في رأسه من الزبد ". هذا، واما ما ذكره في المدارك من انه ينبغي ان يكون المرجع فيه الى العرف لانه المحكم فيما لم يثبت فيه وضع شرعي ولا عرفي ففيه انه وان اشتهر ذلك بينهم وجعلوه من جملة القواعد التي يبنون عليها الأحكام إلا ان فيه (اولا) ان المفهوم من الأخبار على وجه لا يعتريه الانكار عند من رجع إليها وتأمل فيها بعين الاعتبار ان الواجب في صورة عدم العلم بالمعنى المراد من الخطاب الشرعي هو الفحص والبحث من اخبارهم (عليهم السلام) عن تحصيل المعنى المراد منه ومع عدم الوقف عليه هو الرجوع والوقوف على جادة الاحتياط. و (ثانيا) ان الحوالة على العرف مع ما علم يقينا من ان العرف الذي عليه الناس مختلف باختلاف البلدان والاقطار فكل قطر لهم عرف واصطلاح ليس لغيرهم من سائر الاقطار، ومن المعلوم ان الأحكام الشرعية مضبوطة معينة فكيف تناط بما هو مختلف متعدد ؟ مضافا ذلك الى ان تتبع جميع الاقطار في الاطلاع على ذلك العرف امر عسر بل متعذر كما لا يخفى، واما فيما نحن فيه من هذه المسألة فقد عرفت الحكم فيها مما نقلناه من الخبرين المذكورين حسبما ذكرنا. والله العالم.
(الثالث) الحق جمع من الاصحاب بالمسكرات في النجاسة العصير العنبي إذا على واشتد ولم يذهب ثلثاه وبعض علق الحكم على مجرد الغليان وبعضهم على الاشتداد. قال المحقق في المعتبر: " وفي نجاسة العصير بغليانه قبل اشتداده تردد اما التحريم
[ 122 ]
فعليه اجماع فقهائنا، ثم منهم من اتبع التحريم بالنجاسة والوجه، الحكم بالتحريم مع الغليان حتى يذهب الثلثان ووقوف النجاسة على الاشتداد " والمراد بالغليان انقلابه وصيرورة اسفله اعلاه وبالاشتداد الغلظ والثخانة. ولا ريب ان التحريم يترتب على مجرد الغليان بلا خلاف نصا وفتوى وانما الخلاف في النجاسة هل تترتب على ذلك ايضا أو تتوقف على الاشتداد ؟ والظاهر من كلام الشهيد في الذكرى وكذا المحقق الشيخ علي ان الاشتداد مسبب عن مجرد الغليان فالتحريم والنجاسة متلازمان. والذي عليه الأكثر هو ما صرح به المحقق هنا من تأخر الاشتداد وان بينهما زمانا متحققا كما هو المشاهد بالوجدان خصوصا في الذي يغلي من نفسه أو في الشمس. ثم ان الظاهر من كلامهم ان القول بالنجاسة هو المشهور، فممن صرح بالنجاسة المحقق في المعتبر وقال في الشرائع بعد ان ذكر المسكرات وحكم بنجاستها: وفي حكمها العصير العنبي إذا غلا واشتد والمراد بالغليان انقلابه وصيرورة اعلاه اسفله وباشتداده حصول الغلظ والثخانة فيه، وبذلك صرح العلامة في المنتهى والارشاد فعلق الحكم على الغليان والاشتداد ايضا، وفي التذكرة: والعصير إذا غلى حرم حتى يذهب ثلثاه، وهل ينجس بالغليان أو يقف على الشدة ؟ اشكال. وهو صريح في جزمه بالنجاسة وانما توقف في حصولها بمجرد الغليان أو تتوقف على الاشتداد، وفي المختلف " الخمر وكل مسكر والفقاع والعصير إذا غلى قبل ذهاب ثلثيه بالنار أو من نفسه نجس، ذهب إليه اكثر علمائنا كالمفيد والشيخ ابي جعفر والمرتضى وابي الصلاح وسلار وابن ادريس " ثم نقل خلاف ابن ابي عقيل والصدوق حسبما تقدم في الخمر " وظاهر كلامه نسبة القول بالنجاسة في جميع هذه الاشياء المعدودة في كلامه التي من جملتها العصير الى الاكثر ومنهم هؤلاء المذكورون، وبالجملة فالظاهر ان القول المذكور مشهور ولا سيما بين المتأخرين، وبذلك صرح الشهيد الثاني في الروض ايضا، والذي يظهر من الذكرى ان القائل به قليل حيث قال: وفي حكمها العصير إذا غلى واشتد في قول ابن حمزة وفي
[ 123 ]
المعتبر يحرم، ثم نقل ملخص عبارة المعتبر ثم قال وتوقف الفاضل في نهايته، الى ان قال ولم نقف لغيرهم على قول بالنجاسة. مع انه ممن قال بذلك ايضا في الرسالة الالفية. وبالجملة فان من ذكر العصير في هذا المقام فانما صرح فيه بالنجاسة ولكن جملة من المتأخرين اعترضوهم بعدم الدليل على ذلك، ولهذا قال الشهيد الثاني (قدس سره) في شرح الالفية ان تحقق القولين في المسألة مشكوك فيه بمعنى انه لا قائل إلا بالنجاسة، وفيه رد لما ذكره الشهيد في الذكرى من انه لم يقف لغير من ذكره على القول بالنجاسة، نعم قال في المدارك انه نقل عن ابن ابي عقيل التصريح بطهارته ومال إليه جدي (قدس سره) في حواشي القواعد وقواه شيخنا المعاصر سلمه الله تعالى وهو المعتمد تمسكا بمقتضى الاصل السالم عن المعارض. انتهى. والظاهر ان النقل عن ابن ابي عقيل انما هو بسبب خلافه في الخمر وقوله بطهارته المستلزم لطهارة ما حمل عليه. نعم قول المتأخرين بالطهارة لا ضير فيه ولا منافاة لما ذكرناه. وكيف كان فانا لم نقف لهم فيما ذهبوا إليه من القول بالنجاسة على دليل ولم ينقل احد منهم دليلا في المقام، قال في الذكرى على اثر الكلام المتقدم: ولا نص على نجاسة غير المسكر وهو منتف هنا. وقال في البيان ايضا انا لم نقف على نص يقتضي تنجيسه إلا ما دل على نجاسة المسكر لكنه لا يسكر بمجرد غليانه واشتداده. ونقل في المعالم عن والده في المسالك ان نجاسته من المشاهير بغير اصل. اقول: قد صرح الامين الاسترابادي في تعليقاته على المدارك باختياره القول بالنجاسة واستدل بصحيحة محمد بن عمار (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل من اهل المعرفة يأتيني بالبختج ويقول قد طبخ على الثلث وانا اعرف انه يشربه على النصف ؟ فقال خمر لا تشربه " قال واطلاق الخمر عليه يقتضي لحوق حكمه به.
(1) المروية في الوسائل في الباب 7 من الاشربة المحرمة، والراوي معاوية بن عمار كما في المتن.
[ 124 ]
اقول: هذه الرواية بهذا المتن رواها في الكافي وفي التهذيب عن معاوية بن عمار واما ما ذكره عن محمد بن عمار فالظاهر انه من سهو قلمه، وايضا في سند الرواية يونس ابن يعقوب وحديثه عندهم معدود في الموثق لتصريح جملة منهم بكونه فطحيا وان وثقه آخرون، وهذا المتن الذي نقله هو الذي في التهذيب واما المتن المنقول في الكافي فهو عار عن لفظ الخمر وهذه صورته: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل من اهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج ويقول قد طبخ على الثلث وانا اعلم انه يشربه على النصف أفاشربه بقوله وهو يشربه على النصف ؟ فقال لا تشربه " وعلى هذه الرواية فلا دلالة في الخبر، والعجب من صاحبي الوافي والوسائل قد نقلا الرواية بالمتن الذي في الكافي في الكتابين المذكورين ولم يتنبها لما في البين من الاشكال المذكور، وكيف كان فالاعتماد على ما ذكره الشيخ مع خلو الكافي عنه لا يخلو من اشكال لما عرفت من احوال الشيخ وما وقع له من التحريف والزيادة والنقصان في الأخبار، ومع اغماض النظر عن ذلك فاثبات النجاسة بذلك لا يخلو من توقف إذ لعل الغرض من التشبيه انما هو بالنسبة إلى التحريم المتفق عليه، وبالجملة فاصالة الطهارة اقوى متمسك حتى يقوم الدليل على ما يوجب الخروج عنه، ونحن انما خرجنا عنه في الفقاع لاستفاضة الروايات بكونه خمرا كما عرفت، وترتب هذا المعنى على مجرد هذه الرواية مع ما عرفت من العلة محل توقف. والله العالم.
(تذنيب) يشتمل على الكلام في حل عصير التمر والزبيب، وهذه المسألة وان كانت خارجه عن محل البحث وان الانسب بها كتاب الاطعمة والاشربة إلا انها لما كانت من الضروريات التي تلجئ الحاجة إلى معرفة حكمها لابتلاء الناس بها ووقوع الخلاف في هذه الازمنة المتأخرة فيها ولهذا كثر السؤال عنها وربما صنف فيها الرسائل واكثر القائلون فيها بالتحريم من الدلائل التي لا تصل عند التأمل إلى طائل سوى ايقاع الناس في المشاكل والمعاضل، فرأيت ان اكشف عن وجه تحقيقها نقاب الابهام واحيط
[ 125 ]
فيها باطراف النقض والابرام على وجه لم يسبق إليه سابق من الاعلام مذيلا باخبار اهل الذكر (عليهم السلام) وتحقيقات تلذها الافهام وان طال بذلك زمام الكلام فانه لما ذكرنا من اهم المهام، فاقول وبالله التوفيق ان الكلام هنا في الطهارة والنجاسة والحل والحرمة في كل من الفردين المذكورين: اما عصير الزبيب فالظاهر انه لا خلاف في طهارته وعدم نجاسته بالغليان فاني لم اقف على قائل بالنجاسة هنا، وبذلك صرح في الذخيرة ايضا فقال بعد الكلام في نجاسة العصير العنبي: وهل يلحق به عصير الزبيب إذا غلى في النجاسة ؟ لا اعلم بذلك قائلا واما في التحريم فالاكثر على عدمه. انتهى. ويلوح من كلام شيخنا الشهيد الثاني وقوع الخلاف هنا حيث قال بعد الكلام في نجاسة عصير العنب: ولا يلحق به عصير التمر وغيره حتى الزبيب على الاصح ما لم يحصل فيه خاصية الفقاع، للاصل وخروجه عن مسمى العنب وذهاب ثلثيه بالشمس. وقال في شرح الرسالة: ولا يلحق به عصير التمر وغيره اجماعا ولا الزبيب على اصح القولين للاصل وضعف متمسك القائل بالالحاق. انتهى. وهو جيد. ومن ذلك علم ان الخلاف انما هو في الزبيب واما التمر وغيره فقد عرفت نقل شيخنا المشار إليه الاجماع على عدم النجاسة فيه. بقي البحث في التحريم في كل منهما وعدمه، والبحث في ذلك يتوقف على تقديم مقدمة تشتمل على فوائد يظهر الحق منها لكل طالب وقاصد ويتضح بها ما في المسألة من المقاصد:
(الفائدة الاولى) لا يخفى ان المستفاد من اخبار اهل العصمة (عليهم السلام) ان العصير في عرفهم اسم لما يؤخذ من العنب خاصة وان ما يؤخذ من التمر انما يسمى بالنبيذ وما يؤخذ من الزبيب يسمى بالنقيع وربما اطلق النبيذ ايضا على ماء الزبيب، وهذا هو الذي يساعده العرف ايضا فانه لا يخفى ان العصير انما يطلق على الاجسام التي فيها مائية لاستخراج الماء منها كالعنب مثلا والرمان والبطيخ بنوعيه ونحو ذلك، واما الاجسام الصلبة التي فيها حلاوة أو حموضة ويراد استخراج حلاوتها أو حموضتها بالماء مثل التمر والزبيب
[ 126 ]
والسماق والزرشك ونحوها فانه انما يستخرج ما فيها من الحلاوه أو الحموضة اما بنبذها في الماء ونقعها فيه زمانا يخرج حلاوتها أو حموضتها إلى الماء أو انها تمرس في الماء من اول الامر من غير نقع أو انها تغلي بالنار لاجل ذلك، والمعمول عليه في الصدر الأول انما هو النبذ في الماء والنقع فيه كما ستطلع عليه ان شاء الله تعالى، وهذا ظاهر يشهد به الوجدان في جميع البلدان، وبهذا ايضا صرح كلام اهل اللغة، قال الفيومي في المصباح المنير في مادة عصر: عصرت العنب ونحوه عصرا من باب ضرب: استخرجت ماءه وقال في مادة نقع انقعت الدواء وغيره انقاعا: تركته في الماء حتى انتقع وهو نقيع فعيل بمعنى مفعول، إلى ان قال ويطلق النقيع على الشراب المتخذ من ذلك فيقال نقيع التمر والزبيب وغيره إذا ترك في الماء حتى ينتقع من غير طبخ. انتهى. فانظر إلى وضوح هذا الكلام في المقصود والمراد من الفرق بين القسمين والتغاير في الاسمين بجعل ما يتخذ من الاجسام المائية عصيرا وما يتخذ من التمر والزبيب ونحوهما نقيعا، وقال في باب مرس: مرست التمر مرسا من باب قتل: دلكته في الماء حتى تتحلل اجزاؤه. انتهى. وقال ابن الاثير في النهاية: وفي حديث الكرم يتخذونه زبيبا ينقعونه اي يخلطونه بالماء ليصير شرابا، الى ان قال والنقيع شراب يتخذ من زبيب أو غيره ينقع في الماء من غير طبخ. وقال في القاموس في مادة عصر: عصر العنب ونحوه يعصره فهو معصور وعصير: استخرج ما فيه، إلى ان قال وعصيره ما يحلب منه. وقال في مادة نقع: والنقيع البئر الكثيرة الماء الجمع انقعة، وشراب من زبيب أو كل ما ينقع تمرا أو زبيبا أو غيرهما. انتهى. وهي صريحة ايضا في المراد، وقال في مجمع البحرين في مادة عصر: والعصير من العنب يقال عصرت العنب عصرا من باب ضرب: استخرجت ماءه، واسم الماء العصير فعيل بمعنى مفعول. وقال في مادة نقع: والنقيع شراب يتخذ من زبيب ينقع في الماء من غير طبخ وقد جاء في الحديث كذلك. وقال في مادة نبذ: والنبيذ ما يعمل من الاشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك. انتهى. وهو ظاهر
