تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الخامس


 

 الفصل السابع

في الكافر

قالوا: وضابطه من خرج من الاسلام وباينه أو انتحله وجحد ما يعلم من الدين ضرورة. والاول شامل للكافر كفرا اصليا أو ارتداديا كتابيا أو غير كتابي، والثاني كالغلاة والخوارج والنواصب. وقد حكي عن جماعة دعوى الاجماع على نجاسة الكافر بجميع انواعه المذكورة كالمرتضى والشيخ وابن زهرة والعلامة في جملة من كتبه. إلا ان المفهوم من كلام المحقق في المعتبر الاشارة الى الخلاف في بعض هذه المواضع، حيث قال: الكفار قسمان يهود ونصارى ومن عداهما، اما القسم الثاني فالاصحاب متفقون على نجاستهم، واما الاول فالشيخ في كتبه قطع بنجاستهم وكذا علم الهدى والاتباع وابنا بابويه، وللمفيد قولان، احدهما النجاسة ذكره في اكثر كتبه، والاخر الكراهة ذكره في الرسالة الغرية. قال في المعالم: وعزى غير المحقق الى الشيخ في النهاية وابن الجنيد الخلاف في هذا المقام ايضا، اما الشيخ فلانه قال في النهاية: يكره ان يدعو الانسان احدا من الكفار الى طعامه فيأكل معه فان دعاه فليأمره بغسل يديه ثم يأكل معه ان شاء. واما ابن الجنيد


[ 163 ]

فانه قال في مختصره: ولو تجنب من اكل ما صنعه اهل الكتاب من ذبائحهم وفي آنيتهم وكل ما صنع في اواني مستحلي الميتة ومواكلتهم ما لم يتيقن طهارة اوانيهم وايديهم كان احوط. ثم قال: وعندي في نسبة الخلاف الى الشيخ باعتبار عبارته المحكية نظر قال لانه قال قبلها باسطر: ولا يجوز مواكلة الكفار على اختلاف مللهم ولا استعمال اوانيهم إلا بعد غسلها بالماء. ثم قال وكل طعام تولاه بعض الكفار بايديهم وباشروه بنفوسهم لم يجز اكله لانهم انجاس ينجس الطعام بمباشرتهم اياه. وهذا الكلام صريح في الحكم بنجاستهم فلا بد من حمل الكلام الاخر على خلاف ظاهره، إذ من المستبعد جدا الرجوع عن الحكم في هذه المسافة القصيره وابقاؤه مثبتا في الكتاب، ولعل مراده المواكلة التي لا تتعدى معها النجاسة كأن يكون الطعام جامدا أو في اواني متعددة ويكون وجه الامر بغسل يديه ارادة تنظيفهما من آثار القذارات التي لا ينفك عنها الكافر في الغالب فمواكلته على هذه الحالة بدون غسل يديه مظنة حصول النفرة. وقد تعرض المحقق في نكت النهاية للكلام على هذه العبارة فذكر على جهة السؤال: انه ما الفائدة في الغسل واليد لا تطهر به ؟ واجاب بان الكفار لا يتورعون عن كثير من النجاسات فإذا غسل يده فقد زالت تلك النجاسة، ثم قال ويحمل هذا على حال الضرورة أو على مواكلة اليابس وغسل اليد لزوال الاستقذار النفساني الذي يعرض من ملاقاة النجاسات العينية وان لم يفد طهارة اليد، ثم قال وروى العيص بن القاسم (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن مواكلة اليهودي والنصراني ؟ فقال لا بأس إذا كان من طعامك. وسألته عن مواكلة المجوسي ؟ فقال إذا توضأ فلا بأس " قال المحقق: والمعنى بتوضؤه هنا غسل اليد. انتهى كلامه. وهو كما ترى صريح في ان كلام الشيخ محمول على خلاف ظاهره وان ليس بمخالف لما حكم به اولا، وان الحامل له على ذكر هذه المسألة ورود مضمونها في الرواية، وحينئذ فلا ينبغي ان يذكر الشيخ في عداد


(1) رواه في الوسائل في الباب 53 من الاطعمة المحرمة.


[ 164 ]

من عدل عن المشهور هنا. واما عبارة ابن الجنيد فظاهرها القول بطهارة اهل الكتاب وله في بحث الاسآر عبارة اخرى تقرب من هذه حكيناها هناك. وقد تحرر من هذا ان نجاسة من عدا اهل الكتاب ليست موضع خلاف بين الاصحاب معروف بل كلام المحقق يصرح بالوفاق كما رأيت، واما اهل الكتاب فابن الجنيد يرى طهارتهم على كراهية والمفيد في احد قوليه يوافقه على ذلك في اليهود والنصارى منهم على ما حكاه عنه المحقق، والباقون ممن وصل الينا كلامه على نجاستهم. انتهى ما ذكره في المعالم في المقام وهو جيد، وانما اطلنا بنقله بطوله لعظم نفعه وجودة محصوله. اقول: الظاهر ان من ادعى الاجماع من اصحابنا في هذه المسألة على النجاسة بنى على رجوع المفيد باعتبار تصريحه فيما عدا الرسالة المذكورة من كتبه بالنجاسة وعدم الاعتداد بخلاف ابن الجنيد لما شنعوا عليه به من عمله بالقيام إلا انه نقل القول بذلك في باب الاسآر عن ابن ابي عقيل (قدس سره) ثم العجب ان الشيخ (قدس سره) في التهذيب نقل اجماع المسلمين على نجاسة الكفار مطلقا مع مخالفة الجمهور في ذلك (1) حتى ان المرتضى (رضي الله عنه) جعل القول بالنجاسة من متفردات الامامية. وكيف كان فالواجب الرجوع الى الادلة في المسألة وبيان ما هو الظاهر منها فنقول احتج القائلون بالنجاسة بالاية والروايات، اما الاية فهي قوله عزوجل: " انما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا " (2) واورد عليه (اولا) ان


(1) في المغني ج 1 ص 49 " الآدمى طاهر وسؤره طاهر سواء كان مسلما أو كافرا عند عامة اهل العلم " وفي عمدة القارئ للعيني الحنفي ج 2 ص 60 " الآدمي الحي ليس بنجس العين ولا فرق بين الرجال والنساء " وفي المحلى لابن حزم ج 1 ص 183 " الصوف والوبر والقرن والسن من المؤمن طاهر ومن الكافر نجس " ونسب الشوكاني في نيل الاوطار نجاسة الكافر الى مالك، واغرب القرطبى في نسبة نجاسة الكافر الى الشافعي. (2) سورة التوبة. الاية 28.


[ 165 ]

النجس مصدر فلا يصح وصف الجثة به إلا مع تقدير كلمة " ذو " ولا دلالة في الاية معه، لجواز ان يكون الوجه في نسبتهم الى النجس عدم انفكاكهم عن النجاسات العرضية لانهم لا يتطهرون ولا يغتسلون، والمدعى نجاسة ذواتهم. و (ثانيا) عدم افادة كلام اهل اللغة كون معنى النجس لغة هو المعهود شرعا وانما ذكر بعضهم انه المستقذر وقال بعضهم هو ضد الطاهر، ومن المعلوم ان المراد بالطهارة في اطلاقهم معناها اللغوي، فعلى هذين التفسيرين لا دلالة لها على المعنى المعهود في الشرع فتتوقف ارادته على ثبوت الحقيقة الشرعية أو العرفية المعلوم وجودها في وقت الخطاب، وفي الثبوت نظر. و (ثالثا) انه على تقدير التسليم فالاية مختصة بمن صدق عليه عنوان الشرك والمدعي اعم منه. اقول: والجواب عن الاول انه لا ريب في صحة الوصف بالمصدر إلا انه مبني على التأويل، فمنهم من يقدر كلمة " ذو " ويجعل الوصف بها مضافا الى المصدر فحذف المضاف واقيم المضاف إليه مقامه وعلى هذا بنى الايراد المذكور، ومنهم من جعله واردا على جهة المبالغة باعتبار تكثر الفعل من الموصوف حتى كأنه تجسم منه. وهذا هو الارجح عند المحققين من حيث كونه ابلغ، وعليه حمل قول الخنساء " فانما هي اقبال وادبار " كما ذكره محققوا علماء المعاني والبيان، وعليه بنى الاستدلال بالاية المذكورة. وعن الثاني بان النجس في اللغة وان كان كما ذكره إلا انه في عرفهم (عليهم السلام) كما لا يخفى على من تتبع الأخبار وجاس خلال تلك الديار انما يستعمل في المعنى الشرعي، والحمل على العرف الخاص مقدم على اللغة بعد عدم ثبوت الحقيقة الشرعية، وتنظر المورد في ثبوت الحقيقة العرفية في زمن الخطاب بمعنى ان عرفهم (عليهم السلام) متأخر عن زمان نزول الاية عليه (صلى الله عليه وآله) فلا يمكن حمل الاية عليه مردود بان عرفهم (عليهم السلام) في الاحكام الشرعية وفتاويهم وامرهم ونهيهم في ذلك راجع في الحقيقة إليه (صلى الله عليه وآله) فانهم نقلة عنه وحفظة


[ 166 ]

لشرعه وتراجمة لوحيه كما استفاضت به اخبارهم. وعن الثالث بصدق عنوان الشرك على اهل الكتاب بقوله سبحانه: " وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله.. إلى قوله سبحانه عما يشركون " (1) وبالجملة فان دلالة الاية على النجاسة كنجاسة الكلاب ونحوها مما لا اشكال فيه كما عليه كافة الاصحاب إلا الشاذ النادر في الباب، ومناقشة جملة من افاضل متأخري المتأخرين كما نقلنا عنهم مردودة بما عرفت. واما الاخبار فمنها ما رواه الصدوق في الموثق عن سعيد الاعرج (2) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن سؤر اليهود والنصارى ايؤكل ويشرب ؟ قال لا " ورواه الكليني والشيخ في الحسن عن سعيد عنه (3) لكن باسقاط قوله " ايؤكل ويشرب ". وما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (4) قال: " سألته عن رجل صافح مجوسيا ؟ قال يغسل يده ولا يتوضأ ". وعن ابي بصير عن الباقر (عليه السلام) (5) " انه قال في مصافحة المسلم لليهودي والنصراني قال من وراء الثياب فان صافحك بيده فاغسل يدك ". وصحيحة محمد بن مسلم (6) قال: " سألت ابا جعفر عن آنية اهل الذمة والمجوس ؟ فقال لا تأكلوا من طعامهم الذي يطبخون ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر " وصحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (7) قال: " سألته عن فراش اليهودي والنصراني أينام عليه ؟ قال لا بأس ولا يصلى في ثيابهما، وقال لا يأكل المسلم مع المجوسي في قصعة واحدة ولا يقعده على فراشه ولا مسجده ولا يصافحه. قال وسألته عن رجل اشترى ثوبا من السوق ليس يدري لمن كان هل تصلح الصلاة فيه ؟ قال


(1) سورة التوبة. الاية 30. (2) رواه في الوسائل في الباب 54 من الاطعمة المحرمة. (3) و (4) و (5) و (6) و (7) رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب النجاسات.


[ 167 ]

ان اشتراه من مسلم فليصل فيه وان اشتراه من نصراني فلا يصل فيه حتى يغسله " وما رواه في الكافي عن علي بن جعفر عن ابي الحسن موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن مواكلة المجوسي في قصعة واحدة وارقد معه على فراش واحد واصافحه ؟ فقال لا " ورواية هارون بن خارجة (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اني اخالط المجوس وآكل من طعامهم فقال لا " ورواية سماعة (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن طعام اهل الكتاب ما يحل منه ؟ قال الحبوب " ومنها صحيحة علي بن جعفر (4) " انه سأل اخاه موسى (عليه السلام) عن النصراني يغتسل مع المسلم في الحمام ؟ فقال إذا علم انه نصراني اغتسل بغير ماء الحمام إلا ان يغتسل وحده على الحوض فيغسله ثم يغتسل. وسألته عن اليهودي والنصراني يدخل يده في الماء أيتوضأ منه للصلاة ؟ قال لا إلا ان يضطر إليه ". اقول: الظاهر ان المعنى في صدر هذا الخبر انه سأله عن النصراني والمسلم يجتمعان في الحمام لاجل الغسل والمراد بالحمام ماؤه الذي في حياضه الصغار التي هي اقل من كر فقال (عليه السلام) ان علم انه نصراني وقد وضع يده فيه أو يريد ذلك اغتسل بغير ذلك الماء من الحمام أو غيره إلا ان يكون بعد اغتسال النصراني ويريد الاغتسال وحده فانه يغسل الحوض لنجاسته بملاقاة النصراني له واخذه الماء منه ثم يجري عليه الماء من المادة، وهو يشعر بعدم اتصال المادة حال اغتسال النصراني منه. واما ما ذكره في آخر الخبر من قوله: " إلا ان يضطر إليه " فالظاهر حمل الاضطرار على ما توجبه التقية. قال في المعالم بعد ذكر الرواية المذكورة: والمعنى في صدر هذه الرواية لا يخلو


(1) و (2) و (4) رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب النجاسات (3) المروية في الوسائل في الباب 51 من الاطعمة المحرمة.


