تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره

المتوفى سنة 1186 هـ

الجزء الخامس


 

البحث الثالث

في ما تزال به النجاسات

المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) ان المطهرات عشرة: الماء والشمس والارض والنار والاستحالة والاسلام واستبراء الحيوان الجلال ونقص العصير والانقلاب والانتقال، فالكلام هنا يقع في مطلبين:

الأول في تطهير الماء وازالة النجاسة به وكيفية الازالة وما يتعلق بذلك ويلحق به، وفيه مسائل:

(الاولى) المشهور بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) وجوب المرتين في ازالة نجاسة البول عن الثوب والبدن في غير بول الرضيع بل ظاهر المحقق في المعتبر


[ 357 ]

انه اجماع حيث قال بعد ذكر الحكم المذكور: وهذا مذهب علمائنا. إلا ان الشهيد في الذكرى بعد ان اختار التثنية عزى إلى الشيخ في المبسوط عدم مراعاة العدد في غير الولوغ وهو ظاهر في المخالفة، وما عزاه إلى الشيخ قد جزم به في البيان فقال ولا يجب التعدد إلا في اناء الولوغ. ونقل في المعالم عن العلامة انه اكتفى فيه بالمرة صريحا إذا كان جافا وانه يظهر من فحوى كلامه في جملة من كتبه الاكتفاء بها مطلقا حيث قال: ان الواجب هو الغسل المزيل للعين، قال ومن البين ان زوال العين معتبر على كل حال وان مسمى الغسل يصدق بالمرة. انتهى. ومن ذلك يظهر ان الخلاف في المسألة والقول باجزاء المرة مطلقا متحقق في كلام الاصحاب. والاظهر ما هو المشهور من اعتبار المرتين في ازالة نجاسة البول عن الثوب والبدن للاخبار الصحيحة الصريحة: ومنها ما رواه الشيخان في الكافي والتهذيب في الحسن عن الحسين بن ابي العلاء (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن البول يصيب الجسد ؟ قال صب عليه الماء مرتين فانما هو ماء. وسألته عن الثوب يصيبه البول ؟ قال اغسله مرتين. وسألته عن الصبي يبول على الثوب ؟ قال تصب عليه الماء قليلا ثم تعصره " وما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن ابي يعفور (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن البول يصيب الثوب ؟ قال اغسله مرتين ". وعن محمد بن مسلم في الصحيح (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الثوب يصيبه البول ؟ قال اغسله في المركن مرتين فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة " قال الجوهري: المركن الاجانة التي يغسل فيها الثياب. وفي الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (4) قال: " سألته


(1) و (2) و (4) رواه في الوسائل في الباب 1 من النجاسات. (3) رواه في الوسائل في الباب 2 من النجاسات.


[ 358 ]

عن البول يصيب الثوب ؟ قال اغسله مرتين ". وعن ابي اسحاق النحوي في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن البول يصيب الجسد ؟ قال صب عليه الماء مرتين ". وروى ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب الجامع لاحمد بن محمد بن ابي نصر (2) قال: " سألته عن البول يصيب الجسد ؟ قال صب عليه الماء مرتين فانما هو ماء. وسألته عن الثوب يصيبه البول قال اغسله مرتين ". وفي الفقه الرضوي (3) " وان اصابك بول في ثوبك فاغسله من ماء جار مرة ومن ماء راكد مرتين ثم اعصره ". وما تضمنه جملة من هذه الاخبار من وجوب المرتين في البدن مما لم يظهر فيه خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) إلا من صاحبي المدارك والمعالم لمزيد تصلبهما في هذا الاصطلاح الجديد فردا روايتي الحسين بن ابي العلاء وابي اسحاق النحوي بضعف السند واكتفيا بالمرة في البدن لذلك. وفيه ان الاولى حسنة والثانية صحيحة أو حسنة ويعضدهما رواية ابن ابي نصر المنقولة في السرائر وهي صحيحة لانها منقولة من اصله المشهور بلا واسطة وبذلك يظهر ضعف ما ذهبا إليه. واما ما رواه عبد الرحمان بن الحجاج في الصحيح (4) قال: " سألت ابا ابراهيم (عليه السلام) عن رجل يبول بالليل فيحسب ان البول اصابه فلا يستيقن فهل يجزيه ان يصب على ذكره إذا بال ولا يتنشف ؟ قال يغسل ما استبان انه اصابه وينضح ما يشك فيه من جسده أو ثيابه.. الحديث " فغايته ان يكون مطلقا فيجب تقييده بما ذكرناه من الاخبار. واعتضد في المعالم فيما ذهب إليه من اجزاء المرة في البدن بان العلامة في المنتهى قد اقتصر على الثوب في العبارة التي حكم فيها بوجوب المرتين وكذلك صنع في التحرير.


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 1 من ابواب النجاسات (3) ص 6 (4) رواه في الوسائل في الباب 37 من النجاسات.


[ 359 ]

وفيه ان عدم تعرضه لحكم البدن بالكلية لا يدل على حكمه بعدم التعدد والقول بالمرة فيه بل هو اعم من ذلك. واعتضد ايضا بانه جزم في بحث الاستنجاء من المنتهى والنهاية بالاكتفاء فيه بالمرة إذا زالت العين وكذا في المختلف وحكي القول به عن ابي الصلاح وابن ادريس وقال انه الظاهر من كلام ابن البراج وهو قول سلار ايضا. وفيه انه من الجائز بل الظاهر ان مسألة الاستنجاء لها حكم غير هذه المسألة كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى. وكيف كان فان المدار عندنا على النصوص وقد عرفت دلالتها على المدعى لا على القائل قل أو كثر فانه محجوج مع المخالفة بما ذكرناه من النصوص ايضا. واما من ذهب إلى الاكتفاء بالمرة مطلقا كما تقدم نقله عن المبسوط والبيان فلم نقف له على دليل في الاخبار ولا في كلام الاصحاب بل الدليل كما عرفت على خلافه مكشوف الحجاب. إلا ان العلامة في المنتهى قد احتج على ما ذهب إليه من الاكتفاء بالمرة مع الجفاف بوجهين: (احدهما) ان المطلوب من الغسل انما هو ازالة العين والجاف ليس له عين فيكتفى فيه بالمرة. و (الثاني) ان الماء غير مطهر عقلا لانه إذا استعمل في المحل جاورته النجاسة فينجس وهكذا دائما وانما عرفت طهارته بالشرع بتسميته طهورا بالنص فإذا وجد استعمال الطهور مرة عمل عمله من الطهارة. وانت خبير بما فيه من الوهن والضعف الذي لا يحتاج إلى تنبيه فان النصوص المتقدمة مطلقة شاملة باطلاقها للبول بقسميه يابسا ورطبا وتخصيصها بمجرد هذه التعليلات مجازفة محضة. وما ذكره من ان المطلوب من الغسل ازالة العين والاثر دعوى لا دليل عليها في نص ولا خبر، إلا ان في الذكرى نقل ذلك رواية فقال اما البول فيجب تثنيته لقول الصادق (عليه السلام) " في الثوب يصيبه البول اغسله مرتين: الاولى للازالة والثانية للانقاء " وقد تقدمه في ذلك المحقق في المعتبر وذكر هذه الزيادة في رواية الحسين بن ابي العلاء فقال بعد قوله: وعن الثوب يصيبه البول قال: " اغسله مرتين الاولى للازالة والثانية للانقاء " والظاهر انها من كلام صاحب المعتبر وتبعه من تبعه في ذلك ظنا انها من اصل الخبر، وهذه الزيادة


[ 360 ]

لا وجود لها في شئ من كتب الاخبار وقد صرح بذلك ايضا في المعالم فقال: بعد نقل ذلك عن الذكرى والمعتبر: ولم ار لهذه الزيادة اثرا في كتب الحديث الموجودة الان بعد التصفح بقدر الوسع، ولو ثبت لامكن تقييد اطلاق تلك الاخبار بها فيخص ما دل على المرتين بما له عين لكن الكلام في ثبوتها.

تنبيهات (الاول) اطلاق روايات الحسن بن ابي العلاء وابي اسحاق النحوي وابن ابي نصر المنقولة من السرائر شامل لمخرج البول فيجب فيه المرتان بمقتضى ذلك، إلا انهم قد اختلفوا ايضا في مسألة الاستنجاء وقد تقدم البحث فيها في محله، وقد بينا ان الظاهر من الاخبار المذكورة في تلك المسألة هو وجوب المرة خاصة كما هو اختيار جملة من الاصحاب، وذكرنا وجه الجمع بين اخبار تلك المسألة على تقدير هذا القول الذي اخترناه والاخبار المذكورة هنا، وذلك لان اخبار تلك المسألة بناء على ما اخترناه مطلقة بالنسبة إلى الغسل ومقيدة بالنسبة إلى المغسول واخبار هذه المسألة مطلقة بالنسبة إلى المغسول من كونه مخرج البول أو غيره من الجسد ومقيدة بالنسبة إلى الغسل بالمرتين، فوجه الجمع بينها اما بتخصيص عموم اخبار هذه المسألة باخبار الاستنجاء فيقال بوجوب المرتين في غير موضع الاستنجاء أو بتقييد اخبار الاستنجاء بهذه الاخبار فيقال بوجوب المرتين في الاستنجاء، لكن الظاهر ان الترجيح للاول لمنع شمول اخبار المرتين لموضع النزاع بل الظاهر منها انما هو ما عداه من سائر الجسد فان المتبادر من هذه الروايات انما هو عروض النجاسة من خارج وتطرقها إلى الثوب أو الجسد. وكلام الاصحاب في هذا الباب غير منقح في كون المسألتين من باب واحد أو متعددتين وكما اختلفوا هنا فقد اختلفوا هناك ايضا، والمحقق في المعتبر قد ادعى الاجماع في هذه المسألة على التعدد كما قدمنا ذكره ولم يدعه هناك وانما استدل برواية


[ 361 ]

نشيط بن صالح الدالة على المثلين (1) مع ما في دلالتها من الاجمال في البين، وايدها بما روى من ان البول إذا اصاب الجسد يصب عليه الماء مرتين، ولقد كانت هذه الروايات اصرح واوضح واولى في الاستدلال لو كانت هذه المسألة من قبيل ما اشتملت عليه دون ان تجعل مؤيدة وغيره لم يشر إليها بالكلية، وقد عرفت مما تقدم في كلام صاحب المعالم ان المسألتين عنده من باب واحد وانه يكتفي بالمرة فيهما. وفيه ما عرفت فان الاظهر هو وجوب المرة في الاستنجاء والمرتين فيما عداه عملا بالظاهر من اخبار كل من المسألتين.

(الثاني) الظاهر كما صرح به جماعة: منهم الشهيد الثاني اعتبار الفصل بين المرتين ليتحقق العدد وصدق المرتين المأمور بهما في الاخبار، واكتفى الشهيد في الذكرى باتصال الماء بقدر الغسلتين، قال في المدارك: وهو مشكل نعم لو كان الاتصال بقدر زمان الغسلتين والقطع امكن الاكتفاء به فيما لا يعتبر تعدد العصر فيه لان اتصال الماء في زمان القطع لا يكون اضعف حكما من عدمه. وفيه ان صدق التعدد في الصورة المذكورة مشكل والظاهر انه لا يصدق إلا مع القطع الحسي لا التقديري. وقال في المعالم: ذكر جماعة من الاصحاب انه يكفي في المرتين التقدير فلو اتصل الصب على وجه لو انفصل لصدق التعدد حسا اجزأ، ووجهه البعض بدلالة فحوى الاكتفاء بالحسي عليه. وهو على اطلاقه مشكل لان دلالة الفحوى موقوفة على العلم بعلة الحكم في المنطوق وكونها في المفهوم اقوى وليست العلة هنا بواضحة. انتهى. اقول: الظاهر ان الاشارة بالبعض المذكور في كلامه إلى صاحب المدارك وما نقلناه عنه هنا. ثم قال في المعالم بعد كلام في البين: والذي يقوى في نفسي اعتبار صدق المرتين عرفا مع التراخي لان المقتضى للفرق بين التراخي وعدمه ملاحظة تحقق المرتين المأمور بهما


(1) المروية في الوسائل في الباب 26 من احكام الخلوة.


[ 362 ]

والتراخي بمجرده غير كاف في صدقهما. انتهى. وهو يرجع إلى ما قدمناه بعد نقل كلام صاحب المدارك من عدم صدق التعدد في الصورة المفروضة وانما يحصل بالقطع الحسي. نعم لو صحت الرواية التي ذكرها في الذكرى من تعليل المرتين بان الاولى للازالة والثانية للانقاء امكن ما ذكره في المدارك وسقط ما اورده عليه في المعالم لوجود العلة في المنطوق وحينئذ فان اكتفى بذلك مع القطع الحسي فمع حصول الغسل بقدر زمان القطع ان لم يكن اولى بالاكتفاء لا اقل ان يكون مساويا لكن الخبر كما عرفت آنفا غير ثابت وانما المعلوم كون ذلك تعبدا شرعا فيقين البراءة لا يحصل إلا به، ومن ذلك علم ان في المسألة اقوالا ثلاثة. والشهيد (قدس سره) مع تصريحه هنا بالاكتفاء باتصال الماء بقدر الغسلتين صرح في الاستنجاء بانه لابد في حصول التعدد من الفصل حسا وبين الكلامين تناقض ظاهر، وقد تقدم الجواب عنه في مسألة الاستنجاء من البول فليلحظ.

(الثالث) قد صرحت صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة وكذا عبارة كتاب الفقه بالاكتفاء بالمرة في الغسل في الجاري، وبذلك صرح جملة من الاصحاب كالشهيدين والعلامة في التذكرة والنهاية والشيخ علي وصاحب المدارك واضافوا إلى الجاري الراكد الكثير، وهو جيد. ويمكن ان يكون ذكر الجاري في الخبرين المذكورين انما هو من قبيل التمثيل لا من قبيل الحصر. واما قوله في كتاب الفقه " ومن ماء راكد مرتين " فينبغي حمله على الاقل من كر لينطبق على ظواهر الاخبار وكلام الاصحاب، والصدوق في الفقيه قد عبر بعين عبارة كتاب الفقه. وقال في المنتهى في احكام الاواني: الجسم النجس إذا وقع في الكثير من الراكد احتسب بوضعه في الماء ومرور الماء على اجزائه غسلة وان خضخضه وحركه بحيث تمر عليه اجزاء غير الاجزاء التي كانت ملاقية له احتسب بذلك غسلة ثانية كما لو مرت عليه جريات من الجاري. ومقتضى هذا الكلام اعتبار التعدد في الجاري والراكد الكثير، ونقل عن الشيخ نجيب الدين في الجامع


[ 363 ]

التعدد في الراكد دون الجاري، وصرح المحقق في المعتبر في مسألة الولوغ باعتبار التعدد في الكثير مطلقا إلا انه اكتفى في تحقق المرتين في الجاري بتعاقب الجريتين عليه، واطلاق عبارته في الشرائع حيث قال: " ويغسل الثوب والبدن من البول مرتين يقتضي اعتبار التعدد في قليل كان أو كثير راكد أو جار. والظاهر هو القول الاول للخبرين المذكورين ولا معارض لهما إلا اطلاق اخبار المرتين المتقدمة، والظاهر تقييدها بالقليل كما هو الظاهر منها للتصريح بالصب في جملة منها والغسل في المركن في بعض. بقي الكلام في ان مورد صحيحة محمد بن مسلم وعبارة كتاب الفقه الدالتين على المرة في الجاري انما هو الثوب خاصة وظاهر الاصحاب العموم للبدن ايضا فلو اراد ازالة نجاسة البول عنه في الجاري كفت المرة وكأنه لمفهوم الموافقة فانه إذا ثبت ذلك في الثوب المتوقف على العصر لو كان الغسل في القليل ثبت في البدن بطريق اولى. وفيه ما فيه فتأمل.

(الرابع) قد عرفت الخلاف في البول بالنسبة إلى الثوب والبدن بقي الكلام بالنسبة إليه في غيرهما وغيره في غير الاواني، وقد اختلف الاصحاب في ذلك ففي الذخيرة عن ظاهر جمع من الاصحاب طرد الحكم بالمرتين من نجاسة البول في غير الثوب والبدن مما يشبههما فتعتبر الغسلتان في ما يمكن اخراج الغسالة منه بالعصر من الاجسام الشبيهة بالثوب والصب مرتين فيما لا مسام له بحيث ينفذ فيه الماء كالخشب والحجر، قال ولعلهم نظروا في هذه التعدية إلى المشابهة الصرفة أو مع ادعاء الاولوية في الفرع، والاول قياس غير معتبر واثبات الثاني مشكل، فاذن الاقتصار على مورد النص غير بعيد كما نقل التصريح به عن بعض الاصحاب. انتهى. اقول: قد ذهب الشهيد في اللمعة والرسالة والمحقق الشيخ علي إلى وجوب المرتين مطلقا من نجاسة البول وغيرها في الثوب والبدن وغيرهما عدا الاواني، وذهب شيخنا الشهيد الثاني في الروضة إلى وجوب المرتين من نجاسة البول خاصة في الثوب والبدن وغيرهما والمرة الواحدة في غيره والنقل المذكور عن جمع من الاصحاب انما ينطبق على مذهب شيخنا الشهيد الثاني القائل بوجوب التثنية


[ 364 ]

من نجاسة البول مطلقا كائنة ما كانت، إلا ان ما ذكره من التقييد بما يشبههما لم اقف عليه في كلامه بل ظاهره القول بوجوب التثنية من نجاسة البول مطلقا، وما ذكره في توجيه التعدية فالظاهر بعده بل الظاهر ان الوجه في ذلك انما هو احتمال خروج الثوب والبدن في الاخبار مخرج التمثيل بناء على انه الفرد الغالب في ملاقاة النجاسة فلا يقتضي قصر الحكم عليهما وان خصوص السؤال عنهما لا يخصص. وقيل بوجوب المرة مطلقا وقد تقدم نقله عن الشيخ في المبسوط وبه جزم في البيان، واعتبر في المعتبر المرة بعد ازالة العين اخذا بالاطلاق، واوجب العلامة في التحرير المرتين فيما له قوام وثخن كالمني دون غيره، وقال في المنتهى النجاسات التي لها قوام وثخن كالمني اولى بالتعدد في الغسلات. اقول: وتحقيق القول في هذا المقام بما يصل إليه الفهم القاصر من اخبارهم (عليهم السلام) هو وجوب المرتين من نجاسة البول في الثوب والبدن كما تقدم للاخبار المتقدمة ووجوب المرة فيما عدا ذلك لاطلاق الامر بالغسل إذ لا ذكر للتعدد إلا في البول في الموضعين المذكورين والاواني على بعض الوجوه كما يأتي ونحن قد استثنيناها في صدر الكلام، إذ الامر بالماهية يصدق بالمرة والاصل يقتضي براءة الذمة من الزائد. نعم يبقى الكلام فيما له قوام وثخن كما ذكره العلامة فان ظاهر قوله (عليه السلام) في حسنة الحسين بن ابي العلاء: " صب عليه الماء مرتين فانما هو ماء " يدل بمفهومه على ان غير الماء اكثر عددا ويدل على انه اضعف حكما بالنظر إلى الازالة مما له قوام وثخن، ويؤيده ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ذكر المني فشدده وجعله اشد من البول " وهو ظاهر في ثبوت الاولوية في المني (لا يقال): ان مقتضى ما ذكرتم هو كون البول اضعف نجاسة من الدم إذ البول ماء كما ذكرتم والدم له ثخن وقوام، مع ان الامر بالعكس حيث انه قد عفي عن الدم في مواضع كما تقدم والبول لم يعف عن قليله ولا كثيره بل تجب ازالته كيف كان


(1) رواه في الوسائل في الباب 16 من ابواب النجاسات.


[ 365 ]

(لانا نقول) الاحكام الشرعية لا مسرح للعقل فيها بالكلية بل هي تابعة للنصوص الشرعية واثبات القوة والضعف موقوف على الدلالة الشرعية. ولا ريب ان مقتضى الخبرين المذكورين ان البول اضعف حكما بالنسبة إلى الازالة مما له قوام وثخن وان كان بالنسبة إلى العفو اقوى إذ لا منافاة مع اختلاف الحيثية، وحينئذ فيتجه المصير إلى ما ذكره العلامة من التعدد في ما له قوام وثخن. إلا انه يمكن ان يقال ايضا ان ما ذكر في الخبرين المذكورين من الدلالة على اشدية نجاسة ما له ثخن وقوام لا يستلزم التعدد وانما غاية ما يلزم منه المبالغة في غسله وازالته، إذ لا يخفى ان الظاهر من الاخبار الدالة على التطهير من النجاسات ان الغرض من الغسل انما هو ازالة النجاسة من المحل وانه بالازالة منه وقلعها يطهر المحل ولو بدفعة مشتملة على ماء كثير يقلعها، والامر بالتعدد في بعض النجاسات وان حصلت الازالة قبل تمام العدد انما هو تعبد شرعي إذ لا يظهر له وجه سواه وحينئذ فمتى غسل المني دفعة بماء كثير يقلعه ويزيله وجب الحكم بالطهارة ولا يشترط فيه دفعة اخرى بعد زوال النجاسة لعدم الدليل على ذلك، وشدته وقوته زيادة على البول انما هو باعتبار احتياجه إلى مزيد فرك وزيادة ماء على غيره مما لا قوام له والتعدد في البول كما عرفت انما هو تعبد كغيره فلا يستلزم ان يحمل عليه ما لم يرد فيه تعدد لان الغرض الازالة وقد حصلت بما ذكرناه. نعم لو صح الخبر الذي ذكره في الذكرى من ان العلة في التعدد ان الاولى للازالة والثانية للانقاء يعني الطهارة لربما امكن الحكم بما ذكره من التعدد ولكن الشأن في ثبوته. وبالجملة فالظاهر ما عليه المشهور من المرة في غير البول في الثوب والبدن. والله العالم.

(المسألة الثانية) المعروف من كلام الاصحاب من غير خلاف يعرف وجوب العصر في الثوب ونحوه مما يرسب فيه الماء فلو غسله ولم يعصره حتى جف بالهواء أو الشمس فهو باق على نجاسته كما صرح به جملة منهم. إلا انهم اختلفوا هنا في موضعين:

 


[ 366 ]

(الاول) في مدرك وجوب العصر حيث لم يقفوا على دليل يدل عليه من الاخبار كما ذكره بعض الاصحاب. فبين من علل ذلك بانه لا يتيقن خروج النجاسة إلا به وبين من علله بانه مأخوذ في حقيقة الغسل وبين من علله بان الغسالة نجسة فيجب اخراجها. واحتج المحقق في المعتبر بان النجاسة ترسخ في الثوب فلا تزول إلا بالعصر، وبان الغسل انما يتحقق في الثوب ونحوه بالعصر وبدونه يكون صبا لا غسلا. واستدل عليه في التذكرة والنهاية يكون الغسالة نجسة فلا تحصل الطهارة مع بقائها. وجمع في المنتهى بين ما ذكره المحقق وما ذكره هو في الكتابين المذكورين. وعلله الشهيد في الذكرى بوجوب اخراج النجاسة وتبعه جمع من المتأخرين، وربما اضاف إليه بعضهم الوجه المذكور في التذكرة والنهاية. وكيف كان فلا يخفى ما في بناء الاحكام الشرعية على مثل هذه التعليلات العليلة من المجازفة سيما مع ما هي عليه من تطرق الايراد وعدم الاطراد: (اما الاول) فانه اخص من المدعى لاختصاصه بصورة العلم بتوقف خروج النجاسة عليه والمدعى اعم من ذلك. و (اما الثاني) فلتطرق المنع إليه لغة وعرفا إذ الظاهر ان الغسل لغة وعرفا انما هو عبارة عما يحصل به الجريان والتقاطر في ثوب كان أو بدن أو غيرهما، ويقابله الصب الذي هو عبارة عن وصول الماء خاصة من غير جريان ولا انفصال ويسمى بالرش ايضا كما وقع التعبير بهما معا في ملاقاة الكلب بيبوسة، ومقتضى هذا الوجه وجوب العصر سواء قلنا بنجاسة الغسالة أو طهارتها وان القدر المعتبر منه ما يصدق معه مسمى الغسل في العرف حتى لو بقيت فيه اجزاء يمكن اخراجها بغير مشقة لم تضر إذا كان مفهوم الغسل قد تحقق بدون خروجها. و (اما الثالث) فلتطرق المنع إلى نجاسة الغسالة، ومع تسليم ذلك فنمنع انحصار طريق الازالة في العصر فانه يحصل بالجفاف ايضا، على ان العصر لا يشترط فيه اخراج جميع الرطوبة التي في الثوب، وقد اعترف الاصحاب بطهارة المتخلف بعد العصر وان امكن اخراجه بعصر اشد من الاول. والتحقيق عندي في المقام وان لم يهتد إليه اولئك الاعلام ان اكثر الاخبار


[ 367 ]

المتقدمة وان خلا من ذكر العصر إلا ان كلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي (1) قد اشتمل عليه وبه يخص اطلاق تلك الاخبار، وبه يظهر ان العلة انما هو النص دون ما ذكروه من هذه التخريجات، والظاهر ان من ذكر العصر من المتقدمين ولا سيما الصدوقين الذين عبارتهما عين عبارة الكتاب في هذا المقام كما بيناه في شرحنا على كتاب الفقيه انما اعتمدوا على هذا الكتاب والمتأخرون قد اخذوا الحكم بذلك من كلام المتقدمين ولما خفي عليهم الدليل رجعوا إلى هذه التعليلات العليلة فكل منهم علله بما ادى إليه نظره في المقام وبذلك يزول الاشكال في هذا المجال، وقد تقدم نظير ذلك في غير مقام ويأتي مثله وامثاله من الاحكام الجارية على هذا المنوال.