[ 127 ]
في المطلوب على الوجه المحبوب، وعلى هذا فقد اتفق على صحة ما ذكرناه الشرع والعرف واللغة. وبذلك يظهر انه حيثما يذكر العصير في الاخبار فانما يراد به ماء العنب إلا مع قرينة تدل على العموم وان ماء التمر والزبيب لا مدخل لهما في اطلاق هذا اللفظ (فان قيل): ان التمر والزبيب بعد نقعهما في الماء وخروج حلاوتهما يعصران فيصدق عليهما العصير بذلك (قلنا) نعم انهما يعصران كما ذكرت ويطلق عليهما العصير لغة بمعنى المعصور إلا ان مبنى ما ذكرنا من الفرق والتسمية انما هو بالنسبة الى استخراج ما في تلك الاشياء من المياه أو غيرها من اول الامر فان المعصورات يستخرج ماؤها من اول الأمر بالعصر ولا يحتاج الى امر آخر غيره، واما هذه ونحوها فانها تحتاج اولا الى اضافة الماء إليها ثم نقعها أو غليها أو مرسها حتى يخرج ما فيها ثم تعصر بعد ذلك وتصفى ومن الاخبار الصريحة فيما فصلناه الدالة على ما ادعيناه صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الخمر من خمسة: العصير من الكرم والنقيع من الزبيب والبتع من العسل والمرز من الشعير والنبيذ من التمر " ونحوها ما في الكافي عن علي بن اسحاق الهاشمي وقد تقدمت قريبا، وحينئذ فما ورد في الاخبار بلفظ العصير مطلقا مثل قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد الله بن سنان (2): " كل عصير اصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه " وقوله (عليه السلام) في حسنة حماد بن عثمان (3): " لا يحرم العصير حتى يغلي " وقوله (عليه السلام) في رواية حماد ايضا (4) لما سأله عن شراب العصير فقال: " اشربه ما لم يغل فإذا غلى فلا تشربه " وفي رواية ذريح (5) " إذا نش العصير أو غلا حرم " وفي رواية محمد بن الهيثم عن رجل عن الصادق (عليه السلام) (6) قال: " سألته عن العصير
(1) المروية في الوسائل في الباب 1 من الاشربة المحرمة. (2) و (6) المروية في الوسائل في الباب 2 من الاشربة المحرمة. (3) و (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب 3 من الاشربة المحرمة.
[ 128 ]
يطبخ في النار حتى يغلي من ساعته فيشربه صاحبه ؟ قال إذا تغير عن حاله فغلى فلا خير فيه حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه " وامثال ذلك فانه يجب حمله على العصير العنبي حمل المطلق على المقيد كما هو القاعدة المشهورة والمتكررة الغير المنكورة. ومما يزيدك بيانا وايضاحا لهذا الحمل المذكور ورود جملة من الاخبار الدالة على العلة في تحريم العصير بعد غليانه وقبل ذهاب ثلثيه وحله بعد ذلك فان موردها هو العنب خاصة دون غيره من الاشربة: فمن ذلك ما رواه في الكافي عن ابي الربيع الشامي (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن اصل الخمر كيف كان بدء حلالها وحرامها ومتى اتخذ الخمر ؟ فقال ان آدم (عليه السلام) لما اهبط من الجنة اشتهى من ثمارها فانزل الله سبحانه قضيبين من عنب فغرسهما آدم فلما ان اورقا واثمرا وبلغا جاء ابليس لعنه الله فحاط عليهما حائطا فقال آدم ما حالك يا ملعون ؟ فقال له ابليس انهما لي فقال كذبت فرضيا بروح القدس فلما انتهيا إليه قص عليه آدم قصته فاخذ روح القدس ضغثا من نار ورمى به عليهما والعنب في اغصانهما حتى ظن آدم انه لم يبق منهما شئ وظن ابليس مثل ذلك، قال فدخلت النار حيث دخلت وقد ذهب منهما ثلثاهما وبقي الثلث، فقال الروح اما ما ذهب فحظ ابليس واما ما بقي فلك يا آدم " وعن الحسن بن محبوب عن خالد بن نافع عن الصادق (عليه السلام) (2) مثله ورواه الصدوق في العلل نحوه (3). وما رواه في الكافي ايضا في الحسن عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (4) قال: " لما هبط نوح (عليه السلام) من السفينة غرس غرسا فكان فيما غرس الحبلة ثم رجع إلى اهله فجاء ابليس لعنه الله فقلعها، ثم ان نوحا عاد إلى غرسه فوجده على حاله ووجد الحبلة قد قلعت ووجد ابليس عندها فاتاه جبرئيل فاخبره ان ابليس لعنه الله قلعها، فقال نوح لابليس ما دعاك الى قلعها ؟ فوالله ما غرست غرسا احب الي منها
(1) و (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 2 من الاشربة المحرمة.
[ 129 ]
ووالله لا ادعها حتى اغرسها. فقال ابليس وانا والله لا ادعها حتى اقلعها، فقال له اجعل لي منها نصيبا، فجعل له الثلث فابى ان يرضى فجعل له النصف فابى ان يرضى فابى نوح ان يزيده فقال جبرئيل لنوح يا رسول الله احسن فان منك الاحسان فعلم نوح انه قد جعل له عليها سلطان فجعل نوح له الثلثين، فقال أبو جعفر (عليه السلام) إذا اخذت عصيرا فاطبخه حتى يذهب الثلثان وكل واشرب حينئذ فذاك نصيب الشيطان " اقول: الحبلة بالضم الكرم أو اصل من اصوله على ما صرح به اهل اللغة. وروى في الكتاب المذكور ايضا في الموثق عن سعيد بن يسار عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ان ابليس لعنه الله نازع نوحا في الكرم فاتاه جبرئيل فقال ان له حقا فاعطه فاعطاه الثلث فلم يرض ابليس لعنه الله فاعطاه النصف فلم يرض فطرح جبرئيل نارا فاحرقت الثلثين وبقي الثلث فقال ما احرقت النار فهو نصيبه وما بقي فهو لك يا نوح حلال ". وروى الصدوق في العلل بسنده عن محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " كان ابي يقول ان نوحا حين امر بالغرس كان ابليس الى جانبه فلما اراد ان يغرس العنب قال هذه الشجرة لي فقال له نوح كذبت فقال ابليس فما لي منها ؟ فقال نوح لك الثلثان. فمن هنا طاب الطلاء على الثلث ". وروى فيه ايضا بسنده عن وهب بن منبه (3) قال: " لما خرج نوح من السفينة غرس قضبانا كانت معه من النخل والاعناب وسائر الثمار فاطعمت من ساعتها وكانت معه حبلة العنب وكان آخر شئ اخرج حبلة العنب فلم يجدها نوح وكان ابليس قد اخذها فخبأها فنهض نوح ليدخل السفينة فيلتمسها، الى ان قال فقال له الملك ان لك فيها شريكا في عصيرها فاحسن مشاركته فقال نعم له السبع ولي ستة اسباع فقال له الملك احسن فانت محسن فقال نوح له سدس ولي خمسة اسداس فقال له الملك احسن فانت
(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 2 من الاشربة المحرمة.
[ 130 ]
محسن فقال له خمس ولي اربعة اخماس فقال له الملك احسن فانك محسن فقال نوح له الربع ولي ثلاثة ارباع فقال له الملك احسن فانك محسن فقال له النصف ولي النصف فقال احسن فانت محسن فقال لي الثلث وله الثلثان فرضى فما كان فوق الثلث من طبخها فلابليس وهو حظه وما كان من الثلث فما دونه فهو لنوح وهو حظه فذلك هو الحلال الطيب فيشرب منه ". اقول: وقد دلت هذه الأخبار باوضح دلالة لا يعتريها الانكار ان الشراب الذي يحرم بغليانه ولا يحل إلا بذهاب ثلثيه انما هو ماء العنب لان النزاع من آدم ونوح ومن ابليس لعنه الله انما وقع في شجرة العنب خاصة دون سائر الاشجار. وحينئذ فما ورد في الأخبار من ان العصير يحرم بالغليان ولا يحل إلا بذهاب الثلثين انما اريد به عصير العنب خاصة لاكل عصير كما توهمه غير واحد من قاصري النظر وان ارتكب تخصيصه بافراد اخر، وبالجملة فاختصاص العلة الموجبة للحرمة بما اخذ من الكرم يوجب بقاء ما اخذ من غيره على اصل الحلية والاباحة، نعم يحرم المسكر منها بالنصوص المستفيضة الدالة على ان ما اسكر كثيره فكثيره وقليله حرام ويبقى ما عداه غلى بالنار أو لم يغل على اصل الحلية، ويؤيد ذلك ما ورد في جملة من اخبار العصير الذي يحرم بالغلي ويحل بذهاب ثلثيه من التعبير عنه تارة بالعصير كما عرفت فيما تقدم من الروايات وتارة يعبر عنه بالطلاء وهو ما طبخ من عصير بالعنب وتارة يعبر عنه بالبختج بالباء الموحدة ثم الخاء المعجمة ثم التاء المثناة من فوق وفي آخره جيم وهو العصير من العنب المطبوخ وهو معرب پخته ". وبالجملة فانه لا يخفى على من تأمل في الأخبار الواردة بلفظ العصير في ابواب البيوع وابواب الاشربة سؤالا وجوابا ان العصير كان شيئا معينا مخصوصا معلوما يسأل عنه تارة بجواز شربه وعدمه فيجاب بجواز شربه ما لم يغل وبعد الغلي فانه يحرم حتى يذهب ثلثاه، ويسأل عمن يشربه ذهاب ثلثيه فيجاب بانه فعل محرم، ويسأل عن جواز بيعه فيجاب بجواز بيعه
[ 131 ]
بالنقد خاصة، ونحو ذلك من الاحكام المجراة عليه في الأخبار، ولو كان المراد بالعصير انما هو المعنى اللغوي وهو كل ما يعصر وهو امر كلي شامل لافراد عديدة لا تكاد تحصى كثرة لما اطردت هذه الاحكام ولا كانت كلية في كل مقام، فان افراد العصير بهذا المعنى الذي بنوا عليه غير متفقة كما لا يخفى على ذوي الافهام فانه ليس كل شئ يعصر فانه يحرم بمجرد غليه ولا يحرم بيعه بالنسيئة ولا يتغير بتأخيره حتى يصير محرما. وها نحن نسرد لك جملة من الأخبار الواردة في ابواب البيع زيادة على ما قدمناه من الأخبار الواردة في باب الشراب، ففي صحيحة البزنطي (1) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن بيع العصير فيصير خمرا قبل ان يقبض الثمن ؟ قال فقال لو باع ثمرته ممن يعلم انه يجعله حراما لم يكن بذلك بأس واما إذا كان عصيرا فلا يباع إلا بالنقد " وفي رواية ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن ثمن العصير قبل ان يغلي لمن يبتاعه ليطبخه أو يجعله خمرا ؟ قال إذا بعته قبل ان يكون خمرا وهو حلال فلا بأس " وفي رواية يزيد بن خليفة (3) قال: " كره أبو عبد الله (عليه السلام) بيع العصير بتأخير " قال في الوافي بعد ذكر هذا الخبر: لا يؤمن ان يصير خمرا قبل قبض الثمن فيأخذ ثمن الخمر. وصحيحة رفاعة بن موسى (4) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) وانا حاضر عن بيع العصير ممن يخمره ؟ قال حلال ألسنا نبيع تمرنا ممن يجعله شرابا خبيثا ؟ " الى غير ذلك من الاخبار الواردة من هذا القبيل، ولا يخفى على المتأمل فيها انه انما اريد بالعصير فيها فرد خاص من المعصورات لا كل ما يعصر كما توهمه من لا تأمل له في الاخبار ولم يعط النظر حقه من التدبر والاعتبار، وان المراد انما هو عصير العنب بالخصوص لان الخمر كما عرفته فيما تقدم حقيقتة في ماء العنب المسكر وان كان قد اطلق شرعا على ما هو اعم منه ومن سائر المسكرات، ومن ذا الذي يدعي انه كل معتصر يصير خمرا بتأخيره زمانا وان كل معتصر فانه يحرم بمجرد غليانه حتى يتم له دعوى
(1) و (2) و (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب 88 من ابواب ما يكتسب به.
