
تأليف العالم البارع الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني قدس سره
المتوفى سنة 1186 هـ
الجزء الخامس
المطلب الثاني
في باقي المطهرات
وفيه مسائل:
الأولى
من المطهرات عند الاصحاب (رضوان الله عليهم) الشمس الا انه قد اختلف كلامهم هنا في مواضع ثلاثة:
(الاول) ان ما تجففه الشمس هل هو طاهر حقيقة كما يطهر بالماء أو يكون مخصوصا بجواز الاستعمال مع اليبوسة فيكون عفوا لا طهارة حقيقة ؟
(الثاني) ما الذي يطهر بها من النجاسات هل هو البول بخصوصه ام كل نجاسة ليس لها جرم يبقى بعد اليبوسة ؟
(الثالث) ما الذي يطهر بها من المواضع ؟ وقد صرح جماعة من الاصحاب: منهم المحقق في الشرائع والعلامة في جملة من كتبه والشهيدان والظاهر انه المشهور بين المتأخرين ان الارض إذا اصابتها
[ 437 ]
نجاسة برطوبة ولم يكن لها عين كفى في طهارتها اشراق الشمس عليها وتجفيفها للرطوبة الحاصلة فيها، وكذا لو كانت لها عين فازيلت بوجه غير مطهر وبقيت رطوبتها ثم جففتها الشمس، والحقوا بالارض في هذا الحكم كل ما لا ينقل ولا يحول في العادة كالاشجار والابنية والابواب المثبتة والاوتاد الداخلة والفواكه على الشجر ومن المنقول الحصر والبواري لا غير. وذهب العلامة في المنتهى إلى الاختصاص بنجاسة البول مع وقوعها على ما تقدم ذكره في القول المشهور، ونقل بعض الاصحاب عنه في التحرير ان ظاهره فيه التوقف في تعدية الحكم إلى غير البول، ونقل في المنتهى عن الشيخ في موضع من المبسوط التخصيص بالبول ايضا، وذهب المحقق في النافع إلى العموم في النجاسة مع تخصيص ما وقعت عليه بالارض والحصر والبواري، وهو قول الشيخ في الخلاف حيث قال في موضع منه: الارض إذا اصابتها نجاسة مثل البول وما اشبهه وطلعت عليها الشمس وهبت عليها الريح حتى زالت عين النجاسة طهرت وقال في موضع آخر منه بعد الحكم بطهارة الارض بتجفيف الشمس لها من نجاسة البول: وكذا الكلام في الحصر والبواري. وذهب الشيخ المفيد (قدس سره) في المقنعة ونقل ايضا عن سلار في رسالته إلى القول بالاختصاص بالبول مع الثلاثة المذكورة من الارض والحصر والبواري، ونقل العلامة في المختلف عن القطب الراوندي انه قال: الارض والبارية والحصر هذه الثلاثة فحسب إذا اصابها البول فجففتها الشمس حكمها حكم الطاهر في جواز السجود عليها ما لم تصر رطبة ولم يكن الجبين رطبا. وقال المحقق في المعتبر ان الراوندي وصاحب الوسيلة ذهبا إلى ان الارض والبواري والحصر إذا اصابها البول وجففتها الشمس لا تطهر بذلك ولكن يجوز الصلاة عليها، ثم قال وهو جيد. نقله عنه في المختلف ايضا فقال بعد نقل قول الراوندي: وكان شيخنا أبو القاسم بن سعيد يختار ذلك. والى القول بالعفو ذهب المحدث الكاشاني، وظاهر صاحب المدارك التوقف في المسألة وهو في محلة كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى.
[ 438 ]
وكيف كان فلا بد من سوق روايات المسألة وتذييل كل منها بما تدل عليه وما يتلخص من الجميع وما يرجع إليه، والذي وقفت عليه من ذلك روايات: منها ما هو ظاهر في الطهارة ومنها ما هو ظاهر في العدم ومنها ما هو مجمل قابل للدخول تحت كل من الفردين المذكورين، وها انا اذكر ما وقفت عليه منها مذيلا لكل منها بما ادى إليه فهمي القاصر: الاولى صحيحة زرارة (1) قال: " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن البول يكون على السطح أو في المكان الذي يصلي فيه ؟ فقال إذا جففته الشمس فصل عليه فهو طاهر ". اقول: ومورد هذه الرواية هو نجاسة البول خاصة مع خصوص الارض وهو مما وقع الاتفاق عليه، وظاهرها الحكم بالطهارة كما هو المشهور، والمناقشة فيها بالحمل على المعنى اللغوي لعدم ثبوت كون المعنى المصطلح عليه حقيقة عرفية عندهم (عليهم السلام) كما صار إليه المحدث المتقدم ذكره حيث اختار القول بالعفو فالظاهر بعدها من سياق الخبر المذكور وان سلم ما ذكره من عدم ثبوت الحقيقة العرفية عندهم (عليهم السلام) إلا ان قرينة السياق ظاهرة الدلالة على ان المراد بالطهارة هي الطهارة الشرعية لانها هي المعتبرة في احكام الصلاة مكانا أو لباسا سيما مع تعلق السؤال بالنجاسة، ويؤيده اطلاق الامر بالصلاة عليه بعد تجفيف الشمس الشامل لكونه بعد التجفيف وحال الصلاة رطبا ويابسا بمعنى انه متى جف بالشمس جازت الصلاة عليه رطبا كان أو يابسا لحصول الطهارة بالتجفيف الحاصل من الشمس ثم اكد ذلك بقوله: " فهو طاهر " وبالجملة فالخبر عندي ظاهر في الطهارة إلا انه سيأتي ما هو ظاهر في المعارضة. الثانية رواية ابي بكر الحضرمي عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: " يا ابا بكر ما اشرقت عليه الشمس فقد طهر ". وهي كما ترى ظاهرة في القول المشهور من طهارة الارض والحصر والبواري
(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 29 من النجاسات
[ 439 ]
وما لا ينقل ولا يحول، وهي وان كانت مطلقة بالنسبة إلى ما زاد على ذلك إلا انه لا بد من تقييدها بما ذكروه لان ما لا ينقل ويحول لا بد من غسله بالادلة الكثيرة، وكذلك بالنسبة إلى النجاسة فان اطلاقها شامل لجميع النجاسات، وبالجملة فانها ظاهرة الدلالة على القول المشهور وان امكن تطرق المناقشة إلى الطهارة فيها بالتأويل المتقدم إلا انه خلاف الظاهر. والعلامة في المنتهى حيث خص النجاسة في هذه المسألة بالبول رد هذه الرواية بضعف السند وهو عندنا غير مرضي ولا معتمد مع انه استدل بها في المختلف على العموم. ويعضد هذه الرواية ايضا ما في الفقه الرضوي حيث قال: (عليه السلام) (1) " ما وقعت عليه الشمس من الاماكن التي اصابها شئ من النجاسات مثل البول وغيره طهرتها واما الثياب فانها لا تطهر إلا بالغسل " وهي ظاهرة تمام الظهور في القول المشهور. الثالثة صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع (2) قال: " سألته عن الارض والسطح يصيبه البول أو ما اشبهه هل تطهره الشمس من غير ماء ؟ قال كيف يطهر من غير ماء ". وهذه الرواية كما ترى ظاهرة الدلالة على ما ذهب إليه الراوندي ومن حذا حذوه من عدم الطهارة وانما هو عفو، وقد احتج بها العلامة في المختلف للقائلين بعدم الطهارة بعد ان نقل عنهم الاحتجاج بان الاستصحاب يقتضي الحكم بالنجاسة وتسويغ الصلاة لا يدل على الطهارة لجواز ان يكون معفوا عنه كما في الدم اليسير. ثم اجاب عن الاستصحاب بان الاستصحاب ثابت مع بقاء الاجزاء النجسة اما مع عدمها فلا والتقدير عدمها بالشمس. عن الرواية بانها متأولة لجواز حصول اليبوسة من غير الشمس. وفيه ان ما اجاب به عن الاستصحاب هنا لا يوافق مذهبه في الاصول من القول بحجية الاستصحاب كما هو المشهور بينهم، وبذلك اعترض عليه ايضا في المعالم فقال: وهذا الكلام من العلامة غريب إذ المعروف من مذهبه قبول مثل هذا الاستصحاب والاعتداد به نعم هو
(1) ص البحار ج 18 ص 35 (2) المروية في الوسائل في الباب 29 من النجاسات.
