
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء الخامس
المقصد الثاني
في الأحكام
وفيه بحوث:
(الاول) في بيان ما به يتحقق التنجيس وما يلحق ذلك ويتعلق به وفيه مسائل:
(الاولى) الظاهر ان كل نجاسة عينية فهي مؤثرة في تنجيس ما تلاقيه برطوبة إلا الماء على تفصيل تقدم فيه في باب المياه بين ما ينفعل بمجرد الملاقاة وما لا ينفعل واما مع اليبوسة فلا، وكل ما حكم بنجاسته شرعا فهو مؤثر للتنجيس في غيره مع الرطوبة ايضا، وقد وقع الخلاف في كل من الكليتين فهنا مقامان:
(الاول) في بيان الخلاف في الكلية الاولى وهي عدم تعدي النجاسة مع
[ 237 ]
اليبوسة فانه قد وقع الخلاف في تعدي نجاسة الميتة مع اليبوسة، فظاهر جملة من الاصحاب التعدي فان لهم في ذلك اقوالا متعددة، فقيل بتأثيرها مطلقا قال في المعالم وهو صريح كلام العلامة في النهاية وظاهره في مواضع اخر من كتبه وفي بعض عبارات المحقق اشعار به. اقول: وهو صريح والده في الروض بالنسبة إلى نجاسة الميت من الانسان حيث قال بعد ذكر خبري الحلبي وابراهيم الاتيين وكلام في البين ما لفظه: ودلا ايضا على ان نجاسة الميت تتعدى مع رطوبته ويبوسته للحكم بها من غير استفصال، وقد تقرر في الاصول ان ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال يدل على العموم في المقال وإلا لزم الاغراء بالجهل. انتهى. وقيل بعدم تأثيرها بدون الرطوبة مطلقا كغيرها من النجاسات، قال في المعالم صرح به بعض المتأخرين. اقول: الظاهر انه المحقق الشيخ علي (قدس سره) فانه صرح بذلك. وقيل بالتفصيل بموافقة الاول في ميتة الادمي والثاني في ميتة غيره، اختاره جماعة من الاصحاب: منهم العلامة في التذكرة والشهيد في الذكرى، وقيل بموافقة القول الاول في الادمي مطلقا وموافقة الثاني في ايجاب غسل ما تلاقيه ميتة غير الادمي لا في نجاسته، ويظهر ذلك من المنتهى. وقد تلخص من ذلك بالنسبة إلى ميتة الادمي ان في نجاسته قولين:
(احدهما) كون نجاسته عينية محضة مطلقا مع الرطوبة أو اليبوسة فعلى هذا ينجس ما يلاقي الميت برطوبة كان أو يبوسة، وهذا هو المشهور كما عرفت من ذهاب جماعة من فضلاء الاصحاب إليه كالعلامة في النهاية والتذكرة والمنتهى والشهيدين في الروض والذكرى والمحقق كما تقدم نقله عن المعالم وغيرهم.
و (ثانيهما) كونها عينية محضة مع الرطوبة خاصة كغيرها من النجاسات واما مع اليبوسة فلا تتعدى نجاستها، وهو اختيار المحقق الشيخ علي كما عرفت. ثم انه على القول الاول فهل تكون نجاسة الملاقي عينية محضة كسائر النجاسات التي لا تتعدى إلا مع الرطوبة خاصة دون اليبوسة أو انها حكمية لا تتعدى إلى الملاقي لها مطلقا وانما توجب غسل ذلك الذي لاقى بدن الميت خاصة ؟ والاول ظاهر الاكثر.
[ 238 ]
وهو اختيار المحقق الشيخ علي بناء على القول المذكور حيث قال في شرح القواعد بعد البحث في المسألة: " والتحقيق ان نجاسة الميت ان قلنا انها تتعدى ولو مع اليبوسة فنجاسة الماس عينية بالنسبة إلى العضو الذي وقع به المس حكمية بالنسبة إلى جميع البدن فلابد من غسل العضو ثم الغسل ان قلنا انها انما تتعدى مع الرطوبة وهو الاصح فمعها تثبت النجاستان وبدونها تثبت نجاسة واحدة وهي الشاملة لجميع البدن ". انتهى. والثاني ظاهر العلامة في المنتهى حيث قال في احكام ميت الادمي: " لو مسه رطبا ينجس بنجاسة عينية لما يأتي من ان الميت نجس ولو مسه يابسا فالوجه ان النجاسة حكمية فلو لاقى ببدنه بعد ملاقاته الميت رطبا لم يؤثر في تنجيسه لعدم دليل التنجيس وثبوت الاصل الدال على الطهارة " انتهى. وهو ظاهر ابن ادريس ايضا كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى. واما بالنسبة إلى غير الادمي من ذوات النفس فقولان ايضا (احدهما) الاقتصار في تعدي نجاستها على حال الرطوبة فلا تتعدى مع اليبوسة. وهو قول المحقق الشيخ علي والشهيد في الذكرى والعلامة في التذكرة. و (الثاني) التعدي مع اليبوسة ايضا وبه صرح العلامة في المنتهى. ثم انه على تقدير هذا القول فهل تكون نجاسه الملاقي عينية أو حكمية ظاهره في المنتهى الثاني على اشكال، قال في الكتاب المذكور بعد ذكر ميتة غير الادمي: لا فرق بين ان يمس الميتة برطوبة ام لا في ايجاب غسل اليد خاصة. ثم قال بعد ذلك باسطر يسيرة: هل تنجس اليد لو كانت الميتة يابسة ؟ فيه نظر ينشأ من كون النجاسات العينية يابسة غير مؤثرة في الملاقي ومن عموم وجوب الغسل وانما يكون مع التنجيس، وحينئذ تكون نجاستها عينية أو حكمية ؟ الاقرب الثاني فلو لامس رطبا قبل غسل يده لم يحكم بنجاسته على اشكال. انتهى. إذا عرفت ذلك فاعلم ان حجة الاول القول وهو تعدي نجاسة ميت الادمي مطلقا ما قدمناه من الاخبار في الفصل الخامس في نجاسة الميتة فانها دالة باطلاقها على تعدي نجاسته مع الرطوبة كان أو اليبوسة بالتقريب الذي تقدم في كلام شيخنا الشهيد الثاني في الروض
[ 239 ]
وحجة القول الثاني وهو عدم تعديها مع اليبوسة مع الاصل قوله (عليه السلام) في موثقة عبد الله بن بكير (1): " كل شئ يابس ذكي " المؤيد بجملة من الاخبار الدالة على عدم تعدي النجاسة مع اليبوسة والظاهر ان تقييد المطلق اقرب من تخصيص العام وحينئذ فالظاهر حمل اطلاق تلك الاخبار على الملاقاة بالرطوبة من احدهما، ومما يستأنس به لذلك قوله (عليه السلام) في رواية ابراهيم بن ميمون المتقدمة (2) " ما اصاب ثوبك منه " في الموضعين فان فيه اشارة إلى تعدي رطوبة أو قذر من الميت، والى هذا القول يميل كلام المفاتيح، وظاهر المدارك التوقف في الحكم، وظاهر المعالم ترجيح القول المشهور لحسنة الحلبي (3) وعدم نهوض موثقة ابن بكير بالمعارضة لقصورها من حيث السند، والمسألة لا تخلو من اشكال والاحتياط فيها مطلوب على كل حال وان كان القول بالطهارة لا يخلو من قوة. واما حجة القول في ميتة غير الآدمي باختصاص التعدي بالرطوبة فلنجاسة الميتة ودلالة الاخبار الكثيرة في مواضع متفرقة على ان ملاقاة النجاسة بالرطوبة موجب لتعديها والحكم مجمع عليه كما تقدم نقله، وتوقف التعدي مع اليبوسة على الدليل والذي ثبت على تقدير تسليمه مخصوص بميت الانسان واما غيره فالحكم فيه كسائر النجاسات العينية لا تتعدى نجاستها إلا مع الرطوبة، ويدل على ذلك ايضا صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الرجل يقع ثوبه على حمار ميت هل تصلح الصلاة فيه قبل ان يغسله. قال ليس عليه غسله وليصل فيه ولا بأس " وحجة القول بالتعدي في نجاسة غير الادمي مع اليبوسة كما ذكره العلامة في المنتهى على ما نقله بعض الاصحاب مرسلة يونس المتقدمة قريبا في مسألة الخلاف في نجاسة الارنب والثعلب (5) قيل وتقريب الدلالة في الامرين واحد وهو ترك الاستفصال عن كون الاصابة والمس برطوبة أو غيرها وهو دليل على تعميم الحكم
(1) المروية في الوسائل في الباب 31 من احكام الخلوة. (2) و (3) ص 65 (4) المروية في الوسائل في الباب 26 من النجاسات. (5) ص 228.
[ 240 ]
وانتفاء الفرق والحق ان الرواية المذكورة بناء على ما حققناه سابقا في الموضع المشار إليه وبينا معارضتها بالاخبار المستفيضة لا تصلح مستندا في المقام.
(تذنيب) يشتمل على فائدتين:
(الاولى) اعلم ان النجاسة العينية تطلق في كلام الفقهاء على معان وتقابلها الحكمية في كل منها (فاحدها) ان يراد بها ما تتعدى نجاسته مع الرطوبة وهو مطلق الخبث وهو الاكثر دورانا في كلامهم. وتقابلها الحكمية بمعنى ما لا تتعدى بان يكون المحل الذي قامت به معها طاهرا لا ينجس الملاقي له ولو مع الرطوبة ويحتاج زوال حكمها إلى مقارنة النية كنجاسة بدن الجنب والحائض ونحوها المتوقف على الغسل. و (ثانيها) ما إذا كانت عين النجاسة محسوسة مع قبول الطهارة كالدم والغائط والبول قبل جفافه ونحوها، وتقابلها الحكمية بهذا الاعتبار وهو ما لا يكون له جرم ولا عين يشار إليها كالبول اليابس في الثوب. و (ثالثها) ما يكون عينا غير قابل للتطهير كالكلب والخنزير وتقابلها الحكمية بهذا الاعتبار وهو ما يقبل التطهير كالميت بعد برده وقبل تطهيره بالغسل، وعلى هذا فتكون نجاسة الميت عينية بالمعنى الاول والثاني حكمية بالمعنى الثالث فهي عينية من جهة وحكمية من جهة، واما نجاسة الماس له فانها حكمية بالمعنى الاول برطوبة كان المس أو يبوسة وعينية بالنسبة إلى العضو الذي وقع المس به بالرطوبة اجماعا ومع اليبوسة يبني على الخلاف المتقدم.
(الثانية) قد صرح جمع من الاصحاب بان المعتبر من الرطوبة التي يتوقف تأثير النجاسة عليها ما يتعدى منها شئ إلى الملاقي فاما القليلة البالغة في القلة إلى حد لا يتعدى منها شئ فهي في حكم اليبوسة. وهو جيد ويدل عليه اخبار موت الفأرة في الدهن الجامد ونحوه (1) وانه يؤخذ ما حولها خاصة والباقي طاهر، والتقريب فيها ان الجمود في الدهن لا يبلغ إلى حد اليبس بل الرطوبة فيه في الجملة موجودة كما لا يخفي.
(1) رواها في الوسائل في الباب 43 من ابواب الاطعمة المحرمة، وقد تقدمت ص 56.
[ 241 ]
(المقام الثاني) في بيان الخلاف في الكلية الثانية وهي ان كل ما حكم بنجاسته شرعا فهو مؤثر في تنجيس ما يلاقيه برطوبة، والخلاف هنا وقع من العلامة وابن ادريس والمحدث الكاشاني: اما العلامة فلما صرح به في المنتهى في نجاسة ميت الادمي كما قدمنا نقله من انه لو مسه يابسا ولاقى ببدنه بعد ملاقاته للميت رطبا لم يؤثر في تنجيسه لعدم دليل التنجيس وثبوت الاصل الدال على الطهارة. وانت خبير بما فيه فان النصوص المشار إليها آنفا قد دلت على وجوب غسل الملاقي لبدن الميت مطلقا وما ذاك إلا لنجاسته لان اكثر النجاسات انما استفيد الحكم بنجاستها من الامر بغسلها وازالتها ونحوه مما تقدم ذكره في غير مقام، ومن حكم النجس تعدي نجاسته لملا يلاقيه برطوبة كما هو المستفاد من الاخبار في غير مقام، ولعله بنى على ان الامر بالغسل لا يستلزم حصول التنجيس إذ هو اعم من ذلك، وفيه ما عرفت. ثم العجب من العلامة فيما قدمنا من كلاميه في ميتة الادمي وميتة غيره في المنتهى حيث جزم بكون النجاسة في الاول في صورة الملاقاة باليبوسة حكمية واستشكل في الثاني في الصورة المذكورة في كونها حكمية أو عينية، مع انه في ميتة الادمي لم يتوقف في حصول التنجيس بها بين كون الملاقاة برطوبة أو يبوسة وفي ميتة غير الادمي توقف في النجاسة مع اليبوسة كما عرفت. واما ابن ادريس فانه قال في السرائر بعد الكلام في التغسيل: " ثم ينشفه بثوب نظيف ويغتسل الغاسل فرضا واجبا في الحال أو فيما بعد فان مس مائعا قبل اغتساله وخالطه لا يفسده ولا ينجسه، وكذلك إذ لاقى جسد الميت من قبل غسله اناء ثم افرغ في ذلك الاناء قبل غسله مائع فانه لا ينجس ذلك المائع وان كان الاناء يجب غسله لانه لاقى جسد الميت وليس كذلك المائع الذي حصل فيه لانه لم يلاق جسد الميت، وحمله على ذلك قياس وتجاوز في الاحكام بغير دليل، والاصل في الاشياء الطهارة إلى ان يقوم دليل قاطع للعذر وان كنا متعبدين يغسل ما لاقى جسد الميت لان هذه نجاسات حكميات وليست عينيات والاحكام الشرعية نثبتها بحسب الادلة الشرعية. ولا خلاف ايضا بين الامة كافة ان المساجد يجب ان تنزه وتجنب النجاسات
[ 242 ]
العينيات، وقد اجمعنا بلا خلاف في ذلك بيننا على ان من غسل ميتا له ان يدخل المسجد ويجلس فيه فضلا عن مروره وجوازه ودخوله إليه فلو كان نجس العين لما جاز ذلك وادى إلى تناقض الادلة. وايضا فان الماء المستعمل في الطهارة على ضربين ما استعمل في الصغرى والاخر في الكبرى، فالماء المستعمل في الصغرى لا خلاف بيننا انه طاهر مطهر، والماء المستعمل في الطهارة الكبرى الصحيح عند محققي اصحابنا انه ايضا طاهر مطهر وخالف فيه من اصحابنا من قال انه طاهر تزال به النجاسات العينيات ولا ترفع به الحكميات، فقد اتفقوا جميعا على انه طاهر. ومن جملة الاغسال والطهارات الكبرى غسل من غسل ميتا فلو نجس ما يلاقيه من المائعات لما كان الماء الذي قد استعمله في غسله وازالة حدثه طاهرا بالاتفاق والاجماع الذين اشرنا اليهما " انتهى. واعترضه المحقق في هذا المقام واستوفى الكلام في الرد عليه بما هذا لفظه: فرع إذا وقعت يد الميت بعد برده وقبل تطهيره في مائع فان ذلك المائع ينجس ولو وقع ذلك المائع في آخر وجب الحكم بنجاسة الثاني، وخبط بعض المتأخرين فقال إذا لاقى جسد الميت، ثم ساق كلامه ملخصا ثم قال: والجواب عما ذكره ان نقول لا نسلم ان الاناء ينجس بملاقاة الميت أو اليد الملامسة للميت بعد برده ولو لاقت مائعا لم ينجس. قوله لان الحكم بنجاسة المائع قياس على نجاسة ما لاقى الميت، قلنا هذا الكلام ركيك لا يصلح دليلا على دعواه بل يصلح جوابا لمن يستدل على نجاسة المائع الملاقي لليد بالقياس على نجاسة اليد الملاقية للمائع، لكن احدا لم يستدل بذلك بل نقول لما اجمع الاصحاب على نجاسة اليد الملاقية للميت واجمعوا على نجاسة المائع إذا وقعت فيه نجاسة لزم من مجموع القولين نجاسة ذلك المائع لا بالقياس على نجاسة اليد، فاذن ما ذكره لا يصلح دليلا ولا جوابا. قوله لا خلاف ان المساجد يجب ان تجنب النجاسات ولا خلاف ان لمن مس ميتا ان يجلس في المسجد ويستوطنه، قلنا هذه دعوى عرية عن البرهان ونحن نطالبك بتحقيق الاجماع على هذه الدعوى ونطالبك اين وجدتها ؟ فانا لا نوافقك على ذلك بل نمنع
[ 243 ]
الاستيطان كما نمنع من على جسده نجاسة ويقبح اثبات الدعوى بالمجازفات. قوله الماء المستعمل في الطهارة الكبرى طاهر، قلنا هذا حق. قوله فيكون ماء المغتسل من ملامسة الميت طاهرا، قلنا هذا الاطلاق ممنوع وتحقيق هذا ان الملامس للميت تنجس يده نجاسة عينية ويجب عليه الغسل وهو طهارة حكمية فان اغتسل قبل غسل يده نجس ذلك الماء بملاقاة يده التي لامس بها الميت اما لو غسل يده ثم اغتسل لم يحكم بنجاسة ذلك الماء، وكذا نقول في جميع الاغسال الحكمية لان ماء الغسل من الجنابة طاهر وان كان الغسل يجب لخروج المني وينجس موضع خروجه ولو اغتسل قبل غسل موضع الجنابة كان ماء الغسل نجسا بالملاقاة لمخرج النجاسة اجماعا، وكذلك غسل الحيض يجب عند انقطاع دم الحيض ويكون المخرج نجسا فلو اغتسلت ولما تغسل المخرج كان ماء الغسل نجسا ولو ازالته ثم اغتسلت كان ماء الغسل طاهرا، وكذا جميع الاغسال، فقد بان ضعف ما ذكره المتأخر. اللهم إلا ان يقول ان الميت ليس بنجس وانما يجب الغسل تعبدا كما هو مذهب الشافعي (1). لكن هذا مخالف لما ذكره الشيخ أبو جعفر فانه ذكر انه نجس باجماع الفرقة وقد سلم هذا المتأخر نجاسته ونجاسة ما يلاقي بدنه. ولو قال انا اوجب غسل ما لاقى بدنه ولا احكم بنجاسة ذلك الملاقي، قلنا فحينئذ يجوز استصحابه في الصلاة والطهارة به لو كان ماء، ثم يلزم ان يكون الماء الذي يغسل به الميت طاهرا ومطهرا، ويلزمك حينئذ ان تكون ملاقاته مؤثرة في الثوب منعا وغسلا وغير مؤثرة في الماء القليل وهو باطل. انتهى. قال في المعالم بعد نقله هنا كلام المحقق (قدس سره): " وكأنه اراد من النجاسة التي ادعى الاجماع على تنجيس المائع بوقوعها فيه ما يشمل المتنجس لينتظم الدليل مع الدعوى وإلا فالاجماع على تأثير عين النجاسة لا يدل على تأثير المتنجس كما هو واضح، وإذا ثبت انعقاد الاجماع على تأثير المتنجس مع الرطوبة كالنجاسة واندفع به قول ابن
(1) راجع التعليقة 1 ص 68.
[ 244 ]
ادريس فكذا يندفع به قول العلامة، وربما نازعا في تحقق هذا الاجماع انتهى، وظاهره انه لا دليل على تعدي النجاسة من المتنجس مع ملاقاته بالرطوبة غير الاجماع مع انه قد ورد في كثير من الاخبار الامر بغسل الثوب والبدن واعادة الصلاة من ملاقاة الماء المتنجس كما في احاديث البئر وغيرها وهي كثيرة متفرقة في الاحكام. واما المحدث الكاشاني فانه قد تفرد بالقول بان المتنجس بعد ازالة عين النجاسة عنه بالتمسح لا تتعدى نجاسته إلى ما يلاقيه برطوبة، وقد تقدم البحث معه في ذلك في صدر الباب الثاني في الوضوء إلا انا لم نعط المسألة فيه حقها من التحقيق، وحيث كان الانسب بها هو هذا المقام فلا بد من ذكرها واعادة البحث فيها بما يحيط باطراف الكلام بابرام النقض ونقض الابرام، وسيأتي البحث فيها هنا في مسألة على حدة قريبا ان شاء الله تعالى.
(المسألة الثانية) لا ريب في الحكم بالتنجيس متى حصل العلم بملاقاة النجاسة على الوجه الذي بينا كونه مؤثرا في التنجيس، اما لو استند ذلك إلى الظن فقد اختلف في ذلك كلام الاصحاب على اقوال:
(الاول) القول بعدم تأثير الظن مطلقا وان استند إلى سبب شرعي بل لابد من القطع واليقين، وهو المنقول عن ابن البراج الشيخ عبد العزيز الطرابلسي.
(الثاني) الاكتفاء بالظن وقيامه مقام العلم مطلقا استند إلى سبب شرعي كشهادة العدلين واخبار المالك ام لا، وهو المنقول عن الشيخ ابي الصلاح تقي بن نجم الحلبي.
(الثالث) انه ان استند إلى سبب شرعي من شهادة العدلين واخبار ذي اليد وان لم يكن عدلا قبل وإلا فلا، وهو قول جماعة من الاصحاب: منهم العلامة في المنتهى وموضع من التذكرة، قال في المنتهى: لو اخبر عدل بنجاسة الماء لم يجب القبول اما لو شهد عدلان فالاولى القبول. وقال في موضع آخر: لو اخبر العدل بنجاسة انائه فالوجه القبول ولو اخبر الفاسق بنجاسة انائه فالاقرب القبول ايضا. واحتج لقبول العدلين بان شهادتهما معتبرة في نظر الشارع قطعا ولهذا لو كان الماء مبيعا
[ 245 ]
فادعى المشتري فيه العيب بكونه نجسا وشهد له عدلان ثبت جواز الرد. وقال في المعالم بعد نقل ذلك عنه: وما فصله في المنتهى هو المشهور بين المتأخرين وقد ذكر نحوه في موضع من التذكرة.
(الرابع) انه ان استند إلى سبب كقول العدل فهو كما لو علم وان لم يستند إلى سبب كما في ثياب مدمني الخمر والقصابين والصبيان وطين الشوارع والمقابر المنبوشة لم يحكم بالتنجيس اختاره العلامه في موضع من التذكرة، وجزم المحقق في المعتبر بعدم القبول مع اخبار العدل الواحد، ونقل عن ابن البراج القول بعدم القبول ايضا في العدلين، ثم قال والاظهر القبول لثبوت الاحكام بشهادتهما عند التنازع كما لو اشتراه وادعى المشتري نجاسته قبل العقد فلو شهد شاهدان لساغ الرد وهو مبني على ثبوت العيب. ونفى عنه البأس في المعالم بعد نقله، ونسبه العلامة في المختلف إلى ابن ادريس ايضا، وربما قد قيد بعضهم قبول خبر العدلين في ذلك بذكر السبب. قال لاختلاف العلماء في المقتضى للتنجيس إلا ان يعلم الوفاق فيكتفى بالاطلاق، ونقله في المعالم عن بعض الاصحاب واستحسنه قال وهذا الاشتراط حسن ووجهه ظاهر، ثم نقل فيه انه قيد جماعة الحكم بقبول اخبار الواحد بنجاسة مائه بما إذا وقع الاخبار قبل الاستعمال فلو كان بعده لم يقبل بالنظر إلى نجاسة المستعمل له فان ذلك في الحقيقة اخبار بنجاسة الغير فلا يكفي فيه الواحد وان كان عدلا، ولان الماء يخرج بالاستعمال عن ملكه إذ هو في معنى الاتلاف أو نفسه، قال وبهذا التقييد صرح في التذكرة. اقول: هذا ملخص ما حضرني من الاقوال في المسالة، وقد روى المشايخ الثلاثة (رضوان الله عليهم) باسانيدهم المعتبرة عن الصادق (عليه السلام) (1) انه قال: " الماء كله طاهر حتى يعلم انه قذر " وروى الشيخ عن حفص بن غياث عن جعفر عن ابيه عن علي (عليهم السلام) (2) قال: " ما ابالي أبول اصابني ام ماء إذا لم اعلم "
(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من الماء المطلق. (2) رواه في الوسائل في الباب 37 من النجاسات
[ 246 ]
والظاهر ان من اعتبر القطع واليقين كما تقدم نقله عن ابن البراج حمل العلم هنا على ذلك كما هو اصطلاح اهل المعقول، ولهذا نقل عنه الاحتجاج على ما ذهب إليه بان الطهارة معلومة بالاصل وشهادة الشاهدين لا تفيد إلا الظن فلا يترك لاجله المعلوم. ومن اعتبر الظن الشرعي مطلقا كابي الصلاح حمل العلم هنا على ما هو اعم من اليقين والظن مطلقا ولهذا نقل عنه الاحتجاج على ما ذهب إليه بان الشرعيات كلها ظنية وان العمل بالمرجوح مع قيام الراجح باطل. ومن اعتبر الظن المستند إلى سبب شرعي حمل العلم على ما هو اعم من اليقين أو العلم الشرعي، ويقرب منه القول الرابع كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد اجاب في المعالم عن حجة ابن البراج بان شهادة العدلين في معنى العلم شرعا، وبان معلومية الطهارة بالاصل ان اراد بها تيقن عدم عروض منجس فهو ممنوع وان اراد حكم الشارع بالطهارة قطعا استنادا إلى الاصل فكذلك شهادة الشاهدين. انتهى. اقول: وتحقيق ذلك بوجه اوضح وببيان افصح هو ان يقال: (اولا) ان اشتراطه اليقين والعلم في الحكم بالنجاسة ان كان مخصوصا بالنجاسة دون ما عداها من الطهارة والحلية والحرمة فهو تحكم محض، وان كان الحكم في الجميع واحدا فيقين الطهارة الذي اعتمده ليس إلا عبارة عن عدم العلم بملاقاة النجاسة وهو اعم من العلم بالعدم ومثله يقين الحلية. و (ثانيا) انه قد روى الشيخان الكليني والطوسي في الكافي والتهذيب بسنديهما عن الصادق (عليه السلام) في الجبن (1) قال: " كل شئ لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان عندك ان فيه ميتة " ورويا ايضا بسنديهما عنه (عليه السلام) (2) " كل شئ هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، إلى ان قال والاشياء
(1) رواه في الوسائل في الباب 61 من ابواب الاطعمة المباحة (2) رواه في الوسائل في الباب 4 من ابواب ما يكتسب به.
[ 247 ]
كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة " والحكم في المسألتين من باب واحد بل الخبران وان كان موردهما الحل والحرمة إلا ان التحريم في الخبر الاول انما نشأ من حيث النجاسة والخبران صريحان في الاكتفاء بالشاهدين في ثبوت كل من النجاسة والحرمة. ومما يؤيد الاكتفاء بشهادة العدلين في الحكم بالنجاسة ان الظاهر انه لا خلاف ولا اشكال في انه لو كان الماء مبيعا فادعى المشتري فيه العيب بكونه نجسا واقام شاهدين عدلين بذلك فانه يتسلط على الفسخ وما ذاك إلا لثبوت النجاسة والحكم بها كما قد تقدم ذكره في عبارتي المحقق والعلامة. وما ذكره بعض فضلاء متأخري المتأخرين من امكان المناقشة في ذلك بان اعتبار شهادتهما في نظر الشارع مطلقا بحيث يشمل ما نحن فيه ممنوع وقبول شهادتهما في الصورة المفروضة لا يدل على ازيد من ترتب جواز الرد أو اخذ الارش عليه واما ان يكون حكمه حكم النجس في سائر الاحكام فلا بل لا بد له من دليل. انتهى مما لا ينبغي ان يصغى إليه، كيف واستحقاق جواز الرد أو اخذ الارش انما هو فرع ثبوت النجاسة وحكم الشارع بها ليتحقق العيب الذي هو سبب لذلك ومتى ثبتت النجاسة شرعا ترتبت عليها احكامها التي من جملتها هنا العيب الموجب للرد والارش. واما ما احتج به أبو الصلاح فانه قد اجاب عنه في المعالم بالمنع من العمل بمطلق الظن شرعا، قال وثبوته في مواضع مخصوصة لدليل خاص لا يقتضي التعدية إلا بالقياس. وهو جيد، ويؤكده ان المستفاد من الاخبار ان يقين الطهارة ويقين الحلية لا يخرج عنه إلا بيقين مثله كالاخبار الواردة في من تيقن الطهارة من الحدث والطهارة من الخبث في ثوبه أو بدنه فانه لا يخرج عن ذلك إلا بيقين مثله، ومن تلك الاخبار صحيحة عبد الله بن سنان (1) في الثوب إذا اعير الذمي وهو يعلم انه يشرب الخمر
(1) المروية في الوسائل في الباب 74 من ابواب النجاسات.
[ 248 ]
ويأكل لحم الخنزير حيث قال (عليه السلام): " صل فيه ولا تغسله من اجل ذلك فانك اعرته اياه وهو طاهر ولم تستيقن انه نجسه فلا بأس ان تصلي فيه حتى تستيقن انه نجسه " وما ورد في الجبن من قوله (عليه السلام) (1): " ما علمت انه ميتة فلا تأكله وما لم تعلم فاشتر وبع وكل، إلى ان قال والله اني لاعترض السوق فاشتري بها اللحم والسمن والجبن والله ما اظن كلهم يسمون هذه البربر وهذه السودان " وما ورد في موثقة عمار (2) " في الرجل يجد في انائه فأرة وكانت متفسخة وقد توضأ من ذلك الاناء مرارا واغتسل وغسل ثيابه، حيث قال (عليه السلام) ليس عليه شئ لانه لا يعلم متى سقطت، ثم قال لعله انما سقطت فيه تلك الساعة التي رآها " ولا يخفى انه لو جاز العمل بالظن مطلقا لكان الوجه هو النجاسة والحرمة في جميع ما دلت عليه هذه الاخبار وامثالها على طهارته وحليته ولا سيما موثقة عمار لظهورها في سبق موت الفأرة لمكان التفسخ مع انه (عليه السلام) عملا بسعة الشريعة لم يلتفت إلى ذلك وقال: " لعلها انما سقطت تلك الساعة " ومنها ما ورد في صحيحة زرارة (3) في اصابة المني للثوب من انه " إذا احتلم الرجل فاصاب ثوبه مني فليغسل الذي اصابه وان ظن انه اصابه مني ولم يستيقن ولم ير مكانه فلينضحه بالماء.. الحديث " وهو صريح في المطلوب والنضح فيه محمول على الاستحباب كما في نظائره. والتحقيق عندي في هذا المقام بما لا يحوم للناظر حوله نقض ولا ابرام هو ان كلا من الطهارة والنجاسة والحل والحرمة ليست امورا عقلية بل هي امور شرعية مبنية على التوقيف من صاحب الشرع ولها اسباب معينة معلومة منه تدور مدارها، والمعلوم
(1) رواه في الوسائل في الباب 61 من الاطعمة المباحة. (2) المروية في الوسائل في الباب 4 من الماء المطلق. (3) لم نعثر في كتب الحديث على رواية لزرارة بهذا اللفظ وابما الوارد بهذا اللفظ حسنة الحلبي المروية في الوسائل في الباب 16 من النجاسات وقد تقدمت ج 1 ص 138.
[ 249 ]
منه ان حصول الطهارة والحلية هي عبارة عن عدم علم المكلف بالنجس والمحرم لا عبارة عن عدم ملاقاة النجاسة وحصول السبب المحرم واقعا، وحصول النجاسة عبارة عن مشاهدة المكلف لذلك أو اخبار المالك بنجاسة مائه وثوبه مثلا أو شهادة الشاهدين وهكذا في ثبوب الحرمة، وليس ثبوت النجاسة لشئ واتصافه بها عبارة عن مجرد ملاقاة عين احد النجاسات في الواقع ونفس الامر خاصة وان كان هو المشهور حتى انه يقال بالنسبة الى غير العالم بالملاقاة ان هذا نجس في الواقع وطاهر بحسب الظاهر بل هو نجس بالنسبة إلى العالم بالملاقاة أو احد الاسباب المتقدمة طاهر بالنسبة إلى غير العالم، والشارع لم يجعل شيئا من الاحكام الشرعية منوطا بالواقع ونفس الامر. وحينئذ فلا يقال ان اخبار المالك وشهادة العدلين انما يفيدان ظن النجاسة لاحتمال ان لا يكون كذلك في الواقع كيف وهما من جملة الاسباب التي رتب الشارع الحكم بالنجاسة عليها، وبالجملة فحيث حكم الشارع بقبول شهادة العدلين واخبار المالك في ذلك فقد حكم بثبوت الاحكام بهما فيصير الحكم حينئذ معلوما من الشارع ولا معنى للنجس شرعا كما عرفت إلا ذلك وان فرض عدم ملاقاة النجاسة في الواقع، ألا ترى انه وردت الاخبار وعليه اتفاق كلمة الاصحاب ان الاشياء كلها على يقين الطهارة ويقين الحلية حتى يعلم النجس والحرام بعينه مع ان هذا اليقين كما عرفت ليس إلا عبارة عن عدم العلم بالنجاسة والحرمة وعدم العلم لا يدل على العدم، فيجوز ان تكون تلك الاشياء كلا أو بعضا بحسب الواقع ونفس الامر على النجاسة والحرمة لو كان كل من النجاسة والحرمة من الامور النفس الامرية الواقعية بدون علم المكلف بذلك، وكذا القول في حكم الشارع بقبول قول المالك في طهارة ثوبه وانائه وطهارة ما في اسواق المسلمين وحليته لعين ما ذكرنا، وبالجملة فالعلم واليقين المتعلق بهذه الاحكام ليس عبارة عما توهموه من الاناطة بالواقع ونفس الامر وان لم يظهر للمكلف وان متيقن النجاسة ليس إلا عبارة عما وجد فيه النجاسة حتى انه يصير ما عدا هذا الفرد مما اخبر به المالك أو شهد به العدلان مظنون النجاسة، إذ لو كان كذلك للزم مثله في جانب الطهارة إذ الجميع من
[ 250 ]
باب واحد فانها احكام متلقاة من الشارع فيختص الحكم بالطهارة يقينا حينئذ بما باشر المكلف تطهيره ولم يغب عنه بعد ذلك وإلا لكان مظنون الطهارة أو مرجوحها، مع ان المعلوم من الشرع كما عرفت خلافه فانه قد حكم بان الاشياء كلها على يقين الطهارة حتى يعلم المزيل عنها. ويؤكد ما صرنا إليه في هذا المقام وان غفل عنه جملة من علمائنا الاعلام ما نقله في المعالم عن السيد المرتضى (رضي الله عنه) وارتضاه جملة ممن تأخر عنه من ان وجوب الحكم على القاضي بعد شهادة العدلين ليس من حيث انها توجب الظن بل من حيث ان الشارع جعلها سببا لوجوب الحكم على القاضي كما جعل دخول الوقت سببا لوجوب الصلاة. وايده بعض من تأخر عنه بانه كثيرا ما لا يحصل الظن بشهادتهما لمعارضة قرينة حالية مع وجوب الحكم على القاضي. انتهى. ومثله يأتي فيما ذكرنا من الاسباب كما لا يخفى على ذوي الالباب. ومما ذكرناه من هذا التحقيق الرشيق يظهر لك ان اظهر الاقوال هو القول المشهور وان الخبر المتقدم اعني قوله (عليه السلام): " الماء كله طاهر حتى تعلم انه قذر " ظاهر الانطباق عليه، والتقريب فيه ان المراد بالعلم فيه ما هو المتبادر من اللفظ وهو اليقين والقطع لكن لا بالنظر إلى الواقع ونفس الامر من حيث هو إذ لا مدخل له كما عرفت في الاحكام الشرعية بل بالنظر إلى الاسباب التي جعلها الشارع مناطا للنجاسة وعلم المكلف بها، فيقين الطهارة والنجاسة انما يدور على ذلك وجودا وعدما فالطاهر شرعا هو ما لم يعلم المكلف بملاقاة النجاسة له لا ما لم تلاقه النجاسة مطلقا والنجس هو ما علم المكلف بنجاسته باحد الاسباب لا ما لاقته النجاسة مطلقا. ولم اقف على من تنبه لما ذكرنا من هذا التحقيق في المقام من علمائنا الاعلام إلا الفاضل المحقق السيد نعمة الله الجزائري في رسالة التحفة، حيث قال بعد ان نقل عن بعض معاصريه من علماء العراق وجوب عزل السؤر عن الناس، ونقل عنهم ان من اعظم
[ 251 ]
ادلتهم قولهم انا قاطعون بان في الدنيا نجاسات وقاطعون ايضا بان في الناس من لا يتجنبها والبعض الاخر لا يتجنب ذلك البعض فإذا باشرنا احدا من الناس فقد باشرنا مظنون النجاسة أو مقطوعها، إلى ان قال فقلنا لهم يا معشر الاخوان ان الذي يظهر من اخبار الائمة الاطهار (عليهم السلام) التسامح في امر الطهارات وان الطاهر والنجس هو ما حكم الشارع بطهارته ونجاسته لا ما باشرته النجاسة والطهارة فالطاهر ليس هو الواقع في نفس الامر بل ما حكم الشارع بطهارته وكذا النجس وليس له واقع سوى حكم الشارع بطهارة المسلمين فصاروا طاهرين، إلى ان قال وبهذا التحقيق.. إلى آخر ما سيأتي نقله في المقام ان شاء الله تعالى. واما ما ذكره العلامة في التذكرة من ثبوت النجاسة بالعدل الواحد فقد تقدم رد المحقق له في المعتبر وانكار العلامة في المنتهى له ايضا، قال في المعالم واما ما ذهب إليه في التذكرة فلم يتعرض للاحتجاج عليه فيها ولكنه في النهاية احتمل قبول اخبار العدل الواحد بنجاسة اناء معين ان وجد غيره، ووجهه بان الشهادة في الامور المتعلقة بالعبارة كالرواية والواحد فيها مقبول فيقبل بشبهها من الشهادة. وربما كان التفاته في كلام التذكرة إلى نحو هذا التوجيه، وحاله لا يخفى. انتهى. اقول: الحق عندي ان قبول قول العدل الواحد في هذا المقام لا يخلو من قوة لا لما ذكر من هذا التعليل السخيف بل لدلالة جملة من الاخبار على افادة قوله العلم، ومنها ما رواه الشيخ عن اسحاق بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن رجل كانت له عندي دنانير وكان مريضا فقال لي ان حدث بي حدث فاعط فلانا عشرين دينارا واعط اخي بقية الدنانير فمات ولم اشهد موته، فأتاني رجل مسلم صادق فقال لي انه امرني ان اقول لك انظر الدنانير التي امرتك ان تدفعها إلى اخي فتصدق منها بعشرة دنانير اقسمها في المسلمين ولم يعلم اخوه ان عندي شيئا ؟ فقال ارى ان
(1) رواه في الوسائل في الباب 97 من كتاب الوصايا.