[ 132 ]
الكلية في لفظ العصير من هذه الأخبار ؟ وبالجملة فجميع الأخبار الواردة بلفظ العصير مطلقا غاية ما يتوهم منها الاطلاق بمعنى الفرد المنتشر فيصير كالنكرة المراد بها فرد شائع في جنسه، وهذا الاطلاق قد عرفت انه مقيد بالصحيحة المتقدمة والأخبار التي معها ونحوها مما دل على اختصاص العصير بماء العنب خاصة، واما الحمل على الكلية بمعنى ان المراد منها كل ما يعتصر فهو لا يمكن توهمه ممن له ادنى روية وتمييز في الأحكام فضلا عن ان يكون من ذوي الاذهان والافهام، نعم ذلك التوهم انما يتجه في صحيحة عبد الله بن سنان المسورة بكل (1) وسيأتي تحقيق الحال في ايضاحها وبيانها ان شاء الله تعالى، على ان جملة من الأخبار الواردة بالعصير في باب البيع وابواب الشراب منها ما اضيف فيها الى العنب ومنها ما اطلق ونحن هنا قد اقتصرنا على نقل ما اطلق الذي هو محل الشبهة، ولا ريب انه مع ملاحظة مطلقها والضم الى مقيدها يجب حمل المطلق على المقيد كما هو القاعدة المطردة.
(الفائدة الثانية) قد عرفت في الفائدة الاولى ان النبيذ اسم مخصوص بما يؤخذ من التمر وربما اطلق ايضا على ما يؤخذ من الزبيب، وهذه جملة من الأخبار نسردها عليك في هذه الفائدة صريحة الدلالة في ذلك ويستفاد منها ايضا ان النبيذ على قسمين: حلال وهو ما لم يسكر طبخ أو لم يطبخ، وحرام وهو ما اسكر طبخ أو لم يطبخ فمدار الحل والحرمة فيه انما هو على الاسكار وعدمه: فمن تلك الأخبار رواية الكلبي النسابة (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن النبيذ ؟ فقال حلال. فقلت انا ننبذه فنطرح فيه العكر وما سوى ذلك ؟ فقال شه شه تلك الخمرة المنتنة.. الحديث ". ورواية حنان بن سدير قال: " سمعت رجلا وهو يقول لابي عبد الله (عليه
(1) ص 127. (2) المروية في الوسائل في الباب 2 من ابواب الماء المضاف (3) المروية في الوسائل في الباب 22 من الاشربة المحرمة.
[ 133 ]
السلام) ما تقول في النبيذ فان ابا مريم يشربه ويزعم انك امرته بشربه ؟ فقال صدق أبو مريم سألني عن النبيذ فاخبرته انه حلال ولم يسألني عن المسكر، قال ثم قال (عليه السلام): ان المسكر ما اتقيت فيه احدا سلطانا ولا غيره، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل مسكر حرام وما اسكر كثيره فقليله حرام. فقال له الرجل جعلت فداك هذا النبيذ الذي اذنت لابي مريم في شربه اي شئ هو ؟ فقال اما ابي فانه كان يأمر الخادم فيجئ بقدح ويجعل فيه زبيبا ويغسله غسلا نقيا ثم يجعله في اناء ثم يصب عليه ثلاثة مثله أو اربعة ماء ثم يجعله بالليل ويشربه بالنهار ويجعله بالغداة ويشربه بالعشي وكان يأمر الخادم بغسل الاناء في كل ثلاثة ايام لئلا يغتلم فان كنتم تريدون النبيذ فهذا النبيذ " دلت هذه الرواية باطلاقها على اباحة النبيذ بجيمع انواعه عدا المسكر منه فانه (عليه السلام) اقر ابا مريم على تحليل النبيذ بقول مطلق ولم يستثن منه إلا المسكر، ومثلها رواية الكلبي المتقدمة فانه اجابه اولا بانه حلال ومراده هذا الفرد الذي ذكره (عليه السلام) وقد صرح به ايضا في آخر الخبر المذكور فلما اخبره بانه يجعل فيه العكر ونحوه مما يصير به مسكرا اجاب بانه يصير خمرا محرما. ورواية ايوب بن راشد (1) قال: " سمعت ابا البلاد يسأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن النبيذ فقال لا بأس به. فقال انه يوضع فيه العكر ؟ فقال بئس الشراب ولكن انبذوه غدوة واشربوه بالعشي.. الحديث ". وحسنة عبد الرحمان بن الحجاج (2) قال: " استأذنت على ابي عبد الله (عليه السلام) لبعض اصحابنا فسأله عن النبيذ فقال حلال فقال اصلحك الله انما سألتك عن النبيذ الذي يجعل فيه العكر فيغلي حتى يسكر ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كل مسكر حرام ".
(1) المروية في الوسائل في الباب 30 من الاشربة المباحة. (2) المروية في الوسائل في الباب 24 من الاشربة المحرمة.
[ 134 ]
ورواية ابراهيم بن ابي البلاد (1) قال: " دخلت علي ابي جعفر بن الرضا (عليه السلام).. فدعى بطبق فيه زبيب فاكلت ثم اخذ في الحديث فشكا الي معدته وعطشت فاستقيت ماء فقال يا جارية اسقيه من نبيذي فجائتني بنبيذ مريس في قدح من صفر فشربته فوجدته احلى من العسل، فقلت له هذا الذى افسد معدتك. قال فقال لي هذا تمر من صدقة النبي (صلى الله عليه وآله) يؤخذ غدوة فيصب عليه الماء فتمرسه الجارية واشربه على اثر الطعام لسائر نهاري فإذا كان الليل اخذته الجارية فسقته اهل الدار. فقلت له ان اهل الكوفة لا يرضون بهذا. قال وما نبيذهم ؟ قال قلت يؤخذ التمر فينقع ويلقى عليه القعوة. قال وما القعوة ؟ قلت الداذي. قال وما الداذي. قلت حب يؤتى به من البصرة فيلقى في هذا النبيذ حتى يغلي ثم يسكن ثم يشرب. فقال هذا حرام " وفي رواية اخرى لهذا الراوي عنه (عليه السلام) ايضا في وصف نبيذ اهل الكوفة (2) قال في آخر الخبر: " وما الداذي ؟ قلت ثقل التمر يصرى به في الاناء حتى يهدر النبيذ ويغلي ثم يسكن ويشرب. فقال هذا حرام " وحكمه (عليه السلام) بالتحريم في هذين الخبرين من حيث الاسكار وصيرورته خمرا بما يوضع فيه كما تكرر في الأخبار مما تقدم ويأتي ان شاء الله تعالى من اضافة المسكر الى النبيذ في حال نضحه وغليانه وتصريحهم (عليه السلام) بانه يصير خمرا مسكرا. وموثقة سماعة (3) قال " سألته عن التمر والزبيب يطبخان للنبيذ ؟ فقال لا وقال كل مسكر حرام. وقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما اسكر كثيره فقليله حرام. وقال لا يصلح في النبيذ الخميرة وهي العكرة " اقول: انما منع (عليه السلام) من طبخها للنبيذ لكون المعمول يومئذ هو الطبخ الذي تكرر في الاخبار المنع من وضع العكر فيه حتى يصير مسكرا كما يدل عليه تتمة الخبر المذكور.
(1) و (2) رواها في الوسائل في الباب 24 من الاشربة المحرمة. (3) المروية في الوسائل في الباب 17 من الاشربة المحرمة.
[ 135 ]
ورواية يزيد بن خليفة (1) وهو رجل من بني الحارث بن كعب قال: " اتيت المدينة وزياد بن عبيدالله الحارثي عليها فاستأذنت على ابي عبد الله (عليه السلام) فدخلت عليه وسلمت عليه وتمكنت من مجلسي فقلت لابي عبد الله (عليه السلام) اني رجل من بني الحارث بن كعب قد هداني الله تعالى الى محبتكم ومودتكم اهل البيت. قال فقال لي أبو عبد الله (عليه السلام): كيف اهتديت الى مودتنا اهل البيت فوالله ان محبتنا في بني الحارث بن كعب لقليل ؟ قال: فقلت له جعلت فداك ان لي غلاما خراسانيا وهو يعمل القصارة وله همشهريجون اربعة وهم يتداعون كل جمعة فتقع الدعوة على رجل منهم فيصب غلامي في كل خمس جمع جمعة فيجعل لهم النبيذ واللحم، قال ثم إذا فرغوا من الطعام واللحم جاء باجانة فملأها نبيذا ثم جاء بمطهرة فإذا ناول انسانا منهم قال لا تشرب حتى تصلي على محمد وآل محمد، واهتديت الى مودتكم بهذا الغلام. قال فقال لي استوص به خيرا واقرأه مني السلام وقل له يقول لك جعفر بن محمد (عليه السلام) انظر الى شرابك هذا الذى تشربه فان كان يسكر كثيره فلا تقربن قليله فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال كل مسكر حرام.. الحديث " فانظر الى ظهور هذا الخبر في عموم تحليل النبيذ مطلقا عدا المسكر منه فان المقام مقام البيان والحاجة وقصده (عليه السلام) هداية ذلك الغلام الى الحلال دون الحرام، فلو كان هنا فرد آخر من النبيذ غير المسكر حراما لنبه عليه ولمنعه من شربه. ورواية الفضيل بن يسار عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن النبيذ فقال حرم الله تعالى الخمر بعينها وحرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الاشربة كل مسكر " والتقريب ان السائل سأل عن النبيذ وما يحل منه وما يحرم فأجاب (عليه السلام) بان الذي حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الأشربة هو ما اسكر
(1) المروية في الوافي ج 11 ص 83 وقطعة منها في الوسائل في الباب 17 من الاشربة المحرمة (2) المروية في الوسائل في الباب 15 من الاشربة المحرمة.
[ 136 ]
خاصة، خرج منه العصير العنبي إذا غلى ولم يذهب ثلثاه بالنصوص وبقى ما عداه تحت الأطلاق. ورواية يونس بن عبد الرحمان عن مولى حر بن يزيد (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) فقلت له اني اصنع الاشربة من العسل وغيره وانهم يكلفوني صنعها أفاصنعها لهم ؟ قال فاصنعها وادفعها إليهم وهو حلال من قبل ان يصير مسكرا " وفيه كما ترى دلالة على انه لا يحرم من الاشربة إلا المسكر وما عداه فهو حلال لان المقام مقام البيان فلو كان ثمة فرد آخر لذكره (عليه السلام). وصحيحة صفوان (2) قال: " كنت مبتلى بالنبيذ معجبا به فقلت لابي عبد الله (عليه السلام) اصف لك النبيذ ؟ فقال بل انا اصفه لك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل مسكر حرام وما اسكر كثيره فقليله حرام. فقلت هذا نبيذ السقاية بفناء الكعبة ؟ فقال لي ليس هكذا كانت السقاية انما السقاية زمزم أفتدري من اول من غيرها ؟ قلت لا. قال العباس بن عبد المطلب كانت له حبلة أفتدري ما الحبلة ؟ قلت لا. قال: الكرم كان ينقع الزبيب غدوة ويشربه بالعشي وينقعه بالعشي ويشربه من الغد يريد ان يكسر غلظ الماء عن الناس وان هؤلاء قد تعدوا فلا تشربه ولا تقربه " والتقريب فيها انه (عليه السلام) اضرب عن وصف السائل الى الوصف بالاسكار الموجب للتحريم فلو كان للنبيذ قسم آخر محرم وهو ما غلى وان لم يسكر لما حسن هذا الاضراب الى المسكر بخصوصه كما لا يخفى. وصحيحة معاوية بن وهب (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ان رجلا من بني عمي وهو من صلحاء مواليك أمرني ان اسألك عن النبيذ فاصفه لك فقال انا اصفه لك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كل مسكر حرام وما اسكر كثيره فقليله
(1) المروية في الوافي ج 11 ص 91. (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 17 من الاشربة المحرمة.
