تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الخامس


 

الفصل الثامن والتاسع

الكلب والخنزير

ولا خلاف في نجاستهما عينا، قال الشيخ في الخلاف ان الكلب نجس العين نجس اللعاب نجس السؤر باجماع الفرقة وان الخنزير نجس بلا خلاف. وقال المحقق في المعتبر إذا لاقى الكلب والخنزير ثوبا أو جسدا وهو رطب غسل موضع الملاقاة وجوبا وهو مذهب علمائنا اجمع. وقال العلامة في المنتهى والتذكرة الكلب والخنزير نجسان عينا عن علمائنا. إلى غير ذلك من كلامهم الذي على هذا المنوال، وقد وافقنا على ذلك ايضا اكثر العامة (1). والاصل في الاخبار المستفيضة، ومنها صحيحة محمد بن مسلم (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الكلب يصيب شيئا من جسد الرجل ؟ قال يغسل المكان الذي اصابه " وصحيحة الفضل ابي العباس (3) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا اصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله وان مسه جافا فاصبب عليه الماء " وصحيحة علي بن جعفر عن اخيه (موسى عليه السلام) (4) قال " سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغلسه فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به ؟ قال ان كان دخل في صلاته فليمض وان لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما اصاب من ثوبه إلا ان يكون فيه اثر فيغسله. قال وسألته عن خنزير شرب من اناء كيف يصنع به ؟ قال يغسل سبع مرات قوله في الخبر " ان كان دخل في صلاته فليمض.. إلى قوله فلينضح " المراد به ما إذا كانت الاصابة بغير رطوبة بقرينة قوله " إلا ان يكون


(1) في المغنى ج 1 ص 52 " النجاسة قسمان نجاسة الكلب والخنزير والمتولد منهما فهذا لا يختلف المذهب في انه يجب غسلها سبعا احداهن بالتراب " وفي بدائع الصنائع ج 1 ص 74 " اختلف المشايخ في كون الكلب نجس العين فمنهم من قال انه نجس العين ومنهم من قال ليس بنجس العين وهذا اقرب القولين إلى الصواب " وفي الام للشافعي ج 1 ص 7 " جلد الكلب والخنزير لا يطهر بالدباغ لان النجاسة فيهما وهما حيان قائمة وانما يطهر بالدباغ ما لم يكن نجسا حيا والكلب والخنزير لا يطهران بحال ابدا " (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 12 من ابواب النجاسات (4) المروية في الوسائل في الباب 13 من ابواب النجاسات.


[ 206 ]

فيه اثر فيغسله " وسيجئ تحقيق الكلام فيه ان شاء الله تعالى قريبا في مسألة الصلاة في النجاسة، وفي الصحيح عن حريز عن من اخبره عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " إذا مس ثوبك كلب فان كان يابسا فانضحه وان كان رطبا فاغسله " وعن الحسين ابن سعيد عن القاسم عن علي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الكلب يصيب الثوب ؟ قال انضحه وان كان رطبا فاغسله " وعن صفوان بن يحيى عن معاوية بن شريح (3) قال: " سأل عذافر ابا عبد الله (عليه السلام) وانا عنده عن سؤر السنور إلى ان قال قلت له الكلب ؟ قال لا. قلت أليس هو سبع ؟ قال لا والله انه نجس لا والله انه نجس " وصحيحة ابي الفضل البقباق (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن فضل الهرة والشاة، إلى ان قال حتى انتهيت إلى الكلب ؟ فقال رجس نجس.. الحديث " وفي الصحيح عن حريز عن محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن الكلب يشرب من الاناء ؟ قال اغسل الاناء ". وقد ورد من الاخبار هنا ما ظاهره المنافاة في الحكم المذكور، ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحسين بن سعيد عن ابن سنان عن ابن مسكان عن الصادق (عليه السلام) (6) قال: " سألته عن الوضوء بماء ولغ الكلب فيه والسنور أو شرب منه جمل أو دابة أو غير ذلك أيتوضأ منه أو يغتسل ؟ قال نعم إلا ان تجد غيره فتنزه عنه " وحمل الشيخ على ما إذا كان الماء بالغا مقدار الكر واستشهد له برواية ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (7) وفيها " ولا تشرب من سؤر الكلب إلا ان يكون حوضا كبيرا يستقى منه " اقول: ما ذكره الشيخ جيد فان ظاهر الخبر ان هذا الماء من


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 26 من ابواب النجاسات (3) و (4) و (7) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاسآر (5) رواه في الوسائل في الباب 12 من ابواب النجاسات. (6) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب الاسآر.


[ 207 ]

مياه الطرق المشاعة وقد اوضحنا في بحث الماء القليل انها لا تنقص عن كر فضلا عن كرور وما قدر الكر فانه لا يأتي على شرب جمل كما ذكر في الخبر، ومنها ما رواه في الصحيح عن ابن ابي عمير عن ابي زياد النهدي عن زرارة (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن جلد الخنزير يجعل دلوا يستقى به ؟ قال لا بأس " وحمله الشيخ ايضا على قصد استعمال الماء في سقي الدواب أو شبهه لا في نحو الوضوء والشرب وهو جيد، وعلى هذا فيكون نفي البأس متوجها إلى الماء الذي يستقى به وانه لا بأس باستعماله ويحمل على ما ذكره الشيخ. ويحتمل عندي والظاهر انه الاقرب ان نفي البأس انما هو بالنسبة إلى البئر وانها لا تنجس بذلك فيكون هذا الخبر من الاخبار الدالة على طهارة البئر وعدم انفعالها بالملاقاة بوقوع جلد الخنزير فيها، ويؤيد هذا المعنى موثقة الحسين بن زياد عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " قلت له جلد الخنزير يجعل دلوا يستقى به من البئر التي يشرب منها أو يتوضأ منها ؟ قال لا باس " فانها ظاهرة في نفي البأس عن ماء البئر لان السؤال انما تعلق بذلك ويصير معنى الرواية لا بأس به اي بماء البئر والشرب والوضوء منه وانها لا تنجس بذلك، ولا بأس بالاستقاء بجلد الخنزير على ماء البئر، وحينئذ فلا دلالة فيه على طهارة الجلد ان لم يكن اظهر في الدلالة على النجاسة لان السؤال عن ماء البئر وبقائه على الطهارة انما يتجه مع النجاسة لا مع الطهارة.


(1) رواه في الوسائل في الباب 14 من ابواب الماء المطلق. (2) لم نعثر على هذه الرواية بهذا السند والمتن في كتب الحديث وانما الموجود فيها موثقة الحسين بن زرارة في " شعر الخنزير يعمل حبلا يستقى به " وستاتي في الصفحة 210 وقد رواها في الوسائل في الباب 14 من الماء المطلق. وقد اثبت المحقق الهمداني (قده) في مصباح الفقيه للحسين بن زرارة روايتين احداهما في شعر الخنزير والاخرى في جلده، ويحتمل انه اعتمد في رواية الجلد على الحدائق مع ابدال زياد بزرارة.


[ 208 ]

فروع:

(الاول) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) بل لا نعلم فيه خلافا سوى ما ذهب إليه المرتضى في المسائل الناصرية نجاسة الكلب والخنزير بجميع اجزائهما ما تحله الحياة منها وما لا تحله، وفرق المرتضى في الكتاب المذكور بينهما فحكم بطهارة ما لا تحله الحياة، قال في الكتاب المشار إليه بعد قول جده الناصر: شعر الميتة طاهر وكذا شعر الكلب والخنزير ما صورته: هذا صحيح وهو مذهب اصحابنا وهو مذهب ابي حنيفة واصحابه وقال الشافعي ان ذلك كله نجس (1) دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتكرر ذكره قوله تعالى: " ومن اصوافها.. " (2) إلى ان قال: وايضا فان الشعر لا حياة فيه الا ترى ان الحيوان لا يألم باخذه منه، إلى ان قال: وإذا ثبت ان الشعر والصوف والقرن لا حياة فيه لم يحله الموت، وليس لهم ان يتعلقوا بقوله تعالى " حرمت عليكم الميتة " فان اسم الميتة يتناول الجملة بسائر اجزائها وذلك ان الميتة اسم لما يحله الموت والشعر لا يحله الموت كما لا تحله الحياة ويخرج عن الظاهر، وليس لاحد ان يقول ان الشعر والصوف من جملة الخنزير والكلب وهما نجسان، وذلك انه لا يكون من جملة الحي إلا ما تحله الحياة وما لا تحله الحياة ليس من جملته وان كان متصلا به. انتهى ملخصا. وظاهره كما ترى دعوى الاجماع على هذه الدعوى مع انه لم يقل بها احد


(1) في البحر الرائق لابن نجيم الحنفي ج 1 ص 232 " المختار جلد الكلب نجس وشعره طاهر " وفي المغنى ج 1 ص 57 " لا فرق بين النجاسة من ولوغ الكلب أو يده أو رجله أو شعره أو غير ذلك من اجزائه، وحكم الخنزير حكم الكلب لان النص وقع في الكلب والخنزير شر منه " وفي ص 82 " اختلفت الرواية عن احمد في الخزر بشعر الخنزير فروى عنه وعن ابن سيرين والحكم وحماد واسحاق والشافعي كراهته لانه استعمال العين النجسة ولا يسلم من التنجيس بها " (2) سورة النحل، الاية 80.