[ 252 ]
تتصدق منها بعشرة دنانير كما قال " وفيه دلالة على ثبوت الوصية بقول الثقة. وما رواه الشيخ في التهذيب والصدوق عن ابن ابي عمير عن هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) (1) في حديث قال فيه: " ان الوكيل إذا وكل ثم قام عن المجلس فأمره ماض ابدا والوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه أو يشافه بالعزل عن الوكالة " والاصحاب قد صرحوا في هذه المسألة بانه لا ينعزل الوكيل إلا مع العلم، ومنه يعلم ان نظم اخبار الثقة في سلك المشافهة الموجبة للعلم ظاهر في انه مثله في افادة العلم المشترط في المسألة ونحو ذلك من الاخبار الدالة على جواز وطء الامة بغير استبراء إذا كان البائع عدلا قد اخبر بالاستبراء، والاخبار الدالة على الاعتماد في دخول الوقت المشروط فيه العلم على اذان الثقة، إلى غير ذلك من المواضع التي يقف عليها المتتبع، وبذلك يظهر قوة القول المذكور كما قدمنا الاشارة إليه وان لم تخطر هذه الادلة ببال صاحبه.
تنبيهات:
(الاول) ظاهر الاصحاب الاتفاق على قبول قول المالك في طهارة ثوبه وانائه ونحوهما ونجاستهما، وناقش فيه المحقق الخوانساري في شرح الدروس حيث قال: واما قبول قول المالك عدلا كان أو فاسقا فلم نظفر له على حجة وقد يؤيد بما رواه في التهذيب عن اسماعيل بن عيسى (2) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من اسواق الجبل أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف ؟ قال عليكم انتم ان تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك وإذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه " وجه التأييد ان ظاهره ان قول المشركين يقبل في اموالهم انها ذكية وإلا فلا فائدة في السؤال عنهم وإذا قبل قول المشركين فقول المسلمين بطريق اولى. لكن
(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من كتاب الوكالة. (2) رواه في الوسائل في الباب 50 من ابواب النجاسات.
[ 253 ]
سند الرواية غير نقي ما ان في الظهور المذكور تأملا. انتهى. اقول: ما ذكره من الرواية المذكورة وزعم دلالتها على قبول المشرك فالظاهر ان المعنى فيها ليس على ما فهمه وان كان قد سبقه فيه إلى ذلك المحدث الكاشاني في الوافي ايضا حيث قال بعد نقل الخبر المذكور: وانما يجب السؤل إذا كان البائع مشركا لغلبة الظن حينئذ بانه غير ذكي إلا ان يخبر هو بانه من ذبيحة المسلمين فيصير بالسؤال مشكوكا فيه فجاز لبسه حينئذ حتى يعلم كونه ميتة. انتهى. ولا يخفى انه يرد على هذا التفسير (اولا) انه لا مناسبة في ارتباط الجواب بالسؤال إذ السائل انما سأل عن الاشتراء من المسلم فكيف يجاب على تقدير الاشتراء من المشترك ؟ و (ثانيا) انه لا معنى لقوله في آخر الخبر: " وإذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه " والاظهر عندي في معنى الخبر المذكور هو انه لما سأل السائل عن حكم الشراء من السوق المذكورة إذا كان البائع مسلما وانه هل يسأل عن ذكاته ام لا ؟ اجاب (عليه السلام) بالتفصيل بانه ان كان في تلك السوق من يبيع من المشركين فعليكم السؤال من ذلك المسلم إذ لعله اخذه من المشركين وإذا رأيتم المسلم يصلي فيه فلا تسألوا لان صلاته فيه دليل على طهارته عنده، ويفهم من الخبر بمفهوم الشرط انه مع عدم من يبيع من المشركين فليس عليهم السؤال. ومما يدل على عدم السؤال اطلاق صحيحة البزنطي (1) قال: " سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبة فراء لا يدري أذكية هي ام غير ذكية أيصلي فيها ؟ قال نعم ليس عليكم المسألة ان ابا جعفر (عليه السلام) كان يقول ان الخوارج ضيقوا على انفسهم بجهالتهم، ان الدين اوسع من ذلك " وانت خبير بان الظاهر من الصحيحة المذكورة حيث تضمنت نفي المسألة المؤكد بالرد على الخوارج ونسبتهم إلى تضييق الدين بالمسألة أو ما هو نحوها ان مع السؤال يقبل قول المسؤول وإلا لما حصل الضيق في الدين بالسؤال كما لا يخفى، إذ الظاهر ان المراد من الخبران جميع الاشياء بمقتضى سعة الدين المحمدي
(1) المروية في الوسائل في الباب 50 من النجاسات و 55 من لباس المصلى
[ 254 ]
على ظاهر الحل والطهارة، والسؤال والفحص عن كل فرد فرد بانه حلال أو حرام أو طاهر أو نجس تضييق لها ورفع لسهولتها التي قد من الشارع بها على عباده، ومعلوم ان حصول الضيق انما يتم بقبول قول المالك بالنجاسة والحرمة. ومما يدل على المنع من السؤال ايضا بعض الاخبار الواردة في الجبن حيث انه (عليه السلام) اعطى الخادم درهما وامره ان يبتاع به من مسلم جبنا ونهاه عن السؤال (1) وحينئذ ففي هذه الاخبار ونحوها دلالة على قبول قول المالك عدلا كان أو غيره. ومما يدل على ذلك ايضا ما رواه الحميري في قرب الاسناد عن عبد الله بن بكير (2) قيل: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اعار رجلا ثوبا فصلى فيه وهو لا يصلي فيه ؟ قال لا يعلمه. قلت فان اعلمه ؟ قال يعيد " وهي كما ترى صريحة في قبول قول المالك في طهارة ثوبه ونجاسته لحكمه (عليه السلام) باعادة الصلاة على المستعير لو صلى بعد الاعلام، ويدل على ذلك ايضا موثقة معاوية بن عمار (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل من اهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج ويقول قد طبخ على الثلث وانا اعلم انه يشربه على النصف افاشربه بقوله وهو يشربه على النصف ؟ فقال لا تشربه. قلت فرجل من غير اهل المعرفة ممن لا نعرفه يشربه على الثلث ولا يستحله على النصف يخبرنا ان عنده بختجا قد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه نشرب منه ؟ قال نعم " ورواية علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الرجل يصلي إلى القبلة لا يوثق به اتى بشراب زعم انه على الثلث أيحل شربه ؟ قال لا يصدق إلا ان يكون مسلما عارفا " وموثقة عمار بن موسى عن الصادق (عليه السلام) (5) " انه سأل عن الرجل يأتي بالشراب فيقول هذا مطبوخ على الثلث ؟ فقال ان كان
(1) وهو خبر بكر بن حبيب المروي في الوسائل في الباب 61 من الاطعمة المباحة (2) رواه في الوسائل في الباب 47 من ابواب النجاسات (3) و (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب 7 من الاشربة المحرمة.
[ 255 ]
مسلما ورعا مأمونا فلا بأس ان يشرب " وقد دلت هذه الاخبار على قبول قول المالك إلا في مقام الريبة وحصول الظن بكذبه وهو امر خارج عن موضع البحث. (الثاني) قد عرفت ما تقدم ان الاصل الطهارة في كل شئ حتى يقوم الدليل الشرعي على النجاسة ولا يكفي مجرد الظن، وهذا الاصل وان لم يرد بقاعدة كلية فيما سوى الماء الا ما يتناقله الفقهاء في كتب الاستدلال من قوله (عليه السلام): " كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر " مع عدم وجوده في كتب الاخبار فيما اعلم إلا ان هذه مستفادة من جملة من الاخبار بضم بعضها إلى بعض بل ظاهرة من بعضها ايضا. ومنها ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار عن الصادق (عليه السلام) (1) في حديث قال: " كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر فإذا علمت فقد قذر وما لم تعلم فليس عليك " وهذا الخبر في معنى الخبر المشهور المشار إليه إذ المراد بالنظافة انما هو الطهارة. وعن حفص بن غياث عن جعفر عن ابيه عن علي (عليه السلام) (2) قال قال: " ما ابالي ابول اصابني ام ماء إذا لم اعلم ". ومنها صحيحة عبد الله بن سنان (3) قال: " سأل ابي أبا عبد الله (عليه السلام) وانا حاضر اني اعير الذمي ثوبي وانا اعلم انه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير فيرده علي فاغسله قبل ان اصلي فيه ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) صل فيه ولا تغسله من اجل ذلك فانك اعرته اياه وهو طاهر ولم تستيقن انه نجسه فلا بأس ان تصلي فيه حتى تستيقن انه نجسه ". وفي الصحيح عن معاوية بن عمار (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام)
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 37 من ابواب النجاسات (3) المروية في الوسائل في الباب 74 من ابواب النجاسات (4) رواه في الوسائل في الباب 73 من النجاسات.
[ 256 ]
عن الثياب السابرية يعملها المجوس وهم اخباث وهم يشربون الخمر ونساؤهم على تلك الحال البسها ولا اغسلها واصلي فيها ؟ قال نعم. قال معاوية فقطعت له قميصا وخطته وفتلت له ازرارا ورداء من السابري ثم بعثت بها إليه (عليه السلام) في يوم الجمعة حين ارتفع النهار فكأنه عرف ما اريد فخرج فيها إلى الجمعة ". ورواية ابي جميلة عن الصادق (عليه السلام) (1): " انه سأله عن ثوب المجوسي البسه واصلي فيه ؟ قال نعم قال قلت يشربون الخمر ؟ قال نعم نحن نشتري الثياب السابرية فنلبسها ولا نغسلها ". وروى عبد الله بن جعفر في قرب الاسناد عن الحسين بن علوان عن جعفر بن محمد عن ابيه (عليهما السلام) (2) " ان عليا (عليه السلام) كان لا يرى بالصلاة بأسا في الثوب الذي يشترى من النصارى واليهود والمجوس قبل ان يغسل يعني الثياب التي تكون في ايديهمم فينجسونها وليس ثيابهم التي يلبسونها " قوله " يعني الثياب.. الخ " من كلام الراوي تفسيرا لما ذكره من الخبر، والظاهر ان مراده انها مظنة للنجاسة وانها لا تخلو منها غالبا. وفي الصحيح عن زرارة (3) قال: " قلت اصاب ثوبي دم رعاف أو غيره، ثم ساق الخبر إلى ان قال قلت: فان ظننت انه اصابه ولم اتيقن ذلك فنظرت فلم ار شيئا ثم صليت فيه فرأيت فيه ؟ قال تغسله ولا تعيد الصلاة. فقلت لم ذاك ؟ قال لانك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا " وهذا الخبر وان كان مضمرا في التهذيب الا انه مروي عن ابي جعفر (عليه السلام)
(1) المروية في الوسائل في الباب 73 من ابواب النجاسات (2) رواه في الوسائل في الباب 74 من ابواب النجاسات (3) رواه في الوسائل في الباب 7 و 37 و 41 و 42 و 44 من النجاسات بنحو التقطيع.
[ 257 ]
كما صرح به في كتاب العلل (1) وهو صريح في الدلالة على كلية الحكم المذكور وانه لا ينصرف عن يقين الطهارة بالظن بل لابد من اليقين الشرعي. وفي الصحيح عن ضريس الكناسي (2) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن السمن والجبن نجده في ارض المشركين بالروم انأكله ؟ فقال اما ما علمت انه خلطه الحرام فلا تأكله واما ما لم تعلم فكله حتى تعلم انه حرام " والمراد بالحرام هنا النجس فانه كثيرا ما يطلق على ذلك كما قدمنا ذكره في الكتاب. وصحيحة الحلبي المروية في الكافي (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الخفاف عندنا في السوق نشتريها فما ترى في الصلاة فيها ؟ فقال صل فيها حتى يقال لك انها ميتة بعينها ". وصحيحته الاخرى المروية في التهذيب (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الخفاف التي تباع في السوق ؟ فقال اشتر وصل فيها حتى تعلم انه ميتة بعينة ". ورواية الحسن بن الجهم (5) قال: " قلت لابي الحسن (عليه السلام) اعترض السوق فاشترى خفا لا ادري أذكي هو ام لا ؟ قال صل فيه. قلت فالنعل ؟ قال مثل ذلك. قلت اني اضيق من هذا، قال أترغب عن ما كان أبو الحسن (عليه السلام) يفعله ؟ " وصحيحة البزنطي المتقدمة في سابق هذا التنبيه ومثلها رواية سليمان بن جعفر الجعفري (6) " انه سأل العبد الصالح موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل ياتي السوق فيشتري جبة فراء لا يدري أذكية هي ام غير ذكية أيصلي فيها ؟ قال نعم ليس عليكم المسألة ان ابا جعفر (عليه السلام) كان يقول ان الخوارج ضيقوا على انفسهم بجهالتهم ان الدين اوسع من ذلك ".
(1) ص 127 (2) رواه في الوسائل في الباب 64 من ابواب الاطعمة المحرمة (3) و (4) و (5) و (6) المروية في الوسائل في الباب 50 من النجاسات.
[ 258 ]
ورواية المعلى بن خنيس (1) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول لا بأس بالصلاة في الثياب التي يعملها المجوس والنصارى واليهود ". وروى في قرب الاسناد عن احمد بن عيسى عن البزنطي عن الرضا (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الخفاف يأتي الرجل السوق فيشترى الخف لا يدري أذكي هو ام لا ما تقول في الصلاة فيه وهو لا يدري ؟ قال نعم انا اشتري الخف من السوق واصلي فيه وليس عليكم المسألة ". وبهذا الاسناد (3) قال: " سألته عن الجبة الفراء يأتي الرجل السوق من اسواق المسلمين فيشترى الجبة لا يدري أذكية هي ام لا يصلي فيها ؟ قال نعم ان ابا جعفر (عليه السلام) كان يقول ان الخوارج ضيقوا على انفسهم بجهالتهم ان الدين اوسع من ذلك ان علي بن ابي طالب (عليه السلام) كان يقول ان شيعتنا في اوسع ما بين السماء إلى الارض انتم المغفور لكم ". إلا انه قد ورد بازاء هذه الاخبار ما ظاهره المنافاة والبناء على الظن ولعله مستند ابي الصلاح فيما تقدم نقله عنه من الاكتفاء في ثبوت النجاسة بمجرد الظن: ومنها صحيحة عبد الله بن سنان (4) قال: " سأل ابي ابا عبد الله (عليه السلام) عن الذي يعير ثوبه لمن يعلم انه يأكل الجري ويشرب الخمر فيرده عليه أيصلي فيه قبل ان يغسله ؟ قال لا يصل فيه حتى يغسله ". ورواية ابي بصير (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في الفراء فقال كان علي بن الحسين (عليه السلام) رجلا صردا لا يدفئه فراء الحجاز لان
(1) المروية في الوسائل في الباب 73 من النجاسات (2) رواه في الوسائل في الباب 50 من النجاسات (3) قرب الاسناد ص 171 (4) المروية في الوسائل في الباب 74 من ابواب النجاسات (5) المروية في الوسائل في الباب 61 من لباس المصلى.
[ 259 ]
دباغها بالقرظ وكان يبعث إلى العراق فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه فإذا حضرت الصلاة القاه والقى القميص الذي يليه وكان يسأل عن ذلك فيقول ان اهل العراق يستحلون لباس جلود الميتة ويزعمون ان دباغه ذكاته ". وروى في مستطرفات السرائر من كتاب البزنطي (1) قال: " وسألته عن رجل يشتري ثوبا من السوق لللبس لا يدري لمن كان يصلح له الصلاة فيه ؟ قال ان كان اشتراه من مسلم فليصل فيه وان كان اشتراه من نصراني فلا يلبسه ولا يصل فيه حتى يغسله " ومثلها صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن رجل اشترى ثوبا من السوق اللبس لا يدري لمن كان هل يصلح الصلاة فيه ؟ قال ان اشتراه من مسلم صلى فيه وان اشتراه من نصراني فلا يصل فيه حتى يغسله ". ورواية محمد بن الحسين الاشعري (3) قال: " كتب بعض اصحابنا إلى ابي جعفر الثاني (عليه السلام) ما تقول في الفرو يشترى من السوق ؟ فقال ان كان مضمونا فلا بأس " اقول: يعني إذا ضمن البائع ذكاته واخبر بها عن علم. ومن ذلك رواية عبد الرحمان بن الحجاج (4) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اني ادخل سوق المسلمين اعني هذا الخلق الذين يدعون الاسلام فاشترى منهم الفراء للتجارة فاقول لصاحبها أليس هي ذكية ؟ فيقول بلى، فهل يصلح لي ان ابيعها على انها ذكية ؟ فقال لا ولكن لا بأس ان تبيعها وتقول قد شرط الذي اشتريتها منه انها ذكية. قلت وما افسد ذلك ؟ قال استحلال اهل العراق للميتة وزعموا ان دباغ جلود الميتة ذكاته ثم لم يرضوا ان يكذبوا في ذلك إلا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ". والشيخ (قدس سره) لم يذكر في الاستبصار سوى خبري عيد الله بن سنان وقال بعدهما: هذان الخبران راويهما جميعا عبد الله بن سنان والحكاية فيهما عن مسألة ابيه
(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 50 من النجاسات. (4) المروية في الوسائل في الباب 61 من النجاسات.
[ 260 ]
ابا عبد الله (عليه السلام) ولا يجوز ان يتناقض بان يقول تارة " صل فيه " وتارة " لا تصل فيه " إلا ان يكون قوله (عليه السلام) " لا تصل فيه " على وجه الكراهية دون الحظر. انتهى وبالجملة فان كل من ذكر خبرا من هذا الاخبار فانما يحمله على الاستحباب لاجماعهم على العمل بالاخبار الاول التي هي مستند القاعدة المتفق عليها بينهم قديما وحديثا ولا بأس به، ويدل عليه رواية ابي علي البزاز عن ابيه (1) قال: " سألت جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن الثوب يعمله اهل الكتاب اصلي فيه قبل ان اغسله ؟ قال لا بأس وان يغسل احب الي " وصحيحة الحلبي (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في ثوب المجوسي ؟ قال يرش بالماء " والتقريب في الاولى ظاهر واما الثانية فلما علم من الاخبار المتكاثرة كما سيأتي ان شاء الله تعالى ان الامر بالرش الذي هو النضح انما هو في مقام زوال النفرة في الاشياء الطاهرة كملاقاة الكلب باليبوسة ونحوه وإلا فالنجس بنجاسة عينية انما يؤمر فيه بالغسل كما لا يخفى. والله العالم. (الثالث) قال في المعالم: قال بعض الاصحاب لو وجد عدلان في ثوب الغير أو مائه نجاسة امكن وجوب الاخبار لوجوب تجنب النجاسة وهو يتوقف على الاخبار المذكور فيجب، والعدم لان وجوب التجنب مع العلم لا بدونه لاستحالة تكليف الغافل، قال وابعد منه ما لو كان عدلا وابعد منهما ما لو كان فاسقا ثم قال ولا ريب ان الاخبار اولى. ثم قال في المعالم وما ذكره في توجيه احتمال الوجوب ظاهر الضعف ولا ريب ان العدم هو مقتضى الاصل فيجب التمسك به إلى ان يدل دليل واضح على الوجوب وقد روى الشيخان في الكافي والتهذيب بسند يعد في الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (3) قال: " سألته عن الرجل يرى في ثوب اخيه دما وهو يصلي ؟ قال لا يؤذنه حتى ينصرف " وهذا ربما اشعر بعدم الوجوب. انتهى.
(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 73 من النجاسات. (3) رواه في الوسائل في الباب 47 من النجاسات.
[ 261 ]
اقول: وجدت منسوبا إلى بعض الفضلاء مسألة مذيلة بالجواب بما هذه صورته مسألة لو رأى المأموم في اثناء الصلاة في ثوب الامام نجاسة غير معفو عنها فهل يجوز له الاقتداء في تلك الحال ام لا ؟ وهل يجب عليه اعلامه ام لا ؟ ولو لم يجز له الاقتداء فهل يبني بعد نية الانفراد على ما مضى ام يعيد من رأس ؟ الجواب: الاولى عدم الائتمام ويجب الاعلام ويجب الانفراد في الاثناء ويبني على قراءة الامام. انتهى. اقول: ما ذكره هذا الفاضل المجيب من وجوب الاعلام قد صرح به العلامة في اجوبة مسائل السيد السعيد مهنا بن سنان المدني محتجا على ذلك بكونه من باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. وانت خبير بما في (اما اولا) فلان الاصل عدمه كما تقدم في كلام المحقق الشيخ حسن، وادلة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تشمله لعدم توجه الخطاب للجاهل والناسي كما ذكروه فلا منكر بالنسبة اليهما ولا معروف. و (اما ثانيا) فلان المفهوم من تتبع الاخبار انه لا يجب الاعلام بمثل، ذلك فمن ذلك صحيحة محمد بن مسلم المذكورة، ومن ذلك صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (1): " ان ابا جعفر (عليه السلام) اغتسل وبقيت لمعة من جسده لم يصبها الماء فقيل له فقال ما كان عليك لو سكت ؟ ومن ذلك رواية عبد الله بن بكير المروية في كتاب قرب الاسناد (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اعار رجلا ثوبا فصلى فيه وهو لا يصلي فيه ؟ قال لا يعلمه. قلت فان اعلمه ؟ قال يعيد " والمستفاد من هذه الاخبار كراهة الاخبار فضلا عن الجواز فكيف بالوجوب الذي ذكروه ؟ والظاهر ان الوجه في ذلك هو انه لما كان بناء الاحكام الشرعية انما هو على الظاهر في نظر المكلف دون الواقع ونفس الامر تحقيقا لبناء الشريعة على السهولة والسعة فان الفحص والسؤال عن امثال ذلك تضييق لها كما استفاضت به الاخبار الدالة على النهي عن السؤال، نهى عن الاخبار بذلك والاعلام لعين ما ذكرناه في المقام.
(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 47 من النجاسات.
[ 262 ]
وما ذكره من عدم الائتمام ووجوب الانفراد على المأموم فقد نقل شيخنا أبو الحسن الشيخ سليمان البحراني في رسالته في الصلاة عن المحقق الشيخ علي نحوه ثم نقل عن بعض المتأخرين الجواز ثم تنظر في الجواز اولا ثم قال بعد نقل القول به: ولا يخلو من قوة. ولم ينقل دليلا في المقام نفيا ولا اثباتا. اقول: وتحقيق القول في ذلك مبني على مسألة اخرى وهي ان من صلى في النجاسة جاهلا بها هل صلاته والحال هذه صحيحة واقعا وظاهرا أو تكون صحيحة ظاهرا باطلة واقعا إلا انه غير مؤاخذ لمكان الجهل بالنجاسة ؟ ظاهر الاصحاب كما صرح به شيخنا الشهيد الثاني في شرح الالفية هو الثاني حيث قال في مسألة ما لو تطهر بالماء النجس جاهلا وان ذلك مبطل لصلاته ما صورته: حتى لو استمر الجهل به حتى مات فان صلاته باطلة غايته عدم المؤاخذة عليها لامتناع تكليف الغافل، هذا هو الذي يقتضيه اطلاق العبارة وكلام الجماعة، ولا يخفى ما فيه من البلوى فان ذلك يكاد يوجب فساد جميع العبادات المشروطة بالطهارة لكثرة النجاسات في نفس الامر وان لم يحكم الشارع ظاهرا بفسادها. فعلى هذا لا يستحق عليها ثواب الصلاة وان استحق اجر الذاكر المطيع بحركاته وسكناته ان لم يتفضل الله تعالى بجوده عليه. انتهى. وحينئذ فان قلنا بما ذكره شيخنا المذكور ونقله عن الاصحاب فانه يتجه كلام هؤلاء القائلين بتعين الانفراد ومنه الاقتداء، والظاهر ان ما ذكروه في المسألة مبني على ذلك لظهور بطلان صلاة الامام عند المأموم العالم بالنجاسة فلا يجوز له الاقتداء بصلاة باطلة وان كانت صحيحة في نظر الامام لجهله بالنجاسة، وربما احتمل على هذا وجوب الاعلام واندرج تحت الامر بالمعروف كما ذكره العلامة ايضا. إلا ان الاظهر عندي هو الاول لوجوه: (احدها) ما قدمنا تحقيقه من ان الشارع لم يجعل الحكم بالطهارة والنجاسة منوطا بالواقع ونفس الامر وانما رتبه على الظاهر في نظر المكلف فاوجب عليه الصلاة في الثوب الطاهر اي ما لم يعلم بملاقاة
[ 263 ]
النجاسة له وان لاقته واقعا لا ما لم تلاقه النجاسة لانه تكليف بما لا يطاق وهو مردود عقلا ونقلا، وحينئذ فإذا صلى المصلي في الثوب المذكور فقد امتثل امر الشارع وصارت صلاته صحيحة شرعية إذا خلت من سائر المبطلات. و (ثانيها) ما اسلفناه من الاخبار الدالة على المنع من الاخبار بالنجاسة وان كان في اثناء الصلاة، ولو كان الامر كما يدعونه من كون النجاسة والطهارة ونحوهما انما هو باعتبار الواقع ونفس الامر وان تلبس المصلي بالنجاسة جاهلا موجب لبطلان صلاته واقعا فكيف يحسن من الامام (عليه السلام) المنع من الايذان بها في الصلاة كما في صحيح محمد بن مسلم أو قبلها كما هو احد الوجهين في رواية ابن بكير وهل هو بناء على ما ذكروه إلا من قبيل التقرير على تلك الصلاة الباطلة والمعاونة على الباطل ؟ ولا ريب في بطلانه. و (ثالثها) انه يلزم على ما ذكروه عدم الجزم بصحة شئ من العبادات إلا نادرا كما اعترف به شيخنا الشهيد الثاني فيما قدمنا من عبارته في شرح الرسالة، وبنحوه صرح المحدث السيد نعمة الله الجزائري على اثر الكلام الذي قدمنا نقله عنه في اصل المسألة حيث قال: وبهذا التحقيق يظهر لك بطلان ما ذهب إليه جماعة من الاصحاب من ان من تطهر بماء نجس فاستمر الجهل به حتى مات فصلاته باطلة غايته عدم المؤاخذة عليها لامتناع تكليف الغافل، ولو صح هذا الكلام لوجب فساد جميع العبادات المشروطة بالطهارة لكثرة النجاسة في نفس الامر. انتهى. وبذلك يظهر لك ان الاصح هو صحة صلاة المصلي بالنجاسة جهلا ظاهرا وواقعا واستحقاق الثواب عليها، وبه يتضح انه لا وجه للانفراد في اثناء الصلاة بسبب رؤية النجاسة كما ذكره المجيب والمحقق الشيخ علي. (فان قيل): ما ذكرتموه متجه على تقدير حمل الامام على كونه بالنجاسة اما مع احتمال العلم بها ونسيانها وقت الصلاة فالمشهور بين الاصحاب وجوب الاعادة في الوقت وقيل في خارجه ايضا، وعليه فلا يتم ما ذكرتم لان وجوب الاعادة كاشف عن البطلان
[ 264 ]
(قلنا) فيه (اولا) انه قد تقرر في كلامهم وعليه دلت الاخبار ايضا حمل افعال المسلمين على الصحة وان الفعل متى احتمل الصحة والبطلان فانه يحمل على الوجه المصحح حتى يظهر دليل البطلان، وهذا اصل عندهم قد بنوا عليه احكاما عديدة في العبادات والمعاملات كما لا يخفى على المتدرب، وحينئذ فنقول لما ثبت صحة الصلاة في النجاسة جهلا فعلى تقدير القول ببطلان الصلاة نسيانا فمقتضى القاعدة المذكورة في هذه النجاسة المرئية المحتملة لكونها مجهولة أو منسية الحمل على الوجه الصحيح إذ الاصل هو الصحة، والناس في سعة مما لم يعلموا (1) فلا يكون مجرد الرؤية موجبا للحكم ببطلان الصلاة. و (ثانيا) ان مقتضى اطلاق صحيحة محمد بن مسلم الدالة على المنع من الاعلام بالنجاسة شمول الجهل والنسيان ولعل وجهه ان الناسي في حال نسيانه كالجاهل في حال جهله غير مخاطب بما اخل به فتكون صلاته صحيحة على التقديرين. والله العالم. (الرابع) ربما دلت الروايات المتقدمة من حيث الدلالة على كراهة الاخبار بالنجاسة على انه يجوز للانسان إذا كان عنده طعام نجس ان يبيعه ممن لا يعلم بالنجاسة أو يطعمه اياه وانه لا اثم عليه ولا حرج سيما رواية عبد الله بن بكير الدالة على جواز اعارة الثوب الذي لا يصلي فيه من حيث النجاسة لمن يصلي فيه من غير ان يعلمه (2) والتقريب فيها انه ان لم يكن امر الصلاة اشد والمنع فيها آكد فلا يكون اقل من الاكل أو البيع، ويؤيد ذلك ما قدمنا من انه طاهر في نظر المشتري والاكل والطهارة والنجاسة ليست منوطة بالواقع وانما هي منوطة بعلم المكلف وعدمه وهذا المفروض وان كان نجسا بالنسبة إلى المالك إلا انه طاهر بالنسبة إلى الاخر. والقول بذلك لا يخلو من قوة إلا ان ظواهر جملة من الاخبار تدفعه مثل صحيحة
(1) لم نجد في كتب الحديث خبرا بهذا اللفظ وقد ورد في حديث السفرة (هم في سعة حتى يعلموا " وقد رواه في الوسائل في الباب 50 من النجاسات و 38 من الذبائح و 23 من اللقطة، وقد تقدم الحديث في التعليقة 2 ص 43 ج 1. (2) ص 261.
[ 265 ]
ابن ابي عمير عن بعض اصحابه (1) قال وما احسبه إلا حفص بن البختري قال: " قيل لابي عبد الله (عليه السلام) في العجين يعجن بالماء النجس كيف يصنع به ؟ قال يباع ممن يستحل اكل الميتة " وفي الصحيح عن ابن ابي عمير ايضا عن بعض اصحابه عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " يدفن ولا يباع " وما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (3) قال: " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا اختلط الذكي بالميتة باعه ممن يستحل الميتة واكل ثمنه " ومثلها حسنته ايضا (4) وقد تقدم ايضا في صدر الفصل الخامس (5) في رواية معاوية بن عمار (6) المتضمنة للسؤال عن جرذ مات في سمن أو زيت أو عسل انه قال: " تبيعه وتبينه لمن اشتراه ليستصبح به ". والمسألة لذلك غير خالية من الاشكال، والتأويل في الاخبار الاولة بالحمل على اخبار الغير بنجاسة ثوبه أو بدنه أو نحوهما وان امكن في صحيحة محمد بن مسلم كما هو مورد الرواية المذكورة فلا منافاة بينها وبين هذه الاخبار إلا ان رواية عبد الله بن بكير لا تقبل ذلك لكون النهي فيها بالنسبة إلى المالك وانه يجوز ان يعير ثوبه النجس ولا يخبر بنجاسته وهو ظاهر المنافاة لهذه الاخبار ومؤيد بما ذكرناه من القاعدة في الباب، وفي معنى رواية ابن بكير المذكورة صحيحة العيص بن القاسم (7) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى في ثوب رجل اياما ثم ان صاحب الثوب اخبره انه لا يصلي فيه ؟ قال لا يعيد شيئا من صلاته " والتقريب فيها تقريره (عليه السلام) السائل على اعارته ثوبه النجس لمن يصلي فيه إذ من المعلوم ان صلاة ذلك الرجل فيه انما تكون باذن صاحبه واعارته اياه، وتقريره (عليه السلام) حجة كما تقرر في موضعه.
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 11 من ابواب الاسآر (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 36 من ابواب الاطعمة المحرمة (5) ص 56 (6) هكذا فيما وقفنا عليه من النسخ والصحيح (معاوية بن وهب) كما في كتب الحديث. (7) المروية في الوسائل في الباب 47 من النجاسات.
[ 266 ]
(فان قيل) ان الخبرين المذكورين لا دلالة فيهما على نجاسة الثوب المعار فلعل عدم الصلاة فيه كما في رواية ابن بكير والاخبار بانه لا يصلي فيه كما في الصحيحة المذكورة انما هو لامر آخر كالغصب ونحوه من الموانع. (قلنا اولا) انه قد تقرر عندهم ان عدم الاستفصال في مقام الاحتمال دليل على العموم في المقال فيكفي دلالة الخبرين على ما ذكرنا بعمومهما. و (ثانيا) ان الاصحاب انما فهموا من الروايتين النجاسة ولهذا نظموا صحيحة العيص المذكورة في روايات من صلى في النجاسة جاهلا ومن ذكر منهم رواية ابن بكير فانما ذكرها في مقام الصلاة في النجاسة ايضا. (المسألة الثالثة) قد تفرد المحدث الكاشاني بالقول بان المتنجس إذا ازيلت عنه عين النجاسة بالتمسح ونحوه فانه لا تتعدى نجاسته إلى ما يلاقيه في موضعها ولو مع الرطوبة وبالغ في نصرته وشنع على من خالفه، قال في المفاتيح: انما يجب غسل ما لاقى عين النجاسة واما ما لاقى الملاقي لها بعد ما ازيل عنه بالتمسح ونحوه بحيث لا يبقى فيه شئ منها فلا يجب غسله كما يستفاد من المعتبرة (1) على انا لا نحتاج إلى دليل على ذلك فان عدم الدليل على وجوب الغسل دليل على عدم الوجوب إذ لا تكليف إلا بعد البيان ولا حكم إلا بعد البرهان، إلا ان هذا الحكم مما يكبر في صدور الذين غلب عليهم التقليد من اهل الوسواس الذين يكفرون بنعمة الله تعالى ولا يشكرون سعة رحمة الله سبحانه وفي الحديث (2) " ان الخوارج ضيقوا على انفسهم وان الدين اوسع من ذلك " انتهى. اقول: ان عبارته وكلامه لا يخلو من اجمال واختلال (اما الاول) فان مقتضى قوله: " انما يجب غسل ما لاقى عين النجاسة " هو ان تعدي النجاسة يدور مدار الملاقاة لعين النجاسة وجودا وعدما دون الملاقاة للمتنجس اعم من ان تكون عين النجاسة
(1) سيأتي التعرض لها في الصفحة 268 وما بعدها (2) وهو صحيح البزنطى المتقدم ص 253 ورواية الجعفري ص 257 ورواية قرب الاسناد ص 258.