[ 137 ]
حرام.. الحديث " والتقريب كما تقدم في سابقه. ورواية كليب الاسدي (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن النبيذ فقال ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطب الناس فقال في خطبته ايها الناس ألا ان كل مسكر حرام ألا وما اسكر كثيره فقليله حرام ". ورواية محمد بن مسلم (2) قال: " سألته عن نبيذ قد سكن غليانه ؟ فقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل مسكر حرام " الى غير ذلك من الأخبار الواردة في هذا المضمار. وكلها كما ترى واضحة المقالة متطابقة الدلالة على انه لا يحرم من النبيذ غير المسكر لان السؤالات في هذه الأخبار كلها عن النبيذ ما الذي يحل منه وما الذى يحرم منه ؟ فأجابوا (عليهم السلام) في بعض بان الحلال منه هو النقيع الذي لم يكثر مكثه وفي جملة ان جميع ما يطبخ ويغلى بالنار فانه يصير مسكرا وذلك بما اعتاد عليه الناس في تلك الازمان من وضع العكر فيه المعبر عنه بالخميرة والداذي، والظاهر انه من المسكر القديم الذي يضعونه في هذا الماء الجديد الذي يطبخونه حتى يسرع باسكاره فيكون مثل الخمير الذي يوضع في العجين وعلى هذا كانت عادتهم في النبيذ المطبوخ، فلذا خرجت الاخبار عنهم (عليهم السلام) مستفيضة بتحريمه والتصريح بكونه مسكرا، ولو كان مجرد الغليان يوجب التحريم وان لم يبلغ حد الاسكار لجرى له ذكر أو اشارة في بعض هذه الاخبار وما ادعاه بعض فضلاء المعاصرين من انه بمجرد الغليان يحصل منه السكر أو مبادئه باعتبار بعض الامزجة أو بعض الامكنة والاهوية وصنف في القول بتحريم عصير التمر رسالة اكثر فيها بزعمه من الدلائل وهي تطويل بغير طائل. ومن جملته دعواه في الجواب عن هذه الاخبار بحصول الاسكار في ماء التمر بمجرد الغليان اشتد أو لم يشتد
(1) المروية في الوسائل في الباب 17 من الاشربة المحرمة. (2) المروية في الوسائل في الباب 25 من الاشربة المحرمة.
[ 138 ]
فلا يخفى ما فيه على العارف النبيه فضلا عن الحاذق الفقيه، وهذه عامة الناس في جميع الاقطار يطبخون الاطعمة بعصير التمر والدبس بل يطبخونها خاصة ويأكلونها ولم يدع احد منهم حصول الاسكار، وبالجملة فبطلان هذا الكلام اظهر من ان يحتاج الى تطويل في المقام ولا شاهد ابلغ من ضرورة العيان وعدول الوجدان. ومن اظهر الاخبار في الباب واوضحها دلالة عند ذوي الالباب ما رواه في الكافي بسنده عن محمد بن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (1) قال: " قدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) من اليمن قوم فسألوه عن معالم دينهم فأجابهم فخرج القوم باجمعهم فلما ساروا مرحلة قال بعضهم لبعض نسينا ان نسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عما هو اهم الينا ثم نزل القوم ثم بعثوا وفدا لهم فاتى الوفد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا يا رسول الله ان القوم بعثوا بنا اليك يسألونك عن النبيذ ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما النبيذ صفوه لي ؟ فقالوا يؤخذ من التمر فينبذ في اناء ثم يصب عليه الماء حتى يمتلئ ويوقد تحته حتى ينطبخ فإذا انطبخ اخذوه فالقوه في اناء آخر ثم صبوا عليه ماء ثم يمرس ثم صفوه بثوب ثم يلقى في اناء ثم يصب عليه من عكر ما كان قبله ثم يهدر ويغلى ثم يسكن على عكره. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يا هذا قد اكثرت أفيسكر ؟ قال نعم. قال فكل مسكر حرام. قال فخرج الوفد حتى انتهوا الى اصحابهم فاخبروهم بما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال القوم ارجعوا بنا الى رسول الله حتى نسأله عنها شفاها ولا يكون بيننا وبينه سفير فرجع القوم جميعا فقالوا يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ارضنا ارض دوية ونحن قوم نعمل الزرع ولا نقوى على العمل إلا بالنبيذ ؟ فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) صفوه لي فوصفوه كما وصف اصحابهم فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) أفيسكر ؟ فقالوا نعم. قال كل مسكر حرام.. الحديث " وقد جاء هذا الخبر مفصلا باوضح تفصيل لا يعتريه القال والقيل وهو صريح في المطلوب
(1) رواه في الوافي ج 11 ص 87 وفي الوسائل في الباب 24 من الاشربة المحرمة.
[ 139 ]
والمراد عري عن وصمة الشك والايراد. وهذا الخبر ظاهر في الرد على ذلك الفاضل المتقدم ذكره المدعي لحصول الاسكار بالغليان، فانه لو كان الأمر كما توهمه لم يكن لسؤال النبي (صلى الله عليه وآله) عن الاسكار معنى فان الرجل قد ذكر في حكايته عن صفة النبيذ انه غلى مرتين وفي الغلية الثانية وضع فيه العكر ولو كان السكر يحصل بمجرد الغليان لحرمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمجرد الغليان الأول، وبالجملة فالحديث المذكور واضح الظهور ساطع النور إلا على من اعترى فهمه وذهنه نوع فتور وقصور، والله الهادى لمن يشاء.
(الفائدة الثالثة) المستفاد من الاخبار المتقدمة في الفائدة الاولى ان العصير العنبي على قسمين منه ما يغلي ومنه ما لا يغلي، والاول منه ما يكون محرما وهو ما غلى قبل ذهاب ثلثيه وما يكون حلالا وهو قبل الغلي وما بعد ذهاب الثلثين، والقسم الثاني ايضا منه ما يكون محرما وهو ما طال مكثه حتى اختمر وصار مسكرا ومنه ما هو حلال وهو ما لم يبلغ الحد المذكور. واما النبيذ كما صرحت به الاخبار في الفائدة الثانية فليس إلا قسمان غلى أو لم يغل: ان اسكر فهو حرام وان لم يسكر فهو حلال، والاسكار يقع فيه تارة بطول مكثه في الاناء حتى يختمر ويصير مسكرا كما يشير إليه حديث السقاية وقوله (عليه السلام) بعد ذكر ما كان العباس يفعله لكسر غلظة الماء: " وان هؤلاء قد تعدوا فلا تشربه " يعني انه لما وصلت النوبة الى هؤلاء المستحلين لشرب النبيذ المسكر تعدوا في الزيادة في التمر والزبيب الذي ينبذونه وطول مكثه في الاواني حتى صار مسكرا، واليه يشير ايضا قوله (عليه السلام) في حديث حنان بن سدير: " وكان يأمر الخادم بغسل الاناء في كل ثلاثة ايام لئلا يغتلم " والاغتلام لغة الاشتداد والمراد الكناية عن بلوغ حد الاسكار، وتارة بالغلي ووضع العكر فيه كما صرحت به الاخبار المتقدمة. وبالجملة فانه قد علم من هذه الاخبار كملا ان المحرم من العصير العنبي قسمان احدهما ما على ولم يذهب ثلثاه والثاني ما اسكر، واما المحرم من النبيذ فليس إلا المسكر خاصة فلو كان
[ 140 ]
ثمة قسم آخر يكون محرما وهو ما غلى ولم يذهب ثلثاه من غير عصير العنب لوصلت الينا به الاخبار ودلت عليه الاثار وهي كما دريت خالية من ذلك، وروايات نزاع ابليس مع آدم ونوح المصرحة بعلة التحريم بعد الغليان حتى يذهب الثلثان موردهما انما هو العنب خاصة. (فان قيل) ان ابليس قد نازع آدم في النخل ايضا لما رواه في الكافي بسنده عن علي بن ابي حمزة عن ابراهيم عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ان الله تعالى لما اهبط آدم من الجنة امره بالحرث والزرع وطرح إليه غرسا من غروس الجنة فاعطاه النخل والعنب والزيتون والرمان فغرسها ليكون لعقبه وذريته واكل هو من ثمارها، فقال له ابليس لعنه الله يا آدم ما هذا الغرس الذي لم اكن اعرفه في الارض وقد كنت فيها قبلك ؟ فقال ائذن لي آكل منها فابى آدم ان يطعمه فجاء ابليس عند آخر عمر آدم وقال لحواء انه قد اجهدني الجوع والعطش فقالت له حواء فما الذي تريد ؟ فقال اريد ان تذيقني من هذه الثمار. فقالت حواء ان آدم عهد الي ان لا اطعمك شيئا من هذا الغرس لانه من الجنة ولا ينبغي لك ان تأكل منها شيئا ؟ فقال لها فاعصري في كفي شيئا منه فابت عليه فقال ذريني امصه ولا آكله فاخذت عنقودا من عنب فاعطته فمصه ولم يأكل منه لما كانت حواء قد اكدت عليه فلما ذهب بعضه جذبته حواء من فيه فأوحى الله تعالى إلى آدم ان العنب قد مصه عدوي وعدوك ابليس لعنه الله وقد حرمت عليك من عصيره الخمر ما خالطه نفس ابليس فحرمت الخمر لان عدو الله ابليس مكر بحواء حتى مص العنب ولو اكله لحرمت الكرمة من اولها الى آخرها وجميع ثمارها وما يخرج منها، ثم انه قال لحواء لو امصصتني شيئا من هذا التمر كما امصصتني من العنب فاعطته تمرة فمصها وكان العنب والتمر اشد رائحة واذكى من المسك الاذفر واحلى من العسل، فلما مصهما عدو الله ابليس ذهبت رائحتهما وانتقصت حلاوتهما، قال أبو عبد الله (عليه
(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من الاشربة المحرمة.
[ 141 ]
السلام) ثم ان ابليس الملعون ذهب بعد وفاة آدم فبال في اصل الكرمة والنخلة فجرى الماء في عروقهما من بول عدو الله فمن ثم يختمر العنب والتمر فحرم الله تعالى على ذرية آدم كل مسكر لان الماء جرى ببول عدو الله في النخل والعنب. وصار كل مختمر خمرا لان الماء اختمر في النخلة والكرمة من رائحة بول عدو الله تعالى ابليس ". (قلت): هذا الخبر بحمد الله تعالى ان لم يكن حجة لنا لا يكون علينا وذلك ان سياق الخبر كما تقدمت الاشارة إليه انما هو في بيان العلة في تحريم المسكر من العنب والتمر وغيرهما، ألا ترى إلى قوله (عليه السلام): " فأوحى الله تعالى إلى آدم ان العنب قد مصه عدوي وعدوك ابليس لعنه الله وقد حرمت عليك من عصيره الخمر ما خالطه نفس ابليس فحرمت الخمر لان عدو الله.. الخ "، والى قوله (عليه السلام) بعد حكاية بول ابليس لعنه الله في اصل الكرمة والنخلة: " فجرى الماء في عروقهما من بول عدو الله فمن ثم يختمر العنب والتمر فحرم الله على ذرية آدم كل مسكر.. الخ " ولا دلالة فيه ولا اشارة الى التحريم في التمر بمجرد الغليان كما تقدم في اخبار العصير العنبي.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام في هذه المسألة يقع في مقامات ثلاثة:
(الاول) في ماء التمر إذا غلى ولم يذهب ثلثاه، والمشهور بل كاد ان يكون اجماعا بل هو اجماع هو القول بحليته فانا لم نقف على قائل بالتحريم ممن تقدمنا من الاصحاب وانما حدث القول بذلك في هذه الاعصار المتأخرة، فممن ذهب إليه شيخنا أبو الحسن الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني والمحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي على ما يظهر من الوسائل ثم اشتهر ذلك الان بين جملة من الفضلاء المعاصرين حتى صنفوا فيه الرسائل واكثروا من الدلائل التي لا ترجع إلى طائل، وهذا هو الذي حدانا على تطويل الكلام في هذه المسألة في هذا المقام وان كانت خارجة عن محل البحث إلا بنوع مناسبة تقتضي الدخول في سلكه والانتظام.