(الموضع الثاني) انهم اختلفوا في تعدد العصر وعدمه فاوجب المحقق في المعتبر العصر مرتين فيما يجب غسله كذلك، واكتفى بعضهم بعصر بين الغسلتين وبه صرح الشهيد في اللمعة، وصرح الصدوق في الفقيه وكذا ابوه في الرسالة على ما نقله في المعالم بالعصر بعد المرتين وهو المذكور في الفقه الرضوي كما عرفت من عبارته المتقدمة والصدوقان انما اخذاه منها كما اشرنا إليه من ان عبارتيهما هنا عين عبارة كتاب الفقه بتغيير يسير، ومتأخرو المتأخرين بناء على خفاء النص عليهم في المسألة قد اطالوا في تفريع هذا الخلاف على الخلاف المتقدم في الموضع الاول وتطبيقه عليه، قال في المدارك بعد نقل هذه الاقوال الثلاثة: ويمكن بناء الاقوال الثلاثة على الوجه المقتضي لاعتبار العصر فان قلنا انه دخوله في مسمى الغسل وعدم تحققه بدونه كما ذكره المصنف في المعتبر وجب تعدده بتعدد الغسل قطعا، وان قلنا انه زوال اجزاء النجاسة الراسخة في الثوب به اتجه اعتباره في الغسل الاول خاصة إذا حصلت به الازالة، وان قلنا انه نجاسة الماء بملاقاة الثوب كما ذكره في المنتهى اتجه الاكتفاء بعصر بعد الغسلتين لحصول الغرض منه وانتفاء الفائدة في فعله قبل الغسلة الثانية لبقاء النجاسة مع العصر وبدونه. ولا ريب


(1) ص 6.


[ 368 ]

ان ما ذهب إليه المصنف من التعدد احوط وان كان الاكتفاء بالعصر الواحد بعد الغسلتين اقوى. انتهى. وما اختاره اخيرا من قوة الاكتفاء بالعصر الواحد بعد الغسلتين جيد لا لما ذكره بل لما ذكرناه من النص، وما ذكره ايضا من الاحوطية لا بأس به وان كان للنظر فيه مجال.

فوائد:

(الاولى) قال في التذكرة: لو جف الثوب من غير عصر ففي الطهارة اشكال ينشأ من زوال النجاسة بالجفاف والعدم لانا نظن انفصال اجزاء النجاسة في صحبة الماء بالعصر لا بالجفاف. وقال الشهيد في البيان: لو اخل بالعصر في موضعه فالاقرب عدم الطهارة لانا نتخيل خروج اجزاء النجاسة به. وفي الذكرى الاولى الشرطية يعني في العصر لظن انفصال النجاسة مع الماء بخلاف الجفاف المجرد. وقال في المعالم بعد نقل ذلك عنهم: وانت إذا احطت خبرا بما قلناه في المسألة يتضح لك الحال في هذا الفرع لان العصر ان اخذ قيدا في ماهية الغسل أو توقف عليه خروج النجاسة لم يغن عنه الجفاف وان اعتبر لاخراج الغسالة فلا ريب في كون الجفاف مخرجا لها وما ذكراه من الظن والتخيل ليس بشئ كيف وهذا الظن في اكثر الصور لا يأتي والنخيل في الاحكام الشرعية لا يجدي. انتهى. اقول: لا يخفى ان الظاهر ان هذا الاشكال الذي ذكره في التذكرة ونحوه ما ذكره في البيان والذكرى انما نشأ من التردد في الدليل على وجوب العصر وتردده بين الوجوه المتقدمة، وايراده في المعالم عليهم انما يتم مع اختيار دليل بخصوصه وكلامهم ليس مبنيا عليه فلا وجه لايراد ما اورده. وكيف كان فقد ظهر لك مما اوضحناه سابقا سقوط هذا البحث من اصله فلا وجه للتفريع عليه لان النص قد دل على وجوب العصر فلا تحصل الطهارة إلا به.

(الثانية) قال في المدارك في شرح قول المصنف: ويعصر الثوب من النجاسات كلها: " اطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق في اعتبار العصر مرتين بين القليل


[ 369 ]

والكثير وربما كان الوجه فيه ما ادعاه المصنف (قدس سره) من عدم تحقق الغسل بدونه وهو ضعيف جدا. وجزم العلامة في التذكرة والنهاية ومن تأخر عنه باختصاص الحكم بالقليل وسقوطه في الكثير ووجهه معلوم مما قررناه " انتهى. اقول: لا ريب ان الحكم بالعصر مرتين في الكثير يترتب على امرين: (احدهما) وجوب تعدد الغسل في الكثير ليكون العصر بعد كل غسلة و (ثانيهما) كون العلة في العصر هو انه مأخوذ في معنى الغسل، وكل من الاصلين المذكورين لهذا الفرع قد صرح بهما المحقق المذكور، وحينئذ فالحكم بالضعف في هذا الحكم يرجع إلى ضعف ما بنى عليه من الحكمين المذكورين. وكيف كان فالحق ما ذكره من اختصاص العصر بالقليل لا لما اشار إليه بقوله: " ووجهه معلوم مما قررناه " بل لما دل عليه كلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي (1) من انه ان غسل في ماء جار كفت المرة من غير عصر وان غسل في ماء راكد فمرتان بعدهما عصر واحد. وقد اشرنا سابقا إلى ان مراده (عليه السلام) بالراكد ما كان اقل من الكر.

(الثالثة) اعتبر العلامة في النهاية والتحرير في طهارة الجسد ونحوه من الاجسام الصلبة دلكه، لما فيه من الاستظهار في ازالة النجاسة، ولقوله (عليه السلام) في رواية عمار (2) وقد سأله عن القدح الذي يشرب فيه الخمر: " لا يجزيه حتى يدلكه بيده ويغسله ثلاث مرات " ولا يخفى ما فيه من تطرق القدح فان الاستظهار مع تسليمه انما يصلح دليلا للاستحباب لا للوجوب، وقياس البول على الخمر في القدح قياس مع الفارق فانه يمكن ان يكون الامر بالدلك في الخبر المذكور لخصوصية النجاسة المذكورة كما اختصت بالثلاث أو لخصوصية المحل أو لهما معا، إذ لا يخفى ان القدح الذي من الخشب مظنة لعلوق بعض اجزاء الخمر به فتحتاج طهارته إلى الزيادة على مجرد الصب وربما كان الخمر اشد لصوقا بمحله من البول كما هو ظاهر، فمن المحتمل قريبا بل هو الظاهر ان


(1) ص 6. (2) رواه في الوسائل في الباب 51 من ابواب النجاسات.


[ 370 ]

الامر بالدلك لعدم العلم بزوال العين بدونه، وبذلك يظهر ضعف الالحاق بالخمر في القدح والقياس عليه، هذا مع ان الرواية المذكورة معارضة بما رواه هذا الراوي ايضا عن الصادق (عليه السلام) من الاكتفاء في غسل الاناء من الخمر بالمرة الخالية من الدلك (1) كما سيأتي ذكر ذلك في محله ان شاء الله تعالى. ويظهر من المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى الميل إلى الاستحباب. وكلام جماعة من الاصحاب خال من التعرض لذلك بالكلية. وكيف كان فلو توقفت الازالة على الدلك وجب قطعا.

(الرابعة) قد نص جملة من الاصحاب القائلين بوجوب العصر على ان ما يتعذر فيه العصر يكتفي فيه بالدق والتغميز، وفي بعض عبارات العلامة التقليب والدق قال في المنتهى: ولو كان المتنجس بساطا أو فراشا يعسر عصره غسل ما ظهر في وجهه، وان سرت النجاسة في اجزائه غسل الجميع واكتفى بالتقليب والدق عن العصر للضرورة. وظاهره ان العلة فيما ذكره من التقليب والدق هو ضرورة عدم امكان العصر فجعل ذلك قائما مقامه للضرورة. ووقع في كلام جماعة من المتأخرين تبعا للشهيد في الذكرى تعليل ذلك بالرواية. والذي وقفت عليه مما يتعلق بهذا المقام روايات ثلاث: احداها ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن ابراهيم بن ابي محمود (2) قال: " قلت للرضا (عليه السلام) الطنفسة والفراش يصيبهما البول كيف يصنع بهما وهو


(1) ليس في كتب الحديث خبر لعمار يدل على كفاية المرة في غسل الاناء من الخمر ويمكن ان يكون نظره إلى موثقه الوارد في كيفية غسل الاناء وانه يصب فيه الماء فيحرك فيه ثم يفرغ منه هكذا ثلاث مرات، ولم يتعرض في مقام البيان للدلك، فيكون مراده بالاكتفاء بالمرة الخالية من الدلك الاكتفاء بالغسلة الخالية من الدلك في كل من الغسلات الثلاث وقد رواه في الوسائل في الباب 53 من النجاسات. (2) رواه في الوسائل في الباب 5 من ابواب النجاسات.


[ 371 ]

ثخين كثير الحشو ؟ قال يغسل ما ظهر منه في وجهه ". والثانية ما رواه في الكافي عن ابراهيم بن عبد الحميد في الصحيح أو الموثق (1) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الثوب يصيبه البول فينفذ إلى الجانب الاخر وعن الفرو وما فيه من الحشو ؟ قال اغسل ما اصاب منه ومس الجانب الاخر فان اصبت مس شئ منه فاغسله وإلا فانضحه بالماء ". والثالثة ما رواه الحميري في قرب الاسناد عن علي بن جعفر ورواه علي بن جعفر ايضا في كتابه عن اخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن الفراش يكون كثير الصوف فيصيبه البول كيف يغسل ؟ قال يغسل الظاهر ثم يصب عليه الماء في المكان الذي اصابه البول حتى يخرج من جانب الفراش الاخر ". وهذه الروايات كما ترى لا تعرض في شئ منها لما ذكروه من الدق والتغميز والتقليب، وغاية ما تدل عليه الاولى هو غسل ما ظهر في وجهه من غير تعرض لما بطن منه، وغاية ما تدل عليه الثانية هو غسل الجانبين مع نفوذ النجاسة، إلا ان الظاهر ان المراد هو غسل الجانبين وما بينهما في الباطن من الحشو كما تدل عليه رواية علي بن جعفر (عليه السلام) وكيف كان فغاية ما تدل عليه الاخبار المذكورة هو غسل الجميع ولا تعرض فيها لذكر الدق ولا غيره مما ذكروه بل ظاهرها هو صب الماء عليه بحيث ينفذ منه ويجري مع تعدي النجاسة إلى الطرف الاخر والعلم بوصولها إلى الباطن، وإلا فانه يكتفي بمجرد الرش على الطرف الاخر إذا لم يصب فيه النجاسة التي وقعت في ذلك الطرف. ولا يخفى ما في هذه الاخبار من الدلالة على السعة في تطهير النجاسات وظهورها في طهارة الغسالة، وبذلك يظهر ان نسبة الشهيد (قدس سره) ومن تبعه المستند في هذا الحكم إلى الرواية ليس في محله، ولعل السبب في نسبة الشهيد ذلك إلى الرواية هو ما ذكره في المنتهى حيث انه بعد ذكر خبر ابراهيم بن ابي محمود اولا قال انه محمول على


(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 5 من النجاسات.


[ 372 ]

ما إذا لم تسر النجاسة في اجزائه واما مع سريانها فيغسل جميعه ويكتفى بالتقليب والدق عن العصر. وجعل الخبر الثاني شاهدا على هذا التفصيل، هذا حاصل كلامه في المقام، فكأن الشهيد من هذا الكلام اخذ الاحتجاج بالرواية وإلا فليس في المسألة رواية غير ما ذكرناه. والله العالم.

(المسألة الثالثة) اعلم ان ههنا اشياء لا تنفصل عنها الغسالة بنفسها ولا بالعصر ولا الدق ولا الغمز الذي اوجبوه وقد وقع الخلاف والاشكال في تطهيرها، وذلك مثل الصابون والفواكه والخبز والحبوب وما جرى هذا المجرى ومثل الصابون ايضا إذا انتقع في الماء النجس والسمسم والحنطة إذا انتقعا ايضا فيه ومثل المائع من الدهن المتنجس ونحوه ومثل التراب، وظاهر كلام جملة من الاصحاب اختصاص الطهارة على القول بها بالكثير فلا تقع بالقليل من حيث عدم خروج ماء الغسالة عن المحل وانفصاله عنه فلا تحصل الطهارة إلا بالكثير ونحوه.

والكلام في هذه المسألة يقع في مقامات:

(الاول) في الصابون والفواكه وما الحق بهما، نقل في المدارك عن جمع من الاصحاب ان ما لا تنفصل عنه الغسالة كالصابون والورق والفواكه والخبز والحبوب وما جرى هذا المجرى لا يطهر بالغسل في القليل بل تتوقف طهارته على غسله في الكثير، ثم قال: وهو مشكل (اما اولا) فللحرج والضرر اللازم من ذلك. و (اما ثانيا) فلان ما يتخلف في هذه المذكورات من الماء ربما كان اقل من المتخلف في الحشايا بعد الدق والتغميز وقد حكموا بطهارتها بذلك. و (اما ثالثا) فلعدم تأثير مثل ذلك في المنع مع اطلاق الامر بالغسل المتحقق بالقليل والكثير. انتهى. وهو جيد، ويؤيده ما قدمنا من الروايات الدالة على حكم الفرش والحشايا فانها باطلاقها انما دلت على الغسل الذي هو كما حققناه سابقا عبارة عن كثرة الماء بحيث يجري وينفصل عن محل النجاسة. واما ما اورده في الذخيرة على الوجه الثالث حيث قال بعد نقل كلامه:


[ 373 ]

وفي الاخير نظر لانه ليس في الادلة فيما اعلم ما دل على الامر بالغسل في كل مادة بحيث يشمل مورد النزاع لاختصاصها بالبدن والثوب وبعض الموارد الخاصة فتعدية الحكم إلى غيرها يحتاج إلى دليل. انتهى ففيه ان اللازم مما ذكره احد امرين وهو اما بقاء تلك الاشياء على النجاسة وعدم قول التطهير أو طهارتها من غير ماء، وبطلان الامرين اظهر من ان يخفى على ذي روية. والتحقيق ان الطهارة بالغسل لا خصوصية لها بهذه الجزئيات التي وردت بها النصوص حتى يحتاج فيها إلى طلب الدليل ويقال انه لابد في طهارة كل جزئي من الاشياء المتنجسة من نص عليه بخصوصه فانه مجرد سفسطة ظاهرة بل التحقيق ان تلك الجزئيات الواردة في النصوص انما خرجت مخرج التمثيل لا على جهة الاختصاص وحينئذ فيصير الحكم كليا، وهذا البحث لا يختص بهذا الموضع بل هو جار في جميع الاحكام الشرعية من طهارة ونجاسة وصحة العبادة وبطلانها بالمبطلات ونحو ذلك ولا قائل به البتة. ولا يخفى على المتأمل في الاحكام والمتدبر في القواعد المقررة بين علمائنا الاعلام ان الاحكام الشرعية لم ترد عنهم (عليهم السلام) بقواعد كلية إلا نادرا وانما صارت قواعد كلية بينهم بتتبع الجزئيات الواردة عنهم كالقواعد النحوية المبنية على تتبع كلام العرب كما لا يخفى.

(المقام الثاني) في ما انتقع في الماء النجس، قال العلامة في المنتهى: الصابون إذا انتقع في الماء النجس والسمسم والحنطة إذا انتقعا كان حكمها حكم العجين، ثم نقل عن بعض العامة انه قال: الحنطة والسمسم إذا تنجسا بالماء واللحم إذا كان مرقه نجسا يطهر بان يغسل ثلاثا ويترك حتى يجف في كل مرة فيكون ذلك كالعصر، ثم قال وهو الاقوى عندي لانه قد ثبت ذلك في اللحم مع سريان اجزاء الماء النجسة فيه فكذا ما ذكرناه. انتهى. والظاهر من قوله: كان حكمها حكم العجين يعني في عدم قبول التطهير بالماء فان ذلك مذهبه في العجين كما هو المشهور. بقي الكلام في تقويته لما نقله عن بعض العامة من الغسل ثلاثا والتجفيف بعد كل


[ 374 ]

غسلة لقيامه مقام العصر، فانه محل اشكال حيث انه لم يعهد ذلك من مذهبه في كل من الموضعين، وتأول كلامه بعض محققي متأخرى المتأخرين بانه ليس مراده إلا اثبات القبول للتطهير واما اعتبار التعدد والجفاف فغير منظور إليه. وايده بتعليل الحكم بحال اللحم مع ان الحكم فيه كما ذكره هو وغيره انما هو طهارته بالغسل إذا وقع في مرقه وما يقتضي تنجيسه فلو اراد تقوية ما زاد على الغسل لم يكن التعليل وافيا باثبات المدعى، وايده ايضا بانه اقتصر في النهاية على الحكم بقبولها التطهير فقال بعد ان حكم بعدم طهارة الصابون والعجين بالغسل: اما السمسم والحنطة إذا انتقعا في النجس فالاقوى قبولهما للطهارة وكذا اللحم إذا تنجست مرقته. اقول: ما ذكره (قدس سره) من التأويل وان كان لا يخلو من قوة إلا انه لا يخفى على من له انس باختلاف اقوال العلامة في المسألة الواحدة في كتبه بل في كتاب واحد انه لا يبعد حمل كلامه هنا على ظاهره. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الذي دل على حكم اللحم المذكور هنا روايتان احداهما رواية السكوني عن الصادق (عليه السلام) (1) " ان امير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن قدر طبخت فإذا في القدر فأرة ؟ قال يهراق مرقها ويغسل اللحم ويؤكل " والاخرى رواية زكريا بن آدم (2) قال: " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيها لحم كثير ومرق كثير ؟ قال يهراق المرق أو يطعمه اهل الذمة أو الكلاب واللحم اغسله وكله " وظاهر الاصحاب من غير خلاف يعرف القول بمضمونهما وعندي في ذلك على اطلاقه اشكال وذلك فانه ان كانت النجاسة قد رفعت بعد وقوعها بحيث لم تسر النجاسة إلا إلى المرق وظاهر اللحم فلا اشكال وان كانت قد بقيت في القدر مدة بحيث على بها القدر وسرت نجاسة المرق إلى باطن اللحم كما هو ظاهر عبارة العلامة المتقدمة فكيف يطهر بمجرد غسل ظاهره والنجاسة قد سرت إلى


(1) المروية في الوسائل في الباب 5 من الماء المضاف و 44 من الاطعمة المحرمة (2) المروية في الوسائل في الباب 38 من النجاسات و 26 من الاشربة المحرمة


[ 375 ]

باطنه كما هو المفروض ؟ نعم لو علم وصول الماء المطهر إلى الباطن وكان في ماء كثير فالقول بالطهارة متجه، ولا فرق حينئذ بين اللحم ولا غيره مما انتقع في ماء نجس وسرت النجاسة إلى باطنه. والى ما ذكرنا يشير كلام الشهيد في الذكرى حيث قال: والظاهر طهارة الحنطة واللحم وشبهه مما طبخ بالماء النجس بالكثير إذا علم التخلل. وبذلك يظهر لك ما في كلام العلامة الاخير الدال على التطهير مطلقا. واما العجين الذي عجن بالماء النجس فظاهر كلامه الاول عدم قبوله التطهير ومثله كلامه في النهاية، وذلك لانه قد عجن بالماء النجس وقد سرت النجاسة إلى جميع اجزائه فطهره لا يكون إلا باستيلاء الماء الطاهر عليه ووصوله إلى كل جزء والظاهر انه لا يحصل ذلك الا بذهاب عين العجين، الا انه في التذكرة قد صرح بقبوله التطهير فقال: العجين النجس إذا مزج بالماء الكثير حتى صار رقيقا وتخلل الماء جميع اجزائه طهر. وظاهر الذكرى اختيار ذلك واستحسنه ايضا في المعالم، وهو جيد ان علم استيعاب المطهر لجميع الاجزاء إلا ان في العلم بذلك اشكالا ومجرد صيرورته رقيقا لا يدل على ذلك وكيف كان فطهره بصيرورته رقيقا كما ذكروه لا يتم إلا في الجاري أو الكثير كما لا يخفى. وقال في الذكرى: وفي صحاح ابن ابي عمير المرسلة عن الصادق (عليه السلام) " طهره بالخبز والبيع والدفن " (1) وهي مشعرة بسد باب طهارته بالماء إلا ان يقيد بالمعهود من القليل. واعترضه في المعالم فقال: ولا ارى لهذا الكلام وجها فان ما دل من الاخبار على طهره بالنار خال من الاشعار قطعا، وما دل على بيعه أو دفنه فالسر فيه توقف تطهيره بالماء على الممازجة والنفوذ في اجزائه بحيث يستوعب كل ما اصابه الماء النجس، إذ المفروض في الاخبار عجنه بماء نجس وفي ذلك من المشقة والعسر ما لا يخفى


(1) اما ما تضمن الطهر بالخبز فقد رواه في الوسائل في الباب 14 من الماء المطلق برقم 18 واما روايتا البيع والدفن فهما مرسلتاه المرويتان في الوسائل في الباب 11 من الاسآر.


[ 376 ]

فلذا وقع العدول عنه إلى الوجهين المذكورين. انتهى. اقول: لا يخفى ان مراد شيخنا الشهيد (قدس سره) بما ذكره انما هو انه لما كان العجين المذكور من المأكولات المتعارفة وحيث عجن بالماء النجس لم يرد عنهم (عليهم السلام) ما يدل على قبوله التطهير بالماء وانما ورد ما يدل على قبوله التطهير بالخبز وورد ما يشعر بعدم قبوله التطهير مطلقا من بيعه على مستحل الميتة أو دفنه، ولا ريب في اشعار الجميع بعدم قبوله التطهير بالماء كما ذكره شيخنا المشار إليه، ولو كان ثمة صورة يمكن فيها تطهيره بالماء من ترقيقه كما ذكروه لم يكن للاضراب عنها مع الحاجة إليه إلى هذه الصورة المذكورة في الاخبار وجه وهو كلام جيد كما لا يخفى. والتحقيق ان الخبر الوارد بالخبز لا دلالة فيه على النجاسة كما لا يخفى فايراده ليس في محله والخبران الباقيان ظاهران في الاشعار بما ذكرناه، واما ما ذكره من السر في العدول إلى بيعه ودفنه وهو المشقة في تطهيره فهو ممنوع واي مشقة تلزم من ذلك حتى توجب رفع اليد عنه بالكلية ؟ فان وضعه في الكثير جاريا أو راكدا على وجه يصير رقيقا كما يدعونه امر سهل لا مشقة فيه توجب رفع اليد عنه وإلا لاستلزم حصول المشقة ورفع اليد عن كل ما توقف تطهيره على الكثير ولا اراه يقول به. وبالجملة فكلام شيخنا المذكور عندي جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه ومن تأمل فيما ذكرناه من التوجيه.