[ 267 ]
مصاحبة له ام لا إذا لم يستلزم ملاقاة العين، وعلى هذا يستفاد منه الحكم بطهارة كل ما لم يلاق عين النجاسة سواء لاقى المحل بعد زوال عين النجاسة عنه كما ذكره أو لاقاه والعين باقية فيه لكن على وجه لا تصل إلى الملاقي، ومقتضى قوله: " واما ما لاقى الملاقي لها بعد ما ازيل عنه العين.. الخ " ان تعدي النجاسة لا يدور مدار ملاقاة العين بخصوصها بل هو اعم من الملاقاة لها وللمحل الذي هي فيه بشرط كونه مائعا مصاحبا للنجاسة، وعلى هذا فيستفاد منه تخصيص الطهارة بما لاقى محل النجاسة بعد ما ازيل عنه العين اعم من ان يكون محل النجاسة مائعا كالدهن المائع ونحوه أو غير مائع كالبدن والخشب والثوب ونحوها. و (اما الثاني) فان كلامه على كلا الاحتمالين مردود، اما على تقدير الاحتمال الاول من دوران الطهارة والنجاسة مدار الملاقاة للعين وجودا وعدما ففيه انه معلوم البطلان لاستفاضة الروايات بما ينافيه كروايات نجاسة الدهن والدبس المائعين بوقوع الفأرة وموتها فيه ونجاسة الاواني لنجاسة مياهها. واما على تقدير الاحتمال الثاني ولعل مراده ذلك ولعل في تصريحه بذلك الفرد الخاص اشعارا به ففيه ان المفهوم من كلامه كما اشرنا إليه آنفا هو عدم تعدي نجاسة ذلك المحل الذي فيه النجاسة بعد زوال العين منه اعم من ان يكون مائعا أو جامدا، مثلا لو وضعت اصبعا في دهن نجس بعد رفع عين النجاسة فانه لا يقتضي نجاسة الاصبع، وهذا في البطلان اظهر من ان يحتاج إلى بيان لدلالة الاخبار على نجاسة الدهن ونجاسة ما تعدى إليه ولهذا حرم اكله والانتفاع به إلا في الاسراج ونحوه، اللهم إلا ان يخص الدعوى بغير المائع كالخشب والثوب والبدن ونحوها كما هو مورد المعتبرة التي استند إليها. وفيه (اولا) ان الظاهر من كلامه في مفاتيح النجاسات انما هو ما ذكرنا من المعنى الاعم الشامل للمائع والجامد حيث انه بعد ذكر النجاسات العشرة في مفاتيح متعددة قال ما صورته: مفتاح كل شئ غير ما ذكر
[ 268 ]
فهو طاهر ما لم يلاق شيئا من النجاسات برطوبة للاصل السالم عن المعارض، وللموثق (1) " كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر " فان تخصيصه الاستثناء بما يلاقي شيئا من النجاسات خاصة دون المتنجس ظاهر في طهارة ما لاقى المتنجس صلبا كان أو مائعا بعد ازالة عين النجاسة أو قبلها ما لم يلاقها. و (ثانيا) انه مع تسليم ما ذكر فانه معارض باستفاضة الاخبار بغسل الاواني والفرش والبسط ونحوها متى تنجس شئ منها إذ من المعلوم ان الامر بغسلها ليس إلا لمنع تعدي نجاستها إلى ما يلاقيها برطوبة مما يشترط فيه الطهارة، ولو كان مجرد زوال العين كافيا في جواز استعمال تلك الاشياء لما كان للامر بغسلها فائدة بل كان عبثا لان تلك الاشياء انفسها لا تستعمل فيما يشترط فيه الطهارة كالصلاة ونحوها حتى يقال ان الامر بغسلها لذلك، وبالجملة لا يظهر وجه حسن لهذا التكليف لو كان ما ادعاه حقا سيما مع بناء الدين على السهولة والتخفيف في التكاليف ونفى العسر والحرج، هذا. واما المعتبرة التي اشار إليها واعتمد في المقام عليها وهي موثقة حنان بن سدير (2) قال: " سمعت رجلا يسأل ابا عبد الله (عليه السلام) فقال اني ربما بلت فلا اقدر على الماء ويشتد ذلك علي ؟ فقال إذا بلت وتمسحت فامسح ذكرك بريقك فان وجدت شيئا فقل هذا من ذاك " فهي غير صريحة بل ولا ظاهرة فيما ادعاه بل هي بالدلالة على خلافه اقرب وبما ندعيه انسب، وتوضيح ذلك انه بعد ان نقل هذه الرواية في الوافي نبه على احتمالها لمعنيين (احدهما) وهو الذي يظهر عندنا من لفظ الرواية وسياقها هو ان السائل شكا إليه انه ربما بال وليس معه ماء ويشتد ذلك عليه بسبب عرق ذكره وبعد ذلك أو بلل يخرج من ذكره فيلاقي مخرج البول فيتنجس به ثوبه وبدنه، فأمره (عليه السلام) لذلك بحيلة شرعية يتخلص بها من ذلك وهو ان يمسح غير المخرج من الذكر اعني المواضع
(1) المروي في الوسائل في الباب 37 من ابواب النجاسات (2) المروية في الوسائل في الباب 13 من ابواب نواقض الوضوء.
[ 269 ]
الطاهرة منه بعد ما ينشف المخرج بشئ حتى لو وجد بللا بعد ذلك لقدر في نفسه انه يجوز ان يكون من بلل ريقه الذي وضعه وليس من العرق ولا من المخرج فلم يتيقن النجاسة من ذلك البلل حينئذ (الثاني) وهو الذي بنى عليه ان تكون شكاية ذلك السائل انما هي من انتقاض وضوئه بالبلل الذي يجده بعد المسح لاحتمال كونه بولا، وقوله: " انه لا يقدر على الماء " يعني لازالة ذلك البلل المحتمل كونه بولا فانه قد تعدى من المخرج إلى ثوبه وبدنه، فأمره (عليه السلام) ان يمسح ذكره يعني مخرج البول بعدما مسح البول عنه بريقه حتى لو خرج بعد ذلك بلل صار مشكوكا فيه من حيث الريق الموضوع على طرف الذكر لاحتمال كونه منه، هذا حاصل كلامه، ثم قال وهذا المعنى اوفق بالاخبار الاخر. ثم قال: وهذان الامران اعني عدم الحكم بالنجاسة إلا بعد التيقن وعدم تعدي النجاسة من المتنجس بابان من رحمة الله الواسعة فتحهما الله لعباده رأفة بهم ونعمة لهم ولكن اكثرهم لا يشكرون فينتقم الله منهم بابتلائهم بالوسواس واتباعهم الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس. انتهى. اقول: لا يخفى عليك ما في قوله: " وعدم تعدي النجاسة من المتنجس " من الدلالة على العموم للمائع والجامد كما قدمنا ذكره. ثم اقول لا يخفى ان ما ذكره من هذا الاحتمال الذي بنى عليه الاستدلال مردود من وجوه: (اولها) انه قد ذكر الاحتمالين في معنى الرواية كما قدمنا نقله عنه وهو لم يذكر مرجحا لهذا الاحتمال الذي استند إليه وقد عرفت ان الاحتمال الاخر لا يجري فيما ذهب إليه، وقد تقرر بينهم انه إذا قام الاحتمال بطل الاستدلال. و (ثانيها) انه لا دلالة في الخبر على هذا الوضوء الذي بنى عليه هذه المباني المتعسفة وارتكب لاجله هذا التمحلات المتكلفة وان كان قد سبقه إلى هذا الاحتمال السيد السند في المدارك ايضا حيث قال بعد نقل خبر حنان: لانا نجيب عنه اولا بالتقية أو على ان
[ 270 ]
المراد نفي كون البلل الذي يظهر على المحل ناقضا. انتهى. و (ثالثها) ان الوضوء الذي ذكره لا يكون إلا بعد البول فلم لا غسل مخرج البول اولا لدفع هذه الحيرة التي شكاها لانه واجد للماء بزعمه وازالة البول التي يكفي فيها مثلا ما على الحشفة لا يحتاج إلى كثير ماء حتى ربما يقال انه لا زيادة فيه على الوضوء، فالواجب حينئذ هو ازالة البول اولا ولا سيما على مذهب الصدوق القائل بابطال الوضوء ووجوب اعادته مع نسيان غسل مخرج البول كما دلت عليه اخباره التي استند إليها. و (رابعها) انه لو كانت شكاية السائل إليه انما هو من حيث خوف انتقاض وضوئه بالبلل الخارج من جهة احتمال كونه بولا لكان الاولى جوابه بالامر بالاستبراء بعد البول، فان قضية الاستبراء البناء على طهارة ما يخرج بعده وعدم نقضه للوضوء. و (خامسها) انه لو كانت الحكمة في الامر بوضع الريق على مخرج البول انما هو عدم انتقاض الطهارة بان ينسب ذلك البلل الذي يجده إلى الريق ليكون غير ناقض ولا ينسبه إلى الخروج من الذكر فيكون ناقضا فاي فرق في ذلك بين الحكم بتعدي النجاسة من المخرج بعد مسحها وعدم تعديها ؟ فان وجه الحكمة يحصل على كلا التقديرين فلو قلنا بالتعدي ومسح المخرج بريقه لقصد هذه الحكمة وكون الخارج غير ناقض امكن وان كان نجسا، وبالجملة فانه لا منافاة بين حصول هذه الحكمة وبين القول بتعدي النجاسة. وبذلك يظهر ان الوجه الصحيح في معنى الخبر انما هو المعنى الاول المشتمل على حكمة ربانية لدفع الوساوس الشيطانية، ويظهر ايضا بطلان ما ذهب إليه ويكون الخبر بناء على ما اخترنا ظاهرا في الرد عليه، وذلك فانه لو كان الملاقي للمتنجس بعد ازالة العين بالتمسح ونحوه لا ينجس لما حسن امره بوضع الريق لان المفروض ان المخرج قد ازيلت عنه عين النجاسة ولم يبق إلا محلها ومحلها لا تتعدى نجاسته كما يدعيه، فاي وجه لهذه الحكمة بوضع الريق ؟ وهو (عليه السلام) انما امر بوضعه لدفع احتمال تعدي النجاسة
[ 271 ]
من المحل بالعرق أو خروج شئ من الذكر فينجس بملاقاة المحل بان ينسب ذلك إلى الريق الذي وضعه، ولو صح ما ذكره لم يكن لهذا الاحتمال مجال بالكلية مع انه قد اعترف به وعلى تقديره يبطل به اصل قاعدته. وبما ذكرناه من هذا التحقيق واوضحناه من البيان الواضح الرشيق يظهر لك ايضا ما في كلام شيخنا الشهيد في الذكرى حيث قال: وخبر حنان " يمسحه بريقه فإذا وجد بللا فمنه " متروك. انتهى إذ لا وجه لتركه مع وجود معنى صحيح يحمل عليه كما اوضحناه، والظاهر انه فهم من الخبر كون مسحه بالريق مطهرا من البول عند فقد الماء ولا ريب انه بهذا المعنى متروك اجماعا، ولو كان صريح الدلالة في ذلك لامكن حمله على التقية كما احتمله في المدارك لموافقته لمذهب ابي حنيفة من جواز ازالة النجاسة بكل مائع، هذا. واما الاخبار التي ادعى اوفقية هذا التأويل بها فهي غير ظاهرة فيما ادعاه، فمنها صحيح العيص بن القاسم (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر وقد عرق ذكره وفخذاه ؟ قال يغسل ذكره وفخذيه " وهي بالدلالة على ما ندعيه اقرب وبالرد عليه فيما ذهب إليه انسب. وذلك فان الظاهر ان جملة " وقد عرق ذكره " معطوفة على ما تقدمها دون ان تكون حالا كما سيأتي توضيحه، وحينئذ فتدل الرواية على ان العرق انما وقع بعد البول ومسح الذكر فامر (عليه السلام) بغسل الذكر والفخذين لذلك العرق المتعدى من مخرج البول بعد مسحه. وبذلك يظهر ما في كلام شيخنا المحقق صاحب رياض المسائل حيث قال في الكتاب بعد نقل خبر حنان المذكور ثم موثقة سماعة الاتية وتأويلهما ما هذا لفظه " ولبعض المعاصرين هنا كلام غريب هو ان المحل النجس إذا ازيل عنه عين النجاسة بغير المطهر الشرعي فلا
(1) رواه في الوسائل في الباب 21 من احكام الخلوة و 26 من ابواب النجاسات.
[ 272 ]
تتعدى نجاسته إلى الملاقي ولو مع الرطوبة لان النجس انما هو عين النجاسة لا المتنجس وجعل هذين الخبرين شاهدا على ذلك، وهو كلام متين ان لم يقم الاجماع على خلافه ولم يكن ما دل عليه موافقا للعامة وقابلا للتأويل بما ذكرناه، وايضا ففي دلالة الخبر الاول على ما ادعاه تأمل، ويمكن ان يستدل له بما هو اوضح سندا ومتنا وهو صحيح العيص بن القاسم (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر وقد عرق ذكره وفخذاه ؟ قال يغسل ذكره وفخذيه. وسألته عن من مسح ذكره بيده ثم عرقت يده فاصاب ثوبه يغسل ثوبه ؟ قال لا " بان يقال الفرق بين الذكر والفخذ عند عرقهما قبل التطهير الشرعي وبين الثوب عند اصابته لعرق اليد الماسحة للذكر قبله بالامر بغسلهما دونه لا وجه له ظاهرا سوى الفرق بين ما يلاقي المتنجس وما يلاقي عين النجاسة، فان غسلهما انما هو لملاقاتهما بالرطوبة للمحل النجس قبل زوال عين النجاسة بالمسح بالحجر كما يرشد إليه واو الحال، وذلك يقتضي تعديها من المحل إلى ما يجاوره ويلاصقه من بقية اجزاء الذكر والفخذ بخلاف الثوب فان ملاقاته انما وقعت بالمتنجس وهي اليد الماسحة بعد زوال عين النجاسة عن الماسح والممسوح. انتهى كلامه زيد مقامه. وفيه (اولا) انه لا يخفى ان مفاد عطف مسح الذكر على البول بالفاء التي مقتضاها الترتيب بلا مهلة هو كون المسح وقع عقيب البول بلا مهلة، ويؤيده ايضا انه هو المتعارف فان الانسان متى بال ولم يكن معه ماء مسح ما بقي على طرف ذكره من البول لئلا يتعدى إلى ثوبه أو بدنه فينجسه ولا يعقل انه يتركه بغير مسح حتى يتردد في المغدى والمجئ على وجه يعرق ذكره وفخذاه وعين البول باقية ضمن تلك المدة حتى انه بسبب العرق تتعدى نجاسة البول إلى فخذيه مثلا ثم بعد ذلك يمسح ذكره، بل من المعلوم انه بمجرد المغدى والمجيئ تتعدى نجاسة البول من غير حصول عرق إلى سائر
(1) رواه في الوسائل مقطعا في الباب 6 و 26 من ابواب النجاسات.
[ 273 ]
بدنه وثيابه، أو يعقل انه يعرق في محله ذلك من غير تردد على وجه يسيل العرق من مخرج البول إلى سائر اجزاء الذكر والفخذين ؟ وبالجملة فمعنى الرواية المتبادر منها انما هو ما ذكرناه اولا وهو انه سأله عن رجل بال فمسح مخرج بوله في وقته ذلك وعرق ذكره وفخذاه بعد ذلك فأمره (عليه السلام) بغسل ذكره وفخذيه لملاقاة ذلك المحل المتنجس برطوبة، وحينئذ فجملة " وقد عرق " معطوفة لا حالية كما اشرنا إليه آنفا، وحينئذ فتكون هذه الرواية مع رواية حنان دليلا على ما ندعيه من تعدي نجاسة المتنجس بعد ازالة عين النجاسة ومسحها. و (اما ثانيا) فلان آخر صحيح العيص المذكور غير صريح ولا ظاهر في كون المسح المذكور وقع بمجموع اليد ولا في كون الجزء الماسح منها بعينه هو الذي اصاب الثوب بالعرق بل هو محتمل لذلك ومحتمل لان تكون الملاقاة بجزء من اليد غير الجزء المتنجس منها كما سيأتي تحقيقه. ومنها رواية سماعة (1) قال: " قلت لابي الحسن موسى (عليه السلام) اني ابول ثم اتمسح بالاحجار فيجيئ مني البلل ما يفسد سراويلي ؟ قال ليس به بأس " قال شيخنا صاحب رياض المسائل بعد ذكر خبر حنان ورواية سماعة المذكورة انه لا يدل ذلك على طهر المحل بالمسح بوجه من الوجوه وانما يدل على ان وجدان شئ من البلل وان افسد السراويل من كثرته مع عدم القطع بخروجه من مخرج البول الباقي على النجاسة أو ملاقاته له لا بأس به خصوصا مع مسح ما سوى المخرج من الذكر بالريق فانه ينسبه إلى الريق، ثم ذكر الكلام الذي قدمنا نقله عنه بقوله: ولبعض المعاصرين.. إلى الاخر. ومنها رواية حكم بن حكيم (2) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ابول فلا اصيب الماء وقد اصاب يدي شئ من البول فامسحه بالحائط أو التراب ثم تعرق
(1) المروية في الوسائل في الباب 13 من نواقض الوضوء (2) المروية في الوسائل في الباب 6 من ابواب النجاسات.
[ 274 ]
يدي فامسح وجهي أو بعض جسدي أو يصيب ثوبي ؟ قال لا بأس به " فانه لا دلالة فيها على كون اصابة الثوب ومسح الوجه أو بعض الجسد بذلك الموضع النجس ولا على كون النجاسة شاملة لليد كملا حتى تستلزم الاصابة ببعض منها ذلك بل هي اعم من ذلك، ونفي البأس انما هو لاجل ذلك لانه ما لم يعلم وصول عين النجاسة أو المتنجس إلى شئ ومباشرته له بالرطوبة فلا يحكم بالنجاسة عملا باصالة الطهارة وتمسكا بها إلى ان يعلم الرافع لها، وهذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا سترة عليه. قال المحقق الشيخ حسن في المنتقى بعدما اورد هذين الخبرين ما نصه " والخبران كما ترى مخالفان لما هو معروف من مذهب الاصحاب ويمكن تأويلهما بالحمل على عدم تيقن اصابة الموضع المتنجس من الكف للثوب والوجه والجسد أو على توهم سريان النجاسة إلى سائر الكف بتواصل رطوبة العرق " انتهى. اقول: وقد اعترف بذلك في الوافي فقال بعد ذكر الرواية: الوجه في ذلك امران (احدهما) ان بالمسح بالحائط والتراب زال العين ولم يبق من البول شئ فما يلاقيه برطوبة انما يلاقي اليد المتنجسة لا النجاسة العينية والتطهير لا يجب إلا من ملاقاة عين النجاسة. و (الثاني) انه لم يتيقن اصابة البول جميع اجزاء اليد ولا وصول جميع اجزاء اليد إلى الوجه أو الجسد أو الثوب ولا شمول العرق كل اليد فلا يخرج شئ من الثلاثة عما كان عليه من الطهارة باحتمال ملاقاة البول فان اليقين لا ينقض بالشك ابدا وانما ينقض بيقين مثله كما يأتي في باب التطهير من المني النص عليه. انتهى. اقول: ولا استبعاد في حمل الخبرين المذكورين على ما ذكرناه وان لهما نظائر في الاخبار توهم بظاهرها المخالفة وتحتاج في تطبيقها إلى نوع تأويل قريب أو بعيد، مثل صحيحة زرارة (1) قال: " سألته عن الرجل يجنب في ثوبه أيتجفف فيه من غسله ؟ فقال: نعم لا بأس به إلا ان تكون النطفة فيه رطبة فان كانت جافة فلا بأس " فانه يوهم
(1) المروية في الوسائل في الباب 27 من ابواب النجاسات.
[ 275 ]
طهارة المني وقد تقدم القول فيه في الفصل الثالث في نجاسة المني ومثلها صحيحة ابي اسامة (1) وقد تقدم الكلام فيها في الموضع المشار إليه ايضا، ومثل ذلك في الاخبار كثير كما لا يخفى من تتبع الاخبار، والغرض هنا انما هو التنبيه على قبول ما يستدل به على ما ذهب إليه التأويل كما في نظائره التي من هذا القبيل فلا يحتج بها إذا على خلاف النهج الواضح السبيل الذي عليه عامة العلماء جيلا بعد جيل. وقد وافقنا في هذا المقام بعض الفضلاء من تلامذته الناسجين على منواله في جل مذاهبه واقواله حيث قال في حواشيه على الوافي في هذا المقام: ما استدل به الحبر العلامة (طاب ثراه) من الاخبار على ان المتنجس لا ينجس الظاهر انه لا يتم لان ليس فيها ان لهم ان يصلوا على تلك الحال بل سألوا عن كراهة ما فعلوا فأجابهم (عليه السلام) بعدم البأس فإذا ارادوا الصلاة تطهروا وطهروا وصلوا، وان سلمنا هذا فخبر ابن حكيم وعجز خبر العيص الاول لا يدل إلا على ان ما لم يعلم وصول المتنجس إلى شئ رطبا متعديا رطوبته إليه لم يحكم بالنجاسة، ثم ذكر تأويل خبر حنان بن سدير بنحو آخر غير ما ذكرناه، إلى ان قال وخبر سماعة ان كان المراد بعدم البأس ان يصلي في السعة والحال هذه فهو باطل بالاتفاق بل لا بد من تطهير مخرج البول ولا يبعد وجوب تطهير ثوبه ايضا، فالمراد اما عدم البأس من فعله واما ان يكون في موضع ليس فيه ماء فبال وتمسح وتيمم ثم وجد البلل فسأل عن انتقاض التيمم به فاجابه (عليه السلام) بعدم الانتقاض والحال هذه. انتهى. قال في الوافي ذيل هذه الاخبار التي نقلنا استناده إليها وتعويله عليها ما نصه: لا يخفى على من فك رقبته عن ربقة التقليد ان هذه الاخبار وما يجري مجراها صريحة في عدم تعدي النجاسة من المتنجس إلى شئ قبل تطهيره وان كان رطبا إذا ازيل عنه عين النجاسة بالتمسح ونحوه وانما المنجس للشئ عين النجاسة لا غير، على انا لا نحتاج إلى
(1) ص 35.
[ 276 ]
دليل في ذلك فان عدم الدليل على وجوب الغسل دليل على عدم الوجوب إذ لا تكليف إلا بعد البيان. انتهى. اقول: لا يخفى عليك ما فيه بعد ما عرفت من التحقيق الكاشف عن ضعف باطنه وخافيه. اما قوله ان هذه الاخبار صريحة فيما ادعاه فهو ظاهر البطلان، كيف وهو قد ذكر كما قدمنا نقله في معنى موثقة حنان بن سدير معنيين وكلامه انما يتم على تقدير احدهما وكذا في رواية حكم بن حكيم، فكيف تكونان صريحتين فيما ادعاه مع اعترافه بالاحتمالين الاخرين الموجبين لخروج الرواية من قالب الاستدلال ؟ ما هذا إلا سهو ظاهر من هذا المحدث الماهر، واما باقي الاخبار فيما اوضحناه وذكره الاصحاب من وجوه المعاني المحتملة فيها فكيف يدعى صراحتها ؟ واما قوله: " ان عدم الدليل على وجوب الغسل دليل على عدم الوجوب " ففيه انا قد اوضحنا بحمد الله سبحانه وتوفيقه دلالة موثقة حنان وصدر صحيحة العيص على ما ندعيه من وجوب الغسل في الصورة المذكورة، مضافا إلى ما اشرنا إليه من اخبار تطهير الاواني والفرش والبسط والجلود ونحوها، هذا ان خصصنا محل النزاع بالاجسام الصلبة وان عممنا الحكم في المائع كما عرفت من انه ظاهر كلامه كان ما ذكره في الضعف والبطلان اظهر من ان يخفى على الصبيان فضلا عن العلماء الاعيان، والله الهادي لمن يشاء (المسألة الرابعة) لا خلاف بين الاصحاب فيما اعلم في انه متى علمت الملاقاة الموجبة للتنجيس واشتبه محلها فان كان موضع الاشتباه محصورا وجب اجتناب ما حصل فيه الاشتباه وهكذا في الاشتباه بالمحرم، وان كان موضع الاشتباه غير محصور لم يظهر للنجاسة اثر وبقي كل واحد من الافراد والاجزاء التي وقع فيها الاشتباه على اصل الطهارة والحلية في الاختلاط بالنجس والحرام، وحينئذ فالكلام هنا يقع في مقامين: (الاول) بالنسبة إلى المحصور فان الحكم فيه ما ذكرناه كما عليه كافة الاصحاب إلى ان انتهت النوبة إلى السيد السند السيد محمد والمحقق الشيخ حسن وقبلهما
[ 277 ]
شيخهما المحقق الاردبيلي فنازعوا في الحكم المذكور وتبعهم جمع ممن تأخر عنهم، وقد سبق البحث معهم في مسألة الاناءين لكنا نورد كلامي السيد والشيخ حسن في ذلك في هذا المقام ونبين ما يتعلق به من النقض والابرام: فنقول قال في المدارك بعد قبول المصنف: وإذا كانت النجاسة في موضع محصور كالبيت وشبهه وجهل موضع النجاسة لم يسجد على شئ منه ما هذا نصه: هذا الحكم مقطوع به في كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) واحتجوا عليه بان المشتبه بالنجس قد امتنع فيه التمسك باصالة الطهارة للقطع بحصول النجاسة فيما وقع فيه الاشتباه فيكون حكمه حكم النجس في انه لا يجوز السجود عليه ولا الانتفاع به في شئ مما يشترط فيه الطهارة. وفيه نظر من وجوه: (اما اولا) فلان اصالة الطهارة انما امتنع التمسك بها بالنسبة إلى مجموع ما وقع فيه الاشتباه لا في كل جزء من اجزائه فان اي جزء فرض من الاجزاء التي وقع فيها الاشتباه مشكوك في نجاسته بعد ان كان متيقن الطهارة واليقين انما يخرج عنه بيقين مثله، وقد روى زرارة في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) انه قال: " ليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا " (1) و (اما ثانيا) فلان ذلك آت بعينه في غير المحصور فلو تم لاقتضى عدم جواز الانتفاع به فيما يفتقر إلى الطهارة وهو معلوم البطلان، إلى ان قال وبالجملة فالمتجه جواز السجود على ما لا يعلم نجاسته بعينه وعدم نجاسة الملاقي له تمسكا بمقتضى الاصل السالم من المعارض. انتهى. وفيه (اولا) انه متى جاز التمسك باصالة الطهارة في كل جزء جزء فانه ينتج من ذلك الحكم بالطهارة في الجميع البتة، مثلا - في مسألة الاناءين التي هي احد جزئيات هذه المسألة متى لوحظ هذا الاناء على حدة فان الاصل فيه الطهارة فيجب الحكم بطهارته وترتب احكام الطاهر عليه من شربه والوضوء به ونحو ذلك ومتى لوحظ الاخر على حدة كان كذلك، فاللازم من ذلك هو طهارتهما وجواز استعمالهما وهذا عين السفسطة للزوم سقوط
(1) تقدمت هذه الجملة من الرواية ص 256.
[ 278 ]
حكم النجاسة المحققة بالكلية، والسيد (قدس سره) انما التجأ في دفع ذلك كما تقدم في مسألة الاناءين إلى انه مجرد استبعاد لا يلتفت إليه وانه قد وجد نظيره في حكم واجدي المني في الثوب المشترك، ونحن قد اوضحنا ثمة بطلانه وهدمنا اركانه. و (ثانيا) ان النصوص الواردة في جملة من جزئيات هذه المسألة صريحة في ابطال هذا الكلام المزيف، ومنها مسألة الثوب الذي قد تنجس بعض منه غير معلوم وقد اشتبه موضعه في الثوب كملا، فان النصوص اوجبت تطهير الثوب كملا ويأتي بمقتضى كلامه هنا انه يكفي تطهير جزء من الثوب بقدر الموضع النجس والنصوص تأباه، وقد اعترف هو نفسه بذلك في المسألة المشار إليها. ومنها مسألة الثوب النجس المشتبه بثوب آخر طاهر فان الشارع اوجب الصلاة في كل منهما ومقتضى كلامه انه يكفي الصلاة في واحد منهما والنص يدفعه، ومنها - مسألة قطع اللحم المشتبه ذكيه بميته فان النصوص دلت على حرمة الجميع ومقتضى كلامه هنا حل كل قطعة قطعة منه، ومنها مسألة الاناءين، وهذه المسائل كلها متفق عليها بين الاصحاب سلفا وخلفا والنصوص ايضا متفقة فيها على ما ذكرناه والسيد ومن حذا حذوه انما نازعوا في مسألة الاناءين من حيث ضعف السند باصطلاحه وان كان موثقا لعده عنده في قسم الضعيف متى اعرض عنه، وجملة اصحاب هذا الاصطلاح عملوا به وجبروا ضعفه باتفاق الاصحاب على العمل بمضمونه مع اعترافهم في تلك المسائل الباقية بما دلت عليه النصوص الصحيحة الصريحة وان خالف مقتضى قاعدتهم، والجميع كما ترى اظهر شئ في رد كلامهم واختلال نظامهم فانه لو كان ما ذكروه حكما كليا بناء على ما توهموه من صحيحة زرارة المذكورة في كلامه لما خرجت الاخبار المعتضدة باتفاق الاصحاب في تلك الجزئيات المذكورة بخلافه، والمعنى في صحيحة زرارة ليس كما توهموه كما سيظهر لك في المقام ان شاء الله تعالى. و (ثالثا) انه يلزم بما ذكره هنا ايضا انه لو اشتبهت امه أو اخته أو احدى محارمه بامرأة اخرى أو اثنتين مثلا فانه يجوز له نكاح اي تلك النساء شاء لاصالة الحل
[ 279 ]
في كل واحدة واحدة ولا يحكم بتحريم الام والاخت ونحوهما إلا إذا كانت متشخصة ولا اظنه يتفوه به. وبالجملة فالقول الفصل والتحقيق الجزل في المقام هو ان يقال لا ريب انه قبل وقوع النجاسة فان الطهارة متيقنة في كل جزء من اجزاء الارض مثلا وكل فرد من افراد الاواني المحصورة وبعد وقوع النجاسة ومعلوميتها في موضع مخصوص أو فرد مخصوص فانه يحكم بنجاسته يقينا، واما وقوعها في جزء من تلك الاجزاء أو فرد من تلك الافراد واشتباهه بالباقي فانه قد حصل لهذه الاجزاء وهذه الافراد حالة ثالثة بين يقين الطهارة ويقين النجاسة فكل منها ليس بمتيقن الطهارة ولا متيقن النجاسة، والمعلوم من الشارع انه الحق هذا القسم بالقسم الاول وهو المتيقن النجاسة كما عرفت من الجزئيات التي ذكرناها وكذا بالنسبة إلى اختلاط الحلال بالحرام، ووجه الفرق بين هذا القسم وما دلت عليه صحيحة زرارة المذكورة ونحوها ان في هذا القسم الذي ذكرناه قد علم وجود النجاسة قطعا ولكن اشتبه علينا موضعها من تلك الافراد والاجزاء ومورد الصحيحة المشار إليها وامثالها انما هو حصول الظن والشك بالنجاسة، فالمقابل ليقين الطهارة انما هو الظن أو الشك فمن اجل ذلك امر (عليه السلام) باستصحاب يقين الطهارة وانه لا يخرج عنه بمجرد الظن والشك، وفرض الشارح هذا بالنسبة إلى كل جزء جزء من الاجزاء المحصورة ليس في محله لما يلزم منه من رفع حكم النجاسة المعلومة يقينا بالكلية ومن اجل ذلك دلت النصوص على اعطاء حكم المشتبه بالنجس أو المحرم في المحصور حكم ما اشتبه به، فان قوله تعالى " حرمت عليكم الميتة " (1) و " حرمت عليكم امهاتكم.. الاية " (2) شامل لما لو كان ذلك المحرم متعينا متشخصا أو مشتبها بافراد مخصوصة متعينة، فانه كما يقطع بوجود النجس والحرام مع التشخص بقطع ايضا بوجوده في صورة الاشتباه في الافراد المعينة فتشمله الاوامر المذكورة، غاية الامر انه لما لم
(1) سورة المائدة، الاية 4 (2) سورة النساء، الاية 23.
[ 280 ]
يمكن الوصول إلى الاجتناب عن ذلك النجس أو المحرم إلا بالاجتناب عن الجميع وجب اجتناب الجميع من باب ان ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ونظيره في الاحكام غير عزيز فان من فاتته صلاة فريضة واشتبهت بباقي الخمس وجب عليه الاتيان بالجميع نصا وفتوى بالتقريب المذكور، واما لو لم يكن محصورا كالموجود بايدي الناس وفي الاسواق فانه لا يقطع بوجود المحرم ولا النجس فيما يراد استعماله منه وان علم وجوده في الواقع ونفس الامر، ومن هنا حكم الشارع بحل ما في ايدي المسلمين واسواقهم وطهارته وجواز شرائه وان علم وجود الحرام والنجس في ايدي بعض الناس الغير المعلومين، وهذا هو الذي وردت فيه صحيحة زرارة المذكورة في كلامه ونحوها وورد فيه " ان كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه " (1) وورد " كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر " (2) فهذه الاخبار انما وردت في غير المحصور دون المحصور بمعنى ان كل شئ له افراد بعضها طاهر وبعضها نجس أو بعضها حلال وبعضها حرام فان الحكم فيها الطهارة والحلية حتى يعلم كونه من الافراد المحرمة أو النجسة، ومن هنا دخلت الشبهة على جملة من افاضل متأخري المتأخرين حيث اجروا هذه الاخبار في قسم المحصور ومنهم السيد المذكور ونحوه ممن حذا حذوه في مسألة الطهارة والنجاسة والمحدث الكاشاني والفاضل الخراساني في مسألة اختلاط الحلال بالحرام فحكموا بحل الجميع في المحصور، وهذا غلط نشأ من عدم التأمل في الاخبار، وقد اشبعنا الكلام معهما في الدرر النجفية. ومما يوضح ما قلناه موثقة مسعدة بن صدقة عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " سمعته يقول كل شئ هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، والمملوك عندك وهو حر
(1) و (3) رواه في الوسائل في الباب 4 من ابواب ما يكتسب به (2) رواه في الوسائل في الباب 37 من النجاسات.