[ 142 ]
وربما توهم وقوع الخلاف في الحكم المذكور من بعض عبارات الاصحاب مثل عبارة المحقق في كتاب الحدود من الشرائع حيث قال: " واما التمري إذا غلى ولم يبلغ حد الاسكار ففي تحريمه تردد والاشبه بقاؤه على التحليل حتى يبلغ الشدة المسكرة " انتهى ومثله عبارة الشهيد في الدروس حيث قال بعد الكلام في عصير الزبيب وحكمه بتحليل المعتصر منه: " واما عصير التمر فقد احله بعض الاصحاب ما لم يسكر، وفي رواية عمار.. الخ ". (1) وانت خبير بان العبارة الاولى لا دلالة فيها بوجه على وجود القول بالتحريم لان التردد في الحكم لا يستلزم وجود الخلاف فيه بل قد يكون منشأه تعارض الادلة فيه أو ضعف المستند دلالة أو سندا أو تعارض احتمالين في ذلك كما هو دأب العلماء في كثير من عبائرهم ومن ثم قال الشهيد الثاني في المسالك في شرح هذه العبارة: وجه التردد في عصير التمر أو هو نفسه إذا غلى، من دعوى صدق اسم النبيذ عليه حينئذ ومشابهته لعصير العنب، ومن اصالة الاباحة ومنع صدق اسم النبيذ المحرم عليه حقيقة ومنع مساواته لعصير العنب في الحكم لخروج ذلك بنص خاص فيبقى غيره على اصل الاباحة وهذا هو الاصح. انتهى. ويؤيد ما قلناه ايضا ما صرح به الفاضل الشيخ احمد بن فهد (قدس سره) في المهذب حيث قال: كل حكم مستفاد من لفظ عام أو مطلق أو من استصحاب يسمى بالاشبه لان ما كان مستند الترجيح التمسك بالظاهر والاخذ بما يطابق ظاهر المنقول يكون اشبه باصولنا، فكل موضع يقول فيه: " الاشبه " يريد هذا المعنى، والاصح ما لا احتمال فيه عنده، والتردد ما احتمل الامرين، ثم قال بعد ذلك: وربما كان النظر والتردد في المسألة من المصنف خاصة لدليل انقدح في
(1) المروية في الوسائل في الباب 37 من الاشربة المحرمة، واللفظ هكذا: " سألته يعنى ابا عبد الله " عليه السلام " عن النضوح ؟ قال يطبخ التمر حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه ثم يمتشطن " وسيأتي التعرض لها ص 149.
[ 143 ]
خاطره. انتهى وفيه كما ترى دلالة واضحة على ان المحقق (قدس سره) بل غيره من الفقهاء ايضا قد يقولون على الاصح أو يترددون أو ينتظرون في المسألة وان كانت اجماعية. واغرب من ذلك ان المحقق في كتاب المختصر في مسألة كثير السفر قال: وضابطه ان لا يقيم في بلدة عشرة ايام ولو اقام في بلده أو غيره ذلك قصر، وقيل هذا يختص بالمكاري فيدخل الملاح والاجير. انتهى. قال في المهذب: ولم نظفر بقائله ولعله سمعه من معاصر له في غير كتاب مصنف فقال " قيل ". وقال في التنقيح: لم نسمع من الشيوخ قائله ولكن قال بعض الفضلاء كأنه هو نفسه القائل. ونقل عن الشهيد (قدس سره) انه قال انه احتمال عنده. وبذلك يظهر ان العبارة المذكورة وان توهم منها في بادئ النظر حصول الخلاف في المسألة إلا انه عند التأمل الدقيق لا ينبغي الالتفات إليه، وبه يظهر ايضا ما في كلام شيخنا المشار إليه آنفا حيث قال: وما يقال ان النزاع انما هو في العصير الزبيبي كما يفهم من شرح الشرائع في الاطعمة والاشربة واما التمري فلا نزاع في اباحته وقد ادعى الاجماع عليه بعض الفضلاء مردود بان الظاهر من كلام المحقق في الشرائع في كتاب الحدود خلافه وان المسألة ليست اجماعية كما قد يظن، فانه قال: واما التمري إذا غلى ولم يبلغ الاسكار ثم ساق العبارة المتقدمة، ثم قال ودلالته على المدعى واضحة. انتهى. اقول: قد عرفت ما فيه. واما عبارة الدروس فغاية ما تدل عليه هو اسناد التصريح بالحلية الى بعض الأصحاب وهذا لا يستلزم ان البعض الاخر قائل بالتحريم بل الظاهر ان مراده ان بعض الاصحاب نص على الحلية وصرح بها والبعض الاخر لم يصرح بشئ نفيا ولا اثباتا، وهو كذلك فان كثيرا منهم لم يتعرضوا لذكر ماء التمر المغلى بالكلية ومن ذكره منهم فانما وصفه بالحلية دون التحريم، وكيف كان فغاية ما يشعر به كلامه هنا هو التوقف في الحكم لرواية عمار المشار إليها في كلامه وسيأتي الكلام فيها ان شاء الله تعالى، ومما يساعد على ما ادعيناه المسالك في كتاب الاطعمة والاشربه وهي المشار إليها في
[ 144 ]
كلام شيخنا المتقدم، حيث قال في الكتاب المذكور بعد البحث في عصير العنب: والحكم مختص بعصير العنب فلا يتعدى إلى غيره كعصير التمر ما لم يسكر للاصل ولا إلى العصير الزبيب على الاصح.. الخ. ونحوه في الروض وشرح الرسالة، واعتراض شيخنا المتقدم عليه بما ذكره قد عرفت بطلانه. واياما كان فالاعتماد عندنا في الاحكام على الأدلة الواردة في المقام لا على الخلاف أو الوفاق من العلماء الاعلام: ومما يدل على الحلية في هذه المسألة الاصل والايات والاخبار كقوله سبحانه: ".. خلق لكم ما في الارض.. " (1) وقوله عزوجل: " قل لا اجد فيما اوحي الي محرما على طاعم يطعمه إلا ان يكون ميتة أو دما مسفوحا.. الاية " (2) وقوله تعالى: " انما حرم عليكم الميتة والدم.. " (3) وقوله: " يسألونك ماذا احل لهم قل احل لكم الطيبات.. الاية إلى وطعامكم حل لهم " (4) وقوله ".. لا تحرموا طيبات ما احل الله لكم.. " (5) وغيرها خرج ما خرج بدليل فيبقى الباقي تحت العموم، وقول الصادق (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم (6): " انما الحرام ما حرم الله تعالى ورسوله في كتابه " عقيب الامر بقراءة " قل لا اجد.. الاية " وقول احدهما (عليهما السلام) في صحيحة زرارة (7) " وانما الحرام ما حرم الله في كتابه " وقول الباقر (عليه السلام) في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (8): " انما الحرام ما حرم الله في القرآن " وفي صحيحة محمد بن مسلم (9): " ليس الحرام إلا ما حرم الله تعالى في كتابه " ثم قال: " اقرأ هذه الاية: قل لا
(1) سورة البقرة. الاية 29 (2) سورة الانعام. الاية 146 (3) سورة البقرة. الاية 173 (4) سورة المائدة. الاية 4 (5) سورة المائدة. الاية 87 (6) المروية في الوسائل في الباب 9 من الاطعمة المحرمة (7) المروية في الوسائل في الباب 6 من الاطعمة المحرمة. (8) المروية في الوسائل في الباب 4 من الاطعمة المحرمة. (9) المروية في الوسائل في الباب 5 من الاطعمة المحرمة.
[ 145 ]
اجد.. الاية " ويدل على ذلك ما قدمناه من الاخبار في الفائدة الثانية المصرحة بان المحرم من النبيذ هو المسكر خاصة ولا سيما رواية الوفد. استدل شيخنا أبو الحسن المشار إليه آنفا على التحريم في العصير التمري والزبيبي بصحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " كل عصير اصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه " قال وروى ايضا في الحسن عنه (عليه السلام) (2): " اي عصير اصابته النار فهو حرام " وكلمتا " كل واي " صريحتان في العموم فمقتضاهما تحريم الزبيبي والتمري إلا ان يثبت كون العصير حقيقة شرعية أو عرفية في عصير العنب خاصة كما ادعاه جماعة، وانت خبير بان هذه الدعوى في حيز المنع إذ لم نظفر لها بمستند يعتمد عليه واستسلاقها في هذا المقام مجازفة محضة وعباراتهم طافحة بتسميتهما عصيرا ومع هذا الاطلاق لا يليق منهم انكاره فيبقى عموم النص شاملا له، مع ان رواية زيد النرسي (3) بالنون والراء والسين المهملتين شاهدة به وفي رواية علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (4) اشعار ما به كما لا يخفى على العارف باساليب الكلام وان لم تدل عليه صريحا. انتهى كلامه. اقول: فيه زيادة على ما عرفت نظر من وجوه: (الاول) ان ما ذكره من رواية ابن سنان وجعله لها روايتين وان احدهما صحيحة والاخرى حسنة وان احداهما بلفظ " كل " والاخرى بلفظ " اي " لا وجود له في كتب الاخبار ولا نقله ناقل من علمائنا الابرار، والموجود فيها رواية واحدة وهي الاولى إلا انها صحيحة في التهذيب وحسنة
(1) المروية في الوسائل في الباب 2 من الاشربة المحرمة (2) سيتعرض المصنف (قدس سره) في الوجه الاول من وجوه النظر لعدم وجود رواية لابن سنان بهذا اللفظ. (3) المروية في مستدرك الوسائل في الباب 2 من الاشربة المحرمة وستأتي في المقام الثاني (4) المروية في الوسائل في الباب 8 من الاشربة المحرمة وستأتي في المقام الثاني.
[ 146 ]
في الكافي، واما الثانية فلم اقف عليها ولم يذكرها في الوافي الجامع لكتب الاخبار الاربعة ولا في الوسائل الجامع للكتب الاربعة وغيرها.
(الثاني) ان ما ادعاه من العموم في العصير مردود بما اوضحناه في الفوائد المتقدمة بما لا مزيد عليه وهو ان العصير مخصوص بما يؤخذ من العنب وان ما يؤخذ من التمر والزبيب انما يطلق عليه النقيع والنبيذ، فهذه الاسماء قد صارت حقائق عرفية في زمانهم وعرفهم (عليه السلام) كما اطلقوا ايضا على عصير العنب الطلاء تارة والبختج اخرى، وعاضد على ذلك كلام اهل اللغة ايضا كما سمعت من عبائرهم، ولكنه لقصور تتبعه (قدس سره) للاخبار وعدم مراجعته لكلام اهل اللغة في هذا المضمار وقع فيما وقع فيه. بقي الكلام هنا في التعبير في هذه الصحيحة بلفظة " كل " المشعر بوجود افراد متعددة لذلك، ويمكن ان يكون الوجه في ذلك ما ذكره بعض مشايخنا المحققين من متأخرين المتأخرين من ان ذلك باعتبار كون المراد منه ما هو اعم من ان يسكر كثيره ام لا اخذ من كافر أو مسلم مستحل لما دون الثلث ام لا عارف ام لا. اقول: ويؤيده ورود الاخبار في حل المعصرات المأخوذة من ايدي هؤلاء وعدمه بالفرق في بعضها بين العارف وغيره وفي بعض بين من يستحله على الثلث وغيره ممن يشربه على النصف وكذا بالنسبة إلى المسلم وغيره، وبهذا يتم معنى الكلية في الخبر المذكور ويندفع عنه النقص والقصور.
(الثالث) انه منع العدول عن حمل العصير في الخبر على ما ذكرناه من عصير العنب فليس إلا الحمل على المعنى اللغوي الذي هو عبارة عن كل معصور، والحمل على هذا المعنى مما لا يخفى بطلانه على محصل إذ يلزم من الحكم بصحة هذا المعنى الحكم بتحريم كل عصير إذا غلى ولا ريب انه مخالف لما علم ضرورة من مذهب الاسلام من اباحة الاشربة ومياه العقاقير والادوية التي تطبخ ومياه الفواكه والبقول ونحو ذلك،
[ 147 ]
ولو رجع الى تخصيصها بالنصوص فالذي صرحت به النصوص بان يتم له تخصيص هذا الخبر به انما هو السكنجبين ورب التوت والرمان والتفاح والسفرجل والجلاب وهو العسل المطبوخ بماء الورد حتى يتقوم، وحينئذ فما عدا هذه المعدودة الموجودة في النصوص يبقى داخلا في عموم الخبر على زعمه ولا اظنه يلتزمه ويقول به، والتخصيص بالعنبي والتمري تحكم محض مع انه ارتكاب للتخصيص البعيد الذي قد منع صحته جماعة من الاصوليين، وبالجملة فصدور هذه الكلية عنهم (عليهم السلام) مع خروج اكثر افراد الموضوع عن الحكم بعيد جدا بل مما يكاد يقطع ببطلانه سيما مع كون الخروج بغير دليل ولا مخصص وبهذا يظهر انه لا يجوز ان تكون الكلية والعموم في الخبر المذكور باعتبار المعنى اللغوي الذي توهمه.