[ 209 ]

من الامامية سواه. واما ما تمسك به من الدليل فهو اوهن من بين العنكبوت وانه لاوهن البيوت. وذلك فان ما ذكره مخالف لما هو المعلوم لغة وعرفا وشرعا من صدق الاسم على جميع ما تركب منه ذلك الحيوان وكان من جملته، اما العرف واللغة فظاهر واما الشرع فلما ذكروه فيه في باب الديات من الدية في الجناية على الشعر كالجناية على سائر اجزاء البدن من رأسه وعنقه وسائر اعضائه فلو لم يكن الشعر جزء منه وداخلا في جملته لما ترتب على الجناية عليه دية، على ان الاخبار التي قدمناها في تعدي النجاسة مع الرطوبة شاملة بعمومها لما كان الملاقاة لما تحله ولما لا تحله الحياة بل الغالب في الملاقاة ان الاصابة انما تحصل بالشعر كما هو ظاهر. ونقل في المدارك ان المرتضى استدل هنا بدليل آخر زيادة على ما ذكره وهو ان ما لا تحله الحياة من نجس العين كالمأخوذة من الميتة، ثم اجاب عنه بانه قياس مع الفارق فان المقتضى للتنجيس في الميتة صفة الموت وهي غير حاصلة فيما لا تحله الحياة بخلاف نجس العين فان نجاسته ذاتية. وانت خبير بان كلام المرتضى (رضي الله عنه) في هذا المقام انما يدور على الدليل الأول وهو ان ما لا تحله الحياة ليس من جملته وان كان متصلا به حيا أو ميتا، واما كلامه المتقدم فانما هو في شعر الميتة كما هو احد المسألتين المذكورتين في كلام جده الناصر، والظاهر ان هذا الدليل متكلف له كما ينبئ عنه ظاهر كلامهم حيث انهم لم يرجعوا الى الكتاب المذكور فعبروا عنه بانه نقل عنه القول بكذا ونقل عنه الاستدلال بكذا. قال في المعالم: واما السيد فيعزى إليه القول بطهارة ما لا تحله الحياة، الى ان قال وحجة المرتضى على ما ذكره جماعة وذكر مثل ما ذكر في المدارك من الدليلين المتقدمين ورد الاول بان المرجع في صدق الاسم الى اللغة والعرف وهما متفقان على عدم اعتبار التفرقة المذكورة، والتشبيه بعظم الميتة وشعرها لا وجه له كما لا يخفى. انتهى.


[ 210 ]

اقول: لا يخفى ما في تخصيص الرجوع في صدق الاسم باللغة والعرف دون الشرع مع دلالة ما قلناه عليه من الغفلة فانه لولا صدق الاسم عليه ودخوله في مسمى الانسان لما كان في ايجاب الدية في الجناية على الشعر معنى مع انه لا خلاف بينهم فيه وورود الأخبار به. ويؤيده ما رواه في الكافي عن السياري في حكاية ابن ابي ليلى مع محمد بن مسلم في جارية ليس على عانتها شعر (1) حيث " سئل ابن ابي ليلى عنها فلم يكن عنده فيه شئ فسأل عنها محمد بن مسلم فقال اي شئ تروون عن ابي جعفر (عليه السلام) في المرأة لا يكون على ركبها شعر أيكون ذلك عيبا ؟ فقال له محمد بن مسلم اما هذا نصا فلا اعرفه ولكن حدثني أبو جعفر عن ابيه عن آبائه عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: كل ما كان في اصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب. فقال له ابن ابي ليلى حسبك ثم رجع الى القوم فقضى لهم بالعيب " والتقريب ظاهر. وبالجملة فما ذهب إليه المرتضى ضعيف لا يعول عليه وما احتج به لا يلتفت إليه، نعم روى الشيخ في الصحيح عن زرارة عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر هل يتؤضأ من ذلك الماء ؟ قال لا بأس " وفي الموثق عن الحسين بن زرارة عنه (عليه السلام) (3) قال: " قلت فشعر الخنزير يعمل حبلا يستقى به من البئر التي يشرب منها ويتوضأ منها ؟ قال لا بأس به " وكان الاولى بالمرتضى التمسك بهذين الخبرين الموهمين لطهارة شعر الخنزير ثم يتمسك بعدم القائل بالفرق بين الكلب والخنزير بناء على قواعدهم، ووجه الايهام فيهما من حيث اطلاق نفي البأس عن استعمال الحبل في الاستقاء مع بعد الانفكاك عن الملاقاة بالرطوبة لليد أو الماء فانه لذلك يكون مشعرا بطهارة شعر الخنزير. والتحقيق عندي في ذلك ان نفي البأس انما توجه هنا إلى ماء البئر وعدم نجاستها


(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من احكام العيوب (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 14 من الماء المطلق.


[ 211 ]

بالحبل مع وقوعه فيها كما هو الغالب بقرينة ذكر الوضوء منها في الخبر الاول واضافة الشرب في الخبر الثاني فهما من ادلة القول بعدم نجاستها بالملاقاة كما هو الاظهر في المسألة. بقي الكلام في ملاقاة اليد بالرطوبة للحبل مثلا أو الثياب أو نحو ذلك والخبران مطلقان في ذلك وحكم ذلك معلوم من غير هذين الخبرين مما دل على نجاسة شعر الخنزير كما سنتلوه عليك ان شاء الله تعالى. وبالجملة فمحل الاشكال في الخبرين انما هو من حيث ذكر نفي البأس فيهما وتوهم توجهه الى جواز ملاقاه الحبل بالرطوبة ونحو ذلك وعلى ما ذكرناه من توجه نفي البأس الى ماء البئر يزول الاشكال ويبطل الاستناد اليهما في ذلك الاستدلال، نعم يحصل الاشكال فيهما عند من يقول بنجاسة البئر بالملاقاة، فالشيخ بناء على ذلك اجاب عن الخبر الأول بعدم وصول الحبل الى الماء، والعلامة في المنتهى تأول الخبر الثاني بعد حمله نفي البأس على ملاقاة الحبل بالحمل على ملاقاة الحبل باليبوسة وان كان خلاف الغالب فيحمل على النادر جمعا بين الادلة. ولا يخفى ما في الكلامين من البعد وما ذكرناه هو الاقرب كما لا يخفى على المتأمل. ومن الاخبار الدالة على ما اشرنا إليه من نجاسة شعر الخنزير ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحسين بن سعيد عن ابن ابي عمير عن هشام بن سالم عن سليمان الاسكاف (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن شعر الخنزير يخرز به ؟ قال لا بأس به ولكن يغسل يده إذا اراد ان يصلي " وفي الصحيح عن الحسين بن سعيد عن ايوب بن نوح عن عبد الله بن المغيرة عن برد الاسكاف (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) جعلت فداك انا نعمل بشعر الخنزير فربما نسي الرجل فصلى وفي يده شئ منه ؟ فقال لا ينبغي له ان يصلي وفي يده شئ منه، وقال خذوه فاغسلوه فما كان له دسم فلا تعملوا به وما لم


(1) رواه في الوسائل في الباب 13 من النجاسات و 65 من الاطعمة المحرمة (2) رواه في الوسائل في الباب 57 من ما يكتسب به و 65 من الاطعمة المحرمة.


[ 212 ]

يكن له دسم فاعملوا به واغسلوا ايديكم منه " وما رواه عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: " قلت له ان رجلا من مواليك يعمل الحمائل بشعر الخنزير ؟ قال إذا فرغ فليغسل يده " ورواية برد الاسكاف (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن شعر الخنزير يعمل به ؟ قال خذ منه فاغله بالماء حتى يذهب ثلث الماء ويبقى ثلثاه ثم اجعله في فخارة جديدة ليلة باردة فان جمد فلا تعمل به وان لم يجمد ليس عليه دسم فاعمل به واغسل يدك إذا مسسته عند كل صلاة. قلت ووضوء قال لا اغسل اليد كما تمس الكلب " وحينئذ فيجب تقييد اطلاق الروايتين المتقدمتين بناء على التقريب الذي حققناه في معناهما بهذه الاخبار. والله العالم.

(الثاني) قال الشهيد الثاني في الروض بعد ذكر نجاسة الكلب والخنزير واجزائهما وان لم تحلها الحياة حتى المتولد بينهما وان باينهما في الاسم: اما المتولد من احدهما وحيوان طاهر فانه يتبع في الحكم الاسم سواء كان احدهما ام لغيرهما وان لم يصدق عليه اسم احدهما ولا غيرها مما هو معلوم الحكم فالاقوى فيه الطهارة والتحريم. انتهى. اقول: اما ما ذكره من نجاسة المتولد منهما فقد صرح في الذكرى بنحوه فقال: المتولد من الكلب والخنزير نجس في الاقوى لنجاسة اصليه. وظاهره التبعية لهما في النجاسة وان باينهما في الاسم لانه مقتضى التعليل المذكور. واستشكل العلامة في الحكم في صورة المباينة في المنتهى والنهاية، قال في النهاية المتولد منهما يعني الكلب والخنزير نجس لان بعضهما وان لم يقع عليه اسم احدهما على اشكال منشأه الاصالة السالمة عن معارضة النص، وتوقف في التذكرة ايضا فقال الحيوان المتولد منهما يحتمل نجاسته مطلقا واعتبار اسم احدهما. قال في المعالم بعد نقل ذلك عنه ولا يخفى قوة وجه الاشكال فالتوقف في محله غير ان الخطب في مثله سهل إذ البحث فيه لمجرد الفرض. انتهى. وجزم في المدارك بالطهارة مع المباينة عملا باصالة الطهارة، قال بعد ان نقل عن الشهيدين تعليل


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 57 من ابواب ما يكتسب به.