[ 440 ]
على ما سلف تحقيقه في المباحث الاصولية واخترناه وفاقا للمرتضى والمحقق من الاستصحاب المردود. اقول: الظاهر عندي هنا هو صحة الاستدلال بالاستصحاب المذكور فان مرجعه إلى عموم الدليل كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب فان مقتضى الادلة ان النجاسة حكم شرعي يتوقف رفعه على وجود الرافع والنجاسة قد ثبتت بلا خلاف ولا اشكال فرفعها يحتاج إلى دليل ظاهر، واما ما ذكره في المعالم من عد الاستصحاب هنا من الاستصحاب المردود الذي قد اوضحنا في مقدمات الكتاب بطلانه فهو مبني على قول تفرد به في هذا المقام ولم اعرف له موافقا عليه من علمائنا الاعلام إلا الفاضل الخراساني في الذخيرة حيث حذا حذوه في هذا الكلام. قال في المعالم على اثر العبارة المتقدمة في بيان كونه من الاستصحاب المردود ما صورته: لان ما دل من النصوص على تأثير النجاسات والتأثر بها على وجه يبقى وان لم تبق اعيانها مقصور على البدن والثوب والانية كما يشهد به الاستقرار والتتبع وانما استفيد الحكم فيما عدا ذلك من الاجماع، واكثر ما يكون الاستصحاب المردود فيما مدركه الاجماع لان الحكم الثابت به في موضع الحاجة إلى الاستصحاب يكون لا محالة مخصوصا بحال اولى فيطلب بالاستصحاب انسحابه إلى حالة ثانية. وقد مر ان اعتبار الاستصحاب حينئذ اثبات للحكم بغير دليل. ومن هنا يتجه في موضع النزاع ان يقال ان الدليل الدال على تأثر الارض والحصر والبواري وكل ما لا ينقل في العادة بالنجاسة مختص بالحال التي قبل زوال العين عنها وتجفيف الشمس لها لانتفاء الاجماع فيما بعد ذلك قطعا فمن ادعى ثبوت الحكم في الحال التي بعد فهو مطالب بالبرهان عليه وليس في يده غير الاستصحاب ولا يقبل منه (فان قلت) كأن الاتفاق واقع على ان النجاسات المعلومة اثرا في كل ما تلاقيه برطوبة مستمرا إلى ان يحصل المطهر الشرعي فيفتقر كل نوع من انواع المطهرات إلى دليل يثبته (قلت): هذا كلام ظاهري يقع في خاطر العاجز
[ 441 ]
عن استنباط بواطن الادلة ويلتفت إليه القانع بالمجمل عن التفاصيل وما قررناه امر وراء ذلك. وبالجملة فالذي يقتضيه التحقيق انه لا معنى لكون الشئ نجسا إلا دلالة الدليل الشرعي على التكليف باجتنابه في فعل مشروط بالطهارة وازالة عينه أو اثره لا جله واما ما لا دليل فيه على احد الامرين فهو على اصل الطهارة بمعنى اصالة براءة الذمة من التكليف فيه باحدهما. واما ما يتخيل من ان كل نوع من انواع النجاسات بمنزلة العلة الحقيقية في التأثير فكل ما لاقاه برطوبة اثر فيه النجاسة وتوقف في عوده إلى الطهارة على طرو المطهر فمن الاوهام التي يظهر فسادها بادنى تأمل ولا يستريح إلى امثالها محصل. انتهى كلامه زيد مقامه. اقول فيه (اولا) - انه لا يخفى ان ما ذكره من قصر الحكم المذكور على الثلاثة المذكورة من حيث انه لم يرد في النصوص ما يدل على الامر بالغسل بعد زوال العين في غير الثلاثة المذكورة ان كان مقصورا على هذا الموضع ومخصوصا بهذا الحكم فهو تخصيص من غير مخصص، وان كان مطردا فيما جرى هذا المجرى مما وردت النصوص في خصوص بعض الافراد دون بعض وانه يخص الحكم بما وردت به الروايات فلا اراه يلتزمه، وذلك فانه لا يخفى ان جل الاحكام الشرعية التي صارت عند الاصحاب قواعد كلية انما استفيد حكمها من جزئيات السؤالات المخصوصة وخصوص وقائع جزئية مثلا لا خلاف بين الاصحاب في ان من صلى في النجاسة عامدا أو ناسيا وجبت عليه الاعادة اي نجاسة كانت مع ان الوارد في النصوص انما هو نجاسات مخصوصة ولم يقل احد من الاصحاب بتخصيص الاعادة بها بخصوصها بل عدوا الحكم إلى كل نجاسة نظرا إلى الاشتراك في العلة وهي النجاسة وهو تنقيح المناط القطعي الذي صرحوا به في الاصول وحملا للنجاسات المذكورة على الخروج مخرج التمثيل فلا يقتضي التخصيص ولا ريب ان ما نحن فيه من هذا القبيل، ومن قبيل ذلك ما لو سأل السائل الامام (عليه السلام) عن نجاسة اصابت قميصه فحكم بازالتها وبطلان الصلاة فيها فان من المعلوم انه
[ 442 ]
لا خصوصية للقميص بذلك بل يعدى الحكم إلى جميع لباس المصلي ويحكم ببطلان الصلاة في ايها كان إلا ما استثني ولا يقال ان الخبر انما تضمن القميص خاصة فلا يجوز تعدي الحكم إلى غيره، فان العلة الموجبة للاعادة الصلاة في النجاسة وهي شاملة لجميع الثياب. ثم لا يخفى ايضا ان جل الاحكام من عبادات ومعاملات ونحو ذلك انما خرجت في الرجال والسؤالات انما وقعت في الرجال مع انه لا خلاف في دخول النساء ما لم تعلم الخصوصية للرجال في ذلك الحكم، ونحو ذلك مما لا يخفى على المتدبر في الاخبار الواردة في جميع الاحكام، وما ذلك إلا لما ذكرناه من حمل ما ذكر في الاخبار على مجرد التمثيل وتعدية الحكم إلى ما عدا المذكور بطريق تنقيح المناط القطعي وحينئذ فالواجب بمقتضى ما ذكره في هذه المسألة هو الوقوف على موارد النصوص في جميع هذه المواضع التي اشرنا إليها ولا اراه يقوله. و (ثانيا) انه لا يخفى ان الامر بالغسل في الثلاثة المذكورة في كلامه بعد ازالة العين لا يخلو من احد وجهين لا ثالث لهما في البين (احدهما) ان العلة في ذلك هو ملاقاة عين النجاسة بالرطوبة ولا شك في وجود العلة المذكورة في محل النزاع فلا يتخلف عنها معلولها ولا يتوقف على وجود نص ولا اجماع. و (ثانيهما) ان يكون ذلك تعبدا شرعيا لا من حيث النجاسة وهو موجب لحصول الطهارة بمجرد زوال العين، ولا اراه يلتزمه ولا يقول به بل هو خلاف صريح كلامه. و (ثالثا) الصحيحة المذكورة فان ظاهرها عدم حصول الطهارة بالماء من عين النجاسة أو محلها وهو قد اعترف في باقي كلامه بذلك ايضا إلا انه زعم عدم ظهورها في ذلك حيث ارتكب تأويلها بما سيأتي ذكره من التكلفات البعيدة والتعسفات الغير السديدة. قال بعد الكلام الذي نقلناه: قلت لو ابقى حديث ابن بزيع على ظاهره لسقطت هذه المباحث من اصلها لكن المعارض اخرجه عن الظاهر فانتفى احتمال النظر إليه انتهى اقول: الحق ان المسألة بسببه قد بقيت في قالب الاشكال كما صرح به
[ 443 ]
في المدارك ايضا. وعليه اعتمد المحدث الكاشاني في الاستدلال كما قدمنا نقله عنه فذهب إلى القول بالعفو دون الطهارة وقوفا على ظاهر هذا الخبر وجعل التأويل فيما عارضه كما تقدم ذكره، والحق كما ذكرنا ظهور كل من الخبرين فيما دل عليه في البين وبعد التأويلات من الجانبين وبه حصل التوقف في المسألة. و (رابعا) موثقة عمار الاتية عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: " سئل عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس ولكنه قد يبس الموضع القذر ؟ قال لا تصل عليه واعلم موضعه حتى تغسله.. الحديث " وهو ظاهر الدلالة في احتياج الارض بعد زوال العين وجفاف النجاسة إلى الغسل بالماء وبه تبطل دعواه الاختصاص بالثلاثة التي ذكرها كما لا يخفى. واما ما اجاب به في المختلف عن الصحيحة المذكورة من الحمل على التطهير بعد يبس البول حيث انه في هذه الحال لا يطهره إلا الماء لان الشمس انما تكون مطهرة إذا اشرقت عليه رطبا وجففت الرطوبة وإلا فلو جف بدونها فانها لا تكفي في تطهيره بل يجب الماء البتة فهو وان كان بعيدا إلا انه في مقام الاحتمال قريب للجمع بين الاخبار. وقيل في الجواب عنها بان المراد بالماء الذي سئل عن تطهير الشمس بدونه ما يبل به الموضع إذا كان جافا، قالوا إذ ليس في السؤال اشعار بوجوده في المحل حال اشراق الشمس فيحمل على ما إذا جف قبل اشراقها. ولا يخفى ما فيه وان استقربه في الذخيرة. وقيل بان المراد من الماء الرطوبة الحاصلة من النجاساة فكأنه قال هل تطهره إذا كان جافا ؟ فاجابه (عليه السلام) بانكار ذلك. وفيه ما في سابقه. وقيل بكون انكار الطهارة بدون الماء عائدا إلى مجموع ما وقع في السؤال بعد حمل المشابهة في قوله: " وما اشبهه " على المماثلة في اصل النجاسة فيتناول النجاسات التي لها اعيان كالدم وتأثير الشمس فيها انما يتصور بعد ذهاب العين فيرجع حاصل الانكار إلى ان من النجاسات ما له عين وهذا النوع لا سبيل إلى طهارته
(1) المروية في الوسائل في الباب 29 من ابواب النجاسات.
[ 444 ]
بالشمس إلا بتوسط الماء وذلك بجعله مائعا على وجه يمكن تجفيف الشمس له ويذهب بالجفاف عينه وهو ابعد الجميع. وهذه الاحتمالات الثلاثة قد ذكرها في المعالم لاخراج الخبر عن ظاهره بزعمه ولا يخفى انه لو قامت امثال هذه الاحتمالات لانسدت ابواب الاستدلالات. وبالجملة فانه لا يخفى ما في هذه الاجوبة من التكلف نعم ربما اشعرت الرواية المذكورة بعدم التطهير إلا بالماء مطلقا إلا ان ظاهر سياقها انما هو اختصاص الحكم بالمسؤول عنه، وبالجملة فالرواية ظاهرة في عدم التطهير إلا بالماء كما فهمه منها الاصحاب. الرابعة صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن البواري يصيبها البول هل تصلح الصلاة عليها إذا جفت من غير ان تغسل ؟ قال نعم لا بأس ". الخامسة صحيحته الاخرى عن اخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: " سألته عن البواري يبل قصبها بماء قذر أيصلي عليها ؟ قال إذا يبست فلا بأس ". السادسة صحيحة له ثالثة عنه (عليه السلام) (3) " انه سأله عن البيت والدار لا تصيبهما الشمس ويصيبهما البول ويغتسل فيهما من الجنابة أيصلى فيهما إذا جفا ؟ قال نعم ". اقول: وغاية ما تدل عليه هذه الاخبار هو الصلاة على الموضع النجس بعد الجفاف وعدم وجود عين النجاسة اعم من ان يكون الجفاف بالشمس أو بدونها بل ظاهر الثالث منها ان الجفاف انما هو بغير الشمس، وظاهرها جواز السجود على ذلك الموضع مع ان الاصحاب قد اشترطوا في موضع السجود الطهارة، وظاهرهم الاتفاق عليه وان لم اقف له على دليل بل ظاهر هذه الاخبار كما ترى خلافه، وظاهر كلام الراوندي المتقدم ايضا خلاف ذلك إلا ان يتأول كلامه بحمل السجود على الصلاة ولا يخلو من بعد كما لا يخفى على من تأمل العبارة المذكورة. وربما قيل ان اطلاق هذه الاخبار وما
(1) المروية في الوسائل في الباب 29 من النجاسات (2) و (3) المروية في الوسائل في الباب 30 من ابواب النجاسات.