(الرابع) قوله: " إلا ان يثبت كون العصير حقيقة.. الخ " فان فيه انه قد ثبت ذلك على وجه لا يعتريه الاشكال ولا يحوم حوله الاختلال إلا لمن لم يعط التأمل حقه في هذا المجال ولم يسرح بريد النظر كما ينبغي في اخبار الال عليهم صلوات ذي الجلال كما اوضحناه باوضح مقال وكشفنا عنه نقاب الاجمال بما لم يسبق إليه سابق من علمائنا الابدال، وايده ايضا مضي العلماء عليه سلفا وخلفا فان احدا منهم لم يتوهم هذا المعنى الذي تفرد به وذهب إليه، والقائلون بتحريم العصير الزبيبي انما استندوا الى صحيحة علي بن جعفر الاتية مع ان صحيحة عبد الله بن سنان المذكورة بمرئى منهم ومنظر وهي بالاستدلال لو كانوا يفهمون من العصير هذا المعنى الذي توهمه اوضح واظهر، وانما فهموا منه انه عبارة عن ماء العنب خاصة فهو اجماع أو كالاجماع منهم (رضوان الله عليهم)، وقد عرفت ايضا مساعدة كلام اهل اللغة لهم باعتبار تخصيصهم لما يتخذ من التمر والزبيب بالنقيع أو النبيذ. واما ما ذكره من ان عباراتهم طافحة بتسميتهما عصيرا فلا يليق منهم انكاره ففيه ان عبارات اكثرهم خالية من هذا وان ذكره بعضهم فهو على نوع من مجاز المشاكلة، واما انكاره فمتعلقه الحكم لا التسمية
[ 148 ]
واحدهما غير الاخر، وبذلك يظهر لك ان المجازفة انما هو في البناء على هذه الاوهام من غير اعطاء التأمل حقه في المقام والخروج عما عليه كافة العلماء الاعلام والمخالفة لنصوص اهل الذكر عليهم افضل الصلاة والسلام.
(الخامس) ما ذكره بقوله: " مع ان رواية زيد النرسي.. الخ " فان فيه ان رواية زيد النرسي التي موردها مخصوص بالزبيب وسيأتي الكلام فيه ان شاء الله تعالى ضعيفة فان زيد النرسي مجهول في الرجال واصله المنقول منه هذا الخبر مطعون فيه كما ذكره الشيخ في الفهرست، حيث قال في الطعن على اصل زيد النرسي: انه لم يروه محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، ونقل عنه في فهرسته ايضا انه لم يروه محمد بن الحسن بن الوليد وكان يقول انه موضوع وضعه محمد بن موسى الهمداني. وقال العلامة في الخلاصة بعد نقل كلام الشيخ وابن الغضائري في زيد الزراد وزيد النرسي: والذي نقله الشيخ عن ابن بابويه وابن الغضائري لا يدل على طعن في الرجلين وان كان توقف ففي رواية الكتابين، ولما لم اجد لاصحابنا تعديلا لهما ولا طعنا فيهما توقفت عن قبول روايتهما. انتهى. ومن هذا القبيل تمسكه برواية علي بن جعفر وقناعته بما فيها من قوله " اشعار ما " والعجب منه (قدس سره) في استناده الى هاتين الروايتين المتهافتتين مع ان ههنا روايات اخر مروية في الاصول المعتبرة التي عليها المدار وهي اوضح دلالة واصرح مقالة واصح سندا واكثر عددا فيما ادعاه بالنسبة الى الزبيب كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في المقام الاتي، وهذا مما يدلك اوضح دلالة على صحة ما قلنا من ان كلامه (قدس سره) في هذا المضمار لم يكن ناشئا عن تحقيق ورجوع الى الأخبار وتأمل فيها بعين الفكر والاعتبار، وكذا بالنسبة الى العصير التمري كان ينبغي ان يستدل بموثقة عمار التي اشار إليها في الدروس وكأنه اعتمد على ما فهمه من صحيحة عبد الله بن سنان من صدق العصير على هذه الاشياء ولم يبحث عن دليل سواها، ولو انه تمسك في ماء التمر بموثقتي عمار الاتيتين وفي الزبيب بالروايات التي سنتلوها عليك
[ 149 ]
ان شاء الله تعالى في المقام الاتي لكان اظهر في مطلوبه ومراده وان قابله من خالفه في ذلك باعتراضه وايراده. هذا، وربما استدل للقول بالتحريم في ماء التمر بموثقة عمار بن موسى عن الصادق (عليه السلام) (1): " انه سئل عن النضوح المعتق كيف يصنع به حتى يحل ؟ قال خذ ماء التمر فاغله حتى يذهب ثلثا ماء التمر " وموثقته الاخرى عنه (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن النضوح ؟ قال يطبخ التمر حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه ثم يمتشطن " وهذه الرواية الثانية هي التي ذكرها في الدروس وظاهره التوقف في الحكم من اجلها، والنضوح لغة على ما ذكره في النهاية ضرب من الطيب تفوح رائحته، ونقل الشيخ فخر الدين ابن طريح في مجمع البحرين. ان في كلام بعض الافاضل النضوح طيب مائع ينقعون التمر والسكر والقرنفل والتفاح والزعفران واشباه ذلك في قارورة فيها قدر مخصوص من الماء ويشد رأسها ويصبرون اياما حتى ينش ويختمر وهو شائع بين نساء الحرمين الشريفين، وكيفية تطيب المرأة به ان تحط الازهار بين شعر رأسها ثم ترش به الازهار لتشتد رائحتها قال: وفي احاديث اصحابنا انهم نهوا نساءهم عن التطيب به بل امر باهراقه في البالوعة. انتهى اقول: الظاهر انه اشار بحديث الامر بالاهراق الى رواية عيثمة (3) قال: " دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) وعنده نساؤه قال فشم رائحة النضوح فقال ما هذا ؟ قالوا نضوح يجعل فيه الضياح قال فامر به فاهريق في البالوعة " اقول: الضياح لغة اللبن الخاثر يجعل فيه الماء ويمزج به، والظاهر بناء على ما ذكره هذا البعض المنقول عنه كيفية عمل النضوح المؤيد بخبر عيثمة المذكور ان امره (عليه السلام) باهراق النضوح انما هو لكونه خمرا وانه نجس كما هو احد القولين المعتضد بالاخبار كما تقدم تحقيقه، فيكون وضعه في الرأس موجبا لنجاسته والصلاة في النجاسة حينئذ، وعلى هذا فتحمل
(1) و (3) المروية في الوسائل في الباب 32 من الاشربة المحرمة. (2) المروية في الوسائل في الباب 37 من الاشربة المحرمة.
[ 150 ]
رواية عمار على ان الغرض من طبخه حتى يذهب ثلثا ماء التمر انما هو لئلا يصير خمرا ببقائه مدة لان غليه الذي يصير به دبسا يذهب الاجزاء المائية التي يصير بها خمرا لو مكث مدة كذلك، لانه انما يصير خمرا بسبب ما فيه من تلك الاجزاء المائية فإذا ذهبت امن من صيرورته خمرا، ويؤيد هذا قوله: " النضوح المعتق " على صيغة اسم المفعول اي الذي يراد جعله عتيقا بان يحفظ زمانا حتى يصير عتيقا، ويؤيده قوله ايضا " ثم يمتشطن " من ان الغرض منه التمشط والوضع في الرأس، فالمراد من السؤال في الروايتين عن كيفية عمله هو التحرز عن صيرورته خمرا نجسا يمتنع الصلاة فيه إذا تمشطن به وإلا فهو ليس بمأكول ولا الغرض من السؤال عن كيفية عمله هو حل اكله حتى يكون الامر بغليه على مثل هذه الكيفية لحل اكله، فلو فرضنا انه طبخ على النصف مثلا وتمشطن به في الحال فانه وان فرضنا تحريم اكله كما يدعيه الخصم إلا انه لا قائل بنجاسته اجماعا ولا دليل عليها اتفاقا، ولكن لما كان الغرض هو حفظه وتبقيته زمانا كما عرفت فلو لم يعمل بهذه الكيفية لصار خمرا نجسا فامر (عليه السلام) بطبخه على هذه الكيفية لهذه العلة، وكيف كان فدلالة الخبرين المذكورين انما هو بطريق المفهوم وهو مع تسليمه انما يكون حجة إذا لم يظهر للتعليق فائدة سوى ذلك وإلا فلا حجة فيه، وبما شرحنا من معنى الخبرين المذكورين وهو ان الغرض ان لا يكون خمرا مسكرا تظهر فائدة التعليق المذكور فلا يكون حجة فيما يدعيه الخصم، وهذا بحمد الله سبحانه واضح لا سترة عليه ولا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه.
بقي هنا شيئان ينبغي التنبيه عليهما:
(الاول) ان اطلاق الاخبار وكلام الاصحاب دال على تحريم العصير بالغليان وتوقف حله على ذهاب الثلثين اعم من ان يطبخ وحده أو مع شئ آخر غيره، وقد روى ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب مسائل الرجال عن ابي الحسن علي بن محمد (عليهما السلام) (1) " ان محمد بن علي بن عيسى كتب إليه عندنا طبيخ يجعل فيه الحصرم وربما يجعل فيه العصير من العنب وانما هو لحم يطبخ به وقد روي عنهم في العصير
(1) رواه في الوسائل في الباب 4 من الاشربة المحرمة.
[ 151 ]
انه إذا جعل على النار لم يشرب حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه وان الذي يجعل في القدر من العصير بتلك المنزلة وقد اجتنبوا اكله الى ان يستأذن مولانا في ذلك ؟ فكتب لا بأس بذلك " وهو ظاهر في ان حكم العصير مطبوخا مع غيره حكمه منفردا. وكأن السائل توهم اختصاص الحكم المذكور بالعصير منفردا وشك في جريان ذلك فيه إذا طبخ مع غيره، لان ظاهر قوله: " الذي يجعل في القدر من العصير بتلك المنزلة " يعني يذهب ثلثاه كما روى فاجابه (عليه السلام) بنفي البأس مع ذهاب الثلثين اشارة الى ان هذا الحكم ثابت له مطلقا منفردا أو مع غيره.
(الثاني) انه لو وقع في قدر ماء يغلي على النار حبة أو حبات عنب فان كان ما يخرج منها من الماء يضمحل في ماء القدر فالظاهر انه لا اشكال في الحل لعدم صدق العصير حينئذ لان الناظر إذا رآه انما يحكم بكونه ماء مطلقا وان ادت إليه الحلاوة مثلا. لان الأحكام الشرعية تابعة لصدق الاطلاق والتسمية فإذا كان لا يسمى عصيرا وانما يسمى ماء فلا يلحقه حكم العصير البتة، نعم لو كان الواقع في الماء انما هو شئ من العصير المحرم وهو ما بعد غليانه وقبل ذهاب ثلثيه وكان ذلك ايضا على الوجه الذي ذكرناه من القلة والاضمحلال في جانب الماء فهل يكون الحكم فيه كما تقدم في الصورة الاولى ام لا ؟ الظاهر الاول لعين ما ذكرناه وبذلك صرح المحقق المولى الاردبيلي (قدس سره) في شرح الارشاد حيث قال بعد قول المصنف (قدس سره) في كتاب الاطعمة والاشربة " ان ما مزج بشئ من هذه يحرم " وتفسير العبارة المذكورة بان تحريم ما مزج بهذه المذكورات مع نجاستها ظاهر فان الملاقي للنجس رطبا نجس وكل نجس حرام، واحتماله ايضا انه يريد بيان حكم الممتزح على تقدير عدم النجاسة ايضا ما حاصله: والحكم بتحريم الممتزج حينئذ ان كان الامتزاج بحيث غلب الحرام وصار من افراده ظاهر وكذا المساوي بل ما علم انه فيه بحيث لم يضمحل بالكلية، فاما ما يضمحل فيمكن الحكم بكونه حلالا مثل قطرة عرق أو بصاق حرام في حب ماء أو قدر بل في كوز كبير للاضمحلال. ولا يبعد
[ 152 ]
ان يكون ذلك مدار الحكم، فان كان بحيث إذا اخذ واكل وشرب لم يعلم بوجود الحرام فيه يكون حلالا وان كان يعلم وجوده فيه يكون حراما. ويدل عليه ما تقدم من العمومات والاصل وحصر المحرمات وصحيحة عبد الله بن سنان (1) قال: " قال الصادق (عليه السلام) كل شئ يكون فيه حلالا وحرام فهو لك حلال حتى تعلم انه حرام " ثم قال: ويحتمل التحريم خصوصا المسكر للروايات مثل حسنة عبد الرحمان بن الحجاج (2) قال: " قال الصادق (عليه السلام) ما اسكر كثيره فقليله حرام " ثم نقل رواية عمر بن حنظلة الدالة على ان ما قطرت قطرة من المسكر في حب الا اهريق ذلك الحب (3) ثم قال فتأمل فان المسألة مشكلة والاجتناب احوط. انتهى كلامه: وفيه ان ما استند إليه في احتمال التحريم من الروايتين المذكورتين لا دلالة لهما على ما ادعاه. فان مقتضى حسنة عبد الرحمان تعلق التحريم بعين القليل ومتفرع على وجوده والمفروض اضمحلاله كما ذكره سابقا وحينئذ فلا يكون من محل البحث في شئ، ومقتضى رواية عمر بن حنظلة ان الاراقة انما تترتب على التنجيس وحكمه (عليه السلام) بنجاسة المسكر كما هو اشهر الروايات واظهرها حسبما مر تحقيقه في موضعه لا على التحريم كما توهمه (قدس سره) وبالجملة فاظهرية الحلية في الصورة المذكورة مما لا ينبغي ان يعتريه الاشكال. والله العالم.