[ 281 ]
ولعله قد باع نفسه أو خدع فبيع قهرا، وامرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك، والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة " ورواية ابي الجارود المروية في المحاسن (1) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الجبن فقلت له اخبرني من رأى انه يجعل فيه الميتة ؟ فقال أمن اجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم في جميع الارضين ؟ ما علمت انه ميتة فلا تأكل وما لم تعلم فاشتر وبع وكل، والله اني لاعترض السوق فاشتري بها اللحم والسمن والجبن والله ما اظن كلهم يسمون هذه البربر وهذه السودان " إلى غير ذلك من الاخبار، ومورد الخبرين وان كان الحل والحرمة إلا ان المسألتين من باب واحد فبعين ما قيل هنا يقال في " كل شئ طاهر حتى يعلم انه قذر " بمعنى انا نحكم على كل شئ نراه في ايدي الناس واسواقهم بالطهارة وان كان نجسا في الواقع ونستصحب هذا الحكم إلى ان يعلم الرافع له لا ان مورده المحصور كما في مسألة الاناءين ونحوها لمعلومية النجاسة الموجبة للخروج عن ذلك الاصل. والله العالم. وقال المحقق الشيخ حسن في المعالم: وإذا علمت الملاقاة على الوجه المؤثر واشتبه محلها فان كان موضع الاشتباه غير محصور لم يظهر للنجاسة اثر وبقي كل واحد من الاجزاء التي وقع فيها الاشتباه على اصل الطهارة لا نعرف في ذلك خلافا، وان كان محصورا فظاهر جماعة من الاصحاب انه لا خلاف حينئذ في وجوب اجتناب ما حصل فيه الاشتباه كما مر في اشتباه الاناء من الماء الطاهر بالنجس، ولم يذكروا على الحكم هنا حجة وقد بينا في مسألة الاناءين ان العمدة في الحكم بوجوب اجتنابهما على الاجماع المدعى هناك وان ما عداه من الوجوه التي احتجوا بها ضعيفة مدخولة ولعل اعتمادهم في الحكم هنا ايضا على الاجماع لا على تلك الوجوه. انتهى. اقول: اما ما ذكره بالنسبة إلى المحصور من انه ظاهر جماعة من الاصحاب المؤذن بعدم الاتفاق على ذلك فهو مردود بانه لم يوجد المخالف في هذه المسألة بكل من طرفيها اعني
(1) المروية في الوسائل في الباب 61 من الاطعمة المباحة
[ 282 ]
المحصور وغير المحصور سواه ومن في طبقته ومن تأخر عنه، ولهذا انه في المدارك كما قدمنا في عبارته قال هذا الحكم اشارة إلى المحصور مقطوع به في كلام الاصحاب واما ما ذكره من انه ليس عليه دليل ولا حجة سوى الاجماع فهو مردود بما عرفت من الجزئيات الداخلة تحت هذه القاعدة الثابتة بالنصوص، ولا يخفى ان القواعد الكلية في الاحكام الشرعية كما تثبت بورود النص في الحكم مسورا بسور الكلية كذلك تثبت بتتبع الجزئيات المتفقة على ذلك الوجه، ونحن قد تتبعنا الاخبار بالنسبة إلى المحصور فوجدناها قد وردت في جملة من الاحكام متفقة النظام ملتئمة تمام الالتئام على الدخول تحت هذه القاعدة التي ذكرها الاصحاب وهو اعطاء المشتبه بالنجس والحرام حكمهما في المحصور كما مرت إليه الاشارة، والقواعد الكلية كما تثبت بورودها مسورة بسور الكلية تثبت ايضا بتتبع الجزئيات واتفاقها على نهج واحد في الحكم كالقواعد النحوية المبنية على تتبع جزئيات كلام العرب، واكثر القواعد في الاحكام الشرعية انما هو من هذا القبيل كما لا يخفى على المتتبع من ذوي التحصيل، ويعضد ذلك الاجماع المدعى في المسألة والوجوه التي ذكروها وقد بينا وجه صحتها في مسألة الاناءين. والله العالم.
(المقام الثاني) بالنسبة إلى غير المحصور وقد عرفت اجماع الاصحاب هنا ايضا على ارتفاع حكم النجاسة، بقي الاشكال في انه لم يرد في الاخبار في هذا المقام التعبير بالمحصور وغير المحصور وترتب كل من حكمي المحصور وغير المحصور على وجود هذا العنوان وانما المستفاد من تتبعها كما قدمنا بيانه انه متى وقع الاشتباه في افراد معلومة مشاهدة كمسألة الاناءين واللحم المختلط ذكيه بميته والثياب المختلط نجسها بطاهرها ونحو ذلك فانه يجب عليه اجتناب الجميع وان الشارع قد اعطى المشتبه هنا حكم ما اشتبه به في النجاسة والحرمة، واما ما يوجد في ايدي المسلمين واسواقهم فالحكم فيه هو الطهارة والحلية وان علم النجس والحرام في الجملة لا في تلك العين بخصوصها متحدة أو متعددة، والاصحاب هنا قد عبروا عن الحكمين المذكورين بالمحصور وغير المحصور وكلامهم في بيان المراد من ذلك
[ 283 ]
لا يخلو من اضطراب. فجملة من الاصحاب جعلوا المرجع في الحصر إلى ما يصدق عليه العرف إذ لم يثبت له حقيقة في غيره ومثلوا له في الارض بالبيت والبيتين ولغير المحصور فيها بالصحراء. وقال المحقق الشيخ علي في حاشية الشرائع: المراد بالمحصور وغير المحصور ما كان كذلك في العادة لان الحقيقة العرفية مقدمة على اللغوية عند فقد الشرعية، ولانه لولا ارادة العرفية هنا لامتنع تحقق الحكم فان كل ما يوجد من المعدودات فهو قابل للعد والحصر والمراد به ما يعسر حصره وعده عرفا باعتبار كثرة آحاده، وطريق ضبطه وضبط امثاله انك إذا اخذت مرتبة من مراتب العدد عليا تقطع بانها مما لا يحصر ولا يعد عادة لعسر ذلك في الزمان القصير كالالف مثلا تجعلها طرفا ثم تأخذ مرتبة اخرى دنيا كالثلاثة مما يقطع بكونها محصورة ومعدودة لسهولة عدها في الزمان القصير فتجعلها طرفا مقابلا للاول ثم تنظر فيما بينهما من الوسائط فكل ما جرى مجرى الطرف الاول تلحقه به وما جرى مجرى الطرف الثاني تلحقه به وما وقع فيه الشك يعرض على القوانين والنظائر ويراجع فيه القلب فان غلب على الظن الحاقه باحد الطرفين فذاك وإلا عمل فيه بالاستصحاب إلى ان يعلم الناقل، وهذا ضابط لما ليس بمحصور شرعا في ابواب الطهارة والنكاح وغيرهما، فمتى اشتبه الذكي بغيره والطاهر بالنجس في الثياب والمكان والاواني والمياه وغير ذلك والمحرمة بالاجنبية وكان غير محصور لم يجب الاجتناب وإلا وجب، إذا عرفت ذلك فاعلم ان المشتبه بالنجس من الامكنة كالبيت والبيتين له حكمه على معنى وجوب اجتناب الجميع فلا يجوز ان يجعل شئ منه مسجد الجبهة لما تقرر من ان مسجد الجبهة يشترط فيه الطهارة وقد تكافأ في المشتبه بالنجس كل من طرفي الطهارة والنجاسة، وكذا استعماله في كل ما يشترط فيه الطهارة كالتعفير في اناء الولوغ والتيمم، اما لو باشر بعضه برطوبة فان المحل الملاقي لا ينجس إذا كان مملوكا لطهارته قبل ذلك لعدم القطع بملاقاة النجاسة فيستصحب حكم الطهارة
[ 284 ]
والثابت قبل الملاقاة، وما وقع في كلامهم من ان المشتبه بالنجس له حكم النجس لا يريدون به من جميع الوجوه للقطع بانه في الاصل طاهر قطعا ولم يعرض له تنجيس وما كان كذلك فهو في نفسه على طهارته فقد خالف حكم النجس من هذا الوجه، وغاية ما هناك ان الاشتباه صيره بحيث يمتنع استعماله فيما يشترط فيه الطهارة فصار كالنجس من هذه الجهة، على ان تشبيه شئ بآخر لا يقتضي المساواة من كل وجه كما تقرر بين الاصوليين. انتهى كلامه علا مقامه. اقول: ومما يمكن ان يؤيد ما ذكره في غير المحصور بانه ما يعسر حصره عرفا باعتبار كثرة آحاده موثقة حنان بن سدير عن الصادق (عليه السلام) (1) " في جدي رضع من خنزيرة حتى شب واشتد عظمه استفحله رجل في غنم له فخرج له نسل ما تقول في نسله ؟ فقال اما ما عرفت من نسله بعينه فلا تقربه واما ما لم تعرفه فانه بمنزلة الجبن " والتقريب فيه انه لكثرة تلك الغنم على وجه يعسر عدها فالحكم فيه الحلية لكل فرد فرد منها، ويمكن ولعله الاقرب ان الوجه فيه انما هو عدم معلومية بقاء ما خرج من نسله في تلك الغنم لكثرتها فلعله قد ذهب منها باحد وجوه الذهاب كما يشير إليه التنظير بالجبن من حيث عدم معلومية الحرام منه بعينه. واما ما ذكره بالنسبة إلى ملاقي ذلك المشتبه برطوبة وانه لا يتعدى إليه حكم ما لاقاه فهو احد القولين في المسألة وقد تقدم تحقيق القول فيه في مسألة الاناءين. وجمع من المتأخرين جعلوا المرجع في صدق الحصر وعدمه إلى حصول الحرج والضرر بالاجتناب وعدمه، قال في المعالم: وهذا الكلام ناظر إلى ما يوجد في عبارات كثير من تعليل عدم وجوب الاجتناب في غير المحصور بلزوم المشقة والعسر. وليس بشئ فان الغرض من هذا التعليل كما يظهر تقريب الحكم لا الاستدلال له إذ لا يعقل الاعتماد في مثل التفرقة والبناء في تأسيس هذا الحكم على نحو هذه القاعدة كما هو
(1) المروية في الوسائل في الباب 25 من ابواب الاطعمة المحرمة
[ 285 ]
واضح، ولو قدر بناء الحكم على ذلك لانهار من اصله إذ المشقة قد تنتفى في كثير مما ليس بمحصور وربما وجدت في بعض افراد المحصور فاي معنى حينئذ لجعل الحصر مناطا للحكم وقد كان الواجب على هذا ان يناط بعدم المشقة ووجودها. وبالجملة فالاشكال في التفرقة هنا بين ما يجب فيه الاجتناب وما لا يجب قوي جدا إذ ليس لها شاهد من جهة النص يعول في حكمها عليه وانما هي من عبارات الفقهاء، والرجوع إلى القاعدة المقررة في الالفاظ التي لم يثبت لها حقيقة من جهة الشرع يتوقف على وجدان غيرها، ولا يكاد يظهر من اللغة ولا من العرف معنى مشخص لهذا اللفظ يطابق ما هو غرضهم منه، مع ان في كلامهم اختلافا في التمثيل للمحصور فالمحقق والفاضل مثلا له بالبيت وقد حكينا عن جماعة التمثيل بالبيت والبيتين ومثل بعض بالبيتين والثلاثة، وربما فسر غير المحصور بما يعسر حصره وعده لكثرة آحاده، والظلام يلوح على الكل انتهى، وهو جيد وانما اطلنا الكلام بنقل كلماتهم في المقام لتطلع على ان النفخ في غير ضرام. وبالجملة فالمستفاد من الاخبار هو ما قدمنا ذكره فكل ما دخل في افراد القسم الاول الحق به وما دخل في افراد الثاني الحق به وما اشتبه الامر فيه فالاحتياط طريق السلامة. والله العالم.
(المسألة الخامسة) قال في المعالم ان حكم بنجاسة شئ لعروض احد الاسباب المقتضية لذلك توقف في عوده إلى الطهارة على العلم بحصول احد الوجوه التي ثبت كونها مفيدة للتطهير أو ما يقوم مقام العلم وهو شهادة العدلين، ويحتمل الاكتفاء باخبار العدل الواحد لعموم مفهوم قوله تعالى: ".. ان جاءكم فاسق بنبأ.. الاية " (1) ولا اعتبار باخبار غير العدل إلا ان ينضم إليه القرائن المفيدة معه للعلم، ولو افادته منفردة كفت في الحكم بالطهارة ايضا. انتهى. اقول: لم اقف على من تعرض لهذا الحكم غيره بنفي أو اثبات إلا الفاضلان
(1) سورة الحجرات، الاية 6.
[ 286 ]
الامين الاسترابادي والمحقق السيد نعمة الله الجزائري فانهما نقلا عن جملة من علماء عصريهما انهم كانوا لاجل هذه الشبهة يهبون ثيابهم للقصارين أو يبيعونها عليهم ثم يشترونها منهم مستندين إلى ما قدمنا نقله عن المحقق المذكور، ثم ردا ذلك بان المستفاد من الاخبار ان كل ذي عمل فهو مؤتمن على عمله ما لم يظهر منه خلافه، قال الامين الاسترابادي في الفوائد المدنية في عد جملة من اغلاط الفقهاء: ومن جملتها ان جمعا من ارباب التدقيق منهم زعموا انه إذا علمنا نجاسة ثوب مثلا لا نحكم بطهارته إلا إذا قطعنا بازالتها أو شهد عندنا شاهدان عدلان لان اليقين لا ينقض إلا بيقين أو بما جعله الشارع في حكم اليقين وهو شهادة العدلين في الوقائع الجزئية. وانا اقول: لنا على بطلان دقتهم دليلان: (الاول) ان اللبيب الذي تتبع احاديثنا بعين الاعتبار والاختبار يقطع بانه يستفاد منها ان كل ذي عمل مؤتمن على عمله ما لم يظهر خلافه، وان شئت ان تعلم كل ما علمنا فانظر إلى الاحاديث الواردة في القصارين والجزارين وحديث تطهير الجارية ثوب سيدها (1) والحديث الصريح في ان الحجام مؤتمن في تطهير موضع الحجامة (2) لكن لابد من قريحة قويمة وفطنة مستقيمة وإلا لاتعبت نفسك وغيرك فان كلا ميسر لما خلق له. و (الدليل الثاني) ان هذه المسألة مما يعم به البلوى فلو كان مضيقا كما زعموا لظهر عندنا منه اثر واضح بين، ولم يظهر منهم (عليهم السلام) إلا ما يدل على التوسعة وقد بلغني ان جمعا من فحول علمائهم المتورعين يهبون الثياب النجسة للقصارين ثم يسترجعونها ومن المعلوم عند الفقيه الحاذق ان هذه الحيلة غير نافعة. انتهى كلامه. اقول: ومن الاخبار التي اشار إليها ما ورد في صحيحة الفضلاء (3) " انهم سألوا ابا جعفر (عليه السلام) عن شراء اللحم من الاسواق ولا يدرون ما صنع القصابون ؟
(1) المروي في الوسائل في الباب 18 من ابواب النجاسات وسيأتي ص 287 (2) المروي في الوسائل في الباب 56 من النجاسات وسيأتي ص 287 (3) المروية في الوسائل في الباب 29 من الذبائح.
[ 287 ]
فقال كل إذا كان في سوق المسلمين ولا تسأل عنه " وفي رواية سماعة (1) قال: " سألته عن اكل الجبن وتقليد السيف وفيه الكيمخت والغراء ؟ فقال لا بأس به ما لم تعلم انه ميتة " وفي صحيحة ابراهيم بن ابي محمود (2) " انه قال للرضا (عليه السلام) الخياط والقصار يكون يهوديا أو نصرانيا وانت تعلم انه يبول ولا يتوضأ ما تقول في عمله ؟ قال لا بأس " وفي صحيحة معاوية بن عمار (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الثياب السابرية يعملها المجوس وهو اخباث.. " وقد تقدمت قريبا، وفي رواية عبد الاعلى عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الحجامة أفيها وضوء ؟ قال لا ولا يغسل مكانها لان الحجام مؤتمن إذا كان ينظفه ولم يكن صبيا صغيرا " إلى غير ذلك من الاخبار الواردة من هذا القبيل، والتقريب فيها ان اصالة الطهارة والحلية التي قد صارت قاعدة انما بنيت على ائتمانهم على اعمالهم المذكورة، ويؤيد ذلك ما ورد في كثير من اخبار الصناع والمستأجرين على الاعمال إذا افسدوا من انه لا يضمنه إلا ان يتهمه فمتى كان مأمونا لا يتهمه فلا يضمنه ولا يغرمه ما افسد، وليس الوجه فيه إلا انه مؤتمن وموثوق بعمله وانه لا يخالف صاحب العمل إلا ان يكون بغير اختياره وهو ظاهر في التأييد. واما الرواية التي اشار إليها المحدث المذكور بحديث تطهير الجارية ثوب سيدها فهي رواية ميسر (5) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) آمر الجارية فتغسل ثوبي من المني فلا تبالغ في غسله فاصلي فيه فإذا هو يابس ؟ فقال اعد صلاتك اما انك لو كنت غسلت انت لم يكن عليك شئ " وهذا الخبر ربما استند إليه من ذهب إلى
(1) المروية في الوسائل في الباب 38 من الذبائح (2) المروية في الوافي في باب (التطهير من مس الحيوانات) من ابواب الطهارة من الخبث. (3) المروية في الوسائل في الباب 73 من النجاسات وتقدمت ص 255 (4) المروية في الوسائل في الباب 56 من النجاسات. (5) المروية في الوسائل في الباب 18 من ابواب النجاسات.
[ 288 ]
التمسك باصالة النجاسة حتى يظهر الرافع حيث امره (عليه السلام) باعادة الصلاة لما لم يكن هو الغاسل بنفسه لقوله (عليهم السلام): " اما لو كنت غسلت انت لم يكن عليك شئ " وهو غلط فان ظاهر الخبر ان الامر باعادة الصلاة انما هو لبقاء المني لا لكون الجارية قد غسلته وغسلها غير معتبر ولا مطهر حتى لو فرض انه ازالته عن الثوب ولم يجده فيه كان عليه اعادة الصلاة وغسل الثوب لعدم الاعتداد بغسلها فانه توهم محض، بل الامر في الاعادة والغسل انما ابتنى على وجود المني، وبهذا التقريب يكون الخبر من ادلة المسألة كما ذكره المحدث المذكور فان مفهوم الخبر انه لو لم يجد المني لم يأمره (عليه السلام) باعادة الصلاة، وفيه حينئذ دلالة على الاكتفاء بغسل الجارية كما هو المدعى (فان قيل) انه لو كان غسل الجارية معتبرا شرعا وموجبا لطهارة الثوب لم تجب الاعادة وان وجد المني بعد ذلك لانه وان علم بالمني فيه سابقا إلا انه قد بنى على طهارة الثوب طهارة شرعية موجبة لجواز الصلاة كجاهل النجاسة فلا تتعقبه الاعادة (لانا نقول) ان غسل الجارية انما يكون غسلا شرعيا معتدا به لو لم يظهر فساده واما بعد ظهور فساده فلا مجال للحكم بكونه شرعيا وقوله (عليه السلام): " اما لو كنت غسلت انت لم يكن عليك شئ " يعني انك لو غسلت انت لبالعت في ازالة النجاسة ولم يبق منها اثر فلم يكن عليك اعادة. ومما يؤيد ما ذكرناه ايضا ان الظاهر من الاخبار ان الناس في الصدر الاول كانوا يدفعون ثيابهم للغسال لاجل غسلها من الاوساخ والنجاسات ويسترجعونها ويلبسونها ويصلون فيها من غير تناكر ولو كان ما ذكروه حقا من انه لا يتم الحكم بالطهارة إلا بتمليكه اياها لنقل ذلك. وايضا فمن المعلوم وجود الاطفال في بيوت الائمة (عليهم السلام) وبيوت اصحابهم ولا ريب في حصول النجاسات ايضا في ثيابهم منهم أو من غيرهم ولو كان ما ذكروه حقا لورد في خبر من الاخبار أو نقله ناقل في عصر من الاعصار وليس فليس.
[ 289 ]
والى هذا الوجه اشار المحدث المتقدم ذكره بالدليل الثاني وهو عموم البلوى بذلك ومرجعه إلى العمل بالبراء فالاصلية في مثل هذا الموضع كما تقدم ذكره في مقدمات الكتاب، وقد وجهه في موضع آخر من كتابه المتقدم ذكره قال: فان جمعا غفيرا من اصحابهم (عليهم السلام) منهم الاربعة آلاف رجل الذين هم اصحاب الصادق (عليه السلام) وتلامذته كانوا ملازمين لهم في مدة تزيد على ثلاثمائة سنة وكان همهم وهم الائمة (عليهم السلام) اظهار الدين وترويج الشريعة وكانوا لحرصهم على ذلك يكتبون كل ما يسمعونه خوفا من عروض النسيان لهم وكان الائمة (عليهم السلام) يحثونهم على ذلك وليس الغرض منه إلا العمل بذلك بعدهم، ففي مثل ذلك يجوز التمسك بالبراءة الاصلية إذ لو كان ثمة دليل والحال كذلك لظهر. على ان ما اعتمده هذا القائل من ان يقين النجاسة لا يرتفع إلا بيقين الطهارة على اطلاقه ممنوع: (اما اولا) فلعدم الدليل عليه والنصوص انما وردت بذلك بالنسبة إلى اصالة الطهارة والحلية لبناء الاحكام الشرعية على السهولة والسماحة، وقياس النجاسة على ذلك قياس مع الفارق. و (اما ثانيا) فانه منقوض بما ذهب إليه جمع من المحققين: منهم المحدث المذكور من الحكم بطهارة الانسان بمجرد الغيبة لان معلومية الحدث من المكلف في اليوم والليلة بالبول والغائط مما لا سبيل إلى انكاره فالحكم بنجاسته يقيني البتة فلو توقف الحكم بطهارته على يقين وجود ذلك لم يمكن الحكم بطهارة احد من الناس بالكلية ولو اكتفى باخباره بالطهارة. فانه لا يجوز الصلاة خلف الامام حتى يسأله عن ذلك، وكذا لو رأى في ثوب احد نجاسة مثلا ثم رآه بعد ذلك خاليا من تلك النجاسة فانه لا يجوز له استعماله والصلاة فيه وان يقتدي بامام يصلي فيه حتى يسأله عن ذلك، واللوازم كلها باطلة إذ لا قائل بها ولا دليل عليها بل الادلة على خلافها ظاهرة.
[ 290 ]
و (اما ثالثا) فلانه قد ورد في جملة من المواضع الخروج عن اليقين بمجرد الظن كما في صورة اخبار المرأة بموت الزوج واخبارها بالطلاق واخبارها بالخروج من العدة والنقاء من الحيض، فان الشارع قد جوز قبول خبرها في هذه المواضع كلها وغاية ما يفيده هو الظن مع ان الامور التي اخبرت بالخروج عنها متيقنة معلومة تترتب عليها احكام شرعية وتنتفي تلك الاحكام بقبول خبرها، وحينئذ فقول ذلك القائل ان يقين النجاسة لا يخرج عنه إلا بيقين الطهارة ان اراد من حيث خصوص النجاسة فقد عرفت انه لا دليل عليه، وان اراد انه حيثما كان اليقين وفي اي موضع كان فانه لا يجوز الخروج عنه إلا بما يوجب اليقين فهذه جملة من المواضع قد جوز الشارع فيها الخروج عن اليقين بمجرد الظن، ونحو ذلك ما ورد في حسنة زرارة والفضيل (1) من انه متى شك في الصلاة وانه اتى بها أو لم يأت بها بعد خروج الوقت فانه لا يلتفت، مع ان اشتغال الذمة متيقن ومجرد خروج الوقت لا يوجب يقين البراءة، بل ورد في القاعدة المتفق عليها من ان يقين الطهارة لا يجوز الخروج عنه إلا بيقين النجاسة ما اوجب الخروج في بعض الجزئيات بمجرد الشك كمن تطهر بعد ان بال ولم يستبرئ أو اغتسل ولم يبل ثم خرج منه بلل مشتبه فان ينقض وضوءه وغسله مع انه غير متيقن كونه بولا أو منيا، إلى غير ذلك من المواضع التي من هذا القبيل. ولا يخفى انه ولو امكن تطرق المناقشة إلى بعض ما ذكرناه من الادلة إلا انها باجتماعها مما تفيد دلالة قوية على ما ذكرناه والله العالم. البحث الثاني فيما تجب ازالته من النجاسات وما يعفى عنه وفيه مسائل: (الاولى) اتفق الاصحاب عدا ابن الجنيد على انه تجب ازالة النجاسات عن الثوب والبدن للصلاة والطوافين الواجبين عدا الدم على التفصيل الاتي فيه ان شاء الله تعالى، وكذا ما تتم
(1) المروية في الوسائل في الباب 60 من ابواب مواقيت الصلاة.
[ 291 ]
الصلاة فيه من الثياب إذا لم يمكن ابداله بطاهر. وقال ابن الجنيد في مختصره: كل نجاسة وقعت على ثوب وكانت عينها فيه مجتمعة أو متفشية دون سعة الدرهم الذي تكون سعته كعقد الابهام الاعلى لم ينجس الثوب بذلك إلا ان تكون النجاسة دم حيض أو منيا فان قليلهما وكثيرهما سواء. انتهى. وظاهر هذا الكلام انه قصر الحكم بوجوب ازالة النجاسات كلها عدا دم الحيض والمني على ما بلغ منها مقدار سعة الدرهم فصاعدا وسوى في دم الحيض والمني بين القليل والكثير، وظاهره طهارة الناقص عن الدرهم من النجاسات التي ذكرها، والمشهور في كلام الاصحاب ان خلافه انما هو في العفو فلعل الكلام في عبارته خرج مخرج التجوز والتوسع، ومن العجب انه في المعتبر عزى إليه القول بالعفو هنا كما هو المعروف في كلام غيره وفي حكم الدم نسب إليه القول بطهارة القليل منه، ولا يخلو من تدافع فان عبارته المحكية عنه هنا ظاهرة في تساوي الدم وغيره في عدم نجاسة ما دون سعة الدرهم أو العفو عنه اللهم إلا ان يكون ما نقله في مسألة الدم من كتاب آخر أو قول آخر نسب إليه. ويدل على القول المشهور الاخبار الكثيرة المتضمنة للغسل من النجاسات، إذ من الظاهر ان الغسل ليس واجبا لنفسه وانما هو لاجل العبادة ونحوها، وقد وقع التصريح في جملة من الاخبار الصحيحة باعادة الصلاة بنجاسة الثوب بالبول والمني والمسكر وقدر الدرهم من الدم وعذرة الانسان والسنور والكلب ورطوبة الخنزير، وهي مطلقة في القليل من النجاسات المذكورة والكثير، وجملة من الاخبار الدالة على ما ذكرنا قد تقدمت في اصناف النجاسات، وسيأتي طرف منها في المباحث الاتية وطرف في الخلل الواقع في الصلاة ان شاء الله تعالى. فرع قد صرح جماعة من الاصحاب بان اعتبار الطهارة في ملبوس المصلي ومحموله
[ 292 ]
الذين تتم فيهما الصلاة انما هو فيما يقله منهما ولو في بعض احوال الصلاة فلو تنجس طرف الثوب الذي لا يقله على حال منها كالعمامة لم يضر لانتفاء الحمل واللبس عن موضع النجاسة. واستحسنه المحقق الشيخ حسن في المعالم معللا له بان اصالة البراءة تقتضيه والادلة الدالة على اشتراط الطهارة وايجاب الازالة لا تصلح لتناول مثله، قال وممن تعرض لهذه المسألة الشيخ في الخلاف فقال: إذا ترك على رأسه طرف عمامة وهو طاهر وطرفها الاخر على الارض وعليه نجاسة لم تبطل صلاته، وحكي عن بعض العامة القول بالبطلان به، وقال بعد ذلك دليلنا ان الاصل براءة الذمة فمن حكم ببطلان هذه الصلاة فعليه الدلالة. انتهى. وهو جيد واما ما ذهب إليه ابن الجنيد فلم نقف له على مستند وقد اعترف بذلك جملة من الاصحاب ايضا، والعلامة في المختلف احتج له بالقياس على الدم واجاب عنه بان نجاسة المذكورات اغلظ من نجاسة الدم فقياس حكمها على المني اولى. انتهى. وكل من الاحتجاج والجواب بمكان من الضعف. ثم انه قد ذكر الاصحاب (رضوان الله عليهم) في تعداد المواضع التي تجب فيها الازالة بعد الثوب والبدن مسجد الجبهة، وعلله الشهيد في الذكرى بالنص فقال: وتجب ازالة النجاسات عن مسجد الجبهة ايضا للنص. ولم اقف على هذا النص ولا نقله ناقل فيما اعلم بل ربما ظهر من النصوص خلافه كما سيأتي في بحث المكان من كتاب الصلاة. وعن مكان المصلي باسره عند المرتضى والمساجد السبعة عند ابي الصلاح، وسيأتي الكلام فيها في الموضع المشار إليه. وعن المأكول والمشروب واوانيهما مع الملاقاة برطوبة لتحريم النجس، وهو جيد وعليه تدل الاخبار الاتية الدالة على الامر بتطهير الاواني فانه ليس ذلك إلا لاجل الاكل والشرب. وعن ما امر الشارع بتعظيمه كالمصحف والضرائح المقدسة، وهو حسن للامر بتعظيم شعائر الله.
[ 293 ]
وعن المساجد وقد نقل الاجماع عليه جمع من الاصحاب: منهم الشيخ في الخلاف فانه قال: لا خلاف في ان المساجد يجب ان تجنب النجاسة. وعن ابن ادريس انه نقل اجماع الامة، وظاهر جمع: منهم الفاضلان انه لا فرق في ذلك بين النجاسة المتعدية وغيرها حتى قال في التذكرة: لو كان معه خاتم نجس وصلى في المسجد لم تصح صلاته واستدلوا على ذلك بقوله عزوجل: ".. انما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام.. " (1) حيث رتب النهي على النجاسة فيكون تقريبها حراما ومتى ثبت التحريم في المسجد الحرام ثبت في غيره إذ لا قائل بالفصل. وقول النبي (صلى الله عليه وآله) " جنبوا مساجدكم النجاسة " (2). واعترض عليه بانه يتوجه على الاول ان النجاسة لغة المستقذر والواجب الحمل عليه إلى ان تثبت الحقيقة الشرعية ولم يثبت كون المعنى المصطلح عليه عند الفقهاء حقيقة شرعية. سلمنا الثبوت لكن النهي انما ترتب على نجاسة المشرك خاصة فالحاق غيرها بها يحتاج إلى دليل وهو منتف هنا. سلمنا ذلك لكن النهي انما تعلق بقرب المسجد الحرام خاصة وعدم الظفر بالقائل بالفرق بينه وبين غيره لا يدل على العدم فيحتمل الفرق. وعلى الثاني الطعن في الرواية بعدم الوقوف على المستند والمراسيل لا تنهض حجة في اثبات حكم مخالف للاصل، وايضا فان مجانبة النجاسة المساجد تتحقق بعدم تعديها إليها فيحصل به الامتثال ولا يلزم من ذلك تحريم ادخالها مع عدم التعدي، ومن ثم ذهب جمع من المتأخرين إلى عدم تحريم ادخال النجاسة الغير المتعدية إلى المسجد أو فرشه وآلته. انتهى. وهو جيد. ويؤيد ما ذكره اخيرا من عدم تحريم ادخال النجاسة الغير المتعدية ما نقله الشيخ في الخلاف من الاجماع على جواز عبور الحيض من النساء في المساجد مع عدم انفكاكهن من
(1) سورة التوبة، الاية 28. (2) رواه في الوسائل في الباب 24 من احكام المساجد.
[ 294 ]
النجاسة غالبا، وقوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار الواردة في المستحاضة " (1).. وان كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت ودخلت المسجد وصلت كل صلاة بوضوء.. " وربما لاح منه تحريم ادخال النجاسة المتعدية حيث خص دخولها المسجد بصورة ما إذا لم يثقب الكرسف، وظاهرهم الاتفاق على تحريم ادخال النجاسة المتعدية ولا اعرف لهم دليلا سواه الا ما لاح من الرواية المشار إليها، الا انه قد روى عمار في الموثق ايضا عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الدمل يكون في الرجل، فينفجر وهو في الصلاة، قال يمسحه ويمسح يده بالحائط أو بالارض ولا يقطع الصلاة " فان اطلاقها شامل لما لو كانت الصلاة في المسجد بل هو الغالب، والعفو عن هذا الدم انما ثبت بالنسبة إلى المصلي خاصة كما يأتي ان شاء الله ذكره، وبالجملة فاصالة الجواز اقوى دليل في المقام إلى ان يثبت المخرج عنها. بقي الكلام في ان المفهوم من كلامهم القطع بوجوب الازالة على الفور كفاية بناء على التحريم فلو اخل بالازالة اثم، ولو صلى والحال هذه فان كان في ضيق الوقت فلا خلاف في الصحة واما في السعة فقولان مبنيان على ان الامر بالشئ هل يستلزم النهي عن ضده الخاص ام لا ؟ ولهم في هذه المسألة ابحاث طويلة الذيل نقضا وإبراما في الاصول وفي مواضع من كتب الفروع، والذي اقوله في ذلك واعتمد عليه في امثال هذه المسالك هو الثاني، وتوضيحه ان يقال: التحقيق عندي وان اباه من الف بالقواعد الاصولية انا متى رجعنا إلى الادلة العقلية في الاحكام الشرعية فهي لا تقف على حد ولا ساحل ولهذا كثرت في هذه المسألة الابحاث وتصادمت من الطرفين الدلائل وصنفت فيها الرسائل واضطربت فيها افهام الافاضل. والجواب الحق عما ذكروه ان يقال (اولا) ان الاحكام الشرعية توقيفية
(1) المروية في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاستحاضة (2) رواه في الوسائل في الباب 22 من ابواب النجاسات.
[ 295 ]
من الشارع فلو كان لهذه المسألة اصل مع عموم البلوى بها لخرج عنهم (عليهم السلام) ما يدل عليها أو يشير إليها وحيث لم يخرج عنهم فيها شئ سقط التكليف بها إذ لا تكليف إلا بعد البيان ولا مؤاخذة إلا بعد اقامة البرهان، وهذا يرجع في التحقيق إلى ما قدمنا ذكره في غير موضع وبه صرح المحدث الامين الاسترابادي من الاستدلال بالبراءة الاصلية والعمل بها فيما يعم به البلوى من الاحكام. و (ثانيا) ان القول بذلك موجب للحرج والضيق المنفيين بالاية والرواية والاجماع (1) إذ لا يخفى انه لا يكاد احد من المكلفين فارغ الذمة من واجب من الواجبات البدنية أو المالية ويأتي بناء على هذا القول بطلان عباداته وصلواته في غير ضيق الوقت وعدم ترخصه في اسفاره وتأثيمه في جملة افعاله من اكله وشربه ومغداه ومجيئه ونومه ونكاحه ونحو ذلك لان الفرض انه منهي عن هذه الاضداد الخاصة والنهي حقيقة في التحريم، واي ضيق وحرج اعظم من ذلك ؟ و (ثالثا) الاخبار الدالة على عدم التكليف بامثال هذه الامور التي لم يرد فيها شئ بنفي ولا اثبات مثل قول الصادق (عليه السلام) في رواية اسحاق بن عمار (2) " ان عليا (عليه السلام) كان يقول ابهموا ما ابهمه الله " وما رواه الشيخ المفيد عن امير المؤمنين علي (عليه السلام) (3) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان الله حد لكم حدودا فلا تعتدوها وفرض عليكم فرائض فلا تضيعوها وسن لكم سننا فاتبعوها وحرم عليكم حرمات فلا تنتهكوها وعفا لكم عن اشياء رحمة منه من غير نسيان فلا تتكلفوها " وما رواه في الفقيه (4) في خطبة لامير المومنين (عليه السلام) قال فيها: " ان الله حد حدودا فلا تعتدوها وفرض فرائض فلا تنقضوها وسكت عن اشياء لم يسكت عنها
(1) تقدم ما يدل على ذلك ج 1 ص 151 (2) رواه في البحار في الباب 33 من كتاب العلم رقم 5 (3) رواه في البحار في الباب 32 من كتاب العلم رقم 11 (4) باب (نوادر الحدود).