[ 445 ]
تدل عليه من جواز السجود شامل لما لو كانت الجبهة رطبة وهو مشكل إلا على ما سيأتي نقله عن الشيخ في الخلاف من الحكم بالطهارة بتجفيف الريح إلا انه خالف نفسه في ذلك في الكتاب المذكور كما سيأتي نقل كلامه ان شاء الله تعالى، نعم يتجه ذلك على ما تقدم نقله عن صاحب المعالم من حكمه بالطهارة مع الجفاف وزوال العين في غير الثلاثة التي ذكرها. وبالجملة فالظاهر عندي ان هذه الروايات كما عرفت ليست من روايات المسألة في شئ ومع فرض كونها منها بحمل التجفيف على كونه بالشمس فانما هي من القسم الثالث الذي قدمنا ذكره لاجمالها. السابعة ما رواه زرارة وحديد بن حكيم الازدي في الصحيح (1) قال: " قلنا لابي عبد الله (عليه السلام) السطح يصيبه البول أو يبال عليه أيصلي في ذلك الموضع ؟ فقال ان كان تصيبه الشمس والريح وكان جافا فلا بأس إلا ان يتخذ مبالا " وهذه الرواية ايضا من القسم الثالث ولا يمكن الاستدلال بها لشئ من القولين المذكورين في البين، وموردها الارض خاصة. الثامنة ما رواه عمار في الموثق عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سئل عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس ولكنه قد يبس الموضع القذر ؟ قال لا تصل عليه واعلم موضعه حتى تغسله. وعن الشمس هل تطهر الارض ؟ قال إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك فاصابته الشمس ثم يبس الموضع فالصلاة على الموضع جائزة، وان اصابته الشمس ولم ييبس الموضع القذر وكان رطبا فلا تجوز الصلاة عليه حتى ييبس، وان كانت رجلك رطبة أو جبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصل على ذلك الموضع وان كان عين الشمس اصابه حتى ييبس فانه لا يجوز.. الحديث ". وظاهر عجز الخبر بل صريحه الدلالة على عدم حصول التطهير بالشمس إلا ان
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 29 من ابواب النجاسات.
[ 446 ]
جملة من المحدثين نقلوا عن بعض نسخ التهذيب بدل " عين الشمس " بالعين المهملة والنون " غير الشمس " بالغين المعجمة والراء اخيرا وحينئذ يسقط الاستدلال به على بقاء النجاسة، وايضا قد روى الشيخ هذه الرواية بالاسناد المذكور في آخر ابواب الزيادات من التهذيب خالية من قوله: " وان كان غير الشمس اصابه " وعليه ايضا يسقط الاستدلال المذكور على عدم الطهارة. واما قوله: " وعن الشمس هل تطهر الارض إلى قوله فالصلاة على الموضع جائزة " فغايته ان يكون من القسم الثالث لما عرفت من ان مجرد الرخصة في الصلاة عليه مع اليبوسة لا يدل على الطهارة لوقوع ذلك فيما جف بغير الشمس كما عرفت من روايات علي بن جعفر المذكورة، إلا ان هذه الرواية قد تضمنت النهي عن الصلاة على الموضع القذر بعد الجفاف بخلاف ما دلت عليه صحاح علي بن جعفر فبالنظر إلى ما دلت عليه من النهي متى كان الجفاف بغير الشمس وتجويز الصلاة متى كان الجفاف بالشمس يقوى القول بان تجويز الصلاة انما هو من حيث حصول الطهارة بالشمس، إلا انك قد عرفت دلالة صحاح علي بن جعفر الثلاث على جواز الصلاة مع الجفاف مطلقا وهي ارجح من هذه الرواية البتة سيما مع ما علم من احوال روايات عمار. واما ما ذكره جملة من الاصحاب: منهم العلامة في المختلف من ان السؤال في الرواية وقع عن الطهارة فلو لم يكن في الجواب ما يفهم منه السائل الطهارة أو عدمها لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة لكن الجواب الذى وقع لا يناسب النجاسة فدل على الطهارة فظني انه قاصر بل ربما كان بالدلالة على خلاف ما ادعوه اشبه، بان يقال ان عدوله (عليه السلام) عن الجواب الصريح بكونه طاهرا إلى الجواب بجواز الصلاة عليه ربما اشعر بعدم الطهارة وان جازت الصلاة عليه ولا سيما على رواية " عين الشمس " في آخر الخبر الصريح في عدم الطهارة فانه هو الملائم لهذا المعنى. واما دعوى لزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة بناء على ما ذكره فليس كذلك بل اللازم تأخير
[ 447 ]
البيان عن وقت الخطاب ولا مانع منه إذ كون الوقت وقت الحاجة ممنوع. وبالجملة فانه قد وقع التعارض في هذه المسألة بين صحيحة زرارة المتقدمة المعتضدة برواية الحضرمي وكلامه (عليه السلام) في الفقه الرضوي وبين صحيحة ابن بزيع المعتضدة بموثقة عمار على المشهور من روايتها ب " عين الشمس " والتأويل كما عرفت من الجانبين قائم إلا انه بعيد عن ظواهر الاخبار المذكورة، فالمسألة عندي بالنسبة إلى النجاسة والى ما تقع عليه حسبما عليه القول المشهور كما تقدمت الاشارة إليه ذيل الروايات المتقدمة وبالنسبة إلى الطهارة والعفو محل توقف والاحتياط فيها لازم. هذا ولا يخفى عليك ان كلام المحقق في المعتبر هنا لا يخلو من اضطراب، فان مقتضى ما تقدم نقله عنه اختيار قول الراوندي مع انه قال بعد ان نقل عن الشيخ الاحتجاج على الطهارة برواية عمار وصحيحة علي بن جعفر وهي الرابعة ما لفظه: وفي استدلال الشيخ بالروايات اشكال لان غايتها الدلالة على جواز الصلاة عليها ونحن لا نشترط طهارة موضع الصلاة بل نكتفي باشتراط طهارة موضع الجبهة، ويمكن ان يقال الاذن في الصلاة عليها مطلقا دليل جواز السجود عليها والسجود يشترط طهارة محله، ثم قال ويمكن ان يستدل بما رواه أبو بكر الحضرمي وساق الرواية، وبان الشمس من شأنها الاسخان والسخونة تلطف الاجزاء الرطبة وتصعدها فإذا ذهب اثر النجاسة دل على مفارقتها المحل والباقي يسير تحيله الارض إلى الارضية فيطهر لقول الصادق (عليه السلام) (1) " التراب طهور " انتهى. وهذا الكلام منه بعد اختياره لمذهب الراوندي يشعر بالتردد أو العدول إلى ترجيح جانب الطهارة، واظهر من ذلك قوله بعد ذلك بقليل في مسألة تطهير الارض من البول بالقاء الذنوب بعد ان استضعف دليل الشيخ فيها: فإذا تقرر هذا فيماذا تطهر ؟ الوجه ان طهارتها بجريان الماء عليها أو المطر حتى يستهلك النجاسة أو
(1) ورد في حديث محمد بن حمران وجميل بن دراج المروى في الوسائل في الباب 23 و 14 من التيمم " ان الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا ".
[ 448 ]
يزال التراب النجس على اليقين أو تطلع عليه الشمس حتى يجف بها. انتهى.
فروع:
(الاول) المشهور بين الاصحاب القائلين بتطهير الشمس ان الجفاف بغير الشمس لا يثمر طهارة بل قال في المنتهى: لو جف بغير الشمس لم يطهر عندنا قولا واحدا خلافا للحنفية (1) قال في المدارك: ويدل عليه ان المفروض نجاسة المحل بالنص أو الاجماع فيقف زوال النجاسة على ما عده الشارع مطهرا، ثم ايد ذلك بصحيحة محمد بن اسماعيل المتقدمة ورواية عمار وغيرهما. اقول: وعلى هذا النهج كلام غيره من الاصحاب. ونقل عن الشيخ في الخلاف انه قال: الارض إذا اصابتها نجاسة مثل البول وما اشبهه وطلعت عليها الشمس أو هبت عليها الريح حتى زالت عين النجاسة فانها تطهر ويجوز السجود عليها والتيمم بترابها وان لم يطرح عليها الماء. واحتج باجماع الفرقة وقوله تعالى: " فتيمموا صعيدا طيبا " (2) قال: والطيب ما لم تعلم فيه نجاسة ومعلوم زوال النجاسة عن هذه الارض وانما يدعى حكمها وذلك يحتاج إلى دليل. ثم ذكر بعد هذا الكلام في موضع آخر من الكتاب: ان البول إذا اصاب موضعا من الارض فجففته الشمس طهر الموضع وان جف بغير الشمس لم يطهر. حكى ذلك عنه جملة من الاصحاب. منهم العلامة في المنتهى والمختلف، والظاهر ان دعوى العلامة الاجماع في المنتهى على الحكم المذكور مبني على رجوع الشيخ عن الحكم المذكور في كلامه الاول إلى ما ذكره في كلامه الاخير، وتأول في المختلف كلام الشيخ الاول بان مراده بهبوب الرياح المزيلة للاجزاء الملاقية للنجاسة الممازجة لها وليس مراد الشيخ ذهاب الرطوبة عن الاجزاء كذهابها بحرارة الشمس. وصاحب المعالم بناء على ما تفرد به مما قدمنا نقله عنه واوضحنا بطلانه استراح
(1) كما في البحر الرائق لابن نجيم الحنفي ج 1 ص 226 (2) سورة المائدة، الاية 6.
[ 449 ]
إلى كلام الشيخ الاول لموافقته لما توهمه من المقالة المخالفة لما عليه كافة العلماء الاعلام فقال: ولولا مخالفة الشيخ نفسه في الحكم لم يكن بذلك البعيد لما علم من ان الدليل على ثبوت التنجيس في مثله بعد ذهاب العين منحصر في الاجماع والشيخ قد ادعى الاجماع على الطهارة فلا اقل من ان يكون ذلك دليلا على انتفاء الاجماع على النجاسة. وفيه ما عرفت آنفا من دلالة صحيحة ابن بزيع وموثقة عمار على عدم الطهارة إلا بالماء كما اشار إليه في المدارك فيما قدمنا نقله عنه مضافا إلى الوجهين الاخرين اللذين تقدما في رد كلامه.
(الثاني) عد جماعة من المتأخرين في ما تطهره الشمس مما لا ينقل ولا يحول الثمرة على الشجرة، وظاهر العلامة في النهاية اخراجها من ذلك حيث مثل لغير المنقول واخرج الثمرة منه فقال كالنبات والبناء دون الثمرة على الاشجار، قال في المعالم بعد نقل ذلك: وما ذكره الجماعة اولى بالاعتبار وان كان الحاقها بالمنقول إذا صارت في محل القطع اولى. وعد والده (قدس سره) في الروضة في ما تطهره الشمس مما لا ينقل الفواكه الباقية على الاشجار وان حان قطعها. وكأن المستند في ذلك عموم اطلاق رواية الحضرمي وقوله (عليه السلام) فيها: " ما اشرقت عليه الشمس فقد طهر " وهو كذلك وان كان الاحتياط في ما ذكره في المعالم.