[ 213 ]

النجاسة ولو مع المباينة بنجاسة اصليه ما صورته: وهو مشكل إذ النجاسة معلقة على الاسم فمتى انتفى تعين الرجوع إلى ما يقتضيه الاصل من طهارة الاشياء، والاصح عدم نجاسته إذ لا يصدق عليه اسم نجس العين. انتهى. وهو جيد لو ثبت الاصل الذي استند إليه إلا ان فيه ما عرفت في المقدمة الحادية عشرة من مقدمات الكتاب، والحكم لعدم النص الذي هو المعتمد عندنا في الاحكام الشرعية محل اشكال وتوقف، نعم لو كان المفروض في صورة المباينة كونه مما يصدق عليه اسم احد الحيوانات الطاهرة فالظاهر انه لا اشكال في الحكم بالطهارة من حيث تبعيتها للاسم انما الاشكال فيما لو لم يكن كذلك. واما ما ذكره من المتولد بين احدهما وطاهر وانه يتبع الاسم فذكر في المعالم انه قاله كثير من الاصحاب ولم ينقلوا فيه خلافا وقال ربما لاح من عبارتي المنتهى والنهاية وجود الخلاف حيث قال في احدهما: الاقرب فيه عندي اعتبار الاسم وفي الاخر الوجه عندي اعتبار الاسم. اقول: الظاهر انه لا اشكال في الحكم بتبعية الاسم كما هو المذكور لما علم من الشرع من ترتب الاحكام على ما يصدق عليه الاسم، انما الاشكال فيما لو لم يصدق عليه اسم بالكلية وقد حكم فيه بالطهارة والتحريم، وقال في الروضة في الصورة المذكورة: فان انتفى المماثل فالاقوى طهارته وان حرم لحمه للاصل فيهما. انتهى اقول: اما الاصل في الاول فظاهر وهو اصالة الطهارة عندهم في جميع الاشياء حتى يقوم دليل النجاسة، وفيه ما اشرنا إليه آنفا. واما الاصل في الثاني فلا اعرف له وجها إلا ان بعض المحشين على الروضة ذكر ان مراده باصالة التحريم هو ما علله في تمهيد القواعد بان المحرم غير منحصر لكثرته على وجه لا ينضبط. وفيه ما لا يخفى فان بناء الاحكام الشرعية على مثل هذا الاصل الغير الاصيل مجازفة محضة. والله العالم.

(الثالث) المشهور بين الاصحاب طهارة كلب الماء، وعن ابن ادريس المخالفة في ذلك والقول بنجاسته لصدق الاسم، وهو ضعيف لما تقرر في غير مقام وبه


[ 214 ]

صرح جملة من علمائنا الاعلام من ان الاطلاق انما ينصرف إلى الافراد الشائعة المتكثرة دون الافراد النادرة، ولا ريب ولا اشكال بل من المتيقن الذي لا يداخله الاحتمال ان الاخبار المتقدمة كلها انما خرجت في الكلب والخنزير البريين دون البحريين فاحتمال ارادة هذين الفردين من الاخبار المذكورة مما يقطع بعدمه، هذا مع تسليم كونه حقيقة في النوعين وإلا فان قلنا انه حقيقة في البري لا غير فاطلاقه على الاخر مجاز كما هو صريح عبارة العلامة في النهاية والتحرير حيث قال: ان لفظ الكلب حقيقة في المعهود مجاز في غيره. وهو ظاهره في التذكرة ايضا حيث قال بعد ان نقل عن ابن ادريس المخالفة في الحكم المذكور: ولا يجوز حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز بغير قرينة ووجه الدفع حينئذ ما ذكره في التذكرة من منع كونه حقيقة في النوعين وارادة الحقيقة والمجاز تتوقف على القرينة، وربما ظهر من كلام المنتهى انه مشترك بين النوعين بالاشتراك اللفظي والاكثر على الاول. وكيف كان فخلاف ابن ادريس هنا ضعيف لا يلتفت إليه.

الفصل العاشر

في جملة من المواضع قد وقع الخلاف فيها بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) زيادة على ما تقدم في تلك الابواب:

فمنها عرق الجنب من الحرام، قال الشيخ علي بن الحسين بن بابويه في رسالته: ان عرقت في ثوبك وانت جنب وكانت الجنابة من حلال فحلال الصلاة فيه وان كانت من حرام فحرام الصلاة فيه ونحوه ذكر ابنه في الفقيه، وقال المفيد في المقنعة: لا يجب غسل الثوب من عرق الجنب إلا ان تكون الجنابة من حرام فيغسل ما اصابه عرق صاحبها من جسد وثوب. وقال ابن الجنيد في مختصره: وعرق الحائض لا ينجس الثوب وكذلك عرق الجنب من حلال وان كان اجنب من حرام غسل الثوب منه. وقال الشيخ في الخلاف: عرق الجنب إذا كانت الجنابة من حرام حرام الصلاة فيه. وفي النهاية لا بأس بعرق الحائض والجنب في الثوب واجتنابه افضل إلا ان تكون الجنابة من حرام فانه يجب غسل الثوب


[ 215 ]

إذا عرق فيه. وعزى العلامة في المختلف إلى ابن البراج موافقة الجماعة. وقال ابن زهرة ان اصحابنا الحقوا بالنجاسات عرق الجنب إذا اجنب من الحرام. ونحوه سلار حيث نسب ايجاب ازالة هذا العرق الى اصحابنا إلا انه اختار كونه على جهة الندب، ونقل عن ابن ادريس القول بالطهارة وهو اختيار الفاضلين وجمهور المتأخرين، ومما ذكرنا يعلم ان المشهور بين المتقدمين هو القول بالنجاسة. واستند المتأخرون فيما حكموا به من القول بالطهارة الى الاصل والروايات، ومنها ما رواه الشيخ في الحسن عن ابي اسامة (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الجنب يعرق في ثوبه أو يغتسل فيعانق امرأته ويضاجعها وهي حائض أو جنب فيصيب جسده من عرقها ؟ قال هذا كله ليس بشئ " قبل وعدم الاستفصال في مثله يشعر بالعموم لو لم يكن في اللفظ ما يدل عليه. وعن حمزة بن حمران عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " لا يجنب الثوب الرجل ولا يجنب الرجل الثوب " وعن ابي بصير (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن القميص يعرق فيه الرجل وهو جنب حتى يبتل القميص ؟ فقال لا بأس وان احب ان يرشه بالماء فليفعل " ونحو ذلك من الروايات. واحتج الشيخ في الخلاف باجماع الفرقة وطريقة الاحتياط والاخبار ولم يتعرض لنقلها بل احالها على كتابي الحديث، قال في المعالم بعد الكلام في المسألة ونقل الخلاف فيها واختياره الطهارة والاحتجاج على ذلك بجملة من الاخبار التي قدمناها ما هذا لفظه: وجملة من وقفنا عليه في الكتابين من الروايات التي تخيل فيها الدلالة على هذا المعنى حديثان: احدهما رواه عن محمد الحلبي في الصحيح (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل اجنب في ثوبه وليس معه ثوب غيره ؟ قال يصلي فيه وإذا وجد الماء غسله " قال في التهذيب لا يجوز ان يكون المراد بهذا


(1) و (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 27 من ابواب النجاسات.


[ 216 ]

الخبر إلا من عرق في الثوب من جنابة إذا كانت من حرام لانا قد بينا ان نفس الجنابة لا تتعدى إلى الثوب وذكرنا ايضا ان عرق الجنب لا ينجس الثوب فلم يبق معنى يحمل عليه الخبر إلا عرق الجنابة من حرام فحملناه عليه، ثم قال على انه يحتمل ان يكون المعنى فيه ان يكون اصاب الثوب نجاسة فحينئذ يصلي فيه ويعيد. وجعل هذا الاحتمال في الاستبصار اشبه. والحديث الثاني رواه في الصحيح عن عاصم بن حميد عن ابي بصير (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الثوب يجنب فيه الرجل ويعرق فيه ؟ قال اما انا فلا احب ان انام فيه وإذا كان الشتاء فلا بأس ما لم يعرق فيه " قال الشيخ الوجه في هذا الخبر ضرب من الكراهية وهو صريح فيه، ويمكن ان يكون محمولا على انه إذا كانت الجنابة من حرام. ثم قال في المعالم: ولا يخفى عليك ما في الاستناد إلى هذين الخبرين في اثبات الحكم من التعسف، فان الاول ظاهر في كون المقتضي لغسل الثوب هو اصابة المني له وقد رأيت اعتراف الشيخ في الاستبصار بانه اشبه. وظاهر الخبر الثاني ان المقتضي لثبوت البأس مع العرق في الثوب هو احتمال سريان النجاسة الحاصلة بالمني، والعجب من الشيخ (قدس سره) كيف احتمل في هذا الحديث ارادة الجنابة من الحرام مع قول الامام (عليه السلام) فيه: اما انا فلا احب ان انام فيه. انتهى. وقال في المدارك بعد نقل الخلاف في المسألة واختياره القول بالطهارة والاستدلال عليه برواية ابي اسامة المتقدمة ما صورته: احتج الشيخ في التهذيب على النجاسة بما رواه في الصحيح عن محمد الحلبي ثم نقل الصحيحة المتقدمة ثم قال: قال الشيخ ولا يجوز ان يكون المراد بهذا الخبر ثم ذكر عبارة الشيخ المتقدمة إلى آخرها، ثم قال ولا يخفى ما في هذا الحمل البعيد إذ لا اشعار في الخبر بالعرق بوجه.. إلى آخره. اقول: لا يخفى ان مجرد ايراد الشيخ الخبر المذكور وحمله على ذلك لا يسمى استدلالا حتى انه يطعن فيه بالبعد ثم ينفي الدلالة، بل الوجه في ذلك ان هذا الحكم لما كان ثابتا عند


(1) رواه في الوسائل في الباب 27 من ابواب النجاسات.