(المقام الثالث) في المائع من مثل الدهن ونحوه فقال جماعة ان غير الماء من المائعات مطلقا لا يقبل التطهير مادام باقيا على حقيقته، وظاهر كلام العلامة في التذكرة قبولها الطهارة حيث قال: انما يطهر بالغسل ما يمكن نزع الماء المغسول به عنه دون ما لا يمكن كالمائعات والكاغد والطين وان امكن ايصال الماء إلى اجزائها بالضرب ما لم تطرح في كر فما زاد أو في جار بحيث يسري إلى جميع اجزائها قبل اخراجها منه، فلو طرح الدهن في ماء كثير وحركه حتى تخلل جميع الماء اجزاء الدهن باسرها طهر. وقال في المنتهى: الدهن النجس لا يطهر بالغسل نعم لو صب في كر ماء ومازجت


[ 377 ]

اجزاء الماء اجزاءه واستظهر على ذلك بالتصويل بحيث يعلم وصول الماء إلى جميع اجزائه طهر قال في المدارك بعد نقل ذلك: قلت لا ريب في الطهارة بعد العلم بوصول الماء إلى كل جزء من اجزاء المائع إلا ان ذلك لا يكاد يتحقق في الدهن لشدة اتصال اجزائه ولا في غيره من المائعات إلا مع خروجه عن تلك الحقيقة وصيرورته ماء مطلقا. انتهى. وهو جيد. وقال الشهيد في الذكرى: ولا تطهر المائعات والقرطاس والطين ولو ضربت بالماء إلا في الكثير، وفي طهارة الدهن في الكثير وجه اختاره الفاضل في تذكرته. انتهى وظاهره الموافقة للتذكرة فيما ذكره من المائعات غير الدهن والكاغد والطين وتوقفه في الدهن، ولا وجه لاقتصاره في نسبة الحكم بذلك إلى التذكرة خاصة بل هو اختياره ايضا في المنتهى كما عرفت وكذا في النهاية حيث قال: لو صب الدهن النجس في كر فما زاد ومازجت اجزاؤه اجزاء الماء بالتصويل فالاقرب الطهارة. وربما توهم بعض الاصحاب من اقتصاره في النهاية والمنتهى على ذكر الدهن وعدم التعرض فيهما لغيره مغايرة ذلك لما ذكره في التذكرة من العموم، وليس بشئ لانه لا يخفى انه متى ثبت ذلك في الدهن ثبت في غيره بطريق اولى فان شهادة الوجدان ظاهرة في ان الدهن ابعد المائعات عن قبول الطهارة من حيث الدهنية والزوجة وشدة اتصال اجزائه بعضها ببعض المانع جميع ذلك من نفوذ الماء في اجزائه، فالقول بامكان الطهارة فيه يقتضي القول بذلك في سائر المائعات. إلا ان الحق هو ما ذكره في المدارك من الفرق بين الدهن وغيره بعدم قبول الدهن للتطهير بالكلية وقبول ما عداه من المائعات لكن على وجه لا يبقى لها اثر، وتسمية ذلك تطهيرا ليس في محله. ويؤيد ما ذكرناه ما صرح به في المعالم حيث قال ما ملخصه: ان غير الدهن من المائعات إذا خالطها الماء على الوجه المشترط في الممازجة تخرج عن الصلاحية للانتفاع بها


[ 378 ]

في الغالب بخلاف الدهن فان مخالطة الماء له غير مستقرة إذ يسرع انفصاله منه فتبقى الصلاحية للانتفاع بحالها وهو ظاهر، ثم قال وقد ناقشه يعني العلامة جماعة بان العلم بوصول الماء إلى جميع اجزاء الدهن غير ممكن بل قد يعلم خلافه لان الدهن يبقى في الماء مودعا فيه غير مختلط به وانما يصيب سطحه الظاهر. وهذا الكلام جيد بل التحقيق ان العيان شاهد باستحالة مداخلة الماء لجميع اجزاء الدهن وانه مع الاختلاط لا يحصل له إلا ملاقاة سطوح الاجزاء المنقطعة بالضرب ولا سبيل إلى نفوذ الماء في بواطنها، ولهذه العلة يبقى على الصلاحية للانتفاع إذ اختلاطه بالماء انما حصل على جهة التفرق في خلاله فإذا ترك ضربه سارع إلى الانفصال واستقر لخفته على وجه الماء وهذا من الامور الواضحة التي لا تحتاج إلى كثير تأمل. واما غير الدهن من سائر المائعات فانما يعقل حصول الطهارة لها مع اصابة الماء لجميع اجزائها انما يتحقق بشيوعها في الماء واستهلاكها فيه بحيث لا يبقى شئ من اجزائها ممتازا إذ مع الامتياز يعلم عدم نفوذ الماء في ذلك الجزء الممتاز، وإذا حصل الاستهلاك على الوجه المذكور يخرج المائع عن الحقيقة التي كان عليها كما تخرج عين النجاسة بشيوعها في الماء الكثير عن حكمها ومثل هذا لا يسمى تطهيرا في الاصطلاح. انتهى. وهو جيد متين، والمراد بقوله في الدهن انه يبقى على الصلاحية للانتفاع يعني في الجملة لا ان المراد الانتفاع فيما يشترط فيه الطهارة فانه قد صرح بعدم قبوله التطهير وعدم قبوله انما هو لما ذكره من بقاء تلك الاجزاء التي يحصل بها الانتفاع وعدم دخول الماء فيها كما لا يخفى. والله العالم.

(المقام الرابع) الظاهر انه لا خلاف ولا اشكال في ان الارض متى تنجست بالبول ونحوه فانه يحصل تطهيرها بالقاء الكثير عليها أو الجاري أو المطر أو الشمس إذا جففت النجاسة على المشهور، واما بالماء القليل فعلى تقدير القول بطهارة الغسالة فلا اشكال ايضا وانما محل الكلام والاشكال على تقدير القول بالنجاسة. والشيخ مع قوله بنجاسة الغسالة قد صرح في الخلاف بالطهاة فقال فيه: إذا


[ 379 ]

بال على موضع من الارض فتطهيره ان يصب الماء عليه حتى يكاثره ويغمزه ويقهره ويزيل لونه وطعمه وريحه، فإذا زال حكمنا بطهارة المحل وطهارة الماء الوارد عليه ولا يحتاج إلى نقل التراب ولا قلع المكان وبه قال الشافعي (1) وقال أبو حنيفة ان كانت الارض رخوة فصب عليها الماء فنزل الماء عن وجهها إلى باطنها طهرت الجلدة العليا دون السفلى التي وصل الماء والبول إليها وان كانت الارض صلبة فصب الماء على المكان فجرى عليه إلى مكان آخر طهر مكان البول لكن نجس المكان الذي انتهى الماء إليه فلا يطهر حتى يحفر التراب ويلقى عن المكان (2) ثم ان الشيخ احتج لما صار إليه بان في التكليف بما زاد على ذلك حرجا منفيا بقوله تعالى: " وما جعل عليكم في الدين من حرج " (3) وبالرواية العامية المشهورة المتضمنة امر النبي (صلى الله عليه وآله) باهراق الذنوب من الماء على بول الاعرابي لما بال في المسجد وقوله لهم بعد ذلك " علموا ويسروا ولا تعسروا " (4) وابن ادريس قد وافق الشيخ في هذا المقام على جميع هذه الاحكام، وهو جيد على اصله من اختياره طهارة الغسالة. والمحقق في المعتبر بعد ان اورد كلام الشيخ المذكور قال: وما ذكره الشيخ مشكل لان الرواية المذكورة عندنا ضعيفة الطريق ومنافية للاصل لانا قد بينا ان الماء المنفصل عن محل النجاسة نجس تغير أو لم يتغير لانه ماء قليل لاقى نجاسة، ثم عارض الرواية برواية عامية مثلها إلى ان قال: الوجه ان طهارتها بجريان الماء عليها أو المطر حتى يستهلك النجاسة أو يزال التراب النجس على اليقين أو تطلع عليها الشمس حتى تجف بها أو تغسل بما يغمرها ثم يجري إلى موضع آخر فيكون ما انتهى إليه نجسا. انتهى. اقول: ينبغي حمل كلامه الاخير اعني قوله: " أو تغسل بما يغمرها ثم يجري.. إلى آخره " على ما إذا كانت الارض صلبة كما تقدم في كلام ابي حنيفة وإلا عاد


(1) كما في الام ج 1 ص 80 وتابعه أبو اسحاق في المهذب ج 1 ص 49. (2) كما في بدائع الصنائع للكاساني الحنفي ج 1 ص 89 والبحر الرائق ج 1 ص 226 (3) سورة الحج، الاية 78 (4) راجع التعليقة 1 ص 309 ج 1.


[ 380 ]

الاشكال لانه مع كون الارض رخوة تنفذ الغسالة فيها ولو بعضها، والقول باغتفاره رجوع إلى مذهب الشيخ وهو قد رده إذ لا فرق بين البعض والجميع فاعتذار البعض عنه بذلك لا يجدي في المقام نفعا. وبالجملة فالظاهر هو ما ذكره في المعتبر من رد هذا الخبر والبناء على مقتضى الاصول المقررة في ازالة النجاسات. وقال الشهيد في الذكرى: تطهر الارض بما لا ينفعل من الماء بالملاقاة، وفي الذنوب قول لنفي الحرج ولامر النبي (صلى الله عليه وآله) به في الحديث المقبول. اقول: لا يخفى ما فيه فانهم ما بين ان يردوا الاخبار الصحيحة المستفيضة في الاصول بهذا الاصطلاح المتأخر وان يعتمدوا في حكم مخالف للاصول على هذه الرواية العامية، وليت شعري باي وجه دخلت هذه الرواية في حيز القبول أمن جهة راويها ابي هريرة الذي قد اعترف أبو حنيفة بكذبه ورد رواياته ؟ ونقل بعضهم انهم لا يقبلون رواياته في معالم الحلال والحرام وانما يقبلونها في مثل اخبار الجنة والنار ونحو ذلك (1)


(1) في نوادر الاثار للعلامة المقرم عن شرح النهج لابن ابي الحديد ج 1 ص 360 طبعة مصر " كان أبو جعفر الاسكافي يقول: أبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضي الرواية ضربه عمر بالدرة، وروى سفيان الثوري عن ابراهيم التيمي انهم لا ياخذون عن ابي هريرة الا ما كان من ذكر الجنة والنار. وكان أبو حنيفة يقول الصحابة عدول الا رجال: منهم أبو هريرة وانس بن مالك " وفي مختلف الحديث للابن قتيبة ص 27 " قال النظام كذب ابا هريرة عمر وعثمان وعلي وعائشة " وفي مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي الحنفي ج 8 ص 23 " قال أبو حنيفة: النصوص والاصول تأبى حديث ابي هريرة في المصراة وابو هريرة لم يكن من فقهاء الصحابة وقد انكر عليه عمر بن الخطاب اشياء " وفي شرح السير الكبير للسرخسي ج 3 ص 73 طبعة حيدر آباد " استعمل عمر ابا هريرة على البحرين فجاء بمال فقال يا عدو الله سرقت واخذه منه " وفي تاريخ آداب العرب للرافعي ج 1 ص 282 " كان عمر وعثمان وعلي وعائشة ينكرون على ابي هريرة احاديثه ويتهمونه وهو اول راوية اتهم في الاسلام ".


[ 381 ]

ام من حيث اعتضادها بالاصول الشرعية والقواعد المرعية ؟ ما هذه إلا مجازفة محضة، ولا اعرف لهذه المقبولية وجها إلا مجرد قول الشيخ بها في هذا الكتاب. وفيه ما لا يخفى على ذوي الافهام والالباب. وبالجملة فان الطهارة والنجاسة احكام شرعية يتوقف ثبوتها على الدليل الشرعي الواضح وثبوت النجاسة في موضع البحث مما لا خلاف فيه فالحكم برفعها وزوالها يتوقف على الدليل الشرعي الواضح وامثال هذه التخريجات لا تصلح لاثبات الاحكام الشرعية. واما ما ذكره في المعالم حيث قال: وقد روى عبد الله بن سنان في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الصلاة في البيع والكنائس وبيوت المجوس ؟ فقال رش وصل " وروى أبو بصير (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في بيوت المجوس فقال رش وصل " وفي هذين الخبرين نوع اشعار بالاكتفاء في زوال النجاسة عن الارض بصب الماء عليها وإلا لم يكن للرش في المواضع المذكورة فائدة كما لا يخفى اقول: فيه انه من الجائز بل هو الظاهر ان الامر بالرش في هذا المقام وكذا في امثاله من ملاقاة الكلب بيبوسة ونحوه من المواضع الاتية انما هو تعبد شرعي وجوبا أو استحبابا، ويمكن حمل ذلك على طهارة الغسالة كما هو احد الاقوال في المسألة وقد تقدم في محله، إذ من الظاهر انه على تقدير القول بنجاسة الغسالة انما يحصل بالرش زيادة النجاسة وتضاعفها، وقد ورد الامر بالرش في مشكوك النجاسة من الثوب والبدن ايضا كما سيأتي ان شاء الله تعالى في صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج وحسنة الحلبي (3) ولو لم يحمل النضح على احد الامرين الذين ذكرناهما للزم


(1) رواه في الوسائل في الباب 13 من مكان المصلى (2) رواه في الوسائل في الباب 14 من مكان المصلى (3) في المسألة الخامسة في الثوب والبدن الذي شك في نجاسته.


[ 382 ]

البتة ما ذكرناه من زيادة النجاسة وتضاعفها لا زوالها بالنضح. ولا يبعد ايضا ان الوجه في الامر بالنضح في هذه المواضع انما هو زوال النفرة ولا تعلق له بنجاسة ولا طهارة كما ورد في جملة من المواضع الظاهرة في ذلك ايضا كما سيأتي ان شاء الله تعالى. ثم قال في المعالم ايضا على اثر الكلام المتقدم: وكذا صحيح هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) (1) " في السطح يبال عليه فتصيبه السماء فيكف فيصيب الثوب ؟ قال لا بأس به ما اصابه من الماء اكثر منه " ووجه الاشعار فيه تعليل نفي البأس بكون الماء الذي اصاب المحل اكثر من البول فانه ليس بالبعيد كون اداة التعريف في الماء للعهد الذهني لا الخارجي فتأمل. انتهى. اقول: لا يخفى ان صحة التطهير بالماء القليل بناء على المشهور من نجاسة الغسالة مشروطة بأمرين (احدهما) غلبة المطهر وكونه قاهرا للنجاسة وهذا مما لا خلاف فيه ولا اشكال واليه يشير جملة من الاخبار: منها هذا الخبر وخبر الاستنجاء المتقدم في باب الاستنجاء نقله من العلل (2) حيث قال فيه: " ان الماء اكثر من القذر " و (ثانيهما) انفصال الغسالة عن المحل بعصر ونحوه كما هو المشهور أو بغير ذلك، والجريان في المطر على السطح كما اشتمل عليه الخبر امر معلوم والسؤال لم يتعلق به وانما تعلق بتقاطر المطر على الثوب بعد اصابته السطح النجس، فأجاب (عليه السلام) بان المطر قد طهر السطح لتدافعه وتكاثره بالوقوع عليه لانه في حكم الجاري كما تقدم بيانه في محله فلا بأس حينئذ بما يتقاطر منه فاللام في الماء انما هي للعهد الخارجي وهو ماء المطر لا الذهني بمعنى اي ماء كان. تذنيب قال في المعالم: الثوب المصبوغ بالمتنجس المائع يتوقف طهره قبل الجفاف على


(1) رواه في الوسائل في الباب 6 من الماء المطلق. (2) ج 1 ص 468 وفي الوسائل في الباب 13 من الماء المستعمل.


[ 383 ]

استهلاك الماء للاجزاء المائعة من الصبغ وكذا القول في ليقة الحبر المتنجس، اما بعد التجفيف فيمكن طهارة الثوب مع بقاء اجزاء الصبغ فيه وذلك إذا علم نفوذ الماء في جميع تلك الاجزاء. واما طهارة الليقة فموضع نظر من حيث ان الاجتماع الحاصل في اجزائها موجب لعدم نفوذ الماء إلى الاجزاء الداخلة إلا بعد المرور على الخارجة والحال يشهد غالبا بان تكرر مرور الماء على اجزاء الحبر يقتضي تغيره وخروجه عن الاطلاق وحصول الطهارة موقوف على نفوذ الماء باقيا على اطلاقه، ولو فرض تفريق اجزائها بحيث علم النفوذ قبل التغير المخرج عن الاطلاق طهرت كالثوب، ولو اتفق في الثوب اجتماع اجزائه على وجه يتوقف النفوذ إلى باطنها على تكرر المرور باجزاء الصبغ فهو في معنى الليقة المجتمعة. انتهى. اقول: ينبغي ان يعلم ان صبغ الثوب انما يقع بنقع الثوب في ماء الصبغ أو غليه به مدة ليدخل الصبغ في اجزاء الثوب. وحينئذ فإذا كان ماء الصبغ نجسا وقد صبغ الثوب فمتى اريد تطهيره قبل جفافه فالظاهر انه لا يمكن ذلك إلا في الماء الكثير على وجه يضمحل ماء الصبغ فيه، ولو اريد تطهيره بالقليل والحال كذلك فانه لا ريب في حصول الاضافة في ما يصل إلى باطن الثوب وخروجه عن الاطلاق بعين ما فرضه في الليقة ونجاسته ايضا بملاقاة ماء الصبغ فلا يفيد الثوب تطهيرا. وبالجملة فالتطهير بالقليل في هذه الصورة لا يخلو من الاشكال، واما بعد الجفاف فانه يذهب الماء النجس من الثوب ولا يبقى إلا نجاسة الثوب خاصة. وحينئذ فإذا اريد تطهيره بالقليل فان كان ما فيه من الصبغ لا ينفصل عنه في الماء على وجه يغيره ويسلبه الاطلاق فلا اشكال في حصول الطهارة به وإلا ففي الطهارة اشكال لعين ما تقدم، فانه باول ملاقاته للثوب يتغير به ولا يداخله إلا متغيرا فلا يحصل التطهير به، وبذلك يظهر ما في قوله (قدس سره): " فيمكن طهارة الثوب مع بقاء اجزاء الصبغ " وبالجملة فان علم التغير في حال الغسل به فلا اشكال في صحة ما ذكره وإلا فالاشكال ظاهر، ولعله يشير إلى ذلك قوله " ويمكن " فان التعبير


[ 384 ]

بهذا اللفظ مشعر بنوع تردد وتوقف كما لا يخفى إذ لا وجه له إلا ما ذكرناه. (المسألة الرابعة) مذهب الاصحاب (رضوان الله عليهم) لا نعلم فيه مخالفا انه يكفي صب الماء في بول الرضيع من غير غسل ونقل عليه الشيخ في الخلاف اجماع الفرقة. والمستند فيه بعد الاجماع الاصل السالم من المعارض وما رواه الشيخ في الحسن على المشهور بابراهيم بن هاشم الصحيح على الاصطلاح الغير الصحيح عندي وعند جملة من المحققين عن الحلبي (1) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن بول الصبي ؟ قال تصب عليه الماء فان كان قد اكل فاغسله غسلا، والغلام والجارية شرع سواء " وايد بعضهم هذه الرواية برواية السكوني عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) (2) " ان عليا (عليه السلام) قال: لبن الجارية وبولها يغسل منه الثوب قبل ان تطعم لان لبنها يخرج من مثانة امها، ولبن الغلام لا يغسل منه الثوب ولا بوله قبل ان يطعم لان لبن الغلام يخرج من العضدين والمنكبين " وفيه اشكال يعلم مما قدمنا من الكلام في هذه الرواية، وفي الفقه الرضوي (3) " وان كان بول الغلام الرضيع فصب عليه الماء صبا وان كان قد اكل الطعام فاغسله والغلام والجارية سواء ". إلا انه قد روى الشيخان الكليني والطوسي في الحسن عن الحسين بن ابي العلاء (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصبي يبول على الثوب ؟ قال تصب عليه الماء قليلا ثم تعصره " وروى الشيخ في الموثق عن سماعة (5) قال: " سألته عن بول الصبي يصيب الثوب ؟ فقال اغسله. قلت فان لم اجد مكانه ؟ قال اغسل الثوب كله " وظاهر الخبرين المذكورين كما ترى المنافاة لما تقدم. وقد اجاب الشيخ في الاستبصار عن الخبر الثاني بحمل الغسل على الصب أو على


(1) و (2) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 3 من النجاسات. (3) ص 6.


[ 385 ]

ان المراد بالصبي من اكل الطعام والثاني منهما لا بأس به في مقام الجمع، واما الاول فيحتاج إلى مزيد تكلف. واما حسنة الحسين بن ابي العلاء فردها في المدارك (اولا) بعدم توثيق الراوي و (ثانيا) بالحمل على الاستحباب: و (ثالثا) بحمل العصر على ما يتوقف عليه اخراج عين النجاسة من الثوب فان ذلك واجب عند من يرى نجاسة هذا البول. اقول: والثالث منها جيد في مقام الجمع فلا بأس به، واما الاولان فقد تقدم الكلام عليهما مرارا، وربما يؤيد الوجه المذكور بقوله في السؤال: " يبول على الثوب " فانه يشعر بذلك، وايضا فان الحمل على الغسل بقرينة العصر يدافعه قوله: " تصب عليه الماء قليلا " فان ظاهره عدم ارادة الغسل فلا بد من التأويل في جانب العصر بالحمل على ما ذكرناه من اخراج عين النجاسة.