(الثالث) لو انتقل كل من المنقول وغير المنقول إلى الحالة الاخرى كان المناط حال الجفاف، فلو هدم الجدار الذى فيه احجار نجسة كان تطهيرها بالماء دون الشمس، ولو طين الجدار أو السطح بطين نجس طهر بالشمس، ونقل الشيخ احمد بن فهد في الموجز عن فخر المحققين هنا قولا غريبا قال: وكان فخر المحققين يرى عموم الحكم في النباتات وان انفصلت كالخشب والالات المتخذة من النباتات، قال ويؤيده قوله في رواية الحضرمي: " ما اشرقت.. الخ " ثم قال لكن التمسك به ضعيف. اقول: يمكن ان يكون مراد فخر المحققين هو انها إذا اتخذت ابوابا أو نحوها مما يكون مثبتا كما يشير إليه لفظ الالات، وقد صرح بنحو ذلك شيخنا الشهيد الثاني في الروضة فعد من جملة
[ 450 ]
ما لا ينقل الابواب المثبتة، وإلا فصدور مثل هذا الكلام من مثل هذا المحقق بعيد جدا.
(الرابع) المفهوم من كلام الاصحاب وهو ظاهر النصوص ايضا ان تطهير الشمس على القول به انما يكون مع بقاء رطوبة النجاسة فلو اشرقت عليه الشمس بعد الجفاف لم تفده طهارة لكن لو بل بماء فاشرقت عليه الشمس وجففته هل يطهر ايضا ام لا ؟ الظاهر من كلام جملة من المتأخرين الاول بل الظاهر انه المشهور بينهم. اقول: يمكن الاستدلال عليه بقوله (عليه السلام) في الفقه الرضوي (1) " ما وقعت عليه الشمس من الاماكن التى اصابها شئ من النجاسات مثل البول وغيره طهرتها " قال في الذخيرة بعد ان ذكر ان المشهور بين المتأخرين الطهارة: ويؤيده خبر زرارة السابق المذكور في الكافي والتهذيب ورواية محمد بن اسماعيل ببعض التأويلات. ويؤيد النجاسة مفهوم خبر زرارة وخبر عمار عند التأمل، والحق انه لا يصلح شئ من ذلك للدلالة فالمسألة محل تردد. انتهى. اقول: التحقيق عندي في هذا المقام هو انه ان قلنا بتخصيص ما تطهره الشمس بنجاسة البول كما هو احد الاقوال فلا دليل على التطهير في الصورة المفروضة لذهاب عين البول وهذه الرطوبة نجاسة اخرى بملاقاة المحل وان قلنا بتطهيرها لما هو اعم كما هو المشهور فلا اشكال في حصول الطهارة، وذلك لانه لا اشكال في انه لو اريق ماء نجس بنجاسة البول أو غيرها على الارض فاشرقت عليه الشمس وجففته فانها تطهره على المشهور، وما نحن فيه من قبيل ذلك فانه متى رشت الارض الجافة المتنجسة بنجاسة البول عادت النجاسة بسبب هذه الرطوبة فتصير من قبيل ما ذكرناه.
(الخامس) قد نص جمع من متأخرى الاصحاب على ان الباطن في ما تطهره الشمس كالظاهر فيطهر إذا جف الجميع بها وكانت النجاسة متصلة كالارض التي دخلت فيها النجاسة، اما مع الانفصال كوجهي الحائط إذا كانت النجاسة فيهما غير خارقة
(1) البحار ج 18 ص 35.
[ 451 ]
فتختص الطهارة بما حصل عليه الاشراق. واستجوده جملة من افاضل متأخري المتأخرين وهو كذلك. وربما لاح من كلام العلامة في المنتهى اختصاص الطهارة بالظاهر حيث انه علل تطهير الشمس بوجه اعتباري فقال بعد الاستدلال بالروايات التي ذكرها ما لفظه: وبان حرارة الشمس تفيد تسخينا وهو يوجب تبخير الاجزاء الرطبة وتصعيدها والباقي تشربه الارض فيكون الظاهر طاهرا. انتهى. والظاهر ضعفه.
(السادس) الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في انه لو كانت النجاسة ذات جرم فانه لا تحصل الطهارة بالشمس ما لم يزل جرم النجاسة، ونقل في المدارك عن ابن الجنيد انه قال لا يطهر الكنيف والمجزرة بالشمس، ثم قال وهو حسن لمخالطة اجزاء النجاسة ترابهما، نعم لو ازيلت تلك الاجزاء وحصل التجفيف بالشمس اتجه مساواتهما لغيرهما. انتهى. وقال في الذكرى: ولا تطهر المجزرة والكنيف بالشمس لبقاء العين غالبا وكذا كل ما تبقى فيه العين. وبالجملة فالظاهر ان الحكم لا خلاف ولا اشكال فيه.
(السابع) لو وضع حصيران نجسان أو باريتان كذلك احدهما على الاخر فالذي يطهر بالشمس هو الاعلى خاصة ظاهره وباطنه لانه هو الذي اشرقت عليه الشمس ولا يطهر الاخر وان جف لان جفافه انما استند إلى حرارة الشمس دون عينها والمعتبر في التطهير اشراق عين الشمس لا مجرد حرارتها. والله العالم.
المسألة الثانية
من المطهرات ايضا الأرض الا ان كلام الاصحاب ايضا في هذا الباب لا يخلو من اختلاف واضطراب فانهم ما بين من خص ما يطهر بها بالخف والنعل والقدم خاصة وبين من لم يذكر القدم وبين من عدى ذلك إلى مثل النعل من خشب كالقبقاب وآخرون إلى كل ما يوطأ به ولو كخشبة الاقطع، وبعض اشترط طهارة الارض وبعض جزم بالعموم، وبعض اشترط جفافها وبعض العدم، وبعض المشي خمسة عشر ذراعا وبعض العدم، اما الاقتصار على الثلاثة الاول فالظاهر انه المشهور بل قال في المدارك انه مقطوع به
[ 452 ]
في كلام الاصحاب مع ان المفيد (قدس سره) في المقنعة قال: وإذا داس الانسان بخفه أو نعله نجاسة ثم مسحها بالتراب طهر بذلك. وهو مشعر باختصاص الحكم بهما ونحوه في كلام سلار ايضا حيث قال في رسالته: ازالة النجاسة على اربعة اضرب احدها ما يمسح على الارض والتراب وهو ما يكون في النعل والخف. ونقل عن العلامة في التحرير انه استشكل الحكم في القدم وعزى في المنتهى القول بمساواته للنعل والخف إلى بعض الاصحاب وقال ان عنده فيه توقفا. وابن الجنيد صرح في كتاب المختصر الاحمدي بالتعميم فقال وإذا وطأ الانسان برجله أو ما هو وقاء لها نجاسة رطبة أو كانت رجله رطبة والنجاسة يابسة أو رطبة فوطأ بعدها نحوا من خمسة عشر ذراعا ارضا طاهرة يابسة طهر ما ماس النجاسة من رجله والوقاء لها ولو غسلها كان احوط، ولو مسحها حتى يذهب عين النجاسة واثرها بغير ماء اجزأ إذا كان ما مسحها به طاهرا. انتهى. وقال ابن فهد في موجزه: الارض تطهر باطن النعل والقدم وكعب العكاز والصندل وكذا حكم الخف والحافر والظلف. وقال في الذكرى بعد ذكر الثلاثة المتقدمة: وحكم الصنادل حكم النعل لانه مما يتنعل به. اقول لم اقف في كلام اهل اللغة على معنى الصندل هنا ولعل المراد به القبقاب المتخذ من الخشب في زماننا. وقال الشهيد الثاني في الروضة: والمراد بالنعل ما يجعل اسفل الرجل للمشي وقاية من الارض ونحوها ولو من خشب وخشبة الاقطع كالنعل. وقال في الروض: ولا فرق بين النعل والخف وغيرهما مما يتنعل به ولو من خشب كالقبقاب، وفي الحاق خشبة الزمن والاقطع بالنعل نظر من الشك في تسميتها نعلا بالنسبة إليه، ولا يلحق بهما اسفل العكاز وكعب الرمح وما شاكل ذلك لعدم اطلاق اسم النعل عليهما حقيقة ولا مجازا. انتهى. وربما ظهر من الشيخ في الخلاف عدم طهارة اسفل الخف بمسحه في الارض حيث قال: إذا اصاب اسفل الخف نجاسة فدلكه في الارض حتى زالت يجوز الصلاة فيه عندنا، ثم قال دليلنا انا قد بينا فيما تقدم ان ما لا
[ 453 ]
تتم الصلاة فيه بانفراده جازت الصلاة فيه وان كانت فيه نجاسة والخف لا تتم الصلاة فيه بانفراده وعليه اجماع الفرقة. اقول: والواجب بسط الاخبار الواردة في المسألة كملا والنظر في ما تدل عليه من الاحكام المذكورة وما لا تدل عليه: ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (1) قال: " قلت لابي جعفر (عليه السلام) رجل وطأ على عذرة فساخت رجله فيها أينقض ذلك وضوءه وهل يجب عليه غسلها ؟ فقال لا يغسلها إلا ان يقذرها ولكنه يمسحها حتى يذهب اثرها ويصلي " وفي الصحيح عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: " جرت السنة في اثر الغائط بثلاثة احجار ان يمسح العجان ولا يغسله ويجوز ان يمسح رجليه ولا يغسلهما " وما رواه ثقة الاسلام في الصحيح عن الاحول عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: " في الرجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف ثم يطأ بعده مكانا نطيفا ؟ قال لا بأس إذا كان خمسة عشر ذراعا أو نحو ذلك ". وعن المعلى بن خنيس (4) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الخنزير يخرج من الماء فيمر على الطريق فيسيل منه الماء امر عليه حافيا ؟ فقال أليس وراءه شئ جاف ؟ قلت بلى: قال لا بأس ان الارض يطهر بعضها بعضا ". وعن محمد الحلبي في الموثق (5) قال: " نزلنا في مكان بيننا وبين المسجد زقاق قذر فدخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) فقال اين نزلتم ؟ فقلت نزلنا في دار فلان فقال ان بينكم وبين المسجد زقاقا قذرا أو قلنا له ان بيننا وبين المسجد زقاقا قذرا فقال لا بأس ان الارض يطهر بعضها بعضا. قلت فالسرقين الرطب اطأ عليه ؟ فقال لا يضرك مثله ". ومنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن فضالة وصفوان بن يحيى عن عبد الله بن
(1) و (2) و (3) و (4) و (5) رواه في الوسائل في الباب 32 من النجاسات.