[ 296 ]
نسيانا فلا تتكلفوها رحمة من الله لكم فاقبلوها " ولا ريب ان هذه المسألة داخلة فيما سكت الله عنه فتكلف البحث فيها كما ذكره اصحابنا (رضوان الله عليهم) تبعا للمخالفين في كتبهم الاصولية ناشئ من عدم ملاحظة هذه الاخبار، وكم لهم مثل ذلك كما لا يخفى على من جاس خلال الديار. والله العالم. فروع (الاول) قد صرح المحقق والعلامة في المعتبر والمنتهى والشهيد في الذكرى بانه إذا تعذر غسل مخرج البول وجب مسحه بحجر ونحوه، واحتج له المحقق ومثله العلامة بان الواجب ازالة العين والاثر فإذا تعذرت ازالة الاثر بقيت ازالة العين، وفهم من هذا الحكم جملة من المتأخرين بانهم يرون وجوب تخفيف مطلق النجاسة عند تعذر ازالتها وان ذلك بدل اضطراري للطهارة من النجاسات كبدلية التيمم للطهارة من الاحداث، ونحن قد قدمنا ما في هذا الكلام من تطرق المناقشة إليه في الفصل الاول في آداب الخلوة في التنبيه الخامس من التنبيهات الملحقة بذلك البحث، ونزيده تأييدا هنا بما ذكره بعض المحققين من متأخرى المتأخرين حيث قال بعد نقل ما ذكرناه: وعندي في هذا الكلام من اصله نظر لان وجوب ازالة العين والاثر حكم واحد مستفاد من دليل واحد ومن البين ان الامر بالمركب انما يقتضي الامر باجزائه على الاجتماع لا مطلقا، وحينئذ فلابد في اثبات التكليف بجزء منها على الانفراد من دليل غير الامر بالمركب وهو مفقود في المتنازع، بل ظاهر الاخبار المسوغة للصلاة مع النجاسة عند تعذر الازالة نفي التكليف بامر آخر سوى الازالة بأعتبار اطلاق الاذن من غير تعرض للتخفيف بوجه، وما ورد في بعض الاخبار من ذكر المسح للبول عن المخرج عند تعذر غسله لا يصلح شاهدا على العموم لان الوجه فيه منع النجاسة عن التعدي إلى غير محلها من الثوب أو البدن وهو امر آخر غير التخفيف. انتهى. وهو جيد. (الثاني) المستفاد من النصوص وعليه ظاهر اتفاق كلمة الاصحاب ان
[ 297 ]
زوال حكم النجاسة متوقف على زوال عينها أو استحالتها كما سيأتي تفصيل ذلك في مواضع مخصوصة ولا عبرة بما يبقى من اللون والرائحة وحكى المحقق في المعتبر على ذلك اجماع العلماء، ومن الاخبار في ذلك ما رواه الشيخ في الحسن عن ابن المغيرة عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال: " قلت له للاستنجاء حد ؟ قال لا حتى ينقى ما ثمة ؟ قلت فانه ينقى ماثمة ويبقى الريح ؟ قال الريح لا ينظر إليها " والخبر وان كان مورده الاستنجاء إلا انه لا خلاف ولا اشكال في تعدية الحكم إلى جملة النجاسات بطريق تنقيح المناط القطعي المتقدم ذكره في مقدمات الكتاب، وما رواه على بن ابي حمزة عن العبد الصالح (عليه السلام) (2) قال: " سألته ام ولد لابيه فقالت جعلت فداك اني اريد ان اسألك عن شئ وانا استحيي قال سليني ولا تستحي قالت اصاب ثوبي دم الحيض فغسلته فلم يذهب اثره ؟ قال اصبغيه بمشق حتى يختلط ويذهب اثره " وعن عيسى بن ابي منصور (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) امرأة اصاب ثوبها من دم الحيض فغسلته فبقي اثر الدم في ثوبها ؟ قال: قل لها تصبغه بمشق حتى يختلط " والمشق بالكسر المغرة، قاله في الصحاح والقاموس. (الثالث) الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في الاكتفاء في ظهر البواطن بزوال العين، وعلى ذلك تدل جملة من الاخبار: منها ما رواه الشيخ عن عمار الساباطي (4) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل يسيل من انفه الدم هل عليه ان يغسل باطنه يعني جوف الانف ؟ فقال انما عليه ان يغسل ما ظهر منه " وما رواه في الكافي في الصحيح عن ابراهيم بن ابي محمود (5) قال: " سمعت الرضا (عليه السلام) يقول يستنجي
(1) رواه في الوسائل في الباب 13 و 35 من احكام الخلوة و 25 من النجاسات (2) الفروع ج 1 ص 18 وفي الوسائل في الباب 52 من ابواب الحيض (3) رواه في الوسائل في الباب 25 من النجاسات (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 24 من النجاسات.
[ 298 ]
ويغسل ما ظهر منه على الشرج ولا يدخل فيه الانملة " وعن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) " في الرجل يمس انفه في الصلاة فيرى دما كيف يصنع أينصرف ؟ قال ان كان يابسا فليرم به ولا بأس " وبالاسناد المتقدم في الحديث الاول عن عمار عن الصادق (عليه السلام) (2) في حديث قال: " انما عليه ان يغسل ما ظهر منها يعني المقعدة وليس عليه ان يغسل باطنها " وما رواه الشيخ عن عبد الحميد بن ابي الديلم (3) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل يشرب الخمر فيبصق فاصاب ثوبي من بصاقه ؟ فقال ليس بشئ " ويؤيده ايضا ما رواه زرارة عن الباقر (عليه السلام) (4) قال: " ليس المضمضة والاستنشاق فريضة ولا سنة انما عليك ان تغسل ما ظهر ". وبذلك يظهر لك ما في كلام صاحب المعالم في هذا المقام حيث انه بعد ذكر الحكم المذكور انما استدل برواية عمار الاولى ثم ردها بضعف السند وقال انها لا تصلح بمجردها دليل على الحكم، ثم قال: وضم إليها بعض الاصحاب التعليل برفع الحرج والاشكال بحاله والحق انه يكفي في الاستدلال له التمسك باصالة البراءة فانها ملزومة للطهارة ولا، وجه لعدم الاعتداد بها في نحو هذا الموضع إلا توهم كون انواع النجاسات اسباب مؤثرة فيما تلاقيه برطوبة مطلقا، وقد اسلفنا في مسألة تطهير الشمس ان ذلك بعيد عن التحقيق. انتهى. ولا يخفى ما فيه من النظر الظاهر فان الاعتماد على اصالة البراءة بعد استفاضة الروايات التي تقدمت في فصول النجاسات بتعديها إلى ما لاقته بالرطوبة امر من الشمس اظهر ومن البدر انور كما تقدم تحقيقه، هذا بناء على ما ذكر من تلك الرواية خاصة وإلا فالناظر في جميع ما اوردنا من الاخبار التي فيها الصحيح باصطلاحه فلا مجال للتوقف في الحكم المذكور. واما ما اشار إليه واحال عليه من التحقيق الذي زعمه في مسألة تطهير الشمس فسيأتي نقله ان شاء الله تعالى في مسألة تطهير الشمس وبيان ما فيه.
(1) و (2) و (4) رواه في الوسائل في الباب 24 من النجاسات. (3) رواه في الوسائل في الباب 39 من ابواب النجاسات.
[ 299 ]
تذنيب قد نقل جملة من الاصحاب عن المرتضى (رضي الله عنه) الحكم بطهارة الصقيل بمجرد زوال عين النجاسة وظاهرهم انحصار القول بذلك في المرتضى، وظاهر الشيخ في الخلاف تقدم القول بذلك عليه حيث ذكر ان في اصحابنا من قال بان الجسم الصقيل كالسيف والمرآة والقوارير إذا اصابته نجاسة كفى في طهارته مسح النجاسة، وعزى إلى المرتضى اختياره ثم قال ولست اعرف به اثرا، وذكر ان عدم طهارته بدون غسله بالماء هو الظاهر، واحتج له بان حصول النجاسة في هذا الجسم معلوم والحكم بزوالها يحتاج إلى شرع وليس في الشرع ما يدل على زوال هذا الحكم بما قالوه. وظاهره كما ترى عدم انحصار القول بالطهارة في المرتضى (رضي الله عنه) ثم ان الفاضلين وغيرهما اقتفوا اثر الشيخ في هذا الاحتجاج على بقائه النجاسة واستصحابها وزاد الفاضلان الاستدلال بان النجاسة الرطبة يتعدى حكمها إلى الملاقي فلا يزول بزوال عين النجاسة. وعلى هذا كلام من تأخر عنهما في هذا المقام وغيره مما لاقته النجاسة برطوبة فانه يجب استصحاب حكم النجاسة حتى يقوم الدليل على الطهارة، إلى ان انتهت النوبة إلى صاحب المعالم فخالف الاصحاب في ذلك بقول انفرد به وهو ان هذا الحكم اعني توقف الطهارة بعد زوال عين النجاسة على مطهر مخصوص بالثوب والبدن والانية واما غير هذه الثلاثة فانه يطهر بزوال العين. وسيجئ نقل كلامه في مسألة تطهير الشمس، ومن ثم قال في هذا المقام بعد ان نقل عن الاصحاب ما قدمنا ما صورته: وقد تكرر القول في امر الاستصحاب وذكرنا في المباحث الاصولية ان السيد لا يعول عليه في مثل هذا المقام والعجب من غفلة الجماعة عن رأي السيد فيه وان كلامه مبني على اصله فلا يحسن ان يحتج عليه بما لا يقبله. انتهى. اقول: لا يخفى ان الاستصحاب في هذا المقام عند الاصحاب وهو التحقيق ليس من قبيل الاستصحاب الذي هو محل النزاع ومطرح البحث بين السيد وغيره، فان هذا الاستصحاب انما هو من قبيل العمل بعموم الدليل
[ 300 ]
واطلاقه حتى يحصل الرافع، ونظائره في احكام الفقه اكثر من ان تحصى كما تقدم ذكره في مقدمات الكتاب، ولا خلاف في العمل به في الاحكام الشرعية فان النجاسة قد ثبتت بملاقاة عين النجاسة برطوبة فالحكم بطهارة ما لاقته يحتاج إلى دليل سواء كانت باقية أو زالت بغير مطهر شرعي وهو مما لا خلاف فيه نصا وفتوى، وسيأتي مزيد تحقيق للمقام في مسألة تطهير الشمس ان شاء الله تعالى. ثم ان ممن اختار القول بالطهارة ايضا بمجرد زوال العين عن الصقيل المحدث الكاشاني في المفاتيح وقد سلف البحث معه في ذلك في الباب الاول في آخر مسألة جواز رفع الخبث بالمضاف وعدمه فليراجع. والله العالم.
(المسألة الثانية) لا خلاف بين الاصحاب فيما اعلم في اصل العفو عن دم الجروح والقروح قليلا كان أو كثيرا والاخبار به متظافرة، وانما الخلاف بينهم في حد العفو فمنهم من جعل الحد في ذلك البرء ومنهم من جعله الانقطاع واصحاب هذا القول بين مطلق لذلك ومقيد بكونه في زمان يتسع لاداء الصلاة، فالاطلاق للعلامة في بعض كتبه والشهيد فيما سوى الذكرى والتقيد للمحقق في المعتبر والشهيد في الذكرى، وناط العلامة في القواعد العفو بحصول المشقة بالازالة وهو ظاهره في النهاية ومثله المحقق في الشرائع، وجمع في المنتهى والتحرير بينه وبين عدم وقوف جريانها فجعلهما المناط في العفو، واستشكل في النهاية وجوب ازالة البعض إذا لم يشق واوجب فيها وفي المنتهى ابدال الثوب مع الامكان معللا بانتفاء المشقة فينتفي الترخيص لانتفاء المعلول عند انتفاء علته. واعترضه في المعالم فقال بعد نقل ذلك: وانت خبير بانه مع وجوب ازالة البعض حيث لا يشق ووجوب ابدال الثوب ان امكن لا يبقى لهذا الدم خصوصية فان ايجاب ازالة البعض مع عدم المشقة يقتضي وجوب التحفظ من كثرة التعدي ايضا مع الامكان كما لا يخفى، واغتفار ما دون ذلك ثابت في مطلق الدم بل في مطلق النجاسات. وظاهر جماعة من الاصحاب ان الخصوصية هنا ثابته عند الكل وان اختلفوا في مقدارها
[ 301 ]
وذكر الفاضل الشيخ علي في بعض مصنفاته ان الشيخ نقل الاجماع على عدم وجوب عصب الجرح وتقليل الدم بل يصلي كيف كان وان سال وتفاحش إلى ان يبرأ، قال وهذا بخلاف المستحاضة والسلس والمبطون إذ يجب عليهم الاحتياط في منع النجاسة وتقليلها بحسب الامكان، واطلق الشيخ في النهاية وغيرها من كتبه التي رأيناها الحكم بعدم وجوب ازالة دم القروح الدامية والجروح اللازمة قل أو كثر، وهو ظاهر في موافقة القول الاول اعني التحديد بالبرء. واعلم انه قد اتفق للعلامة في الارشاد التعبير هنا بعبارة الشيخ فقال فيه: وعفي في الثوب والبدن عن دم القروح والجروح اللازمة. وحيث انه لم يظهر من العلامة في شئ من كتبه اطلاق العفو بل اشترطه تارة بعدم انقطاع سيلان الدم وتارة بحصول المشقة وثالثة بهما حمل الشهيد الثاني في الروض كلامه هنا على ان المراد بالوصف باللازمة استمرار الخروج، والمحقق الشيخ علي فسرها بالتي لم تبرأ، واعترضه في الروض بانه ليس مذهبا للمصنف حتى يفسر كلامه به. وفيه ما ذكر ابنه في المعالم وان لم يصرح بنسبة التفسير الاول إلى ابيه بل عبر عنه ببعض الاصحاب فقال والحق مع الثاني فان الظاهر من هذا الوصف ارادة كون الجرح باقيا غير مندمل، ومجرد كون العلامة لم يصرح بهذا القول في غير ذلك الكتاب لا يسوغ حمل اللفظ على خلاف ظاهره والمصير إلى المعنى الاول سيما مع ما هو معلوم من حال العلامة من عدم الالتزام بالقول الواحد في الكتاب الواحد فضلا عن الكتب المختلفة وبعد ظهور انتشار رأيه في هذه المسألة، وحينئذ تكون اقواله في هذه المسألة اربعة. اقول: وكيف كان فاظهر الاقوال واصحها هو القول الاول ويدل عليه الاخبار الكثيرة: ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل تخرج به القروح فلا تزال تدمي كيف يصلي ؟
(1) رواه في الوسائل في الباب 22 من ابواب النجاسات.
[ 302 ]
فقال يصلي وان كانت تسيل ". وفي الصحيح عن ليث المرادي (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الرجل تكون به الدماميل والقروح فجلده وثيابه مملوة دما وقيحا وثيابه بمنزلة جلده ؟ قال يصلي في ثيابه ولا شئ عليه ولا يغسلها " وفي الحسن عن ليث المرادي عن الصادق (عليه السلام) نحوه (2) إلا انه لم يذكر في متنه " وثيابه بمنزلة جلده ". وما رواه في الصحيح عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله (3) قال " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الجرح يكون في مكان لا يقدر على ربطه فيسيل منه الدم والقيح فيصيب ثوبي ؟ فقال دعه فلا يضرك ان لا تغسله ". وعن سماعة بن مهران في الموثق عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " إذا كان بالرجل جرح سائل فاصاب ثوبه من دمه فلا يغسله حتى يبرأ وينقطع الدم ". ورواية ابي بصير (5) قال: " دخلت على ابي جعفر (عليه السلام) وهو يصلي فقال لي قائدي ان في ثوبه دما فلما انصرف قلت له ان قائدي اخبرني ان بثوبك دما ؟ قال (عليه السلام) ان بي دماميل ولست اغسل ثوبي حتى تبرأ ". وموثقة عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (6) قال: " سألته عن الدمل يكون في الرجل فينفجر وهو في الصلاة ؟ قال يمسحه ويمسح يده بالحائط أو بالارض ولا يقطع الصلاة ". وروى ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب البزنطي عن عبد الله ابن عجلان عن ابي جعفر (عليه السلام) (7) قال: " سألته عن الرجل به القرح لا يزال يدمى كيف يصنع ؟ قال يصلي وان كانت الدماء تسيل ".
(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) رواه في الوسائل في الباب 12 من النجاسات (7) السرائر نوادر البزنطي الحديث 12.
[ 303 ]
ومن الكتاب المذكور عن البزنطي عن العلاء عن محمد بن مسلم (1) قال: " قال ان صاحب القرحة التي لا يستطيع صاحبها ربطها ولا حبس دمها يصلي ولا يغسل ثوبه في اليوم اكثر من مرة ". ورواية سماعة (2) قال: " سألته عن الرجل به القرح أو الجرح فلا يستطيع ان يربطه ولا يغسل دمه ؟ قال يصلي ولا يغسل ثوبه إلا كل يوم مرة فانه لا يستطيع ان يغسل ثوبه كل ساعة ". هذا ما وقفت عليه من روايات المسألة وهي ظاهرة الدلالة على امتداد العفو إلى البرء وبه صرح في موثقة سماعة ورواية ابي بصير ويقرب منه قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم: " يصلي وان كانت الدماء تسيل " ونحوها رواية عبد الله بن عجلان، فان الظاهر من هذه العبارة ان المفهوم اولى بالحكم من المنطوق فيكون حالة عدم السيلان اولى بالعفو، وربما يسبق إلى الفهم من قوله في الصحيحة المشار إليها: " فلا تزال تدمي " ان الحكم مفروض في استمرار الجريان والعفو معلق عليه، وهو باطل (اما اولا) فان هذا الكلام مفروض في استمرار السائل ومقتضى جوابه انما هو ما ذكرناه والعبرة لا بكلام السائل. و (اما ثانيا) فان الظاهر انه ليس معنى " لا تزال تدمي " ان جريانها متصل لا ينقطع بل معناه تكرر الخروج وان كان دفعة بعد دفعة وحينا بعد حين، ومن الظاهر ان ذلك هو مقتضى العرف من هذه العبارة فانه إذا قيل فلان لا يزال يتكلم بكذا وكذا ولا يزال يتردد إلى كذا وكذا ونحو ذلك فانه يراد منه انه يفعله حينا بعد حين لا انه مستمر على فعله على وجه لا انقطاع ولا انفصال فيه، وبذلك يظهر ان ما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) من اعتبار المشقة وابدال الثوب مع الامكان واعتبار التقييد بعدم الانقطاع مطلقا أو مقيدا كما تقدم لا دليل عليه بل
(1) السرائر نوادر البزنطي الحديث 13. (2) المروية في الوسائل في الباب 22 من ابواب النجاسات.
[ 304 ]
الادلة واضحة ظاهرة في رده، فان المستفاد منها هو العفو عن هذا الدم شقت ازالته ام لا وسواء كانت له فترة ينقطع فيها بقدر الصلاة أو مطلقا ام لا، وانه لا يجب ابدال الثوب ولا تخفيف النجاسة ولا تعصيب موضع الجرح أو القرح بحيث يمنعه من الخروج، قال اطلاق الامر بالصلاة وان كانت الدماء تسيل والنهي عن الغسل والحال هذه اظهر ظاهر في ذلك. فروع (الاول) قد صرح العلامة في جملة من كتبه كالنهاية والمنتهى والتحرير انه يستحب لصاحب القروح والجروح غسل ثوبه في كل يوم مرة، واحتج له في المنتهى والنهاية بان فيه تطهيرا غير مشق فكان مطلوبا وبرواية سماعة المتقدمة. اقول: ومثلها صحيحة محمد بن مسلم المنقولة من مسطرفات السرائر عن نوادر البزنطي. والسيد في المدارك بعد ان نقل عن العلامة الاستدلال برواية سماعة اعترضه بان في السند ضعفا. والعجب منه ان في غير موضع من شرحه المذكور بعد الطعن في الخبر بضعف السند وعدم نهوضه بالدلالة على الوجوب أو التحريم يحمله على الاستحباب أو الكراهة تفاديا من طرحه وهكذا قاعدة غيره من اصحاب هذا الاصطلاح، فكيف خالف قاعدته هنا مع ان صحيحة محمد بن مسلم كما عرفت صريحة في ذلك ؟ فلا يتوجه الطعن المذكور. ثم ان ما ذكره العلامة ومن تبعه من حمل الرواية على الاستحباب انما نشأ من حيث ضعف سندها عندهم كما اشرنا إليه من ان قاعدتهم حمل الاخبار على ذلك متى ضعف سندها تفاديا من طرحها، وانت قد عرفت وجود الرواية الصحيحة بذلك وبموجب ذلك يجب العمل بالخبرين المذكورين في وجوب الغسل مرة واحدة في اليوم كما دلا عليه وتقييد تلك الاخبار بهما وان لم يوجد به قائل منهم، ولا ريب انه الاحوط مع الامكان واما ما ذكره العلامة من التعليل الاول فانه عليل لا يعول عليه ولا يصح اسناد حكم
[ 305 ]
شرعي إليه، نعم يصلح توجيها للنص المذكور. (الثاني) لو تعدى الدم عن محل الضرورة من الجروح والقروح في الثوب والبدن فهل يسري العفو ام لا ؟ وجهان صرح بثانيهما في المنتهى فقال: لو تعدى الدم عن محل الضرورة في الثوب أو البدن بان لمس بالسليم من بدنه دم الجرح أو بالطاهر من ثوبه فالاقرب عدم الترخيص فيه. قال في المعالم بعد نقل ذلك عنه: وما استقربه حسن. وقال في المدارك: لو تعدى الدم عن محل الضرورة في الثوب احتمل بقاء العفو تمسكا بالاطلاق وعدمه لانتفاء المشقة بازالته، وهو خيرة المنتهى. اقول: لا يبعد التفصيل هنا بين ما إذا تعدى الدم بنفسه إلى سائر اجزاء البدن أو الثوب الطاهر وبين ما إذا عداه المكلف بنفسه بان وضع يده الطاهرة على دم الجرح أو طرف ثوبه الطاهر عليه، والقول بالعفو في الاول دون الثاني، والظاهر من عبارة المنتهى انما هو الثاني إلا ان موثقة عمار المتقدمة ظاهرة في العفو في الثاني ايضا وبه يظهر ضعف ما قربه في المنتهى واستحسنه في المعالم، ولو لم يرد هذا الخبر في اخبار المسألة لكان ما ذكرناه من التفصيل جيدا فان المتبادر منها انما هو القسم الاول خاصة إلا انه يمكن ان يقال بحمل الموثقة المذكورة على خروج القيح من الدمل دون الدم فانه بعد نضجه متى انفجر فانما يخرج منه القيح الابيض خاصة وربما خالطه لون الدم، وبالجملة فان حمل الخبر على ذلك غير بعيد وبه يظهر قوة ما ذكرناه من التفصيل. (الثالث) قال في المدارك: لو لاقى هذا الدم نجاسة اخرى فلا عفو، وان اصابه مائع طاهر كالعرق ونحوه فالاظهر سريان العفو إليه لاطلاق النص ومس الحاجة واستقرب في المنتهى العدم قصرا للترخيص على موضع النص وهو الدم ولا ريب انه احوط. انتهى. وهو جيد (الرابع) إذا لاقى هذا الدم جسم برطوبة ثم لاقى الجسم بدن صاحب الدم وثوبه فهل يثبت فيه العفو كاصله أو لا ؟ احتمالان استقرب ثانيهما العلامة في النهاية والمنتهى،
[ 306 ]
ولم نقف لغيره على كلام في هذا الفرع إلا انهم ذكروا نظيره في الملاقي للدم القليل المعفو عنه كالاقل من درهم، واختار جمع منهم ثبوت العفو في الملاقي ايضا مستندين إلى ان المتنجس بشئ لا يزيد حكمه عنه وغايته ان يساويه فإذا ثبت العفو عن عين النجاسة فما هو اضعف منه حكما اولى بالعفو، وهذا التوجيه جار فيما نحن فيه، وبهذا التقريب رجح في المعالم هنا الاحتمال الاول. والمسألة عندي محل توقف.
(المسألة الثالثة) الظاهر انه لا خلاف ولا اشكال في ان ما نقص عن سعة الدرهم من الدم المسفوح الذي ليس من احد الدماء الثلاثة ولا دم الجروح والقروح معفو عنه وان ما زاد على الدرهم فلا يعفى عنه. ويدل على الاول بعد الاجماع المدعى من جمع من الاصحاب كالمحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى والنهاية والتذكرة والمختلف الاخبار الاتية، وعلى الثاني مضافا إلى الاجماع المدعى ايضا الاخبار الدالة على نجاسة الدم كما تقدم والاخبار الاتية الدالة على العفو عن الناقص، وانما الخلاف والاشكال في قدر سعة الدرهم، فذهب الاكثر ومنهم الصدوقان والشيخان والفاضلان والشهيدان وغيرهم إلى ايجاب ازالته، وعن المرتضى وسلار عدم الوجوب. وها انا ابسط ما وقفت عليه من اخبار المسألة واذيلها بما رزقني الله تعالى فهمه منها في الجمع بين مختلفاتها وتأليف متفرقاتها: ومنها صحيحة عبد الله بن ابي يعفور (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ما تقول في دم البراغيث ؟ قال ليس به بأس. قال قلت انه يكثر ويتفاحش ؟ قال وان كثر. قال قلت فالرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به ثم يعلم فينسى ان يغسله فيصلي ثم يذكر بعدما صلى أيعيد صلاته ؟ قال يغسله ولا يعيد صلاته إلا ان يكون مقدار الدرهم مجتمعا فيغسله ويعيد الصلاة ".
(1) المروية في الوسائل بالتقطيع في الباب 20 و 23 من النجاسات.
[ 307 ]
وحسنة محمد بن مسلم (1) قال: " قلت له الدم يكون في الثوب علي وانا في الصلاة ؟ قال ان رايته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل وان لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك ولا اعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم وما كان اقل من ذلك فليس بشئ رأيته قبل أو لم تره، وإذا كنت قد رأيته وهو اكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلاة كثيرة فاعد ما صليت فيه " هكذا في رواية الكافي، وفي التهذيب هكذا: " وما لم يزد على مقدار الدرهم من ذلك فليس بشئ " بزيادة الواو وحذف " وما كان اقل " وفي الاستبصار حذفه ايضا ولم يزد الواو، وفي الفقيه رواه عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) كما في الكافي وزاد في آخره " وليس ذلك بمنزلة المني والبول ثم ذكر المني فشدد فيه.. الحديث " كما تقدم في الفصل الثالث في نجاسة المني. ورواية اسماعيل الجعفي عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: " في الدم يكون في الثوب ان كان اقل من قدر الدرهم فلا يعيد الصلاة وان كان اكثر من قدر الدرهم وكان رآه فلم يغسله حتى صلى فليعد صلاته وان لم يكن رآه حتى صلى فلا يعيد الصلاة " ورواية جميل بن دراج عن بعض اصحابنا عن الباقر والصادق (عليهما السلام) (3) انهما قالا: " لا بأس بان يصلي الرجل في الثوب وفيه الدم متفرقا شبه النضح وان كان قد رآه صاحبه قبل ذلك فلا بأس به ما لم يكن مجتمعا قدر الدرهم ". وقال الرضا (عليه السلام) في الفقه الرضوي (4) " ان اصاب ثوبك دم فلا بأس بالصلاة فيه ما لم يكن مقدار درهم واف، والوافي ما يكون وزنه درهما وثلثا، وما كان دون الدرهم الوافي فلا يجب عليك غسله ولا بأس بالصلاة فيه، وان كان الدم حمصة فلا بأس بان لا تغسله إلا ان يكون دم الحيض فاغسل ثوبك منه ومن البول والمني قل ام
(1) و (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 20 من ابواب النجاسات (4) ص 6.
[ 308 ]
كثر واعد منه صلاتك علمت به أو لم تعلم " انتهى كلامه وبهذه العبارة عبر الصدوق في الفقيه بادنى تغيير. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام هنا يقع في مواضع: (الاول) لا يخفى ان مورد الاخبار المذكورة انما هو الثوب خاصة وظاهر كلمة الاصحاب الاتفاق على ضم البدن إليه ايضا، قال في المنتهى: حكم البدن حكم الثوب في هذا الباب ذكره اصحابنا ويؤيده رواية مثنى بن عبد السلام (1) ولان المشقة موجودة في البدن كالثوب بل ابلغ لكثرة وقوعها إذ لا تتعدى غالبا إلى الثوب إلا منه. انتهى. وقال في المعالم بعد ذكر ملخصه: ولا بأس به. وقال في المدارك: مورد الروايات المتضمنة للعفو تعلق النجاسة بالثوب، وقال في المنتهى انه لا فرق في ذلك بين الثوب والبدن واسنده إلى الاصحاب لاشتراكهما في المشقة اللازمة من وجوب الازالة، وهو جيد لمطابقته لمقتضى الاصل السالم عما يصلح للمعارضة، ويشهد له رواية مثنى بن عبد السلام عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " قلت له اني حككت جلدي فخرج منه دم ؟ فقال إذا اجتمع منه قدر حمصة فاغسله وإلا فلا " والظاهر ان المراد بقدر الحمصة قدرها وزنا لا سعة وهي تقرب من سعة الدرهم. انتهى. اقول: لا يخفى ما في كلامهم هنا من المجازفة الظاهرة (اما اولا) فلان التعليل في الحاق البدن بالثوب بالمشقة انما يتم على تقدير تسليمه لو كان وجوب الازالة عن الثوب معللا بالمشقة، مع ان هذه العلة غير موجودة في شئ من الاخبار المتقدمة وانما هي علة مستنبطة والعلة الحقيقية في وجوب الازالة عن الثوب انما هي الاخبار الدالة على ذلك ولا اشعار لها بشئ من هذه العلة، ثم اي مشقة في ازالة الدم وحده مع وجوب الازالة فيما عداه من النجاسات قل أو كثر بل في غيره من الدماء ؟ وبالجملة فان هذا التعليل عليل لا يصلح لبناء حكم شرعي ".
(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 20 من ابواب النجاسات.
[ 309 ]
و (اما ثانيا) فان ما ذكره في المدارك من الاستناد إلى مطابقة الاصل غير متأصل إذ الظاهر ان مراده من هذا الاصل هنا هو اصالة براءة الذمة من وجوب الازالة، وهو مردود بما عرفت من استفاضة النصوص بنجاسة الدم ووجوب ازالته في الصلاة قليلا كان أو كثيرا خرج ما خرج بدليل وبقي ما بقي وهو ما يوجب الخروج عن هذا الاصل. و (اما ثالثا) فان ما ذكره من خبر الحمصة وتأوله به من ان المراد بالحمصة قدرها وزنا لا سعة مدخول بانه يمكن ان يلطخ بقدر الحمصة وزنا من الدم تمام الثوب، وحينئذ لا معنى لقوله " وهو يقرب من سعة الدرهم " فانا لا ندري اي شئ اراد بهذا القرب والحال كما ذكرنا، والظاهر من الرواية المذكورة انما هو قدرها في السعة وانه لا يعفى عنه وانما يعفى عما دونه، فالرواية بالدلالة على خلاف ما يدعونه اشبه. وربما اشعرت الرواية بعدم نجاسة هذا المقدار اليسير من الدم كما هو ظاهر عبارة الصدوق في الفقيه حيث قال: " وان كان الدم دون حمصة فلا يغسل " ويؤيده ايضا ما في رواية الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (1) حيث " سأله عن دم البراغيث يكون في الثوب هل يمنعه ذلك من الصلاة ؟ قال لا وان كثر ولا بأس ايضا بشبهه من الرعاف بنضحه ولا يغسله " والتقريب ان المتفرق من الرعاف غالبا انما يكون اقل من الحمصة فلو كان نجسا لكان النضح انما يزيده نجاسة، ولكن لا اعلم قائلا بذلك إلا ما يظهر من اطلاق عبارة ابن الجنيد المتقدمة في صدر المسألة الاولى. هذا ما اقتضاه البحث بحسب النظر إلى الدليل وان كان الاحتياط فيما ذهبوا إليه سيما مع ظاهر اتفاقهم على ذلك ولا اعرف لهم دليلا سواه. واما ما تضمنه كتاب الفقه كما قدمنا في عبارته من نفي البأس عن قدر الحمصة من الدم فمشكل والصدوق (قدس سره) مع اخذ عبارته في الفقيه من عبارة الكتاب
(1) المروية في الوسائل في الباب 20 من النجاسات.
[ 310 ]
المذكور قد عدل في هذا المقام عن ذلك كما قدمنا من عبارته، ويمكن حمل عبارة كتاب الفقه كما هو ظاهر سياقها على ان مقدار الحمصة الذي نفى عن البأس انما في الثوب وحينئذ فنفي البأس من حيث السعة فتدخل تحت عموم قوله: " وما كان دون الدرهم " فانها من حيث السعة دون الدرهم المذكور وانما محل الاشكال في البدن باعتبار احتمال الوزن كما ذهب إليه في المدارك. (الموضع الثاني) قد اتفقت هذه الروايات على ما قدمنا ذكره في العفو عما نقص من قدر الدرهم وعدم العفو عما زاد وانما اختلفت في العفو عن قدر الدرهم وعدمه وبذلك اختلفت كلمة الاصحاب، والمشهور الثاني كما قدمنا ذكره. واستدل عليه بوجوه: (اولها) ان مقتضى الدليل وجوب ازالة قليل النجاسة وكثيرها لقوله (عليه السلام) " انما يغسل الثوب من البول والمني والدم " (1) ونحو ذلك من الاخبار التي قدمناها في الفصل الرابع في نجاسة الدم مما دل على وجوب تطهير الثوب من الدم واعادة الصلاة بالصلاة فيه ناسيا ونحو ذلك، فان اطلاقها يقتضي وجوب ازالة الدم كيف كان خرج منه ما وقع الاتفاق على العفو عنه وهو الاقل من درهم وبقي الباقي وعلى هذا الوجه اقتصر المحقق في المعتبر وان كان كلامه فيه بوجه مختصر، وهو جيد وجيه كما لا يخفى على العارف النبيه. و (ثانيها) قوله تعالى: " وثيابك فطهر " (2) قال العلامة في المختلف وهو عام تركناه فيما نقص عن الدرهم للمشقة وعدم الانفكاك منه فيبقى ما زاد على عموم الامر بازالته. اقول: وفيه عندي نظر تقدم ذكره قريبا وهو ان الاخبار الواردة بتفسير الاية قد
(1) الظاهر ان هذا مضمون الاخبار الواردة في نجاسة هذه الامور وليس لفظا واردا في حديث خاص وقد اورده كذلك المحقق في المعتبر وصاحبا المدارك والمعالم ومرجعه إلى التمسك بالاطلاقات. (2) سورة المدثر، الاية 4.
[ 311 ]
اتفقت على تفسير التطهير هنا بتشمير الثياب فلا وجه للاستدلال بها هنا بعد ورود التفسير لها بنوع خاص. و (ثالثها) صحيح ابن ابي يعفور المتقدم ورواية جميل بن دراج ودلالتهما على ذلك ظاهرة بل صريحة، ومثلهما عبارة كتاب الفقه، وهذا القول هو المعتمد عندي لما عرفت. واما ادلة القول الاخر فوجهان: (احدهما) ما حكاه في المختلف عن المرتضى فقال: قال المرتضى (رضي الله عنه) ان الله اباح الصلاة في قوله تعالى: ".. إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا.. " (1) عند تطهير الاعضاء الاربعة فلو تعلقت الاباحة بغسل نجاسة لكان ذلك زيادة لا يدل عليها الظاهر لانه بخلافها، ولا يلزم على ذلك ما زاد على الدرهم وما عدا الدم من سائر النجاسات لان الظاهر وان لم يوجب ذلك فقد عرفناه بدليل اوجب الزيادة على الظاهر وليس ذلك في يسير الدم. ثم اجاب في المختلف عن هذه الحجة بان الاية لا تدل على الاباحة عند تطهير الاعضاء الاربعة بل على اشتراط تطهيرها في الصلاة. اقول: ومع تسليم ما ذكره فانه كما خصص الاية بالادلة الدالة على وجوب ازالة ما زاد على الدرهم وما دل على ازالة سائر النجاسات فليكن مثلها صحيحة ابن ابي يعفور ورواية جميل وكلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه لدلالتها على وجوب ازالة قدر الدرهم وعدم العفو عنه. و (ثانيهما) حسنة محمد بن مسلم بطريق الشيخ المتقدم ذكره ورواية اسماعيل الجعفي المتقدمتان. واجاب في المختلف عن الحسنة المذكورة بان محمد بن مسلم لم يسنده إلى الامام (عليه السلام) قال وعدالته وان كانت تقتضي الاخبار عن الامام إلا ان ما ذكرناه لا لبس فيه يعني حديث ابن ابي يعفور. ولله در المحقق الشيخ حسن في المعالم حيث رد ذلك فقال: واما جوابه عن الثاني
(1) سورة المائدة، الاية 6.