بقي الكلام هنا في مواضع:

(الاول) ان ظاهر كلام الاكثر اختصاص الحكم هنا بالصبي واما بول الصبية فيجب فيه الغسل عندهم كالكبير، ونقل في المعالم عن ظاهر كلام ابن بابويه في رسالته عدم الفرق بين الصبي والصبية حيث فرض الحكم اولا في بول الصبي ثم قال والغلام والجارية فيه سواء. اقول: ونحوه ابنه في الفقيه حيث قال: وان كان بول الغلام الرضيع صب الماء صبا وان كان قد اكل الطعام غسل، والغلام والجارية في هذا سواء وهذا عين عبارة الفقه الرضوي التي قدمنا نقلها ومثلها ما في رسالة ابيه، ومنه يعلم ان مستندهما في هذا الحكم انما هو الكتاب المذكور وان كانت صحيحة الحلبي أو حسنته دالة عليه ايضا. والعجب من الاصحاب مع اعتمادهم في اصل الحكم على الحسنة المذكورة كيف عدلوا عما تضمنته من التسوية بين الغلام والجارية، فقال الشيخ في الاستبصار قوله: " الغلام والجارية شرع سواء " معناه بعد اكل الطعام. ولا يخفى ما فيه وقال المحقق في المعتبر بعد الاشارة إلى دلالة حسنة الحلبي على ما ذكره الشيخ علي بن بابويه: والاشبه


[ 386 ]

اختصاص التخفيف ببول الصبي والرواية محمولة على التسوية في التنجيس لا في حكم الازالة مصيرا إلى ما افتى به اكثر الاصحاب. انتهى. وقال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: وهو بعيد جدا. اقول: وفيه مع بعده انه قد خالف الاصحاب في غير موضع من كتابه مع وجود الدليل على كلامهم بزعمه ضعفه والطعن فيه فكيف يوافقهم هنا فيما دل الدليل على خلافه ؟ واما صاحب المعالم فانه بعد ان اورد حسنة الحلبي قال: وهذه الرواية نص في الحكم فليت اسنادها كان صحيحا، ثم قال ولعل انضمام عدم ظهور المخالف إليها يجبر هذا الوهن مضافا إلى ان حسنها بواسطة ابراهيم بن هاشم وبعض الاصحاب يرى الاعتماد على روايته لشهادة القرائن بحسن حاله، إلى ان قال بعد ذكر مذهب علي بن بابويه في المساواة بين الصبي والجارية ما لفظه: ولا يخفى عليك ان عبارته المذكورة موجودة بمعناها واكثر الفاظها في الخبر الذي هو العمدة في مستند الحكم فكان اللازم من التمسك به عدم الفرق ولكن حيث ان التعلق بها مراعى بضميمة ما يظهر من الوفاق على الحكم وهو مفقود في الصبية فلا جرم كان الاقتصار في الحكم على محل الوفاق هو الانسب، ثم نقل كلام المحقق والشيخ المتقدمين. وانت خبير بان كلامه هذا جيد بناء على اصله من رد الاخبار الحسنة بل الصحيحة التي ليست جارية على حسب اصطلاحه الذي هو بالضعف اولى واحرى حيث انه قد زاد على الطنبور نغمة اخرى، واما من يعمل بالاخبار الحسنة كما هو المشهور بين اصحاب هذا الاصطلاح وغيرهم بل يعد حديث ابراهيم بن هاشم من بين افراد الحسن في الصحيح كما صرح به في الذخيرة والمدارك وغيرهما فانه لا يحتاج في العمل بالخبر المذكور إلى جبر باتفاق الاصحاب ولا غيره لانه دليل صحيح شرعي صريح فلا معنى لاحتياجه إلى جابر، وبذلك يظهر صحة التزامنا لكلام الاصحاب في المسألة بما قدمنا ذكره وبالجملة فان الخبر المذكور قد اشتمل على حكمين ولا معارض له فيهما في البين فالقول


[ 387 ]

باحدهما دون الاخر تحكم كما لا يخفى. هذا مع قطع النظر عن اعتضاد الخبر المذكور بكلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه. والعجب من صاحب الذخيرة هنا حيث جرى على ما جرى عليه صاحب المعالم مع مباينته له في اصطلاحه وعده حسنة ابراهيم في الصحاح في شرحه المذكور في غير موضع بل اعتماده على سائر الاخبار الضعيفة بالقرائن المؤيدة للصحة كما لا يخفى على من مارس كتابه.

(الثاني) ان المفهوم من كلام جملة من متأخري الاصحاب: منهم شيخنا الشهيد الثاني في الروض ان المراد بالرضيع من لم يغتذ بغير اللبن كثيرا بحيث يزيد على اللبن أو يساويه ولم يتجاوز الحولين. وانت خبير بان لفظ الرضيع غير موجود في رواياتهم وانما هو موجود في عبارة كتاب الفقه ولهذا انه في المدارك جعل الحكم معلقا بالمولود الذي لم يأكل لا الرضيع. وكيف كان فظاهر الخبرين هو تعليق الحكم على الاكل وعدمه والظاهر من الاكل كما ذكره في المنتهى هو ما استند إلى شهوته وارادته فان اكل على الوجه المذكور كان الواجب الغسل في بوله وإلا فالصب، واما كونه يزيد على اللبن أو ينقص عنه أو يساويه فلا اشعار في شئ من الخبرين به. وابن ادريس هنا قد علق الحكم ببلوغ الحولين فقال في سرائره: بول الصبي الرضيع وحده من لم يبلغ سنتين نجس إذا اصاب الثوب يكفي ان يصب عليه الماء من غير عصر له وقد طهر وبول الصبية لا بد من عصره مرتين مثل البالغين وان كان للصبية دون الحولين، فإذا تم للصبي حولان وجب عصر الثوب من بوله. ورده جملة من تأخر عنه، وهو كذلك لعدم وجود دليل على ما ذكره إذ الاخبار الواردة في المسألة كما عرفت لا تعرض في شئ منها لذلك وانما الحكم وقع فيها معلقا على الاكل وعدمه. قال المحقق في المعتبر: والمعتبر ان يطعم ما يكون غذاء ولا عبرة بما يلعق دواء أو من الغذاء في الندرة ولا تصغ إلى من يعلق الحكم بالحولين فانه مجازف بل لو استقل


[ 388 ]

بالغذاء قبل الحولين تعلق ببوله وجوب الغسل. انتهى. وقال العلامة في المنتهى بعد تحقيق المسألة: وهذا التخفيف متعلق بمن لم يأكل، وحده ابن ادريس بالحولين وليس شيئا إذ روايتا الحلبي والسكوني دلتا على الاكل والطعم سواء بلغ الحولين أو لم يبلغ ولا اعلم علته في ذلك بل الاقرب تعلق الحكم بطعمه مستندا إلى ارادته وشهوته وإلا لتعلق الغسل بساعة الولادة إذ يستحب تحنيكه بالتمر. انتهى. وهو جيد. وانت خبير بما في كلام المحقق والعلامة هنا من المنافاة لما قدمنا نقله عن الجماعة المشار إليهم حيث ان كلامهما ظاهر في ان الضابط هو صدق الاغتذاء لا على سبيل الندرة وهذا هو الاوفق باخبار المسألة ولم يعتبرا زيادة الاكل على اللبن ومساواته له كما وقع في كلامهم. واما قوله في المعتبر في آخر كلامه: " بل لو استقل بالغذاء.. الخ " فلا ينافي ما في صدر كلامه من ان الغسل يترتب على ان يطعم ما يكون غذاء وان لم يستقل به، لان كلامه الاخير انما وقع مبالغة في توجيه المجازفة التي عزاها إلى ابن ادريس بمعنى ان اطلاق ابن ادريس تعلق الحكم بالحولين يتناول صورة الاستقلال بالغذاء وترك الرضاع رأسا قبل مضيهما مع ان تسميته في تلك الحال رضيعا مجازفة واضحة. وبالجملة فان كلام هذين الفاضلين هو المرتبط بالدليل دون ما ذكره الجماعة.

(الثالث) ان لفظ الخبر المذكور قد ورد بالصب وجملة من الاصحاب قد فرقوا بينه وبين الغسل في الثوب ونحوه بأخذ العصر في حقيقة الغسل دون الصب، والذى قدمنا تحقيقه ان الفرق بينهما انما هو باعتبار الانفصال والتقاطر وعدمه، والصب بهذا المعنى مرادف للرش والنضح الوارد في الاخبار في جملة من المواضع كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى، وربما ظهر من العلامة في التذكرة في هذه المسألة مغايرة الرش للصب، ومما يدل على ترادف النضح والصب الاخبار الواردة في ملاقاة الكلب مع


[ 389 ]

اليبوسة، فان اكثر الاخبار قد عبر فيها بالنضح وصحيحة ابي العباس (1) قد تضمنت الصب. قال في المدارك في هذه المسألة: ويعتبر في الصب الاستيعاب لما اصابه البول لا الانفصال على ما قطع به الاصحاب ودل عليه اطلاق النص إلا ان يتوقف عليه زوال عين النجاسة، مع احتمال الاكتفاء به مطلقا لاطلاق النص، وحكى العلامة في التذكرة قولا بالاكتفاء فيه بالرش قال فيجب فيه التعميم ولا يكفي اصابة الرش بعض موارد النجاسة وبه قطع في النهاية إلا انه اعتبر في حقيقة الرش الاستيعاب وجعله اخص من النضح وفرق بينه وبين الغسل باعتبار السيلان والتقاطر في الغسل دون الرش وهو بعيد لنص اهل اللغة على ان للنضح والرش بمعنى وصدقهما لغة وعرفا بدون الاستيعاب. انتهى. اقول: ما يظهر منه من ان الصب لابد فيه من الاستيعاب وان النضح والرش يصدقان عرفا بدون الاستيعاب لا يخفى ما فيه بل الظاهر هو ترادف الثلاثة على معنى واحد من الاستيعاب بدون الانفصال والتقاطر فانه يكون بذلك غسلا، ويدل على ما ذكرناه ما اشرنا إليه من اخبار ملاقاة الكلب باليبوسة وورود الاخبار بالنضح تارة وبالصب اخرى. بقي الكلام في ان المفهوم من كلام اهل اللغة هو ترادف الرش والنضح حيث قال في الصحاح: النضح الرش وقال في القاموس نضح البيت رشه واما الصب لغة فهو بمعنى الاراقة والسكب وهو بعيد من معنى الرش والنضح قال الله تعالى: " انا صببنا الماء صبا " (2) اي سكبناه سكبا اشارة إلى ماء المطر، ويقال دم صبيب اي كثير، وحينئذ فالحكم بالمرادفة له مع الفردين المذكورين لا يخلو من اشكال إلا ان يستعان بالاخبار الواردة في الكلب والتعبير في بعضها بالصب وفي آخر بالنضح، ويؤيدها خبر بول


(1) المروية في الوسائل في الباب 1 من ابواب الاسآر (2) سورة عبس، الاية 25.


[ 390 ]

الصبي المعلوم منه مغايرة الصب للغسل، فيكون الحكم بالمرادفة من حيث الشرع لا من جهة اللغة. واما ما ذكره في النهاية مما يؤذن بالفرق بين النضح والرش حيث قال: مراتب ايراد الماء ثلاثة النضح المجرد ومع الغلبة ومع الجريان، قال ولا حاجة في الرش إلى الدرجة الثالثة قطعا وهل يحتاج إلى الثانية ؟ الاقرب ذلك ثم قال ويفترق الرش والغسل بالسيلان والتقاطر ففيه ما ذكره في المعالم حيث قال ونعم ما قال في جعل الرش مغايرا للنضح ان المستفاد من كلام اهل اللغة ترادفهما والعرف ان لم يوافقهم فليس بمخالف لهم ولا نعلم الفرق الذي استقربه من اين اخذه ؟ مع انه في غير النهاية كثيرا ما يستدل على الرش بما ورد بلفظ النضح وبالعكس، والظاهر من كلامهم وكلامه في غيره ترادف الصب والرش والنضح. انتهى. وبذلك يظهر لك ما في كلام صاحب المدارك من الفرق بين الصب وبين الفردين الاخرين. ثم لا يخفى ان الظاهر ان المراد بقوله في النهاية النضح المجرد ومع الغلبة انما هو غلبة الماء المنضوح به زيادة على البلل اليسير الذي يحصل به النضح عنده لا باعتبار استيعاب المحل وعدمه كما ذكره في المدارك وفسر به كلامه في النهاية ليتم له الاعتضاد به في ما ذهب إليه من الفرق.

(المسألة الخامسة) قد تفرد الصدوق فيما اعلم بعدم وجوب الغسل في ملاقاة كلب الصيد برطوبة واكتفى فيها بالرش ونفاه مع اليبوسة، فقال في الفقيه: ومن اصاب ثوبه كلب جاف ولم يكن بكلب صيد فعليه ان يرشه بالماء وان كان رطبا فعليه ان يغسله وان كان كلب صيد وكان جافا فليس عليه شئ وان كان رطبا فعليه ان يرشه بالماء. ولم اقف له على موافق ولا على دليل بل الاخبار وكلام الاصحاب متفقة على وجوب الغسل بملاقاة الكلب برطوبة والرش مع اليبوسة من غير فرق بين كلب الصيد وغيره وقد تقدمت الاخبار الدالة على ذلك في الفصل الثامن والتاسع في نجاسة


[ 391 ]

الكلب والخنزير وهي حجة عليه فيما صار إليه هنا في كل من الغسل والرش. إذا عرفت ذلك فاعلم ان ههنا جملة من المواضع قد وردت الاخبار بالامر بالنضح فيها وجملة منها قد وقع الخلاف فيه بكونه على جهة الوجوب أو الاستحباب. (فمنها) مس الكلب جافا فان الاخبار المشار إليها آنفا قد دلت على الامر بالنضح وقد اختلف الاصحاب في كونه على جهة الوجوب أو الاستحباب، والمشهور الثاني، وظاهر الشيخ في المبسوط الحكم بالاستحباب في جميع النجاسات إذا لاقاها بيبوسة حيث قال: كل نجاسة اصابت الثوب وكانت يابسة لا يجب غسلها وانما يستحب نضح الثوب. وفي استفادة هذا العموم من الاخبار نظر كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى ونقل عن ابن حمزة القول بالوجوب هنا استنادا إلى الاوامر الواردة به فانها حقيقة في الوجوب. ورده العلامة في المختلف بان النجاسة لا تتعدى مع اليبوسة اجماعا وإلا لوجب غسل المحل فيتعين حمل الامر على الاستحباب. وفيه (اولا) ان الحمل على الوجوب لا ينحصر بالنجاسة لجواز كونه تعبدا شرعيا. و (ثانيا) ان ما ذكره من ان تعدي النجاسة موجب للغسل ليس كليا ليتم ما ذكره بل هو اكثري وكيف لا وقد اكتفى في بول الرضيع كما تقدم مع الاتفاق على نجاسته بالرش فلا مجال هنا للاستبعاد. هذا. والظاهر من كلام جملة من الاصحاب هنا ايضا هو الوجوب مثل عبارة الصدوق المتقدمة وقوله " فعليه ان يرشه بالماء " في الموضعين منها، وقال الشيخ في النهاية: إذا اصاب ثوب الانسان كلب أو خنزير أو ثعلب أو ارنب أو فأرة أو وزغة وكان يابسا وجب ان يرش الموضع بعينه فان لم يتعين رش الثوب كله. وقال المفيد في المقنعة: وإذا مس ثوب الانسان كلب أو خنزير وكانا يابسين فليرش موضع مسهما منه بالماء وكذا الحكم في الفأرة والوزغة. ونقل عن سلار انه صرح في رسالته بوجوب الرش من مماسة الكلب والخنزير والفأرة والوزغة وجسد الكافر باليبوسة. والقول بالوجوب تعبدا لا يخلو من قوة لاتفاق الاخبار عليه من غير معارض


[ 392 ]

واتفاق كلمة هؤلاء الفضلاء الذين هم اساطين المذهب ويرجحه اعتضاده بالاحتياط، واكثر الاصحاب انما عبروا هنا بالرش والموجود في الاخبار كما اشرنا إليه آنفا التعبير بالنضح في بعض والصب في آخر وكأنه بناء منهم على فهم ترادف الالفاظ الثلاثة، وقد عرفت في آخر المسألة المتقدمة ما في كلام النهاية وصاحب المدارك من المخالفة في ذلك وبينا ما فيه. و (منها) ملاقاة الخنزير جافا والمشهور هنا ايضا بين المتأخرين الاستحباب وقد تقدم نقل القول بالوجوب عن الجماعة المتقدم ذكرهم، ويدل على الحكم هنا صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به ؟ قال ان كان دخل في صلاته فليمض وان لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما اصاب من ثوبه إلا ان يكون فيه اثر فيغسله " والرواية المذكورة قد اشتملت على النضح وقد تقدم الكلام في مرادفته للرش وعدمها وان الاظهر المرادفة، واحتمال الوجوب أو الاستحباب هنا في الامر جار على ما تقدم إلا ان الظاهر هنا ان الامر على تقدير الوجوب لا يكون مستندا إلى النجاسة وانما هو تعبد كما ذكرنا آنفا، وذلك لانه قد امره بالمضي في الصلاة إذا كان دخل فيها وهذا لا يجامع النجاسة، ولا ينافي ذلك الامر بالغسل إذا كان فيه اثر لان سياق الرواية انما هو الاصابة بقول مطلق ولم يعلم كونها برطوبة أو عدمها وقد دخل في الصلاة والحال كذلك. فامر (عليه السلام) بالمضي في الصلاة استصحابا لاصالة الطهارة، لان الاصابة بيبوسة غير موجبة للتنجيس والرطوبة غير معلومة فيتم البناء على اصالة الطهارة ويتم الامر بالمضي فيها وان كان ذلك قبل دخوله في الصلاة فلينضحه إلا ان يكون فيه اثر فيغسله، وظاهر الخبر الدلالة على عدم وجوب الفحص بعد دخوله في الصلاة وانه يكفي البناء على اصالة الطهارة عند الشك كما يدل عليه صحيح زرارة الطويل


(1) المروية في الوسائل في الباب 13 من النجاسات.


[ 393 ]

الوارد في المني (1) وقد تقدم وروى الشيخ في الصحيح عن موسى بن القاسم عن علي ابن محمد (2) وهو مشترك قال: " سألته عن خنزير اصاب ثوبا وهو جاف هل تصلح الصلاة فيه قبل ان يغسله ؟ قال نعم ينضحه بالماء ثم يصلي فيه.. " وفي قرب الاسناد (3) عن علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) قال: " سألته عن خنزير اصاب ثوبا وهو جاف أتصلح الصلاة فيه قبل ان يغسل ؟ قال نعم ينضحه بالماء ثم يصلي فيه ". و (منها) بول الرضيع وقد تقدم الكلام فيه مستوفى. و (منها) الفأرة ففي صحيح علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن الفأرة الرطبة قد وقعت في الماء تمشي على الثياب أيصلي فيها ؟ قال اغسل ما رأيت من اثرها وما لم تره فانضحه بالماء " ومورد الخبر كما ترى هو نضح ما لا يرى من اثر الفأرة الرطبة في الثوب واما ما يرى منه فحكم فيه بالغسل وجوبا أو استحبابا كما تقدم من الخلاف في الفأرة نجاسة وطهارة، وحينئذ فما وقع في عبارة جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) من اطلاق القول بالنضح في الفأرة الرطبة ليس بجيد، والمشهور بين الاصحاب حمل النضح في الخبر المذكور على الاستحباب وقد تقدم كلام الاصحاب الظاهر في الوجوب، وانت خبير بان الكلام في ذلك يتفرع على الخلاف في طهارة الفأرة ونجاستها فان حكمنا بطهارتها كما هو الاشهر الاظهر تعين الحكم بحمل النضح على الاستحباب وان حكمنا بالنجاسة كما هو احد القولين في المسألة جرى الكلام فيها كما في الكلب والخنزير من احتمال الوجوب تعبدا. و (منها) ثوب المجوسي ففي صحيحة الحلبي (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في ثوب المجوسي ؟ فقال يرش بالماء " وينبغي حملها على عدم


(1) ص 256 (2) رواه في الوسائل في الباب 26 من ابواب النجاسات (3) ص 89 (4) رواه في الوسائل في الباب 33 من ابواب النجاسات (5) المروية في الوسائل في الباب 73 من ابواب النجاسات.


[ 394 ]

معلومية ملاقاة المجوسي له برطوبة وإلا لكان نجسا يجب غسله، وبذلك يعلم ان اطلاق القول بالنضح في ثوب المجوسي ليس بجيد، ويجب حمل الامر في الخبر بالنضح بناء على ما ذكرنا على الاستحباب لصحيحة معاوية بن عمار عنه (عليه السلام) (1) " في الثياب السابرية يعملها المجوس.. ألبسها ولا اغسلها واصلي فيها ؟ قال نعم.. الحديث " وقد تقدمت في التنبيه الثاني من التنبيهات الملحقة بالمسألة الثانية من المقصد الثاني في الاحكام، ولم اقف على من ذهب إلى الوجوب في هذا المقام. و (منها) الثوب والبدن الذي حصل الشك في نجاسته، ففي صحيحة عبد الرحمان ابن الحجاج (2) قال: " سألت ابا ابراهيم (عليه السلام) عن الرجل يبول بالليل فيحسب ان البول اصابه فلا يستيقن فهل يجزيه ان يصب على ذكره إذا بال ولا يتنشف ؟ قال يغسل ما استبان انه اصابه وينضح ما يشك فيه من جسده وثيابه ويتنشف قبل ان يتوضأ ". وفي حسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " إذا احتلم الرجل فاصاب ثوبه مني فليغسل الذي اصابه فان ظن انه اصابه مني ولم يستيقن ولم ير مكانه فلينضحه بالماء.. ". وفي حسنة عبد الله بن سنان (4) في ثوب اصابه جنابة أو دم وفيها " وان كان يرى انه اصابه شئ فنظر فلم ير شيئا اجزأه ان ينضحه بالماء ". وفي حسنة محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن


(1) المروية في الوسائل في الباب 73 من النجاسات (2) المروية في الوسائل في الباب 37 من النجاسات (3) المروية في الوسائل في الباب 16 من ابواب النجاسات (4) المروية في الوسائل في الباب 40 من النجاسات (5) المروية في الوسائل في الباب 9 من ابواب النجاسات.


[ 395 ]

ابوال الدواب والبغال والحمير ؟ فقال اغسله فان لم تعلم مكانه فاغسل الثوب كله فان شككت فانضحه ". ومن هذا الباب رواية ابراهيم بن عبد الحميد المتقدمة في تطهير الفرش ونحوها من الحشايا (1) حيث قال: " اغسل ما اصاب منه ومس الجانب الاخر فان اصبت مس شي منه فاغسله وإلا فانضحه بالماء " ومورد هذه الاخبار وان كان نجاسات مخصوصة لكن ظاهر الاصحاب العموم قال الشيخ في النهاية: ومتى حصل في الثوب شئ من النجاسات التي يجب ازالتها وجب غسل الموضع، إلى ان قال وان كان حصولها مشكوكا فيه فانه يستحب ان يرش الثوب. وقال المفيد في المقنعة: وإذا ظن الانسان انه قد اصاب ثوبه نجاسة ولم يتيقن ذلك رشه بالماء. وصريح عبارة النهاية الحكم باستحباب الرش وبذلك صرح العلامة في المنتهى والنهاية لكنه عبر عن الحكم بالنضح كما هو مورد الاخبار المتقدمة وقد عرفت الترادف فيهما فلا مشاحة حينئذ في التعبير خلافا لنهاية العلامة كما تقدم ذكره، وظاهر عبارة المفيد المذكورة احتمال كل من الاستحباب والوجوب لاطلاقها، ونقل عن سلار انه اوجب الرش إذا حصل الظن بنجاسة الثوب ولم يستيقن، والمفهوم من الاخبار النضح في الثوب والبدن في مقام الشك أو الظن كما عرفت، وحينئذ فما ذكره من ايجاب الرش مع الظن ان استند فيه إلى ظاهر لفظ الامر ففيه ان مثل ذلك ايضا قد ورد في مقام الشك كما في صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج المذكورة وحسنة محمد بن مسلم فلا وجه لتخصيصه بصورة الظن وان استند إلى دليل آخر فلم نقف عليه، والظاهر ان الاصحاب انما حكموا هنا بالاستحباب لمعارضة اصالة الطهارة، وفيه ما اشرنا إليه آنفا من احتمال كونه وجوبا وان وجهه التعبد بذلك لا النجاسة. و (منها) وقوع الثوب على الكلب الميت يابسا لما رواه علي بن جعفر عن


(1) المروية في الوسائل في الباب 5 من ابواب النجاسات.


[ 396 ]

اخيه موسى (عليه السلام) (1) في الصحيح قال " " سألته عن رجل وقع ثوبه على كلب ميت ؟ قال ينضحه بالماء ويصلي فيه ولا بأس ". و (منها) المذي لصحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (2) قال: " سألته عن المذي يصيب الثوب ؟ قال ينضحه بالماء ان شاء.. " وهي صريحة في الاستحباب. و (منها) بول البعير والشاة لرواية عبد الرحمان بن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصيبه ابوال البهائم أيغسله ام لا ؟ قال يغسل بول الفرس والبغل والحمار وينضح بول البعير والشاة.. " ولم اقف في هذا الموضع على مصرح بوجوب النضح. و (منها) عرق الجنب في الثوب لرواية ابي بصير (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن القميص يعرق فيه الرجل وهو جنب حتى يبتل القميص ؟ فقال لا بأس وان احب ان يرشه بالماء فليفعل " ورواية على بن ابي حمزة (5) قال: " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) وانا حاضر عن رجل اجنب في ثوبه فيعرق فيه ؟ قال لا ارى به بأسا. قال انه يعرق حتى انه لو شاء ان يعصره عصره ؟ قال فقطب أبو عبد الله (عليه السلام). في وجه الرجل فقال ان ابيتم فشئ من ماء فانضحه به " والرواية الاولى ظاهرة بل صريحة في الاستحباب والثانية مشعرة بعدم الاستحباب، والذي يلوح منها الاباحة ونفى البأس بالكلية والامر بالنضح انما وقع مماشاة للسائل حيث فهم (عليه


(1) رواه في الوسائل في الباب 26 من النجاسات (2) المروية في الوسائل في الباب 17 من ابواب النجاسات (3) المروية في الوسائل في الباب 9 من ابواب النجاسات (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب 27 من النجاسات.