[ 454 ]
بكير عن حفص بن ابي عيسى (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اني وطأت عذرة بخفي ومسحته حتى لم ار فيه شيئا ما تقول في الصلاة فيه ؟ فقال لا بأس ". وما رواه ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من نوادر احمد بن محمد بن ابي نصر عن المفضل بن عمر عن محمد بن علي الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " قلت له ان طريقي إلى المسجد في زقاق يبال فيه فربما مررت فيه وليس علي حذاء فيلصق برجلي من نداوته ؟ فقال أليس تمشي بعد ذلك في ارض يابسة ؟ قلت بلى. قال فلا بأس ان الارض يطهر بعضها بعضا. قلت فاطأ على الروث الرطب ؟ قال لا بأس انا والله ربما وطأت عليه ثم اصلي ولا اغسله ". وفي الحسن أو الصحيح عن محمد بن مسلم (3) قال: " كنت مع ابي جعفر (عليه السلام) إذ مر على عذرة يابسة فوطأ عليها فاصابت ثوبه فقلت جعلت فداك وطأت على عذرة فاصابت ثوبك ؟ فقال أليست هي يابسة ؟ فقلت بلى. قال لا بأس ان الارض يطهر بعضها بعضا ". هذا ما وقفت عليه من روايات المسألة وتحقيق الكلام فيها يقع في مواضع:
(الاول) لا يخفى ان صحيحة زرارة الاولى ومثلها رواية المعلى بن خنيس وكذا رواية الحلبي المنقولة في السرائر قد تضمنت باطن القدم وصرحت بانه مما يطهر بالارض، وبذلك يظهر ما في كلام العلامة ودعواه الاشكال في موضع والتوقف في آخر مع دلالة الاخبار كما ترى عليه، ورواية حفص بن ابي عيسى قد تضمنت الخف وهي مستند الاصحاب فيما تقدم نقله عنهم من عد الخف في ما يطهر بالارض، واما ما طعن به في الذخيرة تبعا لصاحب المعالم على دلالتها من انه يكفي في جواز الصلاة في الخف كونه مما لا تتم الصلاة فيه ولا يقتضي ذلك طهارته وان كان الاصحاب اوردوها في الاحتجاج فالظاهر بعده وذلك فان ظاهر كلام السائل ان سؤاله انما هو عن الطهارة
(1) و (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 32 من النجاسات
[ 455 ]
بالمسح وعدمها وسؤاله عن الصلاة فيه اما بناء منه على عدم علمه بالعفو عن نجاسة ما لا تتم الصلاة فيه أو المراد الصلاة الكاملة الواقعة في الطاهر، وعلى هذا فيجب في الجواب ان يكون مطابقا للسؤال وحينئذ يكون نفي البأس كناية عن الطهارة وإلا فلو كان عالما بجواز الصلاة فيما لا تتم فيه ولم يحمل سؤاله على الصلاة الكاملة فانه لا معنى للسؤال عن الصلاة فيه بل لا معنى لاصل سؤاله بالكلية كما لا يخفى وعلى هذا بنى الاستدلال بالخبر، ولعل ما تقدم نقله عن الشيخ في الخلاف مبني على ما ذكره هذان الفاضلان، إلا ان اطلاق صحيحة الاحول وموثقة الحلبي ايضا يرده لدلالتهما على ما يوطأ به، والظاهر انه إلى اطلاق هذين الخبرين استند من عمم الحكم في كل ما يوطأ به من خف أو نعل ولو من خشب ومثل خشبة الاقطع، إلا ان مقتضى ما قرروه في غير مقام من ان الاحكام المودعة في الاخبار انما تنصرف إلى الافراد الشائعة المتكثرة دون الفروض النادرة بعد الحكم في مثل خشبة الاقطع وابعد منه ما ذكره بعضهم من اسفل العكاز وكعب الرمح وشيخنا الشهيد الثاني في الروض انما تنظر في خشبة الاقطع من حيث عدم صدق النعل عليها. وفيه انه وان لم يصدق عليها النعل إلا انها مما يوطأ به فتدخل تحت اطلاق صحيحة الاحول وانما يمكن المناقشة فيها من الجهة التي ذكرناها إلا انه ربما امكن ايضا شمول الحكم لها من حيث قوله (عليه السلام) في جملة من الاخبار المتقدمة: " ان الارض يطهر بعضها بعضا " بل ربما استفيد منه تطهير اسفل العصا والرمح إلا ان يجعل التعليل مقصورا على ما علل به من الافراد الواردة في تلك الاخبار، والاحتياط لا يخفى. والذي تلخص مما ذكرناه انه يستفاد من الاخبار المذكورة طهارة القدم والخف والنعل وكل ما يوطأ به مما يكون متعارفا اكثريا وفي الحاق ما عدا ذلك اشكال احوطه العدم. وصاحب المعالم لما كان اعتماده انما هو على صحاح الاخبار دون ضعيفها خرج لعموم الحكم فيما عدا القدم الذي هو مورد صحيحة زرارة وجها لا يخفى على الناظر ما فيه، قال بعد ذكر اخبار المسألة: وهذه الاخبار وان لم تكن نقية الاسانيد فانها
[ 456 ]
معتضدة بالحديث الاول الصحيح. وكونه مختصا بالقدم غير ضائر فان ثبوت الحكم فيه يقتضى ثبوته في غيره بطريق اولى، ألا ترى ان الخف والنعل لا توقف لاحد من الاصحاب في حكمهما على ما يظهر وقد حصل في القدم نوع توقف. انتهى. وفيه نظر لمنع الاولوية التي ذكرها بالنظر إلى الاخبار، واما ما استند إليه في ثبوتها من الخلاف بين الاصحاب في القدم والاتفاق على الخف والنعل ففيه (اولا) ان من خالف في القدم فهو غالط لمخالفته للاخبار المذكورة فلا يعتبر بخلافه على ان الخلاف ايضا في الخف حاصل كما تقدم في عبارة الشيخ في الخلاف. و (ثانيا) ان الكلام بالنظر إلى الاخبار لا بالنظر إلى كلام الاصحاب وليس في الاخبار ما يشير إلى اولوية الخف والنعل في هذا الحكم على القدم ان لم يكن الامر بالعكس، وبالجملة فالظاهر ان الذي الجأة إلى هذا الكلام عدم جرأته على الخروج عن ما عليه كافة الاصحاب في هذا الباب. والله العالم.
(الثاني) الظاهر انه لا فرق في حصول التطهير بين كونه بالمشى أو المسح والدلك، وعلى الاكتفاء بالمسح تدل صحيحة زرارة الاولى وكذا الثانية الواردة في الاستجمار ورواية حفص بن ابي عيسى، وبذلك صرح المفيد في عبارته المتقدمة وكذا آخر عبارة ابن الجنيد، وحينئذ فما نقله الاصحاب عن ابن الجنيد من انه يشترط المشي خمسة عشر ذراعا ونحوها وكذلك ما دلت عليه صحيحة الاحول محمول على مقدار المشي الذي تزول به النجاسة غالبا وفي قوله في الخبر " أو نحو ذلك " ايماء إليه. ولا اشكال ايضا ان هذا مراد ابن الجنيد لتصريحه في آخر عبارته بالاكتفاء بالمسح كما عرفت.
(الثالث) قد اختلف الاصحاب في طهارة الارض فقيل بالاشتراط وبه صرح الشهيد في الذكرى وهو صريح عبارة ابن الجنيد المتقدمة، وذهب جماعة من الاصحاب: منهم الشهيد الثاني إلى عدم الاشتراط بل ادعى (قدس سره) ان اطلاق النص والفتوى يقتضي عدم الفرق في الارض بين الطاهرة وغيرها. وهو كما ترى لتصريح من ذكرناه بالطهارة وهو ظاهر فحاوي جملة من عبائرهم ايضا نعم النصوص
[ 457 ]
مطلقة في ذلك إلا ان صحيحة الاحول مصرحة باشتراط ذلك حيث انه لما سأله عن الرجل الذي يطأ الموضع الذي ليس بنظيف ثم يطأ بعده مكانا نظيفا قال: " لا بأس إذا كان ذلك المكان النظيف قدر خمسة عشر ذراعا " ففيه اشعار بان نفي البأس مخصوص بما إذا كان نظيفا بالمقدار المذكور.
اقول: والاظهر عندي الاستدلال على ذلك بقوله (صلى الله عليه وآله) في ما روى عنه بعدة طرق فيها الصحيح وغيره (1) " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا " وهو باطلاقه شامل لما نحن فيه فان الطهور لغة بمعنى الطاهر المطهر كما تقدم تحقيقه في صدر الباب الاول وهو اعم من ان يكون مطهرا من الحدث والخبث، والعجب من اصحابنا (رضوان الله عليهم) حيث انهم في المقام ناقشوا في اشتراط طهارة الارض ولم يلم احد منهم ممن قال بالطهارة بهذا الحديث وانما استدلوا بان النجس لا يفيد غيره تطهيرا، وفي بحث التيمم لم يذكروا دليلا على طهارة التراب سوى الاجماع، وبعض متأخري المتأخرين نقل الخبر المذكور دليلا وتنظر في الاستدلال به، وليت شعري اي معنى لهذا الخبر واين مصداقه الذي افتخر به (صلى الله عليه وآله) وذكر انه اختص به ؟ إذ لا يخفى انه لم يرد في الشرع موضع تصير فيه الارض مطهرة غير هذين الموضعين وثالثهما اناء الولوغ ولم يذكروا ايضا هذا الخبر فيه ورابعها احجار الاستجمار، وحينئذ فإذا لم تدخل هذه المواضع في مصداق الخبر ولم يجعل دليلا عليها فلا مصداق له بالكلية فكيف يقول (صلى الله عليه وآله) " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا " ؟ وليس المراد الاختصاص به حتى انه يكون ذلك من خصوصياته بل المراد انما هو له ولامته، وفي اي موضع يوجد مصداقه إذا لم تدخل هذه الاشياء فيه ؟ ما هذه الاغفلة ظاهرة تبع فيها المتأخر المتقدم، ويزيد ذلك ما في دعائم الاسلام (2) حيث قال: " قالوا (عليهم السلام)
(1) رواه في الوسائل في الباب 7 من التيمم. (2) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 25 من النجاسات.
[ 458 ]
في المتطهر إذا مشى على ارض نجسة ثم على طاهرة طهرت قدميه " انتهى.
(الرابع) ظاهر رواية المعلى بن خنيس ورواية الحلبي المنقولة من السرائر اشتراط جفاف الارض التي يمشي عليها، وبذلك صرح ابن الجنيد في عبارته المتقدمة، واليه ذهب جماعة من متأخري الاصحاب كما ذكره في المعالم، ونفاه العلامة في النهاية فقال: لا فرق بين الدلك بارض رطبة أو يابسة إذا عرف زوال العين اما لو وطأ وحلا فالاقرب عدم الطهارة. واقتفاه شيخنا الشهيد في الروضة والروض وذكر ان الرطوبة اليسيرة التي لا يحصل منها تعد غير قادحة على القولين. وفي المعالم جعله الاحوط، وفي المدارك نفى عنه البأس. والاظهر عندي هو القول الاول لظاهر الخبرين المتقدمين ولا معارض لهما إلا اطلاق غيرهما من الاخبار فيجب تقييده بهما كما هو القاعدة.