[ 168 ]

من خفاء وكأن المراد به ان اجتماع المسلم والنصراني حال الاغتسال موجب لاصابة ما يتقاطر من بدن النصراني لبدن المسلم فينجسه. ولازم ذلك عدم صحة الغسل بماء الحمام حينئذ وتعين الاغتسال بغيره، واما إذا اغتسلا منفردين فليس بذلك بأس ولكن مع تقدم مباشرة النصراني للحوض يغسل المسلم الحوض من اثر تلك المباشرة ثم يغتسل منه، وبهذا يظهر ان الحكم مفروض في حوض لا يبلغ حد الكثير وتكون المادة فيه منقطعة حال مباشرة النصراني له ويكون للمسلم سبيل الى اجرائها ليتصور امكان غسل الحوض كما لا يخفى، ولانه مع كثرة الماء واتصال المادة به لا وجه للحكم بالتنجيس اللهم إلا ان يراد نجاسة ظاهر الحوض بما يتقاطر من بدن النصراني، وعلى كل حال لابد ان يراد من الاغتسال ما يكون بالاخذ من الحوض وإلا فمع كونه بالنزول الى الماء لا سبيل الى النجاسة مع الكثرة أو اتصال المادة ولا معنى لغسل الحوض مع القلة، وقوله في الرواية: " يغتسل على الحوض " مشعر بذلك ايضا وإلا لأتى ب‍ " في " بدل " على " واما استثناء حال الاضطرار في الحكم بالمنع من الوضوء مما يدخل اليهودي والنصراني يده فيه كما وقع في عجز الرواية فربما كان فيه دلالة على الطهارة وان المنع محمول على الاستحباب فلا يتم الاحتجاج به على النجاسة، وقد اشار الى ذلك في المعتبر على طريق السؤال عن وجه الاحتجاج به واجاب بانه لعل المراد بالوضوء التحسين لا رفع الحدث، قال ويلزم من المنع منه للتحسين المنع من رفع الحدث بل اولى. ولا يخفى ما في هذا الجواب من التعسف. ويمكن ان يقال ان استثناء حال الضرورة اشارة الى تسويغ استعماله في غير الطهارة عن الاضطرار. انتهى كلامه. وفي بعض مواضعه نظر يعلم مما قدمناه. هذا ما حضرني من الأخبار الدالة على القول بالنجاسة وربما وقف المتتبع على ما يزيد على ذلك ايضا.


[ 169 ]

واما ما استدل به على القول بالطهارة فوجوه: (الاول) اصالة الطهارة حتى يقوم دليل النجاسة. (الثاني) قوله عزوجل ".. وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم.. " (1) فانه شامل لما باشروه وغيره، وتخصيصها بالحبوب ونحوها مخالف للظاهر لاندراجها في الطيبات، ولان ما بعدها: " وطعامكم حل لهم " شامل للجميع قطعا، ولانتفاء الفائدة في تخصيص اهل الكتاب بالذكر فان سائر الكفار كذلك. (الثالث) الاخبار، ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن العيص بن القاسم (2) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن مواكلة اليهودي والنصراني ؟ فقال لا بأس إذا كان من طعامك. وسألته عن مواكلة المجوسي ؟ فقال إذا توضأ فلا بأس " وهذه الرواية قد تقدمت في كلام المحقق مستشهدا بها لما ذكره الشيخ (قدس سره) في النهاية. وفي الصحيح عن ابراهيم بن ابي محمود (3) قال: " قلت للرضا (عليه السلام) الجارية النصرانية تخدمك وانت تعلم انها نصرانية لا تتوضأ ولا تغتسل من جنابة ؟ قال لا بأس تغسل يديها ". وصحيحة ابراهيم بن ابي محمود ايضا (4) قال: " قلت للرضا (عليه السلام) الخياط أو القصار يكون يهوديا أو نصرانيا وانت تعلم انه يبول ولا يتوضأ ما تقول في عمله ؟ قال لا بأس ". وصحيحة اسماعيل بن جابر (5) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام)


(1) سورة المائدة، الاية 7. (2) رواه في الوسائل في الباب 53 من الاطعمة المحرمة. (3) رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب النجاسات (4) المروية في الوافي في باب (التطهير من مس الحيوانات) من ابواب الطهارة من الخبث (5) المروية في الوسائل في الباب 54 من الاطعمة المحرمة.


[ 170 ]

ما تقول في طعام اهل الكتاب ؟ فقال لا تأكله، ثم سكت هنيئة ثم قال لا تأكله، ثم سكت هنيئة ثم قال لا تأكله ولا تتركه تقول انه حرام ولكن تتركه تنزها عنه، ان في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير " قال شيخنا الشهيد الثاني على ما نقله عنه ولده في المعالم: تعليل النهي في هذه الرواية بمباشرتهم النجاسات يدل على عدم نجاسة ذواتهم إذ لو كانت نجسة لم يحسن التعليل بالنجاسة العرضية التي قد تتفق وقد لا تتفق. وحسنة الكاهلي (1) قال: " سأل رجل ابا عبد الله (عليه السلام) وانا عنده عن قوم مسلمين حضرهم رجل مجوسي أيدعونه إلى طعامهم ؟ قال اما انا فلا ادعوه ولا اواكله واني لاكره ان احرم عليكم شيئا تصنعونه في بلادكم ". ورواية زكريا بن ابراهيم (2) قال: " دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) فقلت اني رجل من اهل الكتاب واني اسلمت وبقى اهلي كلهم على النصرانية وانا معهم في بيت واحد لم افارقهم فآكل من طعامهم ؟ فقال لي يأكلون لحم الخنزير ؟ فقلت لا ولكنهم يشربون الخمر، فقال لي كل معهم واشرب ". وصحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (3) " وقد سأله عن اليهودي والنصراني يدخل يده في الماء أيتوضأ منه للصلاة ؟ قال لا إلا ان يضطر إليه " وقد تقدمت في ادلة القول بالتنجيس وتقدم الجواب عنها. ورواية عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (4) قال " سألته عن الرجل هل يتوضأ من كوز أو اناء غيره إذا شرب منه على انه يهودي ؟ فقال نعم. قلت من ذلك الماء الذي يشرب منه ؟ قال نعم ". اقول: اما الاستدلال بالاصل كما ذكروه فيجب الخروج عنه بالدليل وهو


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 53 من الاطعمة المحرمة. (3) المروية في الوسائل في الباب 14 من ابواب النجاسات. (4) المروية في الوسائل في الباب 3 من ابواب الاسآر.


[ 171 ]

ما قدمناه من الاية والروايات. واما الاستدلال بالاية فان الظاهر من الأخبار المؤيدة بكلام جملة من افاضل اهل اللغة هو تخصيص ذلك بالحنطة وغيرها من الحبوب اما حقيقة أو تغليبا بحيث غلب استعماله فيها. فاما الأخبار. فمنها صحيحة هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) (1) " في قول الله عزوجل: وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم ؟ قال العدس والحمص وغير ذلك " اقول: قوله وغير ذلك يعني من الحبوب كما يدل عليه الخبر الاتي، ومنها صحيحة قتيبة (2) قال: " سأل رجل ابا عبد الله (عليه السلام) فقال له الرجل: وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ؟ فقال كان ابي يقول انما هي الحبوب واشباهها " وموثقة سماعة (3) وفيها " العدس وغير ذلك " وموثقة اخرى له ايضا (4) قال: " سألته عن طعام اهل الذمة ما يحل منه ؟ قال الحبوب " وفي رواية ابي الجارود عن الباقر (عليه السلام) (5) " الحبوب والبقول " وبذلك يعلم ان ما ذكره بعض افاضل متأخري المتأخرين من الاشكال في حمل الطعام في الاية على الحبوب كما نقله في المعالم لا يلتفت إليه بعد ورود الأخبار بتفسير الاية بذلك كما سمعت، مع اعتضادها بكلام جملة من افاضل اهل اللغة، فمن ذلك ما نقل عن صاحب مجمل اللغة انه قال بعض اهل اللغة ان الطعام البر خاصة، وذكر حديث ابي سعيد (6) " كنا نخرج صدقة الفطرة على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) صاعا من طعام أو صاعا من كذا.. " وقال صاحب الصحاح ربما خص اسم الطعام بالبر. وقال في المغرب: الطعام اسم لما يؤكل وقد غلب على البر ومنه حديث ابي سعيد. ونقل ابن الاثير في النهاية عن الخليل ان الغالب في كلام العرب ان الطعام هو البر خاصة. وقال الفيومي في المصباح المنير: وإذا اطلق اهل الحجاز لفظ الطعام عنوا به البر خاصة، وفي العرف الطعام اسم لما يؤكل مثل الشراب اسم لما يشرب.


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب 51 من الاطعمة المحرمة (6) تيسير الوصول ج 2 ص 130 " واللفظ كنا نخرج زكاة الفطرة.. "


[ 172 ]

وقال في شمس العلوم بعد ان ذكر ان الطعام الزاد المأكول: وقال بعضهم الطعام البر خاصة واحتج بحديث ابي سعيد " كنا نخرج صدقة الفطرة على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) صاعا من طعام أو صاعا من شعير.. " انتهى. فهذه جملة من كلمات اهل اللغة متطابقة الدلالة على ما دلت عليه الأخبار المذكورة. بقى الكلام هنا في الأخبار ومعارضتها بالأخبار المتقدمة، والحق عندي هو الترجيح لاخبار النجاسة وذلك من وجوه: (الاول) اعتضادها بظاهر القرآن بالتقريب الذي قدمنا بيانه في معنى الاية وهي قوله سبحانه: " انما المشركون نجس.. " وقد عرفت الجواب عما اوردوه على الاستدلال بالاية المذكورة، وهذا احد وجوه الترجيحات المروية عن اهل العصمة (عليهم السلام) في مقام تعارض الأخبار في الاحكام الشرعية. (الثاني) كون اخبار الطهارة موافقة لمذهب العامة بلا خلاف ولا اشكال كما صرح به جملة من الاصحاب حتى ان المرتضى كما قدمنا ذكره جعل القول بالنجاسة هنا من متفردات الامامية، ومما يشير الى التقية قوله (عليه السلام) في حسنة الكاهلي المسوقة في جملة ادلة القول بالطهارة: " اما انا فلا ادعوه ولا اواكله واني لاكره ان احرم عليكم شيئا تصنعونه في بلادكم " فان مرمى هذه العبارة ان ذلك حرام شرعا ولكنه يكره ان يأمرهم به لما يخاف عليهم من لحوق الضرر بهم في ذلك، وإلا فلو كان حلالا شرعا فانه لا معنى لاختصاص ذلك بهم (عليهم السلام) وهذا ايضا احد وجوه الترجيحات المنصوصة من عرض الاخبار في مقام الاختلاف على مذهب العامة والاخذ بخلافهم. (الثالث) اعتضاد اخبار النجاسة باتفاق الاصحاب إلا الشاذ النادر الذي لا يعبأ بمخالفته، قال في المعالم: ثم ان مصير جمهور الاصحاب (رضوان الله عليهم) الى القول بالتنجيس مقتض للاستيحاش في الذهاب الى خلافه بل قد ذكرنا ان جماعة


[ 173 ]

ادعوا الاجماع على عموم الحكم بالتنجيس لجميع الاصناف، وكلام العلامة في المنتهى ظاهر فيه، وكأنهم لم يعتبروا الخلاف المحكي في ذلك، اما من جهة المفيد فلانه موافق في احد قوليه ولعلهم اطلعوا على انه المتأخر، واما ابن الجنيد فلأن المشهور عنه العمل بالقياس فلا التفات الى خلافه. انتهى. وقال في الذخيرة: والتحقيق انه لولا الشهرة العظيمة بين العلماء وادعاء جماعة منهم الاجماع على نجاسة اهل الكتاب لكان القول بالطهارة متجها لصراحة الأخبار الدالة على الطهارة على كثرتها في المطلوب وبعد حمل الكلام على التقية وقرب التأويل في اخبار النجاسة بحملها على الاستحباب والكراهة فانه حمل قريب. انتهى. اقول: اما ما ذكره من التأييد بالشهرة العظيمة فجيد كما ذكرنا ومؤيد لما اخترناه. واما ما ذكره من اتجاه القول بالطهارة لولا ما ذكره لبعد الحمل على التقية وقرب التأويل في اخبار النجاسة بحملها على الاستحباب والكراهة فهو وان سبقه إليه السيد في المدارك إلا انه اجتهاد محض في مقابلة النصوص وجرأة تامة على اهل الخصوص، لما عرفت من انهم (عليهم السلام) قد قرروا قواعد لاختلاف الاخبار ومهدوا ضوابط في هذا المضمار ومن جملتها العرض على مذهب العامة والاخذ بخلافه، والعامة هنا كما عرفت متفقون على القول بالطهارة أو هو مذهب المعظم منهم (1) بحيث لا يعتد بخلاف غيرهم فيه، والأخبار المذكورة مختلفة باعترافهم، فعدولهم عما مهده أئمتهم الى ما احدثوه بعقولهم واتخذوه قاعدة كلية في جميع ابواب الفقه بآرائهم من غير دليل عليه من سنة ولا كتاب جرأة واضحة لذوي الألباب، وليت شعري لمن وضع الأئمة (عليهم السلام) هذه القواعد المستفيضه في غير خبر من اخبارهم إذا كانوا في جميع ابواب الفقه انما عكفوا في الجمع بين الأخبار في مقام الاختلاف على هذه القاعدة والغوا العرض على الكتاب العزيز والعرض على مذهب العامة كما عرفت هنا ؟ وهل وضعت لغير هذه الشريعة أو ان المخاطب بها غير العلماء الشيعة ؟ ما هذا إلا عجب


(1) راجع التعليقة 1 ص 146.