[ 397 ]

السلام) منه الامتناع عن ذلك والميل إلى التنزه عن العرق المذكور كما ينادي به تقطيب وجهه وقوله " ان ابيتم ". و (منها) ذو الجرح في مقعدته بجد الصفرة بعد الاستنجاء لصحيحة البزنطي (1) قال: " سأل الرضا (عليه السلام) رجل وانا حاضر فقال ان بي جرحا في مقعدتي فاتوضأ واستنجي ثم اجد بعد ذلك الندى والصفرة من المقعدة أفأعيد الوضوء ؟ فقال وقد انقيت ؟ فقال نعم. قال لا ولكن رشه بالماء ولا تعد الوضوء " وهذا الموضع قل من ذكره من الاصحاب والظاهر من كلام من ذكره هو استحباب الرش كما هو مورد الخبر وقد تقدم نحوه في ثوب المجوسي وعرق الجنب وبه يتضح ما ذكره الاصحاب من الترادف مع النضح. و (منها) ما ورد في رواية عبد الرحيم القصير (2) قال: " كتبت إلى ابي الحسن الاول (عليه السلام) اسأله عن خصي يبول فيلقى من ذلك شدة ويرى البلل بعد البلل ؟ فقال يتوضأ وينضح ثوبه في النهار مرة واحدة " ورواه الصدوق في الفقيه مرسلا عنه (عليه السلام) (3) وقد تقدم تحقيق الكلام في هذه الرواية في فروع المسألة السادسة من البحث الثاني فيما يجب ازالته من النجاسات وما يعفى عنه (4). اقول: وسيأتي جملة من المواضع ان شاء الله تعالى في امكنة الصلاة قد امر فيها بالنضح والرش نذكرها في محالها. تذنيب قد اشتهر في كلام جملة من الاصحاب (رضوان الله عليهم) مسح اليد بالتراب من ملاقاة بعض النجاسات باليبوسة، قال الشيخ في النهاية وان مس الانسان بيده كلبا أو خنزيرا أو ثعلبا أو ارنبا أو فأرة أو وزغة أو صافح ذميا أو ناصبا معلنا بعداوة


(1) المروية في الوسائل في الباب 16 من نواقض الوضوء (4) ص 355. (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 13 من نواقض الوضوء.


[ 398 ]

آل محمد (صلى الله عليه وآله) وجب غسل يده ان كان رطبا وان كان يابسا مسحه بالتراب. وقال المفيد: ان مس جسد الانسان كلب أو خنزير أو فأرة أو وزغة وكان يابسا مسحه بالتراب، ثم قال وإذا صافح الكافر ولم يكن في يده رطوبة مسحها ببعض الحيطان أو التراب. وحكى العلامة في المختلف عن ابن حمزة ايجاب مسح البدن بالتراب إذا اصابه الكلب أو الخنزير أو الكافر بغير رطوبة. وحكى المحقق في المعتبر عن الشيخ في المبسوط انه قال كل نجاسة اصابت البدن وكانت يابسة لا يجب غسلها وانما يستحب مسح اليد بالتراب. وقد ذكر جمع من الاصحاب انهم لم يعرفوا للمسح المذكور وجوبا أو استحبابا وجها ولا دليلا. وقد ذكر العلامة في المنتهى استحبابه ايضا من ملاقاة البدن للكلب أو الخنزير باليبوسة بعد حكمه بوجوب الغسل مع كون الملاقاة برطوبة، ثم ذكر الدليل على ايجاب الغسل وقال بعد ذلك اما مسح الجسد فشئ ذكره بعض الاصحاب ولم يثبت.

(المسألة السادسة) قال في المدارك اعتبر المرتضى (رضي الله عنه) على ما نقل عنه في ازالة النجاسة بالقليل ورود الماء على النجاسة فلو عكس نجس الماء ولم يفد المحل طهارة، وبه قطع العلامة في جملة من كتبه. انتهى. اقول: قال في المنتهى إذا اراد غسل الثوب بالماء القليل ينبغي ان يورد الماء عليه، ولو صبه في الاناء ثم غمسه فيه لم يطهر، قاله السيد وهو جيد، وفرق بين ورود النجاسة على الماء وورود الماء عليها. وبذلك صرح ايضا الشهيد في الدروس فقال ويشترط الورود حيث يمكن. ونحوه في البيان فقال ويشترط ورود الماء على النجاسة فلو عكس نجس الماء القليل ولم يطهره إلا في نحو الاناء فانه يكفي الملاقاة ثم الانفصال. وقال في الذكرى الظاهر اشتراط ورود الماء على النجاسة لقوته إذ الوارد عامل. وللنهي عن ادخال اليد في الاناء، فلو عكس نجس الماء ولم يطهر، وهذا ممكن في غير الاواني وشبهها مما لا يمكن فيه الورود إلا ان يكتفى باول وروده، ثم قال مع ان عدم اعتباره مطلقا متوجه لان امتزاج الماء بالنجاسة


[ 399 ]

حاصل على كل تقدير والورود لا يخرجه عن كونه ملاقيا للنجاسة. انتهى. وانت خبير بان هذا القول من المرتضى بناء على مذهبه في نجاسة الماء القليل كما تقدم في ابواب المياه من الفرق بين ورود النجاسة على الماء وعكسه وانه انما يكون نجسا في الاول دون الثاني جيد لان الماء عنده في حال وروده على النجاسة باق على الطهارة فيحصل التطهير به قطعا، واما على مذهب الجماعة من نجاسة القليل بالملاقاة مطلقا فمشكل إذ الملاقاة حاصلة على كل من الحالين، واليه اشار في الذكرى في آخر كلامه بقوله مع ان عدم اعتباره مطلقا متوجه.. إلى آخره، وبه يشكل الحكم بالطهارة بالماء القليل لانه متى ثبت القول بنجاسة الماء القليل مطلقا وثبت القول بالتطهير بالماء القليل فاللازم من ذلك حصول الطهارة بالماء النجس، ولا يخرج عن ذلك إلا باحد وجوه ثلاثة ذهب إلى كل منها ذاهب: (احدها) القول بطهارة الغسالة واستثناؤها من نجاسة الماء القليل بالملاقاة و (ثانيها) تخصيص النجاسة بالانفصال عن المحل المغسول. و (ثالثها) ان النجاسة المانعة من التطهير هي ما ثبتت قبل التطهير لا ما كانت حال التطهير إذ لا مانع من التطهير بما حصلت نجاسته بذلك التطهير. وتحقيق هذه الاقوال وما يتعلق بها من الابحاث في هذا المجال قد تقدم منقحا في المقام الثاني من الفصل الثالث في الماء القليل الراكد من الباب الاول وفي مسألة الغسالة من ختام الباب المذكور. ثم لا يخفى ان ممن نقل عنه ايضا القول باشتراط الورود في التطهير الشيخ والمحقق حيث قال في الخلاف: إذا ولغ الكلب في اناء ثم وقع في ماء قليل تنجس ولم يجز استعماله ولا يعتد بذلك في غسل الاناء. وقال في المعتبر: لو وقع اناء الولوغ في ماء قليل نجس الماء ولم يتحصل من الغسلات شئ. اقول: يمكن ان يكون عدم الاعتداد بهذه الغسلة انما هو من حيث تقدمها على التعفير لما سيأتي ان شاء الله تعالى في المسألة من ان الواجب اولا التعفير ثم الغسل فلو تقدم الغسل لم يحسب من ذلك لا من حيث ورود النجاسة على الماء.


[ 400 ]

إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما ذكروه من اعتبار الورود لا يتم لهم في الاواني ونحوها ولهذا استثناها في الذكرى وتأول الورود فيها بالحمل على اول الورود، وقال بعض الاصحاب بعد ان حكى كلام الذكرى وقوله فيها بالاكتفاء في الاواني وشبهها باول وروده: الحق انه لا يراد بالورود اكثر من هذا وإلا لم يتحقق الورود في شئ مما يحتاج فصل الغسالة عنه إلى معونة شئ آخر. قال في المعالم: والذي ينبغي تحصيله في هذا المقام ان مبنى اعتبار الورود على ان انتفاءه يقتضي نجاسة الماء ومن المستبعد صلاحية ما حكم بنجاسته لرفع حكم النجاسة عن غيره، ومن امعن نظره في دليل انفعال القليل بالملاقاة رأى انه مختص بما إذا وردت النجاسة على الماء، فيجب حينئذ ان يكون المعتبر هنا هو عدم ورود النجاسة على الماء لا ورود الماء على النجاسة إذ بين الامرين فرق واضح، وإذا ثبت ان المعتبر ما ذكرناه لم يحتج إلى استثناء نحو الاواني ولا لتكلف حمل الورود على ما يقع اولا فان ورود النجاسة في جميع ذلك منتف والمحذور انما يأتي من جهته. انتهى. اقول: مبني هذا الاشكال وهذه التكلفات كلها في دفعه انما نشأ مما قدمنا ذكره من لزوم نجاسة الماء مع الورود كما ذكره ونحن قد حققنا سابقا في الموضع المشار إليه آنفا انه لا مانع من النجاسة الحاصلة آن التطهير بذلك الماء وانما قام الدليل على منع التطهير بما تنجس سابقا قبل التطهير، وبذلك اعترف ايضا صاحب المعالم في هذا المقام بعد هذا الكلام فقال بعد ان ذكر بانه على رأي القائلين بنجاسة الماء القليل تعويلا على ان الماء القليل ينفعل بملاقاة النجاسة باي وجه فرض وان اعتبار ذلك مشكل إذ نجاسة الماء حاصلة على كل حال ومسمى الغسل المأمور به يصدق وان كان الوارد هو النجاسة ما هذا لفظه: والفرق بينه وبين استعمال ما حكم بنجاسته بغير هذا الوجه من مقتضيات التنجيس قيام الدليل على عدم صلاحية ذك للاستعمال وانتفاؤه في هذا، فان دليل نجاسته انما يقتضي المنع من استعماله في مغسول آخر واما نفس المغسول الاول الذي


[ 401 ]

منه نشأ الحكم بالتنجيس فليس في الدليل ما يقتضي المنع من استعماله فيه بالنظر إلى ازالة ذلك الحكم عنه. انتهى. واما عدوله بعد ذلك عن هذا الكلام إلى ما نقله عن العلامة من تخصيصه حصول النجاسة بما بعد الانفصال وما تكلفه من استثناء ذلك للضرورة فيحتاج إلى بيان القدح فيه وبيان ابطاله بدليل شاف وإلا فلا وجه للعدول عنه إلى ما ذكره لظهور صحته واستقامته كما حققناه فيما تقدم. والله العالم.

(المسألة السابعة) الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) في انه إذا علم موضع النجاسة في ثوب ونحوه غسل ذلك الموضع خاصة وان اشتبه غسل ما وقع فيه الاشتباه من الثوب كله أو بعض نواحيه وبالجملة كل موضع يحتمل كون النجاسة فيه. قال في المعتبر انه مذهب علمائنا وفي المنتهى انه مذهب علمائنا اجمع وانما خالف فيه جماعة من العامة. وإذا حصل الاشتباه في ثوبين بحيث لا يدري ايهما النجس وجب تطهيرهما معا ولو تعذر صلى الصلاة الواحدة فيهما مرتين. والكلام في هذه المسألة يقع في مقامين: (الاول) فيما إذا حصل الاشتباه في الثوب الواحد، ويدل على الحكم المذكور عدة روايات: منها صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) (1) قال في المني يصيب الثوب: " ان عرفت مكانه فاغسله فان خفي عليك مكانه فاغسله كله ". وصحيحة زرارة الطويلة (2) وفيها قال: " قلت فاني قد علمت انه اصابه ولم ادر اين هو فاغسله ؟ قال تغسل من ثوبك الناحية التي ترى انه قد اصابها حتى تكون على يقين من طهارتك ". واعترض هذا الخبر العلامة في المنتهى بان زرارة لم يسنده إلى الامام (عليه السلام) فلا حجة فيه. وفيه ان الشيخ وان رواه في الصحيح كما ذكره إلا ان الصدوق قد


(1) المروية في الوسائل في الباب 16 من النجاسات. (2) التهذيب ج 1 ص 119 وفي الوسائل في الباب 37 و 41 و 42 و 44 من النجاسات.


[ 402 ]

رواه في العلل (1) في الصحيح عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) على انه من الظاهر البين الظهور ان مثل زرارة لا يعتمد في احكام دينه على غير امام سيما مع ما اشتمل عليه الخبر من الاسئلة العديدة والمراجعة مرة بعد اخرى فان صدور مثل هذا من غير الامام لا يقبله الفهم السليم. ومنها حسنة الحلبي أو صحيحته عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " إذا احتلم الرجل فاصاب ثوبه مني فليغسل الذي اصابه فان ظن انه اصابه مني ولم يستيقن ولم ير مكانه فلينضحه بالماء وان استيقن انه قد اصابه مني ولم ير مكانه فليغسل الثوب كله فانه احسن ". وفي الحسن أو الصحيح عن محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " سألته عن ابوال البغال والدواب والحمير فقال اغسله فان لم تعلم مكانه فاغسل الثوب كله " وعن سماعة (4) قال: " سألته عن المني يصيب الثوب ؟ قال اغسل الثوب كله ان خفي عليك مكانه قليلا كان أو كثيرا ". قال في المدارك بعد ان نقل عن المحقق في المعتبر انه استدل على هذا الحكم بان النجاسة موجودة على اليقين ولا يحصل اليقين بزوالها إلا بغسل جميع ما وقع فيه الاشتباه ما هذا لفظه: ويشكل بان يقين النجاسة يرتفع بغسل جزء مما وقع فيه الاشتباه يساوي قدر النجاسة وان لم يحصل القطع بغسل ذلك المحل بعينه. انتهى. اقول: ما ذكره من الاشكال هنا مبني على ما قدمنا نقله عنه في مسألة الاناءين من حكمه بالطهارة في احدهما، وقد اوضحنا ثمة بطلانه وبطلان ما توهمه من الاشكال وانه مجرد وهم نشأ من عدم التأمل في ادلة المسألة وتتبعها من جملة مواردها، وبالجملة فانه لو كان ما ادعاه حقا بناء على قاعدته التي بنى عليها في امثال هذا المقام والاخبار التي توهم


(1) ص 127 (2) و (4) المروية في الوسائل في الباب 16 من النجاسات (3) رواه في الوسائل في الباب 9 من النجاسات.


[ 403 ]

دلالتها على ما صار إليه لكان الحكم في هذا الموضع ما ذكره من الاكتفاء بغسل جزء مما يظن فيه الاشتباه لانه احد جزئيات المسألة مع ان الاخبار كما ترى متفقة على وجوب غسل الجميع وانه لا يطهر إلا بذلك وهو اظهر ظاهر في بطلان ما بنى عليه، ومثل هذا الموضع غيره من المواضع التي نبهنا عليها ثمة في دلالة اخبارها على خلاف ما بنى عليه مع موافقته على العمل بما دلت عليه كما اعترف به هنا. ثم قال ايضا (قدس سره) في المقام المذكور بعد ايراد اخبار المسألة: ولا يخفى ان الحكم بوجوب غسل الجميع لتوقف الواجب عليه أو للنص لا يقتضي الحكم بنجاسة كل جزء من اجزائه فلو لاقى بعض المحل المشتبه جسم طاهر برطوبة فالاظهر بقاؤه على الطهارة استصحابا للحكم قبل الملاقاة إلى ان يحصل اليقين بملاقاته للنجاسة، وفي خبر زرارة المتقدم (1) " ليس ينبغي ان تنقض اليقين بالشك ابدا " انتهى. اقول: قد حققنا سابقا في مسألة الاناءين ان المستفاد من اخبار المسألة هو اعطاء المشتبه بالنجس في المحصور حكم النجس والمشتبه بالحرام كذلك حكم الحرام واحد لم يقل بنجاسة المشتبه ويجزم بالحكم عليه بالنجاسة وانما يدعى انه في حكم النجس في اجراء احكامه، ولا ريب انه هو المستفاد من الاخبار كاخبار هذا الموضع فان الظاهر من الامر فيها بتطهير الثوب كملا هو ترتب حكم النجس عليه قبل التطهير من عدم جواز الصلاة فيه ومن تعدي النجاسة منه برطوبة ونحو ذلك من احكام النجس المتيقن النجاسة واما خبر زرارة الذي ذكره هنا هو غيره فقد تقدم القول فيه ثمة وبينا انه ليس من محل المسألة في شئ فلا نعيده. تذنيب قال الشيخ في الخلاف: إذا اصاب الثوب نجاسة فغسل نصفه وبقي نصفه فان


(1) تقدم ص 256.


[ 404 ]

المغسول يكون طاهرا ولا تتعدى نجاسة النصف الاخر إليه، ثم حكي عن بعض العامة انه قال لا يطهر النصف المغسول لانه مجاور لاجزاء نجسة فتسري إليه النجاسة فينجس (1) قال الشيخ وهذا باطل لان ما يجاوره اجزاء جافة لا تتعدى نجاستها إليه، قال ولو تعدت لكان يجب ان يكون إذا نجس جسم ان ينجس العالم كله لان الاجسام كلها متجاورة وهذا تجاهل، ثم قال وروى عن النبي (صلى الله عليه وآله) وعن أئمتنا (عليهم السلام) (2) انه إذا وقع الفأر في سمن جامد أو في زيت القى وما حوله واستعمل الباقي، ولو كانت النجاسة تسري لوجب ان ينجس الجميع وهذا خلاف النص. وما ذكره (قدس سره) هنا جيد، وقد اقتفاه في هذه المقالة جمع ممن تأخر " منهم الفاضلان في المعتبر والمنتهى والشهيد في الذكرى فاوردوا محصول كلامه ودليله، واستجوده في المعالم ثم قال: ولا يخفى ان ما ذكره من لزوم نجاسة العالم بنجاسة جسم فيه يحتاج إلى التقييد بحال كونه باجمعه رطبا ولظهور ذلك لم يتعرض له وكذا الجماعة بعده.

(المقام الثاني) فيما إذا حصل الاشتباه في الثوبين والاشهر الاظهر هو ما قدمناه من وجوب تطهيرهما معا ووجوب الصلاة الواحدة في كل منهما، ونقل في الخلاف عن بعض الاصحاب انه يطرحهما ويصلي عاريا وجعله في المبسوط رواية واختاره ابن ادريس بعد نقله عن بعض الاصحاب. والذي يدل على وجوب الصلاة فيهما ما رواه الصدوق في الصحيح أو الحسن


(1) في المهذب ج 1 ص 50 " قال أبو العباس بن القاص إذا كان ثوبه كله نجسا فغسل بعضه في جفنة ثم عاد فغسل ما بقى لم يطهر حتى يغسل الثوب كله دفعة واحدة لانه إذا صب على بعضه ماء ورد جزء من البعض الاخر على الماء نجسه وإذا نجس الماء نجس الثوب " (2) في سنن البيهقى ج 9 ص 354 " ان رسول الله صلى الله عليه وآله سئل عن فأرة سقطت في سمن فماتت فقال النبي صلى الله عليه وآله خذوها وما حولها وكلوا سمنكم " والاحاديث المروية عن ائمتنا (عليهم السلام) في ذلك تقدمت ص 56.


[ 405 ]

عن صفوان عن ابي الحسن (عليه السلام) (1): " انه كتب إليه يسأله عن رجل كان معه ثوبان فاصاب احدهما بول ولم يدر ايهما هو وحضرت الصلاة وخاف فوتها وليس عنده ماء كيف يصنع ؟ قال يصلي فيهما جميعا " قال الصدوق يعني على الانفراد. واستدل على ذلك في المدارك ايضا بانه متمكن من الصلاة في ثوب طاهر من غير مشقة فيتعين عليه، وبان الصلاة في الثوب المتيقن النجاسة سائغة بل ربما كانت متعينة على ما سيجئ بيانه ان شاء الله تعالى فالمشكوك فيه اولى، ومتى امتنعت الصلاة عاريا ثبت وجوب الصلاة في احدهما أو في كل منهما إذ المفروض انتفاء غيرهما والاول منتف إذ لا قائل به فيثبت الثاني، ويدل عليه ما رواه صفوان ثم اورد الرواية المذكورة. اقول: ما ذكره من ان الاول منتف إذ لا قائل به فيه انه وان كان لا قائل به كما ذكره إلا ان مقتضى قاعدته التي بنى عليها النزاع في مسألة الاناءين ونحوها هو صحة الصلاة في واحد منهما كما ذكره في مسألة الاناءين حيث قال ان اجتناب النجس لا يقطع بوجوبه إلا مع تحققه لا مع الشك، وما ذكره ايضا في مسألة حصول النجاسة في المكان المحصور من انه لا مانع من الانتفاع بالمشتبه فيما يفتقر إلى الطهارة إذا لم يستوعب المباشرة، وحينئذ فاللازم من ذلك في هذا الموضع لو كان ما ذكره صحيحا هو وجوب الصلاة في احدهما فنفيه له هنا مناقض لما اختاره في تلك المسائل مع ان الجميع من باب واحد، ومن الظاهر ان النص الوارد في هذه المسألة كالنصوص الواردة في سابقتها اظهر ظاهر في رد كلامه وابطاله من اصله لان هذه من جزئيات المسألة المذكورة. وقال ابن ادريس في السرائر: وإذا حصل معه ثوبان احدهما نجس والاخر طاهر ولم يتميز له الطاهر ولا يتمكن من غسل احدهما، قال بعض اصحابنا يصلي في كل واحد منهما على الانفراد وجوبا، وقال بعض منهم ينزعها ويصلي عريانا، وهذا الذي يقوى في نفسي وبه افتى لان المسألة بين اصحابنا خلافية ودليل الاجماع فيه منفي


(1) رواه في الوسائل في الباب 64 من النجاسات.


[ 406 ]

فإذا كان كذلك فالاحتياط يوجب ما قلناه، فان قال قائل بل الاحتياط يوجب الصلاة فيهما على الانفراد لانه إذا صلى فيهما جميعا تبين وتيقن بعد فراغه من الصلاتين معا انه قد صلى في ثوب طاهر، قلنا المؤثرات في وجوه الافعال يجب ان تكون مقارنة لها لا متأخرة عنها والواجب عليه عند افتتاح كل فريضة ان يقطع على ثوبه بالطهارة وهذا يجوز عند افتتاح كل صلاة من الصلاتين انه نجس ولا يعلم انه طاهر عند افتتاح كل صلاة فلا يجوز ان يدخل في الصلاة إلا بعد العلم بطهارة ثوبه وبدنه ولا يجوز ان تكون صلاته موقوفة على امر يظهر فيما بعد، وايضا كون الصلاة واجبة وجه يقع عليه الصلاة فكيف يؤثر في هذا الوجه ما يأتي بعده ومن شأن المؤثر في وجوه الافعال ان يكون مقارنا لها لا يتأخر عنها على ما بيناه. انتهى. وفيه انه مع كونه محض اجتهاد صريح في مقابلة النص الصحيح مردود بما ذكره جملة ممن تأخر عنه، اما ما ذكره من وجوب اقتران ما يؤثر في وجوه الافعال فبالمنع لانتفاء ما يدل عليه. ثم لو سلم ذلك فنقول انه مقيد بحال التمكن لا مطلقا. ثم مع تسليم هذا ايضا فيمكن ان يقال بحصول ذلك فانه يقصد وجوب كل واحدة من الصلاتين فان ستر العورة بالساتر الطاهر لما كان واجبا وكان تحصيله موقوفا على الاتيان بالصلاتين تعين فتكون الصلاتان واجبتين من باب المقدمة، قال في المختلف بعد حكمه بوجوب الصلاتين من باب المقدمة: وهو يعني ابن ادريس لم يتفطن لذلك وحسب ان احدى الصلاتين واجبة دون الاخرى ثم يعلم المكلف بعد فعلهما انه قد فعل الواجب في الجملة، وليس كذلك. واما ما ذكره من ان الواجب عليه عند افتتاح كل فريضة ان يقطع بطهارة ثوبه فبالمنع من ذلك فانه شرط مع القدرة لا مع الاشتباه، وانما اوردنا لك كلامه بطوله وما ينبه على ضعف محصوله لتطلع على مزيد ضعف ما ذهب إليه وإلا فذكر جميع ذلك بعد ما عرفت من النص الواضح تطويل بغير طائل وتحصيل لغير حاصل.