(الخامس) ربما اشعرت صحيحة زرارة الاولى من حيث اطلاق المسح فيها بالاكتفاء بالمسح ولو بخشب أو نحوه، وهو منقول في كلام الاصحاب عن ابن الجنيد، وهو ظاهر اطلاق عبارته المتقدمة، إلا ان الظاهر حمل اطلاق الرواية المذكورة على ما هو المعهود الغالب حال المشي من كون المسح بالارض وهو الذي ينصرف إليه الاطلاق، وعلى ذلك ايضا يمكن حمل عبارة ابن الجنيد خصوصا مع تصريحه في صدرها بالارض، ويؤكده انه هو المعروف بين الاصحاب من غير خلاف يعرف، وكأنه لما ذكرنا استشكل العلامة في النهاية فقال لو دلك النعل والقدم بالاجسام الصلبة كالخشب أو مشى عليها فاشكال. وبالجملة فالظاهر الوقوف على ما عليه الاصحاب (رضوان الله عليهم).
(السادس) ما تكرر في الاخبار من قولهم (عليهم السلام): " الارض يطهر بعضها بعضا " يحتمل ان يكون المراد به وهو الاقرب ان بعضها يطهر ما ينجس ببعض وانما اسنده إلى البعض مجازا كما يقال الماء مطهر للبول اي لنجاسة البول، فالمطهر بصيغة اسم المفعول في الحقيقة ما ينجس بالبعض لانفس البعض، ويحتمل ان يكون بعضها وهو المماس لاسفل النعل والقدم الطاهر منها يطهر بعضا وهو النعل والقدم فالبعض
[ 459 ]
الثاني عبارة عن المطهر بها، وعلى الوجه الاول يكون التطهير مخصوصا بالنجاسة التي من الارض النجسة، وقال شيخنا البهاتي في الحبل المتين. لعل المراد بالارض ما يشمل نفس الارض وما عليها من القدم والنعل والخف. انتهى. والظاهر انه ناظر إلى الاحتمال الثاني. وقيل الوجه في هذا التطهير انتقال النجاسة بالوطئ عليها من موضع إلى آخر مرة بعد اخرى حتى تستحيل ولا يبقى منها شئ. والله العالم.
المسألة الثالثة
المشهور ان النار تطهر ما احالته رمادا أو دخانا وتردد فيه المحقق في كتاب الاطعمة والاشربة من الشرائع فقال: ودواخن الاعيان النجسة عندنا طاهرة وكذا ما احالته النار فصيرته رمادا أو دخانا على تردد. ونقل عن الشيخ في المبسوط انه حكم بنجاسة الدخان النجس معللا له بانه لابد من ان يتصاعد من اجزائه قبل احالة النار لها شئ بواسطة السخونة. ورده جملة من الاصحاب بمنع تصاعد اجزاء الدهن بدون الاستحالة. وهو جيد مع انه في الخلاف ادعى الاجماع على طهارة الاعيان النجسة بصيرورتها رمادا. وقد احتج في الخلاف على ما ذكر من الحكم بالطهارة بالاستحالة رمادا بالاجماع وبصحيحة الحسن بن محبوب (1) " انه سأل ابا الحسن (عليه السلام) عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ويجصص به المسجد أيسجد عليه ؟ فكتب إليه بخطه: ان الماء والنار قد طهراه ". وظاهر المحقق في المعتبر هنا المنازعة في هذا الاستدلال والتوقف في الحكم حيث قال: وفي احتجاج الشيخ اشكال، اما الاجماع فهو اعرف به ونحن لا نعلمه هنا، واما الرواية فمن المعلوم ان الماء الذي يمازج الجص هو ما يحل به وذلك لا يطهر اجماعا والنار لم تصيره رمادا وقد اشترط صيرورة النجاسة رمادا وصيرورة العظام والعذرة رمادا بعد الحكم بنجاسة الجص غير مؤثر طهارته. قال ويمكن ان يستدل باجماع الناس
(1) المروية في الوسائل في الباب 81 من النجاسات و 10 من ما يسجد عليه.
[ 460 ]
على عدم التوقي من دواخن السراجين النجسة فلو لم يكن طاهرا بالاستحالة لتورعوا منه. انتهى. واقتفى اثره العلامة في المنتهى في الكلام على الخبر المذكور كما هي عادته غالبا فقال: ان في الاستدلال به اشكالا من وجهين:
(احدهما) ان الماء الممازج هو الذي يحل به وذلك غير مطهر اجماعا.
و (الثاني) انه حكم بنجاسة الجص ثم بتطهيره قال وفي نجاسته بدخان الاعيان النجسة اشكال. انتهى. اقول: اما ما ذكره المحقق من المنازعة للشيخ في الاجماع فهو بمحل من النظر لموافقته له في اجماعاته التي يدعيها بل استدلاله بها في غير موضع كما لا يخفى على من تأمل كتابه، والحكم المذكور هنا لم يظهر فيه مخالف قبله حتى يكون موجبا للطعن في اجماعه وقد قرروا في اصولهم ان الاجماع المنقول بخبر الواحد حجة. واما ما ذكره بعد الطعن في دليلي الشيخ من الاستدلال على الطهارة باجماع الناس على ما ذكره فهو اوهن من بيت العنكبوت وانه لاوهن البيوت فان بناء الاحكام الشرعية على مثل هذه التخريجات الوهمية مجازفة ظاهرة. واما ما ذكره من الكلام على الاستدلال بالرواية فليس في محله فانه وكذا العلامة بعده لم يمعنا النظر في تحقيق المعنى المراد منها، وذلك فان الظاهر ان المراد منها والله سبحانه اعلم هو ان المستفاد من ظاهر السؤال هو ان العذرة تحرق على الجص ويختلط رمادها به وغرض السائل معرفة حالها بعد الاحراق وانها هل تبقى على النجاسة فيلزم تنجيس الجص بها لملاقاته لها بالرطوبة بالمزج بالماء وقت البناء ام لا ؟ فخرج الجواب عنه (عليه السلام) بانها تطهر بالاحراق والاستحالة رمادا فليس على الجص منها بأس، وهو معنى واضح ودليل مفصح لا غبار عليه. وهذا المعنى وان لم يفصح به لفظ الخبر إلا انه هو المرجع من سياقه كما ستعرف، ويؤيده ما رواه في قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: " سألته عن الجص يطبخ بالعذرة أيصلح ان يجصص به
(1) رواه في الوسائل في الباب 65 من احكام المساجد
[ 461 ]
المسجد ؟ قال لا بأس " لا ان المعنى فيها ما توهماه (قدس سرهما) من نجاسة الجص وانه لا يطهر بالنار لعدم الاستحالة وهو قد حكم بان تطهير النار انما هو بالاستحالة ولا بالماء الممازج له فانه لا يطهره اجماعا، وبالجملة فما ذكرناه معنى ظاهر الاستقامة. والى ما ذكرنا اشار السيد السند في المدارك فقال: ويمكن ان يستدل على الطهارة ايضا بما رواه الشيخ في الصحيح عن الحسن بن محبوب ثم ساق الرواية ثم قال: وجه الدلالة ان الجص يختلط بالرماد والدخان الحاصل من تلك الاعيان النجسة ولولا كونه طاهرا لما ساغ تجصيص المسجد به والسجود عليه والماء غير مؤثر في التطهير اجماعا كما نقله في المعتبر فتعين استناده إلى النار، وعلى هذا فيكون اسناد التطهير إلى النار حقيقة والى الماء مجازا أو يراد به فيهما المعنى المجازي. وتكون الطهارة الشرعية مستفادة مما علم من الجواب ضمنا من جواز تجصيص المسجد به ولا محذور فيه. انتهى. اقول: الظاهر انما هو المعنى الاول لان مطابقة الجواب للسؤال تقتضي حصول الطهارة ولا مطهر هنا حقيقة إلا النار كما عرفت فذكره (عليه السلام) في الجواب ولا ينافيه ضم الماء إلى ذلك لانه يمكن حمل مدخليته في التطهير هنا على ان يكون من قبيل رش الماء على الثوب أو المكان المظنون النجاسة استحبابا، وبالجملة فالغرض من الخبر بيان انه قد ورد على ذلك الجص مطهران شرعيان الماء والنار وان كان احدهما حقيقة والاخر مجازا، فلا يبقى توقف في طهارته ولا يرد السؤال بان النار إذا طهرته اولا فلا معنى لتطهيره بالماء إذ لا يلزم من ورود المطهر الثاني تأثيره في الطهارة كما عرفت بل يكفي حصول المعنى المجازي. هذا، ولا يخفى عليك ان العلة الحقيقية في الطهارة انما هي الاستحالة سواء كانت بالنار أو بغيرها لان الاحكام الشرعية تابعة لصدق الاسم فمتى انتقل الشئ عن حالته الاولى وحقيقته السابقة إلى حقيقة اخرى وسمي باسم ما صدق عليه افراد الحقيقة الثانية انتقل الحكم ايضا عما كان عليه اولا إلى حكم آخر ويخرج الخبر المذكور شاهدا على
[ 462 ]
ذلك، وبذلك صرح جملة من الاصحاب ايضا قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض. وليست الاستحالة مختصة بالنار بل هي مطهرة بنفسها ومن ثم طهرت النطفة والعلقة بصيرورتهما حيوانا والعذرة والميتة إذا صارا ترابا. وقال سبطه في المدارك في هذه المسألة: والمعتمد الطهارة لانها الاصل في الاشياء، ولان الحكم بالنجاسة معلق على الاسم فيزول بزواله. انتهى. وهو جيد. ونحن انما ذكرنا النار في عداد المطهرات مع ما سيأتي ان شاء الله تعالى من عد الاستحالة جريا على كلامهم (رضوان الله عليهم) وبذلك يظهر انه لا فرق بين الرماد والدخان في الحكم المذكور سيما مع دلالة ظاهر الخبر المذكور على ذلك، لانه لا ريب ان الجص كما اختلط بتراب العذرة والعظام فقد لاقاه دخانها ايضا فلو لم يكن طاهرا لامتنع تجصيص المسجد به وجواز السجود عليه، هذا خلف، وبذلك يظهر انه لا وجه لما ذكره الشيخ في المبسوط من حكمه بنجاسة دخان الدهن النجس ولا لتردد المحقق في الرماد والدهن في كتاب الاطعمة. قال في المعالم بعد البحث في المسألة: إذا عرفت هذا فاعلم ان مورد الحديث كما علمت هو استحالة عين النجاسة وقد وقع في كلام اكثر الاصحاب فرض المسألة كما في النص، وعمم وبعضهم الحكم على وجه يتناول المتنجس ايضا نظرا إلى ان ثبوت ذلك في اعيان النجاسات يقتضي ثبوته في المتنجس بها بطريق اولى، وهو جيد ويؤيده ملاحظة ما قررناه في تطهير الشمس من كون دليل التنجيس في امثال ذلك غالبا هو الاجماع وانتفاؤه بعد الاستحالة معلوم. انتهى. وظاهره ان ثبوت الطهارة في المسألة المذكورة بالنسبة إلى عين النجاسة بعد الاستحالة انما هو بالاجماع مضافا إلى النص المذكور واما في المتنجس فليس إلا طريق الاولوية المؤيدة بعدم الاجماع كما ذكره. وفيه نظر بل الحق في الموضعين هو ما قدمنا ذكره من تبعية الاحكام للتسمية التابعة للحقيقة التي عليها ذلك الشئ، وسيأتي في المسألة الاتية ان شاء الله تعالى مزيد ايضاح لذلك. نعم هنا مواضع قد وقع الخلاف في طهارتها بالنار مع عدم الاستحالة أو الشك فيها
[ 463 ]
(الاول) الفحم قال في المعالم: الحق بعض المتأخرين بالرماد الفحم محتجا بزوال الصورة فيه والاسم، وتوقف والدي (قدس سره) في ذلك، وكلام المتقدمين خال من التعرض له، والتوقف في محله ان كانت استحالته عن عين نجاسة اما إذا كان مستحيلا عن متنجس كالحطب النجس فليس بالبعيد طهارته نظرا إلى ما قلناه في استحالة هذا النوع رمادا. انتهى. وهو جيد إلا ان في الفرق بين عين النجاسة والمتنجس خفاء فانه ان حصلت الاستحالة والخروج عن الحقيقة الاولى والاسم التابع لها إلى حقيقة اخرى يتبعها اسم آخر فالظاهر الطهارة كما قدمناه في الموضعين وإلا فلا.