[ 174 ]

عجاب من هؤلاء الفضلاء الاطياب. فرع الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في عموم النجاسة من الكافر لما تحله الحياة منه وما لا تحله الحياة إلا ما يأتي من كلام المرتضى (رضي الله عنه) في الفصل الثامن والتاسع من حكمه بطهارة ما لا تحله الحياة من نجس العين. وظاهر صاحب المعالم المناقشة في هذا المقام والميل إلى الطهارة حيث قال: نص جمع من الأصحاب على عدم الفرق في نجاسة الكافر بين ما تحله الحياة وما لا تحله الحياة، وظاهر كلام العلامة في المختلف عدم العلم بمخالف في ذلك سوى المرتضى فانه حكم بطهارة ما لا تحله الحياة من نجس العين، وقد مرت حكاية خلافه آنفا وبينا ان الحجة المحكية عنه في ذلك ضعيفة، ولكن الدليل المذكور هناك للحكم بالتسوية بين جميع الاجزاء لا يأتي هنا لخلو الأخبار عن تعليق الحكم بالتنجيس على الاسم كما وقع هناك، وقد نبهنا على ما في التمسك بالايتين من الاشكال فلا يتم التعلق بهما في هذا الحكم، حيث وقع التعليق فيهما بالاسم، وحينئذ يكون حكم ما لا تحله الحياة من الكافر خاليا من الدليل، فيتجه التمسك فيه بالاصل الى ان يثبت المخرج عنه. انتهى. اقول: فيه (اولا) ان الأخبار التي قدمناها دالة على نجاسة اليهود والنصارى قد علق الحكم فيها على عنوان اليهودي والنصراني الذي هو عبارة عن الشخص أو الرجل المنسوب الى هاتين الذمتين، ولا ريب ان الشخص والرجل عبارة عن هذا المجموع الذي حصل به الشخص في الوجود الخارجي، ولا ريب في صدق هذا العنوان على جميع اجزاء البدن وجملته كصدق الكلب على اجزائه، ومتى ثبت الحكم بالعموم في اهل الكتاب ثبت في غيرهم ممن يوافق على نجاستهم بطريق اولى. و (ثانيا) انه قد روى الكليني في الحسن عن الوشاء عمن ذكره عن الصادق


[ 175 ]

(عليه السلام) (1) " انه كره سؤر ولد الزنا واليهودي والنصراني والمشرك وكل من خالف الاسلام. وكان اشد ذلك عنده سؤر الناصب " ولا اشكال ولا خلاف في ان المراد بالكراهة هنا التحريم والنجاسة، وقد وقع ذلك معلقا على هذه العناوين المذكورة ومنها المشرك ومن خالف الاسلام. وكل من هذه العنوانات اوصاف لموصوفات محذوفة قد شاع التعبير بها عنها من لفظ الرجل أو الشخص أو الذات أو نحو ذلك، ولا ريب في صدق هذه الموصوفات على جملة البدن وجميع اجزائه كصدق الكلب على جملته كما اعترف به فكما ان الكلب اسم لهذه الجملة فالرجل ايضا كذلك ونحوه الشخص. و (ثالثا) انا قد اوضحنا سابقا دلالة احدى الايتين المشار اليهما في كلامه على النجاسة في المقام وبينا ضعف ما اورد عليها من الالزام وبه يتم المطلوب والمرام. والله العالم.

وتمام تحقيق القول في هذا الفصل يتوقف على رسم مسائل:

(الاولى) المشهور بين متأخري الاصحاب هو الحكم باسلام المخالفين وطهارتهم، وخصوا الكفر والنجاسة بالناصب كما اشرنا إليه في صدر الفصل وهو عندهم من اظهر عداوة اهل البيت (عليهم السلام) والمشهور في كلام اصحابنا المتقدمين هو الحكم بكفرهم ونصبهم ونجاستهم وهو المؤيد بالروايات الامامية، قال الشيخ ابن نوبخت (قدس سره) وهو من متقدمي اصحابنا في كتابه فص الياقوت: دافعوا النص كفرة عند جمهور اصحابنا ومن اصحابنا من يفسقهم.. الخ. وقال العلامة في شرحه اما دافعوا النص على امير المؤمنين (عليه السلام) بالامامة فقد ذهب اكثر اصحابنا الى تكفيرهم لان النص معلوم بالتواتر من دين محمد (صلى الله عليه وآله) فيكون ضروريا اي معلوما من دينه ضرورة فجاحده يكون كافرا كمن يجحد وجوب الصلاة وصوم شهر رمضان. واختار ذلك في المنتهى فقال في كتاب الزكاة في بيان اشتراط وصف المستحق بالايمان ما صورته: لان الامامة


(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من الاسآر.


[ 176 ]

من اركان الدين واصوله وقد علم ثبوتها من النبي (صلى الله عليه وآله) ضرورة والجاحد لها لا يكون مصدقا للرسول في جميع ما جاء به فيكون كافرا. انتهى. وقال المفيد في المقنعة: ولا يجوز لاحد من اهل الايمان ان يغسل مخالفا للحق في الولاية ولا يصلي عليه. ونحوه قال ابن البراج. وقال الشيخ في التهذيب بعد نقل عبارة المقنعة: الوجه فيه ان المخالف لاهل الحق كافر فيجب ان يكون حكمه حكم الكفار إلا ما خرج بالدليل. وقال ابن ادريس في السرائر بعد ان اختار مذهب المفيد في عدم جواز الصلاة على المخالف ما لفظه: وهو اظهر ويعضده القرآن وهو قوله تعالى: " ولا تصل على احد منهم مات ابدا.. " (1) يعني الكفار، والمخالف لاهل الحق كافر بلا خلاف بيننا. ومذهب المرتضى في ذلك مشهور في كتب الاصحاب إلا انه لا يحضرني الان شي ء من كلامه في الباب. وقال الفاضل المولى محمد صالح المازندراني في شرح اصول الكافي: ومن انكرها يعني الولاية فهو كافر حيث انكر اعظم ما جاء به الرسول واصلا من اصوله. وقال الشريف القاضي نور الله في كتاب احقاق الحق: من المعلوم ان الشهادتين بمجردهما غير كافيتين إلا مع الالتزام بجميع ما جاء به النبي (صلى الله على وآله) من احوال المعاد والامامة كما يدل عليه ما اشتهر من قوله (صلى الله عليه وآله) (2) " من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية " ولا شك ان المنكر لشئ من ذلك ليس بمؤمن ولا مسلم لان الغلاة والخوارج وان كانوا من فرق المسلمين نظرا إلى الاقرار بالشهادتين إلا انهما من الكافرين نظرا الى جحودهما ما علم من الدين وليكن منه بل من اعظم اصوله امامة امير المؤمنين (عليه السلام). وممن صرح بهذه المقالة ايضا


(1) سورة التوبة، الاية 85. (2) رواه الكليني في اصول الكافي ج 1 ص 376 الطبع الحديث بطرق متعددة عن الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله واللفظ في بعضها " من مات وليس عليه امام... " وفي آخر " من مات وليس له امام.. " وفي ثالث " من مات لا يعرف امامه. ".


[ 177 ]

الفاضل المولى المحقق أبو الحسن الشريف ابن الشيخ محمد طاهر المجاور بالنجف الاشرف حيا وميتا في شرحه على الكفاية حيث قال في جملة كلام في المقام في الاعتراض على صاحب الكتاب حيث انه من المبالغين في القول باسلام المخالفين: وليت شعري اي فرق بين من كفر بالله تعالى ورسوله ومن كفر بالائمة (عليهم السلام) مع ان كل ذلك من اصول الدين ؟ الى ان قال: ولعل الشبهة عندهم زعمهم كون المخالف مسلما حقيقة وهو توهم فاسد مخالف للاخبار المتواترة، والحق ما قاله علم الهدى من كونهم كفارا مخلدين في النار، ثم نقل بعض الأخبار في ذلك وقال والاخبار في ذلك اكثر من ان تحصى وليس هنا موضع ذكرها وقد تعدت عن حد التواتر. وعندي ان كفر هؤلاء من اوضح الواضحات في مذهب اهل البيت (عليهم السلام) انتهى. هذا، والمفهوم من الأخبار المستفيضة هو كفر المخالف الغير المستضعف ونصبه ونجاسته، وممن صرح بالنصب والنجاسة ايضا جمع من اصحابنا المتأخرين: منهم شيخنا الشهيد الثاني في بحث السؤر من الروض حيث قال بعد ذكر المصنف نجاسة سؤر الكافر والناصب ما لفظه: والمراد به من نصب العداوة لاهل البيت (عليهم السلام) أو لأحدهم واظهر البغضاء لهم صريحا أو لزوما ككراهة ذكرهم ونشر فضائلهم والاعراض عن مناقبهم من حيث انها مناقبهم والعداوة لمحبيهم بسبب محبتهم، وروى الصدوق ابن بابويه عن عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ليس الناصب من نصب لنا اهل البيت لانك لا تجد احدا يقول انا ابغض محمدا وآل محمد ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم انكم تتولونا وانكم من شيعتنا ".. وفي بعض الاخبار (2) " ان كل من قدم الجبت والطاغوت فهو ناصب " واختاره بعض الاصحاب إذ لا عداوة اعظم من تقديم المنحط عن مراتب الكمال وتفضيل المنخرط في سلك الاغبياء والجهال


(1) عقاب الاعمال ص 4 وفي البحار عنه ج 3 من المجلد 15 ص 13. (2) رواه في البحار عن مستطرفات السرائر ج 3 من المجلد 15 ص 14 وسيأتي ص 185.


[ 178 ]

على من تسنم اوج الجلال حتى شك في انه الله المتعال. انتهى. ونحوه في شرحه على الرسالة الالفية. وممن صرح بالنصب جماعة من متأخري المتأخرين: منهم السيد نعمة الله الجزائري في كتاب الانوار النعمانية حيث قال: واما الناصبي واحواله واحكامه فانما يتم ببيان امرين: (الاول) في بيان معنى الناصب الذي وردت الروايات انه نجس وانه شر من اليهودي والنصراني والمجوسي وانه كافر باجماع الامامية، والذي ذهب إليه اكثر الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان المراد به من نصب العداوة لال محمد (صلى الله عليه وآله) وتظاهر ببغضهم كما هو الموجود في الخوارج وبعض ما وراء النهر، ورتبوا الاحكام في باب الطهارة والنجاسة والكفر والايمان وجواز النكاح وعدمه على الناصبي بهذا المعنى، وقد تفطن شيخنا الشهيد الثاني من الاطلاع على غرائب الاخبار فذهب إلى ان الناصبي هو الذي نصب العداوة لشيعة أهل البيت (عليهم السلام) وتظاهر في القدح فيهم كما هو حال اكثر المخالفين لنا في هذه الاعصار في كل الامصار.. إلى آخر كلامه زيد في مقامه. وهو الحق المدلول عليه باخبار العترة الاطهار كما ستأتيك ان شاء الله تعالى ساطعة الانوار. إذا عرفت ذلك فاعلم ان من جملة من صرح بطهارة المخالفين بل ربما كان هو الاصل في الخلاف في هذه المسألة في القول باسلامهم وما يترتب عليه المحقق في المعتبر حيث قال: اسآر المسلمين طاهرة وان اختلفت آراؤهم عدا الخوارج والغلاة، وقال الشيخ في المبسوط بنجاسة المجبرة والمجسمة، وصرح بعض المتأخرين بنجاسة من لم يعتقد الحق عدا المستضعف، لنا ان النبي (صلى الله عليه وآله) لم يكن يجتنب سؤر احدهم وكان يشرب من المواضع التي تشرب منها عائشة وبعده لم يجتنب علي (عليه السلام) سؤر احد من الصحابة مع مباينتهم له، ولا يقال ان ذلك كان تقية لانه لا يصار إليها إلا مع الدلالة، وعنه (عليه السلام) (1) " انه سئل أيتوضأ من فضل جماعة المسلمين احب اليك


(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من الماء المضاف.