[ 407 ]

فروع:

(الاول) ما ذكر من الحكم المذكور لا يختص بالثوبين بل لو وقع الاشتباه في ثلاثة وقد علم كون واحد منها نجسا يقينا فانه يصلي الفريضة الواحدة في اثنين منها خاصة، اما لو تعدد النجس كما لو كان ثوبان نجسان اشتبها بثوب طاهر فانه يصلي الفريضة الواحدة فيما زاد عن النجس بواحد لتصادف الصلاه الزائدة الطاهر، فان كان النجس واحدا صلى الفريضة مرتين في ثوبين وان كان اثنين صلاها ثلاثا وهكذا مراعيا للترتيب، فيصلي من وجبت عليه الظهر والعصر مثلا الظهر اولا في كل منهما ثم العصر في كل منهما لو كان الاشتباه بواحد نجس، ولو صلى الظهر والعصر في احدهما ثم نزعه وصلى الفرضين ايضا في الاخر فقد صرح الاصحاب بالصحة لتحقق الترتيب واستشكل ذلك بعض للنهي عن الشروع في الثانية حتى تتحقق البراءة من الاولى. وهو جيد. ولو صلى الظهر في احدهما ثم صلى العصر في الاخر ثم صلى الظهر فيما صلى فيه العصر ثم صلى العصر فيما صلى فيه الظهر صحت الظهر لا غير ووجب اعادة العصر فيما صلى فيه العصر اولا لجواز ان يكون الطاهر هو ما وقعت فيه العصر الاولى.

(الثاني) لو تعددت الثياب وضاق الوقت عن التكرار مطلقا فقيل بالصلاة عاريا لتعذر العلم بالصلاة في الطاهر بيقين. وقيل بتعين الصلاة في احدها، لامكان كونه الطاهر، ولاغتفار النجاسة عند تعذر ازالتها، ولان فقد وصف الساتر اسهل من فقده نفسه. ولما ورد من النصوص الدالة على الصلاة في الثوب النجس يقينا فالمشتبه اولى، وهو الاقرب.

(الثالث) قال في المنتهى: لو كان معه ثوب متيقن الطهارة تعين الصلاة فيه ولم يجز له ان يصلي في الثوبين لا متعددة ولا منفردة. قال في المدارك بعد نقله: وهو حسن إلا ان وجهه لا يبلغ حد الوجوب وحو جيد.


[ 408 ]

(الرابع) قال في المنتهى: ولو كان احدهما طاهرا والاخر نجسا معفوا عنه تخير في الصلاة في ايهما كان والاولى الصلاة في الطاهر، قال وكذا لو كان احدى النجاستين المعفو عنهما في الثوب اقل من الاخرى كان الاولى الصلاة في الاقل. اقول: اما حكمه بالاولوية في الصورة الاولى فجيد وعليه يدل بعض الاخبار بالتقريب المذكور ذيلها. وقد تقدمت في بعض فروع المسألة الرابعة من البحث الثاني فيما يجب ازالته من النجاسات من المقصد الثاني في الاحكام. واما في الصورة الثانية فمحل توقف لانه مع بقاء النجاسة وصحة الصلاة معها لا يظهر لاولوية نقصانها وجه كما لا يخفى.

(الخامس) قيل لو فقد احد المشتبهين صلى في الاخر وعاريا، وقيل بالاكتفاء بالصلاة في الباقي لجواز الصلاة في متيقن النجاسة. اقول: وهو جيد بناء على القول بذلك كما هو الاظهر واما على قول من يوجب الصلاة عاريا فالمتجه هنا هو القول الاول. والله العالم.

(المسألة الثامنة) اختلف الاصحاب (رضوان الله عليهم) فيما لو لم يجد إلا الثوب النجس ولا ضرورة تلجئ إلى لبسه من برد ونحوه ولا يقدر على غسله فهل تجوز الصلاة فيه والحال كذلك أو تجب عليه الصلاة عاريا ؟ وقد تقدم تحقيق البحث في هذه المسألة في المسألة السادسة من البحث الثاني فليرجع إليها من احتاج إليها.

(المسألة التاسعة) لو صلى في النجاسة فلا يخلو اما ان يكون قد علم بها وصلى فيها عامدا أو لم يعلم بالكلية أو علم ونسى حال الدخول في الصلاة ولم يعلم إلا بعد الفراغ أو رآها في حال الصلاة. وتحقيق الكلام في ذلك يتوقف على بسطه في مقامات اربعة (الاول) ان يصلي فيه عالما عامدا، ولا خلاف بين الاصحاب في بطلان صلاته ووجوب الاعادة عليه وقتا وخارجا، قال في المعتبر وهو اجماع ممن جعل طهارة البدن والثوب شرطا. واطلاق كلام كثير من الاصحاب وصريح بعضهم انه لا فرق في العالم بالنجاسة بين


[ 409 ]

ان يكون عالما بالحكم الشرعي أو جاهلا فانه كالعالم في البطلان، لان شرط التكليف امكان العلم فيكون مكلفا بما يشترط في الصلاة وعدم معرفة ذلك تقصير منه مستند إلى تفريطه فيكون قد ضم تفريطا إلى جهل فلا يكون معذورا، لانه بعد ان وصل إليه وجوب الصلاة واشتراطها بامور لزمه الفحص والتحقيق عما تصح معه وتفسد فتركه ذلك اخلال به عمدا، ونقل في المدارك عن العلامة وغيره انهم صرحوا بان جاهل الحكم عامد لان العلم ليس بشرط للتكليف، ثم اعترضه بانه مشكل لقبح تكليف الغافل قال والحق انهم ان ارادوا بكون الجاهل كالعامد انه مثله في وجوب الاعادة في الوقت مع الاخلال بالعبادة فهو حق لعدم حصول الامتثال المقتضي لبقاء التكليف تحت العهدة وان ارادوا انه كالعامد في وجوب القضاء فهو على اطلاقه مشكل لان القضاء فرض مستأنف ويتوقف على الدليل فان ثبت مطلقا أو في بعض الصور ثبت الوجوب وإلا فلا، وان ارادوا انه كالعامد في استحقاق العقاب فمشكل لان تكليف الجاهل بما هو جاهل به تكليف بما لا يطاق، نعم هو مكلف بالبحث والنظر إذا علم وجوبهما بالعقل والشرع فيأثم بتركهما لا بترك ذلك المجهول كما هو واضح انتهى كلامه. وعليه جرى جملة ممن تأخر عنه. والتحقيق عندي في المقام هو التفصيل بالنسبة إلى أفراد المكلفين وان كلام كل من القائلين بعدم المعذورية والقائلين بالمعذورية ليس على اطلاقه، وذلك لما حققناه في المقدمة الخامسة من مقدمات الكتاب من ان الجهل على قسمين:

(احدهما) ان يراد به الغفلة عن الحكم الشرعي بالكلية وهو الجهل الساذج وهذا هو الذي يجب القول بمعذوريته في جميع الاحكام لان تكليف الغافل الذاهل مما منعت منه الادلة العقلية والنقلية وعليه يجب ان تحمل الاخبار المستفيضة بمعذورية الجاهل.

و (ثانيهما) ان يراد به الغير العالم وان كان شاكا أو ظانا وهذا هو الذي يجب ان يقال بعدم معذوريته وعليه تحمل الاخبار الدالة على عدم معذورية الجاهل كما تقدمت في المقدمة المذكورة،


[ 410 ]

وقد بينا ثمة ان الحكم في ذلك مختلف باختلاف الناس في انسهم بالاحكام والتمييز بين الحلال والحرام وعدمه وقوة افهاهم وعقولهم وعدمها، وبالجملة فتحقيق المسألة كما هو حقه قد تقدم في المقدمة المذكورة موضحا ومبرهنا عليه بالاخبار الواردة عن الائمة الاطهار (عليهم السلام) فليرجع إليه من احب تحقيق الحال وازاحة الاشكال، واوضح منه وابسط ما في كتابنا الدرر النجفية. وبذلك يظهر ان الجاهل بالمعنى الاول لا اعادة عليه لا وقتا ولا خارجا لعدم توجه الخطاب إليه بالكلية نعم لو علم في الوقت لزمه الاعادة حيث ان وقت الخطاب باق واما القضاء فلا لتوقفه على امر جديد، وهذا هو الذي يتم فيه كلام صاحب المدارك وتفصيله، واما الجاهل بالمعنى الثاني فتجب عليه الاعادة وقتا وخارجا وذلك لتوجه التكليف إليه وعدم ثبوت المعذورية بالجهل على هذا الوجه لانه عالم في الجملة ويتمكن من الفحص والتحقيق في الاحكام كما يشير إليه قولهم في حجة المشهور: لانه بعد ان وصل إليه وجوب الصلاة واشتراطها بامور لزمه الفحص والتحقيق عما تصح معه وتفسد. فانه جيد وجيه في الجاهل بهذا المعنى وعليه تدل الاخبار كصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج وحسنة بريد الكناسي وصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج الواردة في التزويج في العدة كما تقدم جميع ذلك في المقدمة المذكورة (1) ويزيدها تأكيدا ما رواه الكليني عن الفضل بن اسماعيل الهاشمي عن ابيه (2) قال: " شكوت إلى ابي عبد الله (عليه السلام) ما القى من اهل بيتي من استخفافهم بالدين فقال يا اسماعيل لا تنكر ذلك من اهل بيتك فان الله تبارك وتعالى جعل لكل اهل بيت حجة يحتج بها على اهل بيته في القيامة فيقال لهم ألم تروا فلانا فيكم ألم تروا هديه فيكم ألم تروا صلاته فيكم ألم تروا دينه فهلا اقتديتم به ؟ فيكون حجة الله عليهم في القيامة " وعن معاوية بن عمار (3) قال: " سمعت ابا عبد الله


(1) ج 1 ص 73 و 82 (2) روضة الكافي ص 83 الطبع الحديث (3) روضة الكافي ص 84 الطبع الحديث.


[ 411 ]

(عليه السلام) يقول ان الرجل منكم ليكون في المحلة فيحتج الله تعالى يوم القيامة على جيرانه به فيقال لهم ألم يكن فلان فيكم ألم تسمعوا كلامه ألم تسمعوا بكاءه في الليل ؟ فيكون حجة الله عليهم " والتقريب فيهما هو الدلالة على ان الله عزوجل يحتج على الجهال وما يأتونه لجهلهم من عبادة وغيرها بالصلحاء الذين بين اظهرهم وعباداتهم ونسكهم فينبغي لهم الاقتداء بهم والسؤال والفحص منهم، ومنه يعلم ان الجهال متى علموا بوجوب الصلاة وان لها شروطا مصححة وامورا مبطلة في الجملة ورأوا المصلين وما هم عليه من القيام بالشروط المصححة واجتناب الامور المبطلة فانه يجب عليهم الفحص والسؤال عن تلك الاحكام والاقتداء بهم كما دلت عليه الاخبار المشار إليها آنفا، ويعضدها ايضا الاخبار المستفيضة بالامر بالتثبت والتوقف عند الجهل بالحكم وعدم وجود من يسأل عنه كقول الصادق (عليه السلام) في رواية حمزة بن الطيار (1) " لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعلمون إلا الكف عنه والتثبت والرد إلى أئمة الهدى حتى يحملوكم فيه على القصد ويجلوا عنكم فيه العمى ويعرفوكم فيه الحق.. الحديث " واما من لم يصل إليه العلم بهذه الاشياء كمن نشأ في البادية مثلا واخذ الصلاة من امثاله من الجهال أو الرساتيق الغالب عليها الجهل وامثالهم من النساء والبله فهؤلاء من القسم الاول كما لا يخفى. اقول: وممن حام حول هذا التفصيل في معنى الجاهل ولكن لم يهتد للدخول فيه الفاضل المحقق الاردبيلي (قدس سره) في شرح الارشاد حيث قال في هذا المقام: وان كان جاهلا بالمسألة فقيل حكمه حكم العامد وفيه تأمل إذ الاجماع غير ظاهر والاخبار ليست صريحة في ذلك، والنهي الوارد بعدم الصلاة مع النجاسة أو الامر الوارد بالصلاة مع الطهارة المستلزم له غير واصل إليه فلا يمكن الاستدلال بالنهي المفسد للعبادة لعدم علمه به فكيف يكون منهيا عنه ؟ ولما هو المشهور من الخبر " الناس في سعة ما لم يعلموا أو مما لم يعلموا " (2)


(1) المروية في الوسائل في الباب 4 و 8 و 12 من صفات القاضي. (2) راجع التعليقة 2 ج 1 ص 43.


[ 412 ]

وما علم شرطية الطهارة في الثوب والبدن للصلاة مطلقا حتى ينعدم بانعدامه مع ان الاعادة تحتاج إلى دليل جديد. إلا ان يقال انه وصل إليه وجوب الصلاة واشتراطها بامور فهو بعقله مكلف بالفحص والتحقيق والصلاة مع الطهارة وقالوا شرط التكليف هو امكان العلم فهو مقصر ومسقط عن نفسه بانه لم يعلم فلو كان مثله معذورا للزم فساد عظيم في الدين، فتأمل فان هذا ايضا من المشكلات، انتهى كلامه. اقول: لا اشكال بحمد الله الملك المتعال بعدما اوضحناه من التفصيل في معنى الجاهل في هذا المجال، واما قوله فهو بعقله ففيه انه مكلف بالاخبار ايضا كما عرفت من الاخبار الدالة على وجوب الفحص والسؤال على الجاهل بالمعنى الثاني وان ايدتها الادلة العقلية ايضا، وعليك بالتوثق بهذا التحقيق لتنجو به في جملة من الاحكام من لجج المضيق، هذا. واما الاخبار الدالة على بطلان صلاة العالم العامد فهي كثيرة، ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ان رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك اعادة الصلاة وان انت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا اعادة عليك، وكذلك البول ". وحسنة عبد الله بن سنان (2) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اصاب ثوبه جنابة أو دم ؟ قال ان كان علم انه اصاب ثوبه جنابة قبل ان يصلي ثم صلى فيه ولم يغسله فعليه ان يعيد ما صلى وان كان يرى انه اصابه شئ فنظر فلم ير شيئا اجزأه ان ينضحه بالماء ". وصحيحة اسماعيل الجعفي عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: " في الدم يكون في الثوب إلى ان قال وان كان اكثر من قدر الدرهم وكان رآه فلم يغسله حتى صلى فليعد


(1) المروية في الوسائل في الباب 16 من النجاسات (2) المروية في الوسائل في الباب 40 من النجاسات (3) المروية في الوسائل في الباب 20 من النجاسات.


[ 413 ]

صلاته وان لم يكن رآه حتى صلى فلا يعيد الصلاة ". (المقام الثاني) ان يصلي فيها جاهلا بها والاشهر الاظهر صحة صلاته، وقال الشيخ في المبسوط يعيد قي الوقت لا في خارجه ونقل عنه انه اختاره في باب المياه من النهاية ايضا وقال في الدروس بعد نقل هذا القول: وحملناه في الذكرى على من لم يستبرئ بدنه وثوبه عند المظنة للرواية. وظاهر الاصحاب الاتفاق على عدم وجوب القضاء لو لم يعلم حتى خرج الوقت، ونقل ابن ادريس في السرائر وابن فهد في المهذب الاجماع عليه، ونسبه في المنتهى إلى اكثر علمائنا مؤذنا بالخلاف فيه، وهو الظاهر ايضا من الخلاف حيث قال فيه: مسألة - إذا صلى ثم رأى على ثوبه نجاسة أو بدنه يتحقق انها كانت عليه حين الصلاة ولم يكن علمها قبل اختلف اصحابنا في ذلك واختلفت رواياتهم، فمنهم من قال تجب الاعادة على كل حال، وقال بعد ذلك ومنهم من قال ان علم في الوقت اعاد وان لم يعلم إلا بعد خروج الوقت لم يعد. انتهى. والعجب انه اقتصر على القولين المخالفين في المسألة ولم ينقل القول المشهور وهو عدم الاعادة مطلقا. وكيف كان فالظاهر هو القول الاول للاخبار الكثيرة، ومنها صحيحة محمد بن مسلم وصحيحة الجعفي المتقدمتان. ومنها صحيحة عبد الرحمان بن ابي عبد الله عن الصادق (عليه السلام) (1) " عن الرجل يصلي وفي ثوبه عذرة من انسان أو سنور أو كلب أيعيد صلاته ؟ قال ان كان لم يعلم فلا يعد ". ورواية ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن رجل صلى وفي ثوبة جنابة أو دم حتى فرغ من صلاته ثم علم ؟ قال قد مضت صلاته ولا شئ عليه " وصحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) الطويلة (3) وفيها " قلت فان ظننت


(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 40 من النجاسات. (3) التهذيب ج 1 ص 119 وفي الوسائل في الباب 37 و 41 و 42 و 44 من النجاسات.


[ 414 ]

انه قد اصابه ولم اتيقن ذلك فنظرت فلم ار شيئا ثم صليت فيه فرأيت فيه ؟ قال تغسله ولا تعيد الصلاة ". ورواية ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " ان اصاب ثوب الرجل الدم فصلى فيه وهو لا يعلم فلا اعادة عليه.. الحديث ". وحسنة عبد الله بن سنان المتقدمة إلا ان ما تقدم برواية الشيخ واما برواية الكليني (2) فقل فيها بعد قوله " فعليه ان يعيد ما صلى " " وان كان لم يعلم فليس عليه اعادة.. إلى آخر ما تقدم ". وصحيحة علي بن جعفر المروية في قرب الاسناد عن اخيه (عليه السلام) (3) وستأتي ان شاء الله تعالى في المطلب الاتي وفيها " وان كان رآه وقد صلى فليعتد بتلك الصلاة ثم ليغسله ". ويؤيده ايضا صحيحة محمد بن مسلم (4) قال: " سألته عن الرجل يرى في ثوب اخيه دما وهو يصلي ؟ قال لا يؤذنه حتى ينصرف ". وصحيحة العيص بن القاسم (5) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى في ثوب رجل اياما ثم ان صاحب الثوب اخبره انه لا يصلي فيه ؟ قال لا يعيد شيئا من صلاته ". هذا ما وقفت عليه من اخبار المسألة وكلها كما ترى ظاهرة الدلالة على صحة القول المشهور. بقي الكلام فيما ذكره في الدروس من الكلام بالنسبة إلى النجاسة المظنونة والفرق بينها وبين المجهولة جهلا ساذجا حيث انه فصل في صورة الظن بين الاجتهاد بالنظر وعدمه فاوجب الاعادة على الثاني دون الاول. قال في الذكرى بعد نقل صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة المتضمنة لقوله: " وان انت نظرت في ثوبك.. الخ " ما صورته:


(1) و (2) (3) المروية في الوسائل في الباب 40 من النجاسات (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب 47 من النجاسات.


[ 415 ]

ولو قيل بعدم الاعادة على من اجتهد قبل الصلاة ويعيد غيره امكن لهذا الخبر ولقول الصادق (عليه السلام) (1) في المني تغسله الجارية ثم يوجد: " اعد صلاتك اما انك لو كنت غسلت انت لم يكن عليك شئ " ان لم يكن احداث قول ثالث. انتهى. واعترضه في ذلك جملة من المتأخرين: منهم السيد في المدارك. اقول: ان ظاهر الشيخين والصدوق القول بذلك وان لم يعثر عليه شيخنا المشار إليه، ولهم في الاستدلال عليه ما هو اصرح من دليله، اما الشيخ المفيد (قدس سره) فانه قال بعد ان ذكر وجوب الاعادة على من ظن انه صلى على طهارة ثم انكشف فساد ظنه ما صورته: وكذلك من صلى في الثوب وظن انه طاهر ثم عرف بعد ذلك انه كان نجسا ففرط في صلاته من غير تأمل له اعادة الصلاة. وظاهر الشيخ موافقته حيث استدل له بما رواه عن منصور الصيقل عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " قلت له رجل اصابته جنابة بالليل فاغتسل وصلى فلما اصبح نظر فإذا في ثوبه جنابة ؟ فقال الحمد لله الذي لم يدع شيئا إلا وقد جعل له حدا ان كان حين قام نظر فلم ير شيئا فلا اعادة عليه وان كان حين قام لم ينظر فعليه الاعادة " واما الصدوق فانه روى في الفقيه مرسلا (3) قال: وقد روى في المني " انه ان كان الرجل حين قام نظر وطلب فلم يجد شيئا فلا شئ عليه وان كان لم ينظر ولم يطلب فعليه ان يغسله ويعيد صلاته " ويعضد ما دلت عليه هاتان الروايتان قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة: " وان انت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا اعادة عليك " الدال بمفهومه على انك إذا لم تنظر فعليك الاعادة، ويشير إليه قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة وان كان في كلام الراوي: " قلت فان ظننت انه اصابه ولم يتيقن ذلك فنظرت فلم ار شيئا ثم صليت فيه فرأيت فيه ؟ قال تغسله ولا تعيد


(1) المروى في الوسائل في الباب 18 من النجاسات. (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 41 من النجاسات.


[ 416 ]

الصلاة " فان الجواب بعدم اعادة الصلاة قد ترتب هنا على ظن الاصابة مع النظر وعدم الرؤية فيفهم منه ترتب الاعادة مع الظن المذكور وعدم النظر. وبالجملة فظاهر الروايات المذكورة ولا سيما الاوليين هو ما ذكره اولئك الاجلاء (رضوان الله عليهم) إلا انه ربما يشكل ذلك باعتبار بناء المصلي على يقين الطهارة فان الظاهر انه لا يجب عليه الفحص في الثوب ولا طلب النجاسة متى ظنها أو شك فيها لما يفهم من جملة من الاخبار وقد تقدمت من النهي عن السؤال عما يشترى من اسواق المسلمين وان ذلك تضييق للدين (1) وما يستفاد من صحيحة زرارة الطويلة وفيها بعد ما قدمنا نقله هنا منها من قوله: " قلت فان ظننت انه اصابه. الخ " " قلت لم ذلك ؟ قال لانك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا.. إلى ان قال فهل علي ان شككت في انه اصابه شي ان انظر فيه ؟ قال لا ولكنك انما تريد ان تذهب عنك الشك الذي في نفسك.. الحديث " وهي صريحة كما ترى في البناء على يقين الطهارة كما هي القاعدة المطردة المتفق عليها وان النظر في مقام الظن أو الشك انما هو مستحب لاذهاب وسوسة الشيطان، والمراد بالشك في الخبر ما يشمل الظن كما حققناه في محل اليق، والمراد بالشك هنا ما يقابل اليقين الشامل للظن والشك بالمعنى المصطلح، وحينئذ فيمكن حمل الاعادة في تلك الاخبار على الاستحباب. اللهم إلا ان يقال انه لا منافاة بين عدم وجوب النظر عليه من اول الامر ووجوب الاعادة لو ظهرت النجاسة في الصورة المذكورة لعدم فحصه عنها وطلبه لها وتظهر الفائدة في صحة صلاته مع استمرار الاشتباه، ونظيره في الاحكام غير عزيز فان من صلى مع اشتباه الوقت بانيا على ظن دخوله ثم ظهر خلاف ظنه بان كانت صلاته قبل الوقت فانه يعيد وان كانت صلاته صحيحة مع استمرار الاشتباه، وظاهر رواية منصور ان هذا التفصيل حد شرعي للنجاسة في هذه الصورة فالمتعدي عنه داخل تحت


(1) ص 257 و 258.