[ 312 ]
فمنظور فيه وذلك لان الممارسة تنبه على ان المقتضي لنحو هذا الاضمار في الاخبار ارتباط بعضها ببعض في كتب روايتها عن الائمة (عليهم السلام) فكان يتفق وقوع اخبار متعددة في احكام مختلفة مروية عن امام واحد ولا فصل بينها يوجب اعادة ذكر الامام (عليه السلام) بالاسم الظاهر فيقتصرون على الاشارة إليه بالمضمر. ثم انه لما عرض لتلك الاخبار الاقتطاع والتحويل إلى كتاب آخر تطرق هذا اللبس ومنشأه غفلة المقتطع لها وإلا فقد كان المناسب رعاية حال المتأخرين لانهم لا عهد لهم بما في الاصول، واستعمال ذلك الاجمال انما ساغ لقرب البيان وقد صار بعد الاقتطاع في اقصى غاية البعد ولكن عند الممارسة والتأمل يظهر انه لا يليق بمن له ادنى مسكة ان يحدث بحديث في حكم شرعي ويسنده إلى شخص مجهول بضمير ظاهر في الاشارة إلى معلوم فكيف باجلاء اصحاب الائمة (عليهم السلام) كمحمد بن مسلم وزرارة وغيرهما، ولقد تكثر في كلام المتأخرين رد الاخبار بمثل هذه الوجوه التي لا يقبلها ذو سليقة مستقيمة، هذا وقد كان الاولى للعلامة (قدس سره) في الجواب عن الاحتجاج بهذا الحديث بعد حكمه بصحة حديث ابن ابي يعفور ورجوع كلامه في جوابه إلى ان حديث ابن ابي يعفور ارجح في الاعتبار من خبر ابن مسلم ان يجعل وجه الرجحان كون ذلك من الصحيح وهذا من الحسن. انتهى. اقول: ومن العجب هنا كلامهم في الرواية المذكورة فيما اشتملت عليه من الارسال اعتراضا وجوابا مع ان الصدوق رواها في الفقيه عن محمد بن مسلم انه قال للباقر (عليه السلام) كما قدمنا ذكره في عد الروايات فكيف غفل الجميع عن ملاحظة ذلك واحتاجوا إلى هذا التكلف سؤالا وجوابا ؟ إذا عرفت ذلك فاعلم ان في المدارك بعد ان استدل للمرتضى بحسنة محمد بن مسلم المروية في التهذيب ورواية الجعفي قال: وجه الدلالة انه (عليه السلام) رتب الاعادة على كون الدم اكثر من مقدار الدرهم فينتفي بانتفائه عملا بالشرط وهو منتف مع المساواة، ولا يعارض بالمفهوم الاول لاعتضاد الثاني باصالة البراءة. انتهى.
[ 313 ]
اقول: لا يخفى ان هذين المفهومين الحاصلين من الشرطيتين انما هما في رواية الجعفي حيث قال: " ان كان اقل من قدر الدرهم فلا يعيد الصلاة وان كان اكثر فليعد صلاته " واما حسنة محمد بن مسلم بناء على نقله لها من التهذيب فليس فيها إلا ان " وما لم يزد على مقدار الدرهم من ذلك فليس بشئ " وهو يرجع إلى الشرطية الثانية من رواية الجعفي، واما على روايتي الكافي والفقيه فهي مشتملة على الشرطيتين معا. بقي الكلام معه في ترجيح احد المفهومين على الاخر فان مفهوم الشرطية الاولى انه لو لم يكن اقل من درهم بل كان درهما فصاعدا فانه يعيد، وعلى هذا المفهوم بنى الاستدلال للقول المشهور، ومفهوم الشرطية الثانية انه لو لم يكن اكثر من الدرهم فلا يعيد، وعليه بنى استدلال المرتضى (رضي الله عنه) واختاره في المدارك ورجحه باعتضاده باصالة البراءة. ولا يخفى ما فيه فان اصالة البراءة لا معنى لها بعد استفاضة الاخبار بنجاسة الدم بقول مطلق ووجوب الطهارة منه في الصلاة ووجوب اعادتها بالصلاة فيه ناسيا خرج ما خرج بدليل وبقي ما بقي، ومع تسليم ما ذكره فهذا الاصل هنا مخصوص بصحيحة ابن ابي يعفور وما شابهها مما دل على القول المشهور وبه يظهر وجه رجحان مفهوم الشرطية الاولى، وبذلك يظهر ان حمله لروايات القول المشهور على الاستحباب غير جيد لظهورها في وجوب الاعادة وصحة بعضها وكثرتها واعتضادها بالاخبار المطلقة التي اشرنا إليها وقبول ما قابلها للتأويل، مع ما عرفت في غير موضع من انه لا دليل على الجمع بين الاخبار بالاستحباب والكراهة وان كان مشهورا بينهم. قال في المعالم بعد البحث في المقام: وبالجملة فحديث ابن ابي يعفور اقرب إلى القبول من خبر ابن مسلم فمع التعارض يكون الترجيح للاول، وبتقدير المساواة فخبر ابن مسلم اقرب إلى التأويل إذ يمكن حمل الزيادة عن مقدار الدرهم فيه على كونها اشارة إلى ان اتفاق كون الدم بمقدار الدرهم فحسب بعيد جدا فان الغالب فيه الزيادة أو النقصان ومما يرشد إلى هذا قوله في رواية اسماعيل الجعفي: " ان كان اقل من قدر الدرهم فلا يعيد
[ 314 ]
الصلاة وان كان اكثر فليعد صلاته " ولم يتعرض لحال مساواته للدرهم، والظاهر انه لا وجه لتركه إلا بعد وقوعه، وحينئذ فيكون مفهوم الشرط الاول في هذه الرواية مخصصا لعموم مفهوم الشرط الثاني بمعونة ملاحظة الجمع بينه وبين حديث ابن ابي يعفور. انتهى. وهو جيد إلا ان استشهاده برواية اسماعيل الجعفي على ما ذكره مبني على نقله حسنة محمد بن مسلم من التهذيب وإلا فهي في الكافي والفقيه قد اشتملت على ما اشتملت عليه رواية الجعفي من الشرطيتين المذكورتين فيها كما قدمنا نقله لانه قال: " ولا اعادة عليك ما لم يرد على مقدار الدرهم وما كان اقل من ذلك يعني من الدرهم فليس بشئ " إلا ان للتأويل فيها مدخلا بارجاع اسم الاشارة إلى الازيد وهو غلط كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى، والظاهر انه وكذا قبله صاحب المدارك لم يلاحظوا الكافي والفقيه في تحقيق هذه الرواية. اقول: والذي يقرب عندي ويدور في خلدي في معنى حسنة محمد بن مسلم هو انه لما كان فرض الدرهم نادر الوقوع بل الغالب اما الزيادة عليه أو النقيصة عنه عبر عن الدرهم فصاعدا بما زاد على الدرهم كأنه قيل ما لم يكن درهما فزائدا كما قالوه في قوله عزوجل: " فان كن نساء فوق اثنتين " (1) اي اثنتين فما فوق، والتعبير بمثل ذلك عن ارادة المعنى الذي ذكرناه شائع في الاخبار، ويؤيده ترك التعرض لمقدار الدرهم في الخبر والاقتصار على ذكر الاكثر والاقل والظاهر انه مطوي في جانب الاكثر، وقد تتبعت في الاخبار ما جرى هذا المجرى إلا انه لا يحضرني الان منه إلا رواية واحدة وهي رواية يونس عن بعض رجاله عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن حد المكاري الذي يصوم ويتم ؟ قال ايما مكار اقام في منزله أو البلد الذي يدخله اقل من عشره ايام وجب عليه الصيام والتمام، وان كان له مقام في منزله أو البلد الذى يدخله اكثر من عشرة
(1) سورة النساء، الاية 12. (2) المروية في الوسائل في الباب 12 من صلاة المسافر
[ 315 ]
ايام فعليه التقصير والافطار " فان حكم العشرة التي هي الحد الشرعي في وجوب القصر غير مذكور وما ذاك إلا انه من حيث ندرة الاقتصار على العشرة من غير زيادة ولا نقصان فادرجها في جانب الاكثر، فالمعنى في قوله (عليه السلام) " اكثر من عشرة ايام " اي عشرة فاكثر، وبالجملة رمي هذه العبارة بهذا المعنى في هذا المقام كثير يعرفه المتتبع المتأمل في الاخبار، وحينئذ فقوله في الحسنة المذكورة بناء على روايتي الكافي والفقيه " وما كان اقل من ذلك " لا دلالة فيه فان الاشارة فيه انما هي إلى الدرهم يعني اقل من درهم حسبما وقع في رواية الجعفي. والله العالم. (الموضع الثالث) اختلف الاصحاب في الدم المتفرق في الثوب أو البدن الذي لو جمع لبلغ قدر الدرهم هل تجب ازالته ام لا ؟ على اقوال، فقيل ان حكمه حكم المجتمع ان بلغ درهما وجبت ازالته وإلا فلا وبه قال سلار من المتقدمين واكثر المتأخرين، وظاهر الشيخ في النهاية انه لا تجب ازالته مطلقا إلا ان يتفاحش، ويحكى عنه في المبسوط انه قال ما نقص عن الدرهم لا تجب ازالته سواء كان في موضع واحد من الثوب أو في مواضع كثيرة بعد ان يكون كل موضع اقل من مقدار الدرهم، وان قلنا إذا كان جميعه لو جمع لكان مقدار الدرهم وجب ازالته كان احوط للعبادة. ونقل عن ابن ادريس اطلاق القول بعدم وجوب الازالة واختاره المحقق في النافع، وظاهره في المعتبر وفاق الشيخ في النهاية. وقد ظهر من ذلك ان الاقوال في المسألة ثلاثة: (احدهما) التفصيل بين بلوغ الدرهم وعدمه فتجب الازالة على الاول دون الثاني، وهو المشهور بين المتأخرين. (الثاني) عدم وجوب الازالة مطلقا إلا ان يتفاحش وهو قول الشيخ في النهاية والمحقق في المعتبر. (الثالث) عدم وجوب الازالة مطلقا وهو مذهب ابن ادريس والمحقق في النافع والشرائع ايضا والشيخ في المبسوط واختاره السيد في المدارك.
[ 316 ]
وهو الاقرب وتدل عليه صحيحة ابن ابي يعفور المتقدمة وقوله فيها " إلا ان يكون مقدار الدرهم مجتمعا ". واجاب عنها في المختلف بان " مجتمعا " كما يحتمل ان يكون خبرا ل " يكون " يحتمل ان يكون حالا مقدرة واسمها ضمير يعود إلى " نقط الدم " و " مقدار " خبرها والمعنى إلا ان تكون نقط الدم مقدار الدرهم إذا قدر اجتماعها. ورد (اولا) بان تقدير الاجتماع مما لا يدل عليه اللفظ. وفيه ان صدر الحديث مفروض في نقط الدم والفرض ان الضمير عائد إلى نقط الدم. و (ثانيا) بانه لو كانت الحال مقدرة وكان الحديث المذكور مخصوصا بما قدر فيه الاجتماع لا ما حقق لما صلح دليلا للمجتمع حقيقة مع استدلال الاصحاب به قديما وحديثا على ذلك. و (ثالثا) انه مع كونه حالا لا خبرا فالظاهر انه حال محققة وهو الظاهر من الخبر، ويصير المعنى إلا ان يكون الدم بمقدار الدرهم حال كونه مجتمعا. و (رابعا) ان الحال المقدرة كما ذكروه هي التي زمانها غير زمان عاملها ولها مثال مشهور وهو قولهم " مررت برجل معه صقر صائدا به غدا " اي مقدرا فيه الصيد، وما نحن فيه ليس كذلك إذ كون الدم قدر الدرهم انما هو حال اجتماعه فزمانهما واحد، وكيف كان فالظاهر من الخبر المذكور انما هو كون " مجتمعا " خبرا أو حالا محققة وعلى كل منهما فالاستدلال بالرواية على المدعى ظاهر. واظهر منها في الدلالة على اعتبار الاجتماع في الدم المتفرق مرسلة جميل المتقدمة لتصريحه (عليه السلام) بنفي البأس عن الصلاة في الدم المتفرق ما لم يكن مجتمعا قدر الدرهم احتج القائلون بالقول المشهور بوجوه: (منها) ان الحكم معلق على مقدار الدرهم في حسنة محمد بن مسلم وقريب منها رواية اسماعيل الجعفي، وهو اعم من المجتمع والمتفرق.
[ 317 ]
و (منها) رواية عبد الله بن ابي يعفور المتقدمة فان الحكم فيها مفروض في نقط الدم الذي هو عبارة عن الدم المتفرق. و (منها) ان الاصل وجوب الازالة بقوله تعالى: " وثيابك فطهر " (1) خرج ما نقص عن الدرهم فيبقى الباقي مندرجا تحت الاطلاق. و (منها) ان النجاسة البالغة قدرا معينا لا يتفاوت الحال باجتماعها وتفرقها في المحل. والجواب عن الاول بان مقدار الدرهم في الخبر مخصوص بالمجتمع لقيام المخصص كما هو ظاهر روايتي ابن ابي يعفور ومرسلة جميل كما تقدم تحقيقه. وعن الثاني بان الرواية المذكورة وان كانت مفروضة في نقط الدم كما ذكر إلا ان الظاهر كون السؤال عن النقط باعتبار مجموعها أو باعتبار كل نقطة منه مكانها، فعلى تقدير كون " مجتمعا " خبرا ل " يكون " و " مقدار " اسمها فكأنه (عليه السلام) قال في الجواب: لا يعيد صلاته باعتبار شي من ذلك إلا ان يكون مقدار الدرهم مجتمعا بان يكون الشي من تلك النقط بمقدار الدرهم. وعلى تقدير كون " مجتمعا " حالا محققة يكون المعنى لا يعيد صلاته إلا ان تكون تلك النقط المتفرقة مقدار الدرهم حال كونها مجتمعة، فافادة اشتراط الاجتماع حاصل على كل من التقديرين. وعن الثالث بما تقدم ذكره من ان مورد الاية كما دلت عليه الاخبار الواردة بتفسيرها انما هو التشمير لا الطهارة بمعنى ازالة النجاسة، وقد تقدم في مقدمات الكتاب ان اللفظ المتشابه في القرآن لا يجوز الاستدلال به إلا بعد ورود تفسيره عن اهل البيت (عليهم السلام) بمعنى من المعاني والوارد عنهم في تفسير هذا اللفظ هو ما ذكرناه. واما ما اجاب به عنه في المدارك من ان الخطاب في الاية مخصوص بالنبي (صلى الله عليه وآله) فتناوله للامة يتوقف على الدلالة ولا دلالة فهو ضعيف لا يلتفت
(1) سورة المدثر، الاية 4.
[ 318 ]
إليه فان الظاهر ان كلامه هذا مبني على ما حقق عندهم في الاصول من ان خطابات القرآن انما هي متوجهة إلى الحاضرين زمن الخطاب وانسحاب الحكم إلى من سيوجد بعد ذلك مستند إلى الاجماع، وحيث ان المسألة محل خلاف والاجماع غير محقق منع عموم الخطاب في الاية المذكورة. وفيه انه لا حاجة بنا في اثبات العموم إلى الاجماع بل الاخبار بحمد الله سبحانه بذلك مكشوفة القناع وهي الاحرى والاحق في ذلك بالاتباع، ومنها ما رواه في الكافي عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) في حديث قال: " لو كانت إذا نزلت آية في رجل ثم مات الرجل ماتت الاية مات الكتاب والسنة ولكنه حي يجري في من بقي كما جرى في من مضى " وهو صريح الدلالة واضح المقالة في المراد. وما رواه في الكافي والتهذيب عن ابي عمرو الزبيري عن الصادق (عليه السلام) (1) حين سأله عن احكام الجهاد، وساق الخبر إلى ان قال (عليه السلام): " فمن كان قد تمت فيه شرائط الله الذى وصف بها اهلها من اصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) وهو مظلوم فهو مأذون له في الجهاد كما اذن لهم لان حكم الله في الاولين والاخرين وفرائضه عليهم سواء إلا من علة أو حادث يكون والاولون والاخرون ايضا في منع الحوادث شركاء والفرائض عليهم واحدة يسأل الاخرون عن اداء الفرائض كما يسأل الاولون ويحاسبون كما يحاسبون " وما رواه الصدوق في العلل (2) عن الرضا عن ابيه (عليهما السلام) " ان رجلا سأل الصادق (عليه السلام) ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلا غضاضة ؟ فقال ان الله تعالى لم يجعله لزمان دون زمان ولناس دون ناس فهو في كل زمان جديد وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة " إلى غير ذلك من الاخبار التي يقف عليها المتتبع، وبذلك يظهر لك ان المرجع في عموم تلك الخطابات انما هو إلى هذه الاخبار ونحوها، على ان الاخبار الواردة بتفسير هذه
(1) رواه في الوسائل في الباب 9 من كتاب الجهاد واصول الكافي ج 1 ص 192. (2) عيون اخبار الرضا ص 239.
[ 319 ]
الاية ظاهرة في العموم إلا انها مخصوصة بما قدمنا ذكره. ولو اجيب بضعف هذه الاخبار بهذا الاصطلاح الجديد، قلنا ان هذه الاصول بل الفضول التي مهدوا فيها هذه القاعدة اضعف إذ هي مجرد اصطلاحات اتفاقية أو خلافية وعن الادلة النبوية خالية عرية. وعن الرابع بانه مجرد مصادرة فانه محل البحث. وكيف كان فانه وان كان مقتضى البحث وتحقيق الحال في المسألة هو ما ذكرناه من عدم وجوب الازالة إلا ان الاحتياط بالعمل بالقول المشهور مما ينبغي المحافظة عليه فان احتمال ذلك من الادلة المذكورة ايضا غير بعيد. والله العالم.
فروع:
(الاول) اعلم ان التفاحش قدمنا ذكره عن الشيخ في النهاية والمحقق في المعتبر وعلقوا وجوب الازالة عليه لم نقف له على مستند ولم يبينوا ايضا مقداره، وقد ذكر المحقق في المعتبر انه ليس له تقدير شرعي وان قول الفقهاء فيه مختلف فبعض قدره بالشبر وبعض بما يفحش في القلب قال وقدره أبو حنيفة بربع الثوب، ثم قال والمرجع فيه إلى العادة لانها كالامارة الدالة على المراد باللفظ إذا لم يكن له تقدير شرعا ولا وضعا. انتهى. اقول: والظاهر انهم اخذوا هذا الفرع من كتب العامة واختلفوا فيه كاختلافهم واخبارنا خالية منه كما عرفت. وقال في المدارك بعد نقل كلام المعتبر كما ذكرناه: وهو جيد لو كان لفظ التفاحش واردا في النصوص. انتهى. وفيه ما عرفت في غير موضع من ان الحوالة على العرف والعادة في الاحكام الشرعية غير جيد لعدم انضباطها في جميع الاعصار والامصار وتعذر الاحاطة بها والاطلاع عليها لو سلمنا انضباطها ولم يعهد من الشارع اناطة الاحكام الشرعية بذلك، وقد تقدم في مباحث الكتاب ما ينبغي العمل عليه في مثل ذلك.
(الثاني) قال الشهيد الثاني في الروض بعد الكلام في هذه المسألة: هذا حكم الدم
[ 320 ]
المتفرق في الثوب الواحد اما المتفرق في الثياب المتعددة أو فيها وفي البدن فهل الحكم فيها كذلك بمعنى تقدير جمع ما فيها أو لكل واحد من الثوب والبدن حكم بانفراده فلا يضم احدهما إلى الاخر أو لكل ثوب حكم كذلك فلا يضم بعضها إلى بعض ولا إلى البدن ؟ اوجه واعتبار الاول اوجه واحوط. انتهى. اقول: اما الدم المتفرق في البدن فقد عرفت فيما قدمنا بيانه ان النصوص خالية منه، اما المتفرق في الثياب فيمكن ترجيح ما ذكره واستوجهه (قدس سره) بحمل الثوب في النصوص المتقدمة على ما هو اعم من الثوب الواحد بارادة الجنس فيه وقوته ظاهرة.
(الثالث) قال السيد في المدارك: لو اصاب الدم المعفو عنه مائع طاهر ولم يبلغ المجموع الدرهم ففي بقائه على العفو قولان اظهرهما ذلك، لاصالة البراءة من وجوب ازالته، ولان المتنجس بشئ لا يزيد حكمه عنه بل غايته ان يساويه إذ الفرع لا يزيد على اصله واستقرب العلامة في المنتهى وجوب ازالته لانه ليس بدم فوجب ازالته بالاصل السالم عن المعارض، ولان الاعتبار بالمشقة المستندة إلى كثرة الوقوع وذلك غير موجود في صورة النزاع لندوره. وضعف الوجهين ظاهر. ولو ازال عين الدم بما لا يطهرها فلا ريب في بقاء العفو لخفة النجاسة حينئذ. انتهى. اقول: والى ما رجحه هنا من البقاء على العفو ذهب الشهيد في الذكرى قال: لان المتنجس بشئ لا يزيد عليه. واستظهره في المعالم ايضا، والى ما استقربه العلامة من وجوب الازالة وعدم العفو صار في البيان. اقول: كما يمكن ان يعلل العفو وعدم وجوب الازالة بما ذكروه فلقائل ان يقول ايضا بانه إذا كان مورد الاخبار في هذه المسألة على خلاف الاصل المستفاد من الاخبار المستفيضة المجمع على القول بمضمونها من نجاسة الدم ووجوب ازالته عن الثوب والبدن للصلاة وكذا نجاسة ما يتعدى إليه نجاسة احد اعيان النجاسات برطوبة ووجوب الازالة للعبادة فالواجب الاقتصار في ذلك على مورد النص كما قرروه في غير موضع اخذا بالمتيقن المتفق عليه وهو العفو عن ذلك الدم خاصة فتعديته إلى ذلك المائع المتصل به خروج
[ 321 ]
عن موضع النص، واصالة البراءة التي استند إليها ممنوعة لما عرفت من قيام الادلة على النجاسة واشتراط ازالتها في صحة الصلاة خرج ما خرج بدليل واضح وبقي الباقي. وقولهم ان المتنجس بشئ لا يزيد حكمه عنه مجرد تعليل عقلي لا يصلح لان يكون مستندا لتأسيس حكم شرعي فان بناء الاحكام الشرعية طهارة ونجاسة وصحة وفسادا على ما علم من الشرع وثبت لا على الادلة العقلية. والى ما ذكرنا في المقام يميل كلام صاحب الذخيرة مع اقتفائه اثر صاحب المدارك غالبا كما لا يخفى على من تتبعه.
(الرابع) اطلق جماعة من الاصحاب انه إذا اصاب الدم وجهي الثوب فان كان من التفشي من جانب إلى آخر فهو دم وإلا فدمان، وفصل الشهيد في البيان فقال: لو تفشى الدم في الرقيق فواحد وفي الصفيق اثنان، ونحو ذلك في الذكرى واستحسنه في المدارك، ونص العلامة في المنتهى والتحرير على ان التفشي موجب للاتحاد في الصفيق، وقال في المعالم بعد نقل الاقوال المذكورة: والتحقيق تحكيم العرف في ذلك إذ ليس له ضابط شرعي ولا سبيل إلى استفادة حكم اللغة في مثله فالمرجع حينئذ إلى ما يقتضيه العرف. اقول: قد عرفت ما في حوالة الاحكام الشرعية على العرف من الاشكال في غير مقام مما تقدم بل الحق كما نطقت به اخبار اهل الذكر (عليهم السلام) هو الوقوف في كل قضية لم يعلم حكمها من الاخبار بعد التتبع والفحص عن الفتوى فيها والاخذ بالاحتياط ان احتيج إلى العمل بها.
(الخامس) قال العلامة في النهاية: لو كان الدم اليسير في ثوب غير ملبوس أو في متاع أو آنية أو آلة فاخذ ذلك بيده وصلى وهو حامل له احتمل الجواز لعموم الترخيص والمنع لانتفاء المشقة. وذكر نحوه في المنتهى، قال في المعالم بعد نقل ذلك عنه: وفي كلا الوجهين نظر، اما الاول فلان ادلة الترخص ليس فيها ما يتناول مثل هذا واما الثاني فلان اعتبار المشقة لو اخذ دليلا على الحكم لانتفت الرخصة في كثير من الصور لعدم المشقة فيها، قال والحق ان الحكم بالعفو في موضع النزاع غير محتاج إلى
[ 322 ]
تكلف تناول دليل العفو في اصل المسألة له بل يكفي فيه كونه مقتضى الاصل فان ايجاب الازالة والاجتناب تكليف والاصل براءة الذمة منه وانما احتاجوا في حكم الثوب الملبوس والبدن إلى التمسك بغير هذا الوجه لقيام الدليل على منافاة النجاسة فيهما لصحة الصلاة كما مرت الاشارة إليه فيتوقف استثناء بعض النجاسات على الحجة، ولولا ذلك لكان الاصل دليلا قويا في الجميع. انتهى. وهو جيد، ويؤيده ان المتبادر من قولهم (عليهم السلام) (1) " لا يجوز الصلاة في النجاسة " و " لا تصح الصلاة في الذهب " (2) انما هو ما كان ملبوسا من هذه الاشياء تحقيقا للظرفية فلا يدخل فيه المحمول ومرجع كلامه (قدس سره) إلى ما ذكرناه، وعلى هذا فلا وجه لتخصيص الكلام بالدم اليسير بل ولو كان اكثر من درهم والحال انه محمول غير ملبوس، وإلا فلو لم يلحظ ما ذكرناه لكان للمناقشة فيه مجال فانه ان اسلم صدق الصلاة فيه في تلك الحال دخل تحت عموم الادلة المانعة من الصلاة في النجاسة كالثوب الملبوس والبدن النجسين فيحتاج الاستثناء إلى دليل ولا يمكنه التمسك هنا بالاصل، وان منع ذلك كما ذكرنا تم ما ذكره من الاستناد إلى الاصل لعدم دخوله تحت عموم الادلة المانعة فيبقى على الاطلاق ويصح التمسك فيه بالاصل وتوقف الاجتناب على الدليل، وبه يظهر لك انه لا فرق في المقام بين كون النجاسة المحمولة اقل من الدرهم واكثر وكذا سائر ما دلت الاخبار على عدم صحة الصلاة فيه من الذهب والحرير ونحوهما إذا كان محمولا فانه تصح الصلاة معه بالتقريب المذكور، إلا ان كلامهم بالنسبة إلى المحمول وصحة الصلاة معه إذا كان مما لا تصح الصلاة فيه لا يخلو من اضطراب كما سيمر بك ان شاء الله تعالى.
(1) هذا مضمون الاخبار الدالة على عدم جواز الصلاة مع النجاسة وليس حديثا خاصا واردا بهذا اللفظ. (2) هذا مضمون ما دل على مانعية الذهب من صحة الصلاة ولم نقف على حديث بهذا اللفظ.
[ 323 ]
(السادس) قال الشهيد في الدروس: لو اشتبه الدم المعفو عنه بغيره كدم الفصد بدم الحيض فالاقرب العفو، ولو اشتبه الدم الطاهر بغيره فالاصل الطهارة. ولم يتعرض لبيان الوجه في الحكمين المذكورين، وقد وجهه بعض بانه مبني على القاعدة المقررة في اشتباه الشئ بين المحصور وغيره وهي الالحاق بغير المحصور من حيث ان الحصر على خلاف الاصل وفي موضع البحث لا حصر في دم المعفو عما نقص عن الدرهم منه ولا في الدم الطاهر. قال في المعالم: وهذا الكلام متجه بالنظر إلى الحكم الاول حيث ان ما لا يعفى عن قليله من الدماء منحصر وما يعفى عنه غير منحصر كما ذكره، واما في الحكم الثاني فواضح الفساد لان كلا من الدم الطاهر والنجس غير منحصر، ثم نقل عن بعض من عاصره من مشايخه بانه وجهه بان اصالة الطهارة لم ترد في نفس الدم بل فيما لاقاه على معنى ان طهارته إذا علمت قبل ملاقاة هذا الدم المشتبه فالاصل بقاؤها إلى ان يعلم المقتضى لنجاسته ومع الاشتباه لا علم، ثم قال وله وجه غير ان لنا في المقام توجيها احسن منه وهو انه لا فرق للنجس إلا ما امر الشارع بازالته واجتنابه ولا للطاهر إلا ما لا تكليف فيه باحد الامرين فإذا حصل الاشتباه كان مقتضى الاصل هو الطهارة بمعنى براءة الذمة من التكليف بواحد من الامرين. انتهى. وانت خبير بانه يمكن تطرق المناقشة إلى مواضع من هذا الكلام: (منها) الاستناد في الطهارة والعفو في التوجيه الاول إلى القاعدة المذكورة المثمرة للظن بناء على ان الحاق الفرد المذكور بالاغلب مظنون كما قيل، وبناء الاحكام الشرعية الموقوفة على التوقيف من الشارع التي قد استفاضت الايات والروايات بالمنع فيها عن القول بغير علم على مثل هذه القواعد التي لم يثبت لها مستند من الشرع مجازفة محضة وقول على الله عزوجل بلا حجة ولا بينة، والبناء على مثل هذا الظن الغير المستند إلى آية أو رواية مشكل
[ 324 ]
و (منها) التوجيه الثالث فان ما ذكره معارض بانه قد قام الدليل على اشتراط صحة الصلاة بطهارة الثوب والبدن إلا ما استثنى فلابد من العلم بالطهارة ويقين البراءة موقوف على ذلك، والمشتبه المحتمل لكل من الامرين لا يحصل فيه ذلك. واما ما ذكره في المعالم من معنى النجس والطاهر فهو غير معلوم ولا ظاهر وانما معنى الطاهر هو ما لم يعلم نجاسته اي كونه من احد الاعيان النجسة ولا ملاقاة النجاسة له على الوجه الموجب لذلك والنجس هو ما علم فيه احد الامرين، وما ذكره من اللوازم لا انه معنى النجس والطاهر. والتحقيق عندي في المقام اما بالنسبة إلى الدم فهو يرجع إلى ما قدمنا من معنى المحصور وغير المحصور، وذلك فانه ان وقع الاشتباه في دمين أو ثلاثة مثلا بعضها طاهر وبعضها نجس كما لو افتصد مثلا وباشر دم السمك فرأى في ثوبه دما لا يدري هو من دم ايهما مع عدم احتمال غيرهما فان هذا يكون من قبيل المحصور يلحق حكم الطاهر منهما حكم ما اشتبه به من النجس، وهكذا لو كان معفوا عنه والاخر غير معفو فانه يلحق حكم المعفو عنه هنا حكم غير المعفو عنه، ولو وقع اشتباه في الدماء مطلقا كأن وجد ثوبا أو شيئا عليه دم مع احتمال تطرق الدماء الطاهرة والنجسة إليه فهذا يكون من قبيل غير المحصور ويكون الاصل فيه الطهارة عملا بالقاعدة المنصوصة الكلية " كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر " (1) و " لا ابالي أبول اصابني ام ماء إذا لم اعلم " (2) وقول ذلك القائل في الوجه الثاني ان اصالة الطهارة لم ترد في نفس الدم ليس في محله فان كل شئ له افراد بعضها طاهر وبعضها نجس ووجد منه فرد لا يعلم انه اي القسمين هو يجب فيه الحكم باصالة الطهارة دما كان أو غيره، هذا بالنسبة إلى الدم واما بالنسبة إلى الثوب أو البدن الذى لاقى ذلك الدم فان كان ذلك الدم من قسم غير المحصور فلا اشكال في طهارة الملاقي للحكم بطهارة الدم كما عرفت، وان كان من القسم الاول بني على الخلاف المتقدم في مسألة الاناءين بان
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 37 من النجاسات.
[ 325 ]
ما لاقى المشتبه في المحصور هل يحكم فيه بحكمه ام يكون باقيا على اصل الطهارة ؟ قولان قد تقدم البحث فيهما ثمة. والله العالم.
(الموضوع الرابع) اطلاق النصوص المتقدمة بالعفو عن الاقل من الدرهم أو العفو عن الدرهم على القول الاخر شامل لدم الحيض وغيره من الدماء إلا ان المشهور بين الاصحاب من غير خلاف يعرف استثناء دم الحيض حيث قطعوا بعدم العفو عنه واوجبوا ازالة قليله وكثيره عن الثوب والبدن للصلاة لرواية ابي سعيد عن ابي بصير (1) قال: " لا تعاد الصلاة من دم لم يبصره إلا دم الحيض فان قليله وكثيره في الثوب ان رآه وان لم يره سواء ". قال المحقق في المعتبر بعد الاستدلال بالرواية المذكورة: لا يقال الراوي له عن ابي بصير أبو سعيد وهو ضعيف والفتوى موقوفة على ابي بصير وليس قوله حجة، لانا نقول الحجة عمل الاصحاب بمضمونه وقبولهم له فان ابا جعفر بن بابويه قاله والمرتضى والشيخان واتباعهما، ويؤيد ذلك ان مقتضى الدليل وجوب ازالة قليل الدم وكثيره عملا بالاحاديث الدالة على ازالة الدم لقوله (صلى الله عليه وآله) لاسماء (2) " حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء " وما رواه سورة بن كليب عن الصادق (عليه السلام) (3) " عن الحائض قال تغسل ما اصاب ثيابها من الدم " لكن ترك العمل بذلك في بعض
(1) المروية في الوسائل في الباب 21 من ابواب النجاسات (2) في سنن ابن ماجة ج 1 ص 217 عن اسماء بنت ابي بكر قالت: " سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن دم الحيض يكون في الثوب، قال اقرصيه واغسليه وصلى فيه " وفي سنن البيهقي ج 1 ص 13 عنها ايضا انه صلى الله عليه وآله قال: " لتحته ثم لتقرصه بالماء ثم لتنضحه ثم لتصل فيه " وفي سنن ابي داود ج 1 ص 99 عنها ايضا انه صلى الله عليه وآله قال: " حتيه ثم اقرصيه بالماء ثم انضحيه ". (3) رواه في الوسائل في الباب 28 من ابواب النجاسات.