(الثاني) الطين النجس إذا طبخ بالنار حتى صار خزفا أو آجرا، فذهب الشيخ في الخلاف والعلامة في النهاية وموضع من المنتهى والشهيد في البيان والمحقق الشيخ حسن في المعالم إلى القول بالطهارة، وجزم جمع من المتأخرين: منهم الشهيد الثاني بالعدم، وتوقف المحقق في المعتبر والعلامة في موضع آخر من المنتهى والسيد السند في المدارك استدل الشيخ في الخلاف بالاجماع وصحيحة الحسن بن محبوب المتقدمة، واحتج في المعالم على ذلك فقال: لنا اصالة الطهارة بالتقريب السابق في تطهير الشمس وملاحظة كون مدرك الحكم بالتنجيس في مثله بعد ذهاب العين هو الاجماع لا ريب في التفائه بعد الطبخ، كيف وقد احتج الشيخ للطهارة باجماع الفرقة فلا اقل من دلالته على نفي الاجماع على ثبوت التنجيس حينئذ وقد علم ان الاستصحاب في ما مدركه الاجماع مطرح وإذا لم يكن على الحكم بالنجاسة فيما بعد الطبخ دليل فالاصل يقتضي براءة الذمة من التكليف باجتنابه أو تطهيره أو تطهير ما يلاقيه برطوبة لاجل فعل مشروط بالطهارة. انتهى. اقول: اما ما استدل به الشيخ هنا على الطهارة فانا لا نعرفه وهو اعرف به، اما اجماعاته المدعاة في هذا الموضع وغيره فلا يخفى على العارف الخائض في الفن ما فيها، واما الرواية فلا دليل فيها على ما يدعيه بالكلية كما تقدم بيانه إذ لا اشعار فيها بنجاسة الجص قبل الحرق حتى انه بالحرق صار طاهرا ويصير الحكم في الخزف مثله.
[ 464 ]
واما ما ذكره في المدارك بعد نقل احتجاج الشيخ (قدس سره) حيث قال: وفيه اشكال منشأه الشك في تحقق الاستحالة وان كان القول بالطهارة محتملا لعدم تيقن استمرار حكم النجاسة ففيه ان ما ذكره من الاشكال باعتبار الشك في تحقق الاستحالة كما تقدم منه ايضا في باب التيمم في محله، واما ما ذكره من ان القول بالطهارة محتمل لعدم تيقن استمرار حكم النجاسة فكلام مزيف لا يخفى ما فيه على المتأمل بعين التحقيق فانه متى ثبتت النجاسة وحكم بها استمر الحكم بها حتى يثبت الرافع الشرعي والمطهر الشرعي وليس هنا إلا الاستحالة وهو لا يقول بها بل جعلها موضع شك، ولو كان مجرد خروج الشئ من حال إلى اخرى يوجب الطهارة لوجب بمقتضى ذلك الحكم بطهارة العجين النجس بخبزه وطهارة الارض بعد الرطوبة باليبوسة بالهواء ونحو ذلك وهو لا يقول به، وقد صرح به في الفرع الاول من فروع مسألة تطهير الشمس في ما لو جف بغير الشمس فقال: ويدل عليه ان نجاسة المحل بالنص فيقف زوال النجاسة على ما عده الشارع مطهرا. انتهى. وهو آت في ما نحن فيه، وبالجملة فان الاستصحاب هنا انما هو من قبيل استصحاب عموم الدليل المتفق على صحته. نعم ما ذكره يأتي في الاستصحاب المصطلح الذي هو محل النزاع بينهم وهو محل ما دل الدليل فيه على حال مخصوصة واريد تعدية الحكم إلى حالة اخرى خالية من النص لا في ما إذا كان الدليل شاملا للحالين. واما ما ذكره في المعالم فهو مبني على ما تفرد به في تطهير الشمس مما نقلناه ثمة عنه وبينا ما فيه وهو اصل متزعزع الاركان وقاعدة منهدمة البنيان بما اوضحنا من الادلة الساطعة البرهان المخالفة لما عليه كافة العلماء الاعيان، وحينئذ فمتى ثبتت النجاسة وجب استصحاب حكمها إلى ان يحصل المطهر الشرعي وليس ثبوت اصل الحكم بالاجماع خاصة كما ادعاه حتى انه بعد الطبخ حيث لا اجماع فمقتضى الاصل الطهارة، وبالجملة فان المعتبر في الحكم بالنجاسة هو ملاقاتها للشئ مع الرطوبة فانه يصير بذلك متنجسا بالاجماع نصا وفتوى وهذا الحكم لا يزول عنه إلا بتطهيره باحد المطهرات المنصوصة،
[ 465 ]
هذا هو مقتضى الاصول الشرعية والقواعد المرعية المتفق عليها بين كافة العلماء قديما وحديثا، وزوال العين لم يجعل مطهرا إلا في حالة مخصوصة متفق عليها نصا وفتوى لا مطلقا كما يدعيه في غير الثلاثة التي قدمها. احتج شيخنا الشهيد الثاني في الروض على ما ذهب إليه من النجاسة بعدم خروج الخزف عن مسمى الارض كما لم يخرج الحجر عن مسماها مع انه اقوى تصلبا منه مع تساويهما في العلة وهو عمل الحرارة في ارض اصابتها رطوبة ومن ثم جاز السجود عليهما مع اختصاصه بالارض ونباتها بشرطية. انتهى. واجاب عن ذلك ولده في المعالم فقال: هذا، وعندي ان ادعاء عدم الخروج عن الاسم هنا توهم منشأه النظر إلى الحجر وملاحظة ما ذكر من اشتراكهما في علة الصلابة وكونها في الحجر اقوى، والعرف الذي هو المحكم عند فقدان الحقيقة الشرعية وخفاء اللغوية ينادي بالفرق ويعلن بصدق اسم الارض على الحجر دون الخزف، وقد تنبه لهذا جماعة: منهم المحقق في المعتبر فقال في بحث التيمم: ان الخزف خرج بالطبخ عن اسم الارض فلا يصلح التيمم به، ثم ذكر جوازه في الحجر محتجا بانه ارض اجماعا (لا يقال) هذا مناف لتوقفه في طهارته (لانا نقول) ليس نظره في التوقف إلى عدم الخروج عن الاسم لانه توقف فيما لا ريب في خروجه وقد عرفت كلامه في الرماد وستري كلامه في ما يستحيل بغير النار. انتهى. ومن هنا يظهر ان توقف من توقف في المسألة للشك في الخروج وعدمه في محله. والله العالم. (الثالث) العجين المعجون بماء نجس هل يطهر بخبزه ام لا ؟ المشهور العدم وقال الشيخ في النهاية في باب المياه: فان استعمل شئ من هذه المياه النجسة في عجين يعجن به ويخبز لم يكن بأس باكل ذلك الخبز فان النار قد طهرته. وقال في باب الاطعمة من الكتاب المذكور: وإذا نجس الماء بحصول شئ من النجاسات فيه ثم عجن به وخبز لم يجز اكل ذلك الخبز وقد رويت رخصة في جواز اكله وذلك ان النار قد طهرته
[ 466 ]
والاحوط ما قدمناه. واختلف كلامه ايضا في كتابي الحديث فافتى في الاستبصار بالطهارة وفي التهذيب بعدمها. واحتج في المعالم بعد اختياره القول المشهور من عدم الطهارة فقال: لنا اصالة النجاسة إذ المفروض كون الماء نجسا والنار لا تخرج من العجين المخبوز جميع الماء وانما تجفف بعض رطوبته فيفتقر الحكم بطهارة باقي الرطوبة إلى الدليل (لا يقال) يلزم على هذا طهر الاجزاء التي تجففها النار من رطوبة الماء رأسا لزوال المقتضي لاستصحاب النجاسة حينئذ (لانا نقول) مدار غالب احكام النجاسات على الاجماع ومن البين ان الخلاف هنا منحصر في القول بالبقاء على النجاسة مطلقا والقول بطهارته إذا صار خبزا مطلقا والتمسك باستصحاب النجاسة ينفي القول الثاني، واما احتمال الطهارة إذا صار خبزا يابسا فانما ينفيه فرض انحصار الخلاف في القولين إذ لا مساغ لاحداث الثالث على ما يقتضيه اصول الاصحاب، وقد بينا هذا في مبحث الاجماع من مقدمة الكتاب. انتهى. اقول: لا يخفى ان ما ذكره في صدر كلامه جيد وبه استدل جملة من الاصحاب إلا انه في سؤالاته لنفسه واجوبته قد ناقض نفسه في ما تقدم نقله عنه في تطهير الشمس فانه قد قال ثمة بعد ان ذكر انحصار وجوب التطهير بعد زوال العين في الثوب والبدن والآنية دون غيرها ما لفظه: (فان قلت) كأن الاتفاق واقع على ان للنجاسات المعلومة اثرا في كل ما تلاقيه برطوبة مستمرا إلى ان يحصل المطهر الشرعي فيفتقر كل نوع من انواع المطهرات إلى دليل يثبته (قلت) هذا كلام ظاهري يقع في خاطر العاجز عن استنباط بواطن الادلة ويلتفت إليه القانع بالمجمل عن التفاصيل وما قررناه امر وراء ذلك، وبالجملة فالذي يقتضيه التحقيق انه لا معنى لكون الشئ نجسا إلا دلالة الدليل الشرعي على التكليف باجتنابه في فعل مشروط بالطهارة أو ازالة عينه أو اثره لاجله وان ما لا دليل فيه على احد الامرين فهو على اصل الطهارة بمعنى اصالة براءة الذمة من التكليف فيه باحدهما.. إلى آخر ما تقدم.