[ 217 ]

الشيخ بالادلة التي وصلت إليه حمل هذا الخبر عليه وان كان بعيدا فبعد حمل الخبر المذكور على ذلك لا يوجب انتفاء الحكم غاية الامر ان الشيخ لم يورد دليلا من الاخبار ولا غيره ممن قال بذلك في هذه المسألة. والتحقيق في المقام بتوفيق الملك العلام ان يقال انه لما كانت اخبار هذه المسألة الصريحة الدلالة ليست في شئ من الكتب المشهورة بين المتأخرين عدلوا فيها عما افتى به المتقدمون من القول بالنجاسة حيث لم تصل إليهم الادلة في ذلك، وما تكلفوه من الروايات في الاستدلال للقول بالنجاسة كما قدمنا نقله عن المعالم ليس هو الدليل ولكن في روايات الكتب الاربعة ما يشير إلى الحكم المذكور ايضا وكان هو الاولى بالنقل في الاستدلال للقول المذكور مثل ما رواه في الكافي عن علي بن الحكم عن رجل عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال: " لا تغتسل من غسالة ماء الحمام فانه يغتسل فيه من الزنا.. الحديث " وقد قدم قريبا في نجاسة المخالفين، وما رواه فيه ايضا عن محمد بن علي ابن جعفر عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (2) في حديث قال " قلت لابي الحسن (عليه السلام) ان اهل المدينة يقولون ان فيه شفاء من العين ؟ فقال. كذبوا يغتسل فيه الجنب من الحرام والزاني والناصب الذي هو شرهما ثم ثكون فيه شفاء من العين.. الحديث " واما الاخبار الصريحة في الحكم بالنجاسة فمنها قول مولانا الرضا (عليه السلام) في الفقه الرضوي (3) " ان عرقت في ثوبك وانت جنب وكانت الجنابة من الحلال فتجوز الصلاة فيه وان كانت حراما فلا تجوز الصلاة فيه حتى يغسل " ومن هذه العبارة اخذ علي بن الحسين بن بابويه عبارته المتقدمة وكذا ابنه في الفقيه كما عرفت في غير موضع مما تقدم لكنه هنا غير تغييرا ما. ومنها ما نقله في الذكرى قال روى محمد بن همام باسناده إلى ادريس بن يزداد


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 11 من الماء المضاف (3) ص 4.


[ 218 ]

الكفرثوثي (1) " انه كان يقول بالوقف فدخل سر من رأى في عهد ابي الحسن (عليه السلام) فاراد ان يسأله عن الثوب الذي يعرق فيه الجنب أيصلي فيه ؟ فبينما هو قائم في طاق باب الانتظار إذ حركه أبو الحسن (عليه السلام) بمقرعة وقال مبتدئا ان كان من حلال فصل فيه وان كان من حرام فلا تصل فيه " اقول: ادريس بن يزداد المذكور غير مذكور في كتب الرجال والموجود فيها ادريس بن زياد الكفرثوثي ثقة ولم ينقل فيه القول بالوقف واحتمال انه هو قريب. واما ما ذكره في المعالم بعد نقل الخبر عن الذكرى من انه لم يقف عليه بعد التتبع بقدر الوسع في كتب الحديث الموجودة يومئذ عنده ثم قال فحال اسناده غير واضح ولا يبعد ضعفه وإلا لذكره بكماله أو نبه على صحته. انتهى اقول: ان الاصول السابقة كانت موجودة عند مثل شيخنا الشهيد والمحقق والعلامة وابن ادريس وفيها اخبار عديدة قد خلت منها هذه الكتب المشهورة كما لا يخفى على من راجع ما استطرفه ابن ادريس من الاصول التي كانت عنده، فمن الظاهر ان شيخنا الشهيد انما اخذ الرواية من تلك الاصول. واما طعنه وامثاله بضعف السند فهو باب آخر قد تقدم الكلام فيه في مقدمات الكتاب. ومنها ما نقله شيخنا المجلسي في البحار (2) من كتاب المناقب لابن شهراشوب نقلا من كتاب المعتمد في الاصول قال: " قال علي بن مهزيار وردت العسكر وانا شاك في الامامة فرأيت السلطان قد خرج إلى الصيد في يوم من الربيع إلا انه صائف والناس عليهم ثياب الصيف وعلى ابي الحسن (عليه السلام) لباد وعلى فرسه تجفاف لبود وقد عقد ذنب فرسه والناس يتعجبون منه ويقولون الا ترون إلى هذا المدني وما قد فعل بنفسه ؟ فقلت في نفسي لو كان هذا اماما ما فعل هذا، فلما خرج الناس إلى الصحراء لم يلبثوا إلا ان ارتفعت سحابة عظيمة هطلت فلم يبق احد إلا ابتل حتى غرق بالمطر


(1) رواه في الوسائل في الباب 27 من ابواب النجاسات. (2) ج 12 ص 139.


[ 219 ]

وعاد (عليه السلام) وهو سالم من جميعه، فقلت في نفسي يوشك ان يكون هو الامام ثم قلت اريد ان اسأله عن الجنب إذا عرق في الثوب فقلت في نفسي ان كشف وجهه فهو الامام فلما قرب مني كشف وجهه ثم قال: ان كان عرق الجنب في الثوب وجنابته من حرام لا يجوز الصلاة فيه وان كانت جنابته من حلال فلا بأس فلم يبق في نفسي بعد ذلك شبهة " وقال شيخنا المشار إليه في الكتاب المذكور ايضا وجدت في كتاب عتيق من مؤلفات قدماء اصحابنا رواه عن ابي الفتح غازي بن محمد الطرايفي عن علي بن عبد الله الميموني عن محمد بن علي بن معمر عن علي بن مهزيار بن موسى الاهوازي (1) عنه (عليه السلام) مثله وقال: " ان كان من حلال فالصلاة في الثوب حلال وان كان من حرام فالصلاة في الثوب حرام ". اقول: والى هذه الاخبار استند متقدموا الاصحاب فيما ذهبوا إليه من القول بالنجاسة ولا سيما كتاب الفقه الرضوي الذي قد عرفت في غير موضع ان كثيرا من الاحكام التي اشتهرت بين المتقدمين ولم يصل دليلها إلى المتأخرين حتى اعترضوهم بعدم الدليل أو تكلفوا لهم دليلا قد وجدت ادلتها في هذا الكتاب وافتى بها ابن بابويه في رسالته، ويعضد هذه الاخبار ما عرفت ايضا من اخبار الحمام المتقدمة، وبذلك يظهر لك قوة ما ذهبوا إليه، وحينئذ فما دل بعمومه على ما ادعوه من الطهارة مخصص بهذا الاخبار.

فروع:

(الاول) قال العلامة في المنتهى تفريعا على القول بالنجاسة. ولا فرق بين ان يكون الجنب رجلا أو امرأة ولا بين ان تكون الجنابة من زنا أو لواط أو وطئ بهيمة أو ميتة وان كانت زوجة وسواء كان من الجماع انزال ام لا، والاستمناء باليد كالزنا، اما لو وطئ في الحيض أو الصوم فالاقرب طهارة العرق فيه. وفي المظاهرة اشكال، ثم قال ولو وطئ الصغير اجنبية والحقنا به حكم الجنابة بالوطئ ففي نجاسة عرقه اشكال ينشأ من عدم التحريم في


(1) في البحار ج 12 ص 143 (علي بن يقطين بن موسى الاهوازي).


[ 220 ]

حقه. انتهى. ولا يخفى ان ما قربه في الوطئ في الحيض والصوم لا يخلو من بعد بعد شمول الاخبار المتقدمة لذلك كما لا يخفى.

(الثاني) نقل في المعالم عن ابن الجنيد انه قال في مختصره بعد ان حكم بوجوب غسل الثوب من عرق الجنب من حرام: وكذلك عندي الاحتياط ان كان جنبا من حلم ثم عرق في ثوبه. ثم قال في المعالم بعد نقله: ولا نعرف لهذا الكلام وجها ولا رأينا له فيه رفيقا. انتهى. وهو جيد.