[ 179 ]

أو يتوضأ من ركو ابيض مخمر ؟ فقال بل من فضل وضوء جماعة المسلمين فان احب دينكم إلى الله الحنيفية السمحة " ذكره أبو جعفر بن بابويه في كتابه. وعن العيص ابن القاسم عن الصادق (عليه السلام) (1) " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يغتسل هو وعائشة من اناء واحد " ولان النجاسة مستفاد من الشرع فيقف على الدلالة، اما الخوارج فيقدحون في علي (عليه السلام) وقد علم من الدين تحريم ذلك، فهم بهذا الاعتبار داخلون في الكفر لخروجهم عن الاجماع وهم المعنيون بالنصاب. انتهى كلامه زيد مقامه وقال في الذخيرة بعد نقل ملخصه انه يمكن النظر في بعض تلك الوجوه لكنها بمجموعها توجب الظن القوي بالمطلوب. اقول: وعندي فيه نظر من وجوه: (الاول) انه لا يخفى انه انما المراد بالمخالف له في هذه المسألة الذي اشار إليه بقوله: " وصرح بعض المتأخرين " ابن ادريس، ولا ريب ان مراد ابن ادريس بالحق الذي صرح بنجاسة من لم يعتقده انما هو الولاية كما سيأتيك بيانه ان شاء الله تعالى في الاخبار فانها معيار الكفر والايمان في هذا المضمار، ويؤيد ذلك استثناء المستضعف كما سيأتيك التصريح به في الاخبار ايضا، ولا ريب ايضا ان الولاية انما نزلت في آخر عمره (صلى الله عليه وآله) في غدير خم والمخالفة فيها المستلزمة لكفر المخالف انما وقع بعد موته (صلى الله عليه وآله) فلا يتوجه الايراد بحديث عائشة والغسل معها في اناء واحد ومساورتها كما لا يخفى، وذلك لانها في حياته (صلى الله عليه وآله) على ظاهر الايمان وان ارتدت بعد موته كما ارتد ذلك الجم الغفير المجزوم بايمانهم في حياته (صلى الله عليه وآله) ومع تسليم كونها في حياته من المنافقين فالفرق ظاهر بين حالي وجوده (صلى الله عليه وآله) وموته حيث ان جملة المنافقين كانوا في وقت حياته على ظاهر الاسلام منقادين لاوامره ونواهيه ولم يحدث منهم ما يوجب الارتداد، واما بعد موته فحيث ابدوا تلك الضغائن البدرية واظهروا


(1) رواه في الوسائل في الباب 7 من الاسآر.


[ 180 ]

الاحقاد الجاهلية ونقضوا تلك البيعة الغديرية التي هي في ضرورتها من الشمس المضيئة فقد كشفوا ما كان مستورا من الداء الدفين وارتدوا جهارا غير منكرين ولا مستخفين كما استفاضت به اخبار الائمة الطاهرين (عليهم السلام) فشتان ما بين الحالتين وما ابعد ما بين الوقتين، فاي عاقل بزعم ان اولئك الكفرة اللئام قد بقوا على ظاهر الاسلام حتى يستدل بهم في هذا المقام والحال انه قد ورد عنهم عليهم الصلاة والسلام (1) " ثلاثة لا يكلمهم الله تعالى يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم: من ادعى امامة من الله ليست له ومن جحد اماما من الله ومن زعم ان لهما في الاسلام نصيبا " ؟ نعوذ بالله من زلات الافهام وطغيان الاقلام. (الثاني) ان من العجب الذي يضحك الثكلى والبين البطلان الذي اظهر من كل شئ واجلي ان يحكم بنجاسة من انكر ضروريا من سائر ضروريات الدين وان لم يعلم ان ذلك منه عن اعتقاد ويقين ولا يحكم بنجاسة من يسب امير المؤمنين (عليه السلام) واخرجه قهرا مقادا يساق بين جملة العالمين وادار الحطب على بيته ليحرقه عليه وعلى من فيه وضرب الزهراء (عليها السلام) حتى اسقطها جنينها ولطمها حتى خرت لوجهها وجبينها وخرجت لوعتها وحنينها مضافا إلى غصب الخلافة الذى هو اصل هذه المصائب وبيت هذه الفجائع والنوائب، ما هذا إلا سهو زائد من هذا النحرير وغفلة واضحة عن هذا التحرير، فيا سبحان الله كأنه لم يراجع الاخبار الواردة في المقام الدالة على ارتدادهم عن الاسلام واستحقاقهم القتل منه (عليه السلام) لولا الوحدة وعدم المساعد من اولئك الانام، وهل يجوز يا ذوي العقول والاحلام ان يستوجبوا القتل وهم طاهرو الاجسام ؟ ثم اي دليل دل على نجاسة ابن زياد ويزيد وكل من تابعهم في ذلك الفعل الشنيع الشديد ؟ واي دليل دل على نجاسة بني امية الارجاس وكل من حذا حذوهم من كفرة بني العباس الذين قد ابادوا الذرية العلوية وجرعوهم كؤوس الغصص


(1) رواه في اصول الكافي ج 1 ص 373 الطبع الحديث.


[ 181 ]

والمنية ؟ واي حديث صرح بنجاستهم حتى يصرح بنجاسة أئمتهم، واي ناظر وسامع خفي عليه ما بلغ بهم من أئمة الضلال حتى لا يصار إليه الا مع الدلالة ؟ ولعله (قدس سره) ايضا يمنع من نجاسة يزيد وامثاله من خنازير بني امية وكلاب بني العباس لعدم الدليل على كون التقية هي المانعة من اجتناب اولئك الارجاس. (الثالث) ان ما استند إليه من الاستدلال بحديث افضلية الوضوء من سؤر المسلمين لا يخلو من نوع مصادرة، فان الحكم باسلام المخالفين اول البحث والحاكم بالنجاسة انما حكم بذلك لثبوت الكفر والنصب المستلزمين للنجاسة، على انا لا نسلم ان المراد بالاسلام هنا المعنى الاعم كما استند إليه بل المراد انما هو المعنى المرادف للايمان كما فسره به بعض علمائنا الاعيان حيث قال: والوجه في التعليل كون الوضوء بفضل جماعة المسلمين اسهل حصولا، إلى ان قال مع ما فيه من التبرك بسؤر المؤمن وتحصيله الالفة بذلك. (الرابع) ان ما فسر به النواصب من انهم الخوارج خاصة مما يقضى منه العجب العجاب لخروجه عن مقتضى النصوص المستفيضة في الباب وعدم موافق له في ذلك لا قبله ولا بعده من الاصحاب. وبالجملة فان كلامه في هذا المقام لا اعرف له وجها وجيها من اخبارهم (عليه السلام) بل هي في رده وبطلانه اظهر من البدر ليالي التمام. هذا، واما الاخبار الدالة على كفر المخالفين عدا المستضعفين فمنها ما رواه في الكافي (1) بسنده عن مولانا الباقر (عليه السلام) قال: " ان الله عزوجل نصب عليا (عليه السلام) علما بينه وبين خلقه فمن عرفه كان مؤمنا ومن انكره كان كافرا ومن جهله كان ضالا.. ". وروى فيه (2) عن ابي ابراهيم (عليه السلام) قال: " ان عليا (عليه السلام) باب من ابواب الجنة فمن دخل بابه كان مؤمنا ومن خرج من بابه كان كافرا ومن لم يدخل


(1) الاصول ج 1 ص 437 الطبع الحديث (2) الاصول ج 2 ص 389.


[ 182 ]

فيه ولم يخرج منه كان في الطبقة الذين لله عزوجل فيهم المشيئة ". وروى فيه (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: ".. من عرفنا كان مؤمنا ومن انكرنا كان كافرا ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالا حتى يرجع إلى الهدى الذي افترضه الله عليه من طاعتنا الواجبة فان مات على ضلالته يفعل الله به ما يشاء ". وروى الصدوق في عقاب الاعمال (2) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) " ان الله تعالى جعل عليا (عليه السلام) علما بينه وبين خلقه ليس بينهم وبينه علم غيره فمن تبعه كان مؤمنا ومن جحده كان كافرا ومن شك فيه كان مشركا " ورواه البرقي في المحاسن مثله (3). وروى فيه ايضا عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " ان عليا (عليه السلام) باب هدى من عرفه كان مؤمنا ومن خالفه كان كافرا ومن انكره دخل النار " وروى في العلل بسنده إلى الباقر (عليه السلام) قال: " ان العلم الذي وضعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند علي (عليه السلام) من عرفه كان مؤمنا ومن جحده كان كافرا ". وروى في كتاب التوحيد وكتاب اكمال الدين واتمام النعمة عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " الامام علم بين الله عزوجل وبين خلقه من عرفه كان مؤمنا ومن انكره كان كافرا ". وروى في الامالي بسنده فيه عن النبي (صلى الله عليه وآله) (6) انه قال لحذيفة اليماني " يا حذيفة ان حجة الله عليكم بعدي علي بن ابي طالب (عليه السلام) الكفر


(1) الاصول ج 1 ص 187 الطبع الحديث (2) ص 5 (3) ص 89. (4) المحاسن ص 89 واللفظ: " علي باب الهدى من خالفه كان كافرا ومن انكره دخل النار ". (5) رواه في البحار ج 7 ص 27 (6) رواه في البحار عنه ج 9 ص 283.


[ 183 ]

به كفر بالله سبحانه والشرك به شرك بالله سبحانه والشك فيه شك في الله سبحانه والالحاد فيه الحاد في الله سبحانه والانكار له انكار لله تعالى والايمان به ايمان بالله تعالى لانه اخو رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووصيه وامام امته ومولاهم. وهو حبل الله المتين وعروته الوثقى التي لا انفصام لها.. الحديث ". وروى في الكافي (1) بسنده إلى الصحاف قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن قوله تعالى: " فمنكم كافر ومنكم مؤمن " (2) فقال عرف الله تعالى ايمانهم بموالاتنا وكفرهم بها يوم اخذ عليهم الميثاق وهم ذر في صلب آدم ". وروى فيه بسنده (3) عن الصادق (عليه السلام) قال: " اهل الشام شر من اهل الروم واهل المدينة شر من اهل مكة واهل مكة يكفرون بالله تعالى جهرة ". وروى فيه بسنده عن احدهما (عليهما السلام) (4) " ان اهل المدينة ليكفرون بالله جهرة واهل المدينة اخبث من اهل مكة، اخبث منهم سبعين ضعفا ". وروى فيه (5) عن ابي مسروق قال: " سألني أبو عبد الله (عليه السلام) عن اهل البصرة ما هم ؟ فقلت مرجئة وقدرية وحرورية. قال لعن الله تعالى تلك الملل الكافرة المشركة التي لا تعبد الله على شئ " إلى غير ذلك من الاخبار التي يضيق عن نشرها المقام ومن احب الوقوف عليها فليرجع إلى الكافي ولا سيما في تفسير الكفر في جملة من الايات القرآنية. وانت خبير بان التعبير عن المخالفة في الامامة في جملة من هذه الاخبار بالانكار في بعض والجحود في بعض دلالة واضحة على كفر هؤلاء المخالفين من قبيل كفر الجحود والانكار الموجب لخروجهم عن جادة الاسلام بكليته واجراء حكم الكفر عليهم برمته


(1) الاصول ج 1 ص 426 الطبع الحديث. (2) سورة التغابن، الاية 2. (3) و (5) الاصول ج 2 ص 409 الطبع الحديث. (4) الاصول ج 2 ص 410 الطبع الحديث.