[ 467 ]
اقول: لا ريب في دخول الخبز اليابس بالنار أو الهواء في ما ذكره من الافراد التي يجب بمقتضى تحقيقه الحكم فيه بالطهارة كالارض التي تجف بغير الشمس، وتوقفه هنا على وجود القائل به يدفعه قوله بما ذهب إليه من هذا القول الذي تفرد به فان عامة الاصحاب قديما وحديثا كما لا يخفى على من راجع كتبهم وكلامهم على ان النجاسات متى اثرت في شئ بملاقاتها له برطوبة وجب استصحاب ذلك إلى وجود المطهر الشرعي وهو قد ذهب إلى طهارته بمجرد زوال العين في غير الثوب والبدن والانية، فاللازم هنا هو طهارة الخبز الذي عجينه نجس باليبس وزوال الماء النجس كيف اتفق كما لا يخفى إذ العلة في الموضعين واحدة والتستر عن ذلك بلزوم احداث قول ثالث في هذا المقام تستر بما هو اوهن من بيت العنكبوت وانه لاوهن البيوت، فان انتشار الخلاف وتكثر الاقوال في المسائل الشرعية بين المتأخرين مما لم يوجد في كلام المتقدمين ولو صحت هذه القاعدة لم يبلغ الامر إلى ذلك، على ان الاصل الذي بنى عليه كما عرفت انما احدثه هو خاصة ولم يقل به احد قبله بل عبائر الاصحاب كلها على خلافه وان سجل عليه بما سجل واكثر بما طول، وبالجملة فظهور المنافاة بين كلاميه مما تقدم في مسألة تطهير الشمس وما ذكره هنا اوضح من ان يحتاج إلى تطويل وان تستر عنه بما لا اعتماد عليه ولا تعويل. وكيف كان فالواجب الرجوع إلى الروايات الواردة في المقام وبيان ما يفهم منها من الاحكام: فمنها ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن ابي عمير عن بعض اصحابه قال وما احسبه إلا حفص بن البختري (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) في العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع به ؟ قال يباع ممن يستحل اكل الميتة ". وفي الصحيح عن ابن ابي عمير ايضا عن بعض اصحابه عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " يدفن ولا يباع ".
(1) و (2) رواه في الوسائل في الباب 11 من ابواب الاسآر.
[ 468 ]
وما رواه ثقة الاسلام والشيخ عن زكريا بن آدم (1) قال: " قلت لابي الحسن (عليه السلام) فخمر أو نبيذ قطر في عجين أو دم ؟ قال فقال فسد. قلت ابيعه من اليهود والنصارى وابين لهم ؟ قال نعم فانهم يستحلون شربه " وبمضمون هذه الرواية افتى في الفقيه من غير اسنادها إلى الامام فقال: " وان قطر خمر أو نبيذ في عجين فقد فسد فلا بأس ببيعه من اليهود والنصارى بعد ان يبين لهم ". وفي الصحيح عن ابن ابي عمير ايضا عن من رواه عن الصادق (عليه السلام) (2) " في عجين عجن وخبز ثم علم ان الماء كان فيه ميتة ؟ قال لا بأس اكلت النار ما فيه ". وعن عبد الله بن الزبير (3) قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن البئر تقع فيها الفأرة أو غيرها من الدواب فتموت فيعجن من مائها أيؤكل ذلك الخبز ؟ قال إذا اصابته النار فلا بأس باكله ". اقول: والظاهر ان مستند الشيخ في ما تقدم نقله عنه من الطهارة بالخبز هو الخبران الاخيران، ورده المتأخرون بعد الطعن بضعف السند بالطعن في الدلالة (اما الاول) فلان الميتة اعم من الطاهرة والنجسة ولا دلالة في الخبر على كونها من ذوات الانفس النجسة بالموت. و (اما الثاني) فهو موقوف على القول بنجاسة البئر والاظهر طهارتها وهذا الخبر من جملة الاخبار الدالة على ذلك، ونفي البأس عن اكله بعد اصابة النار انما هو كناية عن الاستقذار المتوهم مما في الماء كما يشير إليه قوله في الخبر الاول " اكلت النار ما فيه " ومن المحتمل قريبا ان المراد بالماء في رواية ابن ابي عمير الثالثة انما هو ماء البئر. وحينئذ فلا فرق بين كونها نجسة العين أو طاهرة بناء على عدم نجاسة البئر بالملاقاة، وبالجملة فالظاهر هو القول المشهور لاصالة بقاء النجاسة حتى يحصل
(1) رواه في الوسائل في الباب 38 من النجاسات. (2) و (3) رواه في الوسائل في الباب 14 من الماء المطلق.
[ 469 ]
المطهر الشرعي كما عليه جملة الاصحاب في هذا الباب وتخرج الروايات الثلاث المتقدمة شاهدة على ذلك. بقي الكلام هنا في مسألتين:
(احداهما) ان الرواية الاولى تضمنت انه يباع ممن يستحل الميتة والثانية تضمنت انه يدفن ولا يباع. ويمكن الجمع بينهما بحمل النهي عن البيع على البيع على المسلم من غير اعلام وإلا فبيعه على المسلم مع الاعلام لا اشكال في جوازه بل الظاهر انه لا خلاف فيه كالدهن النجس ونحوه فان له منافع محللة.
و (ثانيتهما) ان الرواية الاولى تضمنت انه يباع من اهل الذمة وبه صرح الشيخ في النهاية وهو ظاهر المشهور بين الاصحاب ايضا، ومنع ابن ادريس من ذلك وذهب إلى انه لا يجوز بيعه مطلقا وقال ان الرواية الواردة بذلك متروكة فلا عمل عليها لانها مخالفة لاصول مذهبنا ولان الرسول (صلى الله عليه وآله) قال: " إذا حرم الله شيئا حرم ثمنه " (1) واجاب العلامة في المختلف بعد اختياره مذهب الشيخ عن كلام ابن ادريس بان هذا في الحقيقة ليس بيعا وانما هو استنقاذ مال الكافر من يده برضاه فكان سائغا. انتهى. وهو مؤذن بتوقفه في الحكم بصحة البيع، وبذلك صرح في المنتهى فقال: واما ما تضمنته الرواية من البيع ففيه نظر والاقرب انه لا يباع لرواية ابن ابي عمير فان استدل بما رواه ابن ابي عمير وذكر الرواية الاولى، ثم قال والجواب انها معارضة لما قدمناه ويمكن ان يحمل على البيع على غير اهل الذمة وان لم يكن ذلك بيعا حقيقة. وعندي في ما ذكره ابن ادريس وكذا ما ذكره العلامة في المنتهى نظر
(1) لم يرد هذا الحديث بهذا اللفظ في كتب الاخبار لا من طرق الخاصة ولا من طرق العامة نعم ورد في حديث ابن عباس عنه صلى الله عليه وآله " ان الله إذا حرم على قوم اكل شئ حرم ثمنه عليهم " وقد رواه احمد في المسند ج 1 ص 247 وص 293 والبيهقي في السنن ج 6 ص 13 وابو داود في السنن ج 2 ص 280 وابن الدتيع في تيسير الوصول ج 1 ص 55 والشوكاني في نيل الاوطار ج 5 ص 121.
[ 470 ]
(اما اولا) فلما قدمنا الاشارة إليه من انه عين مملوكة يجوز الانتفاع بها نفعا محللا في علف الحيوان كالدهن النجس للاستصباح وغيره فلا مانع من بيعه، نعم إذا باعه على مسلم فظاهر الاصحاب وجوب اعلامه وان لم اقف فيه على دليل واما بيعه على الكافر المستحل لذلك فلا يتوقف على الاعلام. و (اما ثانيا) فلتظافر الاخبار بذلك ومنها رواية زكريا بن آدم المتقدمة وصحيحة ابن ابي عمير الاولى وحسنة الحلبي أو صحيحته عن الصادق (عليه السلام) (1) " انه سئل عن رجل كانت له غنم وبقر وكان يدرك الذكي منها فيعزله ويعزل الميتة ثم ان الميتة والذكي اختلطا كيف يصنع ؟ قال يبيعه ممن يستحل الميتة ويأكل ثمنه.. " وصحيحته الاخرى ايضا عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: " سمعته يقول إذا اختلط الذكي بالميت باعه ممن يستحل الميتة.. " ومع دلالة هذه الاخبار على الحكم المذكور فلا مجال للتوقف فيه ولا ضرورة إلى ما تكلفه العلامة في المختلف من التأويل. واما ما استند إليه ابن ادريس من الحديث الذي نقله ففيه انه بعد صحته وثبوته فغايته ان يكون مطلقا وهذه الاخبار مع تكاثرها وصحتها خاصة فيجب تقييد اطلاق ذلك الخبر بها كما هو القاعدة المتكررة في كلامهم. بقي ان رواية زكريا ابن آدم تضمنت الاعلام قبل البيع إلا ان ذلك في كلام السائل فلا يتقيد به الحكم المذكور لكن ظاهر عبارة الصدوق المتقدمة تقييد الحكم بذلك في البيع على اهل الذمة واليه يشير كلام العلامة في المنتهى وقوله: " ويمكن ان يحمل على البيع على غير اهل الذمة " ويمكن توجيه ذلك بانهم مع القيام بشرائط الذمة يعاملون معاملة المسلمين فلا يباع عليهم الا مع الاعلام. إلا ان فيه ان رواية زكريا المشتملة على ذلك وهي التي اخذ الصدوق عبارته منها تضمنت انهم يستحلون شربه فاي فائدة تترتب على الاعلام، وبالجملة فالاشكال في عبارة الصدوق لا في الرواية لما عرفت. والله العالم.
(1) و (2) المروية في الوسائل في الباب 36 من الاطعمة المحرمة.
<>