(المقام الثاني) في ماء الزبيب إذا غلى ولم يذهب ثلثاه، المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) كونه حلالا وقيل بتحريمه كما تقدمت الاشارة إليه في كلام شيخنا الشهيد الثاني واليه مال من قدمنا ذكره من متأخري المتأخرين وجملة من المعاصرين، ويدل على القول المشهور ما تقدم في المقام الاول من الاصل والعمومات في الايات والروايات المتقدمة ثمة، واستدل بعض مشايخنا المعاصرين على ذلك أيضا بانحصار النزاع بين آدم
(1) المروية في الوسائل في الباب 64 من الاطعمة المحرمة (2) المروية في الوسائل في الباب 17 من الاشربة المحرمة (3) المروية في الوسائل في الباب 18 من الاشربة المحرمة.
[ 153 ]
ونوح وبين ابليس لعنه الله في العنب خاصة وان الحرام هو عصير العنب، والزبيب خارج عن اسم العنب فلا يحرم ماؤه كالحصرم انتهى. اقول: يمكن للخصم المناقشة في هذا الاستدلال بان ظاهر الاخبار التي اشار إليها (قدس سره) ان النزاع كان في ثمرة شجرة الكرم مطلقا ولا دلالة لها على الاختصاص بالعنب كما في موثقة زرارة الدالة على ان نوحا لما غرس الحبلة وهي شجرة العنب وقلعها ابليس لعنه الله فتنازع معه وقال له ابليس اجعل لي نصيبا فجعل له الثلث إلى ان استقر الامر على الثلثين، فانها دالة على انه جعل له نصيبا في الشجرة يعني ما يخرج منها من الثمرة ولا اختصاص له بالعنب، ومثل ذلك ايضا موثقة سعيد بن يسار وباقي الاخبار المنقولة من العلل. واستدل الشهيد الثاني في المسالك بعد ان صرح بان الحكم مختص بالعنب فلا يتعدى إلى غيره كعصير التمر ما لم يسكر ولا إلى عصير الزبيب على الاصح لخروجه عن اسم العنب بذهاب ثلثيه وزيادة بالشمس، ومثل ذلك في الروض وشرح الرسالة، واعترضه في المفاتيح بان ما ذكره من ذهاب ثلثيه بالشمس انما يتم لو كان قد نش بالشمس أو غلى حتى يحرم ثم يحل بعد ذلك بذهاب الثلثين، والغليان بالشمس غير معلوم فضلا عن النشيش وهو صوت الغليان. واما ما جف بغير الشمس فلا غليان فيه فلا وجه لتحريمه حتى يحتاج إلى التحليل بذهاب الثلثين، على ان اطلاق العصير على ما في حبات العنب كما ترى. انتهى كلامه. وهو جيد. واما ما اجاب به بعض مشايخنا المعاصرين وهو الذي تقدمت الاشارة إليه في صدر المقام من ان الموضوع في الشمس لاجل ان يصير زبيبا قد يحصل فيه القلب أو النشيش اعني النقص فإذا ذهب منه الثلثان فقد حل، وان الحكم في العنب انما تعلق بمائه وان لم يخرج من الحب، والتعبير في الأخبار بالعصير انما هو جريا على الغالب لا تخصيصا للحكم والمراد ما من شأنه ان يؤخذ بالعصر، ومن ثم لو طبخ حب العنب في ماء أو طبيخ حرم ذلك المطبوخ اجماعا. انتهى فظني بعده لان دعوى حصول القلب
[ 154 ]
والغليان في ماء حب العنب إذا وقع في الشمس غير معلوم يقينا اصالة الحل لا يخرج عنها إلا بيقين، ويلزم على ما ذكره انه لو وضع العنب في الشمس يوما أو يومين أو ثلاثة مثلا لم يبلغ الى حد الزبيب فانه يحرم لحصول الغليان ولم يذهب ثلثاه بعد ولا اظنه يلتزمه فان اصالة الحلية لا يخرج عنها بمجرد ذلك. واما دعواه ان الحكم في العنب انما تعلق بمائه وان لم يخرج من الحب فانه خروج عن ظواهر الأخبار وبناء على مجرد الاعتبار. واما قوله: " ومن ثم لو طبخ حب العنب.. الخ " ففيه ان ارتكاب المجاز في اطلاق العصير على ما يخرج بالطبخ لا يستلزم انسحابه الى ما في العنب قبل ان يخرج بالكلية، فان اراد ثبوت التحريم لحب العنب وان لم يخرج ماؤه بالطبخ منعنا هذه الدعوى. وبالجملة فان بناء الاحكام الشرعية على مثل هذه الاعتبارات التخمينية لا يخلو من مجازفة. وبمثل ما صرح به شيخنا الشهيد الثاني صرح الشهيد في الدروس فقال ولا يحرم المعتصر من الزبيب ما لم يحصل فيه نشيش فيحل طبخ الزبيب على الاصح لذهاب ثلثيه بالشمس غالبا وخروجه عن مسمى العنب. وحرمه بعض مشايخنا المعاصرين وهو مذهب بعض فضلائنا المتقدمين لمفهوم رواية علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) ثم ساق متن الرواية كما سيأتي. وانت خبير بان ما ذكراه (قدس سرهما) من تعليل حلية ماء الزبيب بذهاب ثلثيه بالشمس لا يوافق القائلين بالحلية ولا القائلين بالحرمة، فان من قال بحل ماء الزبيب بعد الغلي وقبل ذهاب ثلثيه كما هو المشهور قال به مطلقا سواء ذهب ثلثاه بالشمس ام لم يذهب لانه انما يتمسك باصالة الحلية ويدعى ان ما ورد من التحريم بمجرد الغليان والحل بذهاب الثلثين مخصوص بالعنب والزبيب لا يصدق عليه العنب، ومن قال بالتحريم انما استند الى مفهوم رواية علي بن جعفر الاتية وهي التي ذكرها في الدروس فهو قائل ايضا بتحريمه مطلقا سواء علم ذهاب ثلثيه في حبه بالشمس ام لا. فكلامهما (قدس سرهما) لا يوافق شيئا من المذهبين في البين.
[ 155 ]
واستدل ايضا في المسالك على الحلية بصحيحة ابي بصير (1) قال: " كان أبو عبد الله (عليه السلام) تعجبه الزبيبة " قال: وهذا ظاهر في الحل لان طعام الزبيبة لا يذهب فيه ثلثا ماء الزبيب كما لا يخفى انتهى. واقتفاه في هذه المقالة المولى الاردبيلي في شرح الارشاد فقال بعد نقل الرواية المذكورة مثل ما ذكره هنا. وقال بعض مشايخنا المعاصرين بعد الاستدلال بهذه الرواية ايضا: لان الظاهر ان المراد الطعام الذي يطبخ معه الزبيب أو يطبخ معه ماء الزبيب وهو لا يستلزم ذهاب ثلثي ماء الزبيب غالبا كما هو واضح. اقول: والاستدلال بهذه الرواية لا يخلو عندي من اشكال لعدم العلم بكيفية ذلك الطعام، ومن المحتمل قريبا الحمل على الاشربة الزبيبية التي يأتي ذكرها في الاخبار، ولكن استدلال شيخنا الشهيد الثاني بالخبر المذكور وقوله بعده ما ذكر وكذا المولى الاردبيلي ربما يؤذن بكونهما عالمين بكيفية ذلك على الوجه الذي ذكراه ولعله وصل إليهم ولم يصل الينا. إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد استدل على القول بالتحريم كما عرفت برواية علي ابن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الزبيب هل يصلح ان يطبخ حتى يخرج طعمه ثم يؤخذ ذلك الماء فيطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى الثلث ثم يرفع ويشرب من السنة ؟ قال لا بأس به " وطعن في هذه الرواية جملة من المتأخرين ومتأخريهم بضعف السند (اولا) لاشتماله على سهل بن زياد. و (ثانيا) ان دلالتها بالمفهوم في كلام السائل وهو ضعيف ومع تسليم صحته فدلالة المفهوم انما تكون حجة ما لم يظهر للتعليق فائدة اخرى من الجائز بل الظاهر ان هذا العمل المخصوص انما هو لمن اراد بقاءه عنده ليشرب منه فتكون فائدة التقييد بذهاب الثلثين ليذهب مائيته فيصلح للمكث والبقاء
(1) المروية في الوسائل في الباب 26 من الاطعمة المباحة (2) المروية في الوسائل في الباب 8 من الاشربة المحرمة.
[ 156 ]
ولا يصير مسكرا ويدل عليه قوله في عجز الرواية: " ويشرب منه السنة ". هذا، وقد روى ثقة الاسلام في الكافي روايات ربما تدل بظاهرها على التحريم: ومنها موثقة عمار الساباطي (1) قال: " وصف لي أبو عبد الله (عليه السلام) المطبوخ كيف يطبخ حتى يصير حلالا ؟ فقال تأخذ ربعا من زبيب وتنقيه ثم تصب عليه اثنى عشر رطلا من ماء ثم تنقعه ليلة فإذا كان ايام الصيف وخشيت ان ينش جعلته في تنور مسجور قليلا حتى لا ينش ثم تنزع الماء منه كله حتى إذا اصبحت صببت عليه من الماء بقدر ما يغمره، الى ان قال تغليه بالنار ولا تزال تغليه حتى يذهب الثلثان ويبقى الثلث.. الحديث ". ومنها موثقته الاخرى عنه (عليه السلام) (2) قال: " سئل عن الزبيب كيف طبخه حتى يشرب حلالا ؟ فقال تأخذ ربعا من زبيب فتنقيه ثم تطرح عليه اثنى عشر رطلا من ماء ثم تنقعه ليلة فإذا كان من الغد نزعت سلافته ثم تصب عليه من الماء قدر ما يغمره ثم تغليه بالنار غلية ثم تنزع ماءه فتصبه على الماء الاول ثم تطرحه في اناء واحد جميعا ثم توقد تحته النار حتى يذهب ثلثاه ويبقى الثلث وتحته النار ثم تأخذ رطلا من عسل فتغليه بالنار غلية وتنزع رغوته ثم تطرحه على المطبوخ ثم تضربه حتى يختلط به واطرح فيه ان شئت زعفرانا.. الحديث ". ومنها رواية اسماعيل بن الفضل الهاشمي (3) قال: " شكوت الى ابي عبد الله (عليه السلام) قراقر تصيبني في معدتي وقلة استمرائي الطعام، فقال لي لم لا تتخذ نبيذا نشربه نحن وهو يمرئ الطعام ويذهب بالقراقر والرياح من البطن ؟ قال فقلت له صفه لي جعلت فداك فقال تأخذ صاعا من زبيب، الى ان قال ثم تطبخه طبخا رقيقا حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، الى ان قال في آخر الخبر: وهو شراب لا يتغير إذا بقى ان شاء الله تعالى " اقول: يمكن الجواب عن هذه الروايات بانه لا يلزم من الامر بطبخه على الثلث
*) (1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 5 من الاشربة المحرمة.