(الثالث) قال في المعتبر: الحائض والنفساء والمستحاضة والجنب من الحلال إذا خلا الثوب من عين النجاسة فلا بأس بعرقهم اجماعا. ويدل على ما ذكره مضافا إلى ما ذكره من الاجماع ما تقدم في صدر المسألة من الاخبار الواردة في الجنب، ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الحائض تعرق في ثيابها أتصلي فيها قبل ان تغسلها ؟ قال نعم لا بأس " وما رواه في التهذيب عن زيد بن علي عن ابيه عن جده عن علي (عليه السلام) (2) قال: " سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الجنب والحائض يعرقان في الثوب حتى يلصق عليهما ؟ فقال ان الحيض والجنابة حيث جعلهما الله عزوجل ليس في العرق فلا يغسلان ثوبهما " وعن عمار الساباطي في الموثق (3) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الحائض تعرق في ثوب تلبسه " فقال ليس عليها شئ إلا ان يصيب شئ من مائها أو غير ذلك من القذر فتغسل ذلك الموضع الذى اصابه بعينه " وعن سورة بن كليب (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة الحائض أتغسل ثيابها التي تلبسها في طمثها ؟ قال تغسل ما اصاب ثيابها من الدم وتدع ما سوى ذلك. قلت له وقد عرقت فيها ؟ قال ان العرق ليس من الحيض " وفي الموثق عن علي بن يقطين عن


(1) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 28 من ابواب النجاسات (2) رواه في الوسائل في الباب 27 من ابواب النجاسات.


[ 221 ]

ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الحائض تعرق في ثوبها ؟ قال ان كان ثوبا تلزمه فلا احب ان تصلي فيه حتى تغسله " واما ما رواه الشيخ في الموثق عن اسحاق بن عمار (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) المرأة الحائض تعرق في ثوبها ؟ فقال تغسله. قلت فان كان دون الدرع ازار وانما يصيب العرق ما دون الازار ؟ قال لا تغسله " فالظاهر حمله على الاستحباب من حيث احتمال مباشرة موضع الدم بالعرق كما يدل عليه عدم الغسل مع وضع الازار تحت الثوب وان اصابه العرق. والله العالم.

ومنها عرق الابل الجلالة وقد اختلف فيه كلام الاصحاب، فقال المفيد في المقنعة: يغسل الثوب من عرق الابل الجلالة إذا اصابه كما يغسل من سائر النجاسات. وذكر الشيخ في النهاية نحوه فقال: إذا اصاب الثوب عرق الابل الجلالة وجب عليه ازالته. وحكى العلامة في المختلف عن ابن البراج انه وافقهما في ذلك، وقال ابن زهرة ألحق اصحابنا بالنجاسات عرق الابل الجلالة. وقال سلار: عرق جلال الابل اوجب اصحابنا ازالته وهو عندي ندب. وحكم العلامة في المختلف بطهارته وادعى انه المشهور ونقله عن سلار وابن ادريس، ونقله في المدارك عن سائر المتأخرين. اقول: ويدل على ما ذهب إليه الشيخان واتباعهما صحيحة هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " لا تأكلوا اللحوم الجلالة وان اصابك من عرقها فاغسله " وعن حفص بن البختري في الحسن على المشهور والصحيح عندي عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " لا تشرب من البان الابل الجلالة وان اصابك شئ من عرقها فاغسله ". احتج العلامة في المختلف لما ذهب إليه من الطهارة بان الاصل الطهارة وان الابل الجلالة ليست نجسة فلا ينجس عرقها كغيرها من الحيوانات. الطاهرة وكالجلال من


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 28 من ابواب النجاسات (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 15 من ابواب النجاسات.


[ 222 ]

غيرها. وقال المحقق في المعتبر قال الشيخان عرق الابل الجلالة نجس يغسل منه الثوب وقال سلار غسله ندب وهو مذهب من خالفنا، وربما يحتج الشيخ برواية هشام بن سالم ثم ساق الرواية، ثم قال واستناد سلار إلى الاصل وانه يجري مجرى عرق الحيوانات الطاهرة وان لم يؤكل لحمها كعرق السنور والنمر والفهد، وتحمل الرواية على الاستحباب. انتهى وبذلك اجاب في المختلف عن الخبرين بالحمل على الاستحباب. وانت خبير بما في كلاميهما من النظر الظاهر والمجازفة التي لا تخفى على الخبير الماهر (اما اولا) فلان الاصل لا يصلح للتمسك إلا مع عدم النص الموجب للخروج عنه وهو هنا موجود. و (اما ثانيا) فلان الحمل على الاستحباب انما يصار إليه بمقتضى قواعدهم المتفق عليها مع وجود المعارض لتصريحهم في الاصول بان الامر حقيقة في الوجوب. و (اما ثالثا) فلان البناء على التشبيه بهذه الاشياء المشار إليها في كلاميهما لا يصلح لان يكون مستندا شرعيا تبني عليه الاحكام الشرعية، ومع الاغماض عن ذلك فانه لا معنى مع وجود النص الصحيح الصريح المقتضي للفرق والتخصيص بهذا الفرد. والظاهر انه لما ذكرنا رجع في المنتهى إلى قول الشيخين فقال بعد حكمه بالطهارة في اول المسألة واحتجاجه بالاصل وجوابه عن حجة الشيخ بما يقرب من كلامه في المختلف ما صورته: الحديثان قويان ولاجل ذلك جزم الشيخ في المبسوط بوجوب ازالة عرقها وعليه اعمل. انتهى. وظاهر السيد في المدارك التوقف هنا حيث نقل الخلاف في المسألة ونقل الخبرين المذكورين دليلا للقول بالنجاسة ونقل الجواب من طرف القائلين بالطهارة عنهما بالحمل على الاستحباب، ثم قال: وهو مشكل مع عدم المعارض. ولم يجزم بشئ في البين وهو لا يخلو من غرابة عند من له انس بطريقته في الكتاب من التمسك بالاخبار الصحيحة والاخذ بها وان خرج عما عليه الاصحاب. والعجب ايضا من المحدث الحر في الوسائل حيث وافق المشهور وعنون الباب


[ 223 ]

بالكراهة حملا للخبرين المذكورين على ذلك، وهو من جملة سقطاته لما عرفت من ان الخبرين مع صحتهما لا معارض لهما يوجب ارتكاب التأويل فيهما مع قول جملة من فضلاء الاصحاب بمضمونهما. والله العالم.

ومنها المسوخ، والمشهور بين الاصحاب القول بطهارتها ونقل عن الشيخ في الخلاف القول بنجاستها وعزى العلامة في المختلف موافقته إلى سلار وابن حمزة، ونقل في المعالم عن ابن الجنيد انه استثناها مما حكم بطهارة سؤره مع حكمه بطهارة سؤر السباع وقرنها في الاستثناء بالكلب والخنزير، وظاهر ذلك القول بنجاستها أو نجاسة لعابها. والظاهر الاول فان الحكم بنجاسة اللعاب مع طهارة العين بعيد وان نقل ايضا عن بعض الاصحاب، وعدها في قرن الكلب والخنزير مؤيد لما ذكرنا. ويدل على القول المشهور وهو المعتمد مضافا إلى اصالة الطهارة ما رواه الشيخ في الصحيح عن الفضل ابي العباس (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن فضل الهرة والشاة والبقرة والابل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع فلم اترك شيئا إلا سألته عنه فقال لا بأس به حتى انتهيت إلى الكلب فقال رجس نجس.. الحديث " وفي المختلف وغيره ان الشيخ احتج على النجاسة بتحريم بيعها ولا مانع من البيع سوى النجاسة. وربما استدل على تحريم بيعها برواية مسمع عن الصادق (عليه السلام) (2) " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن القرد ان يشترى أو يباع " واجيب بالمنع من تحريم البيع (اولا) فان الرواية الدالة على ذلك مع كونها ضعيفة السند مختصة بالقرد خاصة. و (ثانيا) بالمنع من كون المقتضي لحرمة البيع هو النجاسة فلابد من اقامة الدليل على انحصار المقتضي فيها. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الروايات قد اختلفت في انواع المسوخ زيادة ونقصا ووجودا وفناء


(1) رواه في الوسائل في الباب 11 من ابواب النجاسات. (2) المروية في الوسائل في الباب 36 من ابواب ما يكتسب به.