[ 326 ]
الدماء لوجود المعارض فلا يجب العمل به في الباقي. انتهى. وفيه انه ما ذكره في هذه الرواية من ان الفتوى موقوفة على ابي بصير وان تبعه فيه جملة ممن تأخر عنه كصاحبي المدارك والمعالم حيث انهم لم يقفوا في الرواية إلا على هذا الطريق إلا ان الشيخ قد رواها في موضع آخر وكذا صاحب الكافي عن ابي بصير عن الباقر والصادق (عليهما السلام) واما ما ذكره من جبر ضعفها بعمل الاصحاب فهو جيد إلا انه لم يقف عليه في غير موضع من كتابه كما قدمنا ذكره في غير مقام. واما ما ذكره من حديث اسماء فالظاهر انه من طريق العامة حيث انه لم يذكر في كتب اخبارنا فيما اعلم وبذلك صرح في المعالم ايضا، واما قوله: ان مقتضى الدليل وجوب ازالة الدم قليله وكثيره.. الخ فجيد. واما مناقشة صاحب المعالم هنا بانه ليس فيما وصل الينا ونقله الاصحاب في كتبهم من الاخبار المعتمدة حديث مطلق في ايجاب ازالة الدم بحيث يصلح لتناول القليل من دم الحيض بل هي اما ظاهرة في الكثير أو مفروضة في غير دم الحيض فهو مردود بما قدمناه في الفصل الرابع في نجاسة الدم من الاخبار الدلة باطلاقها على نجاسة الدم قليلا كان أو كثيرا دم حيض كان أو غيره فارجع لها وتدبر، على انه يكفي في المقام ان يقال وبه اعترف ايضا في آخر كلامه انه وردت الاخبار المعتبرة المعتضدة باتفاق الاصحاب بانه يشترط في صحة الصلاة الطهارة من الدم في ثوب المصلي وبدنه وانه بالصلاة فيه عالما أو ناسيا يجب عليه الاعادة، ومن البين ان دم الحيض وان قل موجب للنجاسة وبالجملة فالحكم باستثناء دم الحيض من البين مما لا اشكال فيه وانما الاشكال فيما الحق به حيث عزى إلى الشيخ الحاق دم الاستحاضة والنفاس بدم الحيض في وجوب ازالة قليه وكثيره، قال المحقق في المعتبر بعد نقل ذلك عن الشيخ: ولعله نظر إلى تغليظ نجاسته لانه يوجب الغسل واختصاصه بهذه المزية يدل على قوة نجاسته على باقي الدماء فغلظ حكمه في الازالة، ثم قال وألحق بعض فقهاء قم دم الكلب والخنزير ولم يعطنا العلة، ولعله
[ 327 ]
نظر إلى ملاقاته جسدهما ونجاسة جسدهما غير معفو عنها. انتهى. وقد حكى العلامة في المختلف إلحاق دم الكلب والخنزير والكافر بالدماء الثلاثة عن القطب الراوندي وابن حمزة وحكي عن ابن ادريس المنع من ذلك مدعيا انه خلاف اجماع الامامية، ثم اختار العلامة الالحاق ووجهه بان المعفو عنه انما هو نجاسة الدم والدم الخارج من الكلب والخنزير والكافر يلاقي اجسامها فتتضاعف نجاسته ويكتسب بملاقاة الاجسام النجسة نجاسة اخرى غير نجاسة الدم وتلك لم يعف عنها، كما لو اصاب الدم المعفو عنه نجاسة غير الدم فانه يجب ازالته مطلقا، قال وابن ادريس لم يتفطن لذلك فشنع على قطب الدين بغير الحق. انتهى. وظاهره في المعالم الميل إلى ما ذكره العلامة في هذا المقام حيث قال بعد نقل كلام العلامة المذكور: قلت العجب من غفلة ابن ادريس عن ملاحظة هذا الاعتبار الذي حرره العلامة ونبه عليه المحقق مع تنبهه لمثله في ظاهر كلامه السابق في البحث عما ينزح لموت الانسان في البئر حيث فرق في ذلك بين المسلم والكافر وانكر عليه الجماعة فيه اشد الانكار ونحن صوبنا رأيه هناك واوضحنا المقام بما لا مزيد عليه، فكيف انعكست القضية هنا فصار هو إلى الانكار ورجعوا هم إلى الاعتراف والمدرك في المقامين واحد ؟ وربما كان مراد ابن ادريس هنا خلاف ما افهمه ظاهر كلامه الذي حكوه عنه، وعلى كل حال فالحق ان الحيثية مرعية في جميع هذه المواضع والحكم منوط بها فان العفو الثابت في مسألتنا هذه على ما سيأتي بيانه متعلق بنجاسة الدم من حيث هي فإذا انضم إليها حيثية اخرى كملاقاة جسم نجس كان لتلك الحيثية المنضمة إليها حكم نفسها لو انفردت. انتهى. اقول: لا يخفى ان صحة ما ذكره مبني على امرين (احدهما) اعتبار الحيثية التي ادعاها في المقام ولا دليل عليه ظاهرا فان اطلاق الدم اعم من ذلك والحكم مترتب عليه. و (ثانيهما) استفادة النجاسة بملاقاة نجاسة اخرى زيادة نجاسة على ما كانت عليه
[ 328 ]
وهو محل غموض لا مدرك له من الاخبار وان كان جاريا في كلامهم، وبذلك يظهر الاشكال فيما ذكره ووجه به كلام العلامة. والذي يقرب عندي في هذا المقام اما بالنسبة إلى دم الاستحاضة والنفاس فالظاهر دخولهما في عموم اخبار العفو، وما ذكروه من استثنائهما الحاقا بدم الحيض نظرا إلى تساويهما في ايجاب الغسل فان النفاس حيض في المعنى والاستحاضة مشتقة منه لا يخرج عن القياس، وبناء الاحكام الشرعية على مثل هذه التعليلات العليلة مجازفة محضة كما اشرنا إليه في غير مقام. واما دم الكافر واخويه فالظاهر انه لا عموم في الاخبار المتقدمة على وجه يشمله إذ لا يخفى ان المتبادر من الدم فيها انما هو الافراد الشائعة المتكاثرة المعتادة المتكررة الوقوع كما صرحوا به في غير مقام من ان اطلاق الاخبار انما ينصرف إلى الافراد المتكثرة الوقوع دون الفروض النادرة التي ربما لا تقع مدة العمر ولو مرة واحدة. فالواجب هو الحمل على الافراد المتعارفة من دم الانسان أو الحيوانات التي يتعارف ذبحها أو نحو ذلك، وحينئذ يبقى على وجوب الازالة وعدم الدخول تحت عموم اخبار العفو ولا ريب ان الاحتياط يقتضيه. ويلحق بدم الحيض هنا في وجوب ازالة قليله وكثيره دم الغير لمرفوعة البرقي عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " دمك انظف من دم غيرك إذا كان في ثوبك شبه النضح من دمك فلا بأس، وان كان دم غيرك قليلا أو كثيرا فاغسله " ولم اقف على من تنبه على هذا الكلام إلا الامين الاسترابادي فانه ذكره واختاره، والى هذه الرواية اشار ايضا في كتاب الفقه الرضوي (2) فقال: " واروي ان دمك ليس مثل دم غيرك " والله العالم. (الموضع الخامس) قد اشتملت الاخبار المتقدمة على تحديد القدر المعفو عنه من الدم وغير المعفو عنه بالدرهم، وهي مجملة في ذلك تفسيرا وتقديرا إلا ان ظاهر
(1) المروية في الوسائل في الباب 21 من النجاسات (2) البحار ج 18 ص 21.
[ 329 ]
الاصحاب الاتفاق على انه البغلي وهو المشار إليه بالدرهم الوافي في كلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي الذي وزنه درهم وثلث. قال المحقق في المعتبر: الدرهم هو الوافي الذي وزنه درهم وثلث وسمي البغلي نسبة إلى قرية بالجامعين. وفي كلام جماعة من الاصحاب انه على هذا التفسير مفتوح الغين مشدد اللام. وقال ابن ادريس في السرائر: فهذا الدم نجس إلا ان الشارع عفى عن ثوب وبدن اصابه منه دون سعة الدرهم الوافي وهو المضروب من درهم وثلث، وبعضهم يقولون دون قدر الدرهم البغلي وهو منسوب إلى مدينة قديمة يقال لها بغل قريبة من بابل بينها وبينها قريب من فرسخ متصلة ببلدة الجامعين يجد فيها الحفرة والغسالون دراهم واسعة شاهدت درهما من تلك الدراهم، وهذا الدرهم اوسع من الدينار المضروب بمدينة السلام المعتاد تقرب سعته من سعة اخمص الراحة، وقال بعض من عاصرته ممن له علم باخبار الناس والانساب ان المدينة والدراهم منسوبة إلى ابن ابي البغل رجل من كبار اهل الكوفة اتخذ هذا الموضع قديما وضرب هذا الدرهم الواسع فنسب إليه الدرهم البغلي. وهذا غير صحيح لان الدراهم البغلية كانت في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله) قبل الكوفة. انتهى كلامه. وقال الشهيد في الذكرى: عفى عن الدم في الثوب والبدن عما نقص عن سعة الدرهم الوافي وهو البغلي باسكان الغين وهو منسوب إلى رأس البغل ضربه الثاني في ولايته بسكة كسروية وزنته ثمانية دوانيق، والبغلية كانت تسمى قبل الاسلام الكسروية فحدث لها هذا الاسم في الاسلام والوزن بحاله وجرت في المعاملة مع الطبرية وهي اربعة دوانيق فلما كان زمن عبد الملك جمع بينهما واتخذ الدرهم منهما واستقر امر الاسلام على ستة دوانيق، وهذه التسمية ذكرها ابن دريد، وقيل منسوب إلى بغل قرية بالجامعين كان يوجد فيها دراهم تقرب سعتها من اخمص الراحة لتقدم الدراهم على الاسلام، قلنا لا ريب في
[ 330 ]
تقدمها وانما التسمية حادثة والرجوع إلى المنقول اولى. انتهى. ومراده بالمنقول ما نقله عن ابن دريد. ونقل في مجمع البحرين عن بعضهم انه كانت الدراهم في الجاهلية مختلفة فكان بعضها خفافا وهي الطبرية وبعضها ثقالا كل درهم ثمانية دوانيق وكانت تسمى العبدية وقيل البغلية نسبت إلى ملك يقال له رأس البغل فجمع الخفيف والثقيل وجعلا درهمين متساويين فجاء كل درهم ستة دوانيق، ويقال ان عمر هو الذى فعل ذلك لانه لما اراد جباية الخراج طلب بالوزن الثقيل فصعب على الرعية فجمع بين الوزنين واستخرجوا هذا الوزن. هذا ما ذكروه بالنسبة إلى تفسيره. واما بيان سعته فقد تقدم في كلام ابن الجنيد ان سعته كعقد الابهام الاعلى، وفي كلام ابن ادريس المذكور هنا ما يقرب سعته من اخمص الراحة، ونقل في المعتبر عن ابن ابي عقيل انه ما كان بسعة الدينار، قال في المعتبر بعد تفسيره له بالوافي الذي وزنه درهم وثلث كما قدمنا نقله عنه ونقل قولي ابن ابي عقيل وابن الجنيد: والكل متقارب والتفسير الاول اشهر، هذه عبارته. قال في المعالم: وقال بعض الاصحاب انه لا تناقض بين هذه التقديرات لجواز اختلاف افراد الدرهم من الضارب الواحد كما هو الواقع واخبار كل واحد عن فرد رآه، ثم قال بعد نقل ذلك: وهذا الكلام انما يتم لو لم يكن في التفسير خلاف وإلا فمن الجائز استناد الاختلاف في التقدير إلى الاختلاف في التفسير ولم يعلم من حال الذين حكى كلامهم في التقدير انهم متفقون على احد التفسيرين، فان ابن الجنيد لم يتعرض في كلامه الذي رأيناه لذكر البغلي فضلا عن تفسيره ولم ينقل عنه احد من الاصحاب في ذلك شيئا، والكلام الذي حكاه المحقق عن ابن ابي عقيل خال من التعرض للفظ البغلي ايضا، واما ابن ادريس فقد عزى إليه المصير إلى التفسير الثاني وبناء التقدير عليه، والعجب من جماعة من الاصحاب انهم بعد اعترافهم بوقوع الاختلاف هنا قالوا ان
[ 331 ]
شهادة ابن ادريس في قدره مسموعة مريدين بذلك الاعتماد على التقدير الذي ذكره، وكيف يستقيم ذلك وفرض كون كلامه شهادة مقتض لتوقف الحكم بمضمونها على التعدد كما هو شأن الشهادة، ومع التنزل فهو مبني على تفسيره كما قلناه فلابد من ثبوت التفسير اولا ولم يظهر من حال الجماعة الذين ذكروا هذا الكلام انهم معتمدون على هذا التفسير، وبالجملة فالمصير إلى شئ من التفسيرين والبناء على واحد من التقديرين مع عدم ظهور الحجة وانما هي دعاو مجردة عن الدليل دخول في ربقة التقليد، والوقوف مع القدر الاقل هو الاولى ولعل القرائن الحالية تشهد بنفي ما دونه. انتهى كلامه. اقول: لا يخفى ان هذا البعض الذي اشار إليه بقوله: وقال بعض الاصحاب انه لا تناقض.. الخ انما هو والده في الروض حيث قال بعد ذكر المصنف التقدير بسعة الدرهم البغلي ما صورته: باسكان الغين وتخفيف اللام منسوب إلى رأس البغل ضربه الثاني في ولايته بسكة كسروية فاشتهر به وقيل بفتحها وتشديد اللام منسوب إلى بغل قرية بالجامعين كان يوجد فيها دراهم تقرب سعتها من اخمص الراحة وهو ما انخفض من باطن الكف ذكر ابن ادريس انه شاهده كذلك وشهادته في قدره مسموعة، وقدر ايضا بعقد الابهام العليا وهو قريب من اخمص الكف وقدر بعقدة الوسطى، والظاهر انه لا تناقض بين هذه التقديرات لجواز اختلاف افراد الدراهم من الضارب الواحد كما هو الواقع واخبار كل واحد عن فرده رآه. انتهى. ثم اقول: لا يخفى ان ظاهر كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) الاتفاق على ان المراد بالدرهم في الاخبار المذكورة هو الدرهم الوافي الذي وزنه درهم وثلث كما اشتملت عليه عبارة ابن ادريس والمحقق والشهيد في الذكرى وبه صرح الصدوق في الفقيه والمفيد في المقنعة حيث قال: فان اصاب ثوبه دم وكان مقداره في سعة الدرهم الوافي الذي كان مضروبا من درهم وثلث وجب عليه غسله بالماء ولم يجز له الصلاة فيه.. إلى آخره، والعلامة في جملة من كتبه والشهيد الثاني في الروض وغيرهم
[ 332 ]
لان ظاهر جملة من علماء الخاصة والعامة ان غالب الدراهم التي في صدر الاسلام هي الدرهم البغلي الذي وزنه ثمانية دوانيق والطبري الذي وزنه اربعة دوانيق، والاصحاب احترزوا هنا بقيد الوافي وان وزنه درهم وثلث عن الدرهم الاخر وهو الطبري، وكلام ابن الجنيد وابن ابي عقيل ليس فيه ظهور في مخالفة ذلك وانما غاية ما فيه انه مطلق بالنسبة إلى تعيين الدرهم فيحمل على كلام الاصحاب المذكور جمعا وان المراد به الدرهم الوافي الذي هو البغلي، والاخبار التي قدمناها وان كانت مطلقة ايضا إلا ان كلام الرضا (عليه السلام) في الفقه الرضوي صريح في ارادة الدرهم الذي ذكره الاصحاب، وحينئذ فالواجب حمل مطلق الاخبار عليه، وبما ذكرنا يحصل اتفاق الاخبار وكلمة الاصحاب على ان المراد بالدرهم هو الدرهم الوافي الذي وزنه درهم وثلث دون الدرهم الطبري الذي هو الدرهم الاخر ودون الدرهم الذي استقر عليه امر الاسلام اخيرا وهو الذي وزنه ستة دوانيق، وعلى هذا فلا اشكال ولا خلل فيما ذكره شيخنا الشهيد الثاني في الروض من انه لا تناقض بين هذه التقديرات.. إلى آخر ما تقدم نقله عنه، فانه متى ثبت ان المراد بالدرهم في الاخبار هو الدرهم الذي بهذا الوزن المخصوص فسعته الحاصلة من ضربه ربما اختلفت كما هو المشاهد من الدراهم والدنانير المضروبة في هذه الازمنة، واما ما يظهر من بعض عباراتهم من ان التفسير بكونه عبارة عن الوافي الذي هو درهم وثلث مناف للتقدير باخمص الراحة وسعة عقد الابهام الاعلى فهو غلط محض لان التقدير الاول انما هو تقدير للوزن والتقديرين الاخيرين انما هو تقدير للمساحة والسعة فاي منافاة هنا كما توهموه ؟ نعم يبقى الاشكال هنا في مقامين: (الاول) ان ظاهر الاخبار وكلام الاصحاب كما عرفت هو ان المراد بهذا الدرهم هو الدرهم الوافي الذي كان في زمنه (صلى الله عليه وآله) دون الدرهم الاخر الناقص وانه كما ذكره في الذكرى ونقله عن ابن دريد يسمى بالبغلي للعلة التي ذكرناها، ومن المتفق عليه بين الخاصة والعامة ان الدرهم المذكور قد غير مع الدرهم الاخر واستقر امر الاسلام على الدرهم الذي وزنه ستة
[ 333 ]
دوانيق في زمن عبد الملك كما في الذكرى أو زمن عمر كما في النقل الاخر، وحينئذ فما ذكره المحقق في المعتبر وابن ادريس من ان الدرهم البغلي هو المنسوب إلى هذه القرية المذكورة وان ابن ادريس شاهد بعضا منها ربما اوهم المنافاة لما تقدم من حيث كون الدرهم المذكور ضرب اخيرا وجرى في المعاملة كذلك مع ما علم من اختصاص ذلك بعصره (صلى الله عليه وآله) وما قبله وما قرب منه اخيرا. ويمكن ان يقال في الجواب عن ذلك ان النسبة إلى هذه القرية وضربه بها يمكن ان يكون في زمنه (صلى الله عليه وآله) وقبله لان بابل وما قرب منها من البلدان القديمة وبقاء بعض منها إلى ذلك الوقت لا يدل على المعاملة وانما يدل على انها بعد نسخها وهجرها وبطلان المعاملة بها بقيت في تلك القرية الخربة حتى انهم كانوا يلتقطونها منها، وانما تبقى المنافاة في سبب التسمية والنسبة بين ما ذكره في الذكرى من ان السبب في تسميتها بغلية هو ضرب ذلك الرجل المسمى برأس البغل لها وبين ما ذكروه هنا من النسبة إلى هذه القرية، والامر في ذلك سهل لا يترتب على اختلافه حكم شرعي بعد الاتفاق على الدرهم المعلوم. و (الثاني) ان اكثر هذه الاخبار المتقدمة قد وردت عن الباقر والصادق ومن بعدهما (عليهم السلام) والدرهم الذي استقر عليه امر الاسلام في زمانهم (عليهم السلام) انما هو الذي وزنه ستة دوانيق فاطلاق الاخبار انما ينصرف إليه وهذا الاشكال قد تنبه له في المدارك فقال بعد نقل ملخص كلام الذكرى: ومقتضاه ان الدرهم كان يطلق على البغلي وغيره وان البغلي ترك في جميع العالم زمان عبد الملك وهو متقدم على زمان الصادق (عليه السلام) قطعا فيشكل حمل النصوص الواردة عنه (عليه السلام) عليه والمسألة قوية الاشكال. انتهى. والجواب عن ذلك ما قدمنا ذكره من ان الاخبار وان كانت مطلقة بذكر الدرهم إلا ان عبارة الفقه الرضوي قد اشتملت على تقييده بما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) فيجب حمل اطلاق الاخبار الباقية عليها، ويؤيده ان الظاهر ان التحديد بهذا الدرهم انما ذكره الائمة (عليهم السلام)
[ 334 ]
بيانا عن الرسول (صلى الله عليه وآله) فالواجب حمله على زمانه لانهم نقلة لاحكامه وحفظة لشريعته وبيان معالم حلاله وحرامه، ولكن العذر للسيد المزبور واضح حيث لم يقف على الكتاب المذكور، وكم كشف الله تعالى بهذا الكتاب الميمون من اشكل في امثال هذا المجال كما عرفت فيما مضى وستعرف ان شاء الله تعالى فيما يأتي بتوفيق الملك المتعال. والله العالم.
(المسألة الرابعة) الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في ان كل ما لا تتم فيه الصلاة وحده كالتكة والقلنسوة والخف والنعل يعفى عن نجاسته كائنة ما كانت ولو كدم الحيض ونجس العين، وانما الخلاف هنا في تعميم الحكم فيما تعلقت به وعدمه كما سيأتي تفصيله في المقام ان شاء الله تعالى. ويدل على اصل الحكم مضافا إلى الاتفاق المشار إليه جملة من الاخبار: منها ما رواه الشيخ في الموثق عن زرارة عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال: " كل ما كان لا يجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس ان يكون عليه الشئ مثل القلنسوة والتكة والجورب " وعن عبد الله بن سنان عن من اخبره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) انه قال: " كل ما كان على الانسان أو معه مما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس ان يصلي فيه وان كان فيه قذر مثل القلنسوة والتكة والكمرة والنعل والخفين وما اشبه ذلك " وعن حماد بن عثمان في الصحيح عن من رواه عن الصادق (عليه السلام) (3) " في الرجل يصلي في الخف الذي قد اصابه قذر ؟ قال: إذا كان مما لا تتم الصلاة فيه فلا بأس " وعن ابراهيم بن ابي البلاد عن من حدثهم عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " لا بأس بالصلاة في الشئ الذي لا تجوز الصلاة فيه وحده يصيبه القذر مثل القلنسوة والتكة والجورب " وعن زرارة (5) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ان قلنسوتي وقعت في بول فاخذتها فوضعتها على رأسي ثم صليت ؟
(1) و (2) و (3) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 31 من النجاسات.
[ 335 ]
فقال لا بأس " وعن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " كل ما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بالصلاة فيه مثل التكة الابريسم والقلنسوة والخف والزنار يكون في السراويل ويصلى فيه ". وطعن جمع من اصحاب هذا الاصطلاح في هذه الاخبار بضعف الاسناد: منهم السيد السند في المدارك والمحقق الشيخ حسن في المعالم وانما اعتمدوا في الحكم على الاصل مضافا إلى اتفاق الاصحاب وايدوا ذلك بهذه الاخبار، ولا يخفى ما فيه من الضعف عند النظر بعين التحقيق والتأمل بالفكر الصائب الدقيق ولكن ضيق الخناق في هذا الاصطلاح الذي هو إلى الفساد اقرب منه إلى الصلاح اوجب لهم التشبث بهذه العلل العليلة والوجوه الضئيلة. وقال في الفقه الرضوي (2): " ان اصاب قلنسوتك أو عمامتك أو التكة أو الجورب أو الخف مني أو بول أو دم أو غائط فلا بأس بالصلاة فيه وذلك ان الصلاة لا تتم في شئ من هذه وحده ". إذا عرفت ذلك فاعلم ان الاصحاب مع اتفاقهم على اصل الحكم المذكور كما تقدمت الاشارة إليه اختلفوا فيه من جهة المتعلق فذهب جمع من متأخري الاصحاب: منهم المحقق والشهيد في اكثر كتبه والشهيد الثاني وغيرهم إلى تعميم الحكم في كل ما لا تتم الصلاة فيه من ملبوس ومحمول في محلها كانت تلك الملابس ام لا، وخصه ابن ادريس بالملابس وتبعه العلامة في ذلك، فقال في النهاية والمنتهى لو كان معه دراهم نجسة أو غيرها لم تصح صلاته، وتبعه الشهيد في البيان، وزاد العلامة في اكثر كتبه ايضا اعتبار كون الملابس في محالها فصرح في المنتهى بانه لو وضع التكة على رأسه والخف في يده وكانا نجسين لم تصح صلاته. ووافقه على ذلك في البيان ايضا، ونقل عن القطب الراوندي
(1) رواه في الوسائل في الباب 14 من لباس المصلى (2) ص 6.
[ 336 ]
قصر الحكم ايضا على الملابس وزاد تخصيصها بخمسة اشياء: القلنسوة والتكة والجورب والخف والنعل. والظاهر هو القول الاول لاطلاق الاخبار المتقدمة فانها شاملة بعمومها للملبوس بنوعيه في محله وغير محله وكذا المحمول، ورواية عبد الله بن سنان قد صرحت بالعفو عن المحمول بالخصوص من الملابس كان أو من غيرها. ولم نقف لشئ من هذه الاقوال المخصصة على دليل إلا ان العلامة في المختلف نقل عن الراوندي الاحتجاج على ما قدمنا نقله عنه بالاجماع على هذه الخمسة وما عداه لم يثبت فيه النص فيبقى على المنع ثم اجاب بانا قد بينا الثبوت والمشاركة في الجواز، واشار بذلك إلى ما استدل به على العموم حيث اختاره في الكتاب المذكور فقال لنا على التعميم الاشتراك في العلة المبيحة للصلاة وهي كونه ملبوسا لا تتم الصلاة فيه منفردا، وما رواه حماد ثم نقل مرسلة حماد المتقدمة، ورواية عبد الله بن سنان. وهو جيد. وما ذكره في المنتهى والنهاية وكذا في البيان من عدم صحة الصلاة لو كان معه دراهم نجسة أو غيرها لا اعرف له وجها ولا عليه دليلا فان غاية ما يفهم من الادلة اشتراط صحة الصلاة بطهارة ثوب المصلي يعني ملبوسه شاملا كان للبدن أو غير شامل واما محموله سيما مثل الدراهم ونحوها فاي دليل دل على اشتراط صحة الصلاة بطهارته ؟ وبما ذكرنا صرح السيد في المدارك ونقله عن المعتبر حيث قال: وغاية ما يستفاد من النص والاجماع اشتراط طهارة الثوب والبدن اما المنع من حمل النجاسة في الصلاة إذا لم تتصل بشئ من ذلك فلا دليل عليه كما اعترف به المصنف في المعتبر. انتهى.
فروع:
(الاول) قد صرح الصدوق في الفقيه والمقنع بعد العمامة في جملة ما يعفى عنه ونقله عن ابيه في الرسالة ايضا، قال في الفقيه " ومن اصاب قلنسوته أو عمامته أو تكته أو جوربه أو خفه مني أو دم أو بول أو غائط فلا بأس بالصلاة فيه. وذلك
[ 337 ]
لان الصلاة لا تتم في شئ من هذا وحده " انتهى. والاصحاب قد استشكلوا في عده العمامة في جملة هذه المذكورات ونحوها، قال شيخنا المجلسي في حواشيه على الكتاب: ظاهر الصدوق جواز الصلاة في العمامة وان كانت نجسة، والظاهر انه وجد فيها نصا وإلا فيشكل الجزم بجواز الصلاة باعتبار انها بهذه الهيئة لا يتمكن من ستر العورتين بها فيلزم جواز الصلاة في كل ثوب مطوي مع نجاسته والظاهر ان التزامه سفسطة، وعلى اي حال فالعمل في خلافه. انتهى. اقول: العجب من شيخنا المذكور ان كتاب الفقه الرضوي عنده وهذه العبارة عين كلامه (عليه السلام) في الكتاب المذكور بتغيير يسير فكيف لم يطلع على ذلك مع تنبيهه في غير موضع على امثال ذلك ؟ ونقل المحقق في المعتبر عن القطب الراوندي حمل العمامة في كلام الصدوق على عمامة صغيرة كالعصابة، قال لانها لا يمكن ستر العورة بها وربما حملت على اعتبار كونها على تلك الكيفية. قال في المدارك: ولعل المراد ان الصلاة لا تتم فيها وحدها مع بقائها على تلك الكيفية المخصوصة، ثم نقل تأويل الراوندي وقال وهذا اولى وان كان الاطلاق محتملا لما اشرنا إليه سابقا من انتفاء ما يدل على اعتبار طهارة ما عدا الثوب والجسد والعمامة لا يصدق عليها اسم الثوب عرفا مع كونها على تلك الكيفية المخصوصة. انتهى. واقتفاه في ذلك الفاضل الخراساني في الذخيرة فقال: والمسألة محل اشكال للشك في صدق اسم الثوب على العمامة عرفا وإذا لم يصدق عليها الثوب كان القول بالالحاق متجها لان الدليل الدال على وجوب تطهير لباس المصلي مختص بالثوب فيبقى غيره على الاصل، لكن في عدم التمثيل بالعمامة في الاخبار والتمثيل بالقلنسوة وغيرها اشعار بان الحكم فيها ليس ذلك وإلا لكانت العمامة احق بالتمثيل كما لا يخفى على المتأمل. انتهى. وانت خبير بان دعوى عدم صدق الثوب عليها عرفا مع كونها على تلك الكيفية
[ 338 ]
لا اعرف له وجها إذ الثوب عرفا كما يطلق على المنشور يطلق على المطوي ايضا، وبالجملة فان الخبر المذكور وان دل على استثناء العمامة ايضا وقال بمضمونه الشيخان المشار اليهما إلا انه غير خال من شوب الاشكال إلا مع الحمل على ما ذكره الراوندي، وهو لا يخلو من البعد ايضا والله العالم.
(الثاني) قال المحقق في المعتبر: لو حمل حيوانا طاهرا غير مأكول اللحم أو صبيا لم تبطل صلاته لان النبي (صلى الله عليه وآله) حمل امامة وهو يصلي (1) وركب الحسين (عليه السلام) على ظهره وهو ساجد (2) وفي المنتهى ذكر نحوه ايضا
(1) ذكر العلامة المقرم في تعليقه على محاضرات الفقه الجعفري لفقيه العصر آية الله السيد أبو القاسم الخوئي ادام الله ظله ص 51 ان قصة حمل النبي صلى الله عليه وآله امامة في الصلاة لم ترد من طرقنا وانها مروية في جوامع اهل السنة كصحيح مسلم ج 1 ص 205 وموطأ مالك ج 1 ص 183 وسنن البيهقي ج 2 ص 263 وغيرها وان الاحاديث تنتهى إلى واحد وهو أبو قتادة والمروي عنه واحد وهو عمرو بن سليم الزرقي، وقد قرب ان القصة من الموضوعات وحقق الموضوع تحقيقا وافيا راجع التعليقة 4 ص 51 تقف على المسألة مفصلا (2) قصة ركوب الحسن والحسين عليهما السلام على ظهر النبي صلى الله عليه وآله من مرويات العامة رواها ابن حجر في الاصابة ج 1 ص 329 ترجمة الحسن (ع) عن الزبير بن بكار عن عمه مصعب الزبيري وفيه ص 330 عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود ورواها ابن عساكر في تاريخه ج 4 ص 202 عن مصعب بن عمير عن عبد الله بن الزبير والذهبي في ميزان الاعتدال ج 2 ص 352 عن ابي هريرة وابن حجر في الصواعق المحرقة ص 82 عن ابي بكرة وفي كنز العمال ج 6 ص 109 عن ابي بكرة. وقد يترجح في نظر بعض ان هذه القصة من موضوعاتهم وان الله قد اعطى الامام العلم واوقفه على اسرار التكوين منذ كان حملا في بطن امه، فقد ورد في احاديث كثيرة رواه الصفار في بصائر الدرجات والكليني في اصول الكافي عن اهل البيت عليهم السلام " إذا ولد المولود منا رفع له عمود نور يرى به اعمال العباد وما يحدث في البلدان " اشارة إلى القوة القدسية المودعة في نفوس الائمة عليهم السلام فالامام يعرف ماهية الصلاة ومن الذي يسجد له نبي الاسلام صلى الله عليه وآله ولم يفته ان هذا الحال هو =
[ 339 ]
وزاد في حكاية ركوب الحسين (عليه السلام) ظهر جده ان الجمهور كافة نقلوه، واضاف إلى هذه الرواية وجها آخر وهو ان النجاسة في المحمول في معدته كالحامل. ونقل عن بعض الاصحاب انه احتج لجواز ذلك بالاصل السالم عن معارضة ما يقتضي المنافاة. وهو كذلك. اقول: ومفهوم هذا الكلام انه لو كان المحمول حيوانا نجسا نجاسة ذاتية أو عارضية بطلت صلاته، وهو مبني على اشتراط الطهارة في المحمول ايضا وقد عرفت ما فيه.
(الثالث) قال الشيخ في الخلاف: إذا حمل قارورة مسدودة الرأس بالرصاص وفيها بول أو نجاسة ليس لاصحابنا فيه نص والذي يقتضيه المذهب انه لا ينقض الصلاة، وبه قال ابن ابي هريرة من اصحاب الشافعي غير انه قاسه على حيوان طاهر في جوفه نجاسة ثم عزى إلى غيره من العامة القول بالبطلان (1) وقال بعد ذلك: دليلنا ان قواطع
= اقرب احوال النبي صلى الله عليه وآله مع مولاه عن شأنه فكيف يشغله الامامان على الامة ان قاما وان قعدا بنص الرسول صلى الله عليه وآله عن مخاطبة حبيبه سبحانه ؟ والامام لا يلهو ولا يلعب كما في الحديث راجع (وفاة الامام الجواد) للعلامة المقرم ص 73، على ان رواة هذه القصة لا يعتمد على نقلهم فان آل الزبير اكثروا فيما يحط بكرامة اهل البيت عليهم السلام وقد اخرجهم علماء الرجال عن صف من يوثق به من الرواة راجع كتاب (السيدة سكينة بنت الحسين) للعلامة المقرم ص 38 الطبعة الثالثة. واما عاصم فهو ابن بهدلة ابن ابي النجود احد القراء وفي تهذيب التهذيب لابن حجر ج 5 ص 38 كان عثمانيا سئ الحفظ كثير الخطأ مضطرب الحديث وفيه نكرة. واما أبو بكرة فهو اخو زياد لامه كان منحرفا عن امير المؤمنين (ع) ويخذل الناس عن نصرته يوم الجمل وهو الذي رد الاحنف بن قيس عن نصرته يوم الجمل باقتعاله الحديث " ستكون بعدي فتنة القاتل والمقتول في النار قلت يارسول الله صلى الله عليه وآله هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال لانه اراد قتل صاحبه " واما أبو هريرة فان احاديثه كلها لا تساوي فلسا لان دنيا معاوية اعمته عن ابصار الحق فلم يبال بالكذب. (1) في المغني ج 2 ص 67 " لو حمل قارورة فيها نجاسة مسدودة لم تصح صلاته وقال بعض اصحاب الشافعي لا تفسد صلاته " وفي المهذب ج 1 ص 61 " إذا حمل قارورة فيها =
[ 340 ]
الصلاة طريقها الشرع ولا دليل في الشرع على ان ذلك يبطل الصلاة ثم قال: ولو قلنا انه يبطل الصلاة لدليل الاحتياط كان قويا، ولان على المسألة الاجماع وخلاف ابن ابي هريرة لا يعتد به. انتهى. وقال المحقق في المعتبر بعد نقل مجمل هذا الكلام ثم نقل عن الشيخ في المبسوط انه جزم بالبطلان ما صورته: والوجه عندي الجواز وما استدل به الشيخ ضعيف لانه سلم ان ليس على المسألة نص لاصحابنا وعلى هذا التقدير يكون ما استدل به من الاجماع هو قول جماعة من فقهاء الجمهور وليس في ذلك حجة عندنا ولا عندهم ايضا، والدليل على الجواز انه محمول لا تتم الصلاة به منفردا فيجوز استصحابه في الصلاة بما قدمناه من الخبر، ثم نقول الجمهور عولوا على انه حامل نجاسة فتبطل صلاته كما لو كانت على ثوبه ونحن نقول النجاسة على الثوب منجسة له فتبطل لنجاسة الثوب لا لكونه حاملا نجاسة ونطالبهم بالدلالة على ان حمل النجاسة مبطل للصلاة إذا لم تتصل بالثوب والبدن. انتهى وهو جيد متين. وقال في المعالم بعد نقل كلام المحقق المذكور: وهذه المناقشة متوجهة وما اختاره المحقق هو الحق واحتجاجه له مع جوابه عما عول الجمهور عليه في غاية الجودة، وقد ذكر الشهيد في الذكرى بعد حكايته لكلام المحقق هنا انه لا حاجة على قوله إلى سد رأس القارورة إذا امن تعدي النجاسة منها، قال ومن اشترطه من العامة لم يقل بالعفو عما لا تتم الصلاة فيه وحده بل مأخذه القياس على حمل الحيوان. اقول: ما ذكره (قدس سره) من الاستدراك على المحقق الظاهر انه لا وجه له، فان المحقق قد اشار في آخر كلامه إلى ما ذكره الشهيد هنا من قوله ونطالبهم بالدلالة على ان حمل النجاسة مبطل إذا لم تتصل بالثوب والبدن، وسد الرأس انما ذكره
= نجاسة وقد شد رأسها فيه وجهان احدهما يجوز لان النجاسة لا تخرج منها والمذهب انه لا يجوز لانه حمل نجاسة غير معفو عنها في غير معدنها فاشبه ما إذا حمل النجاسة في كمه ".
[ 341 ]
اولا مشيا في كلامه على اثر الشيخ (قدس سره) في فرض المسألة والشيخ قد اقتفى اثر العامة في الفرض المذكور. إذا عرفت هذا فاعلم ان ابن ادريس والعلامة في اكثر كتبه قد اختارا ما ذهب إليه الشيخ في المبسوط من عدم الجواز، واحتج له في المختلف بانه حامل نجاسة فتبطل صلاته كما لو كانت النجاسة على ثوبه وبدنه، وبان ايجاب تطهير الثوب والبدن لاجل الصلاة ووجوب تحريز المساجد التي هي مواطن الصلاة عن النجاسة يناسب البطلان هنا، وبان الاحتياط يقتضي ذلك. وانت خبير بما في هذه الوجوه من التعسف: اما الاول فمع كونه مصادرة على المطلوب قد عرفت جوابه من كلام المحقق. واما استشهاده بوجوب التحرز من ادخال النجاسة إلى المساجد فهو مبني على رأيه من عدم جواز ادخال النجاسة إلى المساجد مع عدم التعدي وقد تقدم ما فيه. واما الاحتياط فهو ليس بدليل شرعي عنده. وقال في المدارك بعد رد كلامه بنحو ما ذكرناه: ونحن نطالبه بالدليل على ان حمل النجاسة مبطل للصلاة إذا لم تتصل بالثوب والبدن، وعلى ما ذكرناه فلا حاجة إلى سد رأس القارورة بل يكفي الامن من التعدي كما نبه عليه في الذكرى، ثم نقل عبارته المتقدمة اقول: في كلام هؤلاء الاعلام في هذا المقام تأييد لما قدمناه من صحة الصلاة في المحمول مما لا يجوز الصلاة فيه ملبوسا كالنجاسة في الثوب والحرير والذهب ونحو ذلك.