[ 417 ]

قوله تعالى: " ومن يتعد حدود الله.. " (1) وتحت قولهم (عليه السلام) (2) " ان الله عزوجل جعل لكل شئ حدا ولمن تعدى ذلك الحد حدا " وهذه الروايات لا معارض لها بحسب الظاهر إلا اطلاق الروايات الدالة على عدم وجوب الاعادة على الجاهل وقضية الجمع توجب تقييد اطلاقها بهذه الروايات لكونها اخص، وعلى هذا فتكون الاخبار مخصوصة بالجهل الساذج الخالي من حصول الظن بالكلية، وبذلك يظهر قوة القول المذكور ويعضده انه الاوفق بالاحتياط. بقي شي وهو ان مورد الاخبار المذكورة انما هو نجاسة المني إلا ان ظاهر عبارة الشيخ المفيد مطلق النجاسة وكذا كلام الشهيد، وهو كذلك إذ لا خصوصية للمني بذلك. وظاهر الاخبار المذكورة ايضا الاعادة وقتا وخارجا وهو ظاهر القائلين بذلك ايضا، هذا. واما ما ذهب إليه الشيخ من الاعادة في الوقت فنقل عنه انه استدل عليه بانه لو علم النجاسة في اثناء الصلاة وجب عليه الاعادة فكذا إذا علم في الوقت بعد الفراغ. واجيب عنه بمنع الملازمة إذ لا دليل عليها. وبالجملة فضعفه اظهر من ان يبين بعد ورود تلك الاخبار الصحاح والحسان. واضعف منه القول بالاعادة بعد الوقت. بقي هنا في المقام روايتان احداهما ما رواه الشيخ في الصحيح عن وهب بن عبد ربه عن الصادق (عليه السلام) (3) " في الجنابة تصيب الثوب ولا يعلم بها صاحبه فيصلي فيه ثم يعلم بعد ذلك ؟ قال يعيد إذا لم يكن علم " والثانية ما رواه عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن رجل صلى وفي ثوبه بول أو جنابة ؟ فقال علم به أو لم يعلم فعليه اعادة الصلاة إذا علم " وظاهرهما الدلالة على القول بالاعادة مطلقا، والشيخ قد اجاب عن الاولى في التهذيب بالحمل على انه إذا لم يعلم في حال الصلاة وكان قد سبقه العلم بحصول النجاسة في الثوب. ولا يخفى بعده. وحملها بعض على


(1) سورة البقرة، الاية 229. (2) اصول الكافي ج 1 ص 59 الطبع الحديث (3) و (4) رواه في الوسائل في الباب 4 من ابواب النجاسات.


[ 418 ]

الاستحباب وبعض على الاستفهام الانكاري بحذف الهمزة وبعض على زيادة حرف النفي وتوهم الراوي. والثانية حملها الشيخ على عدم العلم حال الاشتغال بالصلاة وبعض على الاستحباب. اقول وكيف كان فهما لا يبلغان قوة المعارضة لما سردناه من الاخبار الصحيحة الصريحة المعتضدة بعمل الطائفة المحقة قديما وحديثا فهما من المرجأة إلى قائلها (عليه السلام) حسب ما ورد عنهم من الرد إليهم فيما اشتبه علينا. والله العالم. (المقام الثالث) ان يصلي فيها ناسيا وقد اختلف في ذلك كلام الاصحاب (رضوان الله عليهم) على اقوال: ثالثها ان يعيد في الوقت لا في خارجه وهو المشهور بين المتأخرين، ورابعها استحباب الاعادة واليه ذهب جملة من متأخري المتأخرين كصاحب المدارك وغيره. وينبغي ان يعلم اولا ان ظاهر كلام الاصحاب في هذا المقام الفرق بين نجاسة الاستنجاء وغيرها من افراد النجاسات، وذلك فانهم قد صرحوا بانه لو صلى ناسيا الاستنجاء فالمشهور وجوب الاعادة وقتا وخارجا، وقال ابن الجنيد: إذا ترك غسل البول ناسيا تجب الاعادة في الوقت وتستحب بعد الوقت. وقال أبو جعفر بن بابويه: ومن صلى وذكر بعد ما صلى انه لم يغسل ذكره فعليه ان يغسل ذكره ويعيد الوضوء والصلاة ومن نسي ان يستنجي من الغائط حتى يصلي لم يعد الصلاة. كذا نقله العلامة في المختلف. واما الصلاة في النجاسة بغير ذلك فالمشهور بين المتقدمين هو وجوب الاعادة وقتا وخارجا حتى ادعى ابن ادريس عليه الاجماع وذكر بانه لولا الاجماع لما صار إليه كذا نقل عنه في المدارك، والذي وقفت عليه من كلامه في السرائر في هذا المقام خلاف ذلك حيث انه بعد ذكر المسألة ادعى فيها عدم الخلاف إلا من الشيخ في الاستبصار، وما ذكره عنه من قوله لولا الاجماع لما صار إليه ليس له اثر في الموضع المذكور واحتمال نقل صاحب المدارك عنه من غير السرائر أو منه في غير موضع المسألة بعيد كما


[ 419 ]

لا يخفى فينبغي التنبيه لامثال ذلك. وحكى العلامة في التذكرة عن الشيخ في بعض اقواله عدم الاعادة مطلقا. وفصل الشيخ في الاستبصار بين الوقت وخارجه وتبعه المتأخرون وصار المشهور بينهم هذا القول، وبذلك يظهر ان ما ذكره في المدارك في باب الاستنجاء وحكم الصلاة مع نسيانه من انها من جزئيات هذه المسألة التي نحن فيها على اطلاقه لا يخلو من نظر، فانه ان اراد عند الاصحاب فهو ليس كذلك لما عرفت وان اراد باعتبار الدليل فيمكن، وقد تقدم الكلام في الاخبار المتعلقة بالاستنجاء وبسط البحث فيها في صدر الباب الثاني من الابواب التي رتب عليها الكتاب. بقى الكلام في اخبار هذه المسألة التي نحن بصدد الكلام عليها وتحقيق البحث فيها: فنقول وبالله الثقة لكل مأمول من الاخبار الدالة على الاعادة مطلقا فيها حسنة محمد بن مسلم الواردة في الدم (1) حيث قال (عليه السلام) " وإذا كنت قد رأيته وهو اكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلوات كثيرة فاعد ما صليت فيه ". ورواية ابي بصير في الدم ايضا (2) قال فيها: " وان هو علم قبل ان يصلي فنسى وصلى فيه فعليه الاعادة ". ورواية سماعة (3) " عن الرجل يرى بثوبه الدم فينسى ان يغسله حتى يصلي ؟ قال يعيد صلاته كي يهتم بالشئ إذا كان في ثوبه عقوبة لنسيانه " وصحيحة الجعفي في الدم ايضا (4) قال: " وان كان اكثر من قدر الدرهم وكان رآه ولم يغسله حتى صلى فليعد صلاته ". ورواية جميل بن دراج في الدم ايضا (5) قال: " وان كان قد رآه صاحبه قبل


(1) و (4) و (5) المروية في الوسائل في الباب 20 من النجاسات. (2) المروية في الوسائل في الباب 40 من ابواب النجاسات (3) المروية في الوسائل في الباب 42 من النجاسات.


[ 420 ]

ذلك فلا بأس ما لم يكن مجتمعا قدر الدرهم ". وصحيحة ابن ابي يعفور (1) " في نقط الدم يعلم به ثم ينسى ان يغسله فيصلي فيه ثم يذكر بعد ما صلى أيعيد صلاته ؟ قال يغسله ولا يعيد صلاته إلا ان يكون مقدار الدرهم مجتمعا فيغسله ويعيد صلاته ". وصحيحة زرارة (2) قال: " قلت له اصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من مني فعلمت اثره إلى ان اصيب له الماء فاصبت وحضرت الصلاة ونسيت ان بثوبي شيئا وصليت ثم اني ذكرت بعد ذلك ؟ قال تعيد الصلاة وتغسله. قلت فان لم اكن رأيت موضعه وعلمت انه قد اصابه فطلبته فلم اقدر عليه فلما صليت وجدته ؟ قال تغسله وتعيد ". ورواية ابن مسكان (3) قال: " بعثت بمسألة إلى ابي عبد الله (عليه السلام) مع ابراهيم بن ميمون قلت اسأله عن الرجل يبول فيصيب فخذه قدر نكتة من بوله فيصلي فيه ثم يذكر انه لم يغسله ؟ قال يغسله ويعيد صلاته ". وصحيحة علي بن جعفر المروية في قرب الاسناد وكتاب المسائل عن اخيه موسى (عليه السلام) (4) قال: " سألته عن رجل احتجم فاصاب ثوبه دم فلم يعلم به حتى إذا كان من الغد كيف يصنع ؟ قال ان كان رآه ولم يغسله فليقض جميع ما فاته على قدر ما كان يصلي ولا ينقص منه شئ، وان كان رآه وقد صلى فليعتد بتلك الصلاة ". ومما يدل على عدم الاعادة في هذه الصورة صحيحة العلاء عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: " سألته عن الرجل يصيب ثوبه الشئ فينجسه فينسى ان يغسله فيصلي فيه ثم يذكر انه لم يكن غسله أيعيد الصلاة ؟ قال لا يعيد قد مضت الصلاة وكتبت


(1) المروية في الوسائل في الباب 20 من ابواب النجاسات (2) التهذيب ج 1 ص 119 وفي الوسائل في الباب 37 و 40 و 42 و 44 من النجاسات (3) و (5) المروية في الوسائل في الباب 42 من ابواب النجاسات. (4) المروية في الوسائل في الباب 40 من النجاسات.


[ 421 ]

له " وظاهرها عدم الاعادة في الوقت وخارجه بتقريب التعليل المذكور فيها المشعر بكونها بعد الفراغ منها قد كتبت له لكونها على ظاهر الصحة. ويظهر من المحقق في المعتبر الميل إلى العمل بمضمونها حيث قال: وعندي ان هذه الرواية حسنة والاصول تطابقها لانه صلى صلاة مشروعة مأمورا بها فيسقط الفرض بها. ومراده بالحسن هنا يعني بالنسبة إلى متنها وما تضمنته من الحكم لا الحسن باعتبار السند لان هذا الاصطلاح في التقسيم للاقسام المشهورة انما وقع بعده وان كان وقع التحدث به في زمانه كما يشعر به طعنه في الاخبار في المعتبر بضعف الاسناد إلا ان استقرار الاصطلاح المذكور انما وقع من تلميذه العلامة فلا يتوهم المنافاة في كلامه. بقى الكلام في اختياره العمل بهذه الرواية مع ان بازائها من الاخبار ما عرفت والترجيح في جانب تلك الاخبار لكثرتها وتعددها واعتضادها بالشهرة بين المتقدمين كما عرفت والمخالف مجهول القائل كما تقدم، والشيخ وان خالف في الاستبصار إلى ما ذكره من التفصيل بين الوقت وخارجه إلا انه في جميع كتبه قد وافق الاصحاب كما نقله ابن ادريس في السرائر حيث انه كما عرفت ادعى الاجماع إلا من الشيخ في الاستبصار، وبالجملة فاني لا اعرف لاختياره العمل بهذه الرواية وعدم الجواب عن ما بازائها وجها. والشيخ في الاستبصار قد جمع بين الاخبار بحمل روايات الاعادة على ما إذا ذكر في الوقت ورواية العلاء على ما إذا ذكر خارج الوقت، واستدل على هذا الجمع بصحيحة علي بن مهزيار (1) قال: " كتب إليه سليمان بن رشيد يخبره انه بال في ظلمة الليل وانه اصاب كفه برد نقطة من البول لم يشك انه اصابه ولم يره وانه مسحه بخرقة ثم نسي ان يغسله وتمسح بدهن ومسح به كفيه ووجهه ورأسه ثم توضأ وضوء الصلاة فصلى ؟ فاجابه بجوابه قرأته بخطه: اما ما توهمت مما اصاب يدك فليس بشئ إلا


(1) المروية في الوسائل في الباب 42 من النجاسات.


[ 422 ]

ما تحقق فان حققت ذلك كنت حقيقا ان تعيد الصلوات التي كنت صليتهن بذلك الوضوء بعينه ما كان منهن في وقتها، وما فات وقتها فلا اعادة عليك لها من قبل ان الرجل إذا كان ثوبه نجسا لم يعد الصلاة إلا ما كان في وقت وإذا كان جنبا أو صلى على غير وضوء فعليه اعادة الصلوات المكتوبات اللواتي فاتته لان الثوب خلاف الجسد فاعمل على ذلك ان شاء الله تعالى " وجل المتأخرين قد تبعوه في ذلك. واعترض هذه الرواية في المدارك فقال وهي مع تطرق الضعف إليها من حيث السند بجهالة الكاتب مجملة المتن ايضا، بل ربما افادت بظاهرها عدم اعتبار طهارة محال الوضوء وهو مشكل إلا ان يحمل قوله: " فان تحققت ذلك " على ان المراد ان تحققت وصول البول إلى بدنك على وجه لا يكون في اعضاء الوضوء. انتهى. اقول وفي ما ذكروه من الجمع المذكور عندي نظر من وجهين: (احدهما) ان من جملة اخبار وجوب الاعادة حسنة محمد بن مسلم المتقدمة وقوله فيها " وإذا كنت قد رأيته وهو اكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلوات كثيرة فاعد ما صليت فيه " وظاهرها كما ترى انه صلى في النجاسة صلوات كثيرة، ومن المعلوم ان هذه الصلوات بلفظ الجمع ووصف الكثرة فأكثرها انما يقع خارج الوقت فالاعادة تقع خارج الوقت البتة فلا يتم ما ذكروه، ونحوها صحيحة علي بن جعفر المتقدم نقلها من الكتابين المشار اليهما ثمة، فان ظاهرها عموم الحكم للعامد والناسي في الوقت وخارجه لان فرضه (عليه السلام) رؤيته وعدم غسله اعم من ان يكون سابقا أو حال الصلاة ووقوع الامر بلفظ القضاء والتعبير عن المقضى بقوله: " جميع ما فاته " يعطي ان ذلك في خارج الوقت وان الفائت صلوات متعددة، ويؤكده ان فرض الرؤية للنجاسة انما وقع من الغد بعد مضي تلك الصلوات في اليوم السابق، وما عدا هذين الخبرين وان كان مطلقا يقبل التقييد بما ذكروه إلا ان هذين الخبرين لا يقبلان ذلك، وحينئذ فلا تنطبق اخبار المسألة على ما ذكروه وبه يظهر بطلانه وابقاء الاخبار المطلقة على اطلاقها كما هو المشهور المأثور


[ 423 ]

و (ثانيهما) ان ما استندوا إليه في حمل تلك الاخبار على وجوب الاعادة في الوقت من صحيحة علي بن مهزيار المذكورة فانه على غاية من الاشكال المانع من الاستناد إليها في الاستدلال، فانه لا يخفى على من تأمل في الرواية المذكورة بعين التحقيق ما فيها من الاشكالات العديدة والاحتمالات البعيدة بل الغير السديدة وبذلك صرح جملة من الاصحاب في الباب (الاول) انها تقتضي عدم اشتراط طهارة اعضاء الوضوء قبل ورود مائه عليها وهو موجب لتنجسه حينئذ فكيف يصح رفع الحدث به ؟ (الثاني) ان ذلك الوضوء الذي قد توضأه اما ان يكون صحيحا ام لا وعلى كلا التقديرين فالمنافاة حاصلة في البين، اما على الاول فان ظاهر امره (عليه السلام) باعادة الصلاة التي صلاها بذلك الوضوء بعينه مشعر بان منشأ الاعادة فساد الوضوء، واما على الثاني فلان آخر الخبر دل على ان فساد الوضوء يقتضي قضاء الفوائت مع انه حكم فيه بان ما فات وقتها فلا اعادة عليه. وقد حمل بعضهم الوضوء في قوله (عليه السلام) " بذلك الوضوء بعينه " على التمسح والتدهن قال فانه معنى لغوي. ولا يخفى ما فيه من البعد التام (الثالث) ان اليد الماسحة للرأس لا ريب في تنجسها بملامسة الرأس لنجاسته فتنجس الرطوبة التي عليها (الرابع) قوله: " كنت حقيقا ان تعيد الصلوات التي كنت صليتهن بذلك الوضوء " يعطي انه لو احدث عقيب ذلك الوضوء وتوضأ وضوء آخر وصلى صلوات فانه لا يعيدها مع ان العلة مشتركة. واجاب بعضهم عن الاشكال الاول بالتزام ذلك قال: لانه لم يقم لنا دليل تام على بطلان الوضوء حينئذ فلنا ان نلتزم عدم الاشتراط والاكتفاء في ازالة الخبث ورفع الحدث بورود ماء واحد. انتهى. وفيه مع تسليم صحة ما ادعاه ان المفهوم من الروايات الواردة في تطهير الثوب والبدن من نجاسة البول وجوب المرتين وهذا القائل من جملة القائلين بذلك فكيف يتم ما ذكره هنا ؟ واما ما اجاب به في المدارك مما قدمنا نقله عنه وقوله: " إلا ان يحمل قوله فان


[ 424 ]

تحققت. الخ " ففيه ان السؤال قد تضمن انه اصاب كفه لم يشك في انه اصابه إلا ان الامام (عليه السلام) في الجواب لاجل بيان شقوق المسألة واستيفاء احكامها ردد له بين التوهم والتحقيق في اصابة البول اليد فقال ان كان على جهة التوهم فليس بشئ وان حققت ذلك يعني اصابة البول اليد فالتحقيق راجع إلى اصابة البول اليد فكيف يتم الحمل على تحقيق اصابة البدن على وجه لا يصيب امضاء الوضوء كما زعمه (قدس سره) ؟ واجيب ايضا عن الاشكال الثالث بانه ليس في كلام السائل ما هو نص في استيعاب الرأس بمسح الدهن فلعل مقدار ما يقع عليه مسح الوضوء لم ينجس بذلك الدهن وهو (عليه السلام) قد اطلع على ذلك ولا يخفى ما فيه من التكلف والخروج عن الظاهر إلى اقصى غايات البعد. واجاب شيخنا البهائي في الحبل المتين عن الاشكال الرابع فقال: ولمتكلف ان يقول لعله اراد بذلك الوضوء بعينه الوضوء النوعي الخاص اعني الواقع بعد التدهن وقبل تطهير البدن، وهذا التفصي وان كان كما ترى إلا انه محمل صحيح في ذاته. انتهى وبالجملة فمعنى الخبر المذكور على غاية من الخفاء وعدم الظهور وارتكاب هذه التمحلات في دفع هذه الاشكالات لا يجدي نفعا في مقام الاستدلال، ولقد اجاد المحدث الكاشاني في الوافي حيث قال بعد نقل الرواية المذكورة: معنى هذا الحديث غير واضح وربما يوجه بتكلفات لا فائدة في ايرادها ويشبه ان يكون قد وقع فيه غلط من النساخ. انتهى. وبعض فضلاء المتأخرين جعل بعض هذه الاشكالات المذكورة منشأ الاضطراب الموجب لرد الحديث. هذا، واما ما قدمنا نقله عن المدارك في اعتراضه على سند الرواية فهو منظور فيه بان الاعتماد في صحة الخبر المذكور انما هو على كلام الثقة الجليل علي بن مهزيار وقوله: " فاجابه بجواب قرأته بخطه " ويحتمل ان يكون مراده الطعن بجهالة المكتوب إليه كما طعن به جده في الروض على الرواية المذكورة فحرف قلمه فانصرف إلى الكاتب،


[ 425 ]

وفيه ايضا ان علي بن مهزيار في جلالة شأنه لا ينسب مثل هذه العبارة إلى غير الامام (عليه السلام) بل ولا يعتمد على غيره في شئ من الاحكام كما صرحوا به (رضوان الله عليهم) في امثال هذا المقام. وصار جماعة من فضلاء متأخري المتأخرين لما رأوا ما في جمع الشيخ من الاختلال إلى الجمع بين الاخبار بحمل اخبار الاعادة على الاستحباب والظاهر انهم قد اقتفوا في ذلك المحقق (قدس سره) في المعتبر حيث اختار القول بعدم وجوب الاعادة فجعلوا التأويل في جانب اخبار الاعادة بحملها على الاستحباب، قال في المدارك بعد كلام في المسألة: والاظهر عدم وجوب الاعادة لصحة مستنده ومطابقته لمقتضى الاصل والعمومات وحمل ما تضمن الامر بالاعادة على الاستحباب. انتهى. وفيه (اولا) ما قدمنا ذكره في غير موضع من انه لا مستند لهذا الجمع وان تكرر منهم في جميع ابواب الفقه بل ظواهر القواعد الاصولية المبتنى عليها عندهم تقتضي رده فان ظواهر الاخبار الوجوب بلا خلاف والحمل على الاستحباب مجاز لا يصار إليه إلا مع القرينة واختلاف الاخبار ليس من قرائن المجاز، ولان الاستحباب حكم شرعي يحتاج ثبوته إلى الدليل الواضح ومجرد اختلاف الاخبار لا يوجب ذلك. و (ثانيا) ان الامر بالاعادة قد ورد في اخبار متعددة ونجاسات متفرقة ومقامات متباينة وفيها الصحيح والحسن والموثق وغيرها كما تقدم لك ذكره وما استند إليه رواية واحدة وان صح سندها، ومن القواعد المقررة في كلام اهل العصمة (عليهم السلام) الترجيح بالشهرة يعني في الرواية سيما مع اعتضادها بالشهرة في الفتوى فكيف يصح الحكم بترجيح تلك الرواية على هذه الاخبار والحال كما عرفت ؟ ولا يخفى ان ترجيحها على هذه الاخبار والحال ان فيها الصحيح باصطلاحه خلاف قاعدته التي بنى عليها في اكثر المواضع من شرحه، واعتضاد تلك الرواية بالعمومات ومطابقة مقتضى الاصل غير مجد هنا فان الاصل يجب الخروج عنه بمقتضى الدليل والعمومات يجب تخصيصها،


[ 426 ]

وبالجملة فانه لما تعارضت هذه الرواية وباقي اخبار المسألة وكان الترجيح في جانب الاخبار المذكورة لما ذكرناه من الوجوه فانه لا يبقى للتمسك بهذا الاصل ولا بالعمومات وجه كما لا يخفى. و (ثالثا) ان موثقة سماعة التي هي من جملة اخبار الاعادة قد دلت بعد الامر بالاعادة على ان ذلك عقوبة لنسيانه بمعنى تهاونه بالازالة حتى ادى إلى نسيانها والصلاة فيها وإلا فالنسيان من حيث هو لا يترتب عليه عقوبة، والظاهر ان العقوبة لا تجامع الاستحباب الذي يجوز معه الترك اختيارا. وبالجملة فالظاهر عندي هو القول المشهور إلا انه يبقى الاشكال في صحيحة العلاء وما الذي ينبغي ان تحمل عليه، وكيف كان فالاحتياط في جانب القول المشهور وبه يظهر ترجيحه لو تعارضت الاخبار على وجه لا يمكن ترجيح احد طرفيها، وان الاحتياط عندنا في مثل ذلك واجب كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب. والله العالم. (المقام الرابع) ان يرى النجاسة وهو في الصلاة، والحال هنا دائرة بين امرين فاما ان يعلم سبق النجاسة على الدخول في الصلاة باحدى القرائن والامارات الدالة على ذلك وان كان حال دخوله في الصلاة جاهلا بها ام لا، فههنا صورتان:

(الاولى) ان يعلم سبقها، والمشهور بين الاصحاب وبه قطع الشيخ في النهاية والمبسوط والمحقق وغيرهما انه يجب عليه ازالة النجاسة أو القاء الثوب النجس وستر العورة بغيره مع الامكان واتمام الصلاة وان لم يمكن إلا بفعل المبطل ابطلها واستقبل الصلاة، قال في المعتبر: وعلى قول الشيخ الثاني يستأنف. واشار بالقول الثاني إلى ما تقدم نقله عن المبسوط من اعادة الجاهل لو علم في الوقت، قال في المدارك ويشكل بمنع الملازمة إذ من الجائز ان تكون الاعادة لوقوع الصلاة باسرها مع النجاسة ولا يلزم مثله في البعض، وبان الشيخ قطع في المبسوط بوجوب المضي في الصلاة مع التمكن من القاء الثوب وستر العورة بغيره مع حكمه فيه باعادة الجاهل في الوقت. انتهى. وهو جيد.