[ 224 ]

ومنها ما رواه الشيخ عن الحلبي في الحسن عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ان الضب والفأرة والقردة والخنازير مسوخ ". وما رواه في الصحيح عن احمد بن محمد عن محمد بن الحسن الاشعري عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (2) قال: " الفيل مسخ كان ملكا زناء والذئب كان اعرابيا ديوثا والارنب مسخ كانت امرأة تخون زوجها ولا تغتسل من حيضها، والوطواط مسخ كان يسرق تمور الناس، والقردة والخنازير قوم من بني اسرائيل اعتدوا في السبت، والجريث والضب فرقة من بني اسرائيل لم يؤمنوا حين نزلت المائدة على عيسى بن مريم فوقعت فرقة في البحر وفرقة في البر، والفأره هي الفويسقة، والعقرب كان نماما، والدب والوزغ والزنبور كان لحاما يسرق في الميزان ". وما رواه في الكافي عن الحسين بن خالد (3) قال: " قلت لابي الحسن (عليه السلام) أيحل اكل لحم الفيل ؟ فقال لا فقلت لم ؟ قال لانه مثلة وقد حرم الله تعالى لحوم المسوخ ولحم ما مثل به في صورها ". وعن ابي سهل القرشي (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن لحم الكلب ؟ فقال هو مسخ. قلت هو حرام ؟ قال هو نجس، اعيدها ثلاث مرات كل ذلك يقول هو نجس ". وعن سليمان الجعفري عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (5) قال: " الطاووس مسخ كان رجلا جميلا كابر امرأة رجل مؤمن تحبه فوقع بها ثم راسلته بعد فمسخهما الله تعالى طاووسين انثى وذكرا فلا تأكل لحمه ولا بيضه ". وعن الكلبي النسابة (6) قال " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الجري ؟ فقال ان الله تعالى مسخ طائفة من بني اسرائيل، فما اخذ منهم بحرا فهو الجري والزمير


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 2 من ابواب الاطعمة المحرمة.


[ 225 ]

والمار ماهي وما سوى ذلك، وما اخذ منهم برا فالقردة والخنازير والوبر والورل وما سوى ذلك ". وروى في الفقيه مرسلا (1) قال: " روي ان المسوخ لم تبق اكثر من ثلاثة ايام وان هذه مثل لها فنهى الله عزوجل عن اكلها ". وفي العلل بسند معتبر عن علي بن مغيرة عن الصادق عن ابيه عن جده (عليهم السلام) (2) قال: " المسوخ من بني آدم ثلاثة عشر صنفا: منهم القردة والخنازير والخفاش والضب والفيل والدب والدعموص والجريث والعقرب وسهيل والقنفذ والزهرة والعنكبوت " قال الصدوق سهيل والزهرة دابتان من دواب البحر المطيف بالدنيا. وروى في الكتاب المذكور ايضا بسند قوي عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: " المسوخ ثلاثة عشر: الفيل والدب والارنب والعقرب والضب والعنكبوت والدعموص والجري والوطواط والقرد والخنزير والزهرة وسهيل. فسئل يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما كان سبب مسخ هؤلاء ؟ فقال اما الفيل فكان رجلا جبارا لوطيا لا يدع رطبا ولا يابسا، واما الدب فكان رجلا مؤنثا يدعو الرجال إلى نفسه، واما الارنب فكانت امرأة قذرة لا تغتسل من حيض ولا من جنابة ولا غير ذلك، واما العقرب فكان رجلا همازا لا يسلم منه احد، واما الضب فكان رجلا اعرابيا يسرق الحاج بمحجته، واما العنكبوت فكانت امرأة سحرت زوجها، واما الدعموص فكان رجلا نماما يقطع بين الاحبة، واما الجري فكان رجلا ديوثا يجلب الرجال على حلائله، واما الوطواط فكان رجلا سارقا يسرق الرطب على رؤوس النخل، واما القردة فاليهود اعتدوا في السبت، واما الخنازير فالنصارى حين سألوا المائدة فكانوا بعد نزولها اشد ما كانوا تكذيبا، واما سهيل فكان رجلا عشارا باليمن، واما الزهرة فكانت امرأة تسمى ناهيد وهي التي يقول الناس انه افتتن بها هاروت


(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 2 من الاطعمة المحرمة.


[ 226 ]

وماروت) إلى غير ذلك من الاخبار المروية في العلل، وفيما ذكرناه كفاية لمن احب الاطلاع على عدها واسباب مسخها. والله العالم. ومنها الارنب والثعلب والفأرة والوزغة، فاوجب الشيخ في النهاية غسل ما يصيب الثوب أو البدن منها برطوبة وقرنها في هذا الحكم مع الكلب والخنزير، مع انه في باب المياه من الكتاب المذكور نفى البأس عما وقعت فيه الفأرة من الماء الذي في الآنية إذا خرجت منه وكذا إذا شربت، وقال ان الافضل ترك استعماله على كل حال. واقتصر المفيد في المقنعة على الفأرة والوزغة فجعلهما كالكلب والخنزير في غسل الثوب إذا مساه برطوبة واثرا فيه. وحكى في المختلف عن ابي الصلاح انه افتى بنجاسة الثعلب والارنب، وهو قول السيد ابي المكارم ابن زهرة ايضا كما نقله في المعالم، وفي المعالم ايضا عن ظاهر الصدوقين القول بنجاسة الوزغ، وحكى في المختلف ايضا عن ابن البراج انه اوجب غسل ما اصابه الثعلب والارنب والوزغة وكره الفأرة، وعن سلار انه حكم بنجاسة الفأرة والوزغة، وعن ابن بابويه انه قال: إذا وقعت الفأرة في الماء ثم خرجت ومشت على الثياب فاغسل ما رأيت من اثرها وما لم تره فانضحه بالماء. وعن ابن ادريس انه حكم بطهارة ذلك اجمع، ثم قال والوجه عندي طهارة ذلك اجمع، وهو اختيار والدي وشيخنا أبو القاسم بن سعيد. وعزى المحقق في المعتبر القول بالطهارة إلى السيد المرتضى في بعض كتبه. وعلى هذا القول جمهور المتأخرين ومتأخريهم. اقول: ومنشأ هذا الاختلاف هنا اختلاف ظواهر الاخبار في هذا المقام وها انا اورد ما وصل الي منها على التمام وابين ما ظهر لي من الحكم فيها بتوفيق الملك العلام: فمنها صحيحة الفضل ابي العباس وقد تقدمت قريبا، ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن العظاية والحية والوزغ تقع في الماء فلا تموت أيتوضأ منه للصلاة ؟ قال لا بأس به. وسألته عن


(1) رواه في الوسائل في الباب 33 من ابواب النجاسات.


[ 227 ]

فأرة وقعت في حب دهن فاخرجت منه قبل ان تموت أيبيعه من مسلم ؟ قال نعم ويدهن منه ". وفي الصحيح عن سعيد الاعرج (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الفأرة تقع في السمن والزيت ثم تخرج منه حية ؟ فقال لا بأس باكله ". وفي الصحيح عن اسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (2) " ان ابا جعفر (عليه السلام) كان يقول لا بأس بسؤر الفأرة إذا شربت من الاناء ان يشرب منه ويتوضأ منه ". ورواية هارون بن حمزة الغنوي عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الفأرة والعقرب واشباه ذلك يقع في الماء فيخرج حيا هل يشرب من ذلك الماء ويتوضأ منه ؟ قال يسكب منه ثلاث مرات وقليله وكثيره بمنزلة واحدة ثم يشرب منه ويتوضأ منه غير الوزغ فانه لا ينتفع بما يقع فيه ". وروى الحميري في قرب الاسناد عن ابي البختري عن جعفر بن محمد عن ابيه (عليهما السلام) (4) " ان عليا (عليه السلام) قال لا بأس بسؤر الفأرة ان يشرب منه ويتوضأ ". وهذه الاخبار كما ترى ظاهرة بل صريحة في الدلالة على الطهارة واليها استند القائل بالطهارة في الفأرة والوزغة، واما صحيحة ابي العباس فعمومها صالح للدلالة على الجميع ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن الفأرة الرطبة قد وقعت في الماء تمشي على الثياب أيصلي فيها ؟ قال اغسل ما رأيت من اثرها وما لم تره فانضحه بالماء ".


(1) رواه في الوسائل في الباب 45 من ابواب الاطعمة المحرمة (2) و (3) و (4) في الوسائل في الباب 9 من ابواب الاسآر (5) رواه في الوسائل في الباب 33 من النجاسات.


[ 228 ]

وما رواه في الصحيح عنه ايضا عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الفأرة والكلب إذا اكلا من الخبز أو شماه أيؤكل ؟ قال يطرح ما شماه ويؤكل ما بقي " ورواه علي بن جعفر في كتابه ايضا (2). وروى في قرب الاسناد باسناده عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن الفأرة والكلب إذا اكلا من الخبز وشبهه أيحل اكله ؟ قال يطرح منه ما اكل ويؤكل الباقي ". وما رواه في الصحيح عن احمد بن محمد بن يحيى عن محمد بن عيسى عن يونس ابن عبد الرحمان عن بعض اصحابه عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " سألته هل يجوز ان يمس الثعلب والارنب أو شيئا من السباع حيا أو ميتا ؟ قال لا يضره ولكن يغسل يده ". وما رواه عن عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (5) في حديث طويل قال: " سئل عن الكلب والفأرة إذا اكلا من الخبز وشبهه ؟ قال يطرح منه ويؤكل الباقي. وعن العظاية تقع في اللبن ؟ قال يحرم اللبن، وقال ان فيها السم " اقول قال في القاموس: العظاية دويبة كسام ابرص. وما رواه في الصحيح عن معاوية بن عمار (6) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الفأرة والوزغة تقع في البئر قال ينزح منها ثلاث دلاء ".