[ 157 ]
ان يكون ذلك لاجل حليته بعد ان حرم بالغليان بل يجوز ان يكون لئلا يصير مسكرا بمكثه كما يدل عليه قوله (عليه السلام) في آخر رواية اسماعيل بن الفضل: " وهو شراب لا يتغير إذا بقي ان شاء الله تعالى " ويجوز ان يكون الخاصية والنفع المترتب عليه لا يحصل إلا بطبخه على الوجه المذكور كما ورد مثله في رواية خليلان بن هشام (1) قال " كتبت الى ابي الحسن (عليه السلام) جعلت فداك عندنا شراب يسمى الميبة نعمد الى السفرجل فنقشره ونلقيه في الماء ثم نعمد الى العصير فنطبخه على الثلث ثم ندق ذلك السفرجل ونأخذه ماءه ثم نعمد الى ماء هذا الثلث وهذا السفرجل فنلقي عليه المسك والافاوي والزعفران والعسل فنطبخه حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه أيحل شربه ؟ فكتب لا بأس به ما لم يتغير " فان الطبخ على الثلث هنا انما هو لما قلناه من حصول الخاصية وتوقف النفع على ذلك لا للتحليل، فانه ليس هنا شئ قد حرم بمجرد الغليان حتى يحتاج في حليته الى ذهاب الثلثين، ولعله لهذا الوجه اعرض متأخرو اصحابنا عن هذه الأخبار ولم يلتفتوا إليها وان كانت موهمة للتحريم في بادئ النظر كما اشار إليه الفاضل الخراساني في الذخيرة، حيث قال: واعلم ان في الكافي في باب صفة الشراب الحلال بعض الأخبار الموهمة للتحريم لكن لا دلالة لها عليه عند التأمل الصحيح فارجع وتدبر. انتهى. لكن ربما يلوح التحريم من بعض الفاظ هذه الأخبار مثل قوله: " كيف يطبخ حتى يصير حلالا " وقوله (عليه السلام) ايضا: " فإذا كان ايام الصيف وخشيت ان ينش جعلته في تنور مسجور حتى لا ينش " فان النشيش هو صوت الغليان والظاهر من المحافظة عليه بان لا ينش ليس إلا لخوف تحريمه بالغليان، وقوله في موثقته الثانية " حتى يشرب حلالا " إلا انه يمكن ان يقال ان قوله: " كيف يطبخ حتى يصير حلالا " انما هو من كلام الراوي في سؤاله فلا حجة فيه، وما ذكر من الاستناد الى قوله " حتى لا ينش فان فيه انه بعد ذلك امر بغليانه حتى يذهب ثلثاه فهو وان حرم
(1) المروية في الوسائل في الباب 29 من الاشربة المحرمة.
[ 158 ]
بالنشيش فلا مانع منه لتعقبه بالغليان الموجب للتحليل بعد ذلك. وحينئذ فلعل المحافظة عليه من النشيش انما هو لغرض آخر لا لأنه يحرم بعد ذلك، فانه وان حرم لا منافاة فيه لانه لم يجوز استعماله وشربه بعد ذلك وانما امره بعد ذلك بغلي ذلك الماء الموجب لحرمته الى ان يذهب ثلثاه الموجب لحله، وحينئذ فلا فرق في حصول التحريم فيه في وقت النشيش ولا في وقت الغليان اخيرا، مع انه يمكن الطعن في هذين الخبرين ايضا من حيث الراوي وهو عمار لتفرده بروايات الغرائب ونقل الاحكام المخالفة لاصول الشريعة كما طعن عليه في الوافي في مواضع عديدة، وكيف كان فالخروج بمثل هاتين الروايتين على ما عرفت فيها من المخالفة عن حكم الاصل وعموم الايات والروايات الواردة بتفسيرها كما عرفت مشكل. ومما استند شيخنا أبو الحسن فيما قدمناه من كلامه حديث الزيدين زيد النرسي وزيد الزراد عن الصادق (عليه السلام) (1) " في الزبيب يدق ويلقي في القدر ويصب عليه الماء ؟ قال حرام حتى يذهب ثلثاه. قلت الزبيب كما هو يلقى في القدر ؟ قال هو كذلك سواء إذا ادت الحلاوة الى الماء فقد فسد كلما غلى بنفسه أو بالنار فقد حرم إلا ان يذهب ثلثاه " وقد تقدم ما في هذه الرواية من الطعن في الراوي والاصل المروي منه هذا الخبر. وكيف كان فالحكم في ماء الزبيب عندي لا يخلو من توقف والاحتياط في تجنبه مما لا ينبغي تركه ولا سيما ان ظاهر الكليني (قدس سره) ربما اشعر بالميل الى العمل بظاهر هذه الأخبار حيث انه عنون الباب بباب صفة الشراب الحلال وذكر الأخبار المذكورة، وظاهر المفاتيح الميل الى التحريم هنا حيث قال على اثر الكلام الذي قدمنا نقله عنه ما هذا لفظه: " نعم ان صب على الزبيب الماء وطبخ بحيث ادت الحلاوة الى الماء فيمكن الحاقه بالعصير في التحريم بالغليان كما في الخبر " انتهى. والله العالم
(1) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 2 من الاشربة المحرمة.
[ 159 ]
(المقام الثالث) في ماء الحصرم، لا ريب في ان مقتضى الاصل والعمومات من الايات والروايات المتقدمة هو حل ماء الحصرم وان طبخ ولم يذهب ثلثاه، وروايات العصير قد عرفت في الفائدة الاولى اختصاصها بماء العنب خاصة والحصرم ليس بعنب اتفاقا والاحكام الشرعية تابعة للتسمية العرفية، وانت إذا امعنت النظر في روايات العصير المطبوخ والتعبير عنه في الأخبار تارة بالعصير مطلقا الذي قد عرفت انه محمول على عصير العنب تارة بعصير العنب وتارة بالطلاء الذي قد عرفت آنفا انه ما طبخ من عصير العنب وتارة بالبختج وهو العصير المطبوخ كما عرفت ايضا وتارة اتى بشراب يزعم انه على الثلث وتارة إذا كان يخضب الاناء فاشربه المكنى به عن كونه دبسا وامثال ذلك وجدت ان الحصرم لا يدخل في شئ من ذلك فان الحصرم لا يعمل كذلك والمتعارف طبخه قديما وحديثا انما هو عصير العنب لما فيه من الحلاوة التي يصير بها ذا قوام وغلظ ويشرب وتترتب عليه المنافع المطلوبة منه، وماء الحصرم لا يطبخ على حدة وانما يطبخ في اللحم احيانا كما يدل عليه بعض الاخبار، وبالجملة فالامر في ذلك اظهر من ان يحتاج الى مزيد بيان بعد شهادة عدول الوجدان في جميع الازمان، ومع فرض ان ماء الحصرم ربما يطبخ على حدة فاطلاق الاخبار لا يشمله فان الاطلاق انما ينصرف الى الافراد الشائعة المتعارفة الجارية بين الناس دون الفروض النادرة كما يحمل احدنا كلام من يخاطبه على ما هو المتعارف الجاري في العادة، ولو تكلف حمله على غير المتعارف المتعاد لعنف بين العباد، وكذا الخطاب الوارد عنهم (عليهم السلام) يجب حمله على ما هو المتعارف المتكرر المشهور. وقد وقفت في هذا المقام على كلام لشيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن الحاج صالح البحراني (قدس سره) لا يخلو من نظر واشكال، حيث قال في جواب سائل يسأله: ما القول في خل العنب إذا طبخ أو لم يطبخ وفي ماء الحصرم إذا غلى وفي الزبيب إذا طبخ معه الطعام ؟ فكتب ما هذه صورته: اقول في هذه المسألة ثلاث مسائل، اما
[ 160 ]
خل العنب فلا بأس به إذا لم يطبخ كالحصرم والزبيب اما مع الطبخ ففيها عندي قلقلة واني احتاط في الفتوى والعمل، فالاحتياط في اجتناب ذلك للخبر الصحيح " اي عصير مسته النار فهو حرام ما لم يذهب ثلثاه " والعصير وان كان المشهور اطلاقه على عصير العنب فقط إلا ان اطلاقه في الاخبار على ما ذكرناه محتمل لورود تفسير العصير في الأخبار بانه من الكرم والكرم يطلق على العنب وعلى شجره، فان كان انما يطلق على الاول فلا كلام وان كان يطلق على الثاني فهذا منه، فيكون الدليل متشابها فتشمل الشبهة كل ما اتخذ من الكرم من حصرم وزبيب ونحوهما مع الغليان، وان كان ظاهر الاصل الاباحة وعدم التحريم إلا ان في هذا الاصل كلاما والاحتياط اولى. الى ان قال: وبالجملة فالدليل على التحريم غير قاطع وكذا التحليل فالاجتناب اولى. انتهى كلامه اقول: لا يخفى عليك ما فيه من الاجمال بل الاختلال الناشئ من الاستعجال وعدم اعطاء التأمل حقه في هذا المجال (اما اولا) فلأن الخبر الصحيح الذي استند إليه تبعا لشيخه الشيخ ابي الحسن المتقدم ذكره قد عرفت ما فيه. (واما ثانيا) فلان قوله: " وان كان المشهور اطلاقه على عصير العنب فقط " مما يؤذن بكون مستند هذا الاطلاق انما هو مجرد الشهرة مردود بما عرفت في الفائدة الاولى من دلالة الأخبار وكلام اهل اللغة على اختصاص العصير بماء العنب (واما ثالثا) فان ما ادعاه بعد اعترافه بورود الأخبار بتفسير العصير بانه من الكرم من ان الكرم يطلق على العنب وعلى شجره مردود بانه قد نص اهل اللغة على ان الكرم هو العنب، قال في القاموس: والكرم العنب. وقال الفيومي في المصباح المنير: والكرم وزان فلس: العنب. ومثله في مجمع البحرين، وفي النهاية الاثيرية قال: وفيه لا تسموا على العنب الكرم فانما الكرم الرجل المسلم، قيل سمى الكرم كرما لان الخمر المتخذة منه تحث ؟ السخاء والكرم فاشتقوا له منه اسما فكره ان تسمى باسم مأخوذ من الكرم وجعل المؤمن اولى به، يقال رجل كرم اي كريم وصف بالمصدر كرجل عدل
[ 161 ]
وضيف، وقال الزمخشري اراد ان يقرر ويسدد ما في قوله عزوجل: " ان اكرمكم عند الله اتقاكم " (1) بطريقة انيقة ومسلك لطيف وليس الغرض حقيقة النهي عن تسمية العنب كرما.. الخ ومثله في كتاب الغريبين للهروي وفي كتاب شمس العلوم: الكرم العنب. فهذه كلمات جملة من اساطين اهل اللغة متفقة في اختصاص اطلاقه بالعنب، وحينئذ فلو سلم اطلاقه في بعض المواضع على الشجر تجوزا فانه لا يصح ان يترتب عليه حكم شرعي، ويزيده بيانا موثقة عمار المروية في الكافي والتهذيب عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الكرم متى يحل بيعه ؟ قال إذا عقد وصار عقودا " والعقود اسم الحصرم بالنبطية، وحيث قد ثبت اختصاص الكرم بالعنب خاصة في المقام ارتفع الاشتراط في قوله: " فان كان انما يطلق على الاول فلا كلام " وثبت الحكم وهو الحلية في هذه الاشياء وان طبخت كما لا يخفى على ذوي الافهام وزالت الشبهة وبطل قوله: " وان كان يطلق على الثاني " وآل الى الانعدام، وبالجملة فروايات العصير لما كانت مختصة بالعنب وهذه خارجة عنه لان الحصرم كما عرفت غير العنب والخل المتخذ من العنب قد خرج عنه إلى حقيقة اخرى كما في الخمر الذي يصير خلا والعصير الذي يصير خمرا ونحوهما فلا يلحقهما حينئذ حكم العصير من التحريم بالغليان حتى يحتاج في حليته الى ذهاب ثلثيه. (ولو قيل): ان روايات نزاع ابليس لعنه الله لادم ونوح (عليهما السلام) في شجر الكرم واعطائهما له الثلثين منه يعني مما يخرج من هذا الشجر مما يدل على عموم ذلك للعنب والزبيب والحصرم وخل العنب (قلنا): ان الحكم وان اجمل في تلك الاخبار كما ذكرت إلا ان الأخبار المستفيضة الواردة في عصير العنب كما عرفت يحكم بها على ذلك المجمل، ويؤيده ما في بعض تلك الأخبار وهو موثقة زرارة (3) من قوله بعد
(1) سورة الحجرات. الاية 13. (2) المروية في الوسائل في الباب 1 من بيع الثمار (3) ص 128.
[ 162 ]
نقل القصة في النزاع بين نوح وابليس: " فقال أبو جعفر (عليه السلام) إذا اخذت عصيرا فاطبخه حتى يذهب الثلثان وكل واشرب حينئذ فذاك نصيب الشيطان وقوله (عليه السلام) في رواية محمد بن مسلم المنقولة من العلل (1) " فمن هنا طاب الطلاء على الثلث " والطلاء كما عرفت هو المطبوخ من عصير العنب، وقوله (عليه السلام) في رواية وهب بن منبه (2): " ان لك فيها شريكا في عصيرها " ولان هذا الفرد هو الذي يتعارف طبخه ويستعمل دائما في الازمنة السابقة واللاحقة فهو الذي يتبادر إليه الاطلاق. والله العالم. وقد اطلنا البحث في هذا المقام واحطنا باطراف الكلام لما عرفت من ان المسألة من اهم المهام سيما بعد وقوع الخلاف فيها في هذه الايام ودخول الشبهة فيها على جملة من الاعلام، والله الهادي لمن يشاء، فلنرجع الى ما نحن فيه.
(1) و (2) ص 129.
<>