[ 184 ]

وان مخالفتهم في ذلك انما وقع عنادا واستكبارا لقيام الادلة عليهم في ذلك وسطوع البراهين فيما هنالك لديهم، لان الجحود والانكار انما يطلقان في مقام المخالفة بعد ظهور البرهان كما صرح به علماء اللغة الذين إليهم المرجع في هذا الشأن. وبذلك يظهر ما في جواب شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني حيث انه ممن تبع المشهور بين المتأخرين في الحكم باسلام المخالفين، فانه اجاب عن اطلاق الكفر عليهم في الاخبار بالحمل على الكفر الحقيقي وان كانوا مسلمين ظاهرا فهم مسلمون ظاهرا فتجري عليهم احكام الاسلام من الطهارة وجواز المناكحة وحقن المال والدم والموارثة ونحو ذلك وكفار حقيقة وواقعا فيخلدون في النار يوم القيامة، ثم احتمل حمل كفرهم على احد معاني الكفر وهو كفر الترك فكفرهم بمعنى ترك ما امر الله تعالى به كما ورد " ان تارك الصلاة كافر " (1) و " تارك الزكاة كافر " (2) و " تارك الحج كافر " (3) و " مرتكب الكبائر كافر " (4). وفيه ان ما ذكره من الكفر بالمعنى الاول من انهم مسلمون ظاهرا وكفار حقيقة بمعنى اجتماع الكفر والاسلام بهذين المعنيين لم يقم عليه دليل في غير المنافقين في وقته (صلى الله عليه وآله) وانكاره بمجرد دعوى الاسلام لاولئك المخالفين اول البحث، ومن المعلوم ان المتبادر من اطلاق الكفر حيث يذكر انما هو ما يكون مباينا للاسلام ومضادا له في الاحكام إذ هو المعنى الحقيقي للفظ، وهكذا كل لفظ اطلق فانما يحمل على معناه الحقيقي إلا ان يصرف عنه صارف ولا صارف هنا إلا مجرد هذه الدعوى وهي ممنوعة بل هي اول البحث لعدم الدليل عليها بل قيام الادله المتعاضدة في دفعها وبطلانها كما اوضحناه في كتاب الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب وما يترتب


(1) رواه في الوسائل في الباب 11 من اعداد الفرائض ونوافلها. (2) رواه في الوسائل في الباب 4 من ما يجب فيه الزكاة. (3) رواه في الوسائل في الباب 7 من ابواب وجوب الحج. (4) رواه في الوسائل في الباب 2 من مقدمة العبادات.


[ 185 ]

عليه من المطالب. واما ما ذكره من الحمل على ترك ما امر الله تعالى فانه لا يخفى على من تأمل الاخبار التي اوردناها ان الكفر المنسوب إلى هؤلاء انما هو من حيث الامامة وتركها وعدم القول بالامامة. ولا يخفى ان الترك لشئ من ضروريات الدين ان كان انما هو ترك استخفاف وتهاون فصاحبه لا يخرج عن الايمان كترك الصلاة والزكاة ونحوهما وان اطلق عليه الكفر في الاخبار كما ذكره تغليظا في المنع من ذلك، وان كان عن جحود وانكار فلا خلاف في كفر التارك كفرا حقيقيا دنيا وآخرة ولا يجوز اطلاق اسم الاسلام عليه بالكلية كمن ترك الصلاة ونحوها كذلك، والاخبار المتقدمة كما عرفت قد صرحت بكون كفر هؤلاء انما هو من حيث جحود الامامة وانكارها لا ان ذلك استخفاف وتهاون مع اعتقاد ثبوتها وحقيتها كالصلاة ونحوها فانه لا معنى له بالنسبة الى الامامة كما لا يخفى، وحينئذ فليختر هذا القائل اما ان يقول بكون الترك هنا ترك جحود وانكار فيسقط البحث ويتم ما ادعيناه واما ان يقول ترك استخفاف وتهاون فمع الاغماض عن كونه لا معنى له فالواجب عليه القول بايمان المخالفين لان الترك كذلك لا يوجب الخروج عن الايمان كما عرفت ولا اراه يلتزمه. واما ما يدل على نصبهم فمنه ما تقدم نقله في كلام شيخنا الشهيد الثاني من حديث عبد الله بن سنان (1) ونحوه ايضا ما رواه الصدوق في معاني الاخبار (2) بسند معتبر عن معلى بن خنيس قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول ليس الناصب من نصب لنا اهل البيت لانك لا تجد احدا يقول انا ابغض آل محمد ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم انكم تتولونا وتتبرأون من اعدائنا " وروى ابن ادريس في مستطرفات السرائر مما استطرفه من كتاب مسائل الرجال ومكاتباتهم لمولانا ابي الحسن علي بن محمد الهادي (عليه السلام) في جملة مسائل محمد بن علي بن عيسى (3) قال: " كتبت إليه


(1) ص 177 (2) ص 104. (3) رواه عنه في البحار ج 3 من المجلد 15 ص 14 وفي الوافي ج 2 ص 56.


[ 186 ]

اسأله عن الناصب هل احتاج في امتحانه إلى اكثر من تقديمه الجبت والطاغوت واعتقاده بامامتهما ؟ فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب ". والمستفاد من هذه الاخبار ان مظهر النصب المترتب عليه الاحكام والدليل عليه اما تقديم الجبت والطاغوت أو بغض الشيعة من حيث التشيع فكل من اتصف بذلك فهو ناصب تجري عليه احكام النصب، نعم يجب ان يستثنى من خبر تقديم الجبت والطاغوت المستضعف كما عرفت من الاخبار المتقدمة وغيرها ايضا فيختص الحكم بما عداه، وعموم ذلك لجميع المخالفين بعد اخراج هذا الفرد مما لا يعتريه الريب والشك بالنظر إلى الاخبار المذكورة كما عليه اكثر اصحابنا المتقدمين الحاكمين بالكفر وكثير من متأخري المتأخرين كما قدمنا نقل كلام بعضهم. واما ما اجاب به الشيخ المحدث الصالح المتقدم ذكره من ان الناصب يطلق على معان: (احدها) من نصب العداوة لاهل البيت (عليهم السلام) وعلى هذا يحمل ما ورد من حل مال الناصب ونحوه، و (ثانيها) من قدم الجبت والطاغوت كما تضمنه خبر السرائر. و (ثالثها) من نصب للشيعة فهو ناشئ من ضيق الخناق وانا لم نجد لهذا المعنى الاول دليلا ولم نجد لهم دليلا على هذا التقسيم سوى دعواهم اسلام المخالفين فارادوا الجمع بين الحكم باسلامهم وبين هذه الاخبار بحمل النصب على ما ذكروه في المعنى الاول وهو اول البحث في المسألة فان الخصم يمنع اسلامهم ويقول بكفرهم. وبالجملة فانه لا خلاف بيننا وبينهم في ان الناصب هو العدو لاهل البيت والنصب لغة هو العداوة وشرعا بل لغة ايضا على ما يفهم من القاموس هو العداوة لاهل البيت (عليهم السلام) انما الخلاف في ان هولاء هل يدخلون تحت هذا العنوان ام لا ؟ فنحن ندعي دخولهم تحته وصدقه عليهم وهم يمنعون ذلك، ودليلنا على ما ذكرنا الاخبار المذكورة الدالة على ان الامر الذي يعرف به النصب ويوجب الحكم به على من اتصف به هو تقديم الجبت والطاغوت أو بغض الشيعة ولا ريب في صدق ذلك على


[ 187 ]

هؤلاء المخالفين، وليس هنا خبر يدل على تفسير الناصب بانه المبغض لاهل البيت (عليهم السلام) كما يدعونه بل الخبران المتقدمان صريحان في انك لا تجد احدا يقول ذلك. وبالجملة فانه لا دليل لهم ولا مستند ازيد من وقوعهم في ورطة القول باسلامهم فتكلفوا هذه التكلفات الشاردة والتأويلات الباردة، على انا قد حققنا في الشهاب الثاقب بالاخبار الكثيرة بغض المخالفين المقدمين للجبت والطاغوت غير المستضعفين لاهل البيت (عليهم السلام) واليه يشير كلام شيخنا الشهيد الثاني المتقدم نقله من الروض. ومن اظهر ما يدل على ما ذكرناه ما رواه جملة من المشايخ عن الصادق (عليه السلام) قال: " الناصبي شر من اليهودي. فقيل له وكيف ذلك يا ابن رسول الله ؟ قال ان الناصبي يمنع لطف الامامة وهو عام واليهودي لطف النبوة وهو خاص " فانه لا ريب ان المراد بالناصبي هنا مطلق من انكر الامامة كما ينادي به قوله " يمنع لطف الامامة " وقد جعله (عليه السلام) شرا من اليهودي الذي هو من جملة فرق الكفر الحقيقي بلا خلاف. ومن اراد الاحاطة باطراف الكلام والوقوف على صحة ما ادعيناه من اخبار اهل البيت (عليهم السلام) فليرجع إلى كتابنا المشار إليه آنفا فانه قد احاط باطراف المقال ونقل الاقوال والادلة الواردة في هذا المجال. واما ما يدل على نجاسة الناصب الذي قد عرفت انه عبارة عن المخالف مطلقا إلا المستضعف منه فمنه ما رواه في الكافي بسنده عن عبد الله بن ابي يعفور عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " لا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمام فان فيها غسالة ولد الزنا وهو لا يطهر الى سبعة آباء وفيها غسالة الناصب وهو شرهما، ان الله لم يخلق خلقا شرا من الكلب وان الناصب اهون على الله تعالى من الكلب " وما رواه فيه ايضا عن خالد القلانسي (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) القى الذمي


(1) رواه في الوسائل في الباب 11 من الماء المضاف. (2) رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب النجاسات.


[ 188 ]

فيصافحني ؟ قال امسحها بالتراب أو بالحائط. قلت فالناصب ؟ قال اغسلها " وعن الوشاء عن من ذكره عن الصادق (عليه السلام) (1) " انه كره سؤر ولد الزنا وسؤر اليهودي والنصراني والمشرك وكل من خالف الاسلام، وكان اشد ذلك عنده سؤر الناصب " ورواية علي ابن الحكم عن رجل عنه (عليه السلام) (2) وفيها " لا تغتسل من ماء غسالة الحمام فانه يغتسل فيه من الزنا ويغتسل فيه ولد الزنا والناصب لنا اهل البيت وهو شرهم " وما رواه الصدوق في العلل في الموثق عن عبد الله ابن ابي يعفور عن الصادق (عليه السلام) (3) في حديث قال فيه بعد ان ذكر اليهودي والنصراني والمجوسي قال: " والناصب لنا اهل البيت وهو شرهم، ان الله لم يخلق خلقا انجس من الكلب وان الناصب لنا اهل البيت لا نجس منه " ولجملة من اصحابنا في هذا المقام حيث نقلوا عن ابن ادريس القول بنجاسة من لم يعتقد الحق عدا الستضعف وعن المرتضى (رضى الله عنه) القول بنجاسة غير المؤمن وزيفوا لهما حججا واهية كلام واه في الجواب عن ذلك لا يستحق النظر إليه كما لا يخفى على من تأمل فيما ذكرناه وتدبر ما سطرناه فانه هو الحجة في المقام لا ما زيفه اولئك الاعلام.

فرعان:

(الاول) لا يخفى انه على تقدير القول بالنجاسة كما اخترناه فلو الجأت ضرورة التقية إلى المخالطة جازت المباشرة دفعا للضرر كما اوجبته شرعية التقية في غير مقام من الاحكام إلا انه يتقدر بقدر الضرورة فيتحرى المندوحة مهما امكن. بقي الكلام في انه لو زالت التقية بعد المخالطة والمباشرة بالبدن والثياب فهل يجب تطهيرها ام لا ؟ اشكال ينشأ من حيث الحكم بالنجاسة وانما سوغنا مباشرتها للتقية وحيث زالت التقية فحكم النجاسة باق على حاله فيجب ازالتها إذ لا مانع من ذلك، ومن حيث


(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من الاسآر (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 11 من الماء المضاف.


[ 189 ]

تسويغ الشارع المباشرة وتجويزه لها اولا فما اتى به من ذلك امر جائز شرعا وهو حكم الله تعالى في حقه تلك الحال وعود الحكم بالنجاسة على وجه يوجب التطهير بعد ذلك يحتاج إلى دليل، وبالجملة فالمسألة لا تخلو عندي من نوع توقف لعدم الدليل الظاهر في البين والاحتياط فيها ظاهر. والله العالم.

(الثاني) ينبغي ان يعلم ان جميع من خرج عن الفرقة الاثنى عشرية من افراد الشيعة كالزيدية والواقفية والفطحية ونحوها فان الظاهر ان حكمهم كحكم النواصب فيما ذكرنا لان من انكر واحدا منهم (عليهم السلام) كان كمن انكر الجميع كما وردت به اخبارهم، ومما ورد من الاخبار الدالة على ما ذكرنا ما رواه الثقة الجليل أبو عمرو الكشي في كتاب الرجال باسناده عن ابن ابي عمير عن من حدثه (1) قال: " سألت محمد بن علي الرضا (عليه السلام) عن هذه الاية " وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة " (2) قال وردت في النصاب، والزيدية والواقفية من النصاب " وما رواه فيه بسنده إلى عمر بن يزيد (3) قال: " دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) فحدثني مليا في فضائل الشيعة ثم قال ان من الشيعة بعدنا من هم شر من النصاب. فقلت جعلت فداك اليس ينتحلون مودتكم ويتبرأون من عدوكم ؟ قال نعم. قلت جعلت فداك بين لنا لنعرفهم فلعلنا منهم. قال كلا يا عمر ما انت منهم انما هو قوم يفتنون بزيد ويفتنون بموسى " وما رواه فيه ايضا (4) قال: " ان الزيدية والواقفية والنصاب بمنزلة واحدة " وروى القطب الراوندي في كتاب الخرائج والجرائح عن احمد بن محمد بن مطهر (5) قال: " كتب بعض اصحابنا إلى ابي محمد (عليه السلام) من اهل الجبل يسأله عن من وقف على ابي الحسن موسى (عليه السلام) اتولاهم ام اتبرأ منهم ؟ فكتب لا تترحم على عمك لا رحم الله عمك وتبرأ منه، انا الى الله برئ منهم فلا تتولهم ولا تعد مرضاهم ولا تشهد جنائزهم ولا تصل على احد منهم مات ابدا سواء، من جحد اماما من الله تعالى أو زاد اماما ليست امامته من الله


(1) و (4) ص 149 (2) سورة الغاشية الاية 2 و 3 (3) ص 286 (5) كشف الغمة ص 309.