(1) رواه في الوسائل في الباب 36 من ابواب النجاسات. (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 45 من الاطعمة المحرمة (4) رواه في الوسائل في الباب 34 من ابواب النجاسات. (5) التهذيب ج 1 ص 80 وروى صاحب الوسائل المسألة الاولى في الباب 36 من ابواب النجاسات. (6) رواه في الوسائل في الباب 19 من الماء المطلق.


[ 229 ]

وما في الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (1) " ان وقع في الماء وزغ اهريق ذلك الماء وان وقع فيه فأرة أو حية اهريق الماء وان دخلت فيه حية وخرجت منه صب من ذلك الماء ثلاث اكف واستعمل الباقي وقليله وكثيره بمنزلة واحدة " هذا ما وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالمسألة. وقد اجاب القائلون بالطهارة عما دل على نجاسة الفأرة والوزغة بانه معارض بما دل على الطهارة وطريق الجمع حمل اخبار النجاسة على التنزيه والاستحباب فانه مع العمل باخبار النجاسة يلزم طرح اخبار الطهارة مع صحتها وصراحتها وكثرتها، قال المحقق في المعتبر بعد نقل صحيحة علي بن جعفر الدالة على غسل ما لاقته الفأرة برطوبة ومعارضتها بصحيحة سعيد الاعرج ما لفظه: ومن البين استحالة ان ينجس الجامد ولا ينجس المائع ولو ارتكب هنا مرتكب لم يكن له في الفهم نصيب، واما خبر يونس فقد رده بالارسال اولا وبكون الراوي فيه محمد بن عيسى عن يونس، وقد حكى النجاشي عن ابي جعفر بن بابويه عن ابن الوليد انه قال ما تفرد به محمد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لا يعتمد عليه وقال الشيخ انه ضعيف استثناه أبو جعفر بن بابويه من رجال نوادر الحكمة وقال لا اروي ما يختص بروايته. وتحقيق الكلام في المقام بما ادى إليه الفهم القاصر، اما بالنسبة إلى الاخبار المتعارضة في الفأرة فلا يخفى ان الترجيح فيها لاخبار الطهارة لاعتضادها باصالة الطهارة وكثرتها وصحة اكثرها وصراحتها، وليس في الاخبار المقابلة لها ما هو ظاهر في النجاسة سوى صحيحة علي بن جعفر الدالة على غسل اثرها إذا مشت على الثياب برطوبة وإلا فغيرها من الروايات الدالة على الاكل من الخبز أو شمه لا ظهور لها في النجاسة، فان الحكم بالنجاسة انما يكون مع تعدي رطوبة فم الفأرة إلى الخبز والتمسك باصالة الطهارة يدفع ذلك حتى يعلم، ومجرد الاكل والشم لا يستلزم وجود رطوبة


(1) ص 5.


[ 230 ]

وتعديها، وحينئذ لا يثبت الحكم بالنجاسة فتعين الحمل على التنزيه والاستحباب كما ذكره الاصحاب، واما بالنسبة إلى الكلب فان علم ايضا تعدي لعابه إليه وإلا فالحكم فيه كذلك، وبالجملة فالتمسك باصالة الطهارة اقوى متمسك حتى يظهر ما يوجب الخروج عنه، وحينئذ فلم يبق إلا تلك الرواية فتعين التأويل فيها البتة اما بالحمل على ما ذكره الاصحاب من الاستحباب أو الحمل على التقية فان القول بنجاسة الفأرة مذهب بعض العامة كما ذكره في المنتهى، على انه لا يشترط عندنا في الحمل على التقية وجود القائل كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب. واما بالنسبة إلى الوزغة فقد عرفت دلالة صحيحة علي بن جعفر الاولى على الطهارة فيها مع اعتضادها بالاصل وان الوزغة ليست بذي نفس وميتتها طاهرة اجماعا، والحكم بالنجاسة في حال الحياة والطهارة بعد الموت غير معقول ولا معهود من الشرع وانما المعهود العكس، ومجرد النزح المذكور لا يستلزم النجاسة كما وقع في اخبار نزح سبع دلاء لدخول الجنب واغتساله مع اتفاقهم على اعتبار طهارة بدنه من المني وإلا لوجب له بقدر المني، على انه يمكن حمل الخبر على رجوع ذلك إلى الفأرة بالخصوص باعتبار ان السؤال وقع عن وقوع الفأرة والوزغة معا لا كل بانفراده، والتأويل بذلك تفاديا من الطرح غير بعيد ومثله غير عزيز. واما بالنسبة إلى الثعلب والارنب كما اشتملت عليه مرسلة يونس فهي ايضا معارضة بالاصل وبما دل من الاخبار على قبول هذا الاشياء مثل الثعلب والسباع للتذكية، ومن المعلوم ان نجس العين كالكلب والخنزير لا يقبل التذكية ولا يطهر بها، فمما ورد في الثعلب ما رواه الشيخ عن صفوان عن جميل عن الحسن بن شهاب (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن جلود الثعالب إذا كانت ذكية ايصلي فيها ؟ قال نعم " وعن عبد الرحمان بن الحجاج (2) قال: " سألته عن اللحاف من الثعالب أو الجرز منه أيصلي


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 7 من لباس المصلى.


[ 231 ]

فيها ؟ قال ان كان ذكيا فلا بأس به " وعن جميل في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الصلاة في جلود الثعالب ؟ قال ان كانت ذكية فلا بأس " ولا ينافي ذلك ما دل من الاخبار على عدم جواز الصلاة في الجلود المذكورة فان الاختلاف في ذلك انما نشأ من حيث اشتراط كون ما يصلى فيه لابد ان يكون مما يوكل لحمه ام لا، ولهذا ان جمعا من الاصحاب ذهبوا إلى القول بجواز الصلاة فيها لهذه الاخبار وما ذلك إلا للحكم بثبوت التذكية وطهارة الجلود، والمانع انما يمنع من حيث الاشتراط المذكور لا من حيث النجاسة وعدم قبول التذكية، وهذا بحمد الله سبحانه ظاهر. ومما يدل على ذلك في السباع ايضا التي قرنت في هذه الرواية بالثعلب المستلزم لنجاستها ايضا فهو ما رواه الشيخ والصدوق عن سماعة في الموثق (2) قال: " سألته عن لحوم السباع وجلودها ؟ فقال اما لحوم السباع من الطير والدواب فانا نكرهه واما الجلود فاركبوا عليها ولا تلبسوا منها شيئا تصلون فيه " وروى في المحاسن عن علي بن اسباط عن علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن ركوب جلود السباع ؟ فقال لا بأس ما لم يسجد عليها " وعنه عن عثمان بن عيسى عن سماعة (4) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن جلود السباع فقال اركبوها ولا تلبسون شيئا منها تصلون فيه " قال شيخنا المجلسي في البحار بعد نقل هذين الخبرين: يدلان على كون السباع قابلة للتذكية بمعنى افادتها جواز الانتفاع بجلودها لطهارتها كما هو المشهور بين الاصحاب، بل قال الشهيد انه لم يعلم القائل بعدم وقوع التذكية عليها سوى الكلب والخنزير. واستشكال الشهيد الثاني وبعض المتأخرين في الحكم بعد ورود النصوص المعتبرة وعمل القدماء والمتأخرين مما لا وجه له. انتهى. على ان ظاهر الخبر المذكور بناء على ما ذكروه لا يخلو من تدافع فان المتبادر من قوله " لا يضره " ليس إلا بمعنى لا ينجسه إذ لا معنى للضرر في هذا المقام إلا التنجيس كما


(1) رواه في الوسائل في الباب 7 من لباس المصلى. (2) و (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 5 من لباس المصلى.


[ 232 ]

لا يخفى، وحينئذ فحمل " لكن يغسل يده " على النجاسة مدافع لذلك، واما إذا اريد التنزيه والاستحباب امكن مجامعته للعبارة المتقدمة وتم الكلام باحسن نظام والله العالم.

ومنها لبن الجارية والمشهور طهارته. ونقل عن ابن الجنيد القول بنجاسته لرواية السكوني عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (1) " ان عليا (عليه السلام) قال لبن الجارية وبولها يغسل منه الثوب قبل ان تطعم لان لبنها يخرج من مثانة امها.. الحديث " وقد تقدم الكلام في ذلك في الموضع الثاني من الفصل الاول والثاني في مسألة بول الرضيع، وربما ظهر من كلام الصدوق في الفقيه القول بذلك حيث ذكر الرواية فيه مع قوله في اول كتابه انه لا يورد فيه إلا ما يفتى به ويحكم بصحته سيما مع قرب هذه الرواية مما ذكره من الكلام المشار إليه، ولم ار من تنبه لنسبة ذلك إلى الصدوق والحال كما ذكرناه إلا المحقق الشيخ حسن في المعالم فانه اشار إلى ذلك كما ذكرناه، ونقل في المعالم ايضا عن والده انه ذكر الرواية في رسالته لكن لم يظهر منه التزام ما التزمه ولده من التقييد في ذكر الاخبار بما يفتي به مع التصريح بكونه خبرا. اقول: قد تقدم في الموضع المشار إليه آنفا ان هذه الرواية قد ذكرها مولانا الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه فقال بعد فتواه بمضمون صحيحة الحلبي الواردة في بول الرضيع: وقد روى عن امير المؤمنين (عليه السلام) " انه قال لبن الجارية.. الحديث) والاصحاب قد اجابوا عن خبر السكوني بضعف الاسناد وهو مشكل بعد اعتضاده بالخبر المذكور في الكتاب المشار إليه، والاظهر كما قدمناه في الموضع المشار إليه حمل الخبر ؟ على التقية ولا سيما ان راويه من العامة. ويعضده نقله (عليه السلام) الخبر في كتاب الفقه بعد افتائه بخلاف ما تضمنه بالنسبة إلى بول الرضيع، وجمع من الاصحاب حملوا الرواية على الاستحباب كما هي قاعدتهم في جملة الابواب. والله العالم.