[ 427 ]

(الثانية) ان لا يعلم السبق والحكم فيها عند الاصحاب كما في سابقتها بل هي اولى كما لا يخفى، ونقل في المدارك هنا ايضا عن المعتبر انه قطع بوجوب الاستئناف هنا بناء على القول بالاعادة على الجاهل في الوقت، ثم قال في المدارك وهو اشكل من السابق. اقول: وتحقيق الكلام في المقام يتوقف على نقل جملة الاخبار المتعلقة بالمسألة وتذييل كل منها بما هو الظاهر من سياقه وبيان ما هو الحق في المسألة: والذي وقفت عليه من الاخبار روايات: (الاولى) صحيحة زرارة المذكورة (1) حيث قال في آخرها " قلت ان رأيته في ثوبي وانا في الصلاة ؟ قال تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته، وان لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت على الصلاة لانك لا تدري لعله شئ اوقع عليك فليس ينبغي ان تنقض اليقين بالشك ". وظاهر الخبر المذكور التفصيل بعد رؤية النجاسة بانه ان كان قد حصل له ظن بالنجاسة قبل دخوله في الصلاة وصلى والحال هذه فانه تجب عليه الاعادة، وينبغي تقييده بما إذا لم ينظر في الثوب بعد ظنه لانه (عليه السلام) قد قدم في الخبر انه مع الظن والنظر في الثوب وعدم رؤية النجاسة ثم يجدها بعد ذلك فلا اعادة عليه، وان لم يحصل له ظن بالنجاسة بل كان خالي الذهن من ذلك ثم علم في اثناء الصلاة فان الحكم فيه ما ذكره من ازالة النجاسة والبناء على ما صلى، وفي حكمه القاء الثوب الذي فيه النجاسة والاستتار بغيره ان امكن، والحكم في الصورة الاولى مخالف لما عليه الاصحاب (رضوان الله عليهم) من المضي في الصلاة بعد طرح النجاسة أو غسلها ان امكن الحاقا لرؤية النجاسة في الاثناء مع الجهل بها سابقا بالرؤية بعد الصلاة مع الجهل كذلك فانه إذا صحت الصلاة كملا بالنجاسة في الصورة المذكورة فبعضها مع استدراك الباقي اولى إلا


(1) التهذيب ج 1 ص 119 وفي الوسائل في الباب 27 ؟ و 41 و 42 و 44 من النجاسات.


[ 428 ]

انه موافق ومعاضد لما قدمناه من التحقيق في المقام الثاني وان حكم بعض الصلاة حكمها كملا في التفصيل المتقدم. وقال (عليه السلام) في الرواية المذكورة كما تقدم " وان لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت على الصلاة لانك لا تدري لعله شئ اوقع عليك فليس ينبغي ان تنقض اليقين بالشك " ومن هذا الكلام يستفاد دليل الصورة الثانية. وغاية ما استدل به في المدارك في هذه الصورة الاصل السالم عما يصلح للمعارضة وغفل عن الصحيحة المذكورة. الثانية حسنة محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (1) انه قال له: " الدم يكون في الثوب علي وانا في الصلاة ؟ فقال ان رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل في غيره، وان لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك ولا اعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم فان كان اقل من درهم فليس بشئ رأيته أو لم تره، وإذا كنت قد رأيته وهو اكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلوات كثيرة فاعد ما صليت فيه، وليس ذلك بمنزلة المني والبول، ثم ذكر المني فشدد فيه وجعله اشد من البول، ثم قال (عليه السلام) ان رأيت المني قبل أو بعد فعليك اعادة الصلاة، وان انت نظرت ثوبك فلم تصبه وصليت فيه فلا اعادة عليك وكذلك البول " هكذا رواه الصدوق في الفقيه (2) ورواه ثقة الاسلام في الكافي (3) ايضا كذلك إلى قوله: " فاعد ما صليت فيه " ورواه الشيخ في التهذيب (4) إلا ان فيه هكذا " ولا اعادة عليك وما لم يزد على مقدار الدرهم من ذلك فليس بشئ " بزيادة الواو وحذف جملة " فان كان اقل من درهم " وفي الاستبصار (5) حذف الجملة المذكورة ولم يزد الواو، وكيف كان فالاعتماد على رواية الشيخين المذكورين بل احدهما لو لم يكن إلا هو إذ لا يخفى على من لاحظ التهذيب وما وقع للشيخ فيه من التحريف والتغيير والزيادة والنقصان في متون


(1) المروية في الوسائل في الباب 20 من النجاسات (2) ج 1 ص 161. (3) ج 1 ص 18 (4) ج 1 ص 72 (5) ج 1 ص 175.


[ 429 ]

الاخبار واسانيدها ترجيح ما ذكره غيره من المحدثين ولا ريب ان هذا من جملة ذلك. ثم انه قد دل صدر الخبر المذكور على انه إذا رأى الدم في ثوبه وهو في الصلاة فان كان عليه ثوب غيره طرح الثوب النجس واتم صلاته وهو مما لا خلاف فيه بين الاصحاب إلا انهم خيروا فيما إذا لم يكن عليه إلا ذلك الثوب النجس بين ازالة النجاسة والقاء الثوب النجس والستر بغيره ان امكن، وظاهر الخبر ان الحكم في المسألة ما ذكرنا وان علم سبق النجاسة ببعض القرائن المفيدة لذلك، وبذلك صرح الاصحاب ايضا كما تقدم، وان لم يكن عليه ثوب غيره ولم يمكنه ازالة النجاسة كما ذكره الاصحاب ودلت عليه صحيحة زرارة ولا الاستبدال مضى في صلاته بذلك الدم الذي في الثوب إذا كان الدم مما يعفى عنه بان لم يزد على مقدار الدرهم ومفهومه انه إذا لم يكن مما يعفى عنه فانه يقطع صلاته ويعيدها من رأس، وبالجملة فظاهر الخبر هو انه بعد الرؤية ان امكن ازالة النجاسة باي الوجوه المتقدمة وإلا قطع الصلاة واطلاقه يقتضي عموم ذلك لما لو علم بالتقدم أو لم يعلم، وهو موافق لما افتى به الاصحاب (رضوان الله عليهم) في هذه الصورة والصورة الثانية فتكون الرواية دليلا لكل منهما. واما قوله: " وإذا كنت قد رأيته وهو اكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله " فقد تقدم حكمه في المقام الثالث واما قوله: " ان رأيت المني قبل أو بعد.. إلى آخر الخبر " فالظاهر ان معناه ان رأيت المني قبل الدخول في الصلاة ثم صليت فيه عامدا أو ناسيا فعليك الاعادة، وهذا مما لا اشكال فيه كما تقدم ذكره في المقام الاول والثالث. بقي الكلام في رؤيته بعد الدخول وهو (عليه السلام) قد رتب عليه ايضا وجوب الاعادة كما إذا رآه قبل ويجب تقييده بحصول العلم بتقدمه بل هو الظاهر من المني لانه ليس من قبيل سائر النجاسات التي يحتمل وقوعها عليه في اثناء الصلاة فلا يحتاج حينئذ إلى التقييد المذكور، ثم فصل (عليه السلام) في الرؤية البعدية بعد حكمه بالاعادة بانه ان نظر فلم يصبه فلا اعادة عليه، وهذا التفصيل نظير ما تقدم في صحيحة زرارة المتقدمة وهو مؤيد لما حققناه في المقام الثاني


[ 430 ]

وان خالف مقتضى ما عليه كلمة جمهور الاصحاب من عدم الاعادة مطلقا، وحينئذ فصدر الخبر محمول على الجهل الساذج الذي لا ظن فيه أو عدم العلم بالتقدم. وبالجملة فالمتلخص من هذين الخبرين هو الحكم بما ذكره الاصحاب (رضوان الله عليهم) في غير صورة حصول الظن بالنجاسة وعدم النظر في الثوب فانهما دلا على وجوب الاعادة في هذه الصورة خاصة ويعضدهما في ذلك الخبران المتقدمان في المقام المذكور الثالثة موثقة ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) (1) " في رجل صلى في ثوب فيه جنابة ركعتين ثم علم به ؟ قال عليه ان يبتدئ الصلاة " وربما حملت على من علم بالنجاسة ثم صلى فيها ناسيا أو على الاستحباب، والاظهر حملها على ما دل عليه عجز صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة من الصلاة في الجنابة بعد حصول الظن بها من غير نظر في الثوب فتكون من جملة اخبار المسألة المذكورة. الرابعة ما رواه الشيخ عن داود بن سرحان عن الصادق (عليه السلام) (2) " في الرجل يصلي فابصر في ثوبه دما قال يتم ". الخامسة ما رواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب المشيخة للحسن بن علي بن محبوب عن ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " ان رأيت في ثوبك دما وانت تصلي ولم تكن رأيته قبل ذلك فاتم صلاتك فإذا انصرفت فاغسله، قال وان كنت رأيته قبل ان تصلي فلم تغسله ثم رأيته بعد وانت في صلاتك فانصرف واغسله واعد صلاتك ". والخبر الاول حمله الشيخ على ما إذا كان الدم مما يعفى عنه كالاقل من الدرهم، وهو جيد في مقام الجمع إلا ان الخبر الثاني لا يقبل هذا التأويل لامره (عليه السلام) بالاعادة متى صلى فيه ناسيا، والظاهر شذوذ الخبرين المذكورين لمخالفتهما الاخبار المستفيضة عموما وخصوصا لان اخبار هذه المسألة ما بين صريح في الابطال أو صريح


(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 44 من النجاسات.


[ 431 ]

في وجوب ازالة النجاسة أو طرح الثوب النجس والاستبدال والاخبار العامة دالة على بطلان الصلاة في النجاسة عامدا فكيف يجوز الاتمام في النجاسة كما يدل عليه ظاهر الخبرين ومخالفتهما لما عليه علماء الطائفة المحقة قديما وحديثا ؟ فهما مرجئان إلى قائلهما. السادسة صحيحة علي بن جعفر عن اخيه (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلا يغسله فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به ؟ قال ان كان دخل في صلاته فليمض وان لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما اصاب من ثوبه إلا ان يكون فيه اثره فيغسله ". وهذا الخبر وان كان لا يخلو من نوع اجمال إلا ان الظاهر بعد التأمل فيه ان الامر بالمضي مبني على كون الملاقاة انما وقعت مع اليبوسة وهو موجب للنضح خاصة ولما كان في الصلاة امره بالمضي فيها للطهارة بقرينة قوله: " وان لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما اصاب من ثوبه " فحاصل الكلام انه ان ذكر في الصلاة فليمض وان لم يدخل فلينضح غاية الامر انه (عليه السلام) في صورة عدم الدخول في الصلاة بين له حكما آخر وهو انه في حال النضح ان رأى فيه اثرا بسبب الملاقاة غسله، وبالجملة فهذا الاستثناء انما هو قيد للاخير خاصة كما لا يخفى على العارف باسلوب الكلام. هذا ما وقفت عليه من اخبار المسألة وخلاصة البحث فيها، ولصاحب المدارك هنا كلام لا بأس بايراده وبيان ما فيه فانه قال بعد الكلام في المسألة: وقد اختلفت الروايات في ذلك فروى زرارة في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: " قلت اصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من مني، والحديث طويل قال في آخره: قلت فان رأيته في ثوبي وانا في الصلاة ؟ قال تنقض الصلاة " وروى محمد بن مسلم في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (3) انه قال: " ان رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل


(1) المروية في الوسائل في الباب 13 من النجاسات (2) ص 427. (3) رواه في الوسائل في الباب 16 من النجاسات.


[ 432 ]

في الصلاة فعليك اعادة الصلاة " ومقتضى هاتين الروايتين تعين القطع مطلقا سواء تمكن من القاء الثوب وستر العورة بغيره ام لا، وروى محمد بن مسلم في الحسن (1) قال: " قلت له الدم يكون في الثوب علي وانا في الصلاة ؟ قال ان رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل وان لم يكن عليك غيره فامض في صلاتك ولا اعادة عليك " وروى علي بن جعفر في الصحيح عن اخيه موسى (عليه السلام) قال: " سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير، ثم ساق الرواية المتقدمة (2) ثم قال ومقتضى هاتين الروايتين وجوب المضي في الصلاة إذا لم يكن عليه غيره أو كان وطرح الثوب النجس، والجمع بين الروايات يتحقق بحمل ما تضمن الامر بالاستئناف على الاستحباب وان جاز المضي في الصلاة مع طرح الثوب النجس إذا كان عليه غيره وإلا مضى مطلقا، ولا بأس بالمصير إلى ذلك وان كان الاستئناف مطلقا اولى. انتهى. وفيه (اولا) ان ما ذكره من ان مقتضى صحيحتي زرارة ومحمد بن مسلم تعين القطع مطلقا وان اوهمه ما نقله من الروايتين حيث اقتصر منهما على هاتين العبارتين إلا انك بالتأمل في سياقهما كما قدمناهما يظهر لك بطلان ما ذكره، وهذا احد العيوب في الاستدلال بالاخبار حيث يقتطع منها ما يظن دلالته ويترك باقي الخبر، اما صحيحة زرارة فانه قال فيها بعد هذه العبارة " وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته وان لم تشك.. إلى آخره " فقيد (عليه السلام) نقض الصلاة والاعادة بصورة ظن النجاسة كما اسلفنا تحقيقه ومع عدم الظن امره (عليه السلام) بازالة النجاسة والبناء واين هذا مما يدعيه من القطع مطلقا ؟ واما صحيحة محمد بن مسلم فانه قال فيها بعد ما نقله منها " وان نظرت في ثوبك.. إلى آخره " وظاهرها كما قدمنا ايضاحه ان الاعادة مع الرؤية بعد الصلاة انما هو مع عدم النظر في الثوب لا مطلقا، ولكن العذر له واضح


(1) رواه في الوسائل في الباب 20 من النجاسات (2) ص 431


[ 433 ]

حيث انه وغيره لم يحوموا حول هذا المعنى ولم يتوجهوا إليه وان كانت الروايات ظاهرة الدلالة عليه. و (ثانيا) ان ما ادعاه من ان مقتضى روايتي محمد بن مسلم وعلي بن جعفر وجوب المضي في الصلاة في النجاسة إذا لم يكن عليه غيره ليس في محله اما حسنة محمد بن مسلم فانه بنى فيها على نقل الشيخ في التهذيب بل غيره من اصحاب كتب الاستدلال انما نقلوها برواية التهذيب وعليه بنى استدلاله هنا، وقد عرفت آنفا صورة رواية الشيخين المتقدمين لها فانه على تقدير ما روياه وهو الاصح لا يتم ما ذكره لانه (عليه السلام) قيد الحكم بعدم الاعادة بما إذا لم يزد على مقدار الدرهم، وحاصله ان عدم الاعادة من حيث العفو عن ذلك الدم ومفهومه وجوب الاعادة مع الزيادة، فاين ما ذكره من الدلالة على وجوب المضي في الصلاة مع النجاسة ؟ وعذره هنا ايضا واضح لعدم اطلاعه على الرواية المذكورة بنقل الشيخين إلا ان ذلك من مثله من المحققين لا يخلو من مجازفة فان الواجب مراجعة كتب الاخبار كملا سيما مع اعترافه في شرحه بما وقع للشيخ (قدس سره) من التساهل والخبط في الروايات متونا واسانيد واما صحيحة علي بن جعفر فقد عرفت المعنى فيها وهو الاوفق بمقتضى الاصول الشرعية والضوابط المرعية، فان اتمام الصلاة في النجاسة عمدا من غير عذر شرعي بعد العلم بها مما منعت منه الادلة الصحيحة الصريحة عموما وخصوصا. وكان الاولى له الاستناد في هذا القول إلى موثقة ابي بصير ورواية السرائر المتقدمتين الدالتين على المضي في النجاسة واتمام الصلاة بها. وممن ساعدنا على ما ذكرناه في معنى صحيحة علي بن جعفر المحقق الشيخ حسن في المعالم حيث قال بعد نقل الخبر: قوله في هذا الحديث " ان كان دخل في صلاته إلى قوله فلينضح " اراد به ما إذا كانت الاصابة بغير رطوبة بقرينة قوله: " إلا ان يكون فيه اثر فيغسله " انتهى. و (ثالثا) ان ما ذكره من الجمع بالاستصحاب الذي اتخذوه قاعدة كلية في


[ 434 ]

جميع الابواب قد عرقت ما فيه مما قدمناه في غير موضع من الكتاب. واما ما ذكره الاصحاب في الصورتين المتقدمتين من انه إذا لم يمكن ازالة النجاسة إلا بما يستلزم بطلان الصلاة فانه يبطلها ويعيدها من رأس فانه يدل عليه جملة من اخبار الرعاف كما ستأتي ان شاء الله تعالى في موضعها.

بقي الكلام هنا في مواضع:

(الاول) لم علم بالنجاسة المعلوم سبقها في اثناء الصلاة ولكن الوقت يضيق عن الازالة والاستئناف فهل يجب الاستمرار في الصلاة أو يزيل النجاسة وان لزم القضاء ؟ قطع الشهيد في البيان بالاول ومال إليه في الذكرى موجها له باستلزامه القضاء المنفي، قال في المدارك بعد نقله عنه: ويشكل بانتفاء ما يدل على بطلان اللازم مع اطلاق الامر بالاستئناف المتناول لهذه الصورة، ثم قال والحق بناء هذه المسألة على ان ضيق الوقت عن ازالة النجاسة هل يقتضي انتفاء شرطيتها ام لا ؟ بمعنى ان المكلف إذا كان على بدنه أو ثوبه نجاسة وهو قادر على الازالة لكن إذا اشتغل بها خرج الوقت فهل يسقط وجوب الازالة ويتعين فعل الصلاة بالنجاسة أو يتعين عليه الازالة والقضاء لو خرج الوقت ؟ وهي مسألة مشكلة من حيث اطلاق النصوص المتضمنة لاعادة الصلاة مع النجاسة المتناول لهذه الصورة. ومن ان وجوب الصلوات الخمس في الاوقات المعينة قطعي واشتراطها بازالة النجاسة على هذا الوجه غير معلوم فلا يترك لاجله المعلوم. وقد سبق نظير هذه المسألة في التيمم إذا ضاق الوقت عن الطهارة المائية والاداء مع وجود الماء عنده. انتهى. اقول: الظاهر ان ما ذكره من الاشكال لا ورود له في هذا المجال وذلك فانه لا ريب ان وجوب الصلاة في الاوقات المعينة لها شرعا امر قطعي كتابا وسنة واجماعا من كافة الامة غاية الامر ان صحتها مشروطة بشروط: منها استقبال القبلة ومنها ستر العورة ومنها طهارة الساتر، وقد صرحوا من غير خلاف يعرف بان شروط الصحة انما تعتبر مع الامكان فلو تعذر شئ منها لم يوجب سقوط الصلاة ولا تأخيرها عن وقتها إلى ان


[ 435 ]

يحصل الشرط ثم يأتي بها قضاء ولا ريب ان ما نحن فيه من هذا القبيل فلو جاز تأخير الصلاة عن وقتها للاشتغال بازالة النجاسة ثم الصلاة قضاء لجاز لفاقد القبلة أو فاقد الستر أو طهارته تأخير الصلاة عن وقتها إلى ان يحصل الشرط المذكور ثم يصلي قضاء ولا قائل به ولا دليل عليه بل الادلة واجماعهم على خلافه، فان فاقد القبلة يصلي إلى اربع جهات أو جهة واحدة على الخلاف وفاقد الستر يصلي عريانا وفاقد طهارته مع النجاسة أو عريانا على الخلاف، وبالجملة فهذه المسألة من قبيل هذه المسائل المذكورة ولو جاز تقديم مراعاة الشرط فيما نحن فيه لجاز في تلك الصور لان الجميع من باب واحد وليس فليس. واما ما ذكره من اطلاق الاخبار الذي صار منشأ لاستشكاله في المقام المتضمنة لاعادة الصلاة مع النجاسة الشامل اطلاقها لهذه الصورة ففيه (اولا) انه حقق جملة من المحققين ان الاحكام المودعة في الاخبار انما تحمل على الافراد المتكررة الشائعة المتكثرة فهي التي ينصرف إليها الاطلاق دون الفروض النادرة الوقوع. و (ثانيا) انه مع فرض شمول اطلاقها لهذه الصورة فانه يجب تقييدها بما ذكرناه من القاعدة المتفق عليه نصا وفتوى، وحينئذ فيجب حمل الاخبار المشار إليها على ما لو حصل رؤية النجاسة في اثناء الصلاة في الوقت الذي فيه سعة للازالة والاعادة دون هذا الفرد النادر الوقوع الذي ربما لا يتفق وان كان ممكنا، وبذلك يظهر ان الانسب بالقواعد الشرعية هو وجوب الصلاة بالنجاسة. نعم يأتي على الخلاف في مسألة الصلاة في النجاسة مع تعذر ازالتها من الصلاة فيها أو الصلاة عاريا احتمال الصلاة عاريا هنا ايضا بناء على القول به ثمة، إلا انه حيث ان المسألة خالية من النصوص فالاحوط فيها مع ذلك القضاء في ساتر طاهر، هذا. ولا يخفى عليك ما في كلام السيد من التدافع حيث انه ذكر في اول وجهي الاشكال ان اطلاق النصوص المتقدمة المتضمنة لاعادة الصلاة مع النجاسة متناول لهذه الصورة


[ 436 ]

ثم ذكر في الوجه الثاني ان اشتراط الصلاة بازالة النجاسة على هذا الوجه غير معلوم، وهو مما يدافع الكلام الاول فان دخول هذه الصورة تحت اطلاق تلك الاخبار يقتضي المعلومية البتة فان اعادة الصلاة مع النجاسة التي من جملته محل البحث انما هو لاشتراطها بازالة النجاسة، نعم معلومية الاشتراط على هذا الوجه لا يبلغ إلى معلومية وجوب الصلوات الخمس في الاوقات المعينة إلا انه غير المراد من عبارته، وقد تقدم منا في بحث التيمم ما يعضد ما صرنا إليه هنا ايضا. والله العالم.

(الثاني) لو وقعت عليه نجاسة في اثناء الصلاة ثم زالت ولما يعلم ثم علم استمر على صلاته وهو مما لا اشكال فيه لانه إذا جاز الاستمرار مع العلم بها في الاثناء والازالة كما في الصورة الثانية بل مع العلم بتقدمها والازالة كما في الصورة الاولى فبالاولى هذه الصورة.

(الثالث) لو صلى ثم رأى النجاسة وشك هل كانت عليه في الصلاة ام لا ؟ فلا ريب في مضي صلاته على الصحة لعدم معارضة هذا الشك لليقين الذي كان عليه، قال في المنتهى بعد ذكر الفرع المذكور: ولا نعرف فيه خلافا من اهل العلم عملا بالاصلين الصحة وعدم النجاسة.

 


الجزء التالي الصفحة الرئيسية الجزء السابق
السيرة الذاتية الشارقية سلسلة المحاضرات الشارقية صفحة البرامج الشارقية
ألبوم الصور الشارقية بعض المؤلفات الشارقية

أخبرنا عن وصلة لا تعمل

شاهد أو علق في سجل الزوار

اشترك في قائمتنا البريدية
sh.alshariqi@gmail.com sh.jaffar.alshariqi@hotmail.com sh.alshariqi@hotmail.com

<>