[ 190 ]

أو قال ثالث ثلاثة، ان الجاحد امر آخرنا جاحد امر اولنا والزائد فينا كالناقص الجاحد امرنا " وكأن هذا السائل لم يعلم ان عمه كان منهم فاعلمه بذلك. وهي كما ترى ظاهرة في المراد عارية عن وصمة الايراد، ولهذا نقل شيخنا البهائي (قدس سره) في مشرق الشمسين ان متقدمي اصحابنا كانوا يسمون تلك الفرق بالكلاب الممطورة اي الكلاب التي اصابها المطر مبالغة في نجاستهم والبعد عنهم. والله العالم.

(المسألة الثانية) المشهور بين الاصحاب سيما المتأخرين القول بطهارة ولد الزنا والحكم باسلامه ودخول الجنة، وعن ابن ادريس القول بكفره ونجاسته، ونقل العلامة في المختلف القول بالكفر عن المرتضى وابن ادريس، ونقل جملة منهم عن الصدوق ايضا القول بالنجاسة والكفر، قال في المختلف في باب السؤر: قال الشيخ أبو جعفر بن بابويه لا يجوز الوضوء بسؤر اليهودي والنصراني وولد الزنا والمشرك وجعل ولد الزنا كالكافر، وهو المنقول عن المرتضى وابن ادريس، وباقي علمائنا حكموا باسلامه، وهو الحق وسيأتي بيان ذلك. وقال المحقق في المعتبر وربما تعلل المانع يعني من سؤر ولد الزنا بانه كافر ونحن نمنع ذلك ونطالبه بدليل دعواه، ولو ادعى الاجماع كما ادعاه بعض الاصحاب كانت المطالبة باقية فانا لا نعلم ما ادعاه. قال في المعالم بعد نقل الاقوال المذكورة: إذا عرفت ذلك فاعلم ان المعتمد عندي هو القول بالطهارة لكونها مقتضى الاصل والمخرج عنه غير معلوم. وقال في الذخيرة: ويدل على الطهارة الاصل وكونه محكوما عليه بالاسلام ظاهرا وان سؤره لما اشرنا إليه من العمومات فيلزم العموم لعدم القائل بالفصل. انتهى. واحتج في المنتهى للقول بكفره بمرسلة الوشاء المتقدمة (1) قال: ووجهه انه لا يريد بلفظ " كره " المعنى الظاهر له وهو النهي عن الشئ نهي تنزيه لقوله " واليهودي " فان الكراهة فيه تدل على التحريم فلم يبق المراد إلا كراهة التحريم،


(1) ص 188.


[ 191 ]

ولا يجوز ان يرادا معا وإلا لزم استعمال المشترك في كلا معنييه أو استعمال اللفظ في معنيين الحقيقة والمجاز وذلك باطل، ثم انه اجاب عن الاحتجاج بالمنع من الحديث فانه مرسل، سلمنا لكن قول الراوي " كره " ليس اشارة الى النهي بل الكراهة التي في مقابلة الارادة وقد تطلق على ما هو اعم من المحرم والمكروه، سلمنا لكن الكراهة قد تطلق على النهي المطلق فيحمل عليه. انتهى. وقال شيخنا أبو الحسن الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني في بعض تحقيقاته وقد سأل عن ولد الزنا: هل يحتمل ان يدخل الجنة مع امكان ان يكون مؤمنا متشرعا ؟ فأجاب (قدس سره) بما ملخصه ان جواز ايمانه وامكان تدينه عقلا مما لا خلاف فيه كيف ولو لم يكن كذلك لزم التكليف بالمحال وهو باطل عقلا ونقلا، وانما الخلاف في الوقوع هل يقع منه الايمان والتدين ام يقطع بعدم وقوع ذلك ؟ والمنقول عن رئيس المحدثين ابي جعفر محمد بن على بن بابويه والمرتضى علم الهدى وابي عبد الله ابن ادريس الحلي روح الله ارواحهم وقدس اشباحهم هو الثاني وهو انه لا يكون إلا كافرا بمعنى انه لا يختار إلا الكفر، وهم لا ينكرون انه لو فرض ايمانه وتدينه امكن دخول الجنة بل وجب وان كان عندهم ان هذا الفرض غير واقع لانه لا بد وان يختار من قبل نفسه الكفر، وفي ظواهر الاخبار ما يشهد بهذا القول مثل قوله (عليه السلام) (1) " ولد الزنا شر الثلاثة " ومثل قوله (عليه السلام) (2) " لا يبغضك يا علي الا ولد الزنا " ثم نقل خبرا عن الكافي (3) يتضمن قوله: " ان الله حرم الجنة على كل فحاش بذي قليل الحياء لا يبالي بما قال ولا ما قيل له فانك ان فتشته لم تجده إلا لغية أو شرك شيطان. فقيل يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي الناس شرك شيطان ؟ فقال اما تقرأ قول الله عزوجل:


(1) البحار ج 8 ص 212 وسفينة البحار ج 1 ص 560. (2) سفينة البحار ج 1 ص 560 و 561 (3) الاصول ج 2 ص 323 الطبع الحديث.


[ 192 ]

وشاركهم في الاموال والاولاد " (1) قال فان ظاهره تحريم الجنة على الصنف المذكور تحريما مؤبدا، إلى ان قال: ولا يخفى انه يمكن حمل الخبر على تحريم الجنة عليهم زمانا طويلا أو تحريم جنة خاصة معدة لغير هذا الصنف كما احتمله شيخنا البهائي في شرح الاربعين، ثم ذكر جملة من الاخبار الدالة على كون حب علي (عليه السلام) علامة على طيب الولادة وبغضه علامة على الزنا، إلى ان قال وبالجملة الاخبار المشعرة بهذا المعنى كثيرة إلا انها قابلة للتأويل غير خالية عن قصور في سند أو دلالة والقائل بمضمونها قليل نادر، واكثر اصحابنا على اسلامه وطهارته وامكان تدينه وعدالته وصحة دخوله الجنة، وانا في هذه المسألة متوقف وان كان القول الثاني لا يخلو من قوة ومتانة. وهو فتوى الشيخين والفاضلين والشهيدين وكافة المتأخرين، ويعضده الاصل والنظر إلى عموم سعة رحمة الله تعالى وتفضله بالالطاف الربانية والعنايات السبحانية على كافة البرية. انتهى ملخصا. اقول: ونحن نبسط الكلام في الايراد على كلام شيخنا المذكور ونبين ما فيه من القصور وبه يتضح ايضا ما في القول المشهور، فنقول: لا يخفى ان شيخنا قد دخل في هذه المسألة من غير الطريق وعرج على الاستدلال فيها من واد سحيق ولم يمعن النظر فيها بعين التحقيق ولا الفكر الصائب الدقيق ولم يورد شيئا من اخبارها اللائقة بها حسبما يراد فلذا صار كلامه معرضا للايراد، وبيان ذلك يظهر من وجوه النظر التي تتوجه على كلامه الظاهرة في تداعي ما بنى عليه وانهدامه. فاحدها جعله محل الخلاف في المسألة انه هل يقع من ابن الزنا الايمان والتدين ام يقطع بعدمه ؟ وحمله القول بكفره على معنى انه لا يقع منه إلا الكفر وإلا فانهم لا ينكرون انه لو فرض ايمانه وتدينه امكن دخوله الجنة بل وجب، فانه ليس في محله بل هؤلاء القائلون بكفره يقولون به وان اظهر الايمان وتدين به كما هو ظاهر النقل عنهم، وبه صرح جملة من اصحابنا: منهم شيخنا خاتمة المحدثين غواص بحار الانوار


(1) سورة بني اسرائيل، الاية 64.


[ 193 ]

حيث قال فيه: ونسب إلى الصدوق والمرتضى وابن ادريس (قدس الله اسرارهم) القول بكفره وان لم يظهره، ثم قال: وهذا مخالف لاصول العدل إذ لم يفعل باختياره ما يستحق به العقاب فيكون عقابه ظلما وجورا وليس بظلام للعبيد. انتهى. اقول: وهذا الذي نقله عن المشايخ الثلاثة هو الذي تدل عليه الاخبار وهي التي اوجبت مصيرهم إليه كما ستمر بك ان شاء الله تعالى فانها صريحة في حرمانه الجنة وان اظهر التدين والايمان، نعم ما ذكره من القول بالكفر انما هو وجه تأويل حيث حمل القائلون باسلام ولد الزنا الاخبار الدالة على عدم دخوله الجنة على انه لكونه يظهر الكفر فجعلوه جوابا عن الاخبار المذكورة مع انها صريحة في رده ايضا كما سيظهر لك لا ان ذلك مذهب القائلين بكفره. وثانيها ما نقله من الادلة للقائلين بالكفر وقوله في آخر الكلام: وبالجملة فالاخبار المشعرة بهذا المعنى كثيرة إلا انها قابلة للتأويل. فانه مسلم بالنسبة إلى اخباره التي اوردها لكنها ليست هي ادلة هذا القول كما توهمه بل ادلته ما سنذكره من الروايات الصحيحة الصريحة المستفيضة الغير القابلة للتأويل، والعجب منه (قدس سره) مع سعة دائرته في الاطلاع وكونه ممن لا يجاري في سعة الباع كيف غفل عن الوقوف عليها مع كثرتها وانتشارها وتكررها واشتهارها حتى اعتمد في الاستدلال على هذه الاخبار البعيدة عن المقام بمراحل لا تنطبق عليه إلا بمزيد تكلف كما لا يخفى على الخبير الكامل. وثالثها ما ذكره من قوله: ان اكثر اصحابنا على اسلامه وطهارته وامكان تدينه وعدالته وصحة دخوله الجنة، وميله إلى هذا القول بعد توقفه وقوله انه لا يخلو من من قوة ومتانة، ومن الكلام على هذا الوجه يظهر لك ما في القول المشهور ايضا من القصور فان فيه ان ما صاروا إليه هنا في هذه المواضع مخالف لجملة الاخبار الواردة عن العترة الطاهرة في جملة من موارد الاحكام:


[ 194 ]

فمنها دعوى الطهارة مع ان ظواهر الاخبار تدل على النجاسة، ومنها ما تقدم في آخر المسألة المتقدمة وهي رواية عبد الله بن ابي يعفور (1) الدالة على النهي عن الاغتسال من البئر الذي يجتمع فيه غسالة الحمام فان فيه غسالة ولد الزنا مع اشتمالها على المبالغة في نجاسته بانه لا يطهر إلى سبعة آباء، ومرسلة الوشاء (2) وان تمحل في المنتهى لتأويلها بما قدمنا ذكره إلا انه انما يصار إليه مع تسليم صحته مع وجود المعارض، ورواية حمزة بن احمد عن ابي الحسن الاول (عليه السلام) (3) في حديث قال فيه: " ولا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام فانه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب وولد الزنا والناصب لنا اهل البيت وهو شرهم " وليس في الاخبار ما يعارض هذه الاخبار سوى مجرد دعواهم الاسلام وسيظهر لك ما فيه في المقام، ورواية علي بن الحكم، فهذه جملة من الاخبار ظاهرة في نجاسته مع تأيدها بما يأتي من الاخبار في تلك الاحكام. ومنها دعوى العدالة ولا يخفى ان المواضع التي يشترط فيها العدالة هي الامامة في الصلاة وقد اتفقت كلمة الاصحاب والاخبار على اشتراط طهارة المولد فيها وانها لا تنعقد بابن الزنا وان تدين بالاسلام وكان منه في اعلى مقام، والشهادة وقد استفاضت الاخبار بانه لا تقبل شهادته، والقضاء وقد اتفقت كلمة الاصحاب على انه لا يجوز له تولي القضاء، وحينئذ فاي ثمرة لهذه العدالة التي ادعاها في المقام ؟ والاخبار الواردة في هذه المواضع التي اشرنا إليها معلومة لمن وقف على الاخبار ومن لم يقف فليراجع، فلا ضرورة إلى التطويل بنقلها وكذا نقل كلام الاصحاب في هذه الابواب. ومما يؤيد الحكم بكفره ما ورد في ديته وانها كدية اليهود والنصارى ثمانمائة درهم كما ورد في رواية عبد الرحمان بن عبد الحميد (4) ومرسلة جعفر بن بشير (5) ورواية ابراهيم بن عبد الحميد (6) وفي رواية عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (7)


(1) و (2) ص 187 و 188 (3) المروية في الوسائل في الباب 11 من الماء المضاف (4) و (5) و (6) و (7) المروية في الوسائل في الباب 15 من ديات النفس.