(الرابع) ذكر الشيخ في النهاية بعد نفي البأس عن الصلاة فيما اصابه نجاسة مما لا تتم الصلاة فيه ان ازالة النجاسة عنه افضل، وبنحو ذلك صرح السيد أبو المكارم ابن زهرة، وقال المفيد في المقنعة: لا بأس بالصلاة في الخف وان كانت فيه نجاسة وكذلك النعل والتنزه عن ذلك افضل. ولم اقف على من صرح بذلك غير هؤلاء (رضوان الله عليهم) والذي وقفت عليه من الاخبار في ذلك انما يدل على ما ذهب إليه الشيخ المفيد، وهو ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله عن الصادق
[ 342 ]
(عليه السلام) (1) قال: " إذا صليت فصل في نعليك إذا كانت طاهرة فانه يقال ذلك من السنة " وعن عبد الله بن المغيرة في الحسن (2) قال: " إذا صليت فصل في نعليك إذا كانت طاهرة فان ذلك من السنة " وربما كان التفات الشيخ وابن زهرة إلى الخبرين المذكورين وانه متى ثبت ذلك في النعل فغيره بطريق اولى وإلا فلم اقف على ما يدل على ما ذكراه من العموم.
(الخامس) ذكر جماعة من الاصحاب انه إذا جبر عظمه بعظم نجس كعظم الكلب والخنزير والكافر وجب قلعه ما لم يخف التلف أو المشقة وادعى في الدروس عليه الاجماع، واحتمل في الذكرى عدم الوجوب إذا اكتسى اللحم لالتحاقه بالباطن واستوجهه في المدارك، وجزم الشيخ في المبسوط ببطلان الصلاة لو احل بالقلع مع الامكان لانه حامل لنجاسة غير معفو عنها، واستشكله في المدارك بخروجها عن حد الظاهر ولانها نجاسة متصلة كاتصال دمه فتكون معفوا عنها. اقول: الظاهر هو ما صرح به الاكثر من وجوب القلع مع الامكان وعدم المشقة، وما اختاره في المدارك وفاقا لما في الذكرى من التحاقه بالباطن وكذا ما ذكره في رد كلام الشيخ من خروجه عن الظاهر وانها نجاسة متصلة كاتصال دمه لا يخفى ما فيه وان تبعه عليه صاحب الذخيرة، فان غاية ما يستفاد من الادلة هو عدم تعلق التكليف بما في باطن البدن من النجاسات الخلقية كدمه الذي تحت جلده والغائط في البطن ونحو ذلك ما لم يظهر إلى فضاء البدن لما في التكليف بذلك من العسر والحرج وتكليف ما لا يطاق، وحمل ما ذكروه على ذلك قياس مع الفارق من حيث تعذر الازالة في الاول وامكانها في الثاني كما هو المفروض في كلام الاصحاب لانهم انما يوجبون الازالة مع الامكان وعدم المشقة، وبالجملة فمجرد الصيرورة في الباطن كيف اتفق لا دليل على اسقاطه وجوب الازالة. ويؤيده ما صرحوا به في غير موضع من ان
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 37 من ابواب لباس المصلى
[ 343 ]
الاطلاق انما ينصرف إلى الافراد الشائعة المتكثرة الوقوع دون الفروض النادرة ومثل هذه الفروض النادرة الشاذة لا تدخل تحت اطلاق البواطن التي رتب عليها العفو عن الازالة إذ المتبادر منها ما كان من اصل الجسد واجزائه الخلقية. ومثل ما ذكرناه يأتي ايضا في المسألة الاتية ان شاء الله تعالى من ادخال الدم النجس تحت جلده فان الاظهر فيها ايضا وجوب الازالة مع عدم الضرر، ومما يؤكد ما ذكرناه ويؤيد ما اردناه انه الاحوط في الدين والموجب للبراءة بيقين. (فان قيل) ان الاحتياط ليس بدليل شرعي (قلنا) هذا الكلام على اطلاقه ممنوع وان زعموا صحته بناء على العمل بالبراءة الاصلية إلا ان المستفاد من الاخبار خلافه وهو ان الاحتياط في موضع اشتباه الحكم واجب كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب، ولا ريب ان المسألة عارية عن النصوص بالعموم والخصوص والحكم فيها لذلك محل اشتباه والحكم عندنا في الشبهات كما تقدم تحقيقه هو الوقوف فيها عن الفتوى والعمل بالاحتياط. والله العالم.
(السادس) قال العلامة في التذكرة: لو ادخل دما نجسا تحت جلده وجب عليه اخراجه مع عدم الضرر واعادة كل صلاة صلاها مع ذلك الدم. قال في المدارك: ويشكل بخروجه عن حد الظاهر وبصيرورته كجزء من دمه واولى بالعفو ما لو احتقن دمه بنفسه تحت الجلد قال في الذخيرة بعد ذكره هذا الاستشكال: وبالجملة لقدر الثابت وجوب تطهير ظواهر البدن واما البواطن فليس في الادلة ما يقتضي وجوب تطهيرها بل فيها ما يدل على العفو عنها فيكون اصالة البراءة على حاله، واطلاق الصلاة غير مقيد بشرط لا يدل عليه الدليل فيحصل الامتثال، فظهر ضعف القول بوجوب اعادة الصلاة. انتهى. اقول: فيه زيادة على ما عرفت في سابقه ان الادلة الدالة على نجاسة البدن بما لاقاه من الدم والمني ونحوهما من النجاسات لا تخصيص فيها بباطن ولا ظاهر وان كان الغالب انما يقع بالظاهر خاصة والمتبادر كما عرفت من الباطن انما هو بالنسبة إلى ما كان
[ 344 ]
من اصل الجسد وخلقته لا إلى ما يطرح فيه من غيره، وكيف كان فالمسألة لما كانت عارية عن النصوص فهي داخلة تحت الشبهات التي يجب فيها الاحتياط كما سلف تحقيقه في مقدمات الكتاب. بقي هنا شئ وهو ان الدم لو خرج من الجسد لكن لم يبرز إلى فضاء البدن بل احتقن تحت الجلد فالظاهر العفو عنه لان الخطاب بوجوب غسله مرتب على خروجه على الجلد، ونقل عن الشهيد في البيان انه جزم بوجوب اخراجه وجعل حكمه حكم الدم الذي هو محل البحث وهو غير جيد، إلا ان عندي في حمل عبارته على ما ذكروه نوع تأمل بل الظاهر انه انما اراد احتقان دم اجنبي تحت جلده وقد صرح بذلك في الدروس ايضا، وعبارته في الدروس اظهر فيما قلناه فانه قال في البيان: ولو شرب نجسا فالاقوى وجوب استفراغه ان امكن، وكذا لو احتقن في جلده دم أو جبر عظمه بعظم نجس أو خاط جرحه بخيط نجس، ولو خيف الضرر سقط. وقال في الدروس: ولو شرب خمرا أو منجسا أو اكل ميتة أو احتقن تحت جلده دم نجس احتمل وجوب الازالة مع امكانها ولو عللت القارورة بانها من باب العفو احتمل ضعيفا اطراده هنا ولانه التحق بالباطن. انتهى. ولا يخفى ان تقييده الدم في هذه العبارة بالنجس ظاهر في كونه غير دم البدن، والظاهر ان عبارته في البيان ايضا من هذا القبيل وان حصل الاشتباه فيها من ترك هذا القيد، ويؤيده انه لم يتعرض لذكر دم الغير تحت جلده كما هو الدائر في كلام الاصحاب في هذا المقام.
(السابع) قال العلامة في المنتهى: لو شرب خمرا أو اكل ميتة ففي وجوب قيئه نظر الاقرب الوجوب لان شربه محرم فاستدامته كذلك. قال في المدارك بعد نقل ذلك: وهو احوط وان كان في تعينه نظر، وقال: ولو اخل بذلك لم تبطل صلاته وربما قيل بالبطلان كما في القارورة المشتملة على النجاسة وهو ضعيف. انتهى. اقول: يمكن الاستدلال هنا على وجوب القئ بما رواه في الكافي في الموثق
[ 345 ]
عن عبد الحميد بن سعيد (1) قال: " بعث أبو الحسن (عليه السلام) غلاما يشتري له بيضا فاخذ الغلام بيضة أو بيضتين فقامر بهما فلما اتى به اكله فقال مولى له ان فيه من القمار قال فدعا بطشت فتقيأ فقاءه " بقي الكلام في بطلان الصلاة لو اخل بقيئه وعدمه والاظهر الثاني لعدم الدليل عليه.
(المسألة الخامسة) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف العفو عن نجاسة ثوب المربية للصبي ذات الثوب الواحد إذا غسلته في اليوم مرة، واستدل الفاضلان في المعتبر والمنتهى على ذلك بما رواه الشيخ عن ابي حفص عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سئل عن امرأة ليس لها إلا قميص ولها مولود فيبول عليها كيف تصنع ؟ قال تغسل القميص في اليوم مرة " وان تكرار بول الصبي يمنع التمكن من ازالته فجرى مجرى دم القرح الذي لا يمنع من استصحاب الثوب في الصلاة، قال المحقق فكما يجب اتباع الرواية هناك دفعا للحرج فكذا هنا لتحقق الحرج في الازالة. وقال في المعالم بعد نقل ذلك: وهذه الحجة بينة الوهن فان الرواية ضعيفة السند فلا تصلح لتأسيس حكم شرعي، واعتبار الحرج يقتضي اناطة الحكم بما يندفع معه لا بالزمان المعين والالحاق بدم القرح قياس، ووجوب اتباع الرواية هناك ليس باعتبار الحرج وانما هو لصلاحيتها لاثبات الحكم وجهة الحرج مؤيدة لها، وحيث ان الصلاحية هنا منتفية فلا معنى لكون وجوب الاتباع هناك موجبا لوجوبه هنا. انتهى. وهو جيد وجيه بالنسبة إلى تعليل المحقق المذكور بعد الرواية فان الاولى يجعله وجها للنص لا علة مستقلة لما ذكره في المعالم. واما رد النص فهو مبني على تصلب هذا القائل في هذا الاصطلاح ومثله صاحب المدارك حيث قال بعد الطعن في سند الرواية: والاولى وجوب الازالة مع الامكان وسقوطها مع المشقة الشديدة دفعا للحرج. والعجب منهما
(1) رواه في الوسائل في الباب 35 من ابواب ما يكتسب به (2) رواه في الوسائل في الباب 4 من ابواب النجاسات.
[ 346 ]
(قدس سرهما) انهما في غير موضع قد وافقا الاصحاب في العمل بالخبر الضعيف متى كان اتفاق الاصحاب على العمل به ويتعللان بان المعتمد انما هو على اتفاق الاصحاب، والحكم هنا كذلك فانه لا مخالف فيه ولا راد له، وكيف كان فالاظهر ما عليه الاصحاب من قبول الخبر المذكور والعمل بما دل عليه.
نعم يبقى الكلام هنا في مواضع:
(الاول) ظاهر الخبر المذكور شمول الحكم للصبي والصبية حيث عبر فيه بلفظ المولود الشامل لهما، وبذلك ايضا صرح جملة من الاصحاب، ونقله في المعالم عن الشهيدين واكثر المتأخرين. اقول: وبه جزم في المدارك وهو الظاهر، والذي صرح به المحقق في المعتبر والشرائع والنافع هو الصبي خاصة وكذا العلامة في المنتهى والارشاد والشهيد في البيان، وفي الدروس بعد ذكر الصبي ذكر الصبية الحاقا كما ذكر المربي الحاقا بالمربية، نعم ظاهر كلامه في الذكرى العموم من حيث التعبير بلفظ المولود الوارد في النص، ونقل في المعالم عن بعض الاصحاب انه قال المتبادر من المولود هو الصبي، ثم قال ولا يخلو من قرب. وكلام العلامة في النهاية مشعر بذلك ايضا حيث قال بعد ذكر الرواية: ان الحكم مخصوص بالذكر اقتصارا في الرخصة على المنصوص، وللفرق فان بول الصبي كالماء وبول الصبية اصفر ثخين وطبعها احر فبولها الصق بالمحل. انتهى.
(الثاني) مورد النص المذكور البول فلا يتعدى إلى غيره اقتصارا فيما خالف الاصل على مورد النص، وهو اختيار الشهيد الثاني في الروض وسبطه السيد السند في المدارك وابنه المحقق في المعالم، واستشكل ذلك العلامة في النهاية والتذكرة، والظاهر من كلام شيخنا الشهيد عدم الفرق وقربه بانه ربما كني عن الغائط بالبول كما هو قاعدة لسان العرب في ارتكاب الكناية فيما يستهجن التصريح به. وفيه ان مجرد هذا الاحتمال لا يكفي في اخراج اللفظ عن معناه المتبادر منه واثبات التسوية بينه وبين الغائط، والتجربة شاهدة بعسر التحرز من اصابة البول لتكرره فالحاق الغائط به بعيد.
[ 347 ]
وابعد منه غيره من النجاسات كالدم كما يفهم من اطلاق بعض العبارات.
(الثالث) مورد الرواية المذكورة المربية والحق بعض الاصحاب بها المربي ايضا للاشتراك في العلة وهو وجود المشقة فيهما، وانكره آخرون وقوفا على مورد النص والتعليل المذكور في كلامهم ليس منصوصا وانما هو علة مستنبطة وعلى هذا يكون الالحاق قياسا، وهذا هو الاظهر، وبالاول صرح العلامة في التذكرة والنهاية وتبعه الشهيد في كتبه الثلاثة، وبالثاني جزم في المدارك وهو الذي عليه اقتصر المحقق في كتبه.
(الرابع) الحق بعض الاصحاب بالمولود الواحد المتعدد للاشتراك في العلة وهي المشقة وزيادة فلا معنى لزواله. وفيه انه يمكن ان يكون التعدد لكونه مقتضيا لكثرة النجاسة وقوتها فمن الجائز اختصاص العفو بالقليل الضعيف منها دون الكثير القوي فلا وجه للالحاق المذكور، وبالاول جزم الشهيد في الذكرى والدروس، ونقله في المعالم عن والده ايضا في بعض كتبه ثم قال وله وجه. اقول: ما نقله عن والده من الحاق المتعدد قد صرح به في المسالك واما في الروض فظاهره التوقف للوجهين المذكورين.
(الخامس) لو كان لها اكثر من ثوب واحد فان احتاجت إلى لبس الجميع لبرد ونحوه فالظاهر كما صرح به في الروض ان الجميع في حكم الثوب الواحد وإلا فلا تلحقها الرخصة لزوال المشقة بابدال الثياب ووقوفا مع ظاهر النص، ولو امكن ذات الثوب الواحد تحصيل غيره بشراء أو استئجار أو استعارة ففي وجوب ذلك عليها تردد ينشأ من اطلاق النص المتقدم فان ظاهره ان الحكم فيها مع وحدة الثوب ما ذكر وان امكنها ذلك، ومن انتفاء المشقة بتكرير الغسل. وظاهر الروض التوقف في ذلك، ونقل في المعالم عن جماعة من المتأخرين انهم استقربوا الثاني وكتب في الحاشية في تفسير الجماعة المشار إليهم: السيد حسن بن جعفر وشيخنا السيد علي ابن الصائغ، ثم قال هو (قدس سره) وكأن الاول اقرب. وهو جيد وقوفا على ظاهر النص ونظرا إلى ان هذه العلة التي يكررون الاشارة إليها ليست منصوصة كما قدمنا ذكره بل هي مستنبطة.
[ 348 ]
(السادس) قد صرح جماعة من الاصحاب بان الحكم المذكور مختص بالثوب اما البدن فيجب غسله مع المكنة لعدم النص والمشقة الحاصلة في الثوب الواحد بسبب توقف لبسه على يبسه. قال في المعالم وربما صار بعض من تأخر إلى تعدية الرخصة إليه نظرا إلى عسر الاحتراز عن الثوب النجس ومشقة غسل البدن في كل وقت. ثم قال وليس بشئ وكتب في الحاشية في بيان ذلك البعض: السيد حسن. اقول: وهذا السيد احد مشايخ شيخنا الشهيد الثاني وله (قدس سره) اقوال غريبة مثل قوله في هذه المسألة وقوله في تطهير المطر ولو بالقطرة الواحدة ونحو ذلك.
(السابع) قد دل الخبر المذكور على تعيين الغسل مع انه كما سيأتي ان شاء الله تعالى قريبا ان الحكم في بول الصبي الذي لم ينفطم انما هو الصب والمغايرة بينهما ظاهرة، وبه يظهر المنافاة بين الحكمين مع اتفاق الاصحاب على كل منهما وبه يعظم الاشكال، قال العلامة في النهاية: الاقرب وجوب عين الغسل فلا يكفي الصب مرة واحدة وان كفى في بوله قبل ان يطعم الطعام عند كل نجاسة. ومرجعه إلى وجه جمع بين الامرين بان يقال ان الاكتفاء بالصب في بول الرضيع على ما سيأتي انما هو مع تكرير الازالة كلما حصل منه البول بحسب الحاجة إلى الدخول في العبادة واما مع الاقتصار على المرة في اليوم في هذه الصورة فلابد من الغسل عملا بالخبر. ومرجعه إلى تخصيص تلك الاخبار الدالة على الصب بهذا الخبر في هذه المادة المخصوصة وهي اتحاد الثوب، ويؤيده الاعتبار وان كان العمل انما هو على النص من حيث ان تكرر حصول النجاسة من دون تخلل الازالة بينهما يقتضي قوتها وتزايدها فيجوز اختلاف الحكم مع تحقق هذا المعنى وبدونه.
(الثامن) - قد ذكر كثير من الاصحاب ان المراد باليوم في الخبر ما يشمل الليل ايضا اما لاطلاقه لغة على ما يشمل الليل أو لالحاق الليل به والحكم موضع توقف لاحتمال ما ذكروه واحتمال اختصاص اليوم بالنهار خاصة والخروج عنه يحتاج إلى دليل
[ 349 ]
(التاسع) قد صرح جمع من الاصحاب بان الافضل ان تجعل غسل الثوب آخر النهار لتوقع الصلوات الاربع على طهارة، ولا بأس به، والعلامة في التذكرة بعد ان ذكر افضلية التأخير لذلك قال: وفي وجوبه اشكال ينشأ من الاطلاق ومن اولوية طهارات اربع على طهارة واحدة. وفي دلالة هذا التوجيه على الوجوب تأمل، والاظهر الاستحباب. وهل يجب ايقاع الصلاة عقيب غسل الثوب والتمكن من لبسه متى اقتضت العادة نجاسته بالتأخير ؟ فيه توقف. قيل ولو اخلت بالغسل فالظاهر وجوب قضاء آخر الصلوات لجواز تأخير الغسل إلى وقته. والله العالم.
(المسألة السادسة) الظاهر انه لا اشكال ولا خلاف في العفو عما يتعذر ازالته من النجاسة التي في البدن من اي نوع كانت، وكأنه لما علم من اباحة الضرورات المحظورات لم يتعرض الاصحاب هنا للاستدلال على ذلك. ويمكن ان يستدل على ذلك بالاخبار الواردة في السلس والمبطون وقد تقدمت في المسائل الملحقة بالوضوء فانها صريحة في الصلاة بالنجاسة لمكان الضرورة، وفي حسنة منصور (1) " إذا لم يقدر على حبسه فالله تعالى اولى بالعذر " وفي موثقة سماعة (2) " فليتوضأ وليصل فانما ذلك بلاء ابتلى به " ونحو ذلك. وايد ذلك بعضهم بان الادلة الدالة على شرطية الطهارة من الخبث في الصلاة غير متناولة لحال الضرورة فيبقى عموم الاوامر سالما عن معارضة ما يقتضي الاشتراط والتخصيص. وهو جيد. وانما الخلاف في نجاسة الثوب فذهب جمع من الاصحاب: منهم الشيخ وابن البراج وابن ادريس والعلامة في اكثر كتبه وغيرهم والظاهر انه المشهور كما في المدارك إلى عدم العفو ووجوب الصلاة عاريا إلا ان يضطر إلى لبسه فيجوز للضرورة ويصير مناط العفو انما هو الضرورة. وانفرد الشيخ من بينهم بايجاب اعادة الصلاة فيه
(1) المروية في الوسائل في الباب 19 من نواقض الوضوء. (2) المروية في الوسائل في الباب 7 من نواقض الوضوء
[ 350 ]
حال الضرورة، وذهب الفاضلان في المعتبر والمنتهى والشهيدان وجماعة من المتأخرين إلى ان العفو ثابت اضطر إلى لبسه ام لم يضطر وان المصلي مخير بين الصلاة فيه والصلاة عاريا، وزاد الشهيدان وجماعة ان الصلاة فيه افضل، وبهذا القول صرح ابن الجنيد من المتقدمين في كتابه المختصر فقال: ولو كان مع الرجل ثوب فيه نجاسة لا يقدر على غسلها كانت صلاته فيه احب الي من صلاته عريانا. واوجب مع ذلك اعادة الصلاة إذا وجد ثوبا طاهرا فقال في موضع آخر من الكتاب: والذي ليس معه إلا ثوب واحد نجس يصلي فيه ويعيد في الوقت إذا وجد غيره ولو اعاد إذا خرج الوقت كان احب الي. اقول: والاصل في هذا الخلاف اختلاف الاخبار الواردة في المسألة كما ستقف عليه احتج الشيخ على ما ذهب إليه من عدم العفو ووجوب الصلاة عاريا مع عدم الضرورة باجماع الفرقة ذكره في الخلاف، وبان النجاسة ممنوع من الصلاة فيها ومن يجيزها فيها فعليه الدلالة، وبما رواه سماعة (1) قال: " سألته عن رجل يكون في فلاة من الارض ليس عليه إلا ثوب واحد واجنب فيه وليس عنده ماء كيف يصنع ؟ قال يتيمم ويصلي عريانا قاعدا ويومئ " هكذا في الكافي والتهذيب وفي الاستبصار " ويصلي عريانا قائما ويومئ ايماء " وما رواه محمد بن علي الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (2): " في رجل اصابته جنابة وهو بالفلاة وليس عليه إلا ثوب واحد فاصاب ثوبه مني ؟ قال يتيمم ويطرح ثوبه ويجلس مجتمعا ويصلي ويومئ ايماء ". واحتج على ما ذهب إليه من جواز الصلاة فيه بالنجاسة مع الضرورة ووجوب الاعادة حينئذ بما رواه عن عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) (3) " انه سئل عن رجل ليس معه إلا ثوب ولا تحل الصلاة فيه وليس يجد ماء يغسله كيف يصنع ؟ قال يتيمم ويصلي فإذا اصاب ماء غسله واعاد الصلاة ".
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 46 من النجاسات. (3) رواه في الوسائل في الباب 45 من ابواب النجاسات.
[ 351 ]
وانت خبير بان هذه الرواية وان دلت على الاعادة إلا انها لا دلالة لها على الضرورة، إلا ان يكون الحمل على ذلك لاجل الجمع بينها وبين الروايتين المتقدمتين وهو خلاف الظاهر من مدعاه، ومع هذا فهي انما تدل على الاعادة في صورة التيمم دون الوضوء والمدعى اعم من ذلك. ومما يدل على العفو مطلقا كما هو القول الاخر صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن رجل عريان وحضرت الصلاة فاصاب ثوبا نصفه دم أو كله أيصلي فيه أو يصلي عريانا ؟ فقال ان وجد ماء غسله وان لم يجد ماء صلى فيه ولم يصل عريانا ". وصحيحة محمد بن علي الحلبي برواية الصدوق (2) " انه سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يكون له الثوب الواحد فيه بول لا يقدر على غسله ؟ قال يصلي فيه " وفي الصحيح عن محمد الحلبي عنه (عليه السلام) (3) " انه سأل عن رجل اجنب في ثوبه وليس معه ثوب غيره ؟ قال يصلي فيه فإذا وجد الماء غسله " قال في الفقيه بعد ذكر الخبر: وفي خبر آخر " واعاد الصلاة ". وفي الصحيح عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الرجل يجنب في ثوب ليس معه غيره ولا يقدر على غسله ؟ قال يصلي فيه " قال في الفقيه بعد ذكر هذا الخبر ايضا: وفي خبر آخر " يصلي فيه فإذا وجد الماء غسله واعاد الصلاة " اقول: ان كان مراد الصدوق بالرواية الدالة على الاعادة هي رواية عمار المتقدمة فقد عرفت ما فيها واما غيرها فلم نقف عليه. هذا ما وصل الينا من اخبار المسألة المذكورة، والشيخ قد جمع بينها بحمل هذه الاخبار الاخيرة على الضرورة من برد أو نحوه أو على صلاة الجنازة، والثاني منهما بعيد لا ينبغي النظر إليه، اما الاول فقد عرفت انه استدل عليه بموثقة عمار وقد عرفت
(1) و (2) و (3) و (4) المروية في الوسائل في الباب 45 من ابواب النجاسات.
[ 352 ]
ما فيه. نعم ربما يمكن الاستدلال له برواية الحلبي (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يجنب في الثوب أو يصيبه بول وليس معه ثوب غيره ؟ قال يصلي فيه إذا اضطر إليه " إلا ان الخبر غير صريح ولا ظاهر في المدعى إذ يمكن حمل الاضطرار إليه على معنى عدم وجود غيره كما هو محل السؤال، وحاصل الجواب حينئذ انه يجوز له في الصورة المفروضة لمكان الضرورة بعدم وجود غيره، وحينئذ فلا يمكن تخصيص اطلاق تلك الاخبار به، والاخرون قد جمعوا بين الاخبار بالتخيير، وبعضهم كما عرفت صرح بافضلية الصلاة في الثوب النجس على الصلاة عاريا، ويؤيده زيادة على صحة الاخبار الدالة على الجواز انه مع الصلاة في الثوب لا يلزم إلا فوات شرط واحد وهو طهارة الساتر ومع الصلاة عاريا يلزم فقد شروط وهو الساتر وترك القيام والركوع والسجود لانه يصلي قاعدا بايماء كما صرحت به روايتا الصلاة عريانا إلا على رواية الاستبصار لحديث سماعة حيث صرح فيه بالقيام فانه يبقى الاشكال بترك الركوع والسجود، وبالجملة فرجحان هذا القول اظهر من ان يخفى. وظاهر السيد السند في المدارك النظر في الجمع بين الاخبار بالتخيير مستندا إلى انه فرع حصول التعارض وهو خلاف الواقع لان روايات الصلاة في الثوب متعددة صحيحة الاسناد وتلك بالعكس من ذلك، وهو جيد بناء على اصله المعتمد عليه عنده من العمل بهذا الاصطلاح الجديد، إلا ان جملة اصحاب هذا الاصطلاح لم يعملوا على ذلك لاعتضاد تلك الاخبار بالشهرة بين الاصحاب حتى ادعى الشيخ في الخلاف الاجماع على ما دلت عليه، ويؤيده ظاهر كلام العلامة في المنتهى فان ظاهره الاجماع على جواز الصلاة عاريا حيث قال فيه: لو صلى عاريا لم يعد الصلاة قولا واحدا. واقتصر البعض على التمسك بهذا الوجه في الخروج عن ظاهر هذه الاخبار قائلا انه لولاه لم يكن عن القول بتعين الصلاة في الثوب معدل واعترضه في المعالم بعدم صحة شئ من الاخبار الاولة
(1) المروية في الوسائل في الباب 45 من النجاسات.
[ 353 ]
وعدم ثبوت الاجماع وان ادعاه الشيخ والعلامة قال واحتجاج الشيخ بالمنع من الصلاة في النجاسة وطلبه للدلالة ممن يجيزها فيها واضح الجواب، فان الاخبار التي ذكرناها صالحة للدلالة متنا واسنادا فالمتجه العمل بما دلت عليه. انتهى. اقول: وهو ظاهر الصدوق في الفقيه حيث اقتصر في الكتاب على نقل الروايات الدالة على الصلاة في الثوب ولم يتعرض لنقل شئ من روايات الصلاة عاريا وهو بناء على قاعدته التي ينسبون بها المذاهب إليه في هذا الكتاب ظاهر في اختياره تعين الصلاة في الثوب كما جنح إليه في المعالم. وكيف كان فان ملخص الكلام في المقام ان مقتضى العمل بهذا الاصطلاح الجديد هو ما ذكره في المعالم وقبله السيد في المدارك إلا ان ظاهره في المدارك التوقف ولم يجزم بذلك كما في عبارة المعالم حيث قال بعد رد تأويلات الشيخ بالبعد: ويمكن الجمع بينها بالتخيير بين الامرين وافضلية الصلاة في الثوب كما اختاره ابن الجنيد إلا ان ذلك موقوف على تكافؤ السند وهو خلاف الواقع، وكيف كان فلا ريب ان الصلاة في الثوب اولى. انتهى. وهو ظاهر في التوقف حيث لم يجزم بشئ وانما جعل الصلاة في الثوب اولى، ومقتضى العمل بجملة الاخبار هو القول بالتخيير جمعا بينها دون ما ذكره الشيخ (قدس سره) واما ما ذكره الشيخ من الاعادة وكذا ما ذكره ابن الجنيد ففيه ما تقدم في غير موضع من ان وجوب الاداء والقضاء مما لا يجتمعان بمقتضى الاصول الشرعية والقواعد المرعية كما تقدم تحقيقه في باب التيمم والله العالم.
فروع:
(الاول) نقل في المعالم انه ذكر بعض اصحابنا المتأخرين ان لكل من البدن والثوب بالنظر إلى تعذر الازالة حكما برأسه فإذا تعددت النجاسة فيهما واختص التعذر باحدهما وجبت الازالة عن الآخر، قال ولو اختصت بأحدهما وكانت متفرقة
[ 354 ]
وامكن ازالة بعضها وجبت، وبتقدير اجتماعها فان كانت دما وامكن تقليله بحيث ينقص عن مقدار الدرهم وجب ايضا وإلا ففي الوجوب نظر، ثم قال وهذا التفصيل حسن ولا بأس به. اقول: ظاهر هذا الكلام التفرقة في صورة اختصاص النجاسة باحدهما بين المتفرقة التي يمكن ازالة بعضها فانه تجب الازالة وبين المجتمعة التي إذا كانت غير الدم وامكن تقليلها وازالة بعضها فانه لا تجب بل هو محل نظر عنده، ولا اعرف لهذه التفرقة وجها.
(الثاني) قد عرفت ان الظاهر من الصدوق هو اختيار القول بالصلاة في الثوب إلا انه قد اشار كما عرفت في ذيل صحيحتي الحلبي وعبد الرحمان إلى رواية عمار الدالة على الاعادة، ومنافاتها للاخبار المذكورة ظاهرة والاصحاب قد حملوها على الاستحباب جمعا، وهو لم يتعرض للجواب عنها ولا الجمع بينها وبين تلك الاخبار، وربما اشعر ذلك بقوله بمضمونها وتقييد اطلاق تلك الاخبار بها والظاهر بعده، وبما احتمل التوقف حيث اقتصر على نقل الجميع ولم يتعرض لوجه الجمع ولعله الاقرب، وقد وقع له امثال ذلك في غير موضع: منها خروج البلل المشتبه بعد الوضوء.
(الثالث) انه على تقدير القول المشهور من وجوب الصلاة عاريا فهل يصلي جالسا مومئا برأسه للركوع والسجود مطلقا أو قائما مطلقا مومئا كذلك أو يفرق بين امن المطلع وعدمه فيصلي على الاول قائما وعلى الثاني جالسا ؟ اقوال اشهرها الثالث، وسيجئ تحقيق المسألة المذكورة في محلها ونقل اخبارها ان شاء الله تعالى وبيان المختار منها.
(الرابع) لا خلاف في انه لو نظر إلى الصلاة فيه لبرد ونحوه فان صلاته صحيحة وانما وقع الخلاف في وجوب الاعادة، والظاهر ان مستنده موثقة عمار المذكورة وقد عرفت ما فيها من الاشتمال على التيمم اولا فيجوز ان تكون الاعادة مستندة إلى ذلك كما تقدم في باب التيمم، واما مع ظهور كون ذلك من حيث الصلاة في النجاسة فقد عرفت ما فيه من المخالفة لمقتضى الاصول الشرعية فيجب تأويلها البتة والله العالم.
[ 355 ]
(المسألة السابعة) قد ذهب جمع من الاصحاب: منهم الشهيد في الذكرى والدروس إلى العفو عن نجاسة ثوب الخصي الذي يتواتر بوله إذا غسله في النهار مرة، واحتجوا لذلك بالحرج والمشقة مع ما رواه الشيخ في الصحيح إلى سعدان بن مسلم عن عبد الرحيم القصير (1) قال: " كتبت إلى ابي الحسن الاول (عليه السلام) اسأله عن خصي يبول فيلقى من ذلك شدة ويرى البلل بعد البلل ؟ فقال يتوضأ وينضح ثوبه في النهار مرة واحدة " واعترضهم بعض المحققين من متأخري المتأخرين بان في طريقها ضعفا لجهالة سعدان وعبد الرحيم، وقال المحقق في المعتبر بعد نقل الخبر المذكور: والراوي المذكور ضعيف فلا اعمل على روايته وربما صير إليها دفعا للحرج. وظاهر قوله " صير " بالبناء للمجهول وجود قائل بمضمونها إلا ان العلة في ذلك هو الحرج دون الخبر، ويحتمل ان يكون كناية عن ميله هو إلى ذلك وتعليل الحكم بالحرج. واعترض عليه بان الاستناد في الحكم إلى الحرج يقتضي جعل المناط في العفو ما تندفع معه المشقة والحرج ككثير من الاحكام التي يستندون فيها إلى دفع الحرج دون الخصوصية المذكورة فانها موقوفة على نهوض الرواية بها، مع ان الرواية انما تضمنت الصب لا الغسل كما ذكروه فالفرق بينهما ظاهر. والعلامة في المنتهى قد اقتصر على العمل بمضمون الرواية من غير تعرض للغسل فقال بعد ذكرها: وفى الطريق كلام لكن العمل بمضمونها اولى لما فيه من الرخصة عند المشقة. واستوجه في التذكرة بعد بيان ضعف الرواية وجوب تكرار الغسل فان تعسر عمل بمضمون الرواية دفعا للمشقة، وهو كما ترى. والصدوق في الفقيه قد ذكر هذه الرواية مرسلة وظاهره العمل بها. اقول: وتحقيق الكلام في المقام ان يقال ان هذه الرواية لا تخلو من الاجمال فالاستناد إليها فيما ذكروه لا يخلو من الاشكال، وذلك فانه يحتمل ان يكون ذلك البلل بولا فأمره بالوضوء يعني غسل البول الذي
(1) رواه في الوسائل في الباب 13 من نواقض الوضوء.
[ 356 ]
يخرج معتدلا والنضح مرة واحدة في نهاره لاجل هذا البلل، وعلى هذا فيكون من قبيل المرأة المربية للمولود ذات الثوب الواحد، وحينئذ فيجب حمل الصب على الغسل ويجب تقييده بانه ليس له إلا ثوب واحد. والظاهر بعده فانه على هذا التقدير يكون من قبيل صاحب السلس وحكمه شرعا كما تقدم في محله انه يضع ذكره في خريطة محشوة بالقطن ويصلي بعد التطهير من النجاسة. ويحتمل ان يكون هذا البلل غير معلوم كونه بولا بل يكون مظنونا أو موهوما فيكون النضح على ظاهر معناه الشرعي ونظيره في الاخبار غير عزيز، فان من جملة مواضع النضح كما سيأتي ان شاء الله ما شك في نجاسته. ويحتمل انه امر بالنضح وجعل الثوب رطبا ليمكن استناد البلل إليه ولا يتيقن كونه خارجا من الذكر ولا نجسا ويكون من قبيل الحيل الشرعية كما تقدم نظيره. ولا يخفى ان كلام الجماعة مبني على الاحتمال الاول وقد عرفت ما فيه، فالاظهر هو طرح هذه الرواية لاشتباهها وعدم ظهور المعنى المراد منها والرجوع إلى الاصول المقررة والقواعد المعتبرة في النجاسات وازالتها. والله العالم.
<>