(1) المروية في الوسائل في الباب 3 من النجاسات.


[ 233 ]

ومنها القئ قد صرح جملة من الاصحاب: منهم المحقق في المعتبر بان القئ والقلس والنخامة وكل ما يخرج من المعدة إلى الفم أو ينزل من الرأس طاهر عدا الدم. وقال الشيخ في المبسوط القئ طاهر وقال بعض اصحابنا نجس، قال والصديد والقيح حكمهما حكم القئ. اقول: ويدل على الطهارة مضافا إلى الاصل موثقة عمار الساباطي (1) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن القئ يصيب الثوب فلا يغسل ؟ قال لا بأس به " وعن عمار ايضا (2) " انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتقيأ في ثوبه أيجوز ان يصلي فيه ولا يغسله ؟ قال لا بأس به " فاما ما رواه الشيخ عن عثمان بن عيسى عن ابي هلال (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) أينقض الرعاف والقئ ونتف الابط الوضوء ؟ فقال وما تصنع بهذا ؟ هذا قول المغيرة بن سعيد لعن الله المغيرة، ويجزيك من الرعاف والقئ ان تغسله ولا تعيد الوضوء " فانه يمكن ان يجعل دليلا للقول بالنجاسة بتقريب الامر فيه بالغسل، وفيه ان الامر بالغسل اعم، وطريق الجمع بينه وبين ما تقدم حمل الغسل على ازالة الاستقذار الحاصل منه لا النجاسة فان الغسل مطلوب في امثال ذلك كما ورد في جملة من المواضع من الامر بالصب والرش في مواضع لزوال النفرة ومظنة النجاسة، والقئ لا يزول بمجرد الرش فامر فيه بالغسل لازالة عينه عن الثوب أو البدن ولم اقف على من تعرض لنقل حجة القول بالنجاسة سوى العلامة في المختلف فانه تكلف لذلك دليلا واهيا لا يستحق ان يسطر ولا يلتفت إليه ولا ينظر.

ومنها الحديد وان لم اقف على قائل بنجاسته إلا انه ربما يفهم من بعض الاخبار ذلك حتى ان بعض المتورعين كان يجتنب اكل مثل البطيخ ونحوه إذا قطع بالحديد. ومن الاخبار الدالة على ذلك موثقة عمار عن الصادق (عليه السلام) (4)


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 48 من ابواب النجاسات. (3) رواه في الوسائل في الباب 7 من نواقض الوضوء. (4) المروية في الوسائل في الباب 83 من ابواب النجاسات.


[ 234 ]

" عن الرجل إذا قص اظفاره بالحديد أو اخذ من شعره أو حلق قفاه فان عليه ان يمسحه بالماء قبل ان يصلي. سئل فان صلى ولم يمسح من ذلك بالماء ؟ قال يمسح بالماء ويعيد الصلاة لان الحديد نجس، وقال ان الحديد لباس اهل النار والذهب لباس اهل الجنة " وعن عمار في الموثق عن الصادق (عليه السلام) (1) قال " الرجل يقرض من شعره باسنانه أيمسحه بالماء قبل ان يصلي ؟ قال لا بأس انما ذلك في الحديد " ويعضده ما رواه في الكافي في باب الخواتيم في حديث عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " قال امير المؤمنين (عليه السلام) لا تختموا بغير الفضة فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال ما طهرت كف فيها خاتم من حديد " وفي الفقيه مرسلا (3) قال: " قال (صلى الله عليه وآله) ما طهر الله يدا فيها حلقة حديد ". ويدل على الطهارة مضافا إلى اجماع الاصحاب على الحكم قديما وحديثا ما رواه في الفقيه (4) عن اسماعيل بن جابر " انه سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يأخذ من اظفاره وشاربه أيمسحه بالماء ؟ فقال لا هو طهور " وما رواه في الفقيه في الصحيح عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (5) انه قال له: " الرجل يقلم اظفاره ويجز شاربه وياخذ من شعر لحيته ورأسه هل ينقض ذلك وضوءه ؟ فقال يا زرارة كل هذا سنة، إلى ان قال وان ذلك ليزيده تطهيرا " وما رواه الشيخ في الصحيح عن سعيد بن عبد الله الاعرج (6) قال " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) آخذ من اظفاري ومن شاربي واحلق رأسي فاغتسل ؟ قال لا ليس عليك غسل. قلت فاتوضأ ؟ قال لا ليس عليك وضوء. قلت فامسح على اظفاري الماء ؟ قال هو طهور ليس عليك مسح " وعن وهب بن وهب عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (7) " ان عليا عليه السلام) قال: السيف بمنزلة الرداء تصلي فيه ما لم تر فيه


(1) و (5) و (6) و (7) رواه في الوسائل في الباب 83 من ابواب النجاسات (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 32 من لباس المصلى (4) رواه في الوافي ج 4 ص 37.


[ 235 ]

دما " وما رواه في الكافي في الموثق عن الحسن بن الجهم (1) قال: " اراني أبو الحسن (عليه السلام) ميلا من حديد ومكحلة من عظام فقال كان هذا لابي الحسن (عليه السلام) فاكتحل به فاكتحلت " ومن الظاهر ان الميل بالاكتحال لا يخلو من ملاقاة الرطوبة غالبا، والاخبار في هذا الباب كثيرة كما يأتي في كتاب الحج ان شاء الله تعالى في اخبار الحلق والتقصير، ومن الظاهر المعلوم اطباق كافة الناس على حلق الرأس من وقته (صلى الله عليه واله) إلى يومنا هذا بآلة الحديد ولم ينقل في شئ منها الامر بالتطهير. وبالجملة فهذه الروايات الدالة على النجاسة مطرحة باجماع الاصحاب وهذه الاخبار مضافا ذلك إلى ان الراوي عمار المتفرد بالغرائب في رواياته كما طعن به عليه في غير موضع المحدث الكاشاني في الوافي، ومن الاخبار في ذلك ايضا ما رواه الشيخ في التهذيب عن موسى بن اكيل النميري عن الصادق (عليه السلام) (2) " في الحديد انه حلية اهل النار والذهب حلية اهل الجنة وجعل الله تعالى الذهب في الدنيا زينة النساء فحرم على الرجال لبسه والصلاة فيه وجعل الله الحديد في الدنيا زينة الجن والشياطين فحرم على الرجل المسلم ان يلبسه في الصلاة إلا ان يكون قبال عدو فلا بأس به، إلى ان قال وفي غير ذلك لا يجوز الصلاة في شئ من الحديد فانه نجس ممسوخ ". ورأيت في بعض الحواشي المنسوبة إلى الامين الاسترابادي ما صورته: قوله (عليه السلام) " نجس ممسوخ " اقول: اهل الكيمياء زعموا ان المعدنيات المنطبعة كلها في الاصل قابلة للذهب فاصاب بعضها الجذام فصار حديدا وبعضها البرص فصار نحاسا وبعضها البهق فصار فضة وذكروا ان حقيقة الكيمياء انما هي ازالة ما اصابها من المرض وانه كما لا يمكن معالجة جذام الانسان كذلك لا يمكن معالجة جذام المعدنيات بالاكسير،


(1) رواه في الوسائل في الباب 38 من ابواب النجاسات. (2) رواه في الوسائل في الباب 30 من لباس المصلى.


[ 236 ]

وقوله (عليه السلام): " نجس ممسوخ " اشارة إلى ذلك أو إلى انه قذر، وحمل النجس على نجس العين توهم صرف يكذبه حلق رأس النبي (صلى الله عليه وآله) في المروة وقطعه (عليه السلام) البطيخ بالحديد ولبسه الدرع يوما وليلة في حرب احد وهو يصلي فيه وعدم اجتنابهم (عليهم السلام) من السيف واشباه ذلك من الامور التي يعم بها البلوى، وفي الكافي حديث صريح في صحة الكيمياء وفيه نوع اشارة إلى ما ذكرناه. انتهى. وبالجملة فالعمل على القول بالطهارة، بقي الكلام في روايات عمار المتقدمة والاصحاب قد حملوها على الاستحباب ولا بأس به كما يدل عليه ما رواه في الكافي عن محمد الحلبي في الصحيح (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون على طهر فيأخذ من اظفاره أو شعره أيعيد الوضوء ؟ فقال لا ولكن يمسح رأسه واظفاره بالماء. قلت فانهم يزعمون ان فيه الوضوء ؟ فقال ان خاصموكم فلا تخاصموهم وقولوا هكذا السنة ".


(1) رواه في الوسائل في الباب 14 من نواقض الوضوء.

 


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>