[ 195 ]

قال: " سألته كم دية ولد الزنا ؟ قال يعطي الذي انفق عليه ما انفق عليه " وقد حكم بمضمون هذه الاخبار الصدوق والمرتضى وابن ادريس بناء على مذهبهم في المسألة، والمشهور بناء على الحكم باسلامه ان ديته دية المسلم مع انه لا معارض لهذه الاخبار في المقام. ومنها دعوى دخول الجنة فان الاخبار مستفيضة بردها، ومنها ما رواه الصدوق في العلل بسنده عن سعد بن عمر الجلاب (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) ان الله عزوجل خلق الجنة طاهرة مطهرة فلا يدخلها إلا من طابت ولادته، وقال أبو عبد الله (عليه السلام) طوبى لمن كانت امه عفيفة " وروى في الكتاب المذكور (2) بسنده فيه إلى محمد بن سليمان الديلمي عن ابيه رفع الحديث إلى الصادق (عليه السلام) قال: " يقول ولد الزنا يا رب فما ذنبي ؟ فما كان لي في امري صنع، قال فيناديه مناد فيقول انت شر الثلاثة اذنب والداك فنبت عليهما وانت رجس ولن يدخل الجنة إلا طاهر " اقول: انظر إلى صراحة هذا الخبر في ان منعه وطرده عن الجنة انما هو من حيث كونه ابن زنا حيث انه احتج بان لا ذنب لي يوجب بعدي وطردي من الجنة فلو كان كافرا لم يحتج بهذا الكلام ولو احتج به لاتاه الجواب بان طرده من الجنة لكفره، وما رواه في الكافي وغيره بسنده عن ابي خديجة عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " لو كان احد من ولد الزنا نجا لنجا سائح بني اسرائيل. فقيل له وما سائح بني اسرائيل ؟ قال كان عابدا فقيل له ان ولد الزنا لا يطيب ابدا ولا يقبل الله تعالى منه عملا، قال فخرج يسيح في الجبال ويقول ما ذنبي ؟ " وروى البرقي في المحاسن بسنده عن سدير الصيرفي (4) قال: " قال أبو جعفر (عليه السلام) من طهرت ولادته دخل الجنة " وروى فيه ايضا بسنده عن عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " خلق الله تعالى الجنة طاهرة مطهرة لا يدخلها إلا من طابت ولادته " وهذه الاخبار كما ترى صريحة في ان منع ابن الزنا من الجنة انما هو من حيث خبث الولادة لا من


(1) و (2) ص 188 (3) المحاسن ص 108 (4) و (5) ص 139.


[ 196 ]

حيث الكفر الذي زعموا حمل الاخبار عليه كما قدمنا الاشاره إليه، وروى في المحاسن ايضا بسنده عن ايوب بن الحر عن ابي بكر (1) قال: " كنا عنده ومعنا عبد الله بن عجلان فقال عبد الله بن عجلان معنا رجل يعرف ما نعرف ويقال انه ولد زنا ؟ فقال ما تقول ؟ فقلت ان ذلك ليقال فقال ان كان ذلك كذلك بني له بيت في النار من صدر يرد عنه وهج جهنم ويؤتى برزقه " قال بعض مشايخنا بعد نقل هذا الخبر: قوله من صدر اي يبني له ذلك في صدر جهنم واعلاه، والظاهر انه تصحيف الصبر بالتحريك وهو الجمد، وروى في الكافي بسنده عن ابن ابي يعفور (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) ولد الزنا يستعمل ان عمل خيرا جزي به وان عمل شرا جزي به " اقول هذا الخبر موافق للقول المشهور من ان ولد الزنا كسائر الناس يجزى بما يعمل الا انه مع اجماله لا يعارض الاخبار المتقدمة، ومما يؤكد هذا ايضا ما رواه الصدوق في عقاب الاعمال والبرقي في المحاسن بسنديهما عن ابي بصير ليث المرادي عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " ان نوحا حمل في السفينة الكلب والخنزير ولم يحمل فيها ولد الزنا وان الناصب شر من ولد الزنا " وما رواه في ثواب الاعمال في الموثق عن زرارة (4) قال: " سمعت ابا جعفر (عليه السلام) يقول لا خير في ولد الزنا ولا في بشره ولا في شعره ولا في لحمه ولا في دمه ولا شئ منه يعني ولد الزنا " وبالجملة فالمفهوم من الاخبار التي سردناها ان ابن الزنا له حالة ثالثة غير حالتي الايمان والكفر، لان ما تقدم من الاخبار الدالة على احكامه في الدنيا من النجاسة وعدم العدالة مع الاتصاف بشروطها وحكم ديته وكذا اخبار عدم دخوله الجنة وكذا الاخبار الاخيرة لا يجامع الحكم بالايمان بوجه، واسباب الكفر الموجبة للحكم بكونه كافرا غير موجودة لان الفرض انه متدين بظاهر الايمان كما عرفت من ظاهر الاخبار المذكورة.


(1) ص 149 (2) رواه في الوافي ج 12 ص 218 (3) المحاسن ص 185 (4) عقاب الاعمال ص 38.


[ 197 ]

وكيف كان فالحق عندي في المسألة ما افاده شيخنا غواص بحار الانوار ومستخرج ما فيها من لئالئ الاخبار، حيث قال بعد نقل جملة من الاخبار الدالة على عدم دخوله الجنة ما صورته " اقول يمكن الجمع بين الاخبار على وجه يوافق قانون العدل بان يقال لا يدخل ولد الزنا الجنة لكن لا يعاقب في النار إلا بعد ان يظهر منه ما يستحقه ومع فعل الطاعة وعدم ارتكاب ما يحبطه يثاب في النار على ذلك ولا يلزم على الله تعالى ان يثيب الخلق في الجنة، ويدل عليه خبر عبد الله بن عجلان ولا ينافيه خبر عبد الله بن ابي يعفور إذ ليس فيه تصريح بان جزاءه يكون في الجنة، واما العمومات الدالة على ان من يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله الله الجنة فيمكن ان تكون مخصصة بتلك الاخبار " انتهى كلامه زيد مقامه. والذي يقرب عندي ان مقتضى هذه الاخبار الكثيرة المستفيضة التي تلوناها في احكامه دنيا واخرة سيما الاخبار الاخيرة الدالة على انه شر من الكلب والخنزير وانه لا خير في شعره ولا بشره.. الخ. انه في الغالب والاكثر لا يطيب ولا يكون مؤمنا وان كان مؤمنا فايمانه يكون مستعارا وان ثبت على ايمانه وكان مستقرا يكون ثوابه في النار على الوجه الذي ذكره شيخنا المشار إليه. وبما حققناه في المقام وكشفنا عنه نقاب الابهام يظهر لك ما في كلام علمائنا الاعلام في المسألة لعدم وقوفهم على ما ورد من اخبارهم (عليهم السلام) والله الهادي لمن يشاء.

(المسألة الثالثة) قال في المعالم: " ظاهر كلام جماعة من الاصحاب ان ولد الكافرين يتبعهما في النجاسة الذاتية بغير خلاف لانهم ذكروا الحكم جازمين به غير متعرضين لبيان دليله كما هو الشأن في المسائل التي لا مجال للاحتمال فيها، وممن ذكر الحكم كذلك العلامة في التذكرة ولكنه في النهاية اشار إلى نوع خلاف أو احتمال فيه فقال: الاقرب في اولاد الكفار التبعية لهم. وانت إذا احطت خبرا بما قررناه في نجاسة الكافر وجدت للتوقف في الحكم بالنجاسة هنا على الاطلاق مجالا ان لم يثبت انعقاد الاجماع عليه. وربما استدل له بانه حيوان متفرع من حيوانين نجسين فيثبت له


[ 198 ]

حكمهما كالكلب والخنزير. ويشكل بان الظاهر كون المقتضي لثبوت الحكم في المتولد من الحيوانين النجسين هو صدق اسم الحيوان النجس عليه لا مجرد التولد، وبهذا صرح العلامة في اثناء كلام له في المنتهى فقال ان ولد الكلب ليس نجسا باعتبار تولده من النجس بل باعتبار صدق اسم الكلب عليه. وقد عرفت استشكاله في جملة من كتبه للحكم بنجاسة المتولد من الكلب والخنزير إذا كان مباينا لهما، وحينئذ يكون الحكم في ولد الكافر موقوفا على صدق عنوان الكفر عليه " انتهى. اقول: يمكن الاستدلال للقول المشهور من تبعية ولد الكافر لابويه في الكفر بما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن جعفر بن بشير وطريقه إليه في المشيخة صحيح عن عبد الله بن سنان (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن اولاد المشركين يموتون قبل ان يبلغوا الحنث ؟ قال كفار والله اعلم بما كانوا عاملين يدخلون مداخل آبائهم " وروى فيه عن وهب بن وهب عن جعفر بن محمد عن ابيه (عليهما السلام) (2) قال: " قال علي (عليه السلام) اولاد المشركين مع آبائهم في النار واولاد المسلمين مع آبائهم في الجنة ". ولا ينافي ذلك ما ورد من الاخبار الدالة على انه تؤجج لهم نار ويؤمرون بدخولها فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما وكان من اهل الجنة ومن امتنع كان في النار كما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن هشام عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " ثلاثة يحتج عليهم: الابكم والطفل ومن مات في الفترة، فترفع لهم نار فيقال لهم ادخلوها فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن ابى قال الله تعالى هذا قد امرتكم فعصيتموني " وروى فيه ايضا عن سهل عن غير واحد رفعوه (4) " انه سئل عن الاطفال


(1) و (2) باب (حال من يموت من اطفال المشركين والكفار) من كتاب النكاح (3) الفروع ج 1 ص 249 الطبع الحديث (4) الفروع ج 1 ص 248.


[ 199 ]

فقال إذا كان يوم القيامة جمعهم الله تعالى واجج لهم نارا وامرهم ان يطرحوا انفسهم فيها فمن كان في علم الله تعالى انه سعيد رمى بنفسه فيها وكانت عليه بردا وسلاما ومن كان في علمه سبحانه انه شقي امتنع فيأمر الله تعالى بهم إلى النار فيقولون يا ربنا تأمر بنا إلى النار ولم تجر علينا القلم ؟ فيقول الجبار قد امرتكم مشافهة فلم تطيعوني فكيف لو ارسلت رسلي بالغيب اليكم ؟ " ثم قال في الكافي وفي حديث آخر " اما اطفال المؤمنين فانهم يلحقون بآبائهم واولاد المشركين يلحقون بآبائهم، وهو قول الله تعالى بايمان الحقنا بهم ذريتهم ". لانا نقول لا ريب ان مقتضى الخبرين المتقدمين وكذا الخبر المرسل من الكافي اخيرا الدلالة على اللحوق بالاباء من كل من اولاد المؤمنين والمشركين، والجمع بينهما وبين ما ذكر من اخبار تأجيج النار ممكن باحد وجهين، اما بحمل اخبار تأجيج النار على ان الذين يدخلون النار ويطيعون هم اولاد المؤمنين والذين يمتنعون هم اولاد الكفار والمشركين وحينئذ فيلحق كل من الفريقين بالاباء في الجنة أو النار بعد الامتحان المذكور، واما بحمل اخبار تأجيج النار على غير الاطفال المؤمنين والكفار بناء على ما ثبت بالاخبار الصحيحة من تقسيم الناس إلى مؤمن ومسلم وكافر فاهل الوعدين وهم المؤمنون والكفار لا يقفون في الحساب ولا تنشر لهم الدواوين ولا تنصب لهم الموازين وانما يساقون بعد البعث إلى الجنة ان كانوا مؤمنين والنار ان كانوا كافرين، وهذان الفريقان يلحق بهم اولادهم في الجنة والنار كما صرحت به تلك الاخبار، واما المسلمون وهم اهل المحشر الذين يقفون في الحساب وتنشر لهم الدواوين وتنصب لهم الموازين فهؤلاء الذين تأجج لاولادهم النار، ومما يشير إلى هذا الوجه تصريح اخبار الالحاق بالمؤمنين والكافرين واجمال اخبار التأجيج بالاطفال بقول مطلق فيحمل على هذا الفرد الذي ذكرنا، ومما يؤكده قول صاحب الكافي بعد نقل خبر التأجيج المتضمن للاطفال بقول مطلق: وفي حديث آخر " اما اطفال المؤمنين واولاد المشركين " فان فيه ايماء إلى ان


[ 200 ]

خبر التأجيج انما هو لغير اطفال المؤمنين والمشركين وهم اطفال المسلمين الذين هم اصحاب الحساب. واما جمع صاحب الوافي بين الأخبار بحمل اخبار اللحوق على البرزخ واخبار التأجيج على يوم القيامة فالظاهر بعده فان ظاهر الاخبار المذكورة ان ما ذكر في كل من اخبار الطرفين انما هو يوم القيامة ولا سيما ان صحيحة عبد الله بن سنان قد صرحت بالكفر، ثم انه مع تسليم الجمع بما ذكره فانه لا ينافي اعتضادنا بالاخبار المذكورة لان حاصله هو الحكم بالكفر على اولاد المشركين والايمان على اولاد المؤمنين إلى يوم القيامة حتى انهم في البرزخ يلحقون بهم في الجنة والنار ممتدا ذلك إلى يوم القيامة فيقع التكليف لهم والامتحان بالنار، وبذلك يتميز اصحاب الجنة الاخروية الموجبة للخلود والنار كذلك، وحينئذ فالاستدلال بهذه الاخبار على ما ادعيناه حاصل على جميع الاحتمالات، على انه لا خلاف بينهم في الحكم بايمان اولاد المؤمنين واجراء احكامه عليهم من الطهارة ونحوها وجواز الاعطاء من الزكاة التي لا يجوز دفعها إلا إلى المؤمن، وبذلك صرحت الاخبار من غير خلاف لا في الاخبار ولا في كلام الاصحاب، ولا وجه للحكم هنا بالايمان إلا مجرد الالحاق لان ترتب ذلك على العقائد غير ظاهر حيث لا تكليف قبل البلوغ فكذلك اولاد المشركين والكفار فانه يحكم بكفرهم إلحاقا لهم بالآباء بعين ما ثبت في اولاد المؤمنين وتخرج الاخبار المذكورة شاهدة على ذلك. وإذا قد ثبت بما ذكرنا من الاخبار صدق عنوان الكفر على اولاد الكفار كصدق عنوان الايمان على اولاد المؤمنين ظهر لك ما في قول صاحب المعالم في آخر كلامه المتقدم من قوله: " وحينئذ يكون الحكم في ولد الكافر موقوفا على صدق عنوان الكفر عليه " فانه قد ثبت ذلك من هذه الاخبار بما لا يداخله الشك ولا يتطرق إليه. ثم قال في المعالم على اثر الكلام المتقدم ذكره من غير فاصل: إذا عرفت هذا فاعلم ان بعض الاصحاب استثنى من الحكم بنجاسة ولد الكافر هنا ما إذا سباه المسلم


[ 201 ]

واستشكل ذلك في بحث الجهاد بعدم الدليل عليه واقتضاء الاستصحاب بقاءه على النجاسة إلى ان يثبت المزيل، ثم ذكر ان ظاهر الاصحاب عدم الخلاف بينهم في طهارته والحال هذه انما اختلفوا في تبعيته للمسلم في الاسلام بمعنى ثبوت احكام المسلم له وهذا امر آخر زائد على الحكم بالطهارة كما لا يخفى، وصرح الشهيد في الذكرى ببناء الحكم بطهارته أو نجاسته على الخلاف في تبعيته للمسلم وعدمها حيث قال: ولد الكافر نجس ولو سباه مسلم وقلنا بالتبعية طهر وإلا فلا. والتحقيق ان احتمال بقاء النجاسة بعد سبي المسلم له ضعيف لما قد ظهر من انحصار المقتضي للتنجيس قبله في الاجماع ان ثبت ولا ريب في انتفائه بالنظر إلى ما بعده، والتمسك باستصحاب النجاسة مردود بمنع العمل بالاستصحاب في مثله كما بيناه في محله من مقدمة الكتاب، وبه يظهر جودة احتجاج العلامة وجماعة للحكم بطهارته حينئذ باصالة الطهارة السالمة عن معارضة يقين النجاسة، وضعف مناقشة بعض الاصحاب فيه بان الامر بالعكس لان النجاسة تحققت بمجرد الولادة فيجب استصحابها وهو اصل سالم عن معارضة يقين الطهارة، وتوضيح وجه الجودة والضعف انه لا ريب في ان الاصل في الاشياء كلها الطهارة إلى ان يقوم على خلافها دليل وحيث ان الدليل المخرج عن حكم الاصل في موضع النزاع مخصوص بالحالة السابقة على السبي فالقدر المتحقق من المخالفة لاصالة الطهارة هو ذاك وما عداه باق على حكم لعدم قبول الاستصحاب إذا كان دليل الحكم المستصحب مقيدا بحال كما مر. انتهى. اقول: ما ذكره واختاره وقبله صاحب المدارك من القول بالطهارة بعد السبي بناء على عدم عموم دليل الكفر وشموله لما بعد السبي جيد بناء على ما ذكروه من عدم الدليل على الكفر إلا الاجماع وهو غير شامل لموضع النزاع، واما على ما ذكرناه من الاخبار الواضحة المنار فانه لا يصح هذا الكلام ولا ما ابتنى عليه في المقام فان ظاهر الاخبار كما ترى تبعية الولد لابويه في الكفر إلى يوم القيامة فيخلد معه في النار أو يمتحن بتأجيج نار له، وبه يضمحل هذا البحث الذي اكثروا فيه من القيل والقال والجواب


[ 202 ]

والسؤال ويزول الاشكال من هذا المجال، ويبطل ما ذكروه من التبعية للمسلم السابي له في الاسلام أو الطهارة خاصة لعدم الدليل الشرعي، ودليل النجاسة الذي ذكرناه واضح الدلالة طافح المقالة على عموم النجاسة وبقائها سبي ام لا إلى يوم القيامة فضلا عن ايام الدنيا، ولكنهم (رضوان الله عليهم) معذورون لعدم حضور هذه الاخبار لهم بالبال بل ولا مرت لهم بالخيال، والله الهادي لمن يشاء والعالم بحقيقة الحال.

(المسألة الرابعة) نقل المحقق في المعتبر عن الشيخ في المبسوط انه حكم بنجاسة المجبرة والمجسمة من فرق المسلمين ولم يرتضه بل ذهب إلى الطهارة محتجا بان النجاسة حكم مستفاد من الشرع فيقف على الدلالة، وادعى دلالة ظواهر بعض الاخبار على الطهارة. ووافق الشيخ في المجسمة جماعة من الاصحاب: منهم المحقق الشيخ علي والشهيد الثاني في شرح الرسالة. واختلف كلام العلامة في ذلك، فقال في المنتهى بعد ان ذكر ان حكم الناصب والغالي حكم الكافر لانكارهما ما علم ثبوته من الدين ضرورة: وهل المجسمة والمشبهة كذلك ؟ الاقرب المساواة لاعتقادهم انه تعالى جسم وقد ثبت ان كل جسم محدث. وصرح بهذا القول في التحرير والقواعد ايضا، واستقرب في التذكرة والنهاية القول بالطهارة. ومثل ذلك وقع للشهيد فانه في الذكرى استضعف كلام الشيخ وفي البيان عد المجسمة بالحقيقة والمشبهة كذلك في اقسام الكافر المنتحل للاسلام وهو جاحد لبعض ضرورياته بعد ان حكم بنجاسة الكافر بجميع انواعه، وفي الدروس اطلق نجاسة المجسم ولم يقيده بالحقيقي وبذلك جزم. وقال الشهيد الثاني في الروض بعد ان عد المجسمة: وهم قسمان مجسمة بالحقيقة وهم اللذين يقولون ان الله تعالى جسم كالاجسام ولا ريب في كفر هذا القسم وان تردد فيه بعض الاصحاب، ومجسمة بالتسمية المجردة وهم القائلون بانه جسم لا كالاجسام، وفي نجاسة هذا القسم تردد وكأن الدليل الدال على نجاسة الاول دال على الثاني فان مطلق الجسمية توجب الحدوث وان غاير بعضها بعضا. انتهى. وجزم في شرح الرسالة بالعموم فقال: ومن ضروب الكفار المجسمة


[ 203 ]

ولو بالتسمية. وما ذكره في الروض من الدليل الدال على النجاسة في المجسم الحقيقي جار في المجسم بالمعنى الثاني فان مطلق الجسمية توجب الحدوث، واعترضه ابنه في المعالم فقال: وعندي في الدليل نظر لان ظاهره كون المقتضي للنجاسة هو القول بالحدوث لا مجرد التجسيم ومن البين ان المجسم ينفي الحدوث قطعا فكأنه يتخيل برأيه الفاسد عدم المنافاة بين الجسمية والقدم. انتهى. وحينئذ فلا يلزم من القول بالجسمية الحدوث. واما المجبرة فانه قد نقل غير واحد عن الشيخ القول بنجاستهم واعترضوه بالضعف ولم ينقلوا له دليلا على ذلك، وقال في المنتهى في باب الاسآر: يمكن ان يكون مأخذ الشيخ في حكمه بنجاسة سؤر المجبرة والمجسمة قوله تعالى: ".. كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون " (1) والرجس النجس، ثم قال: وتنجيس سؤر المجبرة ضعيف، وفي المجسمة قوة. ورد هذا الاستدلال للشيخ بالاية جملة ممن تأخر عنه بالضعف، قال في المعالم: ولعل نظر الشيخ إلى ما ذكره بعض المفسرين من دلالة قوله تعالى: " سيقول الذين اشركوا لو شاء الله ما اشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم.. الاية " (2) على كفر المجبرة. اقول: الظاهر انه اشار ببعض المفسرين إلى صاحب الكشاف حيث انه من المعتزلة واستدل بهذه الاية على كفر المجبرة من الاشاعرة فلعل الشيخ هنا استند إلى هذه الاية، وتوجيه الاستدلال بها على ما ذكره في الكشاف انها اخبار عما سوف يقوله المشركون ثم لما قالوه قال سبحانه " وقال الذين اشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شئ " (3) يعنون بكفرهم وتمردهم ان شركهم وشرك آبائهم وتحريمهم ما احل الله بمشيئة الله وارادته ولولا مشيئة الله لم يكن شئ من ذلك كمذهب المجبرة بعينه، قال ومعنى قوله سبحانه: " كذلك كذب الذين من قبلهم " جاءوا بالتكذيب المطلق لان الله تعالى ركب في العقول وانزل في الكتب ما دل على


(1) سورة الانعام، الاية 125 (2) سورة الانعام، الاية 149. (3) سورة النحل. الاية 35.


[ 204 ]

غناه وبراءته من مشيئة القبائح وارادتها والرسل اخبروا بذلك فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وارادته فقد كذب التكذيب كله وهو تكذيب الله عزوجل وكتبه ورسله ونبذ ادلة العقل والسمع وراء ظهره. قال في الذخيرة بعد الكلام في المقام ونقل الخلاف وذكر نحو مما ذكرناه: واذ قد عرفت ان العمدة في اثبات نجاسة الكفار على اصنافها هو الاجماع وهو غير جار في محل النزاع كان القول بالنجاسة هنا عاريا عن الدليل، ولا يبعد القول بالطهارة تمسكا بظاهر ما رواه ابن بابويه في كتابه (1) حيث قال: " سئل علي (عليه السلام) أيتوضأ من فضل وضوء جماعة المسلمين احب اليك أو يتوضأ من ركو ابيض مخمر ؟ فقال لا بل من فضل جماعة المسلمين فان احب دينكم إلى الله الحنيفية السمحة السهلة " إذ هذه الرواية معتضدة بالاصل سالمة عن المعارض أو الظاهر ان المسلم شامل لمن اظهر الشهادتين إلا من خرج بالدليل، إذ يلزم منه طهارة سؤرهم ثم يلزم عموم الحكم إذ الظاهر عدم القائل بالفصل. انتهى. اقول: الظاهر ان هذه الرواية هي التي اشار إليها المحقق فيما قدمنا نقله عنه صدر المسألة من انه ادعى دلالة ظواهر بعض الاخبار على الطهارة وقد تقدمت ايضا في كلامه الذي قدمناه في المسألة الاولى. ثم اقول: لا يخفى ان ما طول به الاصحاب المقال في هذا المجال وتعسفوه من الاستدلال وكثرة الاقوال مع ما فيه من الاشكال بل الاختلال كله انما نشأ من القول باسلام المخالفين وإلا فانه على القول بكفرهم ونصبهم ونجاستهم كما اوضحناه فيما تقدم لا ثمرة لهذا البحث ولا خصوصية لهذه الفرق في البحث دون غيرهم من ذوي الخلاف، وما ذكره صاحب الذخيرة جريا على مذهبه وتصلبه ومبالغته في القول باسلام المخالفين فهو اوهن من بيت العنكبوت وانه لاوهن البيوت، وقد تقدم تحقيق البحث في المسألة الاولى مستوفى بحمد الله تعالى وتقدم الكلام في خبره المذكور في الكلام على كلام المحقق الذي هو الاصل في هذا القول المنكور. والله هو العالم.


(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من الماء المضاف.


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>